٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكم السادس في الاستئذان اعلم أنه تعالى عدل عما يتصل بالرمي والقذف وما يتعلق بهما من الحكم إلى ما يليق به لأن أهل الإفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة فصارت كأنها طريق التهمة، فأوجب الله تعالى أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، لأن في الدخول لا على هذا الوجه وقوع التهمة، وفي ذلك من المضرة ما لا خفاء به فقال: {يا أيها الذين آمنوا } الخ وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: الاستئناس عبارة عن الأنس الحاصل من جهة المجالسة، قال تعالى: { أية : ولا مستأنسين لحديث } تفسير : [الأحزاب:53]، وإنما يحصل ذلك بعد الدخول والسلام فكان الأولى تقديم السلام على الاستئناس فلم جاء على العكس من ذلك؟ والجواب: عن هذا من وجوه: أحدها: ما يروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير، إنما هو حتى تستأذنوا فأخطأ الكاتب، وفي قراءة أبي: حتى تستأذنوا لكم والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور، وهو الدخول بغير إذن واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب، وفي الحديث « حديث : من سبقت عينه استئذانه فقد دمر ، تفسير : واعلم أن هذا القول من ابن عباس فيه نظر لأنه يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر ويقتضي صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وأنه باطل وثانيها: ما روي عن الحسن البصري أنه قال إن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والمعنى: حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا، وذلك لأن السلام مقدم على الاستئناس، وفي قراءة عبدالله: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، وهذا أيضاً ضعيف لأنه خلاف الظاهر وثالثها: أن تجري الكلام على ظاهره. ثم في تفسير الاستئناس وجوه: الأول: حتى تستأنسوا بالإذن وذلك لأنهم إذا استأذنوا وسلموا أنس أهل البيت، ولو دخلوا بغير إذن لاستوحشوا وشق عليهم الثاني: تفسير الاستئناس بالاستعلام والاستكشاف استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً، والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم. ومنه قولهم استأنس هل ترى أحداً، واستأنست فلم أر أحداً أي تعرفت واستعلمت، فإن قيل وإذا حمل على الأنس ينبغي أن يتقدمه السلام كما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول: « حديث : السلام عليكم أأدخل » تفسير : قلنا المستأذن ربما لا يعلم أن أحداً في المنزل فلا معنى لسلامه والحالة هذه، والأقرب أن يستعلم بالاستئذان هل هناك من يأذن، فإذا أذن ودخل صار مواجهاً له فيسلم عليه والثالث: أن يكون اشتقاق الاستئناس من الإنس وهو أن يتعرف هل ثم إنسان، ولا شك أن هذا مقدم على السلام والرابع: لو سلمنا أن الاستئناس إنما يقع بعد السلام ولكن الواو لا توجب الترتيب، فتقديم الاستئناس على السلام في اللفظ لا يوجب تقديمه عليه في العمل. السؤال الثاني: ما الحكم في إيجاب تقديم الاستئذان؟ والجواب: تلك الحكمة هي التي نبه الله تعالى عليها في قوله: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } فدل بذلك على أن الذي لأجله حرم الدخول إلا على هذا الشرط هو كون البيوت مسكونة، إذ لا يأمن من يهجم عليها بغير استئذان أن يهجم على ما لا يحل له أن ينظر إليه من عورة، أو على ما لا يحب القوم أن يعرفه غيرهم من الأحوال، وهذا من باب العلل المنبه عليها بالنص، ولأنه تصرف في ملك الغير فلا بد وأن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب. السؤال الثالث: كيف يكون الاستئذان؟ الجواب: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أألج؟ فقال عليه الصلاة والسلام لامرأة يقال لها روضة « حديث : قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام عليكم أأدخل تفسير : فسمعها الرجل فقالها، فقال ادخل فدخل وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء وكان يجيب، فقال هل في العلم ما لا تعلمه، فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : لقد آتاني الله خيراً كثيراً وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله تفسير : ، وتلا إن الله عنده علم الساعة إلى آخره» وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته حييتم صباحاً وحييتم مساء، ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصدق الله تعالى عن ذلك وعلم الأحسن والأجمل، وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح، وقال عكرمة هو التسبيح والتكبير ونحوه. السؤال الرابع: كم عدد الاستئذان الجواب: روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : الاستئذان» ثلاث بالأولى يستنصتون، وبالثانية يستصلحون، وبالثالثة يأذنون أو يردون » تفسير : وعن جندب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له فليرجع » تفسير : وعن أبي سعيد الخدري قال: « كنت جالساً في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعاً، فقلنا له ما أفزعك؟ فقال أمرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي فرجعت، فقال ما منعك أن تأتيني؟ فقلت قد جئت فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي. وقد قال عليه الصلاة والسلام: حديث : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع تفسير : فقال لتأتيني على هذا بالبينة، أو لأعاقبنك. فقال أبي لا يقوم معك إلا أصغر القوم، قال فقام أبو سعيد فشهد له » وفي بعض الأخبار أن عمر قال لأبي موسى إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن قتادة الاستئذان ثلاثة: الأولى يسمع الحي، والثاني ليتأهبوا والثالث إن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا ردوا، واعلم أن هذا من محاسن الآداب، لأن في أول مرة ربما منعهم بعض الأشغال من الإذن، وفي المرة الثانية ربما كان هناك ما يمنع أو يقتضي المنع أو يقتضي التساوي، فإذا لم يجب في الثالثة يستدل بعدم الإذن على مانع ثابت، وربما أوجب ذلك كراهة قربه من الباب فلذلك يسن له الرجوع، ولذلك يقول يجب في الاستئذان ثلاثاً، أن لا يكون متصلاً، بل يكون بين كل واحدة والأخرى وقت، فأما قرع الباب بعنف والصياح بصاحب الدار، فذاك حرام لأنه يتضمن الإيذاء والإيحاش، وكفى بقصة بني أسد زاجرة وما نزل فيها من قوله تعالى: { أية : إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء ٱلْحُجُرٰتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } تفسير : [الحجرات: 4]. السؤال الخامس: كيف يقف على الباب الجواب: روي أن أبا سعيد استأذن على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل الباب، فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : لا تستأذن وأنت مستقبل الباب. تفسير : وروي أنه عليه الصلاة والسلام حديث : كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول السلام عليكم، تفسير : وذلك لأن الدور لم يكن عليها حينئذ ستور. السؤال السادس: أن كلمة (حتى) للغاية والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما قبلها فقوله: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ } يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن فما قولكم فيه؟ الجواب: من وجوه: أحدها: أن الله تعالى جعل الغاية الاستئناس لا الاستئذان، والاستئناس لا يحصل إلا إذا حصل الإذن بعد الاستئذان وثانيها: أنا لما علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان أن لا يدخل الإنسان على غيره بغير إذنه فإن ذلك مما يسوءه، وعلمنا أن هذا المقصود لا يحصل إلا بعد حصول الإذن، علمنا أن الاستئذان ما لم يتصل به الإذن وجب أن لا يكون كافياً وثالثها: أن قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ } فحظر الدخول إلا بإذن، فدل على أن الإذن مشروط بإباحة الدخول في الآية الأولى، فإن قيل إذا ثبت أنه لا بد من الإذن فهل يقوم مقامه غيره أم لا؟ قلنا روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : رسول الرجل إلى الرجل إذنه » تفسير : وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن » تفسير : وهذا الخبر يدل على معنيين أحدهما: أن الإذن محذوف من قوله: {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ } وهو المراد منه والثاني: أن الدعاء إذن إذا جاء مع الرسول وأنه لا يحتاج إلى استئذن ثان، وقال بعضهم إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان. السؤال السابع: ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه؟ الجواب: قال الشافعي رحمه الله: لو فقئت عينه فهي هدر، وتمسك بما روى سهل بن سعد قال: «اطلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مدري يحك بها رأسه فقال: حديث : لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك إنما الاستئذان قبل النظر » تفسير : وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه » تفسير : قال أبو بكر الرازي: هذا الخبر يرد لوروده على خلاف قياس الأصول، فإنه لا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامناً وكان عليه القصاص إن كان عامداً والأرش إن كان مخطئاً، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع، فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق، فإن صح فمعناه: من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر، فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي، ثم جاء إنسان ففقأ عينه، فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى: { أية : ٱلْعَيْنِ * بِٱلْعَيْنِ } تفسير : [المائدة: 45] إلى قوله: { أية : وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ } تفسير : [المائدة: 45] واعلم أن التمسك بقوله تعالى: {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ } في هذه المسألة ضعيف، لأنا أجمعنا على أن هذا النص مشروط بما إذا لم تكن العين مستحقة، فإنها لو كانت مستحقة لم يلزم القصاص، فلم قلت: إن من اطلع في دار إنسان لم تكن عينه مستحقة؟ وهذا أول المسألة. أما قوله: إنه لو دخل لم يجز فقء عينه، فكذا إذا نظر قلنا الفرق بين الأمرين ظاهر، لأنه إذا دخل علم القوم دخوله عليهم فاحترزوا عنه وتستروا، فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين بذلك فيطلع منهم على ما لا يجوز الاطلاع عليه، فلا يبعد في حكم الشرع أن يبالغ ههنا في الزجر حسماً لباب هذه المفسدة، وبالجملة فرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا القدر من الكلام غير جائز. السؤال الثامن: لما بينتم أنه لا بد من الإذن فهل يكفي الإذن كيف كان أو لا بد من إذن مخصوص؟ الجواب: ظاهر الآية يقتضي قبول الإذن مطلقاً سواء كان الآذان صبياً أو امرأة أو عبداً أو ذمياً فإنه لا يعتبر في هذا الإذن صفات الشهادة وكذلك قبول أخبار هؤلاء في الهدايا ونحوها. السؤال التاسع: هل يعتبر الاستئذان على المحارم؟ والجواب: نعم، عن عطاء بن يسار: «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أستأذن على أختي؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام حديث : نعم أتحب أن تراها عريانة » تفسير : وسأل رجل حذيفة أستأذن على أختي، فقال إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوؤك، وقال عطاء سألت ابن عباس رضي الله عنهما استأذن على أختي ومن أنفق عليها؟ قال نعم إن الله تعالى يقول: { أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } تفسير : [النور: 59] ولم يفرق بين من كان أجنبياً أو ذا رحم محرم. واعلم أن ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز إلا أنه أيسر لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء. والتحقيق فيه أن المنع من الهجوم على الغير إن كان لأجل أن ذلك الغير ربما كان منكشف الأعضاء فهذا دخل فيه الكل إلا الزوجات وملك اليمين، وإن كان لأجل أنه ربما كان مشتغلاً بأمر يكره إطلاع الغير عليه وجب أن يعم في الكل، حتى لا يكون له أن يدخل على الزوجة والأمة إلا بإذن. السؤال العاشر: إذا عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر فهل يجب الاستئذان؟ الجواب: كل ذلك مستثنى بالدليل فهذا جملة الكلام في الاستئذان، وأما السلام فهو من سنة المسلمين التي أمروا بها، وأمان للقوم وهو تحية أهل الجنة ومجلبة للمودة وناف للحقد والضغينة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح عطس، فقال الحمد لله، فحمد الله بإذن الله، فقال له ربه يرحمك ربك يا آدم اذهب إلى هؤلاء الملائكة، وهم ملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم، فلما فعل ذلك رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية ذريتك » تفسير : وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : حق المسلم على المسلم ست؛ يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، وينصح له بالغيب، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات » تفسير : وعن ابن عمر قال قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: « حديث : إن سركم أن يسل الغل من صدوركم فأفشوا السلام بينكم » تفسير : . أما قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } فالمعنى فيه ظاهر، إذ المراد أن فعل ذلك خير لكم وأولى لكم من الهجوم بغير إذن {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي لكي تتذكروا هذا التأديب فتتمسكوا به، ثم قال: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا } أي في البيوت أحداً {فَلاَ تَدْخُلُوهَا } لأن العلة في الصورتين واحدة وهي جواز أن يكون هناك أحوال مكتومة يكره إطلاع الداخل عليها، ثم قال: {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ } وذلك لأنه كما يكون الدخول قد يكرهه صاحب الدار فكذا الوقوف على الباب قد يكرهه، فلا جرم كان الأولى والأزكى له أن يرجع إزالة للإيحاش والإيذاء، ولما ذكر الله تعالى حكم الدور المسكونة ذكر بعده حكم الدور التي هي غير مسكونة، فقال: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } وذلك لأن المانع من الدخول إلا بإذن زائل عنها واختلف المفسرون في المراد من قوله: {بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } على أقوال: أحدها: وهو قول محمد بن الحنفية أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين والمتاع المنفعة، كالاستكنان من الحر والبرد، وإيواء الرحال والسلع والشراء والبيع، يروى أن أبا بكر قال يا رسول الله إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان وإنا نختلف في تجارتنا فننزل هذه الخانات، أفلا ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت هذه الآية. وثانيها: أنها الخربات يتبرز فيها والمتاع التبرز وثالثها: الأسواق ورابعها: أنها الحمامات، والأولى أن يقال إنه لا يمتنع دخول الجميع تحت الآية فيحمل على الكل، والعلة في ذلك أنها إذا كانت كذلك فهي مأذون بدخولها من جهة العرف، فكذلك نقول إنها لو كانت غير مسكونة ولكنها كانت مغصوبة، فإنه لا يجوز للداخل أن يدخل فيها لكن الظاهر من حال الخانات أنها موضوعة لدخول الداخل. وأما قوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } فهو وعيد للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة.
القرطبي
تفسير : فيه سبع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً} لما خصّص الله سبحانه ابن آدم الذي كرّمه وفضّله بالمنازل وسترهم فيها عن الأبصار، وملّكهم الاستمتاع بها على الانفراد، وحجر على الخلق أن يطلعوا على ما فيها من خارج أو يلجوها من غير إذن أربابها، أدّبهم بما يرجع إلى الستر عليهم لئلا يطلع أحد منهم على عَوْرة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم حلّ لهم أن يفقئوا عينه»تفسير : . وقد اختلف في تأويله؛ فقال بعض العلماء: ليس هذا على ظاهره، فإن فقأ فعليه الضمان، والخبر منسوخ، وكان قبل نزول قوله تعالى: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ} تفسير : [النحل: 126]. ويحتمل أن يكون خارج على وجه الوعيد لا على وجه الحتم، والخبر إذا كان مخالفاً لكتاب الله تعالى لا يجوز العمل به. وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتكلم بالكلام في الظاهر وهو يريد شيئاً آخر؛ كما جاء في الخبر أن عباس بن مِرْداس لما مدحه قال لبلال: «قم فاقطع لسانه» وإنما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئاً، ولم يرد به القطع في الحقيقة. وكذلك هذا يحتمل أن يكون ذكر فَقْء العين والمراد أن يعمل به عمل حتى لا ينظر بعد ذلك في بيت غيره. وقال بعضهم: لا ضمان عليه ولا قصاص؛ وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لحديث أنس، على ما يأتي. الثانية: سبب نزول هذه الآية ما رواه الطبري وغيره عن عَدِيّ بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحِبّ أن يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد فيأتي الأب فيدخل عليّ وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت الآية. فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن؛ فأنزل الله تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} تفسير : [النور: 92]. الثالثة: مدّ الله سبحانه وتعالى التحريم في دخول بيت ليس هو بيتك إلى غاية هي الاستئناس، وهو الاستئذان. قال ابن وهب قال مالك: الاستئناس فيما نرى والله أعلم الاستئذان؛ وكذا في قراءة أبَيّ وابن عباس وسعيد بن جُبير «حَتَّى تَسْتَأذِنُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا». وقيل: إن معنى «تستأنسوا» تستعلموا؛ أي تستعلموا من في البيت. قال مجاهد: بالتنحنح أو بأي وجه أمكن، ويتأنّى قدرَ ما يعلم أنه قد شُعِر به، ويدخل إثْر ذلك. وقال معناه الطبري؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} تفسير : [النساء: 6] أي علمتم. وقال الشاعر:شعر : آنَستْ نَبْأة وأفزعها القَنّـ ـاص عصراً وقد دنا الإمساء تفسير : قلت: وفي سنن ابن ماجه: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان عن واصل بن السائب عن أبي سَوْرة عن أبي أيوب الأنصاريّ قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام، فما الاستئناس؟ قال: «حديث : يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح ويؤذن أهل البيت».تفسير : قلت: وهذا نص في أن الاستئناس غير الاستئذان؛ كما قال مجاهد ومن وافقه. الرابعة: وروي عن ابن عباس وبعض الناس يقول عن سعيد بن جُبير {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} خطأ أو وَهَم من الكاتب، إنما هو «حتى تستأذنوا». وهذا غير صحيح عن ابن عباس وغيره؛ فإن مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ}، وصح الإجماع فيها من لَدُن مدّة عثمان، فهي التي لا يجوز خلافها. وإطلاق الخطأ والوَهَم على الكاتب في لفظ أجمع الصحابة عليه قول لا يصح عن ابن عباس؛ وقد قال عز وجل: {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } تفسير : [فصلت: 24]، وقال تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } تفسير : [الحجر: 9]. وقد روي عن ابن عباس أن في الكلام تقديماً وتأخيراً؛ والمعنى: حتى تسلِّموا على أهلها وتستأنسوا؛ حكاه أبو حاتم. قال ابن عطية: ومما يَنْفِي هذا القول عن ابن عباس وغيره أن «تستأنسوا» متمكنة في المعنى، بيّنةُ الوجه في كلام العرب. وقد قال عمر للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أستأنس يا رسول الله؛ وعمر واقف على باب الغرفة، الحديث المشهور. وذلك يقتضي أنه طلب الأنس به صلى الله عليه وسلم، فكيف يخطّىء ابن عباس أصحاب الرسول في مثل هذا. قلت: قد ذكرنا من حديث أبي أيوب أن الاستئناس إنما يكون قبل السلام، وتكون الآية على بابها لا تقديم فيها ولا تأخير، وأنه إذا دخل سلّم، والله أعلم. الخامسة: السنّة في الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها. قال ابن وهب قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا من عَلم أنه لم يُسمع، فلا أرى بأساً أن يزيد إذا استيقن أنه لم يُسمع. وصورة الاستئذان أن يقول الرجل: السلام عليكم أأدخل؛ فإن أُذِن له دخل، وإن أمر بالرجوع انصرف، وإن سُكت عنه استأذن ثلاثاً؛ ثم ينصرف من بعد الثلاث. وإنما قلنا: إن السنّة الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها لحديث أبي موسى الأشعريّ، الذي استعمله مع عمر بن الخطاب وشهد به لأبي موسى أبو سعيد الخُدريّ، ثم أبيّ بن كعب. وهو حديث مشهور أخرجه الصحيح، وهو نص صريح؛ فإن فيه: فقال ـ يعني عمر ـ ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: أتيتُ فسلّمت على بابك ثلاث مرات فلم ترد عليّ فرجعت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع»تفسير : . وأما ما ذكرناه من صورة الاستئذان فما رواه أبو داود «حديث : عن رِبْعِيّ قال: حدّثنا رجل من بني عامر استأذن على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في بيت، فقال: ألج؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لخادمه: «اخرج إلى هذا فعلّمه الاستئذان ـ فقال له ـ قل السلام عليكم أأدخل»فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبيّ صلى الله عليه وسلم فدخل» تفسير : . وذكره الطبري وقال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَمة له يقال لها «روضة»: «حديث : قولي لهذا يقول السلام عليكم أدخل؟» تفسير : الحديث. وروي أن ابن عمر آذته الرّمضاء يوماً فأتى فسطاطاً لامرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقالت المرأة: ادخل بسلام؛ فأعاد فأعادت، فقال لها: قولي ادخل. فقالت ذلك فدخل؛ فتوقف لما قالت: بسلام؛ لاحتمال اللفظ أن تريد بسلامك لا بشخصك. السادسة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما خُصّ الاستئذان بثلاث لأن الغالب من الكلام إذا كرر ثلاثاً سُمع وفُهم؛ ولذلك كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى يُفهم عنه، وإذا سلّم على قوم سلّم عليهم ثلاثاً. وإذا كان الغالب هذا؛ فإذا لم يؤذن له بعد ثلاث ظهر أن ربّ المنزل لا يريد الإذن، أو لعلّه يمنعه من الجواب عنه عذر لا يمكنه قطعه؛ فينبغي للمستأذن أن ينصرف؛ لأن الزيادة على ذلك قد تقلق رب المنزل، وربما يضره الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشغولاً به؛ كما «حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب حين استأذن عليه فخرج مستعجلاً فقال: «لعلنا أعجلناك...»» تفسير : الحديث. وروى عقيل عن ابن شهاب قال: أما سنة التسليمات الثلاث «حديث : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سعد بن عُبادة فقال: «السلام عليكم» فلم يردّوا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السلام عليكم» فلم يردّوا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما فَقَد سعدٌ تسليمَه عرف أنه قد انصرف؛ فخرج سعد في أثره حتى أدركه، فقال: وعليكم السلام يا رسول الله، إنما أردنا أن نستكثر من تسليمك، وقد والله سمعنا؛ فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سعد حتى دخل بيتهتفسير : . قال ابن شهاب: فإنما أخِذ التسليم ثلاثاً من قِبَل ذلك؛ ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ قال: سمعت يحيـى بن أبي كثير يقول حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرارة «حديث : [عن قيس بن سعد] قال: زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فقال: «السلام عليكم ورحمة الله»قال فردّ سعد ردًّا خفيا، قال قيس: فقلت ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ذره يكثر علينا من السلام... الحديث» تفسير : ، أخرجه أبو داود وليس فيه «قال ابن شهاب فإنما أخذ التسليم ثلاثاً من قبل ذلك». قال أبو داود: ورواه عمر بن عبد الواحد وابن سماعة عن الأوزاعيّ مرسلاً لم يذكرا قيس بن سعد. السابعة: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الاستئذان تَرَك العملَ به الناس. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وذلك لاتخاذ الناس الأبواب وقرعها؛ والله أعلم. روى أبو داود عن عبد الله بن بُسر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول: «السلام عليكم السلام عليكم» وذلك أن الدُّور لم يكن عليها يومئذٍ ستور. الثامنة: فإن كان الباب مردوداً فله أن يقف حيث شاء منه ويستأذن، وإن شاء دقّ الباب؛ لما رواه أبو موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حائط بالمدينة على قُفّ البئر فمد رجليه في البئر فدق الباب أبو بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اِيذن له وبشره بالجنة». هكذا رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد وتابعه صالح بن كَيْسان ويونس بن يزيد؛ فرووه جميعاً عن أبي الزناد عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن نافع عن أبي موسى. وخالفهم محمد بن عمرو الليثي فرواه عن أبي الزناد عن أبي سلمة عن نافع بن عبد الحارث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم كذلك؛ وإسناده الأوّل أصح، والله أعلم. التاسعة: وصفة الدق أن يكون خفيفاً بحيث يسمع، ولا يعنُف في ذلك؛ فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت أبواب النبيّ صلى الله عليه وسلم تقرع بالأظافير؛ ذكره أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في جامعه. العاشرة: روى الصحيحان وغيرهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: استأذنت على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «من هذا؟» فقلت أنا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أنا أنا»! كأنه كره ذلك. قال علماؤنا: إنما كره النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك لأن قوله أنا لا يحصل بها تعريف، وإنما الحكم في ذلك أن يذكر اسمه كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبو موسى؛ لأن في ذكر الاسم إسقاط كُلْفة السؤال والجواب. ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في مَشْربة له فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليكم أيدخل عمر؟ وفي صحيح مسلم أن أبا موسى جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى، السلام عليكم، هذ الأشعري... الحديث. الحادية عشرة: ذكر الخطيب في جامعه عن عليّ بن عاصم الواسطي قال: قدمت البصرة فأتيت منزل شعبة فدققت عليه الباب فقال: من هذا؟ قلت: أنا؛ فقال: يا هذاٰ ما لي صديق يقال له أنا؛ ثم خرج إليّ فقال: حدّثني محمد بن المُنْكَدِر عن جابر بن عبد الله قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم في حاجة لي فطرقت عليه الباب فقال: «من هذا؟» فقلت أنا؛ فقال: «أنا أنا»! كأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كره قولي هذا، أو قوله هذا. وذكر عن عمر بن شَبّة حدّثنا محمد بن سلام عن أبيه قال: دققت على عمرو بن عُبيد الباب فقال لي: من هذا؟ فقلت: أنا؛ فقال: لا يعلم الغيب إلا الله. قال الخطيب: سمعت عليّ بن المُحَسِّن القاضي يحكي عن بعض الشيوخ أنه كان إذا دُقّ بابُه فقال من ذا؟ فقال الذي على الباب أنا، يقول الشيخ: أنا هَمٌّ دَقّ. الثانية عشرة: ثم لكل قوم في الاستئذان عُرْفُهم في العبارة؛ كما رواه أبو بكر الخطيب مسنداً عن أبي عبد الملك مولى أمّ مسكين بنت عاصم بن عمر بن الخطاب قال: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة فجاء معي، فلما قام بالباب قال: أندر؟ قالت أندرون. وترجم عليه (باب الاستئذان بالفارسية). وذكر عن أحمد بن صالح قال: كان الدّراوَرْدِيّ من أهل أصبهان نزل المدينة، فكان يقول للرجل إذا أراد أن يدخل: أندرون، فلقبه أهل المدينة الدراوردي. الثالثة عشرة: روى أبو داود عن كَلدة بن حنبل أن صفوان بن أمَيّة بعثه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن وجَدَاية وضَغَابِيس والنبيّ صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فدخلت ولم أسلم فقال: «حديث : ارجع فقل السلام عليكم» تفسير : وذلك بعد ما أسلم صفوان بن أمية. وروى أبو الزبير عن جابر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من لم يبدأ بالسلام فلا تأذنوا له»تفسير : . وذكر ابن جُريج أخبرني عطاء قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا قال الرجل أدخل؟ ولم يسلم فقل لا حتى تأتي بالمفتاح؛ فقلت السلام عليكم؟ قال: نعم. وروي أن حذيفة جاءه رجل فنظر إلى ما في البيت فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال حذيفة: أما بعينك فقد دخلت! وأما بآستك فلم تدخل. الرابعة عشرة: ومما يدخل في هذا الباب ما رواه أبو داود عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رسولُ الرجلِ إلى الرجل إذْنُه»تفسير : ؛ أي إذا أرسل إليه فقد أذن له في الدخول، يبينه قوله عليه السلام: «حديث : إذا دُعِيَ أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن»تفسير : . أخرجه أبو داود أيضاً عن أبي هريرة. الخامسة عشرة: فإن وقعت العين على العين فالسلام قد تعيّن، ولا تَعدّ رؤيته إذناً لك في دخولك عليه، فإذا قضيت حق السلام لأنك الوارد عليه تقول: أدخل؟ فإن أذن لك وإلا رجعت. السادسة عشرة: هذه الأحكام كلها إنما هي في بيت ليس لك، فأما بيتك الذي تسكنه فإن كان فيه أهلك فلا إذن عليها، إلا أنك تسلّم إذا دخلت. قال قتادة: إذا دخلت بيتك فسلّم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم. فإن كان فيه معك أمك أو أختك فقالوا: تنحنح واضرب برجلك حتى ينتبها لدخولك؛ لأن الأهل لا حشمة بينك وبينها. وأما الأم والأخت فقد يكونا على حالة لا تحب أن تراهما فيها. قال ابن القاسم قال مالك: ويستأذن الرجل على أمه وأخته إذا أراد أن يدخل عليهما. وقد روى عطاء بن يسار «حديث : أن رجلاً قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أستأذن على أمي؟ قال: «نعم» قال: إني أخدمها؟ قال: «استأذن عليها» فعاوده ثلاثاً؛ قال: «أتحب أن تراها عُريانة؟» قال: لا؛ قال:«فاستأذن عليها»» تفسير : ذكره الطبري. السابعة عشرة: فإن دخل بيت نفسه وليس فيه أحد؛ فقال علماؤنا: يقول السلام علينا، من ربّنا التحيات الطيبات المباركات، لله السلام. رواه ابن وهب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وسنده ضعيف. وقال قتادة: إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنه يؤمر بذلك. قال: وذكر لنا أن الملائكة تردّ عليهم. قال ابن العربي: والصحيح ترك السلام والاستئذان، والله أعلم. قلت: قول قتادة حَسَن.
ابن كثير
تفسير : هذه آداب شرعية، أدب الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان، أمرهم أن لا يدخلوا بيوتاً غير بيوتهم حتى يستأنسوا، أي: يستأذنوا قبل الدخول، ويسلموا بعده، وينبغي أن يستأذن ثلاث مرات، فإن أذن له، وإلا انصرف، كما ثبت في الصحيح: أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثاً، فلم يؤذن له، انصرف، ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك، قال: ما رجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له، فلينصرف» تفسير : فقال عمر: لتأتيني على هذا ببينة، وإلا أوجعتك ضرباً، فذهب إلى ملإٍ من الأنصار، فذكر لهم ما قال عمر، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، فقام معه أبو سعيد الخدري، فأخبر عمر بذلك، فقال: ألهاني عنه الصفق بالأسواق. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عمر عن ثابت عن أنس أو غيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن على سعد بن عبادة، فقال: «حديث : السلام عليك ورحمة الله» تفسير : فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم حتى سلم ثلاثاً، ورد عليه سعد ثلاثاً، ولم يسمعه، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم واتبعه سعد فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، وأردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت، فقرب إليه زبيباً، فأكل نبي الله، فلما فرغ قال: «حديث : أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون».تفسير : وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن قيس بن سعد، هو ابن عبادة، قال: زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا، فقال: «حديث : السلام عليكم ورحمة الله» تفسير : فرد سعد رداً خفياً، قال قيس: فقلت: ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : السلام عليكم ورحمة الله» تفسير : فرد سعد رداً خفياً، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : السلام عليكم ورحمة الله» تفسير : ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك، وأرد عليك رداً خفياً، لتكثر علينا من السلام. قال: فانصرف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر له سعد بغسل فاغتسل، ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس، فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وهو يقول: «حديث : اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة»تفسير : . قال: ثم أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطعام، فلما أراد الانصراف، قرب إليه سعد حماراً قد وطىء عليه بقطيفة، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد: يا قيس اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال قيس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اركب» تفسير : فأبيت، فقال: «حديث : إما أن تركب، وإما أن تنصرف» تفسير : قال: فانصرفت، وقد روي هذا من وجوه أخر، فهو حديث جيد قوي، والله أعلم. ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره؛ لما رواه أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حدثنا بقية، حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بُسْر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: «حديث : السلام عليكم، السلام عليكم» تفسير : وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور، تفرد به أبو داود. وقال أبو داود أيضاً: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير ــــ (ح) ــــ قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص عن الأعمش عن طلحة عن هزيل قال: جاء رجل، قال عثمان: سعد، فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن، فقام على الباب، قال عثمان: مستقبل الباب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : هكذا عنك ــــ أو هكذا ــــ فإنما الاستئذان من النظر» تفسير : وقد رواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن رجل عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود من حديثه، وفي "الصحيحين" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فخذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح» تفسير : وأخرج الجماعة من حديث شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: «حديث : من ذا؟» تفسير : فقلت: أنا، قال: «حديث : أنا أنا» تفسير : كأنه كرهه، وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية، وقال العوفي عن ابن عباس: الاستئناس الاستئذان، وكذا قال غير واحد. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ} قال: إنما هي خطأ من الكاتب، حتى تستأذنوا وتسلموا، وهكذا رواه هشيم عن أبي بشر ــــ وهو جعفر بن إياس ــــ عن سعيد عن ابن عباس بمثله، وزاد: كان ابن عباس يقرأ: (حتى تستأذنوا وتسلموا) وكان يقرأ على قراءة أبيّ بن كعب رضي الله عنه، وهذا غريب جداً عن ابن عباس، وقال هشيم: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: في مصحف ابن مسعود: (حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا) وهذا أيضاً رواية عن ابن عباس، وهو اختيار ابن جرير. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن أبي سفيان أن عمرو بن أبي صفوان أخبره: أن كلدة بن الحنبل أخبره: أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبأ وجداية وضغابيس، والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي، قال: فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ولم أسلم ولم أستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ارجع فقل: السلام عليكم، أأدخل؟» تفسير : وذلك بعدما أسلم صفوان، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن جريج به. وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديثه. وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن ربعي قال: أتى رجل من بني عامر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فقال: أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: «حديث : اخرج إلى هذا، فعلمه الاستئذان فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟» تفسير : فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل. وقال هشيم: أخبرنا منصور عن ابن سيرين، وأخبرنا يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي: أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أألج، أو: أنلج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة: «حديث : قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن، فقولي له: يقول: السلام عليكم، أأدخل؟» تفسير : فسمعها الرجل، فقالها، فقال: «حديث : ادخل»تفسير : . وقال الترمذي: حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا سعيد بن زكريا عن عنبسة بن عبد الرحمن عن محمد بن زاذان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : السلام قبل الكلام» تفسير : ثم قال الترمذي: عنبسة ضعيف الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان منكر الحديث. وقال هشيم: قال مغيرة: قال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة، وقد آذاه الرمضاء، فأتى فسطاط امرأة من قريش، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ قالت: ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، وهو يراوح بين قدميه، قال: قولي: ادخل. قالت: ادخل، فدخل. ولابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم الأحول، حدثني خالد بن إياس، حدثتني جدتي أم إياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة، فقلت: ندخل؟ فقالت: لا، قلن لصاحبتكن تستأذن، فقالت: السلام عليكم، أندخل؟ قالت: ادخلوا، ثم قالت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} الآية. وقال هشيم: أخبرنا أشعث بن سوار عن كردوس عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم، قال أشعث عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها، لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال، قال: فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً} الآية. وقال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ثلاث آيات جحدهن الناس. قال الله تعالى: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَٰكُمْ} تفسير : [الحجرات: 13] قال: ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتاً، قال: والأدب كله قد جحده الناس. قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم، فرددت عليه ليرخص لي، فأبى، فقال: تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن، قال: فراجعته أيضاً، فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قلت: نعم، قال: فاستأذن. قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إليّ أن أرى عريتها من ذات محرم، قال: وكان يشدد في ذلك، وقال ابن جريج عن الزهري: سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى: أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإذن على أمهاتكم. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا. وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله، ولا يفاجئها به؛ لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن حازم عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ابن أخي زينب ــــ امرأة عبد الله بن مسعود ــــ عن زينب رضي الله عنها، قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة، فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق؛ كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه، إسناده صحيح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي هبيرة. قال: كان عبد الله إذا دخل الدار، استأنس وتكلم ورفع صوته، وقال مجاهد: حتى تستأنسوا، قال: تنحنحوا أو تنخموا. وعن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال: إذا دخل الرجل بيته، استحب له أن يتنحنح، أو يحرك نعليه، ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقاً - وفي رواية - ليلاً؛ يتخونهم، وفي الحديث الآخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة نهاراً، فأناخ بظاهرها، وقال: «حديث : انتظروا حتى تدخل عشاء ــــ يعني آخر النهار ــــ حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة».تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن واصل بن السائب، حدثني أبو سورة بن أخي أبي أيوب عن أبي أيوب قال: قلت: يا رسول الله هذا السلام، فما الاستئناس؟ قال: «حديث : يتكلم الرجل بتسبيحة، أو تكبيرة، أو تحميدة، ويتنحنح، فيؤذن أهل البيت» تفسير : هذا حديث غريب. وقال قتادة في قوله: {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} هو الاستئذان ثلاثاً، فمن لم يؤذن له منهم، فليرجع، أما الأولى، فليسمع الحي، وأما الثانية، فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة، فإن شاؤوا أذنوا وإن شاؤوا ردوا، ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم، فإن للناس حاجات، ولهم أشغال، والله أولى بالعذر. وقال مقاتل بن حيان في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا}: كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه، لا يسلم عليه، ويقول: حييت صباحاً، وحييت مساء، وكان ذلك تحية القوم بينهم، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه، فلا يستأذن حتى يقتحم ويقول: قد دخلت، ونحو ذلك، فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله، فغير الله ذلك كله في ستر وعفة، وجعله نقياً نزهاً من الدنس والقذر والدرن، فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} الآية، وهذا الذي قاله مقاتل: حسن، ولهذا قال تعالى: {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} يعني: الاستئذان خير لكم، بمعنى: هو خير من الطرفين، للمستأذن ولأهل البيت {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. وقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ} وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن، {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ} أي: إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده، {فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ} أي: رجوعكم أزكى لكم وأطهر {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وقال قتادة: قال بعض المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية، فما أدركتها؛ أن أستأذن على بعض إخواني، فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط؛ لقوله: {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وقال سعيد بن جبير في الآية: {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ} الآية، أي: لا تقفوا على أبواب الناس. وقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} الآية، هذه الآية الكريمة أخص من التي قبلها، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها بغير إذن، كالبيت المعد للضيف، إذا أذن له فيه أول مرة كفى. قال ابن جريج: قال ابن عباس: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} ثم نسخ واستثنى، فقال تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} وكذا روي عن عكرمة والحسن البصري، وقال آخرون: هي بيوت التجار كالخانات ومنازل الأسفار وبيوت مكة وغير ذلك، واختار ذلك ابن جرير، وحكاه عن جماعة، والأول أظهر، والله أعلم. وقال مالك عن زيد بن أسلم: هي بيوت الشعر.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ } أي تستأذنوا {وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } فيقول الواحد السلام عليكم أأدخل؟ كما ورد في حديث {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } من الدخول بغير استئذان {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } بإدغام التاء الثانية في الذال خيريَّتَهُ فتعملون به.
