٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً} الضمير في «تجدوا فيها» للبيوت التي هي بيوت الغير. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال: معنى قوله: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً} أي لم يكن لكم فيها متاع. وضعّف الطبري هذا التأويل، وكذلك هو في غاية الضعف؛ وكأن مجاهداً رأى أن البيوت غير المسكونة إنما تُدْخَل دون إذن إذا كان للداخل فيها متاع. ورأى لفظة «المتاع» متاع البيت، الذي هو البُسُط والثياب؛ وهذا كله ضعيف. والصحيح أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها والأحاديث؛ التقدير: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا، فإن أذن لكم فادخلوا وإلا فارجعوا؛ كما فعل عليه السلام مع سعد، وأبو موسى مع عمر رضي الله عنهما. فإن لم تجدوا فيها أحداً يأذن لكم فلا تدخلوها حتى تجدوا إذناً. وأسند الطبري عن قتادة قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وأنا مغتبط؛ لقوله تعالى: {هو أزكى لكم}. الثانية: سواء كان الباب مغلقاً أو مفتوحاً؛ لأن الشرع قد أغلقه بالتحريم للدخول حتى يفتحه الإذن من ربه، بل يجب عليه أن يأتي الباب ويحاول الإذن على صفة لا يطّلع منه على البيت لا في إقباله ولا في انقلابه. فقد روى علماؤنا عن عمر بن الخطاب أنه قال: من ملا عينيه من قاعة بيت فقد فَسَق. وروى الصحيح عن سهل بن سعد «حديث : أن رجلاً اطلع في جُحْرٍ في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مِدْرًى يرجِّل به رأسه؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أعلم أنك تنظر لطَعَنْتُ به في عينك إنما جعل الله الإذن من أجل البصر»»تفسير : . وروي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح».تفسير : الثالثة: إذا ثبت أن الإذن شرط في دخول المنزل فإنه يجوز من الصغير والكبير. وقد كان أنس بن مالك دون البلوغ يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصحابة مع أبنائهم وغلمانهم رضي الله عنهم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر السورة إن شاء الله تعالى. الرابعة: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} توعّدٌ لأهل التجسّس على البيوت وطلب الدخول على غفلة للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولا يجوز، ولغيرهم ممن يقع في محظور.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً } يأذن لكم {فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمْ } بعد الاستئذان {ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ } أي الرجوع {أَزْكَىٰ } أي خير {لَكُمْ } من القعود على الباب {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الدخول بإذنٍ وغير إذنٍ {عَلِيمٌ } فيجازيكم عليه.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ}. في هذا حِفْظُ أَمْرِ الله وحِفْظُ حُرْمةِ صاحب الدارِ؛ لأنَّ مَنْ دَخَلَها بغيرِ إذنِ صاحبِها ربما تكون فيها عورةُ منكشفة، وربما يكون لصاحب الدار أمرٌ لا يريد أن يطَّلِعَ عليه غيرُه، فلا ينبغي أن يدخل عليه من غير استئذان. قوله جل ذكره: {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}. إن قيل لكم: ارجعوا... فارجعوا؛ فقد تكون الأعذارُ قائمةً، وصاحبُ الملكِ بِملْكِه أوْلَى.
اسماعيل حقي
تفسير : {فان لم تجدوا فيها} اى فى تلك البيوت {احدا} اى ممن يملك الاذن على ان من لا يملكه من النساء والولدان وجدانه كفقدانه اولم تجدوا احدا اصلا {فلا تدخلوها} فاصبروا {حتى يؤذن لكم} اى من جهة من يملك الاذن عند اتيانه فان فى دخول بيت فيه النساء والولدان اطلاعا على العورات وفى دخول البيوت الخالية اطلاعا على مايعتاد الناس اخفاءه مع ان التصرف فى ملك الغير محظور مطلقا: يعنى [دخول درخانه خالى بى اذن كسى محل تهمت سرقه است]، يقول الفقير قد ابتليت بهذا مرة غفلة عن حكم الآية الكريمة فاطال علىّ وعلى رفقائى بعض من خارج البيت لكوننا مجهولين عندهم فوجدت الامر حقا {وان قيل لكم ارجعوا} انصرفوا {فارجعوا} ولا تقفوا على ابواب الناس اى ان امرتم من جهة اهل البيت بالرجوع سواء كان الامر ممن يملك الاذن ام لا فارجعوا ولا تلحوا بتكرير الاستئذان كما فى الوجه الاول اولا تلحوا بالاصرار على الانتظار على الابواب الى ان يأتى الاذن كما فى الثانى فان ذلك ممايجلب الكراهة فى قلوب الناس ويقدح فى المروءة اى قدح {هو} اى الرجوع {ازكى لكم} اى اطهر مما لا يخلو عنه اللج والعناد والوقوف على الابواب من دنس الدناءة والرزالة {والله بما تعملون عليم} فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلفتموه فيجازيكم عليه. وفى التأويلات النجمية {فان لم تجدوا فيها احدا} يشير الى فناء صاحب البيت وهو وجود الانسانية {فلا تدخلوها} بتصرف الطبيعة الموجبة للوجود {حتى يؤذن لكم} بامر من الله بالتصرف فيها للاستقامة كما امر {وان قيل لكم ارجعوا} اى الى ربكم {فارجعوا} ولا تتصرفوا فيها تصرف المطمئنين بها {هو ازكى لكم} لئلا تقعوا فى فتنة من الفتن الانسانية وتكونوا مع الله بالله بلا انتم {والله بما تعملون} من الرجوع الى الله وترك تعلقات البيوت الجسدانية {عليم} انه خير لكم.
