٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: رُوي أن بعض الناس لما نزلت آية الاستئذان تعمّق في الأمر، فكان لا يأتي موضعاً خَرِبا ولا مسكونا إلا سلّم واستأذن؛ فنزلت هذه الآية، أباح الله تعالى فيها رفع الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد؛ لأن العلة في الاستئذان إنما هي لأجل خوف الكشفة على الحرمات؛ فإذا زالت العلة زال الحكم. الثانية: اختلف العلماء في المراد بهذه البيوت؛ فقال محمد بن الحنفيّة وقتادة ومجاهد: هي الفنادق التي في طرق السابلة. قال مجاهد: لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل، وفيها متاع لهم؛ أي استمتاع بمنفعتها. عن محمد بن الحنفية أيضاً أن المراد بها دور مكة؛ ويبيّنه قول مالك. وهذا على القول بأنها غير متملَّكة، وأن الناس شركاء فيها، وأن مكة أخذت عَنْوة. وقال ابن زيد والشَّعْبِيّ: هي حوانيت القَيْسَارِيّات. قال الشعبيّ: لأنهم جاؤوا ببيوعهم فجعلوها فيها، وقالوا للناس هَلُمّ. وقال عطاء: المراد بها الخِرَب التي يدخلها الناس للبول والغائط؛ ففي هذا أيضاً متاع. وقال جابر بن زيد: ليس يعني بالمتاع الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة؛ أما منزل ينزله قوم من ليل أو نهار، أو خَرِبة يدخلها لقضاء حاجة، أو دار ينظر إليها، فهذا متاع وكلُّ منافع الدنيا متاع. قال أبو جعفر النحاس: وهذا شرح حسن من قول إمام من أئمة المسلمين، وهو موافق للغة، والمتاع في كلام العرب: المنفعة؛ ومنه أمتع الله بك. ومنه {فمتّعُوهنّ}. قلت: واختاره أيضاً القاضي أبو بكر بن العربيّ وقال: أما من فسّر المتاع بأنه جميع الانتفاع فقد طبّق المفصل وجاء بالفَيْصل، وبيّن أن الداخل فيها إنما هو لما لَه من الانتفاع؛ فالطالب يدخل في الخانكات وهي المدارس لطلب العلم، والساكن يدخل الخانات وهي الفناتق، أي الفنادق، والزَّبون يدخل الدكان للابتياع، والحاقن يدخل الخلاء للحاجة؛ وكلٌّ يؤتى على وجهه من بابه. وأما قول ابن زيد والشَّعبيّ فقول! وذلك أن بيوت القَيْسَارِيّات محظورة بأموال الناس، غير مباحة لكل من أراد دخولها بإجماع، ولا يدخلها إلا من أذن له ربها، بل أربابها موكَّلون بدفع الناس.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ } أي منفعة {لَكُمْ } باستكنان وغيره كبيوت الربط والخانات والمُسَبَّلَة {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } تُظهرون {وَمَا تَكْتُمُونَ } تخفون في دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره، وسيأتي أنهم إذا دخلوا بيوتهم يسلمون على أنفسهم.
ابن عطية
تفسير : روي أن بعض الناس لما نزلت آية الاستئذان تعمق في الأمر فكان لا يأتي موضعاً خرباً ولا مسكوناً إلا سلم واستأذن فنزلت هذه الآية أباح الله فيها رفع الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد، لأن العلة إنما هي في الاستئذان خوف الكشفة على الحرامات فإذا زالت العلة زال الحكم، ومثل أهل التأويل من هذه البيوت أمثلة فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد هي الفنادق التي في طرق المسافرين، قال مجاهد لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل و {فيها متاع} لهم أي استمتاع بمنفعتها، ومثل عطاء في بيوت غير مسكونة بالخرب التي يدخلها الإنسان للبول والغائط ففي هذا أيضاً متاع، وقال ابن زيد والشعبي هي حوانيت القيساريات والسوق، وقال الشعبي لأنهم جاؤوا ببيوعهم فجعلوها فيها وقالوا للناس هلم، ع وهذا قول غلط قائله لفظ المتاع، وذلك أن بيوت القيسارية محظورة بأموال الناس غير مباحة لكل من أراد دخولها بإجماع، ولا يدخلها إلا من أُذن له بها، بل أربابها موكلون بدفع الناس عنها، وقال محمد بن الحنفية أيضاً أراد تعالى دور مكة، وهذا على القول بأنها غير متملكة وأن الناس شركاء فيها وأن مكة أخذت عنوة، وهذا هو في هذه المسألة القول الضعيف، يرده قوله عليه السلام "حديث : وهل ترك لنا عقيل منزلاً" تفسير : وقوله "حديث : من دخل دار أبي سفيان" "حديث : ومن دخل داره" تفسير : وغير ذلك من وجوه النظر وباقي الآية بين ظاهره التوعد.
ابن عبد السلام
تفسير : {بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} الخانات المشتركة ذوات البيوت المسكونة، أو حوانيت التجار، أو منازل الأسفار ومناخات الرحال التي يرتفق بها المسافرون، أو الخرابات العاطلة، أو بيوت مكة {مَتَاعٌ لَّكُمْ} عروض الأموال ومتاع التجارة، أو الخلاء والبول؛ لأنه متاع لهم، أو المنافع كلها. فلا يلزم الاستئذان فيها.
