Verse. 2823 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

وَاَنْكِحُوا الْاَيَامٰى مِنْكُمْ وَالصّٰلِحِيْنَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَاِمَاۗىِٕكُمْ۝۰ۭ اِنْ يَّكُوْنُوْا فُقَرَاۗءَ يُغْنِہِمُ اللہُ مِنْ فَضْلِہٖ۝۰ۭ وَاللہُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ۝۳۲
Waankihoo alayama minkum waalssaliheena min AAibadikum waimaikum in yakoonoo fuqaraa yughnihimu Allahu min fadlihi waAllahu wasiAAun AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأنكحوا الأيامى منكم» جمع أيم: وهي من ليس لها زوج بكرا كانت أو ثيبا ومن ليس له زوج وهذا في الأحرار والحرائر «والصالحين» المؤمنين «من عبادكم وإمائكم» وعباد من جموع عبد «إن يكونوا» أي الأحرار «فقراء يغنهم الله» بالتزوج «من فضله والله واسع» لخلقه «عليم» بهم.

32

Tafseer

الرازي

تفسير : الحكم الثامن ما يتعلق بالنكاح اعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بغض الأبصار وحفظ الفروج بين من بعد أن الذي أمر به إنما هو فيما لا يحل، فبين تعالى بعد ذلك طريق الحل فقال: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف الأيامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم فقلبا، وقال النضر بن شميل الأيم في كلام العرب كل ذكر لا أنثى معه وكل أنثى لا ذكر معها، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الضحاك، تقول: زوجوا أيامكم بعضكم من بعض، وقال الشاعر: شعر : فإن تنكحي انكح وإن تتأيمي وإن كنت أفتى منكموا أتأيم تفسير : المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ } [النور: 32] أمر وظاهر الأمر للوجوب على ما بيناه مراراً، فيدل على أن الولي يجب عليه تزويج مولاته وإذا ثبت هذا وجب أن لا يجوز النكاح إلا بولي، إما لأن كل من أوجب ذلك على الولي حكم بأنه لا يصح من المولية، وإما لأن المولية لو فعلت ذلك لفوتت على الولي التمكن من أداء هذا الواجب وأنه غير جائز، وإما لتطابق هذه الآية مع الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير » تفسير : قال أبو بكر الرازي هذه الآية وإن اقتضت بظاهرها الإيجاب إلا أنه أجمع السلف على أنه لم يرد به الإيجاب، ويدل عليه أمور: أحدها: أنه لو كان ذلك واجباً لورد النقل بفعله من النبي صلى الله عليه وسلم ومن السلف مستفيضاً شائعاً لعموم الحاجة إليه، فلما وجدنا عصر النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأعصار بعده قد كان في الناس أيامى من الرجال والنساء، فلم ينكروا عدم تزويجهن ثبت أنه ما أريد به الإيجاب وثانيها: أجمعنا على أن الأيم الثيب لو أبت التزوج لم يكن للولي إجبارها عليه وثالثها: اتفاق الكل على أنه لا يجبر على تزويج عبده وأمته وهو معطوف على الأيامى، فدل على أنه غير واجب في الجميع بل ندب في الجميع ورابعها: أن اسم الأيامى ينتظم فيه الرجال والنساء وهو في الرجال ما أريد به الأولياء دون غيرهم كذلك في النساء والجواب: أن جميع ما ذكرته تخصيصات تطرقت إلى الآية والعام بعد التخصيص يبقى حجة، فوجب أن يبقى حجة فيما إذا التمست المرأة الأيم من الولي التزويج وجب، وحينئذ ينتظم وجه الكلام. المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله، الآية تقتضي جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها، لأن الآية والحديث يدلان على أمر الولي يتزويجها، ولولا قيام الدلالة على أنه لا يزوج الثيب الكبيرة بغير رضاها لكان جائزاً له تزويجها أيضاً بغير رضاها، لعموم الآية، قال أبو بكر الرازي قوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ } لا يختص بالنساء دون الرجال على ما بينا فلما كان الاسم شاملاً للرجال والنساء وقد أضمر في الرجال تزويجهم بإذنهم فوجب استعمال ذلك الضمير في النساء، وأيضاً فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئمار البكر بقوله: « حديث : البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها » تفسير : وذلك أمر وإن كان في صورة الخبر، فثبت أنه لا يجوز تزويجها إلا بإذنها والجواب: أما الأول فهو تخصيص للنص وهو لا يقدح في كونه حجة والفرق أن الأيم من الرجال يتولى أمر نفسه فلا يجب على الولي تعهده أمره بخلاف المرأة، فإن احتياجها إلى من يصلح أمرها في التزويج أظهر، وأيضاً فلفظ الأيامى وإن تناول الرجال والنساء، فإذا أطلق لم يتناول إلا النساء، وإنما يتناول الرجال إذا قيد وأما الثاني: ففي تخصيص الآية بخبر الواحد كلام مشهور. المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة رحمه الله العم والأخ يليان تزويج البنت الصغيرة، ووجه الاستدلال بالآية كما تقدم. المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله، الناس في النكاح قسمان منهم من تتوق نفسه في النكاح فيستحب له أن ينكح إن وجد أهبة النكاح سواء كان مقبلاً على العبادة أو لم يكن كذلك، ولكن لا يجب أن ينكح، وإن لم يجد أهبة النكاح يكسر شهوته لما روى عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن الصوم له وجاء، تفسير : أما الذي لا تتوق نفسه إلى النكاح فإن كان ذلك لعلة به من كبر أو مرض أو عجز يكره له أن ينكح، لأنه يلتزم ما لا يمكنه القيام بحقه، وكذلك إذا كان لا يقدر على النفقة وإن لم يكن به عجز وكان قادراً على القيام بحقه لم يكره له النكاح، لكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله تعالى، وقال أبو حنيفة رحمه الله: النكاح أفضل من التخلي للعبادة، وحجة الشافعي رحمه الله وجوه: أحدها: قوله تعالى: { أية : وَسَيّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيّا مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [آل عمران: 39] مدح يحيى عليه السلام بكونه حصوراً والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليهن، ولا يقال هو الذي لا يأتي النساء مع العجز عنهن، لأن مدح الإنسان بما يكون عيباً غير جائز، وإذا ثبت أنه مدح في حق يحيى وجب أن يكون مشروعاً في حقنا لقوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } ولا يجوز حمل الهدى على الأصول لأن التقليد فيها غير جائز فوجب حمله على الفروع وثانيها: قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة » تفسير : ويتمسك أيضاً بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: « حديث : أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن » تفسير : وثالثها: أن النكاح مباح لقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : أحب المباحات إلى الله تعالى النكاح » تفسير : ويحمل الأحب على الأصلح في الدنيا لئلا يقع التناقض بين كونه أحب وبين كونه مباحاً، والمباح ما استوى طرفاه في الثواب والعقاب، والمندوب ما ترجح وجوده على عدمه فتكون العبادة أفضل ورابعها: أن النكاح ليس بعبادة بدليل أنه يصح من الكافر والعبادة لا تصح منه، فوجب أن تكون العبادة أفضل منه لقوله تعالى: { أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] والاشتغال بالمقصود أولى وخامسها: أن الله تعالى سوى بين التسري والنكاح ثم التسري مرجوح بالنسبة إلى العبادة ومساوى المرجوح مرجوح، فالنكاح مرجوح، وإنما قلنا إنه سوى بين التسري والنكاح لقوله تعالى: { أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } تفسير : [النساء: 3] وذكر كلمة أو للتخيير بين الشيئين، والتخيير بين الشيئين أمارة التساوي، كقول الطبيب للمريض كل الرمان أو التفاح، وإذا ثبت الاستواء فالتسري مرجوح، ومساوى المرجوح مرجوح، فالنكاح يجب أن يكون مرجوحاً وسادسها: أن النافلة أشق فتكون أكثر ثواباً بيان أنها أشق أن ميل الطباع إلى النكاح أكثر، ولولا ترغيب الشرع لما رغب أحد في النوافل، وإذا ثبت أنها أشق وجب أن تكون أكثر ثواباً لقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : أفضل العبادات أحمزها » تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: « حديث : أجرك على قدر نصبك » تفسير : وسابعها: لو كان النكاح مساوياً للنوافل في الثواب مع أن النوافل أشق منه لما كانت النوافل مشروعة. لأنه إذا حصل طريقان إلى تحصيل المقصود وكانا في الإفضاء إلى المقصود سببين وكان أحدهما شاقاً والآخر سهلاً، فإن العقلاء يستقبحون تحصيل ذلك المقصود بالطريق الشاق مع المكنة من الطريق السهل، ولما كانت النوافل مشروعة علمنا أنها أفضل وثامنها: لو كان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لكان الاشتغال بالحراثة والزراعة أولى من النافلة بالقياس على النكاح والجامع كون كل واحد منهما سبباً لبقاء هذا العالم ومحصلاً لنظامه وتاسعها: أجمعنا على أنه يقدم واجب العبادة على واجب النكاح، فيقدم مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب وعاشرها: أن النكاح اشتغال بتحصيل اللذات الحسية الداعية إلى الدنيا، والنافلة قطع العلائق الجسمانية وإقبال على الله تعالى فأين أحدهما من الآخر؟ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة » تفسير : فرجح الصلاة على النكاح، حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجوه: الأول: أن النكاح يتضمن صون النفس عن الزنا فيكون ذلك دفعاً للضرر عن النفس، والنافلة جلب النفع ودفع الضرر أولى من جلب النفع الثاني: أن النكاح يتضمن العدل والعدل أفضل من العبادة لقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة » تفسير : الثالث: النكاح سنة مؤكدة لقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : من رغب عن سنتي فليس مني » تفسير : وقال في الصلاة وإنها خير موضوع: « حديث : فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل » تفسير : فوجب أن يكون النكاح أفضل. المسألة السادسة: قوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ} [النور: 32] وإن كانت تتناول جميع الأيامى بحسب الظاهر لكنهم أجمعوا على أنه لا بد فيها من شروط، وقد تقدم شرحها في قوله: { أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } تفسير : [النساء: 24]. أما قوله تعالى: {مّنكُمْ } فقد حمله كثير من المفسرين على أن المراد هم الأحرار لينفصل الحر من العبد، وقال بعضهم بل المراد بذلك من يكون تحت ولاية المأمور من الولد أو القريب، ومنهم من قال الإضافة تفيد الحرية والإسلام. أما قوله تعالى: {وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر أنه أيضاً أمر للسادة بتزويج هذين الفريقين إذا كانوا صالحين، وأنه لا فرق بين هذا الأمر وبين الأمر بتزويج الأيامى في باب الوجوب، لكنهم اتفقوا على أنه إباحة أو ترغيب، فأما أن يكون واجباً فلا، وفرقوا بينه وبين تزويج الأيامى بأن في تزويج العبد التزام مؤنة وتعطيل خدمة، وذلك ليس بواجب على السيد وفي تزويج الأمة استفادة مهر وسقوط نفقة، وليس ذلك بلازم على المولى. المسألة الثانية: إنما خص الصالحين بالذكر لوجوه: الأول: ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم الثاني: لأن الصالحين من الأرقاء هم الذين مواليهم يشفقون عليهم (و) ينزلونهم منزلة الأولاد في المودة، فكانوا مظنة للتوصية بشأنهم والاهتمام بهم وتقبل الوصية فيهم، وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك الثالث: أن يكون المراد الصلاح لأمر النكاح حتى يقوم العبد بما يلزم لها، وتقوم الأمة بما يلزم للزوج الرابع: أن يكون المراد الصلاح في نفس النكاح بأن لا تكون صغيرة فلا تحتاج إلى النكاح. المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على أن العبد لا يتزوج بنفسه، وإنما يجوز أن يتولى المولى تزويجه، لكن ثبت بالدليل أنه إذا أمره بأن يتزوج جاز أن يتولى تزويج نفسه، فيكون توليه بإذنه بمنزلة أن يتولى ذلك نفس السيد، فأما الإماء فلا شبهة في أن المولى يتولى تزويجهن خصوصاً على قول من لا يجوز النكاح إلى بولي. أما قوله تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الأصح أن هذا ليس وعداً من الله تعالى بإغناء من يتزوج. بل المعنى لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم أو فقر من تريدون تزويجها ففي فضل الله ما يغنيهم، والمال غاد ورائح، وليس في الفقر ما يمنع من الرغبة في النكاح، فهذا معنى صحيح وليس فيه أن الكلام قصد به وعد الغني حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف، وروي عن قدماء الصحابة ما يدل على أنهم رأوا ذلك وعداً، عن أبي بكر قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، وعن عمر وابن عباس مثله قال ابن عباس: التمسوا الرزق بالنكاح، وشكى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاجة فقال: « حديث : عليك بالباءة » تفسير : وقال طلحة بن مطرف: تزوجوا فإنه أوسع لكم في رزقكم وأوسع لكم في أخلاقكم ويزيد في مروءتكم، فإن قيل: فنحن نرى من كان غنياً فيتزوج فيصير فقيراً؟ قلنا الجواب عنه من وجوه: أحدها: أن هذا الوعد مشروط بالمشيئة كما في قوله تعالى: { أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } تفسير : [التوبة: 28] المطلق محمول على المقيد، وثانيها: أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أنه يكون خاصاً في بعض المذكورين دون البعض وهو في الأيامى الأحرار الذين يملكون فيستغنون بما يملكون وثالثها: أن يكون المراد الغنى بالعفاف فيكون المعنى وقوع الغنى بملك البضع والاستغناء به عن الوقوع في الزنا. المسألة الثانية: من الناس من استدل بهذه الآية على أن العبد والأمة يملكان، لأن ذلك راجع إلى كل من تقدم فتقتضي الآية بيان أن العبد قد يكون فقيراً وقد يكون غنياً، فإن دل ذلك على الملك ثبت أنهما يملكان، ولكن المفسرون تأولوه على الأحرار خاصة. فكأنهم قالوا هو راجع إلى الأيامى، أما إذا فسرنا الغنى بالعفاف فالاستدلال به على ذلك ساقط. أما قوله: {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } فالمعنى أنه سبحانه في الإفضال لا ينتهي إلى حد تنقطع قدرته على الإفضال دونه، لأنه قادر على المقدورات التي لا نهاية لها، وهو مع ذلك عليم بمقادير ما يصلحهم من الإفضال والرزق.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: هذه المخاطبة تدخل في باب السّتر والصلاح؛ أي زوّجوا من لا زوج له منكم فإنه طريق التعفّف؛ والخطاب للأولياء. وقيل للأزواج. والصحيح الأوّل؛ إذ لو أراد الأزواجَ لقال «وانكحوا» بغير همز، وكانت الألف للوصل. وفي هذا دليل على أن المرأة ليس لها أن تُنكح نفسها بغير وَلِيّ؛ وهو قول أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة: إذا زوّجت الثيّبُ أو البكر نفسها بغير وَلِيّ كُفْأً لها جاز. وقد مضى هذا في «البقرة» مستوفًى. الثانية: اختلف العلماء في هذا الأمر على ثلاثة أقوال؛ فقال علماؤنا: يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العَنت، ومن عدم صبره، ومن قوّته على الصبر وزوال خشية العَنَت عنه. وإذا خاف الهلاك في الدِّين أو الدنيا أو فيهما فالنكاح حَتْمٌ. وإن لم يخش شيئاً وكانت الحال مطلقة فقال الشافعيّ: النكاح مباح. وقال مالك وأبو حنيفة؛ هو مستحب. تعلّق الشافعِيّ بأنه قضاء لذةٍ فكان مباحاً كالأكل والشرب. وتعلّق علماؤنا بالحديث الصحيح: «حديث : من رَغِب عن سُنّتِي فليس منّي».تفسير : الثالثة: قوله تعالى: {ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} أي الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء؛ واحدهم أَيِّم. قال أبو عمرو: أيامى مقلوب أيايم. واتفق أهل اللغة على أن الأيّم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيِّباً؛ حكى ذلك أبو عمرو والكسائي وغيرهما. تقول العرب: تأيّمت المرأة إذا أقامت لا تتزوّج. وفي حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا وامرأةٌ سَفْعاء الخدّين تأيّمت على ولدها الصّغار حتى يبلغوا أو يغنيهم الله من فضله كهاتين في الجنة»تفسير : . وقال الشاعر:شعر : فإن تَنْكِحي أنْكِح وإن تَتَأَيّمِي وإن كنتُ أَفْتَى منكمُ أتأيّمُ تفسير : ويقال:أَيِّم بيّن الأَيْمة. وقد آمَتْ هي، وإمْت أنا. قال الشاعر:شعر : لقد إمْتُ حتى لامَنِي كلّ صاحب رجاءً بسَلْمَى أن تَئِيمَ كما إمْتُ تفسير : قال أبو عبيد: يقال رجل أيِّم وامرأة أيِّم؛ وأكثر ما يكون ذلك في النساء، وهو كالمستعار في الرجال. وقال أمَيَّة بن أبي الصَّلْت:شعر : لله دَرُّ بَـنِـي عَـلِـ ـي أيَّـمٍ منـهـم ونـاكـحُ تفسير : وقال قوم: هذه الآية ناسخة لحكم قوله تعالى: {أية : وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النور: 3]، وقد بيّناه في أوّل السورة والحمد لله. الرابعة: المقصود من قوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} الحرائرُ والأحرار؛ ثم بيّن حكم المماليك فقال: {وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ}. وقرأ الحسن «والصالحين من عبيدكم»، وعَبيد اسم للجمع. قال الفراء: ويجوز «وإماءَكم» بالنصب، يردّه على «الصالحين» يعني الذكور والإناث؛ والصلاح الإيمان. وقيل: المعنى ينبغي أن تكون الرغبة في تزويج الإماء والعبيد إذا كانوا صالحين فيجوز تزويجهم، ولكن لا ترغيب فيه ولا استحباب؛ كما قال: {أية : فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} تفسير : [النور: 33]. ثم قد تجوز الكتابة وإن لم يُعلم أن في العبد خيراً، ولكن الخطاب ورد في الترغيب والاستحباب، وإنما يُستحب كتابة من فيه خير. الخامسة: أكثر العلماء على أن للسيّد أن يُكره عبده وأمَته على النكاح؛ وهو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما. قال مالك: ولا يجوز ذلك إذا كان ضرراً. وروي نحوه عن الشافعيّ، ثم قال: ليس للسيّد أن يكره العبد على النكاح. وقال النَّخَعِيّ: كانوا يكرهون المماليك على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب. تمسّك أصحاب الشافعيّ فقالوا: العبد مكلف فلا يجبر على النكاح؛ لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدميّة، وإنما تتعلق به المملوكية فيما كان حظًّا للسيد من مِلْك الرقبة والمنفعة، بخلاف الأَمَة فإنه له حق المملوكية في بُضْعها ليستوفيه؛ فأما بُضْع العبد فلا حقّ له فيه، ولأجل ذلك لا تباح السيّدة لعبدها. هذه عمدة أهل خراسان والعراق، وعمدتهم أيضاً الطلاق، فإنه يملكه العبد بتملّك عقده. ولعلمائنا النكتة العظمة في أن مالكيّة العبد استغرقتها مالكية السيد؛ ولذلك لا يتزوّج إلا بإذنه بإجماع. والنكاح وبابُه إنما هو من المصالح، ومصلحة العبد موكولة إلى السيد، هو يراها ويقيمها للعبد. السادسة: قوله تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} رجع الكلام إلى الأحرار؛ أي لا تمتنعوا عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة؛{إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. وهذا وَعْدٌ بالغنى للمتزوّجين طلب رضا الله واعتصاماً من معاصيه. وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح؛ وتلا هذه الآية. وقال عمر رضي الله عنه: عَجَبِي ممن لا يطلب الغنى في النكاح، وقد قال الله تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. وروي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً. ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثلاثة كلّهم حقٌّ على الله عونُه المجاهد في سبيل الله والناكح يريد العفاف والمكاتَب يريد الأداء»تفسير : . أخرجه ابن ماجه في سننه. فإن قيل: فقد نجد الناكح لا يستغني؛ قلنا: لا يلزم أن يكون هذا على الدوام، بل لو كان في لحظة واحدة لصدقَ الوعد. وقد قيل: يغنيه؛ أي يغني النفس. وفي الصحيح: «حديث : ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض إنما الغنى غِنَى النفس»تفسير : . وقد قيل: ليس وعد لا يقع فيه خُلْف؛ بل المعنى أن المال غادٍ ورائح، فارجوا الغنى. وقيل: المعنى يغنهم الله من فضله إن شاء؛ كقوله تعالى: {أية : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ} تفسير : [الأنعام: 41]، وقال تعالى: {أية : يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ} تفسير : [الرعد: 26]. وقيل: المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يُغْنِهِمُ الله بالحلال ليتعفّفُوا عن الزنى. السابعة: هذه الآية دليل على تزويج الفقير، ولا يقول كيف أتزوج وليس لي مال؛ فإن رزقه على الله. وقد زوّج النبيّ صلى الله عليه وسلم المرأة التي أتته تَهَب له نفسها لمن ليس له إلا إزار واحد، وليس لها بعد ذلك فسخ النكاح بالإعسار لأنها دخلت عليه؛ وإنما يكون ذلك إذا دخلت على اليسار فخرج معسراً، أو طرأ الإعسار بعد ذلك لأن الجوع لا صبر عليه؛ قاله علماؤنا. وقال النقاش: هذه الآية حجة على من قال: إن القاضي يفرّق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيراً لا يقدر على النفقة؛ لأن الله تعالى قال: {يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ} ولم يقل يفرّق. وهذا انتزاع ضعيف، وليس هذه الآية حكما فيمن عجز عن النفقة، وإنما هي وعد بالإغناء لمن تزوّج فقيراً. فأمّا من تزوّج موسِرا وأعسر بالنفقة فإنه يفرّق بينهما؛ قال الله تعالى: {أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} تفسير : [النساء: 130]. ونفحات الله تعالى مأمولة في كل حال موعود بها.

ابن كثير

تفسير : اشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة، والأوامر المبرمة، فقوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ} إلى آخره، هذا أمر بالتزويج. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه. واحتجوا بظاهر قوله عليه السلام: «حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء»تفسير : ، أخرجاه في "الصحيحين" من حديث ابن مسعود، وقد جاء في السنن من غير وجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تزوجوا توالدوا تناسلوا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة»تفسير : . وفي رواية: «حديث : حتى بالسقط»تفسير : الأيامى جمع أيم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له، سواء كان قد تزوج ثم فارق أو لم يتزوج واحد منهما، حكاه الجوهري عن أهل اللغة، يقال: رجل أيم، وامرأة أيم أيضاً. وقوله تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} الآية، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى، فقال: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد الأزرق، حدثنا عمر بن عبد الواحد عن سعيد ــــ يعني: ابن عبد العزيز ــــ قال: بلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، قال تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} وعن ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح. يقول الله تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} رواه ابن جرير، وذكر البغوي عن عمر بنحوه، وعن الليث عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله» تفسير : رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه. وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن. والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله، وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث: "تزوجوا فقراء، يغنكم الله"، فلا أصل له، ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه، وكذا هذه الأحاديث التي أوردناها، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجاً بالتعفف عن الحرام؛ كما قال صلى الله عليه وسلم «حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء» تفسير : الحديث، وهذه الآية مطلقة، والتي في سورة النساء أخص منها، وهي قوله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} ــــ إلى قوله ــــ {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي: صبركم عن تزوج الإماء خير لكم، لأن الولد يجيء رقيقاً {وَٱللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال عكرمة في قوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} قال: هو الرجل يرى المرأة، فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة، فليذهب إليها، وليقض حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة، فلينظر في ملكوت السموات والأرض حتى يغنيه الله. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَـٰتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} هذا أمر من الله تعالى للسادة، إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة، أن يكاتبوهم بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب، لا أمر تحتم وإيجاب، بل السيد مخير إذا طلب منه عبده الكتابة، إن شاء كاتبه، وإن شاء لم يكاتبه. قال الثوري عن جابر عن الشعبي: إن شاء كاتبه، وإن شاء لم يكاتبه. وكذا قال ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن رجل عن عطاء بن أبي رباح: إن يشأ يكاتبه، وإن يشأ لم يكاتبه. وكذا قال مقاتل بن حيان والحسن البصري، وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب؛ أخذاً بظاهر هذا الأمر. وقال البخاري: وقال روح عن ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالاً أن أكاتبه، قال: ما أراه إلا واجباً. وقال عمرو بن دينار: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنساً المكاتبة، وكان كثير المال فأبى، فانطلق إلى عمر رضي الله عنه، فقال: كاتبه، فأبى، فضربه بالدرة، ويتلو عمر رضي الله عنه: {فَكَـٰتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} فكاتبه، هكذا ذكره البخاري تعليقاً، ورواه عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالاً أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجباً. وقال عمرو بن دينار قال: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لاـ وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك: أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكأ عليه، فقال له عمر: لتكاتبنه، إسناد صحيح. وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم بن جويبر عن الضحاك قال: هي عزمة، وهذا هو القول القديم من قولي الشافعي رحمه الله، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب؛ لقوله عليه السلام: «حديث : لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب من نفسه»تفسير : . وقال ابن وهب: قال مالك: الأمر عندنا أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذاسأله ذلك، ولم أسمع أحداً من الأئمة أكره أحداً على أن يكاتب عبده. قال مالك: وإنما ذلك أمر من الله تعالى، وإذن منه للناس، وليس بواجب. وكذا قال الثوري وأبو حنيفة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، واختار ابن جرير قول الوجوب؛ لظاهر الآية. وقوله تعالى: {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} قال بعضهم: أمانة، وقال بعضهم: صدقاً، وقال بعضهم: مالاً، وقال بعضهم: حيلة وكسباً. وروى أبو داود في "المراسيل"، عن يحيــــى بن أبي كثير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَكَـٰتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} قال: «حديث : إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلاً على الناس»تفسير : ، وقوله تعالى: {وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىۤ ءَاتَـٰكُمْ} اختلف المفسرون فيه، فقال بعضهم: معناه: اطرحوا لهم من الكتابة بعضها، ثم قال بعضهم: مقدار الربع، وقيل: الثلث، وقيل: النصف، وقيل: جزء من الكتابة، من غير حد. وقال آخرون: بل المراد من قوله: {وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىۤ ءَاتَـٰكُمْ} هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكاة، وهذا قول الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبيه ومقاتل بن حيان، واختاره ابن جرير، وقال إبراهيم النخعي في قوله: {وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىۤ ءَاتَـٰكُمْ} قال: حث الناس عليه، مولاه وغيره، وكذا قال بريدة بن الحصيب الأسلمي وقتادة، وقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. وقد تقدم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ثلاثة حق على الله عونهم» تفسير : فذكر منهم المكاتب يريد الأداء، والقول الأول أشهر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وكيع عن ابن شبيب عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر: أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية، فجاء بنجمه حين حل، فقال: يا أبا أمية اذهب فاستعن به في مكاتبتك، فقال: يا أمير المؤمنين لو تركته حتى يكون من آخر نجم؟ قال: أخاف أن لا أدرك ذلك، ثم قرأ: {فَكَـٰتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىۤ ءَاتَـٰكُمْ} قال عكرمة: فكان أول نجم أدي في الإسلام. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه، لم يضع عنه شيئاً من أول نجومه؛ مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته، وضع عنه ما أحب، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: {وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىۤ ءَاتَـٰكُمْ} قال: يعني: ضعوا عنهم في مكاتبتهم، وكذا قال مجاهد وعطاء والقاسم بن أبي بزة وعبد الكريم بن مالك الجزري والسدي، وقال محمد بن سيرين في الآية: كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الفضل بن شاذان المقرىء، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف عن ابن جريج، أخبرني عطاء بن السائب: أن عبد الله بن جندب أخبره عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ربع الكتابة» تفسير : وهذا حديث غريب، ورفعه منكر، والأشبه أنه موقوف على علي رضي الله عنه؛ كما رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله. وقوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} الآية، كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة، أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلماء جاء الإسلام، نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة، فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف، في شأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فإنه كان له إماء، فكان يكرههن على البغاء طلباً لخراجهن، ورغبة في أولادهن، ورياسة منه فيما يزعم. ذكر الآثار الواردة في ذلك قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبدالخالق البزار رحمه الله في مسنده: حدثنا أحمد بن داود الواسطي، حدثنا أبو عمرو اللخمي، يعني: محمد بن الحجاج، حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري قال: كانت جارية لعبد الله بن أبيّ ابن سلول، يقال لها: معاذة، يكرهها على الزنا، فلما جاء الإسلام، نزلت: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} الآية، وقال الأعمش عن أبي سفيان عن جابر في هذه الآية، قال: نزلت في أمة لعبد الله بن أبيّ ابن سلول يقال لها: مسيكة، كان يكرهها على الفجور، وكانت لا بأس بها، فتأبى، فأنزل الله عز وجل هذه الآية {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} ــــ إلى قوله ــــ {وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وروى النسائي من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر نحوه. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا الأعمش، حدثني أبو سفيان عن جابر قال: كان لعبد الله بن أبيّ ابن سلول، جارية يقال لها: مسيكة، وكان يكرهها على البغاء، فأنزل الله: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} ــــ إلى قوله ــــ {وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} صرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان طلحة بن نافع، فدل على بطلان قول من قال: لم يسمع منه، إنما هو صحيفة، حكاه البزار. وروى أبو داود الطيالسي عن سليمان بن معاذ عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية، فولدت أولاداً من الزنا، فقال لها: مالك: لا تزنين؟ قالت: والله لا أزني، فضربها فأنزل الله عز وجل: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ}. وروى البزار أيضاً: حدثنا أحمد بن داود الواسطي، حدثنا أبو عمرو اللخمي ــــ يعني: محمد بن الحجاج ــــ حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي يقال لها: معاذة، يكرهها على الزنى، فلما جاء الإسلام، نزلت: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} إلى قوله: {وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري: أن رجلاً من قريش أسر يوم بدر، وكان عند عبد الله بن أبيّ أسيراً، وكانت لعبد الله بن أبيّ جارية يقال لها: معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، وكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله بن أبيّ يكرهها على ذلك، ويضربها؛ رجاء أن تحمل من القرشي، فيطلب فداء ولده، فقال تبارك وتعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً}. وقال السدي: أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبيّ ابن سلول رأس المنافقين، وكانت له جارية تدعى معاذة، وكان إذا نزل به ضيف، أرسلها إليه ليواقعها؛ إرادة الثواب منه والكرامة له. فأقبلت الجارية إلى أبي بكر رضي الله عنه، فشكت إليه، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره بقبضها، فصاح عبد الله بن أبيّ: من يعذرنا من محمد يغلبنا على مملوكتنا؟ فأنزل الله فيهم هذا. وقال مقاتل بن حيان: بلغني ــــ والله أعلم ــــ أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما، إحداهما اسمها مسيكة، وكانت للأنصاري، وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبيّ، وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة، فأتت مسيكة وأمها النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} يعني: الزنا. وقوله تعالى: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، وقوله تعالى: {لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي: من خراجهن ومهورهن وأولادهن. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن، وفي رواية: «مهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث» وقوله تعالى: {وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: لهن؛ كما تقدم في الحديث عن جابر. وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: فإن فعلتم، فإن الله لهن غفور رحيم، وإثمهن على من أكرههن، وكذا قال مجاهد وعطاء الخراساني والأعمش وقتادة. وقال أبو عبيد: حدثني إسحاق الأزرق عن عوف عن الحسن في هذ الآية: {فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال: لهن والله لهن والله. وعن الزهري قال: غفور لهن ما أكرهن عليه. وعن زيد بن أسلم قال: غفور رحيم للمكرهات، حكاهن ابن المنذر في تفسيره بأسانيده، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء عن سعيد بن جبير قال في قراءة عبد الله بن مسعود {فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لهن وإثمهن على من أكرههن، وفي الحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».تفسير : ولما فصل تبارك وتعالى هذه الأحكام وبينها، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ءَايَـٰتٍ مُّبَيِّنَـٰتٍ} يعني: القرآن فيه آيات واضحات مفسرات {وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ} أي: خبراً عن الأمم الماضية، وما حل بهم في مخالفتهم أوامر الله تعالى؛ كما قال تعالى {أية : فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلأَخِرِينَ } تفسير : [الزخرف: 56]، أي: زاجراً عن ارتكاب المآثم والمحارم {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} أي: لمن اتقى الله وخافه. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في صفة القرآن: فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَٰمَىٰ مِنْكُمْ } جمع أَيِّم: وهي من ليس لها زوج بكرا كانت أو ثيباً ومن ليس له زوج وهذا في الأحرار والحرائر {وَٱلصَّٰلِحِينَ } أي المؤمنين {مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ } و عِبَاد من جموع عَبْد {إِن يَكُونُواْ } أي الأحرار {فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ } بالتزوّج {مِن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ } لخلقه {عَلِيمٌ } بهم.

