Verse. 2824 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِيْنَ لَا يَجِدُوْنَ نِكَاحًا حَتّٰى يُغْنِيَہُمُ اللہُ مِنْ فَضْلِہٖ۝۰ۭ وَالَّذِيْنَ يَبْتَغُوْنَ الْكِتٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ اَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوْہُمْ اِنْ عَلِمْتُمْ فِيْہِمْ خَيْرًا۝۰ۤۖ وَّاٰتُوْہُمْ مِّنْ مَّالِ اللہِ الَّذِيْۗ اٰتٰىكُمْ۝۰ۭ وَلَا تُكْرِہُوْا فَتَيٰتِكُمْ عَلَي الْبِغَاۗءِ اِنْ اَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوْا عَرَضَ الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا۝۰ۭ وَمَنْ يُّكْرِھْہُّنَّ فَاِنَّ اللہَ مِنْۢ بَعْدِ اِكْرَاہِہِنَّ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۳۳
WalyastaAAfifi allatheena la yajidoona nikahan hatta yughniyahumu Allahu min fadlihi waallatheena yabtaghoona alkitaba mimma malakat aymanukum fakatiboohum in AAalimtum feehim khayran waatoohum min mali Allahi allathee atakum wala tukrihoo fatayatikum AAala albighai in aradna tahassunan litabtaghoo AAarada alhayati alddunya waman yukrihhunna fainna Allaha min baAAdi ikrahihinna ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا» ما ينكحون به من مهر ونفقة عن الزنا «حتى يغنيهم الله» يوسع عليهم «من فضله» فينكحون «والذين يبتغون الكتاب» بمعنى المكاتبة «مما ملكت أيمانكم» من العبيد والإماء «فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا» أي أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال الكتابة وصيغتها مثلا: كاتبتك على ألفين في شهرين كل شهر ألف فإذا أديتها فأنت حر فيقول قبلت «وآتوهم» أمر للسادة «من مال الله الذي آتاكم» ما يستعينون به في أداء ما التزموه لكم وفي معنى الإيتاء حط شيء مما التزموه «ولا تكرهوا فتياتكم» إماءكم «على البغاء» الزنا «إن أردن تحصنا» تعففا عنه وهذه الإرادة محل الإكراه فلا مفهوم للشرط «لتبتغوا» بالإكراه «عرض الحياة الدنيا» نزلت في عبد الله بن أبي كان يكره جواريه على الكسب بالزنا «ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور» لهن «رحيم» بهن.

33

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله}. اعلم أنه سبحانه لما ذكر تزويج الحرائر والإماء، ذكر حال من يعجز عن ذلك، فقال: {وَلْيَسْتَعْفِفِ } أي وليجتهد في العفة، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه. وأما قوله: {لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } فالمعنى لا يتمكنون من الوصول إليه، يقال لا يجد المرء الشيء إذا لم يتمكن منه، قال الله تعالى: { أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ } تفسير : [النساء:92] والمراد به بالإجماع من لم يتمكن، ويقال في أحدنا هو غير واجد للماء وإن كان موجوداً، إذا لم يمكنه أن يشتريه، ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال، فبين سبحانه وتعالى أن من لا يتمكن من ذلك فليطلب التعفف، ولينتظر أن يغنيه الله من فضله، ثم يصل إلى بغيته من النكاح، فإن قيل أفليس ملك اليمين يقوم مقام نفس النكاح؟ قلنا لكن من لم يجد المهر والنفقة، فبأن لا يجد ثمن الجارية أولى، والله أعلم. الحكم التاسع في الكتابة قوله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً، وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}. إعلم أنه تعالى لما بعث السيد على تزويج الصالحين من العبيد والإماء مع الرق، رغبهم في أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك، ليصيروا أحراراً فيتصرفوا في أنفسهم كالأحرار، فقال: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ } مرفوع على الابتداء، أو منصوب بفعل مضمر يفسره فكاتبوهم، كقولك زيداً فاضربه، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط. المسألة الثانية: الكتاب والكتابة كالعتاب والعتابة، وفي اشتقاق لفظ الكتابة وجوه: أحدها: أن أصل الكلمة من الكتب وهو الضم والجمع ومنه الكتيبة سميت بذلك لأنها تضم النجوم بعضها إلى بعض وتضم ماله إلى ماله وثانيها: يحتمل أن يكون اللفظ مأخوذاً من الكتاب ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي لي بذلك، أو كتبت لي كتاباً عليك بالوفاء بالمال وكتبت على العتق، وهذا ما ذكره الأزهري وثالثها: إنما سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل بالمال المعقود عليه، لأنه لا يجوز أن يقع على مال هو في يد العبد حين يكاتب، لأن ذلك مال لسيده اكتسبه في حال ما كانت يد السيد غير مقبوضة عن كسبه، فلا يجوز لهذا المعنى أن يقع هذا العقد حالاً ولكنه يقع مؤجلاً ليكون متمكناً من الاكتساب وغيره حين ما انقبضت يد السيد عنه، ثم من آداب الشريعة أن يكتب على من عليه المال المؤجل كتاب، فسمى لهذا المعنى هذا العقد كتاب لما يقع فيه من الأجل، قال تعالى: { أية : لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ } تفسير : [الرعد: 38]. المسألة الثالثة: قال محيي السنة: الكتابة أن يقول لمملوكه كاتبتك على كذا ويسمى مالاً معلوماً يؤديه في نجمين أو أكثر، ويبين عدد النجوم وما يؤدي في كل نجم، ويقول إذا أديت ذلك المال فأنت حر، أو نوي ذلك بقلبه ويقول العبد قبلت، وفي هذا الضبط أبحاث. البحث الأول: قال الشافعي رحمه الله: إن لم يقل بلسانه أو لم ينو بقلبه إذا أديت ذلك المال فأنت حر لم يعتق، وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر رحمهم الله لا حلاجة إلى ذلك، حجة أبي حنيفة رحمه الله أن قوله تعالى: {فَكَـٰتِبُوهُمْ } خال عن هذا الشرط فوجب أن تصح الكتابة بدون هذا الشرط، وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع، حجة الشافعي رحمه الله: أن الكتابة ليست عقد معاوضة محضة، لأن ما في يد العبد فهو ملك السيد والإنسان لا يمكنه بيع ملكه بملكه، بل قوله كاتبتك كتابة في العتق فلا بد من لفظ العتق أو نيته. البحث الثاني: لا تجوز الكتابة الحالة عند الشافعي، وتجوز عند أبي حنيفة، وجه قول الشافعي رحمه الله أن العبد لا يتصور له ملك يؤديه في الحال، وإذا عقد حالاً توجهت المطالبة عليه في الحال، فإذا عجز عن الأداء لم يحصل مقصود العقد، كما لو أسلم في شيء لا يوجد عند المحل لا يصح بخلاف ما لو أسلم إلى معسر فإنه يجوز، لأنه حين العقد يتصور أن يكون له ملك في الباطن، فالعجز لا يتحقق عن أدائه، وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن قوله تعالى: {فَكَـٰتِبُوهُمْ } مطلق يتناول الكتابة الحالة والمؤجلة، وأيضاً لما كان مال الكتابة بدلاً عن الرقبة كان بمنزلة أثمان السلع المبيعة فيجوز عاجلاً وآجلاً، وأيضاً أجمعوا على جواز العتق معلقاً على مال حال فوجب أن تكون الكتابة مثله، لأنه بدل عن العتق في الحالين إلا أن في أحدهما العتق معلق على شرط الأداء وفي الآخر معجل، فوجب أن لا يختلف حكمهما. البحث الثالث: قال الشافعي رحمه الله: لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين، يروى ذلك عن علي وعثمان وابن عمر، روى أن عثمان رضي الله عنه غضب على عبده، فقال: لأضيقن الأمر عليك، ولأكاتبنك على نجمين، ولو جاز على أقل من ذلك لكاتبه على الأقل، لأن التضييق فيه أشد، وإنما شرطنا التنجيم لأنه عقد إرفاق، ومن شرط الإرفاق التنجيم ليتيسر عليهم الأداء. وقال أبو حنيفة رحمه الله: تجوز الكتابة على نجم واحد، لأن ظاهر قوله: {فَكَـٰتِبُوهُمْ } ليس فيه تقييد. المسألة الرابعة: تجوز كتابة المملوك عبداً كان أو أمة، ويشترط عند الشافعي رحمه الله أن يكون عاقلاً بالغاً، فإذا كان صبياً أو مجنوناً لا تصح كتابته، لأن الله تعالى قال: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ } ولا يتصور الابتغاء من الصبي والمجنون. وعند أبي حنيفة رحمه الله: تجوز كتابة الصبي ويقبل عنه المولى. المسألة الخامسة: يشرط أن يكون المولى مكلفاً مطلقاً، فإن كان صبياً أو مجنوناً أو محجوراً عليه بالسفه لا تصح كتابته كما لا يصح بيعه، ولأن قوله: {فَكَـٰتِبُوهُمْ } خطاب فلا يتناول غير العاقل، وعند أبي حنيفة رحمه الله تصح كتابة الصبي بإذن الولي. المسألة السادسة: اختلف العلماء في أن قوله: {فَكَـٰتِبُوهُمْ } أمر إيجاب أو أمر استحباب؟ فقال قائلون هو أمر إيجاب، فيجب على الرجل أن يكاتب مملوكه إذا سأله ذلك بقيمته أو أكثر إذا علم فيه خيراً، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه، وهذا قول عمرو بن دينار وعطاء، وإليه ذهب داود بن علي ومحمد بن جرير، واحتجوا عليه بالآية والأثر. أما الآية فظاهر قوله تعالى: {فَكَـٰتِبُوهُمْ } لأنه أمر وهو للإيجاب، ويدل عليه أيضاً سبب نزول الآية، فإنها نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له صبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، فنزلت الآية فكاتبه على مائة دينار ووهب له منها عشرين ديناراً، وأما الأثر فما روي أن عمر أمر أنساً أن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين فأبى، فرفع عليه الدرة وضربه وقال: {فَكَـٰتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } وحلف عليه ليكاتبنه، ولو لم يكن ذلك واجباً لكان ضربه بالدرة ظلماً، وما أنكر على عمر أحد من الصحابة فجرى ذلك مجرى الإجماع، وقال أكثر الفقهاء إنه أمر استحباب وهو ظاهر قول ابن عباس والحسن والشعبي وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري واحتجوا عليه بقوله عليه الصلاة والسلام « حديث : لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب من نفسه » تفسير : وأنه لا فرق أن يطلب الكتابة أو يطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة، فكما لا يجب ذلك فكذا الكتابة وهذه طريقة المعاوضات أجمع وههنا سؤالان: السؤال الأول: كيف يصح أن يبيع ماله بماله؟ قلنا إذا ورد الشرع به فيجب أن يجوز كما إذا علق عتقه على مال يكتسبه فيؤديه أو يؤدي عنه صار سبباً لعتقه. السؤال الثاني: هل يستفيد العبد بعقد الكتابة ما لا يملكه؟ لولا الكتابة؟ قلنا نعم لأنه لو دفع إليه الزكاة، ولم يكاتب لم يحل له أن يأخذها وإذا صار مكاتباً حل له وإذا دفع إلى مولاه حل له، سواء أدى فعتق أو عجز فعاد إلى الرق، ويستفيد أيضاً أن الكتابة تبعثه على الجد والاجتهاد في الكسب، فلولاها لم يكن ليفعل ذلك، ويستفيد المولى الثواب لأنه إذا باعه فلا ثواب، وإذا كاتبه ففيه ثواب، ويستفيد أيضاً الولاء لأنه لو عتق من قبل غيره لم يكن له ولاء وإذا عتق بالكتابة فالولاء له، فورد الشرع بجواز الكتابة لما ذكرناه من الفوائد. أما قوله تعالى: {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } فذكروا في الخير وجوهاً: أحدها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إن علمتم لهم حرفة، فلا تدعوهم كلا على الناس » تفسير : وثانيها: قال عطاء الخير المال وتلا {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا } أي ترك مالاً، قال وبلغني ذلك عن ابن عباس وثالثها: عن ابن سيرين قال إذا صلى وقال النخعي وفاء وصدقاً وقال الحسن صلاحاً في الدين ورابعها: قال الشافعي رحمه الله المراد بالخير الأمانة والقوة على الكسب، لأن مقصود الكتابة قلما يحصل إلا بهما فإنه ينبغي أن يكون كسوباً يحصل المال ويكون أميناً يصرفه في نجومه ولا يضيعه فإذا فقد الشرطان أو أحدهما لا يستحب أن يكاتبه، والأقرب أنه لا يجوز حمله على المال لوجهين: الأول: أن المفهوم من كلام الناس إذا قالوا فلان فيه خير إنما يريدون به الصلاح في الدين ولو أراد المال لقال إن علمتم لهم خيراً، لأنه إنما يقال لفلان مال ولا يقال فيه مال الثاني: أن العبد لا مال له بل المال لسيده، فالأولى أن يحمل على ما يعود على كتابته بالتمام، وهو الذي ذكره الشافعي رحمه الله وهو أن يتمكن من الكسب ويوثق به بحفظ ذلك لأن كل ذلك مما يعود على كتابته بالتمام ودخل فيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الخير لأنه عليه الصلاة والسلام فسره بالكسب وهو داخل في تفسير الشافعي رحمه الله. أما قوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في المخاطب بقوله: {وَءَاتُوهُم } على وجوه: أحدها: أنه هو المولى يحط عنه جزءاً من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءاً مما أخذ منه، وهؤلاء اختلفوا في قدره فمنهم من جعل الخيار له وقال يجب أن يحط قدراً يقع به الاستغناء، وذلك يختلف بكثرة المال وقلته ومنهم من قال يحط ربع المال، روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاماً له فترك له ربع مكاتبته، وقال إن علياً كان يأمرنا بذلك ويقول وهو قول الله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } فإن لم يفعل فالسبع، لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كاتب عبداً له بخمس وثلاثين ألفاً ووضع عنه خمسة آلاف، ويروى أن عمر كاتب عبداً له فجاء بنجمه فقال له اذهب فاستعن به على أداء مال الكتابة، فقال المكاتب لو تركته إلى آخر نجم؟ فقال إني أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ هذه الآية، وكان ابن عمر يؤخره إلى آخر النجوم مخافة أن يعجز. وثانيها: المراد وآتوهم سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات في قوله: {وَفِي ٱلرّقَابِ } وعلى هذا فالخطاب لغير السادة وهو قول الحسن والنخعي، ورواية عطاء عن ابن عباس، وأجمعوا على أنه لا يجوز للسيد أن يدفع صدقته المفروضة إلى مكاتب نفسه. وثالثها: أن هذا أمر من الله تعالى للسادة والناس أن يعينوا المكاتب على كتابته بما يمكنهم، وهذا قول الكلبي وعكرمة والمقاتلين والنخعي وقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : من أعان مكاتباً على فك رقبته أظله الله تعالى في ظل عرشه » تفسير : ، وروي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم علمني عملاً يدخلني الجنة قال: « حديث : لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعظمت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة، فقال أليسا واحداً؟ فقال لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها » تفسير : قالوا ويؤكد هذا القول وجوه: أحدها: أنه أمر بإعطائه من مال الله تعالى وما أطلق عليه هذه الإضافة فهو ما كان سبيله الصدقة وصرفه في وجوه القرب. وثانيها: أن قوله: {من مال الله الذي آتاكم } هو الذي قد صح ملكه للمالك وأمر بإخراج بعضه، ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه على عبده والمولى لا يثبت له على عبده دين صحيح. وثالثها: أن ما آتاه الله فهو الذي يحصل في يده ويمكنه التصرف فيه، وما سقط عقيب العقد لم يحصل له عليه يد ملك، فلا يستحق الصفة بأنه من مال الله الذي آتاه، فإن قيل ههنا وجهان يقدحان في صحة هذا التأويل أحدهما: أنه كيف يحل لمولاه إذا كان غنياً أن يأخذ من مال الصدقة. والثاني: أن قوله: {وَءَاتُوهُم } معطوف على قوله: {فَكَـٰتِبُوهُمْ } فيجب أن يكون المخاطب في الموضعين واحداً، وعلى هذا التأويل يكون المخاطب في الآية الأولى السادات، وفي الثانية سائر المسلمين قلنا: أما الأول فجوابه أن تلك الصدقة تحل لمولاه وكذلك إذا لم تقف الصدقة بجميع النجوم وعجز عن أداء الباقي كان للمولى ما أخذه لأنه لم يأخذه بسبب الصدقة، ولكن بسبب عقد الكتابة كمن اشترى الصدقة من الفقير أو ورثها منه. يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بريرة « حديث : هو لها صدقة ولنا هدية » تفسير : والجواب: عن الثاني أنه قد يصح الخطاب لقوم ثم يعطف عليه بمثل لفظه خطاباً لغيرهم، كقوله تعالى: { أية : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } تفسير : [البقرة: 231] فالخطاب للأزواج ثم خاطب الأولياء بقوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } وقوله: {مُبَرَّءونَ مِمَّا يَقُولُونَ } والقائلون غير المبرئين فكذا ههنا قال للسادة {فَكَـٰتِبُوهُمْ } وقال لغيرهم {وَءَاتُوهُم } أو قال لهم ولغيرهم. المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله يجب على المولى إيتاء المكاتب وهو أن يحط عنه جزءاً من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءاً مما أخذ منه، وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه إنه مندوب إليه لكنه غير واجب، حجة الشافعي رحمه الله ظاهر قوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } والأمر للوجوب فقيل عليه إن قوله: {فَكَـٰتِبُوهُمْ } وقوله: {وَءَاتُوهُم } أمران وردا في صورة واحدة فلم جعلت الأولى ندباً والثاني إيجاباً؟ وأيضاً فقد ثبت أن قوله {وَءَاتُوهُم } ليس خطاباً مع الموالي بل مع عامة المسلمين. حجة أبي حنيفة رحمه الله من حيث السنة والقياس، أما السنة فما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد » تفسير : فلو كان الحط واجباً لسقط عنه بقدره، وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «جاءتني بريرة فقالت يا عائشة إني قد كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعيتني ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً فقالت عائشة رضي الله عنها ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعاً ويكون ولاؤك لي فعلت، فأبوا فذكرت ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال حديث : لا يمنعك ذلك منها ابتاعي وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق » تفسير : وجه الاستدلال أنها ما قضت من كتابتها شيئاً وأرادت عائشة أن تؤدي عنها كتابتها بالكلية وذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وترك رسول الله النكر عليها، ولم يقل إنها تستحق أن يحط عنها بعض كتابتها فثبت قولنا. وأما القياس فمن وجهين الأول: لو كان الإيتاء واجباً لكان وجوبه متعلقاً بالعقد فيكون العقد موجباً له ومسقطاً له وذلك محال لتنافي الإسقاط والإيجاب الثاني: لو كان الحط واجباً لما أحتاج إلى أن يضع عنه بل كان يسقط القدر المستحق كمن له على إنسان دين ثم حصل لذلك الآخر على الأول مثله فإنه يصير قصاصاً، ولو كان كذلك لكان قدر الإيتاء إما أن يكون معلوماً أو مجهولاً فإن كان معلوماً وجب أن تكون الكتابة بألفين فيعتق إذا أدى ثلاثة آلاف. والكتابة أربعة آلاف وذلك باطل لأن أداء جميعها مشروط فلا يعتق بأداء بعضها، ولأنه عليه السلام قال: « حديث : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم » تفسير : وإن كان مجهولاً صارت الكتابة مجهولة لأن الباقي بعد الحط مجهول فيصير بمنزلة من كاتب عبده على ألف درهم إلا شيئاً وذلك غير جائز، والله أعلم. الحكم العاشر الإكراه على الزنا قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم من تزويج العبيد والإماء وكتابتهم أتبع ذلك بالمنع من إكراه الإماء على الفجور، وههنا مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في سبب نزولها على وجوه الأول: كان لعبد الله بن أبي المنافق ست جوار معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت (ا) ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية وثانيها: أن عبد الله بن أبي أسر رجلاً فراود الأسير جارية عبدالله وكانت الجارية مسلمة فامتنعت الجارية لإسلامها وأكرهها ابن أبي على ذلك، رجاء أن تحمل من الأسير فيطلب فداء ولده فنزلت وثالثها: روى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء عبدالله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جارية من أجمل النساء تسمى معاذة، فقال يا رسول الله هذه لأيتام فلان أفلا نأمرها بالزنا فيصيبون من منافعها؟ فقال عليه الصلاة والسلام حديث : لا تفسير : فأعاد الكلام» فنزلت الآية وقال جابر بن عبدالله «جاءت جارية لبعض الناس فقالت إن سيدي يكرهني على البغاء» فنزلت الآية. المسألة الثانية: الإكراه إنما يحصل متى حصل التخويف بما يقتضي تلف النفس فأما باليسير من الخوف فلا تصير مكرهة، فحال الإكراه على الزنا كحال الإكراه على كلمة الكفر والنص وإن كان مختصاً بالإماء إلا أن حال الحرائر كذلك. المسألة الثالثة: العرب تقول للمملوك فتى وللمملوكة فتاة، قال تعالى: { أية : فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَـٰهُ } تفسير : [الكهف: 62] وقال: { أية : تُرَاوِدُ فَتَـٰهَا } تفسير : [يوسف: 30] وقال: { أية : فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مّن فَتَيَاتِكُمْ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [النساء: 25] وفي الحديث « حديث : ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي » تفسير : . المسألة الرابعة: البغاء الزنا يقال بغت تبغي بغاء فهي بغي. المسألة الخامسة: الذي نقول به أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، والدليل عليه اتفاق أهل اللغة على أن كلمة إن للشرط واتفاقهم على أن الشرط ما ينتفي الحكم عند انتفائه، ومجموع هاتين المقدمتين النقليتين، يوجب الحكم بأن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، واحتج المخالف بهذه الآية فقال إنه سبحانه علق المنع من الإكراه على البغاء على إرادة التحصن بكلمة إن فلو كان الأمر كما ذكرتموه لزم أن لا ينتفي المنع من الإكراه على الزنا إذا لم توجد إرادة التحصن وذلك باطل، فإنه سواء وجدت إرادة التحصن أو لم توجد فإن المنع من الإكراه على الزنا حاصل والجواب: لا نزاع أن ظاهر الآية يقتضي جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن ولكنه فسد ذلك لامتناعه في نفسه لأنه متى لم توجد إرادة التحصن في حقها لم تكن كارهة للزنا، وحال كونها غير كارهة للزنا يمتنع إكراهها على الزنا فامتنع ذلك لامتناعه في نفسه وذاته، ومن الناس من ذكر فيه جواباً آخر وهو أن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن، والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما أن الخلع يجوز في غير حالة الشقاق ولكن لما كان الغالب وقوع الخلع في حالة الشقاق لا جرم لم يكن لقوله تعالى: { أية : فَإِنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ } تفسير : [البقرة: 229] مفهوم ومن هذا القبيل قوله: { أية : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [النساء: 101] والقصر لا يختص بحال الخوف ولكنه سبحانه أجراه على سبيل الغالب، فكذا ههنا والجواب: الثالث معناه إذا أردن تحصناً لأن القصة التي وردت الآية فيها كانت كذلك على ما روينا أن جارية عبدالله بن أبي أسلمت وامتنعت عليه طلباً للعفاف فأكرهها فنزلت الآية موافقة لذلك، نظيره قوله تعالى: { أية : وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا } تفسير : [البقرة: 23] أي وإذا كنتم في ريب. المسألة السادسة: أنه تعالى لما منع من إكراههن على الزنا ففيه ما يدل على أن لهم إكراههن على النكاح فليس لها أن تمتنع على السيد إذا زوجها بل له أن يكرهها على ذلك وهذه الدلالة دلالة دليل الخطاب. أما قوله {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } أي تعففاً {لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } يعني كسبهن وأولادهن. أما قوله: {وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فاعلم أنه ليس في الآية (بيان) أنه تعالى غفور رحيم للمكره أو للمكرهة لا جرم ذكروا فيه وجهين: أحدهما: فإن الله غفور رحيم بهن، لأن الإكراه أزال الأثم والعقوبة، لأن الإكراه عذر للمكرهة، أما المكره فلا عذر له فيما فعل الثاني: المراد فإن الله غفور رحيم بالمكره بشرط التوبة وهذا ضعيف لأن على التفسير الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار، وعلى التفسير الثاني يحتاج إليه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ} الخطاب لمن يملك أمر نفسه، لا لمن زِمامه بيد غيره فإنه يقوده إلى ما يراه؛ كالمحجور عليه ـ قولاً واحداً ـ والأَمةِ والعبد؛ على أحد قولي العلماء. الثانية: «واستعفف» وزنه استفعل؛ ومعناه طلب أن يكون عفيفاً؛ فأمر الله تعالى بهذه الآية كلَّ من تعذّر عليه النكاح ولا يجده بأيّ وجهٍ تعذّرَ أن يستعفف. ثم لما كان أغلب الموانع عن النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله؛ فيرزقه ما يتزوّج به، أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق، أو تزول عنه شهوة النساء. وروى النسائيّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثلاثة كلُّهم حقٌّ على الله عزّ وجل عونُهم المجاهدُ في سبيل الله والناكح الذي يريد العفاف والمكاتب الذي يريد الأداء».تفسير : الثالثة: قوله تعالى: {لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} أي طَوْل نكاح؛ فحذف المضاف. وقيل: النكاح هاهنا ما تُنكح به المرأة من المهر والنفقة؛ كاللِّحاف اسم لما يُلتحف به. واللباس اسم لما يلبس؛ فعلى هذا لا حذف في الآية، قاله جماعة من المفسرين؛ وحملهم على هذا قوله تعالى: {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} فظنوا أن المأمور بالاستعفاف إنما هو من عِدم المال الذي يتزوّج به. وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف؛ وذلك ضعيف، بل الأمر بالاستعفاف متوجّه لكل من تعذّر عليه النكاح بأيّ وجه تعذّرَ، كما قدمناه، والله تعالى أعلم. الرابعة: من تاقت نفسه إلى النكاح فإن وجد الطَّوْل فالمستحبّ له أن يتزوّج، وإن لم يجد الطول فعليه بالاستعفاف ما أمكن ولو بالصوم فإن الصوم له وِجَاء؛ كما جاء في الخبر الصحيح. ومن لم تتق نفسه إلى النكاح فالأولى له التخلي لعبادة الله تعالى. وفي الخبر: «حديث : خيركم الخفيف الحاذِ الذي لا أهل له ولا ولد»تفسير : . وقد تقدّم جواز نكاح الإماء عند عدم الطَّول للحرة في «النساء» والحمد لله. ولما لم يجعل الله له بين العفّة والنكاح درجةً دلّ على أن ما عداهما محرّم، ولا يدخل فيه مِلْك اليمين؛ لأنه بنصّ آخر مباح، وهو قوله تعالى: {أية : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} تفسير : [النساء: 3] فجاءت فيه زيادة، ويبقى على التحريم الاستمناء ردّاً على أحمد. وكذلك يخرج عنه نكاح المتعة بنسخه، وقد تقدّم هذا في أول «المؤمنين». قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} فيه ست عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} «الذين» في موضع رفع. وعند الخليل وسيبويه في موضع نصب على إضمار فعل؛ لأن بعده أمراً. ولما جرى ذكر العبيد والإماء فيما سبق وصل به أن العبد إن طلب الكتاب فالمستحب كتابته؛ فَرُبَّما يقصد بالكتابة أن يستقل ويكتسب ويتزوّج إذا أراد، فيكون أعفّ له. قيل: نزلت في غلام لحُوَيْطِب بن عبد العُزَّى يقال له صبح ـ وقيل صبيح ـ طلب من مولاه أن يكاتبه فأبى؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكاتبه حُوَيطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين ديناراً فأدّاها، وقتِل بحُنَيْن في الحرب؛ ذكره القُشَيْرِيّ وحكاه النقاش. وقال مَكِّي: هو صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بَلْتَعَة. وعلى الجملة فإن الله تعالى أمر المؤمنين كافة أن يكاتِب منهم كل من له مملوك وطلب المملوك الكتابة وعلم سيّده منه خيراً. الثانية: الكتاب والمكاتبة سواء؛ مفاعلة مما لا تكون إلا بين اثنين، لأنها معاقدة بين السيّد وعبده؛ يقال: كاتب يكاتب كتاباً ومكاتبة، كما يقال: قاتل قتالاً ومقاتلة. فالكتاب في الآية مصدر كالقتال والجلاد والدفاع. وقيل: الكتاب هاهنا هو الكتاب المعروف الذي يكتب فيه الشيء؛ وذلك أنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتاباً. فالمعنى يطلبون العتق الذي يُكتب به الكتاب فيدفع إليهم. الثالثة: معنى المكاتبة في الشرع: هو أن يكاتِب الرجل عبده على مال يؤدّيه مُنَجَّماً عليه؛ فإذا أدّاه فهو حُرّ. ولها حالتان: الأولى: أن يطلبها العبد ويُجِيبه السيّد؛ فهذا مطلق الآية وظاهرها. الثانية: أن يطلبها العبد ويأباها السيد؛ وفيها قولان: الأوّل لعكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دِينار والضحاك بن مُزاحم وجماعة أهل الظاهر أن ذلك واجب على السيد. وقال علماء الأمصار: لا يجب ذلك. وتعلّق من أوجبها بمطلق الأمر، وافعل بمطلقه على الوجوب حتى يأتي الدليل بغيره. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، واختاره الطبري. واحتج داود أيضاً بأن سِيرِين أبا محمد بن سِيرين سأل أنس بن مالك الكتابة وهو مولاه فأبى أنس؛ فرفع عمر عليه الدِّرة، وتلا {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً}، فكاتبه أنس. قال داود: وما كان عمر ليرفع الدّرة على أنس فيما له مباح ألا يفعله. وتمسك الجمهور بأن الإجماع منعقد على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك، ولم يجبر عليه وإن ضوعف له في الثمن. وكذلك لو قال له أعتقني أو دَبِّرْني أو زوّجني لم يلزمه ذلك بإجماع، فكذلك الكتابة؛ لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراضٍ. وقولهم: مطلق الأمر يقتضي الوجوب صحيح، لكن إذا عَرِي عن قرينة تقتضي صرفه عن الوجوب، وتعليقه هنا بشرط علم الخير فيه؛ فعلّق الوجوب على أمر باطن وهو علم السيّد بالخيريّة. وإذا قال العبد: كاتبني؛ وقال السيد: لم أعلم فيك خيراً؛ وهو أمر باطن، فيرجع فيه إليه ويعوّل عليه. وهذا قويّ في بابه. الرابعة: واختلف العلماء في قوله تعالى: {خَيْراً} فقال ابن عباس وعطاء: المال. مجاهد: المال والأداء. الحسن والنَّخَعِيّ: الدِّين والأمانة. وقال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقولون هو القوّة على الاكتساب والأداء. وعن الليث نحوه، وهو قول الشافعيّ. وقال عَبيدة السَّلْمانِيّ: إقامة الصلاة والخير. قال الطحاوي: وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا؛ لأن العبد مالٌ لمولاه، فكيف يكون له مال. والمعنى عندنا: إنْ علمتم فيهم الدِّين والصدق، وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبّدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة والصدق في المعاملة فكاتبوهم. وقال أبو عمر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالاً، وإنما يقال: علمت فيه الخير والصلاح والأمانة؛ ولا يقال: علمت فيه المال، وإنما يقال علمت عنده المال. قلت: وحديث بَرِيرة يردّ قول من قال: إن الخير المالُ؛ على ما يأتي. الخامسة: اختلف العلماء في كتابة من لا حِرْفة له؛ فكان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حِرْفة، ويقول: أتأمرني أن آكل أوساخ الناس؛ ونحوه عن سَلْمان الفارسي. وروى حَكيم بن حِزام قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عُمير بن سعد: أما بعد! فٱنْه من قِبَلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقّاءهم على مسألة الناس. وكرهه الأوزاعِيّ وأحمد وإسحاق. ورخّص في ذلك مالك وأبو حنيفة والشافعيّ. وروي عن عليّ رضي الله عنه أن ابن التّيّاح مؤذّنَه قال له: أكاتَب وليس لي مال؟ قال: نعم؛ ثم حض الناسَ على الصدقة عليّ؛ فأعطوْني ما فضل عن مكاتبتي، فأتيت عليًّا فقال: اجعلها في الرّقاب. وقد روي عن مالك كراهة ذلك، وأن الأَمَة التي لا حِرفة لها يكره مكاتبتها لما يؤدّي إليه من فسادها. والحجة في السنة لا فيما خالفها. روى الأئمة عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلتْ عليَّ بَرِيرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين، كلّ سنة أوقيّة، فأعِينِينِي... الحديث. فهذا دليل على أن للسيد أن يكاتب عبده وهو لا شيء معه؛ ألا ترى أن بَرِيرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها، وذلك كان في أوّل كتابتها قبل أن تؤدّي منها شيئاً؛ كذلك ذكره ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً؛ أخرجه البخاري وأبو داود. وفي هذا دليل على جواز كتابة الأَمَة، وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال، ولم يسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم هل لها كسب أو عمل واصب أو مال، ولو كان هذا واجباً لسأل عنه ليقع حكمه عليه؛ لأنه بُعث مبيِّناً معلِّما صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث ما يدل على أن من تأوّل في قوله تعالى: {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} أن المال الخير، ليس بالتأويل الجيد، وأن الخير المذكور هو القوّة على الاكتساب مع الأمانة. والله أعلم. السادسة: الكتابة تكون بقليل المال وكثيره، وتكون على أنْجُم؛ لحديث بَرِيرة. وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء والحمد لله. فلو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلاً نُجّمت عليه بقدر سِعايته وإن كره السيّد. قال الشافعيّ: لا بُدّ فيها من أجل؛ وأقلها ثلاثة أنجم. واختلفوا إذا وقعت على نجم واحد فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد. وقال الشافعيّ: لا تجوز على نجم واحد، ولا تجوز حالّةً ألْبَتَّةَ، وإنما ذلك عتْق على صفة؛ كأنه قال: إذا أدّيتَ كذا وكذا فأنت حر وليست كتابة. قال ابن العربيّ: اختلف العلماء والسّلف في الكتابة إذا كانت حالّة على قولين، واختلف قول علمائنا كاختلافهم. والصحيح في النظر أن الكتابة مؤجّلة؛ كما ورد بها الأثر في حديث بَريرة حين كاتبت أهلها على تسع أواق في كل عام أُوقِيّة، وكما فعلت الصحابة؛ ولذلك سُمِّيت كتابة لأنها تُكتب ويُشهد عليها، فقد استوسق الاسم والأثر، وعَضَده المعنى؛ فإن المال إن جعله حالاًّ وكان عند العبد شيء فهو مال مقاطعة وعقد مقاطعة لا عقد كتابة. وقال ابن خُوَيْزِمَنْداد: إذا كاتبه على مال معجَّل كان عتقاً على مال، ولم تكن كتابة. وأجاز غيره من أصحابنا الكتابة الحالّة وسماها قِطاعة، وهو القياس؛ لأن الأجل فيها إنما هو فسحة للعبد في التكسّب. ألا ترى أنه لو جاء بالمنجّم عليه قبل مَحِلّه لوجب على السيد أن يأخذه ويتعجّل للمكاتَب عتقَه. وبجواز الكتابة الحالّة؛ قال الكوفيون. قلت: لم يرد عن مالك نصّ في الكتابة الحالّة؛ والأصحاب يقولون: إنها جائزة، ويسمّونها قِطاعة. وأما قول الشافعي إنها لا تجوز على أقل من ثلاثة أنجم فليس بصحيح؛ لأنه لو كان صحيحاً لجاز لغيره أن يقول: لا يجوز على أقل من خمسة نجوم؛ لأنها أقلّ النجوم التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بَرِيرة، وعلِم بها النبيّ صلى الله عليه وسلم وقضى فيها، فكان بصواب الحجة أوْلى. روى البخاري عن عائشة أن بَرِيرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمس أواق نُجّمت عليها في خمس سنين... الحديث. كذا قال الليث عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين. وقال أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت بَرِيرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق... الحديث. وظاهر الروايتين تعارض، غير أن حديث هشام أوْلى لاتصاله وانقطاع حديث يونس؛ لقول البخاري: وقال الليث حدثني يونس؛ ولأن هشاماً أثبت في حديث أبيه وجدّه من غيره، والله أعلم. السابعة: المكاتَب عبدٌ ما بقي عليه من مال الكتابة شيء؛ لقوله عليه السلام: «حديث : المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم»تفسير : . أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه. وروي عنه أيضاً أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أيُّما عبدٍ كاتب على مائة دينار فأدّاها إلا عشرة دنانير فهو عبد»تفسير : . وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابِهم والثورِيّ وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود والطبري. وروي ذلك عن ابن عمر من وجوه، وعن زيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة، لم يختلف عنهم في ذلك رضي الله عنهم. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وبه قال ابن المسيّب والقاسم وسالم وعطاء. قال مالك: وكل من أدركنا ببلدنا يقول ذلك. وفيها قول آخر روي عن عليّ أنه إذا أدّى الشطر فهو غرِيم؛ وبه قال النَّخَعِيّ. وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه، والإسناد عنه بأن المكاتَب عبد ما بقي عليه درهم، خيرٌ من الإسناد عنه بأن المكاتَب إذا أدَّى الشطر فلا رِقّ عليه؛ قاله أبو عمر. وعن عليّ أيضاً يعتق منه بقدر ما أدَّى. وعنه أيضاً أن العَتاقة تجري فيه بأوّل نَجْم يؤدّيه. وقال ابن مسعود: إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غرِيم؛ وهذا قول شريح. وعن ابن مسعود: لو كانت الكتابة مائتي دينار وقيمة العبد مائة دينار فأدّى العبدُ المائة التي هي قيمته عتق؛ وهو قول النَّخَعِيّ أيضاً. وقول سابع: إذا أدّى الثلاثة الأرباعِ وبقي الربع فهو غريم ولا يعود عبداً؛ قاله عطاء بن أبي رَباح، رواه ابن جريج عنه. وحكي عن بعض السلف أنه بنفس عقد الكتابة حرّ، وهو غريم بالكتابة ولا يرجع إلى الرق أبداً. وهذا القول يردّه حديث بَرِيرة لصحته عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفيه دليل واضح على أن المكاتَب عبد، ولولا ذلك ما بِيعت بَرِيرة، ولو كان فيها شيء من العتق ما أجاز بيعَ ذلك؛ إذ من سنّته المجمع عليها ألا يباع الحرّ. وكذلك كتابة سَلْمان وجُوَيْرِيَة؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم حكم لجميعهم بالرق حتى أدّوا الكتابة. وهي حجة للجمهور في أن المكاتَب عبد ما بقِي عليه شيء. وقد ناظر عليّ بن أبي طالب زيدُ بن ثابت في المكاتب؛ فقال لعليّ: أكنت راجمه لو زنى، أو مجيزاً شهادته لو شهد؟ فقال عليّ: لا. فقال زيد: هو عبد ما بقي عليه شيء. وقد روى النَّسائيّ عن عليّ وابن عباس رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : المكاتَب يَعتق منه بقدر ما أدّى ويقام عليه الحدّ بقدر ما أدّى ويرِث بقدر ما عَتق منه»تفسير : . وإسناده صحيح. وهو حجة لما روي عن عليّ، ويعتضد بما رواه أبو داود عن نَبْهان مكاتَب أمّ سلمة قال: سمعت أمّ سلمة تقول: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان لإحداكنّ مكاتب وكان عنده ما يؤدّي فلتحتجب منه»تفسير : . وأخرجه الترمذيّ وقال: حديث حسن صحيح. إلا أنه يحتمل أن يكون خطاباً مع زوجاته، أخذاً بالاحتياط والورع في حقهن؛ كما قال لسَوْدة: «احتجبي منه» مع أنه قد حكم بأخوّتها له، وبقوله لعائشة وحفصة: «أفَعَمْيَاوَان أنتما ألستما تُبصرانه» يعني ابن أمّ مكتوم، مع أنه قال لفاطمة بنت قيس: «اعتدِّي عند ابن أم مكتوم» وقد تقدم هذا المعنى. الثامنة: أجمع العلماء على أن المكاتَب إذا حلّ عليه نَجْم من نجومه أو نجمان أو نجومُه كلُّها فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك ثابتَيْن. التاسعة: قال مالك: ليس للعبد أن يُعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر، وإن لم يظهر له مال فذلك إليه. وقال الأوزاعِيّ: لا يمكَّن من تعجيز نفسه إذا كان قويًّا على الأداء. وقال الشافعيّ: له أن يُعجز نفسه، عُلِم له مال أو قوّةٌ على الكتابة أو لم يُعلم؛ فإذا قال: قد عَجَزت وأبطلت الكتابة فذلك إليه. وقال مالك: إذا عَجَز المكاتَب فكلّ ما قبضه منه سيّده قبل العجز حلّ له، كان من كسبه أو من صدقة عليه. وأما ما أعِين به على فَكاك رقبته فلم يَفِ ذلك بكتابته كان لكل من أعانه الرجوع بما أعْطَى أو تحلّل منه المكاتَب. ولو أعانوه صدقة لا على فَكاك رقبته فذلك إن عجز حلّ لسيّده ولو تمّ به فكاكه وبقيت منه فضلة. فإن كان بمعنى الفَكاك ردّها إليهم بالحصص أو يحلّلونه منها. هذا كله مذهب مالك فيما ذكر ابن القاسم. وقال أكثر أهل العلم: إن ما قبضه السيد منه من كتابته، وما فَضَل بيده بعد عجزه من صدقة أو غيرها فهو لسيده، يطيب له أخذ ذلك كله. هذا قول الشافعِيّ وأبي حنيفة وأصحابهما وأحمد بن حنبل، ورواية عن شريح. وقال الثَّوْريّ: يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب؛ وهو قول مسروق والنّخَعِيّ، ورواية عن شريح. وقالت طائفة: ما قبض منه السيد فهو له، وما فضَل بيده بعد العجز فهو له دون سيده؛ وهذا قول بعض من ذهب إلى أن العبد يملك. وقال إسحاق: ما أُعطي بحال الكتابة ردّ على أربابه. العاشرة: حديث بَرِيرة على اختلاف طرقه وألفاظه يتضمّن أن بريرة وقع فيها بيع بعد كتابةٍ تقدّمت. واختلف الناس في بيع المكاتَب بسبب ذلك. وقد ترجم البخارِيّ (باب بيع المكاتب إذا رضي). وإلى جواز بيعه للعتق إذا رضي المكاتب بالبيع ولو لم يكن عاجزاً ـ ذهب ابن المنذر والدّاوُدِيّ، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر، وبه قال ابن شهاب وأبو الزّناد وربيعة؛ غير أنهم قالوا: لأن رضاه بالبيع عجز منه. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يجوز بيع المكاتَب ما دام مكاتباً حتى يعجِز، ولا يجوز بيع كتابته بحال؛ وهو قول الشافعيّ بمصر. وكان بالعراق يقول: بيعه جائز، وأما بيع كتابته فغير جائزة. وأجاز مالك بيع الكتابة؛ فإن أداها عتق، وإلا كان رقيقاً لمشتري الكتابة. ومنع من ذلك أبو حنيفة؛ لأنه بيع غَرَر. واختلف قول الشافعيّ في ذلك بالمنع والإجازة. وقالت طائفة: يجوز بيع المكاتَب على أن يمضي في كتابته؛ فإن أدّى عَتق وكان وَلاؤه للذي ابتاعه، ولو عَجَز فهو عبد له. وبه قال النّخَعِيّ وعطاء واللّيث وأحمد وأبو ثور. وقال الأوزاعِيّ: لا يباع المكاتب إلا للعتق، ويُكره أن يباع قبل عجزه؛ وهو قول أحمد وإسحاق. قال أبو عمر: في حديث بَريرة إجازةُ بيع المكاتب إذا رضي بالبيع ولم يكن عاجزاً عن أداء نَجْم قد حلّ عليه؛ بخلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلا بالعجز؛ لأن بَريرة لم تذكر أنها عَجَزت عن أداء نجم، ولا أخبرت بأن النجم قد حلّ عليها، ولا قال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم أعاجزة أنت أم هل حل عليك نجم. ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء ما قد حلّ لكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد سألها أعاجزة هي أم لا، وما كان ليأذن في شرائها إلا بعد علمه صلى الله عليه وسلم أنها عاجزة ولو عن أداء نجم واحد قد حل عليها. وفي حديث الزُّهْرِيّ أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئاً. ولا أعلم في هذا الباب حجّة أصحّ من حديث بَريرة هذا، ولم يُرْوَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم شيء يعارضه، ولا في شيء من الأخبار دليل على عجزها. استدلّ من منع من بيع المكاتَب بأمور: منها أن قالوا إن الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت، وأن قولها كاتبت أهلي معناه أنها رواضتهم عليها، وقدّروا مبلغها وأجلها ولم يعقدوها. وظاهر الأحاديث خلافُ هذا إذا تُأُمِّل مساقها. وقيل: إن بريرة عجزت عن الأداء فاتفقت هي وأهلها على فسخ الكتابة، وحينئذٍ صح البيع؛ إلا أن هذا إنما يتمشَّى على قول من يقول: إن تعجيز المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق العبد والسيد عليه؛ لأن الحق لا يعدوهما، وهو المذهب المعروف. وقال سُحْنُون: لا بدّ من السلطان؛ وهذا إنما خاف أن يتواطأا على ترك حق الله تعالى. ويدل على صحة أنها عجزت ما روي أن بَريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً؛ فقالت لها عائشة: اِرجعي إلى أهلك فإن أحبُّوا أن أقضي عنك كتابتك فعلت. فظاهر هذا أن جميع كتابتها أو بعضها استحقّ عليها؛ لأنه لا يُقْضَى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به، والله أعلم. هذه التأويلات أشبه ما لهم فيها من الدّخَلِ ما بيّناه. وقال ابن المنذر: ولا أعلم حجة لمن قال ليس له بيع المكاتب إلا أن يقول لعل برِيرة عَجَزت. قال الشافعيّ: وأظهر معانيه أن لمالك المكاتَب بَيْعَه. الحادية عشرة: المكاتب إذا أدّى كتابته عَتق ولا يحتاج إلى ابتداء عتق من السيّد. وكذلك ولده الذين وُلدوا في كتابته من أمَته، يَعْتِقون بعتقه ويَرِقّون برقّه؛ لأن ولد الإنسان من أمَته بمثابته اعتباراً بالحر وكذلك ولد المكاتَبة، فإن كان لهما ولد قبل الكتابة لم يدخل في الكتابة إلا بشرط. الثانية عشرة: قوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} هذا أمر للسّادة بإعانتهم في مال الكتابة؛ إما بأن يعطوهم شيئاً مما في أيديهم ـ أعني أيدي السادة ـ أو يحطُّوا عنهم شيئاً من مال الكتابة. قال مالك: يوضع عن المكاتب من آخر كتابته. وقد وضع ابن عمر خمسة آلاف من خمسة وثلاثين ألفاً. واستحسن عليّ رضي الله عنه أن يكون ذلك ربع الكتابة. قال الزهراوِيّ: روي ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. واستحسن ابن مسعود والحسن بن أبي الحسن ثلثها. وقال قتادة: عشرها. ابن جُبير: يسقِط عنه شيئاً، ولم يحدّه؛ وهو قول الشافعي، واستحسنه الثوري. قال الشافعي: والشيء أقلّ شيء يقع عليه اسم شيء، ويجبر عليه السيد ويحكم به الحاكم على الورثة إن مات السيد. ورأى مالك رحمه الله تعالى هذا الأمر على الندب، ولم ير لقدر الوضيعة حدّاً. احتج الشافعيّ بمطلق الأمر في قوله: «وآتوهم»، ورأى أن عطف الواجب على الندب معلوم في القرآن ولسان العرب؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [النمل: 90] وما كان مثله. قال ابن العربي: وذكره قبله إسماعيل بن إسحاق القاضي، جعل الشافعيّ الإيتاء واجباً، والكتابة غير واجبة؛ فجعل الأصل غير واجب والفرع واجباً، وهذا لا نظير له، فصارت دعوى محضة. فإن قيل: يكون ذلك كالنكاح لا يجب فإذا انعقد وجبت أحكامه، منها المتعة. قلنا: عندنا لا تجب المتعة فلا معنى لأصحاب الشافعيّ. وقد كاتب عثمان بن عفان عبده وحلف ألاّ يحطّه...، في حديث طويل. قلت: وقد قال الحسن والنّخَعِيّ وبُريدة إنما الخطاب بقوله: «وآتوهم» للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتَبين، وأن يعينوهم في فَكاك رقابهم. وقال زيد بن أسلم: إنما الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتَبين من مال الصدقة حظّهم؛ وهو الذي تضمّنه قوله تعالى: {أية : وَفِي ٱلرِّقَابِ} تفسير : [التوبة: 60]. وعلى هذين القولين فليس لسيد المكاتب أن يضع شيئاً عن مكاتبه. ودليل هذا أنه لو أراد حطّ شيء من نجوم الكتابة لقال وضَعُوا عنهم كذا. الثالثة عشرة: إذا قلنا: إن المراد بالخطاب السادة فرأى عمر بن الخطاب أن يكون ذلك من أوّل نجومه، مبادرةً إلى الخير خوفاً ألا يدرك آخرها. ورأى مالك رحمه الله تعالى وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم. وعلّة ذلك أنه إذا وضع من أوّل نَجم ربّما عجز العبد فرجع هو وماله إلى السيد، فعادت إليه وَضِيعته وهي شبه الصدقة. وهذا قول عبد الله بن عمر وعليّ. وقال مجاهد: يترك له من كل نجم. قال ابن العربي: والأقوى عندي أن يكون في آخرها؛ لأن الإسقاط أبداً إنما يكون في أخريات الديون. الرابعة عشرة: المكاتب إذا بيع للعتق رضاً منه بعد الكتابة وقبض بائعه ثمنه لم يجب عليه أن يعطيه من ثمنه شيئاً، سواء باعه لعتق أو لغير عتق، وليس ذلك كالسيد يؤدّي إليه مكاتب كتابته فيؤتيه منها، أو يضع عنه من آخره نَجماً أو ما شاء؛ على ما أمر الله به في كتابه، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر موالي بَرِيرة بإعطائها مما قبضوا شيئاً، وإن كانوا قد باعوها للعتق. الخامسة عشرة: اختلفوا في صفة عقد الكتابة؛ فقال ابن خُوَيْزِمَنْداد: صفتها أن يقول السيد لعبده كاتبتك على كذا وكذا من المال، في كذا وكذا نجماً، إذا أدّيته فأنت حر. أو يقول له أدّ إليّ ألفاً في عشرة أنجم وأنت حر. فيقول العبد قد قبلت ونحو ذلك من الألفاظ؛ فمتى أداها عَتق. وكذلك لو قال العبد كاتبني، فقال السيد قد فعلت، أو قد كاتبتك. قال ابن العربي: وهذا لا يلزم؛ لأن لفظ القرآن لا يقتضيه والحال يشهد له؛ فإن ذكره فحسن، وإن تركه فهو معلوم لا يحتاج إليه. ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة، وقد ذكرنا من أصوله جملة، فيها لمن اقتصر عليها كفاية، والله الموفق للهداية. السادسة عشرة: في ميراث المكاتب؛ واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: فمذهب مالك أن المكاتب إذا هلك وترك مالاً أكثر مما بقي عليه من كتابته وله ولد ولدوا في كتابته أو كاتب عليهم، ورثوا ما بقي من المال بعد قضاء كتابته؛ لأن حكمهم كحكمه، وعليهم السعي فيما بقي من كتابته لو لم يخلف مالاً، ولا يعتقون إلا بعتقه، ولو أدّى عنهم ما رجع بذلك عليهم؛ لأنهم يعتقون عليه؛ فهم أولى بميراثه لأنهم مساوون له في جميع حاله. والقول الثاني: أنه يؤدّى عنه من ماله جميع كتابته، وجعل كأنه قد مات حراً، ويرثه جميع ولده، وسواء في ذلك من كان حرًّا قبل موته من ولده ومن كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته؛ لأنهم قد استووا في الحرية كلّهم حين تأدّت عنهم كتابتهم. روي هذا القول عن عليّ وابن مسعود، ومن التابعين عن عطاء والحسن وطاوس وإبراهيم، وبه قال فقهاء الكوفة سفيان الثوريّ وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن حَيّ، وإليه ذهب إسحاق. والقول الثالث: أن المكاتب إذا مات قبل أن يؤدّي جميع كتابته فقد مات عبداً، وكل ما يخلفه من المال فهو لسيده، ولا يرثه أحد من أولاده، لا الأحرار ولا الذين معه في كتابته؛ لأن لما مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبداً وماله لسيده، فلا يصح عتقه بعد موته؛ لأنه محال أن يَعتِق عبد بعد موته، وعلى ولده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته أن يسعَوْا في باقي الكتابة، ويسقط عنهم منها قدر حصته، فإن أدّوا عَتَقوا لأنهم كانوا فيها تَبَعاً لأبيهم، وإن لم يؤدوا ذلك رَقُّوا. هذا قول الشافعي، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة. قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} روي عن جابر بن عبد الله وابن عباس رضي الله عنهم أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أُبَيّ، وكانت له جاريتان إحداهما تسمى مُعاذة والأخرى مُسَيْكة، وكان يُكرههما على الزنى ويضربهما عليه ابتغاء الأجر وكسب الولد؛ فشكتا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين. ومعاذة هذه أمُّ خولة التي جادلت النبيّ صلى الله عليه وسلم في زوجها. وفي صحيح مسلم عن جابر: أن جارية لعبد الله بن أُبَيّ يقال لها مُسَيكة وأخرى يقال لها أمَيمة فكان يُكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ ـ إلى قوله ـ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله تعالى: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} راجع إلى الفَتَيات، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصُّن فحينئذٍ يمكن ويتصوّر أن يكون السيد مكرهاً، ويمكن أن ينهى عن الإكراه. وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنى. فهذا أمر في سادة وفتيات حالُهم هذه. وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي فقال: إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصوّر الإكراه؛ فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يتصوّر إكراه، فحصِّلُوه. وذهب هذا النظرُ عن كثير من المفسرين؛ فقال بعضهم قوله: «إن أردن تحصُناً» راجع إلى الأيامى. قال الزجاج والحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصناً. وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: «إن أردن» مُلْغًى، ونحو ذلك مما يَضْعُف. والله الموفق. قوله تعالى: {لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي الشيء الذي تَكْسِبه الأَمَة بفرجها، والولد يُسترقّ فيباع. وقيل: كان الزاني يفتدِي ولده من المزنيّ بها بمائة من الإبل يدفعها إلى سيدها. قوله تعالى: {وَمَن يُكْرِههُنَّ} أي يقهرهن. {فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ} لهن {رَّحِيمٌ} بهن. وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن جبير «لهن غفور» بزيادة لهن. وقد مضى الكلام في الإكراه في «النحل» والحمد لله. ثم عدّد تعالى على المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات، وفيها ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } أي ما ينكحون به من مهر ونفقة عن الزنا {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ } يوسِّع عليهم {مِن فَضْلِهِ } فينكحون {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَٰبَ } بمعنى المكاتبة {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ } من العبيد والإِماء {فَكَٰتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } أي أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال الكتابة وصيغتها مثلاً: كاتبتك على ألفين في شهرين كل شهر ألف فإذا أدّيتَها فأنت حرّ فيقول قبلت {وَءاتُوهُم } أمرٌ للسادة {مِّنْ مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي ءَاتَٰكُمْ } ما يستعينون به في أداء ما التزموه لكم، {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمْ } أي إمائكم {عَلَى ٱلْبِغَاء } أي الزنا {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } تعففاً عنه، وهذه الإرادة محلّ الإِكراه فلا مفهوم للشرط {لّتَبْتَغُواْ } بالإِكراه {عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } نزلت في عبد الله بن أبيّ كان يُكْرِهُ جواريه على الكسب بالزنا {وَمَن يُكْرِههُّنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ } لهنّ {رَّحِيمٌ } بهنّ.