النسفي
تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ } في أن تدخلوا {بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها ما ليس بمسكون منها كالخانات والربط وحوانيت التجار {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ } أي منفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرحال والسلع والشراء والبيع. وقيل: الخربات يتبرز فيها والمتاع التبرز {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } وعيد للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } «من» للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } عن الزنا ولم يدخل «من» هنا لأن الزنا لا رخصة فيه بوجه، ويجوز النظر إلى وجه الأجنبية وكفها وقدميها في رواية، وإلى رأس المحارم والصدر والساقين والعضدين {ذٰلِكَ } أي غض البصر وحفظ الفرج {أَزْكَىٰ لَهُمْ } أي أطهر من دنس الاثم {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } فيه ترغيب وترهيب يعني أنه خبير بأحوالهم وأفعالهم وكيف يجيلون أبصارهم يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون. {وَقُل لّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } أمرن بغض الأبصار فلا يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبتيه، وإن اشتهت غضت بصرها رأساً ولا تنظر إلى المرأة إلا إلى مثل ذلك وغض بصرها من الأجانب أصلاً أولى بها. وإنما قدم غض الأبصار على حفظ الفروج لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور فبذر الهوى طموح العين {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، والمعنى ولا يظهرن مواضع الزينة إذ إظهار عين الزينة وهي الحلي ونحوها مباح فالمراد بها مواضعها أو إظهارها وهي في مواضعها لإظهار مواضعها لا لإظهار أعيانها، ومواضعها الرأس والأذن والعنق والصدر والعضدان والذراع والساق فهي للإكليل والقرط والقلادة والوشاح والدملج والسوار والخلخال {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره وهو الوجه والكفان والقدمان، ففي سترها حرج بين فإن المرأة لا تجد بداً من مزاولة الأشياء بيديها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها وخاصة الفقيرات منهن {وَلْيَضْرِبْنَ } وليضعن من قولك «ضربت بيدي على الحائط» إذا وضعتها عليه {بِخُمُرِهِنَّ } جمع خمار {عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } بضم الجيم: مدني وبصري وعاصم. كانت جيوبهن واسعة تبدو منها صدورهن وما حواليها وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة فأمرن بأن يسدلنها من أقدامهن حتى تغطيها. {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } أي مواضع الزينة الباطنة كالصدر والساق والرأس ونحوها {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ } لأزواحهن جمع بعل {أو ءَابآئهن} ويدخل فيهم الأجداد {أو آباء بعولتهن} فقد صاروا محارم {أَوْ أَبْنَائِهِنَّ } ويدخل فيهم النوافل {أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ } فقد صاروا محارم أيضاً {أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوٰتِهِنَّ } ويدخل فيهم النوافل وسائر المحارم كالأعمام والأخوال وغيرهم دلالة {أَوْ نِسَائِهِنَّ } أي الحرائر لأن مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } أي إمائهن ولا يحل لبعدها أن ينظر إلى هذه المواضع منها خصياً كان أو عنيناً أو فحلاً. وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم سورة النور فإنها في الإماء دون الذكور. وعن عائشة رضي الله عنها أنها أباحت النظر إليها لعبدها {أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ } بالنصب: شامي ويزيد وأبو بكر على الاستثناء أو الحال، وغيرهم بالجر على البدل أو على الوصفية {أُوْلِى ٱلإِرْبَةِ } الحاجة إلى النساء. قيل: هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم إلى النساء لأنهم بله لا يعرفون شيئاً من أمرهن، أو شيوخ صلحاء، أو العنين أو الخصي والمخنث. وفي الأثر أنه المجبوب والأول الوجه {مِنَ ٱلرّجَالِ } حال {أَوِ ٱلطّفْلِ ٱلَّذِينَ } هو جنس فصلح أن يراد به الجمع {لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرٰتِ ٱلنّسَاء } أي لم يطلعوا لعدم الشهوة من ظهر على الشيء إذا اطلع عليه، أو لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء من ظهر على فلان إذا قوي عليه {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } كانت المرأة تضرب الأرض برجليها إذا مشت لتسمع قعقعة خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال فنهين عن ذلك إذ سماع صوت الزينة كإظهارها ومنه سمي صوت الحلي وسواساً {وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } {أَيُّهُ } شامي إتباعاً للضمة قبلها بعد حذف الألف لالتقاء الساكنين، وغيره على فتح الهاء لأن بعدها ألفاً في التقدير {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } العبد لا يخلو عن سهو وتقصير في أوامره ونواهيه وإن اجتهد. فلذا وصى المؤمنين جميعاً بالتوبة وبتأميل الفلاح إذا تابوا وقيل: أحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس له حاجة إلى التوبة، وظاهر الآية يدل على أن العصيان لا ينافي الإيمان.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ...} الآية: أباح سبحانه في هذه الآية رفعَ الاستئْذان في كُلِّ بيت لا يسكنه أحد؛ لأَنَّ العِلَّةَ في الاستئذان خوفُ الكشفة على المُحَرِّمَاتِ، فإذا زالت العِلَّةُ زال الحكم، وباقي الآية بَيِّنٌ ظاهر التوعد، وعن مالك رحمه اللّه: أَنه بلغه أَنَّهُ كان يُسْتَحَبُّ إذا دخل البيتَ غيرَ المسكون أَنْ يقول، الذي يدخله: السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللّهِ الصَّالِحِينَ، انتهى، أخرجه في «المُوَطَّإِ». وقوله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} أظهر ما في {مِنْ} أَنْ تكون للتبعيض، لأَنَّ أول نظرة لا يملكها الإنسانُ؛ وإنَّما يَغُضُّ فيما بعد ذلك، فقد وقع التبعيض بخلاف الفروج؛ إذ حفظُها عامٌّ لها، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذيرُ منه، وحفظُ الفرج هو عن الزنا وعن كشفه حيث لا يحل. قلت: النواظر صوارمُ مشهورة فاغمدها في غِمْدِ الغَضِّ والحياء مِنْ نظر المولى وإلاَّ جرحك بها عَدُوُّ الهوى، لا ترسلْ بريد النظر فيجلبَ لقلبك رَدِيءَ الفكر، غُضُّ البصرِ يُورِثُ القلب نوراً، وإطلاقُه يَقْدَحُ في القلب ناراً، انتهى من «الكلم الفارقية في الحكم الحقيقية». قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: قوله تعالى: {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ} يريد: أطهر وأنمى، يعني: إذا غَضَّ بصره كان أطهرَ له من الذنوب وأَنمى لعمله في الطاعة. قال ابن العربي: ومِنْ غَضَّ، البصر: كَفُّ التطلع إلى المُبَاحَاتِ من زينة الدنيا وجمالِها؛ كما قال اللّه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوٰجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [طه:131]. يريد ما عند اللّه تعالى، انتهى. وقوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ...} الآية: أمر اللّه تعالى النساء في هذه الآية بِغَضِّ البصر عن كل ما يُكْرَهُ ـــ من جهة الشرع ـــ النظرُ إليه، وفي حديث أُمِّ سلمةَ قالت: كُنْتُ أنا وعائشةُ عند النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : احْتَجِبْنَ، فَقُلْنَ: إنَّهُ أَعْمَىٰ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا»تفسير : و{من} الكلام فيها كالتي قبلها. قال ابن العربي في «أحكامه»: وكما لا يَحِلُّ للرجل أن ينظر إلى المرأة، لا يحل للمرأة أَنْ تنظر إلى الرجلِ، فإنَّ عَلاَقَتَهُ بها كعلاقتها به، وقصدَه منها كقصدها منه، ثم استدل بحديث أُمِّ سلمة المتقدم، انتهى. وحفظ الفرج يَعُمُّ الفواحش، وسترَ العورة، وما دون ذلك مِمَّا فيه حفظ، ثم أَمر تعالى بأَلاَّ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ ما يظهر من الزينة؛ قال ابن مسعود: ظاهر الزينة: هو الثياب. وقال ابن جبير وغيره: الوجه والكَفَّانِ والثيابُ. وقيل: غير هذا. قال: زينتها * ع *: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أَنَّ المرأة مأمورة بأَلاَّ تبديَ، وأَنْ تجتهدَ في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كُلِّ ما غلبها، فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بُدَّ منه أو إصلاح شأن، فما ظهر على هذا الوجه فهو المَعفُوُّ عنه، وذكر أبو عمر: الخلاف في تفسير الآية كما تقدم؛ قال ورُوِيَ عن أبي هريرة في قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: القُلْبُ والفتخة. قال جرير بن حازم: القُلْبُ: السِّوَارُ، والفتخة: الخاتم، انتهى من «التمهيد». وقوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}. قال ابن العربي: الجيب هو الطَّوْقُ، والخمار: هو المِقْنَعَة, انتهى. قال * ع *: سبب الآية أَنَّ النساء كُنَّ في ذلك الزمان إذا غَطَّيْنَ رؤوسهنَّ بالأخمرة سَدَلْنَهَا من وراء الظهر؛ فيبقى النَّحْرُ والعُنُقُ والأُذُنَانِ لا سِتْرَ على ذلك، فأمر اللّه تعالى بِلَيِّ الخمار على الجيوب، وهَيْئَةُ ذلك يستر جميعَ ما ذكرناه، وقالت عائشة - رضي اللّه عنها - رَحِمَ اللّهُ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ؛ لمَّا نزلت هذه الآية عَمَدْنَ إلى أكثف المروط فشققنها أخمرةً، وضربن بها على الجيوب. وقوله سبحانه: {أَو نِسائِهن} يعني جميع المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين، وكتب عمر إلى أبي عبيدةَ بن الجراح أَنْ يمنع نساءَ أهل الذِّمَّةِ أَنْ يدخلنَ الحَمَّامَ مع نساء المسلمين فامتثل. وقوله سبحانه: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ} يدخل فيه الإماءُ الكتابِيَّاتُ والعبيد. وقال ابن عباس وجماعة: لا يدخل العبد على سَيِّدته فيرى شعرها إلاَّ أن يكون وغْداً. وقوله تعالى: {أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ} يريد الأتباع لِيُطْعَمُوا، وهم فُسُولُ الرجال الذين لا إرْبَةَ لهم في الوَطْءِ، ويدخل في هذه الصنيفة: المَجْبُوبُ، والشيخ الفاني، وبعضُ المَعْتُوهِينَ، والذي لا إرْبَةَ له من الرجال قليلٌ، والإربة: الحاجة إلى الوطء، والطفل اسم جنس، ويقال: طفل ما لم يُراهِقِ الحُلُمِ، و {يَظْهَرُواْ} معناه: يَطَّلِعُوا بالوطء. وقوله تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ...} الآية، قيل: سببها أَنَّ امرأة مَرَّتْ على قوم فضربت برجلها الأرض فَصَوَّتَ الخَلْخَالُ، وسماعُ صوت هذه الزينة أَشَدُّ تحريكاً للشهوة من إبدائها؛ ذكره الزَّجَّاجُ، ثم أمر سبحانه بالتوبة مُطْلَقَةً عَامَّةٍ من كل شيء صغير وكبير.
البقاعي
تفسير : ولما كان من الأماكن التي قد لا يوجد بها أحد ما يباح الدخول إليه لخلوه أو عدم اختصاص النازل به كالخانات والربط، أتبع ما تقدم التعريف بأنه لم يدخل في النهي فقال مستأنفاً: {ليس عليكم جناح} أي ميل بلوم أصلاً {أن تدخلوا بيوتاً} كالخانات والربط {غير مسكونة} ثم وصفها بقوله: {فيها متاع} أي استمتاع بنوع انتفاع كالاستظلال ونحوه {لكم} ويدخل فيه المعد للضيف إذا أذن فيه صاحبه في أول الأمر ووضع الضيف متاعه فيه، لأن الاستئذان لئلا يهجم على ما يراد الاطلاع عليه ويراد طيه عن علم الغير، فإذا لم يخف ذلك فلا معنى للاستئذان. ولما كان التقدير: فالله لا يمنعكم مما ينفعكم، ولا يضر غيركم، عطف عليه قوله: {والله} أي الملك الأعظم {يعلم} في كل وقت {ما تبدون} وأكد بإعادة الموصول فقال: {وما تكتمون*} تحذيراً من أن تزاحموا أحداً في مباح بما يؤذيه ويضيق عليه، معتلين بأصل الإباحة، أو يؤذن لكم في منزل فتبطنوا فيه الخيانة فإنه وإن وقع الاحتراز من الخونة بالحجاب فلا بد من الخلطة لما بني عليه الإنسان من الحاجة إلى العشرة، ولذلك اتصل به على طريق الاستئناف قوله تعالى؛ مقبلاً على أعلى خلقه فهماً وأشدهم لنفسه ضبطاً دون بقيتهم، إشارة إلى صعوبة الأمر وخطر المقام، مخوفاً لهم بالإعراض عنهم، بالتردي برداء الكبر، والاحتجاب في مقام القهر: {قل للمؤمنين} فعبر بالوصف إشارة إلى عدم القدرة على الاحتراز من المخالط بعد الخلطة، وأنه لا يعف فيها إلا من رسخ الإيمان في قلبه لخفاء الخيانة حينئذ بخلاف ما سبق في المنع من الدخول حيث كان التعبير بـ "الذين آمنوا" {يغضوا} أي يخفضوا ولا يرفعوا، بل يكفوا عما نهوا عنه. ولما كان الأمر في غاية العسر، قال: {من أبصارهم} بإثبات من التبعيضية إشارة إلى العفو عن النظرة الأولى، وأن المأخوذ به إنما هو التمادي، ولما كان البصر يريد الزنى قدمه. ولما كان حفظ الفرج لخطر المواقعة أسهل من حفظ البصر، ولأنه لا يفعل به من غير اختبار، حذف "من" لقصد العموم فقال: {ويحفظوا فروجهم} أي عن كل حرام من كشف وغيره ولم يستثن الزوجة وملك اليمين استغناء عنه بما سبق في المؤمنون، ولأن المقام للتهويل في أمر للحفظ والتشديد، ورغب في ذلك بتعليله بقوله: {ذلك} أي الأمر العالي العظيم من كل من الغض والحفظ الذي أمرتهم به {أزكى لهم} أي أقرب إلى أن ينموا ويكثروا ويطهروا حساً ومعنى، ويبارك لهم، أما الحسي فهو أن الزنى مجلبة للموت بالطاعون، ويورث الفقر وغيرهما من البلايا "حديث : ما من قوم ظهر فيهم الزنى إلا أخذوا بالسنة"تفسير : رواه أحمد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، ورواه عنه أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم في كتاب الفتوح ولفظه حديث : ما من قوم يظهر فيهم الزنى إلا أخذوا بالفنا وما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب الزنى يورث الفقرتفسير : رواه البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما وإذا ظهر الزنى ظهر الفقر والمسكنة وراه ابن ماجة والبزار وهذا لفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما - والبيهقي ولفظه: "حديث : الزنى يورث الفقر" تفسير : وفي رواية له "حديث : ما ظهرت الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم"تفسير : ورواه عنه ابن إسحاق في السيرة في سرية عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى دومة الجندل ولفظه: "حديث : إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقضوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجورالسلطان، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، فلولا البهائم ما مطروا، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم، فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم"تفسير : وفي الترغيب للمنذري عن ابن ماجة والبزار والبيهقي عنه رضي الله عنه نحو هذا اللفظ، وفي آخر السيرة عن أبي بكر رضي الله عنه في خطبته عندما ولي الخلافة: لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء. وفي الموطأ عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال "ما ظهر الغلول فب قوم قط إلا ألقى في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم قط إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم قط المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو" وروى الطبراني في الأوسط عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : إذا كثرت الفاحشة كثر الفساد، وجار السلطان" تفسير : وفيه: حديث : أمثلهم في ذلك الزمان المداهن. إذا ظهر الربا والزنى في قرية آذن الله في هلاكها تفسير : رواه الطبراني عن ابن عبايس رضي الله عنهما، وأما المعنوي فروى الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: "حديث : ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتهاتفسير : قال ابن كثير: وروي هذا مرفوعاً عن ابن عمر وحذيفة وعائشة رضي الله عنهم ولكن في أسانيدها ضعف. وساق له شاهداً من الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ: "حديث : إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه" تفسير : فعلم من ذلك أن من تخلق بما أمره الله هنا كان قلبه موضعاً للحكمة، وفعله أهلاً للنجح، وذكره مقروناً بالقبول. ولما كان الزكاء يتضمن التكثير والتطهير، وكان الكلام هنا في غض البصر، وكان ظاهراً جداً في الطهارة، لم يدع داع إلى التأكيد بالتصريح بالطهارة، وأما آية البقرة فلما كانت في العضل، وكان لا يكون إلا عن ضغائن وإحن فكان الولي رما ظن أن منعها عمن عضلها عنه أطهر له ولها. أكد العبارة بفعل الزكاء بالتصريح بما أفهمه من الطهارة. ولما كان المقام صعباً لميل النفوس إلى الدنايا واتباعها للشهوات، علل هذا الأمر مرغباً ومرهباً بقوله: {إن الله} أي الذي لا يخفى عليه شيء لما له من الإحاطة الكاملة {خبير} ولما كان وازع الحياء مع ذلك مانعاً عظيماً فلا يخالف إلا بمعالجة وتدرب، عبر بالصنعة فقال: {بما يصنعون*} أي وإن تناهوا في إخفائه، ودققوا في تدبير المكر فيه. ولما بدأ بالقومة من الرجال، ثنى بالنساء فقال: {وقل للمؤمنات} فرغب أيضاً بذكر هذا الوصف الشريف {يغضضن} ولما كان المراد الغض عن بعض المبصرات وهم المحارم قال: {من أبصارهن} فلا يتبعنها النظر إلى منهي عنه رجل أو غيره، وأجابوا عن حديث عائشة رضي الله عنها في النظر إلى لعب الحبشة في المسجد باحتمال أنها كانت دون البلوغ لأنها قالت: فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو. {ويحفظن فروجهن} عما لا يحل لهن من كشف وغيره. ولما كان النساء حبائل الشيطان، أمرن بزيادة الستر بقوله: ناهياً عن الزينة ليكون النهي عن مواقعها من الجسد أشد وأولى {ولا يبدين زينتهن} أي كالحلي والفاخر من الثياب فكيف بما وراءها {إلا ما ظهر منها} أي كان بحيث يظهر فيشق التحرز في إخفائه فبدا من غير قصد كالسوار والخاتم والكحل فإنها لا بد لها من مزاولة حاجتها بيدها ومن كشف وجهها في الشهادة ونحوها. ولما كان أكثر الزينة في ألأعناق والأيدي والأرجل، وكان دوام ستر الأعناق أيسر وأمكن، خصها فقال: {وليضربن} من الضرب، وهو وضع الشيء بسرعة وتحامل، يقال: ضرب في عمله: أخذ فيه، وضرب بيده إلى كذا: أهوى، وعلى يده: أمسك، وضرب الليل بأوراقه: أقبل، والضارب: الليل الذي ذهبت ظلمته يميناً وشمالاً وملأت الدنيا، والضارب: الطويل من كل شيء والمتحرك. ولما كان المقصود من هذا الضرب بعض الخمار، وهو ما لا صق الجيب منه، عداه بالباء فقال: {بخمرهن} جمع خمار، وهو منديل يوضع على الرأس، وقال أبو حيان: وهو المقنعة التي تلقي المرأة على رأسها. {على جيوبهن} جمع جيب، وهو خرق الثوب الذي يحيط بالعنق، فالمعنى حينئذ يهوين بها إلى ما تحت العنق ويسبلنها من جميع الجوانب ويطولنها ستراً للشعر والصدر وغيرهما مما هنالك، وكأنه اختير لفظ الضرب إشارة إلى قوة القصد للستر وإشارة إلى العفو عما قد يبدو عند تحرك الخمار عند مزاولة شيء من العقل؛ قال أبو حيان: وكان النساء يغطين رؤوسهن بالأخمرة ويسدلنها من وراء الظهور فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليهن. وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزلت {وليضربن بخمرهن} شققن مروطهن - وفي رواية: أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي - فاختمرن بها، يعني تسترن ما قدام، والإزار هنا الملاء. ولما كان ذكر الجيب ربما أوهم خصوصاً في الزينة، عم بقوله: {ولا يبدين} أو كرره لبيان من يحل الإبداء له ومن لا يحل، وللتأكيد {زينتهن} أي الخفية في أي موضع كانت من عنق أو غيره، وهي ما عدا الوجه والكفين، وظهور القدمين، بوضع الجلباب، وهو الثوب الذي يغطي الثياب والخمار قاله ابن عباس رضي الله عنهما. {إلا لبعولتهن} أي أزواجهن، فإن الزينة لهم جعلت. قال أبو حيان: ثم ثنى بالمحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة، ولكن تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر فالأب والأخ ليس كابن الزوج - انتهى. فقال تعالى: {أو آبائهن} أي فإن لهم عليهن من الشفقة ما يمنع النظر بالشهوة ومثلهم في هذا المعنى سواء الأعمام والأخوال وكل منهما والد مجازاً بدليل {وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل} {أو آباء بعولتهن} فإن رحمتهم لأولادهم مانعة {أو أبنائهن} فإن لهن عليهن من الهيبة ما يبعد عن ذلك {أو أبناء بعولتهن} فإن هيبة آبائهم حائلة {أو إخوانهن} فإن لهم من الرغبة في صيانتهن عن العار ما يحفظ من الريبة {أو بني} عدل به عن جمع التكسير لئلا يتوالى أربع مضمرات من غير فاصل حصين فتنقص عذوبته {إخوانهن أو بني