الشوكاني
تفسير : لما فرغ سبحانه من ذكر الزجر عن الزنا والقذف، شرع في ذكر الزجر عن دخول البيوت بغير استئذان لما في ذلك من مخالطة الرجال بالنساء، فربما يؤدّي إلى أحد الأمرين المذكورين، وأيضاً: إن الإنسان يكون في بيته، ومكان خلوته على حالة قد لا يحبّ أن يراه عليها غيره، فنهى الله سبحانه عن دخول بيوت الغير إلى غاية، هي قوله: {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ }، والاستئناس: الاستعلام، والاستخبار أي: حتى تستعلموا من في البيت، والمعنى: حتى تعلموا أن صاحب البيت قد علم بكم، وتعلموا أنه قد أذن بدخولكم، فإذا علمتم ذلك دخلتم، ومنه قوله: {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْدا} تفسير : [النساء: 6] أي: علمتم. قال الخليل: الاستئناس الاستكشاف، من أنس الشيء إذا أبصره كقوله: {أية : إِنّي آنَسْتُ نَاراً } تفسير : [طه: 10] أي: أبصرت. وقال ابن جرير: إنه بمعنى: وتؤنسوا أنفسكم. قال ابن عطية: وتصريف الفعل يأبى أن يكون من أنس. ومعنى كلام ابن جرير هذا: أنه من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش، لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا؟ فهو: كالمستوحش حتى يؤذن له، فإذا أذن له استأنس، فنهى سبحانه عن دخول تلك البيوت حتى يؤذن للداخل. وقيل: هو من الإنس، وهو: يتعرّف هل ثم إنسان أم لا؟ وقيل: معنى الاستئناس: الاستئذان، أي: لا تدخلوها حتى تستأذنوا. قال الواحدي: قال جماعة المفسرين: حتى تستأذنوا، ويؤيده ما حكاه القرطبي عن ابن عباس، وأبيّ، وسعيد بن جبير: أنهم قرءوا "حتى تستأذنوا" قال مالك فيما حكاه عنه ابن وهب: الاستئناس فيما يرى، والله أعلم: الاستئذان، وقوله {وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } قد بينه النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بأن يقول: «حديث : السلام عليكم أأدخل؟» تفسير : مرّة، أو ثلاثاً كما سيأتي. واختلفوا هل يقدّم الاستئذان على السلام، أو العكس، فقيل: يقدّم الاستئذان، فيقول: أدخل؟ سلام عليكم، لتقديم الاستئناس في الآية على السلام. وقال الأكثرون: إنه يقدّم السلام على الاستئذان فيقول: السلام عليكم، أدخل؟، وهو الحقّ، لأن البيان منه صلى الله عليه وسلم للآية كان هكذا. وقيل: إن وقع بصره على إنسان قدّم السلام، وإلاّ قدّم الاستئذان {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } الإشارة إلى الاستئناس، والتسليم أي: دخولكم مع الاستئذان، والسلام خير لكم من الدخول بغتة {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أن الاستئذان خير لكم، وهذه الجملة متعلقة بمقدّر أي: أمرتم بالاستئذان، والمراد بالتذكر الاتعاظ، والعمل بما أمروا به {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ } أي: إن لم تجدوا في البيوت التي لغيركم أحداً ممن يستأذن عليه فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم بدخولها من جهة من يملك الإذن. وحكى ابن جرير عن مجاهد أنه قال: معنى الآية فإن لم تجدوا فيها أحداً، أي: لم يكن لكم فيها متاع، وضعفه، وهو حقيق بالضعف؛ فإن المراد بالأحد المذكور: أهل البيوت الذين يأذنون للغير بدخولها، لا متاع الداخلين إليها {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ } أي: إن قال لكم أهل البيت: ارجعوا، فارجعوا، ولا تعاودوهم بالاستئذان مرّة أخرى، ولا تنتظروا بعد ذلك أن يأذنوا لكم بعد أمرهم لكم بالرجوع. ثم بين سبحانه: أن الرجوع أفضل من الإلحاح، وتكرار الاستئذان، والقعود على الباب فقال: {هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ } أي: أفضل {وَأَطْهَرُ } من التدنس بالمشاحة على الدخول لما في ذلك من سلامة الصدر، والبعد من الريبة، والفرار من الدناءة {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } لا تخفى عليه من أعمالكم خافية {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ } أي: لا جناح عليكم في الدخول بغير استئذان إلى البيوت التي ليست بمسكونة. وقد اختلف الناس في المراد بهذه البيوت، فقال محمد بن الحنفية، وقتادة ومجاهد: هي الفنادق التي في الطرق السابلة الموضوعة لابن السبيل يأوي إليها. وقال ابن زيد، والشعبي: هي حوانيت القيساريات، قال الشعبي: لأنهم جاءوا ببيوعهم، فجعلوها فيها، وقالوا: للناس هلمّ. وقال عطاء: المراد بها الخرب التي يدخلها الناس للبول، والغائط، ففي هذا أيضاً متاع. وقيل: هي بيوت مكة. روي ذلك عن محمد ابن الحنفية أيضاً، وهو موافق لقول من قال: إن الناس شركاء فيها، ولكن قد قيد سبحانه هذه البيوت المذكورة هنا بأنها غير مسكونة. والمتاع: المنفعة عند أهل اللغة، فيكون معنى الآية: فيها منفعة لكم، ومنه قوله: {أية : وَمَتّعُوهُنَّ } تفسير : [البقرة: 236] وقولهم: أمتع الله بك، وقد فسر الشعبي المتاع في كلامه المتقدّم بالأعيان التي تباع. قال جابر بن زيد: وليس المراد بالمتاع الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة. قال النحاس: وهو حسن موافق للغة {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } أي: ما تظهرون وما تخفون، وفيه وعيد لمن لم يتأدّب بآداب الله في دخول بيوت الغير. وقد أخرج الفريابي، وابن جرير من طريق عديّ بن ثابت عن رجل من الأنصار قال: قالت امرأة: يا رسول الله إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحبّ أن يراني عليها أحد: ولد ولا والد، فيأتيني الأب فيدخل عليّ، فكيف أصنع؟ ولفظ ابن جرير: وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي، وأنا على تلك الحالة، فنزلت {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } الآية. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف، وابن منده في غرائب شعبة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، والضياء في المختارة من طرق عن ابن عباس في قوله: {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ } قال: أخطأ الكاتب "حتى تستأذنوا" {وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا }. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي، عن إبراهيم النخعي قال في مصحف عبد الله: "حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا". وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة مثله. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: الاستئناس: الاستئذان. وأخرج ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي، والطبراني، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، عن أبي أيوب قال: قلت: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } هذا التسليم عرفناه فما الاستئناس؟ قال: "حديث : يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت»تفسير : . قال ابن كثير: هذا حديث غريب. وأخرج الطبراني عن أبي أيوب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الاستئناس أن يدعو الخادم حتى يستأنس أهل البيت الذين يسلم عليهم»تفسير : . وأخرج ابن سعد، وأحمد، والبخاري في الأدب، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والبيهقي في الشعب من طريق كلدة: أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبأ، وضغابيس، والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي، قال: فدخلت عليه، ولم أسلم، ولم أستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ارجع، فقل: السلام عليكم أأدخل؟» تفسير : قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلاّ من حديثه. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد والبخاري في الأدب، وأبو داود، والبيهقي في السنن من طريق ربعيّ، قال: حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في بيت، فقال: أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: «حديث : اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم أأدخل؟»تفسير : . وأخرج ابن جرير عن عمر بن سعيد الثقفي نحوه مرفوعاً، ولكنه قال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأمة له يقال لها روضة: «حديث : قومي إلى هذا فعلميه.»تفسير : وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي سعيد الخدريّ قال: كنت جالساً في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعاً، فقلنا له: ما أفزعك قال: أمرني عمر أن آتيه، فأتيته، فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي، فقال: ما منعك أن تأتيني؟ فقلت: قد جئت، فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له فليرجعتفسير : : قال: لتأتيني على هذا بالبينة، فقالوا: لا يقوم إلاّ أصغر القوم، فقام أبو سعيد معه ليشهد له، فقال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك، ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد. وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث سهل بن سعد قال: اطلع رجل من جحر في حجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومعه مدري يحكّ بها رأسه، قال: «حديث : لو أعلم أنك تنظر لطعنت بها في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر»تفسير : . وفي لفظ: «حديث : إنما جعل الإذن من أجل البصر»تفسير : . وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن مردويه، عن أنس قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري كله في هذه الآية، فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني، فيقول لي ارجع، فأرجع، وأنا مغتبط لقوله: {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ }. وأخرج البخاري في الأَدب، وأبو داود في الناسخ والمنسوخ، وابن جرير عن ابن عباس قال: {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا }، فنسخ، واستثنى من ذلك، فقال {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْر بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأُنِسُواْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: حتى تستأذنوا. واختلف من قال بهذا التأويل فقال ابن عباس: أخطأ الكاتب فيه فكتب تستأنسوا وكان يقرأ: حتى تستأذنوا. وقال غيره: لأن الاستئذان مؤنس فعبر عنه بالاستئناس، وليس فيه خطأ من كاتب ولا قارىء. الثاني: معناه حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح فيعلموا بقدومك عليهم، قاله مجاهد. الثالث: أن تستأنسوا يعني أن تعلموا فيها أحداً استأذنوه فتسلموا عليه ومنه قوله تعالى: {أية : فإن آنستم منهم رشداً} تفسير : [النساء: 6] أي علمتم، قاله ابن قتيبة. وقال ابن الأعرابي الاستئناس الاستثمار، والإيناس اليقين. والإذن يكون بالقول والإشارة. فإن جاهر فسؤال، فقد روى قتادة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رَسُولُ الرَّجُلِ إِذْنُهُ فَإِنِ اسْتَأَذَنَ ثَلاَثاً وَلَمْ يُؤْذَنْ لَه ولَّى فلم يُراجِعْ فِي الاسْتِئْذَانِ " تفسير : روى الحسن البصري أن [أبا موسى] الأشعري استأذن على عمر رضي الله عنه ثلاثاً فلم يؤذن له فرجع فأرسل إليه عمر فقال: ما ردّك؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنِ اسْتَأَذَنَ ثلاثاً فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِع" تفسير : فقال عمر: لتجيئني على بينة أو لأجعلنك نكالاً فأتى طلحة فشهد له قال الحسن: الأولى إذنٌ، والثانية مؤامرة، والثالثة: عزمة، إن شاءواْ أذنوا وإن شاءوا ردوا. ولا يستأذن وهو مستقبل الباب إن كان مفتوحاً، وإن أذن لأول القوم فقد أذن لآخرهم، ولا يقعدوا على الباب بعد الرد فإن للناس حاجات. {وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أُهْلِهَا} والسلام ندب والاستئذان حتم. وفي السلام قولان: أحدهما: أنه مسنون بعد الإذن على ما تضمنته الآية من تقديم الإِذن عليه. الثاني: مسنون قبل الإذن وإن تأخر في التلاوة فهو مقدم في الحكم وتقدير الكلام حتى تسلموا وتستأذنوا لما روى محمد بن سيرين أن رجلاً استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أأدخل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل عنده: "حديث : قُمْ فَعَلِّمْ هذَا كَيْفَ يَسْتَأْذِنُ فإِنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ" تفسير : فسمعها الرجل فسلم واستأذن. وأولى من إطلاق هذين القولين أن ينظر فإن وقعت العين على العين قبل الإِذن فالأولى تقديم السلام، وإن لم تقع العين على العين قبل الإذن فالأولى تقديم الاستئذان على السلام. فأما الاستئذان على منازل الأهل فإن كانوا غير ذي محارم لزم الاستئذان عليهم كالأجانب وإن كانوا ذوي محارم وكان المنزل مشتركاً هو فيه وهم ساكنون لزم في دخوله إنذارهم إما بوطءٍ. أو نحنحة مفهمة إلا الزوجة فلا يلزم ذلك في حقها بحال لارتفاع العودة بينهما. وإن لم يكن المنزل مشتركاً ففي الاستئذان عليهم وجهان: أحدهما: أنها النحنحة والحركة. الثاني: القول كالأجانب. ورى صفوان عن عطاء بن يسار أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "أستأذن على أمي"؟ فقال: "حديث : نعم"تفسير : ، فقال إني أخدمها فقال: "حديث : استأذن عليها" تفسير : فعاوده ثلاثاً: فقال: "حديث : أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً"تفسير : ؟ قال: لا قال: "حديث : فَاسْتَأْذِنْ عَلَيهَا ". تفسير : قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً} يعني يأذن لكم. {فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُم} ولا يجوز التطلع إلى المنزل ليرى من فيه فيستأذنه إذا كان الباب مغلقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ لأَجْلِ البَصَرِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَفْتُوحاً فَيَجُوزُ إِذا كَانَ خَارِجاً أَنْ يَنْظُرَ لأَنَّ صَاحِبَهُ بالفتح قَدْ أَبَاحَ النَّظَرَ " تفسير : {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} وهنا ينظر فإن كان بعد الدخول عن إذن لزم الانصراف وحرم اللبث، وإن كان قبل الدخول فهو رد الإِذن ومنع من الدخول. ولا يلزمه الانصراف عن موقفه من الطريق إلا أن يكون فناء الباب المانع فيكفي عنه، قال قتادة: لا تقعد على باب قوم ردوك فإن للناس حاجات. قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} فيها خمسة أقاويل: أحدها: أنها الخانات المشتركة ذوات البيوت المسكونة، قاله محمد بن الحنفية رضي الله عنه. الثاني: أنها حوانيت التجار، قاله الشعبي. الثالث: أنها منازل الأسفار ومناخات الرجال التي يرتفق بها مارة الطريق في أسفارهم، قاله مجاهد. الرابع: أنها الخرابات العاطلات، قاله قتادة. الخامس: أنها بيوت مكة، ويشبه أن يكون قول مالك. {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها عروض الأموال التي هي متاع التجار، قاله مجاهد. الثاني: أنها الخلاء والبول سمي متاعاً لأنه إمتاع لهم، قاله عطاء. الثالث: أنه المنافع كلها، قاله قتادة، فلا يلزم الاستئذان في هذه المنازل كلها. قال الشعبي: حوانيت التجار إذنهم جاءوا ببيوتهم فجعلوها فيها وقالوا للناس: هَلُمّ.
ابن عطية
تفسير : سبب هذه الآية فيما ذكر الطبري بسند عن عدي بن ثابت أن أمراة من الأنصار قالت يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحالة التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فنزلت هذه الآية، ثم هي عامة في الأمة غابر الدهر من حيث هذه النازلة تختص بكل أحد في نفسه وبيت الإنسان، هو البيت الذي لا أحد معه فيه أو البيت الذي فيه زوجه أو أمته، وما عدا فهو غير بيته، قال ابن مسعود وغيره ينبغي للإنسان أن لا يدخل البيت الذي فيه أمه إلا بعد الاستيناس، وروي في ذلك حديث عن النبي عليه السلام حديث : أن رجلاً قال يا رسول الله استأذن على أمي قال نعم قال إنما هي أمي ولا خادم لها غيري، قال "أتحب أن تراها عريانة" قال لا، قال "فاستأذن عليها وكذلك كل ذات محرم منه لأنه لا ينبغي أن يراهن عاريات"تفسير : ، وقالت زينب امرأة ابن مسعود كان ابن مسعود إذا جاء منزله تنحنح مخافة أن يهجم على ما يكره، و {تستأنسوا} معناه تستعلموا أي تستعملوا من في البيت وتستبصروا، تقول آنست إذا علمت عن حس وإذا أبصرت ومنه قوله تعالى: {أية : آنستم منهم رشداً} تفسير : [النساء: 6]، وقوله {أية : آنست ناراً} تفسير : [القصص: 29] ومنه قول حسان بن ثابت "أنظر خليلي بباب جلق هل تؤنس دون البلقاء من أحد" وقول الحارث أنست نباة البيت، ووزن آنس أفعل واستأنس وزنه استفعل فكأن المعنى في "تستأنسون" تطلبون ما يؤنسكم ويؤنس أهل البيت منكم، وإذا طلب الإنسان أن يعلم أمر البيت الذي يريد دخوله فذلك يكون بالاستئذان على من فيه أو بأن يتنحنح ويستشعر بنفسه بأي وجه أمكنه ويتأنى قدر ما يتحفظ ويدخل إثر ذلك، وذهب الطبري في {تستأنسوا} إلى أنه بمعنى حتى تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم بالتنحنح والاستئذان ونحوه وتؤنسوا أنفسكم بأن تعلموا أن قد شهر بكم. قال الفقيه الإمام القاضي: وتصريف الفعل يأبى أن يكون من آنس، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه كان يقرأ "حتى تستأذنوا وتسلموا" وهي قراءة أبي بن كعب وحكاها أبو حاتم "حتى تسلموا وتستأذنوا" قال ابن عباس {تستأنسوا} خطأ أو وهم من الكتاب. قال الفقيه الإمام القاضي: مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها {تستأنسوا} وصح الإجماع فيها من لدن مدة عثمان رضي الله عنه فهي التي لا يجوز خلافها، والقراءة بـ "يستأذنوا" ضعيفة، وإطلاق الخطأ والوهم على الكتاب في لفظ أجمع الصحابة عليه لا يصح عن ابن عباس والأشبه أن يقرأ "تستأذنوا" على التفسير، وظاهر ما حكى الطبري أنها قراءة برواية ولكن قد روي عن ابن عباس أنه قال {تستأنسوا} معناه "تستأذنوا"، وما ينفي هذا القول عن ابن عباس أن {تستأنسوا} متمكنة في المعنى بينة الوجه في كلام العرب، وقد قال عمر للنبي عليه السلام: استأنس يا رسول الله وعمر واقف على باب الغرفة الحديث المشهور وذلك يقتضي أنه طلب الأنس به صلى الله عليه وسلم فكيف يخطىء ابن عباس رضي الله عنه أصحاب الرسول في مثل هذا، وحكى الطبري أيضاً بسند عن ابن جريج عن ابن عباس وعكرمة والحسن بن أبي الحسن أنهم قالوا نسخ واستثني من هذه الآية الأولى قوله بعد {أية : ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة} تفسير : [النور: 9] ع وهذا أيضاً لا يترتب فيه نسخ ولا استثناء لأن الآية الأولى في البيوت المسكونة والآية الثانية في المباحة وكأن من ذهب إلى الاستثناء رأى الأولى عامة، وصورة الاستئذان أن يقول الرجل السلام عليكم أأدخل؟ فإن أذن له دخل وإن أمر بالرجوع انصرف وإن سكت عنه استأذن ثلاثاً ثم ينصرف بعد الثلاث، فأما ثبوت ما ذكرته من صورة الاستئذان فروى الطبري أن رجلاً جاء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال آلج أو أنلج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة، "حديث : قولي لهذا يقول السلام عليكم ادخل" فسمعه الرجل فقالها فقال له النبي عليه السلام "ادخل" تفسير : . وروي أن ابن عمر آذته الرمضاء يوماً فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقالت المرأة ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، فقال لها قولي ادخل، فقالت ذلك، فدخل فكأنه توقف لما قالت بسلام لاحتمال اللفظ أن تريد ادخل بسلامك لا بشخصك، ثم لكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة، وأما ثبوت الرجوع بعد الاستئذان ثلاثاً فلحديث أبي موسى الأشعري الذي استعمله مع عمر وشهد به لأبي موسى أبو سعيد الخدري ثم أبي بن كعب الحديث المشهور، وقال عطاء بن أبي رباح الاستئذان واجب على كل محتلم وسيأتي ذكر هذا، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رسول الرجل إذنه" تفسير : أي إذا أرسل في أحد فقد أذن له في الدخول وقوله: {ذلكم خير لكم} تم الكلام عنده، وقوله: {لعلكم تذكرون} معناه فعلنا ذلك بكم ونبهناكم {لعلكم} والضمير في قوله {تجدوا فيها} للبيوت التي هي بيوت الغير، وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال معنى قوله {فإن لم تجدوا فيها أحداً} إن لم يكن لكم فيها متاع وضعف الطبري هذا التأويل وكذلك هو في غاية الضعف، وكأن مجاهداً رأى أن البيوت غير المسكونة إنما تدخل دون إذن. إذا كان فيها للداخل متاع، ورأى لفظة المتاع: متاع البيت الذي هو البسط والثياب وهذا كله ضعيف وأسند الطبري عن قتادة أنه قال: قال رجل من المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وأنا مغتبط لقوله تعالى: {هو أزكى لكم} وقوله تعالى: {والله بما تعملون عليم} توعد لأهل التجسس على البيوت وطلب الدخول على غفلة للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولغيرهم مما يقع في محظور.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَسْتَأْنِسُواْ} تَستأذنوا قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أخطأ الكاتب فكتب "تستأنسوا"، أو عَبَّر عن الاستئذان بالاستئناس لأنه مؤنس، أو تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح ليعلموا بالدخول عليهم، أو تعلموا فيها من يأذن لكم؛ لقوله {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ}تفسير : [النساء: 6] أو الاستئناس: الاستخبار والإيناس: اليقين {وَتُسَلِّمُواْ} السلام مسنون بعد الاستئذان على ظاهر الآية، ولأنه تحية للقاء واللقاء بعد الإذن، أو السلام قبل الاستئذان على ما تضمنته السنة، وإن كان قريباً فإن لم يكن مَحْرَماً لزم الاستئذان عليه كالأجانب، وإن كانوا محارم فإن كان ساكناً معهم في المنزل لزمه إنذارهم بدخوله بوطىء أو نحنحة مفهمة إلا الزوجة فلا يلزم ذلك في حقها بحال لارتفاع العورة بينهما وإن لم يكن ساكناً معهم في المنزل لزم الاستئذان بوطىء أو نحنحة، أو هم كالأجانب.
النسفي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } أي بيوتاً لستم تملكونها ولا تسكنونها {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ } أي تستأذنوا، عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد قرأ به، والاستئناس في الأصل الاستعلام والاستكشاف استفعال من أنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً أي حتى تستعلموا أيطلق لكم الدخول أم لا، وذلك بتسبيحة أو بتكبيرة أو بتحميدة أو بتنحنح {وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } والتسليم أن يقول السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا رجع، وقيل: إن تلاقيا يقدم التسليم وإلا فالاستئذان {ذٰلِكُمْ } أي الاستئذان والتسليم {خَيْرٌ لَّكُمْ } من تحية الجاهلية والدمور وهو الدخول بغير إذن فكأن الرجل من أهل الجاهلية إذا دخل بيت غيره يقول حييتم صباحاً وحييتم مساء ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } أي قيل لكم هذا لكي تذكروا وتتعظوا وتعملوا ما أمرتم به في باب الاستئذان {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا } في البيوت {أَحَدًا } من الآذنين {فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ } حتى تجدوا من يأذن لكم، أو فإن لم تجدوا فيها أحداً من أهلها ولكم فيها حاجة فلا تدخولها إلا بإذن أهلها لأن التصرف في ملك الغير لا بد من أن يكون برضاه {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ } أي إذا كان فيها قوم فقالوا ارجعوا {فَٱرْجِعُواْ } ولا تلحوا في إطلاق الإذن ولا تلجوا في تسهيل الحجاب ولا تقفوا على الأبواب، لأن هذا مما يجلب الكراهة فإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك، وعن أبي عبيد: ما قرعت باباً على عالم قط. {هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ } أي الرجوع أطيب وأطهر لما فيه من سلامة الصدور والبعد عن الريبة أو أنفع وأنمى خيراً {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } وعيد للمخاطبين بأنه عالم بما يأتون وما يذرون مما خوطبوا به فموف جزاءه عليه.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا} أي تستأذنوا وكان ابن عباس يقرأ حتى تستأذنوا ويقول تستأنسوا خطأ من الكاتب وفي هذه الرواية نظر لأن القرآن ثبت بالتواتر والاستئناس في اللغة الاستئذان. وقيل الاستئناس طلب الإنس وهو أن ينظر هل في البيت إنسان فيؤذنه إني داخل وقيل هو من آنست أي أبصرت وقيل هو أن يتكلم بتسبيحة أو يتنحنح حتى يعرف أهل البيت {وتسلموا على أهلها} بيان حكم الآية أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد الاستئذان والسلام. واختلفوا في أيهما يقدم فقيل يقدم الاستئذان فيقول أدخل سلام عليكم كما في الآية من تقديم الاستئذان قبل السلام. وقال الأكثرون يقدم السلام فيقول سلام عليكم أأدخل وتقدير الآية حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا وكذا هو في مصحف ابن مسعود وروي حديث : عن كند بن حنبل قال: "دخلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم: ولم أسلّم ولم أستأذن فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "ارجع فقل السلام عليكم أأدخل""تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي وعن ربعي بن حراش قال حديث : جاء رجل من بني عامر فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في البيت فقال ألج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له قل السلام عليكم أأدخل فسمع الرجل ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليكم أأدخل فأذن له رسول الله صلى الله عليه سلم تفسير : . أخرجه أبو داود (ق) عن أبي سعيد وأبيّ ابن كعب عن أبي موسى قال أبو سعيد: "كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت قال ما منعك قلت استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع تفسير : قال والله لتقيمن عليه بينة أمنكم أحد سمعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم قال أبي بن كعب فوالله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ذلك. قال الحسن الأول إعلام والثاني مؤآمرة والثالث استئذان بالرجوع عن عبدالله بن بسر قال حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول السلام عليكم السلام عليكمتفسير : وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذٍ ستور أخرجه أبو داود وعن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن"تفسير : أخرجه أبو داود وقيل إذا وقع بصره على إنسان قدم السلام وإلاّ قدم الاستئذان ثم يسلم. وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة يستأذن على ذوات المحارم يدل عليه ما روي عن عطاء بن يسار حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أستأذن على أمي؟ قال نعم فقال الرجل إني معها في البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. استأذن عليها فقال الرجل إني خادمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن عليها أتحب أن تراها عريانة قال لا قال فاستأذن عليها تفسير : أخرجه مالك في المؤطأ مرسلاً وقوله تعالى {ذلكم خير لكم} أي فعل الاستئذان خير لكم وأولى بكم من التهجم بغير إذن {لعلكم تذكرون} أي هذه الآداب فتعملوا بها. قوله عزّ وجلّ {فإن لم تجدوا فيها} أي البيوت {أحداً} أي يأذن لكم في دخولها {فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} أي في الدخول {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا} يعني إذا كان في البيت قوم وكرهوا دخول الداخل عليهم فقالوا ارجع فليرجع ولا يقف على الباب ملازماً {هو أزكى لكم} أي الرجوع هو أطهر وأصلح لكم فإنّ للناس أحوالاً وحاجات يكرهون الدخول عليهم في تلك الأحوال وإذا حضر إلى الباب فلم يستأذن وقعد على الباب منتظراً جاز. كان ابن عباس يأتي دور الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب ولا يستأذن حتى يخرج إليه الرجل فإذا خرج ورآه قال يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني بمكانك فيقول هكذا أمرنا أن نطلب العلم. وإذا وقف على الباب فلا ينظر من شقه إذا كان الباب مردوداً (ق) "عن سهل بن سعد قال "حديث : اطلع رجل من جحر في باب النبيّ صلى الله عليه وسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى يرجل وفي رواية يحك به رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو علمت أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الإذن من أجل البصر"تفسير : (ق) عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه"تفسير : وفي رواية النسائي قال "حديث : لو أن أمرأً أطلع عليك بغير إذن فحذفته ففقأت عينه ما كان عليك حرج"تفسير : وقال مرة أخرى جناح {والله بما تعملون عليم} يعني من الدخول بالإذن ولما نزلت آية الاستئذان قالوا كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن فأنزل الله تعالى {ليس عليكم جناح} يعني إثم {أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة} يعني بغير استئذان {فيها متاع لكم} يعني منفعة لكم قيل إن هذه البيوت في الخانات والمنازل المبنية للسابلة ليأووا إليها ويؤوا أمتعتهم فيها فيجوز دخولها بغير استئذان ولمنفعة النزول بها واتقاء الحر والبرد وإيواء الأمتعة بها. وقيل بيوت التجار وحوانيتهم في الأسواق يدخلها للبيع والشراء وهو منفعتها فليس فيها استئذان. وقيل هي جميع البيوت التي لا ساكن فيها لأن الاستئذان إنما جعل لئلا يطلع على عورة فإن لم يخف ذلك جاز له الدخول بغير استئذان {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} قوله تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} يعني عما لا يحل النظر إليه قيل معناه يغضوا أبصارهم. وقيل من هنا للتبعيض لأنه لا يجب الغض عما يحل إليه النظر وإنما أمروا أن يغضوا عما لا يحل النظر إليه (م) "حديث : عن جرير قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة قال: "اصرف بصرك""تفسير : عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: "حديث : يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي (م) عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لاينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد"تفسير : وقوله تعالى {ويحفظوا فروجهم} يعني عما لا يحل. قال أبو العالية كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلا في هذا الموضع فإن أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه. فإن قلت كيف أدخل من على غض البصر دون حفظ الفرج. قلت فيه دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وثديهن وأعضادهن وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات في البيع والأجنبية يجوز النظر إلى وجهها وكفيها للحاجة إلى ذلك وأما أمر الفروج فمضيق وكفاك أن أبيح النظر إلاّ ما استثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه. فإن قلت كيف قدم غض البصر على حفظ الفرج. قلت لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور والبلوى فيه أشد ولا يكاد أحد يقدر على الاحتراس منه {ذلك أزكى لهم} يعني غض البصر وحفظ الفرج {إنّ الله خبير بما يصنعون} يعني أنه خبير بأحوالهم وأفعالهم وكيف يجيلون أبصارهم وكيف يصنعون بسائر حواسهم وجوارحهم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراآت: {وليضربن} بكسر اللام على الأصل: عياش {جيوبهن} بضم الجيم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وهشام وعاصم غير الأعشى والبزي والعواس من طريق الهاشمي. وفي رواية خلف عن حمزة بإشمام الجيم الضم ثم يشير إلى الكسر وبضم الياء. الآخرون: بالسكر الخالص. {غير} بالنصب على الاستثناء أو الحال: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد. الباقون: بالكسر على الوصف {آية المؤمنون} بضم الهاء في الحالين: ابن عامر. وقرأ ابو عمرو وعلي وابن كثير بألف في الوقف. الباقون بفتح الهاء بغير ألف في الوقف وبالف في الوصل. الوقوف: {أهلها} ط {تذكرون} ه {يؤذن لكم} ج للشرط مع العطف {أزكى لكم} ط عليمر ه {متاع لكم} ط {تكتمون} ه {فروجهم} ط {لهم} ط {ما يصنعون} ه {جيوبهن} صل {عورات النساء} ص {زينتهن} ط {تفلحون} ه {وإمائكم} ط {فضله} ط {عليهم} ه {فضله} ط {خيراً} ق قد قيل: والوصل أوجه للعطف. {آتاكم} ط للعدول إلى حكم آخر الدنيا ط {رحيم} ه {للمتقين} ه. التفسير: الحكم الرابع الاستئذان: لما كانت الخلوة طريقاً إلى التهمة ولذلك وجد أهل الإفك سبيلاً إلى إفكهم شرع أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان. وفي الآية أسئلة: الأول الاستئناس هو الأنس الحاصل بعد المجانسة قال الله تعالى {أية : ولا مستأنسين لحديث} تفسير : [الأحزاب: 53] ولا يكون ذلك في الأغلب إلا بعد الدخول والسلام، فلم عكس هذا الترتيب في الآية؟ جوابه بعد تسليم أن الواو للترتيب، هو أن الاستئناس طلب الأنس وأنه مقدم على السلام. وقال جار الله: هو من باب الكفاية والإرداف لأن الأنس الذي هو خلاف الوحشة يردف الإذن فوضع موضع الإذن كأنه قيل: حتى يؤذن لكم. أو هو استفعال من آنس إذا أبصر، فالمراد حتى تستكشفوا الحال ويبين هل يراد دخولكم أم لا. أو هو من الإنس بالكسر وهو أن يتعرف هل ثمَّ إنسان لأنه لا معنى للسلام ما لم يعلم أفي البيت إنسان أم لا. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: إنما هو "حتى تستأذنوا" فأخطأ الكاتب ولا يخفى ضعف هذه الرواية لأنها توجب الطعن في المتواتر وتفتح باب القدح في القرآن كله نعوذ بالله منه. الثاني: ما الحكمة في شرع الاستئذان؟ الجواب: كيلا يطلع الداخل على عورات، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه، ولئلا يوقف على الأحوال التي تخفيها الناس في العادة، ولأنه تصرف في ملك الغير فلا بد أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والتغلب ولذلك قال سبحانه {ذلكم} يعني الاستئذان والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور اي الدخول من غير إذن. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من سبقت عينه استئذانه فقد دمر" تفسير : واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب {لعلكم تذكرون} أي أنزل عليكم. أو قيل لكم: هذا إرادة أن تتعظوا أو تعملوا به. الثالث: كيف يكون الاستئذان؟ جوابه: استأذن رجل على رسول الله فقال: ألج. فقال: لامرأة يقال لها روضة: حديث : قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول "السلام عليكم أدخل" تفسير : فسمع الرجل فقالها فقال: ادخل. ويؤيده قراءة عبد الله {حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا} وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته: حييتم صباحاً وحييتم مساء ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد فمنع الله تعالى عن ذلك وعلم الأدب الأحسن. وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح ونحوه. وقال عكرمة: هو التسبيح والتكبير وقرع الباب بعنف والتصبيح بصاحب الدار منهي عنه وكذا كل ما يؤدي على الكراهية وينبئ عن الثقل. الرابع: كم عدد الاستئذان؟ الجواب روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون والثانية يستصلحون والثالثة يأذنون أو يردون" تفسير : ومثله عن أبي موسى الأشعري وقصته مع عمر مشهورة في ذلك. وعن قتادة الاستئذان ثلاثة: الأول يسمع الحي: الثاني ليتهيأ. والثالث إن شاؤا أذنوا وإن شاؤا ردوا. وينبغي أني كون بين المرات فاصلة وإلا كان الكل في حكم واحد. الخامس: كيف يقف على الباب؟ جوابه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكنه يقف من ركنه الأيمن أو الأيسر، فإن كان للباب ستر كانت الكراهية أخف. السادس: قوله {حتى تستأنسوا وتسلموا} يدل على أنه يجوز الدخول بعد الاستئذان والتسليم وإن لم يكن ثمة إذن أو من يأذن لأن "حتى" للغاية والحكم بعد الغاية يكون خلاف ما قبلها جوابه. سلمنا المخالفة لكن لا نسلم المناقضة، وذلك أن قبل الاستئذان لا يجوز الدخول مطلقاً وبعده فيه تفصيل، وهو أنه إن لم يجد فيها أحداً من الآذنين مطلقاً أو من يعتبر إذنه شرعاً فليس له الدخول وذلك قوله {فإن لم تجدوا فيها أحداً} اي على الإطلاق أو ممن له الإذن {فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} اي حتى تجدوا من يأذن لكم أو من يعتبر إذنه، وإن وجد فيها من له الإذن فإن أذن دخل وإن لم يأذن وقال ارجع رجع وهو قوله {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى} أي الرجوع أطيب {لكم وأطهر} لما فيه من سلامة الصدر والبعد من الريبة. وفي قوله {والله بما تعملون عليم} نوع زجر للمكلف فعليه أن يحتاط كيف يدخل ولأي غرض يدخل وكيف يخرج. وهل يقوم غير الإذن مقام الإذن؟ عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : رسول الرجل إلى الرجل إذنه" تفسير : وفي رواية أخرى "حديث : إذا دعى أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن" تفسير : وقيل: إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان. والجمهور على أن إذن الصبي والعبد والمرأة معتبر وكذلك الهدايا لأجل الضرورة. وهل يعتبر الاستئذان على المحارم؟ حديث : روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: استأذن على أمي؟ قال: نعم. قال: إنها ليس لها خادم غيري أستأذن عليها كلما دخلت عليها. قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا. قال: فاستأذنتفسير : . قال العلماء: إن كان المنع من الهجوم على الغير لأجل أنه لا يراه منكشف الأعضاء فتستثنى منه الزوجة وملك اليمين، وإن كان لأجل أنه لا يراه مشغولاً بما يكره الاطلاع عليه فالمنع عام إلا إذا عرض ما يبيح هتك الستر كحريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر يجب إنكاره. التاسع: ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه؟ الجواب: قال الشافعي: لو فقأ عينه فهي هدر وتمسك بما روى سهل بن سعد حديث : أنه اطلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومع النبي مدرى يحك بها رأسه فقال: لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك، إنما الاستئذان من النظرتفسير : . وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه" تفسير : قال أبو بكر الرازي: هذا الخبر مردود لوروده على خلاف الأصول، فلا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه ضامناً وعليه القصاص إن كان عامداً، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع. فمعنى الحديث لو صح أنه من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم ثم منع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر، وأجيب بالفرق فإنه إذا علم القوم دخوله عليهم احترزوا عنه وتستروا فأما إذا نظر على حين غفلة منهم اطلع على ما لا يراد الاطلاع عليه فلا يبعد في حكمة الشرع أن يبالغ ههنا في الزجر حسماً لمادة هذه المفسدة. جميع هذه الأحكام فيما إذا كانت الدار مسكونة فإن لم تكن مسكونة فذلك قوله {ليس عليكم جناح} الآية. وللمفسرين فيه أقوال: الأول: قول محمد بن الحنفية أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين والمتاع المنفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرجال والسلع والبيع والشراء. يروى أن ابا بكر قال: يا رسول الله، إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ندخلها إلا بإذن فنزلت. وقيل: هي الخربات يتبرز فيها الوتاع التبرز. وقيل: الأسواق. والأولى العموم. وإنما لم يحتج إلى الإذن دفعاً للحرج، ولأنها ماذون في دخولها من جهة العرف. ثم ختم الآية بوعيد مثل ما تقدم الحكم الخامس، غض البصر وحفظ الفرج عما لا يحل. وتخصيص المؤمنين بهذا التكليف عند من لا يجعل الكفار مكلفين بفروع الإسلام ظاهر، وأما عند من يجعلهم مكلفين بالفروع أيضاً فالتخصيص للتشريف، أو نزل فقدان مقدمة التكليف منزلة فقدان التكليف وإن كان حالهم في الحقيقة كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها. قال أكثر النحويين: "من" للتبعيض والمراد غض شيء من البصر لأن غض كله كالمعتذر بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على الإطلاق. وجوز الأخفش أن تكون "من" مزيدة. وقيل: صلة للغض أي ينقصوا من نظرهم. يقال: غضضت من فلان إذا انقضت من قدره. فالنظر إذا لم يكن من عمله فهو معفو موضوع عنه. وإعراب قوله {يغضوا} كما مر في سورة إبراهيم في قوله {أية : قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا}تفسير : [الآية: 31] قال الفقهاء: العورات على أربعة أقسام: عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المرأة مع الرجل، وبالعكس. أما الرجل مع الرجل فيجوز أن ينظر إلى جميع بدنه إلا إلى عورته، وعورته ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة. وعند أبي حنيفة: الركبة عورة. قال مالك: الفخذ ليست بعورة وهو خلاف ما روي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي:لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي وميت. تفسير : فإن كان في نظره إلى وجه الرجل أو سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه. ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان واحد منهما في جانب الفراش لرواية أبي سعيد الخدري أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" تفسير : ويكره المعانقة وتقبيل الوجه. إلا لولده شفقة. وتستحب المصافحة والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، ولا يجوز عند خوف الفتنة، ولا تجوز المضاجعة أيضاً لما مر في الحديث. والصح أن الذمية لا يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة لأنها أجنبية في الدين والله تعالى يقول {أو نسائهن} أما عورة المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة فجيمع بدنها عورة لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إخراج الكف للأخذ والإعطاء. ويعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين. وقيل: ظهر الكف عورة. وفي هذا المقام تفصيل: قال العلماء: لا يجوز أن يعمد النظر إلى وجه الأجنبية بغير غرض فإن وقع بصره عليها بغتة غض بصره لقوله تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم} ولقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" تفسير : فإن كان هناك غرض ولا شهوة ولا فتنة فذاك والغرض أمور منها: أن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفها. روى أبو هريرة حديث : أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً. تفسير : ومنها إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها. ومنها أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة. ومنها أنه ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى الوجه لأن المعرفة تحصل به. ومنها يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إلى بدن الأجنبية للمعالجة كما يجوز للخاتن أن ينظر إلى فرج المختون لأنه محل ضرورة. وكما يجوز أن ينظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة، وإلى فرجها لتحمل شهادة الولادة إذا لم تكن نسوة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع. فإن كان هناك شهوة وفتنة فالنظر محظور قال صلى الله عليه وسلم "حديث : العينان تزنيان" تفسير : وقيل: مكتوب في التوراة: النظر يزرع الشهوة في القلب ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً. ويستثنى منه ما لو وقعت في حرق أو غرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها. وإن كانت الأجنبية أمة فالأصح أن عورتها ما بين السرة والركبة لما روي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يشتري الأمة "لا باس أن ينظر إليها إلا إلى العورة وعورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتها" تفسير : وقيل: إلا ما تبدي المهنة فيخرج منه أن رأسها وعنقها وساعديها وساقيها ونحرها وصدرها ليس بعورة، وفي ظهرها وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف. وحكم المكاتبة والمدبرة والمستولدة ومن بعضها رقيق حكم الأمة ولا يجوز لمسها ولا لها مسه لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطر. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليه، وأما إن كانت المرأة ذات محرم بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها ما بين السرة والركبة كعورة الرجل. وعند أبي حنيفة: عورتها مالا يبدو عند المهنة، فإن كانت مستمتعاً له كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها جاوز له أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج، وكذا إلى فرج نفسه لما روي أن يورث الطمس. وقيل: لا يجوز النظر إلى فرجها، فإن كانت الأمة مجوسية أو مرتدة أو وثنية أو مشتركة بينه وبين غيره أو مزوجة أو مكاتبة فهي كالأجنبية. روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة" تفسير : وأما عورة الرجل مع المرأة فإن كان أجنبياً منها فعورته معها ما بين السرة والركبة. وقيل: جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه. والأصح هو الأول لأن بدن المرأة في نفسه عورة بدليل أنه لا يصح صلاتها مكشوفة البدن، وبدن الرجل بخلافه. ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ولا تكرير النظر إلى وجهه لما روي حديث : عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونه إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل فقال صلى الله عليه وسلم:احتجبا منه.فقالت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ فقال:أعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟ تفسير : وإن كان محرماً لها فعورته معها ما بين السرة والركبة، وإن كان زوجها أو سيدها الذي يحل له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها. ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خال وله ما يستر عورته لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال: حديث : الله أحق أن يستحي منه. تفسير : وعنه "حديث : إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله" تفسير : ولما كان النظر بريد الزنا ورائد الفجور أمر بغض الأبصار أولاً ثم بحفظ الفروج عن الزنا والفجور ثانياً. وعن أبي العالية أن كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلاّ هذا فإنه أراد الاستثناء وأن لا ينظر إلى الفروج أحد، وعلى هذا ففائدة التخصيص بعد التعميم أن يعلم أن أمر الفرج أضيق. وحين خص الخطاب في أول الآية بالمؤمنين ذكر أن ذلك الذي أمر به من غض البصر وحفظ الفرج أزكى لهم لأنهم يتطهرون بذلك من دنس الآثام، ويستحقون الثناء والمدح، وهذا لا يليق بالكافر. وفي قوله {إن الله خبير بما يصنعون} ولا ثاني له في القرآن إشارة إلى وجوب الحذر في كل حركة وسكون. وتفسير قوله {وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن} يعلم من التفصيل المتقدم. أما قوله {ولا يبدين زينتهن} فمن الأحكام التي تختص بالنساء في الأغلب. وقد يحرم على الرجل إبداء زينته للنساء الأجنبيات إذا كان هناك فتنة. قال أكثر المفسرين: الزينة ههنا أريد بها أمور ثلاثة: أحدها الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها والحمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها. وثانيها الحلي كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلائد والإكليل والوشاح والقرط. وثالثها الثياب. وقال: آخرون: الزينة اسم يقع على محاسن الخلق التي خلقها الله تعالى وعلى ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلي وغير ذلك. يدل على ذلك أن كثيراً من النساء يتفردن بخلقهن عن سائر ما يعدّ زينة. وفي قوله {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} إشارة إلى ذلك وكأنه تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقهن فأوجب سترها بالخمار. قال القفال: بناء على هذا القول معنى قوله {إلا ما ظهر منها} إلا ما يظهره الإنسان على العادة الجارية وذلك في النساء الحرائر الوجه والكفان، وفي الإماء كل ما يبدو عند المهنة. وفي صوتها خلاف، الأصح أنه ليس بعورة لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم يروين الأخبار للرجال. وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فذهبوا إلى أنه تعالى إنما حرم النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة لأجل المبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة إلا ما ظهر من هذه الزينة كالثياب مطللقاً إذا لم تصف البدن لرقتها، وكالحمرة والوسمة في الوجه، وكالخضاب والخواتيم في اليدين، وما سوى ذلك يحرم النظر إليه. ولهذا قال {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} والخمر جمع الخمار وهي كالمقنعة. قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن وكانت جيوبهن من قدام وساعة فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن، فأمر أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتستتر بذلك أعناقهن ونحورهن وما حواليها من شعر وزينة. وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء شبيه الإلصاق. وعن عائشة: ما رأيت نساء خيراً من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الاية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرن فأصبحن كأن على رؤوسهن الغربان. ثم بين أن الزينة الخفية يحل إبداؤها لاثنتي عشرة فرقة: الأولى بعولتهن أي أزواجهن والتاء لتأكيد الجمع كصقورة. الثانية: آباؤهن وإن علوا من جهة الأب والأم. الثالثة: آباء بعولتهن وإن علوا. الرابعة: أبناؤهن وإن سفلوا الخامسة: أبناء بعولتهن وإن سفلوا ايضاً. السادسة: إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما. السابعة: بنو إخوانهن. الثامنة: بنو أخواتهن وحكم أولاد الأولاد حكم اولاد فيهما. وهؤلاء كلهم محارم وترك من المحارم العم والخال، فعن الحسن البصري أنهما كسائر المحارم في جواز النظر. وقد يذكر البعض لينبه على الجملة ولهذا لم يذكر المحارم من الرضاع في هذه الآية، وكذا في سورة الأحزاب قال {أية : لا جناح عليهن في آبائهن} تفسير : [الأحزاب: 55] إلى آخر الآية. ولم يذكر البعولة ولا أبناءهم. وقال الشعبي: إنما لم يذكرهما الله تعالى لئلا يصفها العم عند ابنه والخال عند ابنه، وذلك أن العم والخال يفارقان سائر المحارم في أوان أبناءهما ليسوا من المحارم، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم ومعرفة الوصف قريب من النظر، وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط في التستر. وإنما أبيح إبداء الزينة الخفية لهؤلاء المذكورين لاحتياجهن إلى مداخلتهم ومخالطتهم ولا سيما في السفار للنزول والركوب. وأيضاً لقلة وقوع الفتنة من جهاتهم لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب الأقارب. التاسعة: قوله {أو نسائهن} فذهب أكثر السلف على أن المراد أهل أديانهن ومن هنا قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها. وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات. وقال آخرون: والعمل عليه إن المراد جميع النساء وقول السلف محمول على الأولى والأحب. العاشرة: قوله {أو ما ملكت ايمانهن} وظاهر الآية يشمل العبيد والإماء ويؤيده ما روى أنس أنه صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: حديث : إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك، تفسير : وعن عائشة أنها قالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر. وعنها أنها كانت تمشط والعبد ينظر إليها. وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب: إن العبد ينظر إلى شعر مولاته وهو قول أبي حنيفة إذ ليس ملكها للعبد كملكه للأمة فلا خلاف أنها لا تستبيح بملك العبد شيئً من التمتع منه كما يملك الرجل من الأمة. وتحريم تزوج العبد لمولاته عارض غير مؤبد كمن عنده أربع نسوة لا يجوز له التزوج بغيرهن، فلما لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة سائر الأجانب خصياً كان العبد او فحلاً. وأورد على هذا القول لزوم التكرار ضرورة أن الإماء من حملة نسائهن. وأجيب بأنه أراد بالنساء الحرائر كما أراد بالرجال الأحرار في قوله {أية : شهيدين من رجالكم} تفسير : [البقرة: 282] الحادية عشرة قوله {أو التابعين غير أولي الإربة} وهي الحاجة وهم البله. وأهل العنة الذين لا يعرفون شيئاً من أمور النساء إنما يتبعون الناس ليصيبوا من فضل طعامهم أو شيوخ صلحاء لا حاجة بهم إلى النساء لعفة أو عنانة. حديث : عن زينب بنت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة وقال: يا عبد الله إن فتح الله لكم الطائف أدلك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان عنى عكن بطنها. فقال صلى الله عليه وسلم:لا يدخلن عليكم هذا. تفسير : فأباح النبي صلى الله عليه وسلم دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولي الإربة، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولي الإربة فحجبه. الثانية عشر قوله {أو الطفل} وهو جنس يقع على الواحد والجمع وهو المراد ههنا. قال ابن قتيبة معنى {لم يظهروا} لم يطلعوا {على عورات النساء} والعورة سوأة الإنسان وكل مايستحيا منه. وقال الفراء والزجاج: هو من قولهم "ظهر على كذا" إذا قوي عليه أي لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء. فعلى الأول يجب الاحتجاب ممن ظهر فيه داعية الحكاية، وعلى الثاني إنما يجب الاحتجاب من المراهق الذي ظهرت فيه مبادي الشهوة، قال الحسن: هؤلاء الفرق وإن اشتركوا في جواز رؤية الزينة الظاهرة فهم على أقسام ثلاثة: فأولهم الزوج وله حرمة ليست لغيره يحل له كل شيء منها، والثاني الأب والابن والأخ والجد وأبو الزوج وكل محرم من الرضاع أو النسب كل يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك. والثالث التابعون غير أولي الإربة، وكذا المملوك لا بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدي هؤلاء في درع وخمار صفيق بغير ملحفة، ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعراً ولا بشراً ولا يصح للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب. فهذا ضبط هذه المراتب ثم علمهن أدباً آخر جميلاً بقوله {ولا يضربن بأرجلهن} قال ابن عباس: كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال. وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين. وفي النهي عن إظهار صوت الحلي بعد نهيهن عن إظهار الحلي مبالغة فوق مبالغة ليعلم أن كل ما يجر إلىالفتنة يجب الاحتراز عنه، فإن الرجل الذي تغلب عليه الشهوة إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعياً له إلى مشاهدتهن، ومنه يعلم وجوب إخفاء صوتهن إذا لم يؤمن الفتنة ولهذا كرهوا أذان النساء، ثم ختم الآية بالأمر بالدوام على التوبة والاستغفار لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يكاد يقدر على رعاية الأوامر والنواهي كما يجب. قال العلماء: إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه لزمه كلما ذكر أن يجدد عنه التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه عز وجل. وعن ابن عباس: اراد توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة. قال جار الله: من قرأ {آيه المؤمنون} بضم الهاء فوجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها. الحكم السادس: النكاح وذلك أنه حين أمر بغض الأبصار وحفظ الفروج ارشد بعد ذلك إلى طريق الحل فيما تدعو إليه الشهوة. وأصل الأيامى أيايم فقلب الواحد أيم بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة. قال النضر بن شميل: الأيم في كلام العرب كل ذكر لا أنثى معه وكل أنثى لا ذكر معها وهو قول ابن عباس في رواية الضحاك يقول: زوِّجوا أياماكم بعضهم من بعض. وقد آم وآمت وتأيما إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين. قال: فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت افتى منكم أتأيم. وظاهر الأمر الوجوب إلا أن الجمهور حملوه على الندب لأنه لو كان واجباً لشاع في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وانتشر، ولو انتشر لنقل لعموم الحاجة إليه. وقد ورد في الأخبار التصريح بكونه سنة كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : النكاح سنتي" تفسير : وكقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أحب فطرتي فليستسن بسنتي وهي النكاح" تفسير : وقد أجمعوا على أن الأيم الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها عليه. واتفقوا على أن السيد لا يجبر على تزويج عبده أو أمته. نعم قد يجب في بعض الصور كما إذا التمست التزويج من الولي فعليه الإجابة إذا كان الخاطب كفؤاً. استدل الشافعي بعموم الآية على جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها وإعترض أبو بكر الرازي بأن الأيامى شامل للرجال والنساء وحين لزم في الرجال تزويجهم بإذنهم فكذا في النساء ويؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها" تفسير : وأجيب بأن تخصيص النص لا يقدح في كونه حجة في الباقي. والفرق أن الأيم من الرجال يتولى أمر نفسه فلا يجب على الولي تعهده بخلاف المرأة فإن احتياجها إلى من يصلح أمرها أظهر، على أنا لا نسلم أن لفظ الأيامى عند الإطلاق يتناول الرجال، وفي تخصيص الآية بخبر الواحد أيضاً نزاع. واستدل ابو حنيفة بعموم الآية أيضاً على أن العم والأخ يليان تزويج الثيب الصغيرة ونوقش فيه. قال الشافعي: من تاقت نفسه إلى النكاح استحب له أن ينكح إذا وجد أهبة النكاح وإلا فليكسر شهوته بالصوم لما روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فإن الصوم له وجاء" تفسير : والذي جاء لا تتوق نفسه إلى النكاح لكبر أو مرض أو عجز أو كان غير قادر على النفقة يكره له أن ينكح لأنه يلتزم مالا يمكنه القيام بحقه، وإن لم يكن به عجز وكان قادراً على القيام بحقه لم يكره له أن ينكح لكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله تعالى. وقال أبو حنيفة: النكاح افضل. حجة الشافعي أنه تعالى مدح يحيى بقوله {أية : وسيداً وحصوراً} تفسير : [آل عمران: 39] والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليهن. وقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أفضل أعمالكم الصلاة" تفسير : وقال "حديث : أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن" تفسير : وقال "حديث : أحب المباحات إلى الله تعالى النكاح" تفسير : والمباح ما استوى طرفاه، والمندوب ما ترجح فعله ولو كان النكاح عبادة لم يصح من الكافر. والنكاح فيه شهوة النفس والعبادة فيها مشقة النفس والإقبال على الله تعالى فأين أحدهما من الآخر! ولو كان النكاح مساوياً للنوافل في الثواب لم تكن النوافل مشروعة لأن الطريق المؤدي إلى المطلوب مع بقاء اللذة وعدم التعب أولى بالسلوك، وإن كان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لأنه سبب لبقاء الأشخاص ونظام العالم. فالاشتغال بالزراعة أيضاً أولى من النافلة للعلة المذكورة. وقد وقع الإجماع على أن واجب العبادة مقدم على واجب النكاح، فكذا مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة" تفسير : حجة أبي حنيفة أن النكاح يتضمن صوت النفس من ضرر الزنا ودفع الضرر أهم من جلب النفع. وأيضاً النكاح يتضمن العدل. وقد ورد في الحديث "حديث : لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : النكاح سنتي" تفسير : وقال في الصلاة "حديث : إنها خير موضوع فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل" تفسير : ثم إن الأيامى جمع مستغرق لكنهم أجمعوا على أنه لا بد من شروط ذكرنا بعضها في سورة النساء في قوله {أية : وأحل لكم ما وراء ذلكم} تفسير : [النساء: 24] ومعنى {منكم} أي من حرائركم قاله كثير من المفسرين لأن حكم العبيد والإماء يعقب ذلك. ومنهم من قال: أراد من يكون تحت ولاية المأمور من الولد والقريب. ومنهم من قال: الإضافة لا تفيد الحرية والإسلام. ثم امر السادة أن يزوجوا أرقاءهم الصالحين. واتفقوا على أنه للإباحة والترغيب لأن في تزويج العبد التزام مؤنة زوجته وتعطل خدمته واستفادة المهر وسقوط النفقة في تزويج الأمة ليس قبوله بلازم على السيد أيضاً، وتخصيص الصالحين بالذكر عناية من الله بحالهم ليتحصن دينهم ويتحفظ عليهم صلاحهم. وأيضاً الصالحون من الأرقاء هم الذين يشفق عليهم مواليهم ويهتمون بشأنهم حتى ينزلوهم منزلة الأولاد. ويجوز أن يراد بالصلاح القيام بحقوق النكاح، ومن جملة ذلك أن لا يكون في غاية الصغر بحيث لا يحتاج إلى النكاح. وإذن السيد لهم أن يزوجوا أنفسهم ينوب عن تزويج السيد. أما قوله {إن يكونوا فقراء} فالأصح أن هذا ليس وعداً من الله تعالى بإغناء من يتزوج حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف، فرب غني يفقره النكاح ولكن المعنى لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم ففي فضل الله ما يغنيهم والمال غاد ورائح. على أن مثل هذا الوعد قد جاء مشروطاً بالمشيئة في قوله {أية : وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} تفسير : [التوبة: 28] فالمُطلق محمول على المقيد. وقيل: أراد بالغنى نفس العفاف بتملك البضع الذي يغنيه عن الوقوع في الزنا. وعن طائفة من الصحابة أن هذا وعد. وعن أبي بكر قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى. وعن ابن عباس: التمسوا الرزق بالنكاح. حديث : وشكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاجة فقال:عليك بالباءة. تفسير : وقد يستدل بالآية على أن العبد والأمة يملكان وإلا لم يتصور فقرهما وغناهما. والمفسرون قالوا: الضمير عائد إلى الأحرار خاصة وهم الأيامى، وإن فسر الغني بالعفاف فلا بعد في رجوعه إلى الكل {والله واسع} إفضاله ولكنه {عليم} يبسط الرزق كما يريد وعلى ما ينبغي. وفيه إشارة إلى قيد المشيئة في الوعد المذكور. ثم ذكر حال العاجزين عن القيام بمؤن النكاح بقوله {وليستعفف} أي ليطلب العفة من نفسه والمضاف محذوف أي لا يجدون استطاعة نكاح ولا يقدرون عليه، أو النكاح يراد به ما ينكح بوساطته وهو المال ولا محذوف. وفي قوله {حتى يغنيهم} نوع تأميل للمستعففين. وفيه أن فضله من أهل الصلاح والعفاف قريب. الحكم السابع: المكاتبة: وحين رغب السادة في تزويج الصالحين من العبيد والإماء أرشدهم إلى الطريق الذي به ينخرط العبيد في سلك الأحرار مع عدم الإضرار بالسادة فقال {والذين يبتغون} ومحله إما رفع والخبر {فكاتبوهم} والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وإما نصب بفعل مضمر تفسيره {فكاتبوهم} والفاء للإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها كقوله {أية : وربك فكبر} تفسير : [المدثر: 3] والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، والتركيب يدل على الضم والجمع لما فيه من ضم النجوم بعضها إلى بعض. وقال الأزهري: هو من الكتابة ومعناه كتبت لك على نفس أن تعتق مني إذا وفيت المال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت عليَّ العتق، وقيل: سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل واجباً عند الشافعي وندباً عند أبي حنيفة كما تجيء. والأجل يستدعي الكتابة لقوله {أية : إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه} تفسير : [البقرة: 282] قال محي السنة: الكتابة أن تقول لمملوكك كاتبتك على كذا ويسمى مالا يؤديه في نجمين أو أكثر ويعين عدد النجوم، وما يؤدى في كل نجم ويقول: إذا أديت ذلك المال فأنت حر وينوي ذلك بقلبه. ويقول العبد: قبلت وفي هذا الضبط أبحاث: الأول قال الشافعي: إن لم يقل بلسانه إذا أديت ذلك المال فأنت حر ولم ينوِ بقلبه ذلك لم يعتق لأن الكتابة ليست عقد معاوضة محضة، فإن ما في يد العبد فهو ملك لاسيد والإنسان لا يمكنه بيع ملكه بعين ملكه. فقوله "كاتبتك" كناية في العتق فلا بد فيه من لفظ العتق ونيته. وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر: لا حاجة إلى ذلك لإطلاق قوله {فكاتبوهم} وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع. الثاني: لا تجوز الكتابة عند الشافعي إلا مؤجلة لأن العبد لا يتصور له ملك يؤديه في الحال. وجوز أبو حنيفة الحلول لإطلاق الآية، ولأنه يجوز العتق على مال في الحال بالاتفاق، فالكتابة ايضاً مثله. الثالث: قال الشافعي: لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين. روي ذلك عن علي عليه السلام وعمر وعثمان وابن عمر. وذلك أنه عقد إرفاق ومن تمام الإرفاق التنجيم، وجوز أبو حنيفة على نجم واحد لإطلاق الآية وللقياس على سائر العقود. الرابع: جوز أبو حنيفة كتابة الصبي قال: ويقبل عنه المولى. وذهب الشافعي إلى أنه يجب أن يكون عاقلاً بالغاً لأنه تعالى قال {والذين يبتغون} والصبي لا يتصور منه الطلب. الخامس: جوز أبو حنيفة أن يكاتب الصبي بإذن الولي وشرط الشافعي كونه مكلفاً مطلقاً، لأن قوله {فكاتبوهم} خطاب فلا يتناول إلا العاقل هذا وللمفسرين خلاف في أن قوله {فكاتبوهم} أمر إيجاب أو استحباب، فقال قائلون ومنهم عمرو بن دينار وعطاء وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى وجوب الكتابة إذا طلبها المملوك بقيمته أو بأكثر وعلم السيد فيه خيراً، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه وأكدوه بما روي في سبب النزول أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوك يقال له الصبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فنزلت. ويروى أن عمر أمر إنساناً بأن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين، فأبى فضربه بالدرة ولم ينكر أحد من الصحابة عليه. وذهب أكثر العلماء منهم ابن عباس والحسن والشعبي ومالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري إلى أنه ندب لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب من قلبه" تفسير : ولأن طلب الكتابة كطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة فلا تجب الإجابة، وهذه طريقة المعاوضات أجمع. قال العلماء: إذا أدى مال الكتابة عتق وكان ولاؤه لمولاه لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له، ومن هنا يكسب مولاه الثواب. أما قوله {إن علمتم فيهم خيراً} قال عطاء: الخير هو المال كقوله {أية : إن ترك خيراً} تفسير : [البقرة: 180] قال: بلغني ذلك عن ابن عباس. وضعف بأنه لا يقال في فلان مال وإنما يقال له أو عنده مال، وبأن العبد لا مال له بل المال لسيده، وعن ابن سيرين: اراد إذا صلى. وعن النخعي: وفاء وصدقاً. وقال الحسن: صلاحاً في الدين. والأقرب أنه شيء يتعلق بالكتابة هكذا فسره الشافعي بالأمانة والقوة على الكسب. ويروى مثله مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وذلك أن مقصود الكتابة لا يحصل إلا بالكسب ثم بالأمانة كيلا يضيع ما يكسبه. واختلفوا أيضاً في المخاطب بقوله {وآتوهم} فعن الحسن والنخعي وابن عباس في رواية عطاء وهو مذهب أبي حنيفة، أنهم المسلمون والمراد أعطوهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، ولا بعد في كون المخاطب في أحد المعطوفين غير الآخر ولا في كون أحد الأمرين للاستحباب والآخر للإيجاب. والسهم الذي يأخذه المكاتب له صدقة ولسيده عوض كما قاله صلى الله عليه وسلم في حديث بريرة "حديث : هو لها صدقة ولنا هدية" تفسير : وعن كثير من الصحابة وهو مذهب الشافعي أن المخاطب هو الموالي والأمر أمر إيجاب فيجب عليهم أن يبذلوا للمكاتبين شيئاً من أموالهم، أو يحطوا عنهم جزءاً من مال الكتابة. ثم اختلفوا في قدره فعن علي عليه السلام أنه كان يحط الربع ومثله ما روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاماً له فترك ربع مكاتبته وعن ابن عمر أنه كاتب عبداً له بخمسة وثلاثين ألفاً ووضع عنه خمسة آلاف وهو السبع. والأكثرون على أنه غير مقدر ويحصل الامتثال بأقل متمول. عن ابن عباس: يضع له من كتابته شيئاً. وعن عمر أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام، فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمرو وقال: استعن به على مكاتبتك. فقال: لو أخرته إلى آخر نجم، فقال: أخاف أن لا أدرك ذلك، وهذا الحط عند الأولين على وجه الندب فلا يجبر المولى عليه وأكدوه بما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أَيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلاّ عشر أواق فهو عبد" تفسير : فلو كان الحط واجباً لأسقط عنه بقدره، ومثله المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. وايضاً لو كان الحط واجباً فإن كان معلوماً لزم عتقه إذا بقي ذلك القدر وليس ذلك بالاتفاق، ولو كان مجهولاً لكان ما بقي وهو مال الكتابة مجهولاً فلا تصح الكتابة. وأيضاً أمر بالإيتاء من مال الله الذي أتاهم ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه يصدر العجز عنه فلا يستحق ذلك المال هذا الوصف فصح أن هذا أمر من الله تعالى بذلك للناس، أولهم وللسادة أن يعينوا المكاتب على كتابته بما يمكنهم قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من أعان مكاتباً في فك رقبته أظله الله في ظل عرشه". تفسير : الحكم الثامن: المنع من إكراه الإماء على الزنا: كان لعبد الله بن ابيّ راس النفاق ست جوار: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، يكرهن على البغاء - أي الزنا- فشكت ثنتان منهن معاذة ومسيكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحد الإكراه قد مر في سورة النحل في قوله {أية : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} تفسير : [النحل: 106] والنص وإن كان مختصاً بالإماء إلا أنهم أجمعوا على أن حال الحرائر أيضاً كذلك. والسؤال المشهور في الآية هو أن المعلق بكلمة أن على الشيء يفهم منه عدمه عند عدم ذلك الشيء فتدل الآية على جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن. والجواب بعد تسليم أن مفهوم الخطاب حجة هو أن الإكراه مع عدم غرادة التحصن والتعفف مما لا يجتمعان، فهذا المفهوم قد خرج عن كونه دليلاً لامتناعه في ذاته. وقد يقال: إن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما مر في قوله {أية : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} تفسير : [النساء: 101] وقيل: "إن" بمعنى "إذ" لأن سبب النزول وارد على ذلك. قال جار الله: أوثرت كلمة "أن" على "إذ" إيذاناً بأن المساعيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من قبيل الشاذ والنادر. وللآية مفهوم آخر وهو أن للسادة إكراههن على النكاح وليس لها أن تمتنع على السيد إذا زوجها. و {عرض الحياة الدنيا} كسبهن وأولادهن {ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} لهم على الإطلاق أو بشرط التوبة على أصل الأشاعرة والمعتزلة، أو غفور لهن لأن الإكراه قد لا يكون على حد المعتبر في الشرع من التخويف الشديد فتكون آثمة حينئذ. وحين فرغ من الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث: ألأولى الآيات المبينات أي الموضحات أو الواضحات في معاني الحدود والأحكام وغيرها ولا سيما الآيات التي ثبتت في هذه السورة. الثانية كونه مثلاً من الذين خلوا أي قصة عجيبة من قصصهم فإن العجب في قصة عائشة ليس باقل من العجب في قصة يوسف ومريم ومااتهما به. وعن الضحاك أنه أراد بالمثل شبه ما ذكر في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود. وعن مقاتل: اراد شبيه ما حل بهم من العقاب إذا عصوا. الثالثة كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة. التأويل: لا تدخلوا بيوت عالم القرار التي هي غير بيوتكم من دار القرار حتى تتعرفوا أحوالها {وتسلموا على أهلها} سلام توديع ومتاركة {فإن لم تجدوا فيها أحداً} فإن صرتم بحيث فتنتم عن حظوظ الدنيا وشهواتها فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم بالتصرف فيها بالحق للحق {وإن قيل لكم ارجعوا} بجذبة {أية : ارجعي إلى ربك} تفسير : [الفجر: 28] {فارجعوا} ثم أشار إلى أن التصرف في الدنيا لأجل البلاغ وبحسب الضرورة جائز إذا لم تكن النفس تطمئن إليها فقال {ليس عليكم جناح} الاية. ثم أمر بغض بصر النفس عن مشتهيات الدنيا، وبصر القلب عن رؤية الأعمال ونعيم الآخرة، بصر السر عن الدرجات والقربات، وبصر الروح عن الالتفات غلى ما سوى الله، وبصر الهمة عن العلل بأن لا يرى نفسه أهلاً لشهود الحق تنزيهاً له وإجلالاً، ولهذا أمر بحفظ فرج الباطن عن تصرفات الكونين فيه. ثم أمر النساء بمثل ما أمر به الرجال تنبيهاً على أن النساء بالصورة قد يكن رجالاً في المعنى. ثم نهى عن إظهار ما زين الله به سرائرهم وأحوالهم إلا ماظهر على صفحات أحوالهم من غير تكلف منهم. ثم اباح لهم إظهار بعض الأسرار إلى شيوخهن أو إخوانهن في الدين والحال، أو المريدين الذين هم تحت تربيتهم وتصرفهم بمنزلة النساء والمماليك ومن لا خبر عندهم من عالم المعنى كالبله والأطفال، ففيه نفثة مصدور من غير ضرب. {وتوبوا إلى الله جميعاً} فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. فتوبة المبتدئ من الحرام وتوبة المتوسط من الحلال وتوبة المنتهي مما سوى الله {وأنكحوا الأيامى} فيه أمر بطلب شيخ كامل يودع في رحم القلب من صلب الولاية نطفة استعداد قبول الفيض الأعلى وهو الولادة الثانية المستديعة للولوج في ملكوت السماء والأرض، وقد اشار إلى إفاضة هذا الاستعداد بقوله {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وليستعفف} ليحفظ الذين لا يجدون شيخاً في الحال أرحام قلوبهم عن تصرفات الدنيا والهوى والشيطان حتى يدلهم الله على شيخ كامل كما دل موسى على الخضر عليه السلام، أو يخصهم بجذبة {أية : الله يجتبي} تفسير : [الشورى: 13] {والذين يبتغون} فيه أن المريد إذا طلب الخلاص عن قيد الرياضة لزم إجابته إن علم فيه الصلاح ووجب أن يؤتى بعض ما خص الله الشيخ به من المواهب {ولا تكرهوا} فيه أن النفس إذا لم تكن مائلة إلى التصرف في الدنيا وإن كان بالحق لم تكره عليه فإن أصحاب الخلوة غير أرباب الجلوة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} الآية. لما ذكر حكم الرمي والقذف ذكر ما يليق به، لأن أهل الإفك (إنما توصلوا) إلى بهتانهم لوجود الخلوة، فصارت كأنها طريق التهمة، فأوجب الله تعالى ألا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، لأن الدخول على غير هذا الوجه يوقع التهمة، وفي ذلك من المضرة ما لا خفاء به. قوله: "تَسْتَأنِسُوا" يجوز أن يكون من الاستئناس، لأنَّ الطارق يستوحش من أنه هل يؤذن له أو لا؟ فزال استيحاشه، وهو رديف الاستئذان فوضع موضعه. وقيل: من الإيناس، وهو الإبصار، أي: حتى تستكشفوا الحال. وفسره ابنُ عباس: "حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا" وليست قراءة، وما ينقل عنه أنه قال: "تَسْتَأنِسُوا" خطأ من الكاتب، إنما هو (تَسْتَأْذِنُوا) فشيء مفترى عليه. وضعفه بعضهم بأن هذا يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر، ويقتضي صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر، وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وإنه باطل. وروي عن الحسن البصري أنه قال: "إن في الكلام تقديماً وتأخيراً، فالمعنى: حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا". وهذا أيضاً خلاف الظاهر. وفي قراءة عبد الله: {حَتَّى تُسَلِّمُوا وَتَسْتَأْذِنُوا} وهو أيضاً خلاف الظاهر. واعلم أن هذا نظير ما تقدم في الرعد: (في) {أية : أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} تفسير : [الرعد: 31] وتقدم القول فيه. والاستئناس: الاستعلام (والاستكشاف، من أنس الشيء: إذا أبصره، كقوله: {أية : إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} تفسير : [طه: 10]، والمعنى: حتى تستعلموا الحال، هل يراد دخولكم؟) قال: شعر : 3825- كَأَنَّ رَحْلِيَ وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا يَوْمَ الجَلِيلِ على مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ تفسير : وقيل: هو من "الإنْس" بكسر الهمزة، أي: يَتَعرَّف هل فيها إنْسٌ أم لا؟ وحكى الطبري أنه بمعنى: "وَتُؤْنِسُوا أَنْفُسَكُمْ". قال ابن عطية: وتصريف الفعل يَأْبَى أن يكونَ مِنْ "أَنَس". فصل قال الخليل: الاستئناس: الاستبصار من (أنس الشيء إذا أبصره) كقوله: {أية : آنسْتُ نَاراً} تفسير : [طه: 10] أي: أبصرت. وقيل: هو أن يتكلم بتسبيحة أو تكبيرة أو بتنحنح يؤذن أهل البيت. وجملة حكم الآية أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد السلام والاستئذان. واختلفوا: هل يقدم الاستئذان أو السلام؟ فقيل: يقدم الاستئذان، فيقول: أأدخل؟ سلام عليكم، لقوله: "حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا" أي: تستأذنوا {وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا}. والأكثرون على أنه يقدم السلام فيقول: سلام عليكم، أأدخل؟ (حديث : لما روي أن رجلاً دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسلم ولم يستأذن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ارجع فقُل: السلام عليكم، أأدخل"تفسير : ) وروى ابن عمر أن رجلاً استأذن عليه فقال: أأدخل؟ فقال ابن عمر: لا، فأمر بعضهم الرجل أن يسلم، فسلَّم، فأذِنَ له. وقيل إن وقع بصره على إنسان قدم السلام، وإلاّ قدم الاستئذان ثم يسلم. والحكمة في إيجاب تقديم الاستئذان ألاَّ يهجم على ما لا يحل له أن ينظر إليه من عورة، أو على ما لا يحب القوم أن يعرفه من الأحوال. فصل عدد الاستئذان ثلاثاً لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : الاستئذان ثلاثٌ، الأولى يستضيئون، والثانية يستصلحون، والثالثة يأذنون أو يردون" تفسير : وعن أبي سعيد الخدري قال: "حديث : كُنت جالساً في مجلس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعاً، فقلنا له: ما أفزعك؟ فقال: أخبرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي، فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتيني؟ فقلت: قد جئت فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي، وقد قال عليه السلام -: "إذا استأذنَ أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع". فقال: لتأتيني (على هذا) بالبينة، أو لأعاقبنك، فقال أبو سعيد: لا يقوم معك إلا صغير القوم، قال: فقام أبو سعيد، فشهد له ". تفسير : وفي بعض الروايات أن عمر قال لأبي موسى: لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله. وعن قتادة: "الاستئذانُ ثلاثةٌ: الأول ليسمع الحي، والثاني ليتهيأ، والثالث إن شاء أذن وإن شاء ردّ". وهذا من محاسن الآداب، لأنه في أول كرَّة ربما منعهم بعض الأشغال من الإذن، وفي الثانية ربما كان هناك ما يمنع، فإذا لم يجب في الثالثة يستدل بعدم الإذن على مانع. ويجب أن يكون بين كل واحدة والأخرى وقت ما. فأما قرع الباب بعنف، والصياح بصاحب الدار فذاك حرام، لأنه إيذاء، وكذا قصة بني أسد وما نزل فيها من قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الحجرات: 4]. فصل في كيفية الوقوف على الباب روى أبو سعيد قال: استأذن رجلٌ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مستقبل الباب، فقال عليه السلام: "حديث : لا تستأذِنْ وأنت مستقبلُ البابِ ". حديث : وروي أنه عليه السلام كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، فيقول: "السلامُ عليكُمْ" تفسير : وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور. فصل كلمة "حَتَّى" للغاية، والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما قبلها، فقوله: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن. والجواب أن الله تعالى جعل الغاية الاستئناس، ولا يحصل إلا بعد الإذن. وأيضاً فإنّا علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان ألا يدخل الإنسان على غيره بغير إذنه، فإنّ ذلك مما يسوؤه، وهذا المقصود لا يحصل إلا بعد الإذن. وأيضاً قوله: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا (حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ}) فمنع الدخول إلا مع الإذن، فدل على أن الإذن شرط في إباحة الدخول في الآية الأولى. وإذا ثبت هذا فنقول: لا بد من الإذن أو ما يقوم مقامه، لقوله عليه السلام "حديث : إذا دُعِيَ أحدُكُم فجاء مع الرسول فإنَّ ذلك له إذن ". تفسير : وقال بعضهم: إن من جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان. واعلم أن ظاهر الآية يقتضي قبول الإذن مطلقاً سواء كان الآذن صبياً أو امرأة أو عبداً أو ذمياً، فإنه لا يعتبر في هذا الإذن صفات الشهادة، وكذلك قبول إحضار هؤلاء في الهدايا ونحوها. فصل ويستأذن على المحارم، حديث : لما روي أن رجلاً سأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أأستأذن على أختي؟" فقال عليه السلام: "نَعَمْ، أتحب أن تراها عريانة؟" تفسير : وسأل رجل حذيفة: "أأستأذن على أختي؟" فقال: "إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوؤك". ولعموم قوله: {أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ} تفسير : [النور: 59] إلا أنَّ ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز أيسر لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوه. فصل إذا اطلع إنسان في دار إنسان بغير إذنه ففقأ عينه فهي هدر، لقوله عليه السلام: "حديث : مَن اطَّلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه ". تفسير : وقال أبو بكر الرازي: هذا الخبر ورد على خلاف قياس الأصول، فإنه لا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامناً، وكان عليه القصاص إن كان عامداً، والأرش إن كان مخطئاً، والداخل قد اطَّلع وزاد على الاطلاع، فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق، فإن صحَّ فمعناه: من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم فمنع فلم يمتنع فذهب عينه في حال الممانعة فهي هدر، فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي ثم جاء إنسان ففقأ عينه فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى: {أية : العَيْن بِالعَيْنِ} تفسير : [المائدة: 45] إلى قوله: {أية : والجُرُوحَ قِصَاصٌ} تفسير : [المائدة: 45]. وأجيب بأن التمسك بقوله: "العَيْنُ بِالعَيْنِ" ضعيف، لأنا أجمعنا على أن هذا النص مشروط بما إذا لم تكن العين مستحقة، فإنه لو كانت مستحقة القصاص، فلم قلت: إن من اطَّلع في دار إنسان لم تكن عينه مستحقة؟ وأما قوله: إنه لو دخل لم يجز فقء عينه، فكذا إذا نظر. والفرق بينهما أنه إذا دخل، علم القوم بدخوله عليهم، فاحترزوا عنه وتستروا، فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين بذلك فيطلع منهم على ما لا يجوز الاطلاع عليه، فلا يبعد في حُكْم الشرع أن يبالغ هنا في الزجر حسماً لهذه المفسدة. وأيضاً فردّ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا القدر من الكلام ليس جائزاً. فصل إذا عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق، أو ظهور منكر فهل يجب الاستئذان؟ فقيل: كل ذلك مستثنى بالدليل. فأما السلام فهو من سنة المسلمين التي أمروا بها، وهو تحية أهل الجنة، ومجلبة للمودة، ونافٍ للحقد والضغائن. قال عليه السلام: "حديث : لمَّا خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذن الله، فقال له الله: يرحمك ربك يا آدم، اذهب إلى هؤلاء الملائكة (وهم) ملأ منهم جلوس فقل: السلام عليكم، فلما فعل ذلك رجع إلى ربه فقال: هذه تحيتك وتحية ذريتك" تفسير : وعن عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : حق المسلم على المسلم ست: يسلِّم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، وينصح له بالغيب، ويشمِّته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات ". تفسير : وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إن سرَّكم أن يسل الغل من صدروكم فأفشوا السلام بينكم ". تفسير : قوله: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}. أي: إن فعل ذلك خير لكم وأولى بكم من الهجوم بغير إذن "لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" أي: لتذكروا هذا التأديب فتتمسكوا به {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ} أي: فإن لم تجدوا في البيوت "أَحَداً" يأذن لكم في دخولها {فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ} لجواز أن يكون هناك أحوال مكتومة، {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ} وذلك أنه كما يكون الدخول قد يكرهه صاحب الدار، فكذلك الوقوف على الباب قد يكرهه، فلا جرم كان الأولى له أن يرجع {هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ} أي: الرجوع هو أطهر وأصلح لكم. قال قتادة: إذا لم يؤذن له فلا يقعد على الباب، فإنَّ للناس حاجات، وإذا حضر فلم يستأذن وقعد على الباب منتظراً جاز. كان ابن عباس يأتي الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب (حتى يخرج) ولا يستأذن، فيخرج الرجل ويقول: "يا ابنَ عم رسول الله لو أخبرتني" فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم. وإذا وقف فلا ينظر من شق الباب إذا كان الباب مردوداً حديث : لما روي أن رجلاً اطلع على النبي - صلى الله عليه وسلم - من ستر الحجرة، وفي يد النبي - صلى الله عليه وسلم - مدراء، فقال: "لو علمتُ أن هذا ينظرني حتى آتيه لَطَعْنتُ بالمدراء في عينه، وهل جعل الاستئذان إلا من أجل البصر "؟ تفسير : قوله: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} أي: من الدخول بالإذن وغير الإذن. ولما ذكر الله تعالى حكم الدور المسكونة ذكر بعده حكم الدور التي هي غير مسكونة فقال: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ}. قال المفسرون: لما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام وعلى ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله عزَّ وجلَّ {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ}. أي: بغير استئذان {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} أي: منفعة لكم. قال محمد ابن الحنفية: إنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين. وقال ابن زيد: هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلها للبيع والشراء، وهو المنفعة قال إبراهيم النخعي: ليس على حوانيت السوق إذن. وكان ابن سيرين إذا جاء إلى حانوت السوق يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ثم يلج. وقال عطاء: هي البيوت الخربة، و"المَتَاعُ" هو قضاء الحاجة فيها من البول والغائط. وقيل: هي جميع البيوت التي لا ساكن لها. وقيل: هي الحمامات. وروي أن أبا بكر قال: يا رسولَ الله، إن الله قد أنزلَ عليكَ آيةً في الاستئذان، وإنا نختلف في تجارتنا فننزل هذه الخانات، أفلا ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت هذه الآية. والأصح أنه لا يمتنع دخول الجميع تحت الآية، لأن الاستئذان إنما جاء لئلا يطلع على عورة، فإن لم يخف ذلك فله الدخول، لأنه مأذون فيها عرفاً. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} وهذا وعيد للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال: قالت امراة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد لا ولد ولا والد، فيأتيني الآتي فيدخل علي، فكيف أصنع؟ ولفظ ابن جرير: وانه لا يزال يدخل عليَّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم} الآية. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء في المختارة من طرق ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} قال: أخطأ الكاتب إنما هي حتى تستأذنوا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن إبراهيم قال: في مصحف عبد الله {حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا} وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: هي في قراءة أبي {حتى تسلموا وتستأذنوا} . وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {حتى تستأنسوا} قال: حتى تستأذنوا. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الاستئناس. الاستئذان. وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم والترمذي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: قلت يا رسول الله أرأيت قول الله {حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} هذا التسليم قد عرفناه فما الاستئناس؟ قال: يتكلم الرجل بتسبيحة، وتكبيرة، وتحميدة، ويتنحنح، فيؤذن أهل البيت. وأخرج الطبراني عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الاستئناس. أن تدعو الخادم حتى يستأنس أهل البيت الذين يسلم عليهم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {حتى تستأنسوا} قال: تنحنحوا وتنخموا. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والبيهقي في سننه من طريق ربعي قال: حديث : حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقيل له: قل السلام عليكم. أأدخل؟ ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عمرو بن سعد الثقفيحديث : أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة: "قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن فقولي له يقول السلام عليكم. أأدخل؟" ". تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق كلدة؛ حديث : أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبن وجداية وضغابيس والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي قال: فدخلت عليه ولم أسلم، ولم استأذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارجع فقل السلام عليكم. أأدخل؟" ". تفسير : وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر في التمهيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: استأذن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام على رسول الله السلام عليكم. أيدخل عمر؟ وأخرج ابن وهب في كتاب المجالس وابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: أرسلني أبي إلى ابن عمر فجئته فقلت: أألج؟ فقال: ادخل. فلما دخلت قال: مرحباً يا ابن أخي لا تقل أألج؟ ولكن قل السلام عليكم، فإذا قالوا وعليك فقل: أأدخل؟ فإن قالوا ادخل فأدخل. وأخرج ابن أبي حاتم عن أم أياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة فقلت: ندخل فقالت: لا. فقالت واحدة: السلام عليكم. أندخل؟ قالت: ادخلوا ثم قالت {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} . وأخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : السلام قبل الكلام ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب عن أبي هريرة؛ فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال: لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام. وأخرج البخاري في الأدب عن أبي هريرة قال: إذا دخل ولم يقل السلام عليكم فقل: لا.. حتى تأتي بالمفتاح. واخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس تكلم ورفع صوته. وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم واخواتكم. وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا دخل البصر فلا اذن له ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستئذان في البيوت فقال "حديث : من دخلت عينه قبل أن يستأذن ويسلم فقد عصى الله، ولا أذن له ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من كان يشهد أني رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأنس ويسلم، فإذا نظر في قعر البيت فقد دخل ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في شعب الإِيمان عن هذيل قال: "حديث : جاء سعد فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن، فقام على الباب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "هكذا عنك فإنما الإِستئذان من النظر" ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود عن عبد الله بن بشر قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه. ولكن من ركنه الأيمن أو الايسر، ويقول: السلام عليكم السلام عليكم، وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور . تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن سهل بن سعد قال: حديث : اطلع رجل من جحر في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مدرى يحك بها رأسه فقال "لو أعلم أنك تنظر لطعنت بها في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"تفسير : . وفي لفظ: حديث : إنما جعل الله الإِذن من أجل البصر ". تفسير : وأخرج الطبراني عن سعد بن عبادة قال: حديث : جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فقمت مقابل الباب استأذنت، فأشار إليَّ أن تباعد وقال "هل الاستئذان إلا من أجل النظر" ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الايمان عن قتادة في قوله {حتى تستأنسوا} قال: هو الاستئذان قال: وكان يقال الاستئذان ثلاث، فمن لم يؤذن له فيهن فليرجع. أما الأولى فيسمع الحي. وأما الثانية فيأخذوا حذرهم. واما الثالث فإن شاؤوا أذنوا وإن شاؤوا ردوه. وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: كنت جالساً في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعاً، فقلنا له: ما أفزعك؟ قال: أمرني عمر أن آتيه، فأتيته فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي، فرجعت فقال: ما منعك أن تأتيني قلت: قد جئت، فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع"تفسير : قال: لتأتيني على هذا بالبينة فقالوا: لا يقوم إلا أصغر القوم، فقام أبو سعيد معه فشهد له فقال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك، ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم} يعني بيوتاً ليست لكم {حتى تستأنسوا وتسلموا} فيها تقديم يعني حتى تسلموا ثم تستأذنوا، والسلام قبل الاستئذان، {ذلكم} يعني الاستئذان والتسليم {خير لكم} يعني أفضل من أن تدخلوا من غير إِذن، ان لا تأثموا، ويأخذ أهل البيت حذرهم {لعلكم تذكرون} {فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} يعني في الدخول {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا} يعني لا تقعدوا ولا تقوموا على أبواب الناس {هو أزكى لكم} يعني الرجوع خير لكم من القيام والقعود على أبوابهم {والله بما تعملون عليم} يعني بما يكون عليم {ليس عليكم جناح} لا حرج عليكم {أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة} يعني ليس بها ساكن. وهي الخانات التي على طرق الناس للمسافر، لا جناح عليكم أن تدخلوها بغير استئذان ولا تسليم {فيها متاع لكم} يعني منافع من البرد والحر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {فإن لم تجدوا فيها أحداً} يقول: إن لم يكن لكم فيها متاع، فلا تدخلوها إلا بإذن، وفي قوله {ليس عليكم جناح....} قال: كانوا يضعون بطريق المدينة أقتاباً وامتعات في بيوت ليس فيها أحد، فأحلت لهم أن يدخلوها بغير إذن. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {بيوتاً غير مسكونة} قال: هي بالبيوت التي منزلها السفر، لا يسكنها أحد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن الحنفية في قوله {بيوتاً غير مسكونة} قال: هي هذه الخانات التي في الطرق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله {فيها متاع لكم} قال: الخلاء والبول. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله {بيوتاً غير مسكونة} قال: هي البيوت الْخَرِبَةُ لقضاء الحاجة. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي. مثله. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله {فيها متاع لكم} يعني الخانات. ينتفع بها من المطر والحر والبرد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {بيوتاً غير مسكونة} قال: هي البيوت التي ينزلها الناس في أسفارهم لا أحد فيها وفي قوله {فيها متاع لكم} قال: بلغة ومنفعة. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن مردويه عن أنس قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها؛ أن استأذن على بعض اخواني فيقول لي: ارجع. فأرجع وأنا مغتبط لقوله تعالى {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه يقول: حييت صباحاً، وحييت مساء. وكان ذلك تحية القوم بينهم، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم ويقول: قد دخلت. فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله، فغير الله ذلك كله في ستر وعفة فقال {لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم} فلما نزلت آية التسليم في البيوت والاستئذان فقال أبو بكر: يا رسول الله فكيف بتجار قريش الذين يختلفون بين مكة والمدينة والشام وبيت المقدس، ولهم بيوت معلومة على الطريق، فكيف يستأذنون ويسلمون، وليس فيهم سكان؟ فرخص الله في ذلك. فأنزل الله {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة} بغير اذن. وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود في الناسخ وابن جرير عن ابن عباس قال {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} ففسح واستثنى من ذلك فقال {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم} .
ابو السعود
تفسير : {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} إثرَ ما فُصل الزَّواجرُ عن الزِّنا وعن رميِ العفائف عنه شُرع في تفصيل الزَّواجر عمَّا عسى يُؤدِّي إلى أحدهما من مُخالطة الرِّجالِ بالنِّساءِ ودخولِهم عليهنَّ في أوقات الخلوات وتعليمِ الآدابِ الجميلة والأفاعيل المرضيَّة المستتبعة لسعادةِ الدَّارين ووصف البـيوت بمغايرة بـيوتِهم خارجٌ مخرجَ العادة التي هي سُكنى كلِّ أحدٍ في ملكه وإلا فالمآجر والمُعير أيضاٌ منهيَّانِ عن الدُّخول بغير إذنٍ. وقُرىء بِـيوتاً غيرَ بِـيوتكم بكسرِ الباءِ لإجلِ الياءِ {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} أي تستأذنوا مَن يملكُ الإذن من أصحابها من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره فإن المستأنس مستعلم للحال مستكشف أنه هل يؤذن له أو من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش لما أن المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا أذن له استأنس {وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} عند الاستئذان. روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أن التسليم أن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ثلاث مرات فإن أذن له دخل وإلا رجع {ذٰلِكُمْ} أي الاستئذان مع التسليم {خَيْرٌ لَّكُمْ} من أن تدخلوا بغتة أو على تحية الجاهلية حيث كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بـيتاً غير بـيته يقول: حيـيتم صباحاً حيـيتم مساء فيدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف. وروي حديث : أن رجلاً قال للنبـي صلى الله عليه وسلم: أستأذن على أمي؟ قال: «نعم» قال: ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كُلَّما دخلتُ؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: «أتحب أن تراها عريانة؟» قال: لا. قال صلى الله عليه وسلم: «فاستأذن»تفسير : {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} متعلق بمضمر أي أمرتم به أو قيل لكم هذا كي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه. {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً} أي ممن يملك الإذن على أنَّ مَن لا يملكه من النِّساءِ والولدانُ وُجدانُه كفُقدانِه أو أحداً أصلاً على أنَّ مدلول النصِّ الكريم عبارةٌ هو النَّهي عن دُخول البـيوتِ الخاليةِ لما فيه من الاطلاع على ما يعتادُ النَّاسُ إخفاءَه مع أنَّ التَّصرفَ في ملك الغير محظورٌ مطلقاً وأمَّا حُرمة دخول ما فيه للنِّساءِ والولدان فثابتةٌ بدلالة النصِّ لأنَّ الدخول حيث حَرُمَ مع ما ذكر من العلَّة فلأن يحرُمَ عند انضمامِ ما هو أقوى منه إليه أعني الاطِّلاعَ على العَورات أَولى {فَلاَ تَدْخُلُوهَا} واصبروا {حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ} أي من جهة مَن يملكُ الإذنَ عند إتيانه. ومَن فسَّره بقوله: حتَّى يأتي مَن يأذنُ لكم أو حتَّى تجدوا من يأذن لكم فقد أبرز القطعيَّ في معرض الاحتمال، ولما كان جعلُ النَّهي بالإذنِ ممَّا يُوهم الرُّخصة في الانتظار على الأبواب مُطلقاً بل في تكرير الاستئذانِ ولو بعد الردِّ دُفع ذلك بقولِه تعالى: {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ} أي إنْ أُمرتم من جهةِ أهلِ البـيتِ بالرُّجوع سواء كان الأمرُ ممَّن يملكُ الإذن أو لاَ فارجعُوا ولا تلحّوا بتكرير الاستئذانِ كما في الوجهِ الأول لا تلحوا بالإصرار على الانتظار إلى أنْ يأتيَ الآذنُ كما في الثَّاني فإنَّ ذلك ممَّا يجلبُ الكراهةَ في قلوب النَّاسِ ويقدحُ في المروءةِ أيَّ قدحٍ {هُوَ} أي الرُّجوعُ {أَزْكَىٰ لَكُمْ} أي أطهرُ ممَّا لا يخلُو عنه اللجُّ والعناد والوقوف على الأبواب من دنس الدناءةِ والرَّذالة {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فيعلم ما تأتون وما تذرون ممَّا كلفتموه فيجازيكم عليه.
القشيري
تفسير : الخواصُ لا يَرَونَ لأنفسِهم مِلْكاً يتفردون به؛ لا مِنَ الأموال المنقولة ولا من المساكن التي تصلح لأن تكون مدخولة، فَمَنْ فاتحهم بشيءٍ منها فلا يكون منهم مَنْعٌ ولا زَجْرٌ، ولا حَجْبٌ لأحدٍ ولا حْظرٌ.. هذا فيما نيط بهم. أمَّا فيما ارتبط بغيرهم فلا يتعرَّضون لمن هي في أيديهم؛ لا باستشرافِ طَمَعٍ، ولا بطريقِ سؤالٍ، ولا على وجهِ انبساطٍ. فإن كان حكمُ الوقت يقتضي شيئاً من ذلك فالحقُّ يُلجِىءُ مَنْ في يده الشيءُ ليحمِلَه إليه بحكم التواضع والتقرُّب، والوليُّ يأخذ ذلك بنعتِ التعزُّزِ، ولا يليق معنى ذلك إلا بأحوال تلك القصة، وأنشد بعضهم في هذا المعنى: شعر : وإني لأستحي مِنَ الله أنْ أُرَى أسيرَ بخيلٍ ليس منه بعيرُ وأنْ أسألَ المرءَ اللئيمَ بعيره وبعران ربِّي في البلادِ كثيرُ
اسماعيل حقي
تفسير : {ياأيها الذين آمنوا} ـ روى ـ حديث : عن عدى بن ثابت عن رجل من الانصار قال جاءت امرأة الى رسول الله عليه السلام فقالت يارسول الله انى اكون فى بيتى على الحالة التى لا احب ان يرانى عليها احد فيأتى الآتى فيدخل فكيف اصنع قال "ارجعى" فنزلت هذه الآية {لاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم} تفسير : [يعنى بهيج خانة بيكانه درمياييد] وصف البيوت بمغايرة بيوتهم خارج مخرج العادة التى هى سكنى كل احد فى ملكه والا فالآجر والمعير ايضا منهيان عن الدخول بغير اذن يقال اجره اكراه والاجرة الكراء واعاره دفعه عارية {حتى تستأنسوا} اى تستأذنوا ممن يملك الاذن من اصحابها: وبالفارسية [تاوقتى كه خبر كيريد ودستورى طلبيد]، من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشىء اذا ابصره مكشوفا فعلم به فان المستأذن مستعلم للحال مستكشف انه هل يؤذن له اولا ومن الاستئناس الذى هو خلاف الاستيحاش لما ان المستأذن مستوحش خائف ان لا يؤدن له فاذا اذن له استأنس ولهذا يقال فى جواب القادم المستأذن مرحبا اهلا وسهلا اى وجدت مكانا واسعا واتيت اهلا لا اجانب ونزلت مكانا سهلا لا حزنا ليزول به استيحاشه وتطيب نفسه فيؤول المعنى الى ان يؤذن لكم وهو من باب الكناية حيث ذكر الاستئناس اللازم واريد الاذن الملزوم، وعن النبى عليه السلام فى معنى الاستئناس حين سئل عنه فقال "حديث : وهو ان يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة ويتنحنح يؤذن اهل البيت"تفسير : ، قال فى نصاب الاحتساب امرأة دخلت فى بيت غير بغير اذن صاحبه هل يحتسب عليها فالجواب اذا كانت المرأة ذات محرم منه حل لامرأته الدخول فى منازل محارم زوجها بغير اذنهم وهذا غريب يجتهدفى حفظه ذكره فى سرقة المحيط ولهذا لو سرقت من بيت محارم زوجها لاقطع عليها عند ابى حنيفة رحمه الله وما فى غير ذلك يحتسب عليها كما يحتسب على الرجل لقوله تعالى {لاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا} اى تستأذنوا انتهى، فالدخول بالاذن من الآداب الجميلة والافعال المرضية المستتبعة لسعادة الدارين {وتسلموا على اهلها} عند الاستئذان بان يقول السلام عليكم أادخل ثلاث مرات فان اذن له دخل وسلم ثانيا والا رجع {ذلكم} الاستئذان مع التسليم {خير لكم} من ان تدخلوا بغتة ولو على الام فانها تحتمل ان تكون عريانة، وفيه ارشاد الى ترك تحية اهل الجاهلية حين الدخول فان الرجل منهم كان اذا دخل بيتا غريبا صباحا، قال "حييتم صباحا" واذا دخل مساء، قال "حييتم مساء" قال الكاشفى [وكفته اند كسى كه برعيال خود درمى آيد بايدكه بكلمه يا بآ وازيا بتنحنحى اعلام كند تااهل آن خانه بسترعورات ودفع مكروهات اقدام نمايند] {لعلكم تذكرون} متعلق بمضمر اى امرتم به كى تذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه، اعلم ان السلام من سنة المسلمين وهو تحية اهل الجنة ومجلبة للمودة وناف للحقد والضغينة ـ روى ـ عنه عليه السلام قال "حديث : لما خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فقال الله تعالى يرحمك ربك يا آدم اذهب الى هؤلاء الملائكة وملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم فلما فعل ذلك رجع الى ربه قال هذه تحيتك وتحية ذريتك"تفسير : وروى عنه عليه السلام قال "حديث : حق المسلم على المسلم ست يسلم عليه اذا لقيه ويجيبه اذا دعاه وينصح له بالغيب ويشمته اذا عطس ويعوده اذا مرض ويشهد جنازته اذا مات"تفسير : ثم انه اذا عرض امر فى دار من حريق او هجوم سارق او قتل نفس بغير حق او ظهور منكر يجب ازالته فحينئذ لا يجب الاستئذان والتسليم فان كل ذلك مستثنى بالدليل وهو ما قاله الفقهاء من ان مواقع الضرورات مستثناة من قواعد الشرع لان الضرورات تبيح المحظورات، قال صاحب الكشاف وكم من باب من ابواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل بها وباب الاستئذان من ذلك انتهى، وفى الآية الكريمة اشارة الى ترك الدخول والسكون فى البيوت المجازية الفانية من الاجساد وترك الاطمئنان بها بل لا بد من سلام الوداع للخلاص فاذا ترك العبد الركون الى الدنيا الفانية وشهواتها واعرض عن البيوت التى ليست بدار قرار فقد رجع الى الوطن الحقيقى الذى حبه من الايمان شعر : اكر خواهى وطن بيرون قدم نه
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم} أي: بيوتاً لستم تملكونها ولا تسكنونها، {حتى تستَأْنسوا}؛ تسأذنوا، وقُرىءَ به، والاستئناس: الاستعلام، والاستكشاف، استفعال، من أنَس الشيء: أبصره، فإن المستأذن مستعلم للحال، مستكشف له، هل يؤذن له أم لا، ويحصل بذكر الله جهراً، كتسبيحة أو تكبيرة. أو تَنَحْنُحٍ، {وتُسلِّموا على أهلها}، بأن يقول: السلام عليكم، أَأَدْخُلُ؟ ثلاث مرات، فإذا أُذن له، وإلا رجع، فإن تلاقيا، قدّم التسليم، وإلا، فالاستئذان. {ذلكم} أي: التسليم {خيرٌ لكم} من أن تدخلوا بغتة، أو من تحية الجاهلية. كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتاً غير بيته يقول: حُييتم صباحاً، حييتم مساءاً، فربما أصاب الرجلَ مع امرأته في لحاف. رُوي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أَأَسْتأذنُ على أمي؟ قال: حديث : نَعَم تفسير : قال: ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليها كلما دَخَلْتُ؟ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتحُبُّ أن تراها عريانة...؟"تفسير : . {لعلكم تذكَّرون} أي: أمرتكم به، أو: قيل لكم هذا؛ لكي تتعظوا وتعملوا بموجبه. {فإن لم تجدوا فيها}؛ في البيوت {أحداً} ممن يستحق الإذن، من الرجال البالغين, وأما النساء والولدان فوجودهم وعدمهم سواء، {فلا تدخلوها}، على أن مدلول الآية هو النهي عن دخول البيوت الخالية؛ لما فيه من الاطلاع على ما يعتاد الناس إخفاءه، وأما حرمة دخول ما فيه النساء والولدان فمن باب الأولى؛ لما فيه الاطلاع على الحريم وعورات النساء. فإن لم يُؤذن لكم فلا تدخلوا، واصبروا {حتى يُؤْذَنَ لكم} من جهة من يملك الإذن، أو: فإن لم تجدوا فيها أحداً من أهلها، ولكم فيها حاجة فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها؛ لأن التصرف في ملك الغير لا بد أن يكون برضاه. {وإن قيل لكم ارجِعُوا} أي: إذا كان فيها قوم، وقالوا: ارجعوا {فارجعوا} ولا تُلحُّوا في طلب الإذن، ولا تقِفُوا بالأبواب، ولا تخرقوا الحجاب؛ لأن هذا مما يُوجب الكراهية والعداوة، وإذا نهى عن ذلك؛ لأدائه إلى الكراهية؛ وجب الانتهاء عن كل ما أدى إليها؛ من قرع الباب بعنف، والتصييح بصاحب الدار، وغير ذلك. وعن أبي عبيد: "ما قرعت باباً على عالم قط". فالرجوع {هو أزْكَى لكمْ} أي: أطيب لكم وأطهر؛ لِمَا فيه من سلامة الصدور والبُعد عن الريبة، والوقوفُ على الأبواب من دنس الدناءة والرذالة. {والله بما تعملون عليم}؛ فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلفتموه، فيجازيكم عليه. وهو وعيد للمخاطبين. {ليس عليكم جُنَاحٌ} في {أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونةٍ} أي: غير موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة، بل يتمتع بها مَنْ يُضطر إليها، من غير أن يتخذها مسكناً؛ كالرُّبَطِ، والخانات، والحمامات، وحوانيت التجار. {فيها متاعٌ لكم} أي: منفعة؛ كاستكنانٍ من الحر والبرد، وإيواء الرجال والسلع، والشراء والبيع، والاغتسال، وغير ذلك، فلا بأس بدخولها بغير استئذان. روي أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان، وإنا لنختلِفُ في تجارتنا إلى هذه الخانات، فلا ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت. وقيل: هي الخرابات، يُتَبَرَّزُ فيها، ويقضون فيها حاجتهم من البول وغيره، والظاهر: أنها من جملة ما ينتظم في البيوت، لا أنها المرادة فقط. {والله يعلم ما تُبدون وما تكتمون}، وعيد لمن يدخل مدخلاً من هذه المداخل؛ لفسادٍ أو اطلاعٍ على عورات. والله تعالى أعلم. الإشارة: التصوف كله آداب، حتى قال بعضهم: اجعل عملك مِلْحاً وأدبك دقيقاً. فيتأدبون بالسُنَّة في حركاتهم وسكناتهم، ودخولهم وخروجهم، فهم أَولى بالأدب، فيستأذنون كما أمر الله عند دخول منزلهم؛ برفع صوتهم بذكر الله، أو بالتسبيح، أو بالسلام قبل الدخول. وكذا عند دخول منزل غيرهم، أو منزل بعضهم بعضاً. وأما مع الشيخ: فالأدب هو الصبر حتى يخرج، تأدباً بقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} تفسير : [الحجرات: 5]، فلا يقرعون بابه، ولا يطلبون خروجه إلا لضرورة فادحة. ولمّا كان الاستئذان إنما شرع من أجل النظر، أمر بغض البصر، فقال: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ...}
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين ينهاهم أن يدخلوا بيوتاً لا يملكونها، وهي ملك غيرهم إلا بعد أن يستأنسوا، ومعناه يستأذنوا، والاستئناس الاستئذان - في قول ابن عباس وابن مسعود وابراهيم وقتادة - وكأن المعنى يستأنسوا بالاذن. وروي عن ابن عباس أنه قال: القراءة {حتى تستأذنوا} وانما وهم الكتاب. وهو قول سعيد ابن جبير، وبه قرأ أبي بن كعب. وقال مجاهد: حتى تستأنسوا بالتنحنح والكلام الذي يقوم مقام الاستئذان. وقد بين الله تعالى ذلك في قوله {أية : وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا} تفسير : قال عطاء: وهو واجب في أمه وسائر أهله والاستئناس طلب الانس بالعلم أو غيره، كقول العرب: اذهب فاستأنس هل ترى احداً، ومنه قوله {أية : فإن آنستم منهم رشداً} تفسير : اي علمتم. وقوله {وتسلموا على أهلها} معناه على أهل البيوت ينبغي أن تسلموا عليهم وإذا أذنوا لكم فى الدخول فادخلوها. وروى ابو موسى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "حديث : الاستئذان ثلاث، فان اذنوا، وإلا فارجع" تفسير : فدعاه عمر، فقال لتأتيني بالبينة وإلا عاقبتك، فمضى أبو موسى، فأتى بمن سمع الحديث معه. والفرق بين الاذن في الدخول، وبين الدعاء اليه، أن الدعاء اليه، يدل على ارادة الداعي، وليس كذلك الاذن. وفى الدعاء رغبة الداعي او المدعو، وليس كذلك الاذن وقوله {ذلكم خير لكم} يعني الاستئذان خير لكم من تركه، لتتذكروا في ذلك، فلا تهجموا على العورات. وقوله {فإن لم تجدوا فيها أحداً} يعني ان لم تعلموا فى البيوت احداً يأذن لَكم فى الدخول "فلا تدخلوها" لانه ربما كان فيما ما لا يجوز أن تطلعوا عليه إلا بعد أن يأذن اربابها في ذلك، يقال: وجد اذا علم. وقوله {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا} أي لا تدخلوا إذا قيل لكم: لا تدخلوا، فان ذلك {أزكى لكم} اي اطهر {والله بما تعملون عليم} أي عالم بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. ثم قال {ليس عليكم جناح} أي حرج وإثم {ان تدخلوا بيوتاً غيرمسكونة فيها متاع لكم} أي منافع. وقيل: في معنى هذه البيوت أربعة اقوال: احدها - قال قتادة: هي الخانات، فان فيها استمتاعاً لكم من جهة نزولها، لا من جهة الأثاث الذي لكم فيها. والثاني - قال محمد بن الحنفية: هي الخانات التي تكون في الطرق مسبلة. ومعنى {غير مسكونة} اي لا ساكن لها معروف. والثالث - قال عطاء: هي الخرابات للغائط والبول. والرابع - قال ابن زيد: هي بيوت التجار التي فيها امتعة الناس. وقال قوم: هي بيوت مكة. وقال مجاهد: هي مناخات الناس فى اسفارهم يرتفقون بها. وقال قوم: هي جميع ذلك حملوه على عمومه لأن الاستئذان إنما جاء لئلا يهجم على ما لا يجوز من العورة. وهو الأقوى، لأنه اعم فائدة. وقوله {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} اي لا يخفى عليه ما تظهرونه، ولا ما تكتمونه، لانه عالم بجميع ذلك. ثم خاطب النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال {قل} يا محمد {للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} عن عورات النساء وما يحرم النظر اليه. وقيل: العورة من النساء ما عدا الوجه والكفين والقدمين، فأمروا بغض البصر عن عوراتهن، ودخلت (من) لابتداء الغاية. ويجوز ان تكون للتبعيض، والمعنى أن يطرق وإن لم يغمض. وقيل: العورة من الرجل العانة الى مستغلظ الفخذ من أعلى الركبة، وهو العورة من الاماء، قالوا: ويدل على ان الوجه والكفين والقدمين ليس من العورة من الحرة، ان لها كشف ذلك فى الصلاة، وإذا كانت محرمة مثل ذلك، بالاجماع، والقدمان فيهما خلاف. وقوله {ويحفظوا فروجهم} أمر من الله تعالى أن يحفظ الرجال فروجهم عن الحرام، وعن إبدائها حيث ترى فانهم متى فعلوا ذلك كان ازكى لاعمالهم عند الله وإن الله خبير بما يعملون ويصنعون اي عالم بما يعملونه اي على اي وجه يعملونه. وقال مجاهد: قوله {فإن لم تجدوا فيها أحداً} معناه فان لم يكن لكم فيها متاع، فلا تدخلوها إلا باذن، فان قيل لكم ارجعوا فارجعوا، وهذا بعيد، لان لفظة {أحد} لا يعبر بها إلا عن الناس، ولا يعبر بها عن المتاع.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً} مسكونة {غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} استأنس ذهب توحّشه، واستأنسه استأذنه، واستأنس استعلم واستأنس طلب الانس اى الانسان، حديث : وقيل لرسول الله (ص): يا رسول الله ما الاستيناس؟- قال: يتكلّم الرّجل بالتّسبيحة والتّحميدة والتّكبيرة ويتنحنح على اهل البيتتفسير : ، وهذا يناسب الاستيناس مقابل الاستيحاش والاستعلام، وقيل: اطّلع رجل فى حجرةٍ من حجر رسول الله، فقال رسول الله (ص) ومعه مدرىّ يحكّ به رأسه: "حديث : لو أعلم انّك تنظر لطعنت به فى عينيك انّما الاستيذان من النّظر" تفسير : {وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} بيان للاستيناس على بعض معانية وحكم آخر على بعض آخر {ذٰلِكُمْ} الاستيناس او الدّخول بالاستيناس {خَيْرٌ لَّكُمْ} وقلنا لكم ذلك او انزلنا عليكم هذا الحكم {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} مصالحه.
الأعقم
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا} أي حتى تستأذنوا عن ابن عباس وابن مسعود، وقيل: تستأنسوا بالتنحنح والكلام الذي يقوم مقام الاستئذان ثلاث فإن أذنوا وإلا فارجع، وعن أبي أميَّة الأنصاري قلنا: يا رسول الله ما الاستئناس؟ قال: "حديث : يتكلم بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة والتسليم، وأن يقول السلام عليكم أدخل؟ فإن أذن وإلا رجع" تفسير : وروي أن امرأة أتت منزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: يا رسول إني أكون في منزلي على حالة لا أحب أن يراني عليه أحدٌ ولا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على ذلك الحال فكيف أصنع؟ فنزلت الآية، وأمر الله أن يستأذنوا، وكان أهل الجاهلية يقول الرجل إذا دخل بيتا غير بيته: حييتم صباحاً وحييتم مساء، ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد فنهى الله عن ذلك، وقرأ حتى تستأذنوا ذلكم الاستئذان والتسليم {خير لكم} من تحية الجاهليَّة {لعلكم تذكرون} أي أنزل عليكم لعلكم تذكرون، وقيل: لكم هذه إرادة أن تذكروا فتطمعوا وتعملوا بما أمرتم به في باب الاستئذان {فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها} واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم ويحتمل فإن لم تجدوا فيها أحد من أهلها ولكم فيها حاجة فلا تدخلوها إلاَّ بإذن {وإن قيل لكم ارجعوا} ولا تقفوا على أبوابهم {هو أزكى لكم} قيل: الرجوع أزكى لكم من الوقوف أي أطهر {والله بما تعملون عليم} بأعمالكم فيجازيكم بها {ليس عليكم جناح} أي حرج وضيق {أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة} يعني بغير استئذان {فيها متاع لكم} أي منفعة لكم قيل: الخانات وحوانيت البياعين، والمتاع المنفعة، وروي أن أبا بكر قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أن الله قد أنزل عليك في الاستئذان وانا نختلف في تجارتنا فنترك هذه الخانات والمساكن في الطريق فنزل {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً} الآية، وقيل: هي الخرابات للغائط والبول، وقيل: جميع البيوت التي لا يسكن فيها {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} وعيد للذين يدخلون الخرابات والدور الخالية، ويعلم همومكم وضمائركم فيجازيكم بها، وقيل: هو عام {قل} يا محمد {للمؤمنين يغضوا} أي يكفوا {من أبصارهم} والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل {ويحفظوا فروجهم} ممن لا يحل وهو حفظ الفرج من الزنا {ذلك أزكى لهم} أي أطهر لهم {إن الله خبير بما يصنعون} بجميع أعمالكم فيجازيكم {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} فلا ينظرن إلى ما لا يجوز النظر إليه من العورات {ويحفظن فروجهن} من الحرام {ولا يبدين زينتهن} أي لا يظهرن مواضع الزينة الخلخال والسوار والدملج والقرط والقلائد ونحوها {إلا ما ظهر منها} اختلف العلماء في الاستثناء قيل: الثياب، وقيل: الخاتم، وقيل: الكحل أو خضاب، وقيل: الوجه {وليضربن بخُمرهن} جمع خمار وهي المقامع سمي بذلك لأنه يستر الرأس، أي بقناعهن {على جيوبهن} وأراد أن تغطي شعرها وصدرها وعنقها {ولا يبدين زينتهن} الخفية التي لم يبح كشفها وهي ما عدا الكفين وظهور القدمين {إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن} فيجوز لكل هؤلاء النظر إلى مواضع الزينة {أو نسائهن} قيل: نساء المؤمنين، وقيل: لا يحل لامرأة مسلمة أن تجرد بين يدي مشركة إلا أن تكون أمة لها {أو ما ملكت أيمانهن} قيل: الجوار المشركات ولا يجوز للعبد أن ينظر إلى مولاته إلاَّ ما يجوز للأجانب وهو قول أبي حنيفة والهادي (عليه السلام)، وقال الشافعي في أحد قوليه: يجوز، وقيل: ما ملكت أيمانهن ما لم يبلغ مبلغ الرجال، وقيل: أراد العبيد والاماء لأن اللفظ يشملهن عن الحسن {أو التابعين غير أولي الإِربة من الرجال} قيل: الذي يتبعك ليصيب من طعامك ولا حاجة له إلى النساء عن ابن عباس، وقيل: المجبوب، وقيل: الابله العنين {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} بجماعهن، وقيل: هو الذي لا يقدر على الجماع، فأما من قدر كالمراهق فحكمه حكم الرجال {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهنّ} من الحلي وربما سمع صوت الزينة فيطمع فيه الرجال، وعن الحسن: كان نساء الجاهلية يجعل في أرجلهن الخلخال فإذا مرت بالمجلس حركته فنزلت الآية {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون} يعني ارجعوا إلى طاعته {لعلكم تفلحون} تفوزون بالجنة.
