٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} إلى قوله: {مِن زِينَتِهِنَّ} فيه ثلاث وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ} خصّ الله سبحانه وتعالى الإناث هنا بالخطاب على طريق التأكيد؛ فإن قوله: «قل للمؤمنين» يكفي؛ لأنه قول عام يتناول الذَّكَر والأنثى من المؤمنين، حسب كلّ خطاب عام في القرآن. وظهر التضعيف في «يَغْضُضْنَ» ولم يظهر في «يَغُضُّوا» لأن لام الفعل من الثاني ساكنة ومن الأوّل متحركة، وهما في موضع جزم جواباً. وبدأ بالغَضّ قبل الفرج لأن البصر رائد للقلب؛ كما أن الحُمَّى رائد الموت. وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:شعر : ألم تر أن العين للقلب رائد ما تألف العينان فالقلب آلف تفسير : وفي الخبر: «النظر سَهْم من سهام إبليس مسموم فمن غضّ بصره أورثه الله الحلاوة في قلبه». وقال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزيّنها لمن ينظر؛ فإذا أدبرت جلس على عَجُزها فزيّنها لمن ينظر. وعن خالد بن أبي عمران قال: لا تُتْبِعنّ النظرة النظرة فربما نظر العبد نظرةً نَغِل منها قلبُه كما يَنْغَل الأديم فلا يُنتفع به. فأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار عما لا يحل؛ فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا المرأة إلى الرجل؛ فإن علاقتها به كعلاقته بها؛ وقصدها منه كقصده منها. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر...» تفسير : الحديث. وقال الزهري في النظر إلى التي لم تَحِض من النساء: لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يُشْتَهَى النظرُ إليهن وإن كانت صغيرة. وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. وفي الصحيحين عنه عليه السلام أنه صرف وجه الفضل عن الخَثْعَمِيّة حين سألته، وطَفِق الفضل ينظر إليها. وقال عليه السلام: «حديث : الغَيْرة من الإيمان والمِذاء من النفاق»تفسير : . والمِذَاء هو أن يجمع الرجل بين النساء والرجال ثم يخلّيهم يُماذِي بعضهم بعضاً؛ مأخوذ من المَذْي. وقيل: هو إرسال الرجال إلى النساء؛ من قولهم: مَذَيْتُ الفرس إذا أرسلتَها تَرْعَى. وكلّ ذَكَرَ يَمْذي، وكلّ أنثى تَقْذِي؛ فلا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدي زينتها إلا لمن تحلّ له، أو لمن هي محرّمة عليه على التأبيد؛ فهو آمن أن يتحرّك طبعه إليها لوقوع اليأس له منها. الثانية: روى الترمذِيّ «حديث : عن نَبْهان مولى أم سلمة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها ولميمونة وقد دخل عليها ابن أمّ مَكْتُوم: «احتجِبا» فقالتا: إنه أعمى؛ قال: «أفَعَمْيَاوَانِ أنتما ألستما تُبصرانه»تفسير : . فإن قيل: هذا الحديث لا يصحّ عند أهل النقل لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها وهو ممن لا يحتج بحديثه. وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه عليه السلام تغليظ على أزواجه لحرمتهن كما غلظ عليهن أمر الحجاب؛ كما أشار إليه أبو داود وغيره من الأئمة. ويبقى معنى الحديث الصحيح الثابت وهو «حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت قيس أن تعتدّ في بيت أمّ شَريك؛ ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أمّ مَكْتُوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك»»تفسير : . قلنا: قد استدلّ بعض العلماء بهذا الحديث على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع من المرأة كالرأس ومعلّق القُرْط؛ وأما العورة فلا. فعلى هذا يكون مخصصاً لعموم قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}، وتكون «من» للتبعيض كما هي في الآية قبلها. قال ابن العربي: وإنما أمرها بالانتقال من بيت أمّ شَريك إلى بيت ابن أمّ مكتوم لأن ذلك أوْلى بها من بقائها في بيت أمّ شريك؛ إذ كانت أمّ شريك مؤثرة بكثرة الداخل إليها، فيكثر الرائي لها، وفي بيت ابن أمّ مكتوم لا يراها أحد؛ فكان إمساك بصرها عنه أقرب من ذلك وأوْلى، فرخص لها في ذلك، والله أعلم. الثالثة: أمر الله سبحانه وتعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين، إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذاراً من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة؛ واختلف الناس في قدر ذلك؛ فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضاً وعطاء والأوزاعِيّ: الوجه والكفان والثياب. وقال ابن عباس وقتادة والمِسْوَر بن مَخْرَمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسّوار والخِضاب إلى نصف الذراع والقِرطة والفَتَخ؛ ونحو هذا فمباح أن تُبدِيه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذكر آخرَ عن عائشة رضي الله عنها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركَت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا»تفسير : وقبض على نصف الذراع. قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تُبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بدّ منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك. فـ«ـما ظهر» على هذا الوجه مما تؤدّي إليه الضرورة في النساء فهو المعفوّ عنه. قلت: هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورَهما عادةً وعبادةً وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما. يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رِقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: «حديث : «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المِحيض لم يصلح أن يُرَى منها إلا هذا»وأشار إلى وجهه وكفّيه» تفسير : . فهذا أقوى في جانب الاحتياط؛ ولمراعاة فساد الناس فلا تُبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفّيها، والله الموفق لا ربّ سواه. وقد قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة وخِيف من وجهها وكفّيها الفتنةُ فعليها سَتر ذلك؛ وإن كانت عجوزاً أو مُقَبَّحة جاز أن تكشف وجهها وكفّيها. الرابعة: الزينة على قسمين: خِلْقِية ومُكتسَبة؛ فالخِلْقية وجهها فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة ومعنى الحيوانية؛ لما فيه من المنافع وطرق العلوم. وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خِلقتها؛ كالثياب والحلي والكُحْل والخِضاب؛ ومنه قوله تعالى: {أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ} تفسير : [الأعراف: 13]. وقال الشاعر:شعر : يأخُذْن زينتهنّ أحسنَ ما تَرَى وإذا عَطِلن فهنّ خير عواطل تفسير : الخامسة: من الزينة ظاهر وباطن؛ فما ظهر فمباح أبداً لكل الناس من المحارم والأجانب؛ وقد ذكرنا ما للعلماء فيه. وأما ما بَطَن فلا يحل إبداؤه إلا لمن سمّاهم الله تعالى في هذه الآية، أو حلّ محلهم. واختلف في السُّوار، فقالت عائشة: هو من الزينة الظاهرة لأنها في اليدين. وقال مجاهد: هي من الزينة الباطنة؛ لأنها خارج عن الكفين وإنما تكون في الذراع. قال ابن العربي: وأما الخضاب فهو من الزينة الباطنة إذا كان في القدمين. السادسة: قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} قرأ الجمهور بسكون اللام التي هي للأمر. وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس بكسرها على الأصل؛ لأن اصل [ لام] الأمر الكسر، وحذفت الكسرة لثقلها، وإنما تسكينها لتسكين عَضُد وفَخِذ. و«يَضْرِبْن» في موضع جزم بالأمر، إلا أنه بُني على حالة واحدة إتباعاً للماضي عند سيبويه. وسبب هذه الآية أن النساء كنّ في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهنّ بالأخمرة وهي المقانع سدَلْنَها من وراء الظهر. قال النقاش: كما يصنع النَّبَط؛ فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك؛ فأمر الله تعالى بلَيّ الخمار على الجيوب، وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها. روى البخاري عن عائشة أنها قالت: رحم الله نساءَ المهاجرات الأُوَل؛ لما نزل: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} شَقَقْن أُزُرَهن فاختمرن بها. ودخلت على عائشة حفصةُ بنت أخيها عبد الرحمن رضي الله عنهم وقد اختمرت بشيء يَشِفّ عن عنقها وما هنالك؛ فشقّته عليها وقالت: إنما يُضرب بالكثيف الذي يستر. السابعة: الخُمُر: جمع الخِمار، وهو ما تغطّي به رأسها؛ ومنه اختمرت المرأة وتخمّرت، وهي حَسَنة الخِمْرة. والجيوب: جمع الجيب، وهو موضع القطع من الدّرع والقيمص؛ وهو من الجَوْب وهو القطع. ومشهور القراءة ضم الجيم من «جيوبهن». وقرأ بعض الكوفيين بكسرها بسبب الياء؛ كقراءتهم ذلك في: بيوت وشيوخ. والنحويون القدماء لا يجيزون هذه القراءة ويقولون: بيت وبيوت كفَلْس وفُلوس. وقال الزجاج: يجوز على أن تبدل من الضمة كسرة؛ فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم والكسر فمحال، لا يقدر أحد أن ينطق به إلا على الإيماء إلى ما لا يجوز. وقال مقاتل: «على جيوبهنّ» أي على صدورهنّ؛ يعني على مواضع جيوبهنّ. الثامنة: في هذه الآية دليل على أن الجيْب إنما يكون في الثوب موضعَ الصدر. وكذلك كانت الجيوب في ثياب السلَف رضوان الله عليهم؛ على ما يصنعه النساء عندنا بالأندلس وأهل الديار المصرية من الرجال والصبيان وغيرهم. وقد ترجم البخارِيّ رحمة الله تعالى عليه (باب جيب القميص من عند الصدر وغيره) وساق حديث أبي هريرة قال: «حديث : ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مَثَلَ البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جُبّتان من حديد قد اضْطرَّتْ أيدِيَهما إلى ثُديِّهما وتراقِيهما...» تفسير : الحديث، وقد تقدم بكماله، وفيه: قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأصبعيه هكذا في جَيْبه؛ فلو رأيتَه يوسِّعها ولا تتوسّع. فهذا يبيّن لك أن جَيْبه عليه السلام كان في صدره؛ لأنه لو كان في منكبه لم تكن يداه مضطرّة إلى ثَدْيَيه وتراقِيه. وهذا استدلال حسن. التاسعة: قوله تعالى: {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} البَعْل هو الزوج والسيّد في كلام العرب؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل: «حديث : إذا ولدت الأَمَة بَعْلَها» تفسير : يعني سيدها؛ إشارة إلى كثرة السّراري بكثرة الفتوحات، فيأتي الأولاد من الإماء فتعتق كلّ أم بولدها وكأنه سيّدها الذي مَنّ عليها بالعتق، إذ كان العتق حاصلاً لها من سببه؛ قاله ابن العربيّ. قلت: ومنه قوله عليه السلام في ماريَة: «حديث : أعتقها ولدُها» تفسير : فنسب العتق إليه. وهذا من أحسن تأويلات هذا الحديث. والله أعلم. مسألة: فالزوج والسيد يرى الزينة من المرأة وأكثر من الزينة إذ كل محلٍّ من بدنها حلال له لذةً ونظراً. ولهذا المعنى بدأ بالبعولة؛ لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا، قال الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } تفسير : [المؤمنون: 5 ـ 6]. العاشرة: اختلف الناس في جواز نظر الرجل إلى فرج المرأة؛ على قولين: أحدهما: يجوز؛ لأنه إذا جاز له التلذذ به فالنظر أولى. وقيل: لا يجوز؛ لقول عائشة رضي الله عنها في ذكر حالها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيت ذلك منه ولا رأى ذلك مني. والأول أصح، وهذا محمول على الأدب؛ قاله ابن العربي. وقد قال أصْبغ من علمائنا: يجوز له أن يلحسه بلسانه. وقال ابن خَوْيْزِمَنْداد: أما الزوج والسيد فيجوز له أن ينظر إلى سائر الجسد وظاهرِ الفرج دون باطنه. وكذلك المرأة يجوز أن تنظر إلى عورة زوجها، والأَمَة إلى عورة سيدها. قلت: وروي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : النظر إلى الفرج يورث الطمس» تفسير : أي العمى، أي في الناظر. وقيل: إن الولد بينهما يولد أعمى. والله أعلم. الحادية عشرة: لما ذكر الله تعالى الأزواج وبدأ بهم ثنّى بذوي المحارم وسوّى بينهم في إبداء الزينة، ولكن تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر. فلا مِرْية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحْوَط من كشف ولد زوجها. وتختلف مراتب ما يُبْدَى لهم؛ فيبدَى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج. وقد ذكر القاضي إسماعيل عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين. وقال ابن عباس: إن رؤيتهما لهن تحِل. قال إسماعيل: أحسِب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البُعُولة لم يذكروا في الآية التي في أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهي قوله تعالى: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ} تفسير : [الأحزاب: 55]. وقال في سورة النُّور: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} الآية. فذهب ابن عباس إلى هذه الآية، وذهب الحسن والحسين إلى الآية الأخرى. الثانية عشرة: قوله تعالى: {أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} يريد ذكور أولاد الأزواج، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سَفَلوا، من ذُكران كانوا أو إناث؛ كبني البنين وبني البنات. وكذلك آباء البعولة والأجداد وإن عَلَوْا من جهة الذكران لآباء الآباء وآباء الأمهات، وكذلك أبناؤهن وإن سَفَلوا. وكذلك أبناء البنات وإن سفلن؛ فيستوي فيه أولاد البنين وأولاد البنات. وكذلك أخواتهن، وهم مَن ولده الآباء والأمهات أو أحد الصّنفين. وكذلك بنو الإخوة وبنو الأخوات وإن سَفَلُوا من ذُكران كانوا أو إناث كبني بني الأخوات وبني بنات الأخوات. وهذا كله في معنى ما حرم من المناكح، فإن ذلك على المعاني في الولادات وهؤلاء محارم، وقد تقدم في «النساء». والجمهور على أن العَمّ والخال كسائر المحارم في جواز النظر لهما إلى ما يجوز لهم. وليس في الآية ذكر الرضاع، وهو كالنسب على ما تقدم. وعند الشعبِيّ وعكرمة ليس العم والخال من المحارم. وقال عكرمة: لم يذكرهما في الآية لأنهما تبعان لأبنائهما. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} يعني المسلمات، ويدخل في هذا الإماء المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم؛ فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئاً من بدنها بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أَمَة لها؛ فذلك قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ}. وكان ابن جريج وعُبَاد بن نُسَيّ وهشام القارىء يكرهون أن تقبّل النصرانيةُ المسلمة أو ترى عورتها؛ ويتأوّلون «أو نسائهن». وقال عُبَادة بن نُسَيّ: وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجرّاح: أنه بلغني أن نساء أهل الذمّة يدخلن الحمّامات مع نساء المسلمين؛ فامنع من ذلك، وحُلْ دونه؛ فإنه لا يجوز أن ترى الذمّية عِرْية المسلمة. قال: فعند ذلك قام أبو عبيدة وابتهل وقال: أيُّما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيّض وجهها فسوّد الله وجهها يوم تبيضّ الوجوه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية؛ لئلا تصفها لزوجها. وفي هذه المسألة خلاف للفقهاء. فإن كانت الكافرة أمَةً لمسلمة جاز أن تنظر إلى سيدتها؛ وأما غيرها فلا، لانقطاع الولاية بين أهل الإسلام وأهل الكفر، ولما ذكرناه. والله أعلم. الرابعة عشرة: قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} ظاهر الآية يشمل العبيد والإماء المسلمات والكتابيّات. وهو قول جماعة من أهل العلم، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما. وقال ابن عباس: لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته. وقال أشهب: سئل مالك أتُلْقِي المرأة خمارها بين يدي الخِصِيّ؟ فقال نعم: إذا كان مملوكاً لها أو لغيرها؛ وأما الحرّ فلا. وإن كان فحلاً كبيراً وَغْداً تملكه، لا هيئة له ولا مَنْظَر فلينظر إلى شعرها. قال أشهب قال مالك: ليس بواسع أن تدخل جارية الولد أو الزوجة على الرجل المرحاضَ؛ قال الله تعالى: «أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ». وقال أشهب عن مالك: ينظر الغلام الوَغْد إلى شعر سيّدته، ولا أحبه لغلام الزوج. وقال سعيد بن المسيب: لا تغرّنكم هذه الآية {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} إنما عُنِىَ بها الإماء ولم يُعْن بها العبيد. وكان الشعبيّ يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته. وهو قول مجاهد وعطاء. وروى أبو داود «حديث : عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعَبْد قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ثوبٌ إذا غطّت به رأسها لم يبلغ إلى رجليها، وإذا غطّت به رجليها لم يبلغ إلى رأسها؛ فلما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم ما تَلْقَى من ذلك قال: «إنه لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك»».تفسير : الخامسة عشرة: قوله تعالى: {أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ} أي غير أولي الحاجة. والإرْبَةُ الحاجة، يقال: أرِبْت كذا آرِب أرَباً. والإرْب والإربة والمَأْرُبة والأَرَب: الحاجة؛ والجمع مآرب؛ أي حوائج. ومنه قوله تعالى: {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18] وقد تقدم. وقال طَرَفة:شعر : إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا تقدّم يوماً ثم ضاعت مآربه تفسير : واختلف الناس في معنى قوله: {(51) وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ} فقيل: هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء. وقيل الأبله. وقيل: الرجل يتبع القوم فيأكل معهم ويرتفق بهم؛ وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن. وقيل العِنِّين. وقيل الخِصِيّ. وقيل المخنَّث. وقيل الشيخ الكبير، والصبيّ الذي لم يُدْرك. وهذا الاختلاف كلّه متقارب المعنى، ويجتمع فيمن لا فَهْم له ولا هِمّة ينتبه بها إلى أمر النساء. وبهذه الصفة كان هِيْت المخنَّث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع منه ما سمع من وصف محاسن المرأة: بادِيَةَ ابنة غَيْلان، أمر بالاحتجاب منه. أخرج حديثه مسلم وأبو داود ومالك في الموطّأ وغيرهم عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة. قال أبو عمر: ذكر عبد الملك بن حبيب عن حبيب كاتب مالك قال: قلت لمالك: إن سفيان زاد في حديث ابنة غَيْلان: «أن مخنَّثاً يقال له هِيْت» وليس في كتابك هيت؟ فقال مالك: صدق، هو كذلك وغرّبه النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الحِمَى وهو موضع من ذي الحُلَيَفة ذات الشمال من مسجدها. قال حبيب وقلت لمالك: وقال سفيان في الحديث: إذا قعدت تَبَنّت، وإذا تكلّمت تَغَنّت. قال مالك: صدق، هو كذلك. قال أبو عمر: ما ذكره حبيب كاتب مالك عن سفيان أنه قال في الحديث يعني حديث هشام بن عروة «أن مخنثاً يدعى هِيْتاً» فغير معروف عند أحد من رواته عن هشام، لا ابن عيينة ولا غيره، ولم يقل في نَسَق الحديث «إن مخنثاً يدعى هيتاً»، وإنما ذكره عن ابن جُريج بعد تمام الحديث، وكذلك قوله عن سفيان أنه يقول في الحديث: إذا قعدت تبنّت وإذا تكلّمت تغنّت، هذا ما لم يقله سفيان ولا غيره في حديث هشام بن عروة، وهذا اللفظ لا يوجد إلا من رواية الواقدي، والعجب أنه يحكيه عن سفيان ويحكي عن مالك أنه كذلك، فصارت رواية عن مالك، ولم يروه عن مالك غير حبيب ولا ذكره عن سفيان غيره أيضاً، والله أعلم. وحبيب كاتب مالك متروك الحديث ضعيف عند جميعهم، لا يُكتب حديثه ولا يلتفت إلى ما يجيء به. ذكر الواقِدِيّ والكَلْبي أن هِيْتاً المخنَّث قال لعبد الله بن أُمَيّة المخزوميّ وهو أخو أمّ سَلَمة لأبيها وأمّه عاتكة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له وهو في بيت أخته أمِّ سلمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع: إن فتح الله عليكم الطائفَ فعليك ببادِيَةَ بنت غَيْلان بن سَلَمة الثَّقَفِيّ، فإنها تُقْبل بأربع وتُدْبر بثمان، مع ثَغْر كالأقْحُوان، إن جلست تَبَنّت وإن تكلّمت تغنّت، بين رجليها كالإناء المكفوء، وهي كما قال قَيْس بن الخَطِيم:شعر : تغْتَرِق الطّرفَ وهي لاهِيَةٌ كأنما شَفّ وَجْهَها نُزُفُ بين شُكُول النساء خِلْقَتُها قَصْدٌ فلا جَبْلَةٌ ولا قَضَف تنام عن كُبْر شأنها فإذا قامتْ رُوَيْداً تكاد تَنْقَصِف تفسير : فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد غلغلت النظر إليها يا عدوّ الله»تفسير : . ثم أجلاه عن المدينة إلى الحِمَى. قال: فلما افْتُتحت الطائف تزوّجها عبد الرحمن بن عَوف فولدت له منه بُرَيْهة؛ في قول الكلبي. ولم يزل هِيت بذلك المكان حتى قُبض النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما وَلِيَ أبو بكر كُلِّم فيه فأبى أن يرّده، فلما وَلِيَ عمر كُلِّم فيه فأبى، ثم كُلّم فيه عثمان بعدُ. وقيل: إنه قد كَبِر وضَعُف واحتاج، فأذن له أن يدخل كل جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه. قال: وكان هِيت مولًى لعبد الله بن (أبي) أمية المخزومي، وكان له طُوَيْس أيضاً، فمن ثَمّ قَبِل الخَنَث. قال أبو عمر: يقال: «بادية» بالياء و«بادنة» بالنون، والصواب فيه عندهم بالياء، وهو قول أكثرهم، وكذلك ذكره الزبيري بالياء. السادسة عشرة: وصف التابعين بـ«ـغير» لأن التابعين غير مقصودين بأعيانهم، فصار اللفظ كالنكرة. و«غير» لا يتمحّض نكرة فجاز أن يجري وصفاً على المعرفة. وإن شئت قلت هو بدل. والقول فيها كالقول في «غير المغضوب عليهم». وقرأ عاصم وابن عامر «غيرَ» بالنصب فيكون استثناء؛ أي يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإرْبة منهم. ويجوز أن يكون حالاً؛ أي والذين يتبعونهن عاجزين عنهن؛ قاله أبو حاتم. وذو الحال ما في «التابعين» من الذكر. السابعة عشرة: قوله تعالى: {أَوِ ٱلطِّفْلِ} اسم جنس بمعنى الجمع، والدليل على ذلك نعتُه بـ«ـالذين». وفي مصحف حَفْصة «أو الأطفال» على الجمع. ويقال: طفلٌ ما لم يراهق الحُلُم. و{يَظْهَرُواْ} معناه يطلعوا بالوطء؛ أي لم يكشفوا عن عوراتهنّ للجماع لصغرهنّ. وقيل: لم يبلغوا أن يطيقوا النساء؛ يقال: ظهرت على كذا أي علمته، وظهرت على كذا أي قهرته. والجمهور على سكون الواو من «عورات» لاستثقال الحركة على الواو. وروي عن ابن عباس فتح الواو؛ مثل جَفْنة وجفنات. وحكى الفراء أنها لغة قيس «عورات» (بفتح) الواو. النحاس: وهذا هو القياس؛ لأنه ليس بنعت، كما تقول: جفنة وجفنات؛ إلا أن التسكين أجود في «عورات» وأشباهه، لأن الواو إذا تحرّكت وتحرك ما قبلها قُلبت ألفاً؛ فلو قيل هذا لذهب المعنى. الثامنة عشرة: اختلف العلماء في وجوب ستر ما سوى الوجه والكفين منه على قولين: أحدهما: لا يلزم؛ لأنه لا تكليف عليه، وهو الصحيح. والآخر: يلزمه؛ لأنه قد يشتهى وقد تشتهى أيضاً هي؛ فإن راهق فحكمه حكم البالغ في وجوب السّتر. ومثله الشيخ الذي سقطت شهوته؛ اختلف فيه أيضاً على قولين كما في الصبي، والصحيح بقاء الحرمة؛ قاله ابن العربي. التاسعة عشرة: أجمع المسلمون على أن السَّوْءتين عورة من الرجل والمرأة، وأن المرأة كلّها عورة، إلا وجهها ويديها فإنهم اختلفوا فيهما. وقال أكثر العلماء في الرجل: من سرته إلى ركبته عورة؛ لا يجوز أن تُرَى. وقد مضى في «الأعراف» القول في هذا مستوفًى. المُوفِية عشرين: قال أصحاب الرأي: عورة المرأة مع عبدها من السّرة إلى الركبة. ابن العربي: وكأنهم ظنوّها رجلاً أو ظنوه امرأة، والله تعالى قد حرّم المرأة على الإطلاق لنظر أو لذة، ثم استثنى اللذة للأزواج ومِلْك اليمين، ثم استثنى الزينة لاثني عشر شخصاً العبد منهم، فما لنا ولذلك! هذا نظر فاسد واجتهاد عن السداد متباعد. وقد تأوّل بعض الناس قوله: «أو ما ملكت أيمانهنّ» على الإماء دون العبيد؛ منهم سعيد بن المسيِّب، فكيف يحملون على العبيد ثم يلحقون بالنساء، هذا بعيد جدّا قال ابن العربي وقد قيل: إن التقدير أو ما ملكت أيمانهنّ من غير أولِي الإرْبة أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال؛ حكاه المهدوِيّ. الحادية والعشرون: قوله تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} الآية؛ أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت لتُسْمِع صوت خَلْخَالها؛ فإسماع صوت الزينة كإبداء الزينة وأشدّ، والغرض التستر. أسند الطبري عن المعتمر عن أبيه أنه قال: زعم حضرمِيّ أن امرأة اتخذت بُرَتَين من فضة واتخذت جَزْعاً فجعلت في ساقها فمرّت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخَلْخال على الجَزْع فصوّت؛ فنزلت هذه الآية، وسماع هذه الزينة أشدّ تحريكاً للشهوة من إبدائها؛ قاله الزجاج. الثانية والعشرون: من فعل ذلك منهنّ فَرَحاً بحليهنّ فهو مكروه. ومن فعل ذلك منهنّ تبرُّجاً وتعرُّضاً للرجال فهو حرام مذموم. وكذلك من ضرب بنعله من الرجال، إن فعل ذلك تعجُّباً حَرُم، فإن العُجْب كبيرة. وإن فعل ذلك تَبَرُّجاً لم يجز. الثالثة والعشرون: قال مَكِّيّ رحمه الله تعالى: ليس في كتاب الله تعالى آيةٌ أكثرَ ضمائر من هذه، جمعت خمسة وعشرين ضميراً للمؤمنات من مخفوض ومرفوع. قوله تعالى: {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَتُوبُوۤاْ} أمْرٌ. ولا خلاف بين الأمّة في وجوب التوبة، وأنها فرض متعيّن؛ وقد مضى الكلام فيها في «النساء» وغيرها فلا معنى لإعادة ذلك. والمعنى: وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق الله تعالى، فلا تتركوا التوبة في كل حال. الثانية: قرأ الجمهور «أَيُّهَ» بفتح الهاء. وقرأ ابن عامر بضمها؛ ووجهه أن تُجعل الهاء من نفس الكلمة، فيكون إعراب المنادى فيها. وضعّف أبو عليّ ذلك جدّاً وقال: آخر الاسم هو الياء الثانية من أي، فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم، ولو جاز ضم الهاء هاهنا لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم في «اللَّهُمَّ» لاقترانها بالكلمة في كلام طويل. والصحيح أنه إذا ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قراءة فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة، فإن القرآن هو الحجة. وأنشد الفراء:شعر : يأيُّهَ القلبُ اللّجُوجُ النّفس أفق عن البيض الحسان اللعس تفسير : اللَّعَس: لون الشَّفَة إذا كانت تضرِب إلى السواد قليلاً، وذلك يستملح؛ يقال: شَفَة لعساء، وفِتية ونِسوة لُعْس. وبعضهم يقف «أَيُّهْ». وبعضهم يقف «أيّها» بالألف؛ لأن علة حذفها في الوصل إنما هو سكونها وسكون اللام، فإذا كان الوقف ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على «مُحلِّي» من قوله تعالى: {أية : غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ} تفسير : [المائدة: 1]. وهذا الاختلاف الذي ذكرناه كذلك هو في و{يأيّه الساحر}. {يأيه الثقلان}.