أخواتهن} فإنهم كأبنائهن {أو نسائهن} أي المسلمات، وأما غير المسلمات فحكمهن حكم الرجال؛ روى سعيد بن منصور في سننه عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى عبيدة رضي الله عنه ينهى عن دخول الذميات الحمام مع المسلمات، وقال: فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها، وفي مسند عبد بن حميد نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما. {أَو مَا ما ملكت أيمانهن} أي من الذكور والإناث وإن كن غير مسلمات لما لهن عليهن من الهيبة، وحمل ابن المسيب الآية على الإماء فقط؛ قال أبو حيان: قال الزمخشري: وهذا هو الصحيح، لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها خصيّاً كان أو فحلاً، وعن ميسون بنة بحدل الكلابية أن معاوية رضي الله عنه دخل عليها ومعه خصي فتقنعت منه فقال: هو خصي، فقالت: يا معاوية! أترى المثلة به تحلل ما حرم الله - انتهى. وقصة مابور ترد هذا، وقوله: الكلابية، قال شيخنا في تخريج الكشاف: صوابه: الكلبية بإسكان اللام. {أو التابعين} أي للخدمة أو غيرها {غير أولي الإربة} أي الحاجة إلى الاستمتاع بالنساء {من الرجال} كالشيوخ الفانين ومن بهم علة منعت شهوتهم، وكذا من كان ممسوحاً لقصة مابور {أو} من {الطفل} أي جنسه، والطفل الصغير ما لم يبلغ الحلم أو خمس عشرة سنة، وهو في الأصل: الرخص الناعم من كل شيء، وكأنه سمي بذلك لأنه يخرج ملتبساً بالتراب الذي تأكله الحامل، قال في القاموس: وطفل النبت كفرح وطفل بالضم تطفيلاً: أصابه التراب، والطفال، كغراب وسحاب: الطين اليابس. قال القزاز: ويسميه أهل نجد الكلام والعامة تقول لجنس منه: طفل، {الذين لم يظهروا} أي لم يعلوا بالنظر المقصود للاطلاع {على عورات النساء} لعم بلوغ سن الشهوة لذلك. ولما نهى عن الإظهار، نبه على أمر خفي منه فقال: {ولا يضربن بأرجلهن} أي والخلاخيل وغيرها من الزينة فيها. ولما كان ذلك لمطلق الإعلام، بناه للمفعول فقال: {ليعلم ما يخفين} أي بالساتر الذي أمرن به {من زينتهن} بالصوت الناشىء من الحركة عند الضرب المذكور، وفي معنى ذلك التطيب، والنهي عن ذلك يفهم النهي عن موضعه من الجسد من باب الأولى. ولما أنهى سبحانه ما أمره صلى الله عليه وسلم بالتقدم فيه إلى الرجال والنساء، وكان من المعلوم أن العبد الحقير المجبول على الضعف الموجب للتقصير لن يقدر على أن يقدر المولى العلي الكبير حق قدره وإن أبلغ في الاجتهاد وزاد في التشمير، أتبعه التلطف بالإقبال عليهم في الأمر بإقبالهم إليه إشارة إلى أن الأمر في غاية الصعوبة، وأن الإنسان لكونه محل الزلل والتقصير - وإن اجتهد - لا يسعه إلا إحسان الرحيم الرحمن، فقال: {وتوبوا إلى الله} أي ارجعوا إلى طاعة الملك الأعلى مهما حصل منكم زيغ كما كنتم تفعلونه في الجاهلية {جميعاً} رجالكم ونسائكم {أيُّه المؤمنون} والتعبير بالوصف إشارة إلى علو مقام التوبة بأنه لا يقدر على ملازمتها إلا راسخ القدم في الإيمان، عارف بأنه وإن بالغ في الاجتهاد واقع في النقصان، وهذا الأمر للوجوب، وإذا كان للراسخين في الإيمان فمن دونه من باب الأولى {لعلكم تفلحون*} أي لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطلوب الذي مضى أول سورة المؤمنون تعليقه بتلك الأوصاف التي منها رعاية الأمانة ولا سيما في الفروج؛ قال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء: إن الإنسان من حيث جبل على النقص لا يخلو عما يوجب عليه التوبة، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب، فإن خلا عنه فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله، فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، وله أسباب، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع عن طريق إلى ضده، والمراد بالتوبة الرجوع، ولا يتصور الخلو في حق الآدمي عن هذا النقص، وإنما يتفاوتون في المقادير.
ابو السعود
تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ} أي بغير استئذانٍ {بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} أي غيرَ موضوعةٍ لسكنى طائفةٍ مخصوصةٍ فقط بل ليتمتَّعَ بها من يُضطر إليها كائناً من كان من غير أنْ يتخذَها سكناً كالرُّبطِ والخَاناتِ والحوانيتِ والحمَّاماتِ ونحوِها فإنَّها معدَّةٌ لمصالح النَّاس كافَّة كما يُنبىء عنه قولُه تعالى: {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} فإنَّه صفةٌ للبـيوتِ أو استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليلِ لعدم الجُناح أي فيها حقُّ تمتعٍ لكم كالاستكنان من الحرِّ والبردِ وإيواءِ الأمتعةِ والرِّحالِ والشِّراءِ والبـيعِ والاغتسالِ وغيرِ ذلك ممَّا يليقُ بحال البُـيوت وداخليها فلا بأسَ بدخولها بغير استئذانٍ من داخليها من قبل ولا ممَّن يتولَّى أمرَها ويقومُ بتدبـيرها من قوام الرِّباطاتِ والخاناتِ وأصحابِ الحوانيتِ ومتصرِّفي الحمَّاماتِ ونحوِهم. ويُروى أنَّ أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسولَ الله، إنَّ الله تعالى قد أنزل عليك آيةً في الاستئذان وإنَّا نختلفُ في تجاراتِنا فننزل هذه الخاناتِ أفلا ندخلها إلاَّ بإذنٍ؟ فنزلتْ. وقيل: هي الخَرِباتُ يُتبرَّزُ فيها والمتاع التَّبرزُ. والظَّاهر أنَّها من جُملة ما ينتظمه البـيوتُ لا أنها المرادةُ فقط. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} وعيدٌ لمن يدخلُ مدخلاً من هذه المداخل لفسادٍ أو اطِّلاعٍ على عوراتٍ. {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ} شروعٌ في بـيان أحكام كليَّة شاملة للمؤمنين كافَّة يندرج فيها حكمُ المستأذنين عند دخولِهم البـيوت اندراجاً أوليًّا. وتلوينُ الخطاب وتوجيهه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتفويضُ ما في حيِّزِه من الأوامر والنَّواهي إلى رأيِه عليه الصَّلاة والسَّلام لأنَّها تكاليفُ متعلِّقةٌ بأمورٍ جُزئيةٍ كثيرةِ الوقوعِ حقيقةٌ بأنْ يكون الآمرُ بها والمتصدِّي لتدبـيرها حافظاً ومُهيمناً عليهم. ومفعولُ الأمر أمرٌ آخرُ قد حُذف تعويلاً على دلالة جوابه عليه أي قُل لهم غُضُّواً {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ} عمَّا يحرُم ويقتصروا به على ما يحلُّ {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} إلا على أزواجِهم أو ما ملكتْ أيمانُهم. وتقيـيدُ الغضِّ بمن التبعيضيَّةِ دونَ الحفظ لما في أمر النَّظر من السَّعةِ. وقيل: المرادُ بالحفظِ هٰهنا خاصَّة هو السِّترُ. {ذٰلِكَ} أي ما ذُكر من الغضِّ والحفظ {أَزْكَىٰ لَهُمْ} أي أطهرُ لهم من دنس الرِّيبة {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} لا يخفى عليه شيءٌ ممَّا يصدرُ عنهم من الأفاعيلِ التي من جُملتِها إحالةُ النَّظرِ واستعمالُ سائرِ الحواس وتحريك الجوارحِ وما يقصدون بذلك فليكونوا على حذرٍ منه في كلِّ ما يأتُون وما يذرُون.
