٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الكلام في هذه الآية مرتب على فصول: الفصل الأول في إطلاق اسم النور على الله تعالى اعلم أن لفظ النور موضوع في اللغة لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على الأرض والجدران وغيرهما، وهذه الكيفية يستحيل أن تكون إلهاً لوجوه: أحدها: أن هذه الكيفية إن كانت عبارة عن الجسم كان الدليل الدال على حدوث الجسم دالاً على حدوثها، وإن كانت عرضاً فمتى ثبت حدوث جميع الأعراض القائمة به ولكن هذه المقدمة إنما تثبت بعد إقامة الدلالة على أن الحلول على الله تعالى محال وثانيها: أنا سواء قلنا النور جسم أو أمر حال في الجسم فهو منقسم، لأنه إن كان جسماً فلا شك في أنه منقسم، وإن كان حالاً فيه، فالحال في المنقسم منقسم، وعلى التقديرين فالنور منقسم وكل منقسم فإنه يفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، وكل مفتقر فهو في تحققه مفتقر إلى غيره، والمفتقر إلى الغير ممكن لذاته محدث بغيره، فالنور محدث فلا يكون إلهاً وثالثها: أن هذا النور المحسوس لو كان هو الله لوجب أن لا يزول هذا النور لامتناع الزوال على الله تعالى ورابعها: أن هذا النور المحسوس يقع بطلوع الشمس والكواكب. وذلك على الله محال وخامسها: أن هذه الأنوار لو كانت أزلية لكانت إما أن تكون متحركة أو ساكنة، لا جائز أن تكون متحركة لأن الحركة معناها الانتقال من مكان إلى مكان فالحركة مسبوقة بالحصول في المكان الأول. والأزلى يمتنع أن يكون مسبوقاً بالغير فالحركة الأزلية محال. ولا جائز أن تكون ساكنة لأن السكون لو كان أزلياً لكان ممتنع الزوال لكن السكون جائز الزوال، لأنا نرى الأنوار تنتقل من مكان إلى مكان فدل ذلك على حدوث الأنوار وسادسها: أن النور إما أن يكون جسماً أو كيفية قائمة بالجسم، والأول محال لأنا قد نعقل الجسم جسماً مع الذهول عن كونه نيراً ولأن الجسم قد يستنير بعد أن كان مظلماً فثبت الثاني لكن الكيفية القائمة بالجسم محتاجة إلى الجسم، والمحتاج إلى الغير لا يكون إلهاً، وبمجموع هذه الدلائل يبطل قول المانوية الذين يعتقدون أن الإله سبحانه هو النور الأعظم. وأما المجسمة المعترفون بصحة القرآن فيحتج على فساد قولهم بوجهين: الأول: قوله: { أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } تفسير : [الشورى: 11] ولو كان نوراً لبطل ذلك لأن الأنوار كلها متماثلة الثاني: أن قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ } صريح في أنه ليس ذاته نفس النور بل النور مضاف إليه. وكذا قوله: {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ } فإن قيل قوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } يقتضي ظاهره أنه في ذاته نور. وقوله: {مَثَلُ نُورِهِ } يقتضي أن لا يكون هو في ذاته نوراً وبينهما تناقض، قلنا نظير هذه الآية قولك زيد كرم وجود، ثم تقول ينعش الناس بكرمه وجوده، وعلى هذا الطريق لا تناقض الثالث: قوله سبحانه وتعالى: { أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1] وذلك صريح في أن ماهية النور مجعولة لله تعالى فيستحيل أن يكون الإله نوراً، فثبت أنه لا بد من التأويل، والعلماء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن النور سبب للظهور والهداية لما شاركت النور في هذا النور في هذا المعنى صح إطلاق اسم النور على الهداية وهو كقوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [البقرة: 257]. وقوله: { أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا } تفسير : [الأنعام: 122] وقال: { أية : وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا } تفسير : [الشورى: 52] فقوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أي ذو نور السموات والأرض والنور هو الهداية ولا تحصل إلا لأهل السموات، والحاصل أن المراد الله هادي أهل السموات والأرض وهو قول ابن عباس والأكثرين رضي الله عنهم وثانيها: المراد أنه مدبر السموات والأرض بحكمة بالغة وحجة نيرة فوصف نفسه بذلك كما يوصف الرئيس العالم بأنه نور البلد، فإنه إذا كان مدبرهم تدبيراً حسناً فهو لهم كالنور الذي يهتدى به إلى مسالك الطرق، قال جرير: شعر : وأنت لنا نور وغيث وعصمة تفسير : وهذا اختيار الأصم والزجاج وثالثها: المراد ناظم السموات والأرض على الترتيب الأحسن فإنه قد يعبر بالنور على النظام، يقال ما أرى لهذا الأمر نوراً ورابعها: معناه منور السموات والأرض ثم ذكروا في هذا القول ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منور السماء بالملائكة والأرض بالأنبياء والثاني: منورها بالشمس والقمر والكواكب والثالث: أنه زين السماء بالشمس والقمر والكواكب وزين الأرض بالأنبياء والعلماء، وهو مروي عن أبي بن كعب والحسن وأبي العالية والأقرب هو القول الأول لأن قوله في آخر الآية: {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ } يدل على أن المراد بالنور الهداية إلى العلم والعمل. واعلم أن الشيخ الغزالي رحمه الله صنف في تفسير هذه الآية الكتاب المسمى بمشكاة الأنوار، وزعم أن الله نور في الحقيقة بل ليس النور إلا هو، وأنا أنقل محصل ما ذكره مع زوائد كثيرة تقوي كلامه ثم ننظر في صحته وفساده على سبيل الإنصاف فقال: اسم النور إنما وضع للكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ظواهر هذه الأجسام الكثيفة، فيقال استنارت الأرض ووقع نور الشمس على الثوب ونور السراج على الحائط، ومعلوم أن هذه الكيفية إنما اختصت بالفضيلة والشرف لأن المرئيات تصير بسببها ظاهرة منجلية، ثم من المعلوم أنه كما يتوقف إدراك هذه المرئيات على كونها مستنيرة فكذا يتوقف على وجود العين الباصرة إذ المرئيات بعد استنارتها لا تكون ظاهرة في حق العميان فقد ساوى الروح الباصرة النور الظاهرة في كونه ركناً لا بد منه للظهور، ثم يرجح عليه في أن الروح الباصرة هي المدركة وبها الإدراك، وأما النور الخارج فليس بمدرك ولا به الإدراك بل عنده الإدراك، فكان وصف الإظهار بالنور الباصر أحق منه بالنور المبصر فلا جرم أطلقوا اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش إن نور عينه ضعيف، وفي الأعمش إنه ضعف نور بصره. وفي الأعمى إنه فقد نور البصر. إذا ثبت هذا فنقول إن للإنسان بصراً وبصيرة فالبصر هو العين الظاهرة المدركة للأضواء والألوان، والبصيرة هي القوة العاقلة وكل واحد من الإدراكين يقتضي ظهور المدرك، فكل واحد من الإدراكين نور إلا أنهم عددوا لنور العين عيوباً لم يحصل شيء منها في نور العقلي، والغزالي رحمه الله ذكر منها سبعة، ونحن جعلناها عشرين الأول: أن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها، أما أنها لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها فلأن القوة الباصرة وإدراك القوة الباصرة ليسا من الأمور المبصرة بالعين الباصرة، وأما آلتها فهي العين، والقوة الباصرة بالعين لا تدرك العين، وأما القوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب والدماغ، فثبت أن نور العقل أكمل من نور البصر الثاني: أن القوة الباصرة لا تدرك الكليات والقوة العاقلة تدركها، ومدرك الكليات وهو القلب أشرف من مدرك الجزئيات، أما أن القوة الباصرة لا تدرك الكليات فلأن القوة الباصرة لو أدركت كل ما في الوجود فهي ما أدركت الكل لأن الكل عبارة عن كل ما يمكن دخوله في الوجود في الماضي والحاضر والمستقبل، وأما أن القوة العاقلة تدرك الكليات فلأنا نعرف أن الأشخاص الإنسانية مشتركة في الإنسانية ومتمايزة بخصوصياتها، وما به المشاركة غير ما به الممايزة، فالإنسانية من حيث هي إنسانية أمر مغاير لهذه المشخصات فقد عقلنا الماهية الكلية، وأما أن إدراك الكليات أشرف فلأن إدراك الكليات ممتنع التغير، وإدراك الجزئيات واجب التغير، ولأن إدراك الكلي يتضمن إدراك الجزئيات الواقعة تحته، لأن ما ثبت للماهية ثبت لجميع أفرادها ولا ينعكس، فثبت أن الإدراك العقلي أشرف الثالث: الإدراك الحسي غير منتج والإدراك العقلي منتج فوجب أن يكون العقل أشرف، أما كون الإدراك الحسي غير منتج فلأن من أحس بشيء لا يكون ذلك الإحساس سبباً لحصول إحساس آخر له، بل لو استعمل له الحس مرة أخرى لأحس به مرة أخرى ولكن ذلك لا يكون إنتاج الإحساس لإحساس آخر، وأما أن الإدراك العقلي منتج فلأنا إذا عقلنا أموراً ثم ركبناها في عقولنا توسلنا بتركيبها إلى اكتساب علوم أخرى، وهكذا كل تعقل حاصل فإنه يمكن التوسل به إلى تحصيل تعقل آخر إلى ما لا نهاية له، فثبت أن الإدراك العقلي أشرف الرابع: الإدراك الحسي لا يتسع للأمور الكثيرة والإدراك العقلي، يتسع لها فوجب أن يكون الإدراك العقلي أشرف. أما أن الإدراك الحسي لا