ابن عطية

تفسير : {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي ءَاتَاكُمْ} "استعف" وزنه استفعل ومعناه طلب أن يكون عفيفاً، فأمر الله تعالى في هذه الآية كل من يتعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعف، ثم لما كان أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله، فعلى هذا التأويل يعم الأمر بالاستعفاف كل من تعذر عليه النكاح بأي وجع تعذر، وقالت جماعة من المفسرين "النكاح" في هذه الآية اسم ما يمهر وينفق في الزواج كاللحاف واللباس لما يلتحف به ويلبس، قال القاضي وحملهم على هذا قوله: {حتى يغنيهم الله من فضله}، فظنوا أن المأمور بالاستعفاف إنما هو من عدم المال الذي يتزوج به، وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف وذلك ضعيف، ثم أمر الله تعالى المؤمنين كافة أن يكاتب منهم كل من له مملوك، وطلب المملوك الكتابة وعلم سيده منه {خيراً}، قال النقاش سببها أن غلاماً لحويطب بن عبد العزى سأل مولاه الكتابة فأبى عليه، وقال مكي هو صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة، ولفظ {الكتاب} في الآية مصدر كالقتال والجلاد ونحوه من مصادر فاعل، والمكاتبة مفاعلة من حيث هذا يكتب على نفسه وهذا على نفسه، واختلف الناس هل هذا الأمر بالكتابة على الوجوب أو على الندب على قولين، فمذهب مالك رحمه الله أن ذلك على الندب، وقال عطاء ذلك واجب وهو ظاهر قول عمر لأنس بن مالك في سيرين حين سأل سيرين الكتابة فتلكأ أنس فقال عمر كاتبه أو لأضربنك بالدرة، وهو قول عمرو بن دينار والضحاك، واختلف الناس في المراد بـ"الخير"، فقالت فرقة: هو المال ولم تر على سيد عبد أن يكاتب إلا إذا علم أن له مالاً يؤدي منه أو من التجر فيه، وروي عن ابن عمر وسلمان أنهما أبيا من كتابة عبدين رغبا في الكتابة ووعدا باسترفاق الناس، فقال كل واحد منهما لعبده أتريد أن تطعمني أوساخ الناس، وقال مالك إنه ليقال "الخير" القوة والأداء، وقال الحسن بن أبي الحسن "الخير" هو صدق الموعد وقلة الكذب والوفاء وإن لم يكن للعبد مال، وقال عبيدة السلماني "الخير" هو الصلاح في الدين عَ وهذا في ضمنه القول الذي قبله، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وحرمة العتق إنما يتلبس بها بعد الأداء هذا قول جمهور الأمة، وقال ابن مسعود إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غريم، وقال علي بن أبي طالب العتاقة تجري فيه بأول نجم، وقوله تعالى: {وآتوهم}، قال المفسرون هو أمر لكل مكاتب أن يضع للعبد من مال كتابته، واستسحن ذلك علي بن أبي طالب أن يكون ذلك ربع الكتابة، قال الزهراوي وروي ذلك عن النبي عليه السلام، واستحسن الحسن بن أبي الحسن وابن مسعود ثلثها وقال قتادة عشرها، ورأى عمر بن الخطاب أن يكون ذلك من أول نجومه مبادرة إلى الخير خوف أن لا يدرك آخرها، ورأى مالك رحمه الله وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم، وعلة ذلك أنه إذا وضع من أول نجم ربما عجز العبد، فرجع هو وماله إلى السيد، فعادت إليه وضيعته، وهي شبه الصدقة، وهذا قول عبدالله بن عمر، ورأى مالك رحمه الله هذا الأمر على الندب ولم ير لقدر الوضيعة حداً، ورأى الشافعي وغيره الوضيعة واجبة يحكم بها الحاكم على المكاتب وعلى ورثته، وقال الحسن والنخعي، وبريدة إنما الخطاب بقوله تعالى: {وآتوهم} للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين وأن يعينوهم في فكاك رقابهم، وقال زيد بن أسلم إنما الخطاب لولاة الأمور بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم وهو الذي تضمنه قوله تعالى: {أية : وفي الرقاب} تفسير : [البقرة: 177]. قوله عز وجل: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ءَايَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِين} روي أن سبب هذه الآية هو أن عبدالله بن أبي ابن سلول كانت له أمة تسمى مسيكة، وقيل معادة، فكان يأمرها بالزنا والكسب به، فشكت ذلك إلى النبي عليه السلام، فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين وقوله: {إن أردن تحصناً} راجع إلى "الفتيات"، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يتصور ويمكن أن يكون السيد مكرهاً، ويمكن أن ينهى عن الإكراه وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن، فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها لأن الإكراه لا يتصور فيها هي مريدة للزنا، فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه، وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين فقال بعضهم قوله: {إن أردن} راجع إلى {أية : الأيامى}تفسير : [النور: 32] في قوله: {وأنكحوا الأيامى منكم}، وقال بعضهم هذا الشرط في قوله: {إن أردن} ملغى ونحو هذا مما ضعف والله الموفق للصواب برحمته، وعرض {الحياة الدنيا}، في هذه الآية الشيء الذي تكتسبه الأمة بفرجها ومعنى باقي الآية بين {فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم}، بهن، وقد يتصور الغفران والرحمة بالمكرهين بعد أن تقع التوبة من ذلك، فالمعنى {غفور} لمن تاب، وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبدالله وابن جبير "لهن غفور رحيم" بزيادة "لهن"، ثم عدد تعالى على المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات، وفيما ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم، ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه وفيما ذكر لهم من المواعظ، وقرأ جمهور الناس "مبينَّات" بفتح الياء أي بينها الله تعالى وأوضحها، وقرأ الحسن وطلحة وعاصم والأعمش "مبيِّنات" بكسر الياء أي بينت الحق وأوضحته.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَكَاتِبُوهُمْ} ندباً، أو وجوباً إذا طلب العبد {خَيْراً} قدرة على الاحتراف والكسب "ع" أو مالاً، أو ديناً وأمانة، أو وفاءً وصدقاً أو الكسب والأمانة. {وَءَاتُوهُم} من الزكاة من سهم الرقاب أو بحط بعض نجومه ندباً، أو إيجاباً فيحط ربعها، أو سهماً غير مقدر "ع"، كان لحويطب بن عبد العزى عبد سأله الكتابة فامتنع فنزلت، {فَتَيَاتِكُمْ} الإماء {الْبِغَآءِ} الزنا {تَحَصُّناً} عفة {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} لا يتحقق الإكراه إلا عند إرادة التحصن لأن من لا تبغي التحصن تسارع إلى الزنا بغير إكراه، أو ورد على سبب فخرج على صفة السبب وليس بشرط فيه كان ابن أُبَيِّ يُكره أمته على الزنا فزنت ببرد فأخذه وقال: ارجعني فازني على آخر فقالت: لا والله وأخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت. وكان ذلك مستفيضاً من عادتهم طلباً للولد والكسب {لِّتَبْتَغُواْ} لتأخذوا أجورهن على الزنا {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} للمُكْرَهات دون المُكْرِهين.