اطفيش
تفسير : {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً} وقرئ بكسر الباء لاجل الياء بعدها وكذا فيما ياتي {غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} اما من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش لان من يطرق باب غيره لا يدري ايؤذن له ام لا فاذا اذن له استأنس فكأنه قيل: حتى يحصل لكم الاستئناس بان اذن لكم وما لم يؤذن لك فانت في وحشة أو غير باللازم الذي هو الاستئناس عن الملزوم الذي له الاذن وايضا الاستئناس مسبب والاذن سبب واما من استئناس الذي هو الاستعدام والاستكشاف من آنس الشيء إذا ابصره ظاهرا مكشوفا اي حتى تستكشفوا هل يراد دخولكم ام لا واما من الانس ضد الجد اي حتى تتعرفوا هل ثم انسان وهذا ضعيف لانه لا يصدق بما إذا عرف ان في البيت انسانا ولا يستفاد منه حكم هذا ولان ظاهره انه إذا عرف ان فيه انسانا دخل وعلى كل حال فتستأنسوا بوزن تستفعلوا والفه بدل من فاء الكلمة وهي الهمزة ونونه عين الكلمة وسينه لام الكلمة وذلك واضح. وزعم عياض ان تصريف الفعل يابى ان يكون من انس. وقرأ ابن عباس وابيّ {حَتَّى تَسْتَأَنِسُوا}. وعن ابن عباس وابن جبير انما هي حتى تستأذنوا فاخطأ الكاتب فكتب حتى تستانسوا وليس قولهما في الخطأ بشيء وهو باطل لا يعول عليه. وعن الطبري حتى تستأنسوا حتى تؤنسوا أهل البيت بانفسكم بالتنحنح والاستئذان ونحوه وتؤنسوا نفوسكم بان تعلموا بان قد شعر بكم. عن ابي ايوب الانصاري قلنا يا رسول الله ما الاستئناس قال: ان يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة أو يتنحنح وإذا اذن له تأنى قدر ما يستحفظ منه. وعن ابن عباس حتى تتحنحوا أو تنتخموا ولا بد مع ذلك كله من الاذن والا لم يدخل. وبيت الانسان هو الذي لا احد معه فيه سواء ان كان ملكا له ام لا أو البيت الذي فيه زوجته او امته وما عدا ذلك فهو غير بيته ولا يدخل الاجير والمعين الا باذن. وقيل: ان تكرر الدخول استأذنوا مرة واحدة. {وَتُسِلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} هذه الواو عطف السابق على اللاحق فان التسليم متقدم على الاستئذان سواء ان كان الاستئذان ان يضرب الباب أو بالتكلم ويدل على تقدمه احاديث تأتي ان شاء الله وهو الصحيح وظاهر كلام الشيخ هود ان تقدمه قول لبعضهم. واعلم ان التسليم في البيوت واجب كما نصت الآية على ان الدخول حرام حتى يكون الاستئذان والتسليم جميعا وعند الملاقاة سنة مستحبة وقيل واجبه قولان ذكرهما في التاج. من انكر الاستئذان أو التسليم في البيوت اشرك. وفي التاج من ترك السلام في البيوت تهاونا هلك وفيه وفيه. ويروى لا تأذنوا لمن لم يسلم وعصى داخل بلا تسليم ولولا وجوبه ما حكم على تاركه بالعصيان وهو ظاهر الآية فان النهي في التحريم على الصحيح وهو مذهبنا ما لم تصرفة قرينة وقول صاحب التسهيل في الآية انه لا ينتهي إلى الوجوب باطل لا يجوز الاخذ به لمخالفته ظاهر الآية والاحاديث بلا دليل ولعله اراد لا ينتهي إلى الوجوب الذي انتهى إليه الاستئذان بل إلى وجوب دون وجوبه. ومن دخل باستئذان دون تسليم وجب رده ونهيه رواه أبو داود الترمذي عن كلدة بن حنبل الغساني انه قال حديث : بعثني صفوان بن أُمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن وجداية وضغايس والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة ودخلت ولم أسلم فقال: "ارجع وقل السلام عليكم"تفسير : وذلك بعد ما اسلم صفوان والضغايس صغار القثاء والجداية الصغير من الظبا ذكرا كان أو انثى ويستحب السلام في بيت نفسه ثم رأيت ان الاكثرين يقولون بتقديم السلام على الاستئذان. وقال بعض متأخر عنه يقول ادخل السلام عليكم والصحيح الاول يقول السلام عليكم أو ادخلوا. وفي التاج لا يدخل حتى يسلم ويردوا له الجواب ثم يطلب الدخول. واعلم انه يسلم مرة ويقول ادخل ثلاث مرات. قيل: بين كل واحدة والأخرى قدر ما يتوضأ ويصلي ركعتين وقيل قدر ما يصليهما. اتى ابو موسى الاشعري باب عمر رضي الله عنه وقال السلام عليكم ادخل قالها ثلاثا ثم رجع وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الاستئذان ثلاث وان لم يؤذن له رجع " تفسير : وروي انه لما رجع ارسل إليه عمر فجاء فذكر الحديث فقال له عمر: والله لتاتيني على ذلك بينة والا عاقبتك فجاء مجلسا للانصار كأنه مدعو فجاء بطلحة فشهد له. وقيل: قال له ابيّ: فوالله لا يقوم معك الا اصغر القوم وكنت اصغرهم فقمت واخبرت عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك الاول اعلام والثاني مؤامرة والثالث اذن أو رجوع وكذا. قال الحسن: الاول الملام، والثاني مؤامرة، والثالث إذن أو رجوع. وقيل: يعيد السلام في الثانية والثالثة ايضا ودخل أحمد بن حنبل على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستأذن فقال له: "حديث : ارجع وقل السلام عليكم أدخل " حديث : واستأذن رجل من بني عامر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألجو فقال لامرأة يقال لها روضة قومي إلى هذا فعلميه انه لا يحسن أن يستأذن قولي له: يقول السلام عليكم ادخل وسمع الرجل قوله لها فقال: ذلك فقال. له: أدخل . تفسير : وفي رواية قال لخادمه: حديث : اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان . تفسير : فقال ابن مسعود: حتى نسلم على أهلها ونستاذنه وكذا كتبه في مصحف. وجاء زيد بن اسلم إلى ابن عم له فقال: أألج؟ عليكم قال ما الج قل السلام عليكم أادخل؟ وقيل: إذا وقع بصره على انسان قدم السلام والاّ قدم الاستئذان. قال بعضهم: كنا ونحن نطلب الحديث إذا جئنا إلى باب الفقه فاستأذن رجل منا مرتين فلم يؤذن له تقدم آخر فاستأذن مرتين مخافة ان يستئذن الرجل منا ثلاثا فلا يؤذن له ثم يؤذن لغيره فلا يستطيع الدخول لانه لم يؤذن له وقد اذن لغيره. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تأذن المرأة في بيت زوجها وهو شاهد إِلا باذنه " تفسير : وقال الرجل: حديث : يا رسول الله استئذن على أبي فسكت ثم قال: استئذن على امي فسكت ثم عاد عليه فقال أَتحب أَن تراها عريانة؟ قال لا: قال فاستئذن عليها . تفسير : ويستأذن الرجل على اخواته وعلى كل امرأة الا امرأته. واستأذن عمر على قوم فاذنوا له فقال: ومن معي قيل ومن معك فدخلوا. والاستئناس في دار فيها بيوت مسكونة واما الحوانيت فاذا اوضع اهلها امتعتهم وفتحوا الباب وقالوا للناس هلموا فلا اذن فيها. وعن ابن عمر إذا استاذن في بيوت النجار فقيل ادخل بسلام لم يدخل لقولهم ادخل بسلام وكان صلى الله عليه وسلم إذا اتى باب قوم لم يستقبله قيل يقف من الجانب الايمن أو الايسر ويقول: السلام عليكم وذلك ان الدور لم يكن عليها يومئذ ابواب ساتره. وفي موطأ مالك يستأذن الرجل على امه ولو كان معها في البيت رواه حديثا وكانت الجاهلية إذا دخلوا بيتا غير بيوتهم قالوا حييتم صباحا وحييتم مساء ثم يدخل فربما اصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد. وروى الطبري ان امرأة من الانصار قالت: يا رسول الله اني اكون في منزلي على حال لا احب ان يراني عليها لا والد ولا ولد وانه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وانا على تلك الحال فنزلت الآية. قال جارالله: كم من باب من ابواب الدين هو عند الناس والشريعة منسوخة قد تركوا العمل به وباب الاسئتذان من ذلك فبينما انت في بيتك اذ وعت عليك الباب بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحيات الاسلام ولا جاهلية وهو سمع ما انزل الله فيه وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن اين الاذن الواعية. واقول ان من ذلك مجاوزة التبين. قيل: الاذن وفي الوقوف بينهما قيل الاذن خلاف. حديث : وقال رجل يا رسول الله استأذن على أُمي قال: "نعم" قال: لا خادم لها غيري استأذن عليها كلما دخلت قال اتحب ان تراها عريانة قال لا. قال: فاستأذن فاستأذن"تفسير : {ذَلِكُم} المذكور من الاستئناس والتسليم * {خَيْرٌ لَّكُمْ} من الدخول بغتة أو بتحية الجاهلية ومعنى كون ذلك خيرا من الدخول بغتة أو بتحية الجاهلية انه الحق بالطبع واستر فالمعنى ان ذلك المفروض عليكم من الاستئناس والتسليم خير مما كنتم عليه أو المعنى ذلك خير بفتح الخاء وتشديد الياء مكسورة وغيره شيء لكم فعلى هذا الثاني يكون خيرا خارجا عن معنى التفضيل ويجوز ان يكون خبرا غير وصف اصلا فالمعنى ان ذلكم منفعة لكم فغيره مضرة. ويسمى الدخول بغير اذن الدمور من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب. وفي الحديث "حديث : من سبقت عينه استئذانه فقد دمر"تفسير : أي هلك. وقد عد بعضهم الدخول بغير اذن كبيرة وعده بعضهم صغيرة وهذا منه بناء على جواز ظهور الصغيرة. ومشهور المذهب عندنا انه ذنب لا يدري صغيرة أو كبيرة وإذا دخل احد بلا اذن وجب نهيه فان اصر تبين لنا انه فعل كبيرة وهي اصراره وكذا عند من قال انه صغيرة ومن في بيته متجردات يتحدثن مع اهله فله ان يدخل بلا اذن لان البيت والمرأة له والمأمور به ان يسلم أو يذكر الله أو يفعل شيئا يعرفن به حضوره ويتأنى قدر ما يستترن وتدخل بيوت أهل الذمة بعد استئناس الاسلام. وفي التاج ان للسيد ان يدخل بيت عبده ان كان فيه وحده بلا اذن لا ان كانت له زوجة فيه ولا على امته إذا كان لها زوج ولا يدخل على امته حينئذ حتى يكون ما يعرفان دخوله به. ومن ترك الاستئذان تهاونا كفر وان لم يكن تهاونا فلا يكفر الا ان اصر. وقيل: لا يسعه تركه ولو جهلا وان كان في دار المساكن استأذن على عليها وباب الذي يريد دخوله فان كان على المساكن ستور فله المرور بابها بلا اذن ويجوز دخول خانات الطرق لحر أو برد أو غيرهما. قال الخراساني: الدخول بغير اذن ليس بكبيرة ولا صغيرة فان كان وليا وقف عنه حتى يستتاب فان مات قيل ولو فيما دخله وقف عنه لعله ندم حين دخل قلت وذلك مذهب المشارقة في الاثبات الانتقال من الولاية إلى الوقوف ومذهب المغاربة مع ذلك فهو عندهم باق على ولايته. قال: ومن دخل على غير محرمته بلا اذن ولم يتب بعد استتابة فلا ولاية له وهدر قيل دم من دخل بدونه عمدا وقيل لا يضرب حتى يعلم حاله ولعله ملتجئ أو سكران أو غيرهما. وجاز قيل ضربه إذا علم انه متعد ويندب لمن سكن مع محارمه ان يفعل ما يعرف به ويدخل بيت ان سرق أو احترق أو هدم أو غرق أو فيه منكر بعلم أو تحققت تهمتهم أو مصيبة وبيت الحاكم والمستغيث بلا استئناس وعلى امرأة يضربها زوجها ان استغاثت بالله وبالمسلمين لان صرخت بغير استغاثة والعرس والمأثم. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَرُونَ} اي انزل عيلكم هذا وقيل: لكم هذا لتتعظوا وتعلموا الاصلح لكم.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } الخ. وسبب النزول على ما أخرج الفريابـي وغيره من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار أن امرأة قالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد ولا ولد ولا والد فيأتيني آت فيدخل علي فكيف أصنع؟ فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الخ. وإضافة البيوت إلى ضمير المخاطبين لامية اختصاصية، والمراد عند بعض الاختصاص الملكي، ووصف البيوت بمغايرة بيوتهم بهذا المعنى خارج مخرج العادة التي هي سكنى كل أحد في ملكه وإلا فالآجر والمعير أيضاً منهيان عن الدخول بغير إذن. وقال بعضهم: المراد اختصاص السكنى أي غير بيوتكم التي تسكنونها لأن كون الآجر والمعير منهيين كغيرهما عن الدخول بغير إذن دليل على عدم إرادة الاختصاص الملكي فيحمل ذلك على الاختصاص المذكور فلا حاجة إلى القول بأن ذاك خارج مخرج العادة. وقرىء {بيوتاً غير بيوتكم } بكسر الباء لأجل الياء. {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ } أي تستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها، وتفسيره بذلك أخرجه ابن أبـي حاتم وابن الأنباري في «المصاحف» وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ويخالفه ما روى الحاكم وصححه والضياء في «المختارة» والبيهقي في «شعب الإيمان» وناس آخرون عنه أنه قال في {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ } أخطأ الكاتب وإنما هي {حَتَّىٰ تستأذنوا } لكن قال أبو حيان: من روى عن ابن عباس إنه قال ذلك فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين وابن عباس برىء من ذلك القول انتهى. وأنت تعلم أن تصحيح الحاكم لا يعول عليه عند أئمة الحديث لكن للخبر المذكور طرق كثيرة، وكتاب الأحاديث «المختارة» للضياء كتاب معتبر، فقد قال السخاوي في «فتح المغيث» في تقسيم أهل المسانيد: ومنهم من يقتصر على الصالح للحجة كالضياء في «مختارته»، والسيوطي يعد ما عد في ديباجة «جمع الجوامع» «الكتب الخمسة» وهي «صحيح البخاري» و «صحيح مسلم» و «صحيح ابن حبان» و «المستدرك» و «المختارة» للضياء قال: وجميع ما في «الكتب الخمسة» صحيح. ونقل الحافظ ابن رجب في «طبقات الحنابلة» عن بعض الأئمة أنه قال: كتاب «المختارة» خير من «صحيح الحاكم» فوجود هذا الخبر هناك مع ما ذكر من تعدد طرقه يبعد ما قاله أبو حيان، وابن الأنباري أجاب عن هذا الخبر ونحوه من الأخبار الطاعنة بحسب الظاهر في تواتر القرآن المروية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ وسيأتي في تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى بعضها أيضاً ـ بأن الروايات ضعيفة ومعارضة بروايات / أخر عن ابن عباس أيضاً وغيره وهذا دون طعن أبـي حيان وأجاب ابن اشته عن جميع ذلك بأن المراد الخطأ في الاختيار وترك ما هو الأولى بحسب ظنه رضي الله تعالى عنه لجمع الناس عليه من الأحرف السبعة لا أن الذي كتب خطأ خارج عن القرآن. واختار الجلال السيوطي هذا الجواب وقال: هو أولى وأقعد من جواب ابن الأنباري، ولا يخفى عليك أن حمل كلام ابن عباس على ذلك لا يخلو عن بعد لما أن ما ذكر خلاف ظاهر كلامه، وأيضاً ظن ابن عباس أولوية ما أجمع سائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم على خلافه مما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة بعيد، وكأنهم رأوا أن التزام ذلك أهون من إنكار ثبوت الخبر عن ابن عباس مع تعدد طرقه وإخراج الضياء إياه في «مختارته» ويشجع على هذا الإنكار اعتقاد جلالة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وثبوت الإجماع على تواتر خلاف ما يقتضيه ظاهر كلامه فتأمل. واستعمال الاستئناس بمعنى الاستئذان بناءً على أنه استفعال من آنس الشيء بالمد علمه أو أبصره وإبصاره طريق إلى العلم فالاستئناس استعلام والمستأذن طالب العلم بالحال مستكشف أنه هل يراد دخوله أو لا؟. وقيل الاستئناس خلاف الاستيحاش فهو من الأنس بالضم خلاف الوحشة. والمراد به المأذونية فكأنه قيل: حتى يؤذن لكم فإن من يطرق بيت غيره لا يدري أيؤذن له أم لا؟ فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه فإذا أذن له استأنس، وهو في ذلك كناية أو مجاز، وقيل: الاستئناس من الإنس بالكسر بمعنى الناس أي حتى تطلبوا معرفة من في البيوت من الإنس. وضعف بأن فيه اشتقاقاً من جامد كما في المسرج أنه مشتق من السراج وبأن معرفة من في البيت لا تكفي بدون الإذن فيوهم جواز الدخول بلا إذن. ومن الناس من رجحه بمناسبته لقوله تعالى: { أية : فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً } تفسير : [النور: 28] ولا يكافىء التضعيف بما سمعت. وذهب الطبري إلى أن المعنى حتى تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم بالاستئذان ونحوه وتؤنسوا أنفسكم بأن تعلموا أن قد شعر بكم ولا يخفى ما فيه. وقيل: المعنى حتى تطلبوا علم أهل البيت، والمراد حتى تعلموهم على أتم وجه، ويرشد إلى ذلك ما روي عن أبـي أيوب الأنصاري أنه قال: قلنا يا رسول الله ما الاستئناس؟ فقال: « حديث : يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة يتنحنح يؤذن أهل البيت » تفسير : وما أخرجه ابن المنذ وجماعة عن مجاهد أنه قال: تستأنسوا تنحنحوا وتنخموا، وقيل المراد حتى تؤنسوا أهل البيت بإعلامهم بالتسبيح أو نحوه، والخبران المذكوران لا يأبيانه وكلا القولين كما ترى، وفي دلالة ما ذكر من تفسير الاستئناس في الخبر على ما سبق له بحث سنشير إليه إن شاء الله تعالى. {وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } أي الساكنين فيها. وظاهر الآية أن الاستئذان قبل التسليم وبه قال بعضهم. وقال النووي: الصحيح المختار تقديم التسليم على الاستئذان، فقد أخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : السلام قبل الكلام » تفسير : وابن أبـي شيبة والبخاري في «الأدب المفرد» عن أبـي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال: لا يؤذن له حتى يسلم، وأخرج ابن أبـي شيبة وابن وهب في كتاب «المجالس» عن زيد بن أسلم قال: أرسلني أبـي إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فجئته فقلت: أألج؟ فقال: ادخل فلما دخلت قال: مرحباً يا ابن أخي لا تقل أألج ولكن قل: السلام عليكم فإذا قيل: وعليك فقل: / أأدخل؟ فإذا قالوا: ادخل فادخل. وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر في «التمهيد» عن ابن عباس قال: استأذن عمر رضي الله تعالى عنه على النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام على رسول الله السلام عليكم أيدخل عمر؟ واختار الماوردي التفصيل وهو أنه إن وقعت عين المستأذن على من في البيت قبل دخوله قدم السلام وإلا قدم الاستئذان، والظاهر أن الاستئذان بما يدل على طلب الإذن صريحاً والمأثور المشهور في ذلك أأدخل؟ كما سمعت، وجوز أن يكون بما يفهم منه ذلك مطلقاً وجعلوا منه التسبيح والتكبير ونحوهما مما يحصل به إيذان أهل البيت بالجائي فإن في إيذانهم دلالة ما على طلب الإذن منهم، وحملوا ما تقدم من حديث أبـي أيوب وكلام مجاهد على ذلك. وهو على ما روي عن عطاء واجب على كل محتلم ويكفي فيه المرة الواحدة على ما يقتضيه ظاهر الآية وأخرج البيهقي في «الشعب» وابن أبـي حاتم عن قتادة أنه قال: كان يقال الاستئذان ثلاثاً فمن لم يؤذن له فيهن فليرجع، أما الأولى: فيسمع الحي، وأما الثانية: فيأخذوا حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاؤوا أذنوا وإن شاؤوا ردوا. وفي الأمر بالرجوع بعد الثلاث حديث مرفوع أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبـي سعيد الخدري. وذكر أبو حيان أنه لا يزيد على الثلاث إلا إن تحقق أن من في البيت لم يسمع. وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم، وقد أخرج مالك في «الموطأ» عن عطاء بن يسار « حديث : أن رجلاً قال للنبـي صلى الله عليه وسلم: أأستأذن على أمي؟ قال: نعم قال: ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا قال: فاستأذن عليها )تفسير : . وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن مسعود عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم، وهو أيضاً على ما يقتضيه بعض الآثار مشروع للنساء إذا أردن دخول بيوت غير بيوتهن. فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن أم إياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت: ندخل؟ فقالت: لا فقال واحد: السلام عليكم أندخل؟ قالت: ادخلوا ثم قالت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } الخ؛ وإذا صح ذلك ففي الآية نوع تغليب، ووجه مشروعية الاستئذان لهن نحو وجه مشروعيته للرجال فإن أهل البيت قد يكونون على حال لا يحبون اطلاع النساء عليه كما لا يحبون اطلاع الرجال. وصح من حديث أخرجه الشيخان وغيرهما « حديث : إنما جعل الاستئذان من أجل النظر » تفسير : ومن هنا لا ينبغي النظر في قعر البيت قبل الاستئذان، وقد أخرج الطبراني عن أبـي أمامة رضي الله تعالى عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من كان يشهد أني رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأذن ويسلم فإذا نظر في قعر البيت فقد دخل » تفسير : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرج أبو داود والبخاري في «الأدب المفرد» عن عبد الله بن بشر إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول السلام عليكم» وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذٍ ستور فاستقبال الباب ربما يفضي إلى النظر. وظاهر الآية أيضاً مشروعية الاستئذان للأعمى لدخوله في عموم الموصول، ووجهها كراهة اطلاعه بواسطة السمع على ما لا يحب أهل البيت اطلاعه عليه من الكلام مثلاً. وفي «الكشاف» إنما شرع الاستئذان لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم / ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ولم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة أحد ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وهو تعليل حسن إلا أنه يحتاج القول بذلك إلى القول بأن قوله عليه الصلاة والسلام «إنما جعل الاستئذان من أجل النظر» خارج مخرج الغالب. وجىء بإنما لمزيد الاعتناء لا للحصر وقد صرحوا بمجىء إنما لذلك فلا تغفل. ثم اعلم أن الاستئذان والتسليم متغايران لكن ظاهر بعض الأخبار يقتضي أن الاستئذان داخل في التسليم كما أن بعضها يقتضي مغايرته له وعدم دخوله فيه، ووجه جعله من التسليم أنه بدونه كالعدم لما أن السنة فيه أن يقرن بالتسليم. هذا وفي مصحف عبد الله كما أخرج ابن جرير وغيره عن إبراهيم {حَتَّىٰ وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا وتستأذنوا}. {ذٰلِكُمْ } إشارة على ما قيل إلى الدخول بالاستئذان والتسليم المفهوم من الكلام، وقيل: إشارة إلى المذكور في ضمن الفعلين المغيا بهما أي الاستئذان والتسليم {خَيْرٌ لَّكُمْ } من الدخول بغتة والدخول على تحية الجاهلية، فقد كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتاً غير بيته يقول: حييتم صباحاً حييتم مساءً فيدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف، وخيرية المفضل عليه قيل على زعمهم لما في الانتظار من المذلة ولعدم تحية الجاهلية حسنة كما هو عادة الناس اليوم في قولهم: صباح الخير ومساء الخير، ولعل الأولى أن يقال: إن ذلك من قبيل الخل أحلى من العسل. وجوز أن يكون {خَيْرٌ } صفة فلا تقدير. وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تعليل على ما اختاره جمع لمحذوف أي أرشدتم إلى ذلك أو قيل لكم هذا كي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه.
سيد قطب
تفسير : إن الإسلام ـ كما أسلفنا ـ لا يعتمد على العقوبة في إنشاء مجتمعه النظيف، إنما يعتمد قبل كل شيء على الوقاية. وهو لا يحارب الدوافع الفطرية. ولكن ينظمها ويضمن لها الجو النظيف الخالي من المثيرات المصطنعة.. والفكرة السائدة في منهج التربية الإسلامية في هذه الناحية، هي تضييق فرص الغواية، وإبعاد عوامل الفتنة؛ وأخذ الطريق على أسباب التهييج والإثارة. مع إزالة العوائق دون الإشباع الطبيعي بوسائله النظيفة المشروعة.. ومن هنا يجعل للبيوت حرمة لا يجوز المساس بها؛ فلا يفاجأ الناس في بيوتهم بدخول الغرباء عليهم إلا بعد استئذانهم وسماحهم بالدخول، خيفة أن تطلع الأعين على خفايا البيوت، وعلى عورات أهلها وهم غافلون.. ذلك مع غض البصر من الرجال والنساء، وعدم التبرج بالزينة لإثارة الشهوات. ومن هنا كذلك ييسر الزواج للفقراء من الرجال والنساء. فالإحصان هو الضمان الحقيقي للاكتفاء.. وينهى عن تعريض الرقيق للبغاء كي لا تكون الفعلة سهلة ميسرة، فتغري بيسرها وسهولتها بالفحشاء. فلننظر نظرة تفصيلية في تلك الضمانات الواقية التي يأخذ بها الإسلام. {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون. فإن لم تجدوا فيهآ أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم. وإن قيل لكم: ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم، والله بما تعملون عليم. ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم. والله يعلم ما تبدون وما تكتمون}.. لقد جعل الله البيوت سكناً، يفيء إليها الناس؛ فتسكن أرواحهم؛ وتطمئن نفوسهم؛ ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم، ويلقون أعباء الحذر والحرص المرهقة للأعصاب! والبيوت لا تكون كذلك إلا حين تكون حرماً آمناً لا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم. وفي الوقت الذي يريدون، وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا عليها الناس. ذلك إلى أن استباحة حرمة البيت من الداخلين دون استئذان، يجعل أعينهم تقع على عورات؛ وتلتقي بمفاتن تثير الشهوات؛ وتهيِّئ الفرصة للغواية، الناشئة من اللقاءات العابرة والنظرات الطائرة، التي قد تتكرر فتتحول إلى نظرات قاصدة، تحركها الميول التي أيقظتها اللقاءات الأولى على غير قصد ولا انتظار؛ وتحولها إلى علاقات آثمة بعد بضع خطوات أو إلى شهوات محرومة تنشأ عنها العقد النفسية والانحرافات. ولقد كانوا في الجاهلية يهجمون هجوماً، فيدخل الزائر البيت. ثم يقول: لقد دخلت! وكان يقع أن يكون صاحب الدار مع أهله في الحالة التي لا يجوز أن يراهما عليها أحد. وكان يقع أن تكون المرأة عارية أو مكشوفة العورة هي أو الرجل. وكان ذلك يؤذي ويجرح، ويحرم البيوت أمنها وسكينتها؛ كما يعرض النفوس من هنا ومن هناك للفتنة، حين تقع العين على ما يثير. من أجل هذا وذلك أدب الله المسلمين بهذا الأدب العالي. أدب الاستئذان على البيوت، والسلام على أهلها لإيناسهم، وإزالة الوحشة من نفوسهم، قبل الدخول: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها}.. ويعبر عن الاستئذان بالاستئناس ـ وهو تعبير يوحي بلطف الاستئذان، ولطف الطريقة التي يجيء بها الطارق، فتحدث في نفوس أهل البيت أنساً به، واستعداداً لاستقباله. وهي لفتة دقيقة لطيفة، لرعاية أحوال النفوس، ولتقدير ظروف الناس في بيوتهم، وما يلابسها من ضرورات لا يجوز أن يشقى بها أهلها ويحرجوا أمام الطارقين في ليل أو نهار. وبعد الاستئذان إما أن يكون في البيوت أحد من أهلها أو لا يكون. فإن لم يكن أحد فلا يجوز اقتحامها بعد الاستئذان، لأنه لا دخول بغير إذن: {فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم}.. وإن كان فيها أحد من أهلها فإن مجرد الاستئذان لا يبيح الدخول؛ فإنما هو طلب للإذن. فإن لم يأذن أهل البيت فلا دخول كذلك. ويجب الانصراف دون تلكؤ ولا انتظار: {وإن قيل لكم: ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم}.. ارجعوا دون أن تجدوا في أنفسكم غضاضة، ودون أن تستشعروا من أهل البيت الإساءة إليكم، أو النفرة منكم. فللناس أسرارهم وأعذارهم. ويجب أن يترك لهم وحدهم تقدير ظروفهم وملابساتهم في كل حين. {والله بما تعملون عليم}.. فهو المطلع على خفايا القلوب؛ وعلى ما فيها من دوافع ومثيرات. فأما البيوت العامة كالفنادق والمثاوى والبيوت المعدة للضيافة منفصلة عن السكن، فلا حرج في الدخول إليها بغير استئذان، دفعاً للمشقة ما دامت علة الاستئذان منتفية: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم}.. {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون}.. فالأمر معلق باطلاع الله على ظاهركم وخافيكم؛ ورقابته لكم في سركم وعلانيتكم. وفي هذه الرقابة ضمان لطاعة القلوب، وامتثالها لذلك الأدب العالي، الذي يأخذها الله به في كتابه، الذي يرسم للبشرية نهجها الكامل في كل اتجاه. إن القرآن منهاج حياة. فهو يحتفل بهذه الجزئية من الحياة الاجتماعية، ويمنحها هذه العناية، لأنه يعالج الحياة كلياً وجزئياً، لينسق بين أجزائها وبين فكرتها الكلية العليا بهذا العلاج. فالاستئذان على البيوت يحقق للبيوت حرمتها التي تجعل منها مثابة وسكناً. ويوفر على أهلها الحرج من المفاجأة، والضيق بالمباغتة، والتأذي بانكشاف العورات.. وهي عورات كثيرة، تعني غير ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذه اللفظة.. إنها ليست عورات البدن وحدها. إنما تضاف إليها عورات الطعام، وعورات اللباس، وعورات الأثاث، التي قد لا يحب أهلها أن يفاجئهم عليها الناس دون تهيؤ وتجمل وإعداد. وهي عورات المشاعر والحالات النفسية، فكم منا يحب أن يراه الناس وهو في حالة ضعف يبكي لانفعال مؤثر، أو يغضب لشأن مثير، أو يتوجع لألم يخفيه عن الغرباء؟!. وكل هذه الدقائق يرعاها المنهج القرآني بهذا الأدب الرفيع، أدب الاستئذان؛ ويرعى معها تقليل فرص النظرات السانحة والالتقاءات العابرة، التي طالما أيقظت في النفوس كامن الشهوات والرغبات؛ وطالما نشأت عنها علاقات ولقاءات، يدبرها الشيطان، ويوجهها في غفلة عن العيون الراعية، والقلوب الناصحة، هنا أو هناك! ولقد رعاها الذين آمنوا يوم خوطبوا بها أول مرة عند نزول هذه الآيات. وبدأ بها رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام. أخرج أبو داود والنسائي من حديث أبي عمر الأوزاعي ـ بإسناده ـ عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال: زارنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في منزلنا فقال: "حديث : السلام عليكم ورحمة الله" تفسير : فرد سعد رداً خفياً. قال قيس: فقلت: ألا تأذن لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: دعه يكثر علينا من السلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: "حديث : السلام عليكم ورحمة الله"تفسير : . فرد سعد رداً خفياً. ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليع وسلم -: "حديث : السلام عليكم ورحمة الله"تفسير : ثم رجع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأتبعه سعد فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك رداً خفياً لتكثر علينا من السلام ـ فقال: فانصرف معه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمر له سعد بغسل فاغتسل؛ ثم ناوله خميصة مصبوغة بزعفران أو ورس، فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يديه، وهو يقول: "حديث : اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة"تفسير : ... الخ الحديث. وأخرج أبو داود ـ بإسناده ـ عن عبد الله بن بشر قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه؛ وكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: "حديث : السلام عليكم. السلام عليكم." تفسير : ذلك أن الدور لم يكن يومئذ عليها ستور. وروى أبو داود كذلك ـ بإسناده ـ عن هذيل قال: جاء رجل ـ قال عثمان: سعد ـ فوقف على باب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستأذن. فقام على الباب ـ قال عثمان: مستقبل الباب ـ فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : هكذا عنك ـ أو هكذا ـ فإنما الاستئذان من النظر ". تفسير : وفي الصحيحين عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "حديث : لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاه ففقأت عينه ما كان عليك من جناح ". تفسير : وروى أبو داود ـ بإسناده ـ عن ربعي قال: أتى رجل من بني عامر استأذن على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في بيته فقال: أألج؟ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لخادمه: "حديث : اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم. أأدخل؟" تفسير : فسمعها الرجل فقال: السلام عليكم. أأدخل؟ فأذن له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فدخل. وقال هشيم: قال مغيرة: قال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة، وقد آذاه الرمضاء؛ فأتى فسطاط امرأة من قريش، فقال: السلام عليكم. أأدخل؟ قالت: ادخل بسلام. فأعاد. فأعادت. وهو يراوح بين قدميه. قال: قولي: ادخل. قالت: ادخل. فدخل! وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما، قال: قلت أأستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم. فرددت عليه ليرخص لي فأبى، فقال: تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا. قال: فاستأذن. قال: فراجعته أيضاً. فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قال: قلت: نعم. قال: فاستأذن. وجاء في الصحيح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقاً.. وفي رواية: ليلا يتخونهم. وفي حديث آخر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة نهاراً، فأناخ بظاهرها وقال: "حديث : انتظروا حتى ندخل عشاء ـ يعني آخر النهار ـ حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة ". تفسير : إلى هذا الحد من اللطف والدقة بلغ حس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته، بما علمهم الله من ذلك الأدب الرفيع الوضيء، المشرق بنور الله. ونحن اليوم مسلمون، ولكن حساسيتنا بمثل هذه الدقائق تبلدت وغلظت. وإن الرجل ليهجم على أخيه في بيته، في أية لحظة من لحظات الليل والنهار، يطرقه ويطرقه ويطرقه فلا ينصرف أبداً حتى يزعج أهل البيت فيفتحوا له. وقد يكون في البيت هاتف "تليفون" يملك أن يستأذن عن طريقه، قبل أن يجيء، ليؤذن له أو يعلم أن الموعد لا يناسب؛ ولكنه يهمل هذا الطريق ليهجم في غير أوان، وعلى غير موعد. ثم لا يقبل العرف أن يرد عن البيت ـ وقد جاء ـ مهما كره أهل البيت تلك المفاجأة بلا إخطار ولا انتظار! ونحن اليوم مسلمون، ولكننا نطرق إخواننا في أية لحظة في موعد الطعام. فإن لم يقدم لنا الطعام وجدنا في أنفسنا من ذلك شيئاً! ونطرقهم في الليل المتأخر، فإن لم يدعونا إلى المبيت عندهم وجدنا في أنفسنا من ذلك شيئاً! دون أن نقدر أعذارهم في هذا وذاك! ذلك أننا لا نتأدب بأدب الإسلام؛ ولا نجعل هوانا تبعاً لما جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما نحن عبيد لعرف خاطئ، ما أنزل الله به من سلطان! ونرى غيرنا ممن لم يعتنقوا الإسلام، يحافظون على تقاليد في سلوكهم تشبه ما جاء به ديننا ليكون أدباً لنا في النفس، وتقليداً من تقاليدنا في السلوك. فيعجبنا ما نراهم عليه أحياناً؛ ونتندر به أحياناً؛ ولا نحاول أن نعرف ديننا الأصيل، فنفيء إليه مطمئنين. وبعد الانتهاء من أدب الاستئذان على البيوت ـ وهو إجراء وقائي في طريق تطهير المشاعر وإتقاء أسباب الفتنة العابرة ـ يأخذ على الفتنة الطريق كي لا تنطلق من عقالها، بدافع النظر لمواضع الفتنة المثيرة، وبدافع الحركة المعبرة، الداعية إلى الغواية: {قل للمؤمنين: يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم. إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات: يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها؛ وليضربن بخمرهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن، أو آبائهن، أو آباء بعولتهن، أو أبنائهن، أو أبناء بعولتهن، أو إخوانهن، أو بني إخوانهن، أو بني أخواتهن، أو نسائهن، أو ما ملكت أيمانهن، أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال، أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء. ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن. وتوبوا إلى الله جميعاً ـ أيها المؤمنون ـ لعلكم تفلحون}.. إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف، لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة، ولا تستثار فيه دفعات اللحم والدم في كل حين. فعمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي. والنظرة الخائنة، والحركة المثيرة، والزنية المتبرجة، والجسم العاري.. كلها لا تصنع شيئاً إلا أن تهيج ذلك السعار الحيواني المجنون! وإلا أن يفلت زمام الأعصاب والإرادة. فإما الإفضاء الفوضوي الذي لا يتقيد بقيد وإما الأمراض العصبية والعقد النفسية الناشئة من الكبح بعد الإثارة! وهي تكاد أن تكون عملية تعذيب!!! وإحدى وسائل الإسلام إلى إنشاء مجتمع نظيف هي الحيلولة دون هذه الاستثارة، وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين، سليماً، وبقوته الطبيعية، دون استثارة مصطنعة، وتصريفه في موضعه المأمون النظيف. ولقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة، والحديث الطليق، والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة.. شاع أن كل هذا تنفيس وترويح، وإطلاق للرغبات الحبيسة، ووقاية من الكبت، ومن العقد النفسية، وتخفيف من حدة الضغط الجنسي، وما وراءه من اندفاع غير مأمون.. الخ. شاع هذا على إثر انتشار بعض النظريات المادية القائمة على تجريد الإنسان من خصائصه التي تفرقه من الحيوان، والرجوع به إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين! ـ وبخاصة نظرية فرويد ـ ولكن هذا لم يكن سوى فروض نظرية، رأيت بعيني في أشد البلاد إباحية وتفلتا من جميع القيود الاجتماعية الأخلاقية والدينية والإنسانية، ما يكذبها وينقضها من الأساس. نعم. شاهدت في البلاد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي، والاختلاط الجنسي، بكل صوره وأشكاله، أن هذا كله لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها. إنما انتهى إلى سعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع! وشاهدت الأمراض النفسية والعقد التي كان مفهوماً أنها لا تنشأ إلا من الحرمان، وإلا من التلهف على الجنس الآخر المحجوب، شاهدتها بوفرة ومعها الشذوذ الجنسي بكل أنواعه.. ثمرة مباشرة للاختلاط الكامل الذي لا يقيده قيد ولا يقف عند حد؛ وللصداقات بين الجنسين تلك التي يباح معها كل شيء! وللأجسام العارية في الطريق، وللحركات المثيرة والنظرات الجاهرة، واللفتات الموقظة. وليس هنا مجال التفصيل وعرض الحوادث والشواهد. مما يدل بوضوح على ضرورة إعادة النظر في تلك النظريات التي كذبها الواقع المشهود. إن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي؛ لأن الله قد ناط به امتداد الحياة على هذه الأرض؛ وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها. فهو ميل دائم يسكن فترة ثم يعود. وإثارته في كل حين تزيد من عرامته؛ وتدفع به إلى الإفضاء المادي للحصول على الراحة. فإذا لم يتم هذا تعبت الأعصاب المستثارة. وكان هذا بمثابة عملية تعذيب مستمرة! والنظرة تثير. والحركة تثير. والضحكة تثير. والدعابة تثير. والنبرة المعبرة عن هذا الميل تثير. والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعية، ثم يلبى تلبية طبيعية.. وهذا هو المنهج الذي يختاره الإسلام. مع تهذيب الطبع، وشغل الطاقة البشرية بهموم أخرى في الحياة، غير تلبية دافع اللحم والدم، فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد! وفي الآيتين المعروضتين هنا نماذج من تقليل فرص الاستثارة والغواية والفتنة من الجانبين: {قل للمؤمنين: يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم. ذلك أزكى لهم. إن الله خبير بما يصنعون}.. وغض البصر من جانب الرجال أدب نفسي، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام. كما أن فيه إغلاقاً للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية. ومحاولة عملية للحيلولة دون وصول السهم المسموم! وحفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر. أو هو الخطوة التالية لتحكيم الإرادة، ويقظة الرقابة، والاستعلاء على الرغبة في مراحلها الأولى. ومن ثم يجمع بينهما في آية واحدة؛ بوصفهما سبباً ونتيجة؛ أو باعتبارهما خطوتين متواليتين في عالم الضمير وعالم الواقع. كلتاهما قريب من قريب. {ذلك أزكى لهم}.. فهو أطهر لمشاعرهم؛ وأضمن لعدم تلوثها بالانفعالات الشهوية في غير موضعها المشروع النظيف، وعدم ارتكاسها إلى الدرك الحيواني الهابط. وهو أطهر للجماعة وأصون لحرماتها وأعراضها، وجوها الذي تتنفس فيه. والله هو الذي يأخذهم بهذه الوقاية؛ وهو العليم بتركيبهم النفسي وتكوينهم الفطري، الخبير بحركات نفوسهم وحركات جوارحهم: {إن الله خبير بما يصنعون}.. {وقل للمؤمنات: يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن}.. فلا يرسلن بنظراتهن الجائعة المتلصصة، أو الهاتفة المثيرة، تستثير كوامن الفتنة في صدور الرجال. ولا يبحن فروجهن إلا في حلال طيب، يلبي داعي الفطرة في جو نظيف، لا يخجل الأطفال الذين يجيئون عن طريقه عن مواجهة المجتمع والحياة! {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}.. والزينة حلال للمرأة، تلبية لفطرتها. فكل أنثى مولعة بأن تكون جميلة، وأن تبدو جميلة. والزينة تختلف من عصر إلى عصر؛ ولكن أساسها في الفطرة واحد، هو الرغبة في تحصيل الجمال أو استكماله، وتجليته للرجال. والإسلام لا يقاوم هذه الرغبة الفطرية؛ ولكنه ينظمها ويضبطها، ويجعلها تتبلور في الاتجاه بها إلى رجل واحد ـ هو شريك الحياة ـ يطلع منها على ما لا يطلع أحد سواه. ويشترك معه في الاطلاع على بعضها، المحارم والمذكورون في الآية بعد، ممن لا يثير شهواتهم ذلك الاطلاع. فأما ما ظهر من الزينة في الوجه واليدين، فيجوز كشفه. لأن كشف الوجه واليدين مباح لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأسماء بنت أبي بكر: "حديث : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا ـ وأشار إلى وجهه وكفيه ". تفسير : {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}.. والجيب فتحة الصدر في الثوب. والخمار غطاء الرأس والنحر والصدر. ليداري مفاتنهن، فلا يعرضها للعيون الجائعة؛ ولا حتى لنظرة الفجاءة، التي يتقي المتقون أن يطيلوها أو يعاودوها، ولكنها قد تترك كميناً في أطوائهم بعد وقوعها على تلك المفاتن لو تركت مكشوفة! إن الله لا يريد أن يعرض القلوب للتجربة والابتلاء في هذا النوع من البلاء! والمؤمنات اللواتي تلقين هذا النهي. وقلوبهن مشرقة بنور الله، لم يتلكأن في الطاعة، على الرغم من رغبتهن الفطرية في الظهور بالزينة والجمال. وقد كانت المرأة في الجاهلية ـ كما هي اليوم في الجاهلية الحديثة! ـ تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء. وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها، وأقرطة أذنيها. فلما أمر الله النساء أن يضربن بخمرهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، كن كما قالت عائشة رضي الله عنها ـ: "يرحم الله نساء المهاجرات الأول. لما أنزل الله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} شققن مروطهن فاختمرن بها".. وعن صفية ـ بنت شيبة قالت: بينما نحن عند عائشة. قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ إن لنساء قريش لفضلاً. وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، أشد تصديقاً لكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل. لما نزلت في سورة النور: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها؛ ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته. فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل، فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه. فأصبحن وراء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان". لقد رفع الإسلام ذوق المجتمع الإسلامي، وطهر إحساسه بالجمال؛ فلم يعد الطابع الحيواني للجمال هو المستحب، بل الطابع الإنساني المهذب.. وجمال الكشف الجسدي جمال حيواني يهفو إليه الإنسان بحس الحيوان؛ مهما يكن من التناسق والاكتمال. فأما جمال الحشمة فهو الجمال النظيف، الذي يرفع الذوق الجمالي، ويجعله لائقاً بالإنسان، ويحيطه بالنظافة والطهارة في الحس والخيال. وكذلك يصنع الإسلام اليوم في صفوف المؤمنات. على الرغم من هبوط الذوق العام، وغلبة الطابع الحيواني عليه؛ والجنوح به إلى التكشف والعري والتنزي كما تتنزى البهيمة! فإذا هن يحجبن مفاتن أجسامهن طائعات، في مجتمع يتكشف ويتبرج، وتهتف الأنثى فيه للذكور حيثما كانت هتاف الحيوان للحيوان! هذا التحشم وسيلة من الوسائل الوقائية للفرد والجماعة.. ومن ثم يبيح القرآن تركه عندما يأمن الفتنة. فيستثني المحارم الذين لا تتوجه ميولهم عادة ولا تثور شهواتهم وهم: الآباء، والأبناء، وآباء الأزواج وأبناؤهم، والإخوة وأبناء الإخوة، وأبناء الأخوات.. كما يستثني النساء المؤمنات: {أو نسائهن} فأما غير المسلمات فلا. لأنهن قد يصفن لأزواجهن وإخوتهن، وأبناء ملتهن مفاتن نساء المسلمين وعوراتهن لو اطلعن عليها. وفي الصحيحين: "حديث : لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه يراها" تفسير : .. أما المسلمات فهن أمينات، يمنعهن دينهن أن يصفن لرجالهن امرأة مسلمة وزينتها.. ويستثني كذلك {ما ملكت أيمانهن} قيل من الإناث فقط، وقيل: ومن الذكور كذلك. لأن الرقيق لا تمتد شهوته إلى سيدته. والأول أولى، لأن الرقيق إنسان تهيج فيه شهوة الإنسان، مهما يكن له من وضع خاص؛ في فترة من الزمان.. ويستثني {التابعين غير أولي الإربة من الرجال}.. وهم الذين لا يشتهون النساء لسبب من الأسباب كالجب والعنة والبلاهة والجنون. وسائر ما يمنع الرجل أن تشتهي نفسه المرأة. لأنه لا فتنة هنا ولا إغراء... ويستثني {الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء}.. وهم الأطفال الذين لا يثير جسم المرأة فيهم الشعور بالجنس. فإذا ميزوا، وثار فيهم هذا الشعور ـ ولو كانوا دون البلوغ ـ فهم غير داخلين في هذا الاستثناء. وهؤلاء كلهم ـ عدا الأزواج ـ ليس عليهم ولا على المرأة جناح أن يروا منها، إلا ما تحت السرة إلى تحت الركبة. لانتفاء الفتنة التي من أجلها كان الستر والغطاء. فأما الزوج فله رؤية كل جسدها بلا استثناء. ولما كانت الوقاية هي المقصودة بهذا الإجراء، فقد مضت الآية تنهى المؤمنات عن الحركات التي تعلن عن الزينة المستورة، وتهيج الشهوات الكامنة، وتوقظ المشاعر النائمة. ولو لم يكشفن فعلاً عن الزينة: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن}.. وإنها لمعرفة عميقة بتركيب النفس البشرية وانفعالاتها واستجاباتها. فإن الخيال ليكون أحياناً أقوى في إثارة الشهوات من العيان. وكثيرون تثير شهواتهم رؤية حذاء المرأة أو ثوبها، أو حليها، أكثر مما تثيرها رؤية جسد المرأة ذاته. كما أن كثيرين يثيرهم طيف المرأة يخطر في خيالهم، أكثر مما يثيرهم شخص المرأة بين أيديهم ـ وهي حالات معروفة عند علماء الأمراض النفسية اليوم ـ وسماع وسوسة الحلى أو شمام شذى العطر من بعيد، قد يثير حواس رجال كثيرين، ويهيج أعصابهم، ويفتنهم فتنة جارفة لا يملكون لها رداً. والقرآن يأخذ الطريق على هذا كله. لأن منزله هو الذي خلق، وهو الذي يعلم من خلق. وهو اللطيف الخبير. وفي النهاية يرد القلوب كلها إلى الله؛ ويفتح لها باب التوبة مما ألمت به قبل نزول هذا القرآن: {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}. بذلك يثير الحساسية برقابة الله، وعطفه ورعايته، وعونه للبشر في ضعفهم أمام ذلك الميل الفطري العميق، الذي لا يضبطه مثل الشعور بالله، وبتقواه.. وإلى هنا كان علاج المسألة علاجاً نفسياً وقائياً. ولكن ذلك الميل حقيقة واقعة، لا بد من مواجهتها بحلول واقعية إيجابية.. هذه الحلول الواقعة هي تيسير الزواج، والمعاونة عليه؛ مع تصعيب السبل الأخرى للمباشرة الجنسية أو إغلاقها نهائياً: {وأنكحوا الأيامى منكم، والصالحين من عبادكم وإمائكم. إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله. والله واسع عليم. وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله. والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ـ إن علمتم فيهم خيراً ـ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم؛ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ـ إن أردن تحصناً ـ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا. ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم}.. إن الزواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميول الجنسية الفطرية. وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة. فيجب أن تزول العقبات من طريق الزواج، لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها. والعقبة المالية هي العقبة الأولى في طريق بناء البيوت، وتحصين النفوس. والإسلام نظام متكامل، فهو لا يفرض العفة إلا وقد هيأ لها أسبابها، وجعلها ميسورة للأفراد الأسوياء. فلا يلجأ إلى الفاحشة حينئذ إلا الذي يعدل عن الطريق النظيف الميسور عامداً غير مضطر. لذلك يأمر الله الجماعة المسلمة أن تعين من يقف المال في طريقهم إلى النكاح الحلال: {وأنكحوا الأيامى منكم، والصالحين من عبادكم وإمائكم. إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}.. والأيامى هم الذين لا أزواج لهم من الجنسين.. والمقصود هنا الأحرار، وقد أفرد الرقيق بالذكر بعد ذلك: {والصالحين من عبادكم وإمائكم}. وكلهم ينقصهم المال كما يفهم من قوله بعد ذلك: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}.. وهذا أمر للجماعة بتزويجهم. والجمهور على أن الأمر هنا للندب. ودليلهم أنه قد وجد أيامى على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يزوجوا. ولو كان الأمر للوجوب لزوجهم. ونحن نرى أن الأمر للوجوب، لا بمعنى أن يجبر الإمام الأيامى على الزواج؛ ولكن بمعنى أنه يتعين إعانة الراغبين منهم في الزواج، وتمكينهم من الإحصان، بوصفه وسيلة من وسائل الوقاية العملية، وتطهير المجتمع الإسلامي من الفاحشة. وهو واجب. ووسيلة الواجب واجبة. وينبغي أن نضع في حسابنا ـ مع هذا ـ أن الإسلام ـ بوصفه نظاماً متكاملاً ـ يعالج الأوضاع الاقتصادية علاجاً أساسياً؛ فيجعل الأفراد الأسوياء قادرين على الكسب، وتحصيل الرزق، وعدم الحاجة إلى مساعدة بيت المال. ولكنه في الأحوال الاستثنائية يلزم بيت المال ببعض الإعانات.. فالأصل في النظام الاقتصادي الإسلامي أن يستغني كل فرد بدخله. وهو يجعل تيسير العمل وكفاية الأجر حقاً على الدولة واجباً للأفراد. أما الإعانة من بيت المال فهي حالة استثنائية لا يقوم عليها النظام الاقتصادي في الإسلام. فإذا وجد في المجتمع الإسلامي ـ بعد ذلك ـ أيامى فقراء وفقيرات، تعجز مواردهم الخاصة عن الزواج، فعلى الجماعة أن تزوجهم. وكذلك العبيد والإماء. غير أن هؤلاء يلتزم أولياؤهم بأمرهم ما داموا قادرين. ولا يجوز أن يقوم الفقر عائقاً عن التزويج ـ متى كانوا صالحين للزواج راغبين فيه رجالاً ونساء ـ فالرزق بيد الله. وقد تكفل الله بإغنائهم، إن هم اختاروا طريق العفة النظيف: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}. وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف ". تفسير : وفي انتظار قيام الجماعة بتزويج الأيامى يأمرهم بالاستعفاف حتى يغنيهم الله بالزواج: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله}.. {والله واسع عليم}.. لا يضيق على من يبتغي العفة، وهو يعلم نيته وصلاحه. وهكذا يواجه الإسلام المشكلة مواجهة عملية؛ فيهيئ لكل فرد صالح للزواج أن يتزوج؛ ولو كان عاجزاً من ناحية المال. والمال هو العقبة الكؤود غالباً في طريق الإحصان. ولما كان وجود الرقيق في الجماعة من شأنه أن يساعد على هبوط المستوى الخلقي، وأن يعين على الترخص والإباحية بحكم ضعف حساسية الرقيق بالكرامة الإنسانية. وكان وجود الرقيق ضرورة إذ ذاك لمقابلة أعداء الإسلام بمثل ما يعاملون به أسرى المسلمين. لما كان الأمر كذلك عمل الإسلام على التخلص من الأرقاء كلما واتت الفرصة. حتى تتهيأ الأحوال العالمية لإلغاء نظام الرق كله، فأوجب إجابة الرقيق إلى طلب المكاتبة على حريته. وذلك في مقابل مبلغ من المال يؤديه فينال حريته: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم. إن علمتم فيهم خيراً}.. وآراء الفقهاء مختلفة في هذا الوجوب. ونحن نراه الأولى؛ فهو يتمشى مع خط الإسلام الرئيسي في الحرية وفي كرامة الإنسانية. ومنذ المكاتبة يصبح مال الرقيق له، وأجر عمله له، ليوفي منه ما كاتب عليه؛ ويجب له نصيب في الزكاة: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}. ذلك على شرط أن يعلم المولى في الرقيق خيراً. والخير هو الإسلام أولاً. ثم هو القدرة على الكسب. فلا يتركه كَلاً على الناس بعد تحرره. وقد يلجأ إلى أحط الوسائل ليعيش، ويكسب ما يقيم أوده. والإسلام نظام تكافل. وهو كذلك نظام واقع. فليس المهم أن يقال: إن الرقيق قد تحرر. وليست العنوانات هي التي تهمه. إنما تهمه الحقيقة الواقعة. ولن يتحرر الرقيق حقاً إلا إذا قدر على الكسب بعد عتقه؛ فلم يكن كلا على الناس؛ ولم يلجأ إلى وسيلة قذرة يعيش منها، ويبيع فيها ما هو أثمن من الحرية الشكلية وأغلى، وهو أعتقه لتنظيف المجتمع لا لتلويثه من جديد؛ بما هو أشد وأنكى. وأخطر من وجود الرقيق في الجماعة، احتراف بعض الرقيق للبغاء. وكان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني؛ وجعل عليها ضريبة يأخذها منها ـ وهذا هو البغاء في صورته التي ما تزال معروفة حتى اليوم ـ فلما أراد الإسلام تطهير البيئة الإسلامية حرم الزنا بصفة عامة؛ وخص هذه الحالة بنص خاص: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. إن أردن تحصناً. لتبتغوا عرض الحياة الدنيا. ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم}. فنهى الذين يكرهون فتياتهم على هذا المنكر، ووبخهم على ابتغاء عرض الحياة الدنيا من هذا الوجه الخبيث. ووعد المكرهات بالمغفرة والرحمة، بعد الإكراه الذي لا يد لهن فيه. قال السدي: أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبي بن سلول، رأس المنافقين، وكانت له جارية تدعى معاذة. وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها، إرادة الثواب منه، والكرامة له. فأقبلت الجارية إلى أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ فشكت إليه ذلك؛ فذكره أبو بكر للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمره بقبضها. فصاح عبد الله بن أبي: من يعذرنا من محمد؟ يغلبنا على مملوكتنا! فأنزل الله فيهم هذا. هذا النهي عن إكراه الفتيات على البغاء ـ وهن يردن العفة ـ ابتغاء المال الرخيص كان جزءاً من خطة القرآن في تطهير البيئة الإسلامية، وإغلاق السبل القذرة للتصريف الجنسي، ذلك أن وجود البغاء يغري الكثيرين لسهولته؛ ولو لم يجدوه لانصرفوا إلى طلب هذه المتعة في محلها الكريم النظيف. ولا عبرة بما يقال من أن البغاء صمام أمن، يحمي البيوت الشريفة؛ لأنه لا سبيل لمواجهة الحاجة الفطرية إلا بهذا العلاج القذر عند تعذر الزواج. أو تهجم الذئاب المسعورة على الأعراض المصونة، إن لم تجد هذا الكلأ المباح! إن في التفكير على هذا النحو قلباً للأسباب والنتائج. فالميل الجنسي يجب أن يظل نظيفاً بريئاً موجهاً إلى إمداد الحياة بالأجيال الجديدة. وعلى الجماعات أن تصلح نظمها الاقتصادية بحيث يكون كل فرد فيها في مستوى يسمح له بالحياة المعقولة وبالزواج. فإن وجدت بعد ذلك حالات شاذة عولجت هذه الحالات علاجاً خاصاً... وبذلك لا تحتاج إلى البغاء، وإلى إقامة مقاذر إنسانية، يمر بها كل من يريد أن يتخفف من أعباء الجنس، فيلقي فيها بالفضلات، تحت سمع الجماعة وبصرها! إن النظم الاقتصادية هي التي يجب أن تعالج، بحيث لا تخرج مثل هذا النتن. ولا يكون فسادها حجة على ضرورة وجود المقاذر العامة، في صور آدمية ذليلة. وهذا ما يصنعه الإسلام بنظامه المتكامل النظيف العفيف، الذي يصل الأرض بالسماء، ويرفع البشرية إلى الأفق المشرق الوضيء المستمد من نور الله. ويعقب على هذا الشوط بصفة القرآن التي تناسب موضوعه وجوه: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات، ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم، وموعظة للمتقين}.. فهو آيات مبينات، لا تدع مجالاً للغموض والتأويل، والانحراف عن النهج القويم. وهو عرض لمصائر الغابرين الذين انحرفوا عن نهج الله فكان مصيرهم النكال. وهو موعظة للمتقين الذين تستشعر قلوبهم رقابة الله فتخشى وتستقيم. والأحكام التي تضمنها هذا الشوط تتناسق مع هذا التعقيب، الذي يربط القلوب بالله، الذي نزل هذا القرآن..
ابن عاشور
تفسير : ذكرنا أن من أكبر الأغراض في هذه السورة تشريع نظام المعاشرة والمخالطة العائلية في التجاور. فهذه الآيات استئناف لبيان أحكام التزاور وتعليم آداب الاستئذان، وتحديد ما يحصل المقصود منه كيلا يكون الناس مختلفين في كيفيته على تفاوت اختلاف مداركهم في المقصود منه والمفيد. وقد كان الاستئذان معروفاً في الجاهلية وصدر الإسلام، وكان يختلف شكله باختلاف حال المستأذن عليه من ملوك وسوقة فكان غير متماثل. وقد يتركه أو يقصر فيه من لا يهمه إلا قضاء وطره وتعجيل حاجته، ولا يبعد بأن يكون ولوجه محرجاً للمزور أو مثقلاً عليه فجاءت هذه الآيات لتحديد كيفيته وإدخاله في آداب الدين حتى لا يفرط الناس فيه أو في بعضه باختلاف مراتبهم في الاحتشام والأنفة واختلاف أوهامهم في عدم المؤاخذة أو في شدتها. وشرع الاستئذان لمن يزور أحداً في بيته لأن الناس اتخذوا البيوت للاستتار مما يؤذي الأبدان من حرّ وقرّ ومطر وقتام، ومما يؤذي العرض والنفس من انكشاف ما لا يحب الساكن اطلاع الناس عليه، فإذا كان في بيته وجاءه أحد فهو لا يدخله حتى يصلح ما في بيته وليستر ما يحب أن يستره ثم يأذن له أو يخرج له فيكلمه من خارج الباب. ومعنى {تستأنسوا} تطلبوا الأنس بكم، أي تطلبوا أن يأنس بكم صاحب البيت، وأنسه به بانتفاء الوحشة والكراهية. وهذا كناية لطيفة عن الاستئذان، أي أن يستأذن الداخل، أي يطلب إذناً من شأنه أن لا يكون معه استيحاش رب المنزل بالداخل. قال ابن وهب قال مالك: الاستئناس فيما نرى والله أعلم الاستئذان. يريد أنه المراد كناية أو مرادفة فهو من الأنس، وهذا الذي قاله مالك هو القول الفصل. ووقع لابن القاسم في «جامع العتيبة» أن الاستئناس التسليم. قال ابن العربي: وهو بعيد. وقلت: أراد ابن القاسم السلام بقصد الاستئذان فيكون عطف {وتسلموا} عطف تفسير. وليس المراد بالاستئناس أنه مشتق من آنس بمعنى علم لأن ذلك إطلاق آخر لا يستقيم هنا فلا فائدة في ذكره وذلك بحسب الظاهر فإنه إذا أذن له دل إذنه على أنه لا يكره دخوله وإذا كره دخوله لا يأذن له والله متولي علم ما في قلبه فلذلك عُبر عن الاستئذان بالاستئناس مع ما في ذلك من الإيماء إلى علة مشروعية الاستئذان. وفي ذلك من الآداب أن المرء لا ينبغي أن يكون كلاًّ على غيره، ولا ينبغي له أن يعرض نفسه إلى الكراهية والاستثقال، وأنه ينبغي أن يكون الزائر والمزور متوافقين متآنسين وذلك عون على توفر الأخوة الإسلامية. وعطف الأمر بالسلام على الاستئناس وجعل كلاهما غاية للنهي عن دخول البيوت تنبيهاً على وجوب الإتيان بهما لأن النهي لا يرتفع إلا عند حصولهما. وعن ابن سيرين: « حديث : أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أأدخل؟ فأمر النبي رجلاً عنده أو أَمَةً اسمها روضة فقال: إنه لا يحسن أن يستأذن فليقُل: السلام عليكم أأدخل. فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل. فقال: ادْخلْ » تفسير : ، وروى مطرف عن مالك عن زيد بن أسلم: «أنه استأذن على عبد الله بن عمر فقال: أألج. فأذن له ابن عمر، فلما دخل قال له ابن عمر: ما لك واستئذان العرب؟ (يريد أهل الجاهلية) إذا استأذنت فقل: السلام عليكم. فإذا رد عليك السلام فقل: أأدخل، فإن أذن لك فادخل». وظاهر الآية أن الاستئذان واجب وأن السلام واجب غير أن سياق الآية لتشريع الاستئذان. وأما السلام فتقررت مشروعيته من قبل في أول الإسلام ولم يكن خاصاً بحالة دخول البيوت فلم يكن للسلام اختصاص هنا وإنما ذكر مع الاستئذان للمحافظة عليه مع الاستئذان لئلا يلهي الاستئذان الطارقَ فينسى السلام أو يحسب الاستئذان كافياً عن السلام. قال المازري في كتاب «المعلم على صحيح مسلم»: الاستئذان مشروع. وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» قال جماعة: الاستئذان فرض والسلام مستحب. وروي عن عطاء: الاستئذان واجب على كل محتلم. ولم يفصح عن حكم الاستئذان سوى فقهاء المالكية. قال الشيخ أبو محمد في «الرسالة»: الاستئذان واجب فلا تدخُلْ بيتاً فيه أحد حتى تستأذن ثلاثاً فإن أذن لك وإلا رجعت. وقال ابن رشد في «المقدمات»: الاستئذان واجب. وحكى أبو الحسن المالكي في «شرح الرسالة» الإجماع على وجوب الاستئذان. وقال النووي في «شرح صحيح مسلم»: الاستئذان مشروع. وهي كلمة المازري في «شرح مسلم». وأقول: ليس قرن الاستئذان بالسلام في الآية بمقتض مساواتَهما في الحكم إذا كانت هنالك أدلة أخرى تفرق بين حكميهما وتلك أدلة من السنة، ومن المعنى فإن فائدة الاستئذان دفع ما يكره عن المطروق المزور وقطع أسباب الإنكار أو الشتم أو الإغلاظ في القول مع سد ذرائع الريب وكلها أو مجموعها يقتضي وجوب الاستئذان. وأما فائدة السلام مع الاستئذان فهي تقوية الألفة المتقررة فلا تقتضي أكثر من تأكد الاستحباب. فالقرآن أمر بالحالة الكاملة وأحال تفصيل أجزائها على تبيين السنة كما قال تعالى: {أية : لتبين للناس ما نزل إليهم} تفسير : [النحل: 44]. وقد أجملت حكمة الاستئذان في قوله تعالى: {ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون} أي ذلكم الاستئذان خير لكم، أي فيه خير لكم ونفع فإذا تدبرتم علمتم ما فيه من خير لكم كما هو المرجو منكم. وقد جمعت الآية الاستئذان والسلام بواو العطف المفيد التشريك فقط فدلت على أنه إن قدم الاستئذان على السلام أو قدم السلام على الاستئذان فقد جاء بالمطلوب منه، وورد في أحاديث كثيرة الأمر بتقديم السلام على الاستئذان فيكون ذلك أولى ولا يعارض الآية. وليس للاستئذان صيغة معينة. وما ورد في بعض الآثار فإنما محمله على أنه المتعارف بينهم أو على أنه كلام أجمع من غيره في المراد. وقد بينت السنة أن المستأذن إن لم يؤذن له بالدخول يكرره ثلاث مرات فإذا لم يؤذن له انصرف. وورد في هذا حديث أبي موسى الأشعري مع عمر بن الخطاب في «صحيح البخاري» وهو ما روي: «عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى الأشعري كأنه مذعور قال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يأذن لي فرجعت (وفسره في رواية أخرى بأن عمر كان مشتغلاً ببعض أمره ثم تذكر فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ قالوا: استأذن ثلاثاً ثم رجع) فأرسل وراءه فجاء أبو موسى فقال عمر: ما منعك؟ قال قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت. وقال رسول الله: { حديث : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع } تفسير : . فقال عمر: والله لتقيمن عليه بينة. قال أبو موسى: أمنكم أحد سمعه من النبي؟ فقال أبيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغرنا فكنت أصغرهم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي قال ذلك. فقال عمر: خفِي عليّ هذا من أمر رسول الله ألهاني الصفق بالأسواق. وقد علم أن الاستئذان يقتضي إذناً ومنعاً وسكوتاً فإن أذن له فذاك وإن منع بصريح القول فذلك قوله تعالى: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم}. والضمير عائد إلى الرجوع المفهوم من {ارجعوا} كقوله: { أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى } تفسير : [المائدة: 8]. ومعنى {ازكى لكم} أنه أفضل وخير لكم من أن يأذنوا على كراهية. وفي هذا أدب عظيم وهو تعليم الصراحة بالحق دون المواربة ما لم يكن فيه أذى. وتعليم قبول الحق لأنه أطمن لنفس قابله من تلقي ما لا يدري أهو حق أم مواربة، ولو اعتاد الناس التصارح بالحق بينهم لزالت عنهم ظنون السوء بأنفسهم. وأما السكوت فهو ما بيّن حكمه حديث أبي موسى. وفعل {تسلموا} معناه تقولوا: السلام عليكم، فهو من الأفعال المشتقة من حكاية الأقوال الواقعة في الجمل مثل: رحّب وأهّل، إذا قال: مرحباً وأهلاً، وحيّا، إذا قال: حيَّاك الله، وجزّأ إذ قال له: جزاك الله خيراً. وسهَّل، إذا قال: سهلاً، أي حللت سهلاً. قال البعيث بن حريث: شعر : فقلت لها أهلاً وسهلاً ومرحباً فردت بتأهيل وسهل ومرحبِ تفسير : وفي الحديث: « حديث : تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ». تفسير : وهي قريبة من النحت مثل: بسمل، إذا قال: باسم الله، وحسبل، إذا قال: حسبنا الله. و{على أهلها} يتعلق بــــ{تسلموا} لأنه أصله من بقية الجملة التي صيغ منها الفعل التي أصلها: السلام عليكم، كما يعدى رحَّب به، إذا قال: مرحباً بك، وكذلك أهّل به وسهّل به. ومنه قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلموا تسليماً } تفسير : [الأحزاب: 56]. وصيغة التسليم هي: السلام عليكم. وقد علمها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ونهى أبا جُزَي الهجيمي عن أن يقول: عليك السلام. وقال له: إن عليك السلام تحية الميت ثلاثاً، أي الابتداء بذلك. وأما الرد فيقول: وعليك السلام ــــ بواو العطف وبذلك فارقت تحية الميت ــــ ورحمة الله. أخرج ذلك الترمذي في كتاب الاستئذان. وتقدم السلام في قوله تعالى: { أية : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم } تفسير : في سورة [الأنعام: 54]. وأما قوله: {فإن لم تجدوا فيها أحداً} إلخ للاحتراس من أن يظن ظان أن المنازل غير المسكونة يدخلها الناس في غيبة أصحابها بدون إذن منهم توهماً بأن علة شرع الاستئذان ما يَكره أهل المنازل من رؤيتهم على غير تأهب بل العلة هي كراهتهم رؤية ما يحبون ستره من شؤونهم. فالشرط هنا يشبه الشرط الوصلي لأنه مراد به المبالغة في تحقيق ما قبله ولذلك ليس له مفهوم مخالفة. والغاية في قوله: {حتى يؤذن لكم} لتأكيد النهي بقوله: {فلا تدخلوها} أي حتى يأتي أهلها فيأذنوا لكم. وقوله: {والله بما تعملون عليم} تذييل لهذه الوصايا بتذكيرهم بأن الله عليم بأعمالهم ليزدجر أهل الإلحاح عن إلحاحهم بالتثقيل، وليزدجر أهل الحيل أو التطلع من الشقوق ونحوها. وهذا تعريض بالوعيد لأن في ذلك عصياناً لما أمر الله به. فعلمه به كناية عن مجازاته فاعليه بما يستحقون. وخطاب {لا تدخلوا} يعم وهو مخصوص بمفهوم قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } تفسير : [النور: 58] كما سيأتي. ولذا فإن المماليك والأطفال مخصصون من هذا العموم كما سيأتي. وقرأ الجمهور: {بيوتاً} حيثما وقع بكسر الباء. وقرأه أبو عمرو وورش عن نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء. وقد تقدم في سورة آل عمران.
