٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكم السابع حكم النظر اعلم أنه تعالى قال: {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ } وإنما خصهم بذلك لأن غيرهم لا يلزمه غض البصر عما لا يحل له ويحفظ الفرج عما لا يحل له، لأن هذه الأحكام كالفروع للإسلام والمؤمنون مأمورون بها ابتداء، والكفار مأمورون قبلها بما تصير هذه الأحكام تابعة له، وإن كان حالهم كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها، لكن المؤمن يتمكن من هذه الطاعة من دون مقدمة، والكافر لا يتمكن إلا بتقديم مقدمة من قبله، وذلك لا يمنع من لزوم التكاليف له. واعلم أنه سبحانه أمر الرجال بغض البصر وحفظ الفرج، وأمر النساء بمثل ما أمر به الرجال وزاد فيهن أن لا يبدين زينتهن إلا لأقوام مخصوصين. أما قوله تعالى: {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الأكثرون (من) ههنا للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة، ونظيره قوله: { أية : مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } تفسير : [الأعراف: 85] { أية : فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ } تفسير : [الحاقة: 47] وأباه سيبويه، فإن قيل كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفرج؟ قلنا دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وكذا الجواري المستعرضات، وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه، ومنهم من قال: {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } أي ينقصوا من نظرهم فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو مغضوض ممنوع عنه، وعلى هذا من ليست بزائدة ولا هي للتبعيض بل هي من صلة الغض يقال غضضت من فلان إذا نقصت من قدره. المسألة الثانية: اعلم أن العورات على أربعة أقسام عورة الرجل مع الرجل وعورة المرأة مع المرأة وعورة المرأة مع الرجل وعورة الرجل مع المرأة، فأما الرجل مع الرجل فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه إلا عورته وعورته ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة، وعند أبي حنيفة رحمه الله الركبة عورة، وقال مالك الفخذ ليست بعورة، والدليل على أنها عورة ما روي عن حذيفة« أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به في المسجد وهو كاشف عن فخذه فقال عليه السلام حديث : غط فخذك فإنها من العورة » تفسير : وقال لعلي رضي الله عنه: « حديث : لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت » تفسير : فإن كان في نظره إلى وجهه أو سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه، ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل، وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش، لما روى أبو سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد » تفسير : وتكره المعانقة وتقبيل الوجه إلا لولده شفقة، وتستحب المصافحة لما روى أنس قال: « حديث : قال رجل يا رسول الله الرجل منا يلقي أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال لا، قال أيلتزمه ويقبله؟ قال لا، قال أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال نعم » تفسير : أما عورة المرأة مع المرأة فكعورة الرجل مع الرجل، فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، وعند خوف الفتنة لا يجوز، ولا يجوز المضاجعة. والمرأة الذمية هل يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة، قيل يجوز كالمسلمة مع المسلمة، والأصح أنه لا يجوز لأنها أجنبية، في الدين والله تعالى يقول: {أَوْ نِسَائِهِنَّ } وليست الذمية من نسائنا، أما عورة المرأة مع الرجل فالمرأة إما أن تكون أجنبية أو ذات رحم محرم، أو مستمتعة، فإن كانت أجنبية فإما أن تكون حرة أو أمة فإن كانت حرة فجميع بدنها عورة، ولا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه في البيع والشراء، وإلى إخراج الكف للأخذ والعطاء، ونعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين، وقيل ظهر الكف عورة. واعلم أنا ذكرنا أنه لا يجوز النظر إلى شيء من بدنها، ويجوز النظر إلى وجهها وكفها، وفي كل واحد من القولين استثناء. أما قوله يجوز النظر إلى وجهها وكفها، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام لأنه إما أن لا يكون فيه غرض ولا فيه فتنة، وإما أن يكون فيه فتنة ولا غرض فيه، وإما أن يكون فيه فتنة وغرض أما القسم الأول: فاعلم أنه لا يجوز أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية لغير غرض وإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره، لقوله تعالى: {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } وقيل يجوز مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله ولا يجوز أن يكرر النظر إليها لقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } تفسير : [الإسراء: 36] ولقوله عليه السلام: « حديث : يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة » تفسير : وعن جابر قال: « حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري » تفسير : ولأن الغالب أن الاحتراز عن الأولى لا يمكن فوقع عفواً قصد أو لم يقصد أما القسم الثاني: وهو أن يكون فيه غرض ولا فتنة فيه فذاك أمور: أحدها: بأن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفيها، روى أبو هريرة رضي الله عنه: «أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً » تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة » تفسير : وقال المغيرة بن شعبة « حديث : خطبت امرأة فقال عليه السلام نظرت إليها، فقلت لا، قال فانظر فإنها أحرى أن يؤدم بينكما » تفسير : فكل ذلك يدل على جواز النظر إلى وجهها وكفيها للشهوة إذا أراد أن يتزوجها، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: { أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } تفسير : [الأحزاب: 52] ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههن وثانيها: إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها وثالثها: أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة إليه ورابعها: ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى غير الوجه لأن المعرفة تحصل به أما القسم الثالث: وهو أن ينظر إليها للشهوة فذاك محظور، قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : العينان تزنيان » تفسير : وعن جابر قال: « حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري » تفسير : وقيل: مكتوب في التوراة النظرة تزرع في القلب الشهوة، ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً. أما الكلام الثاني: وهو أنه لا يجوز للأجنبي النظر إلى بدن الأجنبية فقد استثنوا منه صوراً إحداها: يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إليها للمعالجة، كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون، لأنه موضع ضرورة. وثانيتها: يجوز أن يتعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنا، وكذلك ينظر إلى فرجها لتحمل شهادة الولادة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع، وقال أبو سعيد الإصطخري لا يجوز للرجل أن يقصد النظر في هذه المواضع، لأن الزنا مندوب إلى ستره، وفي الولادة والرضاع تقبل شهادة النساء فلا حاجة إلى نظر الرجال للشهادة وثالثتها: لو وقعت في غرق أو حرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها، أما إذا كانت الأجنبية أمة فقال بعضهم عورتها ما بين السرة والركبة، وقال آخرون عورتها ما لا يبين للمهنة فخرج منه أن رأسها ساعديها وساقيها ونحرها وصدرها ليس بعورة، وفي ظهرها وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف المذكور، ولا يجوز لمسها ولا لها لمسه بحال لا لحجامة ولا اكتحال ولا غيره، لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطره، وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليه أما إن كانت المرأة ذات محرم له بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها معه ما بين السرة والركبة كعورة الرجل، وقال آخرون بل عورتها ما لا يبدو عند المهنة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله فأما سائر التفاصيل فستأتي إن شاء الله تعالى في تفسير الآية، أما إذا كانت المرأة مستمتعة كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها، فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنها حتى إلى فرجها غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج وكذا إلى فرج نفسه، لأنه يروي أنه يورث الطمس، وقيل لا يجوز النظر إلى فرجها ولا فرق بين أن تكون الأمة قنة أو مدبرة أو أم ولد أو مرهونة. فإن كانت مجوسية أو مرتدة أو وثنية أو مشتركة بينه وبين غيره أو متزوجة أو مكاتبة فهي كالأجنبية، روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة » تفسير : وأما عورة الرجل مع المرأة (ففيه) نظر إن كان أجنبياً منها فعورته معها ما بين السرة والركبة، وقيل جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه، والأول أصح بخلاف المرأة في حق الرجل، لأن بدن المرأة في ذاته عورة بدليل أنه لا تصح صلاتها مكشوفة البدن وبدن الرجل بخلافه، ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ولا تكرير النظر إلى وجهه لما روي عن أم سلمة: «أنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليها فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : احتجبا منه، تفسير : فقلت يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام حديث : أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه » تفسير : وإن كان محرماً لها فعورته معها ما بين السرة والركبة وإن كان زوجها أو سيدها الذي يحل له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها، ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خال وله ما يستر عورته، لأنه روي أنه عليه الصلاة والسلام سئل عنه فقال: « حديث : الله أحق أن يستحيي منه » تفسير : . وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله » تفسير : والله أعلم. المسألة الثالثة: سئل الشبلي عن قوله: {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } فقال أبصار الرؤوس عن المحرمات، وأبصار القلوب عما سوى الله تعالى. وأما قوله تعالى: {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } فالمراد به عما لا يحل، وعن أبي العالية أنه قال: كل ما في القرآن من قوله: {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ }، ويحفظن فروجهن، من الزنا إلا التي في النور: {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ، وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } أن لا ينظر إليها أحد، وهذا ضعيف لأنه تخصيص من غير دلالة، والذي يقتضيه الظاهر أن يكون المعنى حفظها عن سائر ما حرم الله عليه من الزنا والمس والنظر، وعلى أنه إن كان المراد حظر النظر فالمس والوطء أيضاً مرادان بالآية، إذ هما أغلظ من النظر، فلو نص الله تعالى على النظر لكان في مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الوطء والمس، كما أن قوله تعالى: { أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ } تفسير : [الإسراء: 23] اقتضى حظر ما فوق ذلك من السب والضرب. أما قوله تعالى: {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ} [النور: 30] أي تمسكهم بذلك أزكى لهم وأطهر، لأنه من باب ما يزكون به ويستحقون الثناء والمدح، ويمكن أن يقال إنه تعالى خص في الخطاب المؤمنين لما أراده من تزكيتهم بذلك، ولا يليق ذلك بالكافر. أما قوله تعالى: {وَقُل لّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } فالقول فيه على ما تقدم، فإن قيل فلم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج، قلنا لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور والبلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه. أما قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } فمن الأحكام التي تختص بها النساء في الأغلب، وإنما قلنا في الأغلب لأنه محرم على الرجل أن يبدي زينته حلياً ولباساً إلى غير ذلك للنساء الأجنبيات، لما فيه من الفتنة وههنا مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المراد بزينتهن، واعلم أن الزينة اسم يقع على محاسن الخلق التي خلقها الله تعالى وعلى سائر ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلى وغير ذلك، وأنكر بعضهم وقوع اسم الزينة عل الخلقة، لأنه لا يكاد يقال في الخلقة إنها من زينتها. وإنما يقال ذلك فيما تكتسبه من كحل وخضاب وغيره، والأقرب أن الخلقة داخلة في الزينة، ويدل عليها وجهان: الأول: أن الكثير من النساء ينفردن بخلقتهن عن سائر ما يعد زينة، فإذا حملناه على الخلقة وفينا العموم حقه، ولا يمنع دخول ما عدا الخلقة فيه أيضاً الثاني: أن قوله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } يدل على أن المراد بالزينة ما يعم الخلقة وغيرها فكأنه تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقتهن بأن أوجب سترها بالخمار، وأما الذين قالوا الزينة عبارة عما سوى الخلقة فقد حصروه في أمور ثلاثة: أحدها: الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها والغمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها وثانيها: الحلى كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط. وثالثها: الثياب قال الله تعالى: { أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } تفسير : [الأعراف: 31] وأراد الثياب. المسألة الثانية: اختلفوا في المراد من قوله: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أما الذين حملوا الزينة على الخلقة، فقال القفال معنى الآية إلا ما يظهره الإنسان في العادة الجارية، وذلك في النساء الوجه والكفان، وفي الرجل الأطراف من الوجه واليدين والرجلين، فأمروا بستر ما لا تؤدي الضرورة إلى كشفه ورخص لهم في كشف ما اعتيد كشفه وأدت الضرورة إلى إظهاره إذ كانت شرائع الإسلام حنيفية سهلة سمحة، ولما كان ظهور الوجه والكفين كالضروري لا جرم اتفقوا على أنهما ليسا بعورة، أما القدم فليس ظهوره بضروري فلا جرم اختلفوا في أنه هل هو من العورة أم لا؟ فيه وجهان: الأصح أنه عورة كظهر القدم، وفي صوتها وجهان أصحهما أنه ليس بعورة، لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن يروين الأخبار للرجال، وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فقالوا إنه سبحانه إنما ذكر الزينة لأنه لا خلاف أنه يحل النظر إليها حالما لم تكن متصلة بأعضاء المرأة، فلما حرم الله سبحانه النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة كان ذلك مبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة، وعلى هذا القول يحل النظر إلى زينة وجهها من الوشمة والغمرة وزينة بدنها من الخضاب والخواتيم وكذا الثياب، والسبب في تجويز النظر إليها أن تسترها فيه حرج لأن المرأة لا بد لها من مناولة الأشياء بيديها والحاجة إلى كشف وجهها في الشهادة والمحاكمة والنكاح. المسألة الثالثة: اتفقوا على تخصيص قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } بالحرائر دون الإماء، والمعنى فيه ظاهر، وهو أن الأمة مال فلا بد من الاحتياط في بيعها وشرائها، وذلك لا يمكن إلا بالنظر إليها على الاستقصاء بخلاف الحرة. أما قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } فالخمر واحدها خمار، وهي المقانع. قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يشددن خمرهن من خلفهن، وإن جيوبهن كانت من قدام فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن، فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب ليتغطى بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط به من شعر وزينة من الحلى في الأذن والنحر وموضع العقدة منها، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء، والباء للإلصاق، وعن عائشة رضي الله عنها « حديث : ما رأيت خيراً من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرت فأصبحن على رؤوسهن الغربان » تفسير : وقرىء {جُيُوبِهِنَّ } بكسر الجيم لأجل الياء وكذلك {بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ }. فأما قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } فاعلم أنه سبحانه لما تكلم في مطلق الزينة تكلم بعد ذلك في الزينة الخفية التي نهاهن عن إبدائها للأجانب، وبين أن هذه الزينة الخفية يجب إخفاؤها عن الكل، ثم استثنى اثنتي عشرة صورة أحدها: أزواجهن وثانيها: آباؤهن وإن علون من جهة الذكران والإناث كآباء الآباء وآباء الأمهات وثالثها: آباء أزواجهن ورابعها وخامسها: أبناؤهن وأبناء بعولتهن، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سفلوا من الذكران والإناث كبني البنين وبني البنات وسادسها: إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما وسابعها: بنو إخوانهن وثامنها: بنو أخواتهن وهؤلاء كلهم محارم، وههنا سؤالات: السؤال الأول: أفيحل لذوي المحرم في المملوكة والكافرة ما لا يحل له في المؤمنة؟ الجواب: إذا ملك المرأة وهي من محارمه فله أن ينظر منها إلى بطنها وظهرها لا على وجه الشهوة، بل لأمر يرجع إلى مزية الملك على اختلاف بين الناس في ذلك. السؤال الثاني: كيف القول في العم والخال؟ الجواب: القول الظاهر أنهما كسائر المحارم في جواز النظر وهو قول الحسن البصري، قال لأن الآية لم يذكر فيها الرضاع وهو كالنسب وقال في سورة الأحزاب { أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءَابَائِهِنَّ } تفسير : [الأحزاب: 55] الآية. ولم يذكر فيها البعولة ولا أبناءهم وقد ذكروا ههنا، وقد يذكر البعض لينبه على الجملة. قال الشعبي: إنما لم يذكرهما الله لئلا يصفهما العم عند ابنه الخال كذلك، ومعناه أن سائر القرابات تشارك الأب والابن في المحرمية إلا العم والخال وأبناءهما، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم فيقرب تصوره لها بالوصف من نظره إليها، وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهم في التستر. السؤال الثالث: ما السبب في إباحة نظر هؤلاء إلى زينة المرأة؟ الجواب: لأنهم مخصوصون بالحاجة إلى مداخلتهن ومخالطتهن ولقلة توقع الفتنة بجهاتهن، ولما في الطباع من النفرة عن مجالسة الغرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم فى الأسفار وللنزول والركوب وتاسعها: قوله تعالى: {أَوْ نِسَائِهِنَّ } وفيه قولان: أحدهما: المراد والنساء اللاتي هن على دينهن، وهذا قول أكثر السلف. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها لقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات وثانيهما: المراد بنسائهن جميع النساء، وهذا هو المذهب وقول السلف محمول على الاستحباب والأولى وعاشرها: قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } وظاهر الكلام يشمل العبيد والإماء، واختلفوا فمنهم من أجرى الآية على ظاهرها، وزعم أنه لا بأس عليهن في أن يظهرن لعبيدهن من زينتهن ما يظهرن لذوي محارمهن، وهو مروي عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، واحتجوا بهذه الآية وهو ظاهر. وبما روى أنس: «أنه عليه الصلاة والسلام أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بها، قال: حديث : إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك » تفسير : وعن مجاهد: كان أمهات المؤمنين لا يحتجبن عن مكاتبهن ما بقي عليه درهم. وعن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت لذكوان: «إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر. وروي أن عائشة رضي الله عنها: كانت تمتشط والعبد ينظر إليها، وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم: إن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، واحتجوا عليه بأمور: أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاث إلا مع ذي محرم » تفسير : والعبد ليس بذي محرم منها فلا يجوز أن يسافر بها، وإذا لم يجز له السفر بها لم يجز له النظر إلى شعرها كالحر الأجنبي وثانيها: أن ملكها للعبد لا يحلل ما يحرم عليه قبل الملك إذ ملك النساء للرجال ليس كملك الرجال للنساء، فإنهم لم يختلفوا في أنها لا تستبيح بملك العبد منه شيئاً من التمتع كما يملكه الرجل من الأمة وثالثها: أن العبد وإن لم يجز له أن يتزوج بمولاته إلا أن ذلك التحريم عارض كمن عنده أربع نسوة فإنه لا يجوز له التزوج بغيرهن فلما لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة سائر الأجانب. إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } الإماء فإن قيل الإماء دخلن في قوله: {نِسَائِهِنَّ } فأي فائدة في الإعادة؟ قلنا الظاهر أنه عنى بنسائهن وما ملكت أيمانهن من في صحبتهن من الحرائر والإماء، وبيانه أنه سبحانه ذكر أولاً أحوال الرجال بقوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ } إلى آخر ما ذكر فجاز أن يظن ظان أن الرجال مخصوصون بذلك إذ كانوا ذوي المحارم أو غير ذات المحارم، ثم عطف على ذلك الإماء بقوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } لئلا يظن أن الإباحة مقصورة على الحرائر من النساء إذ كان ظاهر قوله: {أَوْ نِسَائِهِنَّ } يقتضي الحرائر دون الإماء كقوله: { أية : شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } تفسير : [البقرة: 282] على الأحرار لإضافتهم إلينا كذلك قوله: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} على الحرائر، ثم عطف عليهن الإماء فأباح لهن مثل ما أباح في الحرائر وحادي عشرها: قوله تعالى: {أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرّجَالِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قيل هم الذين يتبعونكم لينالوا من فضل طعامكم، ولا حاجة بهم إلى النساء، لأنهم بله لا يعرفون من أمرهن شيئاً، أو شيوخ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم، ومعلوم أن الخصى والعنين ومن شاكلهما قد لا يكون له إربة في نفس الجماع ويكون له إربة قوية فيما عداه من التمتع، وذلك يمنع من أن يكون هو المراد. فيجب أن يحمل المراد على من المعلوم منه إنه لا إربة له في سائر وجوه التمتع، إما لفقد الشهوة، وإما لفقد المعرفة، وإما للفقر والمسكنة، فعلى هذه الوجوه الثلاثة اختلف العلماء. فقال بعضهم هم الفقراء الذين بهم الفاقة، وقال بعضهم: المعتوه والأبله والصبي، وقال بعضهم: الشيخ، وسائر من لا شهوة له، ولا يمتنع دخول الكل في ذلك، وروى هشام بن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة « أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة فقال يا عبد الله إن فتح الله لكم غداً الطائف دللتك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان » فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : لا يدخلن عليكم هذا » تفسير : فأباح النبي عليه الصلاة والسلام دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولي الإربة، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولى الإربة فحجبه، وفي الخصى والمجبوب ثلاثة أوجه: أحدها: استباحة الزينة الباطنة معهما والثاني: تحريمها عليهما والثالثة: تحريمها على الخصى دون المجبوب. المسألة الثانية: الإربة الفعلة من الأرب كالمشية والجلسة من المشي والجلوس والأرب الحاجة والولوع بالشيء والشهوة له، والإربة الحاجة في النساء، والإربة العقل ومنه الأريب. المسألة الثالثة: في {غَيْرِ } قراءتان قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر غير بالنصب على الاستثناء أو الحال يعني أو التابعين عاجزين عنهن والقراءة الثانية بالخفض على الوصفية وثاني عشرها: قوله تعالى: {أَوِ ٱلطّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرٰتِ ٱلنِّسَاءِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الطفل اسم للواحد لكنه وضع ههنا موضع الجمع لأنه يفيد الجنس، ويبين ما بعده أنه يراد به الجمع ونظيره قوله تعالى: { أية : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } تفسير : [الحج: 5]. المسألة الثانية: الظهور على الشيء على وجهين: الأول: العلم به كقوله تعالى: { أية : إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ } تفسير : [الكهف: 20] أي إن يشعروا بكم والثاني: الغلبة له والصولة عليه كقوله: { أية : فَأَصْبَحُواْ ظَـٰهِرِينَ } تفسير : [الصف: 14] فعلى الوجه الأول يكون المعنى أو الطفل الذين لم يتصوروا عورات النساء ولم يدروا ما هي من الصغر وهو قول ابن قتيبة، وعلى الثاني الذين لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء، وهو قول الفراء والزجاج. المسألة الثالثة: أن الصغير الذي لم يتنبه لصغره على عورات النساء فلا عورة للنساء معه، وإن تنبه لصغره ولمراهقته لزم أن تستر عنه المرأة ما بين سرتها وركبتها، وفي لزوم ستر ما سواه وجهان: أحدهما: لا يلزم لأن القلم غير جار عليه والثاني: يلزم كالرجل لأنه يشتهي والمرأة قد تشتهيه وهو معنى قوله: {أَوِ ٱلطّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرٰتِ ٱلنّسَاء } واسم الطفل شامل له إلى أن يحتلم، وأما الشيخ إن بقيت له شهوة فهو كالشاب، وإن لم يبق له شهوة ففيه وجهان: أحدهما: أن الزينة الباطنة معه مباحة والعورة معه ما بين السرة والركبة والثاني: أن جميع البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة، وههنا آخر الصور التي استثناها الله تعالى، قال الحسن هؤلاء وإن اشتركوا في جواز رؤية الزينة الباطنة فهم على أقسام ثلاثة، فأولهم الزوج وله حرمة ليست لغيره يحل له كل شيء منها، والحرمة الثانية للابن والأب والأخ والجد وأبي الزوج وكل ذي محرم والرضاع كالنسب يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك، والحرمة الثالثة هي للتابعين غير أولي الإربة من الرجال وكذا مملوك المرأة فلا بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدي هؤلاء في درع وخمار صفيق بغير ملحفة، ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعراً ولا بشراً والستر في هذا كله أفضل، ولا يحل للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب، فهذا ضبط هؤلاء المراتب. أما قوله تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } فقال ابن عباس وقتادة كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجلها ليسمع قعقعة خلخالها، ومعلوم أن الرجل الذي يغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعية له زائدة في مشاهدتهن، وقد علل تعالى ذلك بأن قال: {لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } فنبه به على أن الذي لأجله نهى عنه أن يعلم زينتهن من الحلى وغيره وفي الآية فوائد: الفائدة الأولى: لما نهى عن استماع الصوت الدال على وجود الزينة فلأن يدل على المنع من إظهار الزينة أولى الثانية: أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها، ولذلك كرهوا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت والمرأة منهية عن ذلك الثالثة: تدل الآية على حظر النظر إلى وجهها بشهوة إذا كان ذلك أقرب إلى الفتنة. أما قوله سبحانه وتعالى: {وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في التوبة وجهان: أحدهما: أن تكاليف الله تعالى في كل باب لا يقدر العبد الضعيف على مراعاتها وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا ينفك من تقصير يقع منه، فلذلك وصى المؤمنين جميعاً بالتوبة والاستغفار وتأميل الفلاح إذا تابوا واستغفروا والثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة، فإن قيل قد صحت التوبة بالإسلام والإسلام يجب ما قبله فما معنى هذه التوبة؟ قلنا قال بعض العلماء إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه لزمه كلما ذكره أن يجدد عنه التوبة، لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه إلى أن يلقى ربه. المسألة الثانية: قرىء {أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } بضم الهاء، ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها، والله أعلم. المسألة الثالثة: تفسير لعل قد تقدم في سورة البقرة في قوله: { أية : ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تفسير : [البقرة:21] والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} وصل تعالى بذكر السّتر ما يتعلّق به من أمر النظر؛ يقال: غضّ بصره يَغُضّه غضًّا؛ قال الشاعر:شعر : فغُضّ الطَّرْف إنك من نُمَيرٍ فلا كَعْباً بلَغْتَ ولا كِلاباً تفسير : وقال عَنْتَرة:شعر : وأغض طرفي ما بدت لِيَ جارتِي حتى يُوارِي جارتِي مأواهَا تفسير : ولم يذكر الله تعالى ما يُغَض البصر عنه ويحفظ الفرج، غير أن ذلك معلوم بالعادة، وأن المراد منه المحرّم دون المحلّل. وفي البخاري: «وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن؟ قال: اصرف بصرك؛ يقول الله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} وقال قتادة: عما لا يحلّ لهم؛ {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} خائنة الأعْيُن [من] النظر إلى ما نُهِيَ عنه». الثانية: قوله تعالى: {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} «من» زائدة؛ كقوله: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} تفسير : [الحاقة: 74]. وقيل: «من» للتبعيض؛ لأن من النظر ما يباح. وقيل: الغض النقصان؛ يقال: غض فلان من فلان أي وضع منه؛ فالبصر إذا لم يمكَّن من عمله فهو موضوع منه ومنقوص. فـ«ـمِن» من صلة للغض، وليست للتبعيض ولا للزيادة. الثالثة: البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعْمَرُ طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته. ووجب التحذير منه، وغضُّه واجب عن جميع المحرّمات وكلّ ما يخشى الفتنة من أجله؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم والجلوسَ على الطُّرُقات» فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُدٌّ نتحدّث فيها. فقال: «فإذا أبَيْتُم إلا المجلس فأعطُوا الطريقَ حقّه» قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: «غَضُّ البصر وكفّ الأذى وردُّ السلام والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر»تفسير : . رواه أبو سعيد الخُدْريّ، خرّجه البخاريّ ومسلم. وقال صلى الله عليه وسلم لعليّ: «حديث : لا تُتبع النظرة النظرة فإنما لك الأُولى وليست لك الثانية»تفسير : . وروى الأوزاعِيّ قال: حدّثني هارون بن رِئاب أن غَزْوان وأبا موسى الأشعريّ كانا في بعض مَغازِيهم، فكشفت جارية فنظر إليها غَزْوان، فرفع يده فلطم عينه حتى نَفَرَت، فقال: إنك للحّاظة إلى ما يضرك ولا ينفعك؛ فلقِيَ أبا موسى فسأله فقال: ظلمتَ عينك، فاستغفر الله وتُب، فإن لها أوّل نظرة وعليها ما كان بعد ذلك. قال الأوزاعي: وكان غَزْوان ملك نفسه فلم يضحك حتى مات رضي الله عنه. وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفُجَاءة؛ فأمرني أن أصرف بصري. وهذا يقوّي قول من يقول: إن «من» للتبعيض؛ لأن النظرة الأولى لا تُمْلَك فلا تدخل تحت خطاب تكليف، إذ وقوعها لا يتأتّى أن يكون مقصوداً، فلا تكون مكتسبة فلا يكون مكلفاً بها؛ فوجب التبعيض لذلك، ولم يقل ذلك في الفرج؛ لأنها تُمْلك. ولقد كره الشعبِيّ أن يُديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته؛ وزمانُه خير من زماننا هذا وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذاتٍ محرّمة نظر شهوة يردّدها. الرابعة: قوله تعالى: {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} أي يستروها عن أن يراها من لا يحلّ. وقيل: «ويحفظوا فروجهم» أي عن الزنى؛ وعلى هذا القول لو قال: «من فروجهم» لجاز. والصحيح أن الجميع مراد واللفظ عام. «حديث : وروى بَهْز بن حكيم بن معاوية القُشَيْرِيّ عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يَمينك». قال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال: «إن استطعت ألا يراها فافعل». قلت: الرجل يكون خالياً؟ فقال: «الله أحقُّ أن يُستحيا منه من الناس»»تفسير : . وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحالَها معه فقالت: ما رأيت ذلك منه، ولا رأى ذلك مني. الخامسة: بهذه الآية حرّم العلماء نصًّا دخول الحمام بغير مِئزر. وقد روي عن ابن عمر أنه قال: أطْيَب ما أنفق الرجل درهم يعطيه للحمام في خلوة. وصح عن ابن عباس أنه دخل الحمام وهو مُحرِم بالجحفة. فدخوله جائز للرجال بالمآزر، وكذلك النساء للضرورة كغسلهن من الحيض أو النفاس أو مرض يلحقهن؛ والأوْلَى بهن والأفضلُ لهن غسلهن إن أمكن ذلك في بيوتهن، فقد روى أحمد بن مَنيع حدّثنا الحسن بن موسى حدّثنا ابن لَهِيعة حدّثنا زَبّان «حديث : عن سهل بن معاذ عن أبيه عن أم الدَّرْداء أنه سمعها تقول: لقِيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرجت من الحمام فقال: «من أين يا أمّ الدرداء؟» فقالت من الحمام؛ فقال: «والذي نفسي بيده ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت أحد من أمّهاتها إلا وهي هاتكة كلّ ستر بينها وبين الرحمن عز وجل»»تفسير : . وخرّج أبو بكر البزّار عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : احذروا بيتاً يقال له الحمام». قالوا: يا رسول الله، ينقي الوسخ؟ قال: «فاستتروا»تفسير : . قال أبو محمد عبد الحق: هذا أصح إسناد حديث في هذا الباب؛ على أن الناس يرسلونه عن طاوس، وأما ما خرّجه أبو داود في هذا من الحظر والإباحة فلا يصح منه شيء لضعف الأسانيد؛ وكذلك ما خرّجه الترمذي. قلت: أما دخول الحمام في هذه الأزمان فحرام على أهل الفضل والدِّين؛ لغلبة الجهل على الناس واستسهالهم إذا توسّطوا الحمام رموا مآزرهم، حتى يُرَى الرجل البَهِيّ ذو الشيبة قائماً منتصباً وسط الحمام وخارجه بادِياً عن عورته ضامًّا بين فخذيه ولا أحد يغيّر عليه. هذا أمر بين الرجال فكيف من النساء! لا سيّما بالديار المصرية إذ حماماتهم خالية عن المطاهر التي هي عن أعين الناس سواتر، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم!. السادسة: قال العلماء: فإن استتر فليدخل بعشرة شروط: الأوّل: ألاّ يدخل إلا بنيّة التداوي أو بنيّة التطهير عن الرُّحَضاء. الثاني: أن يعتمد أوقات الخلوة أو قلّة الناس. الثالث: أن يستر عورته بإزار صَفيق. الرابع: أن يكون نظره إلى الأرض أو يستقبل الحائط لئلا يقع بصره على محظور. الخامس: أن يُغيّر ما يرى من منكر برفق، يقول: استتر سترك الله! السادس: إن دلّكه أحد لا يمكّنه من عورته، من سرته إلى ركبته إلا امرأته أو جاريته. وقد اختلف في الفخذين هل هما عورة أم لا. السابع: أن يدخله بأجرة معلومة بشرطٍ أو بعادة الناس. الثامن: أن يصبّ الماء على قدر الحاجة. التاسع: إن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع قوم يحفظون أديانهم على كرائه. العاشر: أن يتذكر به جهنم. فإن لم يمكنه ذلك كله فليستتر وليجتهد في غضّ البصر. ذكر الترمذِيّ أبو عبد الله في نوادر الأصول من حديث طاوس عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتقوا بيتاً يقال له الحمام». قيل: يا رسول الله، إنه يذهب به الوسخ ويذكّر النار؛ فقال: «إن كنتم لا بُدّ فاعلين فادخلوه مستترين»تفسير : . وخرّج من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نِعم البيت يدخله الرجل المسلم بيتُ الحمام ـ وذلك لأنه إذا دخله سأل الله الجنة واستعاذ به من النار ـ وبئس البيتُ يدخله الرجل بيتُ العروس»تفسير : . وذلك لأنه يرغّبه في الدنيا وينسيه الآخرة. قال أبو عبد الله: فهذا لأهل الغفلة، صيّر الله هذه الدنيا بما فيها سبباً للذّكر لأهل الغفلة ليذكروا بها آخرتهم؛ فأما أهل اليقين فقد صارت الآخرة نصُب أعينهم فلا بيت حمّام يزعجه ولا بيت عروس يستفزه، لقد دَقّت الدنيا بما فيها من الصنفين والضربين في جنب الآخرة، حتى أن جميع نعيم الدنيا في أعينهم كُنثارة الطعام من مائدة عظيمة، وجميع شدائد الدنيا في أعينهم كقتلة عوقب بها مجرم أو مسيء قد كان استوجب القتل أو الصلب من جميع عقوبات أهل الدنيا. السابعة: قوله تعالى: {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ} أي غضُّ البصر وحفظ الفرج أطهر في الدين وأبعد من دنس الأنام. {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ} أي عالم. {بِمَا يَصْنَعُونَ} تهديد ووعيد.