الشوكاني

تفسير : لما أمر سبحانه بغضّ الأبصار، وحفظ الفروج أرشد بعد ذلك إلى ما يحلّ للعباد من النكاح الذي يكون به قضاء الشهوة، وسكون دواعي الزنا، ويسهل بعده غضّ البصر عن المحرّمات، وحفظ الفرج عما لا يحل، فقال: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ } الأيم: التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً، والجمع أيامى، والأصل أيايم، والأيم بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة. قال أبو عمرو، والكسائي: اتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي: المرأة التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً. قال أبو عبيد: يقال رجل أيم، وامرأة أيم، وأكثر ما يكون في النساء، وهو كالمستعار في الرجال، ومنه قول أمية ابن أبي الصلت:شعر : للّه درّ بني علي أيم منهم وناكح تفسير : ومنه أيضاً قول الآخر:شعر : لقد إمت حتى لا مني كلّ صاحب رجاء سليمى أن تأيم كما إمت تفسير : والخطاب في الآية للأولياء، وقيل: للأزواج، والأوّل أرجح، وفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها، وقد خالف في ذلك أبو حنيفة. واختلف أهل العلم في النكاح هل مباح، أو مستحب، أو واجب؟ فذهب إلى الأوّل الشافعي، وغيره، وإلى الثاني مالك، وأبو حنيفة، وإلى الثالث بعض أهل العلم على تفصيل لهم في ذلك، فقالوا: إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية وجب عليه، وإلاّ فلا. والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع تلك الخشية، وبالجملة، فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح: «حديث : ومن رغب عن سنتي فليس مني»تفسير : ، ولكن مع القدرة عليه، وعلى مؤنه كما سيأتي قريباً، والمراد بالأيامى هنا الأحرار، والحرائر، وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله: {وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ } قرأ الجمهور {عبادكم}، وقرأ الحسن "عبيدكم". قال الفراء: ويجوز "وإماءكم" بالنصب بردّه على الصالحين، والصلاح هو الإيمان. وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح بخلاف المماليك، وفيه دليل على أن المملوك لا يزوّج نفسه، وإنما يزوّجه مالكه. وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح. وقال مالك: لا يجوز. ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار، فقال: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } أي: لا تمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل والمرأة أو أحدهما، فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ويتفضل عليهم بذلك. قال الزجاج: حثّ الله على النكاح، وأعلم أنه سبب لنفي الفقر، ولا يلزم أن يكون هذا حاصلاً لكل فقير إذا تزوّج، فإن ذلك مقيد بالمشيئة. وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوّجوا. وقيل: المعنى إنه يغنيه بغنى النفس، وقيل: المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا. والوجه الأوّل أولى، ويدلّ عليه قوله سبحانه: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء } تفسير : [التوبة: 28]. فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك، وجملة: {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } مؤكدة لما قبلها، ومقرّرة لها، والمراد: أنه سبحانه ذو سعة لا ينقص من سعة ملكه غنّى من يغنيه من عباده عليم بمصالح خلقه، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ثم ذكر سبحانه حال العاجزين عن النكاح بعد بيان جواز مناكحتهم إرشاداً لهم إلى ما هو الأولى، فقال: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } استعفّ: طلب أن يكون عفيفاً أي: ليطلب العفة عن الزنا والحرام من لا يجد نكاحاً أي: سبب نكاح، وهو المال. وقيل: النكاح هنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة كاللحاف اسم لما يلتحف به، واللباس اسم لما يلبس، وقيد سبحانه هذا النهي بتلك الغاية، وهي: {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } أي: يرزقهم رزقاً يستغنون به، ويتمكنون بسببه من النكاح، وفي هذه الآية ما يدل على تقييد الجملة الأولى. وهي: أن يكونوا فقراء يغنهم الله بالمشيئة كما ذكرنا، فإنه لو كان وعداً حتماً لا محالة في حصوله؛ لكان الغنى والزواج متلازمين، وحينئذٍ لا يكون للأمر بالاستعفاف مع الفقر كثير فائدة، فإنه سيغنى عند تزوّجه لا محالة، فيكون في تزوّجه مع فقره تحصيل للغنى، إلاّ أن يقال: إن هذا الأمر بالاستعفاف للعاجز عن تحصيل مبادىء النكاح، ولا ينافي ذلك وقوع الغنى له من بعد أن ينكح، فإنه قد صدق عليه أنه لم يجد نكاحاً إذا كان غير واجد لأسبابه التي يتحصل بها، وأعظمها المال. ثم لما رغب سبحانه في تزويج الصالحين من العبيد والإماء، أرشد المالكين إلى طريقة يصير بها المملوك من جملة الأحرار فقال: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } الموصول في محل رفع على الابتداء، ويجوز أن يكون في محل نصب على إضمار فعل يفسره ما بعده أي: وكاتبوا الذين يبتغون الكتاب، والكتاب مصدر كاتب كالمكاتبة، يقال: كاتب يكاتب كتاباً ومكاتبة، كما يقال: قاتل يقاتل قتالاً ومقاتلة. وقيل: الكتاب ها هنا اسم عين للكتاب الذي يكتب فيه الشيء، وذلك لأنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه، وعلى أنفسهم بذلك كتاباً، فيكون المعنى: الذين يطلبون كتاب المكاتبة. ومعنى المكاتبة في الشرع: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجماً، فإذا أدّاه فهو حرّ، وظاهر قوله: {فَكَـٰتِبُوهُمْ } أن العبد إذا طلب الكتابة من سيده وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعده، وهو {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً }، والخير هو القدرة على أداء ما كوتب عليه، وإن لم يكن له مال، وقيل: هو المال فقط، كما ذهب إليه مجاهد والحسن وعطاء والضحاك وطاوس ومقاتل. وذهب إلى الأوّل ابن عمر وابن زيد، واختاره مالك والشافعي والفراء والزجاج. قال الفراء: يقول إن رجوتم عندهم وفاء وتأدية للمال. وقال الزجاج: لما قال {فيهم} كان الأظهر الاكتساب، والوفاء، وأداء الأمانة، وقال النخعي: إن الخير الدين والأمانة. وروي مثل هذا عن الحسن. وقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة. قال الطحاوي: وقول من قال: إنه المال لا يصح عندنا، لأن العبد مال لمولاه، فكيف يكون له مال؟ قال: والمعنى عندنا: إن علمتم فيهم الدين والصدق. قال أبو عمر بن عبد البرّ: من لم يقل: إن الخير هنا المال، أنكر أن يقال: إن علمتم فيهم مالاً، وإنما يقال: علمت فيه الخير، والصلاح، والأمانة، ولا يقال: علمت فيه المال. هذا حاصل ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم في الخير المذكور في هذه الآية. وإذا تقرّر لك هذا، فاعلم: أنه قد ذهب ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور في الآية من الوجوب. عكرمة، وعطاء، ومسروق، وعمرو بن دينار، والضحاك، وأهل الظاهر، فقالوا: يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك، وعلم فيه خيراً. وقال الجمهور من أهل العلم: لا يجب ذلك، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبد سيده، أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك، ولم يجبر عليه، فكذا الكتابة لأنها معاوضة. ولا يخفاك أن هذه حجة واهية، وشبهة داحضة، والحق ما قاله الأوّلون، وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس واختاره ابن جرير. ثم أمر سبحانه الموالي بالإحسان إلى المكاتبين، فقال {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُم} ففي هذه الآية: الأمر للمالكين بإعانة المكاتبين على مال الكتابة، إما بأن يعطوهم شيئاً من المال، أو بأن يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه، وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار، وقيل: الثلث، وقيل: الربع، وقيل: العشر، ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم، وسياق الكلام معهم فإنهم المأمورون بالكتابة. وقال الحسن، والنخعي، وبريدة: إن الخطاب بقوله: {وآتوهم} لجميع الناس. وقال زيد بن أسلم: إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم كما في قوله سبحانه: {أية : وَفِي ٱلرّقَابِ } تفسير : [ التوبة: 60]، وللمكاتب أحكام معروفة إذا وفى ببعض مال الكتابة. ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك، نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا، فقال {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَاء } والمراد بالفتيات هنا الإماء، وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر. والبغاء: الزنا، مصدر بغت المرأة تبغي بغاء إذا زنت، وهذا مختصّ بزنا النساء، فلا يقال للرجل إذا زنا: إنه بغيّ، وشرط الله سبحانه هذا النهي بقوله: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } لأن الإكراه لا يتصور إلاّ عند إرادتهم للتحصن، فإن من لم ترد التحصن لا يصح أن يقال لها: مكرهة على الزنا، والمراد بالتحصن هنا: التعفف، والتزوج. وقيل: إن هذا القيد راجع إلى الأيامى. قال الزجاج والحسن بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: وأنكحوا الأيامى، والصالحين من عبادكم، وإمائكم إن أردن تحصناً. وقيل: هذا الشرط ملغى. وقيل: إن هذا الشرط باعتبار ما كانوا عليه، فإنهم كانوا يكرهونهنّ، وهنّ يردن التعفف، وليس لتخصص النهي بصورة إرادتهنّ التعفف. وقيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب: أن الإكراه لا يكون إلاّ عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن، وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه، فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال، ولا للحرام كما فيمن لا رغبة لها في النكاح، والصغيرة، فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل: من أنه لا يتصور الإكراه إلاّ عند إرادة التحصن، إلاّ أن يقال: إن المراد بالتحصن هنا مجرّد التعفف، وأنه لا يصدق على من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن، وهو بعيد، فقد قال الحبر ابن عباس: إن المراد بالتحصن التعفف، والتزوّج، وتابعه على ذلك غيره. ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله: {لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا }، وهو: ما تكسبه الأمة بفرجها، وهذا التعليل أيضاً خارج مخرج الغالب، والمعنى: أن هذا العرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب، لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا لفائدة له أصلاً لا يصدر مثله عن العقلاء، فلا يدلّ هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها، إذا لم يكن مبتغياً بإكراهها عرض الحياة الدنيا. وقيل: إن هذا التعليل للإكراه هو باعتبار أن عادتهم كانت كذلك، لا أنه مدار للنهي عن الإكراه لهنّ، وهذا يلاقي المعنى الأوّل، ولا يخالفه. {وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } هذا مقرّر لما قبله، ومؤكد له، والمعنى: أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرهين لا إلى المكرهات، كما تدلّ عليه قراءة ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن جبير: "فإن الله غفور رحيم لهنّ". قيل: وفي هذا التفسير بعد، لأن المكرهة على الزنا غير آثمة. وأجيب: بأنها، وإن كانت مكرهة، فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة إما بحكم الجبلة البشرية، أو يكون الإكراه قاصراً عن حدّ الإلجاء المزيل للاختيار. وقيل: إن المعنى: فإن الله من بعد إكراههنّ غفور رحيم لهم، إما مطلقاً، أو بشرط التوبة. ولما فرغ سبحانه من بيان تلك الأحكام، شرع في وصف القرآن بصفات ثلاث: الأولى: أنه {آيَاتٍ مُّبَيِّنَات} أي: واضحات في أنفسهن، أو موضحات، فتدخل الآيات المذكورة في هذه الصورة دخولاً أوّلياً. والصفة الثانية: كونه مَثَلاً من الذين خلوا من قبل هؤلاء أي: مثلاً كائناً من جهة أمثال الذين مضوا من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة، فإن العجب من قصة عائشة رضي الله عنها، هو كالعجب من قصة يوسف ومريم وما اتهما به، ثم تبين بطلانه، وبراءتهما سلام الله عليهما. والصفة الثالثة: كونه مَّوْعِظَةٌ ينتفع بها المتقون خاصة، فيقتدون بما فيه من الأوامر، وينزجرون عما فيه من النواهي. وأما غير المتقين، فإن الله قد ختم على قلوبهم، وجعل على أبصارهم غشاوة عن سماع المواعظ، والاعتبار بقصص الذين خلوا، وفهم ما تشتمل عليه الآيات البينات. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ } الآية، قال: أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغبهم فيه، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي بكر الصدّيق قال: أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، قال تعالى {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وعبد بن حميد، عن قتادة قال: ذكر لنا: أن عمر بن الخطاب قال: ما رأيت كرجل لم يلتمس الغنى في الباءة، وقد وعد الله فيها ما وعد، فقال {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود نحوه. وأخرج البزار، والدارقطني في العلل، والحاكم، وابن مردويه، والديلمي من طريق عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنكحوا النساء، فإنهنّ يأتينكم بالمال»تفسير : . وأخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود في مراسيله، عن عروة مرفوعاً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر عائشة، وهو مرسل. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في السنن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة حقّ على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله»تفسير : . وقد ورد في الترغيب في مطلق النكاح أحاديث كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } قال: ليتزوّج من لا يجد فإن الله سيغنيه، وأخرج ابن السكن في معرفة الصحابة، عن عبد الله بن صبيح، عن أبيه قال: كنت مملوكاً لحويطب بن عبد العزى، فسألته الكتابة، فأبى، فنزلت: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ } الآية. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين المكاتبة، فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب، فأقبل عليّ بالدرّة، وقال: كاتبه، وتلا: {فَكَـٰتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً }، فكاتبته. قال ابن كثير: إن إسناده صحيح. وأخرج أبو داود في المراسيل، والبيهقي في سننه، عن يحيـى بن أبي كثير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَكَـٰتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } قال:«حديث : إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلاً على الناس»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس: {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } قال: المال. وأخرج ابن مردويه عن عليّ مثله. وأخرج البيهقي، عن ابن عباس في الآية قال: أمانة ووفاء. وأخرج عنه أيضاً قال: إن علمت مكاتبك يقضيك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه في الآية قال: إن علمتم لهم حيلة، ولا تلقوا مؤنتهم على المسلمين {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} يعني: ضعوا عنهم من مكاتبتهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، عن نافع قال: كان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة، ويقول: يطعمني من أوساخ الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ} الآية: أمر المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. وقال عليّ بن أبي طالب: أمر الله السيد أن يدع للمكاتب الربع من ثمنه. وهذا تعليم من الله ليس بفريضة، ولكن فيه أجر. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والروياني في مسنده، والضياء المقدسي في المختارة، عن بريدة في الآية قال: حثّ الناس عليه أن يعطوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، ومسلم، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي من طريق أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال: كان عبد الله بن أبيّ يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئاً، وكانت كارهة، فأنزل الله: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههنّ فإن الله من بعد إكراههنّ لهنّ غفور رحيم" هكذا كان يقرؤها، وذكر مسلم في صحيحه عن جابر: أن جارية لعبد الله بن أبيّ: يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، فكان يريدهما على الزنا، فشكتا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ } الآية. وأخرج البزار، وابن مردويه، عن أنس نحو حديث جابر الأوّل. وأخرج ابن مردويه، عن عليّ بن أبي طالب في الآية قال: كان أهل الجاهلية يبغين إماءهم، فنهوا عن ذلك في الإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا، يأخذون أجورهنّ، فنزلت الآية. وقد ورد النهي منه صلى الله عليه وسلم عن مهر البغيّ، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنكِحُواْ الأَيَامَى مِنكُمْ} وهو جمع أيّم، وفي الأيم قولان: أحدهما: أنها المتوفى عنها زوجها، قاله محمد بن الحسن. الثاني: أنها التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً وهو قول الجمهور. يقال رجل أيّم إذا لم تكن له زوجة وامرأة أيّم إذا لم يكن لها زوج. ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأيمة يعني العزبة قال الشاعر: شعر : فَإِن تَنْكَحِي أَنكِحْ وإن تَتَأَيَّمِي وإن كُنْتَ أَفْتَى منكُم أَتَأَيَّمُ تفسير : وروى القاسم قال: أمر بقتل الأيم يعني الحية. وفي هذا الخطاب قولان: أحدهما: أنه خطاب للأولياء أن ينكحوا آيامهم من أكفائهن إذا دعون إليه لأنه خطاب خرج مخرج الأمر الحتم فلذلك يوجه إلى الولي دون الزوج. الثاني: أنه خطاب للأزواج أن يتزوجوا الأيامى عند الحاجة. واختلف في وجوبه فذهب أهل الظاهر إليه تمسكاً بظاهر الأمر، وذهب جمهور الفقهاء إلى استحبابه للمحتاج من غير إيجاب وكراهته لغير المحتاج. ثم قال: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن معنى الكلام وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من رجالكم وأنكحوا إماءَكم. الثاني: وهو الأظهر أنه أمر بإنكاح العبيد والإِيماء كما أمرنا بإنكاح الأيامى لاستحقاق السيد لولاية عبده وأمته فإن دعت الأمة سيدها أن يتزوجها لم يلزمه لأنها فراش له، وإن أراد تزويجها كان له خيراً وإن لم يختره ليكتسب رق ولدها ويسقط عنه نفقتها. وإن أراد السيد تزويج عبد أو طلب العبد ذلك من سيده فهل للداعي إليه أن يجبر الممتنع فيهما عليه أم لا؟ على قولين: {إِن يَكُونُوا فُقَرَآءَ يَغْنِهِمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} فيه وجهان: أحدهما: إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله به عن السفاح. الثاني: إن يكونوا فقراء إلى المال يغنهم الله إما بقناعة الصالحين، وإما باجتماع الرزقين، وروى عبد العزيز بن أبي رواد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اطْلُبُواْ الغِنَى فِي هذِهِ الآية" تفسير : {إِن يَكُونَواْ فُقَرآءَ يُغْنهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. {وَاللَّهُ وَاسَعٌ عَلِيمٌ} فيه وجهان: أحدهما: واسع العطاء عليم بالمصلحة. الثاني: واسع الرزق عليهم بالخلق. قوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} أي وليعف، والعفة في العرف الامتناع من كل فاحشة، قال رؤبة: يعف عن أسرارها بعد الفسق. يعني عن الزنى بها. {حَتَّى يَغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} يحتمل وجهين: أحدهما يغنيهم الله عنه بقلة الرغبة فيه. الثاني: يغني بمال حلال يتزوجون به. {وَالَّذيَنَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِم خَيْراً} أما الكتاب المبتغى هنا هو كتابة العبد والأمة على مال إذا أدياه عتقا به وكانا قبله مالكين للكسب ليؤدي في العتق، فإن تراضى السيد والعبد عليها جاز، وإن دعا السيد إليها لم يجبر العبد عليها. وإن دعا العبد إليها ففي إجبار السيد عليها إذ علم فيه خيراً مذهبان: أحدهما: وهو قول عطاء، وداود، يجب على السيد مكاتبته ويجبر إن أبى. الثاني: وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء أنه يستحب له ولا يجبر عليه فإذا انعقدت الكتابة لزمت من جهة السيد وكان المكاتب فيها مخيراً بين المقام والفسخ. {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} خمسة تأويلات: أحدها: أن الخير، القدرة على الاحتراف والكسب، قاله ابن عمر وابن عباس. الثاني: أن الخير: المال، قاله عطاء ومجاهد. الثالث: أنه الدين والأمانة، قاله الحسن. الرابع: أنه الوفاء والصدق، قاله قتادة وطاووس. الخامس: أنه الكسب والأمانة، قاله الشافعي. {وءَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي ءَاتَاكُمْ} فيه قولان: أحدهما: يعني من مال الزكاة من سهم الرقاب يعطاه المكاتب ليستعين به في أداء ما عليه للسيد. ولا يكره للسيد أخذه وإن كان غنياً، قاله الحسن، وإبراهيم وابن زيد. الثاني: من مال المكاتبة معونة من السيد لمكاتبه كما أعانه غيره من الزكاة. واختلف من ذهب إلى هذا التأويل في وجوبه فذهب أبو حنيفة إلى أنه مستحب وليس بواجب، وذهب الشافعي إلى وجوبه وبه قال عمر وعلي وابن عباس. واختلف من قال بوجوبه في هذا التأويل في تقديره فحكي عن علي أنه قدره بالربع من مال الكتابة، وذهب الشافعي إلى أنه غير مقدر، وبه قال ابن عباس. وإن امتنع السيد منه طوعاً قضى الحاكم به عليه جبراً واجتهد رأيه في قدره، وحكم به في تركته إن مات، وحاص به الغرماء إن أفلس. والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم في قول الشافعي وأصحابه، وإذا عجز عن أداء نجم عند محله كان السيد بالخيار بين إنظاره وتعجيزه وإعادته رقاً، ولا يرد ما أخذه منه أو من زكاة أعين بها أو مال كسبه. قال الكلبي وسبب نزول قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُم فِيهِمْ خَيْراً} الآية؛ أن عبداً اسمه صبح لحويطب بن عبد العزى سأله أن يكاتبه فامتنع حويطب فأنزل الله ذلك فيه. قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} الفتيات الإماء، البغاء الزنى، والتحصن التعفف، ولا يجوز أن يكرهها ولا يمكنها سواء أرادت تعففاً أو لم تُرِدْ. وفي ذكر الإِكراه هنا وجهان: أحدهما: لأن الإِكراه لا يصح إلا فيمن أراد التعفف، ومن لم يرد التعفف فهو مسارع إلى الزنى غير مكره عليه. الثاني: أنه وارد على سبب فخرج النهي على صفة السبب وإن لم يكن شرطاً فيه، وهذا ما روى جابر بن عبد الله أن عبد الله بن أبي بن سلول كانت له أمة يقال لها مسيكة وكان يكرهها على الزنى فزنت ببُرْدٍ فأعطته إياه فقال: ارجعي فازني على آخر: فقال: لا والله ما أنا براجعة وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن سيدي يكرهني على البغاء فأنزل الله هذه الآية، وكان مستفيضاً من أفعال الجاهلين طلباً للولد والكسب. {لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي لتأخذوا أجورهن على الزنى. {وَمَن يُكْرِههُّنَّ} يعني من السادة. {فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يعني للأمة المكرهة دون السيد المكرِه.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَأَنكِحُواْ} خطاب للأولياء، أو للأزواج أن يتزوجوا ندباً عند الجمهور أو إيجاباً {الأَيَامَى} المتوفى عنها زوجها، أو من لا زوج لها من الثيب والأبكار، رجل أيم وامرأة أيم {وَالصَّالِحِينَ} أنكحوا الأيامى بالصالحين من رجالكم، أو أمر بإنكاح العبيد والإماء كما أمر بإنكاح الأيامى {فُقَرَآءَ} إلى النكاح يغنهم الله به عن السفاح، أو فقراء من المال يغنهم الله ـ تعالى ـ بقناعة الصالحين، أو باجتماع الرزقين {وَاسِعٌ} الغنى {عَلِيمٌ} بالمصالح، أو واسع الرزق عليم بالخلق.

النسفي

تفسير : {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ } الأيامى جمع أيم وهو من لا زوج له رجلاً أو امرأة، بكراً كان أو ثيباً، وأصله أيائم فقلبت {وَٱلصَّـٰلِحِينَ } أي الخيرين أو المؤمنين، والمعنى زوجوا من تأيم منكم من الأحرار والحرائر ومن كان فيه صلاح {مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ } أي من غلمانكم وجواريكم والأمر للندب إذ النكاح مندوب إليه {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء } من المال {يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } بالكفاية والقناعة أو باجتماع الرزقين، وفي الحديث «حديث : التمسوا الرزق بالنكاح»تفسير : وعن عمر رضي الله عنه روي مثله {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } غني ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق {عَلِيمٌ } يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وقيل: في الآية دليل على أن تزويج النساء والأيامى إلى الأولياء كما أن تزوج العبيد والإماء إلى الموالي. قلنا: الرجل لا يلي على الرجل الأيم إلا بإذنه فكذا لا يلي على المرأة إلا بإذنها لأن الأيم ينتظمها