الجنابذي
تفسير : {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا} لانّه قد يوجد فى بيوت غيركم ما لا يجوز لكم الاطّلاع عليه وما يكره صاحب البيت اطّلاع الغير عليه {حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ} ولا تلجّوا ولا تكرهوا فانّه قد يكون صاحب البيت بحالٍ لا يجوز للغير الاطّلاع عليه {هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ} انمى لكم او اصفى او انفع لكم {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فان ترجعوا عن طيب نفوسكم يعلمه الله ويجازكم به.
الهواري
تفسير : قوله: {فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَآ أَحَداً} يعني البيوت المسكونة {فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا}. قال بعضهم: أي: لا تقف على باب قوم ردّوك عن بيتهم، فإن للناس حاجات، ولهم أشغال. قال: {هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} أي: خير لكم {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}. قوله: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي: حرج، أي: إثم. {أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} يعني الخانات، وهي الفنادق {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} أي: ينزلها الرّجلُ في سفره فيجعل فيها متاعَه، فليس عليه أن يستأذن في ذلك البيت لأنه ليس له أهل يسكنونه. [وقال السّديّ: {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ}: منافع لكم من الحرّ والبرد]. {وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} أي: ما تعلنون {وَمَا تَكْتُمُونَ} أي: ما تسِرّون في قلوبكم. قوله: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [يعني يغضوا أبصارهم عن جميع المعاصي. {مِنْ} ها هنا صلة]. وقال بعضهم: أي: عما لا يحل لهم من النظر. ذكروا عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير البجلي عن أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظرة فجأة فقال: "حديث : غُضَّ بصرك ". تفسير : قوله: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} أي: عما لا يحل لهم. وهذه الآية في الأحرار والمملوكين. {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} أي: بما يفعلون. قوله: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} أي: يغضضن أبصارهن عما لا يحل لهنّ من النظر. وهذه في الحرائر والإِماء. قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. قال بعضهم: {إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الثياب. وكذلك قال الحسن. ذكروا عن مجاهد عن ابن عباس قال: ما ظهر منها: الكحل والخاتَم. ذكروا عن عائشة أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت: القُلْب، تعني السِّوار، والفَتَخة، تعني الخاتَم الذي لا فصّ له. وقالت بثوبها على كوعها فسترته. قالت العلماء: هذه الآية في الحرائر؛ وأما الإِماء فإن عمر بن الخطاب رأى أمة عليها قِناع فعلاها بالدّرّة وقال: اكشفي عن رأسك لا تتشبّهي بالحرائر. ذكروا عن أنس بن مالك قال: كُنّ جواري عمر يخدمننا كاشفاتٍ رؤوسهن تضطرب ثديّهن، بادية خِدامهن. قوله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} أي: تسدل الخمار على جيبها، وهو نحرها. {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} وهذه الزينة الباطنة؛ وهما زينتان، زينة ظاهرة، وقد فسّرناها، وزينة باطنة وسنفسرها إن شاء الله. {إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ} أي: أزواجهن {أَو ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} أي: آباء أزواجهن. {أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوِ إخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ} المسلمات اللاتي يرين منها ما يراه ذو المحرم؛ ولا ترى ذلك منها اليهودية ولا النصرانية. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ}. فهذه ثلاث حرم بعضها أعظم من بعض. منهن الزوج الذي يحلُّ له كل شيء منها؛ فهذه حرمة ليست لغيره. ومنهم الأب والابن، والأخ والعم والخال وابن الأخ وابن الأخت، والرضاع في هذا بمنزلة النسب. فلا يحل لهؤلاء في تفسير الحسن أن ينظروا إلى الشعَر والصدر والساق وأشباه ذلك. [وقال الحسن: لا تضع المرأة خمارها عند أبيها ولا ابنها ولا أخيها] وقال ابن عباس: ينظرون إلى موضع القرطين والقلائد والسوارين والخلخالين. فهذه الزينة الباطنة. وحرمة أخرى، وهي الثالثة؛ منهم أبو الزوج وابن الزوج والتابع الذي قال الله: {غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} أي: غير أولي الحاجة إلى النساء. وهم قوم كانوا في المدينة فقراء، طُبِعُوا على غير شهوة النساء. وقال بعضهم: هو الرجل الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل. وقال الحسن: هو الرجل يتبع الرجل يخدمه بطعام بطنه. ومملوك المرأة، لا بأس أن تقوم بين يدي هؤلاء في درع صفيق، وخمار صفيق بغير جلباب. ذكروا أن عمر بن الخطاب قال: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها. ذكروا أن عمر بن الخطاب قال: لا تخلو المرأة مع الرجل إلا أن يكون محرماً، وإن قيل حموها، إنما حموها الموت. وقال بعضهم: لا تضع المرأة خمارها عند مملوكها، فإن فاجأها فلا بأس. وبعضهم يقول: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} يعني الإِماء وليس العبيد. [ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: لا تضع المرأة خمارها عند عبد سيدها]. قوله: {أَوِ الطِّفْلِ الذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ} أي: الذين لم يبلغوا الحلم أو النكاح. قوله: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَم مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} وكانت المرأة تضرب برجلها إذا مرت بالمجلس لتسمع قعقعة خلخالها. وقال بعضهم: تضرب إحدى رجليها بالأخرى حتى تسمع صوت الخلخالين؛ فنهين عن ذلك. قوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَ المُؤمِنُونَ} من ذنوبكم هذه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: لكي تفلحوا فتدخلوا الجنة.
