٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما ذكر في هذه السورة هذه الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاثة: أحدها: قوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءَايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ } أي مفصلات، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم مبينات بكسر الياء على معنى أنها تبين للناس كما قال: { أية : بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُّبِينٍ } تفسير : [الشعراء:195] أو تكون من بين بمعنى تبين، ومنه المثل: قد بين الصبح لذي عينين وثانيها: قوله: {وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ } وفيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى يريد بالمثل ما ذكر في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود فأنزل في القرآن مثله، وهو قول الضحاك والثاني: قوله: {وَمَثَلاً } أي شبهاً من حالهم بحالكم في تكذيب الرسل، يعني بينا لكم ما أحللنا بهم من العقاب لتمردهم على الله تعالى، فجعلنا ذلك مثلاً لكم لتعلموا أنكم إذا شاركتموهم في المعصية كنتم مثلهم في استحقاق العقاب، وهو قول مقاتل وثالثها: قوله: {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } والمراد به الوعيد والتحذير من فعل المعاصي ولا شبهة في أنه موعظة للكل، لكنه تعالى خص المتقين بالذكر للعلة التي ذكرناها في قوله: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } وههنا آخر الكلام في الأحكام. القول في الإلهيات اعلم أنه تعالى ذكر مثلين: أحدهما: في بيان أن دلائل الإيمان في غاية الظهور الثاني: في بيان أن أديان الكفرة في نهاية الظلمة والخفاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءايَٰتٍ مُّبَيّنَٰتٍ } بفتح الياء وكسرها في هذه السورة، بيَّن فيها ما ذكر، أو تُبَيِّنَة {وَمَثَلاً } خبراً عجيباً وهو خبر عائشة {مّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ } أي من جنس أمثالكم أي أخبارهم العجيبة كخبر يوسف [12] ومريم [19] {وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } في قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ } {لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ } الخ {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ } الخ {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ } الخ و تخصيصها بالمتقين لأنهم المنتفعون بها.
النسفي
تفسير : {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ } بفتح الياء: حجازي وبصري وأبو بكر وحماد. والمراد الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت في معاني الأحكام والحدود، وجاز أن يكون الأصل مبيناً فيها فاتسع في الظرف أي أجري مجرى المفعول به كقوله «ويوم شهدناه» وبكسرها غيرهم أي بينت هي الأحكام والحدود جعل الفعل لها مجازاً أو من بين بمعنى تبين ومنه المثل. «قد بين الصبح لذي عينين» {وَمَثَلاً مّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ } ومثلاً من أمثال من قبلكم أي قصة عجيبة من قصصهم كقصة يوسف ومريم يعني قصة عائشة رضي الله عنها {وَمَوْعِظَةً } ما وعظ به من الآيات والمثل من نحو قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ }. {لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ }. {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً } {لّلْمُتَّقِينَ } أي هم المنتفعون بها وإن كانت موعظة للكل.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} أي من الحلال والحرام {ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم} أي شبهاً من حالكم بحالهم أيها المكذبون، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق من كان قبلهم من المكذبين {وموعظة للمتقين} أي المؤمنين الذين يتقون الشرك والكبائر. قوله عزّ وجلّ {الله نور السموات والأرض} قال ابن عباس: معناه الله هادي السموات والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهدايته من حيرة الضلالة ينجون وقيل معناه الله منور السموات والأرض، نور السماء بالملائكة ونور الأرض بالأنبياء وقيل: معناه مزين السموات والأرض زين السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين، ويقال: زين الأرض بالنبات والأشجار، وقيل: معناه إن الأنوار كلها منه وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح كما قال الشاعر: شعر : إذا سار عبدالله عن مرو ليلة فقد سار عنها نورها وجمالها تفسير : {مثل نوره} أي مثل نور الله عز وجل في قلب المؤمن، وهو النور الذي يهتدي به وقال ابن عباس مثل نوره الذي أعطى المؤمن، وقيل الكناية عائدة إلى المؤمن أي مثل نور قلب المؤمن وقيل أراد بالنور القرآن وقيل هو محمد صلى الله عليه وسلم وقيل هو الطاعة سمي طاعة الله نوراً، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تشريفاً وتفصيلاً {كمشكاة} هي الكوة التي لا منفذ لها قيل: هي بلغة الحبشة {فيها مصباح} أي سراج وأصله من الضوء {المصباح في زجاجة} يعني القنديل وإنما ذأر الزجاجة لأن النور، وضوء النار فيها أبين من كل شيء وضوءه يزيد في الزجاج ثم وصف الزجاجة، فقال تعالى {الزجاجة كأنها كوكب دري} من درأ الكوكب إذا اندفع منقضاً، فيتضاعف نوره في تلك الحال، وفي ذلك الوقت وقيل هو من درأ النجم إذا طلع، وارتفع وقيل دري أي شديد الإنارة نسب إلى الدر، في صفائه وحسنه وإن كان الكوكب أضوأ من الدر لكنه يفضل الكوكب بصفائه كما يفضل الدر على سائر اللؤلؤ وقيل الكوكب الدري أحد الكواكب الخمسة السيارة، التي هي زحل والمريخ والمشتري والزهرة وعطارد، قيل: شبهه بالكواكب ولم يشبهه بالشمس والقمر، لأنهما يلحقهما الكسوف بخلاف الكواكب {يوقد} أي اتقد المصباح {من شجرة مباركة زيتونة} أي من زيت شجرة مباركة كثيرة البركة، وفيها منافع كثيرة لأن الزيت يسرج به ويدهن به وهو إدام وهو أصفى الأدهان وأضوأها، وقيل: إنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان وقيل: أراد به زيتون الشام لأنها هي الأرض المباركة، وهي شجرة لا يسقط ورقها، عن أسيد بن ثابت أو أبي أسيد الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كلوا الزيت وادهنوا به فإنه شجرة مباركة"تفسير : أخرجه الترمذي. وقوله {لا شرقية ولا غربية} أي ليست شرقية وحدها فلا تصيبها الشمس إذا غربت ولا غربية وحدها فلا تكون الشمس بالغداة، إذا طلعت بل مصاحبة للشمس طول النهار تصيبها الشمس عند طلوعها، وعند غروبها فتكون شرقية غربية تأخذ حظها من الأمرين فيكون زيتها أضوأ، وهذا معنى قول ابن عباس وقيل معناه أنها ليست في مقنأة لا تصيبها الشمس، ولا في مضحاة لا يصيبها الظل فهي لا تضرها شمس ولا ظل وقيل معناه أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ولا في غرب يضرها البرد وقيل معناه هي شامية لأن الشام وسط الأرض، لا شرقي ولا غربي وقيل ليست هذه الشجرة من أشجار الدنيا لأنها لو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره {يكاد زيتها يضيء} أي من صفائه {ولو لم تمسسه نار} أي قبل أن تمسه النار {نور على نور} أي نور المصباح على نور الزجاجة. فصل في بيان التمثيل المذكور في الآية اختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل، فقيل: المراد به الهدى ومعناه أن هداية الله تعالى قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات، وصار ذلك بمنزلة المشكاة التي فيها زجاجة صافية وفي تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء، والرقة والبياض فإذا كان كذلك كان كاملاً في صفائه، وصلح أن يجعل مثلاً لهداية الله تعالى وقيل وقع هذا التمثيل لنور محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس لكعب الأحبار: أخبرني عن قوله تعالى {مثل نوره كمشكاة} قال كعب: هذا مثل ضربه الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم فالمشكاة صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيه النبوة توقد من شجرة مباركة هي شجرة النبوة يكاد نور محمد صلى الله عليه وسلم وأمره يتبين للناس ولو لم يتكلم به أنه نبيّ كما يكاد ذلك الزيت يضيء، ولو لم تمسسه نار وروي عن ابن عمر في هذه الآية قال المشكاة: جوف محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه والمصباح النور الذي جعله الله فيه لا شرقية ولا غربية، لا يهودي ولا نصراني توقد من شجرة مباركة إبراهيم نور على نور قلب إبراهيم ونور قلب محمد صلى الله عليه وسلم: وقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل والمصباح محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين سمى الله محمداً مصباحاً، كما سماه سراجاً منيراً والشجرة المباركة إبراهيم عليه السلام لأن أكثر الأنبياء من صلبه لا شرقية ولا غربية، يعني إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً لأن اليهود تصلّي إلى الغرب، والنصارى تصلّي إلى الشرق يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار تكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه نور على نور نبي من نسل نبي نور محمد على نور إبراهيم، وقيل وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن قال أبيّ بن كعب، هذا مثل المؤمن فالمشكاة نفسه، والزجاجة قلبه والمصباح ما جعله الله فيه من الإيمان والقرآن توقد من شجرة مباركة هي شجرة الإخلاص لله وجده فمثله مثل شجرة التف بها الشجر فهي خضراء ناعمة نضرة، لا تصيبها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت فكذلك المؤمن، قد احترس أن يصيبه شيء من الفتن فهو بين أربع خلال إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن حكم عدل وإن قال صدق يكاد زيتها يضيء أي يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يتبين له لموافقته إياه، نور على نور قال أبي: فهو يتقلب في خمسة أنوار قوله نور، وعمله نور ومدخله نور، ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة وقال ابن عباس: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوئه كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونور على نور، وقال الكلبي: نور على نور يعني إيمان المؤمن وعمله. وقيل نور الإيمان ونور القرآن وقيل هذا مثل القرآن فالمصباح هو القرآن فكما يستضاء بالمصباح فكذلك يهتدى بالقرآن والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة المعرفة في قلبه، يكاد زيتها يضيء أي نور المعرفة يشرق في قلب المؤمن، ولو لم يمسسه النار وقيل تكاد حجة القرآن تتضح، وإن لم يقرأ نور على نور يعني القرآن نور من الله لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن فازدادوا بذلك نوراً على نور. قوله تعالى {يهدي الله لنوره من يشاء} قال ابن عباس: لدين الإسلام وهو نور البصيرة {ويضرب الله الأمثال للناس} أي يبين الله الأشياء للناس تقريباً إلى الأفهام، وتسهيلاً لسبيل الإدراك {والله بكل شيء عليم}.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} الآية. لما ذكر الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث: أحدها: قوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} أي: مفصلات. وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر: "مبيِّنات" بكسر الياء، أي: أنها تبين للناس الحلال والحرام، كقوله تعالى: {أية : بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 195] وتقدم الكلام في "مُبَيّنَاتٍ" كسراً وفتحاً. وثانيها: قوله: {وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ}. قال الضحاك: "يريد بالمثل ما في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود، فأنزل في القرآن مثله" وقال مقاتل: "قوله: "وَمَثَلاً" أي: شبهاً من حالهم بحالكم في تكذيب الرسل" يعني: بينا لكم ما أحللنا بهم من العقاب لتمردهم على الله، فجعلنا ذلك مثلاً لكم، وهذا تخويف لهم، فقوله: "ومثلاً" عطف على "آيات" أي: وأنزلنا مثلاً من أمثال الذين من قبلكم. وثالثها: قوله: "وَمَوْعِظَة لِلْمُتقينَ" أي: الوعيد والتحذير، ولا شك أنه موعظة للكل، وخصَّ المتقين بالذكر لما تقدم في قوله: {أية : هُدًى لِلْمتقينَ} تفسير : [البقرة: 2].