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وأنكحوا الأيامى منكم} جمع الأيم يطلق على الذكر والأنثى وهو من لا زوج له من رجالكم ونسائكم {والصالحين من عبادكم} أي من عبيدكم {وإمائكم} بيان حكم الآية أمر ندب واستحباب لإجماع السلف عليه فيستحب لمن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد أهبته أن يتزوج وإن لم يجد أهبته يكسر شهوته بالصوم (ق) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"تفسير : . الباءة النكاح ويكنى به عن الجماع أيضاً والوجاء بكسر الواو رض الأنثيين وهو نوع من الخصاء شبه الصوم في قطعه شهوة النكاح بالوجاء الذي يقطع النسل عن معقل بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"تفسير : أخرجه أبو داود والنسائي (م) عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة"تفسير : أما من لا تتوق نفسه إلى النكاح وهو قادر عليه فالتخلي للعبادة أفضل له من النكاح عند الشافعي وعند أصحاب الرأي النكاح أفضل. قال الشافعي: قد ذكر الله عبداً أكرمه فقال وسيداً حصوراً وهو الذي لا يأتي النساء وذكر القواعد من النساء ولم يندبهن إلى النكاح وفي الآية دليل على أن تزويج الأيامى إلى الأولياء لأن الله خاطبهم به كما أن تزويج العبيد والإماء إلى السادات. وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم روي ذلك عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وعائشة. وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وشريح وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز وإليه ذهب الثوري والأوزاعي وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وجوز أصحاب الرأي للمرأة تزويج نفسها وقال مالك إن كانت المرأة دنيئة يجوز لها تزويج نفسها وإن كانت شريفة فلا والدليل على أن الولي شرط في النكاح ما روي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا نكاح إلا بولي"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي ولهما عن عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثاً فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن تشاحوا فالسلطان ولي من لا ولي له"تفسير : . وقوله تعالى {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} قيل الغنى هنا القناعة وقيل: هو اجتماع الرزقين رزق الزوج والزوجة وقال عمر بن الخطاب. عجبت لمن يبتغي الغنى بغير النكاح والله تعالى يقول إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وقال بعضهم إن الله وعد الغنى بالنكاح وبالتفرق فقال تعالى {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} وقال {أية : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته}تفسير : [النساء: 130] {والله واسع} يعني أنه ذو الإفضال والجود {عليم} أي بما يصلح خلقه من الرزق.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ} الأَيِّمُ: مَنْ لا زوجةَ له أو لا زوجَ لها؛ فالأَيِّمُ: يقال للرجل والمرأة. وقوله: {وَٱلصَّـٰلِحِينَ} يريد: للنكاح، وهذا الأمر بالنكاح يختلف بحسب شَخْصٍ شخْصٍ، ففي نازلة: يُتَصَوَّرُ وجوبُه، وفي نازلة: النَّدْبُ وغيرُ ذلك حسبما هو مذكور في كتب الفقه؛ قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: قوله تعالى: {وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ} الأظهر فيه: أنه أمر بإنكاح العبيد والإماء كما أمر بإنكاح الأيامى، وذلك بيد السادَةِ في العبيد والإماء؛ كما هو في الأحرار بيد الأولياء، انتهى. ثم وعد تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين؛ طَلَبَ رضا اللّه عنهم، واعتصاماً من معاصيه، ثم أمر تعالى كُلَّ مَنْ يَتَعَذَّرُ عليه النكاحُ أَنْ يستعفف حتى يُغْنِيَهُمُ اللّه من فضله، إذِ الغالب من موانع النكاح عَدَمُ المال، فوعد سبحانه المُتَعَفِّفُ بالغنى. والمكاتبة: مفاعلة من حيث يَكْتُبُ هذا على نفسه وهذا على نفسه، ومذهب مالك: أَنَّ الأَمرَ بالكتابة هو على الندب. وقال عطاء: ذلك واجب، وهو ظاهرُ مذهب عمرَ بن الخطاب رضي اللّه عنه. وقوله: {إِن عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} قالت فرقة: الخير هنا المال. وقال مالك: إنَّه ليقال: القُوَّةُ والأداء، وقال عبَيْدَةُ السَّلْمانيَّ: الخير هو: الصلاح في الدِّين. وقوله تعالى: {وَءَاتُوهُم} قال المفسرون: هو أمر لكل مُكَاتِبِ أنْ يضع عن العبد من مال كتابته، ورأى مالك هذا الأمر على النَّدْبِ، ولم يَرَ لقدر الوضيعة حَدّاً، واستحسن عليُّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه أن يُوضَعَ عنه الرُّبُعُ، وقيل: الثُّلُثُ، وقيل: العشر، ورأى عمر أَنْ يكون ذلك من أَوَّلِ نُجُومِهِ؛ مبادرةً إلى الخير، وخوفَ أَلاَّ يدركَ آخرها، ورأى مالك وغيره: أَنْ يكونَ الوضعُ من آخر نَجْمٍ؛ وعِلَّةُ ذلك أَنَّه: ربما عجز العبدُ فرجع هو وماله إلى السَّيِّدِ، فعادت إليه وضيعته وهي شبه الصدقة. قلت: والظاهر أَنَّ هذا لا يُعَدُّ رجوعاً كما لو رجع إليه بالميراث، ورأى الشافعيُّ وغيره: أَنَّ الوضيعة واجبةُ يُحكَمُ بها. وقال الحسن وغيره: الخطاب بقوله تعالى: {وءَاتُوهُم}: للناس أجمعين في أَنْ يتصدَّقُوا على المكاتَبِينَ. وقال زيد بن أسلم: إنَّما الخطاب لولاة الأمور. وقوله سبحانه: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} الآية: رُوِيَ: أَنَّ سبب الآية هو أَن عبد اللّه بن أُبَيِّ ابن سلولَ كانت له أَمَةٌ، فكان يأمرُها بالزنا والكَسْبِ به، فشكَتْ ذلك إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية فيهِ، وفيمن فَعَلَ فعلَه من المنافقين. وقوله: {ِإن أَرَدْنَ تَحَصُّناً} راجع إلى الفتيات؛ وذلك أَنَّ الفتاةَ إذا أَرادت التَّحَصُّنَ فحينئذ يمكن ويُتَصَوَّرُ أَنْ يكونَ السيد مُكْرِهاً، ويمكن أن يُنْهىٰ عن الإكراه، وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصنَ فلا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ للسيد: لا تُكْرِهها: لأَنَّ الإكراه لا يُتَصوَّرُ فيها وهي مريدة للفساد، فهذا أمر في سادة وفتياتٍ حالُهم هذه، وذهب هذا النظرُ عن كثير من المفسرين: فقال بعضُهم: قولُه: {إن أردن} راجِعٌ إلى الأيامى في قوله: {وَأَنكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنكُمْ}، وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: {إِن أَرَدْنَ} مَلْغِيٌّ ونحو هذا مِمَّا هو ضعيف، واللّه الموفق للصواب برحمته. قلت: وما اختاره * ع * هو الذي عَوَّلَ عليه ابن العرَبيِّ وَنَصَّهُ، وإنما ذكر اللّه تعالى إِرادة التَّحَصّنِ من المرأة؛ لأَنَّ ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأَمَّا إذا كانت هي راغبةً في الزنا، لم يتحصل الإكراه فحصلوه إنْ شاء اللّه، انتهى من «الأحكام» وقرأ ابن مسعود وغيره: «فَإنَّ اللّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ لهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ثم عَدَّد سبحانه نِعَمَهُ على المؤمنين في قوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءَايَـٰتٍ مُّبَيِّنَـٰتٍ وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ} ليقع التحفظ مِمَّا وقع أولئك فيه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ}. لما أمر تعالى بغض الأبصار وحفظ الفروج بيَّن بعده أن الذي أمر به إنما هو فيما لا يحل، ثم ذكر بعد ذلك طريق الحِلّ فقال: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ}. الأيامى: جمع أيِّم بـ "زنة": "فَيْعل"، يقال منه: آم يَئيم كباع يبيع، قال الشاعر: شعر : 3829- كُلُّ امْرِئٍ سَتَئيم مِنـ ـهُ العِرْسُ أَوْ مِنْهَا يَئِيمُ تفسير : وقياس جمعه: أَيائِم، كسيِّد وسَيَائِد. و"أَيامى" فيه وجهان: أظهرهما من كلام سيبويه أنه جمع على "فَعَالَى" غير مقلوب، وكذلك "يَتَامَى". وقيل: إن الأصل "أَيَايم" و"يَتَايم" و"يَتِيم" (فقلبا). والأَيِّم: (من لا زوج له) ذكراً كان أو أنثى. قال النضر بن شميل: الأَيِّمُ في كلام العرب: كل ذكر لا أنثى معه، وكل أنثى لا ذكر معها. وهو قول ابن عباس في رواية الضحاك، يقول: زوجوا أياماكم بعضكم من بعض. وخصَّه أبو بكر الخفَّاف بمن فقدت زوجها، فإطلاقه على البِكْر مجاز. وقال الزمخشري: "تأيَّما إذا لم يتزوجا بِكرين كانا أو ثيّبين"، وأنشد: شعر : 3830- فَإِنْ تَنْكِحي أَنْكِح وإِنْ تَتَأَيَّمِي وَإِنْ كُنْتُ أَفْتَى مِنْكُم أَتَأَيَّمُ تفسير : وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : اللَّهم إني أعوذ بك من العَيْمَة والغَيْمَة والأَيْمَة والكَرم والقَرَم"تفسير : . العَيْمة - بالمهملة: شدة شهوة اللبن. وبالمعجمة: شدة العطش. والأَيْمَة: طول العزبة. والكَرَم: شدة شهوة الأكل والقَرَم: شدة شهوة اللحم و"منكم" حال. وكذا "مِنْ عِبادكُمْ". فصل قوله: "وَأَنكحوا" أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فدلّ على أن الولي يجب عليه تزويج موليته، (وإذا ثبت هذا وجب ألا يكون النكاح إلا بولي، لأن كل ما وجب على الولي حكم بأنه لا يصح من المولية)، ولأن المولية لو فعلت ذلك لفوَّتتْ على الولي تمكنه من أداء هذا الواجب، وأنه غير جائز، ولم تطابق قوله عليه السلام: "حديث : إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَزوِّجُوهُ، إلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَة فِي الأَرْضِ"تفسير : . قال أبو بكر الرازي: هذه الآية وإن اقتضت الإيجاب، إلا أنه أجمع السلف على أنه لا يراد الإيجاب، ويدل عليه أمور: أحدها: أنه لو كان ذلك واجباً لنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن السلف مستفيضاً، لعموم الحاجة إليه، فلما علمنا أن سائر الأعصار كانت فيهم أيامى من الرجال والنساء ولم ينكروا ذلك، ثبت أنه لم يرد الإيجاب. وثانيها: أجمعنا على أن الأَيِّمَ الثيّب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها عليه. وثالثها: اتفاق الكل على أنه لا يجب على السيد تزويج أمته وعبده، وهو معطوف على الأيامى، فدل على أنه غير واجب في الجميع، بل ندب في الجميع. ورابعها: أن اسم الأَيَامَى يشمل الرجال والنساء، وهو في الرجال ما أريد به الأولياء دون غيرهم، كذلك في النساء. والجواب: أن جميع ما ذكرته تخصيصات تطرقت إلى الآية، والعام بعد التخصيص حجة، فوجب إذا التمست المرأة الأيم من الولي التزويج وجب، وحينئذ ينتظم الكلام. فصل قال الشافعي: الآية تقتضي جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها، لأن الآية والحديث يدلاّن على أمر الولي بتزويجها. ولولا قيام الدلالة على أنه تزوج الثيب الكبيرة بغير رضاها لكان جائزاً له تزويجها أيضاً لعموم الآية. فصل الناس في النكاح قسمان: الأول: من تتوقُ نفسُه للنكاح، فيستحب له أن ينكح إن وجد أهبته سواء كان مقبلاً على العبادة أو لم يكن، ولكن لا يجب، وإن لم يجد أهبته يكسر شهوته بالصوم لقوله عليه السلام: "حديث : يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُم البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأحْصَنُ للفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَصُمْ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ". تفسير : الثاني: من لا تتوق نفسه للنكاح، فإن كان لعلة من كِبَر أو مرض أو عجز فيكره له، لأنه يلتزم ما لا يمكنه القيام به، وكذلك إذا كان لا يقدر على النفقة. وإن لم يكن به عجز وكان قادراً على القيام بحقه لم يكره له النكاح، لكن الأفضل أن يتخلّى للعبادة، لأن الله تعالى مدح يَحْيَى بكونه {أية : حَصُوراً} تفسير : [آل عمران: 39]، والحَصُور: الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليهنّ، ولا يقال: هو الذي لا يأتي النساء مع العجز؛ لأن مدح الإنسان بما يكون عيباً غير جائز، وإذا كان مدحاً في حق يحيى وجب أن يشرع في حقنا، لقوله تعالى: {أية : فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90]، ولا يحمل الهدى على الأصول، لأن التقليد فيها غير جائز، فوجب حَمْلُه على الفروع. وقال عليه السلام: "حديث : اعْلمُوا أَن خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاَةَ" تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : أَفْضَلُ أَعْمَالِ أُمَّتِي قرَاءَةُ القُرْآنِ"تفسير : . وقال أبو حنيفة: النكاح أفضل لقوله عليه السلام: "حديث : أحبُّ المباحات إلى الله النكاح" تفسير : لأن النكاح يتضمن صون النفس عن الزنا، فيكون دفعاً للضرر عن النفس. والنافلة: جلب نفع. ودفع الضرر أولى من جلب النفع. وأجيب بأن يحمل الأحب على الأصلح في الدنيا، لئلا يقع التناقض بين كونه أحبّ وبين كونه مباحاً. والمباح: ما يستوي طرفاه في الثواب والعقاب. والمندوب: ما ترجّح وجوده على عدمه، فتكون العبادة أفضل. وبقية المباحث مذكورة في كتب الفقه. قوله: "مِنْكُم" أي: زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم. وقيل: أراد الحرية والإسلام. وقوله: {وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} ظاهره يقتضي الأمر بتزويج هذين الفريقين إذا كانوا صالحين. وخصَّ الصالحين بالذكر ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم، ولأن الصالحين منهم هم الذين مواليهم يشفقون عليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في المودَّة، فكانوا مظنة للتوصية والاهتمام بهم. ومن ليس بصالح فحاله على العكس من ذلك. وقيل: أراد الصلاح لأمر النكاح حتى يقوم العبد بما يلزم لها، وتقوم الأمة بما يلزم للزوج. وقيل: أراد بالصلاح ألا تكون صغيرة لا تحتاج إلى النكاح. فصل ظاهر الآية يدل على أنّ العبد لا يتزوج بنفسه، وإنما يتولى تزويجه مولاه، لكن ثبت بالدليل أنه إذا أمره بأن يتزوج جاز أن يتولى تزويج نفسه، فيكون توليه بإذنه بمنزلة تولي السيد. فأما الإماء فإنَّ المولى يتولى تزويجهنَّ خصوصاً على قول من لا يجوِّز النكاح إلا بوليّ. فصل الولي شرط في صحة النكاح لقوله عليه السلام: "حديث : لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَليّ ". تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : أيُّمَا امرأةٌ نكحَتْ بغير إذن وليِّها فنكاحُها باطلٌ"تفسير : فإن أصابها فلها المهر بما استحلَّ من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ (من لا وليّ له). قوله: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} الأصح أن هذا ليس وعداً بإغناء من يتزوج، بل المعنى: لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم، أو فقر من تريدون تزويجها، ففي فضل الله ما يغنيهم، والمال غادٍ ورائح، وليس في الفقر ما يمنع من الرغبة في النكاح، فهذا معنى صحيح، وليس فيه أن الكلام قصد به وعد الغنى حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف. وروي عن قدماء الصحابة ما يدلّ على أن ذلك وعد، فروي عن أبي بكر قال: "أطيعُوا اللَّهَ فيما أمركُم به من النكاح ينجز لكم ما وَعَدكُم من الغِنَى". وعن عمر وابن عباس مثله. وشكى رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحاجة، فقال: "حديث : عليك بالباءة"تفسير : وقال طلحة بن مصرّف: تزوجوا فإنه أوسع لكم في رزقكم، وأوسع في أخلاقكم، ويزيد الله في مروءتكم. فإن قيل: فنحن نرى من كان غنياً فتزوج فيصير فقيراً؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن هذا الوعد مشروط بالمشيئة في قوله: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ} تفسير : [التوبة: 28] والمطلق يحمل على المقيد. وثانيها: أن اللفظ وإن كان عامّاً إلا أنه يخصّ بعض المذكورين دون البعض، وهو في الأيامى الأحرار الذين يملكون فيستغنون بما يملكون. وثالثها: المراد بالغنى: العفاف، فيكون الغنى هنا معناه: الاستغناء بالنكاح عن الوقوع في الزنا. فصل استدل بعضهم بهذه الآية على أن العبد والأمة يملكان، لأن ذلك راجع إلى كل من تقدم، فاقتضى أن العبد قد يكون فقيراً وغنياً، وذلك يدل على الملك، فثبت أنهما يملكان. والمفسرون تأولوه على الأحرار خاصة، فقالوا: هو راجع إلى الأيامى، وإن فسرنا الغنى بالعفاف سقط استدلالهم. وقوله: {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي يوسع عليهم من إفضاله، "عَلِيمٌ" بمقادير ما يصلحهم من الإفضال والرزق.

البقاعي

تفسير : ولما تقدم سبحانه إلى عباده في الأمور العامة للأحوال والأشخاص في الزنى وأسبابه، فحكم وقرر، ووعظ وحذر، أتبعه أسباب العصمة التي هي نعم العون على التوبة فقال مرشداً: {وأنكحوا الأيامى} مقلوب أيايم جمع أيم، وزن فعيل من آم، عينه ياء، وهو العزب ذكراً كان أو أنثى أو بكراً {منكم} أي من أحراركم، وأغنى لفظ الأيم عن ذكر الصلاح لأنه لا يقال لمن قصر عن درجة النكاح {والصالحين} أي للنكاح {من عبادكم وإمائكم} أي أرقائكم الذكور والإناث، احتياطاً لمصالحهم وصوناً لهم عن الفساد امتثالاً لما ندب إليه حديث "حديث : تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ".تفسير : ولما كان للزواج كلف يهاب لأجلها، لما طبع الآدمي عليه من الهلع في قلة الوثوق بالرزق، أجاب من كأنه قال: قد يكون الإنسان غير قادر لكونه معدماً، بقوله: {إن يكونوا} أي كل من ذكر من حر أو عبد، والتعبير بالمضارع يشعر بأنه قد يكون في النكاح ضيق وسعة {فقراء} أي من المال {يغنهم الله} أي الذي له الكمال كله، إذا تزوجوا {من فضله} لأنه قد كتب لكل نفس رزقها فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم، وعن ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى. وقال البغوي: قال عمر رضي الله عنه: عجبت لمن يبتغي الغنى في بغير النكاح - وقرأ هذه الآية. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: التمسوا الغنى في النكاح، وتلا هذه الآية ابن جرير. ولأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: حديث : ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله تفسير : . ويؤيده ما في الصحيح من حديث الواهبة نفسها حيث زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لم يجد ولا خاتماً من حديد. ولما كان التقدير: فالله ذو فضل عظيم، عطف عليه قوله: {والله} أي ذو الجلال والإكرام {واسع عليم*} أي فهو بسعة قدرته يسوق ما كتبه للمرأة على يد الزوج، وبشمول علمه يسبب أسبابه. ولما أمر سبحانه بما يعصم من الفتنة من غض البصر ثم بما يحصن من النكاح، وجراً عليه بالوعد بالإغناء، وكان هذا الوعد فيما بعد النكاح، وقدم الكلام فيه ترغيباً للإنسان في التوكل والإحصان، وكان قلبه ما قد يتعذر لأجله إما بعدم وجدان المهر وما يطلب منه تقديمه، أو بعدم رضى العبد وغيره يكون ولده رقيقاً أو غير ذلك، أتبعه قوله حاثاً على قمع النفس الأمارة عند العجز: {وليستعفف} أي يبالغ في طلب العفة وإيجادها عن الحرام {الذين لا يجدون نكاحاً} أي قدرة عليه وباعثاً إليه {حتى يغنيهم الله} أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال {من فضله} في ذلك الذي تعذر عليهم النكاح بسببه. ولما كان من جملة الموانع كما تقدم خوف الرق على الولد لمن له من الرقيق همة علية، ونفس أبية، أتبعه قوله: {والذين يبتغون} أي يطلبون طلباً عازماً {الكتاب} أي المكاتبة {مما ملكت أيمانكم} ذكراً كان أو أنثى؛ وعبر بـ "ما" إشارة إلى ما في الرقيق من النقص {فكاتبوهم} أي ندباً لأنه معاوضة تتضمن الإرفاق على ما يؤدونه إليكم منجماً، فإذا أدوه عتقوا {إن علمتم فيهم خيراً} أي تصرفاً صالحاً في دينهم ودنياهم لئلا يفسد حالهم بعد الاستقلال بأنفسهم؛ قال ابن كثير: وروى أبو داود في كتاب المراسيل عن يحيى ابن أبي كثير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلاًّ على الناس"تفسير : انتهى. ولعله عبر بالعلم في موضع الظن لذلك {وءاتوهم} وجوباً إذا أدوا إليكم {من مال الله} أي الذي عم كل شيء بنعمته، لأنه الملك العظم {الذي آتاكم} ولو بحط شيء من مال الكتابة. ولما أمر سبحانه بالجود في أمر الرقيق تارة بالنفس، وتارة بالمال، نهاهم عما ينافيه فقال: {ولا تكرهوا فتياتكم} أي إماءكم، ولعله عبر بلفظ الفتوة هزاً لهم إلى معالي الأخلاق، وتخجيلاً من طلب الفتوة من أمة {على البغاء} أي الزنى لتأخذوا منهن مما يأخذنه من ذلك. ولما كان الإكراه على الزنى لا يصح إلا عند العفة، وكان ذلك نادراً من أمة، قال: {إن} بأداة الشك {أردن تحصناً} وفي ذلك زيادة تقبيح للإكراه على هذا الفعل حيث كانت النساء مطلقاً يتعففن عنه مع أنهن مجبولات على حبه، فكيف إذا لم يمنعهن مانع خوف أو حياء كالإماء، فكيف إذا أذن لهن فيه. فكيف إذا ألجئن إليه، وأشار بصيغة التفعل وذكر الإرادة إلى أن ذلك لا يكون إلا عن عفة بالغة، وزاد في تصوير التقبيح بذكر علة التزام هذا العار في قوله: {لتبتغوا} أي تطلبوا طلباً حثيثاً فيه رغبة قوية بإكراههن على الفعل الفاحش {عرض الحياة الدنيا} فإن العرض متحقق فيه الزوال، والدنيا مشتقة من الدناءة. ولما نهى سبحانه عن الإكراه، رغب الموالي في التوبة عند المخالفة فيه فقال: {ومن يكرههن} دون أن يقول: وإن أكرهن، وعبر بالمضارع إعلاماً بأن يقبل التوبة ممن خالف بعد نزول الآية، وعبر بالاسم العلم في قوله: {فإن الله} إعلاماً بأن الجلال غير مؤيس من الرحمة، ولعله عبر بلفظ "بعد" إشارة إلى العفو عن الميل إلى ذلك الفعل عند مواقعته إن رجعت إلى الكراهة بعده، فإن النفس لا تملك بغضه حينئذ، فقال: {من بعد إكراههن غفور} أي لهن وللموالي، يستر ذلك الذنب إن تابوا {رحيم*} بالتوفيق للصنفين إلى ما يرضيه.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة {وأنكحوا الأيامى منكم} قال: قد أمركم الله - كما تسمعون أن تنكحوهن، فإنه أغض لأبصارهم، واحفظ لفروجهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن أنه قال: وانكحوا الصالحين من عبيدكم وامائكم. وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حديث : انكحوا الصالحين والصالحات فما تبعهم بعد ذلك فهو حسن. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وانكحوا الأيامى منكم} الآية. قال: أمر الله سبحانه بالنكاح ورغبهم فيه، وأمرهم أن يتزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى فقال {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق. قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} . وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قال: ما رأيت كرجل لم يلتمس الغنى في الباءة وقد وعده الله فيها ما وعده فقال {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة معاً في المصنف عن عمر بن الخطاب قال: ابتغوا الغنى في الباءة. وفي لفظ اطلبوا الفضل في الباءة وتلا {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} . وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: التمسوا الغنى في النكاح. يقول الله {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} . وأخرج الديلمي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : التمسوا الرزق بالنكاح ". تفسير : وأخرج البزار وابن مردويه والديلمي من طريق عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : انكحوا النساء فإنهن يأتينكم بالمال" تفسير : وأخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود في مراسيله عن عروة مرفوعاً مرسلاً. وأخرج عبد الرزاق وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله ". تفسير : وأخرج الخطيب في تاريخه عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه الفاقة فأمره أن يتزوج.

ابو السعود

تفسير : {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ} بعدما زَجر تعالى عن السِّفاحِ ومباديه القريبةِ والبعيدةِ أمرَ بالنِّكاحِ فإنَّه مع كونهِ مقصُوداً بالذَّات من حيثُ كونُه مناطاً لبقاء النَّوعِ خيرُ مزجرةٍ عن ذلك. وأيامى مقلوبُ أيَايم جمعُ أيِّم وهو مَن لا زوجَ له من الرِّجالِ والنِّساءِ بكراً كان أو ثيِّباً كما يُفصح عنه قولُ من قالَ: [الطويل] شعر : فإنْ تَنْكحِي أنكِحْ وإنْ تتأيَّمي وإنْ كُنتُ أفتى مِنكُم ـ أتأيَّمِ تفسير : أي زَوِّجُوا مَن لا زوجَ له مِن الأحرارِ والحَرَائرِ {وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} على أنَّ الخطابَ للأولياءِ والسَّاداتِ. واعتبارُ الصَّلاحِ في الأرقَّاءِ لأنَّ من لا صلاحَ له منهم بمعزلٍ مَن أنْ يكون خَليقاً بأن يعتني مولاه بشأنه ويُشفق عليه ويتكلَّفُ في نظمِ مصالحهِ بما لا بدَّ منه شَرعاً وعادةً من بذل المالِ والمنافعِ، بل حقُّه أنْ لا يستبقيَه عنده وأمَّا عدمُ اعتبار الصَّلاحِ في الأحرارِ والحرائرِ فلأنَّ الغالبَ فيهم الصَّلاحُ على أنَّهم مُستبدُّون في التَّصرفاتِ المتعلِّقةِ بأنفسهِم وأموالهم فإذا عزمُوا النِّكاحَ فلا بدَّ من مساعدةِ الأولياءِ لهم إذ ليسَ عليهم في ذلك غرامةٌ حتَّى يُعتبر في مقابلتها غنيمةٌ عائدةٌ إليهم عاجلةً أو آجلةً. وقيل المرادُ هو الصَّلاحُ للنِّكاحِ والقيامِ بحقوقهِ {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} إزاحةً لما عسى يكونُ وازعاً من النِّكاحِ من فقرِ أحدِ الجانبـينِ أي لا يمنعنَّ فقرُ الخاطبِ أو المخطوبةِ من المُناكحةِ فإنَّ في فضل اللَّهِ عزَّ وجلَّ غُنيةً عن المالِ فإنَّه غادٍ ورائحٌ يرزق مَن يشاء مِن حيثُ لا يحتسبُ أو وعدٌ منه سبحانه بالإغناءِ لقولهِ عليه الصَّلاة والسَّلامُ « حديث : اطلبُوا الغِنى في هذه الآيةِ » تفسير : لكنَّه مشروطٌ بالمشيئةِ كما في قولهِ تعالى: { أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء} تفسير : [التوبة: 28] {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ} غنيٌّ ذُو سَعةٍ لا يرزؤُه إغناءُ الخلائقِ إذْ لا نفادَ لنعمتهِ ولا غايةَ لقدُرتهِ ومع ذلك {عَلِيمٌ} يبسطُ الرِّزقَ لمن يشاءُ ويقدرُ حسبما تقتضيهِ الحكمةُ والمصلحةُ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [الآية: 32]. سمعت عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا عثمان يقول: لأن يغنيك عنها خير من أن يغنيك بها يعنى الدنيا. وقال بعضهم: من صح افتقاره إلى الله صح استغناه بالله.

القشيري

تفسير : إذا كان القصدُ في المناكحة التأدب بآداب الشرع يكفي الله ببركاته مطالبات النفس والطبع، وإنما يجب أن يكون القصدُ إلى التعفُّفِ ثم رجاءِ نسْلٍ يقوم بحقِّ الله. قوله: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} يُغْنِيهمُ اللَّهُ في الحال، أولاً بالنفس ثم غِنَى القلب؛ وغنيُّ القلبِ غَنِي عن الشيء، فالغَنِيَ عن الدنيا أتَمُّ من الغني بالدنيا. ويقال إن يكونوا فقراء في الحال يُغْنِهم الله في المستأنف والمآل.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} فضله ههنا معرفته وومعرفته الخروج من نعت الفقر والغنى لانهما علتان موجبتان الشغل عن الله والعزيز فى المعرفة من غنى بالله بالاتصاف بصفته والاتحاد بنعت المعرفة بذاته تعالى عن كل علة فان موارد شرائع جود مشاهدته مصاهر كل وارد بنعت الفناء فى بقائه قال بعضهم منصح افتقاره الى الله صح استغناؤه بالله.