اطفيش
تفسير : {فَإِن لَمْ تَجِدُوا فِيهَآ أَحَداً} يأذن لكم * {فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} اي حق يكون فيها من يأذن لكم فتدخلوا بعد ان ياذن لان الاستئذان لم يشرع لئلا تطلع على العورات فقط بل وعلى ما يتحفظ صاحبه من اطلاع أحد عليه ويدخل باذن صبي من داخل ويأذن من ليس من أهل البيت من داخل. وقيل: لا يدخل الا باذن من هو أهل البيت لان الدخول بغيره تصرف في ملك الغير بلا اذنه وحمل عليه صاحب هذا القول الآية اي فان لم تجدوا فيها احدا من أهلها فلا تدخلوها حتى يأذن لكم من هو من أهلها {فَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} لا تلحوا في الدخول ولا تقفوا على الابواب منتظرين فان هذا ضار لاصحاب البيوت ولا سيما ان كانوا ذوي مروءة مرتاضين في الآداب الحسنة وإذا نهي عن ذلك لادائه إلى ما نكره وجب الانتهاء عن كل ما نؤدي إلى ما يكرهه صاحب البيت من قرع الباب بعنف والتصيح بصاحب الدار ونحو ذلك مما يضر. وعن ابي عبيد ما قرعت بابا على عالم قط * {هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} اي الرجوع طيب لكم واطهر لما فيه من سلامة للصدور والبعد من الريبة وانفع بدينكم ودنياكم فان للناس حاجات ولهم اشغال وإذا حضر إلى الباب ولم يستأذن وقعد منتظرا جاز. كان ابن عباس رضي الله عنهما يأتي دور الانصار لطلب الحديث فيقعد على الباب ولا يستأذن حتى يخرج اليه الرجل فاذا خرج ورآه قال يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو اخبرتني بمكانك فيقول هكذا امرنا ان نطلب العلم. والنظر من خلل الباب كبيرة ومن رمى الناظر من خلل الباب وضره أو قتله أو فقأ عينه فلا حرج عيله كما روي حديث : إنه اطلع رجل في باب النبي صلى الله عليه وسلم رماه بسهم فقال لو أَصابه لهدر دمه . تفسير : وفي رواية كان معه عصا اجل بها. وفي رواية حديث : يحك بها رأسه فقال لو علمت انك تنظر لطعنت بها عينك انما الاستئذان من النظر اي شرع لاجل النظر لا للدخول تفسير : والحديث مروي بالمعنى وقال "حديث : من اطلع في بيت قوم بلا اذن فحذفته ففقأت عينه ما كان عليك حرج"تفسير : وفي رواية "حديث : جناح " تفسير : وعن قتادة قال رجل من المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما ادركتها ان استأذن على بعض اخواني فيقول لي ارجع فارجع واني مغتبط لقوله تعالى {هُوَ أَزْكَى لَكُم} ويحتمل ان يراد بالقول ارجعوا مجرد عدم الاذن سواء كان بالقول ارجعوا أو بالقول انا مشغولون أو نحو ذلك أو بعدم رد الجواب اصلا لكن يكون فيه استعمال الكلمة في الحقيقة والمجاز {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فيجازيكم على الدخول بلا اذن.
اطفيش
تفسير : {فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تَدْخلُوها} إذ لا يجوز التصرف فى مال بلا إذن من ملاكه، فإنه كالغصب {حتَّى يؤذن لكم} بأن يحضر من له الإذن ولو عبداً أو أمة إن اطمأن النفس أنهما إذناً بإذن من ملك الاذن {وإن قيل لَكم} من جهة من فى البيت، هو أو غيره عنه باللسان أو بالاشارة، أو بلسان الحال، أو بعدم الاذن بعد الاستئذان ثلاثاً {ارجعوا} بمعنى لا تدخلوا {فارجعوا} ولا تلحو ولو بالمقام عند الباب {هو} الرجوع {أزكى} أطهر {لكم} من المكث على الباب إلحاحاً وخسة ورذالة، أو أنفع لدينكم ودنياكم. وأما أن ينادى مرة واحدة، ويقعد جانباً من الباب بقدره ما لا يثقل على صاحب البيت، أو يقعد بدون استئذان رجاء لجاحته بأن يراه صاحب البيت، إذا خرج فلا بأس، وكان ابن عباس تلفحه الشمس عند أبواب المهاجرين والأنصار لطلب العلم، فيخرج صاحب البيت، أو يراه فيقول له: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أخبرتنى بمكانك؟ فيقول هكذا أمرنا أن نطلب العلم {والله بما تعملون عليم} فيجازيكم.