ابن كثير
تفسير : هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعاً، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جده جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري. وكذا رواه الإمام أحمد عن هشيم عن يونس بن عبيد به. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه أيضاً. وقال الترمذي: حسن صحيح، وفي رواية لبعضهم فقال: «حديث : أطرق بصرك» تفسير : يعني: انظر إلى الأرض، والصرف أعم، فإنه قد يكون إلى الأرض، وإلى جهة أخرى، والله أعلم. وقال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا شريك عن أبي ربيعة الإيادي، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «حديث : يا علي لاتتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليس لك الآخرة» تفسير : ورواه الترمذي من حديث شريك، وقال: غريب، لا نعرفه إلا من حديثه. وفي الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إياكم والجلوس على الطرقات» تفسير : قالوا: يارسول الله لابد لنا من مجالسنا؛ نتحدث فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أبيتم، فأعطوا الطريق حقه» تفسير : قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ فقال: «حديث : غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر».تفسير : وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا فضل بن جبير، سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اكفلوا لي ستاً، أكفل لكم بالجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا اؤتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم» تفسير : وفي "صحيح البخاري": «حديث : من يكفل لي ما بين لحييه، وما بين رجليه، أكفل له الجنة» تفسير : وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال: كل ما عصي الله به، فهو كبيرة، وقد ذكر الطرفين فقال: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ} ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب؛ كما قال بعض السلف: النظر سهام سم إلى القلب، ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ} تفسير : [المؤمنون: 5] الآية، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه؛ كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن: «حديث : احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» تفسير : {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ} أي: أطهر لقلوبهم، وأنقىٰ لدينهم، كما قيل: من حفظ بصره، أورثه الله نوراً في بصيرته، ويروى: في قلبه. وروى الإمام أحمد: حدثنا عتاب، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة (أول مرة) ثم يغض بصره، إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها» تفسير : وروي هذا مرفوعاً عن ابن عمر وحذيفة وعائشة رضي الله عنهم، ولكن في إسنادها ضعف، إلا أنها في الترغيب، ومثله يتسامح فيه. وفي الطبراني من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعاً: «حديث : لتغضن أبصاركم، ولتحفظن فروجكم، ولتقيمن وجوهكم، أو لتكسفن وجوهكم».تفسير : وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن زهير التستري قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقري: حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا هزيم بن سفيان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي، أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه»تفسير : . وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} كما قال تعالى: {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } تفسير : [غافر: 19]. وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطى، والنفس تمنىٰ وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» تفسير : رواه البخاري تعليقاً، ومسلم مسنداً من وجه آخر بنحو ما تقدم، وقد قال كثير من السلف: إنهم كانوا ينهون أن يحد الرجل بصره إلى الأمرد، وقد شدد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحرمه طائفة من أهل العلم؛ لما فيه من الافتتان، وشدد آخرون في ذلك كثيراً جداً. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو سعيد المدني، حدثنا عمر بن سهل المازني، حدثني عمر بن محمد بن صهبان عن صفوان بن سليم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كل عين باكية يوم القيامة إلا عيناً غضت عن محارم الله، وعيناً سهرت في سبيل الله، وعيناً يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله»تفسير : عز وجل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَٰرِهِمْ } عما لا يحلُّ لهم نظره، و من زائدة {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } عما لا يحلّ لهم فعله بها {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ } أي خيرٌ {لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } بالأبصار والفروج فيجازيهم عليه.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه حكم الاستئذان، أتبعه بذكر حكم النظر على العموم، فيندرج تحته غضّ البصر من المستأذن، كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما جعل الإذن من أجل البصر»تفسير : وخص المؤمنين مع تحريمه على غيرهم، لكون قطع ذرائع الزنا التي منها النظر هم أحق من غيرهم بها، وأولى بذلك ممن سواهم. وقيل: إن في الآية دليلاً على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات كما يقوله بعض أهل العلم، وفي الكلام حذف، والتقدير قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ غضوا يَغُضُّواْ، ومعنى غضّ البصر: إطباق الجفن على العين بحيث تمتنع الرؤية، ومنه قول جرير:شعر : فغضّ الطرف إنك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا تفسير : وقول عنترة:شعر : وأغضّ طرفي ما بدت لي جارتي حتى يوارى جارتي مأواها تفسير : و«من» في قوله {مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } هي: التبعيضية، وإليه ذهب الأكثرون، وبينوه بأن المعنى: غضّ البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل. وقيل: وجه التبعيض: أنه يعفى للناظر أوّل نظرة تقع من غير قصد. وقال الأخفش: إنها زائدة، وأنكر ذلك سيبويه. وقيل: إنها لبيان الجنس قاله أبو البقاء. واعترض عليه: بأنه لم يتقدّم مبهم يكون مفسراً بمن، وقيل: إنها لابتداء الغاية قاله ابن عطية، وقيل: الغضّ النقصان، يقال: غضّ فلان من فلان أي: وضع منه، فالبصر إذا لم يمكن من عمله، فهو: مغضوض منه، ومنقوص، فتكون "مِنْ" صلة للغضّ، وليست لمعنى من تلك المعاني الأربعة. وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحلّ النظر إليه، ومعنى {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ }: أنه يجب عليهم حفظها عما يحرم عليهم. وقيل: المراد ستر فروجهم عن أن يراها من لا تحلّ له رؤيتها، ولا مانع من إرادة المعنيين، فالكل يدخل تحت حفظ الفرج. قيل: ووجه المجيء بمن في الأبصار دون الفروج أنه موسع في النظر فإنه لا يحرم منه إلاّ ما استثنى، بخلاف حفظ الفرج فإنه مضيق فيه، فإنه لا يحلّ منه إلاّ ما استثنى. وقيل: الوجه أن غضّ البصر كله كالمتعذر، بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على الإطلاق، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما ذكر من الغضّ، والحفظ، وهو مبتدأ، وخبره: {أَزْكَىٰ لَهُمْ } أي: أظهر لهم من دنس الريبة، وأطيب من التلبس بهذه الدنيئة {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } لا يخفى عليه شيء من صنعهم، وفي ذلك وعيد لمن لم يغضّ بصره، ويحفظ فرجه. {وَقُل لّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ } خصّ سبحانه الإناث بهذا الخطاب على طريق التأكيد لدخولهنّ تحت خطاب المؤمنين تغليباً كما في سائر الخطابات القرآنية، وظهر التضعيف في يغضضن، ولم يظهر في يغضوا، لأن لام الفعل من الأوّل متحرّكة، ومن الثاني ساكنة، وهما في موضع جزم جواباً للأمر، وبدأ سبحانه بالغضّ في الموضعين قبل حفظ الفرج؛ لأن النظر وسيلة إلى عدم حفظ الفرج، والوسيلة مقدّمة على المتوسل إليه، ومعنى: {يغضضن من أبصارهنّ} كمعنى: يغضوا من أبصارهم، فيستدلّ به على تحريم نظر النساء إلى ما يحرم عليهنّ، وكذلك يجب عليهنّ حفظ فروجهنّ على الوجه الذي تقدّم في حفظ الرجال لفروجهم {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } أي: ما يتزينّ به من الحلية، وغيرها، وفي النهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من أبدانهنّ بالأولى. ثم استثنى سبحانه من هذا النهي، فقال: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا }. واختلف الناس في ظاهر الزينة ما هو؟ فقال ابن مسعود، وسعيد بن جبير: ظاهر الزينة هو الثياب، وزاد سعيد بن جبير الوجه. وقال عطاء، والأوزاعي: الوجه والكفان. وقال ابن عباس، وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الساق ونحو ذلك، فإنه يجوز للمرأة أن تبديه. وقال ابن عطية: إن المرأة لا تبدي شيئاً من الزينة، وتخفي كل شيء من زينتها، ووقع الاستثناء فيما يظهر منها بحكم الضرورة. ولا يخفى عليك أن ظاهر النظم القرآني النهي عن إبداء الزينة إلاّ ما ظهر منها كالجلباب، والخمار، ونحوهما مما على الكف، والقدمين من الحلية، ونحوها، وإن كان المراد بالزينة: مواضعها كان الاستثناء راجعاً إلى ما يشق على المرأة ستره كالكفين والقدمين، ونحو ذلك. وهكذا إذا كان النهي عن إظهار الزينة يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب، فإنه يحمل الاستثناء على ما ذكرناه في الموضعين، وأما إذا كانت الزينة تشمل مواضع الزينة، وما تتزين به النساء فالأمر واضح، والاستثناء يكون من الجميع. قال القرطبي في تفسيره: الزينة على قسمين: خلقية، ومكتسبة؛ فالخلقية: وجهها فإنه أصل الزينة، والزينة المكتسبة: ما تحاوله المرأة في تحسين خلقها كالثياب، والحلى، والكحل، والخضاب، ومنه قوله تعالى: {أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ } تفسير : [الأعراف: 31]، وقول الشاعر:شعر : يأخذن زينتهنّ أحسن ما ترى وإذا عطلن فهنّ خير عواطل تفسير : {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } قرأ الجمهور بإسكان اللام التي للأمر. وقرأ أبو عمرو بكسرها على الأصل لأن أصل لام الأمر الكسر، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس. والخمر: جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، ومنه اختمرت المرأة، وتخمرت. والجيوب: جمع جيب، وهو موضع القطع من الدرع، والقميص، مأخوذ من الجوب، وهو القطع. قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كنّ يسدلن خمرهنّ من خلفهنّ، وكانت جيوبهنّ من قدّام واسعة، فكان تنكشف نحورهنّ، وقلائدهنّ، فأمرن أن يضربن مقانعهنّ على الجيوب لتستر بذلك ما كان يبدو، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء الذي هو: الإلصاق. قرأ الجمهور {بخمرهنّ} بتحريك الميم، وقرأ طلحة بن مصرف بسكونها. وقرأ الجمهور: {جيوبهنّ} بضم الجيم، وقرأ ابن كثير، وبعض الكوفيين بكسرها، وكثير من متقدمي النحويين لا يجوّزون هذه القراءة. وقال الزجاج: يجوز: أن يبدل من الضمة كسرة، فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم والكسر فمحال لا يقدر أحد أن ينطق به إلاّ على الإيماء، وقد فسّر الجمهور الجيوب بما قدّمنا، وهو: المعنى الحقيقي، وقال مقاتل: إن معنى على جيوبهنّ: على صدورهنّ، فيكون في الآية مضاف محذوف أي: على مواضع جيوبهنّ. ثم كرر سبحانه النهي عن إبداء الزينة لأجل ما سيذكره من الاستثناء، فقال: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ } البعل هو: الزوج والسيد في كلام العرب، وقدّم البعولة لأنهم المقصودون بالزينة، ولأن كل بدن الزوجة والسرية حلال لهم، ومثله قوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ. إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} تفسير : [المؤمنون: 5 ــ 6]، ثم لما استثنى سبحانه الزوج أتبعه باستثناء ذوي المحارم، فقال {أو آبائهنّ أو آباء بعولتهن} إلى قوله: {أَوْ بَنِى أَخَوٰتِهِنَّ } فجوّز للنساء أن يبدين الزينة لهؤلاء لكثرة المخالطة، وعدم خشية الفتنة لما في الطباع من النفرة عن القرائب. وقد روي عن الحسن والحسين رضي الله عنهما: أنهما كانا لا ينظران إلى أمهات المؤمنين ذهاباً منهما إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءَابَائِهِنَّ }تفسير : [الأحزاب: 55] والمراد بأبناء بعولتهنّ ذكور أولاد الأزواج، ويدخل في قوله {أَوْ أَبْنَائِهِنَّ } أولاد الأولاد، وإن سفلوا، وأولاد بناتهنّ، وإن سفلوا، وكذا آباء البعولة، وآباء الآباء، وآباء الأمهات، وإن علوا، وكذلك أبناء البعولة، وإن سفلوا، وكذلك أبناء الإخوة، والأخوات. وذهب الجمهور إلى أن العمّ والخال كسائر المحارم في جواز النظر إلى ما يجوز لهم، وليس في الآية ذكر الرضاع، وهو كالنسب. وقال الشعبي، وعكرمة: ليس العمّ والخال من المحارم، ومعنى {أَوْ نِسَائِهِنَّ } هنّ: المختصات بهنّ الملابسات لهنّ بالخدمة، أو الصحبة، ويدخل في ذلك الإماء، ويخرج من ذلك نساء الكفار من أهل الذمة، وغيرهم، فلا يحل لهنّ أن يبدين زينتهنّ لهنّ لأنهن لا يتحرّجن عن وصفهنّ للرجال. وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، وإضافة النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } ظاهر الآية يشمل العبيد، والإماء من غير فرق بين أن يكونوا مسلمين أو كافرين، وبه قال جماعة من أهل العلم، وإليه ذهبت عائشة، وأمّ سلمة، وابن عباس، ومالك، وقال سعيد بن المسيب: لا تغرّنكم هذه الآية {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } إنما عني بها الإماء، ولم يعن بها العبيد. وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته، وهو قول عطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وروي عن ابن مسعود، وبه قال أبو حنيفة، وابن جريج {أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرّجَالِ } قرأ الجمهور {غير} بالجر. وقرأ أبو بكر، وابن عامر بالنصب على الاستثناء، وقيل: على القطع، والمراد بالتابعين: هم الذين يتبعون القوم فيصيبون من طعامهم لا همة لهم إلاّ ذلك، ولا حاجة لهم في النساء، قاله مجاهد، وعكرمة، والشعبي، ومن الرجال في محل نصب على الحال. وأصل الإربة والإرب والمأربة: الحاجة، والجمع: مآرب، أي: حوائج، ومنه قوله سبحانه: {أية : وَلِي فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ } تفسير : [طه: 18] ومنه قول طرفة:شعر : إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا تقدّم يوماً ثم ضاعت مآربه تفسير : وقيل: المراد بغير أولي الإربة من الرجال: الحمقى الذين لا حاجة لهم في النساء، وقيل: البله، وقيل: العنين، وقيل: الخصي، وقيل: المخنث، وقيل: الشيخ الكبير، ولا وجه لهذا التخصيص، بل المراد بالآية ظاهرها، وهم: من يتبع أهل البيت، ولا حاجة له في النساء، ولا يحصل منه ذلك في حال من الأحوال، فيدخل في هؤلاء من هو بهذه الصفة ويخرج من عداه {أَوِ ٱلطّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرٰتِ ٱلنّسَاء } الطفل: يطلق على المفرد والمثنى، أو المراد به هنا: الجنس الموضوع موضع الجمع بدلالة وصفه بوصف الجمع، وفي مصحف أبيّ "أو الأطفال" على الجمع، يقال للإنسان طفل: ما لم يراهق الحلم، ومعنى {لَمْ يَظْهَرُواْ } لم يطلعوا، من الظهور بمعنى الاطلاع، قاله ابن قتيبة. وقيل: معناه: لم يبلغوا حدّ الشهوة، قاله الفراء، والزجاج، يقال: ظهرت على كذا: إذا غلبته، وقهرته. والمعنى: لم يطلعوا على عورات النساء ويكشفوا عنها للجماع، أو لم يبلغوا حدّ الشهوة للجماع. قراءة الجمهور: {عورات} بسكون الواو تخفيفاً، وهي لغة جمهور العرب. وقرأ ابن عامر في رواية بفتحها. وقرأ بذلك ابن أبي إسحاق، والأعمش. ورويت هذه القراءة عن ابن عباس، وهي لغة هذيل بن مدركة، ومنه قول الشاعر الذي أنشده الفراء:شعر : أخوَ بيَضَاتٍ رائحٌ متأوبٌ رفيقٌ لمسح المنكبينِ سبوحُ تفسير : واختلف العلماء في وجوب ستر ما عدا الوجه والكفين من الأطفال، فقيل: لا يلزم لأنه لا تكليف عليه، وهو الصحيح؛ وقيل: يلزم لأنها قد تشتهي المرأة. وهكذا اختلف في عورة الشيخ الكبير الذي قد سقطت شهوته، والأولى بقاء الحرمة كما كانت، فلا يحلّ النظر إلى عورته، ولا يحلّ له أن يكشفها. وقد اختلف العلماء في حدّ العورة، قال القرطبي: أجمع المسلمون على أن السوأتين عورة من الرجل، والمرأة، وأن المرأة كلها عورة إلاّ وجهها، ويديها على خلاف في ذلك. وقال الأكثر: إن عورة الرجل من سرّته إلى ركبته {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } أي: لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت ليسمع صوت خلخالها من يسمعه من الرجال، فيعلمون أنها ذات خلخال. قال الزجاج: وسماع هذه الزينة أشدّ تحريكاً للشهوة من إبدائها. ثم أرشد عباده إلى التوبة عن المعاصي، فقال سبحانه {وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } فيه الأمر بالتوبة، ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها، وأنها فرض من فرائض الدين، وقد تقدّم الكلام على التوبة في سورة النساء. ثم ذكر ما يرغبهم في التوبة، فقال {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي: تفوزون بسعادة الدنيا، والآخرة، وقيل: إن المراد بالتوبة هنا: هي عما كانوا يعملونه في الجاهلية، والأوّل أولى لما تقرر في السنة أن الإسلام يجبّ ما قبله. وقد أخرج ابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب قال: مرّ رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة، ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان: أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلاّ إعجاباً به، فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط، وهو ينظر إليها، إذ استقبله الحائط، فشق أنفه، فقال: والله لا أغسل الدمّ حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلمه أمري، فأتاه، فقصّ عليه قصته، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا عقوبة ذنبك»تفسير : ، وأنزل الله: {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } قال: يعني من شهواتهم مما يكره الله. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، والبيهقي في سننه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك، وليست لك الأخرى»تفسير : . وفي مسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، عن جرير البجلي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري، وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم والجلوس على الطرقات»تفسير : ، قالوا: يا رسول الله ما لنا بدّ من مجالسنا نتحدّث فيها، فقال: حديث : إن أبيتم فأعطوا الطريق حقهتفسير : ، قالوا: وما حقه يا رسول الله؟ قال: حديث : غضّ البصر، وكف الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.»تفسير : وأخرج البخاري، وأهل السنن، وغيرهم عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها، وما نذر؟ قال: «حديث : احفظ عورتك إلاّ من زوجتك، أو ما ملكت يمينكتفسير : ، قلت: يا نبيّ الله إذا كان القوم بعضهم في بعض، قال: حديث : إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينهاتفسير : ، قلت: إذا كان أحدنا خالياً، قال: حديث : فالله أحق أن يستحيا منه من الناس»تفسير : . وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كتب الله على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين السماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطو، والنفس تتمنى، والفرج يصدّق ذلك أو يكذبه»تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أثابه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه»تفسير : ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: بلغنا، والله أعلم: أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدّث أن أسماء بنت يزيد كانت في نخل لها لبني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متزرات فيبدو ما في أرجلهن، يعني: الخلاخل، وتبدو صدورهنّ وذوائبهنّ، فقالت أسماء: ما أقبح هذا، فأنزل الله ذلك: {وَقُل لّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ } الآية، وفيه - مع كونه مرسلاً - مقاتل. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } قال: الزينة: السوار، والدملج، والخلخال، والقرط، والقلادة، {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } قال: الثياب والجلباب. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عنه قال: الزينة زينتان زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلاّ الزوج، فأما الزينة الظاهرة، فالثياب، وأما الزينة الباطنة، فالكحل، والسوار، والخاتم. ولفظ ابن جرير: فالظاهرة منها الثياب، وما خفي الخلخالان، والقرطان، والسواران. وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } قال: الكحل والخاتم. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن ابن عباس {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } قال: الكحل، والخاتم، والقرط، والقلادة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عنه قال: هو خضاب الكفّ، والخاتم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: الزينة الظاهرة الوجه والكفان. وأخرجا عن ابن عباس قال: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } وجهها، وكفاها، والخاتم، وأخرجا أيضاً عنه قال: رقعة الوجه وباطن الكفّ. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن عائشة: أنها سئلت عن الزينة الظاهرة قالت: القلب، والفتخ، وضمت طرف كمها. وأخرج أبو داود، وابن مردويه، والبيهقي عن عائشة: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «حديث : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلاّ هذا»تفسير : ، وأشار إلى وجهه وكفه. قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هذا مرسل لأنه من طريق خالد بن دريك عن عائشة، ولم يسمع منها. وأخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عائشة: قالت: رحم الله نساء المهاجرات الأولات لما أنزل الله {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } شققن أكثف مروطهنّ، فاختمرن به. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنها بلفظ: أخذ النساء أزرهنّ، فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا }، والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العينين، وخضاب الكفّ، والخاتم، فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها، ثم قال {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنّ} الآية، والزينة التي تبديها لهؤلاء: قرطها، وقلادتها، وسوارها، فأما خلخالها، ومعضدها، ونحرها، وشعرها، فإنها لا تبديه إلاّ لزوجها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: {أَوْ نِسَائِهِنَّ } قال: هنّ المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية، وهو النحر، والقرط، والوشاح، وما يحرم أن يراه إلاّ محرم. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن عمر بن الخطاب: أنه كتب إلى أبي عبيدة: أما بعد، فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه من قبلك عن ذلك، فإنه لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلاّ أهل ملتها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن عباس قال: لا بأس أن يرى العبد شعر سيدته. وأخرج أبو داود وابن مردويه، والبيهقي عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبدٍ قد وهب لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنع به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: «حديث : إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك»تفسير : . وإسناده في سنن أبي داود هكذا، حدّثنا محمد بن عيسى، حدثنا أبو جميع سالم بن دينار، عن ثابت، عن أنس فذكره. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان لإحداكنّ مكاتب، وكان له ما يؤدي، فلتحتجب منه»تفسير : ، وإسناد أحمد هكذا: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن نبهان: أن أم سلمة... فذكره. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس في قوله: {أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرّجَالِ } قال: هذا الذي لا تستحيي منه النساء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال: هذا الرجل يتبع القوم، وهو مغفل في عقله، لا يكترث للنساء، ولا يشتهي النساء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه في الآية قال: كان الرجل يتبع الرجل في الزمان الأوّل لا يغار عليه، ولا ترهب المرأة أن تضع خمارها عنده، وهو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: هو المخنث الذي لا يقوم زبه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي، عن عائشة قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم مخنث، فكانوا يدعونه من غير أولي الإربة، فدخل النبيّ صلى الله عليه وسلم يوماً وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمانٍ، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أرى هذا يعرف ما ها هنا لا يدخلنّ عليكم، فحجبوه»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ } وهو: أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال، أو يكون في رجلها خلاخل فتحركهن عند الرجال، فنهى الله عن ذلك، لأنه من عمل الشيطان.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} وفي {مِنْ} في هذا الموضع ثلاثة أقوايل: أحدها: أنها صلة وزائدة وتقدير الكلام: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم، قاله السدي. الثاني: أنها مستعملة في مضمر وتقديره، يغضوا أبصارهم عما لا يحل من النظر، وهذا قول قتادة. الثالث: أنها مستعملة في المظهر، لأن غض البصر عن الحلال لا يلزم وإنما يلزم غضها عن الحرام فلذلك دخل حرف التبعيض في غض الأبصار فقال: من أبصارهم، قاله ابن شجرة. ويحرم من النظر ما قصد، ولا تحرم النظرة الأولى الواقعة سهواً. روى الحسن البصري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ابنُ آدَمَ لَكَ النَّظْرَةُ الأَولَى وَعَلَيكَ الثَّانِيَة ". تفسير : {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه يعني بحفظ الفرج عفافه، والعفاف يكون عن الحرام دون المباح ولذلك لم يدخل فيه حرف التبعيض كما دخل غض البصر. الثاني: قاله أبو العالية الرياحي المراد بحفظ الفروج في هذا الموضع سترها عن الأبصار حتى لا ترى، وكل موضع في القرآن ذكر فيه الفرج فالمراد به الزنى إلا في هذا الموضع فإن المراد به الستر، وسميت فروجاً لأنها منافذ الأجواف ومسالك الخارجات.
ابن عطية
تفسير : قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} قوله {قل للمؤمنين} بمنزلة قوله إنهم، فقوله {يغضوا} جواب الأمر، وقال المازني المعنى قل لهم غضوا {يغضوا}. ويلحق هذين من الاعتراض أن الجواب خبر من الله وقد يوجد من لا يغض وينفصل بأن المراد يكونون في حكم من يغض، وقوله {من أبصارهم} أظهر ما في {من} أن تكون للتبعيض وذلك أن أول نظرة لا يملكها الإنسان وإنما يغض فيما بعد ذلك فقد وقع التبعيض، ويؤيد هذا التأويل ما روي من قوله عليه السلام لعلي بن أبي طالب "حديث : لا تتبع النظرة فإن الأولى لك وليست لك الثانية" تفسير : الحديث. وقال جرير بن عبد الله سألت النبي عليه السلام عن نظرة الفجأة فقال "حديث : اصرف بصرك" تفسير : ويصح أن تكون {من} لبيان الجنس، ويصح أن تكون لابتداء الغاية، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه، و"حفظ الفروج" يحتمل أن يريد في الزنى ويحتمل أن يريد في ستر العورة والأظهر أن الجميع مراد واللفظ عام، وبهذه الآية حرم العلماء دخول الحمام بغير مئزر وقال أبو العالية كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا إلا هذه الآيتين فإنه يعني التستر. قال الفقيه الإمام القاضي: ولا وجه لهذا التخصيص عندي وباقي الآية بين وظاهره التوعد، وقوله تعالى: {وقل للمؤمنات} الآية أمر الله تعالى النساء في هذه الآية بغض البصر عن كل ما يكره من جهة الشرع النظر إليه، "حديث : وفي حديث أم سلمة قالت: كنت أنا وعائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم فدخل ابن أم مكتوم فقال النبي عليه السلام "احتجبن" فقلنا: أعمى، فقال النبي عليه السلام "أفعمياوان أنتما؟" تفسير : و{من} تحتمل ما تقدم في الأولى، و"حفظ الفروج" يعم الفواحش وستر العورة وما دون ذلك مما فيه حفظ، وأمر الله تعالى بأن {لا يبدين زينتهن} للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، فاختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود ظاهر الزينة هو الثياب، وقال سيعد بن جبير الوجه والثياب، وقال سعيد بن جبير أيضاً وعطاء والأوزاعي الوجه والكفان والثياب، وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة ظاهر الزينة هو الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس، وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آخر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الفقيه الإمام القاضي: ويظهر لي في محكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كل ما غلبها فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه فغالب الأمر أن الوجه بما فيه والكفين يكثر فيهما الظهور، وهو الظاهر في الصلاة، ويحسن بالحسنة الوجه أن تستره إلا من ذي حرمة "محرمة" ويحتمل لفظ الآية أن الظاهر من الزينة لها أن تبديه ولكن يقوي ما قلناه الاحتياط ومراعاة فساد الناس فلا يظن أن يباح للنساء من إبداء الزينة إلا ما كان بذلك الوجه والله الموفق للصواب برحمته، وقرأ الجمهور "ولْيضربن" بسكون اللام التي هي للأمر، وقرأ أبو عمر في رواية عباس عنه و"لِيضربن" بكسر اللام على الأصل لأن أصل لام الأمر الكسر في "ليذهب وليضرب"، وإنما تسكينها كتسكين عضد وفخذ، وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة سدلنها من وراء الظهر قال النقاش كما يصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك فأمر الله تعالى بـ "الخمار على الجيوب" وهيئة ذلك يستر جميع ما ذكرناه، وقالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله المهاجرات الأول لما نزلت هذه الآية عمدن إلى أكثف المروط فشققنها أخمرة وضربن بها على الجيوب. ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك فشقته عليها وقالت إنما يضرب بالكثيف الذي يستر، ومشهور القراءة ضم الجيم من "جُيوبهن" وقرأ بعض الكوفيين بكسرها بسبب الياء كقراءتهم ذلك في بيوت وشيوخ ذكره الزهراوي. {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ} المعنى في هذه الآية ولا يقصدن ترك الإخفاء للزينة الباطنة كالخلخال والأقراط ونحوه ويطرحن مؤونة التحفظ إلا مع من سمي وبدأ تعالى بـ"البعولة" وهو الأزواج لأن إطلاعهم يقع على أعظم من هذا، ثم ثنى به المحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ولكنهم تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر، فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوحها، وتختلف مراتب ما يبدي لهم فيبدي للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج، وقوله {أو نسائهن} يعني جميع المؤمنات فكأنه قال أو صنفهن، ويدخل في هذا الإماء المؤمنات ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم، وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة: "أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين فامنع من ذلك وحل دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة. قال فعند ذلك قام أبو عبيدة فابتهل وقال: أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه. وقوله: {أو ما ملكت أيمانهن} يدخل فيه الإماء الكتابيات ويدخل فيه العبيد عند جماعة من أهل العلم، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، وقال ابن عباس وجماعة من العلماء لا يدخل العبد على سيدته فيرى شعرها ونحو ذلك إلا أن يكون وغداً، فمنعت هذه الفرقة الكشف بملك اليمين وإباحته بأن يكون من {التابعين غير أولي الإربة} وفي بعض المصاحف "ملكت أيمانكم" فيدخل فيه عبدالغير، وقوله {أو التابعين} يريد الأتباع ليطعموا المفسول من الرجال الذين لا إربة لهم في الوطء فهي شرطان، ويدخل في هذه الصفة المجبوب والمعتوه والمخنث والشيخ الفاني والزمن الموقوذ بزمانته ونحو هذا هو الغالب في هذه الأصناف، ورب مخنث لا ينبغي أن يكشف، ألا ترى إلى حديث هند، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كشفه على النساء لما وصف بادنة بنت غيلان بن معتب، وتأمل ما روي في أخبار الدلال المخنث وكذلك الحمقى والمعتوهون فيهم من لا ينبغي أن يكشف، والذي "لا إربة له" من الرجال قليل و {الإربة} الحاجة إلى الوطء، وعبر عن هذا بعض المفسرين، قال هو الذي يتبعك لا يريد إلا الطعام وما تؤكله، وقرأ عاصم وابن عامر "غيرَ" بالنصب وهو على الحال من الذكر الذي في {التابعين}، وقرأ الباقون "غيرِ" بالخفض على النعت لـ {التابعين} والقول فيها كالقول في {أية : غير المغضوب} تفسير : [الفاتحة: 7] وقوله {أو الطفل} اسم جنس بمعنى الجمع ويقال طفل ما لم يراهق الحلم، و {يظهروا} معناه يطلعون بالوطء، والجمهور على سكون الواو من "عوْرات"، وروي عن ابن عامر فتح الواو، وقال الزجاج الأكثر سكون الواو، كجوزات وبيضات لثقل الحركة على الواو والياء، ومن قرأ بالفتح فعلى الأصل في فعلة وفعلات. {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أسند الطبري عن المعتمر عن أبيه قال: زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة واتخذت جزعاً فجعلت في ساقيها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية، وسماع هذه الزينة أشد تحريكاً للشهوة من إبدائها، ذكره الزجاج، قال مكي رحمه الله ليس في كتاب الله آية أكثر ضمائر من هذه جمعت خمسة وعشرين ضميراً للمؤمنات من مخفوض ومرفوع، وقرأ عبد الله بن مسعود "ليعلم ما سر من زينتهن" ثم أمر عز وجل بالتوبة مطلقة وقد قيد توبة الكفار بالإخلاص وبالانتهاء في آية أخرى، وتوبة أهل الذمة بالتبيين، يريد لأمر محمد عليه السلام وأمر بهذه التوبة مطلقة عامة من كل شيء صغير وكبير، وقرأ الجمهور "أيُّهَ" بفتح الهاء، وقرأ ابن عامر "أيُّهَ" بضم الهاء ووجهه أن تجعل الهاء كأنها من نفس الكلمة فيكون إعراب المنادى فيها، وضعف أبو علي ذلك جداً، وبعضهم يقف "أية" وبعضهم يقف "أيها" بالألف، وقوى أبو علي الوقف بالألف لأن علة حذفها في الوصل إنما هي سكونها وسكون اللام فإذا كان الوقف ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على {أية : محلي} تفسير : [المائدة: 1] من قوله {أية : غير محلي الصيد} تفسير : [المائدة: 1]، والاختلاف الذي ذكرناه في {أيه المؤمنون} كذلك هو في {أية : أيه الساحر} تفسير : [الزخرف:49] و {أية : أيه الثقلان} تفسير : [الرحمن: 31] وقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى} هذه المخاطبة لكل من تصور أن ينكح في نازلة ما، فهم المأمورون بتزويج من لا زوج له وظاهر الآية أن المرأة لا تتزوج إلا بولي، والأيم يقال للرجل وللمرأة ومنه قول الشاعر: شعر : "لله در بني على أيم منهم وناكح" تفسير : ولعموم هذا اللفظ قالت فرقة إن هذه الآية ناسخة لحكم قوله تعالى: {أية : والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} تفسير : [النور: 3] وقوله: {والصالحين} يريد للنكاح، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "من عبيدكم" والجمهور على "عبادكم" والمعنى واحد إلا أن قرينة الترفيع بالنكاح يؤيد قراءة الجمهور، وهذا الأمر بالإنكاح يختلف بحسب شخص شخص، ففي نازلة يتصور وجوبه، وفي نازلة الندب وغير ذلك وهذا بحسب ما قيل في النكاح، ثم وعد الله تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين طلب رضى الله عنهم واعتصاماً من معاصيه، وقال ابن مسعود التمسوا الغنى في النكاح، وقال عمر رضي الله عنه عجبي ممن لا يطلب الغنى بالنكاح وقد قال تعالى: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}، قال النقاش هذه الآية حجة على من قال إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيراً لا يقدر على النفقة لأن الله قال {يغنهم} ولم يقل يفرق بينهما، وهذا انتزاع ضعيف، وليست هذه الآية حكماً فيمن عجز عن النفقة وإنما هي وعد بالإغناء كما وعد به مع التفرق في قوله تعالى: {أية : وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ من سعته} تفسير : [النساء: 13] ونفحات رحمة الله مأمولة في كل حال موعود بها، وقوله: {واسع عليم} صفتان نحو المعنى الذي فيه القول أي {واسع} الفضل {عليم} بمستحق التوسعة والإغناء.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} من صلة، أو يغضوها عما لا يحل، أو هي للتبعيض؛ لأن البصر إنما يجب غضه عن الحرام {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} بالعفاف عن الزنا، أو بسترها عن الأبصار، وكل موضع فيه حفظ فالمراد به عن الزنا، إلا في هذا الموضع قاله أبو العالية، وسميت فروجاً؛ لأنها منافذ للبدن.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} الآية. الغض: إطباق الجفن بحيث يمنع الرؤية. قال: شعر : 3826- فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ فَلاَ كَعْباً بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبا تفسير : وفي "مِنْ" أربعة أوجه: أحدها: أنها للتبعيض، لأنه يُعْفَى عن الناظر أول نظرة تقع من غير قصد. والثاني: لبيان الجنس، قاله أبو البقاء. وفيه نظر من حيث إنَّه لم يَتَقَدَّم مُبهمٌ يكونُ مُفَسَّراً بـ "مِنْ". الثالث: أنها لابتداء الغاية، قاله ابن عطية. الرابع: قال الأخفش: إنها مزيدة. فصل قال الأكثرون: المراد غض البص عما يحرم والاقتصار به على ما يحل. فإن قيل: كيف دخلت "مِنْ" في غض البصر دون حفظ الفرج؟ فالجواب: أن ذلك دليل على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن، وكذا الجواري المستعرضات، وأما أمر الفروج فمضيق. وقيل: معنى {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} أي: ينقصوا من نظرهم بالبصر إذا لم يكن من عمله فهو مغضوض. وعلى هذا "مِنْ" ليست زائدة، ولا هي للتبعيض، بل هي صلة للغض، يقال: غضضت من فلان: إذا نقصت منه. فصل العورات تنقسم أربعة أقسام: عورة الرجل مع الرجل. وعورة المرأة مع المرأة. وعورة المرأة مع الرجل. وعورة الرجل مع المرأة. أما الرجل مع الرجل، فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه إلا العورة، وهي ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليسا بعورة. وعند أبي حنيفة: الركبة عورة. وقال مالك: "الفخذ ليس بعورة". وهو مردود بقوله عليه السلام: "حديث : غَطِّ فَخَذَكَ فإنَّهَا مِنَ العَوْرَةِ ". تفسير : وقوله لعلي: "حديث : لا تُبْرِزْ فَخذَكَ، وَلاَ تَنْظُر إلى فَخِذِ حَيٍّ وَلاَ مَيِّتٍ ". تفسير : فإن كان أمر ولم يحل النظر إلى وجهه، ولا إلى شيء من سائر بدنه بشهوة، ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش لقوله عليه السلام: "حديث : لا يُفضي الرجل إلى الرجل في فراش واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد"تفسير : . وتكره معانقة الرجل للرجل وتقبيله إلا لولده شفقة لما روي عن أنس قال: "حديث : قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال: أيلزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: أفيأخذ يده فيصافحه؟ قال: نعم ". تفسير : ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المكاعمة والمكامعة، وهي: معانقة الرجل للرجل وتقبيله. وأما عورة المرأة مع المرأة، فهي كالرجل مع الرجل فيما ذكرنا سواء. والذمية هل يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة؟ فقيل: هي كالمسلمة مع المسلمين. والصحيح أنه لا يجوز لها (النظر) لأنها أجنبية في الدين لقوله تعالى: "أَوْ نِسَائِهِنَّ" وليست الذمية من نسائنا. وأما عورة المرأة مع الرجل، فإما أن تكون (أجنبية، أو ذات محرم، أو مستمتعة. فإن كانت أجنبية فإما أن تكون حرة أو أمة. فإن كانت) حرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إخراج الكف للأخذ والعطاء، والمراد: الكف إلى الكوع. واعلم أن النظر إلى وجهها ينقسم ثلاثة أقسام: إما ألاّ يكون فيه غرض ولا فتنة، وإما أن يكون فيه غرض ولا فتنة، وإما أن يكون لشهوة. فإن كان لغير غرض فلا يجوز النظر إلى وجهها، فإن وقع بصره عليها بغتة غض بصره لقوله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ}. وقيل: يجوز مرة واحدة إذا لم تكن فتنة، وبه قال أبو حنيفة. ولا يجوز تكرار النظر لقوله عليه السلام: "حديث : لا تُتْبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة ". تفسير : وقال جابر: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري. فإن كان فيه غرض ولا فتنة، وهو أمور: أحدها: أن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفيْها لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي سأله أنْ يتزوج امرأة من الأنصار: "حديث : انظُرْ إليْهَا، فإنَّ في أعين الأنصار شيئاً" تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : إذا خطب أحدُكُم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان ينظر إليها للخطبة ". تفسير : وقال المغيرة بن شعبة: "حديث : خطبت امرأة، فقال عليه السلام: نظرت إليها؟ فقلت: لا. قال: فانظر فإنه أحْرى أن يؤدم (بينكما) ". تفسير : وذلك يدل على جواز النظر بشهوة إلى الوجه والكفين إذا أراد أن يتزوجها ولقوله تعالى: {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} تفسير : [الأحزاب: 52] ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههن. وثانيها: أنه إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر منها إلى ما ليس بعورة. وثالثها: عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة. ورابعها: ينظر إليها عند تحمل الشهادة، ولا ينظر إلى غير الوجه. فإن كان النظر لشهوة فهو محرم لقوله عليه السلام: "حديث : العينان تزنيان ". تفسير : وأما النظر إلى بدن الأجنبية فلا يجوز إلا في صور: أحدها: يجوز للطبيب الأمين أن ينظر للمعالجة والختان، ينظر إلى فرج المختون للضرورة. وثانيها: أن يتعمد النظر إلى فرج الزانيين ليشهد على الزنا، وكذلك ينظر إلى فرجها ليشهد على الولادة، وإلى ثدي المرضعة ليشهد على الرضاع. وقال بعض العلماء لا يجوز للرجل أن يقصد النظر في هذه المواضع، لأن الزنا مندوب إلى ستره، وفي الولادة والرضاع تقبل شهادة النساء، فلا حاجة إلى نظر الرجال. وثالثها: لو وقعت في غرق أو حرق له أن ينظر إلى بدنها لتخليصها. فإن كانت الأجنبية أمة فقيل: عورتها ما بين السرة والركبة. وقيل: عورتها ما لا يبين في المهنة، فخرج منه عنقها وساعدها ونحرها ولا يجوز لمسها ولا لها لمسه بحال إلا لحاجة، لأن اللمس أقوى من النظر، لأن الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطره. فصل فإن كانت المرأة ذات محرم بنسب أو رضاع فعورتها مع الرجل المحرم كعورة الرجل مع الرجل. وقيل: عورتها ما لا يبدو عند المهنة، وهو قول أبي حنيفة. وستأتي بقية التفاصيل - إن شاء الله تعالى - في تفسير الآية. فصل فإن كانت المرأة مستمتعة كالزوجة والأمة التي يحل وطؤها فيجوز للزوج والسيد أن ينظر إلى جميع بدنها حتى الفرج، إلا أنه يكره النظر إلى الفرج وكذا إلى فرج نفسه، لأنه يروى أنه يورث الطمس. وقيل: لا يجوز (النظر) إلى فرجها، ولا فرق فيه بين أن تكون الأمة قِنّ أو مدبرة أو أم ولد أو مرهونة. فإن كانت مجوسية، أو مرتدة، أو وثنية، أو مشتركة بينه وبين غيره، أو مزوجة، أو مكاتبة فهي كالأجنبية لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إذا زوَّج أحدُكُم جاريتَه عبدَه أو أجيره فعورته معها ما بين السرة والركبة ". تفسير : فصل فأما عورة الرجل مع المرأة فلا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة، ولا تكرير النظر إلى وجهه لما حديث : روت أم سلمة أنَّها كانت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وميمونة، إذ أقبل ابن أم مكتوم، فقال: "احتجبَا عنه" فقالت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرُنا؟ فقال عليه السلام: "أَفعمياوان أنْتُمَا؟ ألستما تبصرانه"تفسير : ؟. وإن كان محرماً لها فعورته ما بين السرة والركبة. وإن كان زوجها أو سيدها الذي له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه، غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها. فصل ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خالٍ وله ما يستر عورته، لأنه عليه السلام سئل عنه فقال: "حديث : الله أحق أن يُسْتَحيَى منه" تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : إيَّاكُمْ والتَّعَرِّي، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله ". تفسير : قوله: "وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ" أي: عما لا يحل. وقال أبو العالية: كلُّ ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا والحرام إلا في هذا الموضع فإنه أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه. وهذا ضعيف، لأنه تخصيص من غير دليل، والذي يقتضيه الظاهر حفظ الفروج عن سائر ما حرم عليهما من الزنا واللمس والنظر. قوله: {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ}. أي: غض البصر وحفظ الفرج أزكى لهم، أي: خير لهم وأطهر {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} عليمٌ بما يفعلون. قوله: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} الكلام فيه كما تقدم وقدم غض البصر على حفظ الفرج لأن النظر بريد الزنا، والبلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراز منه. قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} أي: لا يظهرن زينتهن لغير محرم، والمراد بالزينة: الخفية، وهما زينتان: خفية وظاهرة. فالخفية: مثل الخلخال والخضاب في الرِّجْل، والسوار في المعصم، والقرط والقلائد، فلا يجوز لها إظهارها، ولا للأجنبي النظر إليها. والمراد بالزينة: موضع الزينة. وقيل: المراد بالزينة: محاسن الخَلْق التي خلقها الله، وما تزين به الإنسان من فضل لباس، لأن كثيراً من النساء ينفردن بخَلْقِهِنَّ من سائر ما يُعَدُّ زينة، فإذا حملناه على الخِلْقَة وفينا العموم حقه، ولا يمنع دخول ما عدا الخِلْقة فيه، ولأنَّ قوله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} يدل على أن المراد من الزينة ما يعم الخِلْقة وغيرها، فكأنها تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقهن، موجباً سترها بالخمار. قوله: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. أما الذين حملوا الزينة على الخلقة فقال القفال: معنى الآية: إلا ما يظهره الإنسان في العادة، وذلك من النساء: الوجه والكفان، ومن الرجال: الوجه واليدان والرجلان، فرخص لهم في كشف ما اعتيد كشفه، وأدت الضرورة إلى إظهاره، وأمرهم بستر ما لا ضرورة في كشفه. ولما كان ظهور الوجه والكفين ضرورة لا جرم اتفقوا على أنهما ليسا بعورة. وأما القدم فليس ظهوره ضرورياً فلا جرم اختلفوا فيه هل هو من العورة أم لا؟ والصحيح أنه عورة. وفي صوتها وجهان: أصحهما ليس بعورة، لأن نساء النبي - عليه السلام - كن يروين الأخبار للرجال. وأما الذين حملوا الزينة على ما عد الخلقة، قالوا: إنه تعالى إنما ذكر الزينة لأنه لا خلاف في أنه يحل النظر إليها حال (انفصالها عن أعضاء المرأة، فلما حرم الله النظر إليها حال) اتصالها ببدن المرأة كان ذلك مبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة. وعلى هذا القول يحل النظر إلى زينة وجهها من الوَشمَة والغُمْرَة، وزينة بدنها من الخضاب والخواتيم والثياب، لأن سترها فيه حرج، لأن المرأة لا بد لها من مزاولة الأشياء بيديها، والحاجة إلى كشف وجهها للشهادة والمحاكمة والنكاح. قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي: "الزينة الظاهرة التي استثنى الله الوجهُ والكفان". وقال ابن مسعود: هي الثياب، لقوله تعالى: {أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} تفسير : [الأعراف: 31]. وقال الحسن: الوجه والثياب. وقال ابن عباس: الكحْل والخاتم والخضاب في الكف. فما كان من الزينة الظاهرة يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها إذا لم يخف فتنة وشهوة، فإن خاف شيئاً منها غض البصر. فصل واتفقوا على تخصيص قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بالحرائر دون الإماء والمعنى فيه ظاهر، لأن الأمة مالٌ، فلا بد من الاحتياط في بيعها وشرائها، وذلك لا يمكن إلا بالنظر إليها على الاستقصاء. قوله: "وَلْيَضْرِبْنَ". ضمن "يضْرِبْنَ" معنى "يُلْقِينَ" فلذلك عداه بـ "على". وقرأ أبو عمرو في رواية بكسر لام الأمر. وقرأ طلحة: "بِخُمْرهنَّ" بسكون الميم. وتسكين "فَعْل" في الجمع أولى من تسكين المفرد. وكسر الجيم من "جِيُوبِهِنَّ" ابن كثير والأخوان وابن ذكوان. والخُمُر: جمع خمار، وفي القلة يجمع على أخْمِرة. قال امرؤ القيس: شعر : 3827- وَتَرَى الشَّجْراءَ فِي رِيِّقِهِ كَرُؤُوسٍ قُطِعَتْ فِيهَا الخُمُرْ تفسير : والجيب: ما في طوق القميص يبدو منه بعض الجسد. فصل قال المفسرون: إنَّ نساء الجاهلية كنَّ يُسْدِلْنَ خُمُرهن من خلفهن، وإن جيوبهن كانت من قدام، وكانت تنكشف نحورهن وقلائدهن، فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتغطي بذلك أعناقهن ونحورهن. قالت عائشة: رحم الله نساءَ المهاجرات الأُوَل، لما أنزل الله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} شققن مروطهن فاختمرن بها. قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} يعني الزينة الخفية التي لم يبح لهنَّ كشفها في الصلاة ولا للأجانب، وهو ما عد الوجه والكفين "إِلاَّ لِبُعولَتهنَّ" قال ابن عباس ومقاتل: يعني لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن {أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة، ولا ينظروا إلى ما بين السرة والركبة إلا الزوج فإنه يجوز له أن ينظر على ما تقدم، وهؤلاء محارم. فإن قيل: أيحل لذي المحرم في المملوكة والكافرة ما لا يحل في المؤمنة؟ فالجواب: إذا ملك المرأة من محارمه فله أن ينظر منها إلى بطنها وظهرها لا على وجه الشهوة فإن قيل: فما القول في العم والخال؟ فالجواب: أن الظاهر أنهما كسائر المحارم في جواز النظر، وهو قول الحسن البصري قال: لأن الآية لم يذكر فيها الرضاع، وهو كالنسب، وقال في سورة الأحزاب {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ} تفسير : الآية [الأحزاب: 55] ولم يذكر فيها البعولة، وقد ذكره هنا. وقال الشعبي: إنما لم يذكرهما الله لئلا يصفها العم عند ابنه، والخال كذلك. والمعنى: أن سائر القرابات تشترك مع الأب والابن في المحرمية إلا العم والخال وابناهما، وإذا رآها الأب وصفها لابنه وليس بمحرم، وهذا من الدلالات البليغة في وجوب الاحتياط عليهن في النسب. فصل والسبب في إباحة نظر هؤلاء إلى زينة المرأة هو الحاجة إلى مداخلتهن ومخالطتهن واحتياج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار في النزول والركوب. قوله: "أَوْ نِسَائِهِنَّ". قال أكثر المفسرين: المراد اللاَّئِي على دينهن. قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة، ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها. وكتب عُمَر إلى أبي عبيدة أن تمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات. وقيل: المراد بـ "نِسَائِهِنَّ" جميع النساء. وهذا هو الأولى، وقول السلف محمول على الاستحباب. قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ}. وهذا يشمل العبيد والإماء، واختلفوا في ذلك: فقال قوم: عبد المرأة مَحْرَم لها يجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفاً، وأن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة كالمحارم، وهو ظاهر القرآن، وهو مروي عن عائشة وأم سلمة. حديث : وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قَنعْت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغُلامك"تفسير : . وعن مجاهد: "كنَّ أمهات المؤمنين لا يحتجبن عن مكاتبهن ما بقي عليه درهم". وكانت عائشة تمتشط والعبد ينظر إليها. وقال ابن مسعود والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب: لا ينظر العبد إلى شعر مولاته. وهو قول أبي حنيفة. وقال ابن جريج: المراد من الآية: الإماء دون العبيد، وأن قوله: {أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} أنه لا يحل لامرأةٍ مسلمة أن تتجرد بين امرأة مشركة إلا أن تكون تلك المشركة أمةً لها. قوله: {أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ}. قرأ ابن عامر وأبو بكر: "غَيْرَ" نصباً، وفيها وجهان: أحدهما: أنه استثناء. وقيل: على القطع، لأن "التَّابِعِينَ" معرفة و"غَيْر" نكرة. والثاني: أنه حال. والباقون: "غيرِ" بالجر نعتاً، أو بدلاً، أو بياناً. والإِرْبَةُ: الحاجةُ. وتقدم اشتقاقها في "طه". (قوله: "مِنَ الرِّجَالِ" حال من "أُولِي"). فصل المراد بـ {ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ}. قال مجاهد وعكرمة والشعبي: هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم، لا همة لهم إلا ذلك، ولا حاجة لهم في النساء. وعن ابن عباس: أنه الأحمق العنين. وقال الحسن: "هو الذي لا ينتشر ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن". وقال سعيد بن جبير: المعتوه. وقال عكرمة: المجبوب. وقيل: هو المخنّث. وقال مقاتل: هو الشيخ الهرم والعنِّين والخَصِيّ والمجبوب ونحوه. واعلم أن الخَصِيّ والمجبوب ومن يشاكلهما قد لا يكون له إربة في نفس الجماع، ويكون له إربة فيما عداه من التمتع، وذلك يمنع من أن يكون هو المراد، فيجب أن يحمل المراد على من لا إربة له في سائر وجوه التمتع لما روت عائشة قالت: "حديث : كانَ رجلٌ مخنَّثٌ يدخل على أزواج - النبي صلى الله عليه وسلم - فكانوا يَعدُّونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوماً وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمانٍ. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَلاَ أرى هذا يعلم ما هَهُنا، لا يَدْخُلَنَّ هَذا" فحجبوه ". تفسير : وفي رواية عن زينب بنت أم سلمة "حديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخلَ عليها وعندها مخنَّث، فأقبل على أخي أم سلمة، فقال: "يا عبد الله، إن فتح الله غداً لكم الطائف دللتك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان". فقال عليه السلام: "لا يدخُلَنَّ عليكم هذا" تفسير : فأباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخول المخنث عليهن، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهنَّ علم أنه من أولي الإربة، فحجبه. وفي الخَصِيّ والمجبوب ثلاثة أوجه: أحدها: استباحة الزينة الباطنة. والثاني: تحريمها. (والثالث: تحريمها) على المَخْصِيّ دون المجبوب. قوله: {أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ}. تقدم في الحج أن الطفل يطلق على المثنى والمجموع، فلذلك وصف بالجمع. وقيل: لما قصد به الجنس روعي فيه الجمع كقولهم: "أَهْلَكَ النَّاسَ الدِّينَار الحمْر والدِّرْهَمُ البِيضُ". و"عَورَاتِ" جمع عَوْرَةٍ، وهو ما يريد الإنسان ستره من بدنه، وغلب في السَّوأَتَيْن. والعامة على "عوْرات" بسكون الواو، وهي لغة عامة العرب، سكنوها تخفيفاً لحرف العلة. وقرأ ابن عامر في رواية "عَوَرَاتِ" بفتح الواو. ونقل ابن خالويه أنها قراءة ابن أبي إسحاق والأعمش، وهي لغة هذيل بن مدركة. قال الفراء: وأنشد في بعضهم: شعر : 3828- أَخُو بَيَضَاتٍ رائِحٌ مُتَأوِّبٌ رَفِيقٌ بمَسْحِ المَنْكبَيْنِ سَبوح تفسير : وجعلها ابنُ مجاهد لحناً وخطأ، يعني: من طريق الرواة، وإلا فهي لغة ثانية. (فصل) الظهور على الشيء يكون بمعنى العلم به، كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الكهف: 20] أي: يشعروا بكم. ويكون بمعنى الغلبة عليه، كقوله: "فَأَصْبَحُوا ظَاهِرينَ". فلهذا قال مجاهد وابن قتيبة: معناه: لم يطلعوا على عورات النساء، ولم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر. وقال الفراء والزجاج: لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء. وقيل: لم يبلغوا حدّ الشهوة. فصل فأما المراهق فيلزم المرأة أن تستُر منه ما بين سرتها وركبتها، وفي لزوم ستر ما عداه وجهان: الأول: لا يلزم، لأن القلم غير جار عليه. والثاني: يلزم كالرجل، لأنه مشتهى، والمرأة قد تشتهيه، واسم الطفل شامل له إلى أن يحتلم وأما الشيخ فإن بقيت له شهوة فهو كالشاب، وإن لم تبق له شهوة ففيه وجهان: أحدهما: أن الزينة الباطنة معه مباحة، والعورة معه ما بين السرة والركبة. والثاني: أن جميع البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة. وههنا آخر الصور التي استثناها الله تعالى، (والرضاع كالنسب). قوله: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ}. قال ابن عباس وقتادة: كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجليها ليسمع قعقعة خلخالها، فنُهِينَ عن ذلك؛ لأن الذي تغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعية له زائدة إلى مشاهدتهن، وعلل تعالى ذلك بقوله: {لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} وفي الآية فوائد: الأولى: لما نهي عن استماع الصوت الدال على وجود الزينة، فلأن يدل على المنع من إظهار الزينة أولى. الثانية: أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب، إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة (من صوت خلخالها، ولذلك كرهوا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت، والمرأة منهية عنه. الثالثة: تدل على تحريم النظر إلى وجهها بشهوة، لأن ذلك أقرب إلى الفتنة). قوله تعالى: {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا ٱلْمُؤْمِنُونَ}. قال ابن عباس: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة. وقيل: تُوبُوا من التقصير الواقع منكم في أمره ونهيه. وقيل: راجعوا طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من الآداب المذكورة في هذه السورة. قوله: "أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ". العامة على فتح الهاء وإثبات ألف بعد الهاء، وهي "ها" التي للتنبيه. وقرأ ابن عامر هنا وفي الزخرف "يأَيُّهُ السَّاحِر" [الزخرف: 49] وفي الرحمن "أَيُّهُ الثقلان" [الرحمن: 31] بضم الهاء وصلاً، فإذا وقف سكن. ووجهها: أنه لما حذفت الألف لالتقاء الساكنين استحقت الفتحة على حرف خفي، فضمت الهاء إتباعاً. وقد رُسِمَتْ هذه المواضع الثلاثة دون ألف، فوقف أبو عمرو والكسائي بألف والباقون بدونها اتباعاً للرسمِ، ولموافقة الخط للفظ. وثبتت في غير هذه المواضع حَمْلاً لها على الأصل نحو: {أية : يَأَيُّهَا النَّاسُ} تفسير : [الحج: 1]، {أية : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} تفسير : [النساء: 71] وبالجملة فالرسم سنة متبعة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: حديث : مر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان: إنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا اعجاباً به، فبينا الرجل يمشي إلى جنب حائط ينظر إليها، إذ استقبله الحائط فشق أنفه فقال: والله لا اغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلمه أمري، فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا عقوبة ذنبك" وأنزل الله {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم...} الآية . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم...} الآية أي عما لا يحل لهم {ويحفظوا فروجهم} أي عما لا يحل لهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} قال من شهواتهم عما يكره الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} يعني أبصارهم، فمن هنا صلة في الكلام. يعني يحفظوا أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه، ويحفظوا فروجهم عن الفواحش {ذلك أزكى لهم} يعني غض البصر، وحفظ الفرج. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كل آية يذكر فيها حفظ الفرج، فهو من الزنا إلا هذه الآية في النور {ويحفظوا فروجهم} {ويحفظن فروجهن} فهو ان يراها. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: حديث : قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك قلت: يا نبي الله إذا كان القوم بعضهم في بعض قال: إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها قلت: إذا كان أحدنا خالياً قال: الله أحق أن يستحي منه من الناس . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن العلاء بن زياد قال: كان يقال لا تتبعن بصرك حسن رداء امرأة، فإن النظر يجعل شبقاً في القلب. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: الشيطان من الرجل على ثلاثة منازل: على عينيه، وقلبه، وذكره، وهو من المرأة على ثلاثة: على عينها، وقلبها، وعجزها. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن جرير البجلي قال: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في سننه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي "حديث : لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من حديث علي مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : قال لا تجلسوا في المجالس، فإن كنتم لا بد فاعلين، فردوا السلام، وغضوا الأبصار، واهدوا السبيل، وأعينوا على الحمولة ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إياكم والجلوس على الطرقات قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا. نتحدث فيها فقال: إن أبيتم فاعطوا الطريق حقه قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ". تفسير : وأخرج أبو القاسم البغوي في معجمه والطبراني عن أبي أمامة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة. إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا ائتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم ". تفسير : وأخرج أحمد والحكيم في نوادر الأصول والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من مسلم ينظر إلى امرأة أول رمقة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة. فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطو، والنفس تمني وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أثابه إِيماناً يجد حلاوته في قلبه ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل عين باكية يوم القيامة، إلا عيناً غضت عن محارم الله، وعيناً سهرت في سبيل الله، وعيناً خرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ".
التستري
تفسير : قوله: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ}[30] أي غضوا أبصاركم عن محارم الله تعالى، هو عن النظر من غير غيرة. وروي عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : اضمنوا لي ستة أضمن لكم الجنة، أصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إلى ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم"تفسير : . وحكي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه سئل: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت في الصلاة؟ قال: ولا في غير الصلاة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [الآية: 30]. قال ابن عطاء: إبصار الرءوس عن المحارم، وإبصار القلوب عما سواه. قال الصادق فى هذه الآية: الغض عن المحارم، وعما لا يليق بالحق فرض على العباد، فرض الفرض غض المخاطر عن كل ما يستجلبه العبد، ومعناه حفظ القلب وخواطره عن النظر إلى الكون فيكون به طريدًا غافلاً محجوبًا وإن كان ذلك ما حاله فى الظاهر.