اسماعيل حقي

تفسير : {وانكحوا الايامى منكم} مقلوب ايايم جمع ايم كيتامى مقلوب يتايم جمع يتيم فقلب قلب مكان ثم ابدلت الكسرة فتحة والياء الفا فصار ايامى ويتامى والايم من لا زوج له من الرجال والنساء بكرا كان او ثيبا، قال فى المفردات الايم المرأة التى لا بعل لها وقد قيل للرجل الذى لازوج له وذلك على طريق التشبيه بالمرأة لا على التحقيق: والمعنى زوجوا ايها الاولياء والسادات من لازوج له من احرار قومكم وحرائر عشيرتكم فان النكاح سبب لبقاء النوع وحافظ من السفاح {والصالحين من عبادكم وامائكم}، قال فى الكواشى اى الخيرين او المؤمنين، قال فى الوسيط معنى الصلاح ههنا الايمان، وفى المفردات الصلاح ضد الفساد وهما مختصان فى اكثر الاستعمال بالافعال وتخصيص الصالحين فان من لا صلاح له من الارقاء بمعزل من ان يكون خليقا بان يعتنى مولاه بشأنه ويشفق عليه ويتكلف فى نظم مصالحه بما لابد منه شرعا وعادة من بذل المال والمنافع بل حقه ان لايستبقيه عنده واما عدم اعتبار الصلاح فى الاحرار والحرائر فلان الغالب فيهم الصلاح، يقول الفقير قد اطلق فى هذه الآية الكريمة العبد والامة على الغلام والجارية وقد قال عليه السلام "حديث : لايقولن احدكم عبدى وامتى كلكم عبيد الله وكل نسائكم اماء الله ولكن ليقل غلامى وجاريتى وفتاى وفتاتى"تفسير : والجواب ان ذلك انما يكره اذا قاله على طريق التطاول على الرقيق والتحقير لشأنه والتعظيم لنفسه فسقط التعارض والحمد لله تعالى {ان يكونوا} [اكرباشند ايامى وصلحا ازعباد واما {فقراء} [درويشان وتنكدستان] {يغنهم الله من فضله} اى لايمنعن فقر الخاطب والمخطوبة من المناكحة فان فى فضل الله غنية عن المال فانه غاد ورائح [كه كاه آيدوكه رود مال وجاه] والله يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب، قال بعضهم من صح افتقاره الى الله صح استغناؤه بالله {والله واسع} غنى ذو سعة لا تنفد نعمته اذ لاتنتهى قدرته {عليم} يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر على ما تقتضيه حكمته، اتفق الائمة على ان النكاح سنة لقوله عليه السلام "حديث : من احب فطرتى فليستن بسنتى ومن سنتى النكاح"تفسير : وقوله عليه السلام "حديث : يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه اغض للبصر واحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء"تفسير : فان كان تائقا اى شديد الاشتياق الى الوطىء يخاف العنت وهو الزنى وجب عليه عند ابى حنيفة واحمد وقال مالك والشافعى هو مستحب لمحتاج اليه يجد اهبة ومن لم يجد التوقان فقال ابو حنيفة واحمد النكاح له افضل من نفل العبادة وقال مالك والشافعى بعكسه وعند الشافعى ان لم يتعبد فالنكاح افضل، واختلفوا فى تزويج المرأة نفسها فاجازه ابو حنيفة لقوله تعالى {أية : فلا تعضلوهن ان ينكحن ازواجهن}تفسير : نهى الرجال عن منع النساء عن النكاح فدل على انهن يملكن النكاح ومنعه الثلاثة وقالوا انما يزوجها وليها بدليل هذه الآية لان الله تعالى خاطب الاولياء به كما ان تزويج العبيد والاماء الى السادات واختلفوا هل يجبر السيد على تزويج رقيقه اذا طلب ذلك فقال احمد يلزمه ذلك الا امة يستمتع بها فان امتنع السيد من الواجب عليه فطلب العبد البيع لزمه بيعه وخالفه الثلاثة، قال فى الكواشى وهذا امر ندب اى ما وقع فى الآية،قال فى ترجمة الفتوحات [واكر عزم نكاح كنى جهد كن كه ازقريشيات بدست كنى واكر از اهل بيت باشد بهتر ونيكوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرموده كه بهترين زنانى كه برشتر سوار شدند زنان قريش اند] قال الزجاج حث الله على النكاح واعلم انه سبب لنفى الفقر ولكن الغنى على وجهين غنى بالمال وهو اضعف الحالين وغنى بالقناعة وهو اقوى الحالين وانما كان النكاح سبب الغنى لان العقد الدينى يجلب العقد الدنيوى اما من حيث لايحتسبه الفقير او من حيث ان النكاح سبب للجد فى الكسب والكسب ينفى الفقر شعر : رزق اكر جند بيكمان برسد شرط عقلست جستن ازدرها تفسير : واختلف الائمة فى الزوج اذا اعسر بالصداق والنفقة والكسوة والمسكن هل تملك المرأة فسخ نكاحها فقال ابو حنيفة رحمه الله لا تملك الفسخ بشىء من ذلك وتؤمر بالاستدانة للنفقة لتحيل عليه فاذا فرضها القاضى وامرها بالاستدانة صارت دينا عليه فتتمكن من الاحالة عليه والرجوع فى تركته لو مات ـ روى ـ عن جعفر بن محمد ان رجلا شكا اليه الفقر فامره ان يتزوج فتزوج الرجل ثم جاء فشكا اليه الفقر فامره بان يطلقها فسئل عن ذلك قلت لعله من اهل هذه الآية {ان يكونوا فقراء} الخ فلما لم يكن من اهلها فقال لعله من اهل آية اخرى {أية : وان يتفرقا يغن الله كلا من سعته}،تفسير : قال بعضهم ربما كان النكاح واجب الترك اذا ادى الى معصية او مفسدة وفى الحديث "حديث : يأتى على الناس زمان لا ينال فيه المعيشة الا بالمعصية فاذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة"تفسير : وفى الحديث "حديث : اذا اتى على امتى مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزوبة والترهب على رؤس الجبال"تفسير : كما فى تفسير الكواشى، قال امير المؤمنين على كرم الله وجهه اذا نفد عدد حروف بسم الله الرحمن الرحيم فان يكون اوان خروج المهدى من بطن امه وقد نظم حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر هذا المعنى فى بيتين بقوله شعر : اذا نفد الزمان على حروف ببسم الله فالمهدى قاما ودورات الخروج عقيب صوم الا بلغة من عندى سلام تفسير : ولولا الحسد لظهر سر العدد انتهى، يقول الفقير ان اعتبر كل راء مكررا لان من صفتها التكرار يبلغ حساب الحروف الى الف ومائة وستة وثمانين فالظاهر من حديث الكواشى ان المراد مائة وثمانون بعد الالف وعليه قوله عليه السلام "حديث : خيركم بعد المائتين خفيف الحاذ" قالوا ما خفيف الحاذ يا رسول الله قال "الذى لا اهل له ولا ولد "تفسير : . وفى التأويلات النجمية {وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم} يشر الى المريدين الطالبين وهم محرومون من خدمة شيخ يتصرف فيهم ليودع فى ارحام قلوبهم النطفة من صلب الولاية فندبهم الى طلب شيخ من الرجال البالغين الواصلين الذين بهم تحصل الولادة الثانية فى عالم الغيب بالمعنى وهو طفل الولاية كما ان ولادتهم اولى حصلت فى عالم الشهادة بالصورة ليكون ولوجهم فى الملكوت كما ان عيسى عليه السلام قال لم يلج ملكوت السموات والارض من لم يولد مرتين والنشأة الاخرى عبارة عن الولادة الثانية والعبد فى هذا المقام امن من رجوعه الى الكفر والموت اما امنه من الكفر فبقوله تعالى {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم امواتا}تفسير : يعنى اذا كنتم نطفة {أية : فاحياكم}تفسير : بالولادة الاولى {أية : ثم يميتكم}تفسير : بموت الارادة {أية : ثم يحييكم}تفسير : بالولادة الثانية {أية : ثم اليه ترجعون}تفسير : بجذبة {أية : ارجعى الى ربك راضية}تفسير : وما امنه من الموت فبقوله تعالى {أية : او من كان ميتا}تفسير : يعنى بالارادة من الصفات النفسانية الحيوانية {أية : فاحييناه}تفسير : بنور الربوبية {أية : وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس}تفسير : اى بنور الله فهو حى بحياة الله لا يموت ابدا بل ينقل من دار الى دار {ان يكونوا فقراء} معدومى استعداد قبول الفيض الالهى {يغنهم الله من فضله} بان يجعلهم مستعدى قبول الفيض فان الطريق من العبد الى الله مسدود وانما الطريق من الله الى العبد مفتوح بانه تعالى هو الفتاح وبيد المفتاح {والله واسع} الارحام القلوب لتستعد لقبول فيضه {عليم} بايصاله الفيض اليها انتهى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الأيامى: جَمْعُ أَيِّمٍ، وأصله: أيايم، فقلبت الياء؛ لآخِر الكلمة، ثم قلبت ألفاً، فصارت أيامى. والأيم: من لاَ زوج له من الرجال والنساء. يقول الحق جل جلاله: {وَأَنْكِحُوا} أي: زَوِّجُوا {الأيامى منكم} أي: مَنْ لا زوج له من الرجال والنساء، بِكراً كان أو ثيباً. والمعنى: زوجوا من لا زوج له من الأحرار والحرائر. والخطاب للأولياء والحكام، أمرهم بتزويج الأيامى، فاقتضى ذلك النهي عن عضلهن. وفي الآية دليل عدم استقلال المرأة بالنكاح، واشتراط الولي فيه، وهو مذهب مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة. {والصالحين} أي: الخيّرين، أو: مَنْ يصلح للتزوج، {من عِبَادِكم وإمائِكم} أي: من غلمانكم وجواريكم، والأمر: للندب؛ إذ النكاح مندوب إليه، والمخاطبون: ساداتهم. ومذهب الشافعي: أن السيد يُجبَر على تزويج عبيده، لهذه الآية، خلافاً لمالك، ومذهب مالك: أن السيد يَجْبُر عبدَه على النكاح، خلافاً للشافعي. واعتبار الصلاح في الأَرِقَّاءِ: لأن مَنْ لاَ صَلاَحَ له بمعزلٍ من أن يكون خليقاً بأن يَعْتَنِيَ مولاه بشأنه، وأيضاً: فالتزويج يحفظ عليه صَلاَحَهُ الحاصل، وأما عدم اعتبار الصلاح في الأحرار والحرائر؛ لأن الغالب فيهم الصلاح، على أنهم مستبدون بالتصرف في أنفسهم وأموالهم، فإذا عزموا النكاح فلا بد من مساعدة الأولياء لهم. وقيل: المراد بالصلاح: صلاحهم للتزوج، والقيام بحقوقهم، فإن ضَعُفُوا؛ لم يُزَوَّجُوا. ونفقة العبد على سيده؛ إن زَوَّجَه، أو أَذن له، وإلا خُيِّر فيه. ثم قال تعالى: {إن يكونوا فقراءَ} من المال {يُغْنِهِمُ الله من فضله} بالكفاية والقناعة، أو باجتماع الرزقين. وفي الحديث: "حديث : التمسوا الرزق بالنكاح"،تفسير : وقال ابن عجلان: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الحاجة، فقال: "عليك بالباءة"، أي: التزوج. وكذلك قال أبو بكر وعمر وعثمان لمن شكى إليهم العَيْلَةَ، متمسكين بقوله تعالى: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم}، فبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، حسبما تقتضيه المشيئة والحكمة والمصلحة. فالغِنَى، للمتزوج، مقيد بالمشيئة، فلا يلزم الخلف بوجود من لم يستغن مع التزوج، وقيل: مقيد بحسن القصد، وهو مغيب. والله تعالى أعلم. الترغيب في النكاح: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحب فطرتي فليستن بسنتي، وهي النكاح، فإن الرجل يُرفعُ بدعاء ولده من بعده" تفسير : ، وقال سمرة رضي الله عنه: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التبتل). وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : من كان له ما يتزوج به، فلم يتزوج، فليس منا" تفسير : . وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : من أدرك له ولد، وعنده ما يزوجه به، فلم يزوجه، فأحدث، فالإثم بينهما"تفسير : . وقال أبو هريرة: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد للقيت الله بزوجة، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : شراركم عُزَّابُكُم، إذا تزوج أحدكم عَجَّ شيطانه: يا ويله عَصَمَ ابنُ آدَمَ ثلثي دِينِهِ"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مسكين، مسكين، رجل ليست له امرأة، ومسكينة، مسكينة؛ امرأة ليست لها زوج، قالوا: يا رسول الله! وإن كانت غنية من المال؟ قال: وإن ". تفسير : وقال أبو أمامة: (أربعة لعنهم الله من فوق عرشه، وأمَّنت عليهم ملائكته: الذي يحصر نفسه عن النساء، فلا يتزوج ولا يتسرى؛ لئلا يولد له، والرجل يتشبه بالنساء، والمرأة تتشبه بالرجال، وقد خلقها الله أنثى، ومُضلل المساكين). وقال سهل بن عبد الله: لا يصح الزهد في النساء؛ لأنهن قد حُببن إلى سيد الزاهدين. ووافقه ابن عُيَيْنَةَ، فقال: ليس في كثرة النساء دنيا؛ لأن أزهد الصحابة كان عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان له أربع نسوة وبِضعَ عَشْرَةَ سُرِّيَّةً. هـ. من القوت. وقال عطية بن بُسْر المازني: أتى عكافُ بن وَدَاعَة الهلالي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقال له: "حديث : يا عكاف؛ ألك زوجة؟ قال: لا، يارسول الله، ولا أمة؟ قال: لا. قال: وأنت صحيح موسر؟ قال: نعم، والحمد لله. قال: فإنك، إذاً، من إخوان الشياطين، إما أن تكون من رهبان النصارى، وإما تكون مؤمناً، فاصنع ما بدا لك. فإن سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأرذال موتاكم عزابكم، ما للشيطان، في سلاح، أبلغ من مُحْتَمِلِ العَزَبَةِ، ألا إن المتزوجين هم المطهرون المبرؤون من الخنا" تفسير : . انظر الثعلبي. قال تعالى: {ولْيَسْتَعْفِفِ الذين لا يجدون نكاحاً} أي: ليجتهد في العفة عن الزنا وقمع الشهوة من لم يجد الاستطاعة على النكاح؛ من المهر والنفقة، {حتى يُغْنِيَهُم الله من فضلِهِ}؛ حتى يقدرهم الله على المهر والنفقة، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجَاءٌ" تفسير : ، فانظر كيف رتَّب الحق تعالى هذه الأمور؟ أَمَرَ، أولاً، بما يَعْصِمُ من الفتنة، ويُبعد عن مواقعة المعصية، وهو غض البصر، ثم بالنكاح المُحَصَّنِ للدين، المغني عن الحرام، ثم بعزف النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة، عند العجز عن النكاح، إلى أن يقدر عليه. وبالله التوفيق. الإشارة: الأرواح والقلوب والنفوس لا يظهر نِتَاجُها حتى ينعقد النكاح بينها وبين شيخ كامل، فإذا انعقدت الصحبة بينها وبين الشيخ، قذف نطفة المعرفة في الروح أو القلب أو النفس، ثم يربيها في مشيمة الهِمَّة، ثم في حَضَانة الحفظ والرعاية، فَيَظْهَرُ منها نِتاجُ اليقين والعلوم والأسرار والمعارف، وأما إن بقيت أيامَى؛ لا زوج لها، فلا مطمع في نِتَاجها، قال تعالى: {وأَنْكِحوا الأيامى منكم}، وهي الأرواح، والصالحين من قلوبكم، ونفوسكم، إن يكونوا فقراء؛ من اليقين، والمعرفة بالله، يغُنهم الله من فضله؛ بمعرفته، والله واسع عليم، وليتعفف، عن المناكر، الذين لا يجدون من يأخذ بيدهم، حتى يغنيهم الله من فضله؛ بالسقوط على شيخ كامل؛ فإنه من فضل الله ومنته، لا يسقط عليه إلا من اضْطُرَّ إليه، وصَدَقَ الطلبَ في الوصول إليه. وبالله التوفيق. ولما أمر بتزوج العبيد، أمر بمكاتبتهم، فقال: {... وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىۤ آتَاكُمْ...}. قلت: الكتاب هنا: مصدر، بمعنى الكتابة. وهي: مقاطعة العبد على مال مُنَجَّمٍ، فإذا أداه؛ خرج حراً، وإن عجز، ولو عن نصف درهم، بقي رقيقاً. يقول الحق جل جلاله: {والذين يَبْتَغُون الكتابَ} أي: والمماليك الذين يطلبون الكتابة {مما ملكتْ أيمانُكم}؛ من عبيدكم {فكاتِبُوهُم}، والأمر للندب، عند مالك والجمهور، وقال الظاهرية وغيرهم: على الوجوب، وهو ظاهر قول عمر رضي الله عنه لأنس بن مالك، حين سأله مملوكه سيرين الكتابة، فأبى عليه أنس، فقال له عمر: لتكاتبنه، أَوْ لأُوجِعَنَّكَ بالدِّرَّةِ. وإنما حمله مالك على الندب؛ لأن الكتابة كالبيع، فكما لا يجبر على البيع لا يجبر عليها. واختلف: هل يُجْبِرُ السيدُ عَبْدَهُ عليها، أم لا؟ قولان في المذهب. ونزلت الآية بسبب حُوَيْطب بن عبد العُزَّى، سأل مولاه أن يكاتبه، فأبى عليه. وحكمها عام، فأمر الله سادات العبيد أن يُكاتبوهم إذا طلبوا الكتابة. والكتابة: أن يقول لمملوكه: كاتبتك على كذا، فإن أدى ذلك عُتِقَ، ومعناه: كتبت لك على نفسي أن تُعْتَقَ مني إذا وَفَّيْتَ المال، وكتبتَ لي على نفسك أن تفي بذلك. وتجوز حَالَّةً، وتسمى: القطاعة، ومُنَجَّمَةً وَغَيْرَ مُنَجَّمَةٍ. وقوله تعالى: {إنْ علمتمْ فيهم خيراً}، أي: قدرة على الكسب، وأمانة وديانة، والنَّدْبِيَّةُ متعلقة بهذا الشرط، فالخير هنا: القوة على الأداء بأي وجه كان، وقيل: هو المال الذي يؤدي منه كتابته، من غير أن يسأل أموال الناس، وقيل: الصلاح في الدين. {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}، هذا أمر بإعانَةِ المكاتب على كتابته، واخْتُلِف: مَنِ المُخَاطَبُ بذلك؟ فقيل: هو خطاب للناس أجمعين، وقيل: للولاة، والأمر على هذين القولين للندب، وقيل: للسادات المُكَاتِبينَ، وهو على هذا القول، ندب عند مالك، ووجوب عند الشافعي. فإن كان الأمر للناس، فالمعنى: أن يعطوهم صدقة من أموالهم، وإن كان للولاة: فيعطوهم من الزكوات أو من بيت المال، وإن كان للسادات فَيَحُطُّوا عنهم من كتابتهم، وقيل: يعطوهم من أموالهم، من غير الكتابة، وعلى القول بالحط من الكتابة اختلف في مقدار ما يُحَطُّ، فقيل: الربع، وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل الثلث، وقال مالك: لا حد في ذلك، بل أقل ما يطلق عليه شيء، إلا أن الشافعي يجبره على ذلك، ولا يجبره مالك. وزمان الحط عنه في آخر الكتابة عند مالك، وقيل: في أول نَجْمٍ. قاله ابن جزي. الإشارة: العبيد على أربعة أقسام: عَبْدٌ قِنُّ مقتنى للخدمة، وعبد مأذون له في التجارة، وعبد مُكَاتبٌ، وعبد آبق. فمثال الأول، وهو العبد القن: أهل الخدمة، وهم العباد والزهاد، أقامهم الحق تعالى لخدمته، وقَوَّاهُمُ على دوام معاملته، أهل الصيام والقيام، وأهل السياحة والهيام. ومثال الثاني، وهو المأذون له: العارفون بالله، يتصرفون في ملك سيدهم بالله، خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحكمون بحكم الله ويأخذون من الله ويدفعون إلى الله، يأخذون النصيب من كل شيء، ولا يُؤْخَذُ من نصيبهم شيء، قد سخرّ لهم كل شيء، ولم يُسَخَّرُوا لشيء، سُلَِطُوا على كل شيء، ولم يُسَلَّطْ عليهم شيء، يخالطون الناس بجسمهم، ويباينونهم بسرهم، فالدنيا سوق تجارتهم، والمعرفة رأس بضاعتهم، والعدل في الغضب والرضا مِيزانُهم، والقصد في الفقر والغنى عُنْوانهم، والعلم بالله مفزعهم ومنجاهم، والقرآن كتاب الإذن من مولاهم، والفهم عن الله مرجعهم ومأواهم. ومثال الثالث، وهو المُكَاتَب: الصالحون من المؤمنين؛ يعملون على فك رقبتهم من النار، فإذا أدوا ما فرض عليهم؛ حررهم بعد موتهم، وأسكنهم فسيح جنانه. ومثال الآبق: هم العصاة والفجار، استمروا على عصيانهم، حتى قدموا على الملك الجبار، فهم تحت حكم المشيئة، إن شاء عفا عنهم، وإن شاء عاقبهم. والله تعالى أعلم. ولما أمر بتزويج الإماء نهى عن إكراههن على الزنا، فقال: {... وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [آية: 33-34]. يقول الحق جل جلاله: {ولا تُكْرهُوا فتياتكم} أي: إِمَاءَكُمْ، يقال للعبد: فتى، وللأمة: فتاة. والجمع: فتيات، {على البغاء} أي: الزنا، وهو خاص بزنا النساء. كان لابن أُبيِّ ست جوار: مُعَاذَة، ومُسَيْكَة، وأميمة، وعَمْرَة، وأَرْوَى، وقُتَيْلَة، وكان يكرههن، ويضرب عليهن الضرائب لذلك، فشكتِ ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية. وقوله تعالى: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} أي: تعففاً، ليس قيداً في النهي عن الإكراه، بل جرى على سبب النزول، فالإكراه: إنما يُتَصَوَّرُ مع إرادة التَّحَصُّنِ؛ لأن المطيعة لا تسمى مكرهة، ثم خصوص السبب لا يُوجب تخصيص الحُكم على صورة السبب، فلا يختص النهي عن الإكراه بإرادة التعفف، وكذلك الأمر بالزنا، والإذن فيه لا يُبَاحُ ولا يجوز شيء من ذلك للسيد، وما يقبض من تلك الناحية سُحْتٌ وربا. وفيه توبيخ للموالي؛ لأن الإماء إذا رغبن في التحصن؛ فأنتم أولى بذلك، ثم علل الإكراه بقوله: {لتبتغوا عَرَض الحياةِ الدنيا} أي: لتبتغوا بإكراهن على الزنا أجورهن وأولادهن، جيءَ به؛ تشنيعاً لهم على ما هم عليه من أحمال الوزر الكبير لأجل النزر الحقير، أي: لا تفعلوا ذلك لطلب المتاع السريع الزوال، الوشيك الاضمحلال. {ومن يُكْرِههُنَّ}؛ على ما ذُكِرَ من البغاء، {فإن الله من بعد إكرَاهِهِنَّ غفورٌ} لهن {رحيمٌ} بهن، وفي مصحف ابن مسعود كذلك. وكان الحسن يقول: لهن والله. وقيل: للسيد إذا تاب. واحتياجهن إلى المغفرة المنبئة عن سابقة الإثم: إما اعتبار أنهن - وإن كن مُكْرَهَاتٍ - لا يخلون في تضاعيف الزنا من شائبة مطاوعة ما، بحكم الجِبِلَّةِ البشرية، وإما لغاية تهويل أمر الزنا، وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه، والتشديد في تحذير المكرِهِينَ ببيان أنهن حَيْثُ كُنَّ عُرْضَةً للعقوبة، لولا أن تداركهن المغفرة، الرحمة، مع قيام العذر في حقهن، فما بالك بحال من يكرههن في استحقاق العقاب؟ {ولقد أنزلنا إليكم آياتٍ مُبَيِّنَاتٍ}؛ مُو ضِّحَات، أو: واضحات المعنى، والمراد: الآيات التي بُينت في هذه السورة، وأوضحت معاني الأحكام والحدود. وهو كلام مستأنف جيء به في تضاعيف ما ورد من الآيات السابقة واللاحقة؛ لبيان جلالة شأنها، المقتضي للإقبال الكلي على العمل بمضمونها. وصُدر بِالْقَسَمِ الذي تُعرب عنه اللام؛ لإبراز كمال العناية بشأنها. أي: والله، لقد أنزلنا إليكم، في هذه السورة الكريمة، آيات مبينات لكل ما لكم حاجة إلى بيانه؛ من الحدود وسائر الأحكام، وإسناد البيان إليها: مجازي، أو: آيات واضحات تصدقها الكتب القدسية والعقول السليمة، على أن "مُبَيِّنات"، مِنْ بيَّن، بمعنى تبين، كقولهم في المثل: " قد بيَّن الصبح لذي عينين"، أي: تبين. ومن قرأها بالبناء للمفعول، فمعناه: قد بيَّن الله فيها الأحكام والحدود. {ومثلاً من الذين خَلَوا مِن قبلكم} أي: وأنزلنا مثلاً من أمثال مَنْ قَبْلَكُم، من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة، والكلمات الجارية على ألسنة الأنبياء والحكماء، فتنتظم قصة عائشة - رضي الله عنها - المحاكية لقصة يوسف عليه السلام وقصة مَرْيَمَ، وسائر الأمثال الواردة في السورة الكريمة، انتظاماً واضحاً. وتخصيص الآيات البينات بالسوابق، وحمل المثل على قصة عائشة المحاكية لقصة يوسف ومريم، يأباه تعقيب الكلام بما سيأتي من التمثيلات. {و} أنزلنا {موعظةً للمتقين} يتعظون بها، وينزجرون عما لا ينبغي من المحرمات والمكروهات وسائر ما يخُل بمحاسن الآداب، والمراد: ما وعظ به من الآيات والمثل، مثل قوله: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 2]، و {أية : لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ...} تفسير : [النور: 12] إلخ، {أية : يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ}تفسير : [النور:17]. وتخصيص المتقين؛ لأنهم المنتفعون بها، المغتنمون لآثارها، المقتسبون لأنوارها، ومدار العطف هو التَّغَايُرُ العنواني المُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التغايُرِ الذاتي. وقد خصَّت الآيات بما بيّن الأحكامَ والحدودَ، والموعظة بما وعظ به من قوله: {ولا تأخذكم...} إلى آخر ما تقدم. وقيل: المراد بالآيات المبينات والمثل والموعظة: جميع ما في القرآن المجيد من الأمثال والمواعظ والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من أمر بالمعصية ودلَّ عليها، أو رضي فعلها، فهو شريك الفاعل في الوزر، أو أعظم. وكل من أمر بالطاعة ودلّ عليها فهو شريك الفاعل في الثواب، أو أعظم. وفي الأثر: "حديث : الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِه ". تفسير : قال القشيري: حامِلُ العاصي على زَلَّته، والداعي له إلى عَثْرَته، والمُعِينُ له على مخالفته، تتضاعف عليه العقوبة، وله من الوِزْرِ أكثرُ من غيره، وعكسه لو كان الأمر في الطاعة والإعانة على العبادة. هـ. ومن هذا القبيل: تعليم العلم لمن تحقق أنه يطلب به رئاسةً أو جاهاً، أو تَوَصُّلاً إلى الدنيا المذمومة، أو عَلِمَ منه قصداً فاسداً، فإن تحقق ذلك وعَلِمَه، فهو مُعين له على المعصية، كمن يعطي سيفاً لمن يقطع به الطريق على المسلمين. والله تعالى أعلم. ثم إن أنوار الشريعة وهي أحكام المعاملة الظاهرة تهدي إلى أنوار الطريقة وهي أحكام المعاملة الباطنة وأنوار الطريقة تهدي إلى أنوار الحقيقة وأنوار الحقيقة تصير الكون كله نوراً كما قال تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ...}

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله للمكلفين من الرجال يأمرهم الله تعالى أن يزوجوا الأيامى اللواتي لهم عليهن ولاية، وأن يزوجوا الصالحين المستورين الذين يفعلون الطاعات من المماليك والاماء إذا كانوا ملكاً لهم، والأيامى جمع (أيم) وهي المرأة التي لا زوج لها سواء كانت بكراً أو ثيباً. ويقال للرجل الذي لا زوجة له: أيم ايضاً ووزن أيم (فيعل) بمعنى (فعيل) فجمعت كجمع يتيم ويتيمة ويتامى، وقال جميل: شعر : احب الايامى اذ بثينة ايم وأحببت لما أن غنيت الغوانيا تفسير : ويجوز جمعه أيايم، ويقال: امرأة أيم وايمة إذا لم يكن لها زوج، قال الشاعر: شعر : فان تنكحي أنكح وإن تتأيمي يدا الدهر ما لم تنكحي أتأيم تفسير : وقال قوم: الايم التي مات زوجها، ومنه قوله (عليه السلام): (والايم أحق بنفسها) يعني الثيب. ومعنى أنكحوا زوجوا، يقال: نكح إذا تزوج، وأنكح غيره اذا زوجه. وقيل: ان الأمر بتزويج الأيامى إذا أردن ذلك أمر فرض، والامر بتزويج الأمة إذا أرادت ندب، وكذلك العبد. وقوله {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم} معناه لا تمتنعوا من انكاح المرأة أو الرجل اذا كانوا صالحين، لأجل فقرهما، وقلة ذات أيديهما، فانهم وإن كانوا كذلك، فان الله تعالى يغنيهم من فضله، فانه تعالى واسع المقدور، كثير الفضل، عليم بأحوالهم وبما يصلحهم، فهو يعطيهم على قدر ذلك. وقال قوم: معناه إن يكونوا فقراء الى النكاح يغنهم الله بذلك عن الحرام. فعلى الأول تكون الآية خاصة في الاحرار. وعلى الثاني عامة فى الأحرار، والمماليك. وقوله {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله} أمر من الله تعالى لمن لا يجد السبيل الى أن يتزوج، بأن لا يجد طولا من المهر، ولا يقدر على القيام بما يلزمها من النفقة والكسوة، أن يتعفف، ولا يدخل فى الفاحشة، ويصبر حتى يغنيه الله من فضله. وقوله {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم} معناه إن الانسان اذا كانت له أمة أو عبد يطلب المكاتبة. وهي أن يقوّم على نفسه وينجم عليه ليؤدي قيمة نفسه الى سيده، فانه يستحب للسيد أن يجيبه الى ذلك ويساعده عليه لدلالة قوله تعالى {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} وهذا أمر ترغيب بلا خلاف عند الفقهاء. وقال عمرو بن دينار، وعطاء، والطبري: هو واجب عليه إذا طلب. وصورة المكاتبة أن يقول الانسان لعبده، أو امته: قد كاتبتك على ان تعطيني كذا وكذا ديناراً أو درهماً في نجوم معلومة على أنك إذا أديت ذلك فانت حر، فيرضى العبد بذلك، ويكاتبه عليه ويشهد بذلك على نفسه، فمتى أدى ذلك، وهو مال الكتابة فى النجوم التي سماها صار حراً، وان عجز عن اداء ذلك كان لمولاه أن يرده في الرق. وعندنا ينعتق منه بحساب ما أدى ويبقى مملوكاً بحساب ما بقي عليه إذا كانت الكتابة مطلقة، فان كانت مشروطة بأنه متى عجز رده في الرق، فمتي عجز جاز له رده في الرق. و (الخير) الذي يعلم منه هو القوة على التكسب. وتحصيل ما يؤدي به مال الكتابة. وقال الحسن: معناه ان علمتم منهم صدقاً. وقال ابن عباس وعطاء: ان علمتم لهم مالا. وقال ابن عمرو: ان علمتم فيهم قدرة على التكسب، قال: لأنه إذا لم يقدر على ذلك قال اطعمني اوساخ أيدي الناس، وبه قال سلمان. واختلفوا في الامر بالكتابة مع طلب المملوك لذلك وعلم مولاه أن فيه خيراً. فقال عطاء: هو الفرض. وقال مالك، والثوري، وابن زيد: هو على الندب. وهو مذهبنا. وقوله {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} أمر من الله تعالى أن يعطي السيد مكاتبه من ماله الذي أنعم الله عليه، بأن يحط شيئاً منه. وروى عبد الرحمن السلمي عن علي (ع) أنه قال: يحط عنه ربع مال الكتابة. وقال سفيان احب ان يعطيه الربع، او أقل، وليس بواجب وقال ابن عباس وعطاء وقتادة: أمره بأن يضع عنه من مال الكتابة شيئاً. وقال الحسن وابراهيم: حثه الله تعالى على معونته. وقال قوم: المعنى آتوهم سهمهم من الصدقة الذي ذكره في قوله {أية : وفي الرقاب} تفسير : ذكره ابن زيد عن أبيه، وهو مذهبنا. واختلفوا فى الحط عنه، فقال قوم: هو واجب. وقال آخرون - وهو الصحيح - انه مرغب فيه. وقوله {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً} نهي عن اكراه الأمة على الزنا. قال جابر بن عبد الله: نزلت فى عبد الله بن ابي بن سلول، حين اكره أمته مسيكة على الزنا. وهذا نهي عام لكل مكلف عن أن يكره أمته على الزنا طلباً لمهرها وكسبها. وقوله {إن أردن تحصناً} صورته صورة الشرط وليس بشرط وانما ذكر لعظم الافحاش في الاكراه على ذلك. وقيل: انها نزلت على سبب فوقع النهي عن المعني على تلك الصفة. وقوله {ومن يكرههن} يعني على الفاحشة {فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} اي لهن {غفور رحيم} ان وقع منها صغير فى ذلك، والوزر على المكره.

الجنابذي

تفسير : {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ} مقلوب ايايم جمع الايّم مشدّد الياء من لا زوج له من الرّجال والنّساء فالمعنى انكحوا من لا زوجة له من الرّجال ومن لا زوج لها من النّساء {مِنْكُمْ} حال كونهم منكم من حيث الايمان فانّ الخطاب للمؤمنين بعنوان الايمان ومفهوم مخالفته لا تنكحوا الايامى من غيركم من حيث الايمان سواء كانوا منكم من حيث النّسب او لم يكونوا {وَٱلصَّالِحِينَ} اى المؤمنين فانّ المراد بالصّلاح ههنا الاسلام او المتعفّفين فانّه ايضاً صلاح النّفس {مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} فانّهم ان كانوا متزوّجين ومزوّجات كانوا اسلم من الرّيبة واصلح للخدمة {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ} الضّمير راجع الى الايامى فقط او اليهم والى الصّالحين على القول بتملّك العبيد والاماء، او على ان يكون المراد بهم العبيد والاماء الّذين أعتقهم مواليهم ويكون الله تعالى أمر المسلمين بتزويجهم وعدم التّأنّف منهم لكونهم عبيداً واماءً، او المعنى ان يكونوا محتاجين الى الازواج بغلبة الشّبق والعزوبة، او المراد ان يكونوا فقراء الى الله تعالى محتاجين اليه فى الخلاص من الكثرات والالتذاذ بالتّوحيد {يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ} عن الكثرات {مِن فَضْلِهِ} بحيث لا يكون الكثرات حجباً لهم ويكونون مشاهدين لله فى الكثرات فانّ رفع حجاب الكثرة وان كان بالعزلة اسهل ومشاهدة جمال التّوحيد فى الوحدة اكمل لكنّ المعتزل كلّما اشتغل بالكثرات للضّرورة الدّاعية اليها لانّه خلق محتاجاً اليها كانت الكثرات حجباً بل يكون سترها اقوى واشدّ ولذلك ترى المرتاضين المعتزلين قلّما يتحمّلون واردات المعاشرة مع الخلق ولا يمكنهم المعاملة مع الخلق والاقامة فيهم {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} لا يعجز من التّوسعة عليهم ولا يخاف من عولهم {عَلِيمٌ} بالتّسبيبات الخفيّة فيعلم انّ النّكاح سبب للغناء وان لم تعلموا انتم ذلك، او عليم باستعداد كلّ وصلاحه فان لم يغن بعضاً بالنّكاح كان يعلم منه باستعداده وبانّ صلاحه فى فقره فلا يقول قائل: نرى بعض من تزوّج لا يصير غنيّاً، او عليم بكم فيعلم انّ النّكاح يزيد فى فقركم وحاجتكم فيزيله عنكم بعد ما نكحتم بأمره، ولمّا بيّن حكم اولياء الايامى وشركائهم فى الايمان بيّن حكم الايامى انفسهم مع اشعارٍ ما بانّ الواجب على المؤمنين رفع المانع من نكاح الايامى اذا كان المانع من قبلهم مثل التّأنّف وملاحظة الكفاءة فى الحسب والنّسب وملاحظة الفقر وعدم القدرة على الانفاق او على التّعيّش لا تهيّة الاسباب مثل الصّداق والنّفقة والكسوة فقال {وَلْيَسْتَعْفِفِ...}.

الأعقم

تفسير : {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين} قيل: خطاب للأولياء، وقيل بل خطاب لكل من له أن يزوج وليّاً أو غير ولي وهو الظاهر لأنه عطف على المؤمنين والظاهر دخولهم فيه {الأيامى} من لا زوج لها من المرأة سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وقوله: {منكم} أراد الحرائر ليقع الفصل بينهما وبين العبد، وقيل: أقاربكم وأقاربها، قال جار الله: منكم من الأحرار والحرائر ومن كان فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم، وقرئ من عبيدكم، وهذا الأمر للندب لما علم أن النكاح أمر مندوب إليه، وقد يكون للوجوب في حق الأولياء عند طلب المرأة، فيستحب للسيد أن يزوج بعضهم من بعض {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} أي يكفيهم مرية النكاح، وعند أصحاب الظواهر النكاح واجب، قال جار الله: وما يدل على كونه مندوباً اليه قوله (عليه السلام): "من أحب فطرتي فليستن بسنتي"، وعنه: "من كان له ما يتزوج به فلم يتزوج فليس منًّا"، وعنه: "إذا تزوج أحدكم عج شيطانه يا ويله عصم ابن آدم مني ثلثي دينه"، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : يا عياض لا تتزوج عجوز ولا عاقر فإني مكاثر بكم الأمم"تفسير : ، والأحاديث فيه عن رسول الله والأثار كثيرة وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إذا أتى على أمّتي مائة وثمانون سنة فقد خلت الغربة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال"تفسير : ، وفي الحديث: "حديث : يأتي على الناس زمان لا ينال المعيشة فيه إلا بالمعصيَّة، وإذا كان ذلك الزمان حلّت العزوبة"تفسير : ، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : التمسوا الرزق بالنكاح"تفسير : ، وشكا عليه رجل الحاجة فقال: "حديث : عليك بالباءة" تفسير : وعن عمر: عجبٌ لمن لا يطلب الغنى بالباءة {وليستعفف} وليجتهد في العفة {الذين لا يجدون نكاحاً} أي استطاعة تزوج، ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال، يعني لا يتمكنوا من النكاح لفقد المهر والنفقة {حتى يغنيهم الله} ترجية للمستعففين وتقدمة، فوعد بالتفضل عليهم بالغنى، قوله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم} الآية نزلت في غلام حويطب سأل مولاه أن يكاتبه فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكاتبه على مائة دينار فوهب منه عشرين ديناراً، والمراد اطلبوا عبيدكم وإمائكم المكاتبين {فكاتبوهم} قيل: هو فرض وحتم إذا علم فيه الخير، وقيل: هو...... عند الهادي والشافعي وأبو حنيفة {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} نزلت في عبد الله بن أُبي أكره أمته على الزنى {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} خير وغيره.

الهواري

تفسير : قوله: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ} يعني كل امرأة ليس لها زوج. قال الحسن: هذه فريضة. [عثمان عن محمد بن المنكدر عن سليمان بن يسار أن قوماً نزلوا منزلاً، ثم ارتحلوا، وبغت امرأة منهم، فرفعت إلى عمر بن الخطاب فجلدها عمر الحدّ، وقال: استوصوا بها خيراً وزوّجوها فإنها من الأيامى]. حديث : ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التبتلتفسير : . [والتبتل فعل] التي تقيم من النساء بلا زوج، والذي يقيم من الرجال بلا امرأة. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : من تزوج فقد استكمل نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي . تفسير : قوله: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ} يعني المملوكين المسلمين {وَإِمَآئِكُمْ} أي: وانكحوا من إمائكم المسلمات، وهذه رخصة، وليس على الرجل بواجب أن يزوج أمته وعبده. قوله: {إِن يَكُونُوا فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : اطلبوا الغنى في هذه الآية: إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله . تفسير : ذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما رأيت مثل رجل لم يلتمس الغنى في الباءة، أي: النكاح، والله يقول: {إِن يَكُونُوا فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ}. قال: {وَاللهُ وَاسِعٌ} بخلقه {عَلِيمٌ} بأمرهم.