الالوسي
تفسير : {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً } بأن كانت خالية من الأهل {فَلاَ تَدْخُلُوهَا } واصبروا {حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ } من جهة من يملك الإذن عند وجدانكم إياه، ووجه ذلك أن الدخول في البيوت الخالية من غير إذن سبب للقيل والقال، وفيه تصرف بملك الغير بغير رضاه وهو يشبه الغصب، وهذه الآية لبيان حكم البيوت الخالية عن أهلها كما أن الآية الأولى لبيان حكم البيوت التي فيها أهلها. وجوز أن تكون هذه تأكيداً لأمر الاستئناس وأنه لا بد منه والأمر دائر عليه، والمعنى فإن لم تجدوا فيها أحداً من الآذنين أي ممن يملك الإذن فلا تدخلوها الخ ويفيد هذا حرمة دخول ما فيه من لا يملك الإذن كعبد وصبـي من دون إذن من يملكه، ومن اختار الأول قال: إن حرمة ما ذكر ثابتة بدلالة النص فتأمل. وقال سبحانه: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ } إلى آخره دون فإن لم يكن فيها أحد لأن المعتبر وجد انها خالية من الأهل مطلقاً أو ممن يملك الإذن سواء كان فيها أحد في الواقع أم لم يكن كذا قيل. وعليه فالمراد من قولهم في تفسير ذلك بأن كانت خالية كونها خالية بحسب الاعتقاد، وكذا يقال في نظيره فلا تغفل. ثم إن ما أفادته الآيتان من الحكم قد خصصه الشرع فجوز الدخول لإزالة منكر توقفت على الدخول من غير إذن أهل البيت والدخول في البيت الخالي لإطفاء حريق فيه أو نحو ذلك. وقد ذكر الفقهاء الصور التي فيها الدخول من غير إذن ممن يملك الإذن فلتراجع. وقيل: المراد بالإذن في قوله سبحانه: {حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ } ما يعم الإذن دلالة وشرعاً ولذا وقع بصيغة المجهول وحينئذٍ لا حاجة إلى / القول بالتخصيص وفيه خفاء. {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ } أي إن أمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع سواء كان الآمر من يملك الإذن أم لا فارجعوا ولا تلحوا {هُوَ } أي الرجوع {أَزْكَىٰ لَكُمْ } أي أطهر مما لا يخلو عنه اللج والعناد والوقوف على الأبواب بعد القول المذكور من دنس الدناءة والرذالة أو أنفع لدينكم ودنياكم على أن {أَزْكَىٰ } من الزكاة بمعنى النمو. والظاهر أن صيغة أفعل في الوجهين للمبالغة، وقيدنا الوقوف على الأبواب بما سمعت لأنه ليس فيه دناءة مطلقاً، فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يأتي دور الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب ولا يستأذن حتى يخرج إليه الرجل فإذا خرج ورآه قال: يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني بمكانك فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم، وكأنه رضي الله تعالى عنه عدَّ ذلك من التواضع وهو من أقوى أسباب الفتوح لطالب العلم، وقد أعطاني الله عز وجل نصيباً وافياً منه فكنت أكثر التلامذة تواضعاً وخدمة للمشايخ والحمد لله تعالى على ذلك {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلفتموه فيجازيكم عليه.
د. أسعد حومد
تفسير : (28) - فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا فِي هَذَهِ البُيُوتِ أَحَداً يَأْذَنُ لَهُمْ بِالدُّخُولِ إِلَيْهَا، كَانَ عَلَيْهِمْ أَلاَّ يَدْخُلُوهَا، وَإِذَا كَانَ أَهْلُ البَيْتِ فِيهِ، وَلَمْ يَأْذَنُوا بالدُّخُولِ، كَانَ عَلَى الزَّائِرِ الانْصِرَافُ، وَلَيْسَ لَهُ الدُّخُولُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْضَبَ، أو يَسْتَشْعِرَ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ الإِسَاءَةَ إِلَيْهِ، أو النُّفْرَةَ مِنْهُ، فَلِلنَّاسِ أسْرَارُهم وَأَعْذَارُهُمْ وَيَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ لَهُمْ وَحْدَهُمْ حَقُّ تَقْدِيرِ ظُرُوفِهِمْ. وَاللهُ هُوَ المُطَّلِعُ عَلَى خَفَايَا القُلُوبِ، وهُوَ العَلِيمُ بالدَّوَافِعِ. أزْكَى لَكُمْ - أطْهَرُ لَكُمْ مِنْ دَنَسِ الرِّيبَةِ والدَّنَاءَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فإذا استأذنتَ على بيت ليس فيه أحد، فلا تدخل؛ لأنك جئتَ للمكين لا للمكان، إلا إذا كنتَ تريد الدخول لتتلصص على الناس وتتجسَّس عليهم. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ..} [النور: 28] كيف والدار ليس فيها أحد؟ ربما كان صاحب الدار خارجها، فلما رآك تستأذن نادى عليك من بعيد: تفضل. فلا بُدَّ أنْ يأذن لك صاحب الدار أو مَنْ ينوب عنه في الإذن؛ لأنه لا يأذن إلا وقد أمِن خُلو الطريق مما يؤذيك، أو مما يؤذي أهل البيت. ثم يقول سبحانه: {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ..} [النور: 28]. لأنك إنْ تمسكت بالدخول بعد أنْ قال لك: ارجع فقد أثرت الريبة في نفسه، فعليك أن تمتثل وتحترم رغبة صاحب الشأن، فهذا هو الأزكى والأفضل، أَلاَ ترى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك ". تفسير : {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 28] أي: عالم سبحانه بدخائل النفوس ووساوس الصدور، فإنْ قال لك صاحب الدار ارجع فوقفتَ أمام الباب ولم تنصرف، فإنك تثير حولك الظنون والأوهام، وربك - عز وجل - يريد أنْ يحميك من الظنون ودخائل النفوس. ثم يقول الحق سبحانه: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد : {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا} [الآية: 28]. يقول: إِذا لم يكن لكم فيها متاع فلا تدخلوها إِلا بإِذن. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: كانوا يضعون بطريق المدينة أَقتاباً وأَمتعة في بيوت ليس فيها أَحد، فأَحل لهم أَن يدخلوها بغير إِذن. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: ثنا عقبة الأَصم عن عطاءِ بن أَبي رباح، عن عائشة أُم المؤمنين: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [الآية: 31]. قالت: ما ظهر منها الوجه والكفين. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد : {أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ} [الآية: 31]. قال: هو الذي لا يهمه إِلا بطنه ولا يُخَاف على النساءِ. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ} [الآية: 31]. يقول: لا يدرون ما النساءُ من الصغر. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن مغيرة، عن إِبراهيم في /49 ظ/ قوله: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} [الآية: 33]. قال: وفاءً وصدقا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: يقول: {فَكَاتِبُوهُمْ} كائنة أَخلاقهم ودينهم ما كان [الآية: 33]. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا [إِبراهيم، قال: ثنا] آدم قال: نا المبارك عن الحسن قال: أَداءً، وفاءً، أَمانة: [الآية: 33]. أَنا عبد االرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب، عن ابي عبد الرحمن السلمي، عن علي، رضي الله عنه، في قول الله، عز وجل: {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} [الآية: 33]. قال: هو الربع. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ} [الآية: 33]. يعني: إِماءَكم {عَلَى ٱلْبِغَآءِ}. يعني على الزناءِ. وذلك أَن عبد الله بن أُبي بن سلول أَمر أَمة له بالزنا، فزنت فجاءَته ببرد فأَعطته، فقال لها: ارجعي فازني على آخر. فقالت: والله لا أَرجع. فقال: الله، عز وجل: {فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ}. يعني للمكرهات على الزنا {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الآية: 33].