يتسع لها فلأن البصر إذا توالى عليه ألوان كثيرة عجز عن تمييزها، فأدرك لوناً كأنه حاصل من اختلاط تلك الألوان (و) السمع إذا توالت عليه كلمات كثيرة التبست عليه تلك الكلمات ولم يحصل التمييز، وأما أن الإدراك العقلي متسع لها فلأن كل من كان تحصيله للعلوم أكثر كانت قدرته على كسب الجديد أسهل، وبالعكس وذلك يوجب الحكم بأن الإدراك العقلي أشرف الخامس: القوة الحسية إذا أدركت المحسوسات القوية ففي ذلك الوقت تعجز عن إدراك الضعيفة، فإن من سمع الصوت الشديد ففي تلك الحالة لا يمكنه أن يسمع الصوت الضعيف والقوة العقلية لا يشغلها معقول عن معقول السادس: القوى الحسية تضعف بعد الأربعين، وتضعف عند كثرة الأفكار التي هي موجباً لاستيلاء النفس على البدن الذي هو موجب لخراب البدن، والقوى العقلية تقوى بعد الأربعين وتقوى عند كثرة الأفكار الموجبة لخراب البدن، فدل ذلك على استغناء القوة العقلية عن هذه الآلات واحتياج القوى الحسية إليها السابع: القوة الباصرة لا تدرك المرئي مع القرب القريب ولا مع البعد البعيد، والقوة العقلية لا يختلف حالها بحسب القرب والبعد، فإنها تترقى إلى ما فوق العرش وتنزل إلى ما تحت الثرى في أقل من لحظة واحدة، بل تدرك ذات الله وصفاته مع كونه منزهاً عن القرب والبعد والجهة فكانت القوة العقلية أشرف الثامن: القوة الحسية لا تدرك من الأشياء إلا ظواهرها فإذا أدركت الإنسان فهي في الحقيقة ما أدركت الإنسان لأنها ما أدركت إلا السطح الظاهر من جسمه، وإلا اللون القائم بذلك السطح، وبالاتفاق فليس الإنسان عبارة عن مجرد السطح واللون فالقوة الباصرة عاجزة عن النفوذ في الباطن، أما القوة العاقلة فإن باطن الأشياء وظاهرها بالنسبة إليها على السواء فإنها تدرك البواطن والظواهر وتغوص فيها وفي أجزائها، فكانت القوة العاقلة نوراً بالنسبة إلى الباطن والظاهر، أما القوة الباصرة فهي بالنسبة إلى الظاهر نور وبالنسبة إلى الباطن ظلمة، فكانت القوة العاقلة أشرف من القوة الباصرة التاسع: أن مدرك القوة العاقلة هو الله تعالى وجميع أفعاله، ومدرك القوة الباصرة هو الألوان والأشكال، فوجب أن تكون نسبة شرف القوة العاقلة إلى شرف القوة الباصرة كنسبة شرف ذات الله تعالى إلى شرف الألوان والأشكال العاشر: القوة العاقلة تدرك جميع الموجودات والمعدومات والماهيات التي هي معروضات الموجودات والمعدومات، ولذلك فإن أول حكمه أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان، وذلك مسبوق لا محالة بتصور مسمى الوجود ومسمى العدم فكأنه بهذين التصورين قد أحاط بجميع الأمور من بعض الوجوه. وأما القوة الباصرة فإنها لا تدرك إلا الأضواء والألوان وهما من أخس عوارض الأجسام والأجسام أخس من الجواهر الروحانية، فكان متعلق القوة الباصرة أخس الموجودات. وأما متعلق القوة العاقلة فهو جميع الموجودات والمعدومات فكانت القوة العاقلة أشرف. الحادي عشر: القوة العاقلة تقوى على توحيد الكثير وتكثير الواحد، والقوة الباصرة لا تقوى على ذلك. أما أن القوة العاقلة تقوى على توحيد الكثير، فذاك لأنها تضم الجنس إلى الفصل فيحدث منهما طبيعة نوعية واحدة، وأما أنها تقوى على تكثير الواحد فلأنها تأخذ الإنسان وهي ماهية واحدة فتقسمها إلى مفهوماتها وإلى عوارضها اللازمة وعوارضها المفارقة، ثم تقسم مقوماته إلى الجنس وجنس الجنس، والفصل وفصل الفصل، وجنس الفصل وفصل الجنس، إلى سائر الأجزاء المقومة التي لا تعد من الأجناس ولا من الفصول، ثم لا تزال تأتي بهذا لتقسيم في كل واحد من هذه الأقسام حتى تنتهي من تلك المركبات إلى البسائط الحقيقية، ثم تعتبر في العوارض اللازمة أن تلك العوارض مفردة أو مركبة ولازمة بوسائط أو بوسط، أو بغير وسط، فالقوة العاقلة كأنها نفذت في أعماق الماهيات وتغلغلت فيها وميزت كل واحد من أجزائها عن صاحبه، وأنزلت كل واحد منها في المكان اللائق به. فأما القوة الباصرة فلا تطلع على أحوال الماهيات، بل لا ترى إلا أمراً واحداً ولا تدري ما هو وكيف هو، فظهر أن القوة العاقلة أشرف الثاني عشر: القوة العاقلة تقوى على إدراكات غير متناهية، والقوة الحاسة لا تقوى على ذلك: بيان الأول من وجوه: الأول: القوة العاقلة يمكنها أن تتوصل بالمعارف الحاضرة إلى استنتاج المجهولات، ثم إنها تجعل تلك النتائج مقدمات في نتائج أخرى لا إلى نهاية، وقد عرفت أن القوة الحاسة لا تقوى على الاستنتاج أصلاً الثاني: أن القوة العاقلة تقوى على تعقل مراتب الأعداد ولا نهاية لها الثالث: أن القوة العاقلة يمكنها أن تعقل نفسها، وأن تعقل أنها عقلت وكذا إلى غير النهاية الرابع: النسب والإضافات غير متناهية وهي معقولة لا محسوسة فظهر أن القوة العاقلة أشرف الثالث عشر: الإنسان بقوته العاقلة يشارك الله تعالى في إدراك الحقائق وبقوته الحاسة يشارك البهائم، والنسبة معتبرة فكانت القوة العاقلة أشرف الرابع عشر: القوة العاقلة غنية في إدراكها العقلي عن وجود المعقول في الخارج، والقوة الحاسة محتاجة في إدراكها الحسي إلى وجود المحسوس في الخارج، والغني أشرف من المحتاج. الخامس عشر: هذه الموجودات الخارجية ممكنة لذواتها وأنها محتاجة إلى الفاعل، والفاعل لا يمكنه الإيجاد على سبيل الاتقان إلا بعد تقدم العلم، فإذن وجود هذه الأشياء في الخارج تابع للإدراك العقلي، وأما الإحساس بها فلا شك أنه تابع لوجودها في الخارج، فإذن القوة الحساسة تبع لتبع القوة العاقلة السادس عشر: القوة العاقلة غير محتاجة في العقل إلى الآلات بدليل أن الإنسان لو اختلت حواسه الخمس، فإنه يعقل أن الواحد نصف الاثنين، وأن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية. وأما القوة الحساسة فإنها محتاجة إلى آلات كثيرة، والغني أفضل من المحتاج، السابع عشر: الإدراك البصري لا يحصل إلا للشيء الذي في الجهات، ثم إنه غير متصرف في كل الجهات بل لا يتناول إلا المقابل أو ما هو في حكم المقابل، واحترزنا بقولنا في حكم المقابل عن أمور أربعة: الأول: العرض فإنه ليس بمقابل لأنه ليس في المكان، ولكنه في حكم المقابل لأجل كونه قائماً بالجسم الذي هو مقابل الثاني: رؤية الوجه في المرآة، فإن الشعاع يخرج من العين إلى المرآة، ثم يرتد منها إلى الوجه فيصير الوجه مرئياً، وهو من هذا الاعتبار كالمقابل لنفسه. الثالث: رؤية الإنسان قفاه إذا جعل إحدى المرآتين محاذية لوجهه والأخرى لقفاه. والرابع: رؤية ما لا يقابل بسبب انعطاف الشعاع في الرطوبات ما هو مشروح في كتاب المناظر وأما القوة العاقلة فإنها مبرأة عن الجهات، فإنها تعقل الجهة والجهة ليست في الجهة، ولذلك تعقل أن الشيء إما أن يكون في الجهة، وإما أن لا يكون في الجهة، وهذا الترديد لا يصح إلا بعد تعقل معنى قولنا ليس في الجهة. الثامن عشر: القوة الباصرة تعجز عند الحجاب، وأما القوة العاقلة فإنها لا يحجبها شيء أصلاً فكانت أشرف. التاسع عشر: القوة العاملة كالأمير، والحاسة كالخادم والأمير أشرف من الخادم، وتقرير (الفرق بين) الإمارة والخدمة مشهور. العشرون: القوة الباصرة قد تغلط كثيراً فإنها قد تدرك المتحرك ساكناً وبالعكس، كالجالس في السفينة، فإنه قد يدرك السفينة المتحركة ساكنة والشط الساكن متحركاً، ولولا العقل لما تميز خطأ البصر عن صوابه، والعقل حاكم والحس محكوم، فثبت بما ذكرنا أن الإدراك العقل أشرف من الإدراك البصري، وكل واحد من الإدراكين يقتضي الظهور الذي هو أشرف خواص النور، فكان الإدراك العقلي أولى بكونه نوراً من الإدراك البصري، وإذا ثبت هذا فنقول هذه الأنوار العقلية قسمان: أحدهما: واجب الحصول عند سلامة الأحوال وهي التعقلات الفطرية والثاني: ما يكون مكتسباً وهي التعقلات النظرية أما الفطرية فليست هي من لوازم جوهر الإنسان لأنه حال الطفولية لم يكن عالماً ألبتة فهذه الأنوار الفطرية إنما حصلت بعد أن لم تكن فلا بد لها من سبب وأما النظريات فمعلوم أن الفطرة الإنسانية قد يعتريها الزيغ في الأكثر وإذا كان كذلك فلا بد من هاد مرشد ولا مرشد فوق كلام الله تعالى وفوق إرشاد الأنبياء، فتكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل بمنزلة نور الشمس عند العين الباصرة إذ به يتم الإبصار، فبالحري أن يسمى القرآن نوراً كما يسمى نور الشمس نوراً، فنور القرآن يشبه نور الشمس ونور العقل يشبه نور العين وبهذا يظهر معنى قوله: { أية : فَـئَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِي أَنزَلْنَا } تفسير : [التغابن: 8] وقوله: { أية : قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ } تفسير : [النساء: 174] { أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } تفسير : [النساء: 174] وإذا ثبت أن بيان الرسول أقوى من نور الشمس وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من