اطفيش

تفسير : {وَأَنِكحُوا الأَيَامَى} جمع ايم كسيد وهو من لا زوج له ذكرا أو انثى بكرا وثبيا والاصل ايايم بالياء بعد الف لانها اصل لمفرد ومتحركة تأخرت الياء عن الميم وقلبت الفاء متحركها بعد فتحة وذلك ان الميم فتحت واصلها الكسر كجوار وذلك تخفيف ويجوز ان يكون الزائدة الياء المدغمة * {مِنكُمْ} اي من رجالكم ونسائكم اي زوجوا من لا زوجة له بالمرأة ومن لا زوج لها بالرجل منكم * {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ} جمع عبد وامة. وقرىء {من عبيدكم} وخص الصالحين والمؤمنين من العباد والاماء مع ان المراد بالايامى الاحرار والعباد ليعتني بهم فلا يتركوا بلا تزويج ولان احصان دينهم أهم. وقيل: المراد الصالحون من نكاح والقيام بحقوقه. قال الحسن: النكاح واجب وهو قول الظاهرية ونهى صلى الله عليه وسلم عن ترك التزوج وقال: "حديث : من تزوج فقد كمل نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي " تفسير : وقال: "حديث : من احب سنتي فليستن بسنتي"تفسير : . وهي النكاح. وقال: "حديث : إذا تزوج أَحدكم عج شيطانه يا ويله عصم ابن آدم مني ثلثي دينه " تفسير : وقال: "حديث : تزوجوا الودود الولود فاني مكاثر بكم الامم " تفسير : كما قال لعلي: "حديث : لا تتزوجن عجوزا ولا عاقرا فاني مكاثر " تفسير : وقال: "حديث : يا معشر الشباب من استطاع منك الباءة - اي التزوج ويكني بها ايضا على الجماع - فليتزوج فانه - اي التزوج - اغض للبصر واحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء"تفسير : - بكسر الواو - اي خصاء اي دق الانثيين شبه الصوم بذلك النوع من الخصاء في قطع الشهوة. وقيل: النكاح مستحب لمن قدر عليه والواجب ترك الزنى ومقدماته بما امكن. ولا يخفى ان من لا تشوق نفسه إلى النكاح أو قدر على ضبطها فترك التزوج في هذا الزمان خير له فليتخل للعبادة وقد ذكر الله عبدا اكرمه وقال (وسيدا وحصورا) اي لا يأتي النساء وذكر (القواعد) ولم يندبهن إلى النكاح وذلك قول الشافعي. وقال اصحاب الرأي: النكاح افضل وقول الشافعي افضل إذا فسد الزمان قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا أُتى على امتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزبة والترهب على رؤوس الجبال " تفسير : وقال:"حديث : يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إِلا بالمعصية فاذا كان ذلك الزمان حلت لكم العزبة " تفسير : وفي التاج قال ابو سعيد: سمعت انه لا يجوز للمؤمن ان يقطع نية عن التزوج وعليه الاستغفار منه. وفي الضياء التزوج فريضة وسقط عن ذي زوجة فرض نية نكاح الاربعة الا ان قدر على مؤنتهن فينويه وان عجز عنه لم يجز له عقد النية فيما يعصي الله فيه. وقيل: النكاح ندب لا فرض ومن خاف العنت فالتزوج له افضل. وقال صلى الله عليه وسلم: لعكاف بن وداع"حديث : الك زوجة؟ قال: لا قال: وانت بخير موسر صحيح قال: نعم قال: فانت إذاً من إِخوان الشيطان " تفسير : وفي رواية "حديث : ابشر فانت من أهل النار" تفسير : وقال: "حديث : شراركم عزابكم والمتزوجون المطهرون من الخنا"تفسير : "وقال: "حديث : من مات عزبا مات شيطانا " تفسير : وقال "حديث : ليس في الاسلام ترك نكاح " تفسير : فصول الاول: ورد في الحديث انه "حديث : لا يصح نكاح الا بولي وان النكاح الواقع بلا ولي باطل"تفسير : وفي الآية تلويح إلى ذلك إذ قال {وَأَنِكحُوا الأَيَامَى} الخ امرهم بتزويج الايامى كما امر بتزويج السيد العبد والامة. وجوز اصحاب الرأي للمرأة تزويج نفسها ولا يعمل به وان تزوجها ولي ولها ولي فوقه لم يفرق بينهما الا ان كان لها اب وزوجها ولي غيره فرق بينهما على الصحيح فان امتنع الولي من التزويج وقد وجد كقولها زوجتها الجماعة أو القاضي. وان كان الامام زوجها هو او قاضيه وان وكلت احدا فزوجها فقولان: ومن لا ولي له الا ذو رحم فهو قيل: الجماعة والقاضي والامام وقيل: الامام قبله. وان زوجتها امرأة بطل النكاح على الصحيح. والتي لا ولي لها انما يزوجها الامام او القاضي أو الجماعة وان وكلت من يزوجها جاز. الثاني: إذا طلب العبد أو الامة التزوج وجب تزويجهما على السيدين. وقال الشيخ هود لا يجب وتؤمر السيدة من يزوج عبدها أو امتها ولا يصح ان تزوجهما وان تزوجهما وان تزوجا بلا اذنها امرت من يجيزه ان لم يدخلا والا فرق بين المناكحين وكذا ان تزوجا بلا اذن سيدهما. الثالث: من نظر فرج امرأة أو مسه بيده أو بذكره عمدا في كل حرم كل على الآخر ونسل كل ووالده ووالدته على الآخر ونسل كل على نسل الآخر الا ما نسلا قبل ذلك فيحل بعضه ببعض وهذه فائدة مستطردة كنت ابحث عنها ثم وجدتها وبعضها مشهور ثم اطلعت على قول لبعض العلماء انه يجوز لولد كل ان تزوج ولد الآخر مطلقا. {إِن يَكُونُوا فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ} صيغ الجمع عائدة إلى الايامى والصالحين وغنى العبد والامة غنى سيدهما وفقرهما فقره. وقيل: إلى الآخر والشرط مقدر أي يغنهم الله من فضله ان شاء كما صرح به في قوله تعالى {أية : وان خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إِن شاء}تفسير : والمراد ان الله سبحانه وتعالى جعل التزوج من اسباب الرزق. وقد يتزوج احد ويغتني ويتزوج آخر فيفتقر وليس الزواج موجبا للفقر ابدا ففي ذلك رد لما قد يتوهم الخاطب أو المخطوبة ان الفقر يمنع التزوج ففي فضل الله غنية يغني المتزوج أو المراد ان في فضله غنيه عن المال فانه غاد ورايح والمشهور الاول ولا يمنعكم الفقر عن التزوج فان في التزوج اثبات النسب بخلاف السفاح وفيه البلغة بذلك النسب والمصاهرة وفيه طلب الغناء. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُطلبوا الغنى في هذه الآية وقال: (التمسوا الرزق من النكاح) وشكا اليه الرجل الفقر فقال عليك بالباءة " تفسير : وعن عمر عجبت لمن لا يطلب الغنى بالباءة. وعن فقير تزوجت وولد لي وتراخيت عن الفقر ولما ولد لي الثاني ازددت خيرا ولما ولد لي الثالث صب الله عليّ الخير صبا وعن بعضهم ان الله وعد الغنى بالتزوج ووعده بالتفرق {وان يتفرقا يغني الله كلا من سعته}. وقيل: الغنى هنا القناعة وقيل: اجتماع الرزقين رزق الزوج ورزق الزوجة. {وَاللُّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} لخلقه لا تنتهي نعمته ولا يرزأه اغنى الخلائق {عَلِيمٌ} يبسط ويقدر على مقتضى حكمته.

الالوسي

تفسير : {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ } بعدما زجر سبحانه عن السفاح ومباديه القريبة والبعيدة أمر بالنكاح فإنه مع كونه مقصوداً بالذات من حيث كونه مناطاً لبقاء النوع على وجه سالم من اختلاط الأنساب مزجرة من ذلك. و {ٱلايَـٰمَىٰ } ـ كما نقل في «التحرير» عن أبـي عمرو وإليه ذهب الزمخشري ـ مقلوب أيايم جمع أيم لأن فيعل لا يجمع على فعالى أي إن أصله ذلك فقدمت الميم وفتحت للتخفيف فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وذهب ابن مالك ومن تبعه إلى أن جمع شاذ لا قلب فيه ووزنه فعالى وهو ظاهر كلام سيبويه. والأيم قال النضر بن شميل: كل ذكر لا أنثى معه وكل أنثى لا ذكر معها بكراً أو ثيباً ويقال: آم وآمت إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين قال: شعر : فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت أفتى منكم أتأيم تفسير : وقال التبريزي في «شرح ديوان أبـي تمام»: قد كثر استعمال هذه الكلمة في الرجل إذا ماتت امرأته وفي المرأة إذا مات زوجها، وفي الشعر القديم ما يدل على أن ذلك بالموت وبترك الزوج من غير موت قال الشماخ: شعر : يقر لعيني أن أحدث أنها وأن لم أنلها أيم لم تزوج تفسير : انتهى، وفي «شرح كتاب سيبويه» لأبـي بكر الخفاف: الأيم التي لا زوج لها وأصله هي التي كانت متزوجة ففقدت زوجها برزء طرأ عليها ثم قيل في البكر مجازاً لأنها لا زوج لها، وعن محمد أنها الثيب واستدل به بما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها » تفسير : حيث قابلها بالبكر، وفيه أنه يجوز أن تكون مشتركة لكن أريد منها ذلك لقرينة المقابلة؛ والأكثرون على ما قاله النضر / أي زوجوا من لا زوج له من الأحرار والحرائر. {وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ } على أن الخطاب للأولياء والسادات، والمراد بالصلاح معناه الشرعي، واعتباره في الأرقاء لأن من لا صلاح له منهم بمعزل من أن يكون خليقاً بأن يعتني مولاه بشأنه ويشفق عليه ويتكلف في نظم مصالحه بما لا بد منه شرعاً وعادة من بذل المال والمنافع بل ربما يحصل له ضرر منه بتزويجه فحقه أن يستبقيه عنده ولما لم يكن من لا صلاح له من الأحرار والحرائر بهذه المثابة لم يعتبر صلاحهم. وقيل المراد بالصلاح معناه اللغوي أي الصالحين للنكاح والقيام بحقوقه. والأمر هنا قيل للوجوب وإليه ذهب أهل الظاهر، وقيل للندب وإليه ذهب الجمهور. ونقل الإمام [الرازي] عن أبـي بكر الرازي أن الآية وإن اقتضت [بظاهرها] الإيجاب إلا أنه أجمع السلف على أنه لم يرد [به] الإيجاب، ويدل عليه أمور، أحدها: أن الإنكاح لو كان واجباً لكان النقل بفعله من النبـي صلى الله عليه وسلم ومن السلف مستفيضاً شائعاً لعموم الحاجة [إليه] فلما وجدنا عصره عليه الصلاة والسلام وسائر الأعصار بعده قد كانت فيه أيامى من الرجال والنساء ولم ينكر ذلك ثبت أنه لم يرد بالأمر الإيجاب، وثانيها: أنا أجمعنا على أن الأيم الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها، وثالثها: اتفاق الكل على أنه لا يجب على السيد تزويج أمته وعبده فيقتضي للعطف عدم الوجوب في الجميع، ورابعها: أن اسم الأيامى ينتظم الرجال والنساء فلما لزم في الرجال تزويجهم بإذنهم لزم ذلك في النساء انتهى، وقال الإمام نفسه: ظاهر الأمر للوجوب فيدل على أن الولي يجب عليه تزويج موليته وإذا ثبت هذا وجب أن لا يجوز النكاح إلا بولي وإلا لفوتت المولية على الولي المكنة من أداء هذا الواجب وإنه غير جائز. والجواب عما نقل عن أبـي بكر أن جميع ما ذكره تخصيصات تطرقت إلى الآية والعام بعد التخصيص يبقى حجة فوجب [أن يبقى حجة فيما] إذا التمست المرأة الأيم من الولي التزويج وجب انتهى. وفي «الإكليل» استدل بعموم الآية من أباح نكاح الإماء بلا شرط ونكاح العبد الحرة. وأنت تعلم أنها لم تبق على العموم، والذي أميل إليه أن الأمر لمطلق الطلب وأن المراد من الإنكاح المعاونة والتوسط في النكاح أو التمكين منه، وتوقف صحته في بعض الصور على الولي يعلم من دليل آخر. والاستدلال بهذه الآية على اشتراط الولي وعلى أن له الجبر في بعض الصور لا يخلو عن بحث ودون تمامه خرط القتاد فتدبر. وقرأ الحسن ومجاهد {مِنْ عبيدكم} بالياء مكان الألف وفتح العين وهو كالعباد جمع عبد إلا أن استعماله في المماليك أكثر من استعمال العباد فيهم. {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } الظاهر أنه وعد من الله عز وجل بالإغناء، وأخرج ذلك ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولا يبعد أن يكون في ذلك سد لباب التعلل بالفقر وعده مانعاً من المناكحة. وفي الآية شرط مضمر وهو المشيئة فلا يرد أن كثيراً من الفقراء تزوج ولم يحصل له الغنى ودليل الإضمار قوله تعالى: { أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء } تفسير : [التوبة:28] وكونه وارداً في منع الكفار عن الحرم لا يأبى الدلالة كما توهم أو قوله تعالى: {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } أي غني ذو سعة لا يرزأه إغناء الخلائق إذ لا نفاد لنعمته ولا غاية لقدرته {عَلِيمٌ } يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة فإن مآل هذا إلى المشيئة وهو السر في اختيار {عَلِيمٌ } دون كريم مع أنه أوفق بواسع نظراً إلى الظاهر. وفي «الانتصاف» فأن قيل / العزب كذلك فإن غناه معلق بالمشيئة أيضاً فلا وجه للتخصيص، فالجواب أنه قد تقرر في الطباع الساكنة إلا الأسباب أن العيال سبب للفقر وعدمهم سبب توفر المال فأريد قطع هذا التوهم المتمكن بأن الله تعالى قد ينمي المال مع كثرة العيال التي هي في الوهم سبب لقلة المال وقد يحصل الإقلال مع العزوبة والواقع يشهد فدل على أن ذلك الارتباط الوهمي باطل وأن الغنى والفقر بفعل الله تعالى مسبب الأسباب ولا توقف لهما إلا على المشيئة فإذا علم الناكح أن النكاح لا يؤثر في الإقتار لم يمنعه في الشروع فيه، ومعنى الآية حينئذ أن النكاح لا يمنعهم الغنى من فضل الله تعالى فعبر عن نفي كونه مانعاً عن الغنى بوجوده معه، ومنه قوله تعالى: { أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰوةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الجمعة:10] فإن ظاهره الأمر بالانتشار عند انقضاء الصلاة والمراد تحقيق زوال المانع وأن الصلاة إذا قضيت فلا مانع من الانتشار فعبر عن نفي مانع الانتشار بما يقتضي تقاضي الانتشار مبالغة انتهى. وقال بعضهم في الفرق بين المتزوج والعزب: إن الغنى للمتزوج أقرب وتعلق المشيئة به أرجى للنص على وعده دون العزب وكذلك يوجد الحال إذا استقرىء. وتعقب بأن فيه غفلة عن قوله تعالى: { أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ } تفسير : [النساء: 130] وكذا عن قوله سبحانه: { أية : وَلْيَسْتَعْفِفِ } تفسير : [النور: 33] الخ، وأشار صاحب «الكشف» إلى أن في هذه الآية والتي بعدها وعداً للمتزوج والعزب معاً بالغنى فلا ورود للسؤال قال إنه تعالى أمر الأولياء أن لا يبالوا بفقر الخاطب بعد وجود الصلاح ثقة بلطف الله تعالى في الإغناء ثم أمر الفقراء بالاستعفاف إلى وجدان الغني تأميلاً لهم وأدمج سبحانه أن مدار الأمر على العفة والصلاح على التقديرين وهو الجواب عن سؤال المعترض انتهى. ولا يخفى عليك أن الأخبار الدالة على وعد الناكح بالغنى كثيرة ولم نجد في وعد العزب الذي ليس بصدد النكاح من حيث هو كذلك خبراً. فقد أخرج عبد الرزاق وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في «سننه» عن أبـي هريرة قال: « حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة حق على الله تعالى عونهم الناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء والغازي في سبيل الله تعالى »تفسير : . وأخرج الخطيب في «تاريخه» عن جابر قال: « حديث : جاء رجل إلى النبـي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه الفاقة فأمره أن يتزوج )تفسير : . وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: أطيعوا الله تعالى فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }. وأخرج عبد الرزاق وابن أبـي شيبة في «المصنف» عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: ابتغوا الغنى في الباءة ـ وفي لفظ ـ ابتغوا الغنى في النكاح يقول الله تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }. وأخرج الثعلبـي. والديلمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: « حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: التمسوا الرزق بالنكاح » تفسير : إلى غير ذلك من الأخبار، ولغنى الفقير إذا تزوج سبب عادي وهو مزيد اهتمامه في الكسب والجد التام في السعي حيث ابتلي بمن تلزمه نفقتها شرعاً وعرفاً، وينضم إلى ذلك مساعدة المرأة له وإعانتها إياه على أمر دنياه، وهذا كثير في العرب وأهل القرى فقد وجدنا فيهم من تكفيه امرأته أمر معاشه ومعاشها بشغلها، وقد ينضم إلى ذلك حصول أولاد له فيقوى أمر التساعد والتعاضد، وربما يكون للمرأة أقارب / يحصل له منهم الإعانة بحسب مصاهرته إياهم ولا يوجد ذلك في العزب، ويشارك هذا الفقير المتزوج الفقير الذي هو بصدد التزوج بمزيد الاهتمام في الكسب لكن هذا الاهتمام لتحصيل ما يتزوج به وربما يكون لذلك ولتحصيل ما يحسن به حاله بعد التزوج، ولا يخفى أن حال الامرأة المتزوجة وحال الامرأة التي بصدد التزوج على نحو حال الرجل والفرق يسير. هذا والظاهر من كلام بعضهم أن ما ذكر في الأيامى والصالحين مطلقاً وأمر تذكير الضمير ظاهر، وقيل: هو في الأحرار والحرائر خاصة وبذلك صرح الطبرسي لأن الأرقاء لا يملكون وإن ملكوا ولذا لا يرثون ولا يورثون، والمتبادر من الإغناء بالفضل أن يملكوا ما به يحصل الغنى ويدفع الحاجة وهو لا يتحقق مع بقاء الرق، نعم إذا أريد بالإغناء التوسعة ودفع الحاجة سواء كان ذلك بما يملك أم لا فلا بأس بالعموم فتدبر. وجوز أن تكون الآية في الأحرار خاصة بأن يكون المراد منها نهى الأولياء عن التعلل بفقرهم إذا استنكحوهم، وأن تكون في المستنكحين من الرجال مطلقاً والمراد نهي الأولياء عن ذلك أيضاً فتدبر جميع ذلك. واحتج بعضهم ـ كما قال ابن الفرس ـ بالآية على أن النكاح لا يفسخ بالعجز عن النفقة لأنه سبحانه وعد فيها بالغنى، وفيه مناقشة لا تخفى.

ابن عاشور

تفسير : أردفت أوامر العفاف بالإرشاد إلى ما يعين عليه، ويُعف نفوس المؤمنين والمؤمنات، ويغض من أبصارهم، فأمر الأولياء بأن يزوجوا أياماهم ولا يتركوهن متأيمات لأن ذلك أعف لهن وللرجال الذين يتزوجونهن. وأمر السادة بتزويج عبيدهم وإمائهم. وهذا وسيلة لإبطال البغاء كما سيتبع به في آخر الآية. والآيامى: جمع أيم بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة بوزن فَيْعِل وهي المرأة التي لا زوج لها كانت ثيباً أم بكراً. والشائع إطلاق الأيم على التي كانت ذات زوج ثم خلت عنه بفراق أو موته، وأما إطلاقه على البكر التي لا زوج لها فغير شائع فيحمل على أنه مجاز كثر استعماله. والأيم في الأصل من أوصاف النساء قاله أبو عمرو والكسائي ولذلك لم تقترن به هاء التأنيث فلا يقال: امرأة أيّمة. واطلاق الأيم على الرجل الخلي عن امرأة إما لمشاكلة أو تشبيه، وبعض أيمة اللغة كأبي عبيد والنضر بن شميل يجعل الأيم مشتركاً للمرأة والرجل وعليه درج في «الكشاف» و«القاموس». ووزن أيامى عند الزمخشري أفاعل لأنه جمع أيم بوزن فيعل، وفيعل لا يجمع على فَعَالى. فأصل أيامى أيائم فوقع فيه قلب مكاني قدمت الميم للتخلص من ثقل الياء بعد حرف المد، وفتحت الميم للتخفيف فقلبت الياء ألفاً. وعند ابن مالك وجماعة: وزنه فَعَالى على غير قياس وهو ظاهر كلام سيبويه. و{الأيامى} صيغة عموم لأنه جمع معرف باللام فتشمل البغايا. أُمر أولياؤهن بتزويجهن فكان هذا العموم ناسخاً لقوله تعالى: { أية : والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك } تفسير : [النور: 3] فقد قال جمهور الفقهاء: إن هذه ناسخة للآية التي تقدمت وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد. ونقل القول بأن التي قبلها محكمة عن غير معين. وزوج أبو بكر امرأة من رجل زنى بها لما شكاه أبوها. ومعنى التبعيض في قوله {منكم} أنهن من المسلمات لأن غير المسلمات لا يخلُون عند المسلمين من أن يكن أزواجاً لبعض المسلمين فلا علاقة للآية بهن، أو أن يكن مملوكات فهن داخلات في قوله: {والصالحين من عبادكم وإمائكم} على الاحتمالات الآتية في معنى {الصالحين} وأما غيرهن فولايتهن لأهل ملتهن. والمقصود: الأيامى الحرائر، خصصه قوله بعده {والصالحين من عبادكم وإمائكم}. وظاهر وصف العبيد والإماء بالصالحين أن المراد اتصافهم بالصلاح الديني. أي الأتقياء. والمعنى: لا يحملكم تحقق صلاحهم على إهمال إنكاحهم لأنكم آمنون من وقوعهم في الزنى بل عليكم أن تزوجوهم رفقاً بهم ودفعاً لمشقة العنت عنهم. فيفيد أنهم إن لم يكونوا صالحين كان تزويجهم آكد أمراً. وهذا من دلالة الفحوى فيشمل غيرُ الصالحين غيرَ الأعفّاء والعفائف من المماليك المسلمين، ويشمل المماليك غير المسلمين. وبهذا التفسير تنقشع الحيرة التي عرضت للمفسرين في التقييد بهذا الوصف. وقيل أريد بالصالحين الصلاح للتزوج بمعنى اللياقة لشؤون الزوج، أي إذا كانوا مظنة القيام بحقوق الزوجية. وصيغة الأمر في قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} إلى آخره مجملة تحتمل الوجوب والندب بحسب ما يعرض من حال المأمور بإنكاحهم: فإن كانوا مظنة الوقوع في مضار في الدين أو الدنيا كان إنكاحهم واجباً، وإن لم يكونوا كذلك فعند مالك وأبي حنيفة إنكاحهم مستحب. وقال الشافعي: لا يندب. وحمل الأمر على الإباحة، وهو محمل ضعيف في مثل هذا المقام إذ ليس المقام مظنة تردد في إباحة تزويجهم. وجملة: {إن يكونوا فقراء} الخ استئناف بياني لأن عموم الأيامى والعبيد والإماء في صيغة الأمر يثير سؤال الأولياء والموالي أن يكون الراغب في تزوج المرأة الأيم فقيراً فهل يرده الولي، وأن يكون سيد العبد فقيراً لا يجد ما ينفقه على زوجه، وكذلك سيد الأمة يخطبها رجل فقير حر أو عبد فجاء هذا لبيان إرادة العموم في الأحوال. ووعد الله المتزوج من هؤلاء إن كان فقيراً أن يغنيه الله، وإغناؤه تيسير الغنى إليه إن كان حراً وتوسعة المال على مولاه إن كان عبداً فلا عذر للولي ولا للمولى أن يرد خطبته في هذه الأحوال. وإغناء الله إياهم توفيق ما يتعاطونه من أسباب الرزق التي اعتادوها مما يرتبط به سعيهم الخاص من مقارنة الأسباب العامة أو الخاصة التي تفيد سعيهم نجاحاً وتجارتهم رباحاً. والمعنى: أن الله تكفل لهم أن يكفيهم مؤنة ما يزيده التزوج من نفقاتهم. وصفة الله «الواسع» مشتقة من فعل وسِع باعتبار أنه وصف مجازي لأن الموصوف بالسعة هو إحسانه. قال حجة الإسلام: والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، وتضاف مرة إلى الإحسان وبذل النعم، وكيفما قُدّر وعلى أي شيء نُزّل فالواسع المطلق هو الله تعالى لأنه إن نُظر إلى علمه فلا ساحل لبحر معلوماته وإن نُظر إلى إحسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته ا هـ. والذي يؤخذ من استقراء القرآن وصف الواسع المطلق إنما يراد به سعة الفضل والنعمة، ولذلك يقرن بوصف العلم ونحوه قال تعالى: { أية : وإن يتفرقا يغن الله كلّاً من سَعته وكان الله واسعاً حكيماً } تفسير : [النساء: 130]. أما إذا ذكرت السعة بصيغة الفعل فيراد بها الإحاطة فيما تُميَّزُ به كقوله تعالى: { أية : وسع ربنا كل شيء علماً } تفسير : [الأعراف: 89]. وذكر {عليم} بعد {واسع} إشارة إلى أنه يعطي فضله على مقتضى ما علمه من الحكمة في مقدار الإعطاء.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} الإنكاح هنا معناه: التزويج: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ} أي زوجوهم، والأيامى: جمع أيَّم بفتح الهمزة، وتشديد الياء المسكورة، والأيِّم: هو من لا زوج له من الرجال والنساء، سواء كان قد تزوّج قبل ذلك، أو لم يتزوج قط يقال: رجل أيِّم: وامرأة أيِّم. وقد فسر الشماخ بن ضرار في شعره: الأيِّم الأنثى بأنها التي تتزوج في حالتها الراهنة، وذلك في قوله: شعر : يقرّ بعيني أن أُنبّأ أنّها وإن لم أنلها أيِّم لم تزوّج تفسير : فقوله: لم تزوج تفسير لقوله: أنها أيِّم. ومن إطلاق الأيِّم على الذكر لا زوج له قول أميّة بن أبي الصلت الثقفي: شعر : لله درٌّ بنِي عَليٍّ منهم وناكح تفسير : ومن إطلاقه على الأنثى قول الشاعر: شعر : أحب الأيامى إذ بثينة أيِّم وأحببت لما أن غنيت الغوانيا تفسير : والعرب تقول: آم الرجل يئيم، وآمت المرأة تئيم إذا صار الواحد منهما أيِّما. وكذلك تقول: تأيم إذا كان أيّما. ومثاله في الأول قول الشاعر: شعر : لقد إمت حتى لامني كل صاحب رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت تفسير : ومن الثاني قوله: شعر : فإن تَنْكِحي أنْكِح وأن تَتأيَّمي وإن كنتُ منكُم أتأيَّمُ تفسير : ومن الأفضل قول يزيد بن الحكم الثقفي: شعر : كل امرئ ستئيم منه العرس أو منها يئيم تفسير : وقول الآخر: شعر : نجوت بقوف نفسك غير أنّي إخال بأن سييتَّم أو تئيم تفسير : يعني: ييتم ابنك وتئيم امرأتك. فإذا علمت هذا فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَى} شامل للذكور والإناث. وقوله في هذه الآية {مِنْكُمْ} أي من المسلمين، ويفهم من دليل الخطاب أي مفهوم المخالفة في قوله: منكم، أن الأيامى من غيركم، أي من غير المسلمين، وهم الكفار ليسوا كذلك. وهذا المفهوم الذي فهم من هذه الآية جاء مصرّحاً به في آيات أخر كقوله تعالى في أيامى الكفار الذكور: {أية : وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ} تفسير : [البقرة: 221] وقوله في أياماهم الإناث: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} تفسير : [البقرة: 221]، وقوله فيهما جميعاً: {أية : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} تفسير : [الممتحنة: 10]. وبهذه النصوص القرآنية الصريحة الموضحة لمفهوم هذه الآية، تعلم أنه لا يجوز تزويج المسلمة للكافر مطلقاً وأنّه لا يجوز تزويج المسلم للكافرة إلاَّ أنَّ عموم هذه الآيات خصَّصته آية المائدة، فأبانت أن المسلم يجوز له تزّوج المحصنة الكتابية خاصة، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [المائدة: 5] فقوله تعالى، عاطفاً على ما يحل للمسلمين: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [المائدة: 5] صريح في إباحة تزوج المسلم للمحصنة الكتابية، والظاهرة أنها الحرة العفيفة. فالحاصل: أن التزويج بين الكفار والمسلمين ممنوع في جميع الصور، إلاّ صورة واحدة، وهي تزوج الرجل المسلم بالمرأة المحصنة الكتابية، والنصوص الدالة على ذلك قرآنية كما رأيت. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} يدلّ على لزوم تزويج الأيامى من المملوكين الصالحين، والإماء المملوكات، وظاهر هذا الأمر الوجوب لما تقرر في الأصول. وقد بيناه مراراً من أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب، وبذلك تعلم أن الخالية من زوج إذا خطبها كفء ورضيته، وجب على وليها تزويجها إياه، وأنما يقوله بعض أهل العلم من المالكية. ومن وافقهم من أن السيد له منع عبده وأمته من التزويج مطلقاً غير صواب لمخالفته لنص القرآن في هذه الآية الكريمة. واعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: {وَإِمائِكُمْ}، بينت آية النساء أن الأمة لا تزوج للحر إلا بالشروط التي أشارت إليها الآية، فآية النساء المذكورة مخصصة بعموم آية النور هذه بالنسبة إلى الإيماء وآية النساء المذكورة هي قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [النساء: 25] إلى قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} تفسير : [النساء: 25] فدلت آية النساء هذه على أن الحر لا يجوز له أن يتزوج المملوكة المؤمنة، إلا إذا كان غير مستطيع تزويج حرة لعدم الطول عنده، وقد خاف الزنى فله حينئذ تزوّج الأمة بإذن أهلها المالكين لها، ويلزمه دفع مهرها، وهي مؤمنة عفيفة ليست من الزانيات ولا متخذات الأخذان، ومع هذا كله فصبره عن تزويجها خير له، وإذا كان الصبر عن تزويجها مع ما ذكرنا من الاضطرار خيراً له فمع عدمه أولى بالمنع. وبما ذكرنا تعلم أن الصواب قول الجمهور من منع تزويج الحر الأمة، إلا بالشروط المذكورة في القرآن كقول تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} تفسير : [النساء: 25]. وقوله: {أية : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} تفسير : [النساء: 25] أي الزنى إلى آخر ما ذكر في الآية خلافاً لأبي حنيفة القائل بجواز نكاحها مطلقاً، إلا إذا تزوجها على حرة. والحاصل: أن قوله تعالى في آية النور هذه: وإمائكم خصّصت عمومه آية النساء كما أوضحناه آنفاً، والعلماء يقولون: إنّ علّة منع تزويج الحرّ الأمة، أنها إن ولدت منه كان ولدها مملوكاً، لأنّ كل ذات رحم فولدها بمنزلتها، فيلزمه ألاّ يتسبب في رق أولاده ما استطاع، ووجهه ظاهر كما ترى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} فيه وعد من الله للمتزوج الفقير من الأحرار، والعبيد بأن الله يغنيه، والله لا يخلف الميعاد، وقد وعد الله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقراء باليسر بعد ذلك العسر، وأنجز لهم ذلك، وذلكم في قوله تعالى: {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7] أي ضيق عليه رزقه إلى قوله تعالى: {أية : سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} تفسير : [الطلاق: 7] وهذا الوعد منه جل وعلا وعد به من اتقاه في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسير : [الطلاق: 2ـ3] الآية. ووعد بالرَّزق أيضاً من يأمر أهله بالصلاة، ويصطبر عليها، وذلك في قوله: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [طه: 132] وقد وعد المستغفرين بالرزق الكثير على لسان نبيه نوح في قوله تعالى عنه: {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} تفسير : [نوح: 10ـ12] وعلى لسان نبيه هود في قوله تعالى عنه: {أية : وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} تفسير : [هود: 52] الآية. وعلى لسان نبّينا صلى الله عليه وعليهما جميعاً وسلم {أية : وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} تفسير : [هود: 3]. ومن الآيات الدالة على أن طاعة الله تعالى سبب للرِّزق قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 96] الآية. ومن بركات السماء المطر، ومن بركات الأرض: النبات مما يأكل الناس والأنعام. وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} تفسير : [المائدة: 66] الآية. وقوله تعالى:{أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} تفسير : [النحل: 97] أي في الدنيا كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل، وكما يدل عليه قوله بعده في جزائه في الآخرة: {أية : وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النحل: 97] وقد قدمنا أنه جل وعلا وعد بالغنى عند التزويج وعند الطلاق. أما التزويج ففي قوله هنا: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور: 32]. وأمّا الطلاق ففي قوله تعالى: {أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 130] الآية. والظاهر أن المتزوج الذي وعد الله بالغنى، هو الذي يريد بتزويجه الإعانة على طاعة الله بغض البصر، وحفظ الفرج كما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج" تفسير : الحديث، وإذا كان قصده بالتزويج طاعة الله، بغض البصر، وحفظ الفرج فالوعد بالغنى إنما هو على طاعة الله بذلك. وقد رأيت ما ذكرنا من الآيات الدالة على وعد الله بالرزق من أطاعة سبحانه جل وعلا ما أكرمه فإنه يجزي بالعمل الصالح في الدنيا والآخرة، وما قاله أهل الظاهر من أنّ هذه الآية الكريمة تدل على أن العبد يملك ماله، لأن قوله {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور: 32] بعد قوله {وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} [النور: 32] يدل على وصف العبيد بالفقر والغنى، ولا يطلق الغني إلا على من يملك المال الذي به صار غنياً، ووجه قوي ولا ينافي أن لسيِّده، أن ينتزع منهم ذلك المال الذي هو ملك له. والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {وأنكحوا الأيامى منكم} الذين لا أزواج لهم من الرِّجال والنِّساء {والصالحين من عبادكم} عبيدكم {وإمائكم} جواريكم {إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله} هذا وعدٌ من الله تعالى بالغنى على النِّكاح، وإعلامٌ أنَّه سببٌ لنفي الفقر. {وليستعفف} وليعفَّ عن الحرام مَنْ لا يقدر على تزوُّج امرأةٍ، بأن لا يملك المهر والنًّفقة {حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون} يطلبون {الكتاب} المكاتبة {مما ملكت أيمانكم} من عبيدكم، وهو أن يطلب من مولاه أن يبيعه منه بمالٍ معلومٍ يُؤدِّيه إليه في مدَّةٍ معلومةٍ، فإذا أدَّى ذلك عتق {فكاتبوهم} فأعطوهم ما يطلبون من الكتابة {إن علمتم فيهم خيراً} اكتساباً للمال، يقدرون على أداء مال الكتابة {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} يعني: حطُّوا عنهم من المال الذي كاتبتموهم عليه، ويستحبُّ ذلك للسيِّد، وهو أن يحطَّ عنه ربع المال. وقيل: المراد بهذا أن يُؤتوا سهمهم من الزَّكاة {ولا تكرهوا فتياتكم} إماءكم {على البغاء} الزِّنا. نزلت في عبد الله ابن أُبيِّ، وكانت له جوارٍ يكرههنَّ على الزِّنا، ويأخذ منهنَّ أجراً معلوماً {إن أردن تحصناً} قيل: إنَّ هذا راجعٌ إلى قوله: {وأنكحوا الأيامى منكم والصَّالحين من عبادكم وإمائكم} إن أردن تحصُّناً. وقيل: "إنْ" بمعنى: "إذ"، والمعنى: لا تكرهوهنَّ على الزِّنا إذ أردن التًّعفُّف عنه {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} يعني: ما يؤخذ من أجورهنَّ {ومن يكرههنَّ} على الزِّنا {فإنَّ الله من بعد إكراههنَّ} لهنَّ {غفور رحيم} والوزر على المُكْرِه. {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} يعني: القرآن {ومثلاً} وخبراً وعبرةً {من الذين خَلَوا} مضوا {من قبلكم} يعني: ما ذُكر من قصص القرون الماضية. {الله نور السموات والأرض} أَيْ: بنوره وهداه يَهتدي من في السموات والأرض، ثمَّ ضرب مثلاً لذلك النُّور الذي يقذفه في قلب المؤمن حتى يهتدي به فقال: {مثل نوره كمشكاة} وهي الكوَّة غير النَّافذة، والمراد بها ها هنا الذي وسط القنديل كالكوَّة يُوضع فيها الذُّبالة، وهو قوله: {فيها مصباح} يعني: السِّراج {المصباح في زجاجة} لأنَّ النُّور في الزُّجاج، وضوء النَّار أبين منه في كلِّ شيءٍ. {الزجاجة كأنها كوكب} لبياضه وصفائه {دريّ} منسوبٌ إلى أنَّه كالدُّرِّ {تُوقدُ} أي: الزُّجاجة، والمعنى للمصباح، ولكنه حذف المضاف، مَنْ قرأ بالياء أراد: يُوقد المصباح {من شجرة} أَيْ: من زيت شجرةٍ {مباركة زيتونة لا شرقية} ليست ممَّا يطلع عليها الشَّمس في وقت شروقها فقط {ولا غربية} أو عند الغروب، والمعنى: ليس يسترها عن الشَّمس في وقتٍ من النَّهار شيءٌ، فهو أنضر لها، وأجود لزيتها {يكاد زيتها يضيء} لصفائه دون السِّراج، وهو قال عزَّ مِنْ قائلٍ: {يهدي الله لنوره مَنْ يشاء...} الآية {في بيوت} أَي: المصباح يوقد في بيوتٍ، يعني: المساجد {أذن الله أن ترفع} تبنى، وقوله تعالى: {تتقلب فيه القلوب} بين الطَّمع في النَّجاة، والحذر من الهلاك {والأبصار} تتقلَّب في أيِّ ناحيةٍ يُؤخذ بهم، أذات اليمين أم ذات الشِّمال؟ ومن أيِّ جهةٍ يُؤتون كُتبهم من جهة اليمين أم من جهة الشِّمال؟ {ليجزيهم الله أحسن} بأحسن {ما عملوا ويزيدهم من فضله} ما لم يستحقُّوه بأعمالهم، ثمَّ ضرب مثلاً لأعمال الكافرين، فقال: {والذين كفروا أعمالهم كسراب} وهو ما يرى في الفلوات عند شدَّة الحرِّ، كأنَّه ماءٌ {بقيعة} جمع قاعٍ، وهو المنبسط من الأرض {يحسبه الظمآن} يظنُّه العطشان {ماءً حتى إذا جاءه} جاء موضعه {لم يجده شيئاً} كذلك الكافر يحسب أنَّ عمله مُغنٍ عنه أو نافعه شيئاً، فإذا أتاه الموت واحتاج إلى عمله لم يجد علمه أغنى عنه شيئاً {ووجد الله عنده} ووجد الله بالمرصاد عند ذلك {فوفَّاه حسابه} تحمَّل جزاء عمله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وأنكحوا الآيامى منكم: أي زوجوا من لا زوجة له من رجالكم ومن لا زوج لها من نسائكم. والصالحين من عبادكم وإمائكم: أي وزوجوا أيضاً القادرين والقادرات على أعباء الزواج من عبيدكم وإمائكم. إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله: أي إن يكن الأيامى فقراء فلا يمنعكم ذلك من تزويجهم فإن الله يغنهم. إن الله واسع عليم: أي واسع الفضل عليم بحاجة العبد وخلته فيسدها تكرماً. وليتسعفف: أي وليطلب عفة نفسه بالصبر والصيام. يبتغون الكتاب: أي يطلبون المكاتبة من المماليك. إن علمتم فيهم خيراً: أي قدرة على السداد والإِستقلال عنكم. وآتوهم من مال الله: أي اعينوهم بثمن نجم من نجوم المكاتبة من الزكاة وغيرها. على البغاء إن أردن تحصناً: أي الزنى تحصناً أي تعففاً وتحفظاً من فاحشة الزنا. عرض الحياة الدنيا: أي المال. ومن يكرههن: أي على البغاء "الزنى". مبينات: للأحكام موضحة لما يطلب منكم فعله وتركه. ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم: أي قبلكم: أي قصصاً من أخبار الأولين كقصة يوسف وقصة مريم وهما شبيهتان بحادثة الإفك. وموعظة: الموعظة ما يتعظ به العبد فيسلك سبيل النجاة. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر الأسباب الواقية من وقوع الفاحشة فأمر تعالى في الآية الأولى من هذا السياق [32] أمر جماعه المسلمين أن يزوجوا الأيامى من رجالهم ونسائهم بالمساعدة على ذلك والإِعانة عليه حتى لا يبقى في البلد أو القرية عزبٌ إلا نادراً ولا فرق بين البكر والثيب في ذلك فقال تعالى: {وَأَنْكِحُواْ} والأمر للإِرشاد {ٱلأَيَامَىٰ} جمع أيّم وهو من لا زوج له من رجل أو امرأة بكراً كان أو ثيباً، {مِنْكُمْ} أي من جماعات المسلمين لا من غيرهم كأهل الذمة من الكافرين. وقوله: {وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} أي وزوجوا القادرين على مؤونة الزواج وتبعاته، وتكاليفه من مماليككم وقوله: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ} غير موسرين لا يمنعكم ذلك من تزويجهم فقد تكفل الله بغناهم بعد تزويجهم بقوله: {يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الفضل عليم بحاجة المحتاجين وأمر تعالى في هذه الآية من لا يجد نكاحاً لانعدام الزوج أو الزوجة مؤقتاً أو انعدام مؤونة الزواج من مهر ووليمة أن يستعفف أي يعف نفسه بالصبر والصيام والصلاة حتى لا يتطلع إلى الحرام فيهلك فقال تعالى {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أي واسع الفضل مطلق الغنى عليم بحال عباده وحاجة المحتاجين منهم. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} هذه مسألة ثالثة تضمنتها هذه الآية وهي إذا كان للمسلم عبد وطلب منه أن يكاتبه، وكان أهلا للتحرر بأن يقدر على تسديد مال المكاتبة, ويستطيع أن يستقل بنفسه فعلى مالكه أن يكاتبه، وأن يعينه على ذلك بإسقاط نجم من نجوم الكتابة، وهذا معنى قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} وقوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} أي على الزنا وهي مسألة رابعة تضمنتها هذه الآية وهي أن جاريتين كانتا لعبد الله بن أبي بن سلول المنافق يقال لهما معاذة ومسيكة قد أسلمتا فأمرهما بالزنا لتكسبا له بفرجيهما كما هي عادة أهل الجاهلية قبل الإِسلام فشكتا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي لأجل مال قليل يعرض لكم ويزول عنكم بسرعة، وقوله: {وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لهن رحيم بهن لأن المكره لا إثم عليه فيما يقول ولا فيما يفعل فامتنع المنافق من ذلك. وقوله تعالى في الآية الثانية [34] {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} أي ولقد أنزلنا إليكم أيها المسلمون آيات أي قرآنيّة مبينات أي موضحات للشرائع والأحكام والآداب فاعملوا بها تكملوا في حياتكم وتسعدوا في دنياكم وآخرتكم. وقوله: {وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ} أي قصصاً من أخبار الأولين كقصة يوسف ومريم عليهما السلام وهما شبيهتان بحادثة الإِفك وقوله: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} وهي ما تضمنته الآيات من الوعيد والوعد والترغيب والترهيب وكونها للمتقين بحسب الواقع وهو أن المتقين هم الذين ينتفعون بالمواعظ دون الكافرين والفاجرين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- انتداب المسلمين حاكمين ومحكومين للمساعدة على تزويج الأيامى من المسلمين أحراراً وعبيداً. 2- وجوب الاستعفاف على من لم يجد نكاحاً والصبر حتى ييسر الله أمره. 3- عدة الله للفقير إذا تزوج بالغنى. 4- تعين مكاتبة العبد إذا توفّرت فيه شروط المكاتبة. 5- حرمة الزنا بالإِكراه أو بالاختيار ومنع ذلك بإقامة الحدود. 6- صيغة المكاتبة أن يقول السيد للعبد لقد كاتبتك على ثلاثة آلاف دينار منجمة أي مقسطة على ستة نجوم تدفع في كل شهر نجماًَ أي قسطاً. على أنك إذا وفيتها في آجالها فأنت حر، وعليه أشهدنا وحرر بتاريخ كذا وكذا. 7- بيان فضل سورة النور لما احتوته من أحكام في غاية الأهمية.