الأندلسي
تفسير : {غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} هي الفنادق التي في طرق المسافرين وقيل الخرب التي تدخل للتبرز وقيل الربط وقيل حوانيت البياعين والمتاع المنفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرحال والشراء والبيع وغير ذلك. {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ} الآية تقدّم مثل هذا التركيب في قوله تعالى: {أية : قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ}تفسير : [إبراهيم: 31] ومن لابتداء الغاية. {ذٰلِكَ} أي غض البصر وحفظ الفرج أطهر لهم. {خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} من إحالة النظر وانكشاف العورات فيجازي على ذلك والمؤمنات عام في الزوجات المملوكات. {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} وهو الكحل والخضاب والخاتم. {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} الخمر جمع خمار وهو المقنعة التي تلقى المرأة على رأسها وهو جمع كثرة مقيس ويجمع في القلة على أخمرة وهو مقيس فيه أيضاً، قال: وقرىء: الشجر افي ريقه * كرؤوس قطعت فيها الخمر وكان النساء يغطين رؤوسهن بالأخمرة ويسدلنها من وراء الظهر فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليهن وضمن وليضربن معنى وليضعن وليلقين فلذلك عداه بعلى وبدأ تعالى بالأزواج لأن اطلاعهم يقع على أعظم من الزينة ثم ثني بالمحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ولكن تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر فالأب والأخ ليسا كابن الزوج فقد تبدى للأب ما لا تبدى لابن الزوج ولم يذكر تعالى هنا العم ولا الخال وقال الحسن: هما كسائر المحارم في جواز النظر. {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} مخصوص بمن كان دينهن قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن أمنع نساء أهل الذمة من دخول الحمام مع المؤمنات والظاهر العموم في قوله: أو ما ملكت أيمانهن فيشمل الذكور والإِناث فيجوز للعبد أن ينظر من سيدته ما ينظر أولئك المستثنون وهو مذهب عائشة وأم سلمة وقال سعيد من المسيب: لا تغرنكم آية النور فإِنما المراد بها الإِماء * قال الزمخشري: وهذا هو الصحيح لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها خصيا كان أو فحلاً وعن ميسون بنت بحدل الكلابية أن معاوية دخل عليها ومعها خصي فتقنعت منه فقال: هو خصي، فقالت: يا معاوية أترى المثلة تحلل ما حرم الله هو عن أبي حنيفة لا يحل إمساك الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم ولم ينقل عن أحد من السلف إمساكهم. و{ٱلإِرْبَةِ} الحاجة إلى الوطء لأنهم بله لا يعرفون شيئاً من أمر النساء ويدخل في هذه الصفة المجنون والمعتوه والمخنث والشيخ الفاني والزمن الموقوذ بزمانته وقسم التابعين غير أولي الحاجة إلى الوطء قسمين رجال وأطفال والمفرد المحلى بأل يكون للجنس فيعم ولذلك وصف بالجمع في قوله: {ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ} ومن ذلك قول العرب أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض يريد الدنانير والدراهم فكأنه قال: والأطفال والطفل ما لم يراهق الحلم. {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال وزعم حضرمي أن امرأة اتخذت خلخالاً من فضة واتخذت جزعاً فجعلته في ساقها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية. {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} لما سبقت منه تعالى أوامر ومناه وكان الإِنسان لا يكاد يقدر على مراعاتها دائماً وان ضبط نفسه واجتهد فلا بد من تقصير أمر بالتوبة وترجي الفلاح إذا تابوا وعن ابن عباس: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة وقرىء: {أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} وأيه الساحر وأيه الثقلان أصل ها للتنبيه ضمت لضم الياء قبلها اتباعاً وضمها لغة لبني مالك رهط شقيق بن سلمة. {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ} لما تقدمت أوامر ونواه في غض البصر وحفظ الفرج وإخفاء الزينة وغير ذلك قال بعده: وانكحوا والظاهر أن الأمر في وانكحوا للوجوب وبه قال أهل الظاهر: وأكثر العلماء على أنها للندب وتقدّم في المفردات أن الايم من لا زوج له من ذكر وأنثى ووزنه فعيل يقال منه آم يئيم وقال: شعر : كل امرىء ستئيم منه العرس أو منها يئم تفسير : {وَإِمائِكُمْ} جمع أمة أصله أموه حذفت منه لام الكلمة وهي الواو. {وَلْيَسْتَعْفِفِ} أي ليجتهد في العفة وصون النفس وهو استفعل بمعنى طلب العفة من نفسه وحملها عليها وجاء الفك في لغة الحجاز. {لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} قيل النكاح هنا اسم لما يمهر به وينفق في الزواج كاللحاف واللباس لما يلتحف به ويلبس أمر أو لا بما يعصم عن الفتنة ويبعد عن مواقعة العصيان وهو غض البصر ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح إلى الشهوات عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة ولما بعث السيد على تزويج الصالحين من العبيد والإِماء رغبهم في أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك ليصيروا أحراراً فيتصرفون في أنفسهم. {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} أي المكاتبة كالعتاب