النسفي

تفسير : {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ } وليجتهدوا في العفة كأن المستعف طالب من نفسه العفاف {لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } استطاعة تزوج من المهر والنفقة {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } حتى يقدرهم على المهر والنفقة. قال عليه الصلاة والسلام «حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»تفسير : فانظر كيف رتب هذه الأوامر، فأمر أولاً بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية وهو غض البصرد ثم بالنكاح المحصن للدين المغني عن الحرام، ثم بعزة النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن تقدر عليه. {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } أي المماليك الذين يطلبون الكتابة فـــــ {الذين} مرفوع بالابتداء أو منصوب بفعل يفسره {فَكَـٰتِبُوهُمْ } وهو للندب ودخلت الفاء لتضمنه معنى الشرط. والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة وهو أن يقول لمملوكه: كاتبتك على ألف درهم. فإن أداها عتق ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك. أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت عليّ العتق، ويجوز حالاً ومؤجلاً ومنجماً وغير منجم لإطلاق الأمر {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } قدرة على الكسب أو أمانة وديانة والندبية معلقة بهذا الشرط {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة لقوله تعالى {أية : وَفِي ٱلرّقَابِ }تفسير : [البقرة: 177] وعند الشافعي رحمه الله: معناه حطوا من بدل الكتابة ربعاً. وهذا عندنا على وجه الندب والأول الوجه لأن الإيتاء هو التمليك فلا يقع على الحط. سأل صبيح مولاه حويطباً أن يكاتبه فأبى فنزلت. واعلم أن العبيد أربعة: قن مقتنى للخدمة، ومأذون في التجارة، ومكاتب، وآبق. فمثال الأول ولي العزلة الذي حصل العزلة بإيثار الخلوة وترك العشرة، والثاني ولي العشرة فهو نجي الحضرة يخالط الناس للخبرة وينظر إليهم بالعبرة ويأمرهم بالعبرة فهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم بحكم الله ويأخذ لله ويعطي في الله ويفهم عن الله ويتكلم مع الله، فالدنيا سوق تجارته، والعقل رأس بضاعته، والعدل في الغضب والرضا ميزانه، والقصد في الفقر والغنى عنوانه، والعز مفزعه ومنحاه، والقرآن كتاب الإذن من مولاه، هو كائن في الناس بظواهره، بائن منهم بسرائره، فقد هجرهم فيما له عليهم في الله باطناً، ثم وصلهم فيما لهم عليه لله ظاهراً شعر : وما هو منهمو بالعيش فيهم ولكن معدن الذهب الرغام تفسير : يأكل ما يأكلون ويشرب ما يشربون، وما يدريهم أنه ضعيف الله يرى السماوات والأرض قائمات بأمره وكأنه قيل فيه شعر : فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال تفسير : فحال ولي العزلة أصفى وأحلى، وحال ولي العشرة أوفى وأعلى، ونزل الأول من الثاني في حضرة الرحمن منزلة النديم من الوزير عند السلطان. أما النبي عليه الصلاة والسلام فهو كريم الطرفين ومعدن الشذرين ومجمع الحالين ومنبع الزلالين، فباطن أحواله مهتدي ولي العزلة، وظاهر أعماله مقتدى ولي العشرة، والثالث المجاهد المحاسب العامل المطالب بالضرائب كنجوم المكاتب عليه في اليوم والليلة خمس، وفي المائتي درهم خمسة، وفي السنة شهر، وفي العمر زورة، فكأنه اشترى نفسه من ربه بهذه النجوم المرتبة فيسعى في فكاك رقبته خوفاً من البقاء في ربقة العبودية، وطمعاً في فتح باب الحرية ليسرح في رياض الجنة فيتمتع بمبياه ويفعل ما يشاؤه ويهواه. والرابع الإباق فما أكثرهم فمنهم القاضي الجائر والعالم الغير العامل، والعامل المرائي، والواعظ الذي لا يفعل ما يقول ويكون أكثر أقواله فضول وعلى كل ما لا ينفعه يصول فضلا عن السارق والزاني والغاصب فعنهم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الله لينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم في الآخرة»تفسير : {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَاء } كان لابن أبيّ ست جوار: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، يكرههن على البغاء وضرب عليهن الضرائب، فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فنزلت. ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة والبغاء الزنا للنساء خاصة وهو مصدر لبغت {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } تعففاً عن الزنا. وإنما قيده بهذا الشرط لأن الإكراه لا يكون إلا مع إرادة التحصن، فآمر المطيعة للبغاء لا يسمى مكرهاً ولا أمره إكراهاً، ولأنها نزلت على سبب فوقع النهي على تلك الصفة، وفيه توبيخ للموالي أي إذا رغبن في التحصن فأنتم أحق بذلك {لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } أي لتبتغوا بإكراههن على الزنا أجورهن وأولادهن {وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي لهن، وفي مصحف ابن مسعود كذلك وكان الحسن يقول: لهن والله لهن والله. ولعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة وهو الذي يخاف منه التلف فكانت آثمة أو لهم إذا تابوا

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً} يعني ليطلب العفة عن الزنا والحرام الذين لا يجدون ما ينكحون به من الصدق والنفقة {حتى يغنيهم الله من فضله} يعني يوسع عليهم من رزقه {والذين يبتغون الكتاب} يعني يطلبون المكاتبة {مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم} سبب نزول هذه الآية أن غلاماً لحويطب بن عبد العزى سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين ديناراً فأداها وقتل يوم حنين في الحرب، بيان حكم الآية وكيفية المكاتبة وذلك أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا من المال ويسمى مالاً معلوماً تؤدي ذلك في نجمين أو في نجوم معلومة في كل نجم كذا فإذا أديت ذلك فأنت حر ويقبل العبد ذلك، فإذا أدى العبد ذلك المال عتق ويصير العبد أحق بمكاسبه بعد الكتابة وإذا عتق بأداء المال فما فضل في يده من المال فهو له ويتبعه أولاده الذي حصلوا في الكتابة في العتق وإذا عجز عن أداء المال كان لمولاه أن يفسخ كتابته ويرده إلى الرق وما في يده من المال فهو لسيده لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه "حديث : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم"تفسير : أخرجه أبو داود وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى {فكاتبوهم} أمر إيجاب يجب على السيد أن يكاتب عبده الذي علم فيه خيراً إذا سأل العبد ذلك على قيمته أو على أكثر من قيمته وإن سأل على أقل من قيمته لا يجب وهو قول عطاء وعمرو بن دينار لما روي أن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك أن يكاتبه وكان كثير المال فانطلق سيرين إلى عمر فشكاه فدعاه عمر فقال له: كاتبه فأبى فضربه بالدرة وتلا فكاتبوهم {إن علمتم فيهم خيراً} فكاتبه وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه أمر ندب واستحباب ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي لأنه عقد جوز إرفاقاً بالعبد ومن تتمة الإرفاق أن يكون ذلك المال عليه إلى أجل حتى يؤديه على مهل فيحصل المقصود. وجوز أبو حنيفة الكتابة إلى نجم وحالة واحدة واختلفوا في معنى قوله {إن علمتم فيهم خيراً} فقال ابن عمر قوة على الكسب وهو قول مالك والثوري وقيل مالاً، روي أن عبداً لسلمان الفارسي قال له: كاتبني قال ألك مال قال لا قال تريد أن تطعمني من أوساخ الناس ولم يكاتبه قيل لو أراد به المال لقال إن علمتم لهم خيراً وقيل صدقاً وأمانة. وقال الشافعي: أظهر معاني الخير في العبد الاكتساب مع الأمانة فأحب أن لا يمنع من المكاتبة إذا كان هكذا وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاث حق على الله عونهم المكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف والمجاهد في سبيل الله"تفسير : . أخرجه الترمذي والنسائي وقيل معنى الخير أن يكون العبد عاقلاً بالغاً فأما الصبي والمجنون فلا تصح كتابتهما لأن الابتغاء منهما لا يصح وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي المراهق وقوله تعالى {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} قيل هو خطاب للموالي فيجب على السيد أن يحط عن مكاتبه من مال الكتابة شيئاً وهو قول عثمان وعلي والزبير وجماعة. وبه قال الشافعي ثم اختلفوا في قدر ما يحط فقيل يحط الربع وهو قول علي ورواه بعضهم مرفوعاً. وقال ابن عباس: يحط الثالث وقال الآخرون: ليس له حد بل عليه أن يحط عنه ما شاء وبه قال الشافعي قال نافع: كاتب عبدالله بن عمر غلاماً له على خمسة وثلاثين ألف درهم فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف درهم أخرجه مالك في الموطأ. وقال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبة لم يضع عنه شيئاً من أول نجومه مخافة أن يعجز فيرجع إليه صدقته ويضع عنه من آخر كتابته ما أحب وقال بعضهم هو أمر استحباب والوجوب أظهر وقيل أراد بقوله {وآتوهم من مال الله} أي سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات وهو قوله وفي الرقاب أراد به المكاتب وهو قول الحسن وزيد بن أسلم. وقيل: هو حث لجميع الناس على مؤنتهم واختلف العلماء فيما إذا مات المكاتب قبل أداء النجوم فذهب كثير منهم إلى أنه يموت رقيقاً وترتفع الكتابة سواء ترك مالاً أو لم يترك وهو قول عمر وابن عمر وزيد بن ثابت وبه قال عمر بن عبدالعزيز والزهري وقتادة وإليه ذهب الشافعي وأحمد، وقال قوم: إن ترك وفاء ما بقي عليه من مال الكتابة كان حراً وإن فضل له مال كان لأولاده الأحرار. وهو قول عطاء وطاوس والنخعي والحسن وبه قال مالك والثوري وأصحاب الرأي ولو كاتب عبده كتابة فاسدة يعتق بأداء المال لأن عتقه معلق بالأداء وقد وجد وتتبعه أولاده وأكسابه كما في الكتابة الصحيحة لأن الكتابة الصحيحة لا يملك المولى فسخها ما لم يعجز المكاتب عن أداء النجوم. وقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم} أي إماءكم {على البغاء} أي الزنا {إن أردن تحصناً} الآية (م) عن جابر قال كان عبد الله بن أبي ابن سلول يقول لجاريته اذهبي فابغينا شيئاً قال فأنزل الله {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً} وفي رواية أخرى أن جارية لعبدالله بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة كان يكرههما على الزنا فشكتا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} إلى قوله {غفور رحيم} وقال المفسرون: نزلت في عبدالله بن أبي ابن سلول المنافق كانت له جاريتان يقال لهما مسيكة ومعاذة وكان يكرههما على الزنا لضريبة يأخذها منهما، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤجرون إماءهم فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين فإن يك خيراً فقد استكثرنا منه، وإن يك شراً فقد آن لنا أن ندعه فأنزل الله هذه الآية وروي أن إحدى الجاريتين جاءت ببرد، وجاءت الآخرى بدينار فقال لهما ارجعا فازنيا فقالتا: والله لا نفعل قد جاء الإسلام، وحرم الزنا فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكتا إليه فأنزل الله هذه الآية واختلف العلماء في معنى قوله إن أردن تحصناً على أقوال أحدها: أن الكلام ورد على سبب وهو الذي ذكر في سبب نزول الآية، فخرج النهي على صفة السبب وإن لم يكن شرطاً فيه الثاني: إنما شرط إرادة التحصن لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، فأمّا إذا لم ترد المرأة التحصن فإنها تبغي بالطبع طوعهاً الثالث: أن إن بمعنى أي إذا أردن وليس معناه الشرط لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصناً، كقوله {أية : وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}تفسير : [آل عمران: 139] أي إذا كنتم. القول الرابع: أن في هذه الآية تقديماً وتأخيراً تقديره وأنكحوا الأيامى منكم إن أردتم تحصناً، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء {لتبتغوا} أي لتطلبوا {عرض الحياة الدنيا} أي من أموال الدنيا يريد كسبهن، وبيع أولادهن {ومن يكرههن} يعني على الزنا {فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} يعني للمكروهات والوزر على المكره، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال لهن والله لهن والله.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} الآية. لما ذكر تزويج الحرائر والإماء ذكر حال من يعجز عن ذلك فقال: "وَلْيَسْتَعْفِفِ" أي: وليجتهد في العفة، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف. وقوله: {لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} أي: لا يتمكنون من الوصول إليه، يقال: لا يجد المرء الشيء إذا لم يتمكن منه، قال تعالى: {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} تفسير : [النساء: 92] ويقال: هو غير واجد للماء، وإن كان موجوداً، إذا لم يمكنه أن يشتريه. ويجوز أن يراد بالنكاح: ما ينكح به من المال، فبين تعالى أن من لا يتمكن من ذلك فليطلب التعفف ولينتظر أن يغنيه الله من فضله ثم يصل إلى بغيته من النكاح. فإن قيل: أفليس ملك اليمين يقوم مقام نفس النكاح؟ قلنا: لكن من لم يجد المهر والنفقة فبأن لا يجد ثمن الجارية أولى. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ...} الآية لما بعث السيد على تزويج الصالحين من العبيد والإماء مع الرق رغبهم في أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك ليصيروا أحراراً فيتصرفون في أنفسهم كالأحرار، فقال: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ}. يجوز في الذين الرفع على الابتداء، والخبر الجملة المقترنة بالفاء لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط. ويجوز نصبه بفعل مقدر على الاشتغال، كقولك: "زيداً فاضربه" وهو أرجح لمكان الأمر. والكتاب والكتابة كالعتاب والعتابة، وفي اشتقاق لفظ الكتابة وجوه: أحدها: أن أصل الكلمة من الكتب، وهو الضم والجمع، ومنه سميت الكتابة لأنها تضم النجوم بعضها إلى بعض، وتضم ماله إلى ماله. وثانيها: مأخوذ من الكتاب، ومعناه: كتبت لك على نفسي (أن تعتق إذا وفيت بمالي وكتبت لي على نفسي) أن تفي لي بذلك، أو كتبت عليك الوفاء بالمال، وكتبت عليَّ العتق، قاله الأزهري. وثالثها: سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل بالمال المعقود عليه، لأنه لا يجوز أن يقع على مال هو في يد العبد حين يكاتب، لأن ذلك مال لسيده اكتسبه في حال ما كانت يد السيد غير مقبوضة عن كسبه، فلا يجوز لهذا المعنى أن يقع هذا العقد حالاً، بل يقع مؤجلاً، ليكون متمكناً من الاكتساب. ثم من آداب الشريعة أن يكتب على من عليه المال المؤجل كتاب، فلهذا المعنى سمي هذا العقد كتاباً لما فيه من الأجل، قال تعالى: {أية : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} تفسير : [الرعد: 28]. فصل قال بعض العلماء: الكتابة أن يقول لمملوكه: كاتبتك على كذا، ويسمي مالاً معلوماً، يؤديه في نجمين أو أكثر، ويبين عدد النجوم، وما يؤدي في كل نجم، ويقول: إذا أديت ذلك المال فأنت حر، أو ينوي ذلك بقلبه، ويقول العبد: قبلت. فإذا لم يقل بلسانه، أو لم ينو بقلبه: إذا أديت ذلك فأنت حر، لم يعتق. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: لا حاجة إلى ذلك، لأن قوله تعالى: "فَكَاتِبُوهُمْ" ليس فيه شرط، فتصح الكتابة بدون هذا الشرط، وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع. واحتج الأولون بأن الكتابة ليست عقد معاوضة محضة، لأن ما في يد العبد ملك للسيّد، والإنسان لا يبيع ملكه بملكه، بل قوله: "كاتبتك" كناية في العتق، فلا بد من لفظ التعليق أو نيته. فصل لا تجوز الكتابة الحالّة، لأن العبد ليس له ملك يؤديه في الحال، وإذا عقدت حالّة توجهت المطالبة عليه في الحال، فإذا عجز عن الأداء لم يحصل العقد، كما لو أسلم في شيء لا يوجد عند المحل لا يصح، بخلاف ما لو أسلم إلى معسر فإنه يجوز لأنه يتصور أن يكون له ملك في الباطن، فالعجز لا يتحقق. وقال أبو حنيفة: تجوز لقوله تعالى "فكاتبوهم"، وهو مطلق يتناول الكتابة الحالة والمؤجلة. وأيضاً فمال الكتابة بدل عن الرقبة، فهو بمنزلة أثمان السلع المبيعة، فتجوز حالة. وأيضاً فأجمعوا على جواز العتق مطلقاً على مال حال، فالكتابة مثله لأنه بدل عن العتق في الحالين، إلا أن في أحدهما العتق معلق على شرط العبادة وفي الآخر معجل، فوجب أن لا يختلف حكمهما. فصل لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين، لأنه يروى عن عليّ وعثمان وابن عمر، روي أن عثمان غضب على عبده فقال: "لأضيقن عليك، ولأكاتبنك على نجمين" ولو جاز على أقل من ذلك لكاتبه على الأقل، لأن التضييق فيه أشد، وإنما شرطنا التنجيم، لأنه عقد إرفاق، ومن شرط الإرفاق: التنجيم ليتيسر عليهم الأداء. وقال أبو حنيفة: تجوز الكتابة على نجم واحد، لأن ظاهر قوله: "كاتبوهم" ليس فيه تقييد. فصل يشترط أن يكون المكاتب بالغاً عاقلاً. فإن كان صبياً أو مجنوناً لم تصح كتابته لقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} والابتغاء لا يتصور من الصبي والمجنون. وقال أبو حنيفة: تجوز كتابة الصبي، ويقبل عنه (المولى). فصل ويشترط أن يكون السيد مكلفاً مطلقاً. فإن كان صبياً أو محجوراً عليه لسفه لم تصح كتابته، كما لا يصح بيعه، لأن قوله: "فَكَاتِبُوهُمْ" خطاب، فلا يتناول غير المكلف. وقال أبو حنيفة: تصحّ كتابة الصبيّ بإذن الوليّ. فصل اختلفوا في قوله تعالى: "فكاتبوهم" هل هو أمر إيجاب أو ندب؟ فقيل: أمر إيجاب، فيجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا سأله ذلك بقيمته أو أكثر إذا علم فيه خيراً، فإن سأله بدون قيمته لم يلزمه، وهذا قول ابن دينار وعطاء، وإليه ذهب داود بن عليّ ومحمد بن جرير لظاهر الآية، وأيضاً فلأن سبب نزولها إنما نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له: "صبيح" سأل مولاه أن يكاتبه، فأبى عليه، فنزلت الآية، فكاتبه على مائة دينار ووهب له منها عشرين ديناراً وروي أن عمر أمر أنساً بأن يكاتب سيرين (أبا محمد بن سيرين) فأبى، فرفع عليه الدِّرَّة وضربه، وقال: "فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْراً" وحلف عليه ليكاتبنه، ولو لم يكن واجباً لكان ضربه بالدرة ظلماً، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فجرى ذلك مجرى الإجماع. وقال أكثر الفقهاء: إنه أمر استحباب، وهو ظاهر قول ابن عباس والحسن والشعبي، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد لقوله عليه السلام: "حديث : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه"تفسير : . ولأنه لا فرق بين أن يطلب الكتابة أو يطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة، فكما لا يجب ذلك فكذا الكتابة فإن قيل: كيف يصح أن يبيع ماله بماله؟ فالجواب: إذا ورد الشرع به جاز، كما إذا علق عتقه على مال يكسبه فيؤديه أو يؤدى عنه صار سبباً لعتقه. فإن قيل: هل يستفيد العبد بعقد الكتابة ما لا يملكه لولا الكتابة؟ فالجواب: نعم، لأنه لو دفع إليه الزكاة قبل الكتابة لم يحل له أخذها، وإذا صار مكاتباً حل له أخذها سواء أدى فعتق، أو عجز فعاد إلى الرق. واستفاد أيضاً أن الكتابة تبعثه على الاجتهاد في الكسب، ولولاها لم يكن ليفعل ذلك. ويستفيد المولى الثواب، لأنه إذا باعه فلا ثواب، وإذا كاتبه فالولاء له، فورد الشرع بجواز الكتابة لهذه الفوائد. قوله: {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} قال عليه السلام: "حديث : إن علمتم لهم حرفة، ولا تدعوهم كلاًّ على الناس"تفسير : . وقال ابن عمر: قوة على الكسب، وهو قول مالك والثوري. قال عطاء والحسن ومجاهد والضحاك: الخير: المال، لقوله تعالى: {أية : إِن تَرَكَ خَيْراً} تفسير : [البقرة: 180] أي: مالاً. قال عطاء: بلغني ذلك عن ابن عباس. ويروى أن عبداً لسلمان الفارسي قال له: كاتبني. قال: لك مال؟ قال: لا. قال: تريد أن تطعمني أوساخ الناس ولم يكاتبه. قال الزجاج: لو أراد به المال لقال: إنْ عَلِمْتُم لهم خيراً. وأيضاً فلأن العبد لا مال له، بل المال لسيده. وقال إبراهيم النخعي وابن زيد وعبيدة: صدقاً وأمانة. وقال طاوس وعمرو بن دينار: مالاً وأمانة. وقال الحسن: صلاحاً في الدين. قال الشافعي: وأظهر معاني الخير في العبيد: الاكتساب مع الأمانة، وأجاب ألا يمتنع من الكتابة إذا كان هكذا، لأن مقصود الكتابة قلما يحصل إلا بهما، فإنه ينبغي أن يكون كسوباً يحصل المال، ويكون أميناً يصرفه في نجومه ولا يضيعه. قوله: {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ}. قيل: هذا خطاب للموالي، يجب على المولى أن يحط عن مكاتبه من مال الكتابة شيئاً، وهو قول عثمان وعليّ والزبير وجماعة، وبه قال الشافعي وهؤلاء اختلفوا في قدره: فقيل: يحط عنه ربع مال الكتابة، وهو قول عليّ، ورواه بعضهم عن عليّ مرفوعاً. وعن ابن عباس: يحط الثلث. وقيل: ليس له حد، بل يختلف بكثرة المال وقلته، وهو قول الشافعي، لأن ابن عمر كاتب غلاماً له على خمسة وثلاثين ألف درهم، فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف درهم. وقيل: يحط عنه قدراً يحصل الاستغناء به. قال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئاً من أول نجومه، مخافة أن يعجز فيرجع إليه صدقته، ووضع من آخر كتابته ما أحب. وكاتب عمر عبداً، فجاءه بنجمه، فقال: اذهب فاستغن على أداء مال الكتابة، فقال المكاتب: لو تركته إلى آخر نجم فقال: إني أخاف ألا أدرك ذلك. وقيل: هو أمر استحباب، لقوله عليه السلام: "حديث : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" تفسير : وقوله عليه السلام: "حديث : أيما عبد كاتب على مائة فأداها إلا عشرة فهو عبد"تفسير : . ولو كان الحط واجباً سقط عنه بقدره، وأيضاً فلو كان الإيتاء واجباً لكان وجوبه معلقاً بالعقد، فيكون العقد موجباً له ومسقطاً له، وذلك محال لتنافي الإسقاط والإيجاب. وأيضاً فلو كان الحط واجباً لما احتاج أن يضع عنه، بل كان يسقط القدر المستحق، كمن له على إنسان دين، ثم لذلك الآخر على الأول مثله فإنه يصير قابضاً له. وأيضاً فلو كان واجباً لكان قدر الإيتاء إما أن يكون معلوماً أو مجهولاً، فإن كان معلوماً وجب ألا تكون الكتابة بثلاثة أرباع المال على قول من يجعله الربع، فيعتق إذا أدى ثلاثة آلاف إذا كان العقد على أربعة آلاف، وذلك باطل، لأن أداء جميعها شرط، فلا يعتق بأداء البعض لقوله عليه السلام: "حديث : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم"تفسير : . وإن كان مجهولاً صارت الكتابة مجهولة، لأن الباقي بعد الحط مجهول، فلا يصح، كما لو كاتب عبده على ألف درهم إلا شيء. وقال قوم: المراد بقوله: "وآتُوهُم" أي سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات بقوله: {أية : وَفِي الرّقَابِ} تفسير : [التوبة: 60] وهو قول الحسن وزيد بن أسلم، ورواية عطاء عن ابن عباس. وعلى هذا الخطاب لغير السادة، لأنهم أجمعوا على أنه لا يجوز للسيد أن يدفع زكاته إلى مكاتبه. وقال الكلبي وعكرمة وإبراهيم: هو خطاب لجميع الناس، وحث على معونة المكاتب، لقوله عليه السلام: "حديث : من أعان مكاتباً في فك رقبته أظله الله في ظل عرشه ". تفسير : فصل إذا مات المكاتب قبل أداء النجوم. فقيل: يموت رقيقاً، وترتفع الكتابة سواء ترك مالاً أو لم يترك، كما لو تلف المبيع قبل القبض يرتفع البيع. وهو قول عمر وابن عمر وزيد بن ثابت، وبه قال عمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. وقيل: إن ترك وفاء لما بقي عليه من الكتابة كان حراً، وإن كان فيه فضل فالزيادة لأولاده الأحرار، وهو قول عطاء وطاوس والنخعي والحسن، وبه قال مالك والثوري وأصحاب الرأي. فصل ولو كاتب عبده كتابة فاسدة يعتق بأداء المال، لأن عتقه معلق بالأداء، وقد وجد، ويتبعه الأولاد والأكساب كما في الكتابة الصحيحة. ويفترقان في بعض الأحكام، وهي أن الكتابة الصحيحة لا يملك المولى فسخها ما لم يعجز المكاتب عن أداء النجوم، ولا تبطل بموت المولى، ويعتق بالإبراء من النجوم. والكتابة الفاسدة يملك المولى فسخها قبل أداء المال، حتى لو أدى المال بعد الفسخ لا يعتق، وتبطل بموت المولى، ولا يعتق بالإبراء من النجوم. وإذا عتق المكاتب بأداء المال لا يثبت التراجع في الكتابة الصحيحة ويثبت في الكتابة الفاسدة، فيرجع المولى عليه بقيمة رقبته، وهو يرجع على المولى بما دفع إليه إن كان مالاً. قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ...} الآية لما بين ما يلزم من تزويج العبيد والإماء وكتابتهم أتبع ذلك بالمنع من إكراه الإماء على الفجور. واعلم أن العرب تقول للمملوك: فتى، وللمملوكة: فتاة، قال تعالى: {أية : فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ} تفسير : [الكهف: 62] وقال: {أية : تُرَاوِدُ فَتَاهَا} تفسير : [يوسف: 30] وقال: {أية : فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ} تفسير : [النساء: 25]. وقال عليه السلام: "حديث : ليقل أحدكم: فَتَاي وفَتَاتي، ولا يقل: عَبْدِي وأَمَتِي ". تفسير : والبِغَاء: الزنا، مصدر: بَغَتِ المَرْأَة تَبْغي بِغَاءً، أي: زَنَتْ، وهو مختص بزنا النساء. فصل قال المفسرون: نزلت في عبد الله بن أبيّ المنافق، كان له ست جوار مُعَاذة، ومُسَيْكة، وأُمَيْمة، وعَمْرَة، وأَرْوَى، وقتيلة، يكرههن على البغاء، وضرب عليهن ضرائب يأخذها، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤاجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين: فإن يكن خيراً فقد استكثرنا منه، وإن كان شراً فقد آن لنا أن ندعه فشكيا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت الآية. وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين يوماً ببرد، وجاءت الأخرى بدينار، فقال لهما: "ارجعا فازنيا" فقالتا: "والله لا نفعل وقد جاء الإسلام وحرم الزنا" فأتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشكيا إليه، فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - هذه الآية. وروي أن عبد الله بن أبيّ أسر رجلاً، فأراد الأسير جارية عبد الله، وكانت الجارية مسلمة، فامتنعت الجارية لإسلامها، فأكرهها سيدها على ذلك رجاء أن تحمل من الأسير فيطلب فداء ولده، فنزلت الآية. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: "حديث : جاء عبد الله بن أبيّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه جارية من أجمل النساء تسمى: معاذة، وقال: يا رسول الله، هذه لأيتام فلان، أفلا نأمرها بالزنا فيصيبون من منافعها. فقال عليه السلام: لا. فأعاد الكلام، فنزلت الآية ". تفسير : فصل الإكراه إنما يحصل بالتخويف بما يقتضي تلف النفس. ومعنى قوله: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} أي: إذ أرَدْنَ، وليس معناه الشرط، لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردْن تحصناً، كقوله عزَّ وجلَّ: {أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 139] أي: إذ كنتم مؤمنين. وقيل: إنما شرط إرادة التحصن، لأن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن، فإن لم تُرِد التحصن بغت طوعاً، لأنه متى لم توجد إرادة التحصن لم تكن كارهة للزنا، وكونها غير كارهة للزنا يمنع إكراهها، فامتنع الإكراه لامتناعه في نفسه. وقيل: هذا الشرط لا مفهوم له، لأنه خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن، كما أن الخلع يجوز في غير حالة الشقاق، ولكن لما كان الغالب وقوع الخلع في حالة الشقاق لا جرم لم يكن لقوله: {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 229] (مفهوم) ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} تفسير : [النساء: 101] والقصر لا يختص بحال الخوف، ولكنه أخرجه على الغالب، فكذا ههنا. وقال بعض العلماء: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصناً ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُم على البِغَاءِ لتبتغوا عرض الحياةِ الدُّنيا، أي: لتطلبوا من أموال الدنيا، يريد: من كسبهن وبيع أولادهن. والتحصن: التعفف. قوله: {وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. أي: غفور رحيم للمكرهات، والوزر على المُكْرِه، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: (لهنَّ والله). وقال ابن الخطيب: فيه وجهان: أحدهما: غَفُوراً لَهُنَّ، لأنّ الإكراه (يُزِيلُ الإثم) والعقوبة عن المكره فيما فعل. والثاني: (فإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم) بالمكره بشرط التوبة. وهذا ضعيف لأنه يحتاج إلى الإضمار، والأول لا يحتاج إليه. وفي هذا نظر، لأنه لا بد من ضمير يعود على اسم الشرط عند الجمهور كما تقدم تحقيقه (في البقرة). قوله: "فإن الله" جملة وقعت جواباً للشرط، والعائد على اسم الشرط محذوف، تقديره: غَفُور لهم. وقدره الزمخشري في أحد تقديراته وابن عطية وأبو البقاء: فإن الله غفور لَهُنَّ، أي: لِلْمُكرهات، فعرِيَتْ جملة الجزاء عن رابط يربطها باسم الشرط، ولا يقال: إن الرابط هو الضمير المقدر الذي هو فاعل المصدر؛ إذ التقدير: من بعد إكراههم لهُنّ، فَلْيُكْتَفَ بهذا الرابط المقدر، لأنهم لم يعدوا ذلك من الروابط، تقول: هند عجبت من ضربها زيداً فهذا جائز، ولو قُلْتَ: هند عجبت من ضربِ زيدٍ: أي: من ضربها، لَمْ يَجُز، لخلوها من الرابط وإن كان مقدراً. ولما قدر الزمخشري "لهن" أورد سؤالاً فقال: فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن، لأن المُكرهة على الزنا بخلاف المُكره غير آثمة. قلت: لَعَلَّ الإكراه غير ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل، أو بما يُخَاف منه التلف، أو فوات عضو حتى يسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحد الذي تُعذَرُ فيه فتكون آثمة.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً} قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها فليقض حاجته منها، وإن لم تكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات والأرض حتى يغنيه الله من فضله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي روق {وليستعفف} يقو: عما حرم الله عليهم حتى يرزقهم الله. وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً} الآية قال: ليتزوج من لا يجد فإن الله سيغنيه. وأخرج ابن السكن في معرفة الصحابة عن عبد الله بن صبيح عن أبيه قال: كنت مملوكاً لحويطب بن عبد العزى. فسألته الكتاب فأبى، فنزلت {والذين يبتغون الكتاب...} . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {والذين يبتغون الكتاب} يعني الذين يطلبون المكاتبة من المملوكين. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله {فكاتبوهم} قال: هذا تعليم ورخصة وليست بعزيمة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عامر الشعبي {فكاتبوهم} قال: إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين المكاتبة، فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب، فأقبل عليَّ بالدرة وقال: كاتبه وتلا {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} فكاتبته. وأخرج أبو داود في المراسيل والبيهقي في سننه عن يحيى بن أبي كثير قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} قال: "إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلا على الناس ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله {إن علمتم فيهم خيراً} قال: المال. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد مثله. وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله {إن علمتم فيهم خيراً} قال: أمانة ووفاء. وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} إن علمت إن مكاتبك يقضيك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن جريج قال: قلت لعطاء ما قوله {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} الخير المال أم الصلاح أم كل ذلك؟ قال ما أراه إلا المال كقوله {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً} الخير. المال. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني {إن علمتم فيهم خيراً} قال: إن علمتم عندهم أمانة. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة وإبراهيم وأبي صالح. مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن نافع قال: كان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم يكن له حرفة ويقول: يطعمني من أوساخ الناس. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد وطاوس في قوله {إن علمتم فيهم خيراً} قال: مالاً وأمانة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن. مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله {إن علمتم فيهم خيراً} قال: إن علمتم لهم حيلة ولا تلقوا مؤنتهم على المسلمين {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} يعني ضعوا عنهم من مكاتبتهم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والروياني في مسنده والضياء المقدسي في المختارة عن بريدة {وآتوهم من مال الله} قال: حث الناس عليه أن يعطوه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن {وآتوهم من مال الله} قال: حث الناس عليه مولى وغيره. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال: يترك للمكاتب طائفة من كتابته. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في {وآتوهم من مال الله} أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب قال علي بن أبي طالب: أمر الله السيد أن يدع للمكاتب. الربع من ثمنه، وهذا تعليم من الله ليس بفريضة ولكن فيه أجر. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي من طريق أبي عبد الرحمن السلمي أن علي بن أبي طالب قال في قوله {إن علمتم فيهم خيراً} قال: مالاً. {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} قال: يترك للمكاتب الربع. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والديلمي وابن المنذر والبيهقي وابن مردويه من طرق عن عبد الله بن حبيب عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} قال: يترك للمكاتب الربع. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: يترك له العشر من كتابته. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم والبيهقي عن عمر أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية، فجاء بنجمه حين حل قال: يا أبا أمية اذهب فاستغن به في مكاتبتك قال: يا أمير المؤمنين لو تركت حتى يكون من آخر نجم قال: أخاف أن لا أدرك ذلك، ثم قرأ {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر إذا كان له مكاتب لم يضع عنه شيئاً من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحب. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم {وآتوهم من مال الله} قال: ذلك على الولاة. يعطوهم من الزكاة يقول الله {أية : وفي الرقاب} تفسير : [التوبة: 60]. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وسعيد بن منصور والبزار والدارقطني وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: كان عبد الله بن أبي يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئاً وكانت كارهة، فأنزل الله {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} هكذا كان يقرأها. وأخرج مسلم من هذا الطريق عن جابر: أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة. وأخرى يقال لها أميمة. فكان يريدهما على الزنا، فشكيا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {ولا تكرهوا فتياتكم...} . وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن جرير وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر قال: كانت مسيكة لبعض الأنصار فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن سيدي يكرهني على البغاء، فنزلت {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} . وأخرج البزار وابن مردويه عن أنس قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي يقال لها معاذة. يكرهها على الزنا، فلما جاء الإِسلام نزلت {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة. مثله. وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} قال: كان أهل الجاهلية يبغين اماؤهم، فنهوا عن ذلك في الإِسلام. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا، يأخذون أجورهم فنزلت الآية. وأخرج الطيالسي والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن ابن عباس أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية، فولدت له أولاداً من الزنا، فلما حرم الله الزنا قال لها: ما لك لا تزنين؟ قالت: لا والله لا أزني أبداً، فضربها، فأنزل الله {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} . وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة أن عبد الله بن أبي كانت له أمتان: مسيكه، ومعاذة، وكان يكرههما على الزنا فقالت إحداهما: إن كان خيراً فقد استكثرت منه، وإن كان غير ذلك فإنه ينبغي أَن أدعه. فأنزل الله {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أبي مالك في قوله {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} قال: نزلت في عبد الله بن أبي وكانت له جارية تكسب عليه، فأسلمت وحسن إسلامها، فأرادها، أن تفعل كما كانت تفعل، فأبت عليه. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان لعبد الله بن أبي جارية تدعى معاذة، فكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له، فأقبلت الجارية إلى أبي بكر، فشكت ذلك إليه، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره بقبضها، فصاح عبد الله بن أبي: من يعذرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا؟ فنزلت الآية. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الزهري أن رجلاً من قريش أسر يوم بدر، وكان عبد الله بن أبي أسيراً، وكانت لعبد الله بن أبي جارية يقال لها معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه لإِسلامها، وكان عبد الله بن أبي يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل للقرشي فيطلب فداء ولد، فأنزل الله {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} . وأخرج الخطيب في رواة مالك من طريق مالك عن ابن شهاب أن عمر بن ثابت أخا بني الحرث بن الخزرج حدثه: أن هذه الآية في سورة النور {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} نزلت في معاذة جارية عبد الله بن أبي سلول، وذلك أن عباس بن عبد المطلب كان عندهم أسيراً، فكان عبد الله بن أبي يضربها على أن تمكن عباساً من نفسها رجاء أن تحمل منه فيأخذ ولده فداء، فكانت تأبى عليه وقال: ذلك الغرض الذي كان ابن أُبي يبتغي. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: كانوا يأمرون ولائدهم أن يباغوا، فكن يفعلن ذلك، ويصبن فيأتين بكسبهن قال: وكان لعبد الله بن أبي جارية، فكانت تباغي، وكرهت ذلك وحلفت أن لا تفعله، فأكرهها، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: بلغنا - والله أعلم - أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما إحداهما اسمها مسيكة وكانت للأنصاري، والأخرى أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبي، وكانت معاذة، وأروى بتلك المنزلة، فأتت مسيكة وأمها النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} يعني الزنا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} قال: لا تكرهوا إماءكم على الزنا، فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم، وإثمهن على من يكرههن. وأخرج ابن أبي شيبة عن رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كسب الحجام خبيث، ومهر البغي خبيث ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جحيفة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: في قراءة ابن مسعود {فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} قال: للمكرهات على الزنا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {إن أردن تحصناً} أي عفة وإسلاماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} يعني كسبهن وأولادهن من الزنا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} قال: للمكرهات على الزنا. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} قال: لهن وليست لهم. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ (فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم).