القطان

تفسير : الأيامى: واحدهم أيِّم، وهو غير المتزوج رجلا كان او امرأة، بكرا او ثيبا. يقال: آم الرجل وآمت المرأة اذا لم يتزوجا. من عبادكم: من عبيدكم. الإماء: جمع أمة وهي المملوكة. والذين يبتغون الكتاب: المكاتبة وهي ان يكاتب العبدُ سيده على مبلغ من الماء اذا ادَّاه اليه يصبح حرا. الفتيات: الاماء. البغاء: الزنا. التحصن: العفة. مبينات: مفصلات لكل ما تحتاجون. {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. وزوِّجوا من لم يتزوج من رجالكم ونسائكم، وأعينوهم على الزواج، حتى لا يقعوا في المعصية، ويسِّروا الزواج بقدْرِ ما تستطيعون من تقليل المهور، والمساعدة بكل الوسائل. وأعِينوا الصالحين من عبيدِكم وإمائكم على الزواج ليتحصّنوا او يعفُّوا. ولا تنظروا الى فقرِ من يخطُب او فقرِ من تريدون زواجَها، ففي فضل الله ما يغنيهم، واللهُ ذو سعةٍ عليمٌ بكل شيء. {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} اما الذين لا يجدون القدرة على مئونات الزواج فعليهم أن يصبروا ويسلكوا طرق العفّة وينتظروا حتى يغنيَهم الله من فضله. وقد ورد في الحديث الصحيح ان النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يا معشرَ الشباب، من استطاع منكم الباءةَ فليتزوجْ، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء " تفسير : الباءة: النكاح ومؤنته. الوجاء: الخِصاء، يعني انه يعين على نسيان النكاح. وفي الحديث الصحيح: "حديث : ثلاثةٌ حقٌ على الله عونُهم: المجاهدُ في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف"تفسير : أخرجه الترمذي والنسائي. {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} هنا يحثّ الله تعالى على تيسير تحرير الرقيق.... فكل عبدٍ أو عبدة تريد التحرر وتكاتب سيّدَها على مبلغ من المال - على المؤمنين ان يساعدوهما في ذلك ويسهّلوا لهما طريق الحرية من العبودية. وهكذا كان الاسلام أول من شرع تحرير الرقيق، وقد انتهى نظام الرق الآن. ثم حث الله المؤمنين جميعاً على تحرير الرقاب فقال: {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} وعلى جميع المسلمين أن يساعدوا أولئك الذين يريدون التحرّرَ فدفْعِ ما يستطيعون من الأموال لهم حتى يتم تحريرهم. ثم نهى المؤمنين عن السعي في جمع المال من الطرق غير المشروعة فقال: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} كان من عادات الجاهلية ان الرجل يكون عنده إماء فيُكرهُهُنَّ على البغاء حتى يكسبن له المال، ليأخذَ أجورهن. وكانت هذه العادة فاشية فيهم. وقد اشتكت بعضُ الجواري الى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فأنزل الله هذه الآية ليقطع دابر تلك العادة القبيحة. {وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ومن يكره إماءه على البغاء فإن الله غفور رحيم لهنّ، والذنبُ على المكرِه، وقد وعد المكرَهاتِ بالمغفرة بعد الاكراه على عملِ لا يدَ لهن فيه. {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} لقد أنزلنا اليكم في هذا القرآن آياتٍ واضحةً مبينّةٌ للأحكام، كما أنزلنا اليكم امثلةً من احوال الأمم السابقة، وارشاداتٍ ومواعظَ للذين يخافون الله وهدىً وعزاً لمن تولاه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَيَامَى} {ٱلصَّالِحِينَ} {إِمائِكُمْ} {وَاسِعٌ} (32) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى بِمَدِّ يَدِ المُسَاعَدَةِ، بِكُلِّ الوَسَائِلِ، لِمَنْ أَرَادَ التَّزَوُّجَ، وَلاَ زَوْجَ لَهُ مِنَ الأَحْرَارِ والحَرَائِرِ (الأَيَامَى مِنْكُم - والأَيِّمُ هُوَ مَنْ لاَ زَوْجَ لَهُ ذَكَراً أَوْ أَنْثَى) القَادِرِ عَلَى النِّكاحِ، والقِيَامِ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، مِنَ الصِّحَّةِ والمَالِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: رَغَّبَهُم اللهُ فِي التَّزَوُّجِ وأَمَرَ بِهِ الأَحْرَارَ والعَبِيدَ، وَوَعَدَهُم عَلَيْهِ الغِنَى (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِم اللهُ) واللهُ واسِعُ الفَضْلِ، عَلِيمٌ بِمَصَالِحِ العِبَادِ. أَنْكِحُوا الأَيَامَى - زَوِّجُوا مَنْ لاَ زَوْجَ لَهَا، وَمَنْ لاَ زَوْجَةَ لَهُ.

الثعلبي

تفسير : {أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} أي زوّجوا أيها المؤمنون مَن لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم {وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} وقرأ الحسن: من عبيدكم، والأيامى جمع الأيّم وهو مَن لا زوج له من رجل وامرأة يقال: رجل أيّم وامرأة أيّم وأيّمة، والفعل منه أمت المرأة تأيم أيمة أيوماً، وتأيّمت تأيّماً، قال الشاعر: شعر : ألم تر أنّ الله أظهر دينه وسعد بباب القادسيّة معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس منهن أيّم تفسير : وقال آخر: شعر : فإن تنكحي أنكحْ وإنْ تتأيمّي وإنْ كنت أفتى منكم أتأيّم تفسير : وفسّر بعض الفقهاء الآية على الحتم والإيجاب فأوجب النكاح على من استطاعه، وتأوّلها الباقون على الندب والاستحباب وهو الصحيح المشهور والذي عليه الجمهور. قال الشافعي رضي الله عنه: واجب للرجل والمرأة أن يتزوّجا إذا تاقت أنفسهما إليه لأنَّ الله جلَّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه أمر به ورَضيه وندب إليه، وبلغنا أنّ النبّي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : تناكحوا تكثروا فإنّي أُباهي بكم الأُمم حتى بالسقط ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن أحبّ فطرتي فليستنَّ بسنّتي وهي النكاح، وقال: إنَّ الرجل ليُرفع بدعاء ولده من بعده . تفسير : قال (الشافعي): ومن لم تُتق نفسه إلى ذلك فأحبّ إلىّ أن يتخلّى لعبادة الله عزَّ وجل". وذكر الله سبحانه القواعد من النساء وذكر عبداً أكرمه فقال عزَّ من قائل{حديث : وَسَيِّداً وَحَصُوراً}تفسير : [آل عمران: 39] والحصور: الذي لا يأتي النساء. ولم يندبهم إلى النكاح، فدلَّ أنّ المندوب إليه من يحتاج إليه. باب ذكر بعض ما ورد من الأخبار في الترغيب في النكاح أخبرنا أحمد بن أُبي قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق الجرجاني قال: حدّثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي قال: حدّثنا محمد بن يحيى الأزدي قال: حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: أخبرنا أشعث عن الحسن عن سمرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتّل. وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الحديثي قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا محمد بن صالح بن ذريح قال: حدّثنا جبارة بن المغلّس قال: حدّثنا جندل عن ابن جريح عن أبي المغلّس عن أبي نجيح السلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : مَن كان له ما يتزوّج فلم يتزوج فليس منّا ". تفسير : وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا أحمد بن يعقوب المقرى ابن أخي عوف قال: حدّثنا جبارة بن المغلس قال: حدّثنا مندل عن يحيى بن عبد الرَّحْمن عن أبيه عن جده قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : مَن أدرك له ولد وعنده ما يزوّجه فلم يزوّجه فأحدث فالإثم بينهما ". تفسير : وأخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الرَّحْمن الدقّاق قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو يوسف الصيدلاني قال: حدّثنا خالد بن إسماعيل عن عبيد الله عن صالح مولى التومة قال: قال أبو هريرة: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد للَقيت الله بزوجة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : شراركم عزّابكم ". تفسير : وبإسناده عن صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا تزوّج أحدكم عجّ شيطانه ياويله: عصم ابن آدم منّي بثلثي دينه ". تفسير : وأخبرني الحسن بن محمد قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا أبو زكريا يحيى بن علي بن خلف القطان قال: حدّثنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن ربيعة الكلابي قال: حدّثنا محمد بن ثابت العقيلي عن هارون بن رئاب عن أبي نجيح السلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : مسكين مسكين رجل ليست له امرأة، مسكينة امرأة ليس لها زوج". قالوا: يا رسول الله وان كانت غنيّة من المال؟ قال: "وإن كانت غنيّة من المال". تفسير : وأخبرني الحسين قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن موسى قال: حدّثنا هشام بن عمار قال: حدّثنا حماد بن عبد الرَّحْمن قال: حدّثنا خالد بن الزبرقان عن سليمان بن حبيب عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أربع لعنهم الله من فوق عرشه وأمّنت عليه ملائكته: الذي يحصر نفسه عن النساء فلا يتزوج ولا يتسرّى لئلاّ يولد له، والرجل يتشبّه بالنساء وقد خلقه الله ذكراً، والمرأة تتشبّه بالرجال وقد خلقها الله أُنثى، ومضلّل المساكين ". تفسير : قال خالد: يعني الذي يهزأ بهم يقول للمسكين: هلّم أعطك، فإذا جاء يقول: ليس معي شيء، ويقول للمكفوف: اتّق الدابّة وليس بين يديه شيء، والرجل يُسئل عن دار القوم فيجهله. وأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي قال: حدّثني أحمد بن سعيد بن يعقوب قال: أخبرنا بقية ابن الوليد قال: حدّثني معاوية بن يحيى عن سليمان بن موسى عن مكحول عن عفيف ابن الحارث عن عطيّة بن بشر المازني قال: أتى عكاف بن وادعة الهلالي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا عكاف ألك زوجة؟ قال: لا يا رسول الله، قال: ولا جارية؟ قال: لا. قال: وانت صحيح موسر؟ قال: نعم والحمد لله. قال: فإنّك إذاً بين إخوان الشياطين إمّا أن تكون من رهبان النصارى، وإمّا أن تكون مؤمناً فاصنع كما نصنع فإنّ من سنّتنا النكاح، شراركم عزّابكم وأراذل موتاكم عزّابكم، ما للشيطان في نفسه سلاح أبلغ من النساء ألا إنّ المتزوّجين هم المطهّرون المبرّؤون من الخنا، ويحك يا عكاف إنّهن صواحب داود وصواحب أيّوب وصواحب يوسف عليهم السلام وصواحب كرسُف. قالوا: يا رسول الله ومن كرسُف؟ قال: رجل كان يعبد الله سبحانه على ساحل من سواحل البحر ثلاثين عاماً، يصوم النهار ويقوم الليل، لا يفتر من صيام ولا قيام، فكفر بالله العظيم من سبب امرأة عشقها وترك ما كان عليه من عبادة ربّه عزَّ وجل فتداركه الله سبحانه بما سلف منه، ويحك يا عكاف تزوّج فإنّك من المذنبين. قال: زوّجني من شئت قبل أن أبرح. قال: فإنّي قد زوّجتك على اسم الله كريمة بنت كلثوم الحميري" . تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن المظفر البزاز قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد ابن موسى بن النعمان بمصر قال: حدَّثنا علي بن عبد الرَّحْمن بن المغيرة قال: حدّثنا أبو صالح كاتب الليث قال: حدّثنا أبو يحيى بن قيس عن عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا أتى على أُمّتي مائة وثمانون سنة فقد حلّت العزبة والعزلة والترهّب على رؤوس الجبال ". تفسير : فصل فيمن يستحبّ ويختار من النساء أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الثقفي بقراءتي عليه في داري قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن الجعد قال: حدّثنا عبد الله بن عمر القواريري قال: حدّثنا عمر بن الوليد قال: سمعت معاوية بن يحيى يحدّث عن يزيد بن جابر عن جبير بن نفير عن عياض بن غنم الأشعري قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا عياض لا تزوّجنّ عجوزاً ولا عاقراً فإنّي مكاثر ". تفسير : وأخبرني الحسن بن محمد قال: حدّثنا برهان بن علي الصوفي قال: حدّثنا أبو بكر مردك ابن أحمد البردعي قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا إسحاق بن بشر الكاهلي قال: حدّثني عبد الله بن إدريس المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تزوّجوا الأبكار فإنّهنّ أعذب أفواهاً، وأفتح أرحاماً، وأثبت مودةّ ". تفسير : وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا اراد أحدكم أن يتزوّج المرأة فليسأل عن شعرها كما يسأل عن وجهها فإنَّ الشعر أحد الجمالين ". تفسير : وبه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : تزوّجوا الزرق فإن فيهنّ يُمناً ". تفسير : وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثنا عبدان بن عبد الله بن عبد الحكم قال: حدّثنا عبد الله ابن صالح قال: حدّثنا محمد بن سليمان بن أبي كريمة قال: حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعظم نساء أُمّتي بركة أصبحهنّ وجهاً وأقلّهنّ مهراً ". تفسير : فصل في الآداب الواردة في النكاح والزفاف أخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا أبو موسى قال: أخبرنا أبو علي الشيباني قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: حدّثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عيسى بن ميمون عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : اعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليها بالدفاف وليولم أحدكم ولو بشاة ". تفسير : وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان وعبد الله بن يوسف قالا: حدّثنا يوسف بن أحمد بن كركان القرماسيني قال: حدّثنا أبو الزنباع روح بن الفرج قال: حدّثنا أبو سلمة البصري العتكى القاسم بن عمر قال: حدّثنا بشر بن إبراهيم الأنصاري عن الأوزاعي عن مكحول عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: حدَّثني معاذ بن جبل قال: شهدت ملاك رجل من الأنصار مع النبي صلى الله عليه وسلم فخطب النبي صلى الله عليه وسلم وأملك الأنصاري ثمَّ قال: "حديث : على الألفة والخير والطير الميمون دَفّفوا على رأس صاحبكم، وأقبلت السلال فيها الفاكهة والسكّر فنُهب عليهم فأمسك القوم فلم ينتهبوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أزين الحلم ألا تنتهبون، فقالوا: يا رسول الله أنّك نهيتنا عن النهبة يوم كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّما نهيتكم عن نهبة العساكر ولم أنهكم عن نهبة الولائم ثم قال: ألا فانتهبوا . تفسير : قال معاذ بن جبل: فوالله لقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجُرّرنا ونُجرّره في ذلك النهاب. وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدَّثنا أبو العباس عبد الله بن أحمد بن حشيش البغدادي قال: حدّثنا عثمان بن معبد قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم عن سفيان بن عامر العامري عن صافية مولاتهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَسُّوا بالإملاك فإنّه أفضل في اليمن وأعظم في البركة ". تفسير : وأخبرني الحسين قال: حدّثنا طفران بن الحسين قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي داود السجستاني قال: حدّثنا أحمد بن يوسف بن سالم الازدي السلمي قال: حدّثنا حفص بن عبد الله عن إبراهيم بن طهمان عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن إسحاق بن سهل بن أبي حنتمة عن أبيه حديث : عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كانت عندي جارية من الأنصار في حجري فزوّجتها فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسمع غناء فقال: "يا عائشة ألا تغنّون عليها، فانَّ هذا الحىّ من الأنصار يحبّون الغناء" . تفسير : وأخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن ظهير بن ثمامة البزّار قال: حدّثنا أبو موسى بن المثّنى الزمر قال: حدّثنا حفص بن غياث عن ليث عن عطاء أنّحديث : النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ عليه بعروس فقال: "لو كان مع هذا لهو" . تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن أبي قال: حدّثنا محمد بن علي بن سالم الهمذاني قال: حدّثنا الحسن بن الحسين الرازي الهسنخاني قال: حدّثنا سعيد بن منصور قال: حدّثنا مسكين بن ميمون قال: حدّثني عروة بن رويم قال: بينا عبد الرَّحْمن بن قرط ينعسّ بحمص إذ مرّت عروس وقد أوقدوا النيران، فضربهم بدرّية حتى تفرقوا عنها، فلمّا أصبح قعد على منبره وقال: إنّ أبا جندلة نكح فصنع جفنات من طعام فرحم الله أبا جندلة وصلّى على آبائه، ولعن الله أصحاب عروسكم أوقدوا النيران وتشبّهوا بأهل الشرك والله مطفئ نورهم يوم القيامة. {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا علي بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثني أبو زرعة قال: حدّثنا إبراهيم بن موسى الفرّاء قال: أخبرنا مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : التمسوا الرزق بالنكاح ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا أبو يوسف محمد ابن سفيان بن موسى الصفّار بالمصّيصة قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن ناصح قال: حدّثنا عبد العزيز الدراوردي عن ابن عجلانحديث : أنَّ رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الحاجة فقال: "عليك بالباءة"تفسير : ،وشكى رجل الى أبي بكر رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الحاجة فقال: عليك بالباءة، وجاء رجل الى عمر رضي الله عنه بعد أبي بكر فشكا إليه الحاجة فقال: عليك بالباءة، كلّ يريد قوله سبحانه {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. قال ابن عجلان: وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنه: ابتغوا الغنى في النكاح. {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} عن الحرام {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} ويوسّع عليهم من رزقه. {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} أي المكاتبة وهي أن يقول الرجل لعبده أو أَمته: قد كاتبتك على أن تعطيني كذا وكذا في نجوم معلومة على أنّك إذا أدّيت ذلك فأنت حرّ، فيرضى العبد بذلك فإن أدّى مال الكتابة بالنجوم التي سّماها كان حرّاً، وإن عجز عن أداء ذلك كان لمولاه أن يردّه الى الرّقّ كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المكاتب عبد مابقي عليه درهم"تفسير : . وأصل الكلمة من الكتب وهو الضمّ والجمع، ومنه الكتيبة وكتب البغل وكتب الكتاب، فسمّي المكاتب مكاتباً لأنه يضم نجوم مال الكتابة بعضها إلى بعض. {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} اختلف الفقهاء في حكم هذه الآية فقال قوم: هو أمر حتم وإيجاب فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم منه خيراً إذا سأله ذلك بقيمته وأُكثر ولو كان بدون قيمته لم يلزمه، وهو قول عمرو بن دينار وعطاء، وإليه ذهب داود بن علي ومحمد ابن جرير من الفقهاء وهي رواية العوفي عن ابن عباس، واحتّج من نصر هذا المذهب بما روى قتادة أن سيرين سأل أنس بن مالك أن يكاتبه فتلكأ عليه، فشكاه الى عمر فعلاه بالدّرة وأمره بالكتابة، واحتجّوا أيضاً بأن هذه الآية نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزّى يقال له صبح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين فأدّاها وقتل يوم حنين في الحرب. وروى عن عمر أنّه قال: هي عزمة من عزمات الله، من سأل الكتابة كوتب. وقال الآخرون: هو أمر ندب واستحباب، ولا يلزم السيّد مكاتبة عبده سواء بذل له قيمته أو أكثر منها أو أقل، وهو قول الشعبي والحسن البصري، وإليه ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة وسائر الفقهاء. وأمّا قوله سبحانه {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} فاختلفوا فيه، فقال ابن عمر وابن زيد ومالك بن أنس: يعني قوّة على الاحتراف والكسب لأداء ما كوتب عليه، وإليه ذهب الثوري. وروى الوالبي عن ابن عباس قال: إن علمت أنّ لهم حيلة ولا يلقون مؤونتهم على المسلمين. وقال الحسن ومجاهد والضحاك: مالاً، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، واستدلّوا بقوله {أية : إِن تَرَكَ خَيْراً}تفسير : [البقرة: 180]. قال الخليل: لو أراد المال لقال: إن علمتم لهم خيراً. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا هارون بن محمد قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى الحماني قال: حدّثنا أبو خالدالأحمر عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي ليلى الكندي عن سلمان قال: قال له عبد: كاتبني، قال: لك مال؟ قال: لا، قال: تطعمني أوساخ الناس فأبى عليه، وقال إبراهيم وعبيدة وأبو صالح وابن زيد: يعني صدقاً ووفاء وأمانة، وقال طاوس وعمرو بن دينار: مالاً وأمانة. وقال الشافعي: أظهر معاني الخير في هذه الآية الاكتساب مع الأمانة، فأحبّ أن لايمتنع من مكاتبته إذا كان هكذا. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن عبد العزيز العثماني وأبو النضر إسحاق بن إبراهيم قال: حدّثنا يحيى بن حمزة قال: أخبرني محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة حق على الله عونهم: رجل خرج في سبيل الله سبحانه، ورجل تزوّج التماس الغنى عما حرّم الله عزّ وجلّ، ورجل كاتب التماس الأداء ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى الحماني قال: حدّثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة في قوله سبحانه {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} قال: إن أقاموا الصلاة. وقيل: هو أن يكون المكاتب بالغاً عاقلاً فأمّا المجنون والصبي فلا يصحّ كتابتهما لأنّهما ليسا من أهل الابتغاء، ولأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رفع القلم عن ثلاث"تفسير : الحديث. وقال أبو حنيفة: يصحّ كتابة الصبي إذا كان مراهقاً مميّزاً بناءً على أصله إذا كان مراهقاً كيّساً حراً فأذن له وليُّهُ في التصّرف نفذ تصرّفه، كذلك السيّد مع عبده إذا كاتبه فقد أذن له في التصرّف فصحّت كتابته. واختلف الفقهاء في مال الكتابة، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهُ: تصح الكتابة حالّة ومؤجلة لأنَّ الله سبحانه قال {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} ولم يشترط فيه أجلا ولأنّه عقد على عين فصحَّ حالاًّ ومؤجّلاً كالبيع. وقال الشافعي: لا تصحّ الكتابة حالّة وإنّما تصحّ إذا كانت مؤجّلةً، وأقلّه نجمان. {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} اختلفوا فيه فقال بعضهم: الخطاب للموالي وهو أن يحطّ له من مال كتابته شيئاً، ثم اختلفوا في ذلك الشيء فقال قوم: هو ربع المال وهو قول علىّ، وإليه ذهب الثوري. روى شعبة عن عبد الأعلى عن أبي عبد الرَّحْمن السلمي أنّه كاتب غلاماً له على ألف ومائتين وترك الربع وأشهدني ثم قال لي: كان صديقك يفعل هذا، يعني عليّاً كرم الله وجهه، وقد روى ذلك مرفوعاً. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش المقري قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن موسى قال: حدّثنا يوسف بن سعيد بن مسلم قال: حدّثنا حجاج عن ابن جريج عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن حبيب يعني أبا عبد الرَّحْمن السلمي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} قال: "حديث : ربع المكاتبة ". تفسير : وقال آخرون: ليس فيه حدّ إنّما هو إليه، يحطّ عنه من مال كتابته شيئاً. روى أسباط عن السدّي عن أبيه قال: كاتبتني زينب بنت قيس بن مخرمة وكانت قد صلّت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلتين جميعاً على عشرة آلاف فتركت لي ألفاً، وروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد مولى ابن أُسيد قال: كاتبني أبو أسيد على ثنتي عشرة مائة فجئته بها فأخذ منها ألفاً وردّ علىّ مائتين. وقال نافع: كاتب عبد الله بن عمر غلاماً له يقال له شرقي على خمسة وثلاثين ألف درهم فوضع من آخر كتابته خمسه آلاف درهم. قال سعيد بن جبير: وكان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئاً من أوّل نجومه مخافة أن يعجز فيرجع إليه صدقته، ولكنّه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحبّ، وعلى هذا القول قوله {وَآتُوهُمْ} أمر استحباب. وقال بعضهم: معناه وآتوهم سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات بقوله {أية : وَفِي ٱلرِّقَابِ}تفسير : [التوبة: 60] وهو قول الحسن وزيد بن أسلم وابنه وعلى هذا التأويل هو أمر إيجاب. وقال بريدة وإبراهيم: هو حثّ لجميع الناس على معونتهم. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفريابي قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد قال: حدّثني زهير عن عبد الله بن محمد ابن عقيل عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَن أعان مكاتباً في رقبته أو غازياً في عسرته أو مجاهداً في سبيله أظله الله سبحانه في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه ". تفسير : وأخبرني ابن فنجوية قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثنا علي بن أحمد الواسطي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور عن عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرَّحْمن الدالاني عن خارجة بن هلال عن أبي سعيد ورافع بن خديج وابن عمر قالوا: جاءنا غلام لعثمان رضي الله عنه يقال له كيّس فقال: قوموا إلى أمير المؤمنين فكلّموه أن يكاتبني فقلنا له: إنَّ غلامك هذا سألنا أن تكاتبه فقال: أخذته بخمسين ومائة يجيء بها وهو حر، قال: فخرجنا فأعانه كل رجل منّا بشيء قال: كونوا بالباب ثم قال: ياكيّس تذكر يوم عركت أُذنك، قلت: بلى يا سيّدي، قال: ألم أنهك أن تقول يا سيدي؟ قال: فلم يزل بي حتى ذكرت، قال: قم فخذ بأذني قال: فأبيت فلم يزل بي حتى قمت فأخذت بأُذنه فعركتها وهو يقول: شُدّ شدّ حتى إذا رآني قد بلغت ما بلغ منّي قال: حسبك ثم قال:واهاً للقضاء في الدنيا، أُخرج فأنت حرّ وما معك لك. {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} الآية. نزلت في معاذة ومُسيكة جاريتي عبد الله بن أُبي المنافق، كان يكرههما على الزنا بضريبة يأخذ منهما وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، يؤاجرون إماءهم، فلمّا جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين فإن يك خيراً فقد استكثرنا منه، وإن يك شرّاً فقد آن لنا أن ندعه، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في ستّ جوار لعبد الله بن أُبىّ كان يكرههنّ على الزنا ويأخذ أُجورهن وهنّ معاذة ومسيكة وأُميمة وعمرة وأروى وقتيلة، فجاءته إحداهنّ ذات يوم بدينار وجاءت أُخرى ببرد فقال لهما: ارجعا فازنيا فقالتا: والله لا نفعل قد جاءنا الله بالإسلام وحرّم الزنا، فأتتا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكتا إليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وروى معمر عن الزهري أنّ عبد الله بن أُبي أسر رجلاً من قريش يوم بدر، وكان لعبد الله جارية يقال لها معاذة فكان القرشي الأسير يريدها على نفسها وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه وكان ابن أُبىّ يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل للقرشي فيطلب فداء ولده، فأنزل الله سبحانه {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ} إماءكم {عَلَى ٱلْبِغَآءِ} أي الزنا. {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} يعني إذ وليس معناه الشرط لأنه لا يجوز إكراههنّ على الزنا إن لم يردن تحصُّناً، ونظيره قوله سبحانه {أية : وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [البقرة: 278] وقوله {أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 139] أي إذ، وقوله {أية : لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ}تفسير : [الفتح: 27]يعني إذ شاء الله والتحصّن: التعفّف. وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها {وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصّناً} ثم قال {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ} بعد ورود النهي {فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} لهنّ {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والوزر على المكره، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: لهنّ والله لهن. {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً} خبراً وعبرة {مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن تكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن مسألة حِفْظ الفروج ودعا إلى الحفاظ على طهارة الأنساب، أراد أنْ يتكلم عن هؤلاء الرجال أو النساء الذين لم يتيسَّر لهم أمر الزواج؛ ذلك ليعالج الموضوع من شتى نواحيه؛ لأن المشرِّع لا بُدَّ أن يستولي بالتشريع على كُلِّ ثغرات الحياة فلا يعالج جانباً ويترك الآخر. و {ٱلأَيَامَى ..} [النور: 32] جمع أيِّم، والأيِّم من الرجال مَنْ لا زوجةَ له، والأيِّم من النساء مَنْ لا زوجَ لها. ونلحظ أن الأمر في {أَنْكِحُواْ ..} [النور: 32] جاء هكذا بهمزة القَطْع، مع أن الأمر للواحد (انكح) بهمزة الوصل، ذلك لأن الأمر هنا (أنكحوا) ليس للمفرد الذي سينكح الأيِّم، إنما لغيره أنْ يُنكحه، والمراد أمر أولياء الأمور ومَنْ عندهم رجال ليس لهم زوجات، أو نساء ليس لَهُنَّ أزواج: عَجِّلوا بزواج هؤلاء، ويسِّروا لهم هذه المسألة، ولا تتشددوا في نفقات الزواج حتى تُعِفُّوا أبناءكم وبناتكم، وإذا لم تعينوهم فلا أقلَّ من عدم التشدد والمغالاة. وفي الحديث الشريف: "حديث : إذا جاءكم مَنْ ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلاَّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ". تفسير : ومع ذلك في مجتمعاتنا الكثير من العادات والتقاليد التي تعرقل زواج الشباب أخطرها المغالاة في المهور وفي النفقات والنظر إلى المظاهر .. إلخ وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لأولياء الأمور: يسِّروا للشباب أمور الالتقاء الحلال ومهِّدوا لهم سبيل الإعفاف. وقد أعطانا القرآن نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه وليُّ الأمر، فقال تعالى عن سيدنا شعيب عليه السلام: {أية : قَالَ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ..} تفسير : [القصص: 27] ذلك لأن موسى - عليه السلام - سيكون أجيراً عنده، وربما لا يتسامى إلى أن يطلب يد ابنته؛ لذلك عرضها عليه وخطبه لها وشجَّعه على الإقبال على زواجها، فأزال عنه حياء التردد، وهكذا يجب أن يكون أبو الفتاة إنْ وجد لابنته كفؤاً، فلا يتردد في إعفافها. وقوله تعالى: {وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ..} [النور: 32]. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تُنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ". تفسير : ولما سُئِل الحسن - رضي الله عنه - عن مسألة الزواج قال لوالد الفتاة الذي جاء يستشيره: زوِّجها مَنْ تأمنه على دينه، فإنْ أحبَّ ابنتك أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها. وماذا يريد الإنسان في زوج ابنته أكثر من هذا؟ فالدين والخُلق والقيم السامية هي الأساس الذي يُبنى عليه الاختيار، أما المال فهو شيء ثانوي وعَرَض زائل؛ لذلك يقول تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32]. فالفقر قد يكون سبباً في عدم الإقبال على البنت، أو عدم إقبال أهل البنت على الزوج، لكن كيف يتخلى الله عَنَّا ونحن نتقيه ونقصد الإعفاف والطهر؟ لا يمكن أن يضن الله على زوجيْن التقيا على هذه القيم واجتمعا على هذه الآداب، ومَنْ يدريك لعل الرزق يأتي للاثنين معاً، ويكون اجتماعهما في هذه الرابطة الشرعية هو باب الرزق الذي يفتح للوجهين معاً؟ {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32] فعطاء الله دائم لا ينقطع؛ لأن خزائنه لا تنفد ولا تنقص، والإنسان يُمسِك عن الإنفاق؛ لأنه يخاف الفقر، أمّا الحق - تبارك وتعالى - فيعطي العطاء الواسع؛ لأن ما عنده لا ينفد. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ...}.