الشنقيطي
تفسير : اعلم أن هذه الآية الكريمة أشكلت على كثير من أهل العلم، وذلك أن من أجل التعبير عن الاستئذان بالاستئناس، مع أنهما مختلفان في المادة والمعنى: وقال ابن حجر في الفتح: وحكى الحطاوي: أن الاستئناس في لغة اليمن: الاستئذان. وفي تفسير هذه الآية الكريمة بما يناسب لفظها وجهان، ولكل منهما شاهد من كتاب الله تعالى. الوجه الأول: أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو ضد الاستيحاش، لأن الذي يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس وزال عنه الاستيحاش، ولما كان الاستئناس لازماً للإذن أطلق اللازم، وأريد ملزومه الذي هو الإذن، وإطلاق اللازم، وإرادة الملزوم أسلوب عربي معروف، والقائلون بالمجاز يقولون: إن ذلك من المجاز المرسل، وعلى أن هذه الآية أطلق فيها اللازم الذي هو الاستئناس وأريد ملزومه الذي هو الإذن يصير المعنى: حتى تستأذنوا، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 53]، وقوله تعالى بعده: {أية : فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ} تفسير : [النور: 28]، وقال الزمخشري في هذا الوجه بعد أن ذكره: وهذا من قبيل الكناية، والارداف، لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن فوضع موضع الإذن. الوجه الثاني في الآية: هو أن يكون الاستئناس بمعنى الاستعلام، والاستكشاف. فهو استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً أو علمه. والمعنى: حتى تستعملوا وتستكشفوا الحال، هل يؤذن لكم أو لا؟ وتقول العرب: استئنس هل ترى أحداً، واستأنست فلم أر أحداً، أي تعرفت واستعلمت، ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 6] أي علمتم رشدهم وظهر لكم. وقوله تعالى عن موسى: {أية : إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ} تفسير : [طه: 10] وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً} تفسير : [القصص: 29] الآية فمعنى آنس ناراً: رآها مكشوفة. ومن هذا المعنى قول نابغة ذبيان: شعر : كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد من وحش وجرة موشى أكارعه طاوى المصير كيف الصيقل الفرد تفسير : فقوله على مستأنس يعني: حمار وحش شبه به ناقته، ومعنى كونه مستأنساً أنه يستكشف، ويستعلم القانصين بشمه ريحهم وحدة في نظره إليهم، ومنه أيضاً قول الحارث بن حلزة اليشكري: يصف نعامة شبه بها ناقته: شعر : آنست نبأة وأفزعها القنا ص عصراً وقد دنا الإمساء تفسير : فقوله آنست نبأة: أي أحست بصوت خفي، وهذا الوجه الذي هو أن معنى تستأنسوا تستكشفوا وتستعلموا، هل يؤذن لكم وذلك الاستعلام والاستكشاف إنما هو يكون بالاستئذان أظهر عندي: وإن استظهر بعض أهل العلم الوجه الأول، وهناك وجه ثالث في تفسير الآية تركناه لعدم اتجاهه عندنا. وبما ذكرنا تعلم أنما يروى عن ابن عباس وغيره من أن أصل الآية: حتى تستأنسوا وأن الكاتبين غلطوا في كتابتهم، فكتبوا تستأنسوا غلطاً بدل تستأذنوا لا يعول عليه، ولا يمكن أن يصح عن ابن عباس، وإن صحح سنده عند بعض أهل العلم. ولو فرضنا صحته فهو من القراءات التي نسخت وتركت، ولعل القارئ بها لم يطلع على ذلك، لأن جميع الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على كتابة تستأنسوا في جميع نسخ المصحف العثماني، وعلى تلاوتها بلفظ: تستأنسوا، ومضى على ذلك إجماع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في مصاحفهم وتلاوتهم من غير نكير. والقرآن العظيم تولى الله تعالى حفظه من التبديل والتغيير، كما قال تعالى:{أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] وقال فيه {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} تفسير : [فصلت: 42] وقال تعالى: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} تفسير : [القيامة: 16ـ17] الآية. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: اعلم أن هذه الآية الكريمة دلت بظاهرها على أن دخول الإنسان بيت غيره بدون الاستئذان والسلام لا يجوز لأن قوله {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} الآية. نهي صريح، والنهي المتجرد عن القرائن يفيد التحريم على الأصح، كما تقرر في الأصول. المسألة الثانية: اعلم أن الاستئذان ثلاث مرات، يقول المستأذن في كل واحدة منها: السلام عليكم أأدخل؟ فإن لم يؤذن له عند الثالثة، فليرجع، ولا يزد على الثلاث، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، لأنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتاً لا مطعن فيه. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا يزيد بن خصيفة، عن بُسْرِ بن سعيد، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي، فرجعت قال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع" تفسير : فقال: والله لتُقِيمَنَّ عليه بينة أَمِنْكُم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبيُّ بن كعب: ولله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغَر القومِ فقمت معه، فأخبرت عُمر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك. وقال ابن المبارك: أخبرني ابن عيينه: حدثني يزيد بن خصيفة عن بسر سمعت أبا سعيد بهذا اهـ بلفظه من صحيح البخاري، وهو نص صحيح صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستئذان ثلاث مرات، فإن لم يؤذن له بعد الثالثة رجع. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد، حدثنا سفيان بن عيينه، حدثنا والله يزيد بن خُصَيفْةً، عن بُسرٍ بن سعيد قال: سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: كنت جالساً بالمدينة في مجلس الأنصار فأتانا أبو موسى فَزعاً أو مذعوراً قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه فأتيت بابه، فسلمت ثلاثاً فلم يرد عليَّ فرجعت فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثا، فلم يردوا عليَّ فرجعت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع" تفسير : فقال عمر: أقم عليها البيِّنة، وإلا أوجعتُكَ. ققال أُبيُّ بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم. قال أبو سعيد: قلت: أنا أصغر القوم، قال: فاذهب به. حدثنا قتيبة بن سعيد وابن أبي عُمر قالا: حدثنا سفيان، عن يزيد بن خُصَيْفَةَ بهذا الإسناد، وزاد ابن أبي عرم في حديثه: قال أبو سعيد: فقمت معه، فذهبت إلى عمر فشهدت. اهـ بلفظه من صحيح مسلم. وفي لفظ عند مسلم من حديث أبي سعيد قال: فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهدُ لك على هذا فقال أُبيُِ بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثُنا سناً، قم يا أبا سعيد فقمت حتى أتيت عُمَرَ فقلتُ: قد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا. وفي لفظ عند مسلم من حديث أبي سعيد فقال: إن كان هذا شيئاً حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فها، وإلا فَلأجْعَلنَّك عِظَةً. قال أبو سعيد: فأتانا فقال: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الاستئذان ثلاثٌ قال فجعلوا يضحكون، قال فقلت: أتاكم أخوكم المسلم قد أفزع، تضحكون انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبة فأتاه، فقال هذا أبو سعيد. وفي لفظ عند مسلم من حديث عبيد بن عمير أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثاً إلى قوله: قال لتقيمن على هذا بينة، أو لأفعلن فخرج فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا، فقام أبو سعيد: فقال: كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خَفِيَ عليَّ هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألهاني عنه الصفق في الأسواق. وفي لفظ عند مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: لتأتيني على هذا بِبَيّنَةٍ. وإلا فعلتُ وفعلتُ، فذهب أبو موسى قال عمر: إن وجَدَ بَينة تجدوه عند المنبر عشية. وإن لم يجد بينة فلم تجدوه، فلما أن جاء العشِيّ وجدوه قال يا أبا موسى: ما تقول؟ أقد وجدت؟ قال: نعم أُبَيُّ بن كعب رضي الله عنه قال عدلٌ يا أبا الطُّفَيل ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك يا بن الخطاب، فلا تَكُونَنَّ عذاباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سبحان الله: إنما سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبتَ. وفي لفظ لمسلم: أن عمر قال لأبي: يا أبا المنذر آنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم، فلا تكن يابن الخطاب عذاباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس في هذه الرواية قول عمر سبحان الله، وما بعده. فهذه الروايات الصحيحة عن أبي سعيد وأبي موسى، وأُبي بن كعب رضي الله عنهم تدل دلال صحيحة صريحة على أن الاستئذان ثلاث. وقال النووي في شرح مسلم: وأما قوله لا يقوم إلا أصغر القوم، فمعناه أن هذا حديث مشهور بيننا معروف لكبارنا، وصغارنا. حتى إن أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.اهـ منه. والظاهر منه كما قال وهذا الروايات الصحيحة الصريحة تبين أن هذا الاستئذان المعبر عنه في الآية بالاستئناس والسلام المذكور فيها لا يزاد فيه على ثلاث مرات، وأن الاستئناس المذكور في الآية، هو الاستئذان المكرر ثلاثاً، لأن خير ما يفسر به كتاب الله بعد كتاب الله سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه. وبذلك تعلم أنما قاله ابن حجر في فتح الباري: من أن المراد بالاستئناس في قوله تعالى: حتى تستأنسوا: الاستئذان بتنحنح، ونحوه عند الجمهور خلاف التحقيق، وما استدل به لذلك من رواية الطبري من طريق تفسير الآية بما ذكر إلى آخر ما ذكر من الأدلة لا يعول عليه، وأن الحق هو ما جاءت به الروايات الصحيحة من الاستئذان والتسليم ثلاثاً كما رأيت. وأن الصواب في ذلك هو ما نقله ابن حجر عن الطبري من طريق قتادة، قال الاستئناس: هو الاستئذان ثلاثاً إلى آخره. والرواية الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الاستئذان ثلاث" تفسير : يؤيدها أنه صلى الله عليه وسلم كذلك كان يفعل. قال ابن حجر في الفتح: وفي رواية عبيد بن حنين، التي أشرت إليها في الأدب المفرد، زيادة مفيدة، وهي أن أبا سعيد أو أبا مسعود قال لعمر: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد سعد بن عبادة، حتى أتاه فسلم، فلم يؤذن له، ثم سلم الثانية لم يؤذن له، ثم سلم الثالثة فلم يؤذن له، فقال قضينا ما علينا، ثم رجع فأذن له سعد الحديث. فثبت ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم ومن فعله وقصة سعد بن عبادة هذه أخرجها ابو داود من حديث قيس بن سعد بن عبادة مطولة بمعناه، وأحمد من طريق ثابت، عن أنس أو غيره كذا فيه، وأخرجه البزار عن أنس بغير تردد، وأخرجه الطبراني من حديث أم طارق مولاة سعد. اهـ محل الغرض منه. وقوله: فثبت ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم، ومن فعله: يدل على أن قصة استئذانه صلى الله عليه وسلم على سعد بن عبادة صحيحة ثابتة. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عمر عن ثابت، عن أنس أو غيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم حتى سلم ثلاثاً عليه ورد سعد ثلاثاً ولم يسمعه فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه سعد فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني ولقد رددت عليك ولم أسمعك، وأردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيباً فأكل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ قال: "حديث : أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون" تفسير : وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو والأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال: "زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد سعد رداً خفياً فقلت ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد رداً خفياً. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبعه سعد، فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع سلامك وأرد عليك رداً خفياً لتكثر علينا من السلام فانصرف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وذكر ابن كثير القصة إلى آخرها ثم قال: وقد روي هذا من وجوه أخر، فهو حديث جيد قوى والله أعلم. وبما ذكرنا تعلم أن الاستئناس في الآية الاستئذان ثلاثاً، وليس المراد به التنحنح ونحوه، كما عزاه في فتح الباري للجمهور. واختلف هل يقدم السلام أو الاستئذان؟ قال النووي في شرح مسلم: أجمع العلماء على أن الاستئذان مشروع، وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة وإجماع الأمة، والسنة: أن يسلم ويستأذن ثلاثاً فيجمع بين السلام، والاستئذان، كما صرح به في القرآن، واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام، ثم الاستئذان أو تقديم الاستئذان ثم السلام والصحيح الذي جاءت به السنة. وقاله المحققون: إنه يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم أأدخل؟ والثاني يقدم الاستئذان، والثالث وهو اختيار الماوردي من أصحابنا إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان في تقديم السلام. انتهى محل الغرض منه بلفظه. ولا يخفى أن ما صح فيه حديثان عن النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على غيره، فلا ينبغي العدول عن تقديم السلام على الاستئاذن، وتقديم الاستئناس، لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو كقوله تعالى: {أية : يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} تفسير : [آل عمران: 43] والركوع قبل السجود، وقوله تعالى: {أية : وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} تفسير : [الأحزاب: 7] الآية ونوح قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا معروف ولا ينافي ما ذكرنا أن الواو ربما عطف بها مراداً بها الترتيب كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ} تفسير : [البقرة: 158] الآية وقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أبدأ بما بدأ الله به" تفسير : وفي رواية "حديث : فأبدوا بما بدأ الله به" تفسير : بصيغة الأمر وكقول حسان رضي الله عنه: شعر : هجوت محمداً وأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء تفسير : على رواية الواو في هذا البيت. وإيضاح ذلك أن الواو عند التجرد من القرائن والأدلة الخارجية لا تقتضي إلا مطلق التشريك بين المعطوف، والمعطوف عليه، ولا ينافي ذلك أنه قام دليل على إرادة الترتيب في العطف، كالحديث المذكور في البدء بالصفا، أو دلت على ذلك قرينة كالبيت المذكور، لأن جواب الهجاء لا يكون إلا بعده، أنها تدل على الترتيب لقيام الدليل أو القرينة على ذلك، والآية التي نحن بصددها لم يقم دليل راجح، ولا قرينة على إرادة الترتيب فيها بالواو.اهـ. وذكر ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الاية أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن وغيرها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم تكرر منه تعليم الاستئذان لمن لا يعلمه، بأن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ فانظره، وقد قدمنا أن النووي ذكر أنه صح فيه حديثان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمختار أن صيغة الاستئذان التي لا ينبغي العدول عنها أن يقول المستأذن: السلام عليكم أأدخل؟ فإن لم يؤذن له بعد الثالثة انصرف، كما دلت عليه الأدلة. واعلم أن الأحاديث الواردة في قصة عمر مع أبي موسى في الصحيح في سياقها تغاير لأن في بعضها: أن عمر أرسل إلى أبي موسى بعد انصرافه، فرده من حينه، وفي بعضها أنه لم يأته إلا في اليوم الثاني، وجمع بينها ابن حجر في الفتح قال: وظاهر هذين السياقين التغاير، فإن الأول يقتضي أنه لم يرجع إلى عمر إلا في اليوم الثاني، وفي الثاني أنه أرسل إليه في الحال إلى أن قال ويجمع بينهما: بأن عمر لما فرغ من الشغل الذي كان فيه تذكره فسأل عنه فأخبر برجوعه فأرسل إليه، فلم يجده الرسول في ذلك الوقت وجاء هو إلى عمر في اليوم الثاني. اهـ منه. والعلم عند الله تعالى. تنبيهات تتعلق بهذه المسألة الأول: اعلم أن المستأذن إن تحقق أن أهل البيت سمعوه لزمه الانصراف بعد الثالثة، لأنهم لما سمعوه، ولم يأذنوا له دل ذلك على عدم الإذن، وقد بينت السنة الصحيحة عدم الزيادة على الثلاثة، خلافاً لمن قال من أهل العلم: إن له أن يزيد على الثلاث مطلقاً، وكذلك إذا لم يدر هل سمعوه أولا، فإنه يلزمه الانصراف بعد الثالثة، كما أوضحنا أدلته ولم يقيد شيء منها بعلمه بأنهم سمعوه. التنبيه الثاني: اعلم أن الذي يظهر لنا رجحانه من الأدلة، أنه إن علم أن أهل البيت، لم يسمعوا استئذانه لا يزيد على الثالثة، بل ينصرف بعدها لعموم الأدلة، وعدم تقييد شيء منها بكونهم لم يسمعوه خلافاً لمن قال له الزيادة، ومن فصل في ذلك، وقال النووي في شرح مسلم: أما إذا استأذن ثلاثاً، فلم يؤذن له، وظن أنه لم يسمعه، ففيه ثلاثة مذاهب أشهرها أنه ينصرف، ولا يعيد الاستئذان. والثاني يزيد فيه، والثالث إن كان بلفظ الاستئذان المقتدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده. فمن قال بالأظهر فحجته قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : فلم يؤذن له فليرجع" تفسير : ومن قال بالثاني: حمل الحديث على من علم أو ظن أنه سمعه، فلم يأذن والله أعلم. والصواب إن شاء الله تعالى هو ما قدمنا من عدم الزيادة على الثلاث، لأنه ظاهر النصوص ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا بدليل يجب الرجوع إليه، كما هو مقرر في الأصول. التنبيه الثالث: قال بعض أهل العلم: إن المستأذن ينبغي له ألا يقف تلقاء الباب بوجهه ولكنه يقف جاعلاً الباب عن يمينه أو يساره، ويستأذن وهو كذلك، قال ابن كثير: ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه، أو يساره لما رواه أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بشر قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول حديث : السلام عليكم: السلام عليكم" تفسير : وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور. انفرد به أبو داود. وقال أبو داود أيضاً: حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا جرير، ح، وثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص عن الأعمش عن طلحة عن هزيل قال: جاء رجل قال عثمان: سعد، فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم، يستأذن فقام على الباب، قال عثمان: مستقبل الباب قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هكذا عنك أو هكذا فإنما الاستئذان من النظر" تفسير : ورواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري، عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن رجل عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود، من حديثه انتهى من ابن كثير، والحديثان اللذان ذكرهما عن أبي داود نقلناهما من سنن أبي داود لأن نسخة ابن كثير التي عندنا فيها تحريف فيهما. وفيما ذكرنا دلالة على ما ذكرنا من أن المستأذن لا يقف مستقبل الباب خوفاً أن يفتح له الباب، فيرى من أهل المنزل ما لا يحبون أن يراه، بخلاف ما لو كان الباب عن يمينه أو يساره فإنه وقت فتح الباب لا يرى من في داخل البيت. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة: اعلم أن المستأذن إذا قال له رب المنزل: من أنت، فلا يجوز له أن يقول له: أنا بل يفصح باسمه وكنيته إن كان مشهوراً به، لأن لفظة: أنا يعبر بها كل أحد عن نفسه فلا تحصل بها معرفة المستأذن، وقد ثبت معنى هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتاً لا مطعن فيه. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابراً رضي الله عنه يقول: حديث : "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي، فدققت الباب فقال: من ذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا أنا،كأنه كرهَهَا" تفسير : انتهى منه، وتكريره صلى الله عليه وسلم لفظة: أنا دليل على أنه لم يرضها من جابر، لأنها لا يعرف بها المستأذن فهي جواب له صلى الله عليه وسل، بما لا يطابق سؤاله، وظاهر الحديث أن جواب المستأذن بأنا، لا يجوز لكراهة النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وعدم رضاه به خلافاً لمن قال: إنه مكروه كراهة تنزيه، وهو قول الجمهور. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن شعبة عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: "حديث : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدعوت فقال النبي صلى الله عليه وسلم:من هذا؟ قلت أنا فخرج وهو يقول: أنا أنا " تفسير : حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ لأبي بكر قال قال يحيى أخبرنا وقال أبو بكر: حدثنا وكيع عن شعبة، عن محمد بن المّنْكَدِرِ، عن جابر بن عبد الله قال: " حديث : استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من هذا؟ فقلت: أنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا انا " تفسير : وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا النضر بن شُميل، وأبو عامر العَقَديُّ "ح" وحدثنا محمد بن المثنى، حدثني وهب بن جرير "ح" وحدثني عبد الرحمن بن بشر، حدثنا بَهْزٌ كُلُّهُمْ عن شبعة بهذا الإسناد، وفي حديثهم كأنه كره ذلك. انتهى منه، وقول جابر، كأنه كره ذلك فيه أنه لا يخفى من تكريره صلى الله عليه وسلم لفظة أنا أنه كره ذلك ولم يرضه، وحديث جابر هذا أخرجه غير الشيخين من باقي الجماعة. المسألة الرابعة: اعلم أن الأظهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن الرجل يلزمه أن يستأذن على أمه وأخته وبنيه وبناته البالغين، لأنه إن دخل على من ذكر يغير استئذن فقد تقع عينه على عورات من ذكر، وذلك لا يحل له. وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحديث: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"، ما نصه: ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم، لئلا تكون منكشفة العورة: وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع: كان ابن عمر، إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلا بإذن. ومن طريق علقمة: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: استأذن على أمي؟ فقال: ما على كل أحيانها تريد أن. ومن طريق مسلم بن نذير بالنون مصغراً: سأل رجل حذيفة: أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره. ومن طريق موسى بن طلحة، دخلت مع أبي على أمي فدخل، واتبعته فدفع في صدري وقال: أتدخل بغير إذن؟ ومن طريق عطاء سألت ابن عباس أستأذن على أختي؟ قال نعم، قلت إنها في حجري؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة. انتهى من فتح الباري. وهذه الآثار عن هؤلاء الصحابة تؤيد ما ذكرنا من الاستذان على من ذكرنا، ويفهم من الحديث الصحيح: "حديث : إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" تفسير : فوقوع البصر على عورات من ذكر لا يحل كما ترى، وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره للآية التي نحن بصددها: وقال هشيم أخبرنا أشعت بن سوار، عن كردوس، عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم، وقال أشعث، عن عدي بن ثابت: أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهل بيتي، وأنا على تلك الحال: فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً} [النور: 27] الآية، وقا ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ثلاث آيات جحدهن الناس: قال الله تعالى: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تفسير : [الحجرات: 13] قال يقولون: إن أكرمكم عند الله أعظمكم بيتاً إلى أن قال: والأدب كله قد جحده الناس قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال نعم، فرددت عليه ليرخص لي فأبى فقال تحب أن تراها عريانه، قلت لا قال فاستأذن، قال: فراجعته فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قال: قلت نعم، قال فاستأذن، قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إلى أن أرى عورتها من ذات محرم، قال: وكان يشدد في ذلك، وقال ابن جريج عن الزهري سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإذن على أمهاتكم. اهـ محل الغرض منه، وهو يدل على ما ذكرنا من الاستئذان على من ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة: اعلم أنه إن لم يكن مع الرجل في بيته إلا امرأته أن الأظهر أنه لا يستأذن عليها، وذلك يفهم من ظاهر قوله تعالى: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} ولأنه لا حشمة بين الرجل وامرأته، ويجوز بينهما من الأحوال والملابسات ما لا يجوز لأحد غيرهما، ولو كان أباً أو أماً أو ابناً كما لا يخفى، ويدل له الأثر الذي ذكرناه آنفاً عن موسى بن طلحة: أنه دخل مع أبيه طلحة على أمه فزجره طلحة عن أن يدخل على أمه بغير إذن، مع أن طلحة زوجها دخل بغير إذن. وقال ابن كثير في تفسيره: وقال ابن جريج قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال لا، ثم قال ابن كثير: وهذا محمول على عدم الوجوب وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها. ثم نقل ابن كثير عن ابن جرير بسنده عن زينب امرأة ابن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه قال: وإسناده صحيح اهـ محل الغرض منه. والأول أظهر ولا سيما عند من يرى إباحة نظر الزوج إلى فرج امرأته كمالك وأصحابه ومن وافقهم. والعلم عند الله تعالى. المسألة السادسة: إذا قال أهل المنزل للمستأذن: ارجع وجب عليه الرجوع لقوله تعالى: {أية : وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ} تفسير : [النور: 28] وكان بعض أهل العلم يتمنى إذا استأذن على بعض أصدقائه أن يقولوا له: ارجع ليرجع، فيحصل له فضل الرجوع المذكور في قوله {أية : هُوَ أَزْكَىٰ لَكُم} تفسير : [النور: 28] لأن ما قال الله إنه أزكى لنا لا شك أن لنا فيه خيراً وأجراً. والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة: اعلم أن أقوى الأقوال دليلاً وأرجحها فيمن نظر من كوة إلى داخل منزل قوم ففقأوا عينه التي نظر إليهم بها، ليطلع على عوراتهم أنه لا حرج عليهم في ذلك من إثم ولا غرم دية العين ولا قصاص، وهذا لا ينبغي العدول عنه لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتاً لا مطعن فيه، ولذا لم نذكر هنا أقوال من خالف في ذلك من أهل العلم لسقوطها عندنا، لمعارضتها النص الثابت عنه صلى الله عليه وسلم. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له، ثم ذكر من أحاديث هذه الترجمة: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فَخَذَفْتَهُ بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح" تفسير : اهـ منه، والجناح الحرج. وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح: "حديث : لم يكن عليك جناح" تفسير : لفظ جناح فيه نكرة في سياق النفي فهي تعم رفع كل حرج من إثم ودية وقصاص كما ترى. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقأوا عينه"تفسير : . اهـ منه. وهذا الحديث الصحيح فيه التصريح منه صلى الله عليه وسلم أنهم يحل لهم أن يفقؤوا عينه. وكون ذلك حلالاً لهم مستلزم أنهم ليس عليهم فيه شيء من إثم، ولا دية، ولا قصاص، لأن كل ما أحله الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لا مؤاخذة على فعله البتة بنوع من أنواع المؤاخذة، كما لا يخفى. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى في صحيحه متصلاً بكلامه هذا الذي نقلنا عنه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذنٍ فَخَذَفْتهُ بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح" تفسير : اهـ منه. وقد بينا وجه دلالته على أنه لا شيء في عين المذكور، وثبوت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رأيت يدل على أنه لما تعدى وانتهك الحرمة، ونظر إلى بيت غيره دون استئذان، أن الله أذن على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في أخذ عينه الخائنة، وأنها هدر لا عقل فيها، ولا قود، ولا إثم. ويزيد ما ذكرنا توكيداً وإيضاحاً ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من أنه هم أن يفعل ذلك. قال البخاري رحمه الله في صحيحه تحت الترجمة المذكورة آنفاً وهي قوله: باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له: حدثنا أبو اليمان، حدثنا حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس رضي الله عنه: أن رجلاً اطلع في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه بمشقص أو مشاقص، وجعل يختله ليطعنه. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره: أن رجلاً اطلع في جُحرٍ في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مِدْرى يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينيك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإذن من قِبلِ البصر"" تفسير : اهـ منه، وقد ذكر البخاري هذه الأحاديث التي ذكرناها عنه هنا في كتاب الديات. وقد قال في كتاب الاستئذان: باب الاستئذان من أجل البصر: حدثنا علي بن عبد الله. حدثنا سفيان: قال الزهري حفظته كما أنك ها هنا عن سهل بن سعد قال، اطلع رجل من جحر في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومع النبي صلى الله عليه وسلم مِدْرى يحك بها رأسه فقال: "حديث : لو أعلم أنك تنظر لطعنت به عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ". تفسير : حدثنا مسدد، حدثنا حَمَّاد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلاً اطلع من بعض حُجر النبي صلى الله عليه وسلم، فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم بِمِشْقَصٍ، أو بمشاقصٍ فَكأنِي أنظر إليه يختل الرجل ليطعنه. وهذه النصوص الصحيحة تويد ما ذكرنا فلا التفات لمن خالفها من أهل العلم، ومن أولها، لأن النص لا يجوز العدول عنه، إلا لدليل يجب الرجوع إليه. واعلم أن المشقص بكسر أوله وسكون ثانيه، وفتح ثالثه هو نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض، وقوله في الحديث المذكور: من جحر في حجر النبي صلى الله عليه وسلم. الحجر الأول. بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وهو كل ثقب مستدير في أرض أو حائط: والثاني: بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجرة: وهي ناحية البيت. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو كامل فضيل بن الحسين وقتيبة بن سعيد، واللفظ ليحيى، وأبي كامل قال يحيى: أخبرنا وقال الآخرون: حدثنا حماد بن زيد عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً اطلع من بعض جحرِ النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه بمشقص أو مشاقص، فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يختله ليطعنه. وفي لفظ عند مسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي: أن رجلاً اطلع في جحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مِدرًى يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينيك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" تفسير : وفي مسلم روايات أخر بهذا المعنى قد اكتفينا منها بما ذكرنا. وهذه النصوص الصحيحة التي ذكرنا لا ينبغي العدول عنها ولا تأويلها بغير مستند صحيح من كتاب أو سنة. ولذلك اخترنا ما جاء فيها من أن تلك العين الخائنة يحل أخذها، وتكون هدراً، ولم نلتفت إلى قول من أقوال من خالف ذلك، ولا لتأويلهم للنصوص بغير مستند يجب الرجوع إليه. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثامنة: اعلم أن صاحب المنزل إذا أرسل رسولاً إلى شخص ليحضر عنده، فإن أهل العلم قد اختلفوا، هل يكون الإرسال إليه إذناً، لأنه طلب حضوره بإرساله إليه، وعلى هذا القول إذا جاء منزل من أرسل إليه فله الدخول بلا إذن جديد اكتفاء بالإرسال إليه، أو لا بد من أن يستأذن إذا أتى المنزل استئذاناً جديداً، ولا يكتفي الإرسال؟ وكل من القولين قال به بعض أهل العلم، واحتج من قال: إن الإرسال إليه إذن يكفي عن الاستئذان عند إتيان المنزل بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد عن حبيب وهشام عن محمد عن أبي هرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رسول الرجل إلى رجل إذنه"تفسير : . حدثنا حسين بن معاذ، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا دُعِيَ أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإنَّ ذلك له إذن" تفسير : قال أبو علي اللؤلؤي: سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع شيئاً. اهـ من أبي داود. قال ابن حجر في فتح الباري: وقد ثبت سماعه منه في الحديث الذي سيأتي في البخاري في كتاب التوحيد من رواية سليمان التيمي، عن قتادة: أن أبا رافع حدثه. اهـ. ويدل لصحة ما رواه أبو داود ورواه البخاري تعليقاً: باب إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن. وقال سعيد عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : هو إذنه تفسير : اهـ. ومعلوم أن البخاري لا يعلق بصيغة الجزم، إلا ما هو صحيح عنده كما قدمناه مراراً. وقال ابن حجر في الفتح: في حديث: كون رسول الرجل إلى الرجل إذنه. وله متابع أخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ "حديث : رسول الرجل إلى الرجل إذنه"تفسير : ، وأخرج له شاهداً موقوفاً على ابن مسعود قال: "إذا دُعي الرجل فهو إذنه" وأخرجه ابن أبي شيبة مرفوعاً انتهى محل الغرض منه. فهذه جملة أدلة من قالوا: بأن من دعي لا يستأذن إذا قدم. وأما الذين قالوا: يستأذن إذا قدم إلى منزل المرسل، ولا يكتفي بإرسال الرسول، فقد احتجوا بما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر، حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عمر بن ذر، أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد لبناً في قدَحٍ فقال، "حديث : أبَا هِرّ الحَقْ أهل الصُّقَّة فادْعُهُم إليَّ"تفسير : ، قال: فأتيتهم، فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا" اهـ منه. قال هذا الحديث الصحيح صريح في أنه صلى الله عليه وسلم أرسل أبا هريرة لأهل الصفة، ولم يكتفوا بالإرسال عن الاستئذان ولو كان يكفي عنه لبينه صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة. ومن أدلة أهل هذا القول ظاهر عموم قوله تعالى الآية، {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} الآية، لأن ظاهرها يشمل من أرسل إليه وغيره، وقد جمع بعض أهل العلم بين أدلة القولين. قال ابن حجر في فتح الباري: وجمع المهلب وغيره بتنزيل ذلك على اختلاف حالين إن طال العهد بين الطلب والمجيء احتاج إلى استئناف الاستئذان، وكذا إن لم يطل لكن كان المستدعي في مكان يحتاج معه إلى الإذن في العادة، وإلا لم يحتج إلى استئناف إذن. وقال ابن التين: لعل الأول فيمن علم أنه ليس عنده من يستأذن لأجله والثاني بخلافه، قال والاستئذان على كل حال أحوط وقال غيره: إن حضر صحبة الرسول أغناه استئذان الرسول، ويكفيه سلام الملاقاة، وإن تأخر عن الرسول احتاج إلى الاستئذان، وبهذا جمع الطحاوي، واحتج بقوله في حديث: فاقبلوا فاستأذنوا فدل على أن أبا هريرة لم يكن معهم، وإلا لقال فأقبلنا كذا. قال اهـ كلام ابن حجر وأقربها عندي الجمع الأخير، ويدل له الحديث المذكور فيه وقوله في حديث أبي داود المتقدم: "فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن". والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: آمنوا: أي صدقوا الله ورسوله فيما أخبرا به من الغيب والشرع. تستأنسوا: أي تستأذنوا إذ الاستئذان من عمل الإِنسان والدخول بدونه من عمل الحيوان الوحشي. وتسلموا على أهلها: أي تقولوا السلام عليكم أأدخل ثلاثا. تذكرون: أي تذكرون أنكم مؤمنون، وأن الله أمركم بالإِستئذان. أزكى لكم: أي أطهر وأبعد عن الريبة والإِثم. ليس عليكم جناح: أي إثم ولا حرج. فيها متاع لكم: أي ما تتمتعون به كالنزول بها أو شراء حاجة منها. ما تبدون: أي ما تظهرونه. وما تكتمون: أي ما تخفونه إذاً فراقبوه تعالى ولا تضمروا ما لا يرضى فإنه يعلمه. معنى الآيات: نظراً إلى خطر الرمي بالفاحشة وفعلها وحرمة ذلك كان المناسب هنا ذكر وسيلة من وسائل الوقاية من الوقوع في مثل ذلك ففرض الله تعالى على المؤمنين الإِستئذان فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} أي يا من آمنتم بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد رسولاً لا تدخلوا بيوتاً على أهلها حتى تسلموا عليهم قائلين السلام عليكم وتستأذنوا قائلين أندخل ثلاث مرات فإن أذن لكم بالدخول دخلتم وإن قيل لكم ارجعوا أي لم يأذنوا لكم لحاجة عندهم فارجعوا وعبر عن الإِستئذان بالاستئناس لأمرين أولها أن لفظ الإِستئناس وارد في لغة العرب بمعنى الإِستئذان وثانيهما: أن الإِستئذان من خصائص الإِنسان الناطق وعدمه من خصائص الحيوان المتوحش إذ يدخل على المنزل بدون إذن إذ ذاك ليس من خصائصه. وقوله {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي الإِستئذان خير لكم أي من عدمه لما فيه من الوقاية من الوقوع في الإِثم وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي تذكرون أنكم مؤمنون وأن الله تعالى أمركم بالإِستئذان حتى لا يحصل لكم ما يضركم وبذلك يزداد إيمانكم وتسموا أرواحكم. وقوله تعالى: {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ} لأِمْرٍ اقتضى ذلك {فَٱرْجِعُواْ} وأنتم راضون غير ساخطين. وقوله تعالى: {هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ} أي أطهر لنفوسكم وأكثر عائدة خير عليكم, وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} أي مطلع على أحوالكم فتشريعه لكم الإِستئذان واقع موقعه إذاً فأطيعوه فيه وفي غيره تكملوا وتسعدوا. وقوله: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ}. هذه رخصة منه تعالى لعباده المؤمنين بأن لا يستأذنوا عند دخولهم بيوتاً غير مسكونة أي ليس فيها نساء من زوجات وسريات يحرم النظر إليهن وذلك كالدكاكين والفنادق وما إلى ذلك فللعبد أن يدخل لقضاء حاجاته المعبر عنها بالمتاع بدون استئذان لأنها مفتوحة للعموم من أصحاب الأغراض والحاجات أما السلام فسنة على من دخل على دكان أو فندق فليقل السلام عليكم والذي يسقط هو الإِستئذان أي طلب الإذن لا غير. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} أي يعلم ما تظهرون من أقوالكم وأعمالكم وما تخفون إذاً فراقبوه تعالى في أوامره ونواهيه وافعلوا المأمور واتركوا المنهي تكملوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية الإِستئذان ووجوبه على كل من أراد أن يدخل بيتاً مسكوناً غير بيته. 2- الرخصة في عدم الإِستئذان من دخول البيوت والمحلات غير المسكونة للعبد فيها غرض. 3- من آداب الإِستئذان أن يقف بجانب الباب فلا يعترضه، وأن يرفع صوته بقدر الحاجة وأن يقرع الباب قرعاً خفيفاً وأن يقول السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات. 4- في كل طاعة خير وبركة وإن كانت كلمة طيبة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} (27) - يُؤَدِّبُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ فَيَأْمُرُهُم بِأَلاَّ يَدْخُلُوا بُيوتاً غَيْرَ بُيُوتِهِمْ حَتَّى يَسْتَأْذِنُوا قَبْلَ الدُّخُولِ (يَسْتَأنِسُوا)، وَيُسَلِّمُوا بَعْدَ الاسْتِئْذَانِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَأَذِنُوا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَإِذَا أُذِنَ لَهُمْ دَخَلُوا وَإِلاَّ انْصَرَفُوا، فَالاسْتِئْذَانُ خَيْرٌ لِلمُسْتَأذِنِ وَلأَهْلِ البَيْتِ، فالبيْتُ سَكَنٌ يَفِيءُ إِلَيْهِ النَّاسُ فَتَسْكُنُ أَرْوَاحُهُمْ، وَيَطْمَئِنُّونَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ وَحُرُمَاتِهِمْ، وَيُلْقُونَ عَنْهُمْ أَعْبَاءَ الحِرْصِ والحَذَرِ المُرْهِقَةِ للنُّفُوسِ والأَعْصَابِ، والبُيُوتُ لاَ تَكُونُ كَذَلِكَ إِلاَّ حِينَ تَكُونُ حَرَمَاً آمِناً لاَ يَسْتَبِيحُهُ أَحَدٌ إِلاَّ بِعِلمِ أَهْلِهِ وَإِذْنِهِمْ فِي الوَقتِ الذي يُرِيدُونَ هُمْ. (وَكَانُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ يَدْخُلُونَ بِدُونِ اسْتِئْذَانٍ ثُمَّ يَقُولُونَ لَقَدْ دَخَلْنَا).