القشيري
تفسير : رَفَعَ اللَّهُ الجُناحَ والحَرَجَ في الانتفاعِ بما لا يُسْتَضَرُّ به صاحبُه بغير إذْنِهِ كدخولِ أرضٍ للداخلِ فيها أغراضٌ لقضاءِ حاجته - ولا يجد طريقاً غير ذلك - إذا لم يكن في دخوله ضَرَرٌ على صاحبها، وجرى هذا مجرى الاستظلال بظِلَّ حائطٍ إذا لم يكن قاعداً في مِلْكِه، وكالنظر في المرآة المنصوبة في جدار غيره.. وكل هذا إنما يُستباح بالشرع دون قضية العقل - على ما توهمَّه قومٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ليس عليكم جناح}، قال فى المفردات جنحت السفينة اى مالت الى احد جانبيها سمى الاثم المائل بالانسان عن الحق جناحا ثم سمى كل اثم جناحا {ان تدخلوا} اى بغير استئذان {بيوتا غير مسكونة} اى غير موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة فقط بل لينتفع بها من يضطر اليها كائنا من كان من غير ان يتخذها سكنا كالرابط والخانات والحوانيت والحمامات ونحوها فانها معدة لمصالح الناس كافة كما ينبى عنه قوله تعالى {فيها متاع لكم} فانه صفة للبيوت اى حق تمتع لكم وانتفاع كالاستكنان من الحر والبرد وايواء الامتعة والرحال والشراء والبيع والاغتسال وغير ذلك مما يليق بحال البيوت وداخلها فلا بأس بدخولها بغير استئذان من قوام الرباطات والخانات واصحاب الحوانيت ومتصرفى الحمامات ونحوهم {والله يعلم ما تبدون} تظهرون {وما تكتمون} تستترون وعيد لمن يدخل مدخلا من هذه المداخل لفساد او اطلاع على عورات، قال فى نصاب الاحتساب رجل له شجرة فرصاد قد باع اغصانها فاذا ارتقاها المشترى يطلع على عورات الجار قل يرفع الجار الى القاضى حتى يمنعه من ذلك، قال الصدر الشهيد فى واقعات المختار ان المشترى يخبرهم وقت الارتقاء مرة او مرتين حتى يستروا انفسهم لان هذا جمع بين الحقين وان لم يفعل الى ان يرفع الجار الى القاضى فان رأى القاضى المنع كان له ذلك. ولو فتح كوّة فى جداره حتى وقع نظره فيها الى نساء جاره يمنع من ذلك، وفى البستان لايجوز لاحد ان ينظر فى بيت غيره بغير اذنه فان فعل فقد اساء واثم فى فعله فان نظر ففقأ صاحب البيت عينه اختلفوا فيه قيل لاشىء عليه وقيل عليه الضمان وبه نأخذ، وكان عمر رضى الله عنه يعس ليلة مع ابن مسعود رضى الله عنه فاطلع من خلل باب فاذاشيخ بين يديه شراب وقينة تغنيه فتسورا فقال عمر رضى الله عنه ما صح لشيخ مثلك ان يكون على مثل هذه الحالة فقام اليه الرجل فقال يا امير المؤمنين انشدك بالله ألا ما انصفتنى حتى اتكلم قال قل قال ان كنت عصيت الله فى واحدة فقد عصيت انت فى ثلاث قال ماهن قال تجسست وقد نهاك الله فقال {أية : ولا تجسسوا}تفسير : وتسورت وقد قال الله {أية : ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهروها}تفسير : الى {أية : وأتوا البيوت من ابوابها}تفسير : ودخلت بغير اذن وقد قال الله {أية : لاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها}تفسير : فقال عمر صدقت فهل انت غافر لى فقال غفر الله لك فخرج عمر يبكى ويقول ويل لعمر ان لم يغفر الله له، فان قلت دل هذا على ان المحتسب لا يدخل بيتا بلا اذن وقد صح انه يجوز له الدخول فى بيت من يظهر البدع بلا اذن، قلت هذا فما اظهر وذلك فيما اخفى. وفى التأويلات النجمية فى الآية اشارة الى جواز تصرف السالك الواصل فى بيت الجسد الذى هو غير مسكون لصاحبه وهو الانسانية لفنائها عن وجودها بافناء الحق تعالى فيها متاع لكم اى الآلات والادوات التى تحتاجون اليها عند السير فى عالم الله ولتحصيلها بعثت الارواح الى اسفل سافلين الاجساد والله يعلم ما تبدون من تصرفاتكم بالآلات الانسانية وما تكتمون من نياتكم لنها لطلب رضى الله تعالى او الهوى نفوسكم انتهى: قال الجامى قدس سره شعر : جيب خاص است كه كنج كهر اخلاص است نيست اين درثمين دربغل هردغلى
الجنابذي
تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ {أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} من غير استيناس وتسليم {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} اى تمتّع واستمتاع، فى الخبر انّها الحمّامات والخانات والارحية وامثالها، وقيل: المراد الخربة يدخل الانسان فيها لقضاء حاجة، وقيل: المراد بيوت التّجّار والصّنّاع الّتى يفتح ابوابها لمعاملة النّاس، وقيل: انّها منازل المسافرين، والحقّ انّه اذا اريد بالمتاع التّمتّع كان المراد بالبيوت مطلق البيوت الّتى يكون اذن عامّ من الشّارع او من مالكيها فى الدّخول فيها، وان كان المراد بالمتاع الاجناس الّتى يتمتّع بها كان المراد مطلق البيوت الّتى يكون فيها امتعتكم سواء كانت البيوت مملوكة لكم غير مسكونةٍ لكم ولغيركم، او مملوكة لغيركم غير مسكونة لكم ولغيركم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} من الافعال والاحوال والاخلاق والنّيّات والاستعدادات الّتى لم تشعروا بها بعد فيعلم دخولكم فى بيوت غيركم ونيّاتكم فى دخولكم فلا تدخلوا من غير استيناسٍ حتّى يتّهمكم غيركم بالفاحشة او قصدها ولا يقع انظاركم على ما لا يجوز النّظر اليه من حريم صاحبى البيوت فيريبكم ولا تقدروا على منع نفوسكم من الفاحشة، وهذا تحذير ممّا يجعل الانسان معرضاً للتّهمة وممّا يريبه فانّه لمّا شدّد على الزّانى والزّانية وغلّظ على من رمى غيره بالفاحشة، حذّر المؤمنين عن مواقع الرّيبة ومواضع التّهمة حتّى لا يقعوا فى الرّيبة والفاحشة ويستحقّوا عقوبة الفاحشة ولا يوقع النّاس فى سوء الظّنّ ورمى الفاحشة فيستحقّوا عقوبة المفترين، كما انّه حذّرهم بالآية الآتية عمّا يريبهم او يريب غيرهم من النّظر الى فروج غيرهم او من ان ينظر الى فروجهم وحذّر النّساء من ذلك ومن ابداء زينتهنّ لمن لا يجوز له النّظر بالرّيبة فقال: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ...}