الصابوني

تفسير : [7] الترغيب في الزواج والتحذير من البغاء التحليل اللفظي {ٱلأَيَٰمَىٰ}: جمع أيمّ وهو من لا زوج له رجلاً كان أو امرأة، ذكراً أو أنثى قال في "لسان العرب": الأيامى: الذين لا أزواج لهم من الرجال أو النساء، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأيمّ أحقّ بنفسها" تفسير : فهذه الثيب لا غير، وكذا قول الشاعر: شعر : لا تنكحنَّ الدهر ما عشتَ أيما مجرّبة قد مُلّ منها وملّت تفسير : وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الأيمة وهي طول العُزْبة، وأنشد ابن بري: شعر : لقد إمت حتى لامني كل صاحب رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت تفسير : وآمت المرأة: إذا مات عنها زوجها. ومنه قول علي (مات قيّمها وطال تأيّمها) وفي التنزيل: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَٰمَىٰ مِنْكُمْ} أدخل فيه الذكر والأنثى والبكر والثيب. {عِبَادِكُمْ}: بمعنى العبيد وقرأ مجاهد (من عبيدكم) وأكثر استعماله في الأرقاء والمماليك وإذا أضيف إلى الله فيراد منه الخلائق قال تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الزمر: 53] الآية.. {وَٰسِعٌ}: ذو غنى وسعة يبسط الرزق لمن يشاء من عباده وهو الغني الحميد. {عَلِيمٌ}: عالم بحاجات الناس ومصالحهم فيجري عليهم من الرزق ما قسم لهم. {وَلْيَسْتَعْفِفِ}: أمر من العفة واستعفف وزنه: استفعل ومعناه: طلب أن يكون عفيفاً، قال في "لسان العرب" العفة: الكف عما لا يحل ويجمل، يقال عفّ عن المحارم يعِفُّ عفة وعفافاً وامرأة عفيفة أي عفيفة الفرج، وفي الحديث "حديث : من يستعفف يعفه الله"تفسير : وقيل الاستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء. ومن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى ". تفسير : {الْكِتَٰبَ}: قال الزمخشري: الكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، وهي أن يقول الرجل لمملوكه: (كاتبتك على ألف درهم فإن أداها عتق)، والمكاتبة (مفاعلة) لا تكون إلا بين اثنين لأنها معاقدة بين (السيد وعبده) فالكتاب في الآية مصدر كالقتال والجلاد والدفاع، والمكاتبة هيَ: العقد الذي يجري بين (السيد وعبده) على أن يدفع له شيئاً من المال مقابل عتقه وسمي مكاتبة لأن العادة جارية بكتابته لأن المال فيه مؤجل، وهي لفظة إسلامية لا تعرفها الجاهلية نبه عليه العلاّمة ابن حجر. {خَيْراً}: لفظ الخير يطلق على المال {أية : إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ}تفسير : [البقرة: 180] وقوله: {أية : وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} تفسير : [العاديات: 8] أي لحب المال، ويطلق على فعل الصالحات وقد فسره بعضهم بالمال وهو ضعيف، والصحيحُ أن المراد به: الصلاح والأمانة والوفاء، والمعنى: إن علمتم فيهم القدرة على الكسب والوفاء والأمانة فكاتبوهم على تحرير أنفسهم. قال الطحاوي: وقول من قال إن المراد به (المال) لا يصح، لأن العبد مال لمولاه فكيف يكون له مال؟ وأنكر بعضهم ذلك من حيث اللغة فقال: لا يقال علمت فيه المال، وإنما يقال علمت عنده المال. والأصح أن المراد بالخير الأمانة والقدرة على الكسب وبه فسره الشافعي كما مر معنا. {فَتَيَٰتِكُمْ}: المراد به (المملوكات من الإماء) وهو جمع فتاة، قال الألوسي وكل من الفتى والفتاة كناية مشهورة عن (العبد والأمة). وفي الحديث: "حديث : لا يقولنّ أحدكم عبدي وأمتي ولكن فتاي وفتاتي" تفسير : وكأنه صلى الله عليه وسلم كره العبودية لغير الله عز وجل وعلّم السادة أن يتلطفوا عند مخاطبة العبيد. {ٱلْبِغَآءِ}: مصدر بغت المرأة تَبْغي بغاءً إذا زنت وفجرت، وهو مختص بزنى النساء فلا يقال للرجل إذا زنى: إنه بغى قاله (الأزهري). والجمع بغايا، والمراد بالآية إكراه الإماء على الزنى، وفي الحديث "حديث : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي ". تفسير : {تَحَصُّناً}: أي تعففاً ومنه المُحْصنة بمعنى العفيفة وقد تقدم. {عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ}: أي متاع الحياة الدنيا وسمي عرضاً لأنه يعرض للإنسان ثم يزول، فهو متاع سريع الزوال وشيك الاضمحلال {أية : وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} تفسير : [الحديد: 20]. {آيَٰتٍ مُّبَيِّنَٰتٍ}: أي آيات واضحات، وحكم باهرات، ودلائل ظاهرة، تدل على حكمة الله العلي الكبير، قال الزمخشري: هي الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت معاني الأحكام والحدود. المعنى الإجمالي يأمر المولى تبارك وتعالى بتزويج الشباب وتحصين الأحرار من الرجال، فيقول تعالى ذكره ما معناه: زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم، ومن أهل الصلاح والتقى من عبيدكم ومواليكم، إن يكن هؤلاء الذين تزوجونهم أهل فاقة وفقر، فإن الله تعالى يغنيهم من فضله، فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم. فالله واسع الفضل، جواد كريم، يعطي الرزق من يشاء من عباده، ولا تخفى عليه خافية من شؤونهم وأحوالهم. ثم يأمر تعالى الشباب الذين لا تتيسر لهم سُبل الزواج - لأسباب مادية أو عقبات اجتماعية - بالعفة عن الفواحش والابتعاد عما حرم الله، حتى يوسّع الله عليهم، ويسهل لهم أمر الزواج. فإن العبد إذا اتقى الله جعل له من أمره فرجاً ومخرجاً {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} تفسير : [الطلاق: 4] كما أمر السادة بمكاتبة العبيد الأرقاء، الذين يريدون أن يتحرروا من رق العبودية فقد أرشدهم أن يقبلوا منهم فكاك أنفسهم بما يدفعونه من مال، ونهاهم أن يُكْرهوا فتياتهم (الإماء) على البغاء، كما كان يفعل أهل الجاهلية، ليحصُلوا من وراء ذلك على الثروة الطائلة، ويجمعوا حُطَام هذه الحياة الزائل، ويتمتعوا عن طريق - الفحش والرذيلة - بعرض الدنيا، ثم حذر تعالى الظالمين المعتدين المُكْرهين للفتيات بالعذاب الأليم، وأنه سينتقم منهم ويعفو ويغفر للمُكْرَهات على الزنى، لأنه لا إرادة لهن ولا اختيار، وإثمهن على من أكرههن. ثم ختم تعالى هذه الآيات الكريمة بأنه قد أنزل على عباده آياتٍ واضحات وأحكاماً وحدوداً مفصَّلات، ليسيروا عليها، فيها خيرهم وسعادتهم، وتَرَكهم على المحجَّة البيضاء، وضرب لهم الأمثال ليتعظوا ويعتبروا بمن سبقهم من الأمم {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} تفسير : [هود: 117]. سبب النزول أولاً: روى السيوطي عن عبد الله بن صبيح عن أبيه قال: كنت مملوكاً لحويطب بن عبد العزى، فسألته الكتاب فأبى فأنزل الله {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33]. الآية. قال القرطبي: بعد أن ذكر القصة: فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين ديناراً فأداها، وقتل بحنين في الحرب. ثانياً: وروى مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها (مُسَيْكة) وأخرى يقال لها (أُمَيْمة) وكان يريدهما على الزنى فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} الآية. وروي أن عبد الله بن أبيّ بن سلول كان يكرههما على الزنى ويضربهما فقالت إحداهما: إن كان خيراً فقد استكثرنا منه، وإن كان شراً فقد آن لنا أن ندعه فنزلت الآية. ثالثاً: وروى ابن جرير عن مجاهد أنه قال: (كانوا يأمرون ولائدهم يباغين يفعلن ذلك فيصبن فيأتينهم بكسبهن فكانت لعبد الله بن أبيّ بن سلول جارية فكانت تباغي فكرهت وحلفت ألا تفعله فأكرهها أهلها فانطلقت فباغت ببرد أخضر فأتتهم به فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ...} الآية. وقال مقاتل: إنها نزلت في ست جوار كنّ لعبد الله بن أبيّ (معاذة، ومسيكة، وأميمة، وقتيلة، وعمرة، وأروي) فكان يأمرهن بالزنى ليستدرّ من ورائهن المال. فنزلت الآية الكريمة، وكل الروايات ذكرت أن الذي كان يكرههنَّ هو عبد الله بن أُبَيّ بن سلول رأس المنافقين. وجه الارتباط بالآيات السابقة في الآيات السابقة حذر الله جل ثناؤه من مقارفة الفواحش وارتكاب الموبقات فنهى عن الزنى ودواعيه القريبة والبعيدة، من النظر إلى النساء، والاختلاط بهن، وكشف العورات، وإبداء الزينة، ودخول البيوت بغير استئذان. وغير ذلك مما يدعو إلى الفساد وضياع الأخلاق والوقوع في المهالك، وفي هذه الآيات الكريمة رغب المولى جل وعلا في النكاح وأمر بالإعانة عليه وتسهيل سبله، لأن النكاح من خير ما يحقق العفة، ويعصم المؤمن من الزنى، ويبعده عن آثامه وهو الطريق الوحيد لبقاء النوع الإنساني. وبناء المجتمع الفاضل ولهذا وردت هذه الآيات الكريمة تحثُّ على إعفاف الشباب والفتيات عن طريق الزواج. وتدعو إلى تذليل كل العقبات التي تعترض طريق الزواج سواء كانت هذه العقباتُ مالية، أو غير مالية. وهذا هو وجه الارتباط بين الآيات الكريمة. والله أعلم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قال تعالى: {وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} فيه إشارة إلى قيمة التقى والصلاح في الإنسان. فلا يكرم الإنسان لماله أو جاهه، وإنما يُكرَّم لدينه وصلاحه كما قال تعالى: {أية : وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [القصص: 83] . قال الزمخشري: (فإن قلت لم خص الصالحين؟ قلت: ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم ولأن الصالحين من الأرقاء هم الذين يشفق عليهم مواليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في الأثَرة والمودة. فكانوا مظنة للتوصية بشأنهم والاهتمام بهم، وأما المفسدون فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك). اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} في هذه الآية وعد من الله تعالى بإغناء من سلك طريق الزواج وقصد إعفاف نفسه به. وقد نقل عن عدد من الصحابة أنهم فهموا ذلك حتى قال أبو بكر: (أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، يُنْجزْ لكم ما وعدكم من الغنى) وعن عمر وابن عباس: (التمسوا الرزق بالنكاح). فإن قيل: فنحن نرى كثيراً من الفقراء يتزوجون ويستمر فقرهم ولا يستغنون ونرى من كان غنياً فيتزوج يصبح فقيراً؟ فالجواب: أن هذا الوعد مشروط بالمشيئة كما في قوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ} تفسير : [التوبة: 28] ومما يدل على إضماره أن الله تعالى ختم الآية بقوله: {وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} ولم يقل (واسع كريم) وهذا يفيد أنه تعالى يعلم مصلحة عباده فيبسط لمن يشاء ويقدر لمن يشاء، حسب الحكمة والمصلحة. وقد ورد (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد حاله)... وحكمة هذا الربط بين (الغنى والنكاح) أنه قد يخيل إلى بعض الناس أن الأولاد والذرية سبب الفقر حتماً وأن عدمهم سبب لكثرة المال جزماً، فأريد قلع هذا الخيال من الأوهام، بأن الله قادر على إغناء العبد مع كثرة عياله، وإفقاره ولو كان عزباً في داره، ولا أثر للزواج في فقر الإنسان ولا للعزوبة في غناه فالله هو الرزاق ذو القوة المتين وصدق الله {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسير : [الطلاق: 2-3]. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} في الآية دعوة للشباب الذين لا يتيسر لهم أمر الزواج بإعفاف النفس حتى يهيئ الله لهم أسبابه فهو على سبيل (المجاز) أو تقدير مضاف أي لا يجدون أسباب النكاح أو استطاعة النكاح أو المراد بالنكاح: ما ينكح به من المال. قال الشهاب: فإن (فِعَالاً) يكون صفة بمعنى مفعول، ككتاب بمعنى مكتوب، واسم آلة كركاب لما يركب به، وهو كثير كما نص عليه أهل اللغة. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ} فيه إشارة لطيفة إلى أن المال الذي في أيدي الأغنياء إنما هو وديعة عندهم، استخلفهم الله عليها ليحسنوا التصرف فيها {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} تفسير : [الحديد: 7] فالمالك الحقيقي هو الله رب العالمين، وليس الغني مالكاً للمال حقيقة وإنما هو مؤتمن عليه وهو وديعة بين يديه. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} جملة معترضة فائدتها (التشنيع والتقبيح) على السادة في ارتكاب هذه الرذيلة والإكراه عليها، فالأصل في الأمة المملوكة أن يحصنها سيدها إذا مالت نحو الفجور، أما أن يدعوها إلى عمل الفاحشة وتأبى وتمتنع وتريد العفة، فذلك منتهى الخسة والدناءة منه. فالأمة في هذه الحالة خير من السيِّد، لأنها آثرت التحصن على الفاحشة وهي أشرف من السيّد وأطهر. قال أبو السعود: فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى من يحويه حرمه من إمائه فضلاً عن أمرها به أو إكراهها عليه لا سيما عند إرادة التعفف فليس هو إذاً "للقيد أو الشرط" وإنما هو لبيان فظاعة الأمر وشناعته فتدبره فإنه دقيق. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} هذا التعليل فيه إشارة إلى تفاهة وحقارة ما صنعوا، فإن أقدس وأشرف ما يملكه الإنسان هو (العرض والشرف) فهم يقدمون هذا الشيء (النفيس) مقابل النزر (الخسيس) فيا لها من خسة ونذالة. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} المغفرة والرحمة مخصصة بالمكرَهات من الإماء وأما المُكْرهُون فعليهم اللعنة والسخط، وقد كان الحسن البصري إذا قرأ هذه الآية يقول: لهنَّ والله، لهنَّ والله، أي إن الله غفور لهن، لا لأولئك المجرمين الذين أكرهوا النساء على البغاء. ففي الآية (مجاز بالحذف) أي غفور لهن رحيم بهن. ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: (من بعد إكراههن) أي لأنهن مكرهات لا إرادة لهن ولا اختيار فقد رفع الله عنهن العذاب وبقي الإثم على المكره وما قاله بعض المفسرين: إن المغفرة والرحمة للمكرِهين إنْ تابوا وأصلحوا فإنه ضعيف يأباه السياق. قال أبو السعود: وفي تخصيص المغفرة والرحمة بهن وتعيين مدارهما دلالة بينة على كونهم محرومين منهما بالكلية كأنه قيل: لهنَّ (لا للمكِرهين) فتجويز تعلقهما بهم بشرط التوبة استقلالاً، أو معهن إخلالٌ بجزالة النظم الجليل، وتهوين لأمر النهي في مقام التهويل. الأحكام الشرعية الحكم الأول: من المخاطب في الآية الكريمة؟ ذهب بعض العلماء إلى أن الخطاب في قوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَٰمَىٰ} عام لجميع الأمَّة أي زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من الرجال الأحرار والنساء الحرائر.. وقال بعضهم إن الخطاب (للأولياء والسادة) فقط أي لأولياء الأحرار، كالآباء وغيرهم ممن يتولون شؤون غيرهم، ولسادات العبيد والإماء الذين يملكونهم ملك اليمين. وقال آخرون: إنه للأزواج لأنهم هم المأمورون بالنكاح. قال القرطبي: والخطاب للأولياء وقيل للأزواج والصحيح الأول؛ إذ لو أراد الأزواج لقال (وانكحوا) بغير همز، وكانت الألف للوصل. والذي نختاره هو أن الأمر موجه إلى جميع الأمة، وأنَّ عليهم أن يسهلوا أسباب الزواج، ويسعوا سعياً حثيثاً لتزويج الشباب، وإزالة العوائق والعقبات من الطريق لأن الزواج هو طريق الإحصان والعفة، فالخطاب إذاً للجميع... وليس المراد بالتزويج في الآية هو إجراء (عقد الزواج) لأن لفظ الأيامى يشمل كل من لا زوج له من الرجال والنساء، صغاراً كانوا أو كباراً، كما تقدم. ومن المعلوم أن الرجل الكبير لا ولاية لأحد عليه فالوجه ما قلنا إن الخطاب موجه للأمة، وإن المراد بالتزويج هو الإعانة والمساعدة على النكاح وتسهيل أسبابه، وقد قال عليه السلام "حديث : إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ". تفسير : الحكم الثاني: هل الزواج واجب أو مستحب؟ اختلف الفقهاء في حكم الزواج على مذاهب نبينها فيما يلي: أ - مذهب الظاهرية: أن الزواج واجب، ويأثم الإنسان بتركه. ب - مذهب الشافعية: أن الزواج مباح ولا إثم بتركه. ج - مذهب الجمهور (المالكية والأحناف والحنابلة): أن الزواج مستحب ومندوب وليس بواجب. دليل الظاهرية: استدل أهل الظاهر بأن الصيغة وردت بلفظ الأمر (وأنكحوا) والأمر للوجوب فيكون النكاح واجباً، وبأن الزواج طريق لإعفاف النفس عن الحرام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيأثم تاركه. دليل الجمهور: واستدل الجمهور من علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن الزواج ليس بواجب وأنه مندوب بعدة أدلة نوجزها فيما يلي: أ - لو كان الزواج واجباً لكان النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف شائعاً مستفيضاً لعموم الحاجة إليه، ولما بقي أحد لم يتزوج في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو عهد الصحابة، فلما وجدنا في عصره عليه السلام وسائر الأعصار بعده (أيامى) من الرجال والنساء لم يتزوجوا ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك دل على أنه ليس بواجب. ب - لو كان الزواج واجباً لكان للولي إجبار الثيب على الزواج مع أن الإجبار غير جائز شرعاً لقوله عليه السلام: "حديث : ولا تُنْكَح الثيب حتى تستأمر" تفسير : أي تأمر وترضى بالزواج. جـ - قال الجصاص: (ومما يدل على أنه على الندب اتفاق الجميع على أنه لا يجبر السيد على تزويج عبده وأمته وهو معطوف على (الأيامى) فدل على أنه مندوب في الجميع). د - قوله عليه السلام: "حديث : من أحب فطرتي فليستن بسنتي وإن من سنتي النكاح ". تفسير : هـ - قوله عليه السلام: "حديث : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة ". تفسير : دليل الشافعي: واستدل الإمام الشافعي على أن النكاح مباح بأنه قضاء لذة ونيل شهوة فكان مباحاً كالأكل والشرب. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أنّ الزواج مندوب للحديث الصحيح: "حديث : من رغب عن سنتي فليس مني ". تفسير : واعلم أن هذا الاختلاف إنما هو في الحالات العادية التي يأمن فيها الإنسان على نفسه من اقتراف المحارم، أما إذا خشي على نفسه الوقوع في الزنى، فإنه لا خلاف في أن النكاح يصبح عليه (واجباً) لأن صيانة النفس وإعفافها عن الحرام واجب فيتعين عليه الزواج. قال القرطبي: قال علماؤنا: يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت (الزنى)، ومن عدم صبره، ومن قوته على الصبر، وزوال خشية العنت عنه. وإذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا فالنكاح حتم ومن تاقت نفسه إلى النكاح فإن وجد الطَّوْل فالمستحب له أن يتزوج. وإن لم يجد الطول فعليه بالاستعفاف ما أمكن ولو بالصوم لأن الصوم له وِجاءٌ كما جاء في الخبر الصحيح. الحكم الثالث: هل يجوز للولي إجبار البكر البالغة على الزواج؟ استدل الشافعية من قوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَٰمَىٰ مِنْكُمْ} على أن للولي إجبار البكر البالغة على الزواج بدون رضاها لعموم الآية، ولولا قيام الدلالة على أنه لا تُزَوَّج الثيب الكبيرة بغير رضاها لكان جائزاً له تزويجها أيضاً بغير رضاها. قال الجصاص: قوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَٰمَىٰ} لا يختص بالنساء دون الرجال، فلما كان اللفظ شاملاً للرجال والنساء وقد أضمر في الرجال تزويجهم بإذنهم، فوجب استعمال ذلك الضمير في النساء، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئمار البكر وقال "حديث : وإذنها صُمَاتها"تفسير : فثبت أنه لا يجوز تزويجها إلا بإذنها. وأيضاً حديث ابن عباس في فتاة بكر زوَّجها أبوها بغير أمرها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أجيزي ما فعل أبوك"تفسير : وهو يدل على وجوب الاستئذان. الحكم الرابع: هل يجوز للمرأة أن تتولى عقد الزواج بنفسها؟ استدلّ فقهاء الشافعية والحنابلة على أن المرأة لا تلي عقد النكاح وإلى أن النكاح لا ينعقد بعبارتها لقوله تعالى {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَٰمَىٰ مِنْكُمْ} وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ}تفسير : [البقرة: 221] ووجه الاحتجاج بالآيتين أن الله تعالى خاطب الرجال بالنكاح ولم يخاطب به النساء، ولأنه لو جاز لها أن تتولى النكاح بنفسها لفوَّتت على وليها حق الولاية عليها، ولأن الزواج له مقاصد متعددة والمرأة كثيراً ما تخضع لحكم العاطفة فلا تحسن الاختيار، فجعل الأمر إلى وليها لتتحقق مقاصد الزواج على الوجه الأكمل. أقول: هذا الذي ذهب إليه الشافعية والحنابلة هو الرأي الصحيح الراجح الذي عليه أكثر أهل العلم، ولكنك قد علمت أن الأولى في الآية الكريمة حمل الخطاب على أنه للناس جميعاً لا للأولياء فقط، بمعنى أن الله تعالى يندب المؤمنين إلى المساعدة في النكاح والإعانة عليه، وأن على المسلمين عامة أن يهتم بعضهم ببعض حتى لا يبقى في مجتمعهم رجل ولا امرأة بدون زواج وعلى هذا فحكم مباشرة عقد الزواج، لا يؤخذ من الآية وإنما يؤخذ من أدلة أخرى من السنة المطهرة مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا نكاح إلا بولي"تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل"تفسير : .. قال الألوسي: والذي أميل إليه أن الأمر لمطلق الطلب وإن المراد من الإنكاح: المعاونة والتوسط، وتوقّفُ صحة النكاح في بعض الصور على الولي يُعلم من دليل آخر. الحكم الخامس: هل يجوز للحر التزوج بالأمة؟ استدل بعض الحنفية بظاهر قوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَٰمَىٰ مِنْكُمْ} على أنّ الحر يجوز له التزوج بالأمة مطلقاً ولو كان مستطيعاً طَوْل الحرة أخذاً بالعموم في الآية الكريمة... وذهب الشافعية إلى أن هذا العموم غير مراد بدليل آية النساء التي قيدت ذلك بعدم الاستطاعة في قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ}تفسير : [النساء: 25] الآية فهذه الآية خاصة، والخاص مقدم على العام، فلا يجوز لمن وجدَ طول الحرة أن يتزوج أمة. والأدلةُ بالتفصيل يُرْجَع إليها في سورة النساء وليس هذا محل ذكرها فافهم ذاك رعاك الله. الحكم السادس: هل للسيد إجبار عبده أو أمته على الزواج؟ استدل العلماء بقوله تعالى: {وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} على أن للسيد أن يزوج عبده وأمته بدون رضاهما لأن الآية جعلت للسيد حق تزويج كل منهما ولم تشترط رضاهما، وكذلك أخذوا من الآية أنه لا يجوز للعبد ولا للأمة أن يتزوجا بغير إذن السيد. والعلّةُ في ذلك أنه لو جاز لهما الزواج بغير إذنه لفوّتا عليه استعمال حقه، ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما عبدٍ تزوّج بغير إذن مواليه فهو عاهر ". تفسير : قال العلامة القرطبي: (أكثر العلماء على أن للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح وهو قول (مالك وأبي حنيفة) وغيرهما وروي نحوه عن الشافعي وفي رواية عن الشافعي: أنه ليس للسيد أن يكره العبد على النكاح، وقال النخعي كانوا يكرهون المماليك على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب. تمسك أصحاب الشافعي فقالوا: العبد مكلف فلا يجبر على النكاح لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية وإنما تتعلق به المملوكية من جهة الرقبة والمنفعة ولعلمائنا: أنَّ مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه بإجماع والنكاح إنما هو من المصالح، ومصلحةُ العبد موكولة إلى السيد). الحكم السابع: هل يفرق بين الزوجين بسبب الإعسار؟ استدل بعض العلماء بالآية الكريمة {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} على أن النكاح لا يفسخ بالعجز عن النفقة، لأنه تعالى لم يجعل الفقر مانعاً من الإنكاح، بل حث على تزويج الفقراء، ووعدهم بالغنى، فإذا كان الفقر ليس مانعاً من ابتداء النكاح، فإنه لا يكون مانعاً من استدامته من باب أولى. قال النقاش: هذه الآية حجة على من قال: إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيراً لا يقدر على النفقة لأن الله تعالى قال: {يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ} ولم يقل يفرق. قال القرطبي: وهذا انتزاع ضعيف وليست هذه الآية حكماً فيمن عجز عن النفقة، وإنما هي وعد بالإغناء لمن تزوج فقيراً، فأما من تزوج موسراً وأعسر بالنفقة فإنه يفرق بينهما قال الله تعالى: {أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ}تفسير : [النساء: 130] ونفحات الله مأمولة في كل حال.. وهذه الآية دليل على تزويج الفقير، ولا يقول: كيف أتزوج وليس لي مال؟ فإن رزقه على الله وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي أتته تهب له نفسها لمن ليس له إلا إزار واحد وليس لها بعد ذلك فسخ النكاح بالإعسار لأنها دخلت عليه، وإنما يكون ذلك إذا دخلت على اليسار فخرج معسراً، أو طرأ الإعسار بعد ذلك لأن الجوع لا صبر عليه. أقول: إن غاية ما تفيده الآية الكريمة أنه يندب لأهل الزوجة ألا يردّوا خاطباً فإذا خطب ابنتهم شاب صالح، حسن السيرة والأخلاق فعليهم ألا يرفضوه لمجرد فقره، فإن المال غاد ورائح، وفي فضل الله ما يغني الجميع. وعلى الشاب نفسه ألا يرجئ أمر زواجه انتظاراً للمزيد من الغنى واليسر بل عليه أن يُقْدم على الزواج متوكلاً على الله ولو كان كسبه قليلاً، فإن الزواج كثيراً ما يكون السبب في إصلاح حال الإنسان، بسبب ما يبذله من جهد في سبيل الكسب بعد الزواج. والله عز وجل قد وعد بالعون من أراد أن يُعفَّ نفسه على الحرام ففي الحديث الصحيح "حديث : ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله ". تفسير : وليس في الآية ما يدل على فسخ النكاح بالإعسار أو عدم فسخه والله تعالى أعلم. الحكم الثامن: ما هو حكم نكاح المتعة؟ استدل بعض العلماء بهذه الآية الكريمة {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} على بطلان نكاح المتعة، لأنه لو كان صحيحاً لم يتعين الاستعفاف سبيلاً للتائق العاجز عن أسباب النكاح. ولم تجعل الآية سبيلاً لمثل هذه الحالة إلا (الاستعفاف) يعني الصبر على ترك الزواج حتى يغنيه الله من فضله ويرزقه ما يتزوج به، فالأمر بالاستعفاف متوجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه من الوجوه ولو كان (نكاح المتعة) صحيحاً لأمر الله تعالى به، وهو استدلال دقيق فتدبره. الحكم التاسع: هل تجب مكاتبة العبد؟ معنى المكاتبة في الشرع: هو أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجّماً عليه فإذا أداه فهو حر لوجه الله تعالى وللمكاتبة حالتان: أ - أن يطلبها العبد ويجيبه السيد عليها وهذا الذي أشارت إليه الآية الكريمة {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَٰبَ}. ب - أن يطلبها العبد ويأباها السيد وهذا الذي اختلف فيه الفقهاء على مذهبين: 1 - مذهب الظاهرية: قالوا يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك. 2 - مذهب جمهور الفقهاء: قالوا: لا يجب على السيد أن يكاتب مملوكه بل يندب له المكاتبة. أدلة الظاهرية: استدل أهل الظاهر على وجوب المكاتبة بالآية والأثر. أ - أما الآية فقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ} فإنه أمر وظاهر الأمر للإيجاب، وقالوا: مما يدل عليه أيضاً سبب النزول فقد نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له (صبيح) وقد تقدم. ب - وأما الأثر فهو ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سألني (سيرين) المكاتبة فأبيت عليه، فأتى (عمر بن الخطاب) فأخبره فأقبل عليَّ بالدرّة وتلا قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} فكاتبه أنس. قال داود الظاهري: وما كان عمر ليرفع الدرة على أنس لو لم تكن الكتابة واجبة. وهذا المذهب منقول عن بعض التابعين كعطاء، وعكرمة، ومسروق، والضحاك بن مزاحم. أدلة الجمهور: واستدل جمهور الفقهاء (المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة) على أنه مندوب بما يأتي: أ - إن الله عز وجل قيَّد المكاتبة بشرط علم الخير فيه فقال: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً}. فعلّق الوجوب على أمر باطن، وهو علم السيد بالخيرية، فإذا قال العبد: كاتبنْي، وقال له السيد: لم أعلم فيك خيراً كان القول للسيد فدلّ على عدم وجوبه. ب - حديث "حديث : لا يحل مال امرئٍ مسلم إلاّ بطيبٍ من نفسه" تفسير : والعبدُ مالٌ فلا يجوز إلاّ برضى السيد. جـ - وتمسّكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبدُ سيدَه أن يبيعه من غيره، لم يجب عليه ذلك، ولم يجبر عليه فكذا الكتابة لأنها معاوضة. قال الجصاص: فإن قيل: لو لم يكن يراها واجبة لما رفع عليه الدِرّة ولم يضربه؟ قلنا: لأن عمر رضي الله عنه كان كالوالد المشفق على الرعية، فكان يأمرهم بما لهم فيه الأفضل في الدين، وإن لم يكن واجباً، على وجه التأديب والمصلحة! والصحيح ما قاله الجمهور إن الأمر للندب والاستحباب، لا للوجوب والله أعلم. الحكم التاسع: من هم المخاطبون بإيتاء المال؟ وما مقداره؟ اختلف المفسرون في قوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} من هم المخاطبون به؟ على قولين. أحدهما: أنه خطاب للأغنياء الذين تجب عليهم الزكاة، أُمروا أن يُعْطوا المكاتبين من سهم (الرقاب) وقد روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: هو سهم الرقاب يعطى منه المكاتبون، أي المراد أن يدفعوا لهم من مال الزكاة. والثاني: أنه خطاب للسادة أمروا أن يُعطوا مكاتبيهم من كتابتهم شيئاً. ولعلّ هذا أصح لأن سياق الآية يدل على ذلك حيث أمر السادة بطريق (الندب والاستحباب) أن يكاتبوا عبيدهم، وأمروا أيضاً أن يحطوا عنهم شيئاً من مال الكتابة عوناً لهم على فكاك أنفسهم من ربقة العبودية. قال القرطبي: هذا أمر للسادة بإعانتهم في مال الكتابة، إمَّا بأن يعطوهم شيئاً مما في أيديهم أعني (أيدي السادة) أو يحطوا عنهم شيئاً من مال الكتابة. وقد اختلف الفقهاء في حكم الإيتاء هل هو واجب؟ وفي مقداره؟ على مذهبين: 1 - مذهب (الشافعية والحنابلة): أنه واجب وقدّره أحمد بربع مال الكتابة... وقال الشافعي: ليس محدوداً ويكفي في أقل شيء يقع عليه اسم المال. 2 - مذهب (المالكية والأحناف): أنه ليس بواجب وأنّ هذا الأمر على الندب. حجة الشافعية والحنابلة: أ - ظاهر قوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ} والأمر للوجوب. ب - واستدلوا بما روي أن عمر بن الخطاب كاتب غلاماً يقال له (أبو أمية) فجاءه بنجمهِ حين حلّ فقال: اذهب يا أبا أمية فاستعن به في مكاتبتك، قال: يا أمير المؤمنين: لو أخّرته حتى يكون في آخر النجوم؟ فقال: يا أبا أمية: إني أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ: {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ}. قال عكرمة: وكان ذلك أول نجمٍ أُدّي في الإسلام. حجة المالكية والحنفية: أ - احتج المالكية والحنفية بأن الأمر في الكتابة للندب فكيف يكون الأمر بالإيتاء للوجوب؟ وقالوا: قد جاء في الآية أمرانِ (فكاتبوهم) و(آتوهم) فإمّا أن يكونا للوجوب، أو للندب. قال ابن العربي: ولو أن الشافعي حين قال: إن الإيتاء واجب يقول: إنّ الكتابة واجبة لكان تركيباً حسناً ولكنه قال: إنّ الكتابة لا تلزم، والإيتاء يجب فجعل الأصل غير واجب. والفرع واجباً. وهذا لا نظير له فصارت دعوى محضة. ب - واستدلوا من السنة بحديث "حديث : أيما عبدٍ كاتبَ على مائةِ أوقيةٍ فأدّاها إلا عشر أواق فهو عبد" تفسير : فلو كان الحطّ واجباً لسقط عنه بقدَره. واستدلوا كذلك بحديث عائشة حين جاءتها (بريرة) تستعينها على أداء كتابتها فقالت لها عائشة: إنْ أحبّ أهلك أن أعطيهم ذلك جميعاً ويكون ولاؤك لي فأبوا، فذكرتْ ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم فقال لها عليه السلام: "حديث : ابتاعي وأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق"تفسير : قالوا: فلم ينكر عليها الرسول ولم يقل إنها تستحق أن يحطّ عنها من كتابتها أو يعطيها المولى شيئاً من ماله. الحكم العاشر: ما هو الإكراه وهل يرتفع به الحد عن الرجل والمرأة؟ أشارت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ...} إلى أنّ الإكراه يسقط التكليف عن الإنسان، وبالتالي يبقى العبد غير مؤاخذ، ويصبح الإثم على المُكْرِه. والإكراه إنما يحصل متى وجد التخويف بما يقتضي تلف النفس كالتهديد بالقتل، أو بما يوجب تلف عضو من الأعضاء، وأما باليسير من الخوف فلا تصير مكرهة. فحال الإكراه على الزنى كحال الإكراه على (كلمة الكفر)، وقد قال الله تعالى فيه {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} تفسير : [النحل: 106] وقد ذكر بعض المفسرين أنّ الله تعالى إنما ذكر إرادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصوّر الإكراه، فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يُتصور إكراه وقال بعضهم: إنه خرج مخرج الأغلب إذ الغالب أن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن. والصحيح ما ذكرناه سابقاً أنّ المقصود به (التقبيح والتشنيع) على هذا المنكر الفظيع الذي كان يعمله أهل الجاهلية، حيث كانوا يُكْرهون الفتيات على البغاء مع إرادتهن للتعفف. واختلف العلماء فيمن أكره على الزنى من الرجال هل يرتفع عنه الحد كما يرتفع عن المرأة؟ فذهب الجمهور: إلى أنّ الإكراه يرفع الحد عن الرجل والمرأة كما يرفع الإثم للآية الكريمة، فإنّ حكم الرجل كحكم المرأة، ولقوله عليه السلام "حديث : رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما اسْتُكرهوا عليه ". تفسير : وذهب (أبو حنيفة) إلى أنّ الرجل إذا أكره على الزنى فإنه يحد إلا إذا أكرهه سلطان وأما المرأة فلا حدّ عليها، وحجّتُه في ذلك أنّ الإكراه ينافي الرضى، وما وقع عن طوع ورضى فغير مكره عليه. ومعلوم أن حال الإكراه هي حال خوف وتلفٍ على النفس، والانتشارُ والشهوةُ ينافيهما الخوفُ والوجل. فلمّا وجد منه الانتشار والشهوة في هذه الحال عُلِمَ أنه فعله غير مكره لأنه لو كان مكرهاً خائفاً لما كان منه انتشار ولا غلبته الشهوة وفي ذلك دليل على أن فعله ذلك لم يقع على وجه الإكراه فوجب الحد. طريقة الزنى في الجاهلية: والبغاء الذي كان منتشراً في الجاهلية كان على نوعين: الأول: البغاء في صورة النكاح. الثاني: البغاء العام في الإماء والحرائر. أما الأول: فكانت تحترفه بعض الإماء اللواتي لم يكن لهن من يكفلهن، أو الحرائر اللواتي لم يكن لهن بيت أو أسرة تضمهن، فكانت إحداهن تجلس في بيت، وتتفق في آن واحد مع عدة رجال، على أن ينفقوا عليها ويقوموا أمرها ويقضوا منها حاجتهم. فإذا حملت ووضعت أرسلت إليهم حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد وَلَدْتُ وهو ابنُك يا فلان، فتسمي من أحبّت باسمه، فيلتحق نسبه به. فهذا نوع من البغاء كان يتناكح به أهل الجاهلية وهو البغاء في صورة النكاح. وأما البغاء العام: فكان معظمه بواسطة الإماء وربما وقع من بعض الحرائر أيضاً وهو أيضاً على وجهين: الأول: أن بعض السادة كانوا يفرضون على إمائهم مبلغاً كبيراً من المال يتقاضونه منهن في كل شهر، فكنّ يكسبْن بالفجور، لأنه لا يمكنهن أن يدفعن ما فرضه عليهن سادتهن بحرفة طاهرة فكنَّ يحترفن البغاء. والوجه الثاني: أنّ بعض العرب كانوا يُجْلسون الفتيات الشابات من إمائهن في الغرفات، وينصبون على أبوابهن رايات، تكون علماً لمن أراد أن يقضي منهن حاجته، وكانت بيوتهن تسمى (المواخير) وكانوا يستدرُّون من ورائهن المال فإذا أبت إحداهن أو تعففت عن ممارسة هذه الرذيلة ضربها سيدها وأكرهها على مزاولة الحرفة حتى لا ينقطع عنه ذلك المورد الخبيث الذي كان يُكْسبه المال الوفير. وهذا (عبد الله بن أبيّ) رأس النفاق كان له ست إماء شابات جميلات يكرههن على البغاء، طلباً لكسبهن، وفيه نزلت الآيات الكريمة المتقدمة. أقول: ما أشبه جاهلية (القرن العشرين) في زماننا بتلك الجاهلية الأولى حيث تنظّم بيوت الدعارة تحت حماية القانون، وتحميها الشرطة ويقصدها الراغبون بأجرٍ معلوم، وليس فيها ما يختلف عن الأولى إلا أنها (أشنع وأفظع) لأنها في (الحرائر) وبشكل فاضح مكشوف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما ظهرت الفاحشة في قوم فعملوا بها إلاّ أصيبوا بالأمراض والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم!!"تفسير : وهذا من أعلام النبوّة. وإنّا لله وإنَّا إليه راجعون. خاتمة البحث: حكمة التشريع شرع الله الزواج لحكم سامية، وغايات نبيلة، وفوائد جليلة. وأمر بتيسير أسبابه لأنه هو الطريق السليم للتناسل. وعمران الأرض بالذرية الصالحة. ولم يشأ الله تبارك وتعالى أن يترك الإنسان كغيره من المخلوقات. فيدع غرائز تنطلق دون وعي. ويترك الاتصال بين الذكر والأنثى فوضى، لا ضابط له كما هو الحال عند الحيوان. بل وضع النظام الملائم الذي يحفظ للإنسان كرامته، ويصون له شرفه. فجعل اتصال الرجل بالمرأة اتصالاً نظيفاً طاهراً قائماً على أساس التراضي والتفاهم. وبهذا وضع للغريزة طريقها المأمون، وحمى النسل من الضياع، وصان المرأة أن تكون دُمْيةً بين أيدي العابثين أو كلأً مباحاً لكل راتع. والغريزة الجنسية من أقوى الغرائز وأعنفها فما لم يكن لها متنفّس عن طريق نظيف شريف تمردت وطغت. ونزعت بالإنسان إلى شر منزع، والزواجُ هو أحسن وضع طبيعي لها. وأسلم طريقة لإرواء الغريزة وإشباعها ليهدأ البدن من الاضطراب. وتسكن النفس عن الصراع. ويكف النظر عن التطلع إلى الحرام. وتطمئن العاطفة إلى ما أحل الله لها وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [الروم: 21]. والزواجُ أحسنُ وسيلة لإنجاب الأولاد. وتكثير النسل. واستمرار الحياة، مع المحافظة على الأنساب التي يوليها الإسلام عناية فائقةً. وقد خصّ الإسلام عليه ورغّب فيه. بطرق شتى. وصور عديدة. وعدّه الرسول صلى الله عليه وسلم خير متاعٍ في هذه الحياة فقال صلوات الله عليه "حديث : الدنيا متاعٌ وخيرُ متاعها المرأةُ الصالحة"تفسير : بل عدّه خيرَ كنزٍ يكنزه الإنسان في حياته فقال عليه الصلاة والسلام "حديث : ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله ". تفسير : وقد أمر الإسلامُ بتيسير أسباب الزواج، وتسهيل طرقه، لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها، وأمر بإزالة جميع العقبات من وجهه، والعقبةُ المالية هي (العقبة الأولى) في طريق بناء البيوت، وتحصين النفوس، لذلك نبه الباري جلّ وعلا إلى أنه لا يجوز أن يكون الفقر عائقاً عن التزويج، فالرزق بيد الله، وقد تكفّل بإغنائهم إن هم اختاروا طريق العفة النظيف، فيجب على الأمة أن تعينهم على الزواج، وأن تهيئ لهم أسبابه، وتبذل كل ما لديها من جهودٍ حتى لا يبقى في المجتمع عضو أشل، أو عضو غير نافع. وإلى أن تتهيأ للشباب فرصة الزواج، جاء الأمر الإلٰهي لهم بالاستعفاف عن الحرام حتى يغنيهم الله من فضله {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. ومن الكذب والزور ما يقوله بعض أدعياء العلم اليوم من أن الكَبْتَ والحرمان يولِّدان عند الإنسان عُقَداً نفسية وأضراراً جسمية، وأنّ عليه أن يخفف طغيان الغريزة بالاتصال الجنسي ولو عن طريق البغاء. إنهم يجعلون الزنى (ضرورة اجتماعية) لاتقاء الأمراض الجسدية والتخلص من أضرار (الكبت والحرمان) ويزعمون أنّ هذا هو الطريق السليم، لمعالجة طغيان الغريزة، وحماية الإنسان من العقد النفسية، التي قد تؤدي به إلى الجنون. والمتحلِّلون وعلى رأسهم الإباحي (فرويد) يرون أن خير علاج هو إباحة الزنى وأنّ فيه حماية للفرد والمجتمع من مخاطر الجنس، وهم يستقون نظرياتهم (التربوية) فيما يزعمون من علم النفس ويقولون: يجب أن يعيش الإنسان حراً مطلقاً من كل قيد وشرط، حتى لا يتعقد ولا تنتابه الهواجس والأمراض النفسية. إنهم يقيسون الإنسان على الحيوان الذي يعيش طليقاً بدون قيود ولا حدود، يأتي شهوته متى شاء، وينال غريزته بأي طريق أحب، وما دروا أن بين الإنسان والحيوان فرقاً كبيراً وبوناً شاسعاً، فالحيوان تسيطر عليه شهوته وتتحكم فيه غريزته، بينما الإنسان يتحكم فيه عقله ويضبطه إدراكه وإحساسه، ولولا العقل في الإنسان لكان الحيوان خيراً منه وأفضل. يقول شهيد الإسلام (سيد قطب) عليه رحمة الله ورضوانه في تفسيره "الظلال" ما نصه: "وهذا النهي عن إكراه الفتيات على البغاء - وهنّ يردن العفة - ابتغاء المال الرخيص، كان جزءاً من خطة القرآن في تطهير البيئة الإسلامية، وإغلاق السبل القذرة للتصريف الجنسي، ذلك أنّ وجود البغاء يُغري الكثيرين لسهولته ولو لم يجدوه لانصرفوا إلى طلب هذه المتعة في محلها الكريم النظيف. ولا عبرة بما يقال: من أنّ "البغاء" صمام أمن يحمي البيوت الشريفة لأنه لا سبيل لمواجهة الحاجة الفطرية إلا بهذا العلاج القذر عند تعذر الزواج، أو تهجم الذئاب المسعورة على الأعراض إن لم تجد هذا الكلأ المباح. إن في التفكير على هذا النحو قلباً للأسباب، فالميلُ الجنسي يجبُ أن يظلّ نظيفاً، بريئاً موجهاً إلى إمداد الحياة بالأجيال الجديدة، وعلى الجماعات أن تصلح نظمها الاقتصادية بحيث يكون كل فرد فيها في مستوى يسمح له بالحياة المعقولة وبالزواج، فإن وجدت بعد ذلك حالات شاذة عولجت هذه الحالات علاجاً خاصاً، وبذلك لا يحتاج إلى (البغاء) وإلى إقامة (مقاذر إنسانية) يمرّ بها كل من يريد أن يتخفف من أعباء الجنس فيلقي فيها بالفضلات تحت سمع الجماعة وبصرها. إنّ النظم الاقتصادية هي التي يجب أن تُعَالج بحيث لا تُخْرِجُ مثلَ هذا النتن. ولا يكون فسادها حجةً على ضرورة وجود (المقاذر العامة) في صور آدمية ذليلة... وهذا ما يصنعه الإسلام بنظامه المتكامل، النظيف، العفيف، الذي يصل الأرض بالسماء ويرفع البشرية إلى الأفق المشرق الوضيء المستمد من نور الله".