ابن كثير
تفسير : هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات، وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات. وكان سبب نزول هذه الآية ما ذكره مقاتل بن حيان قال: بلغنا ــــ والله أعلم ــــ أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث: أن أسماء بنت مرشدة كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات، فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا فأنزل الله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ} الآية، فقوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ} أي: عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال الأجانب بشهوة، ولا بغير شهوة أصلاً. واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة: أنه حدث: أن أم سلمة حدثته: أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة، قالت: فبينما نحن عنده، أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : احتجبا منه» تفسير : فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أو عمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه» تفسير : ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة؛ كما ثبت في "الصحيح": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه، وهو يسترها منهم حتى ملت ورجعت. وقوله: {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} قال سعيد بن جبير: عن الفواحش. وقال قتادة وسفيان: عما لا يحل لهن. وقال مقاتل: عن الزنا، وقال أبو العالية: كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا، إلا هذه الآية: {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} أن لا يراها أحد، وقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أي: لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني: على ما كان يتعاناه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب. فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه، ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لايمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن مسعود الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم. وقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك، وهذا يحتمل أن يكون تفسيراً للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: في قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الزينة: القرط والدملج والخلخال والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان: فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب. وقال الزهري: لا يبدين لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدين منها إلا الخواتم. وقال مالك عن الزهري: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ماظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه: حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا: حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها، وقال: «حديث : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا» تفسير : وأشار إلى وجهه وكفيه، لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي: هذا مرسل؛ خالد بن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله عنها، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} يعني: المقانع يعمل لها صنفات ضاربات على صدورهن؛ لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها؛ ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية؛ فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها، لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن؛ كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} تفسير : [الأحزاب: 59] وقال في هذه الآية الكريمة: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} والخمر جمع خمار، وهو ما يخمر به، أي: يغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع. قال سعيد بن جبير: {وَلْيَضْرِبْنَ}: وليشددن {بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} يعني: على النحر والصدر، فلا يرى منه شيء. وقال البخاري: حدثنا أحمد بن شبيب، حدثنا أبي عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} شققن مروطهن، فاختمرن بها. وقال أيضاً: حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة: أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: لما نزلت هذه الآية: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} أخذن أزرهن، فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا الزنجي بن خالد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة، قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة رضي الله عنها: إن لنساء قريش لفضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل، فاعتجرت به؛ تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان. ورواه أبو داود من غير وجه عن صفية بنت شيبه به. وقال ابن جرير حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب: أن قرة بن عبد الرحمن أخبره عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} شققن أكثف مروطهن، فاختمرن بها، ورواه أبو داود من حديث ابن وهب به، وقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} أي: أزواجهن {أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِىۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوَٰتِهِنَّ} كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير اقتصاد وتبهرج. وقد روى ابن المنذر: حدثنا موسى، يعني: ابن هارون، حدثنا أبو بكر، يعني: ابن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا داود عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} حتى فرغ منها، وقال: لم يذكر العم ولا الخال؛ لأنهما ينعتان لأبنائهما، ولا تضع خمارها عند العم والخال، فأما الزوج، فإنما ذلك كله من أجله، فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره. وقوله: {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} يعني: تظهر بزينتها أيضاً للنساء المسلمات، دون نساء أهل الذمة؛ لئلا تصفهن لرجالهن. وذلك، وإن كان محذوراً في جميع النساء، إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد؛ فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، وأما المسلمة، فإنها تعلم أن ذلك حرام، فتنزجر عنه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : لاتباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين" عن ابن مسعود. وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغاز عن عبادة بن نسي عن أبيه عن الحارث بن قيس قال: كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة: أما بعد، فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك؛ فإنه من قبلك، فلا يحل لامرأة تؤمن باالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها. وقال مجاهد في قوله: {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} قال: نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة، وروى عبد الله في تفسيره عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} قال: هن المسلمات، لا تبديه ليهودية و لانصرانية، وهو النحر والقرط والوشاح، وما لا يحل أن يراه إلا محرم. وروى سعيد: حدثنا جرير عن ليث عن مجاهد قال: لاتضع المسلمة خمارها عند مشركة؛ لأن الله تعالى يقول: {أَوْ نِسَآئِهِنَّ}، فليست من نسائهن، وعن مكحول وعبادة بن نسي: أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة، فأما مارواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمير، حدثنا ضمرة قال: قال ابن عطاء عن أبيه قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس، كان قوابل نسائهن اليهوديات والنصرانيات، فهذا إن صح، فمحمول على حال الضرورة، أو أن ذلك من باب الامتهان، ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد، والله أعلم. وقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ} قال ابن جرير: يعني: من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر زينتها لها، وإن كانت مشركة؛ لأنها أمتها، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وقال الأكثرون: بل يجوز أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا أبو جميع سالم بن دينار عن ثابت، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ثوب، إذا قنعت به رأسها، لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها، لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى، قال: «حديث : إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك».تفسير : وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة حديج الخصي مولى معاوية: أن عبد الله بن مسعدة الفزاري كان أسود شديد الأدمة، وأنه قد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهبه لابنته فاطمة، فربته ثم أعتقته، ثم قد كان بعد ذلك كله برز مع معاوية أيام صفين، وكان من أشد الناس على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن نبهان، عن أم سلمة، ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان له ما يؤدي، فلتحتجب منه» تفسير : ورواه أبو داود عن مسدد، عن سفيان به. وقوله تعالى: {أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ} يعني: كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، وهم مع ذلك في عقولهم وَلَهٌ وَخَوث، ولا همة لهم إلى النساء، ولا يشتهونهن، قال ابن عباس: هو المغفل الذي لا شهوة له. وقال مجاهد: هو الأبله، وقال عكرمة: هو المخنث الذي لا يقوم ذكره، وكذلك قال غير واحد من السلف، وفي الصحيح من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة: أن مخنثاً كان يدخل على أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينعت امرأة يقول: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم» تفسير : فأخرجه، فكان بالبيداء، يدخل كل يوم جمعة ليستطعم. وروى الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أنها قالت: دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها مخنث، وعندها (أخوها) عبد الله بن أبي أمية، والمخنث يقول: يا عبد الله بن أمية إن فتح الله عليكم الطائف غداً، فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان، قال: فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأم سلمة: «حديث : لا يدخلن هذا عليك» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين" من حديث هشام بن عروة به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، فقال إنها إذا أقبلت، أقبلت بأربع، وإذا أدبرت، أدبرت بثمان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا أرى هذا يعلم ما ههنا، لا يدخلن عليكم هذا» تفسير : فحجبوه، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق عبد الرزاق به عن أم سلمة. وقوله تعالى: {أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ} يعني: لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيراً لا يفهم ذلك، فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقاً، أو قريباً منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء، وقد ثبت في "الصحيحين" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إياكم والدخول على النساء» تفسير : قيل: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: «حديث : الحمو الموت».تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} الآية، كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق، وفي رجلها خلخال صامت، لا يعلم صوته، ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستوراً، فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي، دخل في هذا النهي؛ لقوله تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} إلى آخره، ومن ذلك أيضاً أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها؛ ليشتم الرجال طيبها، فقد قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن ثابت بن عمارة الحنفي، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس، فهي كذا وكذا» تفسير : يعني: زانية، قال: وفي الباب عن أبي هريرة: وهذا حسن صحيح، رواه أبو داود والنسائي من حديث ثابت بن عمارة به. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب، ولذيلها إعصار، فقال: يا أمة الجبار جئت من المسجد؟ قالت: نعم. قال لها: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة»تفسير : . ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان، هو ابن عيينة به. وروى الترمذي أيضاً من حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد، عن ميمونة بنت سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الرافلة في الزينة في غير أهلها، كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها»تفسير : ، ومن ذلك أيضاً: أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق؛ لما فيه من التبرج. قال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز، يعني: ابن محمد، عن ابن أبي اليمان عن شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: «حديث : استأخرن؛ فإنه ليس لكن أن تَحْقُقْنَ الطريق، عليكن بحافات الطريق» تفسير : فكانت المرأة تلصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. وقوله تعالى: {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: افعلوا ما أمركم به من هذه الصفات الجميلة، والأخلاق الجليلة واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهيا عنه، والله تعالى هو المستعان.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقُل لّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ } عما لا يحلّ لهنّ نظره {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } عما لا يحلّ لهن فعله بها {وَلاَ يُبْدِينَ } يُظهرن {زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } وهو الوجه والكفان فيجوز نظره لأجنبي إن لم يخف فتنة في أحد وجهين، والثاني تحرم، لأنه مظنة الفتنة، ورُجِّح حَسْماً للباب {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } الخفية، وهي ما عدا الوجه والكفين {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ } جمع بعل، أي زوج {أَوْ ءَآبَائِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَني إخْوَانِهِنَّ أوْ بَني أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ} فيجوز لهم نظره إلا ما بين السرّة والركبة فيحرم نظره لغير الأزواج وخرج بنسائهن الكافرات فلا يجوز للمسلمات الكشف لهنّ وشمل ما ملكت أيمانهنّ العبيد {أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ } في فضول الطعام {غَيْرِ } بالجرّ صفة والنصب استثناء {أُوْلِى ٱلإِرْبَةِ } أصحاب الحاجة إلى النساء {مِنَ ٱلرّجَالِ } بأن لم ينتشر ذكر كُلَ {أَوِ ٱلطّفْلِ } بمعنى الأطفال {ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ } يطَّلعوا {عَلَىٰ عَوْرٰتِ ٱلنِّسَاءِ } للجماع فيجوز أن يبدين لهم ما عدا ما بين السرة والركبة {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } من خلخال يتقعقع {وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تنجون من ذلك لقبول التوبة منه وفي الآية تغليب الذكور على الإناث.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ... } والزينة ما أدخلته المرأة على بدنها حتى زانها وحسنها في العيون كالحلي والثياب والكحل والخضاب، ومنه قوله تعالى: {أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} تفسير : قال الشاعر: شعر : يأخذ زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلن فهن غير عواطل تفسير : والزينة زينتان: ظاهرة وباطنة، فالظاهرة لا يجب سترها ولا يحرم النظر إليها لقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الثياب، قاله ابن مسعود. الثاني: الكحل والخاتم، قاله ابن عباس، والمسور بن مخرمة. الثالث: الوجه والكفان، قاله الحسن، وابن جبير، وعطاء. وأما الباطنة فقال ابن مسعود: القرط والقلادة والدملج والخلخال، واختلف في السوار فروي عن عائشة أنه من الزينة الظاهرة، وقال غيرها هو من الباطنة، وهو أشبه لتجاوزه الكفين، فأما الخضاب فإن كان في الكفين فهو من الزينة الظاهرة، وإن كان في القدمين فهو من الباطنة، وهذا الزينة الباطنة يجب سترها عن الأجانب ويحرم عليها تعمد النظر إليها فأما ذوو المحارم فالزوج منهم يجوز له النظر والالتذاذ، وغيره من الآباء والأبناء والإخوة يجوز لهم النظر ويحرم عليهم الالتذاذ. روى الحسن والحسين رضي الله عنهما [أنهما] كانا يدخلان على أختهما أم كلثوم وهي تمتشط. وتأول بعض أصحاب الخواطر هذه الزينة بتأويلين: أحدهما: أنها الدنيا فلا يتظاهر بما أوتي منها ولا يتفاخر إلا بما ظهر منها ولم ينستر. الثاني: أنها الطاعة لا يتظاهر بها رياءً إلا ما ظهر منها ولم ينكتم، وهما بعيدان. {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهنَّ} الخمر المقانع أمِرن بإلقائها على صدورهن تغطية لنحورهن فقد كن يلقينها على ظهورهن بادية نحورهن، وقيل: كانت قمصهن مفروجة الجيوب كالدرعة يبدو منها صدروهن فأمرن بإلقاء الخمر لسترها. وكني عن الصدور بالجيوب لأنها ملبوسة عليها. ثم قال: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} يعني الزينة الباطنة إبداؤها للزوج استدعاء لميله وتحريكاً لشهوته ولذلك لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم السلتاء والمرهاء فالسلتاء التي لا تختضب، والمرهاء التي لا تكتحل تفعل ذلك لانصراف شهوة الزوج عنها فأمرها بذلك استدعاء لشهوته، ولعن صلى الله عليه وسلم المفشلة والمسوفة، المسوفة التي إذا دعاها للمباشرة قالت سوف أفعل، والمفشلة التي إذا دعاها قالت إنها حائض وهي غير حائض، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لُعِنَتِ الغَائِصَةُ وَالمُغَوِّصَةُ" تفسير : فالغائصة التي لا تعلم زوجها بحيضها حتى يصيبها، والمغوصة التي تدعى أنها حائض ليمتنع زوجها من إصابتها وليست بحائض. واختلف أصحابنا في تعمد كل واحد من الزوجين النظر إلى فرج صاحبه تلذذاً به على وجهين: أحدهما: يجوز كما يجوز الاستمتاع به لقوله تعالى: {أية : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} تفسير : [البقرة: 187]. الثاني: لا يجوز لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لَعَنَ اللَّهُ النَّاظِرَ وَالمَنْظُورَ إِلَيهِ ". تفسير : فأما ما سوى الفرجين منهما فيجوز لكل واحدٍ منهما أن يتعمد النظر إليه من صاحبه وكذلك الأمة مع سيدها. {أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} إلى قوله: {أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} وهؤلاء كلهم ذوو محارم بما ذكر من الأسباب والأنساب يجوز أبداً نظر الزينة الباطنة لهم من غير استدعاء لشهوتهم، ويجوز تعمد النظر من غير تلذذ. والذي يلزم الحرة أن تستر من بدنها مع ذوي محارمها ما بين سرتها وركبتها، وكذلك يلزم مع النساء كلهن أو يستتر بعضهن من بعض ما بين السرة والركبة وهو معنى قوله: {أو نِسَآئِهِنَّ} وفيهن وجهان: أحدهما: أنهن المسلمات لا يجوز لمسلمة أن تكشف جسدها عند كافرة، قاله الكلبي. والثاني: أنه عام في جميع النساء. ثم قاله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} يعني عبيدهن، فلا يحل للحرة عبدها، وإن حل للرجل أمته، لأن البضع إنما يستحقه مالكه، وبضع الحرة لا يكون ملكاً لعبدها، وبضع الأمة ملك لسيدها. واختلف أصحابنا في تحريم ما بطن من زينة الحرة على عبدها، على ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تحل ولا تحرم، وتكون عورتها معه كعورتها مع ذوي محرمها، ما بين السرة والركبة لتحريمه عليها ولاستثناء الله تعالى له مع استثنائه من ذوي محرمها وهو مروي عن عائشة وأم سلمة. والثاني: أنها تحرم ولا تحل وتكون عورتها معه كعورتها مع الرجال والأجانب وهو ما عدا الزينة الظاهرة من جميع البدن إلا الوجه والكفين، وتأول قائل هذا الوجه قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} على الإِماء دون العبيد، وتأوله كذلك سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد. والثالث: أنه يجوز أن ينظر إليها فضلاء، كما تكون المرأة في ثياب بيتها بارزة الذراعين والساقين والعنق اعتباراً بالعرف والعادة، ورفعاً لما سبق، وهو قول عبد الله بن عباس، وأما غير عبدها فكالحر معها، وإن كان عبداً لزوجها وأمها. ثم قال تعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَة مِنَ الرِّجَالِ} فيه ثمانية أوجه: أحدها: أنه الصغير لأنه لا إرب له في النساء لصغره، وهذا قول ابن زيد. والثاني: أنه العنين لأنه لا إرب له في النساء لعجزه، وهذا قول عكرمة، والشبعي. والثالث: أنه الأبله المعتوه لأنه لا إرب له في النساء لجهالته، وهذا قول سعيد بن جبير، وعطاء. والرابع: أنه المجبوب لفقد إربه، وهذا قول مأثور. والخامس: أنه الشيخ الهرم لذهاب إربه، وهذا قول يزيد بن حبيب. والسادس: أنه الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل، وهذا قول قتادة. والسابع: أنه المستطعم الذي لا يهمه إلا بطنه، وهذا قول مجاهد. والثامن: أنه تابع القوم يخدمهم بطعام بطنه، فهو مصروف لا لشهوة، وهو قول الحسن. وفيما أخذت منه الإربة قولان: أحدها: أنها مأخوذة من العقل من قولهم رجل أريب إذا كان عاقلاً. والثاني: أنها مأخوذة من الأرب وهو الحاجة، قاله قطرب. ثم أقول: إن الصغير والكبير والمجبوب من هذه التأويلات المذكورة في وجوب ستر الزينة الباطنة منهم، وإباحة ما ظهر منها معهم كغيرهم، فأما الصغير فإن لم يظهر على عورات النساء ولم يميز من أحوالهن شيئاً فلا عورة للمرأة معه. [فإِن كان مميزاً غير بالغ] لزم أن تستر المرأة منه ما بين سرتها وركبتها وفي لزوم ستر ما عداه وجهان: أحدهما: لا يلزم لأن القلم غير جار عليه والتكليف له غير لازم. والثاني: يلزم كالرجل لأنه قد يشتهي ويشتهى. وفي معنى قوله تعالى: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} ثلاثة أوجه: الأول: لعدم شهوتهم. والثاني: لم يعرفوا عورات النساء لعدم تمييزهم. والثالث: لم يطيقوا جماع النساء. وأما الشيخ فإن بقيت فيه شهوة فهو كالشباب، فإن فقدها ففيه وجهان: أحدهما: أن الزينة الباطنة معه مباحة والعورة معه ما بين السرة والركبة. والثاني: أنها معه محرمة وجميع البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة، استدامة لحاله المتقدمة. وأما المجبوب والخصي ففيهما لأصحابنا ثلاثة أوجه: أحدها: استباحة الزينة الباطنة معهما. والثاني: تحريمها عليهما. والثالث: إباحتها للمجبوب وتحريمها على الخصي. والعورة إنما سميت بذلك لقبح ظهورها وغض البصر عنها، مأخوذ من عور العين. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} قال قتادة: كانت المرأة إذا مشت تضرب برجلها ليسمع قعقعة خلخالها، فنهين عن ذلك. ويحتمل فعلهن ذلك أمرين: فإما أن يفعلن ذلك فرحاً بزينتهن ومرحاً وإما تعرضاً للرجال وتبرجاً، فإن كان الثاني فالمنع منه حتم، وإن كان الأول فالمنع منه ندب.
ابن عبد السلام
تفسير : {زِينَتَهُنَّ} الزينة ما أدخلته على بدنها حتى زانها وحسَّنها في العيون كالحلي والثياب والكحل والخضاب، وهي ظاهرة وباطنة فالظاهرة لا يجب سترها ولا يحرم النظر إليها {إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الثياب، أو الكحل والخاتم "ع"، أو الوجه والكفان، والباطنة: القرط والقلادة، والدملج والخلخال وفي السوار مذهبان وخضاب القدمين باطن، وخضاب الكفين ظاهر، والباطنة يجب سترها عن الأجانب ولا يجوز لهم النظر إليها. {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ} بمقانعهن على صدروهن تغطية لنحورهن وكن يلقينها على ظهروهن بادية نحورهن، أو كانت قمصهن مفرجة الجيوب كالدراعة يبدو منها صُدُورهن فأُمِرن بإلقاء الخُمُرُ عليها لسترها وكنى عن الصدور بالجيوب لأنها ملبُوسة عليها {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الباطنة {إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ}، {أَوْ نِسَآئِهنَّ} المسلمات، أو عام فيهن وفي الكافرات {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} من العبيد والإماء، أو خاص بالإماء قاله ابن المسيب ومجاهد وعطاء {غَيْرِ أُوْلِى الإِرْبَةِ} الصغير لا إرب له فيهن لصغره، أو العِنِّين لا إرب له لعجزه، أو المعتوه الأبله لا إرب له لجهله، أو المجبوبُ لفقد إربه مأثور، أو الشيخ الهرم لذهاب إربه، أو الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل، أو المستطعم الذي لا يهمه إلا بطنه، أو تابع القوم يخدمهم لطعام بطنه فهو مصروف الشهوة لذله "ح"، وأخذت الإربة من الحاجة، أو من العقل من قولهم رجل أريب {لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} لم يكشفوها لعدم شهوتهم، أو لم يعرفوها لعدم تمييزهم، أو لم يطيقوا الجماع، وسميت العورة عورة لقبح ظُهورها وغض البصر عنها أخذاً من عور العين {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} كن إذا مشين ضربن بأرجلهن لتسمع قعقعة خلاخلهن فنهين عن ذلك.