اطفيش
تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} اي اثم {أَن تَدْخُلُوا} اي في ان تدخلوا {بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} كالفنادق والبيوت المبنية للسابلة وبيوت البياعين التي ينزلونها للبيع ولا يخزنون بها مالا ونحو ذلك فيجوز دخولها بلا اذن للحر والبرد وايواء الامتعة والجلوس للمعاملة ونحو ذلك. {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} اي استمتاع ونفع كما مر من دخولها للحر أو البرد وغيرهما والجملة نعت بيوت أو حال منها. وقيل: المراد بالبيوت الفنادق ينزلها الرجل في سفره يستمتع بها يجعل ما له فيها. قال ابو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ان الله قد انزل عليك آية في الاستئذان وانا نختلف في تجارتنا فننزل في هذه الخانات افلا ندخلها الا بأذن. وقيل: المراد الخرابات. وروي انه لما نزلت آية الاستئذان قالوا كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فنزلت الآية. وقيل: المراد جميع البيوت التي لا ساكن فيها لان الاستئذان انما جعل لشيء لا يطلع على عورة فان لم يخف ذلك جاز له الدخول بغير استئذان. وقيل: المراد بالمتاع المال إذا كان لك مال في بيت غير مسكون جاز دخوله بلا اذن والصحيح المنع الا باذن أو منعه صاحبه من ماله. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} تظهرون * {وَمَا تَكْتُمُونَ} وعيد للذين يدخلون الخرابات والدور الخالية للمعاصي كالزنى والشرب وللمطلعين على عورات. ومحل بسط الكلام على الاستئذان والتسليم كتب الفقه فانظر شرحي على النيل.
اطفيش
تفسير : {لَيس عَلَيكم جناحٌ أن تدخُلوا} فى أن تدخلوا بلا استئذان {بيوتاً غير مسكونةٍ} مما خلى لمن يتمتع به موقوفاً أو مملوكاً {فيها متاع} تمتع {لكم} من حر أو برد أو حفظ متاع، وبيع وشراء، واغتسال وطهارة، وقضاء حاجة الإنسان، ومن بعض ذلك العموم، ما روى أنه لما نزل:" أية : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا"تفسير : [النور: 27] الخ قال الصديق رضى الله عنه: كيف يا رسول الله بتجار قريش المختلفين من مكة والمدينة والشام، وبيت المقدس، ولهم بيوت معلومات على الطريق، فكيف يستأذن ويسلم فيها، ولا أحد فيها؟ فنزل: {ليس عليكم} الخ. {والله يعلم ما تبدون وما تكتُمون} من دخول البيوت للفساد أو للاطلاع على العورات، أو للسرقة، ومن الدخول بالعين وسائر المعاصى، فيعان بكم.
الالوسي
تفسير : {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ } أي بغير استئذان {بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } أي موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة فقط بل ليتمتع بها من يحتاج إليها كائناً من كان من غير أن يتخذها سكناً كالربط والخانات والحوانيت والحمامات وغيرها فإنها معدة لمصالح الناس كافة كما ينبىء عنه قوله تعالى: {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ } فإنه صفة للبيوت أو استئناف جار مجرى التعليل لنفي الجناح أي فيها حق تمتع لكم كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الأمتعة والرحال والشراء والبيع والاغتسال وغيرها مما يليق بحال البيوت وداخليها فلا بأس بدخولها بغير استئذان من داخليها من قبل ولا ممن يتولى أمرها ويقوم بتدبيرها. وأخرج ابن أبـي حاتم عن مقاتل أنه لما نزل قوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ } تفسير : [النور: 27] الخ قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله فكيف بتجار قريش الذين يختلفون من مكة والمدينة والشام وبيت المقدس ولهم بيوت معلومة على الطريق فكيف يستأذنون ويسلمون وليس فيها سكان؟ فرخص سبحانه في ذلك فأنزل قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ } الخ، وعنى الصديق رضي الله تعالى عنه بالبيوت المعلومة الخانات التي في الطرق وهي في الآية أعم من ذلك، ولا عبرة بخصوص السبب فما روي عن ابن جبير ومحمد بن الحنفية والضحاك وغيرهم من تفسيرها فيها بذلك من باب التمثيل، وكذا ما أخرجه جماعة عن عطاء وعبد بن حميد وإبراهيم النخعي أنها البيوت الخربة التي تدخل للتبرز، وأما ما روي عن ابن الحنفية أيضاً من أنها دور مكة فهو من باب التمثيل أيضاً لكن صحة ذلك مبنية على القول بأن دور مكة غير مملوكة والناس فيها شركاء وقد علمت ما في المسألة من الخلاف. وأخرج أبو داود في «الناسخ» وابن جرير عن ابن عباس أن قوله سبحانه { أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } تفسير : [النور: 27] قد نسخ بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } الخ واستثنى منه البيوت الغير المسكونة، وروى حديث الاستثناء عكرمة والحسن وهو الذي يقتضيه ظاهر خبر / مقاتل وإليه ذهب الزمخشري. وتعقبه أبو حيان بأنه لا يظهر ذلك لأن الآية الأولى في البيوت المملوكة والمسكونة وهذه الاية في البيوت المباحة التي لا اختصاص لها بواحد دون واحد. والذي يقتضيه النظم الجليل أن البيوت فيما تقدم أعم من هذه البيوت فيكون ما ذكر تخصيصاً لذلك وهو المعنى بالاستثناء فتدبر ولا تغفل. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } وعيد لمن يدخل مدخلاً من هذه المداخل لفساد أو اطلاع على عورات.