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} الآية. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسين ابن يحيويه قال: حدّثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي سفيان قالا: حدّثنا محمد بن يوسف الفريابي قال: حدّثنا قيس عن أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إنّي أكون في بيتي على حال لا أُحبّ أن يراني عليها أحد والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليَّ، وإنّه لا يزال يدخل عليَّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} الآية. وقال بعض المفسّرين: حتى تستأنسوا أي تستأذنوا. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّه قال: إنّما هو حتى تستأذنوا ولكن اخطأ الكاتب، وكان أُبيّ بن كعب وابن عباس والأعمش يقرأونها كذلك حتّى تستأذنوا، وفي الآية تقديم وتأخير تقديرها: حتى تسلّموا على أهلها وتستأذنوا، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وهو أن يقول: السلام عليكم أأدخل ؟ روى يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي حديث : أنّ رجلا استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أألجُ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة يقال لها روضة: قومي إلى هذا فعلّميه فإنّه لا يُحسن يستأذن فقولي له: تقول: السلام عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها، فقال: ادخل . تفسير : وقال مجاهد والسدّي: هو التنحنح والتنخّم. روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الخزاز عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عن زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى الى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منها على أمر يكرهه. عكرمة: هو التسبيح والتكبير ونحو ذلك. أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن خرجة قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدّثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال: حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان عن واصل بن السائب عن أبي أيوب الأنصاري قال: قلنا يا رسول الله ما الاستيناس الذي يريد الله سبحانه {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} قال: يتكلّم الرجل بالتكبيرة التسبيحة والتحميدة، يتنحنح يؤذن أهل البيت. وقال الخليل: الاستيناس: الاستبصار من قوله {أية : ۤ آنَسْتُ نَاراً}تفسير : [طه: 10]. وقال أهل المعاني: الاستيناس: طلب الأُنس وهو أن ينظر هل في البيت أحد يؤذنه أنه داخل عليهم، يقول العرب: اذهب فاستأنس هل ترى أحداً في الدار؟ أي انظر هل ترى فيها أحداً؟ ويروى أنّ أبا موسى الأشعري أتى منزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: واحدة، فقال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: ثنتان، قال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ ومرّ، فوجّه عمر بن الخطاب رضى الله عنه خلفه من ردّه فسأله عن صنيعه فقال: إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الاستيذان ثلاثة فإن أذنوا وإلاّ فارجع ". تفسير : فقال عمر: لتأتيني بالبيّنة أو لاعاقبنّك، فانطلق أبو موسى فأتاه بمن سمع ذلك معه. وعن عطاء بن يسار حديث : أنَّ رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أستأذن على اَمّي؟ قال: "نعم"، قال: "إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن كلمّا دخلت؟ قال: "أتحبّ أن تراها عريانة"؟ قال الرجل: لا، قال: "فاستأذن عليها" . تفسير : وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من اطّلع في بيت بغير إذنهم فقد حلّ لهم ان يفقأوا عينه ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شبّه قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا ابن عيينة عن الزهري أنه سمع سهل بن سعد يقول: اطّلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مدرىً يحكّ به رأسه، فقال: "لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك، إنّما الاستيذان من النظر". {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ} أي في البيوت {أَحَداً} يأذن لكم في دخولها {فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ} ولا تقفوا على أبوابهم ولا تلازموها {هُوَ} أي الرجوع {أَزْكَى} أطهر وأصلح {ٰ لَكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}. فلمّا نزلت هذه الآية قال أبو بكر: يا رسول الله أرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله سبحانه {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} بغير استيذان {فِيهَا مَتَاعٌ} منفعة {لَّكُمْ} واختلفوا في هذه البيوت ما هي؟ فقال قتادة: هي الخانات والبيوت المبنيّة للسائلة ليأووا إليها ويؤوا أمتعتهم إليها. قال مجاهد: كانوا يضعون بطرق المدينة أقتاباً وأمتعة في بيوت ليس فيها أحد، وكانت الطرق إذ ذاك آمنةً فأحلّ لهم أن يدخلوها بغير إذن. محمد بن الحنفيّة: هي بيوت مكة، ضحّاك: الخربة التي يأوي المسافر اليها في الصيف والشتاء، عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من الخلاء والبول، ابن زيد: بيوت التجّار وحوانيتهم التي بالأسواق، ابن جرير: جميع ما يكون من البيوت التي لا ساكن لها على العموم لأنّ الاستيذان إنما جاء لئلاّ يهجم على مالا يحب من العورة، فإذا لم يخف ذلك فلا معنى للاستيذان. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ * قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ} يكفّوا {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} عن النظر الى مالا يجوز، واختلفوا في قوله {مِنْ} فقال بعضهم: هو صلة أي يغضّوا أبصارهم، وقال آخرون: هو ثابت في الحكم لأنّ المؤمنين غير مأمورين بغضّ البصر أصلا، وإنّما أُمروا بالغضّ عمّا لا يجوز. {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} عمّن لا يحلّ، هذا قول أكثر المفسّرين. وقال ابن زيد: كلّ مافي القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلاّ في هذا الموضع فإنّه أراد الاستتار يعني: ويحفظوا فروجهم حتى لا ينظر إليها. ودليل هذا التأويل إسقاط من {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ} عليم {بِمَا يَصْنَعُونَ}. أخبرني ابن فنجويه في داري قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا أبو الربيع الزهراني قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدّثنا عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن عبادة بن الصامت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اضمنوا لي ستّاً من أنفسكم اضمن لكم الجنة: اصُدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا ما ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا عبد الوارث قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عنبسة بن عبد الرَّحْمن قال: حدّثنا أبو الحسن أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : النظر إلى محاسن المرأة سهم من نبال إبليس مسموم، فمن ردّ بصره ابتغاء ثواب الله عز وجل أبدله الله بذلك عبادة تسرُّه ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدَّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا سهل بن صالح الأنطاكي قال: حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بينما رجل يصلّي إذ مرّت به امرأة فنظر إليها وأتبعها بصره فذهب عيناه ". تفسير : {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} عما لا يجوز {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} عمّا لا يحلّ، وقيل: ويحفظن فروجهن أي يسترنها حتى لا يراها أحد. {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} ولا يظهرن لغير محرم زينتهن، وهما زينتان: أحداهما ما خفي كالخلخالين والقرطين والقلائد والمعاصم ونحوها، والأُخرى ما ظهر منها، واختلف العلماء في الزينة الظاهرة التي استثنى الله سبحانه ورخّص فيها فقال ابن مسعود: هي الثياب، وعنه أيضاً: الرداء، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه {أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}تفسير : [الأعراف: 31] أي ثيابكم. وقال ابن عباس وأصحابه: الكحل والخاتم والسوار والخضاب، الضحّاك والأوزاعي: الوجه والكفّان، الحسن: الوجه والثياب. روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلاّ وجهها ويدها إلى ههنا"،تفسير : وقبض على نصف الذراع، وإنّما رخّص الله سبحانه ورخّص رسوله في هذا القدر من بدن المرأة أن تبديها لأنّه ليس بعورة، فيجوز لها كشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة فيلزمها ستره. {وَلْيَضْرِبْنَ} وليلقين {بِخُمُرِهِنَّ} أي بمقانعهن وهي جمع خمار وهو غطاء رأس المرأة {عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} وصدورهن ليسترن بذلك شعورهنّ وأقراطهنّ وأعناقهن. قالت عائشة: يرحم الله النساء المهاجرات الأُوَل لمّا أنزل الله سبحانه هذه الآية شققن أكتف مروطهنّ فاختمرن به. {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الخفيّة التي أُمرن بتغطيتها، ولم يبح لهنّ كشفها في الصلاة وللأجنبيين، وهي ما عدا الوجه والكفّين وظهور القدمين {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ} أي نساء المؤمنين فلا يحلّ لامرأة مسلمة أن تتجرّد بين يدي امرأة مشركة إلاّ أن تكون أَمة لها فذلك قوله سبحانه {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ}. عن ابن جريج: روى هشام بن الغار عن عبادة بن نُسيّ أنه كره أن تقبّل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ويتأوّل أو نسائهن. وقال عبادة: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح: أما بعد فقد بلغني أنَّ نساء يدخلن الحمّامات معهنّ نساء أهل الكتاب فامنع ذلك وحُل دونه. قال: ثم إنّ أبا عبيدة قام في ذلك المقام مبتهلاً: اللهم أيّما امرأة تدخل الحمّام من غير علّة ولا سقم تريد البياض لوجهها فسوّد وجهها يوم تبيّض الوجوه. وقال بعضهم: أراد بقوله {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} مماليكهنّ وعبيدهنّ فإنّه لا بأس عليهن أن يظهرن لهم من زينتهنّ ما يظهرن لذوي محارمهنّ. {أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ} وهم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم في النساء ولا يستهوونهنَّ. قال ابن عباس: هو الذي لا تستحيي منه النساء، وعنه: الأحمق العنّين. مجاهد: الأبله الذي لا يعرف شيئاً من النساء، الحسن: هو الذي لا ينتشر (زبه) سعيد بن جبير: المعتوه، عكرمة: المجبوب، الحكم بن أبان عنه: هو المخنث الذي لا يقوم زبّه. روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: حديث : كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث، وكانوا يعدّونه من غير أُولي الإربة فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال: "إنّها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان". فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا أرى هذا يعلم ما ههنا، لا يدخلنّ هذا عليكم" فحجبوه . تفسير : ابن زيد: هو الذي يتبع القوم حتى كأنه منهم ونشأ فيهم وليس له في نسائهم إربة، وإنما يتبعهم لإرفاقهم إياّه، والإربة والإرب: الحاجة يقال: أربتُ الى كذا آرَبُ إرباً إذا احتجت إليه، واختلف القرّاء في قوله {غَيْرِ} فنصبه أبو جعفر وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر والمفضل، وله وجهان: أحدهما: الحال والقطع لأنّ التابعين معرفة وغير نكرة. والآخر: الاستثناء ويكون {غَيْرِ} بمعنى إلاّ. وقرأ الباقون بالخفض على نعت التابعين. {أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ} أي لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فيطّلعوا عليها، والطفل يكون واحداً وجمعاً. {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} يعني ولا يحرّكُنها إذا مشين { لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} يعني الخلخال والحلي {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً} من التقصير الواقع في أمره ونهيه وقيل: معناه راجعوا طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من الآداب المذكورة في هذه السورة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة بيت: نفهم منها أنه ما أعِدّ للبيتوتة، حيث يأوي إليه الإنسان آخر النهار ويرتاح فيه من عناء اليوم، ويُسمَّى أيضاً الدار؛ لأنها تدور على مكان خاص بك؛ لذلك كانوا في الماضي لا يسكنون إلا في بيوت خاصة مستقلة لا شركة فيها مثل العمارات الآن، يقولون: بيت من بابه. حيث لا يدخل ولا يخرج عليك أحد، وكان السَّكَن بهذه الطريقة عِصْمةً من الريبة؛ لأنه بيتك الخاص بأهلك وحدهم لا يشاركهم فيه أحد. لكن هناك أمور تقتضي أنْ يدخل الناس على الناس؛ لذلك تكلم الحق - تبارك وتعالى - هنا عن آداب الاستئذان وعن المبادئ والنظم التي تنظم هذه المسألة؛ لأن ولوج البيوت بغير هذه الآداب، ودون مراعاة لهذه النظم يُسبِّب أموراً تدعو إلى الرِّيبة والشك؛ لذلك في الفلاحين حتى الآن: إذا رأوا شخصاً غريباً يدخل حارة لا علاقة له بها لا بُدَّ أن يسأل: لماذا دخل هنا؟ إذن: فشرْع الله لا يحرم المجتمع من التلاقي، إنما يضع لهذا التلاقي حدوداً وآداباً تنفي الرّيْب والشبهة التي يمكن أنْ تأتي في مثل هذه المسائل. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في آداب الاستئذان: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا ..} [النور: 27]. {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ ..} [النور: 27] من الأُنْس والاطمئنان، فحين تجلس وأهلك في بيتك، وأقبل عليك غريب لا تعرفه، إذا لم يُقدِّم لك ما تأنس به من الحديث أو الاستئذان لا بُدَّ أن تحدث منه وَحشة ونفور إذن: على المستأذن أن يحدث من الصوت ما يأنس به صاحب الدار، كما نقول: يا أهل الله، أو نطرق الباب، أو نتحدث مع الولد الصغير ليخبر مَنْ بالبيت. ذلك لأن للبيوت حرمتها، وكل بيت له خصوصياته التي لا يحب صاحب البيت أن يطّلع عليها أحد، إما كرامةً لصاحب البيت، وإما كرامة للزائر نفسه، فالاستئذان يجعل الجميع يتحاشى ما يؤذيه. لذلك قال تعالى بعدها: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ..} [النور: 27]. أي: خير للجميع، للزائر وللمزور، فالاستئذان يمنع أن يتجسس أحد على أحد، يمنع أن ينظر أحد إلى شيء يؤذيه، وهَبْ أن أبا الزوجة أراد زيارتها ودخل عليها فجأة فوجدها في شجار مع زوجها، فلربما اطلع على أمور لا ترضيه، فيتفاقم الخلاف. ثم تختم الآية بقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27] يعني: احذروا أن تغفلوا هذه الآداب، أو تتهاونوا فيها، كمَنْ يقولون: نحن أهلٌ أو أقارب لا تكليفَ بيننا؛ لأن الله تعالى الذي شرع لكم هذه الآداب أعلَمُ بما في نفوسكم، وأعلم بما يُصلِحكم. بل ويتعدى هذا الأدب الإسلامي من الغريب إلى صاحب البيت نفسه، ففي الحديث الشريف "حديث : نهى أن يطرق المسافر أهله بليلتفسير : إنما عليه أن يخبرهم بقدومه حتى لا يفاجئهم وحتى يستعد كل منهما لملاقاة الآخر. ثم يقول الحق سبحانه: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ...}.
الصابوني
تفسير : [5] آداب الاستئذان والزيارة التحليل اللفظي {تَسْتَأْنِسُواْ}: أي تستأذنوا، قال الزجاج: (تستأنسوا) في اللغة بمعنى تستأذنوا وكذلك هو في التفسير كما نقل عن ابن عباس. وأصل الاستئناس: طلب الأنس بالشيء وهو سكون النفس، واطمئنان القلب وزوال الوحشة قال الشاعر: شعر : عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى وصوّت إنسان فكدت أطير تفسير : وقال بعضهم: الاستئناس هو الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً. ومنه قوله تعالى: {أية : إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} تفسير : [طه: 10] أي أبصرت ناراً. ومعنى الآية: حتى تستعلموا أيريد أهلها أن تدخلوا أم لا؟ قال الزمخشري: هو من (الاستئناس) ضد الاستيحاش. لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا؟ فهو كالمستوحش فإذا أذن له يستأنس. قال الطبري: والصواب عندي أن (الاستئناس) استفعال من الأنس وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم، ويؤذنهم أنه داخل عليهم فيأنس إلى إذنهم ويأنسوا إلى استئذانه. {عَلَىٰ أَهْلِهَا}: المراد بالأهل السكان الذين يقيمون في الدار سواء كانت سكناهم بالملك، أو بالإجارة، وبالإعارة، وقد دل على هذا معنى قوله تعالى: {غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} قال الألوسي: والمراد اختصاص السكنى أي غير بيوتكم التي تسكنونها. لأن كون الآجر والمعير منهيين كغيرهما عن الدخول بغير إذن دليل على عدم إرادة الاختصاص الملكي فلا حاجة إلى القول بأن ذلك خارج مخرج العادة. {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}: الإشارة راجعة إلى الاستئذان والتسليم أي دخولكم مع الاستئذان والسلام خير لكم من الهجوم بغير إذن ومن الدخول على الناس بغتة. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}: أي كي تتعظوا وتتذكروا وتعملوا بموجب تلك الآداب الرفيعة وهي مضارع حذف منه إحدى التاءين. {أَزْكَىٰ لَكُمْ}: أي أطهر وأكرم لنفوسكم وهو خير لكم من اللجاج والعناد والوقوف على الأبواب فالرجوع في مثل هذه الحال أشرف وأطهر للإنسان العاقل. {جُنَاحٌ}: أي إثم وحرج قال تعالى: {أية : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} تفسير : [الأحزاب: 5]. {غَيْرَ مَسْكُونَةٍ}: المراد البيوت العامرة التي تقصد لمنافع عامة غير السكنى كالحمامات والحوانيت والبيوت التي لا تخص بسكنى أحد كالرباطات والفنادق والخانات فهذه وأمثالها لا حرج في دخولها بغير إذن. {مَتَٰعٌ لَّكُمْ}: المتاع في اللغة يطلق على (المنفعة) أي فيها منفعة لكم كالاستظلال من الحر وحفظ الرحال والسّلع والاستحمام وغيره. ويطلق ويراد منه (الغرض والحاجة) أي فيها لكم غرض من الأغراض، أو حاجة من الحاجات. المعنى الإجمالي يؤدب المولى تبارك وتعالى عباده المؤمنين بالآداب الجليلة، ويدعوهم إلى التخلق بكل أدب رفيع فيأمرهم بالاستئذان عند إرادة الدخول إلى بيوت الناس، وبالتلطف عند طلب الاستئذان، وبالسلام على أهل المنزل لأن ذلك مما يدعو إلى المحبة والوئام، وينهاهم عن الدخول بغير إذن لئلا تقع أعينهم على ما يسوءهم فيطلعوا على عورات الناس أو تقع على مكروه لا يحبه أهل المنزل، فإن في الاستئذان والسلام ما يدفع خطر الريبة أو القصد السيِّئ ويجعل الزائر محترماً مكرماً مستأنساً به. وإذا لم يؤذن له فعليه بالرجوع فذلك خير له من الوقوف على الأبواب أو الإثقال على أهل المنزل فقد يكون أهل البيت في شغل شاغل عن استقبال أحد من الزائرين. وإذا لم يكن في البيوت أحد فلا يجوز الدخول أو الاقتحام لأن البيوت حرمة، ولا يحل دخولها إلا بإذن أربابها، وربما كان أهل البيت لا يرغبون أن يطلع أحد على ما عندهم في المنزل من مال أو متاع وربما أدى الدخول إلى فقدان شيء أو ضياعه ووقعت التهمة على ذلك الإنسان. أما البيوت التي ليس بها ساكن، أو التي فيها للإنسان منفعة أو مصلحة فلا مانع من دخولها بغير إذن. ذلك هو أدب الإسلام وتربيته الحميدة الرشيدة التي أدّب بها المؤمنين. وجه الارتباط بين الآيات الكريمة الآيات التي تقدمت في صدر السورة كانت في بيان (حكم الزنى) وبيان ضرره وخطره. وبيان أنه قبيح ومحرم وأنَّ مرتكبه يستحق العذاب والنكال. ولما كان الزنى طريقُه النظر، والخلوة، والاطلاع على العورات... وكان دخول الناس في بيوت غير بيوتهم مَظِنَّة حصول ذلك كله، أرشد الله عز وجل عباده إلى الطريقة الحكيمة التي يجب أن يتبعوها إذا أرادوا دخول هذه البيوت، حتى لا يقعوا في ذلك الشر الوبيل، والخطر الجسيم، الذي يقضي على أواصر المجتمع، ويدمر الأسر، ويشيع الفحشاء بين الناس. وقد تحدثت الآيات السابقة عن (حادثة الإفك) التي اتهمت فيها أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها تلك المرأة العفيفة الطاهرة التي برّأها القرآن مما نسبها إليه أهل النفاق والبهتان، ولم يكن لأصحاب الإفك متكأ في رميها إلا أنها بقيت مع صفوان فيما يشبه الخلوة، لذلك نهى الله سبحانه وتعالى عن دخول البيوت بغير إذن حتى لا يؤدي ذلك إلى القدح في أعراض البرآء الأطهار، ويكون المجتمع في منجاة عن ذلك الشر الخطير. سبب النزول أ - روي في سبب نزول هذه الآية أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد لا والد ولا ولد فيأتيني آت فيدخل علي فكيف أصنع؟ فنزلت الآية الكريمة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ...} الآية. ب - وروى ابن أبي حاتم عن (مقاتل) أنه لما نزل قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ...} إلخ قال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله: فكيف بتجار قريش الذين يختلفون من مكة، والمدينة، والشام، وبيت المقدس ولهم بيوت معلومة على الطريق فكيف يستأذنون ويسلِّمون وليس فيها سكان؟ فرخص سبحانه في ذلك فأنزل قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ...} الآية. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: تصدير الخطاب بلفظ (الإيمان) مشعر بعلو مكانة المؤمن عند الله فالمؤمن أهل للتكليف والخطاب، والكافر كالدابة والحيوان ليس بأهل للتكريم أو الخطاب وصدق الله {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف: 179] وهذا هو السر في نداء المؤمنين بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. اللطيفة الثانية: وصف البيوتِ بقوله تعالى: {غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} خارج مخرج العادة إذْ الأصل في الأصل أن يسكن في بيته الذي هو ملكه، والتنكير في قوله {بُيُوتاً} يفيد العموم والشمول. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} فيه معنى دقيق، فليس المراد من اللفظ مجرد الإذن وإنما المراد معرفة أنس أهل البيت بدخول الزائر عليهم هل هم راضون بدخوله أم لا؟ قال العلامة المودودي: (وقد يخطئ الناس إذ يجعلون كلمة (الاستئناس) بمعنى الاستئذان فقط مع أن الكلمتين بينهما فرق لطيف لا ينبغي أن ينصرف عنه النظر، فكلمة (الاستئناس) أعم وأشمل من كلمة (الاستئذان) كما لا يخفى بأدنى تأمل والمعنى: حتى تعرفوا أنس أهل البيت بدخولكم عليهم). اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً} هذا تعبير دقيق يشير إلى معنى أدق، فربما كان في البيت صاحبه ولم يردّ على الزائر، أو لم يأذن له فيصدق على المستأذن أنه لم يجد أحداً، ولو قال (فإن لم يكن فيها أحد) لما كان هذا المنزع اللطيف، والسر الدقيق، والحاصل أن الآية تنهى عن الدخول في حالتين: أ - في حالة الاعتذار الضمني {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً} وهي إشارة إلى عدم الإذن. ب - في حالة الاعتذار الصريح {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ} وهي تصريح بعدم الإذن صريح. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى {فَٱرْجِعُواْ} قال العلامة ابن كثير: قال بعض المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها... أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي: إرجعْ، فأرجع وأنا مغتبط لقوله تعالى: {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ}. اللطيفة السادسة: قال الزمخشري: فإذا نُهي الزائر عن الإلحاح لأنه يؤدي إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف، والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذب من أكثر الناس. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} فيه وعيد شديد لأهل الريبة والنوايا الخبيثة الذين لا يقصدون إلا التطلع على عورات الناس أو غيرها من الأغراض السيئة. حكمة التشريع يقول شهيد الإسلام سيد قطب تغمده الله برحمته في تفسيره "ظلال القرآن" ما نصه: (لقد جعل الله البيوت سكنا، يفيء إليها الناس فتسْكن أرواحهم، وتطمئن نفوسهم، ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم، ويلقون أعباء الحذر والحرص المرهقة للأعصاب). والبيوتُ لا تكون كذلك إلا حين تكون حَرَماً آمناً لا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم، وفي الوقت الذي يريدون، وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا عليها الناس، ذلك إلى أن استباحة حرمة البيت من الداخلين دون استئذان يجعل أعينهم تقع على عورات، وتلتقي بمفاتن تثير الشهوات، وتهيئ الفرصة للغواية الناشئة من اللقاءات العابرة، والنظرات الطائرة، التي قد تتكرر فتتحول إلى نظرات قاصدة، تحركها الميول التي أيقظتها اللقاءات الأولى على غير قصد ولا انتظار، وتحولها إلى علاقات آثمة، أو إلى شهوات محرمة، تنشأ عنها العقد النفسية والانحرافات. ولقد كانوا في الجاهلية يهجمون هجوماً فيدخل الزائر البيت وكان يقع أن يكون صاحب الدار مع أهله في الحالة التي لا يجوز أن يراهما عليها أحد، وكان يقع أن تكون المرأة عارية أو مكشوفة العورة هي أو الرجل، وكان ذلك يؤذي ويجرح، ويَحرِم البيوت أمنَها وسكينتها، كما يعرّض النفوس من هنا وهناك للفتنة حين تقع العين على ما تثيره. من أجل هذا أو ذاك أدَّب الله المسلمين بهذا الأدب العالي "أدب الاستئذان" على البيوت والسلام على أهلها لإيناسهم وإزالة الوحشة من نفوسهم - قبل الدخول - وعبر عن الاستئذان بـ (الاستئناس) وهو تعبير يوحي بلطف الاستئذان ولطف الطريقة التي يجيء بها الطارق فتحدث في نفوس أهل البيت أنساً به. واستعداداً لاستقباله، وهي لفتة دقيقة لطيفة لرعاية أحوال النفوس ولتقدير ظروف الناس في بيوتهم. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل السلام قبل الاستئذان أم بعده؟ ظاهر الآية الكريمة يدل على تقديم الاستئذان على السلام، وبهذا الظاهر قال بعض العلماء، وجمهور الفقهاء على تقديم السلام على الاستئذان حتى قال النووي: الصحيح المختار تقديم التسليم على الاستئذان لحديث "حديث : السلام قبل الكلام ". تفسير : أ - استدل الجمهور بما روي أن رجلاً من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في البيت فقال: أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له: السلام عليكم أأدخل؟ ب - واستدلوا بحديث أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلِّم قال: لا يؤذن له حتى يسلِّم.. جـ - واستدلوا بما روى عن (زيد بن أسلم) قال: أرسلني أبي إلى ابن عمر رضي الله عنهما فجئت فقلت: أألج؟ فقال: ادخل فلما دخلت قال مرحباً يا ابن أخي، لا تقل أألج، ولكن قل: السلام عليكم، فإذا قيل: وعليك فقل أأدخل؟ فإذا قالوا: ادخل فادخل. د- واستدلوا بما روي أن عمر رضي الله عنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام على رسول الله السلام عليكم، أيدخل عمر؟. وفصَّل بعض العلماء المسألة فقال: إن كان القادم يرى أحداً من أهل البيت سلّم أولاً ثم استأذن في الدخول، وإن كانت عينه لا ترى أحداً قدّم الاستئذان على السلام، وهذا اختيار (الماوردي) وهو قول جيد وفيه جمع بين الأدلة كما نبه عليه (الألوسي). ولا يشترط أن يكون الإذن صريحاً بلفظ (أألج أو أأدخل) بل يجوز بكل لفظ يشير إلى الاستئذان كالتسبيح، والتكبير، أو التنحنح فقد روى الطبراني عن أبي أيوب أنه قال: قلت يا رسول الله أرأيت قول الله {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} هذا التسليم قد عرفناه فما الاستئناس؟ قال: يتكلم الرجل بتسبيحة، وتكبيرةٍ، وتحميدةٍ، ويتنحنح فيؤذن أهل البيت. أقول: ومثل هذا في عصرنا أن يطرق الباب أو يقرع الجرس فهذا نوع من الاستئذان مشروع لأن الدور في عصر الصحابة لم يكن لها هذه الستور والأبواب فيكفي للقادم أن يقرع الجرس ليدل على طلبه الاستئذان والله أعلم. الحكم الثاني: كم عدد الاستئذان؟ لم توضح الآية الكريمة عدد الاستئذان، وظاهرها يدل على أن من استأذن مرة فأجيب دخل، وإلاّ رجع. ولكنّ السنة النبوية قد بيَّنت أن الاستئذان يكون ثلاثاً، لما روي عن أبي هريرة مرفوعاً: (الاستئذان ثلاث: بالأولى يستنصتون، وبالثانية يستصلحون، وبالثالثة يأذنون أو يردون). ومما يدل على أن الاستئذان يكون ثلاثاً قصة (أبي موسى الأشعري) مع عمر بن الخطاب وتفصيل القصة كما رواها البخاري ومسلم في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كنت جالساً في مجلس من مجالس الأنصار فجاء أبي موسى فزعاً، فقلنا له ما أفزعك؟ فقال: أمرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت فقال: ما منعك أن تأتيني؟ فقلت قد جئت فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي وقد قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع" تفسير : فقال: لتأتينِّي على هذه البينة أو لأعاقبنك، فقال (أُبيُّ بن كعب) لا يقوم معك إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد: وكنتُ أصغرَهم فقمتُ معه، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك). وفي بعض الأخبار أن عمر قال لأبي موسى: إني لم أتهمك ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأردت أن أثبت. والراجح أن إكمال العدد (ثلاثاً) إنما هو حق المستأذن، وأما الواجب فإنما هو مرة وذكر (أبو حيان) أنه لا يزيد على الثلاث، إلا إن تحقَّق أن من في البيت لم يسمع. الحكم الثالث: ما الحكمة في إيجاب الاستئذان؟ الحكمة هي التي نبه الله تعالى عليها في قوله: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} فدل بذلك على أن الذي حرم من أجله الدخول هو كون البيوت مسكونة، إذ لا يأمن من يهجم عليها بغير استئذان أن يرى عورات الناس، وما لا يحل النظر إليه، وربما كان الرجل مع امرأته في فراش واحد، فيقع نظره عليهما، وهذا بلا شك يتنافى مع الآداب الإجتماعية التي أرشد إليها الإسلام. الحكم الرابع: هل يستأذن على المحارم؟ ومن الآداب السامية أن يستأذن الإنسان على المحارم لما روي حديث : أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أأستأذن على أمي؟ قال: نعم، قال: إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عُريانة؟ قال الرجل: لا، قال فاستأذن عليها . تفسير : قال الفخر الرازي: واعلم أن ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز، إلا أنه أيسر، لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء، والتحقيق فيه أن المنع من الهجوم على الغير إن كان لأجل أن ذلك الغير ربما كان منكشف الأعضاء فهذا دخل فيه الكل إلا (الزوجات) و (ملك اليمين). وإن كان لأجل أنه ربما كان مشتغلاً بأمر يكره اطلاع الغير عليه وجب أن يعمّ في الكل، حتى لا يكون له أن يدخل إلاّ بإذن. الحكم الخامس: هل الاستئذان والسلام واجبان على الداخل؟ ظاهر الآية الكريمة أنه لا بد قبل الدخول من (الاستئذان والسلام) معاً، وعليه جمهور الفقهاء غير أنهما ليسا بمرتبة واحدة، فالاستئذان واجب والسلام مستحب، وذلك لأن الاستئذان من أجل البصر لئلا يقع نظره على عورات الناس، وقد جاء في الحديث الشريف "حديث : إنما جعل الاستئذان من أجل النظر" تفسير : فكان واجباً. وأما السلام فهو من أجل المحبة والمودة كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوَلاَ أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشو السلام بينكم"تفسير : فكان ذلك مندوباً، وقد أرشد إليه القرآن الكريم في مواطن عديدة فقال جل ثناؤه {أية : فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً...} تفسير : [النور: 61] الآية. الحكم السادس: كيف يقف الزائر على الباب؟ من الآداب الشرعية في الاستئذان، ألا يستقبل الزائر الباب بوجهه، بل يجعله عن يمينه أو شماله، فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول: السلام عليكم، السلام عليكم، وذلك لأن الدور لم يكن عليها حينئذ ستور. وروي عن (سعيد بن عبادة) قال: جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فقمت مقابل الباب فاستأذنت فأشار إلي أن تباعد، وقال: هل الاستئذان إلا من أجل النظر؟ وهذا الأدب ينبغي أن يلتزم به المسلم في عصرنا هذا فإن الدور ولو كانت مغلقة الأبواب فإن الطارق إذا استقبلها فإنه قد يقع نظره عند فتح الباب على ما لا يجوز أو ما يكره أهل البيت اطلاعه عليه. الحكم السابع: هل يجب الاستئذان على النساء أو العميان؟ ظاهر الآية الكريمة يدل على أنه يجب الاستئذان على كل طارق سواء كان رجلاً أو امرأة، مبصراً أو أعمى، وبهذا قال جمهور العلماء وحجتهم في ذلك أن من العورات ما يدرك بالسمع ففي دخول الأعمى على أهل بيت بغير إذنهم ما يؤذيهم فقد يستمع الداخل إلى ما يجري من الحديث بين الرجل وزوجته فأما قوله عليه السلام: "حديث : إنما جعل الاستئذان من أجل النظر" تفسير : فذلك محمول على الغالب، ولا يقصد منه الحصر. قال الزمخشري في "الكشاف": (إنما شرع الاستئذان لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ولم يشرع لئلا يطَّلع المرء على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط). والحكمة التي شرع من أجلها الاستئذان متحققة في الرجال والنساء معاً ولهذا قال العلماء أن التعبير باسم الموصول {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ} فيه تغليب الرجال على النساء كما هو المعهود في الأوامر والنواهي القرآنية المبدوءة بمثل هذا النداء، أو المراد بالخطاب الوصف ويكون معنى الآية: (يا من اتصفتم بالإيمان) فيدخل فيه الرجال والنساء على السواء. ومما يدل على أن المرأة تستأذن كما تستأذن الرجل ما روي عن (أم إياس) قالت: "كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة رضي الله عنها، فقلت: ندخل؟ فقالت: لا، فقالت واحدة: السلام عليكم أندخل؟ قالت: ادخلوا، ثم قالت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا}.. الآية. فدل هذا على أن المرأة تستأذن كما يستأذن الرجل. الحكم الثامن: ما هي الحالات التي يباح فيها الدخول بدون إذن؟ ظاهر الآية يدل على النهي عن دخول البيوت بغير إذن في جميع الأزمان والأحوال ولكن يستثنى منه الحالات التي تقضي بها الضرورة وهي حالات اضطرارية تبيح الدخول بغير إذن وذلك إذا عَرَض أمر في دار من حريق، أو هجوم سارق، أو ظهور منكر فاحش، فإنَّ لمن يعلم ذلك أن يدخلها بغير إذن أصحابها كما نبه على ذلك الفخر الرازي في تفسيره الشهير. الحكم التاسع: هل يجب الاستئذان على الطفل الصغير؟ أحكام الاستئذان خاصة بالبالغين من الرجال والنساء، وأما الأطفال فإنهم غير مكلفين بهذه التكاليف الشرعية، وليس هناك محظور يخشى من جانبهم لأنهم لا يدركون أمور العورة، ولا يعرفون العلاقات الجنسية فيجوز لهم الدخول بدون إذن إلا إذا بلغوا مبلغ الرجال لقوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} تفسير : [النور: 59]. وهناك أوقات ثلاثة يجب على الأطفال الاستئذان فيها وهي: (وقت الفجر)، و(وقت الظهيرة)، و(وقت العشاء) كما سيأتي إن شاء الله. الحكم العاشر: لو اطلع إنسان على دار غيره بغير إذنه فما الحكم؟ اختلف الفقهاء في مسألة هامة تتعلق بالنظر وهي: إذا رأى أهل الدار أحداً يطلع عليهم من ثقب الباب فطعن أحدهم عينه فقلعها، فهل يجب القصاص؟ وما الحكم؟ 1 - ذهب الإمامان (الشافعي وأحمد) إلى أنه لو فقئت عينه فهي هدر ولا قصاص. 2 - وذهب مالك وأبو حنيفة إلى القول بأنها جناية يجب فيها الأرش أو القصاص. دليل الشافعية والحنابلة: أ - حديث أبي هريرة (من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه). ب - حديث سهل بن سعد قال: (اطَّلع رجل في حُجْرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومع النبي مِدْرَى (آلة رفيعة من الحديد) يحك بها رأسه فقال: لو أعلم أنك تنظر لطعنت بها في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر). دليل المالكية والأحناف: أ - عموم قوله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ...} تفسير : [المائدة: 45] فمن أقدم على هذا النحو كان جانياً، وعليه القصاص، إن كان عامداً، والأرش إن كان مخطئاً. ب - واستدلوا بإجماع العلماء على أن من دخل داراً بغير إذن أهلها فاعتدى عليه بعض أهلها بقلع عينه فإن ذلك يعتبر جناية تستوجب القصاص. قالوا: فإذا كان دخول الدار واقتحامها على أهلها مع النظر إلى ما فيها غير مبيح لقلع عين ذلك الداخل، فلا يكون النظر وحده من ثقب الباب مبيحاً لقلع عينه من باب أولى. ج - وتأولوا الحديث الذي استدل به (الشافعية والحنابلة) على أنّ من اطَّلع في دار قوم ونظر إلى حُرَمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع وقاوم وقاتل فقلعت عينه بسبب المقاومة والمدافعة فهي هدر، لأنه ظالم معتد في هذه الحالة. قال أبو بكر الرازي: "والفقهاء على خلاف ظاهر الحديث وهذا من أحاديث أبي هريرة التي تُرَدّ لمخالفتها الأصول مثل ما روي أن ابن الزنى لا يدخل الجنة، ومن غسّل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ.. ثم قال: ولا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامناً وعليه القصاص... إلخ". قال الفخر الرازي من فقهاء الشافعية وصاحب التفسير المسمى "التفسير الكبير": "واعلم أن التمسك بقوله تعالى: {أية : وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} تفسير : [المائدة: 45] في هذه المسالة ضعيف. وأما قوله: إنه لو دخل لم يجز فقأ عينه فكذا إذا نظر. قلنا: الفرق بين الأمرين ظاهر، لأنه إذا دخل علم القوم دخوله عليهم فاحترزوا عنه وتستَّروا، فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين بذلك فيطَّلع على ما لا يجوز الاطلاع عليه، فلا يبعد في حكم الشرع أن يبالغ هٰهنا في الزجر حسماً لباب هذه المفسدة". أقول: ولعلّ ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة أرجح، لقوة أدلتهم والله تعالى أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - وجوب الاستئذان عند دخول ببيت الغير. ثانياً - حرمة الدخول إذا لم يكن في البيت أحد. ثالثاً - وجوب الرجوع إذا لم يؤذن للداخل. رابعاً - السلام مشروع للزائر لأنه من شعائر الإسلام. خامساً - لا يجوز لإنسان أن يطلع على عورات الناس. سادساً - البيوت إذا لم تكن مسكونة فلا حرج من دخولها. سابعاً - على المسلم أن يرعى حرمة أخيه المسلم فلا يؤذيه في نفسه أو ماله. ثامناً - في هذه الآداب التي شرعها الله طهارة للمجتمع والأفراد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يرشد الباري عباده المؤمنين، أن لا يدخلوا بيوتا غير بيوتهم بغير استئذان، فإن في ذلك عدة مفاسد: منها ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال " إنما جعل الاستئذان من أجل البصر " فبسبب الإخلال به، يقع البصر على العورات التي داخل البيوت، فإن البيت للإنسان في ستر عورة ما وراءه، بمنزلة الثوب في ستر عورة جسده. ومنها: أن ذلك يوجب الريبة من الداخل، ويتهم بالشر سرقة أو غيرها، لأن الدخول خفية، يدل على الشر، ومنع الله المؤمنين من دخول غير بيوتهم حَتَّى يَسْتَأْنِسُوا أي: يستأذنوا. سمي الاستئذان استئناسا، لأن به يحصل الاستئناس، وبعدمه تحصل الوحشة، { وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } وصفة ذلك، ما جاء في الحديث: " السلام عليكم، أأدخل "؟ { ذَلِكُمْ } أي: الاستئذان المذكور { خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } لاشتماله على عدة مصالح، وهو من مكارم الأخلاق الواجبة، فإن أذن، دخل المستأذن. { فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا } أي: فلا تمتنعوا من الرجوع، ولا تغضبوا منه، فإن صاحب المنزل، لم يمنعكم حقا واجبا لكم، وإنما هو متبرع، فإن شاء أذن أو منع، فأنتم لا يأخذ أحدكم الكبر والاشمئزاز من هذه الحال، { هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } أي: أشد لتطهيركم من السيئات، وتنميتكم بالحسنات. { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فيجازي كل عامل بعمله، من كثرة وقلة، وحسن وعدمه، هذا الحكم في البيوت المسكونة، سواء كان فيها متاع للإنسان أم لا وفي البيوت غير المسكونة، التي لا متاع فيها للإنسان، وأما البيوت التي ليس فيها أهلها، وفيها متاع الإنسان المحتاج للدخول إليه، وليس فيها أحد يتمكن من استئذانه، وذلك كبيوت الكراء وغيرها، فقد ذكرها بقوله: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } أي: حرج وإثم، دل على أن الدخول من غير استئذان في البيوت السابقة، أنه محرم، وفيه حرج { أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ } وهذا من احترازات القرآن العجيبة، فإن قوله: { لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } لفظ عام في كل بيت ليس ملكا للإنسان، أخرج منه تعالى البيوت التي ليست ملكه، وفيها متاعه، وليس فيها ساكن، فأسقط الحرج في الدخول إليها، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } أحوالكم الظاهرة والخفية، وعلم مصالحكم، فلذلك شرع لكم ما تحتاجون إليه وتضطرون، من الأحكام الشرعية.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 723 : 17 : 18 - سفين عن جابر عن مجاهد في قوله {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} قال، هو التنحنح، قال ابن عباس، اخطأ الكاتب "حتى تستأذنوا". [الآية 27]. 724 : 18 : 22 - سفين عن الأعمش قال، كان أصحاب عبد الله يقرءونها {حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها}. [الآية 27].
همام الصنعاني
تفسير : 2020- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ}: [الآية: 27]، قال: تستأذنوا وتسلموا. 2057- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، في قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ}: [الآية: 27]، قَالَ: هو الاستئذان. 2058- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن (مسلم بن نُذَير)، عن حذيفة أنه سُئِلَ: أيستأذن الرجل على والدته؟ قال: نعم، إنم لم تفْعَلْ رأيت منها ما تكْرَه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):