والمعاتبة. {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعم المماليك الذكور والإِناث والذين يحتمل أن يكون مبتدأ خبره الجملة والفاء دخلت في الخبر لما تضمن الموصول من معنى اسم الشرط * والخير المال قاله ابن عباس: {وَآتُوهُمْ} أمر للمكاتبين. {مِّن مَّالِ ٱللَّهِ} لا يدل على مقدار معين من المال. {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن عبد الله بن أبي كان له ست جوار * معاذة * ومسيكة * وأميمة * وعمرة * وأروى * وقتيلة جاءت إحداهن ذات يوم بدينار وأخرى ببرد فقال لهما: ارجعا فازينا فقالت: والله لا نفعل ذلك قد جاءنا الله بالإِسلام وحرم الزنا فأتتا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكتا له ذلك فنزلت * والفتاة المملوكة وهذا خطاب للجميع ويؤكد أن يكون وآتوهم خطاباً للجميع والنهي عن الإِكراه على الزنا مشروط بإِرادة التعفف منهن لأنه لا يمكن الإِكراه إلا مع إرادة التحصن أما إذا كانت مريدة للزنا فإِنه لا يتصور الإِكراه.. {فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} جواب للشرط والصحيح أن التقدير غفور رحيم لهم ليكون جواب الشرط فيه ضمير يعود على من الذي هو اسم الشرط ويكون ذلك مشروطاً بالتوبة ولما غفل الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء عن هذا الحكم وقدروا فإِن الله غفور رحيم لهن أي المكرهات فعريت جملة الشرط من ضمير يعود على اسم الشرط * ومثلاً أي قصة غريبة من قصصهم كقصة يوسف ومريم في براءتهما وقال الضحاك المثل ما في التوراة والإِنجيل من إقامة الحدود وأنزل في القرآن مثله. {وَمَوْعِظَةً} أي: ما وعظ به في الآيات والمثل من نحو قوله ولا تأخذكم بها رأفة لولا إذ سمعتموه يعظكم الله أن تعود والمثلة وحض المتقين لأنهم المنتفعون بالموعظة. {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} الآية النور الضوء المدرك بالبصر واسناده إلى الله مجاز كما تقول زيد كرم وإسناده على اعتبارين إما على أنه إسم فاعل أي منور السماوات والأرض وإما على حذف مضاف أي ذو نور ويؤيده قوله: مثل نوره وأضاف النور للسماوات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض * المشكاة الكوّة غير النافذة، قال الكلبي: وهو حبشي معرب وهو على حذف مضاف أي صفة نوره كنور مشكاة. {فِيهَا مِصْبَاحٌ} المصباح آلة يستصبح بها كالمفتاح آلة للفتح وقال أبو موسى: المشكاة الحديدة والرصاصة التي يكون فيها الفتيلة في جوف الزجاجة والزجاجة ظرف للمصباح لقوله: المصباح في زجاجة. {كَأَنَّهَا} أي كأن الزجاجة لصفاء جوهرها وذاتها وهي أبلغ في الإِنارة أو لما احتوت عليه من نور المصباح كأنها: {كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} قرىء: دري بضم الدال وتشديد الياء نسبة إلى الدر لصفائه وقرىء: درىء بهمزة على وزن مريق وقرىء: درىء بكسر الدال والهمز وهما مشتقان من درأ أي دفع كأنهما يدفعان الظلمة، وقرىء: يوفد أي المصباح وتوقد بالتاء أي الزجاجة ونسب الاتقاد إليها لتوقد المصباح. {مِن شَجَرَةٍ} أي من زيت شجرة. {مُّبَارَكَةٍ} قيل بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم * والزيتون من أعظم الشجر ثمراً ونماءً. {زَيْتُونَةٍ} بدل من شجرة وأجاز الكوفيون والفارسي أن يكون عطف بيان ولا يجيز البصريون ذلك لأنهم شرطوا في عطف البيان أن يكون معرفة لمعرفة. {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} هي من شجر الشام فليست من شرق الأرض ولا من غربها لأن شجر الشام من أفضل الشجر. {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ} مبالغة في صفاء الزيت وأنه لإِشراقه وجودته يكاد يضيء من غير نار والجملة من قوله: {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} حالية معطوفة على حال محذوفة أي يكاد زيتها يضيء في كل حال ولو في هذه الحال التي تقتضي أنه لا يضيء لانتفاء مس النار له. {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} أي متضاعف تعاون عليه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت فلم يبق مما يقوي النور ويزيده إشراقاً شىء لأن المصباح إذا كان في مكان ضيق كان أجمع لنوره بخلاف المكان الواسع فإِنه ينشر النور والقنديل أعون شىء على زيادة النور وكذلك الزيت وصفاءه وهنا تم المثال وما أحسن ما جاء في التركيب في قوله تعالى: {ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} حيث ذكر الإِصباح مرتين نكرة ومعرفة وكذلك قوله: الزجاجة ذكرها نكرة ومعرفة فدل ذلك على تفخيم هذا التركيب وحسنه ولو كان في غير القرآن لاكتفى بقوله: كمصباح في مشكاة في زجاجة، وهذا التشبيه كله إنما جاء باعتبار ما يتخيله الناس من انتشار هذا النور وإلا فالنور المنسوب إلى الله أعظم من كل نور يتخيل ولقد أحسن أبو تمام في قوله: وقد مدح ملكاً فشبهه بعمر وفي إقدامه وحاتم في كرمه وأحنف في حلمه وإياس في ذكائه، فقال: شعر : اقدام عمر وفي سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس تفسير : فقيل له: شبهت ذلك الملك باجلاف من العرب فقال مرتجلاً: شعر : لا تنكروا ضربي له من دونه مثلاً شردوا في الندى والياس فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس تفسير : والنبراس المصباح ثم قال: {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ} أي يهدي من