الخازن
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} يعني عما لا يحل لهن. روي عن أم سلمى قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة بنت الحارث إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : احتجبا منه فقلنا: يا رسول الله أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه"تفسير : أخرجه الترمذي وأبو داود. قوله تعالى {ولا يبدين} يعني لا يظهرن {زينتهن} يعني لغير المحرم وأراد بالزينة الخفية مثل الخلخال والخضاب في الرجل والسوار في المعصم والقرط في الأذن والقلائد في العنق فلا يجوز للمرأة إظهارها ولا يجوز للأجنبي النظر إليها والمراد من الزينة النظر إلى مواضعها من البدن {إلا ما ظهر منها} يعني من الزينة قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي الوجه والكفان. وقال ابن مسعود هي الثياب. وقال ابن عباس هي الكحل والخاتم والخضاب في الكف فما كان من الزينة الظاهرة يجوز للرجل الأجنبي النظر إليه للضرورة مثل تحمل الشهادة ونحوه من الضرورات إذا لم يخف فتنة وشهوة فإن خاف شيئاً من ذلك غض البصر وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة وسائر بدنها عورة {وليضربن بخمرهن} يعني ليلقين بمقانعهن {على جيوبهن} يعني موضع الجيب وهو النحر والصدر يعني ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وأقراطهن وصدورهن (خ) عن عائشة قالت: "يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله "وليضربن بخمرهن على جيوبهن شققن مروطهن فاختمرن بها" المرط كساء من صوف أو خز أو كتان وقيل هو الإزار وقيل هو الدرع {ولا يبدين زينتهن} يعني الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب وهي ما عدا الوجه والكفين {إلا لبعولتهن} قال ابن عباس لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن أو آبائهن {أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن} فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنية ولا ينظرون إلى مابين السرة والركبة. ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدن زوجته غير أنه يكره له النظر إلى فرجها {أو نسائهن} يعني المؤمنات من أهل دينهن أراد به أن يجوز للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة ما بين السرة والركبة ولا يجوز للمرأة المؤمنة أن تتجرد من ثيابها عند الذمية أو الكافرة لأن الله تعالى قال أو نسائهن والذمية أو الكافرة ليست من نسائنا ولأنها أجنبية في الدين فكانت أبعد من الرجل الأجنبي كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات. وقيل يجوز كما يجوز أن تنكشف للمرأة المسلمة لأنها من جملة النساء {أو ما ملكت أيمانهن} قيل هو عبد المرأة فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفاً وأن ينظر إلى مولاته إلا ما بين السرة والركبة كالمحارم. وهو ظاهر القرآن يروى ذلك عن عائشة وأم سلمة: وروى أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أتى إلى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: إنه ليس عليكم بأس إنما هو أبوك وغلامك"تفسير : وقيل: هو كالأجنبي معها وهو قول سعيد بن المسيب. قال والمراد من الآية الإماء دون العبيد {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} قرىء غير بنصب الراء قال هو بمعنى الاستثناء ومعناه يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم فإنهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة وقرىء غير بالجر على نعت التابعين والإربة والأرب الحاجة والمراد بالتابعين غير أولي الأربة هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم لا همة لهم إلا ذلك ولا حاجة لهم في النساء وقال ابن عباس هو الأحمق العنين وقيل هو الذي لا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن وقيل هو المجبوب والخصي وقيل هو الشيخ الهرم الذي ذهبت شهوته وقيل هو المخنث (م) عن عائشة رضي الله عنها: قالت حديث : كان يدخل على أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم مخنث وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة قال: إذا أقبلت بأربع وإذا أدبرت بثمان فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ألا أرى هذا يعرف ما ها هنا لا يدخل عليكن هذا فاحجبوه تفسير : زاد أبو داود في رواية حديث : وأخرجوه إلى البيداء يدخل كل جمعة فيستطعم"تفسير : قوله أقبلت بأربع أي أن لها في بطنها أربع عكن فهي تقبل إذا أقبلت بها وأراد بالثمان أطراف العكن الأربع من الجانبين وذلك صفة لها بالسنون {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} أي لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع فيطلعوا عليها وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر وقيل لم يطيقوا أمر النساء وقيل لم يبلغوا حد الشهوة وقيل الطفولية اسم للصبي ما لم يحتلم {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} قيل كانت المرأة إذا مشت ضربت برجلها ليسمع صوت خلخالها أو يتبين خلخالها فنهين عن ذلك وقيل إن الرجل تغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال ويصير ذلك داعية له زائدة في مشاهدتهن وقد علل ذلك بقوله تعالى: {ليعلم ما يخفين من زينتهن} فنبه به على أن الذي لأجله نهى عنه أن يعلم به ما عليهن من الحلي غيره {وتوبوا إلى الله جميعاً} أي من التقصير الواقع في أمره ونهيه وراجعوا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السورة قيل إن أوامر الله ونواهيه في كل باب لا يقدر العبد الضعيف على مراعاتها وإن ضبط نفسه واجتهد فلا ينفك عن تقصير يقع منه فلذلك وصى المؤمنين بالتوبة والاستغفار ووعد بالفلاح إذا تابوا واستغفروا فذلك قوله تعالى {أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} (م) عن الأغر أغر مزينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : توبوا إلى ربكم فوالله إني لأتوب إلى ربي تبارك وتعالى مائة مرة في اليوم"تفسير : عن ابن عمر قال إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: "حديث : رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة"تفسير : أخرجه عبد الرحمن بن حميد الكشي (ق) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عله وسلم: "حديث : الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة"تفسير : (م) عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث: أن أسماء بنت مرشد كانت في نخل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير مؤتزرات، فيبدو ما في أرجلهن يعني الخلاخل، ويبدو صدورهن وذوائبهن فقالت أسماء: ما أقبح هذا...! فأنزل الله في ذلك {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن...} الآية. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله {ولا يبدين زينتهن} قال: الزينة. السوار، والدملج، والخلخال، والقرط، والقلادة، {إلا ما ظهر منها} قال: الثياب والجلباب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الزينة زينتان. زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج، فاما الزينة الظاهرة: فالثياب. وأما الزينة الباطنة: فالكحل، والسوار، والخاتم. ولفظ ابن جرير فالظاهرة منها: الثياب. وما يخفي: فالخلخالان، والقرطان، والسواران. وأخرج احمد والنسائي والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أيما امرأة استعطرت، فخرجت، فمرت على قوم فيجدوا ريحها، فهي زانية ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قال: الكحل، والخاتم. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قال: الكحل، والخاتم، والقرط، والقلادة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله {إلا ما ظهر منها } قال: هو خضاب الكف، والخاتم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إلا ما ظهر منها} قال: وجهها، وكفاها، والخاتم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إلا ما ظهر منها} قال: رقعة الوجه، وباطن الكف. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت: القلب، والفتخ، وضمت طرف كمها. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة في قوله {إلا ما ظهر منها} قال: الوجه، وثغرة النحر. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله {إلا ما ظهر منها} قال: الوجه، والكف. وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله {إلا ما ظهر منها} قال الكفان، والوجه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قال: المسكتان، والخاتم، والكحل قال قتادة: وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى ههنا ويقبض نصف الذراع ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن المسور بن مخرمة في قوله {إلا ما ظهر منها} قال: القلبين يعني السوار، والخاتم، والكحل. وأخرج سنيد وابن جرير عن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قال: الخاتم، والمسكة قال ابن جريج. وقالت عائشة رضي الله عنها: القلب والفتخة. قالت عائشة: دخلت على ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وأعرض فقالت عائشة رضي الله عنها: انها ابنة أخي وجارية فقال "حديث : إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها، وإلا ما دون هذا، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي والبيهقي في سننه عن"حديث : أم سلمة إنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة فقالت: بينا نحن عنده أقبل ابن أبي مكتوم، فدخل عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "احتجبا عنه فقالت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ فقال أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟!" ". تفسير : وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي عن عائشة: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال "حديث : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفه ". تفسير : وأخرج أبو داود في مراسيله عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل"تفسير : والله أعلم. وأخرج البخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عائشة قالت: رحم الله نساء المهاجرات الأول؛ لما أنزل الله {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} أخذ النساء أزُرَهُنَّ فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها. وأخرج ابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه عن عائشة قالت: لما نزلت هذه الآية {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} شققن أكتف مروطهن، فاختمرن به. وأخرج الحاكم وصححه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تختمر فقال: لية لا ليتين. وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة: ان نساء قريش لفضلى، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، أشد تصديقاً لكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته، وعلى ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله في كتابه، فاصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان. وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن عائشة: أن امرأة دخلت عليها وعليها خمار رقيق يشف جبينها، فأخذته عائشة فشقته ثم قالت: ألا تعلمين ما أنزل الله في سورة النور، فدعت لها بخمار فكستها اياه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {وليضربن} وليشددن {بخمرهن على جيوبهن} يعني النحر، والصدر، فلا يرى منه شيء. وأخرج أبو داود في الناسخ عن ابن عباس قال: في سورة النور {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن} وقال {يدنين عليهن من جلابيبهن} ثم استثنى فقال {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن....} والمتبرجات اللاتي يخرجن غير نحورهن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} والزينة الظاهرة. الوجه، وكحل العينين، وخضاب الكف، والخاتم، فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها ثم قال: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن...} والزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها، وقلادتها، وسوارها، فأما خلخالها، ومعضدها، ونحرها، وشعرها، فإنها لا تبديه إلا لزوجها. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {ولا يبدين زينتهن} يعني ولا يضعن الجلباب وهو القناع من فوق الخمار {إلا لبعولتهن أو آبائهن....} قال: فهو محرم. وكذلك العم، والخال {أو نسائهن} يعني نساء المؤمنات {أو ما ملكت أيمانهن} يعني عبد المرأة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} حتى فرغ منها قال: لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما، فلا تضع خمارها عند العم والخال. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس {أو نسائهن} قال: من المسلمات، لا تبديه ليهودية، ولا لنصرانية، وهو النحر، والقرط، والوشاح، وما حوله. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها أي لا تكون قابلة عند مشركة، ولا تقبلها لأن الله تعالى يقول {أو نسائهن} فلسن من نسائهن. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في سننه وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة أما بعد؛ فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {أو ما ملكت أيمانهن} يعني عبد المرأة لا يحل لها أن تضع جلبابها عند عبد زوجها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: لا بأس أن يرى العبد شعر سيدته. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: تضع المرأة الجلباب عند المملوك. وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب، إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك" ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأحمد عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا كان لإِحداكن مكاتب وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان العبيد يدخلون على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {أو ما ملكت أيمانهن} قال: في القراءة الأولى. الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن طاوس ومجاهد قال: لا ينظر المملوك لشعر سيدته قالا: وفي بعض القراءة (أو ما ملكت أيمانكم الذين لم يبلغوا الحلم). وأخرج عبد الرزاق عن عطاء أنه سئل: هل يرى غلام المرأة رأسها وقدمها؟ قال: ما أحب ذلك إلا أن يكون غلاماً يسراً، فأما رجل ذو لحية فلا. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: لا تغرنكم هذه الآية {أو ما ملكت أيمانهن} إنما عني بها الإِماء، ولم يعن بها العبيد. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: تستتر المرأة من غلامها. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله {أو التابعين غير أولي الإِربة من الرجال} قال: هو الذي لا يستحي منه النساء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {أو التابعين غير أولي الإِربة} قال: هذا الرجل يتبع القوم وهو مغفل في عقله، لا يكترث للنساء، ولا يشتهي النساء. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {أو التابعين غير أولي الإِربة من الرجال} قال: كان الرجل يتبع الرجل في الزمان الأول لا يغار عليه، ولا ترهب المرأة أن تضع خمارها عنده، وهو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن طاوس {غير أولي الإِربة} قال: هو الأحمق الذي ليس له في النساء أرب ولا حاجة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {غير أولي الإِربة} قال: هو الأبله الذي لا يعرف أمر النساء. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {غير أولي الإِربة} قال: هو المخنث الذي لا يقوم زبه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {غير أولي الإِربة من الرجال} قال: هو الشيخ الكبير الذي لا يطيق النساء. وأخرج عبد بن حميد {غير أولي الإِربة} هو العنين. وأخرج ابن المنذر عن الكلبي {غير أولي الإِربة} قال: هو الخصي والعنين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة قال هو الذي لا يقوم زبه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: هو المعتوه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الشعبي قال: هو الذي لم يبلغ أربه أن يطلع على عورات النساء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن عائشة قالت: حديث : كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولي الإِربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا أرى هذا يعرف ما ههنا لا يدخلن عليكم فحجبوه" ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: حديث : كان يدخل على أزاوج النبي صلى الله عليه وسلم هيت وإنما كن يعددنه من غير أولي الإِربة من الرجال، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو ينعت امرأة يقول: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أسمع هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم، فأخرجه فكان بالبيداء يدخل كل جمعة يستطعم . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} قال: هم الذين لا يدرون ما النساء من الصغر قبل الحلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} قال: الغلام الذي لم يحتلم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. والله أعلم. وأخرج ابن جرير عن حضرمي: أن امرأة اتخذت معرنين من فضة، واتخذت جزعاً فمرت على القوم، فضربت برجلها فوقع الخلخال على الجزع فصّوت، فأنزل الله {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ولا يضربن بأرجلهن} وهو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال، أو تكون على رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال. فنهى الله عن ذلك لأنه من عمل الشيطان. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {ولا يضربن بأرجلهن} قال: كانت المرأة تضرب برجلها ليسمع قعقعة الخلخال فيها، فنهى عن ذلك. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} قال: الخلخال. نهى أن تضرب برجلها ليسمع صوت الخلخال. وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة قال: كن نساء الجاهلية يلبسن الخلاخيل الصم، فأنزل الله هذه الآية {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: كانت المراة تمر على المجلس في رجلها الخرز، فإذا جاوزت المجلس ضربت برجلها، فنزلت {ولا يضربن بأرجلهن} . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن المرأة كانت يكون في رجلها الخلخال فيه الجلاجل، فإذا دخل عليها غريب تحرك رجلها عمداً ليسمع صوت الخلخال فقال: {ولا يضربن} يعني لا يحركن أرجلهن {ليعلم ما يخفين} يعني ليعلم الغريب إذا دخل عليها ما تخفي من زينتها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود {ليعلم ما يخفين من زينتهن} قال: الخلخال. وأخرج الترمذي عن ميمونة بنت سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ومسلم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن الأغر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يا أيها الناس توبوا إلى الله جميعاً فإني أتوب إليه كل يوم مائة مرة ". تفسير : وأخرج أحمد عن حذيفة قال: كان في لساني ذوب إلى أهلي فلم أعده إلى غيره فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : أين أنت من الاستغفار يا حذيفة؟ إني لاستغفر الله في كل يوم مائة مرة، وأتوب إليه ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: كم للمؤمنين من ستر؟ قال: هي أكثر من أن يحصى، ولكن المؤمن إذا عمل خطيئة هتك منها ستراً، فإذا تاب رجع إليه ذلك الستر، وتسعة معه وإذا لم يبق عليه منها شيء قال الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: "إن بني آدم يعيرون ولا يغفرون فحفوه بأجنحتكم، فيفعلون به ذلك، فإن تاب رجعت إليه الأستار كلها، وإذا لم يتب عجبت منه الملائكة فيقول الله لهم: اسلموه. فيسلموه حتى لا يستر منه عورة". وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن مغفل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الندم توبة ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن مسعود قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الندم توبة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه سئل: عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها فقال: أوّله سفاح، وآخره نكاح، وتوبتهما إلي جميعاً أحب من توبتهما إلي متفرقين، إن الله يقول {توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنين} .
ابو السعود
تفسير : {وَقُل لّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ} فلا ينظرن إلى ما لا يحلُّ لهنَّ النَّظرُ إليه {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} بالتَّسترِ أو التَّصونِ عن الزِّنا. وتقديمُ الغضِّ لأنَّ النَّظرَ بريدُ الزِّنا ورائدُ الفسادِ {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} كالحُليِّ وغيرِها ممَّا يُتزين بهِ وفيهِ من المبالغة في النَّهيِ عن إبداءِ مواضعِها ما لا يخفى {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} عند مُزاولةِ الأمورِ التي لا بُدَّ منها عادةً كالخاتمِ والكُحلِ والخضابِ ونحوها فإنَّ في سترِها حَرَجاً بـيناً. وقيلَ: المرادُ بالزِّينةِ مواضعُها على حذفِ المضافِ أو ما يعمُّ المحاسنَ الخَلقيةَ والتَّزينيةَ. والمُستثنى هو الوجهُ والكفَّانِ لأنَّها ليستْ بعورةٍ. {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} إرشادٌ إلى كيفيَّة إخفاءِ بعضِ مواضع الزِّينة بعد النَّهي عن إبدائِها. وقد كانتِ النِّساءُ على عادةِ الجاهليةِ يسدُلْن خُمرَهنَّ من خلفهنَّ فتبدُو نحورُهنَّ وقلائدهُنَّ من جيوبِهنَّ لوسعِها فأُمرن بإرسالِ خمرهنَّ إلى جيوبهنَّ ستراً لما يبدُو منها وقد ضُمِّن الضَّربُ معنى الإلقاءِ فعُدِّي بعَلَى. وقُرىء بكسرِ الجيمِ كما تقدَّم {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} كرر النهي لاستثناء بعضِ موادِّ الرُّخصةِ عنه باعتبار النَّاظرِ بعد ما استُثني عنه بعضُ موادِّ الضَّرورةِ باعتبارِ المنظُور {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} فإنَّهم المقصودون بالزِّينة ولهم أنْ ينظرُوا إلى جميع بدنهنَّ حتَّى الموضعِ المعهودِ {أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} لكثرةِ المخالطةِ الضَّروريَّةِ بـينهم وبـينهنَّ وقلة توقع الفتنةِ من قبلهم لما في طباعِ الفريقينِ من النَّفرة عن مماسة القرائبِ ولهم أنْ ينظرُوا منهنَّ ما يبدُو عند المهنةِ والخدمةِ. وعدمُ ذكرِ الأعمامِ والأخوالِ لما أنَّ الأحوطَ أنْ يتسترن عنهم حذاراً من أنْ يصفوهنَّ لأبنائهم {أَوْ نِسَائِهِنَّ} المختصَّات بهن بالصُّحبة والخدمةِ من حرائر المؤمناتِ فإنَّ الكوافرَ لا يتحرجنَّ عن وصفهنَّ للرِّجالِ. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ} أي من الإماءِ فإنَّ عبدَ المرأةِ بمنزلة الأجنبـيِّ منها. وقيل مِن الإماءِ والعَبـيدِ لما رُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى فاطمة رضي الله عنها بعبدٍ وهبه لها وعليها ثوبٌ إذا قنَّعتْ به رأسَها لم يبلغْ رجليها وإذا غطَّت رجليها لم يبلغْ رأسَها فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: « حديث : إنَّه ليس عليك بأسٌ إنَّما هو أبوكِ وغلامكِ » تفسير : {أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرّجَالِ} أي أولي الحاجةِ إلى النِّساء وهم الشُّيوخُ الهِمّ والممسوحون. وفي المجبوبِ والخَصيِّ خلافٌ، وقيل هُم البُله الذين يتتبعون النَّاس لفضل طعامِهم ولا يعرفون شيئاً من أمور النِّساء. وقُرىء غيرَ بالنَّصبِ على الحاليَّةِ {أَوِ ٱلطّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرٰتِ ٱلنّسَاء} لعدم تميـيزهم. من الظُّهور بمعنى الاطِّلاع أو لعدم بلوغهم حدَّ الشَّهوةِ، من الظُّهور بمعنى الغَلَبة. والطِّفلُ جنسٌ وُضع موضعَ الجمعِ اكتفاءً بدلالةِ الوصفِ. {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ} أي ما يخفينَه من الرؤيةِ {مِن زِينَتِهِنَّ} أي ولا يضربن بأرجلِهنَّ الأرضَ ليتقعقعَ خلخالهُنَّ فيُعلمَ أنهنَّ ذواتُ الخلخالِ فإنَّ ذلك ممَّا يُورث الرِّجالَ ميلاً إليهنَّ ويُوهم أنَّ لهنَّ ميلاً إيهم. وفي النَّهيِ عن إبداء صوتِ الحُلى بعد النَّهي عن إبداءِ عينها من المبالغةِ في الزَّجرِ عن إبداءِ مواضعها ما لا يخفى {وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً} تلوينٌ للخطابِ وصرفٌ له عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى الكُلِّ بطريق التَّغليبِ لإبراز كمال العنايةِ بما في حيِّزه من أمرِ النوبةِ وأنَّها من معظمات المهمَّاتِ الحقيقيَّةِ بأنْ يكونَ سبحانَهُ وتعالى هو الآمرَ بها لما أنَّه لا يكادُ يخلُو أحدٌ من المكلَّفين عن نوعِ تفريطٍ في إقامة مواجبِ التَّكاليفِ كما ينبغي. وناهيك بقوله عليه السَّلامُ "حديث : شيَّبتني سورةُ هودٍ" تفسير : لما فيها من قولهِ عزَّ وجلَّ {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } تفسير : [هود: 112] لا سيَّما إذا كانَ المأمورُ به الكفَّ عن الشَّهواتِ. وقيل توبُوا عمَّا كنتُم تفعلونَه في الجاهليَّةِ فإنَّه وإنْ جُبَّ بالإسلامِ لكن يُجبُّ بالندمِ عليه والعزمِ على تركهِ كلَّما خطرَ ببالهِ. وفي تكرير الخطابِ بقوله تعالى: {أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تأكيدٌ للإيجاب وإيذانٌ بأنَّ وصفَ الإيمانِ موجبٌ للامتثال حتماً. وقُرىء أيّهُ المؤمنون {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفوزونَ بذلكَ بسعادةِ الدَّارينِ.
التستري