البقاعي
تفسير : ولما أتم سبحانه هذه الآيات في براءة عائشة رضي الله عنها ومقدماتها و خواتيمها، قال عاطفاً على قوله أولها {وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون}: {ولقد أنزلنا} أي بما لنا من العظمة ترغيباً لكم وترهيباً {إليكم} أي لتتعظوا {آيات مبينات} مفصل فيها الحق من الباطل، موضح بالنقل والعقل بحيث صارت لشدة بيانها تبين هي لمن تدبرها طرق الصواب كما أوضحنا ذلك لمن يتدبره في براءة عائشة رضي الله تعالى عنها وما تقدمها وتتبعها مما هو صلاحكم في الدين والدنيا {ومثلاً} أي وشبهاً بأحوالكم {من الذين خلوا من قبلكم} أي من أحوالهم بما أنزل الله إليهم في التوراة في أحوال المخالطة والزنى وقذف الأبرياء كيوسف ومريم عليهما السلام وتبرئتهم كما قدمت كثيراً منه في سورة المائدة وغيرها مما صار في حسن سبكه في هذا الكتاب، وبديع حبكه عند أولي الألباب، كالأمثال السائرة، والأفلاك الدائرة {وموعظة للمتقين*} بما فيه من الأحكام والفواصل المنبئة عن العلل المذكرة بما يقرب من الله زلفى، وينور القلب، ويوجب الحب والألفة، ويذهب وحر الصدر؛ ثم علل إنزاله لذلك على هذا السنن الأقوم، والنظم المحكم، بقوله: {الله} أي الذي أحاطت قدرته وعلمه {نور} أي ذو نور {السماوات والأرض} لأنه مظهرهما بإيجادهما وإيجاد أهلهما وهاديهم بالتنوير بالعلم الجاعل صاحبه بهدايته إلى الصراط المستقيم كالماشي في نور الشمس، لا يضع شيئاً في غير موضعه كما أن الماشي في النور لا يضع رجلاً في غير موضعها اللائق بها، ولا شك أن النور هو ما به تظهر به الأشياء وتنكشف، فهو سبحانه مظهرهما، وهما وما فيهما دال على ظهوره، وأنه تام القدرة شامل العلم حاوٍ لصفات الكمال، منزه عن شوائب النقص، وفي آخر الشورى ما ينفع جداً هنا. ولما كان من المحال أن يضل عن نور هو ملء الخافقين أحد من سكانهما، بين وجه خفائه مع ظهور ضيائه واتساعه وقوة شعاعه، حتى ضل عنه أكثر الناس، فقال مبيناً بإضافة النور إلى ضميره أن الإخبار عنه بالنور مجاز لا حقيقة، منبهاً على أن آياته الهادية تلوح خلال الشبهات الناشئة عن الأوهام الغالبة على الخلق التي هي كالظلمات {مثل نوره} أي الذي هدى به إلى سبيل الرشاد في خفائه عن بعض الناس مع شدة ظهوره، وهو آياته الدالة عليه من أقواله وأفعاله {كمشكاة} أي مثل كة أي خرق لكن غير نافذ في جدار؛ قال البغوي: فإن كان لها منفذ فهي كوة. ولما دخل المشكاة في هذا المثل خفياً فقدمها تشويقاً إلى شرحه، أتبعه قوله شارحاً له: {فيها مصباح} أي سراج ضخم ثاقب. وهو الذبالة - أي الفتيلة - الضخمة المتقدة، من الصباح الذي هو نور الفجر، والمصباح الذي هو الكوكب الكبير؛ قال البغوي: وأصله الضوء - انتهى. فإذا كان في المشكاة اجتمعت أشعته فكان أشد إنارة، ولو كان في فضاء لافترقت أشعته؛ وأتى ببقية الكلام استئنافاً على تقدير سؤال تعظيماً له فقال: {المصباح في زجاجة} أي قنديل. ولما كان من الزجاج ما هو في غاية الصفاء، بين أن هذه منه فقال: {الزجاجة كأنها} أي في شدة الصفاء {كوكب} شبهه بها دون الشمس والقمر لأنهما يعتريهما الخسوف {دريّ} أي متلألىء بالأنوار فإنه إذا كان في زجاجة صافية انعكست الأشعة المنفصلة عنه من بعض جوانب الزجاجة إلى بعض لما فيها من الصفاء والشفيف فيزداد النور ويبلغ النهاية كما أن شعاع الشمس إذا وقع على ماء أو زجاجة صافية تضاعف النور حتى أنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك النور؛ والدريّ - قال الزجاج: مأخوذ من درأ إذا اندفع منقضاً فتضاعف نوره. ولما كان من المصابيح أيضاً ما يكون نوره ضعيفاً بين أن هذا ليس كذلك فقال: {يوقد} أي المصباح، بأن اشتد وقده. ولما كان هذا الضوء يختلف باختلاف ما يتقد فيه، فإذا كان دهناً صافياً خالصاً كان شديد، وكانت الأدهان التي توقد ليس فيها ما يظهر فيه الصفاء كالزيت لأنه ربما بلغ في الصفاء والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض وشعاع يتردد في أجزائه، قال: {من شجرة} أي زيتها {مباركة} أي عظيمة الثبات والخيرات يطيب منبتها {زيتونة}. ولما كان الزيت يختلف باختلاف شجرته في احتجابها عن الشمس وبروزها لها، لأن الشجر ربما ضعف وخبث ثمره بحائل بينه وبين الشمس، بين أن هذه الشجرة ليست كذلك فقال: {لا شرقية} أي ليست منسوبة إلى الشرق وحده، لكونها بحيث لا يتمكن منها الشمس إلا عند الشروق لكنها في لحف جيل يظلها إذا تضيفت الشمس للغروب {ولا غربية} لأنها في سفح جبل يسترها من الشمس عند الشروق، بل هي بارزة للشمس من حين الشروق إلى وقت الغروب، ليكون ثمرها أنضج فيكون زيته أصفى، قال البغوي: هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة والكلبي والأكثرين. فهي لزكاء عنصرها، وطهارة منبتها، وبروزها للشمس والرياح، بحيث {يكاد زيتها} لشدة صفائه {يضيء ولو لم تمسسه نار}. ولما علم من هذا أن لهذا الممثل به أنواراً متظاهرة بمعاونة المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت، فلم يبق مما يقوي نوره ويزيده إشارقاً، ويمده بإضاءة نقية، قال في الممثل له: {نور على نور} أي أن العلم الرباني عظيم الاتساع كلما سرحت فيه النظر، وأطلقت عنان الفكر، أتى بالغرائب ولا يمكن أن يوقف له على حد. ولما كان الإخبار عن مضاعفة هذا النور موجباً لاعتقاد أنه لا يخفى عن أحد، أشار إلى أنه - بشمول علمه وتمام قدرته - يعمى عنه من يريد مع شدة ضيائه، وعظيم لألائه، فقال: {يهدي الله} أي بعظمته المحيطة بكل شيء {لنوره من يشاء} كما هدى الله من هدى من المؤمنين لتبرئة عائشة رضي الله عنها قبل إنزال براءتها. بكون الله اختارها لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يختار له إلا طيباً طاهراً وما شاكل ذلك، وعلم أن قسيم ذلك "ويضل الله عن نوره من يشاء" وعلم أن وجه كونه ضل عنه أكثر الناس إنما هو ستر القادر له بنقص في حس من يريد سبحانه إضلاله، لا لنقص في النور كما قال الشاعر: شعر : والنجم تستصغر الأبصار صورته فالذنب للطرف لا للنجم في الصغر تفسير : كما سيأتي إيضاح ذلك عند قوله تعالى{أية : ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} تفسير : [الفرقان: 25]، ومر آنفاً في حديث علي رضي الله عنه في الأرواح ما ينفع ههنا. ولما كان كأنه قيل: ضرب الله هذا المثل لكم لتدبروه فتنفعوا به، عطف عليه قوله: {ويضرب الله} أي بما له من الإحاطة بكمال القدرة وشمول العلم {الأمثال للناس} لعلمه بها، تقريباً للأفهام، لعلهم يهتدون {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {بكل شيء} أي منها ومن غيرها {عليم*} يبين كل شيء بما يسهل سبيله فثقوا بما يقول، وإن لم تفهموه أنفسكم وأمعنوا النظر فيه يفتح لكم سبحانه ما انغلق منه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} يعني ما فرض عليهم في هذه السورة.