ابو السعود

تفسير : {وَلْيَسْتَعْفِفِ} إرشادٌ للعاجزينَ عن مبادِي النِّكاحِ وأسبابِها إلى ما هُو أولى لهم وأحْرى بهم بعدَ بـيانِ جوازِ مُناكحةِ الفُقراءِ أي ليجتهدْ في العِفَّةِ وقمعِ الشَّهوةِ {ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} أي أسبابَ نكاحٍ أو لا يتمكَّنون ممَّا يُنكح به من المالِ {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} عدةٌ كريمةٌ بالتَّفضلِ عليهم بالغِنى ولطفٌ لهم في استعفافِهم وتقويةٌ لقلوبهم وإيذانٌ بأنَّ فضلَه تعالى أولى بالإعفاءِ وأدنى من الصُّلحاءِ {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ} بعدما أمرَ بإنكاحِ صَالحي المماليك الأحقَّاءِ بالإنكاح أمرَ بكتابة مَن يستحقُّها منهم. والكتابُ مصدر كاتبَ كالمُكاتبة أي الذين يطلبون المُكاتبةَ {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} عبداً كان أو أمةً وهي أنْ يقولَ المولى لمملوكه كاتبتُك على كذا درهماً تؤدِّيه إليَّ وتعتق، ويقول المملوكُ قبلتُه أو نحوَ ذلك فإنْ أدَّاه إليه عتق قالوا معناه كتبتُ لك على نفسي أنْ تعتق منِّي إذا وفَّيت بالمال وكتبت لي على نفسك أنْ تفيَ بذلك أو كتبت عليك الوفاءَ بالمال وكتبتُ عليَّ العتقَ عنده، والتَّحقيقُ أنَّ المكاتبةَ اسمٌ للعقد الحاصل من مجموع كلاميهما كسائر العُقودِ الشَّرعيَّةِ المُنعقدةِ بالإيجاب والقبولِ. ولا ريبَ في أنَّ ذلك لا يصدرُ حقيقةً إلا من المتعاقدين وليس وظيفةُ كلِّ منهما في الحقيقةِ إلا الإتيانَ بأحدث شطريه مُعرباً عمَّا يتمُّ من قِبله ويصدر عنه من الفعلِ الخاصِّ به من غير تعرُّضٍ لما يتمُّ من قبل صاحبه ويصدر عنه من فعله الخاصِّ به إلاَّ أنَّ كلاًّ من ذينكَ الفعلينِ لما كان بحيثُ لا يمكن تحقُّقه في نفسهِ إلا منوطاً بتحقُّقِ الآخرِ ضرورةَ أنَّ التزامَ العتقِ بمقابلة البدلِ من جهة المولى لا يُتصور تحقُّقه وتحصُّله إلا بالتزام البدل من طرف العبد كما أنَّ عقدَ البـيع الذي هو تمليك المَبـيعِ بالثَّمن من جهة البائعِ لا يُمكن تحقُّقه إلا بتملُّكه به من جانب المُشتري لم يكن بدٌّ من تضمينِ أحدهِما الآخر وقت الإنشاء فكما أنَّ قول البائع بعتُ إنشاءٌ لعقد البـيع على معنى أنَّه إيقاعٌ لما يتمُّ من قبله أصالةً ولما يتمُّ من قبل المُشتري ضمناً إيقاعاً متوقفاً على رأيهِ توقفاً شبـيهاً بتوقُّفِ عقد الفضوليِّ كذلك قولُ المولى كاتبتُك على كذا إنشاء لعقدِ الكتابةِ أي إيقاعٌ لما يتمُّ من قبله من التزام العتقِ بمقابلة البدلِ أصالةً ولما يتمُّ من قبلِ العبدِ من التزامِ البدلِ ضمناً إيقاعاً متوقِّفاً على قبوله فإذا قُبل تمَّ العقدُ، ومحل الموصولِ الرَّفعُ على الابتداء خبرُه {فَكَـٰتِبُوهُمْ} والفاءُ لتضمُّنهِ معنى الشَّرطِ أو النَّصبُ على أنَّه مفعولٌ لمضمرٍ يفسِّره هذا والأمر فيه للنَّدب لأنَّ الكتابة عقدٌ يتضمَّن الإرفاقَ فلا تجبُ كغيرِها ويجوزُ حالاً ومؤجَّلاً ومنجَّماً وغيرَ منجَّمٍ. وعند الشَّافعيِّ رحمه الله لا يجوزُ إلا مؤجَّلاً منجَّماً وقد فُصِّل في موضعه {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} أي أمانةً ورُشداً وقدرة على أداء البدلِ بتحصيله من وجهٍ حلالٍ وصلاحاً لا يؤذي النَّاسَ بعد العتق وإطلاق العَنَانِ. {وَءَاتُوهُم مِن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىَ ءَاتَـٰكُمْ} أمرٌ للموالي ببذل شيءٍ من أموالهم وفي حكمه حطُّ شيء من مال الكتابة ويكفي في ذلك أقلُّ ما يُتموَّل. وعن عليَ رضي الله عنه: حطُّ الرُّبع وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: الثُّلثُ. وهو للنَّدبِ عندنا وعند الشافعيِّ للوجوبِ ويردُّه قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام: « حديث : المُكاتَبُ عبدٌ ما بقي عليه درهمٌ ». تفسير : إذ لو وجب الحطُّ لسقط عنه الباقي حتماً وأيضاً لو وَجَب الحطُّ لكان وجوبُه معلَّقاً بالعقد فيكون العقد مُوجِباً ومُسقِطاً معاً وأيضاً فهو عقدُ مُعاوضةٍ فلا يُجبر على الحَطيطةِ كالبـيع وقيل معنى آتُوهم أقرِضُوهم وقيل هو أمرٌ لهم بأنْ يُنفقوا عليهم بعد أنْ يؤدُّوا ويعتقوا. وإضافةُ المال إليه تعالى ووصْفُه بإيتائه إيَّاهم للحثِّ على الامتثال بالأمر بتحقيق المأمور به كما في قوله تعالى: { أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} تفسير : [الحديد: 7] فإنَّ ملاحظة وصولِ المال إليهم من جهته تعالى مع كونه هو المالكَ الحقيقيَّ له من أقوى الدَّواعي إلى صرفه إلى الجهة المأمور بها وقيل هو أمرٌ بإعطاءِ سهمهِم من الصَّدقات، فالأمرُ للوجوبِ حَتْماً والإضافةُ والوصفُ لتعيـين المأخذِ وقيل هو أمرُ ندبٍ لعامَّة المسلمين بإعانة المُكاتبـين بالتَّصدق عليهم، ويحلُّ ذلك للمولى وإنْ كان غنيًّا لتبدل العُنوان حسبما ينطقُ به قولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في حديثِ بَريرةَ: " حديث : هو لها صدقةٌ ولنا هديَّةٌ "تفسير : . {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ} أي إماءكم فإنَّ كُلاَّ من الفَتَى والفَتاةِ كنايةٌ مشهورةٌ عن العبدِ والأمَةِ وعلى ذلك مبنيٌّ قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام: « حديث : ليقُلْ أحدُكم فتاي وفتاتي ولا يقُل عبدي وأمَتي » تفسير : ولهذه العبارةِ في هذا المقامِ باعتبار مفهومِها الأصلي حسنُ موقعٍ ومزيدُ مناسبةٍ لقولهِ تعالى: {عَلَى ٱلْبِغَاء} وهو الزِّنا من حيثُ صدورُه عن النساءِ لأنهنَّ اللاَّتي يُتوقَّع منهنَّ ذلك غالباً دُون مَن عداهنَّ من العجائزِ والصَّغائرِ. وقولُه تعالى: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} ليس لتخصيص النَّهي بصورة إرادتهِنَّ التَّعففَ عن الزِّنا وإخراجِ ما عداها من حُكمه كما إذا كان الإكراه بسبب كراهتهنَّ الزِّنا لخصوصِ الزَّاني أو لخصوصِ الزَّمانِ أو لخصوصِ المكانِ أو لغيرِ ذلكَ من الأُمور المُصحِّحةِ للإكراه في الجُملةِ بل للمحافظةِ على عادتهم المستمرَّة حيثُ كانُوا يكرهونهنَّ على البغاء وهنَّ يُردن التَّعففَ عنه مع وفورِ شهوتهنَّ الآمرةِ بالفُجورِ وقصورهنَّ في معرفةِ الأمورِ الدَّاعيةِ إلى المحاسنِ الزَّاجرةِ عن تَعَاطي القبائحِ فإنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبـيَ كانت له ستُّ جوارٍ يُكرههنَّ على الزِّنا وضربَ عليهنَّ ضرائبَ فشكتِ اثنتانِ منهنَّ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فنزلتْ. وفيهِ من زيادةِ تقبـيحِ حالهم وتشنيعهِم على ما كانُوا عليه من القبائحِ ما لا يخفى فإنَّ مَن له أدنى مروءةٍ لا يكادُ يرضى بفجور من يحويهِ حرمُه من إمائهِ فضلاً عن أمرهنَّ به أو إكراههنَّ عليه لا سيَّما عند إرادتهنَّ التَّعففَ فتأمَّلْ ودَعْ عنك ما قيلَ مِن أنَّ ذلك لأنَّ الإكراه لا يتأتَّى إلا مع إرادة التَّحصُّنِ وما قيل من أنَّه إنْ جُعل شرطاً للنَّهي لا يلزم من عدمِه جوازُ الإكراه لجوازِ أنْ يكون ارتفاعُ النَّهي لامتناع المنهيِّ عنه فإنَّهما بمعزلٍ من التَّحقيق، وإيثار كلمةِ إنْ على إذا مع تحقُّق الإرادةِ في موردِ النَّصِّ حتماً للإيذانِ بوجوبِ الانتهاء عن الإكراه عند كونِ إرادةِ التَّحصنِ في حيِّز التَّردد والشَّكِّ فكيفَ إذا كانت مُحقَّقة الوقوع كما هو الواقعُ، وتعليلُه بأنَّ الإرادةَ المذكورة منهنَّ في حيِّز الشَّاذ النادرِ مع خُلوه عن الجَدْوى بالكُلِّية يأباهُ اعتبارُ تحقُّقِها إباءً ظاهراً. وقولُه تعالى: {لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} قيدٌ للإكراه لكنْ لا باعتبارِ أنَّه مدارٌ للنَّهي عنه بل باعتبار أنَّه المعتادُ فيما بـينهُم كما قبله جيءَ به تشنيعاً لهُم فيما هُم عليه من احتمال الوزرِ الكبـيرِ لأجل النَّزْرِ الحقيرِ أي لا تفعلُوا ما أنتُم عليه من إكراههنَّ على البغاءِ لطلب المتاعِ السَّريعِ الزَّوالِ الوشيكِ الاضمحلالِ فالمرادُ بالابتغاء الطَّلبُ المقارنُ لنيل المطلوبِ واستيفائهِ بالفعل إذْ هُو الصَّالحُ لكونه غايةً للإكراهِ مترتِّباً عليه لا المطلقُ المتناولُ للطَّلبِ السَّابقِ الباعثِ عليه {وَمَن يُكْرِههُنَّ} الخ جملةٌ مستأنفةٌ سِيقتْ لتقرير النَّهيِ وتأكيدِ وجوبِ العملِ به ببـيان خلاص المُكرهاتِ عن عقوبة المُكره عليه عبارةً، ورجوعِ غائلة الإكراه إلى المُكرِهين إشارةً، أي ومَن يكرهنَّ على ما ذُكر من البغاء. {فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لهنَّ كما وقع في مصحف ابن مسعودٍ وعليه قراءةُ ابن عبَّاسً رضي الله تعالى عنهم وكما ينبىءُ عنه قولُه تعالى: {مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} أي كونهنَّ مكرهاتٍ على أنَّ الإكراه مصدرٌ من المبنيِّ للمفعولِ فإن توسيطَه بـين اسمِ إنَّ وخبرِها للإيذانِ بأنَّ ذلك هو السببُ للمغفرةِ والرَّحمةِ. وكان الحسنُ البصريُّ رحمه الله إذا قرأ هذه الآيةَ يقولُ لهنَّ واللَّهِ لهنَّ واللَّهِ. وفي تخصيصهما بهنَّ وتعيـين مدارِهما مع سبق ذِكرِ المكرهين أيضاً في الشَّرطيةِ دلالةٌ بـينة على كونهم محرومين منهما بالكُلِّية كأنَّه قيل لا للمكره، ولظهور هذا التَّقديرِ اكتفى به عن العائدِ إلى اسم الشَّرطِ فتجويزُ تعلقهما بهم بشرطِ التَّوبةِ استقلالاً أو معهنَّ إخلالٌ بجزالة النَّظمِ الجليلِ وتهوينٌ لأمر النَّهيِ في مقامِ التَّهويلِ، وحاجتُهنَّ إلى المغفرةِ المنبئةِ عن سابقةِ الإثمِ إمَّا باعتبار أنهنَّ ـ وإن كنَّ مكرهاتٍ ـ لا يخلون في تضاعيفِ الزِّنا عن شائبة مطاوعةٍ ما بحكم الجبلَّة البشريَّةِ وإمَّا باعتبارِ أنَّ الإكراه قد يكونُ قاصراً عن حدِّ الإلجاءِ المُزيلِ للاختيارِ بالمرَّة وإما لغايةِ تهويلِ أمرِ الزِّنا وحثِّ المكرهاتِ على التثبت في التَّجافي عنه والتَّشديد في تحذيرِ المُكرهين ببـيانِ أنهنَّ حيثُ كنَّ عرضةً للعقوبة لولا أن تدارَكَهن المغفرةُ والرَّحمةُ مع قيام العُذر في حقهنَّ فما حالُ من يكرههنَّ في استحقاقِ العذاب؟.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} [الآية: 33]. قال: فى التفسير صدقًا، ووفاء. قال بعضهم: صحة اعتقاد ودوام اجتهاد. قال الجنيد: علمًا بالحق وعملاً به. وقال بعضهم: محبة لأهل الصلاح وميلاً إليهم.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. مَنْ تَقاصر وسعهُ عن الإنفاق على العيال فليصبر على مقاساة التحمل في الحال، فَعَنْ قريبٍ تجيبه نَفْسُه إلى سقوط الأرب، أو الحق - سبحانه - يجود عليه بتسهيل السبب من حيث لا يَحْتَسِب، ولا تخلو حالُ المتعفِّفِ عن هذه الوجوه. قوله جل ذكره: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ}. أي إن سَمَحَتْ نفوسكم بإزالة الرِّقِّ عن المماليك - الذين هم في الدين إخوانكم - من غير عِوَضٍ تلاحظون منهم فلن تخسروا على الله في صفقتكم. وإن أبيتم إلا العوض ودعوا إلى الكتابة، وعلمتم بغالب ظنكم صحة الوفاء بمال الكتابة من قِِبَلِهم فكاتبوهم ثم تعاونوا على تحصيل المقصود بكل وجهٍ؛ من قدْرٍ يحط من مال الكتابة، وإعانةٍ لهم من فروض الزكاة، وإمهالٍ بِقَدر ما يحتمل المكاتب ليكون ترفيهاً له. وإذا كنا في الشرع مأمورين بكل هذا الرِّفقِ حتي يصل المملوكُ المسكينُ إلى عتقه فبالحريِّ أن يسموا الرجاءُ إلى الله بجميل الظنِّ أن يُعْتَقَ العبدُ من النار بكثرة تضرعه، وقديم سعيه - بقدر وسعه - من عناءِ قاساه، وفضلٍ من الله - عن قديمٍ - رجاه. ثم في الخبر:"حديث : إن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم" تفسير : : والعبد يسعى بجهده ليصل إلى تحرر قلبه، وما دام تبقى عليه بقية من قيام الأخطار وبقية من الاختيار وإرادة شيءٍ من الأغيار فهو بكمال رِِقِّة وليس في الحقيقة بِحُرِّ.. فالمكاتَبُ عَبْدٌ ما بقي عليه درهم. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. حامِلُ العاصي على زَلَّتِه، والداعي له إلى عَثرَته، والمُعينُ له على مخالفته تتضاعف عليه العقوبة، وله من الوِزْرِ أَكثرُ مِنْ غيره، وبعكسه لو كان الأمر في الطاعة والإعانة على العبادة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} الخير ها هنا التوحيد والمعرفة والتوكل والرضا والقناعة وصدق العمل والوفاء بالعهد والاشارة فيه ان الشيوخ اذا رأوا امر يدا بهذه المثابة جازلهم ان يجوزوا له الخلوة والانفراد والاستفاد والاستقلال بنفسه وقال الجنيد فى قوله ان علمتم فيهم خيرا علما بالحق وعملا به قال بعضهم محبة لاهل الصلاح وميلا اليهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وليستعفف} ارشاد للعاجزين عن مبادى النكاح واسبابه الى ماهو اولى لهم واحرى بهم بعد بيان جواز مناكحة الفقراء والعفة حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة والمتعفف المتعاطى لذلك بضرب من الممارسة والقهر والاستعفاف طلب العفة. والمعنى ليجتهد فى العفة وقمع الشهوة {الذين لايجدون نكاحا} اى اسباب نكاح من مهر ونفقة فانه لا معنى لوجدان نفس العقد والتزوج وذلك بالصوم كما قال عليه السلام "حديث : ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه لو وجاء"تفسير : معناه ان الصوم يضعف شهوته ويقهرها عن طلب الجماع فيحصل بذلك صيانة الفرج وعفته فالامر فى {ليستعفف} محمول على الوجوب فى صورة التوقان {حتى يغنيهم الله من فضله} فيجدوا ما يتزوجون به، قال فى ترجمة الفتوحات [بعض ازصالحانرا جيزى نبود وزن خواست فرزند آمد وما يحتاج آن نداشت بس فرزندرا كرفت وبيرون آمد وندا كردكه اين جزاى آنكس است كه فرمان حق نبرد كفتند زناكرده كفت نى ولكن حق تعالى فرمود {وليستعفف الذين لايجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله} من فرمان نبردم وتزوج كردم وفضيحت شد مردمان بروى شفقت كردند وباخير تمام بمنزل خود بازكشت] اى فكان التزوج سببا للغنى كما فى الآية الاولى. قال فى التأويلات النجمية {وليستعفف الذين لايجدون نكاحا} اى ليحفظ الذين لايجدون شيخا فى الحال ارحام قلوبهم عن تصرفات الدنيا والهوى والشيطان {حتى يغنيهم الله من فضله} بان يدلهم على شيخ كامل كما دل موسى على الخضر عليهما السلام او يقيض لهم شيخا كما كان يبعث الى كل قوم نبيا او يختص بجذبة عناية من يشاء من عباده كما قال تعالى {أية : يجتبى اليه من يشاء ويهدى اليه من ينيب}تفسير : فلا يخلو حال المستعفف عن هذه الوجوه {والذين يبتغون الكتاب} الابتغاء الاجتهاد فى الطلب والكتاب مصدر كاتب كالمكاتبة اى الذين يطلبون المكاتبة {مما ملكت ايمانكم} عبدا كان او امة وهى ان يقول المولى لمملوكه كاتبتك على كذا كذا درهما تؤديه الىّ وتعتق ويقول المملوك قبلته او نحو ذلك فان اداه اليه عتق يقال كاتب عبده كتابا اذا عاقده على مال منجم يؤديه على نجوم معلومة فيعتق اذا ادى الجميع فان المكاتب عبد ما بقى عليه درهم ومعنى المفاعلة فى هذا العقد ان المولى يكتب اى يفرض ويوجب على نفسه ان يعتق المكاتب اذا ادى البدل ويكتب العبد على نفسه ان يؤدى البدل من غير اخلال وايضا بدل هذا العقد مؤجل منجم على المكاتب والمال المؤجل يكتب فيه كتاب على من عليه المال غالبا، وفى المفردات كتابة العبد ابتياع نفسه من سيده بما يوديه من كسبه واشتقاقها يصح ان يكون من الكتابة التى هى الايجاب وان يكون من الكتب الذى هو النظم باللفظ والانسان يفعل ذلك ـ روى ـ ان صبيحا مولى حويطب بن عبد العزى سأل مولاه ان يكاتبه فابى عليه فنزل الآية كما فى التكملة {فكاتبوهم} خبر الموصول والفاء لتضمنه معنى الشرط اى فاعطوهم ما يطلبون من الكتابة والامر فيه للندب لان الكتابة عقد يتضمن الارفاق فلا تجب كغيرها ويجوز حالا ومنجما وغير منجم عند ابى حنيفة رضى الله عنه {ان علمتم فيهم خيرا} اى امانة ورشدا وقدرة على اداء البدل لتحصيله من وجه الحلال وصلاحا بحيث لايؤذى الناس بعد العتق واطلاق العنان، قال الجنيد ان علمتم فيهم علما بالحق وعملا به وهو شرط الامر اى الاستحباب للعقد المستفاد من قوله فكاتبوهم فاللازم من انتفائه انتفاء الاستحباب لا انتفاء الجواز {وآتوهم من مال الله الذى آتيكم} امر للموالى امر ندب بان يدفعوا الى المكاتبين شيأ مما اخذوا منهم وفى معناه حط شىء من مال الكتابة وقد قال عليه السلام "حديث : كفى بالمرء من الشح ان يقول آخذ حقى لا اترك منه شيئا"تفسير : وفى حديث الاصمعى اتى اعرابى قوما فقال لهم هذا فى الحق او فيما هو خير منه قالوا وما خير من الحق قال التفضل والتفضل افضل من اخذ الحق كله كذا فى المقاصد الحسنة للسخاوى، قال الكاشفى [حويطب صبيح را بصد دينار مكاتب ساخته بود بعد از استماع اين آيت بيست دينار بدو بخشيد] يعنى وهب له منها عشرين دينارا فاداها وقتل يوم حنين فى الحرب واضافة المال اليه تعالى ووصفه باتيانه اياهم للحث على الامتثال بالامر بتحقيق المأمور به فان ملاحظة وصول المال اليهم من جهته تعالى مع كونه هو المالك الحقيقى له من اقوى الدواعى الى صرفه الى الجهة المأمور بها، قال بضعهم هو امر لعامة المسلمين باعانة المكاتبين بالتصدق عليهم: يعنى [خطاب {وآتوهم} راجع بعامه مسلما نانست كه اعانت كنند اورا زكات بدهند تامال كتابت ادا كند وكردن خودرا از طوق بندكى مخلوق بيرون آزد وبدين سبب اين خير را فك رقبه مى كويند واز عقبه عقوبت بدان ميتوان كذشت] شعر : بشنو از من نكته اى زنده دل وز بس مركم به نيكى يادكن كه بلطف آزاده را بنده ساز كه باحسان بنده آزاد كن تفسير : وفى الحديث "حديث : ثلاثة حق على الله عونهم المكاتب الذى يريد الاداء والناكح يريد العفاف والمجاهد فى سبيل الله"تفسير : واختلفوا فيما اذا مات المكاتب قبل اداء النجوم فقال ابو حنيفة رحمه الله ومالك ان ترك وفاء بما بقى عليه من الكتابة كان حرا وان كان فيه فضل فالزيادة لاولاده الاحرار وقال الشافعى احمد يموت رقيقا وترتفع الكتابة سواء ترك مالا او لم يترك كما لو تلف المبيع قبل القبض يرتفع البيع {ولاتكرهوا فتياتكم} اى اماءكم فان كلا من الفتى والفتاة كناية مشهوره عن العبد والامة وباعتبار المفهوم الاصلى وهو ان الفتى الطرى من الشباب ظهر مزيد مناسبة الفتيات لقوله تعالى {على البغاء} وهو الزنى من حيث صدوره عن الشواب لانهن اللاتى يتوقع منهن ذلك غالبا دون من عداهن من العجائز والصغائر يقال بغت المرأة بغاء اذا فجرت وذلك لتجاوزها الى ما ليس لها ثم الاكراه انما يحصل متى حصل التخويف بما يقتضى تلف النفس او تلف العضو واما اليسير من التخويف فلا تصير مكرهة {ان اردن تحصنا} تعففا اى جعلن انفسهن فى عفة كالحصن وهذا ليس لتخصيص النهى بصورة ارادتهن التعفف عن الزنى واخراج ماعداها من حكمه بل للمحافظة على عادتهم المستمرة حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه وكان لعبد الله بن ابىّ ست جوار جميلة يكرههن على الزنى وضرب عليهن ضرائب جمع ضريبة وهى الغلة المضروبة على العبد والجزية فشكت اثنتان الى رسول الله وهما معاذة ومسيكة فنزلت وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ماكانوا يفعلونه من القبائح مالا يخفى فان من له ادنى مروءة لايكاد يرضى بفجور من يحويه من امائه فضلا عن امرهن او اكراههن عليه لاسيما عند ارادتهن التعفف وايثار كلمة ان على اذ مع تحقق الارادة فى مورد النص حتما للايذان بوجوب الانتهاء عن الاكراه عند كون ارادة التحصن فى حيز التردد والشك فكيف اذا كانت محققة الوقوع كما هو الواقع {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} قيد للاكراه والعرض ما لايكون له ثبوت ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له قائما بالجوهر كاللون والطعم وقيل الدنيا عرض حاضر تنبيها على ان لا ثبات لها والمعنى لا تفعلوا ما انتم عليه من اكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع الزوال من كسبهن وبيع اولادهن، قال الكاشفى [در تبيان آورده كه زانى بودى كه صد شتر ازبراى فرزندى كه ازمزنى بها داشت بدادى] {ومن} [هركه] {يكرههن} على ماذكر من البغاء {فان الله من بعد اكراههن} اى كونهن مكرهات على ان الاكراه مصدر من المبنى للمفعول {غفور رحيم} اى لهن وتوسيط الاكراه بين اسم ان وخبرها للايذان بان ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة، وفيه دلالة على ان المكرهين محرومون منهما بالكلية وحاجتهن الى المغفرة المنبئة عن سابقة الاثم باعتبار انهن وان كن مكرهات لا يخلون فى تضاعيف الزنى عن شائبة مطاوعة بحكم الجبلة البشرية، وفى الكواشى المغفرة ههنا عدم الاثم لانها لا اثم عليها اذا اكرهت على الزنى بقتل او ضرب مفض الى التلف او تلف العضو واما الرجل فلا يحل له الزنى وان اكره عليه لان الفعل من جهته ولا يتأتى الا بعزيمة منه فيه فكان كالقتل بغير حق لايبيحه الاكراه بحال انتهى. وفى الآيتين الكريمتين اشارتان، الاولى ان بعض الصلحاء الذين لم يبلغوا مراتب ذوى الهمم العلية فى طلب الله ولكن ملكت ايمانهم نفوسهم الامارة بالسوء فيريدون كتابتها من عذاب الله وعتقها من النار بالتوبة والاعمال الصالحة فكاتبوهم اى توّبوهم ان تفرستم فيهم آثار الصدق وصحة الوفاء على ما عاهدوا الله عليه فانه لايلزم التلقين لكل من يطلبه وانما يلزم لاهل الوفاء وهم انما يعرفون بالفراسة القوية التى اعطاها الله لاهل اليقين وآتوهم من قوة الولاية والنصح فى الدين الذى اعطاكم الله فان لكل شىء زكاة وزكاة الولاية العلم والمعرفة والنصيحة للمستنصحين والارشاد للطالبين والتعاون على البر والتقوى والرفق بالمتقين وكما ان المال ينتقض بل يزول ويفنى بمنع الزكاة فكذا الحال يغيب عن صاحبه بمنع الفقراء المسترشدين عن الباب ألا ترى ان السلطنة الظاهرة انما هى لاقامة المصالح واعانة المسلمين فكذا السلطنة الباطنة شعر : وللارض من كأس الكرام نصيب تفسير : والثانية ان النفوس المتمردة اذا اردن التحصن بالتوبة والعبودية بتوفيق الله وكرمه فلا ينبغى اكراهها على الفساد طلبا للشهوات النفسانية، واعلم ان من لم يتصل نسبه المعنوى بواحد من اهل النفس الرحمانى وادعى لنفسه الكمال والتكميل فهو زان فى الحقيقة ومن هو تحت تربيته هالك لانه ولد الزنى وربما رأيت من يكره بعض اهل الطلب على التردد لباب اهل الدعوى ويصرفه عن باب اهل الحق عنادا وغرضا ومرضا واتباعا لهواه فهو انما يكرهه على الزنى لانه بملازمة باب اهل الباطل يصير المرء هالكا كولد الزنى اذ يفسد استعداده فساد البيضة نسأل الله تعالى ان يحفظنا من كيد الكافرين ومكر الماكرين.