تفسير : قوله:{وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}[31] قيل: ما التوبة؟ قال: أن تبدل بدل الجهل العلم وبدل النسيان الذكر وبدل المعصية الطاعة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [الآية: 31]. قال الحسين: زينة الدنيا، وما فيها بالنسيان، والتأويل والشهوة، والنفس، والعدو، وأشباه ذلك فهذه زينة الدنيا فلا يبدين، ولا يخفين شيئًا من هذه الأحوال إلا ما ظهر منها على حد الغفلة. قال بعضهم: الحكمة فى هذه الآية لأهل المعرفة أنه من أظهر شيئًا من أفعاله إلا ما ظهر عليه من غير قصد له فيه فقد سقط به عن رؤية الحق لأن ما وقع عليه رؤية الخلق ساقط عن رؤية الحق. وقال بعضهم: أزين زينة تزين بن العبد للطاعة فإذا أظهرها فقد ذهبت زينتها. قوله تعالى: {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً} [الآية: 31]. قال الواسطى رحمه الله: التوبة عدم المألوفات أجمع. وقال بعضهم: التوبة قتل النفس عن الشهوات وملازمة الندم خوفًا من فوت الحظ. قال بعضهم: التوبة هى التى تورث صاحبها الفلاح عاجلاً وآجلاً. قال الله تعالى: {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. قال يوسف: من طلب الفلاح، والسلامة، والنجاة، والاستقامة فليطلبه فى تصحيح توبته، ودوام تضرعه وإنابته فإن فى تصحيح التوبة تحقيق الإيمان والوصول إلى حقيقة المعرفة. قال الله تعالى {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً ... } الآية.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}. المطالبةُ عليهن كالمطالبة على الرجال لشمولِ التكليف للجنسين، فالواجبُ عليهن تركُ المحظوراتِ، والندبُ والنَّفْلُ لهن صونُ القلب عن الشواغل والخواطر الردية، ثم إنِ ارتّقَيْنَ عن هذه الحالة فالتعامي بقلوبهن عن غيرِ المعبود، والله يختص برحمته من يشاء. قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: ما أباح الله - سبحانه - على بيان مسائل الفقه فمُستثنى من الحظرِ، وما وراء ذلك فالواجبُ عليهن حفظُ أنفسهن عن العقوبات في الآجل، والتصاون عن أن يكون سبباً لفتنة قلوب عباده. والله سبحانه كما يحفظ أولياءه عما يضرهم في الدِّين يصونهم عما يكون سبباً لفتنة غيرهم، فإن لم يتصل منهم نفعٌ بالخَلْقِ فلا تصيبُ أحداً بهم فتنةٌ. وفي الجملةِ ما فيه زينة العبد لا يجوز إظهاره؛ فكما أنَّ لِلنساءِ عورةً ولا يجوز لهن إبداء زينتهن فكذلك مَنْ أظهر للخَلْق ما هو زينة سرائره من صفاء أحواله، وزكاء أعماله انقلب زَيْنُه شَيْناً، إلا إذا ظهر على أحدٍ شيءٌ - لا بتعمله ولا بتكلُّفه - فذلك مستثنىً لأنه غير مُؤاخَذٍ بما لم يكن بتصرفه وتكلفه، فذوات المحارم على تفصيل بيان الشريعة يُسْتَثْنَى حُكْمُهن عن الحَظُر. قوله جل ذكره: {أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ}. تُراعى في جميع ذلك آدابُ الشرع في الإباحة والحظر. قوله جل ذكره: {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. التوبةُ الرجوعُ عن المذموماتِ من الأفعال إلى أضدادها المحمودة، وجميع المؤمنين مأمورون بالتوبة، فتوبةٌ عن الزَّلَّةِ وهي توبة العوام، وتوبة عن الغفلة وهي توبة الخواص.. وتوبةٌ على محاذرة العقوبة، وتوبةٌ على ملاحظة الأمر. ويقال أمَر الكافة بالتوبةِ؛ العاصين بالرجوع إلى الطاعة من المعصية، والمطيعين من رؤية الطاعة إلى رؤية التوفيق، وخاصَّ الخاصِّ من رؤية التوفيق إلى مشاهدة الموفِّق. ويقال أمَر الكافة بالتوبة لئلا يخجلَ العاصي من الرجوع بانفراده. ويقال مساعدة الأقوياء مع الضعفاء - رِفْقاً بهم - من أمارات الكَرَمِ. ويقال في قوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يتبين أنَّه أمَرَهم بالتوبة لينتفعوا هم بذلك، لا ليكون للحقِّ - سبحانه - بتوبتهم وطاعتهم تجمُّلٌ. ويقال أحوجُ الناس إلى التوبة مَنْ تَوَهَّمَ أنَّه ليس يحتاج إلى التوبة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} فيه استشهاد على ان لا يجوز للعارفين ان يبدو زينة حقائق معرفتهم وما يكشف الله لهم من عالم الملكوت وانوار الذات والصفات ولا المواجيد الا ما ظهر منهم بالغلبات الشطح والاشارات المشكلة وهذه الاحوال اشرف زينة للعارفين قال بعضهم زين ما تزين به العبد الطاعة فاذا اظهرها فقد ذهبت زينتها وقال بعضهم الحكمة وفى هذه الأية لاهل المعرفة ان من اظهر شيئا من افعاله الا ما ظهر عليه من غير قصد له فقد سقط به عن رؤية احق لان ما وقع عليه رؤية الخلق ساقط عن رؤية الحق قوله تعالى {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} قرن التوبة بالايمان ثم قرنها بالفلاح معناه من رجع الى الله من نفسه والاكوان وشاهد مشاهد الربوبية فاز من عذاب الفرقة وظهر بالمشاهدة والاستقامة فليطلبه فى تصحيح توبته ودوام تضرعه وانابته فان تصحيح الثوبة تحقيق الايمان والوصول الى حقيقة المعرفة قال الله توبوا الى الله جميعا وقد وقع لى ههنا اشارة لطيفة ان الله سبحانه طالبا المؤمنين جميعا بالتوبة ومن أمن بالله وترك الشرك فقد تاب وصح توبته ورجوعه الى الله وان خطر عليه خاطر او جرى عليه معصية فهم فى حيز التوبة فان المؤمن اذا جرى عليه معصية ضاق صدره واهتم قلبه وقدم روحه ورجع سره هذا للعلوم والاشارة فى الخصوص ان الجميع محجوبون اصل النكرة وما وجدوا به من القربة وسكنوا بمقاماتهم ومشاهداتهم ومعرفتهم توحيدهم اى انتم بعد فى حجاب هذه المقامات تبوا منها اليّ فان رؤيتها اعظم الشرك فى المعرفة لان من ظن انه واصل وليس له حاصل من معرفة وجوده وكنه جلال عزته فمن هذا وجب التوبة عليهم فى جميع الانفاس لذلك هجم حبيب الله فى بحر الفناء وقال انه ليعان على قلبى وانى لاستغفر الله فى كل يوم مائة مرة وسمعت ان الخضروية قال لابى يزيد اريد ان اتوب ولا اقدر فقال ويحك العزة لله وانت تطلب العزة --- ان عقيب كل توبة توبة حتى تتوب من التوبة وتقع فى بحر الفناء من غلبة رؤية القدم والبقاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن} فلا ينظرن الى مالا يحل لهن النظر اليه من الرجل وهى العورة عند ابى حنيفة واحمد وعند مالك ماعدا الوجه والاطراف والاصح من مذهب الشافعى انها لاتنظر اليه كما لا ينظر هو اليها {ويحفظن فروجهن} بالتصون عن الزنى او بالتستر ولا خلاف بين الائمة فى وجوب ستر العورة عن اعين الناس، واختلفوا فى العورة ماهى فقال ابو حنيفة عورة الرجل ما تحت سرته الى ركبته والركبة عورة، وفى نصاب الاحتساب من لم يستر الركبة ينكر عليه برفق لان فى كونها عورة اختلافا مشهورا ومن لم يستر الفخذ يعنف عليه ولا يضرب لان فى كونها عورة خلاف بعض اهل الحديث ومن لم يستر السوءة يؤدب اذ لاخلاف فى كونهاعورة عن كراهية الهداية انتهى ومثل الرجل الامة وبالاولى بطنها وظهرها لانه موضع مشتهى والمكاتبة وام الولد والمدبرة كالامة وجميع الحرة عورة الا وجهها وكفيها والصحيح عنده ان قدميها عورة خارج الصلاة لا فى الصلاة وقال مالك عورة الرجل فرجاه وفخذاه والامة مثله وكذا المدبرة والمعتقة الى اجل والحرة كلها عورة الا وجهها ويديها ويستحب عنده لام الولد ان تستر من جسدها ما يجب على الحرة ستره والمكاتبة مثلها وقال الشافعى واحمد عورة الرجل مابين السرة والركبة وليست الركبة من العورة وكذا الامة والمكاتبة وام الولد والمدبرة والمعتق بعضها والحرة كلها عورة سوى الوجه والكفين عند الشافعى وعند احمد سوى الوجه فقط على الصحيح واما سرة الرجل فليست من العورة بالاتفاق كذا فى فتح الرحمن وتقديم الغض لان النظر يريد الزنى ورائد الفساد يعنى ان الله تعالى قرن النهى عن النظر الى المحارم بذكر حفظ الفرج تنبيها على عظم خطر النظر فانه يدعو الى الاقدام على الفعل وفى الحديث "حديث : النظر سهم من سهام ابليس"تفسير : قيل من ارسل طرفه اقتنص حتفه: وفى المثنوى شعر : كرزناى جشم حظى مى برى نى كباب ازبهلوى خود مى خورى اين نظر ازدور جون تيرست وسم عشقت افزون مى شود صبرتوكم تفسير : {ولا يبدين زينتهن} فضلا عن ابداء مواقعها يقال بدا الشىء بدوا وبدوّا اى ظهر ظهورا بينا وابدى اى اظهر {الا ما ظهر منها} [مكر آنجه ظاهر شود ازان زينت بوقت ساختن كارها جون خاتم واطراف ثياب وكحل درعين وخضاب در كف] فان فى سترها حرجابينا، قال ابن الشيخ الزينة ما تزينت به المرأة من حلى او كحل او ثوب او صيغ فما كان منها ظاهرا كالخاتم والفتخة وهى مالا فص فيه من الخاتم والكحل والصبغ فلا بأس بابدائه للاجانب بشرط الامن من الشهوة وما خفى منها كالسوار والدملج وهى خلقة تحملها المرأة على عضدها والوشاح والقرط فلا يحل لها ابداؤها الا للمذكورات فيما بعد بقوله {الا لبعولتهن} الآية. وفى التأويلات النجمية يشير الى كتمان مازين الله به سرائرهم من صفاء الاحوال وزكاء الاعمال فانه بالاظهار ينقلب الزين شينا الا ما ظهر منها واردحق او يظهر على احد منهم نوع كرامة بلا تعملة وتكلفه فذلك مستنثى لانه غير مؤاخذ بما لم يكن بتصرفه وتكلفه انتهى، قال فى حقائق البقلى فيه استشهاد على انه لا يجوز للعارفين ان يبدوا زينة حقائق معرفتهم وما يكشف الله لهم من عالم الملكوت وانوار الذات والصفات ولا المواجيد الا ماظهر منها بالغلبات من الشهقات والزعقات والاصفرار والاحمرار وما يجرى على ألسنتهم بغير اختيارهم من كلمات السطح والاشارات المشاكلة وهذه الاحوال اشرف زينة للعارفين، قال بعضهم ازين ما تزين به العبد الطاعة فاذا اظهرها فقد ذهبت زينتها، وقال بعضهم الحكمة فى هذه الآية لاهل المعرفة انه من اظهر شيئا من افعاله الا ما ظهر عليه من غير قصد له فيه سقط به عن رؤية الحق لان من وقع عليه رؤية الخلق ساقط عن رؤية الحق: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : همان به كر آبستن كوهرى كه همجون صدف سربخود دربرى تفسير : وفى المثنوى شعر : داند وبوشد بامر ذى الجلال كه نباشد كشف را ازحق حلال سر غيب آنرا سزد آموختن كه زكفتن لب تواند دوختن تفسير : {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} ضمن الضرب معنى الالقاء ولذا عدى بعلى. والخمر جمع خمار وهو ما تغطى به المرأة رأسها وتسترها وما ليس بهذه الصفة فليس بخمار، قال فى المفردات اصل الخمر ستر الشىء ويقال لما يستر به خمار لكن الخمار صار فى التعارف اسما لما تغطى به المرأة رأسها. والجيوب جمع جيب وهو ماجيب من القميص اى قطع لادخال الرأس. والمعنى وليلقين مقانعهن على جويبهن ليسترن بذلك شعورهن وقروطهن واعناقهن عن الاجانب: وبالفارسية [وبايدكه فرو كذارند مقنعهاى خودرا بركريبانهاى خويش يعنى كردن خودرا بمقنعة بيوشند تاشوى وبنا كوش وكردن وسينه ايشان بوشيده ماند]، وفيه دليل على ان صدر المرأة ونحرها عورة لايجوز للاجنبى النظر اليها {ولا يبدين زينتهن} اى الزينة الخفية كالسوار والدملج والوشاح والقرط ونحوها فضلا عن ابداء مواقعها كرره لبيان من يحل له الابداء ومن لايحل له، وقال ابو الليث لا يظهرن مواضع زينتهن وهو الصدر والساق والساعد والرأس لان الصدر موضع الوشاح والساق موضع الخلخال والساعد موضع السوار والرأس موضع الاكليل فقد ذكر الزانية وارد بها موضع الزينة انتهى {الا لبعولتهن}، قال فى المفردات البعل هو الذكر من الزوجين وجمعه بعولة كفحل وفحولة انتهى الا لازواجهن فانهم المقصودون بالزينة ولهم ان ينظروا الى جميع بدنهن حتى الموضع المعهود خصوصا اذا كان النظر لتقوية الشهوة الا انه يكره له النظر الى الفرج بالاتفاق حتى الى فرج نفسه لانه يروى انه يورث الطمس والعمى وفى كلام عائشة رضى الله عنها ما رأى منى ولا رأيت منه اى العورة، قال فى النصاب اى الزينة الباطنة يجوز ابداؤها لزوجها وذلك لاستدعائه اليها ورغبة فيها ولذلك لعن رسول الله عليه السلام السلقاء والمرهاء فالسلقاء التى لا تختضب والمرهاء التى لا تكتحل {او ءابائهن} والجد فى حكم الاب {او آباء بعولتهن} [يابدران شوهران خويش كه ايشان حكم آباء دارند] {أو ابنائهن} [يابسران خويش وبسر بسر هرجندبا شد درين داخلست] {أو ابناء بعولتهن} [يابسران شوهران خودجه ايشان درحكم بسرانندمر زنرا] {أو اخوانهن} [يابسران برادران خودكه حكم برادران دارند] {او بنى اخوانهن} [ياسران برادران خود] {او بنى اخواتهن} [يابسران خواهران خود واينها جماعتى اندكه نكاح زن با ايشان روانيست كه] والعلة كثرة المخالطة الضرورية بينهم وبينهن وقلة توقع الفتنة من قبلهم لما فى طباع الفريقين من النفرة عن مماسة القرائب ولهم ان ينظروا منهن الى ما يبدو عند الخدمة، قال فى فتح الرحمن فيجوز لجميع المذكورين عند الشافعى النظر الى الزينة الباطنة سوى ما بين السرة والركبة الاالزوج فيباح له مابينهما، وعند مالك ينظرون الى الوجه والاطراف، وعند ابى حنيفة ينظرون الى الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين ولا ينظرون الى ظهرها وبطنها وفخذها، وعند احمد ينظرون الى ما يظهر غالبا كوجه ورقبة ويد وقدم ورأس وساق، قال ابو الليث النظر الى النساء على اربع مراتب فى وجه يجوز النظر الى جميع اعضائهن وهو النظر الى زوجته وامته وفى وجه يجوز النظر الى الوجه والكفين وهو النظر الى المرأة التى لاتكون محرماله ويأمن كل واحد منهما على نفسه فلا بأس بالنظر عند الحاجة وفى وجه يجوز النظر الى الصدر والرأس الساق والساعد هو النظر الى امرأة ذى رحم او ذات رحم محرم مثل الام والاخت والعمة والخالة وامرأة الاب وامرأة الابن وام المرأة سواء كان من قبل الرضاع او من قبل النسب وفى وجه لا يجوز النظر الى شىء وهو ان يخاف ان يقع فى الاثم اذا نظر انتهى وعدم ذكر الاعمام والاخوال لما ان الاحوط ان يتسترن عنهم حذرا من ان يصفوهن لابنائهم فان تصور الابناء لها بالوصف كنظرهم اليها {او نسائهن} المختصات بهن بالصحبة والخدمة من حرائر المؤمنات فان الكوافر لا يتأثمن عن وصفهن للرجال فيكون تصور الاجانب اياها بمنزلة نظرهم اليها فان وصف مواقع زين المؤمنات للرجال الاجانب معدود من جملة الآثام عند المؤمنات فالمراد بنسائهن نساء اهل دينهن وهذا قول اكثر السلف، قال الامام قول السلف محمول على الاستحباب والمذهب ان المراد بقوله {او نسائهن} جميع النساء. يقول الفقير اكثر التفاسير المعتبرة مشحون بقول السلف فانه جعلوا المرأة اليهودية والنصراينة والمجوسية والوثنية فى حكم الرجل الاجنبى فمنعوا المسلمة من كشف بدنها عندهن الا ان تكون امة لها كما منعوها من التجرد عند الاجانب والظاهر ان العلة فى المنع شيآن عدم المجانسة دينا فان الايمان والكفر فرق بينهما وعدم الامن من الوصف المذكور فلزم اجتناب العفائف عن الفواسق وصحبتها والتجرد عندها. ولذا منع المناكحة بين اهل السنة وبين اهل الاعتزال كما فى مجمع الفتاوى وذلك لان اختلاف العقائد والاوصاف كالتباين فى الدين والذات واصلح الله نساء الزمان فان غالب اخلاقهن كاخلاق الكوافر فكيف تجتمع بهن وبالكوافر فى الحمام ونحوه من كانت بصدد العفة والتقوى. وكتب عمر رضى الله عنه الى ابى عبيدة ان يمنع الكتابيات من دخول الحمامات مع المسلمات {او ما ملكت ايمانهن} اى من الاماء فان عبد المرأة بمنزلة الاجنبى منها خصيا كان او فحلا وهو قول ابى حنيفة رحمه الله وعليه عامة العلماء فلا يجوز لها الحج ولا السفر معه وان جاز رؤيته اياها اذا وجد الامن من الشهوة، وقال ابن الشيخ فان قيل ما الفائدة فى تخصيص الاماء بالذكر بعد قوله {او نسائهن} فالجواب والله اعلم انه تعالى لما قال او نسائهن دل ذلك على ان المرأة لايحل لها ان تبدى زينتها للكافرات سواء كن حرائر او اماء لغيرها او لنفسها فلما قال {او ما ملكت ايمانهن} مطلقا اى مؤمنات كن او مشركات علم انه يحل للامة ان تنظر الى زنية سيدتها مسلمة كانت الامة او كافرة لما فى كشف مواضع الزينة الباطنة لامتها الكافرة فى احوال استخدامها اياها من الضرورة التى لا تخفى ففارقت الحرة الكافرة بذلك {او التابعين غير اولى الاربة من الرجال} الا ربة الحاجة اى الرجال الذين هم اتباع اهل البيت لاحاجة لهم فى النساء هم الشيوخ الاهمام والممسوخون بالخاء المعجمة وهم الذين حولت قوتهم واعضاؤهم عن سلامتها الاصلية الى الحالة المنافية لها المانعة من ان تكون لهم حاجة فى النساء وان يكون لهن حاجة فيهم ويقال للممسوخ المخنث وهو الذى فى اعضائه لين وفى لسانه تكسر باصل الخلقة فلا يشتهى النساء وفى المجبوب والخصى خلاف والمجبوب من قطع ذكره وخصيتاه معا من الجب وهو القطع والخصى من قطع خصيتاه والمختار ان الخصى والمجبوب والعنين فى حرمة النظر كغيرهم من الفحولة لانهم يشتهون ويشتهون وان لم تساعد لهم الآلة: يعنى [ايشانرا آرزوى مباشرت هست غايتش آنكه توانايى بران نيست]، قال بعضهم قوله تعالى {أية : قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم}تفسير : محكم وقوله {والتابعين} مجمل والعمل بالمحكم اولى فلا رخصة للمذكورين من الخصى ونحوه فى النظر الى محاسن النساء وان لم يكن هناك احتمال الفتنة، وفى الكشاف لا يحل امساك الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم ولم ينقل عن احد من السلف امساكهم انتهى، وفى النصاب قرأت فى بعض الكتب ان معاوية دخل على النساء ومعه خصى محبوب فنفرت منه امرأة فقال معاوية انما هو بمنزلة امرأة فقالت أترى ان المثلة به قد احلت ما حرم الله من النظر فتعجب من فطنتها وفقهها انتهى، وفى البستان انه لايجوز خصاء بنى آدم لانه لامنفعه فيه لانه لايجوز للخصى ان ينظر الى النساء كما لايجوز للفحل بخلاف خصاء سائر الحيوانات ألا ترى ان خصى الغنم اطيب لحما واكثر شحما وقس عليه غيره {او الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} لعدم تمييزهم من الظهور بمعنى الاطلاع او لعدم بلوغهم حد الشهوة ومن الظهور بمعنى الغلبة والقدرة: وبالفارسية [تمييز ندارند وازحال مباشرت بى خبرند با آنكه قادر نيستند براتيان زنان يعنى بالغ نشده وبحد شهوت نرسيده] والطفل جنس وضع موضع الجمع اكتفاء بدلالة الوصف كالعدو فى قوله تعالى {أية : فانهم عدو لى}،تفسير : قال فى المفردات الطفل الولد مادام ناعما والطفيلى رجل معروف بحضور الدعوات، وفى تفسير الفاتحة للمولى الفنارى حد الطفل من اول ما يولد الى ان يستهل صارخا الى انقضاء ستة اعوام انتهى. والعورة سوءة الانسان وذلك كناية واصلها من العار وذلك لما يلحق فى ظهورها من العار اى المذمة ولذلك سمى النساء عورة من ذلك العوراء اى الكلمة القبيحة كما فى المفردات، قال فى فتح القريب العورة كل ما يستحيى منه اذا ظهر وفى الحديث "حديث : المرأة عورة جعلها نفسها عورة لانها اذا ظهرت يستحيى منها كما يستحى من العورة اذا ظهرت"تفسير : ، قال اهل اللغة سميت العورة عورة لقبح ظهروها ولغض الابصار عنها مأخوذة من العور وهو النقص والعيب والقبح ومنه عور العين، يقول الفقير يفهم من عبارة الطفل ان التقوى منع الصبيان حضرة النساء بعد سبع سنين فان ابن السبع وان لم يكن فى حد الشهوة لكنه فى حد التمييز مع ابن بعض من لم يبلغ حد الحلم مشتهى فلا خير فى مخالطة النساء، وفى ملتقط الناصرى الغلام اذا بلغ مبلغ الرجال ولم يكن صبيحا فحكمه حكم الرجال وان كان صبيحا فحكمه حكم النساء وهو عودة من قرنه الى قدمه يعنى لا يحل النظر اليه عن شهوة. فاما السلام والنظر لا عن شهوة فلا بأس به ولهذا لم يؤمر بالنقاب ـ حكى ـ ان واحدا من العلماء مات فرؤى فى المنام وقد اسود وجهه فسئل عن ذلك فقال رأيت غلاما فى موضع كذا فنظر اليه فاحترق وجهى فى النار، قال القاضى سمعت الامام يقول ان مع كل امرأة شيطانين ومع غلام ثمانية عشر شيطانا. ويكره مجالسة الاحداث والصبيان والسفهاء لانه يذهب بالمهابة كما فى البستان، قال فى انوار المشارق يحرم على الرجل النظر الى وجه الامرد اذا كان حسن الصورة سواء نظر بشهوة ام لا وسواء امن من الفتنة ام خافها ويجب على من فى الحمام ان يصون نظره ويده وغيرهما عن عورة غيره وان يصون عورته عن نظر غيره ويجب الانكار على كاشف العورة {ولايضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين} اى يخفينه من الرؤية {من زينتهن} اى لايضربن بارجلهن الارض ليتقعقع خلخالهن فيعلم انهن ذوات خلخال فان ذلك مما يورث الرجال ميلا اليهن ويوهم ان لهن ميلا اليهم واذا كان اسماع صوت خلخالها للاجانب حراما كان رفع صوتها بحيث يسمع الاجانب كلامها حراما بطريق الاولى لان صوت نفسها اقرب الى الفتنة من صوت خلخالها ولذلك كرهوا اذان النساء لانه يحتاج فيه الى رفع الصوت، يقول الفقير وبهذا القياس الخفى ينجلى امر النساء فى باب الذكر الجهرى فى بعض البلاد فان الجمعية والجهر فى حقهن مما يمنع عنه جدا وهن مرتكبات للاثم العظيم بذلك اذ لو استحب الجمعية والجهر فى حقهن لاستحب فى حق الصلاة والاذان والتلبية، قال فى نصاب الاحتساب ومما يحتسب على النساء اتخاذ الجلاجل فى ارجلهن لان اتخاذ الجلاجل فى رجل الصغير مكروه ففى المرأة البالغة اشد كراهة لانه مبنى حالهن على التستر {وتوبوا الى الله جميعا ايها المؤمنون} اذ لا يكاد يخلوا احدكم من تفريط فى امره ونهيه سيما فى الكف عن الشهوات. وجميعا حال من فاعل توبوا اى حال كونكم مجتمعين: وبالفارسية [همه شما] وايها المؤمنون تأكيد للايجاب وايذان بان وصف الايمان موجب للامتثال حتما، وفى هذه الآية دليل على ان الذنب لا يخرج العبد من الايمان لانه قال {ايها المؤمنون} بعدما امر بالتوبة التى تتعلق بالذنب {لعلكم تفلحون} تفوزون بسعادة الدارين وصى الله تعالى جميع المؤمنين بالتوبة والاستغفار لان العبد الضعيف لاينفك عن تقصير يقع منه وان اجتهد فى رعاية تكاليف الله تعالى، اما قشيرى رحمه الله تعالى [فرموده كه محتاجتر بتوبه آنكس است كه خودرا محتاج توبة نداند، در كشف الاسرار آورده كه همه را ازمطيع وعاصى بتوبه امر فرمود تاعاصى خجل زده نشود جه اكر فرمودى كه اى كنهكاران شما توبه كنيد موجب رسوايى ايشان شدى جون دردنيا ايشانرا رسو نمى خواهند اميدهست كه درعقبى هم رسوانكند] شعر : جو رسوا نكردى بجندين خطا درين عالمم بيش شاه وكدا دارن عالمم هم برخاص وعام بيامرز ورسوا مكن السلام تفسير : قال فى التأويلات النجمية يشير الى ان التوبة كما هى واجبة على المبتدىء من ذنوب مثله كذلك لازمة للمتوسط والمنتهى فان حسنات الابرار سيآت المقربين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : توبوا الى الله جميعا فانى اتوب اليه فى كل يوم مائة مرة"تفسير : فتوبة المبتدىء من المحرمات وتوبة المتوسط من زوائد المحللات وتوبة المنتهى بالاعراض عما سوى الله بكليته والاقبال على الله بكليته {لعلكم تفلحون} ففلاح المبتدىء من النار الى الجنة والمتوسط من ارض الجنة الى اعلى عليين مقامات القرب ودرجاتها والمنتهى من حبس الوجود المجازى الى الوجود الحقيقى ومن ظلمة الخلقية الى نور الربوبية: وفى المثنوى شعر : جون تجلى كرد اوصاف قديم بس بسوزد وصف حادث راكليم قرب نى بالاوبستى رفتن است قرب حق ازحبس هستى رستن است تفسير : قال بعض الكبار ان الله تعالى طالب المؤمنين جميعا بالتوبة ومن آمن بالله وترك الشرك فقد تاب وصحت توبته ورجوعه الى الله وان خطر عليه خاطرا او جرى عليه معصية فى حين التوبة فان المؤمن اذا جرى عليه معصية ضاق صدره واهتم قلبه وندم روحه ورجع سره هذا للعموم والاشارة فى الخصوص ان الجميع محجوبون باصل النكرة وماوجدوا منه من القربة وسكنوا بمقاماتهم ومشاهداتهم ومعرفتهم وتوحيدهم اى انتم فى حجب هذا المقام توبوا منها الىّ فان رؤيتها اعظم الشرك فى المعرفة لان من ظن انه واصل فليس له حاصل من معرفة وجوده وكنه جلال عزته فمن هذا اوجب التوبة عليهم فى جميع الانفاس لذلك هجم حبيب الله فى بحر الفناء وقال "حديث : انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله فى كل يوم مائة مرة"تفسير : ففهم ان عقيب كل توبة توبة حتى تتوب من التوبة وتقع فى بحر الفناء من غلبة رؤية القدم والبقاء اللهم اجعلنا فانين باقين.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وابو بكر عن عاصم وابو جعفر {غير أولي الأربة} نصباً. الباقون بالجر. وقرأ ابن عامر {أيه المؤمنون} بضم الهاء، ومثله {أية : يا أيه الساحر} تفسير : و {أية : أيه الثقلان}. تفسير : الباقون {أيها} بفتح الهاء مع الالف فيها. وكلهم وقف بلا الف إلا الكسائي، واهل البصرة والزبيبي من طريق العطار، والمالكي، فانهم وقفوا بالف. قال ابو علي: الوقف بالالف أجود، لانها سقطت فى الوصل لاجتماع الساكنين. لما امر الله تعالى الرجال المؤمنين في الآية الأولى بغض أبصارهم عن عورات النساء، وامرهم بحفظ فروجهم عن ارتكاب الحرام، أمر المؤمنات فى هذه الآية ايضاً من النساء بغض أبصارهن عن عورات الرجال، وما لا يحل النظر اليه. وامرهن ان يحفظن فروجهن إلا عن ازواجهن على ما اباحه الله لهم، ويحفظن ايضاً اظهارها بحيث ينظر اليها، ونهاهن عن إبداء زينتهن إلا ما ظهر منها. قال ابن عباس: يعني القرطين والقلادة والسوار والخلخال والمعضد والمنحر، فانه يجوز لها إظهار ذلك لغير الزوج، فاما الشعر فلا يجوز ان تبديه إلا لزوجها. والزينة المنهي عن إبدائها زينتان، فالظاهرة الثياب، والخفية الخلخال، والقرطان والسوار - فى قول ابن مسعود - وقال ابراهيم: الظاهر الذي ابيح الثياب فقط. وعن ابن عباس - في رواية أخرى - أن الذي ابيح الكحل والخاتم والحذاء والخضاب فى الكف. وقال قتادة: الحذاء والسوار والخاتم. وقال عطاء: الكفان والوجه. وقال الحسن: الوجه والثياب. وقال قوم: كلما ليس بعورة يجوز اظهاره. واجمعوا أن الوجه والكفين ليسا بعورة، لجواز اظهارها في الصلاة، والاحوط قول ابن مسعود، والحسن بعده. وقوله {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} فالخمار غطاء رأس المرأة المنسبل على جبينها وجمعه خمر، وقال الجبائي: هي المقانع. ثم كرر النهي عن اظهار الزينة تأكيداً وتغليظاً واستثنى من ذلك: الأزواج وآباء النساء. وإن علوا، وآباء الازواج وابنائهم، أو اخوانهن وبني أخوانهن أو بني اخواتهن، أو نسائهن يعني نساء المؤمنين دون نساء المشركين إلا اذا كانت أمة وهو معنى قوله {أو ما ملكت أيمانهن} أي من الاماء - في قول ابن جريج - فانه لا باس باظهار الزينة لهؤلاء المذكورين، لانهم محارم. وقوله {أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال} قال ابن عباس: هو الذي يتبعك ليصيب من طعامك ولا حاجة له في النساء، وهو الأبله. وبه قال قتادة وسعيد بن جبير وعطاء. وقال مجاهد: هو الطفل الذي لا أرب له فى النساء لصغره. وقيل: هو العنين، ذكره عكرمة، والشعبي. وقيل: هو المجبوب. وقيل: هو الشيخ الهم. والاربة الحاجة، وهي فعلة من الارب، كالمشية من المشي، والجلسة من الجلوس. وقد أربت لكذا آرب له أرباً إذا احتجت اليه، ومنه الأربة - بضم الالف - العقدة، لان ما يحتاج اليه من الامور يقتضي العقدة عليه، ولان الحاجة كالعقدة حتى تنحل بسد الخلة، ولان العقدة التي تمنع من المنفعة يحتاج الى حلها، ولان العقدة عمدة الحاجة. وقوله {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} يعني الصغار الذين لم يراهقوا، فانه يجوز إبداء الزينة لهم. وقوله {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} معناه لا تضرب إمرأة برجلها، ليعلم صوت الخلخال في رجلها، كما كان يفعله نساء أهل الجاهلية. وذلك يدل على ان إظهار الخلخال لا يجوز. ثم أمر الله تعالى المكلفين، فقال {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} أي لتفوزوا بثواب الجنة. ومن نصب (غير) يجوز أن يكون على الاستثناء، ويجوز أن يكون على الحال. ومن كسر جعله نعتاً لـ "التابعين، غير" وإن لم يوصف به المعارف، فانما المراد بـ {التابعين} ليس بمعين. وابن عامر انما ضم الهاء ووقف بلا ألف فى {أيه} اتباعاً للمصحف. قال ابو علي: وقراءته ضعيفة، لان آخر الاسم هو الياء الثانية في أي، فينبغي أن يكون المضموم آخر الاسم ولا يجوز ضم الهاء، كما لا يجوز ضم الميم في قوله "اللهم" ولانه آخر الكلام، وها للتنبيه، فلا يجوز حذف الالف بحال.
الجنابذي
تفسير : {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} هذا ايضاً مجمل محتمل لوجوهٍ ومراد بكلّ وجوهه فانّه يجوز ان يفسّر ابداء الزّينة بابداء نفس الزّينة لمن لا يجوز له النّظر الى جسدهنّ من غير المحارم، وان يفسّر بابداء مواضع الزّينة لانّ الزّينة ممّا يجوز للاجانب النّظر اليها، وان يفسّر بمطلق ابداء الزّينة او مطلق ابداء مواضع الزّينة من غير النّظر الى ناظرٍ ونظرة محرّمٍ او غير محرّمٍ بان يكون نفس ابداء الزّينة بحيث لو نظر ناظر لرآها حراماً نظر ناظر ام لم ينظر، وهذا على ان يجعل النّهى للبايعات البيعة الخاصّة الولويّة ويكون حكم السّالكات عدم الالتفات الى ما سوى الله ما لم يحللن من سلوكهنّ واحرامهنّ فيكون التفاتهنّ الى الزّينة وابداؤها حراماً عليهنّ {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} من الثّياب الظّاهرة وزينة المواضع المستثناة ونفس تلك المواضع الّتى ليست بعورة فى النّساء كالخاتم والسّوار والكحل والخدّين والكفّين والقدمين. اعلم، انّ نهى النّساء عن ابداء زينتهنّ ونهى الرّجال عن النّظر الى زينتهنّ انّما هو لكون الزّينة وابدائها والنّظر اليها مقدّمة للفساد وموروثاً للرّيبة وموجباً للافتتان وقد ورد عن النّبىّ (ص) خطاباً لعلىّ (ع):حديث : يا علىّ اوّل نظرة لك والثّانية عليك لا لك يعنى ان افتتنت بالنّظرة وعدت الى الثّانية كانت وبالها عليكتفسير : ، وفى رواية حديث : لكم اوّل نظرة الى المرأة فلا تتسحّبوها بنظرةٍ اخرى واحذروا الفتنة تفسير : فعلى هذا لو خيف من الرّيبة والافتتان بالنّظر الى الوجه والكفّين والقدمين وزينتها لم يجز للمرأة ابداؤها ولا للمرء النّظر اليها، ولو لم يخف من الرّيبة جاز ابداء الزّينة الظّاهرة والمواضع المستثناة وجاز للاجنبىّ النّظر اليها ولو لم يخف من الرّيبة جاز النظر الى غير الزّينة الظّاهرة من الزّينة الباطنة وغير المواضع المستثناة مثل الرّأس والشّعر والسّاق والذّراع اذا لم تكن من المسلمات اللّواتى لهنّ الحرمة والرّفعة كالاماء واهل البدو اللاّتى لا يمكنهنّ التّحفّظ عن الاجانب ولا يمكن لمعاشريهنّ الاحتراز عن النّظر اليهنّ، واختلاف الاخبار ناظر الى اختلاف الاحوال والاشخاص فى الرّيبة وعدمها والحرمة وعدمها وامكان التّحفّظ وعدمه {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ} جمع الخمار بالكسر كالخمر بالسّكون، والخمار المقنعة الّتى هى غطاء رأس المرأة المتسدّل على جنبيها، كانت النّساء يلقين مقانعهنّ على ظهورهنّ وتبدو صدورهنّ فقال تعالى: وليلقين خمرهنّ {عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} حتّى لا تبدو صدورهنّ فانّ الصّدور اشدّ شيءٍ فى الافتتان بها {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} تكرار هذه الكلمة لتفصيل الاجمال السّابق {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} فانّ الزّينة لم تكن الاّ لهم بل النّساء مأمورات بالزّينة وابدائها للازواج ليتحرّك ميلهم اليهنّ {أَوْ آبَآئِهِنَّ} فانّه لا يتصوّر الرّيبة والفتنة منهم {أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} نسب الى الباقر (ع) انّه قال: الزّينة الظّاهرة الثّياب والكحل والخاتم وخضاب الكفّ والسّوار، والزّينة ثلاث: زينة للنّاس وزينة للمحرم وزينة للزّوج، فامّا زينة النّاس فقد ذكرناها، وامّا زينة المحرم فموضع القلادة فما فوقها، والدّملج وما دونه، والخلخال وما اسفل منه، وامّا زينة الزّوج فالجسد كلّه، وعن النّبىّ (ص) انّه قال: حديث : للزّوج ما تحت الّدرع، وللابن والاخ ما فوق الدّرع، ولغير ذى محرم اربعة اثواب، درع وخمار وجلباب وازار تفسير : {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} يعنى النّساء المؤمنات فانّ الاضافة الى ضمير المؤمنات تفيد تخصيصاً للنّساء وبعد اعتبار حيثيّة الايمان فى الاضافة يعلم انّ المراد بهنّ المخصوصات بالمؤمنات بوصف الايمان لا بالقرابة لعدم اعتبار حيثيّة الايمان فى القرابة ولا بالمملوكيّة لهنّ لعدم اعتبار تل الحيثيّة فى المملوكيّة ولذكر المملوكة بعد ذلك، روى عن الصّادق (ع) انّه لا ينبغى للمرأة ان تنكشف بين اليهوديّة والنّصرانيّة فانّهنّ يصفن ذلك لازواجهنّ {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} من الاماء الغير المسلمة او من العبيد والاماء فانّه لا بأس ان يرى المملوك شعر مولاته وساقها اذا كان مأموناً كما فى الخبر، وفى خبرٍ: لا يحلّ للمرأة ان ينظر عبدها الى شيء من جسدها الاّ الى شعرها غير متعمّدٍ لذلك {أَوِ ٱلتَّابِعِينَ} الّذين من شأنهم ان يكونوا تابعين كالخادم والخادمة، والسّقّاء والسّقاءة، والاجير والاجيرة، والشّيخ والشّيخة، والابله والبلهاء، والمولّى عليهما، والمجنون والمجنونة {غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ} اى غير ذوى الحاجة الى النّساء يعنى ان لم يكن لهم شهوة النّساء والاّ فلا يجوز لهم النّظر ولا لهنّ ابداء الزّينة لهم {مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ} اى لم يطّلعوا على عوراتهنّ من حيث انّها عورات بان لم يكن فيهم شهوة النّساء حتّى يتميّز العورة منهنّ عندهم من غيرها، والطّفل جنس فى معنى الجمع ولذلك وصف بالجمع {وَلاَ يَضْرِبْنَ} لمّا كان المتبادر من ابداء الزّينة ابداءها على الابصار دون ابدائها على الآذان قال: ولا يضربن {بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ} بسماع صوت الزّينة من الخلخال وغيره {مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} فانّ صوت الخلخال واللّباس ممّا يهيّج ميل الرّجال {وَتُوبُوۤاْ} لمّا نهى النّساء من ابداء ما يريب الرّجال من لباسهنّ وزينتهنّ وابدانهنّ امر الرّجال بالانصراف عمّا يريبهم والتّوجّه الى ربّهم، او لمّا امر الرّجال بغضّ الابصار وحفظ الفروج وامر النّساء كذلك امر النّساء والرّجال بالانصراف ممّا يهيّج الشّهوات وبالتّوجّه الى الله بطريق التّغليب فقال: توبوا {إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً} لفظ الجميع وان كان بمعنى المجتمع لكنّه يستعمل لمحض تأكيد العموم من دون اعتبار الاجتماع فى زمان الحكم {أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} رسم فى المصاحف كتابة ايّها هذه بدون الالف الاخيرة وقرئ ايّه المؤمنون بفتح الهاء وضمّها تشبيهاً للهاء بعد اسقاط الالف بحرف آخر الكلمة واجراء لحركة ضمّ المنادى عليها {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ولمّا امر المؤمنين والمؤمنات بغضّ البصر وحفظ الفروج وكان ذلك شاقّاً على ذوى العزوبة قال تعالى {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ...}.