القشيري
تفسير : {يَغُضُّواْ}: من أبصار الظواهر عن المُحَرَّمات، ومن أبصار القلوب عن الفِكَرِ الرَّدِيّة، ومن تصوُّرِ الغائبات عن المعاينة، ولقد قالوا: إنَّ العينَ سببُ الحَيْن، وفي معناه أنشدوا: شعر : وأنتَ إذا أرسلتَ طَرْفَك رائداً لقلبِك - يوماً - أتْعَبَتْكَ المناظرُ تفسير : وقالوا: مَنْ أرسل طَرْفَه اقتضى حَتْفَه. وإن النظرَ إلى الأشياء بالبَصَرِ يوجِبُ تَفْرِقَةَ القلوب. ويقال إن العدوَّ إبليسَ يقول: قومي القديمُ وسهمي الذي لا يخطىء النظرُ. وأرباب المجاهدات إذا أرادوا صَوْنَ قلوبهم عن الخواطر الردية لم ينظروا إلى المحَسَّات - وهذا أصلٌ كبيرٌ لهم في المجاهدة في أحوال الرياضة. ويقال قَرَنَ اللَّهُ النهي عن النظر إلى المحارم بذكر حفظ الفَرْجِ فقال: {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} تنبيهاً على عِظَمِ خَطَرِ النظر؛ فإنه يدعو إلى الإقدام على الفعل. ويقال قومٌ لا ينظرون إلى الدنيا وهم الزُّهَّاد، وقومٌ لا ينظرون إلى الكون وهم أهل العرفان، وقومٌ هم أهل الحفاظ والهيبة كما لا ينظرون بقلوبهم إلى الأغيار لا يرون نفوسهم أهلاً للشهود، ثم الحق - سبحانه - يكاشفهم من غير اختيارٍ منهم أو تعرُّضٍ أو تكلف.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} اى يغضوا ابصار اسرارهم عن الحدثان اجمع وعن نفوسهم ومعاملاتهم واحوالهم ورواحهم واشخاصهم بنعت التلاشى فى وجود الحق وظهرو ذاته ---- ليكونوا بوصف ما وصف الله حبيبه عند قربه ومداناته بقوله ما زاغ البصر وما طفى قال ابن عطا ابصار الرؤس عن المحارم وابصار القلوب عما سواه.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} يا محمد {للمؤمنين} حذف مفعول الامر تعويلا على دلالة جوابه عليه اى قل لهم غضوا {يغضوا من ابصارهم} عما يحرم: وبالفارسية [بيوشند ديدهاى خودرا ازديدن نامحرم كه نظر سبب فتنه است]، والغض اطباق الجفن بحيث يمنع الرؤية ولما كان ما حرم النظر اليه بعضا من جملة المبصرات تبعض البصر باعتبار تبعض متعلقة فجعل ماتعلق بالمحرم بعضا من البصر وامر بغضه {ويحفظوا فروجهم} عمن لا يحل او يستروها حتى لاتظهر والفرج الشق بين الشيئين كفرجة الحائط والفرج مابين الرجلين وكنى به عن السوءة وكثر حتى صار كالصريح فيه اتى بمن التبعيضية فى جانب الابصار دون الفروج مع ان المأمور به حفظ كل واحد منهما عن بعض ما تعلقا به فان المستثنى من البصر كثير فان الرجل يحل له النظر الى جميع اعضاء ازواجه واعضاء ما ملكت يمينه وكذا لا بأس عليه فى النظر الى شعور محارمه وصدورهن وثديهن واعضائهن وسوقهن وارجلهن وكذا من امة الغير حال عرضها للبيع ومن الحرة الاجنبية الى وجهها وكفيها وقدميها فى رواية فى القدم بخلاف المستثنى من الفرج فانه شىء نادر قليل وهو فرج زوجته وامته فلذلك اطلق لفظ الفرج ولم يقيد بما استثنى منه لقلته وقيد غض البصر بحرف التبعض {ذلك} اى ماذكر من الغض والحفظ {ازكى لهم} اى اطهر لهم من دنس الريبة {ان الله خبير بما يصنعون} لا يخفى عليه شىء فليكونوا على حذر منه فى كل حركة وسكون ـ روى، عن عيسى ابن مريم عليهما السلام انه قال اياكم والنظرة فانها تزرع فى القلب شهوة، قال الكاشفى [درذخيرة الملوك آورده كه تيزرترين بيكى شيطانرا دروجود انسان جشم است زيرا حواس ديكر درمسماكن خود ساكن اند وتاجيزى بديشان نميررسد باستدراج آن مشغول نميتوانند شد امياديده حاسه ايست كه ازدور ونزيدك ابتلا وانام راصيد ميكند شعر : اين همه آفت كه بتن ميرسد از نظر توبه شكن ميرسد ديده فرويوش جودر در صدف تانشوى تيربلارا هدف تفسير : وفى النصاب النظرة الاولى عفو والذى يليها عمد وفى الاثر "حديث : ياابن آدم لك النظرة الاولى فما بال الثانية"تفسير : وفى الحديث "حديث : اضمنوا لى ستا من انفسكم اضمن لكم الجنة اصدقوا اذا حدثتم واوفوا اذا وعدتم وادوا ماائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا ابصاركم وكفوا ايديكم"تفسير : وفى الحديث "حديث : بينما رجل يصلى اذ مرت به امرأة فنظر اليها واتبعها بصره فذهبت عيناه ". تفسير : قال الشيخ نجم الدين فى تأويلاته يشير الى غض ابصار الظواهر من المحرمات وابصار النفوس عن شهوات الدنيا ومألوفات الطبع ومستحسنات الهوى وابصار القلوب عن رؤية الاعمال ونعيم الآخرة وابصار الاسرار عن الدرجات والقربات وابصار الارواح عن الالتفات لما سوى الله وابصار الهمم عن العلل بان لا يروا انفسهم اهلا للشهود من الحق سبحانه غيرة عليه تعظيما واجلالا ويشر ايضا الى حفظ فروج الظواهر عن المحرمات وفروج البواطن عن التصرفات فى الكونين لعلة دنيوية او اخروية {ذلك ازكى لهم} صيانة عن تلوث الحدوث ورعاية للحقوق عن شوب الحظوظ {ان الله خبير بما يصنعون} يعملون للحقوق والحظوظ اللهم اجعلنا من الذين يراعون الحقوق فى كل عمل.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {قل للمؤمنين}، ويندرج فيهم المستأذنون بعد دخولهم البيوت اندراجاً أوَّلِيّاً، أي: قل لهم: {يغضُّوا مِنْ أبصارهم}، و "مِن": للتبعيض، والمراد: غض البصر عما يحرم، والاقتصار على ما يحل. ووجه المرأة وكفاها ليس بعورة، إلا خوف الفتنة، فيحل للرجل الصالح أن يرى وجه الأجنبية بغير شهوة. وفي الموطأ: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم، أو مع غلامها؟ قال مالك: لا بأس بذلك، على وجه ما يُعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال، وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله. هـ. وقال ابن القطان: فيه إباحة إبداء المرأة وجهها ويديها للأجنبي، إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا، وقد أبقاه الباجِي على ظاهره, وقال عياض: ليس بواجب أن تستر المرأة وجهها, وإنما ذلك استحباب أو سنَّة لها، وعلى الرجل غض بصره. ثم قال في الإكمال: ولا خلاف أن فرض ستر الوجه مما اختص به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. هـ. {و} قل لهم أيضاً: {يحفظوا فُرُوجَهُم}، إلا على أزواجهم، أو ما ملكت أيمانهم، وتقييد الغض بمن التبعيضية، دون حفظ الفروج؛ لِما في النظر من السَّعَة، فيجوز النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها وقدميها، وإلى رأس المحارم والصدور والساقين والعضدين. قاله النسفي. قلت: ومذهب مالك: حرمة نظر الساقين والعضدين من المحرَم، فإن تعذر التحرر مِنْهُ، كشغل البنات في الدار، باديات الأرجلِ، فليتمسك بقول الحنفي، إن لم يقدر على غض بصره. قاله شيخنا الجنوي. {ذلك أَزْكَى لهم} أي: أطهر لهم من دَنَسِ الإثم أو الريبة، {إن الله خبير بما يصنعون}، وفيه ترغيب وترهيب، يعني: أنه خبير بأحوالهم وأفعالهم، فكيف يجيلون أبصارهم، وهو يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور؟! فعليهم، إذا عرفوا ذلك، أن يكونوا منه على حَذر. {وقُلْ للمؤمنات يَغْضُضْنَ من أبصارهن}؛ بالتستر والتصون عن الزنا، فلا تنظر إلى ما لا يحل لهن النظر إليه من عورات الرجال والنساء، وهي من الرجل: ما عدا الوجه والأطراف، ومن النساء: ما بين السرة والركبة، فلا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجل ما سوى الوجه والأطراف، أو بشهوة. وقيل: إن حصل الأمن من الشهوة جاز، وعليه يحمل نظر عائشة إلى الحبشة. {وَيَحْفَظْنَ فُروجَهُنَّ} من الزنا والمساحقة. وإنما قدّم غض البصر على حفظ الفروج؛ لأن النظر بريد الزنا، ورائد الفجور، فَبَذْرُ الهوى طُمُوحُ العَيْنِ. {ولا يُبدينَ زينتَهُن}؛ كالحُلي، والكحل، والخِصاب، والمراد بالزينة: مَوَاضِعُها، فلا يحل للمرأة أن تظهر مواضع الزينة، كانت مُتَحَلِّيَةً بها أم لا، وهي: الرأس، والأُذن، والعنق، والصدر، والعضدان، والذراع، والساق. والزينة هي: الإكليل، والقرط، والقلادة، والوِشاح، والدملج، والسوار والخلخال. {إلا ما ظهرَ منها}؛ إلا ما جرت العادة بإظهارها، وهو الوجه والكفان، إلا لخوف الفتنة، زاد أبو حنيفة: والقدمين، ففي ستر هذه حرج؛ فإن المرأة لا تجد بُدّاً من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات، وظهور قدميها، ولا سيما الفقيرات منهن. قاله النسفي. {وليَضْرِبْنَ بخُمُرِهنَّ على جُيُوبهنَّ} أي: وَلْيَضَعْنَ خُمُرَهنَّ، جمع خمار، وهو ما يستر الرأس، {على جيوبهن}، وهو شَقُّ القميص من ناحية الصدر، وكانت النساء على عادة الجاهلية يَسْدِلْنَ خُمُرَهُنَّ مِنْ خَلْفِهِنَّ، فتبدو نحورُهن وقلائدهُن من جيوبهن، وكانت واسعةً، يبدو منها صدورهن وما حواليها، فأُمِرْنَ بإسدال خُمُرِهن على جيوبهن؛ ستراً لما يبدو منها. وقد ضمَّنَ الضَّرْبَ معنى الإلقاء والوضع، فَعُدِّيَ بعلى. {ولا يُبدين زينتهنَّ} أي: مواضع الزينة الباطنة؛ كالصدر، والرأس، ونحوهما، كرره: ليستثني منه ما رخص فيه، وهو قوله: {إلا لِبُعُولَتِهِنَّ}؛ لأزواجهن، فإنهم المقصودون بالزينة. ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج، {أو آبائِهنَّ}، ويدخل فيهم الأجداد، {أو آباء بُعُولَتِهنَّ}؛ فقد صاروا محارم، {أو أبنائهن}، ويدخل فيهم الأحفاد، {أو أبناء بُعولتِهِنَّ}؛ لأنهم صاروا محارم أيضاً، {أو إِخوانهن} الشقائق، أو لأب، أو لأم، {أو بني إخوانهن أو بني أخَوَاتِهِنَّ} وإن سفلوا، ويدخل سائر المحارم، كالأعمام، والأخوال، وغيرهم؛ لكثرة المخالطة وقلة توقع الفتنة من قِبلَهِم، فإن تحققت؛ حيل بينهم، وعدم ذكر الأعمام والأخوال، لأن الأحوط أن يُسْتَرْنَ عنهم؛ حذراً من أن يَصِفُوهُنَّ لأبنائهم، {أو نسائهنّ}؛ يعني جميع المؤمنات؛ فكأنه قال: أو صنفهن؛ ويخرج من ذلك نساء الكفار؛ لئلا يَصفْنَهُنَّ إلى الرجال، {أو ما ملكت أيمانُهنّ}، يعني: الإماء المؤمنات أو الكتابيات، وأما العبيد ففيهم ثلاثة أقوال: منع رؤيتهم لسيدتهم، وهو قول الشافعي، والجواز، وهو قول ابن عباس وعائشة، والجواز بشرط أن يكون العبد وَغْداً، وهو قول مالك. قال البيضاوي: رُوي أنه - عليه الصلاة والسلام - أتى فَاطِمَةَ بعبد، وَهَبَهُ لها، وعليها ثوب إذا قَنَّعَتْ به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطّت رجليها لم يبلغ رأسها، فقال - عليه الصلاة والسلام: "حديث : إنه ليس عليك بأسٌ، إنما هو أبوكِ وغلامُك"تفسير : ، فانظر من أخرجه. واختلف: هل يجوز أن يراها عبد زوجها، وعبد الأجنبي، أم لا؟ على قولين. {أو التابعين غير أُولِي الإرْبة من الرجالِ} أي: الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم، أو لخدمة، أو لشيء يُعْطَاهُ، كالوكيل والمتصرف. وقال بعضهم: هو الذي يتبعك وَهَمُّهُ بَطْنُهُ، ويشترط ألا تكون له إِربةٌ، أي: حاجة وشهوة إلى النساء؛ كالخَصِيِّ، والمُخَنَّثِ، والشيخ الهَرِم، والأحمق، فلا تجوز رؤيتهم إلا باجتماع الشرطين: أن يكونوا تابعين، ولا إربة لهم في النساء. {أو الطفل الذين لم يَظْهَرُوا على عَوْرَاتِ النساء}، أراد بالطفل: الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، ويقال فيه: "طفل" ما لم يراهق الحلُمُ. و(يظهروا) معناه: يطلعون بالوطء على عورات النساء، مِنْ: ظهر على كذا: إذا قوي عليه، فمعناه: الذين لم يطيقوا وطء النساء، أو: لا يدرون ما عورات النساء؟. {ولاَ يضْربنَ بأرجُلهنَّ ليُعْلَم ما يُخفين من زِينَتِهِنَّ}، كانت المرأة تضرب برجلها الأرض ليسمع قعقعة خلخالها، فيعلم أنها ذات خُلْخال، فنُهين عن ذلك؛ إذ سَمَاعُ صَوْتِ الزينة كإظهارها، فيورث ميل الرجال إليهن. ويوهم أن لهن ميلاً إليهم. قال الزجاج: سماع صوت الزينة أشد تحريكاً للشهوة من إبدائها. هـ. الإشارة: غض البصر عما تُكره رؤيته: من أسباب جمع القلب على الله وتربية الإيمان. وفي الحديث:"حديث : من غض بصره عن محارم الله، عوضه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه"تفسير : . وفي إرسال البصر: مِنْ تشتيت القلب، وتفريق الهم، ما لا يخفى، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : وإِنَّكَ، إِنْ أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِداً لِقَلْبِكَ، يَوْماً، أَتْعَبَتْكَ المُناظِرُ تَرَى، ما لاَ كٌلهُ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَلاَ عَنْ بَعْضِه أَنْتَ صَابِرُ تفسير : فالعباد والزهاد يغضون بصرهم عن بهجة الدنيا، والعارفون يغضون بصرهم عن رؤية السِّوَى، فلا يرون إلا تجليات المولى. قال الشبلي: {قٌل لِلمُؤمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} أي: أبصار الرؤوس عن المحارم، وأبصار القلوب عما سِوَى الله. هـ. وقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}، قال بعضهم: لا يجوز كل ما يستدعي فِتْنَةً للغير؛ من إظهار حال مع الله،مما هو زينة السريرة، فلا يظهر شيئاً من ذلك إلا لأهله، إلا إذا ظهر عليه شيئ من غير إظهار منه، ولا قصدَ غير صالح. هـ. فلا يجوز إظهار العلوم التي يفتتن بها الناس؛ من حقائق أسرار التوحيد، ولا من الأحوال التي تُنكرها الشريعة، فَيُوقِعُ النَّاسَ في غيبته. وأما قَضِيَّةُ لِصَّ الحَمَّامِ؛ فحال غالبة لا يقتدى بها. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتوبة؛ لأن النظر لا يسلم منه أحد في الغالب. فقال: {...وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آية: 31] يقول الحق جل جلاله: {وتوبوا إلى الله جميعاً أَيُّه المؤمنون}؛ إذ لا يكاد يخلو أحدكم من تفريط، وَلاَ سيما في الكف عن الشهوات، وقيل: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية، فإنه، وإن جُبّ بالإسلام، لكن يجب الندم عليه، والعزم على الكف عنه، كلما يُتَذَكَّرُ، ويَخْطِرُ بالبال. وفي تكرير الخطاب بقوله: {أيه المؤمنون}: تأكيد للإيجاب، وإيذان بأن وصف الإيمان موجب للامتثال، حَتْماً. قيل: أحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس له حاجة إلى التوبة. وظاهر الآية: أن العصيان لا ينافي الإيمان، فبادروا بالتوبة {لعلكم تفلحون}؛ تفوزون بسعادة الدارين. وبالله التوفيق. الإشارة: التوبة أساس الطريق، ومنها السير إلى عين التحقيق، فَمَنْ لاَ تَوْبَةَ لَهُ لا سَيْرَ لَهُ، كمن يبني على غير أساس. والتوبة يَحْتَاجُ إليها المبتدىء والمتوسط والمنتهي، فتوبة المبتدىء من المعاصي والذنوب، وتوبة السائر: من الغفلة ولوث العيوب، وتوبة المنتهي: من النظر إلى سوى علام الغيوب. قال ابن جزي: التوبة واجبة على كل مكلف، بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وفرائضها ثلاثة: الندم على الذنب؛ من حيث عُصِيَ به ذو الجلال، لا من حيث أضر ببدن أو مال. والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان، من غير تأخير ولا توان، والعزم ألا يعود إليها أبداً. ومهما قضى الله عليه بالعود، أحْدَثَ عَزْماً مُجَدَّداً. وآدابها ثلاث: الاعتراف بالذنب، مقروناً بالانكسار، والإكثار من التضرع والاستغفار، والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدم من الأوزار. ومراتبها سبع: فتوبة الكفار من الكفر، وتوبة المُخَلِّطِينَ من الذنوب الكبائر، وتوبة العدول من الصغائر، وتوبة العابدين من الفترات، وتوبة السالكين من عِلَلِ القلوب والآفات، وتوبة أهل الورع من الشبهات، وتوبة أهل المشاهدة من الغفلات. والبواعث على التوبة سبعة: خوف العقاب، ورجاء الثواب، والخجل من الحساب، ومحبة الحبيب، ومراقبة الرقيب، وتعظيم المقام، وشكر الإنعام. هـ. ثم أمر بالنكاح، لأنه أغض للبصر، فقال: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ...}
الجنابذي
تفسير : {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} قد مضى مكرّراً انّه تعالى ما يأتى بالمقول فى امثاله للاشعار بانّ قوله (ص) لقوّة نفسه يؤثّر فيهم بحيث يصير سبباً لما يذكر بعده من غير اعتبار المقول فى جزم الجواب، وغضّ طرفه غضاضاً بالكسر وغضّاً وغضاضاً وغضاضةً بفتحهنّ حفظه وتحمّل المكروه، وغضّ من بصره نقص منه ووضع من قدره، وقيل: من هنا زائدة والمعنى يحفظوا ابصارهم وانظارهم من النّظر الى ما لا يحلّ لهم النّظر اليه، او من النّظر الى ما لا ينبغى لهم النّظر اليه سواء كان عدم استحقاق النّظر من باب الحرمة او من باب الكراهة او من النّظر الى ما سوى الله وآياته كما يجيء {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} من ان ينظر اليها من لا يحلّ له النّظر اليها كما فى الخبر، او من مطلق النّظر اليها سواء كان النّاظرون انفسهم او غيرهم حلالاً كان النّظر او غير حلال على ان يكون النّظر الى الفروج مكروهاً ممّن يحلّ له النّظر اليها كنظر صاحبى الفروج ونظر الازواج الى عوراتهم ويكون الامر المقدّر اعمّ من الوجوب والاستحباب، او يحفظوا فروجهم من الوطى الغير الحلال او يحفظوا فروجهم من الوطى الغير الحلال ومن النظر الغير الحلال، او يحفظوا فروجهم من النّظر والوطى مطلقاً على ان يكون الحكم للبالغين البيعة الخاصّة الولويّة ويكون الوطى والنّظر الى الفروج وكون الفروج منظوراً اليها ممنوعاً فى حقّهم، فانّ السّالك الى الله حكمه حكم المحرم ما لم يتمّ سلوكه ولم يحلّ من احرامه للحجّ الحقيقىّ فلم يحلّ لرجالهم التّمتّع بالنّساء وبسائر ملاذّ النّفس ولا لنسائهم التّمتّع بالرّجال وبسائر ملاذّ النّفس بل لا يجوز لهم الالتفات الى ما سوى الله وما سوى مقصدهم {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ} اطهر لهم او اصلح او انمى لانّه ابعد من الرّيبة والاشتغال بملاهى النّفس {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} من النّظر وترك النّظر فيجازيهم بحسبه.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُم} الجمهور على ان الجزم في الآية في جواب (قل) بشرط مقدر بعد الطلب. وقال الخليل وسيبويه بنفس فعل الامر. وقال السيرافي: بفعل الامر نائبا مناب الشرط مقدر. وقال الكسائي: مجزوم بلام الامر محذوفة. وقال المبرد: مجزوم في جواب أمر محذوف اي قل لهم غضوا يغضوا. وقيل: مبني. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا لم يشن امروء إِلا بما عمل فقد سعد"تفسير : {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُم} اطهر وانفع لما فيه من البعد عن الريبة والاشارة إلى ما ذكر من غض البصر وحفظ الفرج * {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} بالابصار والفروج وغيرها من حركة وسكون واعتقاد فيجازيهم (ويظل الله الرجل الذي دعته امراة حسناء فقال: اني اخاف الله في ظل العرش يوم لا ظل الا ظله) وكذا المرأة التي دعاها رجل كذلك فقالت: ذلك. وكان فتى من الزهاد في الكوفة يخرج إلى المسجد فهوته جارية من العرب ولما اشتد ما بها رصدته فقالت: يا فتى سالتك بمن ترجو انشدتك الا توقفت عليّ قليلا وسمعت كلامي فارتعد وقيل: نكلي وامضي فهذا موقف التهمة ويحك ما كلام النساء للرجال الذي ليسوا لهن بمحارم. فقالت: والله ما حملني على ذلك جرأة تقدمت مني على كلام الرجال غير ان المقادير تسوق العباد إلى مثل هذا وحملني على لقائك بنفس انكم معاشر النساك امثال القوارير يرى أدنى شيء يعيبه وجملة ما اكلمك به اني قد اصبحت وقلبي فارغ من احوال الدنيا كلها الا منك الله في امري واني اسال الذي بيده مفاتيح قلبك ان يسهل ما عسر من امرك والسلام. فلما سمع كلامها تغير واطلق ثم قال: اف لشيطان علمك هذا الكلام والله لأكيدنه فيك ثم انصرف إلى مسجده فقدم إليه فطوره فقال: لا حاجة لي فيه وعرضت له وساوس من امرها فدعا صبحه بدواة وقرطاس وكتب بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد يا جارية انك تدعينني إلى المعاصي كانما لي ولك جُنة من عذاب الله تعالى اعلمي ان الله تعالى إذا عصي ستر وحلم فاذا عاد العبد إلى المعصية عاد الله في ستره وحلمه فاذا اتخذها شعارا وجعلها دثارا غضب الله عليه غضبا لا يقوم لغضبه السماوات والارضون وما فيهن وما عليهن. يا جارية ان يكن ما ذكرت باطلا فاني احذرك يوم الطامة والصاخة والواقعة يوم تكون السماء كالمهل وتجثوا الملائكة على الركب لصولة الجبار. وتصير الكتب بالايمان والشمائل فالسعيد يومئذ من قدم عملا يكون انسا له في وحدته واخا مساعدا له في وحشته وان يكن ما ذكرت حقا فاني ادلك على الطبيب الشفيق الرفيق الذي يداوي مثلك فعليك بصدق المسألة وحقيقة الاستكانة لعله يكشف عنك ما ذكرت فاني متشاغل عنك بقوله تعالى{أية : وانذرهم يوم الآزفة}تفسير : الآية ثم طوى الكتاب وخرج فاذا هي جالسة فرماه في حجرها فاخذته مسرورة به ورجع هو إلى منزله فاقام فيه اياما لا يخرج إلى مسجده فقال بعد ايام والله لاخرجن فلعلها قد انقطعت فنظر إليها جالسة فهم بالرجوع فنادته يا فتى سألتك بالله الا ما وقفت عليّ اكلمك فهذا آخر يوم اكلمك الا بين يدي الله تعالى وقالت قد فهمت ما خوفتني به والله اني لكذلك واعلم يا فتى انه كلما طالت المدة عظم البلاء، فعظني فوالله لاقطعن حنجرة طمعي فيك باليأس ولأنفضن كفي منك بالافلاس فقال لها: يا جارية احذرك من نفسك لنفسك وفكيها من حبسك ثم ذهب ليولي فتعلقت به فقال لها: ما وراءك؟ فقالت: تحفظ عني هذه الابيات. شعر : * لا أنس ما أنس منه يوم موقفة اذ جئت انبئه جهدي وبلواي* وقد نشرت له صحفي فغض لها منه الجفون ولم ينصت لشكواي* *وطرفه خاشع من خوف سيده يا حسنه خاشعا من حسن مولاي* *لألبسنّ لهذا الدهر مدرعة واهجرن هواي خوف عقباي* *ولا ابوح بما قد كنت تكرهه ولا اذعت وان حققت مغناي* تفسير : فانصرفت إلى منزلها راكعة ساجدة صائمة قائمة وإذا غلبها امره دعت بكتابه ووضعته على عينيها فقال لها وما يغني عنك هذا وتقول هل دواء غيره. وكانت إذا جن عليها الليل نادت. شعر : يا وارث الارض هب لي منك مغفرة قد كدت افعل فعل الماجن الزاني وانظر إلى قلقي يا مشتكي حزني بنظرة منك تجلو كل احزاني تفسير : ولم تزل كذلك حتى فارقت الدنيا فبلغ الفتى وفاتها فحزن عليها واخبر والدته وقالت: يا بني هلا اخبرتني باول حديثها فازوجك بها فقال اليك عني يا أماه والله لقد وهبتها لله تعالى عند أول نظرة نظرت اليها فكنت استحي ان ارجع في شيء وهبته له فلبث الفتى كذلك مدة والجارية ما تختلج بقلبه ثم انه رآها في المنام وعليها ثياب بيض قال: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لي بثلاث دعوات كنت اقولهن دبر كل صلاة وهي اللهم اني اعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة واعوذ بك من علم يمنع خير العمل واعوذ بك من حياة تمنع خير الممات فقال لها هل تذكرينني قالت والله اني لكثيرة الذكر لك وقد سألت ربي عز وجل ان يجمع بيني وبينك في الآخرة فما لبث الا اياما حتى لحقها. واحب فتى من المتعبدين جارية في حبه فبعث إليها يا هذه انك وقعت من قلبي موقعا شغلتني به عن كثير مما كنت احبه من طاعة الله عز وجل وذكر الآخرة فكيف السبيل إلى الاتصال بك؟ فارسلت إليه اما كان في طاعة الله تعالى وذكر الآخرة ما يشغلك عن التمسك بحبائل النساء فاستحيى حياء شديدا وقال المعذرة إلى الله فيما صنعت وندم.
اطفيش
تفسير : {قل} يا محمد {للمؤمنين} وغيرهم، وخصهم بالذكر لشرفهم، ولأنهم المنتفعون بالشرع، والأنسب فى المشرك أن نهى أولا عن الاشراك، ولو كان مخاطباً بفروع الشرع فعلا وتركاً {يغضوا من أبْصارهم} مجزوم بلام الأمر محذوفة، وذلك قائم مقام قل لهم غضوا، قائم مقام لتغضوا بلام الأمر والخطاب، أو مجزوم جواباً للشرط، هكذا قل للمؤمنين فى شأن الغض إن قلت لهم يغضوا، أو مجزوم فى جواب أمر محذوف قل لهم: غضُّوا يغضُّوا، ومن للابتداء بمعنى يستعملوا الغض من أبصارهم، أو يتوثقوا من أبصارهم، ولا مفعول ليغضوا، وأجيز أن تكون للتبعيض به مفعولاً ليغضوا، على أن يراد بالبعض البصر الذى يشارف النظر، لما لا يحل، أو المفعول أبصار، ومن صلة ولو فى الاثبات، ومع المعرفة على قول. مر رجل فى طريق من طرق المدينة فنظر الى امرأة ونظرت اليه، واستقبله حائط وهو يمشى وينظر اليها فصادم الحائط وشق أنفه، فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بأمرى، فأتاه فقال له: "حديث : هذا عقوبة ذنبك" تفسير : فنزل: "للمؤمنين يغضوا من أبصارهم" الخ وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تتبع النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة"تفسير : فيحتمل أن النظرة الآخرة النظر ثانياً عمداً والأولى بلا عمد، أو النظر بالقلب بعد الأولى بالعين، قدم غض البصر على حفظ الفروج، لأن النظر بريد الزنى ورائد الفجور. {ويحفَظُوا فُروجَهم} عن أن يراها أو يمسها، أو يتمتع بها غير الأزواج والسرارى، وعن الزنى، وعن أن يتمتعوا بمسها، أو النظر اليها، وعن أن يصفوها لغيرهم، ولم يكن هنا من التبعيضة، كما كانت فى الأبصار، لأن النظر أوسع، ألا ترى أنه يجوز النظر بلا شهوة الى ما فوق سرة المحرَّمة، ولو برضاع، وتحت ركبتها، كما قال أبو مسور رحمه الله، والزمخشرى، وابن حجر، وكذا الأمة المعروضة للبيع، والى وجه الأجنبية وكفها إن لم تكن فيها زينة، وقيل ملطقا، وفى ظاهر قدميها وباطنهما روايتان المشهور المنع، وقيل: الى الباطن لا الظاهر أو التبعيض باعتبار أنه يجل النظر الى بعض الأجنبية، وقيل لم تكن من التبعيضية هنا، لأن المراد بحفظ الفروج هنا سترها، وفى سائر القرآن منع الزنى. {ذلك} المذكور من الغض والحفظ {أزكى لَهُم} زكى لهم، وطهارة من الريبة ديناً ودنيا، ومن الزنى الذى فيه مضار دينية ودنيوية، وأجيز إبقاؤه على باب التفضل، اى أزكى من كل نافع، وكل مبعد عن الريبة، أو أنفع من الزنى والنظر الحرام، لأن فيهما نفعاً دنيوياً طبعياً {إن الله خبيرٌ بما يصنعونَ} ولو بقلوبهم بتمنى الزنى فيعاقبهم.
الالوسي
تفسير : {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ } شروع في بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخولهم البيوت اندارجاً أولياً. وتلوين الخطاب وتوجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفويض ما في حيزه من الأوامر والنواهي إليه عليه الصلاة والسلام قيل لأنها تكاليف متعلقة بأمور جزئية كثيرة الوقوع حرية بأن يكون الآمر بها والمتصدي لتدبيرها حافظاً ومهيمناً عليهم. وقيل: إن ذلك لما أن بعض المؤمنين جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمستدعي لأن يقول له ما في حيز القول. فقد أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: مر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة فنظر إلى امرأة ونظرت إليه فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجاباً به فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذ استقبله الحائط فشق أنفه فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أمري فأتاه فقص عليه قصته فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: هذا عقوبة ذنبك وأنزل الله تعالى: {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ }. {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } ومفعول القول مقدر، و {يَغُضُّواْ } جواب لقل لتضمنه معنى حرف الشرط كأنه قيل: إن تقل لهم غضوا يغضوا، وفيه إيذان بأنهم لفرط مطاوعتهم لا ينفك فعلهم عن أمره عليه الصلاة والسلام وأنه كالسبب الموجب له وهذا هو المشهور. وجوز أن يكون {يَغُضُّواْ } جواباً للأمر المقدر المقول للقول. وتعقب بأن الجواب لا بد أن يخالف المجاب إما في الفعل والفاعل نحو ائتني أكرمك أو في الفعل نحو أسلم تدخل الجنة أو في الفاعل نحو قم أقم ولا يجوز أن يتوافقا فيه، وأيضاً الأمر للمواجهة و {يَغُضُّواْ } غائب ومثله لا يجوز، وقيل عليه: إنه لم لا يجوز أن يكون من قبيل «من كانت هجرته» الحديث ولا نسلم أنه لا يجاب الأمر بلفظ الغيبة إذا كان محكياً بالقول لجواز التلوين حنيئذ وفيه بحث، ومن أنصف لا يرى هذا الوجه وجيهاً وهو على ما فيه خلاف الظاهر جداً. وجوز الطبرسي وغيره أن يكون {يغضواْ } مجزوماً بلام أمر مقدرة لدلالة {قُلْ } أي قل لهم ليغضوا والجملة نصب على المفعولية للقول. وغض البصر إطباق الجفن على الجفن، و {مِنْ } قيل صلة وسيبويه يأبـى ذلك في مثل هذا الكلام والجواز مذهب الأخفش، وقال ابن عطية: يصح أن تكون (من) لبيان الجنس ويصح أن تكون لابتداء الغاية. وتعقبه في «البحر» بأنه لم يتقدم مبهم لتكون (من) لبيان الجنس على أن الصحيح أنها ليس من موضوعاتها أن تكون لبيان الجنس انتهى، والجل على أنها هنا تبعيضية، والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل، وجعل الغض عن بعض المبصر غض بعض البصر وفيه كما في «الكشف» كناية حسنة. ثم إن غض البصر عما يحرم النظر إليه واجب ونظرة الفجأة التي لا تعمد فيها معفو عنها، فقد أخرج أبو داود والترمذي وغيرهما عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم / « حديث : لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة » تفسير : وبدأ سبحانه بالإرشاد إلى غض البصر لما في ذلك من سد باب الشر فإن النظر باب إلى كثير من الشرور وهو بريد الزنا ورائد الفجور، وقال بعضهم: شعر : كل الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين العين موقوف على الخطر كم نظرة فعلت في قلب فاعلها فعل السهام بلا قوس ولا وتر يسر نا ظره ما ضر خاطره لا مرحباً بسرور عاد بالضرر تفسير : والظاهر أن الإرشاد لكل واحد من المؤمنين ولفظ الجمع لا يأبـى ذلك، والظاهر أيضاً أن المؤمنين أعم من العباد وغيرهم، وزعم بعضهم جواز أن يكون المراد بهم العباد والمؤمنين المخلصين على أن يكون المعنى قل للمؤمنين الكاملين يغضوا من أبصارهم {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } أي عما لا يحل لهم من الزنا واللواطة، ولم يؤت هنا بمن التبعيضية كما أتى بها فيما تقدم لما أنه ليس فيه حسن كناية كما في ذلك. وفي «الكشاف» دخلت {مِنْ } في غض البصر دون حفظ الفرج دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن وسوقهن وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات للبيع والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلا ما اشتثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه انتهى، وقال صاحب «الفرائد»: يمكن أن يقال المراد غض البصر عن الأجنبية والأجنبية يحل النظر إلى بعضها وأما الفرج فلا طريق إلى الحل فيه أصلاً بالنسبة إلى الأجنبية فلا وجه لدخول {مِنْ } فيه وفيه تأمل، وقيل: لم يؤت بمن هنا لأن المراد من حفظ الفروج سترها. فقد أخرج ابن المنذر وجماعة عن أبـي العالية أنه قال: كل آية يذكر فيها حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية في النور {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} { أية : وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } تفسير : [النور: 31] فهو أن لا يراها أحد، وروي نحوه عن أبـي زيد، والستر مأمور به مطلقاً. وتعقب بأنه يجوز الكشف في مواضع فلو جيء بمن لكان فيه إشارة إلى ذلك، وتفسير حفظ الفروج هنا خاصة بسترها قيل لا يخلو عن بعد لمخالفته لما وقع في القرآن الكريم كما اعترف به من فسره بما ذكر. واختار بعض المدققين أن المراد من ذلك حفظ الفروج عن الإفضاء إلى ما لا يحل وحفظها عن الإبداء لأن الحفظ لعدم ذكر صلته يتناول القسمين، وذكر أن الحفظ عن الإبداء يستلزم الآخر من وجهين عدم خلوه عن الإبداء عادة وكون الحفظ عن الإبداء بل الأمر بالتستر مطلقاً للحفظ عن الإفضاء، ومن هنا تعلم أن من ضعف ما روي عن أبـي العالية وابن زيد بعدم تعرض الآية عليه بحفظ الفرج عن الزنا لم يصب المحز. {ذٰلِكَ } أي ما ذكر من الغض والحفظ {أَزْكَىٰ لَهُمْ } أي أطهر من دنس الريبة أو أنفع من حيث الدين والدنيا فإن النظر بريد الزنا وفيه من المضار الدينية أو الدنيوية ما لا يخفى وأفعل للمبالغة دون التفضيل. وجوز أن يكون للتفضيل على معنى أزكى من كل شيء نافع أو مبعد عن الريبة، وقيل على معنى أنه أنفع من الزنا والنظر الحرام فإنهم يتوهمون لذة ذلك نفعاً {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } لا يخفى عليه شيء مما يصدر عنهم من الأفاعيل التي من جملتها إجالة النظر واستعمال سائر الحواس وتحريك الجوارح وما يقصدون بذلك / فليكونوا على حذر منه عز وجل في كل ما يأتون وما يذرون.