الجنابذي

تفسير : {وَلْيَسْتَعْفِفِ} الايامى من الرّجال والنّساء {ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} بعدم وجدان الازواج لرجالهم ونسائهم او عدم وجدان ما يحتاجون اليه فى نكاحهم من الصّداق والنّفقة والكسوة والمسكن او بمنع الاولياء من النّكاح وعدم القدرة على مخالفتهم {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ} من فقر الدّنيا فيجدوا ما يتيسّر لهم النّكاح او من الفقر الى وجدان الازواج فيجدوا لانفسهم ازواجاً او من الفقر الى رفع منع الاولياء او يغنيهم الله من النّكاح بان انسى طبائعهم توليد النّطفة وأطفى حرارة النّطفة الموجودة فلا توذى بدغدغتها ولا بامتلاء الاوعية بها او بان جعل قلوبهم بسبب الاستعفاف معلّقة بالملأ الاعلى ونفوسهم تابعة لها فلا يشتغلون بالطّبيعية ولوازمها وملاذّها فيغنيهم {مِن فَضْلِهِ} عن النّكاح، او المعنى وليستعفف بالتّزويج الايامى من الرّجال والنّساء الّذين لا يجدون نكاحاً ووطياً بان لم يكن لهم ازواج ولم يتزوّجوا مخافة الفقر حتّى يغنيهم الله بالنّكاح الّذى يخافون الفقر بسببه، وعلى هذا يكون الآية الاولى امراً للمؤمنين واولياء الاعزاب بتزويج الايامى، والآية الثّانية امراً للاعزاب انفسهم بالتّزويج كما نسب الى الصّادق (ع) فى هذه الآية انّه قال: يتزوّجون حتّى يغنيهم الله من فضله، وعنه (ع): من ترك التّزويج مخافة العيلة فقد اساء الظّنّ بربّه لقوله سبحانه: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، ونسب الى النّبىّ (ص) انّه قال: حديث : من احبّ فطرتى فليستنّ بسنّتى، ومن سنّتى النّكاحتفسير : ، وقال (ص): حديث : يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج فانّه اغضّ للبصر واحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم فانّه له وجاءتفسير : ، والوجاء كناية عن قطع الشّهوة فانّه بمعنى رضّ الانثيين الّذى يذهب بشهوة الجماع، ونسب اليه (ص) انّه قال: حديث : من ادرك له ولد وعنده ما يزوّجه فلم يزوّجه فأحدث فالاثم بينهماتفسير : ، ونسب اليه (ص) انّه قال: حديث : اربع لعنهم الله من فوق عرشه وامّنت عليه ملائكته الّذى يحصر نفسه فلا يتزوّج ولا يتسرّى لئلاّ يولد له، والرّجل يتشبّه بالنّساء وقد خلقه الله ذكراً، او المرأة تتشبّه بالرّجال وقد خلقها الله انثى، ومضلّل النّاس يقول للمسكين: هلمّ اعطك فاذا جاء يقول ليس معى شيءٌ، ويقول للمكفوف: اتّق الدّابة وليس بين يديه شيءٌ، والرّجل يسأل عن دار القوم فيضلّله تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} مصدر كاتبه من الكتابة فانّه يجعل بين السّيد والعبد او الامة كتاباً مشتملاً على نجوم مال الكتابة واجله وشروط المكاتبة، او اسم بمعنى الصّحيفة المكتوب فيها، او بمعنى القدر، او بمعنى الفرض، او هو مصدر من المجرّد او المزيد فيه من الكتاب بواحدٍ من المعنيين الاخيرين فانّهما يقدّر ان مال الكتابة، او المولى يفرض على نفسه عتق عبده باداء مال الكتابة {مِمَّا مَلَكَتْ} اى من العبيد والاماء الّذين ملكتهم {أَيْمَانُكُمْ} وانّما اتى بلفظ ما دون من للاشعار بانّهم من حيث المملوكيّة فى حكم غير ذوى العقول {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} أى مالاً او حرفة او قدرة على كسب المال او امانةً حتّى لا يكتسبوا بالحرام مثل السّرقة والسّؤال والزّنا او صلاحاً حتّى لا يفرّوا من مال الكتابة {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} اى حطّوا من مال الكتابة او ردّوا عليهم ممّا اخذتموه من نجوم مال الكتابة شيئاً ايّها الموالى، او أعطوهم من الزّكٰوة اعانة على اداء مال الكتابة ايّها الموالى او ايّها المؤمنون {وَلاَ تُكْرِهُواْ} ايّها الموالى {فَتَيَاتِكُمْ} اى امائكم الشّابّات {عَلَى ٱلْبِغَآءِ} اى الزّنا {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} بيان للاكراه على البغاء فانّه لا يتحقّق الاّ بارداتهنّ التّحصّن على انّ مفهوم الشّرط لو كان قيداً لم يكن حجّة {لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بكسبهنّ واجرة البغاء {وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ} لهم اذا تابوا او غفور لهنّ ما يلزمهنّ من السّوأة الّلازمة لهذا الفعل ولو كان بالاكراه او من السّوأة الّلازمة لهنّ بعد الاكراه اذا رغبن فى الفعل بمقتضى طبيعتهنّ {رَّحِيمٌ} يرحمهم او يرحمهنّ فضلاً عن المغفرة، وقرئ فانّ الله من بعد اكراههنّ لهنّ غفورٌ رحيم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} أي: حتى يجدوا ما يتزوّجون به. قوله: {وَالذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَت أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} أي: إن علمتم عندهم مالاً. وليس بفريضة إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه. وقال بعضهم: إن علمتم منهم صدقاً ووفاءً وأمانة. وقال ابن عباس: إن علمتم عندهم حرفة أو عملاً. ويكره أن يكاتبه وليست له حرفة ولا عمل إلا على مسألة الناس. فإن كان له حرفة أو عمل ثم تصدّق عليه من الفريضة أو التطوّع فلا بأس على سيّده، لأنه من ذوي فريضتها، قد وجبت له الزكاة، وصار حُرّاً قد استوجب سهماً من سهام الصدقة؛ فلا بأس أن يأخذ منه ما قد ملَّكه الله وأحلَّه له. قوله: {وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الذِي ءَاتَاكُمْ} [قال بعضهم: أي: أن يترك له طائفة من مكاتبته]. وقال بعضهم: أي: أعطوهم مما أوجب الله لهم من سهمهم في الصدقة؛ يقول: إنهم أحرار، وإنهم قد وجبت لهم الصدقة بفرض الله لهم منها سهماً فيها. وهي عنده كقوله: {أية : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْن السِّبِيلِ فَرِيضَةً مِن اللهِ}تفسير : [التوبة: 60] لهؤلاء الذين سماهم الله في الصدقات، فكذلك قوله: {وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الذِي ءَاتَاكُمْ} أي: أعطوهم فرضهم الذي فرض الله لهم في كتابه. قوله: {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَآءِ إِن أَرَدْنَ تَحَصُّناً} أي: تعفّفاً {لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا}. قال بعضهم: كان الرجل يكره مملوكته على البغاء ليكثر ولدها. وقال بعضهم: نزلت في أمة لعبد الله بن أبي بن سلول كان يكرهها على رجل من قريش رجاء أن تلد منه، فيفدي ولده. فذلك العرض الذي كان ابن أبي يبتغي. قوله: {وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} لهن {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [وليست لهم] وكذلك هي قراءة ابن مسعود. قوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إلَيْكُمْ ءَاياتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} أي: قد أنزلنا إليكم كتاباً فيه آيات مبيّنات، أي: الحلال والحرام والأمر والنهي والفرائض والأحكام {وَمَثلاً مِّنَ الذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ} أي: أخبار الأمم السالفة {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}. ذكروا عن أبي الدرداء قال: نزل القرآن على ست آيات: آية مبشّرة وآية منذرة، وآية فريضة، وآية تأمرك، وآية تنهاك، وآية قصص وأخبار. قوله تعالى: {اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُّوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. أما قوله: {مَثَل نُورِهِ} أي: فمثل نوره الذي أعطى المؤمن في قلبه (كَمِشْكَاةٍ) والمشكاة: الكوّة في البيت التي ليست بنافذة، وهي بلسان الحبشة. وهي مثل صدر المؤمن. {فِيهَا مِصْبَاحٌ} وهو النور الذي في قلب المؤمن. قال: {المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} صافية، والزجاجة القنديل، وهو مثل قلب المؤمن، قلبه صاف. {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كُوْكَبٌ دُرِّيٌّ} أي: عظيم مضيء (يُوقَدُ) يقرأ على وجهين: يوقد وتوقد، فمن قرأها بالياء فهو يعني المصباح، ومن قرأها بالتاء فهو يعني الزجاجة بما فيها، فكذلك قلب المؤمن يتوقّد نوراً. {مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} وهي مثل قلب المؤمن. {لاَّ شَرْقِيَّةٍ ولاَ غَرْبِيَّةٍ} أي: لا شرقية تصيبها الشمس إذا أشرقت ولا تصيبها إذا غربت. ولا غربية تصيبها الشمس إذا غربت ولا تصيبها إذا أشرقت؛ أي: ليس يغلب عليها الشرق دون الغرب، ولا الغرب دون الشرق، ولكن يصيبها الشرق والغرب. وقال بعضهم: لا يفيء عليها ظل شرقي ولا غربي؛ هي ضاحية للشمس، وهي أصفى الزيت وأعذبه وأطيبه. وقال بعضهم: لا يصيبها فيء شرق ولا فيء غرب، هي في سفح جبل، وهي شديدة الخضرة. وهي مثل المؤمن. (لاَّ شَرْقِيَّةٍ) أي: لا نصرانية تصلّي إلى الشرق، (وَلاَ غَرْبِيَّةٍ) أي: ولا يهودية تصلّى إلى المغرب، أي: إلى بيت المقدس. الموضع الذي نزل فيه القرآن غربيّه بيت المقدس. {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} أي: يكاد زيت الزجاجة يضيء {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} وهو مثل قلب المؤمن يكاد أن يعرف الحق من قبل أن يُبَيَّنَ لَهُ فيما يذهب إليه قلبه من موافقة الحق فيما أمر به، وفيما يذهب إليه من كراهية ما نهى عنه؛ وهو مثل لقوله: {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}. قال: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} أي: نور النار على الزيت في المصباح. فكذلك قلب المؤمن إذا تبيّن له الحق صار نوراً على نور، كما صار المصباح حين جعلت فيه النار نوراً على نور: نور الزجاجة، ونور الزيت، ونور المصباح. قال: {يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} أي: لدينه {وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {وَلْيَسْتَعْفِفِ} وليجتد في العفة وجمع الشهوة فالسين والتاء للتأكيد ويجوز كونها للطلب فان المستعفف يطلب من نفسه بالعفاف ويحملها عليه. {الَّذِينَ لاَ يَجُدُونَ نِكَاحاً} لعدم ما يتوصلون اليه به من مهر ونفقة ويجوز ان يراد بالنكاح ما به النكاح من المال أي وليستعففوا عن الزنا ومقدماته * {حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} في هذا ترجية لهم تربط على قلوبهم ينتظرون الحلال من الجماع مع ما تقدم من الامر بالغض المعين على العفة {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ} يحبون ويطلبون {الْكِتَابَ} المكاتبة وهي ان يشتروا انفسهم من مواليهم مصدر كاتب بفتح التاء كالقتال * {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} من عبد او امة {فَكَاتِبُوهُمْ} خبر زيدت فيه الفاء لشبه مبتدأ باسم الشرط في العموم والابهام وكون الذين مفعولا محذوف على الاشتغال ولا لسلامته من الاخبار بالطلب واختار بعضهم الرفع ولو كان الخبر طلبا في مقام العموم مثل هذا والنصب في الخصوص مثل (زيدا اكرمه) ويجوز كون (الذين) مبتدأ محذوف الخبر على حذف مضاف أي ومن المندوب كتاب الذين يبتغون الكتاب فالفاء وما بعدها للاستئناف وسمي بيع السيد لعبده نفسه اعني نفس العبد كتابا بان السيد كتب وعقد على نفسه عتقه بذلك كتب العبد على نفسه الوفاء بالثمن ولانه كتب عليه الثمن والوفاء به وكتب العبد العتق أو لانه مما يكتب لتأجيله في الجملة أو لانه بنجوم يضم بعضها إلى بعض. والكتب يطلق على الجمع والضم لكن يجوز بلا اجل واجلين وآجال وبالنقد وبالكثير والقليل بعمل معلوم كحفر بئر معلومة الطول والعرض وبناء دار كذلك وغرس اشجار ونخل كذلك ويوصف لقلة الجهالة فيه ووجب الاوسط وبغير ذلك فانه كسائر العقود. قيل: ولا يجوز على قيمته فان اداها عتق كذا عندنا وعند الحنيفية. وقالت الشافعية: لا يجوز الا مؤجلا منجما ولا يجوز عنده بنجم واحد لانه لا يملك شيئا فعقده حالا يمنع من حصول الغرض لانه لا يقدر على اداء البدل عاجلا والمكاتب عندنا حر. وقال غيرنا عبد ما دام عليه درهم والكتابة عندنا ندبا هذا وهذا الامر للندب وكذا عند المالكية وهو مذهب الحسن والعامة لانه كسائر العقود ولا يجب على احد باخراج ملكه. وقال عمر رضي الله عنه وابن سيرين وداود: الكتاب فرض ان علم فيهم خير وابتغوا الكتاب على القيمة أو أكثر وان ابتغوه على أقل لم يجب وهو قول عطا ايضا وعمر وابن دينار. روي ان عبدالله سأل مولاه الكتاب فابى فشكاه بعض إلى عمر فدعاه فامر بالكتاب فابى فضربه بالدرة وتلا {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرَاً} فكاتبه. واحتج من قال: تجوز الكتابة الحالة باطلاق الآية ومدعي التقييد لا يتبع الا بدليل والاصل حمل المطلق على اطلاقه فيعم الا بدليل والكتابة مبنية على الرفق المندوب لا على رفق واجب كما امر صلى الله عليه وسلم ان يكون "حديث : سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى"تفسير : وكما يجوز البيع العاجل ومتى شاء البائع طلب المشتري الا في حال اساره. كذلك تجوز الكتابة العاجلة متى شاء طلبه بشيء يمكن وجوده عنده ولا يقاس على السَّلَم فانه ورد فيه النص على الآجل وحجة من قال انه عبد ما بقي عليه درهم ما زعمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم"تفسير : والصحيح انه حر ولو لم يؤد ولو حبة شعير وانما ولد بعد الكتاب حر وما ولد قبله عبد الا ان ادخله مولاه الكتاب وولاء لمكاتبه. والمكاتبة لا توطى بل يجدد نكاحها ان شاءت والخير الصلاح في امر الدين عندنا وهو قول ابي عبيده السلماني. وقيل: الامانة والقدرة على المال بالاحتراف وهو قول ابن عباس وكان يكره ان يكاتبه وليس عنده حرفة أو عمل وعليه الشافعي ومالك وعن ابن عمرو ومالك والثوري الخير القوة على الكسب وقيل المال. وكان لسلمان عبد ابتغى الكتابة فقال له سلمان عندك مال؟ قال: لا قال: افتامرني ان آكل غسالة ايدي الناس ولم يكاتبه ويعني بالغسالة الزكاة. وعن بعضهم لو اراد المال لقال ان علمتم لهم خيرا ولما شرط لانه لا يلزم من عدمه عدم الجواز. وقيل: الخير الصدق والامانة. وقيل: الخير البلوغ والعقل والصبي والمجنون لا تصح كتابتهما لان الابتغاء منهم لا يصح ولا عقد لهما في الشيء الكثير. وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي والمراهق وفي المراهق عندنا خلاف. {وَآتُوهم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} الخطاب للسادة أو للسادت أو غيرهم ان يعطوا من زكاة مالهم لمن كاتبوه وهو حر ياخذ الزكاة ولو في غير متولي لتبرأ ذمته هذا مذهبنا ولكن هذا الامر للندب وقيل: للوجوب وقيل: الخطاب للسادات فقط وقيل: المراد بالمال مطلق المال لا الزكاة وان الخطاب عام قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة إِعانتهم حق المكاتب والمتزوج يريد العفاف والمجاهد في سبيل الله"تفسير : وان قلت: كيف يصح ان تعطي زكاة مالك لمكاتبك ثم يردها اليك؟ قلت: ذلك مثل من اعطى صدقة ماله احدا ثم رد ماله لدين له عليه وكمن اعطاها لفقير ثم اشتراها منه أو ورثها أو وهبت له كل ذلك جائز إذا انتفى السوء من القلب. وكما قال صلى الله عليه وسلم: في حديث بريرة "حديث : هو لها صدقة ولنا هدية " تفسير : فقال عثمان وعلي والزبير وجماعة الشافعي: الخطاب للموالي ان يعطوا من مال الكتابة شيئا وجوبا فقيل يحط الربع ورواه بعضهم مرفوعا. وقال ابن عباس: يحط الثلث. وقال الشافعي: عليه ان يحط ما شاء بلا حد ويجبر على ذلك. وكذا قال مالك لكن لم يوجب الحط واستحسن على ان يوضع عنه الربع. وقيل: يحط عنه الثلث ندبا. وقيل: يحط العشر والحط من أول نجومه أولى عند عمرو مبالغة إلى الخير ومخافة ان لا يدرك الوسط والآخر وراء ومالك وغيره ان الوضع من آخرها اولى لانه ربما عجز عن الاداء فيرجع هو وماله للسيد فيعود إليه وضيعته ان وضع قبل الآخر واستظهروا ان لا حرج في رجوعها وقبضها وذلك بناء على انه عبد ما بقى درهم وهو غير مذهبنا كما علمت. قال نافع: كاتب عبدالله بن عمرو غلاما له على خمسة وثلاثين ألف درهم فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف درهم. قال ابن جبير: كأنه لم يضع من أول نجومه مخافة ان ترجع إليه صدقته. واختلف من قال انه عبد ما بقي درهم ان مات قبل اداء النجوم فقال اكثرهم: مات رقيقا مطلقا وهو قول عمر وابنه وزيد بن ثابت وعمر بن عبدالعزيز والزهري وقتاده والشافعي واحمد. وقال عطاء وطاووس والنخعي والحسن ومالك والثوري واصحاب الرأي: ان ترك وفاء ما بقي عليه من مال مات حرا وما فضل لاولاده الاحرار. وسبب نزول الآية ان غلاما لحويطب بن عبدالعزيز يسمى صبيحا سأل مولاه ان يكاتبه فابى فنزلت فكاتبه حويطب على مائة دينار واوضع عنه عشرين دينار أو ادى الباقي وقتل يوم حنين في الحرب ونسب وجوب الوضع للاكثر. وقيل: المراد بالايتاء الانفاق عليهم بعد ان يؤدوا استحبابا. وقيل: المراد الاسلاف لهم. وكاتب عمر عبدا له يكنى ابا امية وهو أول مكاتب في الاسلام فاتاه باول نجم فدفعه إليه عمر فقال: استعن به على مكاتبتك فقال لو اخرته إلى آخر نجم. فقال: اخاف ان لا ادرك ذلك. فصل قال في التاج: المكاتب عندنا حر حين كوتب والثمن عليه ولو ضعف بيعه وان اعطاه المكاتب شيئا قبل الاجل بطيب نفسه حل له اخذه خلافا لابن محبوب وان اعين المكاتب ففضل بيده شيء جعله في مكاتب آخر ومن اجبر مكاتبته على وطء فعليه العقر وفي الحد خلاف. ومن كوتب على ثمن معين وخدمه سنة فان اوقع المكاتب له البيع بعد انقضائها بهما بمعنى انه إذا انقضت وقع فهو ضعيف وان اوقعه في وقته على ان يخدمه سنة ثبت البيع والاستخدام على وجه العبودية ومعناه انه لا يملك رايه في السنة. ومن قال لعبده: بعت لك نفسك فقبل ولم يذكرا ثمنا ولا حدا. قال ابو الحواري: يسعى له بقيمة وعتق. ومن كاتب عبده وله ام ولد وولد ومال فهم عبيد الا ان اشترطهم والمال للمكاتب الا ان يشترطه السيد أو خفي عنه فللسيد ولا تثبت المكاتبة على وصيف غير معين الا ان يتفقا على شيء والا عتق بقيمته عليه. وان كاتب مريض عبده أجيز له الثلث ويسعى بالباقي وان شرطت عليه الرجوع إلى الرق إذا عجز عن الاداء لم يجده. وإذا ايسر عبد وقد عرض عليه مولاه المكاتبة لم تسعه الاقامة على العبودية الا ان اخاف الحمل على الناس وان مات وترك مالا فهو لوارثه بعد اداء ما عليه. وقيل: مال المكاتب العتيق لمولاهما. وقيل: الظاهر لهما ان يستثينه وعليه الاكثر ولا نحب للسيد منع المكاتبة من عبده إذا طلبها وحصل له ثمنها وبعض حثه عليها وبعض حكم عليه بها وجاز ان يعطى دراهم يشتري بها نفسه. وان قبل المكاتبة تكون عطية له دون سيده. وقيل: توقف إلى عتقه فتكون له. وان اقرضه رجل دراهم فاشترى بها نفسه ادركها عليه. وإذا قال له: بعت لك نفسك بكذا عتق وان لم يرض لانه لا يجوز له ان لا يرضى. واختير الجواز مكاتبة الوصي لعبد اليتيم. ومن قال لعبدة: ادلي كل شهر خمسة دراهم وانت عتيق عتق وعليه ذلك ما عاش. ويعطي من الصدقة ومن بيت المال لانه حر ولا نفقة له على مكاتبه. ومن وطء مكاتبته على علم فانه زنى ولا عليها حد إذا لم تعلم انه زنى. ولا تجوز المكاتبة بمحرم كخمر وقيل ان اداه عتق وعليه قيمة نفسه. وان كاتب الذمي عبد على خمر جاز ذلك ولا يحكم للمولى الا بقيمة الخمر. وثبتت المكاتبة من عبد صغير يعقل بشرط القيمة آجلة أو مؤجلة أو نجوما والله اعلم. {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ} ايماءكم جمع فتاة وقول السيد فتاي وفتاتي أولى من قوله عبدي وامتي؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليقل أَحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وامتي"تفسير : على جهة الندب بدليل قوله تعالى {عبادكم واماءكم} {عَلَى البِغَآءِ} الزنى * {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} تعففا عن الزنى شرط للنهي لانه لا يلزم من عدم التحصن جواز الاكراه لارتفاع النبي بامتناع الاكراه منهم أو شرط للاكراه فان الاكراه لا يمكن الا مع ارادة التحصن. واما التي تريد الزنى فامرها لا يسمى امره لها اكراها فالفتاة إذا ارادت التحصن تصور ان يكون السيد مكرها ويمكن ان ينهى عن الاكراه وإذا لم ترد التحصن فلا يمكن ان يقال للسيد لا تكرهها لان الاكراه لا يتصور فيها وهي تريد التحصن فلا مفهوم للشرط فلا يقال ان الآية تفيد انهن ان لم يردن التحصن جاز اكراههن لان هذا كما علمت غير ممكن عقلا لان الاكراه لا بقاء له عند عدم ارادة التحصن بل هو مضمحل. هذا ما كان يظهر لي قبل التفكر ثم رأيته منصوصا عليه ولنا ان نسلم ان الآية تدل على انتفاء حرمة الاكراه عند انتفاء ارادة التحصن بحسب الظاهر نظرا إلى مفهوم المخالفة لكن الاجماع القاطع عارضه والنص على ان الزنى حرام مطاوعة أو اكراها يدفع بالقاطع والنص هذا وجه ثالث. ولنا رابع هو ان لا نسلم ان التعليق بالشرط يقتضي انتفاء المعلق عند انتفائه لكن هذا انما هو على مذهب من لم يقل بالمفهوم كالحنيفية. وان قلت انتفاء الشرط يوجب انتفاء المشروط لانه عبارة عما يتوقف عليه وجود الشيء؟ قلت: هذا في غاية السقوط لانه غلط نشأ من اشتراك اللفظ لانا لا نسلم ان الشرط النحوي هو ما يتوقف عليه وجود الشيء بل هو المذكور بعد نحو ان معلقا عليه حصول مضمون جملة اي حكم بانه يحصل مضمون تلك الجملة عند حصوله وكلاهما منقول عن معناهما اللغوي. يقال: (شرط عليه كذا) إذا جعله علامة الا ترى ان قولنا ان كان هذا انسانا فهو حيوان شرط وجزاء مع ان كونه حيوانا لا يتوقف على كونه انسانا ولا ينتفي بانتفائه بل الامر بالعكس الا ان الشرط النحوي في الغالب ملزوم والجزاء لازم ولا يقال هذا مثال مصنوع فلا يرد نقضا لاننا نقول مثله وارد. ووجه خامس وهو انه لا خلاف في ان التعليق بالشرط انما يقتضي انتفاء الحكم عند انتفائه إذا لم تظهر للشرط فائدة اخرى وهنا يجوز ان تكون فائدته المبالغة في النهي عن الاكراه اي إذا اردن العفة فالمولى احق بارادتها. ووجه سادس وهو ان الآية نزلت فيمن تريد التحصن ويكرهها المولى على الزنى فيكون سببها خاصا فيجيء باللفظ طبقا له. قال جابر: ان عبدالله بن أبيّ يقول لجاريته اذهبي فابغينا شيئا فنزلت الآية. وفي رواية كانت له جاريتان مسيكة واميمة يكرههما على الزنى بالاجرة فشكتا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وفي رواية لما جاء الاسلام وكانت معاذة ومسيكة يكرههما كذلك قالت معاذة لمسيكة ان هذا الامر الذي نحن فيه ان يك خيرا فقد اكثرنا منه وان كان شرا فقد آن لنا ان نتركه فنزلت. وفي رواية ان احدى الجاريتين جاءت ببرد والاخرى بدينار فقال لهما: ارجعا فازنيا فقالتا: والله لا نفعل فقد جاء الاسلام وحرم الزنى فشكتاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقيل: كانت له ست جوار يكرههن على الزنى وضرب عليهن ضرائب معاذة ومسيكة واميمة وغمرة واروى وفتيلة شكا بعضهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وكانت عادة اماء الجاهلية يزنين بالاجرة لمواليهن. وقيل: ان قرشيا اسر ببدر فكان بيد عبدالله المذكور وكانت له جارية من جواريه يراودها القرشي عن نفسه فامتنعت لاسلامها وابن ابيّ يكرهها على ذلك ويضربها رجاء ان تحمل منه فيطلب فداء وله فنزلت. قال الشيخ هود: فذلك الغرض الذي كان ينبغي. وقيل: نزلت في شأن رجل يكره امته على الزنى ليكثر ولدها. ووجه سابع وهو ان ذلك شرط لقوله: {وَأَنِكحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ} وان الايامى النساء فقط وما بينهما فاصل. نكت؛: قيل: ان الاماء كن يزنين بالاجرة لمواليهن برغبة وطوع وانما وجد من معاذة ومسيكة واميمة من كراهية الزنى شاذ. وإذا قلت: ان سبب نزول الآية ليس خاصا بهن بل انما نزلت الآية ولسن سببا فيها فانما عبر بالماضي على طريقة اظهار الرغبة المتوفرة في ارادتهن التحصن حتى كأن الاماء مطلقا قد أردن التحصن والله اعلم. {لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَٰوةِ الدُّنْيَا} وهو ما ياتين به من اجرة الزنى أو ما يفدى به الولد أو كثرة الولد على ما مر والابتغاء الكسب متعلق بنكر هو ولا يقال يدل على جواز الاكراه لا بنية الكسب لاننا نقول: قام الدليل على تحريم الزنى مطلقا فلا يعتبر المفهوم معه ولانهم يكرهونهن للكسب فنهوا عن ذلك الاكراه. واما الاكراه لغير الكسب فليسوا يفعلونه فلا يفهم من الآية حكمة إذ لم تنزل مطلقة حتى يتعرض فيها لحكم ما لم يفطنوا بل نزلت في مجرد ترك ما يفعلون وايضا إذا حرم الاكراه بالاجرة فاحرى ان يحرم بدونها. {وَمَن يُكْرِههُّنَّ} على الزنى {فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} اي من بعد اكراهكم اياهن فحذف الضمير العائد إلى اسم الشرط من الجواب وقال الكوفيون باستتار الفاعل في المصدر. {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} اي لهن كما قرأ به ابن مسعود. وقيل: يقرأ بتقديم لهن ويقول {مِن بَعْدَ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وكان الحسن إذا قرأ {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال: لهن والله لهن والله ويجوز ان يراد غفور رحيم له اي لمن يكرههن او له ولهن وما تقدم اولى بدليل قراءة ابن مسعود ولان الرحمة والغفران يتبادران إلى المكره بفتح الراء لا إلى المكرة بالكسر فظاهر واما في جانب المكره بكسرها وعلى كل حال فالرحمة والغفران مقيدان بالتوبة اما في جانب المكره بالفتح فلأنه بموت الانسان ولا يزني فزناهن بالاكراه ذنب يحتاج المغفرة ولا يغفر الا بالتوبة كما ان زناهن بالطوع كذلك هذا ما يناسب قاعدة المذهب. وانما الاكراه الذي لا ذنب على من وقع عليه ان تمسك الامة مثلا فيقع عليها رجل. فافهم كل شيء ولا زعمات جارالله والقاضي في هذا المقام إذ قال انه لا اثم عليها في الزنى إذا اكرهت عليه بالقتل أو ما تخاف منه التلف أو ذهاب العضو من ضرب عنيف أو غيره وانها تأثم ان قصرت عن هذا الحد لكن القاضي لم يصرح بكل ذلك وقال: الاكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات ولذا حرم على المكره القتل واوجب عليه القصاص.