اطفيش
تفسير : {وَقُلِ لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} عما لا يحل لهن نظره ولا ينظرن سرة الرجل والأمة وركبتها وما بينهما ويجوز النظر لهن إلى ما سوى ذلك لا لشهوة ولا يجوز لذكر أو انثى النظر بشهوة ولو إلى صخرة. وعن ابن العربي كما لا يحل للرجل ان ينظر إلى المرأة. لا يحل للمرأة ان تنظر إلى الرجل فان علاقته بها كعلاقتها به وقصدها منه كقصده منها لا تنظر المرأة إلى شيء من جسد الرجل واستدل على ذلك بحديث ام سليم قالت:حديث : كنت انا وعائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم فدخل ابن ام مكتوم فقال النبي: صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه فقلنا انه اعمى فقال صلى الله عليه وسلم افعمياوان انتما تفسير : ولا تنظر المرأة سرة المرأة وركبتها وما بينهما وتنظر ما سوى ذلك لغير شهوة. {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} عن الكشف والزنى * {وَلاَ يُبْدِينَ} لا يظهرن والفعل الماضي ابدى كاعطى ولا ناهية ويبدي مبني على السكون لاتصال نون الاناث به ومحله الجزم {زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال ابن مسعود ما ظهر منها الثوب واما بدنها فعورة كله حتى الوجه والكفان واختاره بعض سدا للذريعة. وقال ابن جبير والضحاك والاوزاعي: ما ظهر هو الثوب والوجه والكفان. وقيل: ما ظهر منها هو ظهر بحكم ضرورة تحرك فيما لا بد منه أو اصلاح شأن. وعن ابي هريرة السوار والخاتم. قال القاضي: هي كلها عورة الا ما ظهر عند مناولة الاشياء كالثوب والخاتم حتى الوجه والكفان الا في الصلاة ويظهر الوجه والكفان ولا يظهر إليّ شيء منها الا لضرورة كمعالجة وتحمل شهادة. وعن ابن عباس ما ظهر الكحل والخاتم وخضاب اليدين والوشمة في الوجه واليد لكن لا يحل عملها. وعن عائشة السوار والكوع وهو مفصل اليد والخاتم. وقيل: يجوز النظر إلى وجهها وكفها لضرورة كتحمل الشهادة وان خيف قتله لم ينظر لذلك وان نغين النظر ولا بد فليجتنب الفتنة ولا بد. وفي التاج وجاز النظر كف امرأة وظاهره ووجهها وظاهر قدمها إلى الكعب وقيل يمتنع إلى ظاهرهما والنظر جوز. قال ابن النير: ادناء الجلابيب على النساء ورفع الخمر فوق الاذنين وستر النواصي وسائر الزينة واجب الا الوجه والبنان وما وراء ذلك حرام على المرأة إذا بدته وعلى الرجل ان نظره لشهوته وعليه النطاق من تحت الدرع ان قدرت على سابغه والا فلتتزر فوقها. وتنهى النساء عن الجلوس في السكك والخروج يوم مطر أو ريح والرجال ان يظهروا ما فوق الركبة وتحت السرة وعليهم الغض ما استطاعوا ولو عن تهاميات. عزان يكره للمرأة ان تتطيب أو تتلحف باجود فتخرج من بيتها. أبو سعيد ان لم يكن خروجها فيما لا بد لها منه وان امكن تركه حتى يزول منها الطيب فهو احسن ولا باس قيل ان يشم الطيب من امرأة ان لم يخف فتنة لاباحة الطيب وان عف فهو ازكى ومن تعمد مس حرة أو شعرها من فوق الثوب لشهوة أتى كبيرة وله تقبيل (ابنته) واخته وامه وعمته وخالته ومن يحرم عليه نكاحه ولهن ايضا ذلك لكرامة ورافة لا لشهوة. ومن تعمد نظر المتبرجة ابدل وضوءه ولامرأة ان تبرز لاجنبي إذا سترت عنه محارمها ولا يبرز هو فخذيه عمن لا يتجرد معه لانهما من العورة والركبة قيل منها. وقيل: لا ولا تبدي زينتها من سوار في ساعة أو دملوج أو خلخال أو قرط وهي الظاهرة الا لمن في قوله تعالى {إِلاَّ لبُعُولَتِهِنَّ} إلى {أو الطفل} الخ والتابع هو الابله الذي لا عقل له ولو كان من ذكر من جهة الرضاع ولا يظهر لغيرهم الا ما ظهر وهي الخاتم في الاصبع والحكل في العين ولا تضع القواعد جلبابهن عند من يتهم بريبة. وقال بعض اصحابنا المغاربة إذا كانت الزينة في الوجه والكف زينة حلي أو غيره لم يجز اظهارهما. وقيل: جائزة. في التاج ايضا وللرجل قيل ان يقعد مع غير محرمته من جيرانه وارحامه ما لم ينظر منها ما لا يحل له نظره ولا يلزمه ان يأمرها ان تكون من وراء باب أو جدار ان خاف ان يدخلها مكروه فان فعلت هي فحسن. قيل: ويرحب بالمرأة من فوق الثوب فان صافحها من تحته جاز له ان لم يخف فتنة لان له كما مر ان ينظر كفها وخارجها إلى الرصغ وباطن قدمها وان يتعمد مس ذلك لا لشهوة ان لم يخفها وينكر عليها ان اظهرت ما فوق الرصغ والكعب وان عند رحمها ولا يسع حاظرا له ترك الانكار عليه ان قدر لكن بمعروف ورفق من القول وبره انه محسن له وداع له بخير وذلك في الرحم والجار والصاحب والصديق وهو من مكارم الاخلاق ومذاهب أهل الاسلام. ومن دخل. قيل: على اجنبية فعليه ان ينكر عليها ان اظهرت له ما لا يحل له منها لا ان علم منها انه عندها محرمها من الرضاع وعليه الغض حتى يعلمها محرمته ولا يحل لامرأة مفاكهة طفل بتلذذ تمنع منها ويكره له ايضا إذا فعل ولا باس على من دخل على متنقبة وتؤمر الاماء بكشف الرؤوس لان عمر رضي الله عنه مرت عليه امة متجلببة فعلاها بالدرة ونهاها عن ذلك وقال تتشبهين بالحرائر يالكاع ولان كسوتها على سيدها قميص. قال ابن محبوب: من نظر إلى رأس امة أو فخذها لم يفسد وضوؤه وعورتها قيل كالرجل والمس قيل كالنظر. وان سافرت اجنبية مع رجل فلتضع رجلها على رقبته فوق الثوب إذا ارادت ان تركب ولا باس بمعانقة ام واخت ونحوها عند قدوم من سفر ان امنت فتنة وتنهى المرأة عن الحمام. وقيل: الركبة والسرة عورة ولا باس على الرجل ان ابرزهما ولو لغير علة ولا على من ابصرهما نقض الوضوء. وعن بعض امرنا ان نغضّ عمن استتر عنا أو استحيى منا. وقيل: المستحيية وغيرها سواء في الحرمة وسرة الرجل عند الاكثر ليست بعورة عكس الركبة منه ويكره لها ان ترفع ذيلها على عاتقها أو عن عقبيها وان تعصب بجلبابها وان تبعها عدو فلتستر منه ما قدرت. ولا لوم عليها ان امتنعت ولا لوم لامرأة ان نجعل جلبابا رقيقا يرى منه نحرها وصدرها ولا لاجنبي نظر ذلك منها وكفرت ان فعلت ونظر منها ولها ان تنظر من امرأة من سرتها إلى ما فوقها ومن الركبة فما تحتها لا لشهوة وكره لها ان تبدي محاسنها لفحلة تشتهي نظر محاسن النساء. ومن صافح من يحل له نكاحها من فوق الثوب فلا يقبض يدها بيده وله ان يبسط اصابعه وشدد فيه ولشاب قيل مصافحة شابة ان وثقا بانفسهما ولا يحل لامرأة ان تصافح محرما لها ان عرف بفسق واجازه أبو عبد الله ان لم تخفه وله ان يرحب بغير الشابة من فوق الثوب ولها ان تسكن مع اعمى ولو اجنبيا وان لم تخف والعبيد بعد العتق كالاحرار ومعتق امة كغيره في المس والنظر. وقد مد قيل ابو عبيدة يده إلى ذات فضل يريد ان يرحب بها فقالت نحن نساء لا نرحب بالرجال ولا يرحبون بنا. وان تعمدت نظر العين السرة والركبة وما بينهما من اجنبي لشهوة لم نقل ركبت حراما وكره لها ان تملأ عينها من غير زوجها ومحرمها وان لغير شهوة الا ان كان لما لا بد منه من مباح. ابن محبوب لا شيء على داخل على امرأة المايعة أو كلام ولا على من ينظر اليها مستترة لا لشهوة ولا يريد منها قبيحا ويكره لها ان تنزع الشعر من وجهها أو جبهتها ولها ان تنزع لحيتها وان حلقت رأسها بلا اذن زوجها اثمت. ولزوجة الابن ان تغمز لابيه ان اخرج الريبة من القلب وتركه عندي حسن ويرى ان ما تعدى الكفين من المرأة في النار أي ما ابرزت منها فصاعدا وهذا موجب لبراءتها ان فعلت ذلك عند من يحل له النظر اليها عمدا وتستتاب منه. وفي بعض الآثار انه لا يجوز للمرأة ان تكشف احدى عينيها وتستر الاخرى بل تكشفهما أو تسترهما بان ذلك تشبيه بالفاسقة. وقال البغوي عن ابن عباس امر نساء المؤمنين ان يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب الا عينا واحدة ليعلم انهن حرائر ولها ان تنظر لها موحدة رسها ان تعمد. ومن نظر ما لا يحل له اجزته التوبة منه دون استحلال المنظور اليه وليستر من نفسه ما ستر الله عليه ولا يحل لها ان تتعرى عند خادمها. واختلف في النظر إلى متبرجة فقيل: يغض عنها جهده. وقيل: ليس لها من الحرمة ما لمستتره ولا باس على من نظر منها غير الفرج واختير ترك التعمد بالنظر إليها. وسئل ابو الحواري عن مغتسلة في فلج أو نهر متجردة ايحل لمحرمتها ان تنزل معها فيه نهارا متجردة ايضا أو موضع اخيها أو ابنها البالغ فقال لا يحل لاحد ان ينظر عورة احد ولو في الماء الا ان كان لا ينظر احدهم الآخر. هاشم لا خمار على الاماء ولا رداء. أبو علي ولا على النساء نقاب ولا على امرأة ان وضعت جلبابها في ظلمة عند اجنبي حرج ان لم تحدث بينهما ريبة ويكره لها ان تلبس الطيلسان وان تخرج في مطر وترفع ازارها ونعليها الا ان لبست خفين ولا مريد شراء جارية ان يجردها ويضع يده على عجزها من فوق الثوب ويكشف ذراعيها ويمس بدنها وينظر صدرها لا لشهوة ولا امة. قيل: ان تغمز لغير مولاتها ومولاها مثل الرأس والرجلين ما وثقا بانفسهما. ونهي ان يصغي الرجل لحديث امرأة لا يملكها ولو من وراء جدار وحولوا بين نسائكم ومحادثة الرجال وبين اطفالكم منهن وبين محادثهن فان القلوب تحيا وتموت ولو بعد حين وهذا في محل الريب من المراهقين والمسترابات وامرت المرأة ان ترخي الثوب على قدميها والا تخمر وجهها وان لا تاذن لاحد في دخول بيت زوجها الا باذنه ولو والديها أو اخاها ونهيت ان تزين لغير زوجها وان تتزيى بزي الرجل ولو في الكلام وان قصت شعرها قيل هلكت وتحلق شعرا يشينها حيث كان الاّ شعر رأسها وحاجبيها وتحلق من فضل رأسها. لا يجوز لاعمى دخول على اجنبية ولا مساكنتها ولا الدخول بلا اذن واجيز له الخلوة ان امن فتنة. ويلف الاجنبي يده فيخرج بها حليا من امرأة ماتت معه ولا امرأة أو ولي معه وان لم يجد الا بالمس مس وللمرأة تنظر فرج امرأة لمد مرأة أو قياس حرج أو غيرهما. ويكره لرجل وامرأة ان يبيتا بمنزل وحدهما ولو وثقا بانفسهما الا ان لم يجدا احدا ونهيت ان تسافر الا مع محرمها أو جماعة ومن اضطر إلى مساكنة اجنبية جازت له والمؤمن في وسع ما وجد له عذر وجاز لها قيل: سفر مع اثنين ولو غير ثقتين وقيل: مع ثلاثة فاكثر حيث لا اولى لها معهم وينهى. قيل: ان يكشف الرجل ركبته بلا ضرورة فلا يكشفها عند الخدمة وطلوع النخلة ولا يختن امرأة جهلا باذنها لم يلزمه صداقها ويكره له تزوجها وان تزوجها لم يبعد ان يفرق بينهما. وللرجل قيل: التجرد عند من لا يراه قبيحا كمجنون وصبي ونهي تاديبا التعري ليلا ولا يصب عليه غلامه الماء على الصحيح متجردا الا ليلا وتحرى امرأة واحدة فيما يفرج امرأة وحواليه. وقيل: اثنتان. وقيل: اربع. ولا تمشي حتى تغيب عن الناس. وقيل: لا تمشي حتى لا يسمع صوتها واجيز ان كانت في دار غلب الحق فيها. واجاز بعض لها ان تمشي مع مسلم إلى حيث شاءت ان لم تخف منه ولا يجوز ان يخرج صوتها من بيتها ولو بالقرآن. وقيل: يجوز فما لم يجاوز حزمة حطب. وقيل: ما لم يجاوز ثلاث حزمات حطب. وقيل: يجوز مقدار اقطار ثلاثة جمال. وقيل: سبعة ابعرة. وقيل: يجوز ما لم نستقص صوتهما الا لعذر. {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُورِهِنَّ} جمع خمار وهو ما يستر به * {عَلَى جُيُوبِهِنَّ} جمع جيب. وقرئ بكسر الجيم لاجل الباء وهي قراءه ما عدا نافعا وعاصما وابا عمرو وهشام. والجيوب جمع جيب وهو ما يبدو من صدورهن عند فتح طوق ثيابهن ويضربن معنى يلقين فعداه (بعلى) وسمي الصدر جيبا لانه يليه الجيب وهو ما تخرج منه العنق والرأس ويدخلان منه أو يقدر مضاف اي على مواضع جيوبهن. قيل: ومواضعها النحر والصدر ويجوز ابقاء الجيوب على ظاهرها وهو ما تخرج العنق والرأس وتدخلان منه وكانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وحواليها وكن يسدلن الخمر من ورائهن فيبقى الاذنان والنحر والصدر مكشوفة وقد ينكشف اكثر من ذلك فامرن بان يسدلنها من قدامهن حتى يغطينها. ويجوز ان يراد بالجيوب ما يعم مخرج اليد ومدخلها فانه قد يتسع. وعن ابن العربي الجيب الطوق والخمار المقنعة. وعن عائشة رضي الله عنها رحم الله المهاجرات الاول لما نزلت الآية عمدن إلى مروطهن فشققنها اخمرة وضربن بها على الجيوب. وعنها ما رأيت نساء خيرا من نساء الانصار لما نزلت الآية قامت كل واحدة إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرن فاصبحن على رؤوسهن الغربان والصدع الشق والمرط كساء صوف أو خز أو كتان. وقيل: الازار. وقيل: الدرع {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الخفية * {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} اي ازواجهن والواحد بعل. قال ابن عباس: لا يضعن الجلباب والخمار الا لازواجهن * {أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَو أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} من غيرهن * {أَوْ إِخْوَانهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} سفل من ذكر كله أو علا مسلم او مشرك الا الزوج فلا تتزوج موحدة مشركا فيجوز لهؤلاء كلهم النظر لما تحت ركبة وفوق سرة هذا هو الصحيح اللائق وهو مذهب ابي مسور رحمه الله قال: وأما ذوو المحارم فلا باس عليها ان لا تحاذر منهم الا تحاذر من النساء مما ردت السرة إلى الركبتين الا من خافت منه من ذوي المحارم أو انى خافت منها من النساء ان يصفنها للرجال أو لمن اراد تزويجها. ومنهم من يرخص ان تصفها لمن اراد تزوجها. وللزوج نظر جميع الزوجة ويكره له النظر لفرجها وكذا هي واما سائر المحارم فيجوز لهم النظر للرأس والعنق والصدر والثديين والساقين والقدمين كالاعمام والاخوال. وقيل: هم مثل من ذكر في الآية لانهم في معنى الاخوان أو لان الاحوط ان تستترن منهم حذر ان يصفوهن لابنائهم. ومشهور المذهب ان للزوجين النظر والتمتع مطلقا وكره النظر للفرج وان الاب والابن والاخ والعم والخال وابن الاخ وابن الاخت يحرم عليهم النظر للشعر والصدر والساق وهو قول الحسن. وقال ابن عباس ينظرون محل القرطين والقلادة والسوارين والحجالين وان اب الزوج وابنه والتابع لها ان تقوم بينهم كمملوكها في درع صفيق وخمار جديد بلا جلباب واللمس في ذلك كله والنسب كالرضاع وانما حل لمن ذكر في الآية ومثلهم ما حل لهم من التوسعة لكثرة مداخلتهم واحتياجهن إليهم وقلة توقع الفتنة من قبلهم لما في الطباع من النفرة عن مماسه القرائب * {أَو نِسَآئِهِنَّ} أي الموحدات من أهل دينهن الذي هو التوحيد وليس لموحدة ان تتجرد بين يدي مشركة أو كتابية لان المشركة لا تتحرج عن ان تصف المرأة للرجل. وكتب عن ابي عبيدة بن الجراح ان يمنع نساء اهل الذمة ان يدخلن الحمام مع المسلمات فامتثل. وقيل: النساء كلهن سواء فيجوز لموحدة تجرد عند مشركة. والمشهور الاول والشرك صيرها ابعد من الاجنبي ولا يجوز ايضا على المشهور ان تنكشف للموحده الفاسقة والتي تلاقي الرجال والتي تقود لهم النساء فهؤلاء كالرجال * {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ} اي عبيدهن وكذا عبد للمرأة فيه فهم سهم ولو قليلا وقد مر انها تقوم بين يديه في درع صفيق وخمار جديد بلا جلباب. قال بعضهم: ويجوز النظر إلى شعرها وعن بعضهم يجوز له ما فوق السرة وما تحت الركبة وان هذا هو ظاهر القرآن وانه مروي عن عائشة وام سلمة رضي الله عنهما. وعن انس وهب صلى الله عليه وسلم عبدا لفاطمة وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجلها وان غطت رجليها لم يبلغ رأسها. وقال: ليس عليك باس انما هو ابوك وغلامك. وقال سعيد بن المسيب: عبد المرأة كالاجنبي وان ما ملكت اليمين المراد به في الاية الاماء دون العبيد فلا يرى عبدها شعرها ونحوه الا ان لم تكن له همة وكان سعيد يقول كقول عائشة وام سلمة. قالت عائشة: لعبدها ذكوان إذا وضعتني في القبر وخرجت انت حر ثم رجع سعيد عن ذلك وقال لا تغرنكم آية النور فالمراد الاماء. قال جار الله: وهو الصحيح لان عبد المرأة بمنزلة الاجنبي ولو خصيا. قال: وعن ميسون الكلابية زوج معاوية ان معاوية دخل عليها ومعه خصي فتقنعت منه فقال هو خصي قالت يا معاوية اترى ان المثلة به تحلل ما حرم الله. وعن ابي حنيفة لا يحل امساك الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم ولم ينقل عن احد من السلف امساكهم. وروي عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : اهدي إِليه خصي فقبله"تفسير : فان صح فلعله ليعتقه أو لسبب ما. والصحيح جواز بيعه وشرائه وامساكه لانه لا مانع من ذلك وقد فعله النبي فادعاء انه يحتمل انه قبله ليعتقه أو لسبب تكلف وبعد فانه تكلف لا يمنع من ذلك فانه إذا قبله وامسكه ولو قليلا فالقليل والكثير في هذا سواء. وايضا الاصل ان يبقى على الاصل من جواز بيعه وشرائه وامساكه واما عبد الرجل رجل المرأة فكالأجنبي لا ينظر منها الا الوجه والكفين والقدمين على ما مر في الاجنبي الا ان ملكها بعضا منه. {أَوْ التَّابِعِينَ} في فضول الطعام البله الذين لا يعرفون شيئا عن أمور النساء كما قال. {غَيْرِ أوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} بجر غير بدلا من التابعين لا نعتا الا ان قلنا ان اضافة غير تفيد التعريف أو اجزنا نعت المعرفة بالنكرة أو اجزنا نعت المعرف بال الجنسية بالنكرة وبسط ذلك في النحو. وقرئ بنصب (غير) على الاستثناء أو الحالية وهو قراءة ابن عامر وابي بكر. والاربة الحاجة اي البله الذين يتبعون الرجل إلى بيته بطعام ولا حاجة لهم بالنساء ولا ينتشر لهم ذكر. قال الثعالبي: والذي لا اربة له من الرجال قليل. وقيل: يحتمل ان يريد الشيوخ الصلحاء يتبعون الرجل إلى بيته ويغضون ابصارهم عنهن وينفون عن قلوبهم امر النساء والاول قول الحسن وقيل: الرجال الاحمقون الذين لا تشتهيهم النساء ولا يشتهونهن ولا يغار عليهم الزوج. وقيل: الذين لا يشتهونهن ولا يستطيعون غشيانهن. وقيل: قوم كانوا في المدينة طبعوا على غير شهوة النساء والظاهر ان مثلهم يقاس عليهم عند اصحاب هذا القول. وقال ابن عباس: التابع