ابن عاشور
تفسير : أعقب حكم الاستئذان ببيان آداب ما تقتضيه المجالسة بعد الدخول وهو أن لا يكون الداخل إلى البيت محدقاً بصره إلى امرأة فيه بل إذا جالسته المرأة غض بصره واقتصر على الكلام ولا ينظر إليها إلا النظر الذي يعسر صرفه. ولما كان الغض التام لا يمكن جيء في الآية بحرف {من} الذي هو للتبعيض إيماء إلى ذلك إذ من المفهوم أن المأمور بالغض فيه هو ما لا يليق تحديق النظر إليه وذلك يتذكره المسلم من استحضاره أحكام الحلال والحرام في هذا الشأن فيعلم أن غض البصر مراتب: منه واجب ومنه دون ذلك، فيشمل غض البصر عما اعتاد الناس كراهية التحقق فيه كالنظر إلى خبايا المنازل، بخلاف ما ليس كذلك فقد حديث : جاء في حديث عمر بن الخطاب حين دخل مشربة النبي صلى الله عليه وسلم «فرفعت بصري إلى السقف فرأيت أهَبَةً معلقة» . تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: « حديث : لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية ». تفسير : وفي هذا الأمر بالغض أدب شرعي عظيم في مباعدة النفس عن التطلع إلى ما عسى أن يوقعها في الحرام أو ما عسى أن يكلفها صبراً شديداً عليها. والغض: صرف المرء بصره عن التحديق وتثبيت النظر. ويكون من الحياء كما قال عنترة: شعر : وأغض طرفي حين تبدو جارتي حتى يواري جارتي مأواها تفسير : ويكون من مذلة كما قال جرير: شعر : فغض الطرف إنك من نمير تفسير : ومادة الغض تفيد معنى الخفض والنقص. والأمر بحفظ الفروج عقب الأمر بالغض من الأبصار لأن النظر رائد الزنى. فلما كان ذريعة له قصد المتذرع إليه بالحفظ تنبيهاً على المبالغة في غض الأبصار في محاسن النساء. فالمراد بحفظ الفروج حفظها من أن تباشر غير ما أباحه الدين. واسم الإشارة إلى المذكور، أي ذلك المذكور من غض الأبصار وحفظ الفروج. واسم التفضيل بقوله: {أزكى} مسلوب المفاضلة. والمراد تقوية تلك التزكية لأن ذلك جنة من ارتكاب ذنوب عظيمة. وذيل بجملة: {إن الله خبير بما يصنعون} لأنه كناية عن جزاء ما يتضمنه الأمر من الغض والحفظ لأن المقصد من الأمر الامتثال. (31) {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِىۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِىۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ}. أردف أمر المؤمنين بأمر المؤمنات لأن الحكمة في الأمرين واحدة، وتصريحاً بما تقرر في أوامر الشريعة المخاطب بها الرجال من أنها تشمل النساء أيضاً. ولكنه لما كان هذا الأمر قد يظن أنه خاص بالرجال لأنهم أكثر ارتكاباً لضده وقع النص على هذا الشمول بأمر النساء بذلك أيضاً. وانتقل من ذلك إلى نهي النساء عن أشياء عرف منهن التساهل فيها ونهيهن عن إظهار أشياء تعوّدْن أن يحببن ظهورها وجمعها القرآن في لفظ الزينة بقوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}. والزينة: ما يحصل به الزين. والزين: الحسن، مصدر زانه. قال عمر بن أبي ربيعة: جلل الله ذلك الوجه زَيْناً يقال: زين بمعنى حسن، قال تعالى: { أية : زين للناس حب الشهوات } تفسير : في سورة آل عمران (14) وقال: { أية : وزيناها للناظرين } تفسير : في سورة الحجر (16). والزينة قسمان خِلقية ومكتسبة. فالخلقية: الوجه والكفان أو نصف الذراعين، والمكتسبة: سبب التزين من اللباس الفاخر والحلي والكحل والخضاب بالحناء. وقد أطلق اسم الزينة على اللباس في قوله تعالى: { أية : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } تفسير : [الأعراف: 31] وقوله: { أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده } تفسير : في سورة الأعراف (32)، وعلى اللباس الحسن في قوله { أية : قال موعدكم يوم الزينة } تفسير : [طه: 59]. والتزين يزيد المرأة حسناً ويلفت إليها الأنظار لأنها من الأحوال التي لا تقصد إلا لأجل التظاهر بالحسن فكانت لافتة أنظار الرجال، فلذلك نهى النساء عن إظهار زينتهن إلا للرجال الذين ليس من شأنهم أن تتحرك منهم شهوة نحوها لحرمة قرابة أو صهر. واستثني ما ظهر من الزينة وهو ما في ستره مشقة على المرأة أو في تركه حرج على النساء وهو ما كان من الزينة في مواضع العمل التي لا يجب سترها مثل الكحل والخضاب والخواتيم. وقال ابن العربي: إن الزينة نوعان: خلقية ومصطنعة. فأما الخلقية: فمعظم جسد المرأة وخاصة: الوجه والمعصمين والعضدين والثديين والساقين والشعر. وأما المصطنعة: فهي ما لا يخلو عنه النساء عرفاً مثل: الحلي وتطريز الثياب وتلوينها ومثل الكحل والخضاب بالحناء والسواك. والظاهر من الزينة الخلقية ما في إخفائه مشقة كالوجه والكفين والقدمين، وضدها الخفية مثل أعالي الساقين والمعصمين والعضدين والنحر والأذنين. والظاهر من الزينة المصطنعة ما في تركه حرج على المرأة من جانب زوجها وجانب صورتها بين أترابها ولا تسهل إزالته عند البدوّ أمام الرجال وإرجاعه عند الخلو في البيت، وكذلك ما كان محل وضعه غير مأمور بستره كالخواتيم بخلاف القرط والدمالج. واختلف في السوار والخلخال والصحيح أنهما من الزينة الظاهرة وقد أقر القرآن الخلخال بقوله: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} كما سيأتي. قال ابن العربي: روى ابن القاسم عن مالك: ليس الخضاب من الزينة اهــــ ولم يقيده بخضاب اليدين. وقال ابن العربي: والخضاب من الزينة الباطنة إذا كان في القدمين. فمعنى {ما ظهر منها} ما كان موضعه مما لا تستره المرأة وهو الوجه والكفان والقدمان. وفسر جمع من المفسرين الزينة بالجسد كله وفسر ما ظهر بالوجه والكفين قيل والقدمين والشعر. وعلى هذا التفسير فالزينة الظاهرة هي التي جعلها الله بحكم الفطرة بادية يكون سترها معطلاً الانتفاع بها أو مدخلاً حرجاً على صاحبتها وذلك الوجه والكفان، وأما القدمان فحالهما في الستر لا يعطل الانتفاع ولكنه يعسره لأن الحفاء غالب حال نساء البادية. فمن أجل ذلك اختلف في سترهما الفقهاء؛ ففي مذهب مالك قولان: أشهرهما أنها يجب ستر قدميها، وقيل: لا يجب، وقال أبو حنيفة: لا يجب ستر قدميها، أما ما كان من محاسن المرأة ولم يكن عليها مشقة في ستره فليس مما ظهر من الزينة مثل النحر والثدي والعضد والمعصم وأعلى الساقين، وكذلك ما له صورة حسنة في المرأة وإن كان غير معرى كالعجيزة والأعكان والفخذين ولم يكن مما في إرخاء الثوب عليه حرج عليها. وروى مالك في «الموطأ» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة » تفسير : قال ابن عبد البر: أراد اللواتي يلبسن من الثياب الخفيف الذي يصف ولا يستر، أي هن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة اهــــ. وفي نسخة ابن بشكوال من «الموطأ» عن القنازعي قال فسر مالك: إنهن يلبسن الثياب الرقاق التي لا تسترهن اهــــ. وفي سماع ابن القاسم من «جامع العتبية» قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب نهى النساء عن لبس القباطي. قال ابن رشد في «شرحه»: هي ثياب ضيقة تلتصق بالجسم لضيقها فتبدو ثخانة لابستها من نحافتها، وتبدي ما يستحسن منها، امتثالاً لقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} اهــــ. وفي روايات ابن وهب من «جامع العتبية» قال مالك في الإماء يلبسن الأقبية: ما يعجبني فإذا شدته عليها كان إخراجاً لعجزتها. وجمهور الأئمة على أن استثناء إبداء الوجه والكفين من عموم منع إبداء زينتهن يقتضي إباحة إبداء الوجه والكفين في جميع الأحوال لأن الشأن أن يكون للمستثنى جميع أحوال المستثنى منه. وتأوله الشافعي بأنه استثناء في حالة الصلاة خاصة دون غيرها وهو تخصيص لا دليل عليه. ونُهِين عن التساهل في الخِمرة. والخمار: ثوب تضعه المرأة على رأسها لستر شعرها وجيدها وأذنيها وكان النساء ربما يسدلن الخمار إلى ظهورهن كما تفعل نساء الأنباط فيبقى العنق والنحر والأذنان غير مستورة فلذلك أُمرْنَ بقوله تعالى: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}. والضرب: تمكين الوضع وتقدم في قوله تعالى: { أية : إن الله لا يستحيِ أن يضرب مثلاً } تفسير : في سورة البقرة (26). والمعنى: ليشددن وضع الخمر على الجيوب، أي بحيث لا يظهر شيء من بشرة الجيد. والباء في قوله {بخمرهن} لتأكيد اللصوق مبالغة في إحكام وضع الخمار على الجيب زيادة على المبالغة المستفادة من فعل {يضربن}. والجُيوب: جمع جيب بفتح الجيم وهو طوق القميص مما يلي الرقبة. والمعنى: وليضعن خمرهن على جيوب الأقمصة بحيث لا يبقى بين منتهى الخمار ومبدأ الجَيب ما يظهر منه الجيد. وقوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} أعيد لفظ {ولا يبدين زينتهن} تأكيداً لقوله {ولا يبدين زينتهن} المتقدم وليبني عليه الاستثناء في قوله: {إلا لبعولتهن} إلخ الذي مقتضى ظاهره أن يعطف على {إلا لبعولتهن} لبعد ما بين الأول والثاني، أي ولا يبدين زينتهن غير الظاهرة إلا لمن ذُكروا بعد حرف الاستثناء لشدة الحرج في إخفاء الزينة غير الظاهرة في أوقات كثيرة، فإن الملابسة بين المرأة وبين أقربائها وأصهارها المستثنين ملابسة متكررة فلو وجب عليها ستر زينتها في أوقاتها كان ذلك حرجاً عليها. وذكرت الآية اثني عشر مستثنى كلهم ممن يكثر دخولهم. وسكتت الآية عن غيرهم ممن هو في حكمهم بحسب المعنى. وسنذكر ذلك عند الفراغ من ذكر المصرح بهم في الآية. والبعولة: جمع بعل. وهو الزوج، وسيد الأَمَة. وأصل البعل الرب والمالك (وسمي الصنم الأكبر عند أهل العراق القدماء بعْلاً وجاء ذكره في القرآن في قصة أهل نينوى ورسولهم إلياس)، فأطلق على الزوج لأن أصل الزواج ملك وقد بقي من آثار الملك فيه الصداق لأنه كالثمن. ووزن فعولة في الجموع قليل وغير مطرد وهو مزيد التاء في زنة فعول من جموع التكسير. وكل من عد من الرجال الذين استُثْنوا من النهي هم من الذين لهم بالمرأة صلة شديدة هي وازع من أن يهموا بها. وفي سماع ابن القاسم من كتاب «الجامع من العتبية»: سئل مالك عن الرجل تضع أم امرأته عنده جلبابها قال: لا بأس بذلك. قال ابن رشد في «شرحه»: لأن الله تعالى قال: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} الآية، فأباح الله تعالى أن تضع خمارها عن جيبها وتبدي زينتها عند ذوي محارمها من النسب أو الصهر ا هـ. أي قاس مالك زوج بنت المرأة على ابن زوج المرأة لاشتراكهما في حُرمة الصهر. والإضافة في قوله: {نسائهن} إلى ضمير {المؤمنات}: إن حملت على ظاهر الإضافة كانت دالة على أنهن النساء اللاتي لهن بهن مزيد اختصاص فقيل المراد نساء أُمَّتِهن، أي المؤمنات، مثل الإضافة في قوله تعالى: { أية : واستشهدوا شهيدين من رجالكم } تفسير : [البقرة: 282]، أي من رجال دينكم. ويجوز أن يكون المراد أو النساء. وإنما أضافهن إلى ضمير النسوة إتباعاً لبقية المعدود. قال ابن العربي: إن في هذه الآية خمسة وعشرين ضميراً فجاء هذا للإتباع ا هـ. أي فتكون الإضافة لغير داع معنوي بل لداع لفظي تقتضيه الفصاحة مثل الضميرين المضاف إليهما في قوله تعالى: { أية : فألهمها فجورها وتقواها } تفسير : [الشمس: 8] أي ألهمها الفجور والتقوى. فإضافتهما إلى الضمير إتباع للضمائر التي من أول السورة: { أية : والشمس وضحاها } تفسير : [الشمس: 1] وكذلك قوله فيها: { أية : كذبت ثمود بطغواها } تفسير : [الشمس: 11] أي بالطغوى وهي الطغيان فذكر ضمير ثمود مستغنى عنه لكنه جيء به لمحسن المزاوجة. ومن هذين الاحتمالين اختلف الفقهاء في جواز نظر النساء المشركات والكتابيات إلى ما يجوز للمرأة المسلمة إظهاره للأجنبي من جسدها. وكلام المفسرين من المالكية وكلام فقهائهم في هذا غير مضبوط. والذي يستخلص من كلامهم قول خليل في «التوضيح» عند قول ابن الحاجب: وعورة الحرة ما عدا الوجه والكفين. ومقتضى كلام سيدي أبي عبد الله بن الحاج: أما الكافرة فكالأجنبية مع الرجال اتفاقاً ا هـ. وفي مذهب الشافعي قولان: أحدهما: أن غير المسلمة لا ترى من المرأة المسلمة إلا الوجه والكفين ورجحه البغوي وصاحب «المنهاج» البيضاوي واختاره الفخر في «التفسير». ونقل مثل هذا عن عمر بن الخطاب وابن عباس، وعلله ابن عباس بأن غير المسلمة لا تتورع عن أن تصف لزوجها المسلمة. وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح: «أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين فامنعْ من ذلك وحُلْ دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عِرْيَة المسلمة». القول الثاني: أن المرأة غير المسلمة كالمسلمة ورجحه الغزالي. ومذهب أبي حنيفة كذلك فيه قولان: أصحهما أن المرأة غير المسلمة كالرجل الأجنبي فلا ترى من المرأة المسلمة إلا الوجه والكفين والقدمين، وقيل: هي كالمرأة المسلمة. وأما ما ملكت أيمانهن فهو رخصة لأن في ستر المرأة زينتها عنهم مشقة عليها. لكثرة ترددهم عليها. ولأن كونه مملوكاً لها وازع له ولها عن حدوث ما يحرم بينهما، والإسلام وازع له من أن يصف المرأة للرجال. وأما التابعون غير أولي الإربة من الرجال فهم صنف من الرجال الأحرار تشترك أفراده في الوصفين وهما التبعية وعدم الإربة. فأما التبعية فهي كونهم من أتباع بيت المرأة وليسوا ملك يمينها ولكنهم يترددون على بيتها لأخذ الصدقة أو للخدمة. والإربة: الحاجة. والمراد بها الحاجة إلى قربان النساء. وانتفاء هذه الحاجة تظهر في المجبوب والعنين والشيخ الهرم فرخص الله في إبداء الزينة لنظر هؤلاء لرفع المشقة عن النساء مع السلامة الغالبة من تطرق الشهوة وآثارها من الجانبين. واختلف في الخصي غير التابع هل يلحق بهؤلاء على قولين مرويين عن السلف. وقد روي القولان عن مالك. وذكر ابن الفرس: أن الصحيح جواز دخوله على المرأة إذا اجتمع فيه الشرطان التبعيّة وعدم الإربة. وروي ذلك عن معاوية بن أبي سفيان. وأما قضية (هيتٍ) المخنث أو المخصي ونهى النبي صلى الله عليه وسلم نساءه أن يدخلن عليهن فتلك قضية عين تعلقت بحالة خاصة فيه. وهي وصفه النساء للرجال فتقصى على أمثاله. ألا ترى أنه لم ينه عن دخوله على النساء قبل أن يسمع منه ما سمع. وقرأ الجمهور: {غير أولي الإربة} بخفض {غير}. وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بنصب {غير} على الحال. والطفل مفرد مراد به الجنس فلذلك أجري عليه الجمع في قوله: {الذين لم يظهروا} وذلك مثل قوله: { أية : ثم نخرجكم طفلاً } تفسير : [الحجّ: 5] أي أطفالاً. ومعنى: {لم يظهروا على عورات النساء} لم يطلعوا عليها. وهذا كناية عن خلو بالهم من شهوة النساء وذلك ما قبل سن المراهقة. ولم يذكر في عداد المستثنيات العم والخال فاختلف العلماء في مساواتهما في ذلك: فقال الحسن والجمهور: هما مساويان لمن ذكر من المحارم وهو ظاهر مذهب مالك إذ لم يذكر المفسرون من المالكية مثل ابن الفرس وابن جزي عنه المنع. وقال الشعبي بالمنع وعلل التفرقة بأن العم والخال قد يصفان المرأة لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم. وهذا تعليل واهٍ لأن وازع الإسلام يمنع من وصف المرأة. والظاهر أن سكوت الآية عن العم والخال ليس لمخالفة حكمهما حكم بقية المحارم ولكنه اقتصار على الذين تكثر مزاولتهم بيت المرأة، فالتعداد جرى على الغالب. ويلحق بهؤلاء القرابة من كان في مراتبهم من الرضاعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ». تفسير : وجزم بذلك الحسن، ولم أر فيه قولاً للمالكية. وظاهر الحديث أن فيهم من الرخصة ما في محارم النسب والصهر. {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ}. الضرب بالأرجل إيقاع المشي بشدة كقوله: يضرب في الأرض. روى الطبري عن حضرمي: أن امرأة اتخذت بُرتين (تثنية بُرَة بضم الباء وتخفيف الراء المفتوحة ضرب من الخَلْخَال) من فضة واتخذت جَزْعاً في رجليها فمرت بقوم فضربت برجلها فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية. والتحقيق أن من النساء من كن إذا لبسن الخلخال ضربن بأرجلهن في المشي بشدة لتسمع قعقعة الخلاخل غنجاً وتباهياً بالحسن فنهين عن ذلك مع النهي عن إبداء الزينة. قال الزجاج: سماع هذه الزينة أشد تحريكاً للشهوة من النظر للزينة فأما صوتُ الخلخال المعتادُ فلا ضير فيه. وفي أحاديث ابن وهب من «جامع العتبية»: سئل مالك عن الذي يكون في أرجل النساء من الخلاخل قال: «ما هذا الذي جاء فيه الحديث وتركُه أحب إليّ من غير تحريم». قال ابن رشد في شرحه: أراد أن الذي يحرمُ إنما هو أن يقصدْنَ في مشيهن إلى إسماع قعقعة الخلاخل إظهاراً بهن من زينتهن. وهذا يقتضي النهي عن كل ما من شأنه أن يُذَكِّرَ الرجل بلهو النساء ويثير منه إليهن من كل ما يُرى أو يسمع من زينة أو حركة كالتثني والغناء وكلم الغَزَل. ومن ذلك رقص النساء في مجالس الرجال ومن ذلك التلطخ بالطيب الذي يغلب عبيقه. وقد أومأ إلى علة ذلك قوله تعالى: {ليعلم ما يخفين من زينتهن} ولعن النبي صلى الله عليه وسلم المستوشمات والمتفلجات للحسن. قال مكي بن أبي طالب ليس في كتاب الله آية أكثر ضمائر من هذه الآية جمعت خمسة وعشرين ضميراً للمؤمنات من مخفوض ومرفوع وسماها أبو بكر ابن العربي: آية الضمائر. {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. أعقبت الأوامر والنواهي الموجهة إلى المؤمنين والمؤمنات بأمر جميعهم بالتوبة إلى الله إيماء إلى أن فيما أمروا به ونهوا عنه دفاعاً لداع تدعو إليه الجبلة البشرية من الاستحسان والشهوة فيصدر ذلك عن الإنسان عن غفلة ثم يتغلغل هو فيه فأمروا بالتوبة ليحاسبوا أنفسهم على ما يفلت منهم من ذلك اللمم المؤدي إلى ما هو أعظم. والجملة معطوفة على جملة: { أية : قل للمؤمنين } تفسير : [النور: 30]. ووقع التفات من خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خطاب الأمة لأن هذا تذكير بواجب التوبة المقررة من قبل وليس استئناف تشريع. ونبه بقوله: {جميعاً} على أن المخاطبين هم المؤمنون والمؤمنات وإن كان الخطاب ورد بضمير التذكير على التغليب، وأن يؤملوا الفلاح إن هم تابوا وأنابوا. وتقدم الكلام على التوبة في سورة النساء (17) عند قوله تعالى: { أية : إنما التوبة على الله }. تفسير : وكتب في المصحف {أيه} بهاء في آخره اعتباراً بسقوط الألف في حال الوصل مع كلمة {المؤمنون}. فقرأها الجمهور بفتح الهاء بدون ألف في الوصل. وقرأها أبو عامر بضم الهاء إتباعاً لحركة (أيّ). ووقف عليها أبو عمرو والكسائي بألف في آخرها. ووقف الباقون عليها بسكون الهاء على اعتبار ما رسمت به.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}. أمر الله جل وعلا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وحفظ الفرج، ويدخل في حفظ الفرج: حفظه من الزنى، واللواط، والمساحقة، وحفظه من الإبداء للناس والانكشاف لهم، وقد دلت آيات أخر على أن حفظه من المباشرة المدلول عليه بهذه الآية يلزم عن كل شيء إلا الزوجة والسرية، وذلك في قوله تعالى في سورة المؤمنون وسأل سائل {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} تفسير : [المؤمنون: 5ـ6]. فقد بينت هذه الآية أن حفظ الفرج من الزنى، واللواط لازم، وأنه لا يلزم حفظه عن الزوجه والموطوءة بالمك. وقد بينا في سورة البقرة أن الرجل يجب عليه حفظ فرجه عن وطء زوجته في الدبر، وذكرنا لذلك أدلة كثيرة، وقد أوضحنا الكلام على آية {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} تفسير : [المؤمنون: 5] في سورة }أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [المؤمنون: 1] وقد وعد الله تعالى من امتثل أمره في هذه الآية من الرجال والنساء بالمغفرة والأجر العظيم، إذا عمل معها الخصال المذكورة معها في سورة الأحزاب وذلك في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 35] إلى قوله تعالى: {أية : وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} تفسير : [الأحزاب: 35] وأوضح تأكيد حفظ الفرج عن الزنى في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 32] وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ} تفسير : [الفرقان: 68ـ 69ـ70] الآية إلى غير ذلك من الآيات، وأوضح لزوم حفظ الفرج عن اللواط وبين أنه عدوان في آيات متعددة في قصة قوم لوط كقوله: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} تفسير : [الشعراء: 165ـ166] وقوله تعالى: {أية : وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} تفسير : [العنكبوت: 28ـ29] إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحنا كلام أهل العلم وأدلتهم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط في سورة هود وعقوبة الزاني في أول هذه السورة الكريمة. واعلم أن الأمر بحفظ الفرج يتناول حفظه من انكشافه للناس. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنى كما قال تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} تفسير : [المؤمنون: 5] الآية، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. اهـ منه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} الآيتين [النور: 30] قال الزمخشري في الكشاف: من للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه، فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفرج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن، وصدورهن، وثديهن، وأعضادهن، وأسوقهن وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين، وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقاً ان أبيح النظر إلا ما استثنى منه، وحظر الجماع إلا ما استثنى منه، ويجوزأن يراد مع حفظها من الإفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن الإبداء. وعن ابن زيد كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنى إلا هذا فإنه أراد به الاستتار. اهـ كلام الزمخشري. وما نقل عن ابن زيد من أن المراد بحفظ الفرج في هذه الآية الاستتار فيه نظر. بل يدخل فيه دخولاً أولياً حفظه من الزنى واللواط، ومن الأدلة على ذلك تقديمه الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج لأن النظر بريد الزنى كما سيأتي إيضاحه قريباً إن شاء الله تعالى وما ذكر جواز النظر إليه من المحارم لا يخلو بعضه من نظر وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى وتفصيله في سورة الأحزاب، كما وعدنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أنا نوضح مسألة الحجاب في سورة الأحزاب. وقول الزمخشري: إن "من" في قوله {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] للتبعيض قاله غيره، وقواه القرطبي بالأحاديث الواردة في أن نظرة الفجاءة لا حرج فيها وعليه أن يغض بصره بعدها، ولا ينظر نظراً عمداً إلى ما لا يحل، وما ذكره الزمخشري عن الأخفش، وذكره القرطبي وغيرهما من أن من زائدة لا يعول عليه. وقال القرطبي وقيل: الغض: النقصان: يقال: غض فلان من فلان: أي وضع منه، فالبصر إذا لم يمكن من عمله، فهو موضوع منه ومنقوص، فمن صلة للغض، وليست للتبعيض، ولا للزيادة. اهـ منه. والأظهر عندنا أن مادة الغض تتعدى إلى المفعول بنفسها وتتعدى إليه أيضا بالحرف الذي هو من، ومثل ذلك كثير في كلام العرب، ومن أمثلة تعدي الغض للمعقول بنفسه قول جرير: شعر : فغضّ الطّرف إنك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا تفسير : وقول عنترة: شعر : وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها تفسير : وقول الآخر: شعر : وما كان غض الطرف منا سجية ولكننا في مذحج غربان تفسير : لأن قوله: غض الطرف مصدر مضاف إلى مفعوله بدون حرف. ومن أمثلة تعدي الغض بمن قوله تعالى: {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] {يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31] وما ذكره هنا من الأمر بغض البصر قد جاء في آية أخرى تهديد من لم يمتثله، ولم يغض بصره عن الحرام، وهي قوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} تفسير : [غافر: 19]. وقد قال البخاري رحمه الله: وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نِساءَ العجم يكشفن صدورهن ورؤسهن، قال اصرف بصرك عنهن، يقول الله عز وجل {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} [النور: 30] قال قتادة: عما لا يحل لهم: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُم} [النور:30] خائنة الأعين النظر إلى ما نُهِيَ عنه. اهـ محل الغرض منه بلفظه. وبه تعلم أن قوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} تفسير : [غافر: 19] فيه الوعيد لمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له، وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر، إلى ما لا يحل، جاء موضحاً في أحاديث كثيرة. منها ما ثبت في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إياكم والجلوس بالطرقات، تفسير : قالوا يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال: حديث : إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، تفسير : قالوا وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: حديث : غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر تفسير : انتهى هذا لفظ البخاري في صحيحه. ومنها ما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: "حديث : أردف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلاً وضيئاً فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يُفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَطفِق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها" تفسير : الحديث. ومحل الشاهد منه: أنه صلى الله عليه وسلم صرف وجه الفضل عن النظر إليها، فدل ذلك على أن نظره إليها لا يجوز، واستدلال من يرى أن للمرأة الكشف عن وجهها بحضرة الرجال الأجانب بكشف الخثعمية وجهها في هذا الحديث، سيأتي إن شاء الله الجواب عنه في الكلام على مسألة الحجاب في سورة الأحزاب. ومنها ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما: من أن نظر العين إلى ما لا يحل لها تكون به زانية، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت شيئاً اشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يُصَدِّق ذلك كله ويكذبه" تفسير : اهـ هذا لفظ البخاري، والحديث منتفق عليه، وفي بعض روايات زيادة على ما ذكرنا هنا. ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: فزنى العين النظر، فإطلاق اسم الزنى على نظر العين إلى ما لا يحل دليل واضح على تحريمه والتحذير منه، والأحاديث بمثل هذا كثيرة معلومة. ومعلوم أن النظر سبب الزنى فإن من أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلاً قد يتمكن بسببه حبها من قلبه تمكناً يكون سبب هلاكه، والعياذ بالله، فالنظر بريد الزنى. وقال مسلم بن الوليد الأنصاري: شعر : كسبت لقلبي نظرة لتسره عيني فكانت شقوة ووبالا ما مر بي شيء أشد من الهوى سبحان من خلق الهوى وتعالى تفسير : وقال آخر: شعر : ألم ترى أن العين للقلب رائد فما تألف العينان فالقلب آلف تفسير : وقال آخر: شعر : وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر تفسير : وقال أبو الطيب المتنبي: شعر : وأنا الذي اجتلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل تفسير : وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله في كتابه ذم الهوى فصولاً جيدة نافعة أوضح فيها الآفات التي يسببها النظر وحذر فيها منه، وذكر كثيراً من أشعار الشعراء، والحكم النثرية في ذلك وكله معلوم. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. اعلم أولاً أن كلام العلماء في هذه الآية يرجع جميعه إلى ثلاثة أقوال: الأول: أن الزينة هنا نفس شيء من بدن المرأة كوجهها وكفيها. الثاني: أن الزينة هي ما يتزين به خارجاً عن بدنها. وعلى هذا القول ففي الزينة المذكورة الخارجة عن بدن المرأة قولان: أحدهما: أنها الزينة التي لا يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن كالملاءة التي تلبسها المرأة فوق القميص والخمار والإزار. والثاني: أنها الزينة التي يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن كالكحل في العين، فإنه يتضمن رؤية الوجه أو بعضه، وكالخضاب والخاتم، فإن رؤيتهما تسلتزم رؤية اليد، وكالقرط والقلادة والسوار، فإن رؤية ذلك تستلزم رؤية محله من البدن كما لا يخفى. وسنذكر بعض كلام أهل العلم في ذلك، ثم نبين ما يفهم من آيات القرآن رجحانه. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية وقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] أي لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه، وقال بقول ابن مسعود الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النخعي، وغيرهم، وقال الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيراً للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال في قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الزينة: القرط، والدملوج، والخلخال، والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان، فزينة لا يراها إلا الزوج الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب، وهي الظاهر من الثياب، قال الزهري: لا يبدو لهؤلاء الذين سمى الله من لا تحل له إلا الأسوة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس، فلا يبدو منها إلا الخواتم. وقال مالك، عن الزهري {إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس، ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها: بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه: حدثنا يقعوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن الفضل الحراني: قالا: حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير، عن قنادة، عن خالد بن دُرَيك، عن عائشة رضي الله عنها: "أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: "حديث : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا" تفسير : وأشار إلى وجهه وكفيه. ولكن قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله عنها والله أعلم. اهـ كلام ابن كثير. وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: {إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] واختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة، هو الثياب. وزاد ابن جبير: الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضاً، وعطاء، والأوزاعي: الوجه والكفان، والثياب. وقال ابن عباس، وقتادة، والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل، والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا، فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. ذكر آخر عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هنا وقبض على نصف الذراع ". تفسير : قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة. حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه. قلت: هذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما يدل لذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها، ثم ذكر القرطبي حديث عائشة المذكور الذي قدمناه قريباً، ثم قال: وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزاً أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها. اهـ محل الغرض من كلام القرطبي. وقال الزمخشري: الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهراً منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب، فلا بأس به، وما خفى منها كالسوار والخلخال، والدملج، والقلادة والإكليل والوشاح والقرط فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين، وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون، والتستر، لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن. فنهى عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع، بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكناً في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهد على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها إلى آخر كلامه. وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31] قال: الزينة السوار، والدملج، والخلخال، والقرط، والقلادة {إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قال: الثياب والجلباب. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الزينة زينتان، زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج. فأما الزينة الظاهرة: فالثياب، وأما الزينة الباطنة: فالكحل، والسوار والخاتم. ولفظ ابن جرير، فالظاهرة منها الثياب، وما يخفى، فالخلخالان والقرطان والسواران. وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قال: الكحل والخاتم. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: الكحل والخاتم والقرط، والقلادة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: {إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: هو خضاب الكف، والخاتم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: وجهها، وكفاها، والخاتم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال رقعة الوجه، وباطن الكف. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت: القلب والفتخ، وضمت طرف كمها. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة في قوله {إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: الوجه وثغرة النحر. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: {إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال الكفان والوجه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: المسكتان والخاتم والكحل. قال قتادة وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى ها هنا وقبض نصف الذراع" تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن المسور بن مخرمة في قوله {إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قال القلبين يعني السوار، والخاتم والكحل. وأخرج سعيد وابن جرير عن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قال: الخاتم والمسكة، قال ابن جريج، وقالت عائشة رضي الله عنها: القلب. والفتخة. قالت عائشة: دخلت على ابنة أخي لأمي، عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فأعرض فقالت عائشة رضي الله عنها: إنها ابنة أخي وجارية فقال: إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى. اهـ محل الغرض من كلام صاحب الدر المنثور. وقد رأيت في هذه النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والزينة الباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال كما ذكرنا. الأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجاً عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها كقول ابن مسعود، ومن وافقه: إنها ظاهر الثياب، لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهي ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى. وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا وأحوطها، وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة. القول الثاني: أن المراد بالزينة. ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها أيضاً، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل، ونحو ذلك، لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن كما لا يخفى. القول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة هو من أصل خلقتها، كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه، والكفان. وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم. وإذا عرفت هذا فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وقدمنا أيضاً في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ، مع تكرر ذلك اللفظ في القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب، يدل على أنه هو المراد في محل النزاع، لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان الذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية، التي نحن بصددها. أما الأول منهما، فبيانه أن قول من قال في معنى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أن المراد بالزينة: الوجه والكفان مثلاً، توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحلي، والحلل. فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه. وأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مراداً به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى {أية : يَابَنِيۤ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} تفسير : [الأعراف: 31] وقوله تعالى {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} تفسير : [الأعراف: 32] وقوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً} تفسير : [الكهف: 7] وقوله تعالى {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا} تفسير : [القصص: 60] وقوله تعالى {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} تفسير : [الصافات: 6] وقوله تعالى: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} تفسير : [النحل: 8] الآية. وقوله تعالى {أية : فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} تفسير : [القصص: 79] الآية. وقوله تعالى: {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الكهف: 46] الآية. وقوله تعالى: {أية : أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ} تفسير : [الحديد: 30] الآية. وقوله تعالى: {أية : قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ} تفسير : [طه: 59] وقوله تعالى عن قوم موسى: {أية : وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ} تفسير : [طه: 87] وقوله تعالى {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب كقول الشاعر: شعر : يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلن فهن خير عواطل تفسير : وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر. وإذا علمت أن المراد بالزينة في القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة وأن من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين، فقال بعضهم: هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة كظاهر الثياب. وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة، كالكحل، والخضاب، ونحو ذلك. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود رضي الله عنه: أن الزينة الظاهرة: هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا إن هذا القول هو الأظهر، لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء، ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها، كما هو معلوم والجاري على قواعد الشرع الكريم، هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي. واعلم أن مسألة الحجاب وإيضاح كون الرجل لا يجوز له النظر إلى شيء من بدن الأجنبية، سواء كان الوجه والكفين أو غيرهما قد وعدنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك وغيرها من المواضع، بأننا سنوضح ذلك في سورة الأحزاب في الكلام على آية الحجاب، وسنفي إن شاء الله تعالى بالوعد في ذلك بما يظهر به للمنصف ما ذكرنا. واعلم أن الحديث الذي ذكرنا في كلام ابن كثير عند أبي داود، وهو حديث عائشة في دخول أسماء على النبي صلى الله عليه وسلم، في ثياب رقاق، وأنه قال لها: "حديث : إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا" تفسير : وأشار إلى وجهه وكفيه. حديث ضعيف عند أهل العلم بالحديث كما قدمنا، عن ابن كثير أنه قال فيه: قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، وخالد بن دريك، لم يسمع من عائشة، والأمر كما قال، وعلى كل حال فسنبين هذه المسألة إن شاء الله بياناً شافياً مع مناقشة أدلة الجميع في سورة الأحزاب ولذلك لم نطل الكلام فيها ها هنا. تنبيه قد ذكرنا في كلام أهل العلم في الزينة أسماء كثيرة من أنواع الزينة، ولعل بعض الناظرين في هذا الكتاب، لا يعرف معنى تلك الأنواع من الزينة فأردنا أن نبينها ها هنا تكميلاً للفائدة. أما الكحل والخضاب فمعروفان، وأشهر أنوع خضاب النساء الحناء، والقرط ما يعلق في شحمة الأذن، ويجمع على قرطة كقردة، وقراطن وقروط، وأقراط، ومنه قول الشاعر: شعر : أكلت دماً إن لم أرعك بضرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر تفسير : والخاتم معروف، وهو حلية الأصابع. والفتخ: جمع فتخة وهي حلقة من فضة لا فص فيها، فإذا كان فيها فص، فهو الخاتم، وقيل: قد يكون للفتخة فص، وعليه فهي نوع من الخواتم، والفتخة تلبسها النساء في أصابع أيديهن، وربما جعلتها المرأة في أصابع رجليها، ومن ذلك قول الراجزة، وهي الدهناء بنت مسحل زوجة العجاج: شعر : والله لا تخدعني بضم ولا بتقبيل ولا بشم إلا بزعزاع يسلي همي تسقط منه فتخي في كمي تفسير : والخلخال، ويقال له: الخلخل حلية معروفة تلبسها النساء في أرجلهن كالسوار في المعصم، والمخلخل: موضع الخلخال من الساق ومنه قول امرئ القيس: شعر : إذا قلت هاتي نوليني تمايلت على هضيم الكشح ريا المخلخل تفسير : والدملج: ويقال له الدملوج: هو المعضد، وهو ما شد في عضد المرأة من الخرز وغيره، والعضد من المرفق إلى المنكب ومنه قول الشاعر: شعر : ما مركب وركوب الخيل يعجبني كمركب بين دملوج وخلخال تفسير : والسوار حلية من الذهب، أو الفضة مستديرة كالحلقة تلبسها المرأة في معصمها، وهو ما بين مفصل اليد والمرفق، وهو القلب بضم القاف. وقال بعض أهل اللغة: إن القلب هو السوار المفتول من طاق واحد؛ لا من طاقين أو أكثر، ومنه قول خالد بن يزيد بن معاوية في زوجته رملة بنت الزبير بن العوام رضي الله عنه: شعر : تجول خلاخيل النساء ولا أرى لرملة خلخالاً يجول ولا قلبا احب بني العوام من أجل حبها ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا تفسير : والمسكة بفتحات: السوار من عاج أو ذيل، والعاج سن الفيل، والذبل بالفتح شيء كالعاج، وهو ظهر السلحفاة البحرية، يتخذ منه السوار، ومنه قول جرير يصف امرأة: شعر : ترى العبس الحولى جونا بكوعها لها مسكاً من غير عاج ولا ذبل تفسير : قال الجوهري في صحاحه، والمسك بفتحتين: جمع مسكة. وقال بعض أهل اللغة: المسك أسورة من عاج أو قرون أو ذبل، ومقتضى كلامهم أنها لا تكون من الذهب، ولا الفضة، وقد قدمنا في سورة التوبة في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} تفسير : [التوبة: 34] الآية. في مبحث زكاة الحلي المباح من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أبي داود والنسائي "حديث : أن المرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنتها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب" تفسير : الحديث. وهو دليل على أن المسكة تكون من الذهب، كما تكون من العاج، والقرون، والذبل. وهذا هو الأظهر خلافاً لكلام كثير من اللغويين في قولهم: إن المسك لا يكون من الذهب، والفضة، والقلادة معروفة. والله تعالى أعلم. {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. لمّا أمر الله تعالى بهذه الآداب المذكورة في الآيات المتقدمة، وكان التقصير في امتثال تلك الأوامر قد يحصل علّم خلقه ما يتداركوه به، ما وقع منهم من التقصير في امتثال الأمر، واجتناب النهي، وبين لهم أن ذلك إنما يكون بالتوبة، وهي الرجوع عن الذنب والإنابة إلى الله تعالى بالاستغفار منه، وهي ثلاثة أركان: الأول: الإقلاع عن الذنب إن كان متلبّساً به. والثاني: الندم على ما وقع منه من المعصية. والثالث: النيّة ألاّ يعود إلى الذنب أبداً، والأمر في قوله في هذه الآية: {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً} الظاهر أنه للوجوب وهو كذلك، فالتوبة واجبة على كلّ مكلّف، من كل ذنب اقترفه، وتأخيرها لا يجوز فتجب منه التوبة أيضاً. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} قد قدمنا مراراً أنّ أشهر معاني لعلّ في القرآن اثنان. الأول: أنّها على بابي من الترجي أي توبوا إلى الله، رجاء أن تفلحوا، وعلى هذا فالرجاء بالنسبة إلى العبد، أما الله جل وعلا، فهو عالم بكلّ شيء، فلا يجوز في حقه إطلاق الرجاء، وعلى هذا فقوله تعالى لموسى وهارون في مخاطبة فرعون: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 44] وهو جلّ وعلا عالم بما سبق في الأزل من أنّه لا يتذكر ولا يخشى. معناه: فقولا له قولاً ليناً رجاء منكما بحسب عدم علمكما بالغيب أن يتذكر أو يخشى. والثاني: هو ما قاله بعض أهل العلم بالتفسير من أنّ كلّ لعلّ في القرآن للتعليل، إلاَّ التي في سورة الشعراء، وهي في قوله تعالى: {أية : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} تفسير : [الشعراء: 129] قالوا فهي بمعنى كأنكم، وقد قدمنا أن إطلاق لعل للتعليل معلوم في العربية، ومنه قول الشاعر: شعر : فقلتم لنا كفوا الحروب لعلّنا نكف ووثقتم لنا كل موثق تفسير : أي كفوا الحروب، لأجل أن نكف كما تقدم. وعلى هذا القول فالمعنى: وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون، لأجل أن تفلحوا أي تنالوا الفلاح، والفلاح في اللغة العربية: يطلق على معنيين: الأول: الفوز بالمطلوب الأعظم، ومن هذا المعنى قول لبيد: شعر : فاعقلي إن كنتِ لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل تفسير : أي فاز بالمطلوب الأعظم من رزقه الله العقل. المعنى الثاني: هو البقاء الدائم في النعيم والسرور، ومنه قول الأضبط بن قريع، وقيل كعب بن زهير: شعر : لكل همّ من الهموم سعه والمسى والصبح لا فلاح معه تفسير : يعني أنه لا بقاء لأحد في الدنيا مع تعاقب المساء والصباح عليه. وقول لبيد بن ربيعة أيضاً: شعر : لو أن حيّاً مُدرك الفلاح لناله ملاعب الرماح تفسير : يعني لو كان أحد يدرك البقاء، ولا يموت لناله ملاعب الرماح، وهو عمّه عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة. وقد قال فيه الشاعر يمدحه، ويذم أخاه الطفيل والد عامر بن الطفيل المشهور: شعر : فررت وأسلمت ابن امّك عامرا يلاعب أطراف الوشيج المزعزع تفسير : وبكل من المعنيين اللّذين ذكرناهما في الفلاح فسّر حديث الأذان والإقامة: حيَّ على الفلاح كما هو معروف. ومن تاب إلى الله كما أمره الله نال الفلاح بمعنييه، فإنّه يفوز بالمطلوب الأعظم وهو الجنة، ورضى الله تعالى، وكذلك ينال البقاء الأبدي في النعيم والسرور، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره جل وعلا، لجميع المسلمين بالتوبة مشيراً إلى أنها تؤدِّي إلى فلاحهم في قوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] أوضحه في غير هذا الموضع، وبيّن أنّ التوبة التي يمحو الله بها الذنوب، ويكفّر بها السيئات، أنها التوبة النصوح، وبيّن أنّها يترتَّب عليها تكفير السيئات، ودخول الجنة، ولا سيِّما عند من يقول من أهل العلم: إنّ عسى من الله واجبة، وله وجه من النظر، لأنه عز وجل جواد كريم، رحيم غفور، فإذا أطمع عبده في شيء من فضله، فجرده وكرمه تعالى، وسعة رحمته يجعل ذلك الإنسان الذي أطعمه ربّه في ذلك الفضل يثق، بأنه ما أطعمه فيه، إلا ليتفضّل به عليه. ومن الآيات التي بيّنت هذا المعنى المذكور هنا قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [التحريم: 8] فقوله في آية التحريم هذه {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} كقوله في آية النور: {أَيُّهَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} [النور: 31]. وقوله في آية التحريم: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [التحريم: 8] كقوله في آية النور {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] لأنَّ من كفرت عنه سيئاته وأدخل الجنة، فقد نال الفلاح بمعنييه، وقوله في آية التحريم: {أية : تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} تفسير : [التحريم: 8] موضح لقوله في النور {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً} [النور: 31] ونداؤه لهم بوصف الإيمان في الآيتين فيه تهييج لهم، وحثّ على امتثال الأمر، لأن الاتصاف بصفة الإيمان بمعناه الصحيح، يقتضي المسارعة إلى امتثال أمر الله، واجتناب نهيه، والرجاء المفهوم من لفظه عسى في آية التحريم، هو المفهوم من لفظة لعل في آية النور كما لا يخفى. تنبيهات الأول: التوبة النصوح: هي التوبة الصادقة. وحاصلها: أن يأتي بأركانها الثلاثة على الوجه الصحيح، بأن يقلع عن الذنب إن كان متلبساً به، ويندم على ما صدر منه من مخالفة أمر ربّه جل وعلا، وينوي نيّة جازمة ألاّ يعود إلى معصية الله أبداً. وأظهر أقوال أهل العلم أنه إن تاب توبة نصوحاً وكفر الله عن سيئاته بتلك التوبة النصوح، ثم عاد إلى الذنب بعد ذلك؛ أن توبته الأولى الواقعة على الوجه المطلوب، لا يبطلها الرجوع إلى الذنب، بل تجب عليه التوبة من جديد لذنبه الجديد خلافاً لمن قال: إنّ عوده للذنب نقض لتوبته الأولى. الثاني: اعلم أنّه لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا تصح توبة من ذنب إلا بالندم على فعل الذنب، والإقلاع عنه، إن كان متلبساً به كما قدمنا أنهما من أركان التوبة، وكلّ واحد منهما فيه إشكال معروف. وإيضاحه في الأول الذي هو الندم، أن الندم ليس فعلاً، وإنما هو انفعال، ولا خلاف بين أهل العلم في أنّ الله لا يكلف أحداً إلا بفعل يقع باختيار المكلف، ولا يكلف أحداً بشيء إلا شيئاً هو في طاقته كما قال تعالى:{أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] وقال تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16] وإذا علمت ذلك فاعلم أن الندم انفعال ليس داخلاً تحت قدرة العبد، فليس بفعل أصلاً، وليس في وسع المكلّف فعله، والتكليف لا يقع بغير الفعل، ولا يطاق كما بيَّنا. قال في مراقي السعود: شعر : ولا يكلف بغير الفعل باعث الأنبيا وربّ الفضل تفسير : وقال أيضاً: شعر : والعلم والوسع على المعروف شرط يعمّ كل ذي تكليف تفسير : واعلم أن كلام الأصوليين في مسألة التكليف بما لا يطاق، واختلافهم في ذلك إنما هو بالنسبة إلى الجواز العقلي، والمعنى هل يجيزه العقل أو يمنعه. أما وقوعه بالفعل فهم مُجْمعون على منعه كما دلّت عليه آيات القرآن، والأحاديث النبويّة، وبعض الأصوليين يعبّر عن هذه المسألة بالتكليف بالمحال هل يجوز عقلاً أو لا؟ أمّا وقوع التكليف بالمحال عقلاً، أو عادة، فكلهم مجمعون على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله تعالى بعدم وقوعه أزلاً، ومثال المستحيل عقلاً أن يكلّف بالجمع، بين الضدّين كالبياض، والسواد أو النقيضين كالعدم والوجود. والمستحيل عادة كتكليف المقعد بالمشي وتكليف الإنسان بالطيران ونحو ذلك. فمثل هذا لا يقع التكليف به إجماعاً. وأما المستحيل لأجل علم الله في الأزل بأنّه لا يقع فهو جائز عقلاً، ولا خلاف في التكليف به فإيمان أبي لهب مثلاً كان الله عالماً في الأزل، بأنه لا يقع كما قال الله تعالى عنه {أية : سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ}تفسير : [المسد: 3] فوقوعه محال عقلاً لعلم الله في الأزل بأنه لا يوجد، لأنه لو وجد لاستحال العلم بعدمه جهلاً، وذلك مستحيل في حقه تعالى. ولكن هذا المستحيل للعلم بعدم وقوعه جائز عقلاً، إذ لا يمنع العقل إيمان أبي لهب، ولو كان مستحيلاً لما كلّفه الله بالإيمان، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فالإيمان عام، والدعوة عامة والتوفيق خاص. وإيضاح مسألة الحكم العقلي أنّه عند جمهور النظار ثلاثة أقسام: الأول: الواجب عقلاً. الثاني: المستحيل عقلاً. الثالث: الجائز عقلاً، وبرهان حصر الحكم العقلي في الثلاثة المذكورة، أن الشيء من حيث هو شيء، لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات: إما أن يكون العقل يقبل وجوده، ولا يقبل عدمه بحال. وإما أن يكون يقبل عدمه ولا يقبل وجوده بحال. وإما أن يكون يقبل وجوده وعدمه معاً. فإن كان العقل يقبل وجوده، دون عدمه فهو الواجب عقلاً، وذلك كوجود الله تعالى متصفاً بصفات الكمال والجلال. فإن العقل السليم لو عرض عليه وجود خالق هذه المخلوقات لقبله ولو عرض عليه عدمه، وأنها خلقت بلا خالق، لم يقبله، فهو واجب عقلاً. وأما إن كان يقبل عدمه، دون وجوده، فهو المستحيل عقلاً، كشريك الله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، فلو عرض على العقل السليم عدم شريك لله في ملكه، وعبادته لقبله، ولو عرض عليه وجوده لم يقبله بحال، كما قال تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22] وقال: {أية : إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [المؤمنون: 91] فهو مستحيل عقلاً. وأما إن كان العقل يقبل وجوده وعدمه معاً، فهو الجائز العقلي، ويقال له الجائز الذاتي، وذلك كإيمان أبي لهب، فإنه لو عرض وجوده على العقل السليم لقبله، ولو عرض عليه عدمه بدل وجوده لقبله أيضاً، كما لا يخفى، فهو جائز عقلاً جوازاً ذاتياً، ولا خلاف في التكليف بهذا النوع الذي هو الجائز العقلي الذاتي. وقالت جماعات من أهل الأهواء: إن الحكم العقلي: قسمان فقط، وهما الواجب عقلاً، والمستحيل عقلاً، قالوا والجائز عقلاً لا وجود له أصلاً، وزعموا أن دليل الحصر في الواجب والمستحيل أن الأمر، إما أن يكون الله عالماً في أزله، بأنه سيوجد فهو واجب الوجود لاستحالة عدم وجوده مع سبق العلم الأزلي بوجوده، فإيمان أبي بكر فهو واجب عندهم عقلاً لعلم الله بأنه سيقع، إذ لو لم يقع لكان علمه جهلاً سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، وذلك محال. وإما أن يكون الله عالماً في أزله، بأنه لا يوجد، كإيمان أبي لهب، فهو مستحيل عقلاً، إذ لو وجد لانقلب العلم جهلاً، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. وهذا القول لا يخفى بطلانه، ولا يخفى أن إيمان أبي لهب، وأبي بكر كلاهما يجيز العقل وجوده وعدمه، فكلاهما جائز إلاّ أن الله تعالى شاء وجود أحد هذين الجائزين، فأوجده وشاء عدم الآخر فلم يوجده. والحاصل: أن المستحيل لغير علم الله السابق بعدم وجوده، لأنه مستحيل استحالة ذاتية كالجمع بين النقيضين لا يقع التكليف به إجماعاً، وكذلك المستحيل عادة كما لا يخفى. أما الجائز الذاتي فالتكليف به جائز، وواقع إجماعاً كإيمان أبي لهب فإنه جائز عقلاً، وإن استحال من جهة علم الله بعدم وقوعه، وهم يسمون هذا الجائز الذاتي مستحيلاً عرضياً ونحن ننزه صفة علم الله عن أن نقول إن الاستحالة بسببها عرضية. فإذا علمت هذا فاعلم أنّ علماء الأصول وجميع أهل العلم، مجمعون على وقوع التكليف بالجائز العقلي الذاتي، كإيمان أبي لهب، وإن كان وقوعه مستحيلاً لعلم الله بأنه لا يقع. أما المستحيل عقلاً لذاته كالجمع بين النقيضين والمستحيل عادة كمشي المقعد، وطيران الإنسان بغير آلة، فلا خلاف بين أهل العلم في منع وقوع التكليف بكل منهما كما قال تعالى: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] وقال تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أمرتُكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ". تفسير : وأما المستحيل العقلي: فقالت جماعة من أهل الأصول: يجوز التكليف بالمستحيل الذاتي عادة وعقلاً، وبالمستحيل عادة. وقال بعضهم: لا يجوز عقلاً مع إجماعهم على أنّه لا يصحّ وقوعه بالفعل. وحجّة من يمنعه عقلاً أنه عبث لا فائدة فيه، لأن المكلف به لا يمكن أن يقدر عليه بحال، فتكليفه بما هو عاجز عنه عجزاً محققاً عبث لا فائدة فيه، قالوا فهو مستحيل، لأن الله حكيم خبير، وحجة من قال بجوازه أنّ فائدته امتحان المكلّف، هل يتأسف على عدم القدرة، ويظهر أنّه لو كان قادراً لا مثل، والامتحان سبب من أسباب التكليف، كما كلف الله إبراهيم بذبح ولده، وهو عالم أنه لا يذبحه، وبيّن أن حكمة هذا التكليف هي ابتلاء إبراهيم، أي اختباره هل يمتثل فلما شرع في الامتثال فداه الله بذبح عظيم كما قال تعالى عنه: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِين وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الصافات: 103ـ107]. وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى مسألة التكليف بالمحال وأقوال الأصوليين فيها، وهي اختلافهم في جواز ذلك عقلاً، مع إجماعهم على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله، بعدم الوقوع كالاستحالة الذاتية بقوله: شعر : وجوز التكليف بالمحال في الكل من ثلاثة الأحوال وقيل بالمنع لما قد امتنع لغير علم الله أن ليس يقع وليس واقعاً إذا استحالا لغير علم ربنا تعالى تفسير : وقوله: وجوّز التكليف يعني الجواز العقلي. وقوله: وقيل بالمنع، أي عقلاً ومراده بالثلاثة الأحوال: ما استحال عقلاً وعادة، كالجمع بين النقيضين وما استحال عادة، كمشي المقعد: وطيران الإنسان، وإبصار الأعمى، وما استحال لعلم الله بعدم وقوعه. وإذا عرفت كلام أهل الأصول في هذه المسألة، فاعلم أن التوبة تجب كتاباً وسنة وإجماعاً من كل ذنب اقترفه الإنسان فوراً، وأن الندم ركن من أركانها، وركن الواجب واجب، والندم ليس بفعل، وليس في استطاعة المكلف، لأنه انفعال لا فعل والانفعالات ليست بالاختيار، فما وجه التكليف بالندم، وهو غير فعل للمكلّف، ولا مقدور عليه. والجواب عن هذا الإشكال: هو أن المراد بالتكليف بالندم التكليف بأسبابه التي يوجد بها، وهي في طوق المكلف، فلو راجع صاحب المعصية نفسه مراجعه صحيحة، ولم يحابها في معصية الله لعلم أن لذة المعاصي كلذة الشراب الحلو الذي فيه السم القاتل، والشراب الذي في السم القاتل لايستلذه عاقل لما يتبع لذته من عظيم الضرر، وحلاوة المعاصي فيها ما هو أشدّ من السمّ القاتل، وهو ما تسلتزمه معصية الله جل وعلا من سخطه على العاصي، وتعذيبه له أشد العذاب، وعقابه على المعاصي قد يأتيه في الدنيا فيهلكه، وينغص عليه لذة الحياة. ولا شك أن من جعل أسباب الندم على المعصية وسيلة إلى الندم، وأنه يتوصل إلى حصول الندم على المعصية، بسبب استعماله الأسباب التي يحصل بها. فالحاصل: أنه مكلف بالأسباب المستوجبة للندم، وأنه إن استعملها حصل له الندم، وبهذا الاعتبار كان مكلفاً بالندم، مع أنه انفعال لا فعل. ومن أمثلة استعمال الأسباب المؤدّية إلى الندم على المعصية، قول الشاعر وهو الحسين بن مطير: شعر : فلا تقرب الأمر الحرام فإنه حلاوته تفنى ويبقى مريرها تفسير : ونقل عن سفيان الثوري رحمه الله أنه كان كثيراً ما يتمثل بقول الشاعر: شعر : تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء في مغبَّتها خير في لذة من بعدها النار تفسير : وأما الإشكال الذي في الإقلاع عن الذنب، فحاصله: أن من تاب من الذنب الذي هو متلبس به، مع بقاء فساد ذلك الذنب، أي أثره السيئ، هل تكون توبته صحيحة، نظراً إلى أنه فعل في توبته كل ما يستطيعه. وإن كان الإقلاع عن الذنب لم يتحقق للعجز عن إزالة فساده في ذلك الوقت، أولاً تكون توبته صحيحة، لأنّ الإقلاع عن الذنب الذي هو ركن التوبة لم يتحقق. ومن أمثلة هذا من كان على بدعة من البدع السيئة المخالفة للشرع المستوجبة للعذاب إذا بثّ بدعته، وانتشرت في أقطار الدنيا، ثم تاب من ارتكاب تلك البدعة، فندم على ذلك، ونوى ألا يعود إليه أبداً، مع أن إقلاعه عن بدعته لا قدرة له عليه، لانتشارها في أقطار الدنيا، ولأن من سنّ سنّة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ففساد بدعته باق. ومن أمثلته من غصب أرضاً، ثم سكن في وسطها، ثم تاب من ذلك الغصب نادماً عليه، ناوياً ألا يعود إليه، وخرج من الأرض المغصوبة بسرعة، وسلك أقرب طريق للخروج منها، فهل تكون توبته صحيحة، في وقت سيره في الأرض المغصوبة قبل خروجه منها، لأنه فعل في توبته كل ما يقدر عليه، أولاً تكون توبتة صحيحة، لأنّ إقلاعه عن الغصب، لم يتم ما دام موجوداً في الأرض المغصوبة، ولو كان يسير فيها، ليخرج منها. ومن أمثلته من رمى مسلماً بسهم، ثم تاب فندم على ذلك، ونوى ألا يعود قبل إصابة السهم للإنسان الذي رماه به بأن حصلت التوبة والسهم في الهواء في طريقه إلى المرمى، هل تكون توبته صحيحه، لأنّه فعل ما يقدر عليه، أولاً تكون صحيحة، لأن إقلاعه عن الذنب، لم يتحقق وقت التوبة، لأن سهمه في طريقه إلى إصابة مسلم فجمهور أهل الأصول على أن توبته في كل الأمثلة صحيحة، لأن التوبة واجبة عليه، وقد فعل من هذا الواجب كل ما يقدر عليه، وما لا قدرة له عليه معذور فيه لقوله تعالى: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 268] إلى آخر الأدلة التي قدمناها قريباً. وقال أبو هاشم، وهو من أكابر المعتزلة كابنه أبي علي الجبائي: إن التائب الخارج من الأرض المغصوبة آت بحرام، لأن ما أتى به من الخروج تصرف في ملك الغير بغير إذن، كالمكث، والتوبة إنما تحقق عند انتهائه إذ لا إقلاع إلا حينئذ، والإقلاع ترك المنهي عنه، فالخروج عنده قبيح. لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو مناف للإقلاع، فهو منهي عنه، مع أن الخروج المذكور مأمور به عنده أيضاً، لأنه انفصال عن المكث في الأرض المغصوبة، وهذا بناه على أصله الفاسد، وهو القبح العقلي، لكنه أخلّ بأصل له آخر، وهو منع التكليف بالمحال فإنه قال: إن خرج عصى، وإن مكث عصى، فقد حرم عليه الضدين كليهما. اهـ. قاله في نشر البنود. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود مقتصراً على مذهب الجمهور بقوله: شعر : من تاب بعد أن تعاطى السببا فقد أتى بما عليه وجبا وإن بقي فساده كمن رجع عن بث بدعة عليها يتبع أو تاب خارجاً مكان الغصب أو تاب بعد الرمي قبل الضرب
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يغضوا من أبصارهم: أي يخفضوا من أبصارهم حتى لا ينظروا إلى نساء لا يحل لهم أن ينظروا إليهن. ويحفظوا فروجهم: أي يصونونها من النظر إليها ومن إتيان الفاحشة الزنى واللواط. أزكى لهم: أي أكثر تزكية لنفوسهم من فعل المندوبات والمستحبات. ولا يبدين زينتهن: أي مواضع الزينة الساقين حيث يوضع الخلخال، وكالكفين والذراعين حيث الأساور والخواتم والحناء والرأس حيث الشعر والأقراط في الأذنين والتزجيج في الحاجبين والكحل في العينين والعنق والصدر حيث السخاب والقلائد. إلا ما ظهر منها: أي بالضرورة دون اختيار وذلك كالكفين لتناول شيئاً والعين الواحدة أو الاثنتين للنظر بهما، والثياب الظاهرة كالخمار والعجار والعباءة. بخمرهن على جيوبهن: أي ولتضرب المرأة المسلمة الحرة بخمارها على جيوب أي فتحات الثياب في الصدر وغيره حتى لا يبدو شيء من جسمها. إلا لبعولتهن: البعل الزوج والجمع بعول. أو نسائهن: أي المسلمات فيخرج الذميات فلا تتكشف المسلمة أمامهن. أو ما ملكت أيمانهن: أي العبيد والجواري فللمسلمة أن تكشف وجهها لخادمها المملوك. أو التابعين غير أولي الإربة: أي التابعين لأهل البيت يطعمونهم ويسكنونهم ممن لا حاجة لهم إلى النساء. أو الطفل: أي الأطفال الصغار قبل التمييز والبلوغ. لم يظهروا على عورات النساء: أي لم يبلغوا سناً تدعوهم إلى الاطلاع على عورات النساء للتلذذ بهن. ليعلم ما يخفين من زينتهن: أي الخلاخل في الرجلين. تفلحون: أي تفوزون بالنجاة من العار والنار، وبالظفر بالطهر والشرف وعالي الغرف في دار النعيم. معنى الآيات: سبق أن ذكرنا أنه لقبح وفساد الزنى وسوء أثره على النفس والحياة البشرية وضع الشارع عدة أسباب واقية من الوقوع فيه ومنها الأمر بغض البصر للرجال والنساء فقوله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} أي مُرْ يا رسولنا المؤمنين بأن يغضوا من أبصارهم أي بأن يخفضوا أجفانهم على أعينهم حتى لا ينظروا إلى الأجنبيات عنهم من النساء ويحفظوا فروجهم عن النظر إليها فلا يكشفوها لأحد إلا ما كان من الزوج لزوجه فلا حرج وعدم النظر أولى وأطيب، وقوله: {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ} أي أطهر لنفوسهم من نوافل العبادات، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} فليراقبوه تعالى في ذلك المأمور به من غض البصر وحفظ الفرج إنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وقوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} إذ شأنهن شأن الرجال في كل ما أمر به الرجال من غض البصر وحفظ الفرج وقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} أي مُرْهُن بغض البصر وحفظ الفرج وعدم إظهار الزينة {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} مما لا يمكنها ستره وإخفاؤه كالكفين عند تناول شيء أو إعطائه أو العينين تنظر بهما وإن كان في اليد خاتم وحناء وفي العينين كحل وكالثياب الظاهرة من خمار على الرأس وعباءة تستر الجسم فهذا معفو عنه إذ لا يمكنها ستره. وقوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} كانت المرأة تضع خمارها على رأسها مسبلاً على كتفيها فأمرت أن تضرب به على فتحات درعها حتى تستر العنق والصدر ستراً كاملاً وقوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} أعاد اللفظ ليرتب عليه ما بعده من المحارم الذي يباح للمؤمنة أن تبدي زينتها إليهم وهم الزوج، والأب والجد وإن علا وأب الزوج وإن علا وابنها وإن سفل وأبناء الزوج وإن نزلوا، والأخ لأب أو الشقيق أو لأم وأبناؤه وأن نزلوا، وابن الأخ وان نزل وسواء كان لأب أو لأم أو شقيق، وابن الأخت شقيقة أو لأب أو أم. والمرأة المسلمة من نساء المؤمنات، وعبدها المملوك لها دون شريك لها فيه والتابع لأهل بيتها من شيخ هرم أصابه الخرف، وعنين ومعتوه وطفل صغير لم يميز دون البلوغ ممن لا حاجة لهم في النساء لعدم الشهوة عندهم لكبر ومرض وصغر. وقوله تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} نهى تعالى المؤمنات أن يضربن الأرض بأرجلهن التي فيها الخلاخل لكي يعلم أنها ذات زينة في رجلها، فلا يحل لها ذلك ولو لم تقصد إظهار زينتها. وقوله تعالى: {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أمر تعالى المؤمنين والمؤمنات بالتوبة وهي ترك ما من شأنه أن يغضب الله تعالى، وفعل ما وجب فعله ومن ذلك غض البصر وحفظ الفرج والالتزام بالعفة والستر والتنزه عن الإِثم صغيره وكبيره وبذلك يتأهل المؤمنون للفلاح الذي هو الفوز بالنجاة من المرهوب والظفر بالمحبوب المرغوب. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب غض البصر وحفظ الفرج. 2- وجوب ستر المرأة زينتها ومواضع ذلك ما عدا ما يتعذر ستره للضرورة. 3- بيان المحارم الذين للمرأة المؤمنة أن تبدي زينتها عندهم بلا حرج. 4- الرخصة في إظهار الزينة للهرم المخرف من الرجال والمعتوه والطفل الصغير الذي لم يعرف عن عورات النساء شيئاً. 5- حرمة ضرب ذات الخلاخل الأرض برجلها حتى لا يعلم ما تخفي من زينتها. 6- وجوب التوبة من كل ذنب وعلى الفور للحصول على الفلاح العاجل والآجل.