يشاء هدايته ويصطفيه لها ثم ذكر تعالى أنه يضرب الأمثال ليقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإِيمان. {فِي بُيُوتٍ} الظاهر أن يتعلق في بيوت بقوله: يسبح وان ارتباط هذه بما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر أنه يهدي لنوره من يشاء ذكر حال من حصلت له الهداية لذلك النور وهم المؤمنون ثم ذكر أشرف عباداتهم القلبية وهو تنزيههم الله تعالى عن النقائص وإظهار ذلك بالتلفظ به في مساجد الجماعات ثم ذكر سائر أوصافهم من التزام ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وخوفهم ما يكون في البعث ولذلك جاء مقابل المؤمنين وهم الكفار في قوله: والذين كفروا وكأنه لما ذكرت الهداية للنور جاء التقسيم لقابل الهداية وعدم قابلها فبدىء بالمؤمن وما تأثر به من أنواع الهدى ثم ذكر الكافرين وقرىء: يسبح بكسر الباء ورجال فاعل، وقرىء: بفتح الباء ورجال فاعل بفعل محذوف ولما قال: يسبح له، قيل: من يسبحه فقيل: رجال وحذف لدلالة يسبح عليه وفيها بدل من قوله: في بيوت ثم ذكر تعالى وصف المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمر الله تعالى وطلبهم رضاه لا يشتغلون عن ذكر الله * واحتمل قوله لا تلهيهم وجهين أحدهما أنهم لا تجارة لهم تلهيهم عن ذكر الله كقوله: على لا حب لا يهتدي بمناره أي لا منار له فيهتدي به والثاني أنهم ذوو تجارة وبيع ولكن لا يشغلهم ذلك عن ذكر الله وعما فرض عليهم * واللام في ليجزيهم متعلقة بمحذوف تقديره فعلوا ذلك ليجزيهم * أحسن هو على حذف مضاف أي ثواب أحسن ما عملوا وما في ما عملوا يحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف تقديره عملوه واحتمل أن تكون مصدرية أي أحسن عملهم. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} الآية لما ذكر تعالى حال المؤمنين ذكر حال الكافرين فمثل لهم ولأعمالهم مثلين أحدهما بطلان أعمالهم في الآخرة وأنهم لا ينتفعون بها والثاني يقتضي حالها في الدنيا من ارتباكها في الضلال والظلمة شبه أعمالهم أولاً في اضمحلالها وفقدان ثمرتها بسراب في مكان منخفض ظنه العطشان ماء فقصده وأتعب نفسه في الوصول إليه. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ} أي جاء موضعه الذي تخيله فيه. {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} أي فقده لأنه مع الدنو لا يرى شيئاً كذلك الكافر يظن أن عمله في الدنيا نافعه حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم ينفعه عمله بل صار وبالاً عليه * والقيعة المكان المنخفض من الأرض وجمعها قيعان * والظمآن العطشان * والسراب الضباب المنعقد كأنه سحاب وهو لا حقيقة له والظاهر أنه تعالى شبه أعمالهم في عدم انتفاعهم بها بسراب صفة كذا وأن الضمائر فيما بعد الظمآن له والمعنى في: {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ} أي ووجد مقدور الله عليه في هلاكه بالظمأ عنده أي عند موضع السراب. {فَوَفَّاهُ} ما كتب له من ذلك وهو المحسوب له والله تعالى معجل حسابه لا يؤخره عنه فيكون الكلام متناسقاً آخذاً بعضه بعنق بعض وذلك باتصال الضمائر لشىء واحد ويكون هذا التشبيه مطابقاً لأعمالهم من حيث أنهم اعتقدوها نافعة فلم ينفعه وحصل لهم الهلاك باثر ما حوسبوا. {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} هذا التشبيه الثاني لأعمالهم والأول فيما تؤول إليه أعمالهم في الآخرة وهذا الثاني فيما هم عليه في حال الدنيا وبدأ بالتشبيه الأول لأنه آكد في الاخبار لما فيه من ذكر ما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم والعذاب السرمد أتبعه بهذا التمثيل الذي نبههم على ما هي أعمالهم. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى الإِيمان ويتفكرون في نور الله تعالى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وقرىء: {سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ} على الإِضافة وسحاب منوناً ظلمات مجرور بدلاً من ظلمات المتقدمة ويكون بعضها فوق بعض مبتدأ وخبر في موضع الصفة بظلمات وقرىء: سحاب منوناً ظلمات منوناً بدل من قوله سحاب * والضمير في يده عائد على محذوف يدل عليه المعنى تقديره إذا أخرج من استقر في الظلمات يده لم يكد يراها أي: لم يقارب رؤيتها لتكاثف الظلمة وإذا انتفت المقاربة انتفت الرؤية. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ} الآية لما ذكر تعالى المؤمن والكافر وان الإِيمان والضلال أمرهما راجع إليه أعقب بذكر الدلائل على قدرته وتوحيده والظاهر حمل التسبيح على حقيقته وتخصيص من في قوله: ومن في الأرض بالمطيع لله من الثقيلين وقيل من عام لكل موجود وغلب من يعقل على ما لا يعقل فادرج ما لا يعقل فيه ولما ذكر انقياد من في السماوات والأرض والطير إليه وذكر ملكه لهذا العالم وصيرورتهم إليه أكد ذلك بشىء عجيب من أفعاله مشعراً بانتقال من حال إلى حال وكان عقب قوله: وإليه المصير، فاعلم بانتقال إلى معاد فعطف عليه ما يدل على تصرفه في نقل الأشياء من حال إلى حال * ومعنى يزجي يسوق قليلاً قليلاً ويستعمل في سوق الثقيل برفق كالسحاب والإِبل والسحاب اسم جنس واحده سحابة والمعنى يسوق سحابة إلى سحابة * ثم يؤلف بينه أي بين أجزائه لأنه سحابة تلحق بسحابة فيجعل ذلك ملتئماً بتأليف بعضه إلى بعض * فيجعله ركاماً أي متكاثفاً يجعل بعضه على بعض.