الاحمق العنين. وقيل: الشيخ الهرم الذي بلغ به الهرم إلى ان لا يشتهي. وقيل: المجبوب والخصي. وقيل: لا يجوز لهما النظر. وقيل: الممسوح. وقيل: المعتوه الذي لا ارب له. وقيل: جميع ذلك داخل في الآية. وقيل: المراد المخنث. وكان مخنث يدخل على ازواج النبي صلى الله عليه وسلم معدودا من جملة من لا اربة له فدخل صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند بعض نسائه ينعت امرأة يقول إذا قبلت اقبلت باربع وإذا ادبرت ادبرت بثمان فقال لا ارى هذا يعرف ما هاهنا لا يدخلن عليكم وارد بالاربع اربع عليكن تقبل بهن وبالثمان اطراف الاربعة من الجانبين وصفها بالسمن. {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ} اراد بالطفل الجنس ولذا وصف باسم الجمع. وقيل: انه موضوع للواحد والجماعة وعلى الاول فهو كقولهم الدينار والصفر والدرهم البيض جمعي اصفر اصفر وابيض. وقد قاس بعضهم مثل هذا ومعنى عدم ظهورهم على عوراتهن عدم بلوغهم بحد الشهوة. وقيل: إذا كان يشتهي استترن عنه ولا يكفرن بعدم الاستتار ما لم يلزمه الفرض من قولك: (ظهر زيد على عمر) اي (قوي عليه وغلبه) اي لم يبلغوا أوان القدرة على الوصي أو المراد عدم تعبرهم بين العورة وغيرها من ظهر على الشيء اي اطلع عليه اي لا يعرفون ما العورة واحكام المراهق احكام الطفل ما لم يبلغ وقيل احكام الرجل. وقرئ (عورات) بفتح الواو وهو لغة هذيل. قال ابن هشام قرأ بها بعضهم ثلاث عورات وذلك لانهم لم يستثقلوا الحركة على الواو لعروضها. {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} من خلخال يتقعقع ويقاس على ذلك ما تعلق بايديهن وغيرها وكن إذا مررن على قوم ضربن الارض بارجلهن بصوت الخلخال. وسماع صوته قيل اشد تحركا للشهوة من ابدائها وهو قول الزجاج أو تضرب رجلا باخرى فيسمع الصوت وسبب ذلك الضرب الرياء للزينة أو بان لها خلخالا. وقيل: اذا كان لها خلخال ضربت برجلها التي هو فيه الارض ليعلم انها ذات خلخال وإذا كان لها خلخالان ضرب رجلا باخرى ليعلم ان لها خلخالين وقيل انه ينهى عن المشي بعنف أو بسرعة لتتقعقع ما تعلق بها فائدة شأن المسلمة ان تكشف وجهها كله أو تستره كله الا العينين أو تسترها ايضا وتنظر من تحت الستر إلى جهة الارض واما ستره الا عينا واحدة فلباس المنافقة كذا في بعض الاثار ورأيت في بعض الاثار ان لها ان تكشف عينا فما فوقها وما تحتها وانفها وتستر الاخرى وما فوقها وما تحتها. {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّها المُؤْمِنُون} اي لا يخلو أحد من تقصير في أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه ولا سيما عند الشهاوي. وقيل: توبوا من تقصيركم فيما ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع من الفروض والآداب. وقال ابن عباس: توبوا مما كنتم تفعلون في الجاهلية لانه يجب الندم عنه والعزم على الكف عنه كلما تذكروا انه وجب بالاسلام. وعنه صلى الله عليه وسلم يقول في اليوم: "حديث : رب اغفر لي وتب عليّ إِنك أَنت التواب الرحيم مائة مرة ". تفسير : واي منادى لحرف محذوف والف هاء التنبيه محذوف خطا ونطقا هنا وفي آية {الساحر} وفي آية {الثقلان}. وقرأ ابن عامر بضم هاء الثلاثة في الوصل والباقون يفتحون. ووقف أبو عمرو والكسائي عليهن بالالف والباقون بغير الف ووجه ضم الهاء لانها تبع للياء. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تسعدون في الدنيا والاخرة
اطفيش
تفسير : {وقل للمؤمنات يَغْضضنَ من أبصارهن} مثل ما مرَّ ويحل لهنَّ ما رد الركبة أسفل، والسرة فوق من الأجانب والمحارم، والنساء بلا شهوة {ويحفظن فروجَهنَّ} مثل ما مر، وسحاق النساء زنى {ولا يُبْدين زينتهُنَّ} ما يتزين به من الحلى إذا كان فى المحل الذى لا يرى، فلا يحل النظر الى ما يعلقن بالأذن أو يلبسنه الذراع، أو الرجل أو العنق، أو الشعر، لا يرى نفس تلك الجوارح، فلا يبدين هؤلاء للأجانب، وإن نزع عن الجسد جاز إبداؤه والنظر اليه بلا شهوة. {إلاَّ ما ظَهَر منها} جرت العادة بظهور كالكحل فى العين، والنقط فى الوجه بالأسود أو الأحمر، أو غيرهما، والتحمير والبيض، والخاتم فى الأصبع، والخضاب فى الكفين، وفى رواية الذراعان ليسا بعورة، ولا تثبت عندنا، ولا عند جمهور قومنا، وتقدم أن الوجه والكفين عورات إذا كان فيهن زينة، وعليه فمما ظهر منها الثوب الحسن الداثر، والجلباب، كما روى عن ابن مسعود، وعنه: الثياب كما هو الزينة فى قوله عز وجل: "أية : خذوا زينتكم"تفسير : [الأعراف: 31] وعن ابن عباس الكحل والخاتم والقرط والقلادة، أى إذا كان لا يظهر موضع القرط والقلادة، وكذا فى قول الحسن: إنه الخاتم والسوار وستر الوجه مطلقاً هو السنة. {وليضربنَ} يغطين {بخُمُرهنَّ} جمع خمار، وهو ما يستر الرأس من المرأة من الخمر، وهو الستر {على جُيوبهِنَّ} مخارج الرءوس والأعناق من الجبة والقميص من الجيب، بمعنى القطع، وذلك لأنه يبدوا من ذلك أعلى الصدر، فأمرن بستره، وكن يغطين رءوسهن بالخمر مسدلات من خلفهن، فيبدو العنق وأعلى الصدر، وسارعت نساء المهاجرين الى ضرب الخمر حين نزلت الآية. وأما تسمية ما يخاط فى أعلى الجبة أو القميص لحفظ الدراهم مثلا جيبا فمجاز مرسل فى الأصل، علاقته الجوار أو الحلول فى الأصل، ثم صارت حقيقة عرفية عامة، وهؤلاء الآيات دالات على خطر البصر، فإن الاستئذان من النظر وستر الفرج، لئلا يرى، وابداء الزينة محرم لئلا ترى، وأمر الرجال والنساء بالغض، وأمرن بضرب الخمر على الجيوب، والناس يستصغرن النظر، ويتهاونون به.شعر : كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر والمرء ما دام ذا عين يقلبها فى أعين العين موقوف على الخطر كم نظرة فعلت فى قلب فاعلها فعل السهام بلا قوس ولا وتر يستر ناظره ماضر خاطره لا مرحباً بسرور عاد بالضرر تفسير : وليس فى ذلك تضييق كلى عليهن وعليكم، لأن لكم ولهن فسحة بغير ذلك للضرورة، وعدم وجود المانع فى قوله تعالى: {ولا يُبدينَ زينتهنَّ إلاَّ لبُعُولتهن} الى قوله: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} والبعولة جمع جمع لبعل أو جمع وهم أزواجهن، وقدموا لأنه لم يحجر عليهم شىء منها، ولو نظر من زوجه داخل فرجها، وكره بعضهم النظر الى فرجها، حتى إن للزوج ضربها على ترك الزينة ولأزواجهن خلقن للتمتع والولادة. {أو آبائهنَّ} شامل للأجداد من جهة الأب أو الأم ما علو، قدموا لأنهم لا يفتنون بيناتهم اشتهاء، وما وقع نادر شاذ خارج عن المروة المعتادة {أو آباء بعولتهنَّ} وأجدادهن من جهة الأب أو الأم وإن علوا، قدموا لأن لهم غيرة على أزواج أبنائهم أن يشاركوهم فى نسائهم بنظر الشهوة أو المس بها، وما فوق ذلك. {أو أبنائهنَّ} شامل لبنى الأبناء وإن سفلوا، ولبنى البنات وإن سفلوا أو سفلن، وأخروا مع أنهم أشد بعدا عن اشتهائهن، وما يترتب عليه مثل الأب ليتصل الكلام على البعولة، ولآباء وآباء البعولة، لا يفصل بالبنوة {أو أبناء بعولتهنَّ} من غيرهن من النساء شامل لبنى أبناء البعولة، وبنى بنات البعولة وإن سفلوا وسفلن. {أو إخوانهنَّ} من الأب والأم، أو من احدهما، أخرت جهة الأخوة لأنها دون البنوة فى البعد عن الاشتهاء والعمل به {أو بنى إخوانهنَّ} وإن سفلوا الشامل لبنى بنات إخوانهن، وإن سفلوا وسفلنَّ، {أَو بنى أخواتهنَّ} وإن سفلوا شامل لبنى بنات أخواتهن وإن سفلوا وسفلنَّ، واستعمل بنى فى الإخوة دون أبناء لأنه أوفق فى العموم، وكثرة الاستعمال مع عدم اتحاد صنف القرابة فيما بينهم، ألا ترى أنه يقال بنو آدم، وبنو تميم لا أبناء إلا ما شذ فقد يجتمع لها ابن أخ شقيق، وابن أخ للأب، وابن أخ للأم، وأبناء أخ شقيق، وأبناء إخوة أشقاء، وأبناء أخ أو أخت، وأبناء أخ أو إخوة لأب أو لأم. والرضاع فى ذلك كله كالنسب، ودخلت الأعمام والأخوال بالسنة، ولأنهم فى معنى الإخوان، لأن الجد فى معنى الأب، فابنه فى معنى الأخ، ولأن الأعمام آباء، والأخوال كالأمهات كما فى الحديث، والاستعمال كقوله تعالى: "أية : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر"تفسير : [الأنعام: 74] لئلا يتوهم أن أبناءهم مثلهم كما فى سائر الآية، وهذا مما وفقت لاستخراجه، وكثر ذلك والحمد لله، إلا أنى لا أذكر أن كذا من مستخرجاتى إلا قليلا ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. {أو نسائهنَّ} أى المؤمنات غير الفواسق التى يصفن فلا يبدين لهن، ولا للمشركات إلا ما يبدين للأجانب، كما روى عن عمر فى المشركة، إذ لا تتحرج عن الوصف، وقيل: إن المراد جميع النساء، واستثناء السلف الفواسق، والمشركات استحباب، وقول عمر رضى الله عنه: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدى للمشركة ما تبدى للمؤمنة غير هذا، ولكن ورد دخول الذميات على أمهات المؤمنين، قلت: لكن لم يرد أنهن رأين منهن ما لا يراه الأجانب. {أو ما ملكت أيمانهنَّ} من الاماء ولو كوافر، ومن العبيد، ولو ملكت جزء منهن أو منهم فقط، وقيل: لا حتى تملك العبد كله أو الأمة المشركة كلها، وقال سعيد بن المسيب: ما ملكت أيمانهن هن الاماء، وأما عبدها فلا يحل لها ابداء الزينة له، ويرده أنه تخصيص بلا دليل، وأنه لو أريد الاماء فقط لقيل أو إماءهن فيكون نصا، وكذا ما قاله أئمة اهل البيت أنه يجوز لها أن تبدى لعبدها ما تبدى للنساء، وكانت عائشة رضى الله عنها تمتشط، وعبدها ذكوان يراها، وقالت: إذا وضعتنى فى القبر، وخرجت فأنت حر، والمكاتب عندنا حر من حينه وعليه دين فلا تبدى له، وأتى صلى الله عليه وسلم فاطمة رضى الله عنها بعبد وهبه لها، وعليها ثوب إذا غطت به رجليها انكشف رأسها أو رأسها انكشف رجلها، فتحرجت فقال صلى الله عليه وسلم حديث : لا بأس أنا أبوك، وهذا مملوككتفسير : ، وجعل بعض عبد الزوج كمحرم لما لقوله تعالى:{أو ما ملكت أيمانكم}والمذهب أنه أجنب إلا أن ملكت جزء منه. {أو التابعين} للناس يصيبوا من فضل طعامهم الذين لا يصفون للرجال {غير} نعت {أولى الإرْبةِ} الحاجة الى التمتع بالنساء {من الرِّجال } وهم البله الذين لا يشتهون النساء، وغير البله الذين لا يشتهون ولا المجنون والشيخ الفانى والخصى، إذ قد يبقى فيهم بعض اشتهاء، أو يحضر تارة منهم اشتهاء، ولو تحقق أنهم لا يشتهون لحل الإبداء لهم ، ولا يبدين لمن يصف، ولو ظهر أنه لا يشتهى، لأن الوصف محذور شرعاً، بل قد يكون وصفه لبعض اشتهاء فيه، وجد صلى الله عليه وسلم مخنثاً عند بعض نسائه يصف امرأة بأنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان فقال: قد عرف ما هناك، فلا يدخل عليكن، وأخرجه من المدنية، فكان يدخلها كل جمعة يستطع. {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} لم تطلع قلوبهم على عوراتهن بالأشتهاء، أو لم يقووا على الجماع، لعدم تعلق قلوبهم به، يقال قوى على الشىء اطلع عليه، او قدر عليه، وفى المراهق فى المذهب قولان: بعض يحكم عليه بحكم البالغ، وبعض لا يحكم عليه به، وهو الصحيح، وكذا قولان عند الشافعية، والمنع أحوط، فان كان يصف لم يبدين له ولو تحقق أنه لا اشتهاء له، ولا يصف، جاز الابداء له، والطفل يطلق على ما فوق الواحد، كالواحد كما فى الصحاح، فتحمل عليه الآية، وقوله عز وجل: "أية : ثم يخرجكم طفلا" تفسير : [غافر: 67] فلا حاجة الى كون النعت بالجمع لأل الجنسية، ولا الى تقدير يخرج كل واحد طفلا على حد ما قلنا فى: "أية : وأعتدت لهنَّ مُتكأ"تفسير : [يوسف: 31] اعتدت لكل واحدة. ونقول معنى قول بعض: أنه مفرد وضع موضع الجمع أنه موضوع لغة بمعنى الجمع تارة لا مفرد، استعمل بمعنى الجمع، وذلك كما قيل: إنه مصدر فى الأصل، فجاز استعماله فى القليل والكثير، ومعنى العورات ما يستقبح انكشافه منهن لا خصوص الفرجين {ولا يضربنَ بأرجُلهنَّ} الأرض {ليعْلم ما يخْفينَ مِن زينَتهِنَّ} بصوت الخلخال بما تعلق به من نحو جزع، أو بما فى جوفه من ذلك، أو لا يضربن رجلا برجل، وفيهما خلخالان يصوتان بالتقائهما، وكن يفعلن ذلك ليعلم الرجال أنهنَّ ذوات رجال حرائر، فيخلى لهن الطريق، ولا يتكلم لهن، والسامع يتعلق قلبه بذلك، ويوهم أن لهن ميلا إليهم، والمدار على الميل حتى إنه لا يجوز الاستماع لكلامهن، إذا كان مشهياً. وقد قال صلى الله عليه وسلم فى سهو الامام: "حديث : التصفيق للنساء والتكبير للرجال"تفسير : وكيف يحل للرجل النظر الى زوج أخيه، وكيف يأمر أبوهما أو أمهما بذلك، وكيف يرضى أحد الزوجين بذلك، وفى ذكر الزينة فى مواضع من هذه الآية اشارة الى أنها مباحة للنساء، وأنها من شأنهن كما قال الله عز وجل: "أية : أو من ينشأ فى الحلية" تفسير : [الزخرف: 18] وسواء أكان لهن أزواج أم لم يكونوا، ولا تقصد الرئاء، ولا يحل لهن الحرير والذهب فى الاحرام بحج أو عمرة، وأجيز الحرير للرجل فى الحرب، وكذا يسن للرجل التزين بلا اسراف قيل:شعر : تجمل بالثياب ولاتبال فإن العين قبل الاختبار فلو جعل الثياب على حمار لقال الناس يا لك من حمار تفسير : ولا يجوز لباس الحرير بأنواعه للرجل، وكذا ما صور بصورة الحرير من حلفاء وغيرها، لأن فيه التخنث كالحرير، وكان ابن عمر يقطع علم الحرير من العمامة، وكذا قال جابر بن عبد الله: كنا نقطع أعلام الحرير، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير، فاستوى فيه القليل والكثير. وعن أبى أمامة: أنه أجاز صلى الله عليه وسلم ثلاثة أصابع، وعن عمر إجازة الأصبع والأصبعين، والثلاث، لأن القليل فى حد العفو، وأجيز تفريشه، ولا يجوز ما فيه صورة من ثياب، لأنه صلى الله عليه وسلم خرق ستراً على باب عائشة رضى الله عنها عليه طيور وقال: "حديث : إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو تمثال"تفسير : ولعل ذلك ندب، وأجاز بعض ما كان كذلك رقماً ويجوز الاتكاء على ما فيه ذلك. {وتُوبُوا الى الله جميعاً أيه المؤمنُونَ} فإنكم لا تخلون من ذنب فيما بينكم وبين الله، وفيما بينكم بالقلب أو مع الجارحة، ولا سيما فى الكف عن الشهوات، فقد تظلم غيرك من جهة، ويظلمك من أخرى، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يا أيها الناس توبوا إلى الله فإنى أتوب إليه كل يوم مائة مرة" تفسير : ويجب أو يتأكد أو يستحب أقوال أن يتوب المذنب من ذنبه إذا تذكره، ولو فعله قبل إسلامه. {لَعَلَّكم تُفْلحون * وأنكحُوا} تحصينا عن الزنى ومقدماته، فان الوطأ بالحلال يزيل تعلق القلب بالزنى ويزيل وسواس القلب، ويسكن الغضب، وينفع من بعض الفروج، فيمن كان طبعه الحرارة، ويصفى القلب، ويقال كل شهوة تقسى القلب إلا الجماع، فإنه يصفيه، ولذلك تفعله الأنبياء، وذلك كله للرجل والمرأة {الأيامى} جمع أيم، وهو من لا زوج له من الرجال أو النساء، سواء كان له أو لها زوج من قبل، وافترقا بوجه أم لا، وقيل حقيق فيمن كان له، وفارقه مجاز فيمن لم يكن له ويناسبه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن فى نفسها وإذنها صماتها"تفسير : إذ قابلها بالبكر، ويجوز انه استعمل فى الحديث، فى واحد من معنيين وضع لهما كما تقول: الزوج والمرأة، مع أن المرأة تسمى زوجاً حقيقة كالرجل، وهو فعيل جمع على فعالى شذوذاً، لأن فيعلا لا يجمع على فعالى، بل على فعايل بالياء لأصالتها فى المفرد، فقال بعض أصله أيايم بالياء أخرت، وفتحت الميم تخفيفاً، فقلبت ألفاً لتحركها بعد فتح. {منكم} حال ومن للتبعيض أو متعلق بانكحو، ومن للابتداء، أى زوجوهم منكم لا من العبيد والاماء، وأهل الكتاب ما وجدتم او زوجوهم أزواجا ثابتين منكم {والصالحين} فى الدين أو للنكاح والقيام بحقوقه {مِن عبادِكُم} مماليككم الذكور، {وإمائكم} والخطاب للسادات، والأمر هنا لمطلق الزجر عن العزم والقصد الى ترك الانكاح البتة. وهذا المعنى صالح للوجوب، كما إذا طلبت المرأة التزوج من كفئها، فيجب على الوالى تزويجها، سواء أكانت ثيبا وهو من تزوجت قبل، وفارقت زالت عذريتها أو لم تزل أم بكراً وهى من لم تتزوج، ولو زالت عذرتها، وصالح لعدم الوجوب كالتوسط فى التزويج بالأمر به، وبالاعانة فيه، وكتزويج السيد عبده أو أمته، وقيل يجب تزويجهما عليه اذا طلبا، وهو مذهبنا المشهور، وعليه فالأمر للوجوب، على أن المراد بالأيامى الاناث يجب على أوليائهن تزويجهن إذا طلبن كفأهن أو لم يطلبن، وكان عدم التزوج فسادا لهن، إلا إن أتين فلا جبر ولو كان الأيامى فقراء. {إنْ يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} الضمير للأيامى، فلا يقول الولى: لا أزوجك لأنك لا تجدين مالاً، ولا تقل للرجل لا تتزوج، لأنك فقير، أو الضمير للأيامى والعبيد والاماء، والمعنى إن تعللتم بأن لا تتزوجوا الاماء والعبيد، لأنه لا مال لهم، وأنه إن متم بقوا فقراء، أو اعتقتموهم بقوا فقراء، أو بقولكم لا مال لنا، وهم معنا فقراء يفقرنا، فان الله تعالى يعينهم من فضله. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازى فى سبيل الله"تفسير : وشكا اليه رجل الفقر فأمره بالتزوج، وقال: "حديث : التمسوا الرزق بالنكاح"تفسير : وقال عمر: ابتغوا الغنى فى الباءة، وقال الصديق: بالمعنى أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، وقرأ: {إنْ يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} وذلك أن الزوج تعينه بكسبها، وكذا ينفعه أهلها، وأحبابها. وشاهدت رجالا قامت بهم أزواجهم والولد أيضاً يعين، وهو يحصل بالتزوج، ويزيد اهتمامه واجتهاده فى الكسب للنفقة عليها، فيحصل له رزق، وإن قيل: وجدنا بعضنا تزوج ولم يستعن، فقد قال الصديق أطيعوا الله فيما أمركم ينجز لكم ما وعد. {والله واسِعٌ} ذو سعة فى المال لا يعجزه إغناء الخلق كلهم، لا ينفد ما عنده {عليمٌ} بالمصالح، لا يقال هنا عليم بمن يبسط له، ومن يقدر، لأن قولك ينافى قوله: {يغنهم الله}.