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ} وهن النِّساءُ اللاتي لا أَزواجَ لَهنّ. والايامى: الرِّجالُ أيضاً.

الجيلاني

تفسير : ثم لما أشار سبحانه إلى محافظة الحدود والآداب والألفة والمصاحبة بين المؤمنين، ونهاهم عن أَمارات السفاح ومقدمات الزنا مطلقاً؛ لئلا يجهل النسب وتختلط النُطف، وقدَّمها اهتماماً بشأنها أراد أن يشير إلى النكاح الصوري المنبئ عن النكاح المعنوي، فقال: {وَأَنْكِحُواْ} أيها الأولياء السادات، المولون لأمور من في حفظكم وحضانتكم {ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} وهو جمعُ: أيم، هو العزب سواءً كان ذكراً أم أنثى، بكراً أو ثيباً، {وَ} أنكحوا أيضاً {ٱلصَّالِحِينَ} للنكاح والتزويج {مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} فعليكم أيها الولاة تزويج الأيامى، ولا تبالوا بفقرهم وفاقتهم {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ} عند النكاح {يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ} المصلح لأحوالهم {مِن فَضْلِهِ} وسعة جوده ورحمته لعباده بعد النكاح، {}وَٱللَّهُ المدبرُ لأمور عباده، المتكفلُ لأرزاقهم {وَاسِعٌ} يوسع عليهم من رزقه {عَلِيمٌ} [النور: 32] برثاثة حالهم، مغنٍ علمُه بهم عن سؤالهم. {وَلْيَسْتَعْفِفِ} أي: ليجتهد في العفة، وتسكين الشهوة للفقراء {ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} أي: أسبابه وصداقه، وليصبروا بمشاق العزوبة {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ} المصلحُ لأحوالهم {مِن فَضْلِهِ} وسعة جوده، فيجدون ما يتزوجون به. ثم أشار سبحانه إلى عتق الموالي، وتخليصهم من ربقة الرق وعروة العبودية طلباً لمرضاة الله وعتقاً من عذابه، فقال: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ} أي: العبيد الذي يطلبون {الْكِتَابَ} أي: الكتابة المتضمنة لعتقهم، وخلاصهم عن الرق بعدما أدوا المبلغ المعهود ا لذي يكاتب عليها، وهم {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أيها الموالي سواء كانوا عبيداً أو إماءاً، قناً أو مدبراً أو مستولدة، يطلبون منكم أن تعتقوهم على مالٍ تكتسبون لهم؛ ليؤدوا إليكم منجماً، وبعدما أدوا ما تكتبون لهم صاروا أحراراً معتقين {فَكَاتِبُوهُمْ} واعتقوهم على جُعلٍ {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} أي: علمتم وتفرستم فيهم بعدما فككتم رقابهم يكونوا صلحاء أمناء مؤمنين لا يُرجى منهم الشر والفساد {وَ} بعد عقدهم الكتابة {آتُوهُمْ} أيها المسلمون {مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} من فضله تفكيكاً لرقابهم عن مذلة الرق وهوان العبودية. ثم أشار سبحانه إلى حسن المعاشرة مع المماليك، ورعاية غبطتهم، ومحافظة الحدود بينهم؛ بحيث لا يُكرهونهم إلى ما لا يصلح لهم شرعاً وعادةً بل عقلاً ومروءةً، سيما إ ذا استحصنوا وتحفظوا، فقال على سبيل المبالغة في النهي: {وَلاَ تُكْرِهُواْ} أيها السادة المسلمون {فَتَيَاتِكُمْ} أي: شوابً جواريكم {عَلَى ٱلْبِغَآءِ} أي: الزنا مطلقاً سيما {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} وتحفظاً عن البغي مع قلة عقلهن ورشدهن، فأنتم أحق بحفظهن وحصنهن مما لا يرتضيه العقل والشرع، ولا تنصرفوا أيها الولاة عن مقتضى العقل والشرع {لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وتطلبوا متاعها الفاني وحطامها الدني الزائل {وَمَن يُكْرِههُنَّ} سيما بعد نزول الزاجر {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المنتقم لعصة عباده، سيما الظالم الخارج عن حدوده {مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} أي: من بعد إكارههم لهن {غَفُورٌ} يغفر لهن {رَّحِيمٌ} [النور: 33] يرحمن عليهن إن كنّ مخلصات في التحصن، ويعاقب على المكرهِين أشد العقاب ويعذبهم أسوأ العذاب. {وَ} كيف لا يعاقبكم الله أيها المسرفون المصرون على الفسوق والعصيان {لَقَدْ أَنْزَلْنَآ} من مقام جودنا وفضلنا {إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} واضحاتٍ فيها ما هو صلاحُكم ونجاتُكم، {وَ} أوضحناها لكم بأن أورنا فيها {مَثَلاً مِّنَ} أحوال الظلمة {ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} ومضَوا {مِن قَبْلِكُمْ} لتعتبروا مما جرى عليهم من سوء صنيعهم {وَ} ليكون قصصُهم {مَوْعِظَةً} وتذكيراً {لِّلْمُتَّقِينَ} [النور: 34] منكم المحترزين من بطشنا وانتقامنا، ومع ذلك لم تعتبروا ولم تنزجروا، فتستحقوا أشد العذاب وأسوأ العقاب مثلهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن صلاح النكاح بقوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} [النور: 32] يشير إلى المريدين الطالبين وهم مجرومون عن خدمة شيخ يتصرف فيهم ليودع في أرحام قلوبهم النطفة من طلب الولاية، فندبهم إلى طلب شيخ من الرجال البالغين الواصلين الذي يصل بهم الولادة الثانية في عالم الغيب بالمعنى، وهو طفل الولادة، كما أن ولادتهم الأولى حصلت في عالم الشهادة بالصورة ليكون ولوجهم في الملكوت كما أن عيسى عليه السلام لمن اتبعك؛ لأن كل متابع مؤمن ولم يكن كل مؤمن متابع لئلا يعتبر المؤمن بدعوى الإيمان بمعزل عن حقيقته التي لا تحصل إلا بالمتابعة".

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى الأولياء والأسياد، بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامى وهم: من لا أزواج لهم، من رجال، ونساء ثيب، وأبكار، فيجب على القريب وولي اليتيم، أن يزوج من يحتاج للزواج، ممن تجب نفقته عليه، وإذا كانوا مأمورين بإنكاح من تحت أيديهم، كان أمرهم بالنكاح بأنفسهم من باب أولى. { وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } يحتمل أن المراد بالصالحين، صلاح الدين، وأن الصالح من العبيد والإماء -وهو الذي لا يكون فاجرا زانيا- مأمور سيده بإنكاحه، جزاء له على صلاحه، وترغيبا له فيه، ولأن الفاسد بالزنا، منهي عن تزوجه، فيكون مؤيدا للمذكور في أول السورة، أن نكاح الزاني والزانية محرم حتى يتوب، ويكون التخصيص بالصلاح في العبيد والإماء دون الأحرار، لكثرة وجود ذلك في العبيد عادة، ويحتمل أن المراد بالصالحين الصالحون للتزوج المحتاجون إليه من العبيد والإماء، يؤيد هذا المعنى، أن السيد غير مأمور بتزويج مملوكه، قبل حاجته إلى الزواج. ولا يبعد إرادة المعنيين كليهما، والله أعلم. وقوله: { إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ } أي: الأزواج والمتزوجين { يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } فلا يمنعكم ما تتوهمون، من أنه إذا تزوج، افتقر بسبب كثرة العائلة ونحوه، وفيه حث على التزوج، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر. { وَاللَّهُ وَاسِعٌ } كثير الخير عظيم الفضل { عَلِيمٌ } بمن يستحق فضله الديني والدنيوي أو أحدهما، ممن لا يستحق، فيعطي كلا ما علمه واقتضاه حكمه. { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } هذا حكم العاجز عن النكاح، أمره الله أن يستعفف، أن يكف عن المحرم، ويفعل الأسباب التي تكفه عنه، من صرف دواعي قلبه بالأفكار التي تخطر بإيقاعه فيه، ويفعل أيضا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " تفسير : وقوله: { الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا } أي: لا يقدرون نكاحا، إما لفقرهم أو فقر أوليائهم وأسيادهم، أو امتناعهم من تزويجهم [وليس لهم] من قدرة على إجبارهم على ذلك، وهذا التقدير، أحسن من تقدير من قدر " لا يجدون مهر نكاح " وجعلوا المضاف إليه نائبا مناب المضاف، فإن في ذلك محذورين: أحدهما: الحذف في الكلام، والأصل عدم الحذف. والثاني كون المعنى قاصرا على من له حالان، حالة غنى بماله، وحالة عدم، فيخرج العبيد والإماء ومن إنكاحه على وليه، كما ذكرنا. { حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } وعد للمستعفف أن الله سيغنيه وييسر له أمره، وأمر له بانتظار الفرج، لئلا يشق عليه ما هو فيه. وقوله { وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } أي: من ابتغى وطلب منكم الكتابة، وأن يشتري نفسه، من عبيد وإماء، فأجيبوه إلى ما طلب، وكاتبوه، { إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ } أي: في الطالبين للكتابة { خَيْرًا } أي: قدرة على التكسب، وصلاحا في دينه، لأن في الكتابة تحصيل المصلحتين، مصلحة العتق والحرية، ومصلحة العوض الذي يبذله في فداء نفسه. وربما جد واجتهد، وأدرك لسيده في مدة الكتابة من المال ما لا يحصل في رقه، فلا يكون ضرر على السيد في كتابته، مع حصول عظيم المنفعة للعبد، فلذلك أمر الله بالكتابة على هذا الوجه أمر إيجاب، كما هو الظاهر، أو أمر استحباب على القول الآخر، وأمر بمعاونتهم على كتابتهم، لكونهم محتاجين لذلك، بسبب أنهم لا مال لهم، فقال: { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } يدخل في ذلك أمر سيده الذي كاتبه، أن يعطيه من كتابته أو يسقط عنه منها، وأمر الناس بمعونتهم. ولهذا جعل الله للمكاتبين قسطا من الزكاة، ورغب في إعطائه بقوله: { مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } أي: فكما أن المال مال الله، وإنما الذي بأيديكم عطية من الله لكم ومحض منه، فأحسنوا لعباد الله، كما أحسن الله إليكم. ومفهوم الآية الكريمة، أن العبد إذا لم يطلب الكتابة، لا يؤمر سيده أن يبتدئ بكتابته، وأنه إذا لم يعلم منه خيرا، بأن علم منه عكسه، إما أنه يعلم أنه لا كسب له، فيكون بسبب ذلك كلا على الناس، ضائعا، وإما أن يخاف إذا أعتق، وصار في حرية نفسه، أن يتمكن من الفساد، فهذا لا يؤمر بكتابته، بل ينهى عن ذلك لما فيه من المحذور المذكور. ثم قال تعالى: { وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ } أي: إماءكم { عَلَى الْبِغَاءِ } أي: أن تكون زانية { إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } لأنه لا يتصور إكراهها إلا بهذه الحال، وأما إذا لم ترد تحصنا فإنها تكون بغيا، يجب على سيدها منعها من ذلك، وإنما هذا نهى لما كانوا يستعملونه في الجاهلية، من كون السيد يجبر أمته على البغاء، ليأخذ منها أجرة ذلك، ولهذا قال: { لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فلا يليق بكم أن تكون إماؤكم خيرا منكم، وأعف عن الزنا، وأنتم تفعلون بهن ذلك، لأجل عرض الحياة، متاع قليل يعرض ثم يزول. فكسبكم النزاهة، والنظافة، والمروءة -بقطع النظر عن ثواب الآخرة وعقابها- أفضل من كسبكم العرض القليل، الذي يكسبكم الرذالة والخسة. ثم دعا من جرى منه الإكراه إلى التوبة، فقال: { وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فليتب إلى الله، وليقلع عما صدر منه مما يغضبه، فإذا فعل ذلك، غفر الله ذنوبه، ورحمه كما رحم نفسه بفكاكها من العذاب، وكما رحم أمته بعدم إكراهها على ما يضرها.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 712 : 6 : 11 - سفين عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال، نسختها هذه الآية {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ} [الآية 32].

همام الصنعاني

تفسير : 2003- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسّيب قال: نَسَختها {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ}، [الآية: 32].