الجيلاني
تفسير : {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ} أي: في البيوت {أَحَداً} تستأذنون منه {فَلاَ تَدْخُلُوهَا} لئلا تُتهموا بأنواع التهمة بل اصبروا {حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ} أي: لا تدخلوا حتى تجدوا من يأذن لكم {وَ} بعدما وجدتم {إِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ} فالوقت لا يسع بالدخول {فَٱرْجِعُواْ} على الفور بلا تفحصٍ، وتفتيشٍ عن أسبابه على وجه الإلحاح والاقتراح حخغ يفعله جهلة الناس. {هُوَ} أي: الرجوع بلا تفتيش {أَزْكَىٰ لَكُمْ} وأظهر لنفوسكم من الإلحاح {وَٱللَّهُ} المدبر لمصالحكم {بِمَا تَعْمَلُونَ} وتأملون في نفوسكم {عَلِيمٌ} [النور: 28] يجازيكم على مقتضى علمه وخبرته. {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي: ضيق ومنع {أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} مع أن {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} تستأجرونها أو تستعيرونها للادخار والاستخزان، {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المطلع لضمائر عباده {يَعْلَمُ} منكم {مَا تُبْدُونَ} وتظهرون {وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور: 29] وتخفون، يجازيكم على مقتضى علمه. ثم أمر سبحانه لحيبيه بتذكير عباده، وتهذيب أخلاقهم سيما في حفظ المحارم والحدود فقال: {قُلْ} يا أكمل الرسل {لِّلْمُؤْمِنِينَ} المصدقين بحدود الله، الممتثلين بأوامره {يَغُضُّواْ} وينقصوا {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} مطلقاً دائماً حتى لا يقع نظرهم بغتةً إلى المحرمات، بل لهم أن يديموا النظر إلى الطريق الذي مشوا عليها، حتى يَسلَموا من شرور أمارتهم وصَولة جنود الشهوات عليهم. {وَ} قل لهم أيضاً: {يَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} عن أمارات الزنا، وعلامات السفاح ومقدماته، ويتقوا عن مواضع التهم ومظانِّ الرمي والقذف مطلقاً {ذٰلِكَ} الغضُّ والحفظُ {أَزْكَىٰ لَهُمْ} وأطهرُ لنفوسهم {إِنَّ ٱللَّهَ} الرقيبَ على جميع حالاتهم {خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30] من التفكر والترامز، وإجالة النظر، وتحريك سائر الأعضاء نحو ما يشتهون من المحرمات.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً} [النور: 28] يشير إلى فناء أصحاب البيت وهو وجود الإنسانية {فَلاَ تَدْخُلُوهَا} بتصرف الطبيعة الموجبة للوجود {حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ} [النور: 28] بأمر من الله بالتصرف فيها للاستقامة كما أمر {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ} [النور: 28] إلى ريكم {فَٱرْجِعُواْ} [النور: 28] ولا تتصرفوا فيها تصرف المقيمين بها {هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ} لئلا تقعوا في فتنة من الفتن الإنسانية وتكونوا مع الله {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الرجوع إلى الله، وترك تعلق البيوت الجسمانية {عَلِيمٌ} أنه خير لكم. وبقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} [النور: 29] يشير إلى جواز تصرف السالك الواصل في بيت الجسد الذي غير مسكون فيه صاحبه وهو الإنسانية لفنائها عن وجودها بإفناء الحق تعالى: {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} [النور: 29] من الآلات والأدوات التي تحتاجون إليها عند السير في عالم الله ولتحصيلها بعث الأرواح أو أسفل سافلين والأجساد: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} [النور: 29] من تصرفاتكم بالآلات الإنسانية {وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور: 29] نياتكم أنها الطلب مرضاة الله أو لهوى نفوسكم. ثم أخبر عن أسرار غض الأبصار قال تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] يُشير إلى غض أبصار الظواهر عن المحرمات، وأبصار النفوس عن شهوات الدنيا ومألوفات الطبع ومستحسنات الهوى، وأبصار القلوب عن رؤية الأعمال ونعيم الآخرة، وأبصار الأسرار عن الدرجات والقربات، وأبصار الأرواح عن الالتفات بما سوى الله، وأبصار الهمم عن العلل بألا يروا نفوسهم أهلاً للشهود من الحق سبحانه غيره عليه تعظيماً وإجلالاً {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} [النور: 30] فروح الظاهر عن المحرمات وفروج البواطن عن التصرفات في الكونين لعلة دنيوية أو أخروية {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ} [النور: 30] صيانة عن تلوث الحدوث ورعاية للحقوق عن شوب الحظوظ {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} يعملون للحقوق والحظوظ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):