الالوسي
تفسير : {وَقُل لّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ } فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه، كالعورات من الرجال والنساء وهي ما بين السرة والركبة، وفي «الزواجر» لابن حجر المكي كما يحرم نظر الرجل للمرأة يحرم نظرها إليه ولو بلا شهوة ولا خوف فتنة، نعم إن كان بينهما محرمية نسب أو رضاع أو مصاهرة نظر كل إلى ما عدا ما بين سرة الآخر وركبته. والمذكور في بعض «كتب الأصحاب» إن كان نظرها إلى ما عدا ما بين السرة والركبة بشهوة حرم وإن بدونها لا يحرم. نعم غضها بصرها من الأجانب أصلاً أولى بها وأحسن، فقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي والبيهقي في «سننه» عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه الصلاة والسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه فقلت: يا رسول الله هو أعمى لا يبصر قال: أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟، واستدل به من قال بحرمة نظر المرأة إلى شيء من الرجل الأجنبـي مطلقاً، ولا يبعد القول بحرمة نظر المرأة إلى المرأة ما عدا ما بين السرة والركبة إذا كان بشهوة ولا تستبعد وقوع هذا النظر فإنه كثير ممن يستعملن السحاق من النساء والعياذ بالله تعالى. {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } أي عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق أو من الإبداء أو مما يعم ذلك والإبداء {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } أي ما يتزين به من الحلى ونحوه {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أي إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا مؤاخذة في إبدائه للأجانب وإنما المؤاخذة في إبداء ما خفي من الزينة كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط. وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتستر لأن هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها إلا لمن استثني في الآية بعد وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن فنهى عن إبداء الزين نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع - بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها كالنظر إلى سوار امرأة يباع في السوق لا مقال في حله - كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكناً في الحظر ثابت القدم في الحرمة شاهداً على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله تعالى في الكشف عنها كذا في «الكشاف»، وهو على ما قال الطيبـي مشعر بأن ما ذكر من باب الكناية على نحو قولهم: فلان طاهر الجيب طاهر الذيل. وقال صاحب «الفرائد»: هو من باب إطلاق اسم الحال على المحل فالمراد بالزينة مواقعها فيكون حرمة النظر إلى المواقع بعبارة النص بدلالته وهي أقوى، وفيه بحث. وقيل: الكلام على تقدير مضاف أي لا يبدين مواقع زينتهن. وقال ابن المنير: الزينة على حقيقتها وما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله عز وجل: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ } الآية يحقق أن إبداء الزينة مقصود بالنهي، وأيضاً لو كان المراد من الزينة موقعها للزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من مواقع الزين الظاهرة وهذا باطل لأن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة، وأنت تعلم أن ابن المنير مالكي وما ذكره مبني على مذهبه وما ذكره الزمخشري مبني على المشهور من مذهب الإمام أبـي حنيفة من أن مواقع الزين الظاهرة من الوجه والكفين والقدمين ليست بعورة / مطلقاً فلا يحرم النظر إليها، وقد أخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أسماء بنت أبـي بكر دخلت على النبـي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفه صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } رقعة الوجه وباطن الكف، وأخرجا عن ابن عمر أنه قال: الوجه والكفان ولعل القدمين عندهما كالكفين إلا أنهما لم يذكراهما اكتفاء بالعلم بالمقايسة فإن الحرج في سترهما أشد من الحرج في ستر الكفين لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء العرب الفقيرات اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات. ومذهب الشافعي عليه الرحمة كما في «الزواجر» أن الوجه والكفين ظهرهما وبطنهما إلى الكوعين عورة في النظر من المرأة ولو أمة على الأصح وإن كانا ليسا عورة من الحرة في الصلاة، وفي «المنهاج وشرحه» لابن حجر في باب شروط الصلاة: عورة الأمة ولو مبعضة ومكاتبة وأم ولد كعورة الرجل ما بين السرة والركبة في الأصح وعورة الحرة ولو غير مميزة والخنثى الحر ما سوى الوجه والكفين وإنما حرم نظرهما كالزائد على عورة الأمة لأن ذلك مظنة الفتنة، ويجب في الخلوة ستر سوأة الأمة كالرجل وما بين سرة وركبة الحرة فقط إلا لأدنى غرض كتبريد وخشية غبار على ثوب يجمله انتهى. وذكر في «الزواجر» حرمة نظر سائر ما انفصل من المرأة لأن رؤية البعض ربما جر إلى رؤية الكل فكان اللائق حرمة نظره أيضاً بل قال: حرم أئمتنا النظر لقلامة ظفر المرأة المنفصلة ولو من يدها، وذهب بعض الشافعية إلى حل النظر إلى الوجه والكف إن أمنت الفتنة وليس بمعول عليه عندهم، وفسر بعض أجلتهم ما ظهر بالوجه والكفين بعد أن ساق الآية دليلاً على أن عورة الحرة ما سواهما، وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما يحرم نظره عورة، وأنت تعلم أن إباحة إبداء الوجه والكفين حسبما تقتضيه الآية عندهم مع القول بحرمة النظر إليهما مطلقاً في غاية البعد فتأمّل. واعلم أنه إذا كان المراد النهي عن إبداء مواقع الزينة، وقيل: بعمومها الوجه والكفين والتزم القول بكونهما عورة وحرمة إبدائهما لغير من استثنى بعد يجوز أن يكون الاستثناء في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } من الحكم الثابت بطريق الإشارة وهو المؤاخذة في دار الجزاء، ويكون المعنى أن ما ظهر منها من غير إظهار كأن كشفته الريح مثلاً فهن غير مؤاخذات به في دار الجزاء، وفي حكم ذلك ما لزم إظهاره لنحو تحمل شهادة ومعالجة طبيب، وروى الطبراني والحاكم وصححه وابن المنذر وجمع آخرون عن ابن مسعود أن ما ظهر الثياب والجلباب، وفي رواية الاقتصار على الثياب وعليها اقتصر أيضاً الإمام أحمد. وقد جاء إطلاق الزينة عليها في قوله تعالى: { أية : خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } تفسير : [الأعراف: 31] على ما في «البحر»، وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس أن ما ظهر الكحل والخاتم والقرط والقلادة. وأخرج ابن أبـي شيبة عن عكرمة أنه الكف وثغرة النحر، وعن الحسن أنه الخاتم والسوار، وروي غير ذلك، ولا يخفى أن بعض الأخبار ظاهر في حمل الزينة على المعنى المتبادر منها وبعضها ظاهر في حملها على مواقعها، وقال ابن بحر: الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله تعالى وعلى ما يتزين به من فضل لباس، والمراد في الآية النهي عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم واستثنى ما لا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف، وأنكر بعضهم إطلاق الزينة على الخلقة، قال في «البحر»: والأقرب دخولها / في الزينة وأي زينة أحسن من الخلقة المعتدلة. {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } إرشاد إلى كيفية إخفاء بعض مواقع الزينة بعد النهي عن إبدائها، والخمر جمع خمار ويجمع في القلة على أخمرة وكلا الجمعين مقيس وهو المقنعة التي تلقيها المرأة على رأسها من الخمر وهو الستر، والجيوب جمع جيب وهو فتح في أعلى القميص يبدو منه بعض الجسد، وأصله على ما قيل من الجيب بمعنى القطع؛ وفي «الصحاح» تقول: جبت القميص أجوبه وأجيبه إذا قورت جيبه، قال الراجز: شعر : باتت تجيب أدعج الظلام جيب البيطر مدرع الهمام تفسير : وإطلاقه على ما ذكر هو المعروف لغة، وأما إطلاقه على ما يكون في الجنب لوضع الدراهم ونحوها كما هو الشائع بيننا اليوم فليس من كلام العرب كما ذكره ابن تيمية لكنه ليس بخطأ بحسب المعنى. والمراد من الآية كما روي ابن أبـي حاتم عن ابن جبير أمرهن بستر نحورهنّ وصدورهن بخمرهن لئلا يرى منها شيء وكان النساء يغطين رؤوسهن بالخمر ويسدلنها كعادة الجاهلية من وراء الظهر فيبدو نحورهن وبعض صدورهن، وصح أنه لما نزلت هذه الآية سارع نساء المهاجرين إلى امتثال ما فيها فشققن مروطهن فاختمرن بها تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله تعالى من كتابه، وعدى يضرب بعلى على ما قال أبو حيان لتضمينه معنى الوضع والإلقاء، وقيل معنى الشد، وظاهر كلام الراغب أنه يتعدى بعلى بدون تضمين. وقرأ عباس عن أبـي عمرو {وليضربن } بكسر اللام وطلحة {بخمرهن } بسكون الميم، وقرأ غير واحد من السبعة {جيوبهن} بكسر الجيم والضم هو الأصل لأن فعلا يجمع على فعول في الصحيح والمعتل كفلوس وبيوت والكسر لمناسبة الياء، وزعم الزجاج أنها لغة رديئة. {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } كرر النهي لاستثناء بعض مواد الرخصة عنه باعتبار الناظر بعد ما استثنى عنه بعض مواد الضرورة باعتبار المنظور {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ } أي أزواجهن فإنهم المقصودون بالزينة والمأمورات نساؤهم بها لهم حتى أن لهم ضربهن على تركها ولهم النظر إلى جميع بدنهن حتى المحل المعهود كما في «إِرشاد العقل السليم». وكره النظر إلى ذلك أكثر الشافعية وحرمه بعضهم، وقيل: إنه خلاف الأولى وهو على ما قال الخفاجي: مذهب الحنفية وتفصيله في «الهداية» وفيما ذكرنا إشارة إلى وجه تقديم (بعولتهن). {أَوْ ءابَائِهِنَّ أَوْ ءابَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوٰتِهِنَّ } لكثرة المخالطة الضرورية بينهم وبينهن وقلة توقع الفتنة من قبلهم ولهم أن ينظروا منهن ما يبدو عند المهنة والخدمة وهذا الحكم ليس خالصاً بالآباء الأقربين بل آباء الآباء وإن علوا كذلك ومثلهم آباء الأمهات وكذا ليس خاصاً بالأبناء والبنين الصلبيين بل يعمهم وأبناء الأبناء وبني البنين وإن سفلوا، والمراد بالإخوان ما يشمل الأعيان وهم الأخوة لأب واحد وأم واحدة وبني العلات وهم أولاد الرجل من نسوة شتى والأخياف وهم أولاد المرأة من آباء شتى ونظير ذلك يقال في الأخوات، واستعمل {بَنِي } معهم دون أبناء لأنه أوفق بالعموم وأكثر استعمالاً في الجماعة ينتمون إلى شخص مع عدم اتحاد صنف قرابتهم فيما بينهم ألا ترى أنك كثيراً ما تسمع بني آدم وبني تميم وقلما تسمع أبناء آدم وأبناء تميم وفيما نحن فيه قد يجتمع للمرأة ابن أخ شقيق وابن أخ لأب وابن أخ لأم بل قد يجتمع لها أبناء أخ شقيق أو إخوة أشقاء أعيان وبنو علات وأبناء أخ / أو إخوة لأب وأبناء أخ أو إخوة لأم كذلك ويتأتى مثل ذلك في ابن الأخت لكن لا يتصور هنا بنو العلات كما لا يتصور في أبناء الأخ الأخياف والاجتماع في أبنائهن وأبناء بعولتهن وإن اتفق لكنه ليس بتلك المثابة. وقيل اختير في الأخيرين {بَنِي } لأنه لو جيء بأبناء تلاقت همزتان إحداهما همزة أبناء والثانية همزة إخوان أو أخوات وهو على ما فيه لا يحسم مادة السؤال إذ للسائل أن يقول بعد: لم اختير في الأولين {أَبْنَاء } دون بني ويحتاج إلى نحو أن يقال اختير ذلك لأنه أوفق بآباء، وقيل اختير {أَبْنَاء } في الأولين لهذا، واختير بني في {بَنِى أَخَوٰتِهِنَّ } ليكون المضاف والمضاف إليه من نوع واحد، وفي بني إخوانهن للمشاكلة وفيه ما فيه. ولم يذكر سبحانه الأعمام والأخوال مع أنهم كما قال الحسن وابن جبير كسائر المحارم في جواز إبداء الزينة لهم قيل لأنهم في معنى الإخوان من حيث كون الجد سواء كان أب الأب أو أب الأم في معنى الأب فيكون ابنه في معنى الأخ، وقيل لم يذكرهم سبحانه لما أن الأحوط أن يستترن عنهم حذاراً من أن يصفوهن لأبنائهم فيؤدي ذلك إلى نظر الأبناء إليهن. وأخرج ذلك ابن المنذر وابن أبـي شيبة عن الشعبـي. وفيه من الدلالة على وجوب التستر من الأجانب ما فيه. وضعف بأنه يجري في آباء البعولة إذ لو رأوا زينتهن لربما وصفوهن لأبنائهم وهم ليسوا محارم فيؤدي إلى نظرهم إليهن لا سيما إذا كن خليات، وقيل لم يذكروا اكتفاء بذكر الآباء فإنهم عند الناس بمنزلتهم لا سيما الأعمام وكثيراً ما يطلق الأب على العم، ومنه قوله تعالى: { أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأِبِيهِ ءازَرَ } تفسير : [الأنعام: 74] ثم أن المحرمية المبيحة للإبداء كما تكون من جهة النسب تكون من جهة الرضاع فيجوز أن يبدين زينتهن لآبائهن وأبنائهن مثلاً من الرضاع. {أَوْ نِسَائِهِنَّ } المختصات بهن بالصحبة والخدمة من حرائر المؤمنات فإن الكوافر لا يتحرجن أن يصفنهن للرجال فهن في إبداء الزينة لهن كالرجال الأجانب، ولا فرق في ذلك بين الذمية وغيرها وإلى هذا ذهب أكثر السلف. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في «سننه» عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى أبـي عبيدة رضي الله تعالى عنه أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك فإنه من قبلك عن ذلك فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تنظر إلى عورتها إلا من كانت من أهل ملتها. وفي «روضة النووي» في نظر الذمية إلى المسلمة وجهان أصحهما عند الغزالي أنها كالمسلمة وأصحهما عند البغوي المنع، وفي «المنهاج» له الأصح تحريم نظر ذمية إلى مسلمة، ومقتضاه أنها معها كالأجنبـي واعتمده جمع من الشافعية، وقال ابن حجر: الأصح تحريم نظرها إلى ما لا يبدو في المهنة من مسلمة غير سيدتها ومحرمها ودخول الذميات على أمهات المؤمنين الوارد في الأحاديث الصحيحة دليل لحل نظرها منها ما يبدو في المهنة. وقال الإمام الرازي: ((المذهب أنها كالمسلمة، والمراد بنسائهن جميع النساء، وقول السلف محمول على الاستحباب)) وهذا القول أرفق بالناس اليوم فإنه لا يكاد يمكن احتجاب المسلمات عن الذميات. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } أي من الإماء ولو كوافر وأما العبيد فهم كالأجانب، وهذا مذهب أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وأحد قولين في مذهب الشافعي عليه الرحمة وصححه كثير من الشافعية والقول الآخر أنهم كالمحارم وصحح أيضاً، ففي «المنهاج وشرحه» لابن حجر: والأصح أن نظر العبد العدل - ولا يكفي العفة عن / الزنا فقط غير المشترك والمبعض وغير المكاتب كما في «الروضة» عن القاضي وأقره وإن أطالوا في رده - إلى سيدته المتصفة بالعدالة كالنظر إلى محرم فينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة وتنظر منه ذلك ويلحق بالمحرم أيضاً في الخلوة والسفر ا هـ بتلخيص، وإلى كون العبد كالأمة ذهب ابن المسيب ثم رجع عنه وقال: لا يغرنكم آية النور فإنها في الإناث دون الذكور، وعلل بأنهم فحول ليسوا أزواجاً ولا محارم والشهوة متحققة فيهم لجواز النكاح في الجملة كما في «الهداية». وروي عن ابن مسعود والحسن وابن سيرين أنهم قالوا: لا ينظر العبد إلى شعر مولاته، وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن طاوس أنه سئل هل يرى غلام المرأة رأسها وقدمها؟ قال: ما أحب ذلك إلا أن يكون غلاماً يسيراً فأما رجل ذو لحية فلا، ومذهب عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما، وروي عن بعض أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أنه يجوز للعبد أن ينظر من سيدته ما ينظر أولئك المستثنون. وروي عن عائشة أنها كانت تمتشط وعبدها ينظر إليها وانها قالت لذكوان: إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر، وعن مجاهد كانت أمهات المؤمنين لا يحتجبن عن مكاتبهن ما بقي عليه درهم. وأخرج أحمد في «مسنده» وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبـي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة رضي الله تعالى عنها بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة رضي الله تعالى عنها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبـي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك. والذي يقتضيه ظاهر الآية عدم الفرق بين الذكر والأنثى لعموم (ما) ولأنه لو كان المراد الإناث خاصة لقيل أو إمائهن فإنه أخصر ونص في المقصود، وإذا ضم الخبر المذكور إلى ذلك قوي القول بعدم الفرق والتفصي عن ذلك صعب، وأحسن ما قيل في الجواب عن الخبر أن الغلام فيه كان صبياً إذ الغلام يختص حقيقة به فتأمل، وخرج بإضافة الملك إليهن عبد الزوج فهو والأجنبـي سواء قيل: وجعله بعضهم كالمحرم لقراءة {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ }. {أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرّجَالِ } أي الذين يتبعون ليصيبوا من فضل الطعام غير أصحاب الحاجة إلى النساء وهم الشيوخ الطاعنون في السن الذين فنت شهواتهم والممسوحون الذين قطعت ذكورهم وخصاهم، وفي المجبوب وهو الذي قطع ذكره والخصي وهو من قطع خصاه خلاف واختير أنهما في حرمة النظر كغيرهما من الأجانب وكان معاوية يرى جواز نظر الخصي ولا يعتد برأيه وهو على ما قيل أول من اتخذ الخصيان، وعن ميسون الكلابية أن معاوية دخل عليها ومعه خصي فتقنعت منه فقال: هو خصي فقالت: يا معاوية أترى أن المثلة به تحلل ما حرم الله تعالى، وليس له أن يستدل بما روي أن المقوقس أهدى للنبـي صلى الله عليه وسلم خصياً فقبله إذ لا دلالة فيه على جواز إدخاله على النساء. وأخرج ابن جرير وجماعة عن مجاهد أن غير أولي الإربة الأبله الذي لا يعرف أمر النساء وروي ذلك عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه، وعن ابن جبير أنه المعتوه ومثله المجنون كما قال ابن عطية. وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه المخنث الذي لا يقوم زبه لكن أخرج مسلم وأبو دواد والنسائي وغيرهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رجل يدخل على أزواج / النبي صلى الله عليه وسلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل النبي عليه الصلاة والسلام يوماً وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أرى هذا يعرف ما هٰهنا لا يدخل عليكن فحجبوه، وجاء أنه عليه الصلاة والسلام أخرجه فكان بالبيداء يدخل كل جمعة يستطعم، ولعل الأولى حمل غير أولي الإربة على الذين لا حاجة لهم بالنساء ولا يعرفون شيئاً من أمورهن بحيث لا تحدثهم أنفسهم بفاحشة ولا يصفوهن للأجانب ولا أرى الاكتفاء في غير أولي الإربة بعدم الحاجة إلى النساء إذ لا تنتفي به مفسدة الإبداء بالكلية كما لا يخفى. ولعل في الخبر نوع إيماء إلى هذا؛ وفي «المنهاج وشرحه» لابن حجر عليه الرحمة، والأصح أن نظر الممسوح ذكره كله وأنثياه بشرط أن لا يبقى فيه ميل للنساء أصلاً وإسلامه في المسلمة ولو أجنبياً لأجنبية متصفة بالعدالة كالنظر إلى محرم فينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة وتنظر منه ذلك ويلحق بالمحرم أيضاً في الخلوة والسفر ويعلم منه أن التمثيل بالممسوح فيما سبق ليس على إطلاقه، وأما الشيخ الهم والمخنث فهما عند الشافعية في النظر إلى الأجنبيات ليسا كالممسوح، وصححوا أيضاً أن المجنون يجب الاحتجاب منه فلا تغفل. وجر {غَيْرِ } قيل على البدلية لا الوصفية لاحتياجها إلى تكلف جعل التابعين لعدم تعينهم كالنكرة كما قاله الزجاج أو جعل {غَيْرِ } متعرفاً بالإضافة هنا مثلها في الفاتحة [7] وفيه نظر. وقرأ ابن عامر وأبو بكر {غير } بالنصب على الحال والاستثناء. {أَوِ ٱلطّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرٰتِ ٱلنّسَاء } أي الأطفال الذين لم يعرفوا ما العورة ولم يميزوا بينها وبين غيرها على أن {لَمْ يَظْهَرُواْ } الخ من قولهم ظهر على الشيء إذا اطلع عليه فجعل كناية عن ذلك أو الذين لم يبلغوا حد الشهوة والقدرة على الجماع على أنه من ظهر على فلان إذا قوي عليه ومنه قوله تعالى: { أية : فَأَصْبَحُواْ ظَـٰهِرِينَ } تفسير : [الصف: 14] ويشمل الطفل الموصوف بالصفة المذكورة بهذا المعنى المراهق الذي لم يظهر منه تشوق للنساء، وقد ذكر بعض أئمة الشافعية أنه كالبالغ فيلزم الاحتجاب منه على الأصح كالمراهق الذي ظهر منه ذلك، ويشمل أيضاً من دون المراهق لكنه بحيث يحكي ما يراه على وجهه. وذكروا في غير المراهق أنه إن كان بهذه الحيثية فكالمحرم وإلا فكالعدم فيباح بحضوره ما يباح في الخلوة فلا تغفل. والظاهر أن {ٱلطّفْلِ } عطف على قوله تعالى: {لِبُعُولَتِهِنَّ } أو على ما بعده من نظائره لا على {ٱلرّجَالِ } وكلام أبـي حيان ظاهر في أنه عطف عليه وليس بشيء، ثم هو مفرد محلى بأل الجنسية فيعم ولهذا كما قال في «البحر»: وصف بالجمع فكأنه قيل: أو الأطفال كما هو المروي عن مصحف حفصة، ومثل ذلك قولهم: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض، وقيل هو مفرد وضع موضع الجمع، ونحوه قوله تعالى: { أية : ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } تفسير : [غافر: 67]. وتعقب بأن وضع المفرد موضع الجمع لا ينقاس عند سيبويه وما هنا عنده من باب المفرد المعرف بلام الجنس وهو يعم بدليل صحة الاستثناء منه، والآية المذكورة يحتمل أن تكون عنده على معنى ثم يخرج كل واحد منكم طفلاً كما قيل في قوله تعالى: { أية : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ } تفسير : [يوسف: 31] أنه على معنى واعتدت لكل واحدة منهن متكأ فلا يتعين كون {طِفْلاً } فيها مما لا ينقاس عنده، وقال الراغب: إن {طِفْلاً } يقع على الجمع كما يقع على المفرد ونص على / ذلك الجوهري، وكذا قال بعض النحاة: إنه في الأصل مصدر فيقع على القليل والكثير والأمر على هذا ظاهر جداً. والعورات جمع عورة وهي في الأصل ما يحترز من الاطلاع عليه وغلبت في سوأة الرجل والمرأة؛ ولغة أكثر العرب تسكين الواو في الجمع وهي قراءة الجمهور. وروي عن ابن عامر أنه قرأ {عورات } بفتح الواو، والمشهور أن تحريك الواو وكذا الياء في مثل هذا الجمع لغة هذيل بن مدركة. ونقل ابن خالويه في كتاب «شواذ القراآت» أن ابن أبـي إسحٰق والأعمش قرآ {عورات} بالفتح ثم قال: وسمعنا ابن مجاهد يقول: هو لحن، وإنما جعله لحناً وخطأ من قبل الرواية وإلا فله مذهب في العربية فإن بني تميم يقولون: روضات وجوزات وعورات بالفتح فيها وسائر العرب بالإسكان، وقال الفراء: العرب على تخفيف ذلك إلا هذيلاً فتثقل ما كان من هذا النوع من ذوات الياء والواو؛ وأنشدني بعضهم: شعر : أبو بيضات رائح متأوب رفيق بمسح المنكبين سبوح تفسير : {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ } أي ما يسترنه عن الرؤية {مِن زِينَتِهِنَّ } أي لا يضربن بأرجلهن الأرض ليتقعقع خلاخلهن فيعلم أنهن ذوات خلاخل فإن ذلك مما يورث الرجال ميلاً إليهن ويوهم أن لهن ميلاً إليهم. أخرج ابن جرير عن حضرمي أن امرأة اتخذت خلخالاً من فضة واتخذت جزعاً فمرت على قوم فضربت برجلها فوقع الخلخال على الجزع فصوت فأنزل الله تعالى {وَلاَ يَضْرِبْنَ } الخ، والنساء اليوم على جعل الخرز ونحوها في جوف الخلخال فإذا مشين به ولو هوناً صوت، ولهن من أنواع الحلي غير الخلخال ما يصوت عند المشيء أيضاً لا سيما إذا كان مع ضرب الرجل وشدة الوطء، ومن الناس من يحرك شهوته وسوسة الحلي أكثر من رؤيته. وفي النهي عن إبداء صوت الحلي بعد النهي عن إبداء عينه من النهي عن إبداء مواضعه ما لا يخفى. وربما يستدل بهذا النهي على النهي عن استماع صوتهن. والمذكور في معتبرات «كتب الشافعية» وإليه أميل أن صوتهن ليس بعورة فلا يحرم سماعه إلا إن خشي منه فتنة، وكذا إن التذ به كما بحثه الزركشي. وأما عند الحنفية فقال الإمام ابن الهمام: صرح في «النوازل» أن نغمة المرأة عورة ولذا قال النبـي صلى الله عليه وسلم: « حديث : التكبير للرجال والتصفيق للنساء » تفسير : فلا يحسن أن يسمعه الرجل اهـ. ثم اعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عن إبدائها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق ثيابهن ويتسترن به إذا خرجن من بيوتهن وهو غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان وفيه من النقوش الذهبية أو الفضية ما يبهر العيون، وأرى أن تمكين أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك ومشيهن به بين الأجانب من قلة الغيرة وقد عمت البلوى بذلك، ومثله ما عمت به البلوى أيضاً من عدم احتجاب أكثر النساء من إخوان بعولتهن وعدم مبالاة بعولتهن بذلك وكثيراً ما يأمرونهن به. وقد تحتجب المرأة منهم بعد الدخول أياماً إلى أن يعطوها شيئاً من الحلي ونحوه فتبدو لهم ولا تحتجب منهم بعد وكل ذلك مما لم يأذن به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأمثال ذلك كثير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. {وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً } تلوين للخطاب وصرف له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكل بطريق التغليب لإبراز كمال العناية بما في حيزه من أمر التوبة وأنها من معظمات المهمات الحقيقية بأن يكون سبحانه وتعالى الآمر / بهما لما أنه لا يكاد يخلو أحد من المكلفين عن نوع تفريط في إقامة مواجب التكاليف كما ينبغي لا سيما في الكف عن الشهوات. وقد أخرج أحمد والبخاري في «الأدب المفرد» ومسلم وابن مردويه والبيهقي في «شعب الإيمان» عن الأغر رضي الله تعالى عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه كل يوم مائة مرة» والمراد بالتوبة على هذا التوبة عما في الحال، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد التوبة عما كانوا يفعلونه قبل من إرسال النظر وغير ذلك وهو وإن جب بالإسلام لكنه يلزم الندم عليه والعزم على الكف عنه كلما يتذكر، وقد قالوا: إن هذا يلزم كل تائب عن خطيئة إذا تذكرها، ومنه يعلم أن ما يفعله كثير ممن يزعمون التوبة من نقل ما فعلوه من الذنوب على وجه التبجح والاستلذاذ دليل عن عدم صدق توبتهم. وفي تكرير الخطاب بقوله تعالى: {أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } تأكيد للإيجاب وإيذان بأن وصف الإيمان موجب للامتثال حتماً، وفي هذا دليل على أن المعاصي لا تخرج عن الإيمان. وقرأ ابن عامر {أَيه ٱلْمُؤْمِنُونَ } بضم الهاء، ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها، وضم ها التي للتنبيه بعد أي لغة لبني مالك رهط شقيق بن مسلمة. ووقف بعضهم بسكون الهاء لأنها كتبت في المصحف بلا ألف بعدها. ووقف أبو عمرو والكسائي ويعقوب ـ كما في «النشر» ـ بالألف على خلاف الرسم {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي لكي تفوزوا بذلك بسعادة الدارين أو مرجواً فلا حكم.