ابو السعود
تفسير : {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ} كلامٌ مستأنف جيءَ به في تضاعيف ما وردَ من الآيات السَّابقةِ واللاَّحقةِ لبـيان جلالةِ شؤونها المستوجبةِ للإقبال الكليِّ على العمليِّ بمضمونِها وصُدِّر بالقسم الذي تُعرب عنه اللاَّمُ لإبراز كمالِ العنايةِ بشأنهِ أي وباللَّهِ لقد أنزلنا إليكم في هذه السورةِ الكريمة آياتٍ مبـيِّناتٍ لكلِّ ما بكم حاجةٌ إلى بـيانه من الحدود وسائرِ الأحكام والآدابِ وغير ذلك ممَّا هو من مَبادي بـيانِها على أنَّ إسنادَ التبـيـينِ إليها مجازيٌّ. أو آياتٍ واضحاتٍ تصدِّقها الكتبُ القديمةُ والعقولُ السَّليمةُ على أنَّ مبـيِّنات من بـيَّن بمعنى تبـيَّن ومنه المثلُ شعر : قد بَـيَّن الصّبحُ لذي عينينِ تفسير : وقُرىء على صيغةِ المفعولِ أي التي بُـيِّنتْ وأوضحتْ في هذه السورةِ من معاني الأحكامِ والحدودِ وقد جُوِّز أن يكونَ الأصلُ مبـيَّناً فيها الأحكامُ فاتّسع في الظَّرف بإجرائه مُجرى المفعولِ {وَمَثَلاً مّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ} عطفٌ على آياتٍ أي وأنزلنا مثلاً كائناً من قبـيل أمثالِ الذين مضوا من قبلِكم من القصصِ العجيبةِ والأمثالِ المضروبة لهم في الكتب السَّابقةِ والكلماتِ الجاريةِ على ألسنة الأنبـياءِ عليهم السَّلامُ فينتظمُ قصَّة عائشة رضي الله عنها المحاكية لقصَّةِ يوسفَ عليه السَّلامُ وقصَّةِ مريمَ رضي الله عنها وسائرِ الأمثالِ الواردةِ في السُّورةِ الكريمةِ انتظاماً واضحاً. وتخصيصُ الآياتِ المبـيِّناتِ بالسوابقِ وحملُ المثلِ على القصَّة العجيبةِ فَقَط يأباهُ تعيبُ الكلامِ بما سيأتِي من التمثيلاتِ {وَمَوْعِظَةً} تتَّعظِون به وتنزجِرُون عمَّا لا ينبغي من المحرَّمات والمكروهاتِ وسائرِ ما يخلُّ بمحاسنِ الآدابِ فهي عبارةٌ عمَّا سبقَ من الآيات والمثل لظهورِ كونها من المواعظ بالمعنى المذكور. ومدارُ العطف هو التَّغايرُ العنوانيُّ المنزَّلُ منزلة التَّغايرِ الذَّاتيِّ وقد خُصَّت الآياتُ بما يبـيِّنُ الحدودَ والأحكامَ والموعظةَ بما وُعظ به من قولهِ تعالى: { أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 2] وقوله تعالى: { أية : لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} تفسير : [النور: 12] وغيرِ ذلك من الآياتِ الواردةِ في شأنِ الآدابِ وإنَّما قيل {لّلْمُتَّقِينَ} مع شمولِ الموعظةِ للكلِّ حسب شمول الإنزال لقوله تعالى: {أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ} حثًّا للمُخاطَبـين على الاعتناء بالانتظام في سلك المتَّقين ببـيان أنَّهم المغتنمون لآثارها المُقتبسون من أنوارها فحسب. وقيل المرادُ بالآيات المبـيناتِ والمثلِ والموعظةِ جميعُ ما في القُرآنِ المجيدِ من الآياتِ والأمثالِ والمواعظِ.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}. لم يغادر على وجه الدليل غُبْرةً، ولم يترك الحقُّ - سبحانه - للإشكال محلاً؛ بل أَوْضَحَ المنهاج وأضاءَ السِّراجَ، وأنار السبيلَ وألاح الدليل، فَمَنْ أراد أن يستبصر فلا يلحقه نَصَبٌ، ولا يمسُّه تعبٌ. قوله جلّ ذكره: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [الأنبياء: 35]. أي هادي أهل السماواتِ والأرض, ومنه نورهما والذي منه الشيء يسمى باسمه الشيء. ومنه نور السماوات والأرض خَلْقَاً؛ فنظامُ السماوات والأرض وإحكامها وترتيبها بوصف إتقانها حاصلٌّ بالله تعالى. ويقال نور السماوات والأرض أي منورِّها وخلقُ ما فيها من الضياء والزينة، وموجِدُ ما أودعها من الأدلة اللائحة. ويقال نوَّر اللَّهُ السماءَ بنجومها فقال: {أية : وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ}تفسير : [فصلت: 12] فكذلك زينَ القلوب بأنوارٍ هي نورُ العقل ونورُ الفهم ونورُ العْلم ونورُ اليقين ونورُ المعرفة ونورُ التوحيد، فلكلِّ شيءٍ من هذه الأنوار مطرحُ شعاعٍ بقدره في الزيادة والنقصان. قوله جلّ ذكره: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} قوله: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ...} أراد بهذا قلب المؤمن وهو معرفته، فشبَّهَ صدرَه بالمشكاة، وشبَّه قلبه في صدره بالقنديل في المشكاة، وشبَّه القنديل - الذي هو قلبه - بالكوكب الدريِّ، وشبه إمداده بالمعرفة بالزيت الصافي الذي يمدُّ السراج في الاشتعال. ثم وصفَ الزيتَ بأَنَّه على كمال إدراك زيتونه من غير نقصان أصابه، أو خلَلٍ مسَّه، ثم وصف ذلك الزيت - في صفوته - بأنه بحيث يكاد يضيء من غير أن تمسَّه نار. ويقال إن ضَرْبَ المثل لمعرفة المؤمن بالزيت أراد به شريعة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ودينه الحنيفي، فما كان يهودياً - وهم الذين قبلتُهم إلى جانب المغرب، ولا نصرانياً - وهم الذين قبلتهم في ناحية المشرق. وقوله: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ}: نور اكتسبوه بجهدهم بنظرهم واستدلالهم، ونور وجدوه بفضل الله فهو بيان أضافه إلى برهانهم، أو عيان أضافه إلى بيانهم، فهو نور على نور. ويقال أراد به قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - ونورُ معرفته موقدٌ من شجرةٍ هي إبراهيم عليه السلام، فهو صلى الله عليه وسلم على دين إبراهيم. قوله: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ} بحيث تصيبه الشمس بالعشي دون الغداة، ولا غربية بحيث تصيبه الشمس بالغداة دون العشي، بل تصيبه الشمسُ طولَ النهارِ ليتمَّ نضج زيتونه، ويكمل صفاءُ زيته. والإشارة فيه أنه لا ينفرد خوف قلوبهم عن الرجاء فيقرب من اليأس، ولا ينفرد رجاؤهم عن الخوف فيقرب من الأمن، بل هما يعتدلان؛ فلا يغلب أحدهما الآخر؛ تقابل هيبتهم أُنسهم، وقبضُهم بسطَهم، وصحوهُم محوَهم، وبقاؤهم فناءهم، وقيامُهم بآداب الشريعة تحقُّقَهم بجوامع الحقيقة. ويقال {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ}: أي أن هِمَمَهم لا تسكن شرقياً ولا غربياً، ولا علوياً ولا سفلياً، ولا جنياً ولا إنسياً، ولا عَرْشاً ولا كرسياً، سطعت عن الأكوان، ولم تجد سبيلاً إلى الحقيقة، لأن الحقَّ مُنَزَّهٌ عن اللحوق والدرك، فبقيت عن الحق منفصلة، وبالحق غير متصلة؛ وهذه صفة الغرباء.."