الشمس، وكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيره ولا تستفيده من غيره فكذا نفس النبي صلى الله عليه وسلم تفيد الأنوار العقلية لسائر الأنفس البشرية، ولا تستفيد الأنوار العقلية من شيء من الأنفس البشرية، فلذلك وصف الله تعالى الشمس بأنها سراج حيث قال: { أية : وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً } تفسير : [الفرقان: 61] ووصف محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه سراج منير، إذا عرفت هذا فنقول ثبت بالشواهد العقلية والنقلية أن الأنوار الحاصلة في أرواح الأنبياء مقتبسة من الأنوار الحاصلة في أرواح الملائكة قال تعالى: { أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ } تفسير : [النحل: 2] وقال: { أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] وقال: { أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبّكَ بِٱلْحَقّ } تفسير : [النحل: 102] وقال تعالى: { أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } تفسير : [النجم: 4، 5] والوحي لا يكون إلا بواسطة الملائكة فإذا جعلنا أرواح الأنبياء أعظم استنارة من الشمس فأرواح الملائكة التي هي كالمعادن لأنوار عقول الأنبياء لا بد وأن تكون أعظم من أنوار أرواح الأنبياء، لأن السبب لا بد وأن يكون أقوى من المسبب. ثم نقول ثبت أيضاً بالشواهد العقلية والنقلية أن الأرواح السماوية مختلفة فبعضها مستفيدة وبعضها مفيدة، قال تعالى في وصف جبريل عليه السلام: { أية : مُّطَـٰعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } تفسير : [التكوير: 21] وإذا كان هو مطاع الملائكة فالمطيعون لا بد وأن يكونوا تحت أمره وقال: { أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] وإذا ثبت هذا فالمفيد أولى بأن يكون نوراً من المستفيد للعلة المذكورة ولمراتب الأنوار في عالم الأرواح مثال وهو أن ضوء الشمس إذا وصل إلى القمر ثم دخل في كوة بيت ووقع على مرآة منصوبة على حائط ثم انعكس منها إلى حائط آخر نصب عليه مرآة أخرى ثم انعكس منها إلى طست مملوء من الماء موضوع على الأرض انعكس منه إلى سقف البيت فالنور الأعظم في الشمس التي هي المعدن، وثانياً في القمر، وثالثاً ما وصل إلى المرآة الأولى، ورابعاً ما وصل إلى المرآة الثانية، وخامساً ما وصل إلى الماء، وسادساً ما وصل إلى السقف، وكل ما كان أقرب إلى المنبع الأول فإنه أقوى مما هو أبعد منه فكذا الأنوار السماوية لما كانت مرتبة لا جرم كان نور المفيد أشد إشراقاً من نور المستفيد، ثم تلك الأنوار لا تزال تكون مترقية حتى تنتهي إلى النور الأعظم والروح الذي هو أعظم الأرواح منزلة عند الله الذي هو المراد من قوله سبحانه: { أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً } تفسير : [النبأ: 38] ثم نقول لا شك أن هذه الأنوار الحسية إن كانت سفلية كانت كأنوار النيران أو علوية كانت كأنوار الشمس والقمر والكواكب، وكذا الأنوار العقلية سفلية كانت كالأرواح السفلية التي للأنبياء والأولياء أو علوية كالأرواح العلوية التي هي الملائكة، فإنها بأسرها ممكنة لذواتها والممكن لذاته يستحق العدم من ذاته والوجود من غيره، والعدم هو الظلمة الحاصلة والوجود هو النور، فكل ما سوى الله مظلم لذاته مستنير بإنارة الله تعالى وكذا جميع معارفها بعد وجودها حاصل من وجود الله تعالى، فالحق سبحانه هو الذي أظهرها بالوجود بعد أن كانت في ظلمات العدم وأفاض عليها أنوار المعارف بعد أن كانت في ظلمات الجهالة، فلا ظهور لشيء من الأشياء إلا بإظهاره، وخاصة النور إعطاء الإظهار والتجلي والانكشاف، وعند هذا يظهر أن النور المطلق هو الله سبحانه وأن إطلاق النور على غيره مجاز إذ كل ما سوى الله، فإنه من حيث هو هو ظلمة محضة لأنه من حيث إنه هو عدم محض، بل الأنوار إذا نظرنا إليها من حيث هي هي فهي ظلمات، لأنها من حيث هي هي ممكنات، والممكن من حيث هو هو معدوم، والمعدوم مظلم. فالنور إذا نظر إليه من حيث هو هو ظلمة، فأما إذا التفت إليها من حيث أن الحق سبحانه أفاض عليها نور الوجود فبهذا الاعتبار صارت أنواراً. فثبت أنه سبحانه هو النور. وأن كل ما سواه فليس بنور إلا على سبيل المجاز. ثم إنه رحمه الله تكلم بعد هذا في أمرين: الأول: أنه سبحانه لم أضاف النور إلى السموات والأرض؟ وأجاب فقال قد عرفت أن السموات والأرض مشحونة بالأنوار العقلية والأنوار الحسية، أما الحسية فما يشاهد في السموات من الكواكب والشمس والقمر وما يشاهد في الأرض من الأشعة المنبسطة على سطوح الأجسام حتى ظهرت به الألوان المختلفة، ولولاها لم يكن للألوان ظهور بل وجود، وأما الأنوار العقلية فالعالم الأعلى مشحون بها وهي جواهر الملائكة والعالم الأسفل مشحون بها وهي القوى النباتية والحيوانية والإنسانية وبالنور الإنساني السفلي ظهر نظام عالم السفل كما بالنور الملكي ظهور نظام عالم العلو، وهو المعنى بقوله تعالى: { أية : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [النور: 55] وقال: { أية : وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء ٱلأَرْضِ } تفسير : [النمل: 62] فإذا عرفت هذا عرفت أن العالم بأسره مشحون بالأنوار الظاهرة البصرية والباطنية العقلية، ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض فيضان النور من السراج فإن السراج هو الروح النبوي، ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من الأرواح العلوية اقتباس السراج من النور، وأن العلويات مقتبسة بعضها من بعض وأن بينها ترتيباً في المقامات، ثم ترتقي جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول، وأن ذلك هو الله وحده لا شريك له، فإذن الكل نوره فلهذا قال: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. السؤال الثاني: فإذا كان الله النور فلم احتيج في إثباته إلى البرهان؟ أجاب فقال إن معنى كونه نور السموات والأرض معروف بالنسبة إلى النور الظاهر البصري، فإذا رأيت خضرة الربيع في ضياء النهار فلست تشك في أنك ترى الألوان فربما ظننت أنك لا ترى مع الألوان غيرها، فإنك تقول لست أرى مع الخضرة غير الخضرة إلا أنك عند غروب الشمس تدرك تفرقة ضرورية بين اللون حال وقوع الضوء عليه وعدم وقوعه عليه، فلا جرم تعرف أن النور معنى غير اللون يدرك مع الألوان إلا أنه كان لشدة اتحاده به لا يدرك ولشدة ظهوره يختفي وقد يكون الظهور سبب الخفاء، إذا عرفت هذا فاعلم أنه كما ظهر كل شيء للبصر بالنور الظاهر فقد ظهر كل شيء للبصيرة الباطنة بالله ونوره حاصل مع كل شيء لا يفارقه، ولكن بقي ههنا تفاوت وهو أن النور الظاهر يتصور أن يغيب بغروب الشمس، ويحجب فحينئذ يظهر أنه غير اللون، وأما النور الإلهي الذي به يظهر كل شيء لا يتصور غيبته بل يستحيل تغيره فيبقى مع الأشياء دائماً، فانقطع طريق الاستدلال بالتفرقة، ولو تصورت غيبته لانهدمت السموات والأرض ولأدرك عنده من التفرقة ما يحصل العلم الضروري به، ولكن لما تساوت الأشياء كلها على نمط واحد في الشهادة على وجود خالقها، وأن كل شيء يسبح بحمده لا بعض الأشياء، وفي جميع الأوقات لا في بعض الأوقات ارتفعت التفرقة وخفي الطريق، إذ الطريق الظاهر معرفة الأشياء بالأضداد فما لا ضد له ولا تغير له بتشابه أحواله، فلا يبعد أن يخفى ويكون خفاؤه لشدة ظهوره وجلائه، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره واحتجب عنهم بإشراق نوره، واعلم أن هذا الكلام الذي رويناه عن الشيخ الغزالي رحمه الله كلام مستطاب ولكن يرجع حاصله بعد التحقيق إلى أن معنى كونه سبحانه نوراً أنه خالق للعالم وأنه خالق للقوى الدراكة، وهو المعنى من قولنا معنى كونه نور السموات والأرض أنه هادي أهل السموات والأرض، فلا تفاوت بين ما قاله وبين الذي نقلناه عن المفسرين في المعنى، والله أعلم. الفصل الثاني: في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام: «إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره» وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون ألفاً، فأقول: لما ثبت أن الله سبحانه وتعالى متجل في ذاته لذاته كان الحجاب بالإضافة إلى المحجوب لا محالة والمحجوب لا بد وأن يكون محجوباً، إما بحجاب مركب من نور وظلمة، وإما بحجاب مركب من نور فقط، أو بحجاب مركب من ظلمة فقط، أما المحجوبون بالظلمة المحضة فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لم يلتفت خاطرهم إلى أنه هل يمكن الاستدلال بوجود هذه المحسوسات على وجود واجب الوجود أم لا؟ وذلك لأنك قد عرفت أن ما سوى الله تعالى من حيث هو هو مظلم، وإنما كان مستنيراً من حيث استفاد النور من حضرة الله تعالى، فمن اشتغل بالجسمانيات من حيث هي هي وصار ذلك الاشتغال حائلاً له عن الالتفات إلى جانب النور كان حجابه محض الظلمة، ولما كانت أنواع الاشتغال بالعلائق البدنية خارجة عن الحد والحصر فكذا أنواع الحجب الظلمانية خارجة عن الحد والحصر. القسم الثاني: المحجوبوبن بالحجب الممزوجة من النور والظلمة اعلم أن من نظر إلى هذه المحسوسات فإما أن يعتقد فيها أنها غنية عن المؤثر، أو يعتقد فيها أنها محتاجة، فإن اعتقد أنها غنية فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة أما النور: فلأنه تصور ماهية الاستغناء عن الغير، وذلك من صفات جلال الله تعالى وهو من صفات النور وأما الظلمة: فلأنه اعتقد حصول ذلك الوصف في هذه الأجسام مع أن ذلك الوصف لا يليق بهذا الوصف وهذا ظلمة، فثبت أن هذا حجاب ممزوج من نور وظلمة، ثم أصناف هذا القسم كثيرة، فإن من الناس من يعتقد أن الممكن غني عن المؤثر، ومنهم من يسلم ذلك لكنه يقول المؤثر فيها طبائعها أو حركاتها أو اجتماعها وافتراقها أو نسبتها إلى حركات الأفلاك أو إلى محركاتها وكل هؤلاء من هذا القسم. القسم الثالث: الحجب النورانية المحضة واعلم أنه لا سبيل إلى معرفة الحق سبحانه إلا بواسطة تلك الصفات السلبية والإضافية ولا نهاية لهذه الصفات ولمراتبها، فالعبد لا يزال يكون مترقياً فيها فإن وصل إلى درجة وبقي فيها كان استغراقه في مشاهدة تلك الدرجة حجاباً له عن الترقي إلى ما فوقها، ولما كان لا نهاية لهذه الدرجات كان العبد أبداً في السير والانتقال، وأما حقيقته المخصوصة فهي محتجبة عن الكل فقد أشرنا إلى كيفية مراتب الحجب، وأنت تعرف أنه عليه الصلاة والسلام إنما حصرها في سبعين ألفا تقريباً لا تحديداً فإنها لا نهاية لها في الحقيقة. الفصل الثالث في شرح كيفية التمثيل اعلم أنه لا بد في التشبيه من أمرين: المشبه والمشبه به، واختلف الناس ههنا في أن المشبه أي شي هو؟ وذكروا وجوهاً: أحدها: وهو قول جمهور المتكلمين ونصره القاضي أن المراد من الهدى التي هي الآيات البينات، والمعنى أن هداية الله تعالى قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات وصارت في ذلك بمنزلة المشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية. وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء، فإن قيل لم شبهه بذلك وقد علمنا أن ضوء الشمس أبلغ من ذلك بكثير، قلنا إنه سبحانه أراد أن يصف الضوء الكامل الذي يلوح وسط الظلمة لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين الظلمات، وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس لأن ضوءها إذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص، وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة فلا جرم كان ذلك المثل ههنا أليق وأوفق، واعلم أن الأمور التي اعتبرها الله تعالى في هذا المثال مما توجب كمال الضوء فأولها: المصباح لأن المصباح إذا لم يكن في المشكاة تفرقت أشعته، أما إذا وضع في المشكاة اجتمعت أشعته فكانت أكثر إنارة، والذي يحقق ذلك أن المصباح إذا كان في بيت صغير فإنه يظهر من ضوئه أكثر مما يظهر في البيت الكبير وثانيها: أن المصباح إذا كان في زجاجة صافية فإن الأشعة المنفصلة عن المصباح تنعكس من بعض جوانب الزجاجة إلى البعض لما في الزجاجة من الصفاء والشفافية وبسبب ذلك يزداد الضوء والنور، والذي يحقق ذلك أن شعاع الشمس إذا وقع على الزجاجة الصافية تضاعف الضوء الظاهر حتى أنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك الضوء، فإن انعكست تلك الأشعة من كل واحد من جوانب الزجاجة إلى الجانب الآخر كثرت الأنوار والأضواء وبلغت النهاية الممكنة وثالثها: أن ضوء المصباح يختلف بحسب اختلاف ما يتقد به، فإذا كان ذلك الدهن صافياً خالصاً كانت حالته بخلاف حالته إذا كان كدراً وليس في الأدهان التي توقد ما يظهر فيه من الصفاء مثل الذي يظهر في الزيت فربما يبلغ في الصفاء والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض فيه وشعاع يتردد في أجزائه ورابعها: أن هذا الزيت يختلف بحسب اختلاف شجرته، فإذا كانت لا شرقية ولا غربية بمعنى أنها كانت بارزة للشمس في كل حالاتها يكون زيتونها أشد نضجاً، فكان زيته أكثر صفاء وأقرب إلى أن يتميز صفوه من كدره لأن زيادة الشمس تؤثر في ذلك، فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة وتعاونت صار ذلك الضوء خالصاً كاملاً فيصلح أن يجعل مثلاً لهداية الله تعالى وثانيها: أن المراد من النور في قوله: {وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ } القرآن ويدل عليه قوله تعالى: { أية : قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ } تفسير : [المائدة: 15] وهو قول الحسن وسفيان بن عيينة وزيد بن أسلم وثالثها: أن المراد هو الرسول لأنه المرشد، ولأنه تعالى قال في وصفه: { أية : وَسِرَاجاً مُّنِيراً } تفسير : [الأحزاب: 46] وهو قول عطاء، وهذان القولان داخلان في القول الأول، لأن من جملة أنواع الهداية إنزال الكتب وبعثة الرسل. قال تعالى في صفة الكتب: { أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ } تفسير : [الشورى: 52] وقال في صفة الرسل: { أية : رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [النساء: 165] ورابعها: أن المراد منه ما في قلب المؤمنين من معرفة الله تعالى ومعرفة الشرائع، ويدل عليه أن الله تعالى وصف الإيمان بأنه نور والكفر بأنه ظلمة، فقال: { أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ } تفسير : [الزمر: 22] وقال تعالى: {لّيُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } وحاصله أنه حمل الهدى على الاهتداء، والمقصود من التمثيل أن إيمان المؤمن قد بلغ في الصفاء عن الشبهات، والامتياز عن ظلمات الضلالات مبلغ السراج المذكور، وهو قول أبي ابن كعب وابن عباس، قال أبي: مثل نور المؤمن، وهكذا كان يقرأ، وقيل إنه كان يقرأ: مثل نور من آمن به، وقال ابن عباس: مثل نوره في قلب المؤمن وخامسها: ما ذكره الشيخ الغزالي رحمه الله وهو: أنا بينا أن القوى المدركة أنوار، ومراتب القوى المدركة الإنسانية خمسة أحدها: القوة الحساسة، وهي التي تتلقى ما تورده الحواس الخمس وكأنها أصل الروح الحيواني، وأوله إذ به يصير الحيوان حيواناً وهو موجود للصبي الرضيع وثانيها: القوة الخيالية وهي التي تستثبت ما أورده الحواس وتحفظه مخزوناً عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه. وثالثها: القوة العقلية المدركة للحقائق الكلية ورابعها: القوة الفكرية وهي التي تأخذ المعارف العقلية فتؤلفها تأليفاً فتستنتج من تأليفها علماً بمجهول وخامسها: القوة القدسية التي تختص بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبعض الأولياء، وتتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت وإليه الإشارة بقوله تعالى: { أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَشَاء مِنْ عِبَادِنَا } تفسير : [والشورى: 52] وإذا عرفت هذه القوى فهي بجملتها أنوار، إذ بها تظهر أصناف الموجودات، وأن هذه المراتب الخمسة يمكن تشبيهها بالأمور الحسنة التي ذكرها الله تعالى وهي: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت. أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصيته وجدت أنواره خارجة من عدة أثقب كالعينين والأذنين والمنخرين وأوفق مثال له من عالم الأجسام المشكاة وأما الثاني: وهو الروح الحيالي فنجد له خواص ثلاثة: الأولى: أنه من طينة العالم السفلي الكثيف لأن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحيز، ومن شأن العلائق الجسمانية أن تحجب عن الأنوار العقلية المحضة التي هي التعقلات الكلية المجردة والثانية: أن هذا الخيال الكثيف إذا صفا ورق وهذب صار موازناً للمعاني العقلية ومؤدياً لأنوارها وغير حائل عن إشراق نورها، ولذلك فإن المعبر يستدل بالصور الخيالية على المعاني العقلية، كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح والثالثة: أن الخيال في بداية الأمر محتاج إليه جداً ليضبط بها المعارف العقلية ولا تضطرب، فنعم المثالات الخيالية الجالبة للمعارف العقلية، وأنت لا تجد شيئاً في الأجسام يشبه الخيال في هذه الصفات الثلاثة إلا الزجاجة، فإنها في الأصل من جوهر كثيف ولكن صفا ورق حتى صار لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه على الانطفاء بالرياح العاصفة وأما الثالث: وهو القوة العقلية فهي القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف الإلهية، فلا يخفى عليك وجه تمثيله بالمصباح، وقد عرفت هذا حيث بينا كون الأنبياء سرجاً منيرة وأما الرابع: وهو القوة الفكرية فمن خواصها