القطان
تفسير : يغضوا من أبصارهم: يكفّونها عن المحرمات ويخفضونها. الخُمُر: جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها. الجيوب: واحدها جيب، وهو فتحة في أعلى القميص. البعولة: الازواج، واحدها بعل. الإربة: الحاجة إلى النساء، يقال أرِب الرجل الى الشيء اذا احتاج اليه، والاربة والأرَب بفتح الهمزة والراء، والمأربة بفتح الراء بمعنى واحد. الطفل: يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويجوز ان يقال طفل وطفلة واطفال وطفلات، ويقال له طفل حتى يبلغ. لم يظهَروا على عورات النساء: لم يبلغوا حد الشهوة ولا يدرون ما هي. {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ.... } في هاتين الآيتين تعليمٌ لنا وتهذيب لأخلاقنا، لأن الإسلام يهدف الى إقامة مجتمع سليم نظيف، وذلك بالحيلولة دون استثارة المشاعر، وابقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليماً. ذلك أن الميل الفطري بين الرجل والمرأة مَيْلٌ عميق في التكوين الحيوي، لأن الله قد أناط به امتدادَ الحياة على هذه الارض. والله سبحانه يرشدنا الى أرقى الاخلاق وأسماها لنعيش في أمن وسلام. قل ايها الرسول للمؤمنين: كفُّوا أبصاركم عما حرَّم الله عليكم من عورات النساء ومواطن الزينة منهن، واحفظوا أنفسكم من عمل الفاحشة. ان ذلك الأدبَ أكرمُ بكم واطهرُ وأبعدُ عن الوقوع في المعصية. {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} فلا يخفى عليه شيء مما يصدُر منهم من الافعال. وبعد ان أمر المؤمنين بغضّ أبصارهم - أمر المؤمنات كذلك. فقل يا أيها النبي للمؤمنات: عليهنّ ان يحفظن أبصارهن فلا ينظرن الى المحرَّم من الرجال. ويحفظن انفسَهن من الوقوع في الزنا وفتنة الغير. وذلك بستر أجسامهن ما عدا الوجه والكفّين. وهذا معنى قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. ولما نهى عن إبداء الزينة أرشدَ الى إخفاء بعض مواضعها فقال: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} وليضعن الخمارَ على رؤوسهن ليَسْتُرْنَ بذلك شعورهن وأعناقهن وصدورهن. {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ.... } لا يحلُّ لهنّ ان يُظهرن شيئا من اجسامهن الا لأزواجهن والاقارب الذين يحرُم عليهن التزوج منهم تحريماً مؤبدا مثل آبائهن او آباء أزواجهن، أو أبنائهن، أو أبناء أزواجهن من زوجات سابقات، او إخوانهن أو أبناء اخوانهن او ما ملكت ايمانهن من الأرقاء، او من يشتغل عندهن من المسنّين الذي ماتت شهواتهم والاطفال الذين لم يبلغوا سن البلوغ. ثم نهى الله عن إظهار وسوسة الحليّ وما يثير الشهوة فقال: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} اطلبْ منهن أيها الرسول ان لا يفعلن شيئا يجلب أنظار الرجال الى ما خَفِيَ من الزينة، وكل ما يثير الفتنةَ من المشي غير المعتاد. {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} ارجعوا الى الله والى طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه من عاداتِ الجاهلية، والتزِموا آدابَ هذا الدين القويم لتسعدوا في دنياكم وأخراكم. قراءات: قرأ ابن عامر وابو بكر: غير أولي الإربة، بنصب غيرَ. والباقون: غير بالجر كما هو في المصحف.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَبْصَارِهِمْ} (30) - يَأْمُرُ اللهُ عِبَادَه المُؤْمِنِيِنَ بِأَنْ يَغُضُوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِم، فَإِذَا اتَّفَقَ أَنْ وَقَعَ البَصَرُ عَلَى مُحَرِّم عَلَيْهِمْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَعَلَى المُؤْمِن أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ بَصَرَهُ سَرِيعاً، كَمَا يَأَمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِحِفْظِ فُرُوجِهم عَنِ الزِّنَى، وبِحِفْظِها مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا، فَذَلِكَ أَطْهَرُ لِقُلُوبِهِمْ وَأَزَكَى لِدِيِنهِم. (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَتفسير : ). (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ). يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ - يَكُفُّوا نَظَرَهُمْ عَنِ المُحَرَّمَاتِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تحدثت سورة النور من أولها عن مسألة الزنا والقذف والإحصان، وحذرتْ من اتباع خطوات الشيطان التي تؤدي إلى هذه الجريمة، وتحدثت عن التكافؤ في الزواج، وأن الزاني للزانية، والزانية للزاني، والخبيثون للخبيثات والطيبون للطيبات. وهذا منهج متكامل يضمن سلامة المجتمع والخليفة لله في أرضه، فالله تعالى يريد مجتمعاً تضيء فيه القيم السامية، مجتمعاً يخلو من وسائل (العكننة) والمخالفة والشَّحْناء والبغضاء، فلو أننا طبَّقنا منهج الله الذي ارتضاه لنا لارتاح الجميع في ظله. ومسألة غَضِّ البصر التي يأمرنا بها ربنا - عز وجل - في هذه الآية هي صمام الأمان الذي يحمينا من الانزلاق في هذه الجرائم البشعة، ويسد الطريق دونها؛ لذلك قال تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ ..} [النور: 30]. وقلنا: إن للإنسان وسائل إدراكات متعددة، وكل جهاز إدراك له مناط: فالأذن تسمع الصوت، والأنف يشم الرائحة، واللسان للكلام، ولذوْق المطعومات، والعين لرؤية المرئيات، لكن أفتن شيء يصيب الإنسان من ناحية الجنس هي حاسَّة البصر؛ لذلك وضع الشارع الحكيم المناعة اللازمة في طرفي الرؤية في العين الباصرة وفي الشيء المبصر، فأمر المؤمنين بغضِّ أبصارهم، وأمر المؤمنات بعدم إبداء الزينة، وهكذا جعل المناعة في كلا الطرفين. وحين تتأمل مسألة غَضِّ البصر تجدها من حيث القسمة العقلية تدور حول أربع حالات: الأولى: أن يغضَّ هو بصره ولا تبدي هي زينتها، فخطّ الفتنة مقطوع من المرسل ومن المستقبل، الثانية: أن يغضَّ هو بصره وأن تبدي هي زينتها، الثالثة: أن ينظر هو ولا تبدي هي زينتها. وليس هناك خطر على المجتمع أو فتنة في هذه الحالات الثلاث فإذا توفر جانب انعدام الآخر. إنما الخطر في القسمة الرابعة: وهي أن ينظر هو ولا يغضّ بصره، وأنْ تتزين هي وتُبدي زينتها، ففي هذه الحالة فقط يكون الخطر. إذن: فالحق - تبارك وتعالى - حرَّم حالة واحدة من أربع حالات؛ ذلك لأن المحرّمات هي الأقل دائماً، وهذا من رحمة الله بنا، بدليل قوله تعالى: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 151] فالمحرمات هي المحصورة المعدودة، أمّا المحللات فهي فوق الحصر والعَدِّ، فالأصل في الأشياء أنها حلال، وإذا أراد الحق سبحانه تحريم شيء نَصَّ عليه، فانظر إلى هذه المعاملة الطيبة من ربك عز وجل. وكما أمر الرجل بغضِّ بصره، كذلك أُمِرَتْ المرأة بغضِّ بصرها، لأن اللَّفْتة قد تكون أيضاً للرجل ذي الوسامة و .. و فإنْ كان حظ المرأة في رجل تتقحمه العين، فلربما نظرتْ إلى غيره، فكما يُقال في الرجال يُقال في النساء. هذا الاحتياط وهذه الحدود التي وضعها الله عز وجل وألزمنا بها إنما هي لمنع هذه الجريمة البشعة التي بُدِئَتْ بها هذه السورة؛ لأن النظر أول وسائل الزنا، وهو البريد لما بعده، أَلاَ ترى شوقي رحمه الله حين تكلم عن مراحل الغَزَل يقول: شعر : نَظْرَةٌ فابتسَامَةٌ فسَلاَمٌ فكَلامٌ فموعِدٌ فَلِقَاءٌ تفسير : فالأمر بغَضِّ البصر لِيسدَّ منافذ فساد الأعراض، ومَنْع أسباب تلوث النسل؛ ليأتي الخليفة لله في الأرض طاهراً في مجتمع طاهر نظيف شريف لا يتعالى فيه أحد على أحد، بأن له نسباً وشرفاً، والآخر لا نسبَ له. ذلك ليطمئن كل إنسان على أن مَنْ يليه في الخلافة من أبناء أو أو أحفاد إنما جاءوا من طريق شرعيٍّ شريف، فيجتهد كل إنسان في أن يُنشِّىء أطفاله تنشئةً فيها شفقة، فيها حنان ورحمة؛ لأنه واثق أنه ولده، ليس مدسوساً عليه، وأغلب الظن أن الذين يُهملون أطفالهم ولا يُراعون مصالحهم يشكُّون في نسبهم إليهم. ولا يصل المجتمع إلى هذا الطُّهْر إلا إذا ضمنتَ له الصيانة الكافية، لئلا تشرد منه غرائز الجنس، فيعتدي كل نظر على مَا لا يحلّ له؛ لأن النظر بريد إلى القلوب، والقلوب بريد إلى الجنس، فلا يعفّ الفرج إلا بعفاف النظر. ونلحظ في قوله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ ..} [النور: 30] دقة بلاغ الرسول عن ربه - عز وجل - وأمانته في نقل العبارة كما أُنزِلَتْ عليه، ففي هذه الآية كان يكفي أن يقول رسول الله: غُضُّوا أبصاركم، لكنه التزم بنص ما أُنزِل عليه؛ لأن القرآن لم ينزل للأحكام فقط، وإنما القرآن هو كلام الله المنزّل على رسوله والذي يُتعبَّد بتلاوته، فلا بُدَّ أنْ يُبلّغه الرسول كما جاءه من ربه. لذلك قال في البلاغ عن الله (قُلْ) وفي الفعل (يَغضُّوا) دلالةً على ملحظية (قل)، فالفعل (يغضوا) مضارع لم تسبقه أداة جزم، ومع ذلك حُذِفت منه النون، ذلك لأنه جعل (قُلْ) ملحظية في الأسلوب. والمعنى: إنْ تقُل لهم غُضُّوا أبصاركم يغضُّوا، فالفعل - إذن - مجزوم في جواب الأمر (قُلْ). إذن {قُلْ ..} [النور: 30] تدل على أمانة الرسول في البلاغ، وعلى أن القرآن ما نزل للأحكام فحسب، إنما هو أيضاً كلام الله المعجز؛ لذلك نحافظ عليه وعلى كل لفظة فيه، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أتيتُ لكم بشيء من عندي، ومهمتي أن أبلغكم ما قاله الله لي. وقوله: {لِّلْمُؤْمِنِينَ ..} [النور: 30] فما داموا مؤمنين بإله حكيم، وقد دخلوا حظيرة الإيمان باختيارهم لم يُرغمهم عليه أحد، فلا بُدَّ أنْ يلتزموا بما أمرهم ربهم به وينفذوه بمجرد سماعه. والغَضُّ: النقصان، يقال: فلان يغُضُّ من قَدْر فلان يعني: ينقصه، فكيف يكون النقصان في البصر؟ أينظر بعين واحدة؟ قالوا: البصر له مهمة، وبه تتجلى المرائي، والعين مجالها حر ترى كل ما أمامها سواء أكان حلالاً لها أو مُحرّماً عليها. فنقص البصر يعني: قَصْره على ما أحل، وكفّه عما حُرم، فالنقص نقص في المرائي وفي مجال البصر، فلا تعطى له الحرية المطلقة فينظر إلى كل شيء، إنما تُوقِفه عند أوامر الله فيما يُرى وفيما لا يُرى. و {مِنْ ..} [النور: 30] في قوله تعالى: {مِنْ أَبْصَارِهِمْ ..} [النور: 30] البعض يرى أنها للتبعيض كما تقول: كُلْ من هذا الطعام يعني: بعضاً منه، فالمعنى: يغضُّوا بعض البصر؛ لأن بَعضه حلال لا أغض عنه بصري، وبعضه محرم لا أنظر إليه. أو: أن {مِنْ ..} [النور: 30] هنا لتأكيد العموم في أدنى مراحله، وسبق أن تكلمنا عن (مِنْ) بهذا المعنى، ونحن كلما توغلنا في التفسير لا بُدّ أن تقابلنا أشياء ذكرناها سابقاً، ونحيل القارئ عليها. قلنا: فرق بين قولك: ما عندي مال، وقولك: ما عندي من مال. ما عندي مال، يحتمل أن يكون عندك مال قليل لا يُعْتدّ به، لكن ما عندي من مال نفي لجنس المال مهما قَلَّ، فمِنْ تعني بدايةَ ما يقال له مال. فالمعنى هنا: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ ..} [النور: 30] يعني: بداية مَا يُقال له بصر، ولو لمحة خاطفة، ناهيك عن التأمل وإدامة البصر. وقلنا: إن الشرع لا يتدخل في الخواطر القلبية والهواجس، إنما يتدخل في الأعمال النزوعية التي يترتب عليها فعل، قلنا: لو مررتَ ببستان فرأيتَ به وردة جميلة، فأعجبت بها وسُرِرْت وانبسطتْ لها أسارير نفسك، كل هذا مباح لك لا حرجَ عليك فيه، فإنْ تعدَّى الأمر ذلك فمددتَ إليها يدك لتقطفها، هنا يتدخل الشرع يقول لك: قِفْ، فليس هذا من حقك لأنها ليستْ لك. هذه قاعدة عامة في جميع الأعمال لا يستثني منها إلا النظر وحده، وكأن ربنا - عز وجل - يستسمحنا فيه، هذه المسألة من أجلنا ولصالحنا نحن ولراحتنا، بل قل رحمة بنا وشفقة علينا من عواقب النظر وما يُخلِّفه في النفس من عذابات ومواجيد. ففي نظر الرجل إلى المرأة لا نقول له: انظر كما تحب واعشق كما شئت، فإن نزعْتَ إلى ضمة أو قبلة قلنا لك: حرام. لماذا؟ لأن الأمر هنا مختلف تماماً، فعلاقة الرجل بالمرأة لها مراحل لا تنفصل إحداها عن الأخرى أبداً. فساعة تنظر إلى المرأة هذا إدراك، فإنْ أعجتبْك وانبسطتْ لها أساريرك، فهذا وجدان، لا بُدَّ أن يترك في تكوينك تفاعلاً كيماوياً لا يهدأ، إلا بأن تنزع فإنْ طاوعْتَ نفسك في النزوع فقد اعتديتَ، وإنْ كبتَّ في داخلك هذه المشاعر أصابتْك بعُقد نفسية ودعتْك إلى أن تبحث عن وسيلة أخرى للنزوع؛ لذلك رحمك ربك من بداية الأمر ودعاك إلى مَنْع الإدراك بغضِّ البصر. لذلك بعد أن أمرنا سبحانه بعضِّ البصر قال: {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ..} [النور: 30] لأنك لا تملك أن تفصل النزوع عن الوجدان، ولا الوجدان عن الإدراك، وإنْ أمكن ذلك في الأمور الأخرى، فحين نمنعك عن قطف الوردة التي أعجبتْك لا يترك هذا المنع في نفسك أثراً ولا وَجْداً، على خلاف ما يحدث إنْ مُنعتَ عن امرأة أعجبتك، وهيَّجك الوجدان إليها. وحِفْظ الفروج يكون بأن نقصرها على ما أحلَّه الله وشرعه فلا أنيله لغير مُحلَّل له، سواء كان من الرجل أو من المرأة، أو: أحفظه وأصونه أن يُرى؛ لأن رؤيته تهيج إلى الشر وإلى الفتنة. {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ..} [النور: 30] يعني: أطهر وأسلم وأدْعَى لراحة النفس؛ لأنه إما أن ينزع فيرتكب محرماً، ويلج في أعراض الناس، وإما ألا ينزع فيُكدِّر نفسه ويُؤلمها بالصبر على مَا لا تطيق. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30] فهو سبحانه خالق هذه النفس البشرية، وواضع مسألة الشهوة والغريزة الجنسية التي هي أقوى الغرائز ليربط بها بين الرجل والمرأة، وليحقق بها عملية النسل وبقاء الاستخلاف في الأرض، ولو لم تربط هذه العلاقة بالشهوة الملّحة لزهَدَ الكثيرون في الزواج وفي الإنجاب وما يترتب عليه من تبعات. أَلاَ ترى المرأة وما تعانيه من آلام ومتاعب في مرحلة الحمل، وأنها ترى الموت عند الولادة، حتى إنها لتقسم أنها لا تعود، لكن بعد أن ترى وليدها وتنسى آلامها سرعان ما يعاودها الحنين للإنجاب مرة أخرى، إنها الغريزة التي زرعها الله في النفس البشرية لدوام بقائها. وللبعض نظرة فلسفية للغرائز، خاصة غريزة الجنس، حيث جعلها الله تعالى أقوى الغرائز، وربطها بلذة أكثر أثراً من لذة الطعام والشراب والشَّمِّ والسماع .. إلخ فهي لذة تستوعب كل جوارح الإنسان وملكاته، وما ذلك إلا حِرْصاً على بقاء النوع ودواماً للخلافة في الأرض. ثم يقول الحق سبحانه لرسوله: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ...}.
الصابوني
تفسير : [6] آيات الحجاب والنظر التحليل اللفظي {يَغُضُّواْ}: غضّ بصره بمعنى خفضه ونكّسه قال جرير: شعر : فغضّ الطرف إنك من نمير فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا تفسير : وأصل الغض: إطباق الجفن على الجفن بحيث تمنع الرؤية، والمراد به في الآية: كف النظر عما لا يحل إليه بخفضه إلى الأرض، أو بصرفه إلى جهة أخرى وعدم النظر بملء العين، قال عنترة: شعر : وأغضُّ طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها تفسير : {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ}: قال بعض المفسرين: المراد سترها من النظر إليها أي النظر إلى العورات.. وقال آخرون: المراد حفظها من الزنى، والصحيح ما ذكره القرطبي أن الجميع مراد لأن اللفظ عام، فيطلب سترها عن الأبصار، وحفظها من الزنى، قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ} تفسير : [المؤمنون: 5-6] وفي الحديث: "حديث : إحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال: إن استطعت ألاّ يراها فافعل: قلت: فالرجل يكون خالياً؟ فقال: والله أحق أن يستحيا منه ". تفسير : {أَزْكَىٰ لَهُمْ}: أي أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، مأخوذ من الزكاة بمعنى الطهارة والنقاء النفسي، قال تعالى: {أية : وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ} تفسير : [فاطر: 18] وفي الحديث: "حديث : النظرة سهم من سهام إبليس مسموم من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه ". تفسير : {خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}: الخبرة العلم القوي الذي يصل إلى بواطن الأشياء، ويكشف دخائلها فالله خبير بما يصنعون، عليم علماً تاماً بظواهر الأعمال وبواطنها لا تخفى عليه خافية وهو وعيد شديد لمن يخالف أمر الله أو يعصيه في ارتكاب المحرمات. {زِينَتَهُنَّ}: الزينة: ما تتزين به المرأة عادة من الثياب والحليّ وغيرها مما يعبر عنه في زماننا بلفظ (التجميل): قال الشاعر: شعر : يأخذ زينتهن أحسن ما ترى وإذا عَطِلْنَ فهنّ خير عواطل تفسير : قال العلامة القرطبي: الزينة على قسمين: خلقية، ومكتسبة... فالخلقية: وجهُهَا فإنه أصل الزينة وجمال الخِلقة ومعنى الحيوانية لما فيه من المنافع، وأما الزينة المكتسبة: فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقتها كالثياب، والحلي، والكحل، والخضاب، ومنه قوله تعالى: {أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ} تفسير : [الأعراف: 31]. {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: قال بعضهم: المراد بقوله {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أي ما دعت الحاجة إلى ظهوره كالثياب والخضاب والكحل والخاتم مما لا يمكن إخفاؤه وقيل: بل المراد ما ظهر منها بدون قصد ولا تعمد، وقيل: المراد به الوجه والكفان وسنبين ذلك بالتفصيل عند ذكر الأحكام. {بِخُمُرِهِنَّ}: قال ابن كثير: الخمُرُ: جمع خمار، وهو ما يخمّر به أي يغطى به الرأس وهي التي تسميها الناس (المقانع) وفي "لسان العرب": الخمر جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها وكل مغطى مخمّر ومنه حديث (خمّروا آنيتكم) أي غطوها وخمّرت المرأة رأسها غطته. ويسمَّى الخمار (النصيف). قال الشاعر: شعر : سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد تفسير : ويجمع الخمار على (خُمُر) جمع كثرة مثل: كتاب، وكُتُب قال الشاعر: شعر : "كرؤوس قطعت فيها الخُمُر" تفسير : ويجمع على أخمرة جمع قلة أفاده (أبو حيان). {جُيُوبِهِنَّ}: يعني النحور والصدور، فالمراد بضرب النساء بخمرهن على جيوبهن أن يغطين رؤوسهنَّ وأعناقهنَّ وصدورهن بكل ما فيها من زينة وحلي. والجيوب جمع (جيب) وهو الصدر وأصله الفتحة التي تكون في طوق القميص، قال القرطبي: والجيب هو موضع القطع من الدرع والقميص وهو من (الجَوْب) بمعنى القطع وقد ترجم البخاري رحمه الله (باب جيب القميص من عند الصدر وغيره). قال الألوسي: وأما إطلاق الجيب على ما يكون في الجنب لوضع الدراهم ونحوها كما هو الشائع بيننا اليوم فليس من كلام العرب كما ذكره (ابن تيمية) ولكنه ليس بخطأ بحسب المعنى، والمراد بالآية كما رواه (ابن أبي حاتم): أمرهن الله بستر نحورهن وصدورهن بخمرهن لئلا يرى منها شيء. {بُعُولَتِهِنَّ}: قال ابن عباس: لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن. والبعولة جمع بعل بمعنى الزوج، قال تعالى: {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} تفسير : [هود: 72]. وفي القرطبي: البعل هو الزوج والسيد في كلام العرب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل "حديث : إذا ولدت الأمة بعلها"تفسير : يعني سيدها إشارة إلى كثرة السراري بكثرة الفتوحات. {مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُنَّ}: يعني الإماء والجواري، وقال بعضهم المراد: العبيد والإماء ذكوراً وإناثاً وروي عن (سعيد بن المسيب) أنه قال: لا تغرنكم هذه الآية {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُنَّ} إنما عنى بها (الإماء) ولم يعن بها (العبيد) وهو الصحيح. {ٱلإِرْبَةِ}: الحاجة، والأرَبُ، والإرْبةُ والإربُ ومعناه الحاجة والجمع مآرب قال تعالى: {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18] وقال طرفة: شعر : إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا تقدَّم يوماً ثمَّ ضاعت مآربه تفسير : والمراد بقوله تعالى: {غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ} أي غير أولي الميل والشهوة أو الحاجة إلى النساء كالبُلْه والحمقى والمغفلين الذين لا يدركون من أمور الجنس شيئاً. {ٱلطِّفْلِ}: الصغير الذي لم يبلغ الحلم قال الشاعر: شعر : والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطهم تفسير : قال الراغب: كلمة طفل تقع على الجمع كما تقع على المفرد فهي مثل كلمة (ضيف) والدليل أن المراد به الجمع {أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ} حيث جاء بواو الجماعة. {لَمْ يَظْهَرُواْ}: أي لم يطَّلعوا يقال: ظهر على الشيء أي اطَّلع عليه ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ} تفسير : [الكهف: 20] ومعنى الآية أن الأطفال الذين لا يعرفون الشهوة ولا يدركون معاني الجنس لصغرهم لا حرج من إبداء الزينة أمامهم. المعنى الإجمالي قل يا محمد لأتباعك المؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويكفوها عن النظر إلى الأجنبيات من غير المحارم، ولا ينظروا إلا إلى ما أبيح لهم النظر إليه، وأن يحفظوا فروجهم عن الزنى ويستروا عوراتهم حتى لا يراها أحد، فإن ذلك أطهر لقلوبهم من دنس الريبة، وأنقى لها وأحفظ من الوقوع في الفجور، فالنظرة تزرع في القلب الشهوة، ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً، فإن وقع البصر على شيء من المحرمات من غير قصد، فليصرفوا أبصارهم عنه سريعاً ولا يديموا النظر، ولا يرددوه إلى النساء، ولا ينظروا بملء أعينهم فإن الله رقيب عليهم مطلع على أعمالهم، لا تخفى عليه خافية {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} تفسير : [غافر: 19]. ثم أكد تعالى الأمر للمؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج وزادهنّ في التكليف على الرجال بالنهي عن إبداء الزينة إلا للمحارم والأقرباء فإن ذلك أولى بهن وأجمل إلا إذا ظهرت هذه الزينة بدون قصد ولا نية سيئة فلا إثم عليهن فالله غفور رحيم. وقد كانت المرأة في الجاهلية كما هي اليوم - في الجاهلية الحديثة - تمر بين الرجال مكشوفة الصدر، بادية النحر، حاسرة الذراعين، وربما أظهرت مفاتن جسمها وذوائب شعرها لتغري الرجال، وكنَّ يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى صدورُهنّ مكشوفة عارية فأمرت المؤمنات بأن يسدلنها من قدامهن حتى يغطينها ويدفعن عنهن شر الأشرار، وأمرن بألاّ يضربن بأرجلهن الأرض لئلا يسمع الرجال صوت الخلخال فيطمع الذي في قلبه مرض. ثم ختم تعالى تلك الأوامر والنواهي بالأمر (للرجال والنساء) جميعاً بالإنابة والرجوع إلى الله لينالوا درجة السعداء، ويكونوا عند الله من الفائزين الأبرار. سبب النزول أولاً: أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: مر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجاباً به، فبينما الرجل يمشي إلى جانب حائط ينظر إليها إذ استقبله الحائط (صُدم به) فشق أنفه، فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلمه أمري؟ فأتاه فقصّ عليه قصته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (هذا عقوبة ذنبك) وأنزل الله: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ...} الآية. ثانياً: وروى ابن كثير رحمه الله، عن مقاتل بن حيان، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدّث أن أسماء بنت مرثد كانت في نخل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير مؤتزرات فيبدو ما في أرجلهن يعني الخلاخل، ويبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا؟ فأنزل الله في ذلك {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...} الآية. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: السر في تقديم غض البصر على حفظ الفروج هو أن النظر بريد الزنى ورائد الفجور وهو مقدمة للوقوع في المخاطر كما قال الحماسي: شعر : وكنتَ إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيتَ الذي لا كلّه أنت قادرٌ عليه ولا عن بعضه أنت صابر تفسير : ولأنّ البلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه وهو الباب الأكبر الذي يوصل إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه ويكثر السقوط من جهته. ولله در شوقي: شعر : نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء تفسير : وقد قال أحد الأدباء: شعر : وما الحب إلا نظرة إثر نظرةٍ تزيد نمواً إن تزده لَجَاجا تفسير : اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} المراد غض البصر عما حرم الله، لا غضّ البصر عن كل شيء فحذف ذلك اكتفاء بفهم المخاطبين وهو من باب (الإيجاز بالحذف). اللطيفة الثالثة: قال العلامة الزمخشري: فإن قلت كيف دخلت (من) التي هي للتبعيض في (غضّ البصر) دون (حفظ الفرج)؟ قلت: لأن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثُديِّهن، وأما أمر الفرج فمضيّق وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلا ما استثني فيه، وحظر الجماع إلا ما استثني منه. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {أَزْكَىٰ لَهُمْ} أفعل التفضيل هنا ليس على بابه وإنما هو (للمبالغة) أي أن غض البصر وحفظ الفرج طهرة للمؤمن من دنس الرذائل أو نقول (المفاضلة) على سبيل الفرض والتقدير. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} المراد بالزينة مواقعها من باب (اطلاق اسم الحال على المحل) كقوله تعالى: {أية : فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [آل عمران: 107] المراد بها الجنة لأنها مكان الرحمة وإذا نهي عن إبداء الزينة فالنهي عن إبداء أماكنها من الجسم يكون من باب أولى. قال الزمخشري: وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر فإنه ما نهى عن الزينة إلا لملابستها تلك المواقع فكان إبداء المواقع نفسها متمكناً في الحظر ثابت القدم في الحرمة. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ} في لفظ الضرب (مبالغة) في الصيانة والتستر وقد عدى اللفظ بـ (على) لأنه ضُمِّن معنى الإلقاء ويكون المراد أن تسدل وتلقي بالخمار على صدرها لئلا يبدو شيء من النحر والصدر. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ} قال أبو السعود: مفعول الأمر أمر آخر قد حذف تعويلاً على دلالة جوابه عليه أي قل لهم غضوا يغضوا من أبصارهم وفي هذا التعبير إشارة إلى أن المؤمن يسارع إلى تنفيذ أمر الله فهو لا يحتاج إلا إلى تذكير. اللطيفة الثامنة: قال بعض العلماء: كما يكون التلذُّذُ بالنظر يكون بالسمع أيضاً وقد قيل (والأذن تعشق قبل العين أحياناً) وهذا هو السر في نهي المرأة عن الضرب برجلها على الأرض حتى لا يسمع صوت الخلخال فتتحرك شهوة الرجال. وقد دل على أن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ في الزجر. وعلى أن كل ما يحرك الشهوة أو يثيرها منهي عنه، كالتعطر، والتطيب، والتبختر في المشية. والتلاين في الكلام {أية : فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} تفسير : [الأحزاب: 32] وقيل: إذا نهي عن استماع صوت حليهن، فعن استماع صوتهن بالطريق الأولى. وهو استدلال لطيف. اللطيفة التاسعة: قوله تعالى: {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} هو من باب (الالتفات) وتلوين الخطاب فقد كان الكلام في صدر الآية موجهاً للرسول صلى الله عليه وسلم ثم صرف عن الرسول إلى الجميع بطريق (الالتفات). اللطيفة العاشرة: قال الإمام (ابن القيم) رحمه الله: في غض البصر فوائد عديدة أحدها: امتثال أمر الله الذي هو غاية السعادة. ثانيها: أنه يمنع وصول أثر السهم المسموم. ثالثها: أنه يقوي القلب ويفرحه. رابعها: أنه يورث في القلب أنساً في الله واجتماعاً عليه. خامسها: أنه يكسب القلب نوراً. سادسها: أنه يورث الفراسة الصادقة. سابعها: أنه يسد على الشيطان مداخله ثامنها: أنَّ بين العين والقلب منفذاً يوجب انفعال أحدهما بالآخر. وقد أحسن من قال: شعر : قالوا: جُننتَ بمن تهوى فقلت لهم العشقُ أعظم ممَّا بالمجانين العشق لا يستفيق الدهرَ صاحبه وإنّما يُصرع المجنون في الحين تفسير : الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هو حكم النظر إلى الأجنبيات؟ حَرَّمت الشريعة الإسلامية النظر إلى الأجنبيات فلا يحل لرجل أن ينظر إلى امرأة غير زوجته أو محارمه من النساء. أما نظرة الفجأة فلا إثم فيها ولا مؤاخذة لأنها خارجة عن إرادة الإنسان، فلم يكلفنا الله جل ثناؤه ما لا نطيق ولم يأمرنا أن نعصب أعيننا إذا مشينا في الطريق، فالنظرة إذا لم تكن بقصد لا مؤاخذة فيها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: "حديث : يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية"تفسير : وعن جرير بن عبد الله البجلي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري. والنظرة المفاجئة إنما تكون في أول وهلة ولا يحل لأحد إذا نظر إلى امرأة نظرة مفاجئة وأحس منها اللذة والاجتلاب أن يعود إلى النظرة مرة ثانية فإنْ ذلك مدعاة إلى الفتنة وطريق إلى الفاحشة وقد عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بزنى العين؛ فقد ورد في "الصحيحين": "حديث : كُتِبَ على ابن آدم حظُه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين النظر وزنى اللسان النطق، وزنى الأذنيين الاستماع، وزنى اليدين البطش، وزنى الرجلين الخُطى، والنفس تمَنَّى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه ". تفسير : والمؤمن يؤجر على غض البصر لأنه كف عن المحارم وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها"تفسير : .. وعدَّه صلى الله عليه وسلم من حقوق الطريق ففي حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إياكم والجلوس على الطرقات. فقالوا يا رسول الله: ما لنا من مجالسنا بدٌّ نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غضُّ البصر، وكف الأذى ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ". تفسير : الحكم الثاني: ما هو حد العورة بالنسبة للرجل والمرأة؟ أشارة الآية الكريمة {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} إلى وجوب ستر العورة فإن حفظ الفرج كما يشمل حفظه عن الزنى، يشمل ستره عن النظر، كما بيناه فيما سبق وقد اتفق الفقهاء على حرمة كشف العورة ولكنهم اختلفوا في حدودها وسنوضح ذلك بالتفصيل إن شاء الله مع أدلة كل فريق فنقول ومن الله نستمد العون: 1 - عورة الرجل مع الرجل. 2 - عورة المرأة مع المرأة. 3 - عورة الرجل مع المرأة وبالعكس. أما عورة الرجل مع الرجل: فهي من (السرة إلى الركبة) فلا يحل للرجل أن ينظر إلى عورة الرجل فيما بين السرة والركبة وما عدا ذلك فيجوز له النظر إليه. وقد قال النبي "حديث : لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة"تفسير : .. وجمهور الفقهاء على أن عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة كما صحّ في الأحاديث الكثيرة، وقال مالك رحمه الله: الفخذ ليس بعورة: ومما يدل لقول الجمهور ما روي عن (جرهد الأسلمي) وهو من أصحاب الصفة أنه قال: "حديث : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا وفخذي منكشفة فقال: أما علمت أن الفخذ عورة ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: "حديث : لا تبرز فخذك"تفسير : وفي رواية "حديث : لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" تفسير : بل إنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يتعرى المرء ويكشف عورته حتى إذا لم يكن معه غيره فقال: "حديث : إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يُفْضي الرجل إلى أهله ". تفسير : وأما عورة المرأة مع المرأة: فهي كعورة الرجل مع الرجل أي من (السرة إلى الركبة) ويجوز النظر إلى ما سوى ذلك ما عدا المرأة الذمية أو الكافرة فلها حكم خاص سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى. وأما عورة الرجل بالنسبة للمرأة: ففيه تفصيل فإن كان من (المحارم) كـ (الأب والأخ والعم والخال) فعورته من السرة إلى الركبة. وإن كان (أجنبياً) فكذلك عورته من السرة إلى الركبة. وقيل جميع بدن الرجل عورة فلا يجوز أن تنظر إليه المرأة وكما يحرم نظره إليها يحرم نظرها إليه والأول أصح، وأما إذا كان (زوجاً) فليس هناك عورة مطلقاً لقوله تعالى: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} تفسير : [المؤمنون: 6]. وأما عورة المرأة بالنسبة للرجل: فجميع بدنها عورة على الصحيح وهو مذهب (الشافعية والحنابلة) وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على ذلك فقال: (وكل شيء من المرأة عورة حتى الظفر).. وذهب (مالك وأبو حنيفة) إلى أن بدن المرأة كله عورة ما عدا (الوجه والكفين) ولكل أدلة سنوضحها بإيجاز إن شاء الله تعالى. أدلة المالكية والأحناف: استدل المالكية والأحناف على أن (الوجه والكفين) ليسا بعورة بما يلي: أولاً: قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} فقد استثنت الآية ما ظهر منها أي ما دعت الحاجة إلى كشفه وإظهاره وهو الوجه والكفان وقد نقل هذا عن بعض الصحابة والتابعين، فقد قال (سعيد بن جبير) في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: الوجه والكف، وقال (عطاء): الكفان والوجه وروي مثله عن الضحاك. ثانياً: واستدلوا بحديث عائشة ونصه: (أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: "حديث : يا أسماء إنَّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا" تفسير : وأشار إلى وجهه وكفيه. ثالثاً: وقالوا: مما يدل على أن الوجه والكفين ليسا بعورة أن المرأة تكشف وجهها وكفيها في صلاتها وتكشفهما أيضاً في الإحرام فلو كانا من العورة لما أبيح لها كشفهما لأن ستر العورة واجب لا تصح صلاة الإنسان إذا كان مكشوف العورة. أدلة الشافعية والحنابلة: استدل الشافعية والحنابلة على أنّ الوجه والكفين عورة بالكتاب والسنة والمعقول: أولاً: أما الكتاب فقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} فقد حرمت الآية الكريمة إبداء الزينة، والزينةُ على قسمين: خلقية، ومكتسبة، والوجه من الزينة الخلقية بل هو أصل الجمال ومصدر الفتنة والإغراء وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقتها كالثياب والحلي والكحل والخضاب.. والآية الكريمة منعت المرأة من إبداء الزينة مطلقاً، وحرمت عليها أن تكشف شيئاً من أعضائها أمام الرجال أو تظهر زينتها أمامهم وتأولوا قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أن المراد ما ظهر بدون قصد ولا عمد مثل أن يكشف الريح عن نحرها أو ساقها أو شيء من جسدها، ويصبح معنى الآية على هذا التأويل (ولا يبدين زينتهن أبداً وهنّ مؤاخذاتٍ على إبداء زينتهن إلا ما ظهر منها بنفسه وانكشف بغير قصد ولا عمد، فلسن مؤاخذاتٍ عليه فيكون الوجه والكف من الزينة التي يحرم إبداؤها). ثانياً: وأما السنة فما ورد من الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تدل على حرمة النظر منها: أ- حديث جرير بن عبد الله "حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال: اصرف نظرك ". تفسير : ب- حديث علي "حديث : يا علي لا تُتْبع النظرةَ النظرةَ، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة ". تفسير : ج- حديث الخثعمية الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر...) الحديث في حجة الوداع. فجميع هذه النصوص تفيد حرمة النظر إلى الأجنبية، ولا شك أن الوجه مما لا يجوز النظر إليه فهو إذاً عورة. د- واستدلوا بقوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} تفسير : [الأحزاب: 53] فإن الآية صريحة في عدم جواز النظر. والآية وإن كانت قد نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنَّ الحكم يتناول غيرهن بطريق القياس عليهن، والعلة هي أن المرأة كلها عورة. وأما المعقول: فهو أن المرأة لا يجوز النظر إليها خشية الفتنة، والفتنةُ في الوجه تكون أعظم من الفتنة بالقدم والشعر والساق. فإذا كانت حرمة النظر إلى الشعر والساق بالاتفاق فحرمة النظر إلى الوجه تكون من باب أولى باعتبار أنه أصل الجمال، ومصدر الفتنة، ومكمن الخطر وقد قال الشاعر: شعر : كلُّ الحوادث مبداها من النظر ومعظمُ النار من مستصغر الشرر تفسير : أقول: الآية الكريمة قد عرفتَ تأويلها على رأي (الشافعية والحنابلة) فلم يعد فيها دليل على أن الوجه ليس بعورة. وأما حديث أسماء (إن المرأة إذا بلغت المحيض...) فهو حديث منقطع الإسناد وفي بعض رواته ضعف وفيه كلام وهو في "سنن أبي داود"، قال أبو داود: "هذا مرسل خالد بن دُرَيْك لم يدرك عائشة وفي إسناده سعيد بن بشير أبو عبد الرحمٰن البصري، نزيل دمشق مولى ابن نصر وقد تكلم فيه غير واحد" انتهى. فإذا كان هذا كلام (أبي داود) فيه ولم يروه غيره فكيف يصلح للاحتجاج وعلى فرض صحته فإنه يحتمل أنه كان قبل نزول آية الحجاب ثم نسخ بآية الحجاب، أو أنه محمول على ما إذا كان النظر إلى الوجه والكفين لعذر كالخاطب، والشاهد، والقاضي. قال ابن الجوزي رحمه الله: (ويفيد هذا تحريم النظر إلى شيء من الأجنبيات لغير عذر، فإن كان لعذر مثل أن يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها فإنه ينظر في الحالتين إلى وجهها خاصة، فأما النظر إليها لغير عذر فلا يجوز لا لشهوة ولا لغيرها، وسواءٌ في ذلك الوجه والكفان وغيرهما من البدن. فإن قيل: فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها؟ فالجواب: أن في تغطيته مشقة فعفى عنه. أقول: الأئمة الذين قالوا بأن (الوجه والكفين) ليسا بعورة اشترطوا بألا يكون عليهما شيء من الزينة وألا يكون هناك فتنة أما ما يضعه النساء في زماننا من الأصباغ والمساحيق على وجوههن وأكفهن بقصد التجميل ويظهرن به أمام الرجال في الطرقات فلا شك في تحريمه عند جميع الأئمة، ثم إن قول بعضهم: أن الوجه والكفين ليسا بعورة ليس معناه أنه يجب كشفهما أو أنه سنة وسترهما بدعة فإن ذلك ما لا يقول به مسلم وإنما معناه أنه لا حرج في كشفهما عند الضرورة، وبشرط أمن الفتنة. أما في مثل هذا الزمان الذي كثر فيه أعوان الشيطان، وانتشر فيه الفسق والفجور، فلا يقول أحد بجواز كشفه، لا من العلماء، ولا من العقلاء، إذ من يرى هذا الداء والوباء الذي فشى في الأمة وخاصة بين النساء بتقليدهن لنساء الأجانب، فإنه يقطع بحرمة كشف الوجه لأن الفتنة مؤكدة والفساد محقق ودعاء السوء منتشرون، ولا نجد المجتمع الراقي المهذب الذي يتمسك بالآداب الفاضلة ويستمع لمثل قوله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ولا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إصرف بصرك"تفسير : فالاحتياط في مثل هذا العصر والزمان واجب والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. الحكم الثالث: ما هي الزينة التي يحرم إبداؤها: دلت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} على حرمة إبداء المرأة زينتها أمام الأجانب خشية الافتتان، والزينة في الأصل اسم لكل ما تتزين به المرأة وتتجمل من أنواع الثياب والحلي والخضاب وغيرها ثم قد تطلق على ما هو أعم وأشمل من أعضاء البدن.. والزينةُ على أربعة أنواع: (خلقية، ومكتسبة، وظاهرة، وباطنة) فمن الزينة ما يقع على محاسن الخلقة التي خلقها الله تعالى كجمال البشرة، واعتدال القامة، وسعة العيون كما قال الشاعر: شعر : إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا تفسير : وأنكر بعضهم وقوع اسم الزينة على الخِلْقة لأنه لا يقال في الخِلْقة إنها من زينتها وإنما يقال فيما تكتسبه من كحل وخضاب وغيره، والأقرب أن الخلقة داخلة في الزينة فإن الوجه أصل الزينة وجمال الخلقة وبه تعرف المليحة من القبيحة وقد قال الله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} فإن ضرب الخمار وسدله على الوجه والصدر إنما هو لمنع هذه الأعضاء فدل على أن المراد بالزينة ما يعم الخلقة... فكأنه تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقتهن بأن أوجب سترها بالخمار... وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فقالوا: إنه سبحانه ذكر الزينة، ومن المعلوم أنه لا يراد بها الزينة نفسها المنفصلة عن أعضاء المرأة فإن الحُليَّ والثياب والقرط والقلادة لا يحرم النظر إليها إذا كانت المرأة غير متزينة فلما حرم الله سبحانه النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة كان ذلك مبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة... فهؤلاء وإن لم يقروا بالزينة الخلقية إلا أنهم متفقون على حرمة النظر إلى بدن المرأة وأعضائها فكان إبداء مواقع الزينة ومواضعها من الجسم منهياً عنه من باب أولى. وأما الزينة الظاهرة فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: ظاهر الزينة الثياب. وقال مجاهد: الكحل والخاتم والخضاب. وقال سعيد بن جبير: الوجه والكفان وقد عرفت ما فيه من الأقوال للفقهاء. قال ابن عطية: (ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية، أن المرأة مأمورة بألا تبدي شيئاً وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ووقع الاستثناء - فيما يظهر - بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك فـ {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه). وأما الزينةُ الباطنة فلا يحل إبداؤها إلا لمن سمَّاهم الله تعالى في هذه الآية {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} الآية وهم الزوج والمحارم من الرجال كما سنذكره قريباً.. وقد كان نساء الجاهلية يشددن خمرهن من خلفهن فتنكشف نحورهن وصدورهن فأمرت المسلمات أن يشددنها من الأمام ليتغطى بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط بالرأس من شعر وزينة من الحلي في الأذن والقلائد في الأعناق وذلك قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} الآية. الحكم الرابع: من هم المحارم الذين تبدي المرأة أمامهم زينتها؟ استثنى القرآن الكريم من الرجال الذين منعت أن تكشف المرأة أمامهم زينتها (الخفية) أصنافاً هم جميعاً من (المحارم) ما عدا الأزواج. والعلة في ذلك هي الضرورة الداعية إلى المداخلة والمخالطة والمعاشرة حيث يكثر الدخول عليهن والنظر إليهن بسبب القرابة، والفتنةُ مأمونة من جهتهم وهم كالآتي: أولاً: البعولة (الأزواج) فهؤلاء يباح لهم النظر إلى جميع البدن والاستمتاع بالزوجة بكل أنواعه الحلال. قال القرطبي: (فالزوج والسيد يرى الزينة من المرأة وأكثر من الزينة إذ كل محلٍ من بدنها حلالٌ له لذة ونظراً ولهذا المعنى بدأ بالبعولة). ثانياً: الآباء وكذا الأجداد سواء كانوا من جهة الأب أو الأم لقوله تعالى: {أَوْ آبَآئِهِنَّ}. ثالثاً: آباء الأزواج لقوله تعالى: {أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ}. رابعاً: أبناؤهن وأبناء أزواجهن، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن نزلوا لقوله تعالى: {أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ}. خامساً: الإخوة مطلقاً سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم لقوله تعالى: {أَوْ إِخْوَانِهِنَّ}. سادساً: أبناء الإخوة والأخوات كذلك لأنهم في حكم الإخوة لقوله تعالى: {أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} وهؤلاء كلهم من المحارم. تنبيه: لم تذكر الآية (الأعمام، والأخوال) وهم من المحارم كما لم تذكر المحارم من الرضاع، والفقهاء مجمعون على أن حكم هؤلاء كحكم سائر المحارم المذكورين في الآية... أما عدم ذكر الأعمام والأخوال فالسر في ذلك أنهم بمنزلة الآباء فأغنى ذكرهم عن ذكر الأعمام والأخوال وكثيراً ما يطلق الأب على العم قال تعالى: {أية : قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ} تفسير : [البقرة: 133] وإسماعيل عم يعقوب.. وأما المحارم من الرضاع فعدم ذكرها للاكتفاء ببيان السنة المطهرة (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). وأما الأنواع الباقية التي استثنتهم الآية الكريمة فهم (النساء، المماليك، التابعين غير أولي الأربة، الأطفال) وسنوضح كل نوع من هذه الأنواع مع بيان ما يتعلق بها من أحكام. الحكم الخامس: هل يجوز للمسلمة أن تظهر أمام الكافرة؟ اختلف الفقهاء في المراد من قوله تعالى: {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} فقال بعضهم: المراد بهن (المسلمات) اللاتي هنَّ على دينهن وهذا قول أكثر السلف. قال القرطبي في تفسيره: قوله تعالى: {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} يعني المسلمات ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئاً من بدنها بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أمَةً لها.. وكره بعضهم أن تقبّل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها وكتب عمر رضي الله عنه إلى (أبي عبيدة بن الجراح) يقول: (إنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين فامنع من ذلك وحل دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذميَّة عِرْيَةَ المسلمة فقام عند ذلك أبو عبيدة وابتهل) وقال: (أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر، لا تريد إلا أن تبيّضَ وجهها فسوّدَ الله وجهها يوم تبيض الوجوه). وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية لئلا تصفها لزوجها).. وقال بعضهم المراد بقوله تعالى: {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} جميع النساء فيدخل في ذلك المسلمة والكافرة. قال الألوسي: وذهب الفخر الرازي إلى أنها كالمسلمة فقال: والمذهب أنها كالمسلمة والمراد بنسائهن جميع النساء، وقولُ السلف محمول على الاستحباب ثم قال: وهذا القول أرفق بالناس اليوم فإنه لا يكاد يمكن احتجاب المسلمات عن الذميات. وقال ابن العربي: (والصحيح عندي أن ذلك جائز لجميع النساء. وإنما جاء بالضمير للإتباع فإنها آية الضمائر إذ فيها خمسة وعشرون ضميراً لم يَرَوْا في القرآن لها نظيراً فجاء هذا للإتباع). وقال الأستاذ المودودي: والذي يجدر بالذكر في هذا المقام أن الله تعالى لم يقل (أو النساء) ولو أنه قال كذلك لحل للمرأة المسلمة أن تكشف عورتها وتظهر زينتها لكل نوع من النساء من المسلمات، والكافرات، والصالحات والفاسقات ولكنه تعالى جاء بكلمة {نِسَآئِهِنَّ} فمعناها أنه حدّ حرية المرأة المسلمة في إظهار زينتها إلى (دائرة خاصة)، وأما ما هو المراد بهذه الدائرة الخاصة؟ ففيه خلاف بين الفقهاء والمفسرين؟ تقول طائفة: إن المراد بها النساء المسلمات فقط، وهذا ما رآه ابن عباس ومجاهد وابن جريج في هذه الآية واستدلوا بما كتبه عمر لأبي عبيدة بن الجراح. وتقول طائفة أخرى: إن المراد (بنسائهن) جميع النساء وهذا هو أصح المذاهب عند الفخر الرازي. إلا أننا لا نكاد نفهم لماذا خص النساء بالإضافة وقال (نسائهن). وتقول طائفة ثالثة: إن المراد (بنسائهن) النساء المختصات بهن بالصحبة والخدمة والتعارف سواء أكن مسلمات أو غير مسلمات وأن الغرض من الآية أن تخرج من دائرة النساء (الأجنبيات) اللاتي لا يعرف شيء عن أخلاقهن وآدابهن وعاداتهن فليست العبرة (بالاختلاف الديني)، بل هي (بالاختلاف الخلقي) فللنساء المسلمات أن يظهرن زينتهن بدون حجاب ولا تحرج للنساء الكريمات الفاضلات ولو من غير المسلمات. وأما الفاسقات اللاتي لا حياء عندهن ولا يعتمد على أخلاقهن وآدابهن فيجب أن تحتجب عنهن كل امرأة مؤمنة صالحة ولو كنَّ مسلمات لأن صحبتهن لا تقل عن صحبة الرجال ضرراً على أخلاقها). أقول: هذا الرأي وجيه وسديد وحبذا لو تمسكت به المسلمات في عصرنا الحاضر إذاً لحافظن على أخلاقهن وآدابهن، وكفين شر هذا التقليد الأعمى للفاسقات الفاجرات في الأزياء والعادات الضارة الذميمة، التي غزتنا بها الحضارة المزيفة (حضارة الغرب) التي يسميها البعض حضارة القرن العشرين، وما هي بحضارة وإنما هي قذارة وفجارة ولقد أحسن من قال: شعر : إيه عصر العشرين ظنوك عصراً نيّرَ الوجهِ مسعد الإنسان لست (نوراً) بل أنت (نارٌ) وظلم مذ جعلتَ الإنسان كالحيوان تفسير : الحكم السادس: هل يباح للحرة أن تنكشف أمام عبدها؟ ظاهر قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُنَّ} أنه يشمل (العبيد والإماء) وبهذا قال بعض العلماء وهو مذهب (الشافعية)؛ فقد نصّ ابن حجر في المنهاج على أن نظر العبد العدل إلى سيدته كالنظر إلى محرم فينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة. وذهب الإمام أحمد وأبو حنيفة (وهو قول للشافعي أيضاً) إلى أن العبد كالأجنبي فلا يحل نظره إلى سيدته لأنه ليس بمحرم. وتأولوا الآية بأنها في حق الإماء فقط، واستدلوا بما روي عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أنه قال: (لا تغرنكم آية النور فإنها في الإناث دون الذكور) يعني قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُنَّ} فإنها في الإماء دون العبيد. وعلَّلوا ذلك بأنهم فحول ليسوا أزواجاً ولا محارم، والشهوةُ متحققة فيهم فلا يجوز التكشف وإبداء الزينة أمامهم. وقالوا إنما ذكر الإماء في الآية، لأنه قد يظن الظان أنه لا يجوز أن تبدي زينتها للإماء لأن الذين تقدم ذكرهم أحرار فلما ذكر الإماء زال الإشكال. قال ابن عباس: لا بأس أن يرى العبد شعر سيدته (وهذا مذهب مالك). ومما استدل به الإمام الشافعي رحمه الله ما روي عن أنس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة رضي الله عنها بعبد قد وهب لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنَّعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطَّت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأسٌ إنما هو أبوك وغلامك ". تفسير : الحكم السابع: من هم أولو الإربة من الرجال؟ استثنت الآية الكريمة {ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ} فسمحت للمرأة أن تبدي زينتها أمامهم وهم الرجال البُله المغفّلون. الذين لا يعرفون من أمور النساء شيئاً وليس لهم ميل نحو النساء أو اشتهاء لهن، بحيث يكون عجزهم الجسدي، أو ضعفهم العقلي، أو فقرهم ومسكنتهم، تجعلهم لا ينظرون إلى المرأة بنظر غير طاهر أو يخطر ببالهم شيء من سوء الدخيلة نحوهن. ونحن ننقل هنا بعض أقوال المفسرين من الصحابة والتابعين ليتوضح لنا المعنى الصحيح للآية الكريمة، وندرك المراد من قوله تعالى: {أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ...}. قال ابن عباس: هو المغفل الذي لا حاجة له في النساء. وقال قتادة: هو التابع يتبعك ليصيب من طعامك. وقال مجاهد: هو الأبله الذي لا يهمه إلا بطنه ولا يعرف شيئاً من النساء. وهناك أقوال أخرى: تشير كلها إلى أن (أولي الإربة) المراد به غير أولي الحاجة إلى النساء وليس له شهوة أو ميل نحوهن إما لأنه أبله مغفل لا يعرف من أمور الجنس شيئاً أو لأنه لا شهوة فيه أصلاً. قصة المخنث: روى البخاري وغيره عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: أن مخنثاً كان يدخل على أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يعدُّونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وعندها هذا المخنث وعندها أخوها (عبد الله بن أبي أمية) والمخنث يقول: يا عبد الله إن فتح الله عليك الطائف فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان فسمعه صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا عدو الله لقد غلغلت النظر فيها، ثم قال لأم سلمة: "لا يدخلنَّ هذا عليكِ" ". تفسير : يقول الأستاذ المودودي: "ولعمر الحق إن كل من يقرأ هذا الحكم بنية الطاعة لا بنية أن ينال لنفسه سبيلاً إلى الفرار من الطاعة لا يلبث أن يعرف لأول وهلة أن هؤلاء الخدام والغلمان المكتملين شباباً في البيوت، أو المطاعم والمقاهي، والفنادق، لا يشملهم هذا التعريف للتابعين غير أولي الإربة بحال من الأحوال". الحكم الثامن: من هو الطفل الذي لا تحتجب منه المرأة؟ اختلف العلماء في قوله تعالى: {أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ} فقال بعضهم: المراد الذين لم يبلغوا حد الشهوة للجماع وقال آخرون: بل المراد الذين لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر. ولعلَّ هذا الأخير أقرب للصواب، وأنَّ المراد بهم الأطفال الذين لا يثير فيهم جسم المرأة أو حركاتها وسكناتها شعوراً بالجنس، لأنهم لصغرهم لا يعرفون معاني الجنس، وهذا لا يصدق إلا على من كان سنه دون (العاشرة) أما الطفل المراهق فإن الشعور بالجنس يبدأ يثور فيه ولو كان لم يبلغ بعد سنَّ الحلم فينبغي أن تحتجب منه المرأة. الحكم التاسع: هل صوت المرأة عورة؟ حرم الإسلام كل ما يدعو إلى الفتنة والإغراء. فنهى المرأة أن تضرب برجلها الأرض حتى لا يسمع صوت الخلخال فتتحرك الشهوة في قلوب بعض الرجال {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ}. وقد استدل الأحناف بهذا النهي على أن صوت المرأة عورة فإذا منعت عن صوت الخلخال فإن المنع عن رفع صوتها أبلغ في النهي. قال الجصاص في تفسيره: (وفي الآية دلالة على أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب إذا كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها. ولذلك كره أصحابنا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت، والمرأةُ منهية عن ذلك، وهو يدل على حظر النظر إلى وجهها للشهوة إذا كان ذلك أقرب إلى الريبة وأولى بالفتنة).. ونقل بعض الأحناف أن نغمة المرأة عورة واستدلوا بحديث (التكبير للرجال والتصفيق للنساء) فلا يحسن أن يسمعها الرجل. وذهب الشافعية وغيرهم إلى أن صوت المرأة ليس بعورة لأن المرأة لها أن تبيع وتشتري وتُدْلي بشهادتها أمام الحكام، ولا بد في مثل هذه الأمور من رفع الصوت بالكلام. قال الألوسي: (والمذكور في معتبرات كتب الشافعية - وإليه أميل - أن صوتهن ليس بعورة فلا يحرم سماعه إلا إن خشي منه فتنة). والظاهر أنه إذا أمنت الفتنة لم يكن صوتهن عورة فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كُنَّ يروين الأخبار، ويحدِّثن الرجال، وفيهم الأجانب من غير نكير ولا تأثيم. وذهب ابن كثير رحمه الله إلى أن المرأة منهية عن كل شيء يلفت النظر إليها، أو يحرك شهوة الرجال نحوها، ومن ذلك أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها فيشم الرجال طيبها لقوله عليه السلام "حديث : كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا"تفسير : يعني زانية ومثل ذلك أن تحرك يديها لإظهار أساورها وحليها. أقول: ينبغي على الرجال أن يمنعوا النساء من كل ما يؤدي إلى الفتنة والإغراء، كخروجهن بملابس ضيقة، أو ذات ألوان جذابة، ورفع أصواتهن وتعطرهن إذا خرجن للأسواق وتبخترهن في المشية وتكسرهن في الكلام وقد قال الله تعالى: {أية : فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} تفسير : [الأحزاب: 32] وأمثال ذلك ممّا لا يتفق مع الآداب الإسلامية، ولا يليق بشهامة الرجل المسلم، فإن الفساد ما انتشر إلا بتهاون الرجال، والتحلل ما ظهر إلا بسبب فقدان (الغيرة) والحمية على العرض والشرف، والذي لا يغار على أهله لا يكون مسلماً وقد سماه الرسول صلى الله عليه وسلم ديوثاً فقال: "حديث : ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها: الرجلة من النساء (أي المتشبهة بالرجال) ومُدْمِنُ الخمر والديوث، قالوا: من هو الديوث يا رسول الله؟ قال الذي يُقِرُّ الخبث في أهله"تفسير : وفي رواية الذي لا يغار على أهله. وقديماً قال شاعرنا العربي: شعر : جرد السيف لرأس طارت النخوة منه تفسير : نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا وشرفنا وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن إنه سميع مجيب الدعاء. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - النظر بريد الزنى ورائد الفجور فلا ينبغي للمؤمن أن يسلك هذا الطريق. ثانياً - في غض البصر وحفظ الفرج طهارة للإنسان من الرذائل والفواحش. ثالثاً - لا يجوز للمسلمة أن تبدي زينتها إلا أمام الزوج أو المحارم من أقاربها. رابعاً - على المسلمة أن تستر رأسها ونحرها وصدرها بخمارها لئلا يطلع عليها الأجانب. خامساً - الأطفال والخدام والغلمان الذين لا يعرفون أمور الجنس لصغرهم لا مانع من دخولهم على النساء. سادساً - يحرم على المسلمة أن تفعل ما يلفت أنظار الرجال إليها أو يثير بواعث الفتنة. سابعاً - على جميع المؤمنين والمؤمنات أن يرجعوا إلى الله بالتوبة والإنابة ويتمسكوا بأداب الإسلام. ثامناً - الآداب الإجتماعية التي أرشد إليها الإسلام، فيها صيانة لكرامة الأسرة، وحفظ للمجتمع المسلم. حكمة التشريع أمر الله تعالى المؤمنين بغض الأبصار، وحفظ الفروج كما أمر المؤمنات بمثل ما أمر به المؤمنين تزكية للنفوس وتطهيراً للمجتمع من أدران الفاحشة والتردي في بؤرة الفساد والتحلل الخلقي، وتجنيباً للنفوس من أسباب الإغراء والغواية. وقد زاد الإسلامُ المرأة تزكية وطهراً، أن كلَّفها زيادة على الرجل بعدم إبداء الزينة لغير المحارم من الأقرباء وفرض عليها الحجاب الشرعي ليصون لها كرامتها، ويحفظها من النظرات الجارحة، والعيون الخائنة، ويدفع عنها مطامع المغرضين الفجار. ولما كان (إبداء الزينة) والتعرض بالفتنة من أهم أسباب (التحلل) الخلقي و(الفساد) الاجتماعي لذلك فقد أكد الباري جل وعلا ذلك الأمر للمؤمنات بتجنب إظهار الزينة أمام الأجانب ليسد نوافذ الفتنة ويغلق أبواب الفاحشة ويحول دون وصول ذلك السهم المسموم فالنظرة بريد الشهوة ورائد الفجور ولقد أحسن من قال: شعر : كلُّ الحوادث مبداها من النظر ومعظمُ النار من مستصغر الشرر والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين (الغيد) موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحباً بسرور جاء بالضرر كم نظرةٍ فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوسٍ ولا وتر تفسير : يقول شهيد الإسلام (سيد قطب) عليه رحمة الله في تفسيره "ظلال القرآن" ما نصُّه: (إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة ولا تستثار، فعمليات (الاستثارة) المستمرة تنتهي إلى سُعَار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي. والنظرة الخائنة والحركة المثيرة، والزينة المتبرجة، والجسم العاري، كلها لا تصنع شيئاً إلا أن تهيج ذلك السعار الحيواني المجنون. وإحدى وسائل الإسلام إلى إنشاء (مجتمع نظيف) هي الحيلولة دون هذه الاستثارة وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليماً. دون استثارة مصطنعة، وتصريفُه في موضعه المأمون النظيف. ولقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة، والحديث الطليق، والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين، والاطلاع على مواطن الفتنة المخبوءة.. شاع أن كل هذا (تنفيس) وترويح ووقاية من الكبت ومن العقد النفسية... شاع هذا على أثر انتشار بعض النظريات المادية القائمة على تجريد الإنسان من خصائصه التي تفرقه عن الحيوان والرجوع إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين - وبخاصة نظرية فرويد - ولكن هذا لم يكن سوى فروض نظرية. رأيت بعيني في أشد البلاد إباحية وتفلتاً من جميع القيود الاجتماعية والأخلاقية، والدينية، والإنسانية، ما يكذبها وينقضها من الأساس. نعم شاهدت في البلاد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي والاختلاط الجنسي، بكل صوره وأشكاله، أن هذا كله لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها إنما انتهى إلى سعار مجنون، لا يرتوي ولا يهدأ إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع. وشاهدت من الأمراض النفسية والعقد التي كان مفهوماً أنها لا تنشأ إلا من الحرمان، شاهدتها بوفرة ومعها الشذوذ الجنسي بكل أنواعه ثمرة مباشرة (للاختلاط) الذي لا يقيده قيد ولا يقف عنده حد. إن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق، وإثارته في كل حين تزيد من عرامته فالنظرة تثير، والحركة تثير، والضحكة تثير، والدعابة تثير، والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات. وذلك هو المنهج الذي يختاره الإسلام مع تهذيب الطبع وتشغيل الطاقة البشرية بهموم أخرى في الحياة غير تلبية دافع اللحم والدم. خاتمة البحث: بدعة كشف الوجه ظهرت في هذه الأيام الحديثة، دعوة تطورية جديدة، تدعو المرأة إلى أن تسفر عن وجهها، وتترك النقاب الذي اعتادت أن تضعه عند الخروج من المنزل، بحجة أن النقاب ليس من الحجاب الشرعي، وأن الوجه ليس بعورة. دعوة (تجددية) من أناس يريدون أن يظهروا بمظهر الأئمة المصلحين الذين يبعثهم الله على رأس كل مائة سنة ليجددوا للأمة أمر دينها، ويبعثوا فيها روح التضحية، والإيمان، والكفاح. دعوة جديدة، وبدعة حديثة من أناس يدعون العلم، ويزعمون الاجتهاد ويريدون أن يثبتوا بآرائهم (العصرية الحديثة) أنهم أهل لأن يُنافِسوا الأئمة المجتهدين وأن يجتهدوا في الدين كما اجتهد أئمة المذاهب ويكون لهم أنصار وأتباع. لقد لاقت هذه الدعوة (بدعة كشف الوجه) رواجاً بين صفوف كثير من الشباب وخاصة منهم العصريين، لا لأنها (دعوة حق) ولكن لأنها تلبي داعي الهوى، والهوى محبَّب إلى النفس وتسير مع الشهوة، والشهوة كامنة في كل إنسان، فلا عجب إذاً أن نرى أو نسمع من يستجيب لهذه الدعوة الأثيمة ويسارع إلى تطبيقها بحجة أنها "حكم الإسلام" وشرع الله المنير. يقولون: إنها تطبيق لنصوص الكتاب والسنة وعمل بالحجاب الشرعي الذي أمر الله عز وجل به المسلمات في كتابه العزيز، وأنهم يريدون أن يتخلصوا من الإثم بكتمهم العلم {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ}تفسير : [البقرة: 159] إلى آخر دعاواهم الطويلة العريضة. ولست أدري أي إثم يتخلصون منه، وهم يدعون المرأة إلى أن تطرح هذا النقاب عن وجهها وتُسفر عن محاسنها في مجتمع يتأجج بالشهوة ويصطلي بنيران الهوى ويتبجح بالدعارة، والفسق، والفجور؟! ولقد سبقهم بهذه (البدعة المنكرة) بعض أهل (الهوى) من الشعراء حين قال: شعر : قل للمليحة في الخمار المذهب أذهبتِ دينَ أخ التُّقى المتعبد نور الخمار ونور وجهك ساطع عجباً لوجهك كيف لم يتوقد تفسير : ولو أن هؤلاء (المجدِّدين) اقتصرت دعوتهم على النساء العاريات، المتبرجات تبرج الجاهلية الأولى، اللواتي خالفن تعاليم الإسلام بخلعهن للحجاب فدعوهن إلى التستر والاحتشام وارتداء الجلباب الذي أمرهن به الله عز وجل وقالوا لهن: إن أمر (الوجه والكفين) فيهما سعة وإن بإمكانهن أن يسترن أجسادهن ويكشفن وجوههن لهان الخطب، وسهل الأمر، وكانت دعوتهم مقبولة لأنها تدرج بالتشريع بطريق الحكمة، ولكنهم يدعون المرأة المؤمنة المحتشمة الساترة لما أمر الله عز وجل ستره، فيزينون لها أن تكشف عن وجهها وتخرج عن حيائها ووقارها فتطرح النقاب تطبيقاً للكتاب والسنة بحجة أن الوجه ليس من العورة؟ وإنه لتحضرني قصة تلك المرأة المؤمنة الطاهرة التي استشهد ولدها في إحدى الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت تبحث عن ولدها بين القتلى وهي متنقبة فقيل لها: تبحثين عنه وأنت متنقبة؟ فأجابت بقولها: لأن أرزأ ولدي فلن أرزأ حيائي؟.. عجباً والله لهؤلاء وأمثالهم أن يدعوا (المرأة المسلمة) إلى كشف الوجه باسم الدين، وأن يزينوا لها طرح النقاب في مثل هذا العصر الذي فسد رجاله، وفسق شبابه، إلا من رحم الله وكثر فيه الفسق والفجور والمجون. ونحن نقول لهؤلاء (المجدِّدين) من أئمة العصر المجتهدين: رويدكم فقد أخطأتم الجادة وتنكبتم الفهم السليم الصحيح للإسلام وأحكامه التشريعية، ونخاطبهم بمنطق العقل والشرع، وكفى بهما حجة وبرهاناً. لقد شرط الفقهاء - الذين قالوا بأن الوجه ليس بعورة - أمن الفتنة فقالوا: الوجه ليس بعورة، ولكن يحرم كشفه خشية الفتنة، فهل الفتنة مأمونة في مثل هذا الزمان؟ والإسلام قد حرم على المرأة أن تكشف شيئاً من عورتها أمام الأجانب خشية الفتنة، فهل يعقل أن يأمرها الإسلام أن تستر شعرها وقدميها وأن يسمح لها أن تكشف وجهها ويديها؟ وأيهما تكون فيه الفتنة أكبر الوجه أم القدم؟ يا هؤلاء كونوا عقلاء ولا تلبسوا على الناس أمر الدين فإذا كان الإسلام لا يبيح للمرأة أن تدق برجلها الأرض لئلا يسمع صوت الخلخال وتتحرك قلوب الرجال أو يبدو شيء من زينتها، فهل يسمح لها أن تكشف عن الوجه الذي هو أصل الجمال ومنبع الفتنة ومكمن الخطر؟. كلمة العلامة المودودي وأختم هذه الكلمة بما ذكره العلامة المودودي في تفسيره لسورة النور حيث قال أمد الله في عمره: "وهذه الجملة في الآية الكريمة {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} تدل على أن النساء لا يجوز لهن أن يتعمدن إظهار هذه الزينة غير أن ما ظهر منها بدون قصد منهن، أو ما كان ظاهراً بنفسه لا يمكن إخفاؤه كالرداء الذي تجلل به النساء ملابسهن (يعني الملاءة) لأنه لا يمكن إخفاؤه وهو مما يستجلب النظر لكونه على بدن المرأة على كل حال فلا مؤاخذة عليه من الله تعالى وهذا هو المعنى الذي بينه عبد الله بن مسعود والحسن البصري. أما ما يقوله غيرهم إن معنى {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ما يظهره الإنسان على العادة الجارية. ثم هم يدخلون فيه (وجه المرأة وكفيها) بكل ما عليها من الزينة، أي أنه يصح عندهم أن تزين المرأة وجهها بالكحل والمساحيق والصبغ، ويديها بالحناء والخاتم والأسورة، ثم تمشي في الناس كاشفة وجهها وكفيها... أما نحن فنكاد نعجز عن أن نفهم قاعدة من قواعد اللغة يجوز أن يكون معنى {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ما يُظْهره الإنسان فإن الفرق بين أن يَظْهر الشيء بنفسه، أو أن يُظهره الإنسان بقصده واضح لا يكاد يخفى على أحد، والظاهر من الآية أن القرآن ينهى عن إبداء الزينة ويرخص فيما إذا ظهرت من غير قصد، فالتوسع في حد هذه الرخصة إلى حد إظهارها (عمداً) مخالف للقرآن ومخالف للروايات التي يثبت بها أن النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ما كن يبرزن إلى الأجانب سافرات الوجوه، وأن الأمر بالحجاب كان شاملاً للوجه، وكان النقاب قد جعل جزءاً من لباس النساء إلا في الإحرام. وأدعى إلى العجب أن هؤلاء الذين يبيحون للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها للأجانب، يستدلون على ذلك بأن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة مع أن الفرق كبير جداً بين (الحجاب) و(ستر العورة) فالعورة ما لا يجوز كشفه حتى للمحارم من الرجال، وأما الحجاب فهو شيء فوق ستر العورة. انتهى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: أرشد المؤمنين، وقل لهم: الذين معهم إيمان، يمنعهم من وقوع ما يخل بالإيمان: { يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } عن النظر إلى العورات وإلى النساء الأجنبيات، وإلى المردان، الذين يخاف بالنظر إليهم الفتنة، وإلى زينة الدنيا التي تفتن، وتوقع في المحذور. { وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } عن الوطء الحرام، في قبل أو دبر، أو ما دون ذلك، وعن التمكين من مسها، والنظر إليها. { ذَلِكَ } الحفظ للأبصار والفروج { أَزْكَى لَهُمْ } أطهر وأطيب، وأنمى لأعمالهم، فإن من حفظ فرجه وبصره، طهر من الخبث الذي يتدنس به أهل الفواحش، وزكت أعماله، بسبب ترك المحرم، الذي تطمع إليه النفس وتدعو إليه، فمن ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه، ومن غض بصره عن المحرم، أنار الله بصيرته، ولأن العبد إذا حفظ فرجه وبصره عن الحرام ومقدماته، مع داعي الشهوة، كان حفظه لغيره أبلغ، ولهذا سماه الله حفظا، فالشيء المحفوظ إن لم يجتهد حافظه في مراقبته وحفظه، وعمل الأسباب الموجبة لحفظه، لم ينحفظ، كذلك البصر والفرج، إن لم يجتهد العبد في حفظهما، أوقعاه في بلايا ومحن، وتأمل كيف أمر بحفظ الفرج مطلقا، لأنه لا يباح في حالة من الأحوال، وأما البصر فقال: { يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } أتى بأداة " من " الدالة على التبعيض، فإنه يجوز النظر في بعض الأحوال لحاجة، كنظر الشاهد والعامل والخاطب، ونحو ذلك. ثم ذكرهم بعلمه بأعمالهم، ليجتهدوا في حفظ أنفسهم من المحرمات.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [30] 382 - أنا محمد بن إبراهيم، نا الفضلُ بنُ العلاءِ، نا عثمانُ بنُ حكيمٍ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جدَّهِ، قال: حديث : خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوماً ظُهراً فوجدهم يتحدثون في مجالسهم على أبواب الدُّور فقال: "ما هذه المجالسُ؟ إياكُم وهذه الصُّعُدَاتِ، تجلسون فيها" قالوا: يا رسول الله، نجلسُ على غير ما بأسٍ، نغتمُّ في البيوتِ فنبرُزُ فنتحدثُ! قال: "فأعطوا المجالس حَقَّهَا" قالوا: وما حَقُّهَا يا رسول اللهِ؟ قال: "غضُّ البصر، وحُسنُ الكلامِ، وردُّ السلامِ، وإرشادُ الضَّالِّ ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):