حديث : وإن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ". تفسير : ويقال نور القلب: ثم موجبه هو دوام الانزعاج فلا يذره يعرِّج في أقطار الكسل، فيصل سَيْرَه بِسُراه في استعمالِ فكرِه، والحقُّ يمده: بنور التوفيق حتى لا يصده عن عوارضِ الاجتهادِ شيءٌ من حُبِّ رياسةٍ، أو ميلٍ لسوءٍ، أو هوادة. فإذا أسفر صُبْحُ غفلته، واستمكن النظر من موضعه حصل العلمُ لا محالة. ثم لا يزال يزداد يقيناً على يقين مما يراه في معاملته من القبض والبسط، والمكافأة والمجازاة في زيادة الكشف عند زيادة الجُهْد، وحصول الوَجْدِ عند أَداء الوِرْد. ثم بعده نور المعاملة، ثم نور المنازلة، ثم متوع نهار المواصلة. وشموس التوحيد مشرقة، وليس في سماءِ أسرارِهم سحابٌ ولا في هوائِها ضبابٌ، قال تعالى: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ}. ويقال نور المطالبة يحصل في القلب فيحمل صاحبه على المحاسبة، فإذا نَظَرَ في ديوانه، وما أسلفه من عصيانه يحصل له نور المعاينة، فيعود على نفسه باللائمة، ويتجرَّعُ كاساتِ نَدَمِهِ فيرتقي عن هذا باستدامة قَصْدِه، والتَّنَقِّي عما كان عليه في أوقات فترته. فإذا استقام في ذلك كوشِفَ بنور المراقبة؛ فيعلم أنَّه - سبحانه - مُطَّلِعٌ عليه. وبعد هذا نور المحاضرة وهي لوائحُ تبدو في السرائر. ثم بعد ذلك نور المكاشفة وذلك بتجلِّي الصفات. ثم بعده نور المشاهدة فيصير ليلُه نهاراً، ونجومُه أقماراً، وأقمارُه بدوراً، وبدورُه شموساً.. ثم بعد هذا أنوار التوحيد، وعند ذلك يتحقق التجريد بخصائص التفريد، ثم ما لا تتناوله عبارةٌ ولا تدركه إشارةٌ، فالعبارات - عند ذلك - خُرْسٌ، والشواهد طُمْسٌ وشهود الغير عند ذلك محال. عند ذلك: {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ}تفسير : [التكوير:1- 4] و {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ}تفسير : [الانشقاق: 1] وانفطرت... فهذه كلها أقسام الكون. وما من العَدَمِ لهم صار إلى العدم. القائمُ عنهم غيرُهم، والكائن عنهم سواهم. وجلَّتْ الأحديةُ وَعَزَّتْ الصمدية، وتَقَدَّسَتْ الديمومية، وتنزهت الإلهية.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد انزلنا اليكم آيات مبينات} اى وبالله لقد انزلنا اليكم فى هذه السورة الكريمة آيات مبينات لكل مابكم حاجة الى بيانه من الحدود وسائر الاحكام والآداب والتبيين فى الحقيقة لله تعالى واسناده الى الآيات مجازى {ومثلا من الذين خلوا من قبلكم} اى وانزلنا مثلا كائنا من قبيل امثال الذين مضوا من قبلكم من القصص العجيبة والامثال المضروبة لهم فى الكتب السابقة والكلمات الجارية على ألسنة الانبياء فتنتظم قصة عائشة الحاكية لقصة يوسف وقصة مريم فى الغرابة وسائر الامثال الواردة انتظاما واضحا فان فى قصتهما ذكر تهمة من هو بريىء مما اتهم به فيوسف اتهمته زليخا ومريم اتهمها اليهود مع براءتهما {وموعظة} تتعظون بها وتنزجرون عما لا ينبغى من المحرمات والمكروهات وسائر ما يخل بمحاسن الآداب ومدار العطف هو التغاير العنوانى المنزل منزلة التغاير الذاتى {للمتقين} وتخصيصهم مع شمول الموعظة للكل حسب شمول الانزال لانهم المنتفعون بها. وفى التأويلات النجمية اى ليتعظ من يريد الاتقاء عما اصاب المتقدمين فان السعيد من وعظ بغيره: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : نرود مرغ سوى دانه فراز جون دكرمرغ بيند اندر بند بند كير از مصائب دكران تانكيرند ديكران ز توبند تفسير : ـ روى ـ عن الشعبى انه قال خرج اسد وذئب وثعلب يتصيدون فاصطادوا حمار وحشى وغزالا وارنبا فقال الاسد للذئب اقسم فقال الحمار الوحشى للملك والغزال لى والارنب للثعلب قال فرفع الاسد يده وضرب رأس الذئب ضربة فاذا هو متجندل بين يدى الاسد ثم قال للثعلب اقسم هذه بيننا فقال الحمار يتغدى به الملك والغزال يتعشى به والارنب بين ذلك فقال الاسد ويحك ما اقضاك من علمك هذا القضاء فقال القضاء الذى نزل برأس الذئب ويقال الموعظة هى التى تلين القلوب القاسية وتسيل العيون اليابسه وهى من صفات القرآن عند من يلقى السمع وهو شهيد وفى الحديث "حديث : ان هذه القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد" قيل وما جلاؤها قال "تلاوة القرآن وذكر الله تعالى"تفسير : فعلى العاقل ان يستمع الى القرآن ويتعظ بمواعظة ويقبل الى قبول ما فيه من الاوامر والى العمل بما يحويه من البواطن والظواهر شعر : مهترى در قبول فرمانست ترك فرمان دليل حرمانست
الطوسي
تفسير : قرأ "درّي" مشددة، بضم الدال من غير همز، ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم. وقرأ - بكسر الدال والهمز - ابو عمرو، والكسائي. وقرأ - بضم الدال والهمز - حمزة وعاصم، فى رواية ابي بكر. وقرأ ابن كثير وابو عمرو "توقد" بفتح التاء والدال. وقرأ - بالياء مخففة مرفوع مضموم الياء - نافع وابن عامر وحفص عن عاصم والكسائي. - وقرأ - بضم التاء والدال مخففة مرفوعة - حمزة، وابو بكر عن عاصم. فمن قرأ "دري" بكسر الدال، فهو من (درأت) اي رفعت. والكوكب (دري) لسرعة رفعه في الانقضاض، والجمع الدراري، وهي النجوم التى تجيء وتذهب. وقال قوم: هي احد الخمسة المضيئة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد. ومن قرأ - بضم الدال - نسبه الى الدّر فى صفائه وحسنه. ومن ضم الدال وهمز، فهو غير معروف عند أهل اللغة، لانه ليس فى الكلام (فُعيل) - ذكره الفراء - وقال ابو عبيدة: وجهه ان يكون - بفتح الدال - كأنه (فَعيل). قال سيبويه: ليس في الكلام (فعيل) وانما تكسر الفاء مثل (سكيت). وروى المفضل عن عاصم انه قرأ - بكسر الدال - من غير همز، ولا مدّ، ومعناه: انه جار كالنجوم الدراري الجارية مأخوذ من در الوادي إذا جرى، ووجه قراءة ابن كثير فى {توقد} أنه على (فعل) ماض، وضم الدال ابن محيصن اراد (تتوقد). ومن ضم الياء مثل نافع وابن عامر، رده على الكوكب. وقال الفراء: رده على المصباح. ومن ضم التاء والدال رده على الزجاجة. اقسم الله تعالى انه انزل {آيات} يعني دلالات {مبينات} يعني مفصلات، بينهن الله وفصلهن، فيمن قرأ - بفتح الياء - ومن كسر الياء: معناه ان هذه الآيات والحجج تبين المعاني وتظهر ما بطن فيها. وقوله {ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين} معناه انه انزل اليكم اخبار من كان قبلكم من امم الرسل، وجعل ذلك عبراً لنا. وقيل لتعتبروا بذلك وتستدلوا به على ما يرضاه الله منكم فتفعلوه وعلى ما يسخطه فتتجنبوه. وقوله {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة} قيل في معناه قولان: احدهما - ان الله هادي اهل السموات والارض - ذكره ابن عباس - فى رواية، وأنس. والثاني - انه منِّور السموات والارض بنجومها وشمسها وقمرها - في رواية اخرى - عن ابن عباس، وقال ابو العالية والحسن مثل ذلك. ثم قال تعالى {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} الهاء في قوله {نوره} قيل إنها تعود على المؤمن، وتقديره مثل النور الذي في قلبه بهداية الله، وهو قول ابي ابن كعب والضحاك. وقال ابن عباس: هي عائدة على اسم الله، ومعناه مثل نور الله الذي يهدي به المؤمن. وقال الحسن: مثل هذا القرآن فى القلب كمشكاة. وقيل: مثل نوره وهو طاعته - في قول ابن عباس - فى رواية: وقيل: مثل نور محمد (صلى الله عليه وسلم). وقال سعيد بن جبير: النور