اطفيش

تفسير : {وليستعفف} أى يكف النفس عن الزنى، ومقدماته بالصوم كما فى الحديث، وبما أمكن كالجوع، وكالاشتغال بالعبادة، وعن كسب المال الحرام للتزوج {الَّذين لا يجدون نكاحاً} أسبابه، أو ما ينكح به من المال كركاب بمعنى ما يركب، أو امرأة منكوحة ككتاب، بمعنى مكتوب، ولا ينافيه قوله عز وجل: {حتى يغنيهم الله من فَضْله}، لأن المعنى عليه حتى يغنيهم من فضله بوجودها، أو وجود مال يتزوجها به، وإن خاف الزنى لو لم يتزوج، والجور بمنع الانفاق عليها إن تزوج تزوج، وعالج الانفاق كذا قال بعض قومنا وعدمه أولى عندى، بل أوجب لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فليصم فإن الصوم له وجاء" تفسير : وحق المخلوق كانفاق مقدم، ولا يجده فليترك التزوج. {والذين يبتغون الكتاب} مصدر كاتب يكاتب، يطلبون أن يقع الكتب بينكم، بأن تبيعوا لهم أنفسهم، فيكونون أحراراً بثمن تكتبون أنه يؤدى كذا وقت كذا، وكذا وقت كذا، وجاز لوقتين فصاعدا أو لوقت نقدا، فإن لم يجدوا التزوج قبل وجدوه إذا كوتبوا، وهم أحرار من حينهم عليهم دين لمكاتبهم، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : المكاتب عبد ما بقى عليه درهم"تفسير : ففيما إذا قال السيد: إذا أعطيتنى كذا فأنت حر، وإلا فهو كسائر المبيعات يملكها من اشتراها من حين البيع {ممَّا مَلَكَت أيمانكم} من عبيد أو إماء، وفى الذين تغليب الذكور، وأول من كاتب عبد الله بن صبيح، سأل سيده حوطب ابن عبد العزة المكاتبة فأبى، فنزلت الآية، ويقال: أول من كتابه المسلمون عبد لعمر رضى الله عنه يسمى أبا أمية، ولفظ الكتابة إسلامى لا يعرف فى الجاهلية. {فكاتِبُوهم إن عَلمتم فيهم خيرا} الفاء فى خبر المبتدأ لشبهة باسم الشرط فى العموم، أو صلة على أن الذين منصوب على الاشتغال لئلا يخبر بالأمر، والأمر للندب على الصحيح، وقيل: للوجوب كما قال أنس: سألنى سيرين الكتابة فأبيت، فشكا الى عمر فأقبل علىّ بالدرة وتلا: {فكاتبوهم} الآية، وقال: كاتبه أو لأضربنَّك بالدرة، وهو ظاهر الأمر، لأن أصله الوجوب، وإن لم يطلبوا المكاتبة فلا وجوب، ولا ندب. والخير أمانة وقدرة على الكسب، كما فسره صلى الله عليه وسلم بهما، وفى رواية إن علمتم حرفة فيزاد على هذه الرواية أمانة كما فى الرواية الأولى، لأن الحرفة لا تنفعه مع الخيانة، فانه معها يماطله، أو لا يعطيه البتة، ولم يشترط بعضهم الأمانة، وفسر بعضهم الخير بالمال، وفيه أنه لو كان كذلك لقيل: ان علمتم عندهم خيراً، أو اجيب بأن المراد قدرة على الكسب فعبر بما هو المقصود الأصلى، وفيه تكلف، وقيل الصلاح وهو وجيه، فإن لم يعرف الصلاح لم يجب ولم يندب اليه، لأنه قد لا يفئ بالمال، ويناسبه قول بعض أنه أن لا يضر المسلمين بعد الكتابة. {وآتُوهم} يا ساداتهم ندباً كما يؤمر الإنسان بالصدقة النافلة، وبالحط للبعض عن غريمه، وعمن اشترى عنه إن كان ذا احتياج، وقال الشافعية وجوباً ويرده أنه عقد معاوضة، فما الحط عنه إلا كالحط عن المشترى {من مال الله الذى آتاكم} ما تيسر، وعنه صلى الله عليه وسلم ربع ما كوتب به، فيرده الى السيد، والحط أولى من الايتاء، ثم الرد وهو إيتاء، وأولى لأنه انجاز، ولأنه لو أعطاه لتبادر أن يصرفه لحاجته، ولا يرده، ولأنه المأثور عن الصحابة، قال بذلك على، وهو راوى ذلك الحديث وهو المشهور، وعليه الأكثر ممن حد وابن مسعود بالثلث، وابن عمر بالسبع، وقتادة بالعشر، وقيل الخطاب للولاة، وأن الاعطاء مما لهم من الزكاة والغنائم، وأضاف المال الى الله تسهيلاً لصرفه وتذكيراً بأن يعطوا كما أعطاهم. {ولا تُكرهوا فتياتكم} إماءكم سماهن وإماءكم، وسمى العبيد عبادكم ومثله عبيدكم، والكل جائز لنا، واختار لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتى والفتاة، إذ قال على سبيل الكراهة لا التحريم: "حديث : لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى ولكن فتاى وفتاتى"تفسير : كره لعطف العبودية لغيره تعالى {على البغاء} الزنى {إنْ أردن تخصُّناً} عبر بأن الشكية لا بإذا التحقيقة لقلة التحصن فى الاماء، حتى كأنه مما يشك فيه، هل يقع ولا مفهوم لها، لأن الاكراه لا يتصور مع عدم ارادة التحصن، ولا حيث لم يثبت إرادة التحصن ولا عدمها، وانما يتصور مع ارادة التحصن، فكان الكلام على ذلك، فان الاكراه على الزنى، وهى تحبه كتحصيل الحاصل كيف، وتحريم الزنى مطلقاً موجود. {لتبتغوا} لتكسبوا من زناهن {عرَض} مال {الحياة الدنيا} وأولادها كانوا فى الجاهلية يملكون الاماء للزنى، فيأخذون أجرته، ويملكون أولادهن، ويحاملون بهن الأضياف، والأحباب، وكان لعبد الله ابن أبى ابن سلول ست جوار ضرب عليهن خراجاً للزنى: معادة، ومسيكة، وإمامة، وعمرة، وأروى، وقتيلة، وأمر معادة بالذهاب الى ضيفه لذلك، فشكت الى الصديق رضى الله عنه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن ارسالها للزنى، وعن اباحته فصاح: من يعذرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا، وشكت أميمة ومسيكة اليه صلى الله عليه وسلم ايضاً، وحصل له من إحداهن أولاد، ولما حرم الزنى تركته وضربها وقالت: والله لا أزنى، فنزل فى ذلك كله قوله عز وجل: {ولا تكرهو} الآية. {ومن يكرههنَّ} على الزنى {فإن الله من بعد اكراههنَّ} عليه فى الجاهلية {غفورٌ رحيمٌ} له، ولها إذا أسلما، والاسلام جب لما قبله، ومن لم يسلم منهما فلا مغفرة له، ولا رحمة، وقيل: المراد غفور رحيم لهن، لأن فرض الكلام فى امتناعهن عن الزنى لتحريمه، فهن التائبات دون ساداتهن، ولا بد من عود الضمير عند قوم من النجاة من الجواب الى اسم الشرط الواقع مبتدأ، وهنا محذوف تقديره من بعد إكراههم إياهن حذف، وأضيف المصدر الى المفعول، وسوغ ذلك أنه قد تقدم إسناد الاكراه اليهم فى قوله: {ومن يكرههن} وكأنه قيل: فان الله من بعد اكراهه المعهود إياها، فليس كقولك هند عجبنا من ضرب زيد، أى من ضربها زيداً.