أنها تأخذ ماهية واحدة، ثم تقسمها إلى قسمين كقولنا الموجود إما واجب وإما ممكن، ثم تجعل كل قسم مرة أخرى قسمين وهكذا إلى أن تكثر الشعب بالتقسيمات العقلية، ثم تقضي بالآخرة إلى نتائج وهي ثمراتها، ثم تعود فتجعل تلك الثمرات بذوراً لأمثالها حتى تتأدى إلى ثمرات لا نهاية لها، فبالحري أن يكون مثاله من هذا العالم الشجرة، وإذا كانت ثمارها مادة لتزايد أنوار المعارف ونباتها، فبالحري أن لا يمثل بشجرة السفرجل والتفاح، بل بشجرة الزيتون خاصة، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصابيح، وله من بين سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان، وإذا كانت الماشية التي يكثر درها ونسلها والشجرة التي تكثر ثمرتها تسمى مباركة فالذي لا يتناهى إلى حد محدود أولى أن يسمى شجرة مباركة، وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام، فبالحري أن تكون لا شرقية ولا غربية وأما الخامس: وهو القوة القدسية النبوية فهي في نهاية الشرف والصفاء، فإن القوة الفكرية تنقسم إلى ما يحتاج إلى تعليم وتنبيه وإلى ما لا يحتاج إليه، ولا بد من وجود هذا القسم قطعاً للتسلسل، فبالحري أن يعبر عن هذا القسم بكماله وصفائه وشدة استعداده بأنه يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، فهذا المثال موافق لهذا القسم، ولما كانت هذه الأنوار مرتبة بعضها على بعض فالحس هو الأول وهو كالمقدمة للخيال والخيال كالمقدمة للعقل، فبالحري أن تكون المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح وسادسها: ما ذكره أبو علي بن سينا فإنه نزل هذه الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية، فقال لا شك أن النفس الإنسانية قابلة للمعارف الكلية والإدراكات المجردة، ثم إنها في أول الأمر تكون خالية عن جميع هذه المعارف فهناك تسمى عقلاً هيولياً وهي المشكاة وفي المرتبة الثانية: يحصل فيها العلوم البديهية التي يمكن التوصل بتركيباتها إلى اكتساب العلوم النظرية، ثم إن أمكنة الانتقال إن كانت ضعيفة فهي الشجرة، وإن كانت أقوى من ذلك فهي الزيت، وإن كانت شديدة القوة جداً فهي الزجاجة التي تكون كأنها الكوكب الدري، وإن كانت في النهاية القصوى وهي النفس القدسية التي للأنبياء فهي التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار وفي المرتبة الثالثة: يكتسب من العلوم الفطرية الضرورية العلوم النظرية إلا أنها لا تكون حاضرة بالفعل ولكنها تكون بحيث متى شاء صاحبها استحضارها قدر عليه وهذا يسمى عقلاً بالفعل وهذا المصباح وفي المرتبة الرابعة: أن تكون تلك المعارف الضرورية والنظرية حاصلة بالفعل ويكون صاحبها كأنه ينظر إليها وهذا يسمى عقلاً مستفاداً وهو نور على نور لأن الملكة نور وحصول ما عليه الملكة نور آخر، ثم زعم أن هذه العلوم التي تحصل في الأرواح البشرية، إنما تحصل من جوهر روحاني يسمى بالعقل الفعال وهو مدبر ما تحت كرة القمر وهو النار وسابعها: قول بعض الصوفية هو أنه سبحانه شبه الصدر بالمشكاة والقلب بالزجاجة والمعرفة بالمصباح، وهذا المصباح إنما توقد من شجرة مباركة وهي إلهامات الملائكة لقوله تعالى: { أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } تفسير : [النحل: 2] وقوله: { أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] وإنما شبه الملائكة بالشجرة المباركة لكثرة منافعهم، وإنما وصفها بأنها لا شرقية ولا غربية لأنها روحانية وإنما وصفهم بقوله: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } لكثرة علومها وشدة إطلاعها على أسرار ملكوت الله تعالى والظاهر ههنا أن المشبه غير المشبه به وثامنها: قال مقاتل مثل نوره أي مثل نور الإيمان في قلب محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة فيها مصباح، فالمشكاة نظير صلب عبدالله والزجاجة نظير جسد محمد صلى الله عليه وسلم والمصباح نظير الإيمان في قلب محمد أو نظير النبوة في قلبه وتاسعها: قال قوم المشكاة نظير إبراهيم عليه السلام والزجاجة نظير إسماعيل عليه السلام والمصباح نظير جسد محمد صلى الله عليه وسلم والشجرة النبوة والرسالة وعاشرها: أن قوله مثل نوره يرجع إلى المؤمن وهو قول أبي بن كعب وكان يقرأها مثل نور المؤمن، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك، واعلم أن القول الأول هو المختار لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءَايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ } فإذا كان المراد بقوله: {مَثَلُ نُورِهِ } أي مثل هداه وبيانه كان ذلك مطابقاً لما قبله، ولأن لما فسرنا قوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } بأنه هادي أهل السموات والأرض فإذا فسرنا قوله: {مَثَلُ نُورِهِ } بأن المراد مثل هداه كان ذلك مطابقاً لما قبله. الفصل الرابع ـ في بقية المباحث المتعلقة بهذه الآية وفيه مسائل: المسألة الأولى: المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة، هذا هو القول المشهور، وذكروا فيه وجوهاً أخر: أحدها: قال ابن عباس وأبو موسى الأشعري المشكاة القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة، وهو قول مجاهد والقرظي والثاني: قال الزجاج هي ههنا قصبة القنديل من الزجاجة التي توضع فيها الفتيلة الثالث: قال الضحاك إنها الحلقة التي يعلق بها القنديل والأول هو الأصح. المسألة الثانية: زعموا أن المشكاة هي الكوة بلغة الحبشة، قال الزجاج المشكاة من كلام العرب ومثلها المشكاة وهي الدقيق الصغير. المسألة الثالثة: قال بعضهم هذه الآية من المقلوب، والتقدير مثل نوره كمصباح في مشكاة لأن المشبه به هو الذي يكون معدناً للنور ومنبعاً له وذلك هو المصباح لا المشكاة. المسألة الرابعة: المصباح السراج وأصله من الضوء ومنه الصبح. المسألة الخامسة: قرىء {زُجَاجَةٍ } الزجاجة بالضم والفتح والكسر، أما {دُرِّيٌّ } فقرىء بضم الدال وكسرها وفتحها، أما الضم ففيه ثلاثة أوجه: الأول: ضم الدال وتشديد الراء والياء من غير همز وهو القراءة المعروفة، ومعناه أنه يشبه الدر لصفائه ولمعانه، وقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : إنكم لترون أهل الدرجات العلى كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء » تفسير : الثاني: أنه كذلك إلا أنه بالمد والهمزة وهو قراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر وصار بعض أهل العربية إلى أنه لحن قال سيبويه وهذا أضعف اللغات وهو مأخوذ من الضوء والتلألؤ وليس بمنسوب إلى الدر، قال أبو علي وجه هذه القراءة أنه فعيل من الدرء بمعنى الدفع وأنه صفة وأنه في الصفة مثل المرىء في الاسم والثالث: ضم الدال وتخفيف الراء والياء من غير مد ولا همز، أما الكسر ففيه وجهان: الأول: درىء بكسر الدال وتشديد الراء والمد والهمز، وهي قراءة أبي عمرو والكسائي قال الفراء هو فعيل من الدرء وهو الدفع كالسكير والفسيق فكان ضوأه يدفع بعضه بعضاً من لمعانه الثاني: بكسر الدال وتشديد الراء من غير همز ولا مد وهي قراءة ابن خليد وعتبة بن حماد عن نافع، أما الفتح ففيه وجوه أربعة: الأول: بفتح الدال وتشديد الراء والمد والهمز عن الأعمش الثاني: بفتح الدال وتشديد الراء من غير مد ولا همز عن الحسن ومجاهد وقتادة الثالث: بفتح الدال وتخفيف الراء مهموزاً من غير مد ولا ياء عن عاصم الرابع: كذلك إلا أنه غير مهموز وبياء خفيفة بدل الهمزة، أما قوله: {توقد} القراءة المعروفة توقد بالفتحات الأربعة مع تشديد القاف بوزن تفعل وعن الحسن ومجاهد وقتادة كذلك إلا أنه يضم الدال، وذكر صاحب «الكشاف» يوقد بفتح الياء المنقوطة من تحت بنقطتين والواو والقاف وتشديدها ورفع الدال قال وحذف التاء لاجتماع حرفين زائدين وهو غريب، وعن سعيد بن جبير بياء مضمومة وإسكان الواو وفتح القاف مخففة ورفع الدال وعن نافع وحفص كذلك إلا أنه بالتاء، وعن عاصم بياء مضمومة وفتح الواو وتشديد القاف وفتحها، وعن أبي عمرو كذلك إلا أنه بالتاء، وعن طلحة توقد بتاء مضمومة وواو ساكن وكسر القاف وتخفيفها. المسألة السادسة: قوله: {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّيٌّ } أي ضخم مضيء ودراري النجوم عظامها، واتفقوا على أن المراد به كوكب من الكواكب المضيئة كالزهرة والمشتري والثوابت التي في العظم الأول. المسألة السابعة: قوله: {مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } أي من زيت شجرة مباركة أي كثيرة البركة والنفع، وقيل هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان وقد بارك فيها سبعون نبياً، منهم الخليل، وقيل المراد زيتون الشام، لأنها هي الأرض المباركة فلهذا جعل الله هذه شجرة مباركة. المسألة الثامنة: اختلفوا في معنى