محمد، كأنه قال مثل محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فالهاء كناية عن الله. والمشكاة الكوة التي لا منفذ لها - في قول ابن عباس وابن جريج - وقيل: هو مثل ضرب لقلب المؤمن، والمشكاة صدره، والمصباح القرآن، والزجاجة قلبه - في قول ابي ابن كعب، وقال: فهو بين اربع خلال إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق. وقيل: المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، وهو مثل الكوة. وقال كعب الاحبار: المشكاة محمد (صلى الله عليه وسلم) والمصباح قلبه، شبه صدر النبي بالكوكب الدري. ثم رجع الى المصباح أي قلبه شبهه بالمصباح كأنه في زجاجة و {الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء} اي يتبين للناس ولو لم يتلكم انه نبي. ومن قال {الله نور السماوات} يعني منورها بالشمس والقمر والنجوم، ينبغي ان يوجه ضرب المثل بالمشكاة على ان ذلك مثل ما فى مقدوره، ثم تنبث الأنوار الكثيرة عنه. ضرب الله تعالى المثل لنوره الذي هو هدايته فى قلوب المؤمنين بالمشكاة، وهي الكوة التي لا منفذ لها إذا كان فيها مصباح، وهو السراج، ويكون المصباح فى زجاجة، وتكون الزجاجة مثل الكوكب الدري - فمن ضم الدال - منسوب الى الدر فى صفائه ونوره. ومن كسر الدال شبهها بالكوكب فى سرعة تدفعه بالانقضاض. ثم عاد الى وصف المصباح، فقال {يوقد من شجرة مباركة زيتونة} اي يشتعل من دهن شجرة مباركة، وهي الزيتونة الشامية، قيل لأن زيتون الشام ابرك. وقيل: وصفه بالبركة لان الزيتون يورق من اوله الى آخره. وقوله {لا شرقية ولا غربية} قال ابن عباس - فى رواية - معناه لا شرقية بشروق الشمس عليها فقط ولا غربية بغروبها عليها فقط، بل هي شرقية غربية تأخذ حظها من الامرين، فهو اجود لزيتها. وقيل: معناه انها وسط البحر، روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. وقال قتادة: هي ضاحية للشمس، وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} اي زيتها من صفائه وحسنه يكاد يضيء من غير ان تمسه نار وتشتعل فيه. وقال ابن عمر الشجرة ابراهيم (ع) والزجاجة التي كأنها كوكب دري محمد (صلى الله عليه وسلم). وقوله {نور على نور} قيل: معناه نور الهدى الى توحيده، على نور الهدى بالبيان الذي اتى به من عنده. وقال زيد بن اسلم {نور على نور} معناه يضيء بعضه بعضاً. وقيل {نور على نور} معناه انه يتقلب فى خمسة انوار، فكلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومسيره نور الى النور يوم القيامة الى الجنة. وقال مجاهد: ضوء النار على ضوء النور على ضوء الزيت على ضوء المصباح على ضوء الزجاجة. وقوله {يهدي الله لنوره من يشاء} أي يهدي الله لدينه وإيمانه من يشاء بأن يفعل له لطفاً يختار عنده الايمان إذا علم ان له لطفاً. وقيل: معناه يهدي الله لنبوته من يشاء، ممن يعلم انه يصلح لها. وقيل: معناه {يهدي الله لنوره} اي يحكم بايمانه لمن يشاء، ممن آمن به. وقوله {ويضرب الله الأمثال للناس} معناه يضرب الله الامثال للذين يفكرون فيها ويعتبرون بها {والله بكل شيء عليم} لا يخفى عليه خافية.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} موضحات وواضحات قرئ بكسر الياء وفتحها، وبان وابان وبيّن وتبيّن واستبان كلّها لازم ومتعدٍّ والمعنى انزلنا اليكم آياتٍ واضحات الاحكام او المقاصد او الحكم والمصالح، او البراهين؛ مثل القضايا الّتى قياساتها معها، او الصّدق والمراد بها معنى اعمّ من الآيات التّدوينيّة والتّكوينيّة الآفاقيّة والانفسيّة من الانبياء والاولياء والعقول ووارداتها {وَمَثَلاً} اى حجّة او حديثاً او شبيهاً {مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ} ويجوز ان يراد بالآيات الآيات التّدوينيّة وبالمثل علىّ (ع) او بالآيات محمّد (ص) والعقول فانّ محمّداً (ص) من حيث النّبوةّ نازل من الله وبالمثل علىّ (ع) فانه من حيث الولاية نازل من الله، ومحمّد (ص) من حيث النّبوّة آية بل آيات من الله، وعلىّ (ع) من حيث الولاية شبيه للماضين جميعاً {وَمَوْعِظَةً} اى تذكيراً ونصحاً وترغيباً وتخويفاً، ويجوز ان يكون الآيات والمثل والموعظة اوصافاً لذاتٍ واحدةٍ ويكون المراد عليّاً (ع) فانّه باوصافه واخلاقه وعلومه ومكاشفاته وقدرته وتصرّفاته آيات عديدة دالّة على صفات الحقّ الاوّل تعالى مبيّنة لذاته وصفاته كما انّه مثل لجميع الانبياء والاولياء (ع) الماضين وهو بذاته وسائر صفاته موعظة {لِّلْمُتَّقِينَ} متعلّق بموعظة او بانزلنا او الّلام للتّبيين والظّرف مستقرّ خبر لمبتدءٍ محذوف او حال وانّما قال للمتّقين وانّما قال للمتّقين لانّ غيرهم لا ينتفعون بذلك.
الأعقم
تفسير : {ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم} من الأمم كيف فعلوا وكيف هلكوا {وموعظة} زجراً وتخويفاً {للمتقين} من يتقي معاصي الله، وخصّهم بالذكر لأنهم ينتفعون به {الله نور السماوات والأرض}، قال جار الله: المعنى ذو نور السماوات وصاحب نور السماوات والأرض الحق شبهه بالنور في ظهوره وبيانه كقوله: {أية : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} تفسير : [البقرة: 257] أي من الباطل إلى الحق، وأضاف النور إلى السماوات والأرض لأجل معنيين: إما للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ دنيائه حتى يضيء له السماوات واما أن يراد أهل السماوات والأرض وأنهم يستضيئون به، وقيل: بمعنى منوّر السماوات والأرض بنجومها وشمسها وقمرها {مثل نوره} أي صفة نوره العجيبة الشأن في الإِضاءة، وقيل: النور القرآن {كمشكاة} قيل: هي الكوة التي لا منفذ لها، وقيل: المشكاة عمود القنديل الدقيقة الفتيلة {فيها مصباح} هو السراج {في زجاجة} أراد قنديلاً من زجاج {كأنها كوكب درّي} الدري وهي المشاهير كالمشتري والزهرة {يوقد} هذا المصباح {من} دهن {شجرة مباركة زيتونة} روي أنها أول شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان، وقيل: منها ينزل الأنبياء، وقيل: أنه بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم {لا شرقية ولا غربية} أي منبتها الشام، وقيل: يسترها عن الشمس جبلاً إذا طلعت وكذلك إذا غربت ولكن الشمس والظل يتعاقبان عليها أجود لحملها {يكاد زيتها يضيء}، من غير نار {نور على نور} أي هذا الذي شبه به الحق نور متضاعف، واختلف العلماء في هذا المثل المشبّه به على أقوال: قيل: هو مثل لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) المشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح فيه، والنبوة لا شرقية ولا غربية، أي لا يهوديَّة ولا نصرانية، يوقد من شجرة وهو إبراهيم، وكان نور محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الناس ولو لم يتكلم، وقيل: المشكاة إبراهيم والزجاجة اسماعيل والمصباح محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، من شجرة يعني إبراهيم، مباركة لأن أكثر الأنبياء منه، لا شرقية ولا غربية يعني ابراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، يكاد زيتها يضيء يكاد محاسن محمد يضيء قبل أن يوحى اليه، وقيل: المشكاة فاطمة، والمصباح الحسن والحسين، وقيل: هو مثل ضربه الله للمؤمنين فهو يتقلب في خمسة أنوار، فكلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره نور إلى النور يوم القيامة في الجنة، وقيل: هو مثل في القرآن في قلب المؤمن {يهدي الله لنوره من يشاء} قيل: الى نوره، وقيل: إلى الإِيمان، وقيل: إلى القرآن {ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} {في بيوت أذن الله أن ترفع} وهي المساجد، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : المساجد بيوت الله في الأرض وهو يضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض" تفسير : {أذن الله أن ترفع} أي تبنى قال تعالى: {أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت}تفسير : [البقرة: 127]، وقيل: تعظم، وعن الحسن: ما أمر الله بالبناء ولكن بالتعظيم {ويذكر فيها اسمه} وهو عام في كل ذكر {يسبح له فيها بالغدو والآصال} جمع أصل وهو ما بين العصر إلى المغرب، وقيل: الصلاة المكتوبة بالغداة والباقي بالعشي لأن أصل الأصل لجمعهما {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع} أي لا يشغلهم ذلك، خصّ التجارة بالذكر لأنها معظم أشغال الدنيا، ومتى قيل: لم جمع بين التجارة والبيع؟ قيل: التجارة الشراء فلذلك ضمّ اليها البيع {وإقام الصلاة} آداؤها في أوقاتها {وايتاء الزكاة} إخلاص الطاعة لله، وقيل: هي الزكاة المفروضة {يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار}.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} اي موضحات بفتح الضاد اي مجعولات واضحات أو آيات بينها الله في هذه السورة أو آيات مبينا فيها بفتح ياء مبينا اي بين فيها الحدود والاحكام أو تبينها الكتب المتقدمة. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص هنا وفي (الطلاق) بكسر الياء اسند التبيين للحدود والاحكام اليها مجاز الوقوعة بها أو من بين بمعنى لانها واضحات تصدقها الكتب المتقدمة والعقول المستقيمة ومنه المثل (قد بين الصح لذي العينين) اي تبين وظهر وكذلك يقال في مثل هذه الآية. {وَمَثَلاً مِّنَ الَّذيِنَ خَلَواْ} مضوا * {مِن قَبْلِكُم} وذلك هو قصة عائشة رضي الله عنها سماها مثلا لانها عجيبة كقصة يوسف ومريم فالمراد ومثلا من امثال الذين من قبلكم أو المراد بالآيات والمثل ما في القرآن من ذلك وليس المراد بالمثل قصتها فقط وفي ذلك الانزال تخويف ان يلحقكم ما لحق من قبلكم وتعديد للنعم. {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} كقوله:{أية : ولا تأخذكم بها رأفة في دين الله}تفسير : وقوله:{أية : لولا إذ سمعتموه}تفسير : إلى قوله:{أية : ولولا إذا سمعتموه}تفسير : الخ وقوله:{أية : يعظكم الله ان تعودوا لمثله أبدا}تفسير : وخص المتيقن بالذكر لانهم المنتفعون بالموعظة. وعن ابي الدرداء نزل القرآن على ست آيات آية مبشرة وآية منذرة وآية فريضة وآية تامرك وآية تنهاك وآية قصص واخبار. وقيل: المراد بالآيات؛ القرآن وبالصفات المذكورة صفاته.
اطفيش
تفسير : {ولقد أنْزلنا إليكُم} فى هذه السورة، أو فى القرآن {آيات مبينات} موضحات فى الأحكام والحدود، لم نجعل فيهن خفاء، ويجوز أن يكون المراد مبيناً بفتح الياء فيهن الأحكام والحدود، فكأن الحذف والايصال {وَمَثَلاً من الَّذين خَلوْا من قَبْلكُم} كلاما يجرى مجرى المثل فى الحسن، إذ قيل فى عائشة ما قيل فى يوسف ومريم، فبرأها كما برأهما {وموْعظةٌ} تنزجرون بها مثل: {لا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله} الخ "أية : ولولا إذ سمعتموه"تفسير : [النور: 16] {للمتَّقين} خصهم بالذكر، لأنهم المتأثرون بها.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ } كلام مستأنف جىء به في تضاعيف ما ورد من الآيات السابقة واللاحقة لبيان جلالة شؤونها المستوجبة للإقبال الكلي على العمل بمضمونها، وصدر بالقسم المعربة عنه اللام لإبراز كمال العناية بشأنه أي وبالله لقد أنزلنا إليكم في هذه السورة الكريمة آيات مبينات لكل ما لكم حاجة إلى بيانه من الحدود وسائر الأحكام والآداب وغير ذلك مما هو من مبادي بيانها على أن {مُبَيّنَـٰتٍ } من بين المتعدي والمفعول محذوف وإسناد التبيين إلى الآيات مجازي أو آيات واضحات صدقتها الكتب القديمة والعقول السليمة على أنها من بين بمعنى تبين اللازم أي آيات تبين كونها آيات من الله تعالى، ومنه المثل قد بين الصبح لذي عينين. وقرأ الحرميان وأبو عمرو وأبو بكر {مُبَيّنَـٰتٍ } على صيغة المفعول أي آيات بينها الله تعالى وجعلها واضحة الدلالة على الأحكام والحدود وغيرها، وجوز أن يكون الأصل مبيناً فيها الأحكام فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول. / {وَمَثَلاً مّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ } عطف على {ءايَـٰتُ } أي وأنزلنا مثلاً كائناً من قبيل أمثال الذين مضوا من قبلكم من القصص العجيبة والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة والكلمات الجارية على ألسنة الأنبياء عليهم السلام فينتظم قصة عائشة رضي الله تعالى عنها المحاكية لقصة يوسف عليه السلام وقصة مريم رضي الله تعالى عنها حيث أسند إليهما مثل ما أسند إلى عائشة من الإفك فبرأهما الله تعالى منه وسائر الأمثال الواردة في هذه السورة الكريمة انتظاماً أولياً، وهذا أوفق بتعقيب الكلام بما سيأتي إن شاء الله تعالى من التمثيلات من تخصيص الآيات بالسوابق وحمل المثل على القصة العجيبة فقط. {وَمَوْعِظَةً } تتعظون بها وتنزجرون عما لا ينبغي من المحرمات والمكروهات وسائر ما يخل بمحاسن الآداب فهي عبارة عما سبق من الآيات والمثل لظهور كونها من المواعظ بالمعنى المذكور، ويكفي في العطف التغاير العنواني المنزل منزلة التغاير الذاتي، وقد خصت الآيات بما يبين الحدود والأحكام والموعظة بما يتعظ به كقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ } تفسير : [النور: 2] وقوله سبحانه: { أية : لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } تفسير : [النور: 12] الخ وغير ذلك من الآيات الواردة في شأن الآداب؛ وقيدت الموعظة بقوله سبحانه: {لّلْمُتَّقِينَ } مع شمولها للكل حسب شمول الإنزال حثاً للمخاطبين على الاغتنام بالانتظام في سلك المتقين ببيان أنهم المغتنمون لآثارها المقتبسون من أنوارها فحسب، وقيل: المراد بالآيات المبينات والمثل والموعظة جميع ما في القرآن المجيد من الآيات والأمثال والمواعظ.