الالوسي

تفسير : {وَلْيَسْتَعْفِفِ } إرشاد للتائقين العاجزين عن مبادي النكاح وأسبابه إلى ما هو أولى لهم وأحرى بهم، أي وليجتهد في العفة وصون النفس {ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } أي أسباب نكاح أو لا يتمكنون مما ينكح به من المال على أن فعالاً اسم آلة كركاب لما يركب به {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } عدة كريمة بالتفضل عليهم بالغنى ولطف بهم في استعفافهم وربط على قلوبهم وإيذان بأن فضله تعالى أولى بالأعفاء وأدنى من الصلحاء. واستدل بالآية بعض الشافعية على ندب ترك النكاح لمن لا يملك أهبته مع التوقان، وكثير من الناس ذهب إلى استحبابه له لآية { أية : إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [النور: 32] وحملوا الأمر بالاستعفاف في هذه الآية على من لم يجد زوجة بجعل فعال صفة بمعنى مفعول ككتاب بمعنى مكتوب، ولا يخفى أن الغاية المذكورة تبعده، ولا يلزم من الفقر وجدان الأهبة المفسرة عندهم بالمهر وكسوة فصل التمكين ونفقة يومه، والمذكور في معتبرات «كتبنا» أن النكاح يكون واجباً عند التوقان أي شدة الاشتياق بحيث يخاف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج وكذا فيما يظهر لو كان لا يمكنه منع نفسه عن النظر المحرم أو عن الاستمناء بالكف ويكون فرضاً بأن كان لا يمكنه الاحتراز عن الزنا إلا به بأن لم يقدر على التسري أو الصوم الكاسر للشهوة كما يدل عليه حديث « حديث : ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » تفسير : فلو قدر على شيء من ذلك لم يبق النكاح فرضاً أو واجباً عيناً بل هو أو غيره مما يمنعه من الوقوع في المحرم، وكلا القسمين مشروط بملك المهر والنفقة، وزاد في «البحر» شرطاً آخر فيهما وهو عدم خوف الجور ثم قال: فإن تعارض خوف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج وخوف الجور لو تزوج قدم الثاني ويكره التزوج حينئذ كما أفاده الكمال في «الفتح» ولعله لأن الجور معصية متعلقة بالعباد دون المنع من الزنا وحق العبد مقدم عند التعارض لاحتياجه وغنى المولى عز وجل انتهى. ومقتضاه الكراهة أيضاً عند عدم ملك المهر والنفقة لأنهما حق عبد أيضاً وإن خاف الزنا لكن ذكروا أنه يندب استدانة المهر ومقتضاه أنه يجب إذا خاف الزنا وإن لم يملك المهر إذا قدر على استدانته، وهذا مناف للاشتراط السابق إلا أن يقال: / الشرط ملك النفقة والمهر ولو بالاستدانة أو يقال: هذا في العاجز عن الكسب ومن ليس له جهة وفاء. وذكر بعض الأجلة أنه ينبغي حمل ما ذكروا من ندب الاستدانة على ندبها إذا ظن القدرة على الوفاء وحينئذ فإذا كانت مندوبة مع هذا الظن عند أمنه من الوقوع في الزنا ينبغي وجوبها عند تيقن الزنا بل ينبغي وجوبها حينئذ وإن لم يغلب على ظنه قدرة الوفاء وهو معذور فيما أرى عند الله عز وجل إذا فعل ومات ولم يترك وفاء فتأمّل. ويكون مكروهاً عند خوف الجور كما سمعت، وحراماً عند تيقنه لأن النكاح إنما شرع لمصلحة تحصين النفس وتحصيل الثواب وبالجور يأثم ويرتكب المحرمات فتنعدم المصالح لرجحان هذه المفاسد، ويكون سنة مؤكدة في الأصح حالة القدرة على الوطء والمهر والنفقة مع عدم الخوف من الزنا والجور وترك الفرائض والسنن فلو لم يقدر على واحد من الثلاثة الأول أو خاف واحداً من الثلاثة الأخيرة فلا يكون النكاح سنة في حقه كما أفاده في «البدائع»، ويفهم من «أشباه ابن نجيم» توقف كونه سنة على النية، وذكر في «الفتح» ((أنه إذا لم يقترن بها كان مباحاً لأن المقصود منه حينئذ مجرد قضاء الشهوة ومبنى العبادة على خلافه)) فلا يثاب والنية التي يثاب بها أن ينوي منع نفسه وزوجته عن الحرام، وكذا نية تحصيل ولد تكثر به المسلمون وكذا نية الاتباع وامتثال الأمر وهو عندنا أفضل من الاشتغال بتعلم وتعليم كما في «درر البحار» وأفضل من التخلي للنوافل كما نص عليه غير واحد. وفي بعض معتبرات «كتب الشافعية» أن النكاح مستحب لمحتاج إليه يجد أهبته من مهر وكسوة فصل التمكين ونفقة يومه ولا يستحب لمن في دار الحرب النكاح مطلقاً خوفاً على ولده التدين بدينهم والاسترقاق ويتعين حمله على من لم يغلب على ظنه الزنا لو لم يتزوج إذ المصلحة المحققة الناجزة مقدمة على المصلحة المستقبلة المتوهمة وإنه إن فقد الأهبة استحب تركه لقوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ } الآية ويكسر شهوته بالصوم للحديث، وكونه يثير الحرارة والشهوة إنما هو بابتدائه فإن لم تنكسر به تزوج، ولا يكسرها بنحو كافور فيكره بل يحرم على الرجل والمرأة إن أدى إلى اليأس من النسل، وقول جمع: إن الحديث يدل على حل قطع العاجز الباءة بالأدوية مردود على أن الأدوية خطيرة وقد استعمل قوم الكافور فأورثهم عللاً مزمنة ثم أرادوا الاحتيال لعود الباءة بالأدوية الثمينة فلم تنفعهم، فإن لم يحتج للنكاح كره له إن فقد الأهبة وإلا يفقدها مع عدم حاجته له فلا يكره له لقدرته عليه ومقاصده لا تنحصر في الوطء والتخلي للعبادة أفضل منه فإن لم يتعبد فالنكاح أفضل في الأصح كما قال النووي لأن البطالة تفضي إلى الفواحش فإن وجد الأهبة وبه علة كهرم أو مرض دائم أو تعنن كذلك كره له لعدم حاجته مع عدم تحصين المرأة المؤدي غالباً إلى فسادها، وبه يندفع قول «الإحياء» يسن لنحو الممسوح تشبهاً بالصالحين كما يسن إمرار الموسى على رأس الأصلع، وقول الفزاري: أي نهى ورد في نحو المجبوب والحاجة لا تنحصر في الجماع، ولو طرأت هذه الأحوال بعد العقد فهل يلحق بالابتداء أو لا لقوة الدوام تردد فيه الزركشي والثاني هو الوجه كما هو ظاهر انتهى، وفيه ما لم يتعرض له في «كتب أصحابنا» فيما علمت لكن لا تأباه قواعدنا. ثم إن الظاهر أن الآية خاصة بالرجال فهم المأمورون بالاستعفاف عند العجز عن مبادي النكاح وأسبابه، نعم يمكن القول بعمومها واعتبار الغليب إذا أريد بالنكاح ما ينكح لكن قد علمت ما فيه ولا تتوهمنَّ من هذا أنه لا يندب الاستعفاف للنساء أصلاً لظهور أنه قد يندب في بعض الصور بل من تأمل أدنى تأمل يرى جريان الأحكام في نكاحهن لكن لم أرَ من صرح به من أصحابنا، نعم نقل بعض الشافعية عن «الأم» ندب النكاح للتائقة وألحق بها محتاجة للنفقة وخائفة من اقتحام فجرة. / وفي «التنبيه» من جاز لها النكاح إن احتاجته ندب لها ونقله الأذرعي عن أصحاب الشافعي ثم بحث وجوبه عليها إذا لم تندفع عنها الفجرة إلا به ولا دخل للصوم فيها وبما ذكر علم ضعف قول الزنجاني: يسن لها مطلقاً إذ لا شيء عليها مع ما فيه من القيام بأمرها وسترها، وقول غيره: لا يسن لها مطلقاً لأن عليها حقوقاً للزوج خطيرة لا يتيسر لها القيام بها بل لو علمت من نفسها عدم القيام بها ولم تحتج له حرم عليها اهـ، ولا يخفى أن ما ذكره بعد بل متجه واستدل بعضهم بالآية على بطلان نكاح المتعة لأنه لو صح لم يتعين الاستعفاف على فاقد المهر، وظاهر الآية تعينه ولا يلزم من ذلك تحريم ملك اليمين لأن من لا يقدر على النكاح لعدم المهر لا يقدر على شراء الجارية غالباً ذكره إلكيا وهو كما ترى. {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ } بعدما أمر سبحانه بإنكاح صالحي المماليك الأحقاء بالإنكاح أمر جل وعلا بكتابة من يستحقها منهم ليصير حراً فيتصرف في نفسه، وأخرج ابن السكن في معرفة الصحابة عن عبد الله بن صبيح قال: كنت مملوكاً كالحويطب بن عبد العزى فسألته الكتابة فأبى فنزلت {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ} الخ ويلوح من هذا أن عبد الله المذكور أول من كوتب، وربما يتخيل منه أن الكتابة كانت معلومة من قبل لكن نقل الخفاجي عن الدميري أنه قال: الكتابة لفظة إسلامية وأول من كاتبه المسلمون عبد لعمر رضي الله تعالى عنه يسمى أبا أمية. وصرح ابن حجر أيضاً بأنها لفظة إسلامية لا تعرفها الجاهلية، والله تعالى أعلم. والكتاب مصدر كاتب كالمكاتبة ونظيره العتاب والمعاتبة أي والذين يطلبون منكم المكاتبة. {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } ذكوراً كانوا أو إناثاً، وهو عندنا شرعاً إعتاق المملوك يداً حالاً ورقبة مآلاً وركنه الإيجاب بلفظ الكتابة أو ما يؤدي معناه والقبول نحو أن يقول المولى؛ كاتبتك على كذا درهماً تؤديه إلي وتعتق ويقول المملوك: قبلته وبذلك يخرج من يد المولى دون ملكه فإذا أدى كل البدل عتق وخرج من ملكه، ومعناه كتب الحروف أي جمعها وإطلاقه على ما ذكر لأن فيه ضم حرية اليد إلى حرية الرقبة أو لأن البدل يكون في الأغلب منجماً بنجوم يضم بعضها إلى بعض أو لأنه يكتب المملوك على نفسه لمولاه ثمنه ويكتب المولى له عليه العتق وهذا أوفق بصيغة المفاعلة أعني المكاتبة. وفي «إرشاد العقل السليم» قالوا: معناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت عليَّ العتق عنده، ثم قال: والتحقيق أن المكاتبة اسم للعقد الحاصل من مجموع كلامي المالك والمملوك كسائر العقود الشرعية المنعقدة بالإيجاب والقبول. ولا ريب في أن ذلك لا يصدر حقيقة إلا من المتعاقدين وليس وظيفة كل منهما في الحقيقة إلا الإتيان بأحد شطريه معرباً عما يتم من قبله ويصدر عنه من الفعل الخاص به من غير تعرض لما يتم من قبل صاحبه ويصدر عنه من فعله الخاص به إلا أن كلاً من ذينك الفعلين لما كان بحيث لا يمكن تحققه في نفسه إلا منوطاً بتحقق الآخر ضرورة أن التزام العتق بمقابلة البدل من جهة المولى لا يتصور تحققه وتحصله إلا بالتزام البدل من طرف العبد كما أن عقد البيع الذي هو تمليك المبيع بالثمن من جهة البائع لا يمكن تحققه إلا بتملكه به من جانب المشتري لم يكن بد من تضمين أحدهما الآخر وقت الإنشاء فكما أن قول البائع بعت إنشاء لعقد البيع على معنى أنه إيقاع لما يتم من قبله أصالة ولما يتم من قبل المشتري ضمناً إيقاعاً متوقفاً على رأيه توقفاً شبيهاً بتوقف عقد الفضولي كذلك قول المولى كاتبتك على كذا إنشاء لعقد الكتابة أي إيقاع لما يتم من قبله من التزام العتق / بمقابلة البدل أصالة ولما يتم من قبل العبد من التزام البدل ضمناً إيقاعاً متوقفاً على قبوله فإذا قبل تم العقد اهـ. وبه ينحل إشكال صعب وارد على إسناد أفعال العقود وهو أنه إذا كان ركن كل منها الإيجاب والقبول يلزم أن لا يصح نحو بعت كذا بكذا مثلاً لأن المتكلم به لم يوقع إلا ما يتم من قبله وليس ذلك بيعاً شرعياً إذ لا بد في البيع الشرعي من فعل آخر أعني قبول المشتري وهو مما لم يوقعه المتكلم المذكور. والحاصل أن إسناد باع إلى ضمير المتكلم يقتضي أنه أوقع البيع مع أنه لم يوقع إلا أحد ركنيه فكيف يصح الإسناد؟، ووجه انحلال هذا بما ذكر ظاهر إلا أنه أورد عليه أن فيه دعوى يكذبها وجدان كل عاقد عاقل ألا ترى أنك إذا قلت بعت مثلاً لا يخطر ببالك إيقاع ضمني منك لشراء غيرك إيقاعاً متوقفاً على رأيه أصلاً بل قصارى ما يخطر بالبال إيقاعه الشراء دون إيقاعك لشرائه على نحو فعل الفضولي ومن ادعى ذلك فقد كابر وجدانه. وأجيب بأن الأمور الضمنية قد تعتبر شرعاً وإن لم تقصد كما يرشد إلى ذلك أنهم اعتبروا في قول القائل لآخر: اعتق عبدك عني بكذا فأعتقه البيع الضمني بركنيه وإن لم يكن القائل خاطراً بباله ذلك وقاصداً له. وبحث فيه بأنهم إنما اعتبروا أولاً العتق الذي هو مدلول اللفظ والمقصود منه ترجيحاً لجانب الحرية ثم لما رأوا أن ذلك موقوف على الملك الموقوف على البيع حسب العادة الغالبة اعتبروا البيع ليتم لهم الاعتبار الأول ولم يعتبروه مدلولاً للفظ العتق أصلاً ليشترط القصد وإن أوهمه تسميتهم إياه بيعاً ضمنياً بخلاف ما نحن فيه على ما سمعت فإن إيقاع القبول قد توقف عليه ماهية البيع الشرعي واعتبر مدلولاً ضمنياً له بحيث صار عندهم كما يقتضيه ظاهر كلام «الإرشاد» نحو بعت بمعنى أوقعت إيجاباً مني أصالة وقبولاً منك نيابة وظاهر في مثل ذلك تحقق القصد وحيث نفى بالوجدان قصد إيقاع القبول نيابة علم أنه ليس مدلولاً ضمنياً. ومن الناس من تفصى عن الإشكال بالتزام أن البيع هو الإيجاب والقبول شرط صحته فقول القائل بعت إنشاء لبيع يحتمل الصحة وعدمها ومتى قال الآخر اشتريت تعينت الصحة وأن قولهم ركن البيع الإيجاب والقبول من المسامحات الشائعة أو بالتزام أن للبيع ونحوه إطلاقين، أحدهما: العقد الحاصل من مجموع الإيجاب والقبول كما في نحو قولك: وقع البيع بين زيد وعمرو وثانيهما: الإيجاب فقط كما في نحو قولك بعته كذا فلم يشتر والبيع الدال عليه بعت الإنشائي من هذا القبيل فلا إشكال في إسناده إلى المتكلم فتأمل وتدبر. وفي هذا المقام أبحاث تركناها خوفاً من مزيد البعد عما نحن بصدده والله تعالى الموفق. و {ٱلَّذِينَ } يحتمل أن يكون في محل رفع على الابتداء والخبر قوله تعالى: {فَكَـٰتِبُوهُمْ } وهو بتقدير القول بناءاً على المشهور من أن الجملة الإنشائية لا تقع خبراً عن المبتدأ إلا كذلك، وقال بعض المحققين: لا حاجة في مثل هذا إلى التأويل لأنه في معنى الشرط والجزاء ولذا جىء في الخبر بالفاء. ويحتمل أن يكون في محل نصب على أنه مفعول لمحذوف يفسره المذكور والفاء فيه لتضمن الشرط أيضاً؛ وفي «البحر» يجوز أن تقول: زيداً فاضرب وزيداً اضرب فإذا دخلت الفاء كان التقدير تنبه فاضرب فالفاء في جواب أمر محذوف اهـ. وأنت تعلم أنه لا يحتاج إلى هذا في الآية، وذكر بعض الأفاضل أن الفاء فيها على الاحتمال الثاني لأن حق المفسر أن يعقب المفسر، والمراد كتابة بعد كتابة فإن في الموالي كثرة / وكذا في المكاتبين فليس الأمر به للمولى بالنسبة إلى مكاتب واحد اهـ. وهو يشبه الرطانة بالأعجمية. والأمر للندب على الصحيح، وقيل هو للوجوب وهو مذهب عطاء وعمرو بن دينار والضحاك وابن سيرين وداود، وما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين المكاتبة فأبيت عليه فأتى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأقبل علي بالدرة وتلا قوله تعالى: {فَكَـٰتِبُوهُمْ } الخ وفي رواية كاتبه أو لأضربنك بالدرة ظاهر في القول بالوجوب، وجمهور الأئمة كمالك والشافعي وغيرهما على أن المكاتبة بعد الطلب وتحقق الشرط الآتي إن شاء الله تعالى مندوبة بيد أن من قال منهم بأن ظاهر الأمر للوجوب كالشافعي لم يقل بظاهره هنا لأنه بعد الحظر وهو بيع ماله بماله للإباحة، وادعى أن ندبها من دليل آخر. وظاهر الآية جواز الكتابة سواء كان البدل حالاً أو مؤجلاً أو منجماً أو غير منجم لمكان الإطلاق وإلى ذلك ذهب الحنفية. وذهب جمهور الشافعية إلى أنه يشترط أن يكون منجماً بنجمين فأكثر فلا تجوز بدون أجل وتنجيم مطلقاً، وقيل إن ملك السيد بعض العبد وباقيه حر لم يشترط أجل وتنجيم، ورده محققوهم وأجابوا عن دعوى إطلاق الآية بأن الكتابة تشعر بالتنجيم فتغني عن التقييد لأنه يكتب أنه يعتق إذا أدى ما عليه ومثله لا يكون في الحال. واعترضوا أيضاً على القول بصحة الكتابة الحالة بأن الكتابة لو عقدت حالة توجهت المطالبة عليه في الحال وليس له مال يؤديه فيه فيعجز عن الأداء فيرد إلى الرق فلا يحصل مقصود العقد، وهذا كما لو أسلم فيما لا يوجد عند حلول الأجل فإنه لا يجوز. وأنت تعلم ما في دعوى إشعار الكتابة بالتنجيم وأنها تضر الشافعية لأن التنجيم الذي تشعر به الكتابة على زعمهم يتحقق بنجم واحد فيقتضي أن تجوز به كما ذهب إليه أكثر العلماء وهم لا يجوزون ذلك ويشترطون نجمين فأكثر. وما ذكروه في الاعتراض ليس بشيء فإنه لا عجز مع أمر المسلمين بإعانته بالصدقة والهبة والقرض، والقياس على السلم لا يصح لظهور الفارق، ولعل ما ذكر كالبيع لمن لا يملك الثمن ولا شك في صحته كذا قيل وفيه بحث. وقال ابن خويزمنداد: إذا كانت الكتابة على مال معجل كانت عتقاً على مال ولم تكن كتابة، والفرق بين العتق على مال والكتابة مذكور في موضعه. {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } أي أمانة وقدرة على الكسب، وبهما الخير فسره الشافعي وذكر البيضاوي أنه روي هذا التفسير مرفوعاً وجاء نحو ذلك في بعض الروايات عن ابن عباس، وفسرت الأمانة بعدم تضييع المال، قيل ويحتمل أن يكون المراد بها العدالة لكن يشترط على هذا الاستحباب المكاتبة أن لا يكون العبد معروفاً بإنفاق ما بيده بالطاعة لأن مثل هذا لا يرجى له عتق بالكتابة. وأخرج أبو داود في «المراسيل» والبيهقي في «سننه» عن يحيـى بن أبـي كثير قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {فَكَـٰتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } إن علمتم فيهم حرفة، وظاهره الاكتفاء بالقدرة على الكسب وعدم اشتراط الأمانة، وهو قول نقله ابن حجر عن بعضهم، وتعقبه بأن المكاتب إذا لم يكن أميناً يضيع ما كسبه فلا يحصل المقصود. وأخرج عبد بن حميد عن عَبيدة السلماني وقتادة وإبراهيم وأبـي صالح أنهم فسروا الخير بالأمانة / وظاهر كلامهم الاكتفاء بها وعدم اشتراط القدرة على الكسب، ونقله أيضاً ابن حجر عن بعضهم وتعقبه بأن المكاتب إذا لم يكن قادراً على الكسب كان في مكاتبته ضرر على السيد ولا وثوق بإعانته بنحو الصدقة والزكاة. وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه فسر الخير بالمال، وأخرجه جماعة عن ابن عباس وعن ابن جريج، وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك، وتعقب بأن ذلك ضعيف لفظاً ومعنى أما لفظاً فلأنه لا يقال فيه مال بل عنده أو له مال، وأما معنى فلأن العبد لا مال له ولأن المتبادر من الخير غيره وإن أطلق الخير على المال في قوله تعالى: { أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ } تفسير : [البقرة: 180]. وأجيب بأنه يمكن أن يكون المراد بالخير عند هؤلاء الأجلة القدرة على كسب المال إلا أنهم ذكروا ما هو المقصود الأصلي منه تساهلاً في العبارة ومثله كثير. وقال أبو حيان: الذي يظهر من الاستعمال أنه الدين تقول: فلان فيه خير فلا يتبادر إلى الذهن إلا الصلاح. وتعقب بأنه لا يناسب المقام ويقتضي أن لا يكاتب غير المسلم. وفسره كثير من أصحابنا بأن لا يضروا المسلمين بعد العتق وقالوا: إن غلب ظن الضرر بهم بعد العتق فالأفضل ترك مكاتبتهم، وظاهر التعليق بالشرط أنه إذا لم يعلموا فيهم خيراً لا يستحب لهم مكاتبتهم أو لا تجب عليهم، وهذا للخلاف في أن الأمر هل هو للندب أو للوجوب فلا تفيد الآية عدم الجواز عند انتفاء الشرط فإن غاية ما يلزم انتفاءه انتفاء المشروط وليس هو فيها إلا الأمر الدال على الوجوب أو الندب، ومن قال: إنه للإباحة التزم أن الشرط هنا لا مفهوم له لجريه على العادة في مكاتبة من علم خيريته كذا قيل. والذي أراه حرمة المكاتبة إذا علم السيد أن المكاتب لو عتق أضر المسلمين. ففي «التحفة» لابن حجر - في باب الكتابة عند قول النووي هي مستحبة إن طلبها رقيق أمين قوي على كسب ولا تكره بحال - ما نصه: ((لكن بحث البلقيني كراهتها لفاسق يضيع كسبه في الفسق ولو استولى عليه السيد لامتنع من ذلك، وقال هو وغيره: بل [قد] ينتهي الحال للتحريم أي وهو قياس حرمة الصدقة والقرض إذا علم أن من أخذهما يصرفهما في محرم، ثم رأيت الأذرعي بحثه فيمن علم [منه] أنه يكتسب بطريق الفسق وهو صريح فيما ذكرته إذ المدار على تمكينه بسببها من المحرم)) اهـ، وما ذكر من المدار موجود فيها قلنا، ثم المراد من العلم الظن القوي وهو مدار أكثر الأحكام الشرعية. {وَءاتُوهُمْ مّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ ءاتَـٰكُمُ } الظاهر أنه أمر للموالي بإيتاء المكاتبين شيئاً من أموالهم إعانة لهم، وفي حكمه حط شيء من مال الكتابة ويكفي في ذلك أقل ما يتمول وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهما من طريق عبد الله بن حبيب عن علي كرم الله تعالى وجهه عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : يترك للمكاتب الربع » تفسير : وجاء هذا أيضاً في بعض الروايات موقوفاً على علي كرم الله تعالى وجهه، وقال ابن حجر الهيتمي: هو الأصح ولعل ذلك اجتهاد منه رضي الله تعالى عنه. وادعاء أن هذا لا يقال من قبل الرأي فهو في حكم المرفوع ممنوع، ولهذا الخبر وقول ابن راهويه: أجمع أهل التأويل على أن الربع هو المراد بالآية قالوا: إن الأفضل إيتاء الربع، واستحسن ابن مسعود والحسن / إيتاء الثلث، وابن عمر رضي الله تعالى عنهما إيتاء السبع، وقتادة إيتاء العشر. والأمر بالإيتاء عندنا للندب وقال الشافعية: للوجوب إذ لا صارف عنه، وصرحوا بأنه يلزم السيد أو وارثه مقدماً له على مؤن التجهيز. أما الحط عن المكاتب كتابة صحيحة لجزء من المال المكاتب عليه أو دفع جزء من المعقود عليه بعد أخذه أو من جنسه إليه وأن الحط أولى من الدفع لأنه المأثور عن الصحابة ولأن الإعانة فيه محققة والمدفوع قد ينفقه في جهة أخرى، وهو في النجم الأخير أفضل، والأصح أن وقت الوجوب قبل العتق ويتضيق إذا بقي من النجم قدر ما يفي به من مال الكتابة، وشاع أنهم يقولون بوجوب الحط. ويرده قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم » تفسير : إذ لو وجب الحط لسقط عنه الباقي حتماً، وأيضاً لو وجب الحط لكان وجوبه معلقاً بالعقد فيكون العقد موجباً ومسقطاً معاً، وأيضاً هو عقد معاوضة فلا يجبر على الحطيطة كالبيع، قيل: معنى {آتوهم} أقرضوهم، وقيل: هو أمر لهم بالإنفاق عليهم بعد أن يؤدوا ويعتقوا. وإضافة المال إليه تعالى ووصفه بإيتائه تعالى إياهم للحث على الامتثال بالأمر بتحقيق المأمور به فإن ملاحظة وصول المال إليهم من جهته سبحانه مع كونه عز وجل هو المالك الحقيقي له من أقوى الدواعي إلى صرفه إلى الجهة المأمور بها. وقيل: هو أمر ندب لعامة المسلمين بإعانة المكاتبين بالتصدق عليهم. وأخرج ابن أبـي حاتم عن زيد بن أسلم أنه أمر للولاة أن يعطوهم من الزكاة وهذا نحو ما ذكر في «الكشاف» من أنه أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله تعالى لهم في بيت المال كقوله سبحانه: { أية : وَفِي ٱلرّقَابِ } تفسير : [التوبة:60] عند أبـي حنيفة وأصحابه، ويحل للمولى إذا كان غنياً أن يأخذ ما تصدق به على المكاتب لتبدل الملك كما فيما إذا اشترى الصدقة من فقير أو وهبها الفقير له فإن المكاتب يتملكه صدقة والمولى عوضاً عن العتق، وكذا الحكم لو عجز بعد أداء البعض عن الباقي فأعيد إلى الرق أو أعتق من غير جهة الكتابة، والعلة تبدل الملك أيضاً عند محمد وفيه خفاء لأن ما أخذ لم يقع عوضاً عن العتق، أما فيما إذا أعيد إلى الرق فظاهر، وأما فيما إذا أعتق من غير جهة الكتابة فلأن العتق لم يكن مشروطاً بأداء ذلك فتدبر. وعلل أبو يوسف المسألة بأنه لا خبث في نفس الصدقة وإنما الخبث في فعل الآخذ لكونه إذلالاً بالآخذ ولا يجوز ذلك له من غير حاجة والأخذ لم يوجد من السيد. وأورد عليه أنه ينافي جعلها أوساخ الناس في الحديث. ونقل عن الشافعي أنه إذا أعيد المكاتب إلى الرق أو أعتق من غير جهة الكتابة يلزم السيد رد ما أخذه إلا أن يتلف قبله لأن ما دفع للمكاتب لم يقع موقعه ولم يترتب عليه الغرض المطلوب. قال الطيبـي: وبهذا يظهر أن قياس ذلك على الصدقة التي اشتريت من الفقير غير صحيح، والمدار عندي اختلاف جهتي الملك فمتى تحقق لم تبق شبهة في الحل، وقد صح أن بريرة مولاة عائشة رضي الله تعالى عنها جاءت بعد العتق بلحم بقر فقالت عائشة للنبـي صلى الله عليه وسلم: هذا ما تصدق به على بريرة فقال عليه الصلاة والسلام: ( حديث : هو لها صدقة ولنا هدية ) تفسير : فأشار عليه الصلاة والسلام إلى حله لآل البيت الذين لا تحل لهم الصدقة باختلاف جهتي الملك فتأمل، وللمكاتبة أحكام كثيرة تطلب من «كتب الفقه». {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَاء } أخرج مسلم وأبو داود عن جابر رضي الله تعالى عنه أن جارية لعبد الله بن أبـي بن سلول يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة كان يكرههما على الزنا فشكتا ذلك إلى / رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي قال: كان لعبد الله بن أبـي جارية تدعى معاذة فكان إذا نزل ضيف أرسلها له ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له فأقبلت الجارية إلى أبـي بكر رضي الله تعالى عنه فشكت ذلك إليه فذكره أبو بكر للنبـي صلى الله عليه وسلم فأمره بقبضها فصاح عبد الله بن أبـي من يعذرنا من محمد صلى الله عليه وسلم يغلبنا على مماليكنا؟ فنزلت، وقيل: كانت لهذا اللعين ست جوار معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقيل: نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما على الزنا أحدهما ابن أبـي، وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه أنهم كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا يأخذون أجورهن فنهوا عن ذلك في الإسلام. ونزلت الآية، وروي نحوه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعلى جميع الروايات لا اختصاص للخطاب بمن نزلت فيه الآية بل هي عامة في سائر المكلفين. والفتيات جمع فتاة وكل من الفتى والفتاة كناية مشهورة عن العبد والأمة مطلقاً وقد أمر الشارع صلى الله عليه وسلم بالتعبير بهما مضافين إلى ياء المتكلم دون العبد والأمة مضافين إليه فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن فتاي وفتاتي » تفسير : وكأنه صلى الله عليه وسلم كره العبودية لغيره عز وجل ولا حجر عليه سبحانه في إضافة الأخيرين إلى غيره تعالى شأنه، وللعبارة المذكورة في هذا المقام باعتبار مفهومها الأصلي حسن موقع ومزيد مناسبة لقوله سبحانه: {عَلَى ٱلْبِغَاء } وهو زنا النساء كما في «البحر» من حيث صدوره عن شوابهن لأنهن اللاتي يتوقع منهن ذلك غالباً دون من عداهن من العجائز والصغائر. وقوله عز وجل: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } ليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا وإخراج ما عداها عن حكمه كما إذا كان الإكراه بسبب كراهتهن الزنا لخصوص الزاني أو لخصوص الزمان أو لخصوص المكان أو لغير ذلك من الأمور المصححة للإكراه في الجملة بل هو للمحافظة على عادة من نزلت فيهم الآية حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه مع وفور شهوتهن الآمرة بالفجور وقصورهن في معرفة الأمور الداعية إلى المحاسن الزاجرة عن تعاطي القبائح، وفيه من الزيادة لتقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا يفعلونه من القبائح ما لا يخفى فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى بفجور من يحويه حرمه من إمائه فضلاً عن أمرهن به أو إكراههن عليه لا سيما عند إرادة التعفف وتوفر الرغبة فيها كما يشعر به التعبير بأردن بلفظ الماضي. وإيثار كلمة {إِنْ } على إذا لأن إرادة التحصن من الإماء كالشاذ النادر أو للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه عند كون إرادة التحصن في حيز التردد والشك فكيف إذا كانت محققة الوقوع كما هو الواقع. ويعلم من توجيه هذا الشرط مع ما أشرنا إليه من بيان حسن موقع الفتيات هنا باعتبار مفهومها الأصلي أنه لا مفهوم لها ولو فرضت صفة لأن شرط اعتبار المفهوم عند القائلين به أن لا يكون المذكور خرج مخرج الغالب، وقد تمسك جمع بالآية لإبطال القول بالمفهوم فقالوا: إنه لو اعتبر يلزم جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن والإكراه على الزنا غير جائز بحال من الأحوال إجماعاً ومما ذكرنا يعلم الجواب عنه. وفي «شرح المختصر الحاجبـي» للعلامة العضد الجواب عن ذلك، أولاً: أنه مما خرج مخرج الأغلب إذ الغالب / أن الإكراه عند إرادة التحصن ولا مفهوم في مثله، وثانياً: أن المفهوم اقتضى ذلك وقد انتفى لمعارض أقوى منه وهو الإجماع، وقد يجاب عنه بأنه يدل على عدم الحرمة عند عدم الإرادة وأنه ثابت إذ لا يمكن الإكراه حينئذٍ لأنهن إذ لم يردن التحصن لم يكرهن البغاء والإكراه إنما هو إلزام فعل مكروه وإذا لم يمكن لم يتعلق به التحريم لأن شرط التكليف الإمكان ولا يلزم من عدم التحريم الإباحة انتهى، ولعل ما ذكرناه أولاً هو الأولى، وجعل غير واحد زيادة التقبيح والتشنيع جواباً مستقلاً بتغيير يسير ولا بأس به. وزعم بعضهم أن {إِنْ أَرَدْنَ } راجع إلى قوله تعالى: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلايَـٰمَىٰ مِنْكُمْ}تفسير : [النور: 32] وهو مما يقضي منه العجب وبالجملة لا حجة في ذلك لمبطلي القول بالمفهوم كذا لا حجة لهم في قوله تعالى: {لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } فإنه كما في «إرشاد العقل السليم» ((قيد للإكراه لا باعتبار أنه مدار للنهي عنه بل باعتبار أنه المعتاد فيما بينهم أيضاً جىء به تشنيعاً لهم فيما هم عليه من احتمال الوزر الكبير لأجل النزر الحقير أي لا تفعلوا ما أنتم عليه من إكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع الزوال الوشيك الاضمحلال، فالمراد بالابتغاء الطلب المقارن لنيل المطلوب واستيفائه بالفعل إذ هو الصالح لكونه غاية للإكراه مترتباً عليه لا المطلق المتناول للطلب السابق الباعث عليه)). ولا اختصاص لعرض الحياة الدنيا بكسبهن أعني أجورهن التي يأخذنها على الزنا بهن وإن كان ظاهر كثير من الأخبار يقتضي ذلك بل ما يعمه وأولادهن من الزنا وبذلك فسره سعيد بن جبير كما أخرجه عنه ابن أبـي حاتم وفي بعض الأخبار ما يشعر بأنهم كانوا يكرهونهن على ذلك للأولاد. أخرج الطبراني والبزار وابن مردويه بسند صحيح عن ابن عباس أن جارية لعبد الله بن أبـي كانت تزني في الجاهلية فولدت له أولاداً من الزنا فلما حرم الله تعالى الزنا قال لها: مالك لا تزنين؟ قالت: والله لا أزني أبداً فضربها فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ } الآية، ولا يقتضي هذا وأمثاله تخصيص العرض بالأولاد كما لا يخفى. وسمعت أن بعض قبائل أعراب العراق كآل عزة يأمرون جواريهم بالزنا للأولاد كفعل الجاهلية ولا يستغرب ذلك من الأعراب لا سيما في مثل هذه الأعصار التي عرا فيها كثيراً من رياض الأحكام الشرعية في كثير من المواضع إعصار فإنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقوله تعالى: {وَمَن يُكْرِههُنَّ } إلى آخره جملة مستأنفة سيقت لتقرير النهي وتأكيد وجوب العمل ببيان خلاص المكرهات من عقوبة المكره عليه عبارة ورجوع غائلة الإكراه إلى المكرهين إشارةً أي ومن يكرههن على ما ذكر من البغاء {فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لهن كما في قراءة ابن مسعود وقد أخرجها عبد بن حميد وابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير عنه لكن بتقديم {لَهُنَّ } على {غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ورويت كذلك أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وينبـىء عنه على ما قيل قوله تعالى: {مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ } أي كونهن مكرهات على أن الإكراه مصدر المبني للمفعول فإن توسيطه بين اسم إن وخبرها للإيذان بأن ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة. وأخرج ابن أبـي شيبة وابن جرير وغيرهما عن مجاهد أنه قال: غفور رحيم لهن وليست لهم، وكان الحسن إذا قرأ الآية يقول: لهنّ والله لهن، وفي تخصيص ذلك بهن وتعيين مداره على ما سمعت مع سبق ذكر المكرهين / أيضاً في الشرطية دلالة على كونهم محرومين من المغفرة والرحمة بالكلية كأنه قيل: لا لهم أو لا له ولظهور هذا التقدير اكتفى به عن العائد إلى اسم الشرط اللازم في الجملة الشرطية على الأصح كما في «المغني». وقيل: في توجيه أمر العائد: إن {إِكْرَاهِهِنَّ } مصدر مضاف إلى المفعول وفاعل المصدر ضمير محذوف عائد على اسم الشرط والمحذوف كالملفوظ والتقدير من بعد إكراههم إياهن. ورده أبو حيان بأنهم لم يعدوا في الروابط الفاعل المحذوف للمصدر في نحو هند عجبت من ضرب زيد وإن كان المعنى من ضربها زيداً فلم يجوزوا هذا التركيب ولا فرق بينه وبين ما نحن فيه، وقيل: جواب الشرط محذوف والمذكور تعليل لما يفهم من ذلك المحذوف والتقدير ومن يكرههن فعليه وبال إكراههن لا يتعدى إليهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهن، وفيه عدول عن الظاهر وارتكاب مزيد إضمار بلا ضرورة، وكون ذلك لتسبب الجزاء على الشرط ليس بشيء. وقال في «البحر»: الصحيح أن التقدير غفور رحيم لهم ليكون في جواب الشرط ضمير يعود على اسم الشرط المخبر عنه بجملة الجواب ويكون ذلك مشروطاً بالتوبة، وفيه إخلال بجزالة النظم الجليل وتهوين لأمر النهي في مقام التهويل وأمر الربط لا يتوقف على ذلك، ومثله ما قيل: إن التقدير لهما فالوجه ما تقدم. والجار والمجرور في قراءة من سمعت قال ابن جني: متعلق بغفور لأنه أدنى إليه ولأن فعولاً أقعد في التعدي من فعيل، ويجوز أن يتعلق برحيم لأجل حرف الجر إذا قدر خبراً بعد خبر، ولم يقدر صفة لغفور لامتناع تقدم الصفة على موصوفها والمعمول إنما يصح وقوعه حيث يقع عامله وليس الخبر كذلك، وأيضاً يحسن في الخبر لأن رتبة الرحمة أعلى من رتبة المغفرة لأن المغفرة مسببة عنها فكأنها متقدمة معنى وإن تأخرت لفظاً والمعنى على تعلقه بهما كما لا يخفى. وتعليق المغفرة لهن مع كونهن مكرهات لا إثم لهن بناءً على أن المكره غير مكلف ولا إثم بدون تكليف، وتفصيل المسألة في الأصول قيل: لشدة المعاقبة على المكره لأن المكرهة مع قيام العذر إذا كانت بصدد المعاقبة حتى احتاجت إلى المغفرة فما حال المكرِه وللدلالة على أن حد الإكراه الشرعي والمصابرة إلى أن ينتهي إليه فيرتكب ضيق والله تعالى يغفر ذلك بلطفه. وقيل: لغاية تهويل أمر الزنا وحث المكرهات على التشبث في التجافي عنه أو لاعتبار أنهن وإن كن مكرهات لا يخلون في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة بحكم الجبلة البشرية.