الواحدي
تفسير : {ولا يبدين زينتهنَّ} يعني: الخلخالين، والقُرطين، والقلائد، والدَّماليج، ونحوها ممَّا يخفى {إلاَّ ما ظهر منها} وهو الثِّياب، والكحل، والخاتم والخضاب، والسِّوار، فلا يجوز للمرأة أن تظهر إلاَّ وجهها ويديها إلى نصف الذِّراع {وليضربن بخمرهنَّ} وليلقين مقانعهنَّ {على جيوبهنَّ} ليسترن بذلك شعورهنَّ وقرطهنَّ وأعناقهنَّ {ولا يبدين زينتهن} يعني: الزِّنية الخفيَّة لا الظَّاهرة {إلاَّ لبعولتهن} أزواجهنَّ. وقوله: {أو نسائهنَّ} يعني: النِّساء المؤمنات، فلا يحلُّ لامرأةٍ مسلمةٍ أن تتجرَّد بين يدي امرأةٍ مشركةٍ إلاَّ إذا كانت المشركة مملوكةً لها، وهو قوله: {أو ما ملكت أيمانهن أوالتابعين غير أولي الإربة من الرجال} يعني: الذين يتَّبعون النِّساء يخدمونهنَّ ليصيبوا شيئاً، ولا حاجة لهم فيهنَّ، كالخصيِّ والخنثى، والشَّيخ الهَرِم، والأحمق العنِّين {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} لم يقووا عليها {ولا يضربن بأرجلهنَّ ليعلم ما يخفين من زينتهنَّ} أَيْ: لا يضربن بإحدى الرِّجلين على الأخرى ليصيب الخلخالُ الخلخالَ فيعلم أنَّ عليها خلخالين، فإنَّ ذلك يحرِّك من الشَّهوة {وتوبوا إلى الله جميعاً} راجعوا طاعة الله سبحانه فيما أمركم ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السُّورة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 31- قل أيضاً - يا أيها النبى - للمؤمنات: إنهن مأمورات بكف نظرهن عما يحرم النظر إليه، وأن يَصُنَّ فروجهن بالستر وعدم الاتصال غير المشروع، وألا يُظهرن للرجال ما يغريهم من المحاسن الخلقية والزينة كالصدر والعضد والقلادة، إلا ما يظهر من غير إظهار كالوجه واليد، واطلب منهن - يا أيها النبى - أن يسترن المواضع التى تبدو من فتحات الملابس، كالعنق والصدر، وذلك بأن يسترن عليها أغطية رؤوسهن، وألا يسمحن بظهور محاسنهن، إلا لأزواجهن والأقارب الذين يحرم عليهم التزوج منهن تحريماً مؤبداً كآبائهن أو آباء أزواجهن، أو أبنائهن أو أبناء أزواجهن من غيرهن، أو إخوانهن أو أبناء إخوانهن، ومثل هؤلاء صواحبهن، وسواء منهن الحرائر والمملوكات، والرجال الذين يعيشون معهن، ولا يوجد عندهم الحاجة والميل للنساء كالطاعنين فى السن، وكذلك الأطفال الذين لم يبلْغوا حد الشهوة، واطلب منهن أيضاً ألا يفعلن شيئاً يلفت أنظار الرجال إلى ما خفى من الزينة، وذلك كالضرب فى الأرض بأرجلهن، ليسمع صوت خلاخيلهن المستترة بالثياب، وتوبوا إلى الله جميعاً - أيها المؤمنون - فيما خالفتم فيه أمر الله، والتزموا آداب الدين لتسعدوا فى دنياكم وأخراكم. 32- وأعينوا على الابتعاد عن الزنا وما يوصل إليه بتزويج من لم يتزوج منْ رجالكم ونسائكم، ومَنْ كان صالحاً من مماليككم كذلك، ولا تكن رقة الحال مانعة من الزواج فإن الله سيهيئ وسائل العيش الكريم لمن أراد إعفاف نفسه، وفضل الله واسع لا يثقله إغناء الناس، هو عالم أتم العلم بالنيات وبكل ما يجرى فى الكون.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِّلْمُؤْمِنَاتِ} {أَبْصَارِهِنَّ} {آبَآئِهِنَّ} {آبَآءِ} {أَبْنَآئِهِنَّ} {أَخَوَاتِهِنَّ} {إِخْوَانِهِنَّ} {نِسَآئِهِنَّ} {أَيْمَانُهُنَّ} {ِٱلتَّابِعِينَ} {عَوْرَاتِ} {أَيُّهَا} (31) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلمُؤْمِنَاتِ أَنْ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَارِهِنَّ عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا لاَ يَحِلُّ لَهُنَّ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، وأَنْ يَغْضُضْنَ بَصَرَهُنَّ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الرِّجَالِ الأَجَانِبِ عَنْهُنَّ، لأَِنَّهُ أَوْلَى بِهِنَّ وَأَلْيَقُ، وَأَنْ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ عَنْ الفَوَاحِشِ، وَعَمَّا لاَ يَحِلُّ لَهُنَّ، وَعَنْ أنْ يَراهُنَّ، أَحَدٌ، وَأَنْ لاَ يُظْهِرْنَ شَيْئاً مِنَ الزِّينَةِ لِلأَجَانِبِ إِلاَّ مَا لاَ يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ كالرِّدَاءِ والثِّيَابِ والخلْخَالِ (وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الوَجْهِ والكَفَّيْنِ والخَاتَمِ)، وأَنْ يُلْقِينَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى فَتْحَاتِ ثِيَابِهِنَّ عِنْدَ الصُّدُورِ (جُيُوبِهِنَّ) لِيَسْتُرْنَ بِذَلِكَ شُعُورَهُنَّ وَأَعْنَاقُهُنَّ وَصُدُورَهُنَّ حَتَّى لاَ يُرى مِنْهَا شَيءٌ، وَأَنْ لاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ (كالسِّوارِ والخَاتَمِ والكُحْلِ والخِصَابِ...) إِلاَّ لِلأَزْوَاجِ وآبَاءِ الأَزْوَاجِ والإِخْوَةِ وأَبْنَائِهِمْ، وَأبْنَاءِ الأَخَوَاتِ، وأَبْنَاءِ الأَزْوَاجِ، وَبَقِيَةِ المَحَارِمِ الذينَ عَدَّدهُمْ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ، أو لِلنِّسَاءِ المُسْلِمَاتِ (نِسَائِهِنَّ - وَقِيلَ إِنَّ نِسَاءَهُنَّ تَعْنِي النِّسَاءَ المَخْتَصَّاتِ بِصُحْبَتِهِنَّ وخِدْمَتِهِنَّ)، أو لِمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ مِنْ عَبِيدَ مُسْلِمِينَ (وَقِيلَ حَتَّى لِغَيْرِ المُسْلِمِينَ)، أو الأَتْبَاعِ المُغَفَّلِينَ وَفِي عُقُولِهِمْ وَلَهٌ، وَلاَ يَشْتَهُونَ النِّسَاءَ (وَهُمْ التَّابِعُونَ غَيْرُ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ)، أو لِلأَطْفَالِ الصِّغَارِ الذينَ لاَ يَفْهَمُونَ أَحْوَالَ النِّسَاءِ وَعَوْرَاتِهِنَّ، أَمَّا اذَا كَانَ الطِّفْلُ مُرَاهِقاً أَوْ قَرِيباً مِنْهُ، يَعْرِفُ ذَلِكَ وَيَدْرِيهِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّوْهَاءِ والحَسْنَاءِ فَلاَ يُسْمَحُ لَهُ بالدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ). كَمَا أَمَرَهُنَّ اللهُ بِأَنْ لاَ يَمْشِينَ فِي الطُّرُقَاتِ وَفِي أَرْجُلِهِنَّ الخَلاَخِيلُ فَيَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ الأَرْضَ لِيُسمَعَ صَوْتُ مِشْيَتِهِنَّ، وَلِتَلْتَفِتَ الأَنْظَارُ إِلَيْهِنَّ، كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ نِسَاءُ الجَاهِلِيَّةِ. (وَفِي الحَدِيثِ حديث : الرَّافِلَةُ فِي الزَّيِنَةِ فِي غَيْرِ أَهْلِهَا كَمِثْلِ ظُلْمَةِ يَوْمِ القِيَامَةِتفسير : ). (أَخْرَجَهُ الترْمَذِي). وارْجِعُوا تَائِبِينَ إِلَى طَاعَةِ اللهِ يا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، وافْعَلْوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ ربُّكُم مِنَ التَّخَلُّقِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الجَمِيلَةِ والأَخْلاَقِ الحَمِيدَةِ، واتْرُكُوا مَا كَانَ عَلَيْهِ أهلُ الجَاهِلِيَّةِ مِنَ الصِّفَاتِ والأَخْلاَقِ الذَّمِيمَةِ، فإِنَّ الفَلاَحَ فِي فِعْلِ ما أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُه بِهِ، وَتَرْكِ مَا نَهَيا عَنْهُ. زِينَتَهُنَّ - مَوَاضِعَ زِينَتِهِنَّ مِنَ الجَسَدِ. ظَهَرَ مِنْهَا - الوَجْهُ والكفَّانِ والقَدَمَانِ. ولْيَضْرِبْنَ - وَلْيُلْقِينَ وَيُسْدِلْنَ. بِخُمُرِهِنَّ - أَغْطِيَةِ رُؤُوسِهِنَّ والمَقَانِعِ. جُيُوبِهِنَّ - فَتَحَاتِ ثِيَابِهِنَّ عِنْدَ الصُّدُورِ. نِسَائِهِنَّ - المُخْتَصَّاتِ بِخَدْمَتِهِنَّ وَصُحْبَتِهِنَّ. أُولِي الإرْبَةِ - أصْحَابِ الحَاجَةِ إِلَى النِّسَاءِ. لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ - لَمْ يَبْلُغوا حَدَّ الشَّهْوَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ذكر هنا المقابل، فأمر النساء بما أمر به الرجال، ثم زاد هنا مسألة الزينة. والزينة: هي الأمر الزائد عن الحد في الفطرية؛ لذلك يقولون للمرأة الجميلة بطبيعتها والتي لا تحتاج إلى أن تتزين: غانِية يعني: غنيت بجمالها عن التزيُّن فلا تحتاج إلى كحل في عينيها، ولا أحمر في خدَّيْها، لا تحتاج أن تستر قُلْبها بأسورة، ولا صدرها بعقد .. إلخ. فإنْ كانت المرأة دون هذا المستوى احتاجتْ لشيء من الزينة، لكن العجيب أنهن يُبالِغْنَ في هذه الزينة حتى تصبح كاللافتة النيون على كشك خشبي مائل، فترى مُسِنَّات يضعْنَ هذا الألوان وهذه المساحيق، فيَظْهَرن في صورة لا تليق؛ لأنه جمال مُصْطنع وزينة متكلفة يسمونها تطرية، وفيها قال المتنبي، وهو يصف جمال المرأة البدوية وجمال الحضرية: شعر : حُسْن الحِضارة مَجلْوبٌ بتطْرِيةٍ وفِي البَدَاوة حُسْنٌ غير مَجْلُوب تفسير : ومن رحمة الله بالنساء أن قال بعد {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ..} [النور: 31] قال: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ..} [النور: 31] يعني: الأشياء الضرورية، فالمرأة تحتاج لأنْ تمشي في الشارع، فتظهر عينيها وربما فيها كحل مثلاً، وتظهر يدها وفيها خاتم أو حناء، فلا مانع أن تُظهر مثل هذه الزينة الضرورية. لكن لا يظهر منها القُرْط مثلاً؛ لأن الخمار يستره ولا (الديكولتيه) أو العقد أو الأسورة أو الدُّمْلُك ولا الخلخال، فهذه زينة لا ينبغي أن تظهر. إذن: فالشارع أباح الزينة الطبيعية شريطةَ أن تكون في حدود، وأن تقصر على مَنْ جُعِلَتْ من أجله. ونلحظ في قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ..} [النور: 31] المراد تغطية الزينة، فالجارحة التي تحتها من باب أوْلَى، فالزينة تُغطِّي الجارحة، وقد أمر الله بسَتْر الزينة، فالجارحة من باب أَوْلَى. وقوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ..} [النور: 31]. الخُمر: جمع خِمّار، وهو غطاء الرأس الذي يُسْدل ليستر الرقبة والصدر. الجيوب: جميع جيب، وهو الفتحة العليا للثوب ويسمونها (القَبَّة) والمراد أن يستر الخمارُ فتحةَ الثوب ومنطقة الصدر، فلا يظهر منها شيء. والعجيب أن النساء تركْنَ هذا الواجب، بل ومن المفارقات أنهن يلبسْنَ القلادة ويُعلِّقن بها المصحف الشريف، إنه تناقض عجيب يدل على عدم الوعي وعدم الدراية بشرع الله مُنزِل هذا المصحف. وتأمل دقة التعبير القرآني في قوله تعالى {وَلْيَضْرِبْنَ ..} [النور: 31] والضرب هو: الوَقْع بشدة، فليس المراد أن تضع المرأة الطرحة على رأسها وتتركها هكذا للهواء، إنما عليها أنْ تُحكِمها على رأسها وصدرها وتربطها بإحكام. لذلك لما نزلت هذه الآية قالت السيدة عائشة: رحم الله نساء المهاجرات، لما نزلت الآية لم يكُنْ عندهم خُمر، فعمدْن إلى المروط فشقوها وصنعوا منها الخُمُر. إذن: راعَى الشارع الحكيم زِيَّ المرأة من أعلى، فقال: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ..} [النور: 31] ومن الأدنى فقال: {أية : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ..} تفسير : [الأحزاب: 59]. ثم يقول تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ..} [النور: 31] أي: أزواجهن؛ لأن الزينة جُعِلَتْ من أجلهم {أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ ..} [النور: 31] أبو الزوج، إلا أنْ يخاف منه الفتنة، فلا تبدي الزوجة زينتها أمامه. ومعنى {أَوْ نِسَآئِهِنَّ ..} [النور: 31] أي: النساء اللائي يعملْنَ معها في البيت كالوصيفات والخادمات {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ..} [النور: 31] والمراد هنا أيضاً ملْك اليمين من النساء دون الرجال. ويشترط في هؤلاء النساء أن يكُنَّ مسلمات، فإنْ كُنَّ كافرات كهؤلاء اللائي يستقدمونهن من دول أخرى، فلا يجوز للمرأة أن تُبدي زينتها أمامهن، وأن تعتبرهن في هذه المسألة كالرجال، لأنهن غير مسلمات وغير مؤتمنات على المسلمة، وربما ذهبت فوصفتْ ما رأتْ من سيدتها للرجل الكافر فينشغل بها. ومن العلماء مَنْ يرى أن مِلْك اليمين لا يخصُّ النساء فقط، إنما الرجال أيضاً، فللمرأة أنْ تُبدي زينتها أمامهم، قالوا: لأن هناك استقبالاً عاطفياً وامتناعاً عاطفياً في النفس البشرية، فالخادم في القَصْر لا ينظر إلى سيدته ولا إلى بناتها؛ لأنه لا يتسامى إلى هذه المرتبة، إلا إذا شجَّعْنَهُ، وفتحْنَ له الباب، وهذه مسألة أخرى. وقوله تعالى: {أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ ..} [النور: 31] أي: التابعين للبيت، والذين يعيشون على فضلاته، فتكون حياة التابع من حياة متبوعه، فليس عنده بيت يأويه؛ لذلك ينام في أيِّ مكان، وليس عنده طعام؛ لذلك يُطعمه الناس وهكذا، فهو ضائع لا هدفَ له ولا استقلاليةَ لحياته، وترى مثل هؤلاء يأكلون فضلات الموائد ويلبسون الخِرَق وينامون ولو على الأرصفة. مثل (الأهبل) أو المعتوه الذي يعطف الناس عليه، وليس له مطمع في النساء، ولا يفهم هذه المسألة، فلا يُخاف منه على النساء؛ لأنه لا حاجةَ له فيهن؛ ولا يتسامى لأنْ ينظر إلى أهل البيت. ومعنى: {غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ ..} [النور: 31] يعني: كأن يكون كبير السِّنِّ واهن القوى، لا قدرةَ له على هذه المسائل، أو يكون مجبوباً، مقطوع المتاع، ولا خطرَ من مثل هؤلاء على النساء. وقوله تعالى: {أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ ..} [النور: 31]. نلحظ هنا أن الطفل مفرد، لكن وُصِف بالجمع {ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ ..} [النور: 31] لماذا؟ قالوا: هذه سِمَة من سمات اللغة، وهي الدقة في التعبير، حيث تستخدم اللفظ المفرد للدلالة على المثنى وعلى الجمع. كما نقول: هذا قاضٍ عَدْلٌ، وهذان قاضيان عَدْل، وهؤلاء قضاة عَدْل، ولم نقل: عدلان وعدول، فإذا وحِّد الوصف في الجميع بدون هوى كان الوصف كالشيء الواحد، فالقاضي لا يحكم بمزاجه وهواه، والآخر بمزاجه وهواه، إنما الجميع يصدرون عن قانون واحد وميزان واحد. إذن: فالعدل واحد لا يُقَال بالتشكيك، وليس لكل واحد منهم عدل خاص به، العّدْل واحد. كذلك الحال في {ٱلطِّفْلِ ..} [النور: 31] مع أن المراد الأطفال، لكن قال (الطفل) لأن غرائزه مشتركة مع الكل، وليس له هَوىً، فكل الأطفال - إذن - كأنهم طفل واحد حيث لم يتكوّن لكل منهم فِكْره الخاص به، الجميع يحب اللهو واللعب، ولا شيءَ وراء ذلك، فالجمعية هنا غير واضحة لوجود التوحيد في الغرائز وفي الميول. بدليل أنه إذا كَبِر الأطفال وانتقلوا إلى مرحلة البلوغ وتكوَّن لديهم هَوىً وفِكْر وميْل يقول القرآن عنهم: {أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ ..} تفسير : [النور: 59] فنظر هنا إلى الجمع لعدم وجود التوحُّد في مرحلة الطفولة المبكرة. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ} تفسير : [الذاريات: 24] فوصف ضيف وهي مفرد بالجمع (مكرمين)؛ ذلك لأن ضَيْف تدل أيضاً على الجمع، فالضيف من انضاف على البيت وله حَقٌّ والتزامات لا بُدَّ أن يقدمها المضيف، مما يزيد على حاجة البيت، والضيف في هذه الالتزامات واحد، سواء كان مفرداً أو جماعة؛ لذلك دَلَّ بالمفرد على الجمع. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ ..} [النور: 31] يظهر على كذا: لها معنيان في اللغة: الأول: بمعنى يعلم كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ..} تفسير : [الكهف: 20] يعني: إنْ عَلِموا بكم وعرفوا مكانكم. والثاني: بمعنى يعلو ويغلب ويقهر، كما في قوله تعالى: {أية : فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ} تفسير : [الكهف: 97] أي: السد الذي بناه ذو القرنين، فالمعنى: ما استطاعوا أنْ يعلوه ويرتفعوا عليه. وهنا {لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ ..} [النور: 31] يعني: يعرفونها ويستبينونها، أو يقدرون على مطلوباتها، فليس لهم عِلْم أو دراية بهذه المسائل. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ..} [النور: 31]. الحق - تبارك وتعالى - يكشف ألاعيب النساء وحِيَلهنّ في جَذْب الأنظار، فإذا لم يلفتْك إليها النظر لفتَك الصوت الذي تحدثه بمشيتها كأنها تقول لك: يا بجم اسمع، يا للي ما نتاش شايف اسمع، وفي الماضي كُنَّ يلبسْنَ الخلخال الذي يُحدِث صوتاً أثناء المشي، والآن يجعلْنَ في أسفل الحذاء ما يُحدِث مثل هذا الصوت أثناء المشي، وأول مَنِ استخدم هذه الحيل الراقصات ليجذبن إليهن الأنظار. ومعلوم أن طريقة مَشْي المرأة تُبدِي الكثير من زينتها التي لا يراها الناس، وتُسبِّب كثيراً من الفتنة؛ لذلك يقول تعالى بعدها وفي ختام هذه المسائل: {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]. لم يَقُل الحق تبارك وتعالى: يا مَنْ أذنبتم بهذه الذنوب التي سبق الحديث عنها، إنما قال {جَمِيعاً ..} [النور: 31] فحثَّ الجميع على التوبة؛ ليدل على أن كل ابن آدم خطاء، ومهما كان المسلم مُتمسِّكاً ملتزماً فلا يأمن أنْ تفوته هفوة هنا أو هناك، والله - عز وجل - الخالق والأعلم بمَنْ خلق؛ لذلك فتح لهم باب التوبة وحثَّهم عليها، وقال لهم: ما عليكم إلا أنْ تتوبوا، وعليَّ أنا الباقي. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ ..}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} معناه أزواجُهُنّ. تفسير : وقوله تعالى: {أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ} معناه أُولي الحَاجةِ إِلى النِكاحِ.
الجيلاني
تفسير : {وَقُل} أيضاً يا أكمل الرسل {لِّلْمُؤْمِنَاتِ} المقيمات لحدود الله، المتحفظات لمحارمه: {يَغْضُضْنَ} وينقصن {مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} ويقصرن نظرهن إلى أزواجهن، {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} من الميل إلى المحارم، ولهن ألاَّ يعرضن نفوسهن إلى غاير أزوجهن، {وَلاَ يُبْدِينَ} ويظهرن {زِينَتَهُنَّ} لغيرهن {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ما ظهر من الثياب التي يلبسونهن، {وَ} من غاية تسترهم وتحفظهم {لْيَضْرِبْنَ} ويسترن {بِخُمُرِهِنَّ} ومقانعهن {عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} أي: نحورهن وصدورهن مبالغةً في التستر والتحفظ. {وَ} الجملة: {لاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} أي: التي يتزيَّن بها لازدياد الحسن {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} أي: لأزاجهن الزينةُ إنما هي لأجلهم {أَوْ آبَآئِهِنَّ} إذ هم الأولياء لهن {أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} لحفظهم محارم أبنائهم {أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ} لأنهم أُمناء على أمهاتهم {أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} لأنهم حافظون حمية آبائهم ومحارمهم {أَوْ إِخْوَانِهِنَّ} لأنهم أحفظُ عليهن منهن؛ لخوف لحوق العار حميةً وغيرةً {أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ} إذ هم كآبائهم في محافظتهن {أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} لأن نسبتهم إليهن كنسبتهم إلى آمهاتهم {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} أي: المسلمات مطلقاً؛ إذ لا يتصور منهم الضرر سوى السحاقة، والضرر والإيمان يمنع عنهما {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} إذ الاحتراز عنه حرجٌ؛ لأنهم من أهل الخدمة {أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ} أي: الحاجة والشهوة {مِنَ ٱلرِّجَالِ} الهرم الذين لا يبقى منهم الشهوة {أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ} لعدم بلوغهم وقت الحلم وثوران الشهرة. {وَ} أيضاً قل لهن: {لاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} على عادة الجهال من التبختر والرقص {لِيُعْلَمَ} ويظهر {مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَ} بالجملة: {تُوبُوۤاْ} رجالاً ونساءً {إِلَى ٱللَّهِ} المبدئِ المبدعِ لكم من كتم العدم {جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} بتحيد الله المصدقون لكتبه ورسله {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] وتفوزون بالفلاح والنجاح عند الملك التواب الفتاح.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ} [النور: 31] من النفس والقلب والروح {يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} عما مر ذكره ولأن المطالبة على النساء كالمطالبة على الرجال؛ لشمول تكليف الجنسين، فالواجب عليهن ترك المحظورات والندب والنفس لهن صون القلب عن الشواغل والخواطر الدنية، ثم إن ارتقينا بالهمم العالية، وهذه الحالة فالتعامي بقلوبهن عن غير المعبود، فإن للنساء نصيب، ويقال: قرن الله النهي عن النظر في المحارم يذكر حفظ الفرج فقال: {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31] تنبيهاً على عظم خطر النظر فإنه يدعو إلى الإقدام على الفعل وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : النظر سهم من سهام إبليس" تفسير : سهمي الذي لا يخطئ النظر وأنشدوا: شعر : وأنتَ إذا أرسلتَ طَرفَك رائداً لقلبِك يوماً أتْعَبَتْكَ المناظرُ تفسير : وقالوا: مَنْ أرسل طَرْفَه اقتضى حَتْفَه. {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] يشير إلى كتمان ما زين الله به سرائرهم من صفاء الأحوال وزكاة الأعمال، فإن بالإظهار بتقلب الزينة شيئاً إلا ما ظهر منها بتصرف ولرد حق أو يظهر عن واحد منهم نوع كرامة تكلف فلذلك مستثنى؛ لأنه غير مؤاخذ عالم يكمن بتصرفه وتكلفه {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] جيوب قلوبهن {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31] أي: يخفون الأحوال {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ} [النور: 31] يُشير إلى الشيوخ المتصرفين فيهم والأحوال المعاونين لهم والمريدين من المتمسكين بهم {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} [النور: 31] يعني: من تملكوا على نفوسهم بحسن الإرادة. {أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ} [النور: 31] أي: لأتباعهم الذين ليسوا من أهل الدنيا أرباب المناصب، فيكون للنفس في إظهار الأحوال والأسرار ثم إلى طلب الجاه عندهم والرئاسة على غيرهم. {أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ} [النور: 31] وهم أطفال الطريقة من أهل الإرادة غير مطلع على أسرار الشيوخ لهدايتهم إلى سبيل الرشاد وتشويقاً لهم إلى كمالات العباد على نية النصيحة والمعاونة على البر والتقوى {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} [النور: 31]، ولا يعتمدوا إلى قول وفعل وإظهار حال ليعلم ما هو المخفي من أحوالهم على الأغيار. وبقوله تعالى: {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [النور: 31] يشير إلى أن التوبة كما هو واجبة على المبتدئ عن ذنوب مثله فهي لازمة للمنتهي عن ذنوب مثله، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في كل يوم مائة مرةٍ" تفسير : فتوبة المبتدئ من المحرمات وتوبة المتوسط من ذوائب المحالات وتوبة المنتهي بإعراض عما سوى الله بكليته والإقبال على الله بكليته {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] ففلاح المبتدئ من النار إلى الجنة والمتوسط من أرض الجنة إلى أعلى عليين مقامات القرب ودرجاتها، والمنتهى من جنس الوجود المجازي إلى الوجود الحقيقي ومن ظلمة الخليقة إلى نور الربوبية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما أمر المؤمنين بغض الأبصار وحفظ الفروج، أمر المؤمنات بذلك، فقال: { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } عن النظر إلى العورات والرجال، بشهوة ونحو ذلك من النظر الممنوع، { وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } من التمكين من جماعها، أو مسها، أو النظر المحرم إليها. { وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } كالثياب الجميلة والحلي، وجميع البدن كله من الزينة، ولما كانت الثياب الظاهرة، لا بد لها منها، قال: { إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أي: الثياب الظاهرة، التي جرت العادة بلبسها إذا لم يكن في ذلك ما يدعو إلى الفتنة بها، { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } وهذا لكمال الاستتار، ويدل ذلك على أن الزينة التي يحرم إبداؤها، يدخل فيها جميع البدن، كما ذكرنا. ثم كرر النهي عن إبداء زينتهن، ليستثني منه قوله: { إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ } أي: أزواجهن { أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ } يشمل الأب بنفسه، والجد وإن علا { أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن } ويدخل فيه الأبناء وأبناء البعولة مهما نزلوا { أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ } أشقاء، أو لأب، أو لأم. { أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ } أي: يجوز للنساء أن ينظر بعضهن إلى بعض مطلقا، ويحتمل أن الإضافة تقتضي الجنسية، أي: النساء المسلمات، اللاتي من جنسكم، ففيه دليل لمن قال: إن المسلمة لا يجوز أن تنظر إليها الذمية. { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } فيجوز للمملوك إذا كان كله للأنثى، أن ينظر لسيدته، ما دامت مالكة له كله، فإن زال الملك أو بعضه، لم يجز النظر. { أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ } أي: أو الذين يتبعونكم، ويتعلقون بكم، من الرجال الذين لا إربة لهم في هذه الشهوة، كالمعتوه الذي لا يدري ما هنالك، وكالعنين الذي لم يبق له شهوة، لا في فرجه، ولا في قلبه، فإن هذا لا محذور من نظره. { أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } أي: الأطفال الذين دون التمييز، فإنه يجوز نظرهم للنساء الأجانب، وعلل تعالى ذلك، بأنهم لم يظهروا على عورات النساء، أي: ليس لهم علم بذلك، ولا وجدت فيهم الشهوة بعد ودل هذا، أن المميز تستتر منه المرأة، لأنه يظهر على عورات النساء. { وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ } أي: لا يضربن الأرض بأرجلهن، ليصوت ما عليهن من حلي، كخلاخل وغيرها، فتعلم زينتها بسببه، فيكون وسيلة إلى الفتنة. ويؤخذ من هذا ونحوه، قاعدة سد الوسائل، وأن الأمر إذا كان مباحا، ولكنه يفضي إلى محرم، أو يخاف من وقوعه، فإنه يمنع منه، فالضرب بالرجل في الأرض، الأصل أنه مباح، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة، منع منه. ولما أمر تعالى بهذه الأوامر الحسنة، ووصى بالوصايا المستحسنة، وكان لا بد من وقوع تقصير من المؤمن بذلك، أمر الله تعالى بالتوبة، فقال: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ } لأن المؤمن يدعوه إيمانه إلى التوبة ثم علق على ذلك الفلاح، فقال: { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة، وهي الرجوع مما يكرهه الله، ظاهرا وباطنا، إلى: ما يحبه ظاهرا وباطنا، ودل هذا، أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة، لأن الله خاطب المؤمنين جميعا، وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة في قوله: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ } أي: لا لمقصد غير وجهه، من سلامة من آفات الدنيا، أو رياء وسمعة، أو نحو ذلك من المقاصد الفاسدة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 727 : 21 : 8 - سفين عن منصور عن إبراهيم في قوله {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} إلى آخر الآية قال، هو ما فوق الذراع. [الآية 31]. 728 : 22 : 7 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد {غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ} (قال) هو الابله الذين يريد الطعام ولا يريد النساء. [الآية 31]. 729 : 23 : 6 - سفين عن السدي عن أبي مالك في قوله {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} قال، كان خرز في أرجلهن. إذا مررن بالرجال، ضربن أرجلهن، فيسمع صوته. [الآية 31].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} [31] 383 - أنا مُحمدُ بن حاتمٍ، أنا حبانُ، أنا عبدُ اللهِ، عن إبراهيم بن نافعٍ قال: سمعتُ الحسنَ بن مُسلمٍ يُحدِّثُ، عن صفيَّةَ بنتِ شيبةَ، عن عائشة قالت: لَمَّا نزلت هذه الآيةُ {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} قالت: أخذن النساءُ أُزرهُنَّ فَشَقَقْنَهَا من نحوِ الحواشي فاختمرنَ بها.
همام الصنعاني
تفسير : 2022- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: [الآية: 31]، قال: المسكتان، والخاتم والكحل. 2023- قال قتادة: وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يَحِلُّ لإمْرأتٍ تؤمِنُ بالله واليَوْم الآخر أن تُخْرِجَ من يدها إلا هَا هُنا، وقَبَضَ على نِصْفِ الذِّراع ". تفسير : 2024- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن رجل، عن المسور بن مخرمة، في قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: [الآية: 31]، قال: هو القَلْبانِ، والخاتم والكحل. 2025- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، أن ابن مسعود قال: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: الثياب. ثم قال أبو إسحاق، ألا ترى أنه يقول: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، [الأعراف: 31]. 2026- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن مجاهد، عن أبيه، عن أبن عَبَّاس، في قوله: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}: [الآية: 31]، قال: هو الكف والخضاب والخاتم. 2027- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ}: [الآية: 31]، قال: يرى الشيء من دُونِ الخِمارِ، فأما أن تسلخه فَلا. 2028- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ... أَوْ ....}: [الآية: 31]، القلادَة من الزينة [والدملج من الزينة] والخلْخال والقرْط كل هَذا زينة فلا بأس من أن تبديه عند كل ذي محرم، وأمَّا التجرَّدُ، فإن تلِّكَ عَوْرَةٌ، فلا [ينبغي] أن تتجرد إلا عند زوجها. 2029- عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَوِ ٱلتَّابِعِينَ}: [الآية: 31]، قال: هو التابع لك، الذي يتبعك يصيب من طَعامك. 2030- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله تعالى: {أية : وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}تفسير : : [النساء: 25]، قال: عن نكاح الأمة. 2031- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مُخَّنث فكانوا يعدونه من غير أولي الإِربة، فدخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم يَوْماً وهو عند أم سلمة وهو ينعت لعبد الله بن أبي أمية امرأةً فقال: إذا افْتَتَحْتُم الطائف غداً فإني رأيت (ابنة) الغيلان بن سلمة، إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمانٍ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخل هذا عليكن فحجبوه ". تفسير : 2032- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله تعالى: {غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ}: [الآية: 31]، قال: هو الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة، ولا أرَب. 2033- حدّثنا عبد الرزاق، قال معمر، قال: الزهري: الأحمق الذي لا همة له في النساء ولا أرب. 2034- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ}: [الآية: 31]، قال: هو الخلخال، تضرب المرأة برجلها ليُسْمَع صوت خلخالها. 2042- سلمة عن إبراهيم بن الحكم قال: حدثني أبي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ}: [الآية: 31] قال: الذي لا يقوم زبّه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):