ابن عاشور
تفسير : هذا تخصيص لعموم قوله: { أية : بيوتاً غير بيوتكم } تفسير : [النور: 27] بالبيوت المعدة للسكنى، فأما البيوت التي ليست معدودة للسكنى إذا كان لأحد حاجة في دخولها أن له أن يدخلها لأن كونها غير معدودة للسكنى تجعل القاطن بها غير محترز من دخول الغير إليها بل هو على استعداد لمن يغشاه فهي لا تخلو من أن تكون خاوية من الساكن مثل البيوت المقامة على طرق المسافرين لنزولهم، كما كانت بيوت على الطريق بين الحجاز والشام في طريق التجار كانوا يأوون إليها ويحطون فيها متاعهم للاستراحة ثم يرتحلون عنها ويستأنفون سيرهم، وتسمى الخانات جمع خان ــــ بالخاء المعجمة ــــ فهو اسم معرب من الفارسية. ومثلها بيوت كانت في بعض سكك المدينة كانوا يضعون بها متاعاً وأقتاباً وقد بناها بعض من يحتاج إليها وارتفق بها غيرهم. وأما أن تكون تلك البيوت مأهولة بأناس يقطنونها يأوون المسافرين ورحالهم ورواحلهم ويحفظون أمتعتهم ويبيتونهم حتى يستأنفوا المرحلة مثل الخانات المأهولة والفنادق. وكذلك البيوت المعدودة لبيع السلع، والحمامات، وحوانيت التجار، وكذلك المكتبات وبيوت المطالعة فهذه مأهولة ولا تسمى مسكونة لأن السكنى هي الإقامة التي يسكن بها المرء ويستقر فيها ويقيم فيها شؤونه. فمعنى قوله: {غير مسكونة} أنها غير مأهولة على حالة الاستقرار أو غير مأهولة البتة. وأما الخوانيق (جمع خانقاه ويقال الخانكات جمع خانكاهْ) وهي منازل ذات بيوت يقطنها طلبة الصوفية، وكذلك المدارس يقطنها طلبة العلم، وكذلك الربط جمع رباط وهو مأوى الحراس على الثغور، فلا استئذان بين قطانها لأنهم قد طرحوا الكلفة فيما بينهم فصاروا كأهل البيت الواحد ولكن على الغريب عنهم أن يستأذن في الدخول عليهم فيأذن له ناظرهم أو كبيرهم أو من يبلغ عنهم. وقوله: {فيها متاع لكم} صفة ثانية لــــ{بيوتاً}. والمتاع: الجهاز من العروض والسلع والرحال. وظاهر قوله: {فيها متاع} أن المتاع موضوع هناك قبل دخول الداخل فلا مفهوم لهذه الصفة لأنها خرجت مخرج التنبيه على العذر في الدخول. ويشمل ذلك أن يدخلها لوضع متاعه بدلالة لحن الخطاب. وكذلك يشمل دخول المسافر وإن كان لا متاع له لقصد التظلل أو المبيت بدلالة لحن الخطاب أو القياس. وقد فسر المتاع بالمصدر، أي التمتع والانتفاع. قال جابر بن زيد: كل منافع الدنيا متاع. وقال أبو جعفر النحاس: هذا شرح حسن من قول إمام من أيمة المسلمين وهو موافق للغة، وتبعه على ذلك في «الكشاف». ونوه بهذا التفسير أبو بكر ابن العربي فيكون إيماء إلى أن من لا منفعة له في دخولها لا يؤذن له في دخولها لأنه يضيق على أصحاب الاحتياج إلى بقاعها. وجملة: {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} مستعملة في التحذير من تجاوز ما أشارت إليه الآية من القيود وهي كون البيوت غير مسكونة وكون الداخل محتاجاً إلى دخولها بله أن يدخلها بقصد التجسس على قطانها أو بقصد أذاهم أو سرقة متاعهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَتَاعٌ} (29) - وَلاَ بَأسَ عَلَيْكُم أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ فِي أَنْ تَدْخُلوا بُيوتاً غَيْرَ مُعَدَّةٍ لِسُكْنَى قَوْمٍ مُعَيِّنِينَ، وَلَكُمْ فِيها مَتَاعٌ، كالحَمَّامَاتِ، والفَنَادِقِ، والخَانَاتِ المُعَدَّةِ لاسْتِِقْبَالِ العَامَّةِ، فَإِذَا أُذِنَ لِلزَّائِرِ أَوَّلَ مَرَّةٍ كَفَى، والأَمْرُ مُتَعَلِّقٌ بِاطِّلاَعِ اللهِ عَلَى ظَاهِرِكُم وَبَاطِنكُم، وَرَقَابَتهُ عَلَى سَرَائِرِكُم وَعَلاَنِيتِكم، وَفِي هَذِهِ الرَّقَابَةِ ضَمَانَةٌ لِطَاعَةِ القُلُوبِ وامْتِثَالِهَا للأَدَبِ الذي يُؤِدِّبُها بِهِ الله. جُنَاحٌ - جُرْمٌ أَوْ إِثْمٌ أو حَرَجٌ. مَتَاعٌ لَكُمْ - مَنْفَعَةٌ لَكُمْ وَمَصْلَحَةٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سأل الصِّديق أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله نحن قوم أهل تجارة، نذهب إلى بلاد ليس لنا فيها بيوت ولا أهل، ونضطر لأن ننزل في أماكن (عامة كالفنادق) نضع فيها متاعنا ونبيت بها، فنزلت هذه الآية. و {جُنَاحٌ ..} [النور: 29] يعني: إثم أو حرج، وهذه خاصة بالأماكن العامة التي لا يسكنها أحد بعينه، والمكان العام له قوانين في الدخول غير قوانين البيوت والأماكن الخاصة، فهل تستأذن في دخول الفندق أو المحل التجاري أو الحمام ... إلخ، هذه أماكن لا حرجَ عليك في دخولها دون استئذان. فمعنى {غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ..} [النور: 29] أي: لقوم مخصوصين {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ..} [النور: 29] كأن تنام فيها وتأكل وتشرب وتضع حاجياتك، فالمتاع هنا ليس على إطلاقه إنما مقيد بما أحلَّه الله وأمر به، فلا يدخل في المتاع المحرمات. لذل قال بعدها: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور: 29] يعني: في تحديد الاستمتاع، فلا تأخذه على إطلاقه فتُدخل فيه الحرامَ، وإلا فالبغايا كثيراً ما يرتادون مثل هذه الأماكن؛ لذلك يُحصِّنك ربك، ويعطيك المناعة اللازمة لحمايتك. ثم يقول رب العزة سبحانه: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 725 : 19 : 23 - سفين (في) قوله {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} قال، هي الخانات والمنازل ما بين مكة والكوفة ونحوها. [الآية 29]. 726 : 20 : 24 - سفين (في) قوله {مَتَاعٌ لَّكُمْ} قال، حاجة لكم. [الآية 29].
همام الصنعاني
تفسير : 2021- حدّثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ}: [الآية: 29]، قال: هي البيوت التي ينزلها السّفر، لا يسكنها أحَدٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):