ابن عاشور

تفسير : {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. أمِر كل من تعلق به الأمر بالإنكاح بأن يلازموا العفاف في مدة انتظارهم تيسير النكاح لهم بأنفسهم أو بإذن أوليائهم ومواليهم. والسين والتاء للمبالغة في الفعل، أي وليعف الذين لا يجدون نكاحاً. ووجه دلالته على المبالغة أنه في الأصل استعارة. جعل طلب الفعل بمنزلة طلب السعي فيه ليدل على بذل الوسع. ومعنى {لا يجدون نكاحاً} لا يجدون قدرة على النكاح ففيه حذف مضاف. وقيل النكاح هنا اسم ما هو سبب تحصيل النكاح كاللباس واللحاف. فالمراد المهر الذي يبذل للمرأة. والإغناء هنا هو إغناؤهم بالزواج. والفضل: زيادة العطاء. {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَـٰتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىۤ ءَاتَـٰكُمْ}. لما ذُكر وعد الله مَن يزوج من العبيد الفقراء بالغنى وكان من وسائل غناه أن يذهب يكتسب بعمله وكان ذلك لا يستقل به العبد لأنه في خدمة سيده جعل الله للعبيد حقاً في الاكتساب لتحرير أنفسهم من الرق ويكون في ذلك غنى للعبد إن كان من ذوي الأزواج. أمر الله السادة بإجابة من يبتغي الكتابة من عبيدهم تحقيقاً لمقصد الشريعة من بث الحرية في الأمة، ولمقصدها من إكثار النسل في الأمة، ولمقصدها من تزكية الأمة واستقامة دينها. {والذين} مرفوع بالابتداء أو منصوب بفعل مضمر يفسره {فكاتبوهم} وهذا الثاني هو اختيار سيبويه والخليل. ودخول الفاء في {فكاتبوهم} لتضمين الموصول معنى الشرطية كأنه قيل: إن ابتغى الكتاب ما ملكت أيمانكم فكاتبوهم، تأكيداً لترتب الخير على تحقق مضمون صلة الموصول بأن يكون كترتب الشروط على الشرط. والكتاب: مصدر كاتب إذا عاقد على تحصيل الحرية من الرق على قدر معين من المال يُدفع لسيد العبد منجماً، أي موزعاً على مواقيت معينة، كانوا في الغالب يوقتونها بمطالع نجوم المنازل مثل الثريا فلذلك سموا توقيت دفعها نجماً وسموا توزيعها تنجيماً، ثم غلب ذلك في كل توقيت فيقال فيه: تنجيم. وكذلك الديات والحمالات كانوا يجعلونها موزعة على مواقيت فيسمون ذلك تنجيماً وكان تنجيم الدية في ثلاث سنين على السواء، قال زهير: شعر : تُعَفّى الكلوم بالمئين فأصبحت يُنجِّمها من ليس فيها بمُجرم تفسير : وسموا ذلك كتابة لأن السيد وعبده كانا يسجلان عقد تنجيم عوض الحرية بصك يكتبه كاتب بينهما، فلما كان في الكتب حفظ لحق كليهما أطلق على ذلك التسجيل كتابة لأن ما يتضمنه هو عقد من جانبين، وإن كان الكاتب واحداً والكتب واحداً. وفي حديث عبد الرحمٰن بن عوف: كاتبت أمية بن خلف كتاباً بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة. ومعنى {إن علمتم فيهم خيراً} إن ظننتم أنهم لا يبتغون بذلك إلا تحرير أنفسهم ولا يبتغون بذلك تمكناً من الإباق، وذلك الخير بالقدرة على الاكتساب وبصفة الأمانة ولا يلزم أن يتحقق دوام ذلك لأنه إن عجز عن إكمال ما عليه رجع عبداً كما كان. وكانت الكتابة معروفة من عهد الجاهلية ولكنها كانت على خيار السيد فجاءت هذه الآية تأمر السادة بذلك إن رغبه العبد أو لحثه على ذلك على اختلاف بين الأئمة في محمل الأمر من قوله تعالى: {فكاتبوهم}. فعن عمر بن الخطاب ومسروق وعمرو بن دينار وابن عباس والضحاك وعطاء وعكرمة والظاهرية أن الكتابة واجبة على السيد إذا علم خيراً في عبده وقد وكله الله في ذلك إلى علمه ودينه، واختاره الطبري وهو الراجح لأنه يجمع بين مقصد الشريعة وبين حفظ حق السادة في أموالهم فإذا عرض العبد اشتراء نفسه من سيده وجب عليه إجابته. وقد هم عمر بن الخطاب أن يضرب أنس بن مالك بالدرّة لما سأله سيرين عبدُه أن يكاتبه فأبى أنس. وذهب الجمهور إلى حمل الأمر على الندب. وقد ورد في السنة حديث كتابة بريرة مع سادتها وكيف أدت عنها عائشة أم المؤمنين مال الكتابة كله. وذكر ابن عطية عن النقاش ومكي بن أبي طالب أن سبب نزول هذه الآية: أن غلاماً لحويطب بن عبد العزى أو لحاطب بن أبي بلتعة اسمه صبيح القبطي أو صُبْح سأل مولاه الكتابة فأبى عليه فأنزل الله هذه الآية فكاتبه مولاه. وفي «الكشاف» أن عمر بن الخطاب كاتب عبداً له يكنى أبا أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام. والظاهر أن الخطاب في قوله: {وآتوهم من مال الله الذي ءاتاكم} موجه إلى سادة العبيد ليتناسق الخطابان وهو أمر للسادة بإعانة مكاتبيهم بالمال الذي أنعم الله به عليهم فيكون ذلك بالتخفيف عنهم من مقدار المال الذي وقع التكاتب عليه. وكذلك قال مالك: يوضع عن المكاتب من آخر كتابته ما تسمح به نفس السيد. وحدده بعض السلف بالربع وبعضهم بالثلث وبعضهم بالعشر. وهذا التخفيف أطلق عليه لفظ (الإيتاء) وليس ثمة إيتاء ولكنه لما كان إسقاطاً لما وجب على المكاتب كان ذلك بمنزلة الإعطاء كما سمي إكمال المطلِّق قبل البناء لمطلقته جميعَ الصداق عفواً في قوله تعالى: { أية : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } تفسير : [البقرة: 237] في قول جماعة في محمل {الذي بيده عقدة النكاح} منهم الشافعي. وقال بعض المفسرين: الخطاب في قوله: {وءاتوهم} للمسلمين. أمرهم الله بإعانة المكاتبين. والأمر محمول على الندب عند أكثر العلماء وحمله الشافعي على الوجوب. وقال إسماعيل بن حماد القاضي: وجعل الشافعي الكتابة غير واجبة وجعل الأمر بالإعطاء للوجوب فجعل الأصل غير واجب والفرع واجباً وهذا لا نظير له ا هـ. وفيه نظر. وإضافة المال إلى الله لأنه ميسر أسباب تحصيله. وفيه إيماء إلى أن الإعطاء من ذلك المال شكر والإمساك جحد للنعمة قد يتعرض به الممسك لتسلب النعمة عنه. والموصول في قوله {الذي آتاكم} يجوز أن يكون وصفاً لـ{مال الله} ويكون العائد محذوفاً تقديره: آتاكموه. ويجوز أن يكون وصفاً لاسم الجلالة فيكون امتناناً وحثاً على الامتثال بتذكير أنه ولي النعمة ويكون مفعول {ءاتاكم} محذوفاً للعموم، أي ءاتاكم على الامتثال بتذكير أنه ولي النعمة. ويكون مفعول {ءاتاكم} محذوفاً للعموم، أي ءاتاكم نعماً كثيرة كقوله: { أية : وءاتاكم من كل ما سألتموه } تفسير : [إبراهيم: 34]. وأحكام الكتابة وعجز المكاتَب عن أداء نجومه ورجوعه مملوكاً وموت المكاتب وميراث الكتابة وأداء أبناء المكاتب نجوم كتابته مبسوطة في كتب الفروع. {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. انتقال إلى تشريع من شؤون المعاملات بين الرجال والنساء التي لها أثر في الأنساب ومن شؤون حقوق الموالي والعبيد، وهذا الانتقال لمناسبة ما سبق من حكم الاكتساب المنجر من العبيد لمواليهم وهو الكتابة فانتقل إلى حكم البغاء. والبغاء مصدر: باغت الجارية، إذا تعاطت الزنى بالأجر حرفة لها، فالبغاء الزنى بأجرة. واشتقاق صيغة المفاعلة فيه للمبالغة والتكرير ولذلك لا يقال إلا: باغت الأمة. ولا يقال: بغَتْ. وهو مشتق من البَغي بمعنى الطلب كما قال عياض في «المشارق» لأن سيد الأَمَة بغى بها كسباً. وتسمى المرأة المحترفة به بَغياً بوزن فعول بمعنى فاعل ولذلك لا تقترن به هاء التأنيث. فأصل بَغيّ بغوي فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء. وقد كان هذا البغاء مشروعاً في الشرائع السالفة فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح 38: «فخلعت عنها ثياب ترملها وتغطت ببرقع وتلففت وجلست في مدخل (عينائم) التي على الطريق ثم قال فنظرها يهوذا وحسبها زانية لأنها كانت قد غطت وجهها فمال إليها على الطريق وقال: هاتي أدخل عليك. فقالت: ماذا تعطيني؟ فقال: أرسل لك جدي معزى من الغنم.. ثم قال ودخل عليها فحبلت منه». وقد كانت في المدينة إماء بغايا منهن ست إماء لعبد الله بن أُبَي بن سلول وهن: مُعاذة ومُسيكة وأمَيْمَةُ وَعمرَةُ وأرْوَى وقتيلة، وكان يُكرههن على البغاء بعد الإسلام. قال ابن العربي: روى مالك عن الزهري أن رجلاً من أسرى قريش في يوم بدر قد جُعل عند عبد الله بن أبي وكان هذا الأسير يريد معاذة على نفسها وكانت تمتنع منه لأنها أسلمت وكان عبد الله بن أُبي يضربها على امتناعها منه رجاء أن تحمل منه (أي من الأسير القرشي) فيطلب فداء ولده، أي فداء رقه من ابن أُبَيّ. ولعل هذا الأسير كان مؤسراً له مال بمكة وكان الزاني بالأمة يفتدي ولده بمائة من الإبل يدفعها لسيد الأمة، وأنها شكته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. وقالوا إن عبد الله بن أُبَيّ كان قد أعد معاذة لإكرام ضيوفه فإذا نزل عليه ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الكرامة له. فأقبلت معاذة إلى أبي بكر فشكت ذلك إليه فذكر أبو بكر ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم فأمر النبي أبا بكر بقبضها فصاح عبد الله بن أُبَيّ: مَنْ يعذِرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا. فأنزل الله هذه الآية، أي وذلك قبل أن يتظاهر عبد الله بن أُبَيّ بالإسلام. وجميع هذه الآثار متظافرة على أن هذه الآية كان بها تحريم البغاء على المسلمين والمسلمات المالكات أمر أنفسهن. وكان بمكة تسع بغايا شهيرات يجعلن على بيوتهن رايات مثل رايات البيطار ليعرفهن الرجال، وهن كما ذكر الواحدي: أم مهزول جارية السائب المخزومي، وأم غليظ جارية صفوان بن أمية، وحية القبطية جارية العاصي بن وائل، ومزنة جَارية مالك بن عميلة بن السباق، وجَلالة جارية سهيل بن عمرة، وأم سُويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وشريفة جارية ربيعة بن أسود. وقرينة أو قريبة جارية هشام بن ربيعة، وقرينة جارية هلال بن أنس. وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير. قلت: وتقدم أن من البغايا عَناق ولعلها هي أم مهزول كما يقتضيه كلام القرطبي في تفسير قوله تعالى: { أية : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } تفسير : [النور: 3]. ولم أقف على أن واحدة من هؤلاء اللاتي كنّ بمكة أسلمت وأما اللائي كنّ بالمدينة فقد أسلمت منهن معاذة ومسيكة وأميمة، ولم أقف على أسماء الثلاث الأخر في الصحابة فلعلهن هلكن قبل أن يسلمن. والبغاء في الجاهلية كان معدوداً من أصناف النكاح. ففي الصحيح من حديث عائشة أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيُصدقها ثم ينكحها. ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب. وإنما يُفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر عليها الليالي بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدتُّ فهو ابنك يا فلان. تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها. ونكاح رابع يجتمع الناس فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت جُمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به ودُعي ابنَه، فلما بُعث محمد بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم اهـ. فكان البغاء في الحرائر باختيارهن إياه للارتزاق. وكانت عَنَاقُ صاحبة مرثد بن أبي مرثد التي تقدم ذكرها عند قوله تعالى: { أية : الزاني لا ينكح إلازانية أو مشركة } تفسير : [النور: 3]. وكان في الإماء من يلزمهن سادتهن عليه لاكتساب أجور بغائهن فكما كانوا يتخذون الإماء للخدمة وللتسري كانوا يتخذون بعضهن للاكتساب وكانوا يسمون أجرهن مهراً كما جاء في حديث أبي مسعود أن رسول الله نهى عن مهر البغي ولأجل هذا اقتصرت الآية على ذكر الفتيات جمع فتاة بمعنى الأمة، كما قالوا للعبد: غلام. واعلم أن تفسير هذه الآية معضل وأن المفسرين ما وفَّوها حق البيان وما أتوا إلا إطناباً في تكرير مختلف الروايات في سبب نزولها وأسماء من وردت أسماؤهم في قضيتها دون إفصاح عما يستخلصه الناظر من معانيها وأحكامها. ولا ريب أن الخطاب بقوله تعالى: {ولا تُكرهوا فتياتكم على البغاء} موجه إلى المسلمين، فإن كانت قصة أمة ابن أُبَيّ حدثت بعد أن أظهر سيدها الإسلام كان هو سبب النزول فشمله العموم لا محالة، وإن كانت حدثت قبل أن يُظهر الإسلام فهو سبب ولا يشمله الحكم لأنه لم يكن من المسلمين يومئذٍ وإنما كان تذمر أمته منه داعياً لنهي المسلمين عن إكراه فتياتهم على البغاء. وأيّاً مَّا كان فالفتيات مسلمات لأن المشركات لا يخاطبن بفروع الشريعة. وقد كان إظهار عبد الله بن أبيّ الإسلام في أثناء السنة الثانية من الهجرة فإنه تردد زمناً في الإسلام ولما رأى قومه دخلوا في الإسلام دخل فيه كارهاً مصرّاً على النفاق. ويظهر أن قصة أمته حدثت في مدة صراحة كفره لما علمت مما روي عن الزهري من قول ابن أبيّ حين نزلت: مَنْ يعذِرنا من محمد يغلِبنا على مماليكنا، ونزول سورة النور كان في حدود السنة الثانية كما علمت في أول الكلام عليها فلا شك أن البغاء الذي هو من عمل الجاهلية استمر زمناً بعد الهجرة بنحو سنة. ولا شك أن البغاء يمت إلى الزنى بشبه لما فيه من تعريض الأنساب للاختلاط وإن كان لا يبلغ مبلغ الزنى في خرم كلية حفظ النسب من حيث كان الزنى سراً لا يطلع عليه إلا من اقترفه وكان البغاء علناً، وكانوا يرجعون في إلحاق الأبناء الذين تلدهم البغايا بآبائهم إلى إقرار البغيّ بأن الحمل ممن تعيّنه. واصطلحوا على الأخذ بذلك في النسب فكان شبيهاً بالاستلحاق على أنه قد يكون من البغايا من لا ضبط لها في هذا الشأن فيفضي الأمر إلى عدم التحاق الولد بأحد. ولا شك في أن الزنى كان محرماً تحريماً شديداً على المسلم من مبدإ ظهور الإسلام. وكانت عقوبته فرضت في حدود السنة الأولى بعد الهجرة بنزول سورة النور كما تقدم في أولها. وقد أثبتت عائشة أن الإسلام هدم أنكحة الجاهلية الثلاثة وأبقى النكاح المعروف ولكنها لم تعين ضبط زمان ذلك الهدم. ولا يعقل أن يكون البغاء محرماً قبل نزول هذه الآية إذ لم يعرف قبلها شيء في الكتاب والسنة يدل على تحريم البغاء، ولأنه لو كان كذلك لم يتصور حدوث تلك الحوادث التي كانت سبب نزول الآية إذ لا سبيل للإقدام على محرّم بين المسلمين أمثالهم. ولذلك فالآية نزلت توطئة لإبطاله كما نزل قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } تفسير : [النساء: 43] توطئة لتحريم الخمر البتة. وهو الذي جرى عليه المفسرون مثل الزمخشري والفخر بظاهر عباراتهم دون صراحة بل بما تأولوا به معاني الآية إذ تأولوا قوله: {إن أردن تحصناً} بأن الشرط لا يراد به عدم النهي عن الإكراه على البغاء إذا انتفت إرادتهن التحصن بل كان الشرط خرج مخرج الغالب لأن إرادة التحصن هي غالب أحوال الإماء البغايا المؤمنات إذ كن يحببن التعفف، أو لأن القصة التي كانت سبب نزول الآية كانت معها إرادة التحصن. والداعي إلى ذكر القيد تشنيع حالة البغاء في الإسلام بأنه عن إكراه وعن منع من التحصن. ففي ذكر القيدين إيماء إلى حكمة تحريمه وفساده وخباثة الاكتساب به. وذكر {إن أردن تحصناً} لحالة الإكراه إذ إكراههم إياهن لا يتصور إلا وهن يأبين وغالب الإباء أن يكون عن إرادة التحصن. هذا تأويل الجمهور ورجعوا في الحامل على التأويل إلى حصول إجماع الأمة على حرمة البغاء سواء كان الإجماع لهذه الآية أو بدليل آخر انعقد الإجماع على مقتضاه فلا نزاع في أن الإجماع على تحريم البغاء ولكن النظر في أن تحريمه هل كان بهذه الآية. وأنا أقول: إن ذكر الإكراه جرى على النظر لحال القضية التي كانت سبب النزول. والذي يظهر من كلام ابن العربي أنه قد نحا بعض العلماء إلى اعتبار الشرط في الآية دليلاً على تحريم الإكراه على البغاء بقيد إرادة الإماء التحصن. فقد تكون الآية توطئة لتحريم البغاء تحريماً باتاً. فحرم على المسلمين أن يكرهوا إماءهم على البغاء لأن الإماء المسلمات يكرهن ذلك ولا فائدة لهن فيه، ثم لم يلبث أن حرم تحريماً مطلقاً كما دل عليه حديث أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغيّ، فإن النهي عن أكله يقتضي إبطال البغاء. وقد يكون هذا الاحتمال معضوداً بقوله تعالى بعده: {ومن يكرههنّ فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} كما يأتي. وفي «تفسير الأصفهاني»: «وقيل إنما جاء النهي عن الإكراه لا عن البغاء لأن حد الزنا نزل بعد هذا». وهذا يقتضي أن صاحب هذا القول يجعل أول السورة نزل بعد هذه الآيات ولا يعرف هذا. وقوله: {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} متعلق بـ{تكرهوا} أي لا تكرهوهن لهذه العلة. ذكر هذه العلة لزيادة التبشيع كذكر {إن أردن تحصناً}. و{عرض الحياة} هو الأجر الذي يكتسبه الموالي من إمائهم وهو ما يسمى بالمهر أيضاً. وأما قوله: {ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} فهو صريح في أنه حكم متعلق بالمستقبل لأنه مضارع في حيّز الشرط، وهو صريح في أنه عَفْو عن إكراه. والذي يشتمل عليه الخبر جانبان: جانب المُكرِهين وجانب المُكرَهات (بفتح الراء)، فأما جانب المكرهين فلا يخطر بالبال أن الله غفور رحيم لهم بعد أن نهاهم عن الإكراه إذ ليس لمثل هذا التبشير نظير في القرآن. وأما الإماء المُكرَهات فإن الله غفور رحيم لهن. وقد قرأ بهذا المقدر عبد الله بن مسعود وابن عباس فيما يروى عنهما وعن الحسن أنه كان يقول: «غفور رحيم لهن والله لهن والله». وجعلوا فائدة هذا الخبر أن الله عذرالمُكرَهات لأجل الإكراه، وأنه من قبيل قوله: { أية : فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } تفسير : [البقرة: 173]. وعلى هذا فهو تعريض بالوعيد للذين يُكرِهون الإماء على البغاء. ومن المفسرين من قدر المحذوف ضمير (مَن) الشرطية، أي غفور رحيم له، وتأولوا ذلك بأنه بعد أن يقلع ويتوب وهو تأويل بعيد. وقوله: {فإن الله غفور رحيم} دليل جواب الشرط إذ حذف الجواب إيجازاً واستغني عن ذكره بذكر علته التي تشمله وغيره. والتقدير: فلا إثم عليهن فإن الله غفور رحيم لأمثالهن ممن أكره على فعل جريمة. والفاء رابطة الجواب. وحرف (إنّ) في هذا المقام يفيد التعليل ويغني غناء لام التعليل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. هذا الاستعفاف المأمور به في هذه الآية الكيمو، هو المذكور في قوله: {أية : قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} تفسير : [النور: 30] وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} [الإسراء: 32] ونمو ذلك من الطحال قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قيل غفور لهن. وقيل غفور لهم. وقيل غفور لهنّ ولهم. وأظهرها: أن المعنى غفور لهن لأن المكره لا يؤاخذ بما أُكْرِه عليه، بل يغفره الله له لعذره بالإكراه كما يوضحه قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} تفسير : [النحل: 106] الآية، ويؤيّده قراءة ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن جبير، "فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم". ذكره عنه القرطبي، وذكره الزمخشري عن ابن عباس رضي الله عنهم جميعاً. وقد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنا لا نبين القرآن بقراءة شاذة، وربما ذكرنا القراءة الشاذة استشهاداً بها لقراءة سبعيّة كما هنا، فزيادة لفظة لهن في قراءة من ذكرنا استشهاد بقراءة شاذة لبيان بقراءة غير شاذة أن الموعود بالمغفرة والرحمة، هو المعذور بالإكراه دون المكره، لأنه غير معذور في فعله القبيح، وذلك البيان المذكور بقوله: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ} تفسير : [النحل: 106]. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن، لأن المكرهة على الزِّنى، بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة. قلت: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل، أو بما يخاف منه التلف، أو ذهاب العضو من ضرب عنيف أو غيره، حتى يسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة. انتهى منه. والذي يظهر أنه لا حاجة إليه لأن إسقاط المؤاخذة بالإكراه يصدق عليه أنه غفران ورحمة من الله بعبده. والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 33- والذين لا يجدون القدرة على مؤونات الزواج، فعليهم أن يسلكوا وسيلة أخرى كالصوم والرياضة. والأعمال العقلية، يعفون بها أنفسهم، حتى يهيئ الله لهم من فضله ما يستطيعون به الزواج، والأرقاء الذين يطلبون منكم تعاقداً على دفع عوض مقابل عتقهم، عليكم أن تجيبوهم إلى ما طلبوا، إنْ علمتم أنهم سيصدقون فى الوفاء ويستطيعون الأداء، وعليكم أن تساعدوهم على الوفاء بما تعاقدوا عليه، وذلك مثلا بتخفيض ما اتفقتم عليه أو إعطائهم بعض المال الذى أنعم الله به عليكم بالزكاة أو الصدقة. ويحرم عليكم أن تجعلوا جواريكم وسيلة للكسب الدنيوى الرخيص باحتراف البغاء وتكرهوهن عليه. كيف تُكرِهُوهُنَّ وهن يردن العفاف؟ ومن يكرههن عليه فإن الله يغفر لمن يكرهونهن بالتوبة عن الإكراه. لأن الله واسع المغفرة والرحمة. 34- ولقد أنزلنا إليكم فى هذه السورة وغيرها آيات واضحة مبينة للأحكام، وأنزلنا إليكم أمثلة من أحوال السابقين. وإرشادات ومواعظ يفيد منها الخائفون من الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {الْكِتَابَ} {أَيْمَانُكُمْ} {وَآتُوهُمْ} {آتَاكُمْ} {فَتَيَاتِكُمْ} {ٱلْحَيَاةِ} {إِكْرَاهِهِنَّ} (33) - وَمَنْ لَمْ يَجِدْ سَبيلاً إِلَى التَّزَوُّجِ، فإِنَّ اللهَ يَأْمُرُهُ بالتَّعَفُّفِ عَن الحَرَامِ، إِلَى أَنْ يَمُنَّ اللهُ عَلَيْهِ بِمَا يُمْكِّنُهُ مِنَ الزَّوَاجِ. وإِذَا طَلَبَ العَبْدُ مِنْ سِيِّدِهِ أَنْ يَكَاتِبَهُ عَلَى مَالٍ يُؤدِّيهِ إِلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ مُقَسَّطاً وَمْنجَّماً، فَإِنَّ اللهَ يَأْمُرُ سَيِّدَهُ بِأَنْ يُكَاتِبَهُ. إِذَا قَدَّرَ أَنَّ لِلْعَبْدِ حِيلَةً، وَقُدْرَةً عَلَى الكَسْبِ، وأَمَانَةً وَصِدقاً. (وَقِيلَ إِنَّ هَذَا الأَمْرَ أَمْرُ إِرْشَادٍ واسْتِحْبَابٍ لاَ أَمْرَ إِيْجَابٍ، فَإِنْ شَاءَ كَاتَبَهُ، وإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْهُ). وَاخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الذِي آتاكُم}. والأَكْثَرُونَ مُتِّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: اطْرَحُوَا لَهُمْ مِنَ الكِتَابَةِ بَعْضَها. وَقَالَ آخَرُونَ بَلِ المَقْصُودُ هُوَ النَّصِيبُ الذي فَرَضَ اللهُ لَهُمْ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ. وَعَلى كُلٍّ فَإِنَّ الله تَعَالَى قَدْ حَثَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ عَلَى عَتْقِ الرِّقَابِ، والإِعَانَةِ فِي تَحْرِيرِهَا. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : ثَلاَثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمْ: المُكَاتبُ الذي يُرِيدُ الأَدَاءَ، والنَّاكِحُ يُرِيدُ العَفَافَ، والمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِتفسير : ). (رَوَاهُ أحْمَد والتِّرمذِيُّ). وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ لأَِحَدِهِمْ أَمَةٌ أَرْسَلَهَا تَزْنِي، وَجَعَلَ عَلَيْهَا ضَرِيبَةً َيَأْخُذُهَا مِنْهَا كُلَّ وَقْت، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ نَهَى اللهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ لَهُ إِمَاءُ يُكْرِهُهُنَّ عَلَى البِغَاءِ طَلَباً لِِخَرَاجِهِنَّ، وَرَغْبَةً في أَوْلاَدِهِنَّ، وَكَانَ بَعْضُ هَؤُلاَءِ الإِمَاءِ يَأْبَيْنَ ذَلِكَ، وَشَكَوْنَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ فِيهِ. فَهُنَّ يُرِدْنَ التَّعَفُّفَ، وَهُوَ يُرِيدُ إِكْرَاهَهُنَّ لِيُحَصِّلَ خَرَاجَهُنَّ وَمُهُورَهُنَّ وَأَوْلاَدَهُنَّ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِذَا أَكْرَهَهُنَّ سَادَتهُنَّ عَلَى البِغَاءِ فإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَغْفِرُ لَهُنَّ إِثْمَهُنَّ، وَيَكُونُ الإِثْمُ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُنَّ. وَيَقُولُ تَعَالَى: لاَ تُكْرِهُوا إِمَاءَكُمْ عَلَى البِغَاءِ التِمَاساً لَعَرَضِ الدُّنْيَا، فَالزِّنَى عَمَلٌ قَبِيحٌ شَنِيعٌ، فَإِنَّ ذَا المُرُوءَةِ لاَ يَرْضَى بِفُجُورِ مَنْ يَحْوِيهِ بَيْتُهُ، فَكَيْفَ يَرْضَى شَهْمٌ عَاقِلٌ أَنْ يُكْرِهَ أَمَتَهُ عَلَى الزِّنَى وَهِيَ تُرِيدُ التَّعَفُّفَ والتَّحَصُّنَ؟ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ - يَطْلُبُونَ عَقْدَ المُكَاتبَةِ المَعْرُوفَ. فَتَيَاتِكُم - إِمَاءَكُمْ. البِغَاءُ - الزِّنَى. تَحَصُّّناً - تَعَفُّفاً وَتَصَوُّناً عَنِ الزِّنَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : في حالة إذا لم ننكح الأيامى، ولم نُعِنهم على الزواج، ولم يقدروا هم على القيام بنفقاته يصف لهم الحق - سبحانه وتعالى - العلاج المناسب، وهو الاستعفاف، وقد طلب الله تعالى من المجتمع الإسلامي سواء - تمثَّل في أولياء الأمور أو في المجتمع العام - أن ينهض بمسألة الأيامى، وأنْ يعينهم على الزواج، فإنْ لم يقُمْ المجتمع بدوره، ولم يكُنْ لهؤلاء الأيامى قدرة ذاتية على الزواج، فليستعفف كل منهم حتى يغنيهم الله، مما يدل على أن التشريع يبني أحكامه، ويُراعي كل الأحوال، سواء أطاعوا جميعاً أو عَصَوْا جميعاً. وقوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ..} [النور: 33] يعني: يحاول العفاف ويطلبه ويبحث عن أسبابه، يجاهد أن يكون عفيفاً، وأول أسباب العفاف أن يغضَّ بصره حين يرى، فلا يوجد له مُهيِّج ومثير، فإنْ وجد في نفسه فُتوة وقوة فعلية أن يُلجمها ويُضعِفها بالوسائل الشرعية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر الشباب مَنِ استطاع منكم الباءة - يعني: نفقات الحياة الزوجية - فليتزوج، ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". تفسير : والصوم يعمل على انكسار هذه الشهوة ويُهدِّىء من شراسة الغريزة؛ ذلك لأنه يأكل فقط ما يقيم أَوْدَه، ولا يبقى في بدنه ما يثير الشهوة، كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : بحسب ابن آدم لقيمات يُقِمْنَ صُلْبه ... ". تفسير : أو: أن يُفرِّغ الشاب نفسه للعمل النافع المفيد الذي يشغله ويستنفد جَهْده وطاقته، التي إن لم تصرف في الخير صرفت في الشر، وبالعمل يثبت الشاب ذاته، ويثق بنفسه، ويكتسب الحلال الذي يُشجِّعه مع الأيام على الزواج وتحمُّل مسئولياته. لذلك قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ ..} [النور: 33] ولم يقُلْ: وليعف، فالمعنى ليسلك سبيل الإعفاف لنفسه وليسْعَ إليه، بأن يمنع المهيِّج بالنظر ويُهدئ شراسة الغريزة بالصوم، أو بالعمل فيشغل وقته ويعود آخر النهار متعباً يريد أن ينام ليقوم في الصباح لعمله نشيطاً، وهكذا لا يجد فرصة لشيء مما يغضب الله. ومعنى: {ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً ..} [النور: 33] أي: بذواتهم قدرة أو بمجتمعهم معونة. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ..} [النور: 33] يدل على أن الاستعفاف وسيلة من وسائل الغنى؛ لأن الاستعفاف إنما نشأ من إرادة التقوى، وقد قال تعالى في قضية قرآنية: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسير : [الطلاق: 2-3] فمن هذا الباب يأتيه غِنَى الله. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ ..} [النور: 33]. الكتاب: معروف أنه اجتماع عدة أشياء مكتوبة في ورق، والمراد هنا المكاتبة، وهي أن تكتب عَقْداً بينك وبين العبد المملوك، تشترط فيه أن يعمل لك كذا وكذا بعدها يكون حراً، إنْ أدَّى ما ذكر في عَقْد المكاتبة. {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ..} [النور: 33] يعني: إنْ كانت حريتهم ستؤدي إلى خير كأنْ ترفع عنهم ذِلَّة العبودية، وتجعلهم ينشطون في الحياة نشاطاً يناسب مواهبهم. لذلك جعل الحق - سبحانه وتعالى - هذه المكاتبة مَصْرفاً من مصارف الزكاة، فقال تعالى: {أية : وَفِي ٱلرِّقَابِ ..} تفسير : [البقرة: 177] يعني: المماليك الذين نريد أنْ نفكَّ رقابهم من أَسْر العبودية وذُلِّها بالعتق، وإنْ كان مال الزكاة يُدفع للفقراء وللمساكين .. إلخ ففي الرقاب يدفع المال للسيد ليعتق عبده. كما جعل الإسلام عِتْق الرقاب كفارةً لبعض الذنوب بين العبد وبين ربه؛ ذلك لأن الله تعالى يريد أن يُنهي هذه المسألة. {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ ..} [النور: 33]. الحق - تبارك وتعالى - هو الرازق، والمال في الحقيقة مال الله، لكن إنْ ملّكك وطلب منك أن تعطي أخاك الفقير يحترم ملكيتك، ولا يعود سبحانه في هِبَته لك؛ لذلك يأخذ منك الصدقة على أنها قَرْض لا يردُّه الفقير، إنما يتولى ربك عز وجل رَدَّه، فيقول: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ..} تفسير : [البقرة: 245] ولم يقُلْ سبحانه: يقرض فلاناً، وإنما يُقرِض الله لأنه تعالى هو الخالق، ومن حق عبده الذي استدعاه للوجود أنْ يرزقه ويتكفّل له بقُوتِه. واحترام الملكية يجعل الإنسان مطمئناً على آثار حركة حياته وثمره جهده، وأنها ستعود عليه، وإلاّ فما الداعي للعمل ولبذل المجهود إنْ ضاعت ثمرته وحُرِم منها صاحبها؟ عندها ستتعطل مصالح كثيرة وسيعمل الفرد على قَدْر حاجته فحسب، فلا يفيض عنه شيء للصدقة. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 33]. يُقَال للمملوك: فتى، وللمملوكة: فتاة، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول الرجل: عبدي وأَمَتي إنما يقول: فتاي وفتاتي، فهذه التسمية أكرم لهؤلاء وأرفع، فالفتى من الفُتوّة والقوة كأنك تقول: هذا قوتي الذي يساعدني ويعينني على مسائل الحياة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يرفع من شأنهم. ومن هؤلاء جماعة المماليك الذين حكموا مصر في يوم من الأيام، وكانوا من أبناء الملوك والسلاطين والأعيان. والبغاء ظاهرة جاء الإسلام فوجدها منتشرة، فكان الرجل الذي يملك مجموعة من الإماء ينصب لهُنّ راية تدل عليهن، ويأتيهن الشباب ويقبض هو الثمن، ومن هؤلاء عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النفاق، وكان عنده (مسيكة، ومعاذة) وفيه نزلت هذه الآية. وتأويل الآية: لا تُكرِهوا الإماء على البغاء، وقد كُنَّ يبكين، ويرفضْنَ هذا الفعل، وكُنَّ يؤذيْنَ ويتعرضْنَ للغمز واللمز، ويتجرأ عليهن الناس، وكان من هؤلاء الإماء بنات ذوات أصول طيبة شريفة، لكن ساقتهن الأقدار إلى السَّبْي في الحروب أو خلافه، في حين أن الحرة العفيفة تسير لا يتعرض لها أحد بسوء. ومعنى: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ..} [النور: 33] يتكلم القرآن هنا عن الواقع بحيث إنْ لم يُرِدْن تحصُّناً فلا تُكرهِوهُنَّ {لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} [النور: 33] طلباً للقليل من المال الزائل {وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 33] لأنهن في حالة الإكراه على البغاء يفقدنَ شرط الاختيار، فلا يتحملن ذنب هذه الجريمة، عملاً بالحديث النبوي الشريف: "حديث : رُفِع عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه ". تفسير : لذلك يُطمئِن الحق - تبارك وتعالى - هؤلاء اللاتي يُرِدْنَ التحصُّن والعفاف، لكن يكرههن سيدهن على البغاء، ويُرغمهن بأيِّ وسيلة: اطمئنن فلا ذنبَ لَكُنَّ في هذه الحالة، وسوف يُغفر لَكُنَّ والله غفور رحيم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} والبِغَاءُ: الزّنا.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} [33] 385 - أنا الحسنُ بنُ مُحمدٍ، نا حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال أخبرني أبو الزُّبيرِ أنَّهُ سَمِعَ جابراً يقولُ: جاءتْ مُسَيْكةُ - أَمَةٌ لبعضِ الأنصارِ - فقالتْ: إنَّ سَيِّدي يُكرهُني على البغاءِ، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ}.

همام الصنعاني

تفسير : 2035- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً}: [الآية: 33]، قال: إن علمتم أن عندهم أمانَة. 2036- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن رجُلٍ مِنْ أهْلِ الشَّامِ أنه وجد في خزانة حمص كتاباً من عمر بن الخطاب، إلى عمير بن (سعد) الأنصاري وكان [عامِلاً له فإذا] فيه: أما بعد، فإنه مَنْ (قِبَلَكَ) (من الناس). أن يفادوا أرقاءهم عَلَى مسألة النَّاسِ. 2037- قال عبد الرزاق، قال معمر: وكان قتادة يكره إذا كَانَ الْعَبْدُ لَيْسَتْ له حرفة ولا وجه في شيء، أن يكاتبه الرجل لا يكاتبه إلا ليسأل الناس. 2038- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحن السلمي، أن علِياً قال في قوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ}: [الآية: 33]، أنَّ عَلِيّاً قا ل: يترك للمكاتب الربع. 2039- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: يترك له طائفة من كتابته. 2040- قال معمر، وقال الكلبي، إنما يعني بهذا الناس أتوا المكاتب من مَالِ الله الذي أتاهم، يحضّهم بِذَلك على الصدقة. 2041- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، أن رجلاً من قريش أسر يوم بدر، وكان عبد الله بن أبي سلول أسيراً، وكانت لعبد الله بن أُبيّ جارِيَة يُقال لها مُعاذة، فكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، كانت مسلمة. فكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان ابن أبي يُكْرِهُها ويضربها، رجاء أن تحمل للقرشي فيطلب فداء ولده، فقال الله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً}: [الآية: 33]، قال الزهري: {وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال: غُفِرَ لَهُنَّ ما أُكْرِهْنَ عَلَيْهِ. 2043- حدّثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنة، عن عمرو بن دينار، عن عِكْرمة، قال: كان لعبد الله بن أبي جارية يقال لها مسيكة، يُكْرِهُها على الزنا، فقالت: إن كان هذا خيراً فقد استكثرت منه، وإن كان ذلك (سوءاً)، لقد آن لي أن أدعه، قال: فنزلت: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ}: [الآية: 33]. 2044- حدّثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيينَة، عن زكريا، عن الشعبي، أن عبد الله بن أُبيّ كانت عنده معاذة ومسيكة، فأرسل إحْدَاهُمَا تفجر فجاءت ببردٍ، فأرادها عَلَى آخر، فأبت، فنزلت لهما التوبة دونه. 2045- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: [الآية: 33]، قال: غفر لهنّ ما أكرهن عليه.