ابن عاشور
تفسير : ذُيِّلت الأحكام والمواعظ التي سبقت بإثبات نفعها وجدواها لما اشتملت عليه مما ينفع الناس ويقيم عمود جماعتهم ويميز الحق من الباطل ويزيل من الأذهان اشتباه الصواب بالخطأ فيعلم الناس طرق النظر الصائب والتفكير الصحيح، وذلك تنبيه لما تستحقه من التدبر فيها ولنعمة الله على الأمة بإنزالها ليشكروا الله حق شكره. ووصف هذه الآيات المنزلة بثلاث صفات كما وصف السورة في طالعتها بثلاث صفات. والمقصد من الأوصاف في الموضعين هو الامتنان فكان هذا يشبه رد العجز على الصدر، فجملة: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} مستأنفة استئناف التذييل وكان مقتضى الظاهر أن لا تعطف لأن شأن التذييل والاستئناف الفصل كما فصلت أختها الآتية قريباً بقوله تعالى: { أية : لقد أنزلنا آيات مبينات } تفسير : [النور: 46]. وإنما عدل عن الفصل إلى العطف لأن هذا ختام التشريعات والأحكام التي نزلت السورة لأسبابها. وقد خللت بمثل هذا التذييل مرتين قبل هذا بقوله تعالى في ابتداء السورة { أية : وأنزلنا فيها آيات بينات } تفسير : [النور: 1] ثم قوله: { أية : ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم } تفسير : [النور: 18] ثم قوله هنا: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} فكان كل واحد من هذه التذييلات زائداً على الذي قبله؛ فالأول زائد بقوله: { أية : يبين الله لكم الآيات } تفسير : [النور: 18] لأنه أفاد أن بيان الآيات لفائدة الأمة، وما هنا زاد بقوله: {ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين}.فكانت كل زيادة من هاتين مقتضية العطف لما حصل من المغايرة بينها وبين أختها، وتعتبر كل واحدة عطفاً على نظيرتها، فوصفت السورة كلها بثلاث صفات ووصف ما كان من هذه السورة مشتملاً على أحكام القذف والحدود وما يفضي إليها أو إلى مُقاربها من أحوال المعاشرة بين الرجال والنساء بثلاث صفات، فقوله هنا: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبيَّنات} يطابق قوله في أول السورة { أية : وأنزلنا فيها آيات بينات } تفسير : [النور: 1]، وقوله: {ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم} يقابل قوله في أول السورة { أية : وفرضناها } تفسير : [النور: 1] على ما اخترناه في تفسير ذلك بأن معناه التعيين والتقدير لأن في التمثيل تقديراً وتصويراً للمعاني بنظائرها وفي ذلك كشف للحقائق، وقوله: {وموعظة للمتقين} يقابل قوله في أولها { أية : لعلكم تذكرون } تفسير : [النور: 1]. والآيات جمل القرآن لأنها لكمال بلاغتها وإعجازها المعاندين عن أن يأتوا بمثلها كانت دلائل على أنه كلام منزّل من عند الله. وابتدىء الكلام بلام القسم وحرف التحقيق للاهتمام به. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب {مبيَّنات} بفتح التحتية على صيغة المفعول. فالمعنى: أن الله بيّنها ووضحها. وقرأ الباقون بكسر التحتية على معنى أنها أبانت المقاصد التي أنزلت لأجلها. ومعنيا القراءتين متلازمان فبذلك لم يكن تفاوت بين مفاد هذه الآية ومفاد قوله في نظيرتها { أية : وأنزلنا فيها آيات بينات } تفسير : [النور: 1] في أول السورة لأن البينات هي الواضحة، أي الواضحةُ الدلالة والإفادة. والمَثل: النظير والمشابه. ويجوز أن يراد به الحال العجيبة. و(مِن) في قوله: {من الذين خلوا} ابتدائية، أي مثلاً ينشأ ويتقوم من الذين خلوا. والمراد نشأة المشابهة. وفي الكلام حذف مضاف يدل عليه السياق تقديره: من أمثال الذين خلوا من قبلكم. وحذف المضاف في مثل هذا طريقة فصيحة، قال النابغة: شعر : وقد خفتُ حتى ما تزيد مخافتي على وَعِلٍ في ذي المطارة عاقِل تفسير : أراد على مخافة وعل. و{الذين خلوا من قبلكم} هم الأمم الذين سبقوا المسلمين، وأراد: من أمثال صالحي الذين خلوا من قبلكم. وهذا المثَل هو قصة الإفك النظيرة لقصة يوسف وقصة مريم في تقول البهتان على الصالحين البرآء. والموعظة: كلام أو حالة يعرف منها المرء مواقع الزلل فينتهي عن اقتراف أمثالها. وقد تقدم عند قوله تعالى { أية : فأعرض عنهم وعظهم } تفسير : في سورة النساء (63) وقوله: { أية : موعظة وتفصيلاً لكل شيء } تفسير : في سورة الأعراف (145). ومواعظ هذه الآيات من أول السورة كثيرة كقوله: { أية : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } تفسير : [النور: 2] وقوله: { أية : لولا إذ سمعتموه } تفسير : [النور: 12] الآيات، وقوله: { أية : يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً } تفسير : [النور: 17]. والمتقون: الذين يتقون، أي يتجنبون ما نهوا عنه.
الشنقيطي
تفسير : ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزل إلينا على لسان نبيّه صلى الله عليه وسلم آيات مبينات. ويدخل فيها دخولاً أولياً الآيات التي بينت في هذه السورة الكريمة، وأوضحت في معاني الأحكام والحدود، ودليل ما ذكر من القرآن قوله تعالى: {أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [النور: 1] ولا شك أن هذه الآيات المبينات المصرح بنزولها في هذه السورة الكريمة، داخلة في قوله تعالى هنا: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} الآية. وبذلك تعلم أن قوله تعالى هنا: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} معناه: أنزلناها إليكم لعلكم تذكرون: أي تتعظون بما فيها من الأوامر والنواهي، والمواعظ، ويدّل لذلك قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} تفسير : [النور: 1] فقد صرح في هذه الآية الكريمة بأن من حكم إنزالها، أن يتذكر الناس، ويتعظوا بما فيها، ويدل لذلك عموم قوله تعالى: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [ص: 29] وقوله تعالى: {أية : الۤمۤصۤ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِين} تفسير : [الأعراف: 29] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} معطوف على آيات: أي أنزلنا إليكم آيات، وأنزلنا إليكم مثلاً من الذين خلوا من قبلكم. قال أبو حيان في البحر المحيط: ومثلاً معطوف على آيات، فيحتمل أن يكون المعنى ومثلاً من أمثال الذين من قبلكم: أي قصّة غريبة من قصصهم كقصّة يوسف، ومريم في براءتهما. وقال الزمخشري: ومثلاً من أمثال من قبلكم أي قصة عجيبة من قصصهم كقصة يوسف، ومريم يعني قصة عائشة رضي الله عنها، وما ذكرنا عن أبي حيان والزمخشري ذكره غيرهما. وإيضاحه: أن المعنى: وأنزلنا إليكم مثلاً أي قصة عجيبة غريبة في هذه السورة الكريمة، وتلك القصة العجيبة من أمثال الذين خلوا من قبلكم: أي من جنس قصصهم العجيبة، وعلى هذا الذي ذكرنا فالمراد بالقصة العجيبة التي أنزلها إلينا، وعبَّر عنها بقوله: ومثلاً هي براءة عائشة رضي الله عنها مما رماها به أهل الإفك، وذلك مذكور في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} تفسير : [النور: 11] إلى قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} تفسير : [النور: 26] الآية. فقد بيّن في الآيات العشر المشار إليها أنّ أهل الإفك رموا عائشة، وأن الله برأها في كتابه مما رموها به، وعلى هذا: فمن الآيات المبينة لبعض أمثال من قبلنا قوله تعالى في رمي امرأة العزيز يوسف بأنّه أراد بها سوءاً تعني الفاحشة قالت: {أية : مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [يوسف: 25] وقوله تعالى: {أية : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ} تفسير : [يوسف: 35] لأنهم سجنوه بضع سنين، بدعوى أنه كان أراد الفاحشة من امرأة العزيز، وقد برأه الله من تلك الفِرية التي افتُريت عليه بإقرار النسوة وامرأة العزيز نفسها وذلك في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ قَالَتِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [يوسف: 50ـ51] وقال تعالى عن امرأة العزيز في كلامها مع النسوة اللاّتي قطّعن أيديهن {أية : قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ} تفسير : [يوسف: 32] الآية. فقصة يوسف هذه مثل من أمثال من قبلنا، لأنّه رُمي بإرادة الفاحشة وبرّأه الله من ذلك، والمثل الذي أنزله إلينا في هذه السورة، شبيه بقصة يوسف، لأنه هو وعائشة كلاهما رُمي بما لا يليق، وكلاهما برّأه الله تعالى، وبراءة كل منهما نزل بها هذا القرآن العظيم، وإن كانت براءة يوسف وقعت قبل نزول القرآن بإقرار امرأة العزيز، والنسوة كما تقدّم قريباً وبشهادة الشاهد من أهلها. {أية : إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ} تفسير : [يوسف: 26] إلى قوله: {أية : فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} تفسير : [يوسف: 28]. ومن الآيات المبينة لبعض أمثال الذين من قبلنا ما ذكره تعالى عن قوم مريم من أنهم رموها بالفاحشة، لما ولدت عيسى من غير زوج كقوله تعالى: {أية : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 156] يعني فاحشة الزنى. وقوله تعالى: {أية : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} تفسير : [مريم: 27] يعنون الفاحشة، ثم بيّن الله تعالى براءتها ممّا رموها به في مواضع من كتابه كقوله تعالى: {أية : فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنىِ مُبَارَكاً} تفسير : [مريم: 29ـ31] إلى قوله: {أية : وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} تفسير : [مريم:33] فكلام عيسى، وهو رضيع ببراءتها، يدلّ على أنها بريئة. وقد أوضح الله براءتها مع بيان سبب حملها بعيسى، من غير زوج، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} تفسير : [مريم: 16ـ22] إلى آخر الآيات. ومن الآيات التي بين الله فيها براءتها قوله تعالى في سورة الأنبياء: {أية : وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 91] وقوله تعالى في التحريم: {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَةَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ} تفسير : [التحريم: 12] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59]. فهذه الآيات التي ذكرنا التي دلت على قذف يوسف وبراءته وقذف مريم وبراءتها من أمثال من قبلنا فهي مما يبّين بعض ما دل عليه قوله: {وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم}. والآيات التي دلت على قذف عائشة وبراءتها بينت المثل الذي أنزل إلينا وكونه من نوع أمثال من قبلنا واضح، لأن كلا من عائشة، ومريم، ويوسف رمي بما لا يليق، وكلّ منهم برأه الله، وقصة كلُّ منهم عجيبة، ولذا أطلق عليها اسم المثل في قوله: {وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم}. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}. قال الزمخشري: وموعظة ما وعظ به في الآيات والمثل من نحو قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 2] لولا إذ سمعتموه، ولولا إذ سمعتموه. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً. اهـ كلام الزمخشري. والظاهر أن وجه خصوص الموعظة بالمتقين دون غيرهم أنهم هم المنتفعون بها. ونظيره في القرآن قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [فاطر: 18] وقوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} تفسير : [النازعات: 45] فخصّ الإنذار بمن ذكر في الآيات، لأنهم هم المنتفعون به مع أنه صلى الله عليه وسلم في الحقيقة منذر لجميع الناس كما قال تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1] ونظيره أيضاً قوله تعالى: {أية : فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} تفسير : [ق: 45] ونحوها من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} قرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة عن عاصم: مبينات بفتح الياء المثناة التحتية المشددة بصيغة اسم المفعول. وقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: {مُّبَيِّنَاتٍ} بكسر الياء المشددة بصيغة اسم الفاعل: فعلى قراءة من قرأ بفتح الياء فلا إشكال في الآية، لأن الله بينها، وأوضحها، وعلى قراءة من قرأ مبينات بكسر الياء بصيغة اسم الفاعل، ففي معنى الآية وجهان معروفان. أحدهما: أن قوله: مبينات إسم فاعل بين المتعدية وعليه فالمفعول محذوف أي مبينات الأحكام والحدود. والثاني: أن قوله: مبينات وصف من بين اللازمة، وهو صفة مشبهة، وعليه فالمعنى آيات مبينات أي بينات واضحات، ويدل لهذا الوجه الأخير قوله تعالى: {أية : أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} تفسير : [النور: 1]. وذكر الوجهين المذكورين الزمخشري، وأبو حيّان وغيرهما ومثّلوا لبين اللازمة بالمثل المعروف، وهو قول العرب: قد بين الصبح لذي عينين. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: من المعروف في العربية أن بين مضعفا، وأبان كلتاهما تأتي متعدية للمفعول ولازمة، فتعدى بين للمفعول مشهور واضح كقوله تعالى: {أية : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ} تفسير : [آل عمران: 118] [الحديد: 17] وتعدى أبان للمفعول مشهور واضح أيضاً كقولهم: أبان له الطريق: أي بينها له، وأوضحها، وأما ورود بين لازمة بمعنى تبين وضح فمنه المثل المذكور: قد بين الصبح لذي عينين. أي تبين وظهر ومنه قول جرير: شعر : وجوه مجاشع طليت بلؤم يبين في المقلد والعذار تفسير : فقوله: يبين بكسر الياء بمعنى: يظهر ويتضح، وقول جرير أيضاً: شعر : رأى الناس البصيرة فاستقاموا وبينت المراض من الصحاح تفسير : ومنه أيضاً قول قيس بن ذريح: شعر : وللحبِّ آياتٌ تبين بالفتى شحوبٌ وتعرى من يديه الأشاجع تفسير : على الرواية المشهورة برفع شحوب. والمعنى: للحبّ علامات تبين بالكسر أي تظهر وتتضح بالفتى، وهي شحوب الخ، وأنشد ثعلب هذا البيت فقال: شحوباً بالنصب، وعليه فلا شاهد في البيت، لأنّ شحوباً على هذا مفعول، تبين فهو على هذا من بين المتعدية، وأما ورود أبان لازمة بمعنى بان وظهر، فهو كثير في كلام العرب أيضاً ومنه قول جرير: شعر : إذا آباؤنا وأبوك عدوا أبان المقرفات من العراب تفسير : أي ظهرت المقرفات وتبينت، وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: شعر : لو دب ذر فوق ضاحي جلدها لأبان من آثارهن حدود تفسير : أي لظهر وبان من آثارهن حدود أي ورم، وقول كعب بن زهير: شعر : قنواء في حرتيها للبصير بها عتق مبين وفي الخدَّين تسهيل تفسير : فقوله: مبين وصف من أبان اللازمة: أي عتق بين واضح، وأي كرم ظاهر.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتٍ} {مُّبَيِّنَاتٍ} (34) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إِنَّهُ أَنْزَلَ القُرآنَ وَفِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَاتٌ لِمَا أَنْتُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ مِنَ الأَحْكَامِ والشَّرْعِ، كَمَا أَنْزَلَ فِيهِ قصَصاً تَحْوِي أَخْبَارَ الأُمَمِ الغَابِرَةِ، وَفِيهِ عِظَةٌ لِمَنِ اتَّقَى اللهَ وَخَافَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : المعنى: لا عذر لكم؛ لأن الله تعالى قد أنزل إليكم الآيات الواضحة التي تضمن لكم شرف الحياة وطهارتها ونقاء نسل الخليفة لله في الأرض، وهذه الآيات ما تركتْ شيئاً من أقضية الحياة إلا تناولتْه وأنزلتْ الحكم فيه، وقد نلتمس لكم العذر لو أن في حياتكم مسألة أو قضية ما لم يتناولها التشريع ولم ينظمها. لذلك يقول سيدنا الإمام علي - رضي الله عنه - عن القرآن: فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، هو الفَصْل ليس بالهَزْل، مَنْ تركه من جبار قصمه الله، ومَنْ ابتغى الهدى في غيره أضله الله. ولا يزال الزمان يُثبِت صِدْق هذه المقولة، وانظر هنا وهناك لتجد مصارع الآراء والمذاهب والأحزاب والدول التي قامت لتناقض الإسلام، سواء كانت رأسمالية شرسة أو شيوعية شرسة. إلخ. كلها انهارت على مَرْأىً ومَسْمع من الجميع. نعم، مَنْ تركه من جبار قصمه الله، ومَنِ ابتغى الهدى في غيره أضلَّه الله، لأنه خالقك، وهو أعلم بما يُصلحك، فلا يليق بك - إذن - أن تأخذ خَلْق الله لك ثم تتكبر عليه وتضع لنفسك قانوناً من عندك أنت. وسبق أنْ قُلْنا: إن الآيات تطلق على ثلاثة إطلاقات: الآيات الكونية التي تلفتك إلى الصانع المبدع عز وجل، وعلى المعجزات التي تأتي لتثبت صِدْق الرسول في البلاغ عن الله، وتُطلق على الآيات الحاملة للأحكام وهي آيات القرآن الكريم، وفي القرآن هذا كله. وقوله تعالى: {وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [النور: 34]. أي: جعلنا لكم موعظة وعبرة بالأمم السابقة عليكم، والتي بلغت شأوها في الحضارة، ومع ذلك لم تملك مُقوِّمات البقاء، ولم تصنع لنفسها المناعة التي تصونها فانهارت، ولم يبق منهم إلا آثار كالتي نراها الآن لقدماء المصريين، وقد بلغوا من الحضارة منزلةً أدهشت العالم المتقدم الحديث، فيأتون الآن متعجبين: كيف فعل قدماء المصريين هذه الحضارة؟ وكان أعظم من حضارة الفراعنة حضارة عاد التي قال الله عنها: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 6-14] يعني: لن يفلت من المخالفين أحد، ولن ينجو من عذاب الله كافر. والمثَل كذلك في مسألة الزنا وقَذْف المحصنات العفيفات، كحادثة الإفك التي سبق الكلام عنها، وأنها كانت مَثَلاً وعِبرةً، كذلك كانت قصة السيدة مريم مثلاً وقد اتهمها قومها، وقالوا: {أية : يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} تفسير : [مريم: 28]. وكذلك كانت قصة يوسف عليه السلام وامرأة العزيز، وكلها مسائل تتعلق بالشرف، ولم تَخْلُ من رَمْي العفيفات المحصنات، أو العفيف الطاهر يوسف بن يعقوب عليهما السلام. وهذه الآيات مبينات للوجود الأعلى في آيات الكون، مُبينات لصِدْق المبلِّغ عن الله في المعجزات، مُبيِّنات للأحكام التي تنظم حركة الحياة في آيات القرآن، ثم أريناهم عاقبة الأمم السابقة سواء مَنْ أقبل منهم على الله بالطاعة، أو مَنْ أعرض عنه بالمعصية، ولا يستفيد من هذه المواعظ والعِبَر إلا المتقون الذين يخافون الله وتثمر فيهم الموعظة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا تعظيم وتفخيم لهذه الآيات، التي تلاها على عباده، ليعرفوا قدرها، ويقوموا بحقها فقال: { وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ } أي: واضحات الدلالة، على كل أمر تحتاجون إليه، من الأصول والفروع، بحيث لا يبقى فيها إشكال ولا شبهة، { و } أنزلنا إليكم أيضا { مثلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ } من أخبار الأولين، الصالح منهم والطالح، وصفة أعمالهم، وما جرى لهم وجرى عليهم تعتبرونه مثالا ومعتبرا، لمن فعل مثل أفعالهم أن يجازى مثل ما جوزوا. { وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } أي: وأنزلنا إليكم موعظة للمتقين، من الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، يتعظ بها المتقون، فينكفون عما يكره الله إلى ما يحبه الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):