وصف الشجرة بأنها لا شرقية ولا غربية على وجوه: أحدها: قال الحسن إنها شجرة الزيت من الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية وهذا ضعيف لأنه تعالى إنما ضرب المثل بما شاهدوه وهم ما شاهدوا شجرة الجنة وثانيها: أن المراد شجرة الزيتون في الشام لأن الشام وسط الدنيا فلا يوصف شجرها بأنها شرقية أو غربية وهذا أيضاً ضعيف لأن من قال الأرض كرة لم يثبت المشرق والمغرب موضعين معينين بل لكل بلد مشرق ومغرب على حدة، ولأن المثل مضروب لكل من يعرف الزيت، وقد يوجد في غير الشام كوجوده فيها وثالثها: أنها شجرة تلتف بها الأشجار فلا تصيبها الشمس في شرق ولا غرب، ومنهم من قال هي شجرة يلتف بها ورقها التفافاً شديداً فلا تصل الشمس إليها سواء كانت الشمس شرقية أو غربية، وليس في الشجر ما يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان، وهذا أيضاً ضعيف لأن الغرض صفاء الزيت وذلك لا يحصل إلا بكمال نضج الزيتون وذلك إنما يحصل في العادة بوصول أثر الشمس إليه لا بعدم وصوله ورابعها: قال ابن عباس المراد الشجرة التي تبرز على جبل عال أو صحراء واسعة فتطلع الشمس عليها حالتي الطلوع والغروب، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة واختيار الفراء والزجاج، قالا ومعناه لا شرقية وحدها ولا غربية وحدها ولكنها شرقية وغربية وهو كما يقال فلان لا مسافر ولا مقيم إذا كان يسافر ويقيم، وهذا القول هو المختار لأن الشجرة متى كانت كذلك كان زيتها في نهاية الصفاء وحينئذ يكون مقصود التمثيل أكمل وأتم وخامسها: المشكاة صدر محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه والمصباح ما في قلبه صلى الله عليه وسلم من الدين، توقد من شجرة مباركة، يعني واتبعوا ملة أبيكم إبراهيم صلوات الله عليه فالشجرة هي إبراهيم عليه السلام، ثم وصف إبراهيم فقال لا شرقية ولا غربية أي لم يكن يصلي قبل المشرق ولا قبل المغرب كاليهود والنصارى بل كان عليه الصلاة والسلام يصلي إلى الكعبة. المسألة التاسعة: وصف الله تعالى زيتها بأنه يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار لأن الزيت إذا كان خالصاً صافياً ثم رؤي من بعيد يرى كأن له شعاعاً، فإذا مسه النار ازداد ضوءً على ضوء، كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد نوراً على نور وهدى على هدى، قال يحيى بن سلام قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له لموافقته له، وهو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله » تفسير : وقال كعب الأحبار المراد من الزيت نور محمد صلى الله عليه وسلم أي يكاد نوره يبين للناس قبل أن يتكلم، وقال الضحاك يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يتكلم بالحكمة قبل الوحي، وقال عبدالله بن رواحة: شعر : لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر تفسير : المسألة العاشرة: قوله تعالى: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } المراد ترادف هذه الأنوار واجتماعها، قال أبي بن كعب: المؤمن بين أربع خلال إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل، فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي بين الأموات يتقلب في خمس من النور، كلامه نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة، قال الربيع سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال سره وعلانيته. المسألة الحادية عشرة: قال الجبائي دلت الآية على أن كل من جهل فمن قبله أتى وإلا فالأدلة واضحة ولو نظروا فيها لعرفوا، قال أصحابنا هذه الآية صريح مذهبنا فإنه سبحانه بعد أن بين أن هذه الدلائل بلغت في الظهور والوضوح إلى هذا الحد الذي لا يمكن الزيادة عليه، قال: {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ } يعني وضوح هذه الدلائل لا يكفي ولا ينفع ما لم يخلق الله الإيمان ولا يمكن أن يكون المراد من قوله: {يَهْدِي ٱللَّهُ } إيضاح الأدلة والبيانات لأنا لو حملنا النور على إيضاح الأدلة لم يجز حمل الهدى عليه أيضاً، وإلا لخرج الكلام عن الفائدة، فلم يبق إلا حمل الهدى ههنا على خلق العلم أجاب أبو مسلم بن بحر عنه من وجهين: الأول: أن قوله: {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ } محمول على زيادات الهدى الذي هو كالضد للخذلان الحاصل للضال الثاني: أنه سبحانه يهدي لنوره الذي هو طريق الجنة من يشاء وشبهه بقوله: { أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ } تفسير : [الحديد: 12] وزيف القاضي عبد الجبار هذين الجوابين أما الأول: فلأن الكلام المتقدم هو في ذكر الآيات المنزلة فإذا حلمناه على الهدى دخل الكل فيه وإذا حملناه على الزيادة لم يدخل فيه إلا البعض، وإذا حمل على طريق الجنة لا يكون داخلاً فيه أصلاً إلا من حيث المعنى لا من حيث اللفظ ولما زيف هذين الجوابين، قال الأولى أن يقال إنه تعالى هدى بذلك البعض دون البعض وهم الذين بلغهم حد التكليف. واعلم أن هذا الجواب أضعف من الجوابين الأولين، لأن قوله: {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ } يفهم منه أن هذه الآيات مع وضوحها لا تكفي، وهذا لا يتناول الصبي والمجنون فسقط ما قالوه. المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ } والمراد للمكلفين من الناس وهو النبي ومن بعث إليه، فإنه سبحانه ذكر ذلك في معرض النعمة العظيمة، واستدلت المعتزلة به فقالوا إنما يكون ذلك نعمة عظيمة لو أمكنهم الانتفاع به، ولو كان الكل بخلق الله تعالى لما تمكنوا من الانتفاع به، وجوابه ما تقدم، ثم بين أنه سبحانه {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } وذلك كالوعيد لمن لا يعتبر ولا يتفكر في أمثاله ولا ينظر في أدلته فيعرف وضوحها وبعدها عن الشبهات.
القرطبي
تفسير : النور في كلام العرب: الأضواء المدركة بالبصر. واستعمل مجازاً فيما صح من المعاني ولاح؛ فيقال منه: كلام له نور. ومنه الكتاب المنير، ومنه قول الشاعر:شعر : نسب كأن عليه من شمس الضحا نوراً ومن فلق الصباح عمودا تفسير : والناس يقولون: فلان نور البلد، وشمس العصر وقمره. قال:شعر : فـإنـك شـمـس والمــلوك كـواكـبٌ تفسير : وقال آخر:شعر : هلا خصصت من البلاد بمقصد قمرَ القبائل خالدَ بن يزيد تفسير : وقال آخر:شعر : إذا سار عبد الله من مَرْوَ ليلةً فقد سار منها نورها وجمالها تفسير : فيجوز أن يقال: لله تعالى نور، من جهة المدح لأنه أوجد الأشياء، ونورُ جميع الأشياء منه ابتداؤها وعنه صدورها، وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة جلّ وتعالى عما يقول الظالمون عُلُوًّا كبيراً. وقد قال هشام الجوالقي وطائفة من الْمُجَسِّمة: هو نور لا كالأنوار، وجسم لا كالأجسام. وهذا كله محال على الله تعالى عقلاً ونقلاً على ما يعرف في موضعه من علم الكلام. ثم إن قولهم متناقض؛ فإن قولهم جسم أو نور حكمٌ عليه بحقيقة ذلك، وقولهم لا كالأنوار ولا كالأجسام نفيٌ لما أثبتوه من الجسمِيّة والنور؛ وذلك متناقض، وتحقيقه في علم الكلام. والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها منها هذه الآية، «حديث : وقوله عليه السلام إذا قام من الليل يتهجّد: «اللَّهُمَّ لك الحمد أنت نور السموات والأرض»». حديث : وقال عليه السلام وقد سئل: هل رأيت ربّك؟ فقال: «رأيت نوراً»»تفسير : . إلى غير ذلك من الأحاديث. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية؛ فقيل: المعنى أي به وبقدرته أنارت أضواؤها، واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها. فالكلام على التقريب للذهن؛ كما يقال: الملِك نور أهل البلد؛ أي به قِوام أمرها وصلاحُ جملتها؛ لجَرَيان أموره على سنن السّداد. فهو في الملِك مجاز، وهو في صفة الله حقيقة محضة؛ إذ هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل نوراً هادياً؛ لأن ظهور الموجود به حصل كما حصل بالضّوْء ظهور المبصَرات، تبارك الله تعالى لا ربّ غيره. قال معناه مجاهد والزهري وغيرهما. قال ابن عرفة: أي منوّر السموات والأرض. وكذا قال الضحاك والقُرَظي. كما يقولون: فلان غياثنا؛ أي مغيثنا. وفلان زادي، أي مزوّدي. قال جرير:شعر : وأنت لنا نور وغَيْث وعِصْمة ونبْتٌ لمن يرجو نَداك ورِيقُ تفسير : أي ذو وَرَق. وقال مجاهد: مدبّر الأمور في السموات والأرض. أُبَيّ بن كعب والحسن وأبو العاليَة: مزيّن السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزيّنُ الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقال ابن عباس وأنس: المعنى الله هادي أهل السموات والأرض. والأول أعمّ للمعاني وأصح مع التأويل. قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ} أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن؛ والدلائل تسمى نوراً. وقد سمَّى الله تعالى كتابه نُوراً فقال: {أية : وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 174] وسمى نبيّه نوراً فقال: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة: 15]. وهذا لأن الكتاب يهدي ويبيّن، وكذلك الرسول. ووجه الإضافة إلى الله تعالى أنه مثبت الدلالة ومبيِّنها وواضعها. وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثّل به، بل وقع التشبيه فيه جملة بجملة، وذلك أن يريد مَثَل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة، كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة، التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس؛ فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر. والمِشْكاة: الكَوّة في الحائط غير النافذة؛ قاله ابن جبير وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، والمصباحُ فيها أكثر إنارة منه في غيرها، وأصلها الوعاء يجعل فيه الشيء. والمشكاة وعاء من أَدَم كالدَّلْو يبرّد فيها الماء؛ وهو على وزن مِفعلة كالمِقراة والمِصْفاة. قال الشاعر:شعر : كأن عَيْنيه مِشكاتان في حجر قِيضا اقتياضا بأطراف المناقير تفسير : وقيل: المِشْكاة عمود القِنديل الذي فيه الفتِيلة. وقال مجاهد: هي القنديل. وقال «في زجاجة» لأنه جسم شفاف، والمصباح فيه أنور منه في غير الزجاج. والمصباح: الفتيل بناره. {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} أي في الإنارة والضوء. وذلك يحتمل معنيين: إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك، وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك. وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور. قال الضحاك: الكوكب الدُّرِّي هو الزُّهرة. قوله تعالى: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} أي من زيت شجرة، فحذف المضاف. والمباركة المُنَمّاة؛ والزيتون من أعظم الثمار نَماء، والرمان كذلك. والعيان يقتضي ذلك. وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أميّة بن عبد شمس:شعر : ليتَ شِعْرِي مسافِرَ بن أبي عمـ ـرو وليتٌ يقولها المحزونُ بورك الميْت الغريب كما بُو رِك نبعُ الرمان والزيتونُ تفسير : وقيل: من بركتهما أن أغصانهما تُورق من أسفلها إلى أعلاها. وقال ابن عباس: في الزيتون منافع، يُسرج بالزيت، وهو إدام ودِهان ودِباغ، ووَقود يوقد بحطبه وتُفْله، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة، حتى الرَّماد يغسل به الإِبْرِيسِم. وهي أول شجرة نبتت في الدنيا، وأوّل شجرة نبتت بعد الطوفان، وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيًّا بالبركة؛ منهم إبراهيم، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اللَّهُمَّ بارك في الزيت والزيتون»تفسير : . قاله مرتين. قوله تعالى: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} اختلف العلماء في قوله تعالى: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم: الشرقية التي تصيبها الشمس إذا شَرَقت ولا تصيبها إذا غَرَبت؛ لأن لها ستراً. والغربِيّة عكسها؛ أي أنها شجرة في صحراء ومنكشف من الأرض لا يواريها عن الشمس شيء وهو أجود لزَيْتِها، فليست خالصة للشرق فتسمَّى شرقية ولا للغرب فتسمَّى غربِيّة، بل هي شرقية غربية. وقال الطبري عن ابن عباس: إنها شجرة في دَوْحة قد أحاطت بها؛ فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب. قال ابن عطية: وهذا قول لا يصح عن ابن عباس؛ لأن الثمرة التي بهذه الصفة يفسد جناها، وذلك مشاهد في الوجود. وقال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، وإنما هو مَثَل ضربه الله تعالى لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إمّا شرقية وإمّا غربية. الثعلبيّ: وقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا؛ لأنها بدل من الشجرة، فقال: «زيتونة». وقال ابن زيد: إنها من شجر الشأم؛ فإن شجر الشأم لا شرقيّ ولا غربيّ، وشجر الشأم هو أفضل الشجر، وهي الأرض المباركة. و«شرقيةٍ» نعت لـ«ـزيتونَةٍ» و«لا» ليست تحول بين النعت والمنعوت، «ولا غربية» عطف عليه. قوله تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} مبالغة في حسنه وصفائه وجودته. {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} أي اجتمع في المِشكاة ضوء المصباح إلى ضوء الزجاجة وإلى ضوء الزيت فصار لذلك نور على نور. واعتقلت هذه الأنوار في المشكاة فصارت كأنور ما يكون؛ فكذلك براهين الله تعالى واضحة، وهي برهان بعد برهان، وتنبيه بعد تنبيه؛ كإرساله الرسل وإنزاله الكتب، ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر. ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده، وذكر تفضله للعباد في ضرب الأمثال لتقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان. وقرأ عبد الله بن عَيّاش بن أبي ربيعة وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ «اللَّهُ نَوّر» بفتح النون والواو المشدّدة. واختلف المتأوّلون في عود الضمير في «نوره» على من يعود؛ فقال كعب الأحبار وابن جُبير: هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي مَثَل نور محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن الأنبارِيّ: «الله نور السموات والأرض» وقف حسن، ثم تبتدىء «مَثَلُ نورِه كمشكاة فيها مِصبَاحٌ» على معنى نور محمد صلى الله عليه وسلم. وقال أُبَيّ بن كعب وابن جبير أيضاً والضحاك: هو عائد على المؤمنين. وفي قراءة أُبَيّ «مثل نور المؤمنين». وروي أن في قراءته «مثل نور المؤمن». وروي أن فيها «مثل نور من آمن به». وقال الحسن: هو عائد على القرآن والإيمان. قال مكِّيّ: وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله: «والأرض». قال ابن عطية: وهذه الأقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر، وفيها مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثَّل؛ فعلى من قال: الممثّل به محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قول كَعْب الحبر فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو المشكاة أو صدره، والمصباح هو النبوّة وما يتصل بها من عمله وهداه، والزجاجة قلبه، والشجرة المباركة هي الوحي، والملائكة رسل الله إليه وسببه المتصل به، والزيت هو الحجج والبراهين والآيات التي تضمّنها الوَحْي. ومن قال: الممثّل به المؤمن، وهو قول أُبَيّ؛ فالمشكاة صدره، والمصباح الإيمان والعلم، والزجاجة قلبه، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمّنها. قال أُبَيّ: فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحيّ يمشي في قبور الأموات. ومن قال: إن الممثّل به هو القرآن والإيمان؛ فتقدير الكلام: مثل نوره الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه كمشكاة؛ أي كهذه الجملة. وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين؛ لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان. وقالت طائفة: الضمير في «نوره» عائد على الله تعالى. وهذا قول ابن عباس فيما ذكر الثعلبِيّ والماوَرْدِيّ والمهدوِيّ، وقد تقدّم معناه. ولا يوقف على هذا القول على «الأرض». قال المهدوِيّ: الهاء لله عز وجل؛ والتقدير: الله هادي أهل السموات والأرض، مَثَل هداه في قلوب المؤمنين كمِشْكاة؛ وروي ذلك عن ابن عباس. وكذلك قال زيد بن أسلم، والحسن: إن الهاء لله عز وجل. وكان أُبَيّ وابن مسعود يقرأانها «مثلُ نُوره في قلب المؤمن كمشكاة». قال محمد بن علي الترمذي: فأما غيرهما فلم يقرأها في التنزيل هكذا، وقد وافقهما في التأويل أن ذلك نوره في قلب المؤمن، وتصديقه في آية أخرى يقول: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} تفسير : [الزمر: 22]. واعتلّ الأوّلون بأن قالوا: لا يجوز أن يكون الهاء لله عز وجل؛ لأن الله عز وجل لا حدّ لنوره. وأمال الكسائيّ فيما روى عنه أبو عمر الدُّورِيّ الألف من «مشكاة» وكَسر الكاف التي قبلها. وقرأ نصر بن عاصم «زَجاجة» بفتح الزاي و«الزَّجاجة» كذلك، وهي لغة. وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم «دُرّي» بضم الدال وشد الياء، ولهذه القراءة وجهان: إمّا أن ينسب الكوكب إلى الدُّرّ لبياضه وصفائه، وإمّا أن يكون أصله دُرِّيء مهموز، فُعِّيل من الدَّرء وهو الدفع، وخُفّفت الهمزة. ويقال للنجوم العظام التي لا تعرف أسماؤها: الدَّراري، بغير همز؛ فلعلّهم خفّفوا الهمزة، والأصل من الدَّرء الذي هو الدفع. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم «دُرّيء» بالهمز والمد، وهو فُعِّيل من الدَّرء؛ بمعنى أنها يدفع بعضُها بعضاً. وقرأ الكسائي وأبو عمرو «دِرّيء» بكسر الدال والهمز من الدرء والدفع؛ مثل السِّكّير والفِسِّيق. قال سيبويه: أي يدفع بعض ضوئه بعضاً من لمعانه. قال النحاس: وضعّف أبو عبيد قراءة أبي عمرو والكسائي تضعيفاً شديداً، لأنه تأوّلها من درأت أي دفعت؛ أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق. وإذا كان التأويل على ما تأوله لم يكن في الكلام فائدة، ولا كان لهذا الكوكب مزية على أكثر الكواكب؛ ألا ترى أنه لا يقال جاءني إنسان من بني آدم. ولا ينبغي أن يتأول لمثل أبي عمرو والكسائي مع علمهما وجلالتهما هذا التأويل البعيد، ولكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ذلك: كوكب مندفع بالنور؛ كما يقال: اندرأ الحريق أي اندفع. وهذا تأويل صحيح لهذه القراءة. وحكى سعيد بن مَسْعدة أنه يقال: درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا. وقال الجوهري في الصّحاح: ودرأ علينا فلان يدرأ دروءاً أي طلع مفاجأة. ومنه كوكب دِرّيء، على فِعّيل؛ مثل سِكير وخِمير؛ لشدّة توقده وتلألئه. وقد درأ الكوكب دروءاً. وقال أبو عمرو بن العلاء: سألت رجلاً من سعد بن بكر من أهل ذات عِرْق فقلت: هذا الكوكب الضخم ما تُسمُّونه؟ قال: الدِّرّيء، وكان من أفصح الناس. قال النحاس: فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعاً قالوا: هي لحن لا تجوز، لأنه ليس في كلام العرب اسم على فُعِّيل. وقد اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال: ليس هو فُعِّيل وإنما هو فُعُّول، مثل سُبُّوح، أبدل من الواو ياء؛ كما قالوا: عُتيٌّ. قال أبو جعفر النحاس: وهذا الاعتراض والاحتجاج من أعظم الغلط وأشدّه؛ لأن هذا لا يجوز ألْبَتَّة، ولو جاز ما قال لقيل في سُبّوح سُبّيح. وهذا لا يقوله أحد، وليس عُتيّ من هذا، والفرق بينهما واضح بَيّن؛ لأنه ليس يخلو عُتِي من إحدى جهتين: إما أن يكون جمع عاتٍ فيكون البدل فيه لازماً، لأن الجمع باب تغيير، والواو لا تكون طرفاً في الأسماء وقبلها ضمة، فلما كان قبل هذه ساكن وقبل الساكن ضمة والساكن ليس بحاجز حصِين أبدل من الضمة كسرة فقلبت الواو ياء. وإن كان عُتِيّ واحداً كان بالواو أوْلى، وجاز قلبها لأنها طرف، والواو في فُعول ليست طرفاً فلا يجوز قلبها. قال الجوهري: قال أبو عبيد إن ضممت الدال قلت دُرِّيّ، يكون منسوباً إلى الدر، على فُعْلِيّ ولم تهمزه لأنه ليس في كلام العرب فُعّيل. ومن همزه من القراء فإنما أراد فُعُّولاً مثل سُبّوح فاستثقل لكثرة الضمّات فردّ بعضه إلى الكسر. وحكى الأخفش عن بعضهم «دَرِّيء» من درأتُه، وهمزها وجعلها على فَعِّيل مفتوحة الأوّل. قال: وذلك من تلألئه. قال الثعلبِيّ: وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رَجاء «دَرّيء» بفتح الدال مهموزاً. قال أبو حاتم: هذا خطأ لأنه ليس في الكلام فَعّيل؛ فإن صح عنهما فهما حجة. {يُوقَدُ} قرأ شيبة ونافع وأيوب وسلام وابن عامر وأهل الشام وحفص «يُوقد» بياء مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال. وقرأ الحسن والسُّلَمِيّ وأبو جعفر وأبو عمرو بن العلاء البصري «تَوَقَّد» مفتوحة الحروف كلها مشدّدة القاف، واختارها أبو حاتم وأبو عبيد. قال النحاس: وهاتان القراءتان متقاربتان؛ لأنهما جميعاً للمصباح، وهو أشبه بهذا الوصف؛ لأنه الذي ينير ويضيء، وإنما الزجاجة وعاء له. و«تَوَقَّدَ» فعل ماض من تَوَقّد يتوقّد، ويُوقَد فعل مستقبل من أوقِد يُوقَد. وقرأ نصر بن عاصم «تَوَقَّدَ» والأصل على قراءته تتوقد حذف إحدى التاءين لأن الأخرى تدل عليها. وقرأ الكوفيون «تُوقَد» بالتاء يعنون الزجاجة. فهاتان القراءتان على تأنيث الزجاجة. {مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} تقدم القول فيه. {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} على تأنيث النار. وزعم أبو عبيد أنه لا يعرف إلا هذه القراءة. وحكى أبو حاتم أن السُّدِّي روى عن أبي مالك عن ابن عباس أنه قرأ «ولَوْ لم يمسسه نار» بالياء. قال محمد بن يزيد: التذكير على أنه تأنيث غير حقيقي، وكذا سبيل المؤنث عنده. وقال ابن عمر: المشكاة جَوْف محمد صلى الله عليه وسلم، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه يوقد من شجرة مباركة؛ أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته؛ فأوقد الله تعالى في قلب محمد صلى الله عليه وسلم النور كما جعله في قلب إبراهيم عليه السلام. قال محمد بن كعب: المشكاة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل، والمصباح محمد صلوات الله عليهم أجمعين؛ سمّاه الله تعالى مصباحاً كما سماه سراجاً فقال: {أية : وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} تفسير : [الأحزاب: 46] يوقد من شجرة مباركة وهي آدم عليه السلام، بُورك في نسله وكَثُر منه الأنبياء والأولياء. وقيل: هي إبراهيم عليه السلام، سمّاه الله تعالى مباركاً لأن أكثر الأنبياء كانوا من صُلْبه. {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} أي لم يكن يهودِيًّا ولا نصرانياً وإنما كان حَنِيفاً مسلماً. وإنما قال ذلك لأن اليهود تصلِّي قِبَل المغرب والنصارى تصلِّي قبل المشرق. {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ} أي يكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن أوحى الله تعالى إليه. {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} نَبِيٌّ من نَسْل نبيّ. وقال الضحاك: شبه عبد المطلب بالمِشكاة وعبد الله بالزجاجة والنبيّ صلى الله عليه وسلم بالمصباح كان في قلبهما، فورث النبوّة من إبراهيم. {مِن شَجَرَةٍ} أي شجرة التُّقَى والرضوان وعشيرة الهدى والإيمان، شجرة أصلها نبوّة، وفرعها مروءة، وأغصانها تنزيل، وورقها تأويل، وخدمها جبريل وميكائيل. قال القاضي أبو بكر ابن العربي: ومن غريب الأمر أن بعض الفقهاء قال إن هذا مَثَل ضربه الله تعالى لإبراهيم ومحمد ولعبد المطلب وابنه عبد الله؛ فالمشكاة هي الكوّة بلغة الحبشة، فشبّه عبد المطلب بالمشكاة فيها القِنديل وهو الزجاجة، وشبّه عبد الله بالقِنديل وهو الزجاجة؛ ومحمد كالمصباح يعني من أصلابهما، وكأنه كوكب دُرِّيٌّ وهو المشتَرِي «يوقد من شجرة مباركة» يعني إرْث النبوّة من إبراهيم عليه السلام هو الشجرة المباركة، يعني حنِيفِيّة لا شرقيّة ولا غربية، لا يهودية ولا نصرانية. «يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار» يقول: يكاد إبراهيم يتكلم بالوحي من قبل أن يوحَى إليه. «نُورٌ على نور» إبراهيم ثم محمد صلى الله عليه وسلم. قال القاضي: وهذا كله عدول عن الظاهر، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه. قلت: وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأوّل، وأن هذا مَثَل ضربه الله تعالى لنوره، ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلاً تنبيهاً لخلقه إلا ببعض خلقه، لأن الخلق لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم، ولولا ذلك ما عَرف الله إلاّ الله وحده، قاله ابن العربي. قال ابن عباس: هذا مَثَل نور الله وهُداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإن مسّته النار زاد ضوؤه، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم زاده هُدًى على هدًى ونوراً عل نور؛ كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة: «هذا رَبِّي»، من قبل أن يخبره أحد أن له رَبًّا؛ فلما أخبره الله أنه ربُّه زاد هُدًى، فـقال له رَبُّه: {أية : قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة: 131]. ومن قال إن هذا مَثَل للقرآن في قلب المؤمن قال: كما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص فكذلك القرآن يُهتدَى به ولا ينقص؛ فالمصباح القرآن، والزجاجة قلب المؤمن، والمِشْكاة لسانه وفهمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي. {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} تكاد حجج القرآن تتّضِح ولو لم يقرأ. {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} يعني أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه، مع ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نوراً على نور. ثم أخبر أن هذا النور المذكور عزيز، وأنه لا يناله إلا من أراد الله هداه فقال: {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} أي يبيِّن الأشباه تقريباً إلى الأفهام. {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} أي بالمهدِيّ والضّال. وروي عن ابن عباس أن اليهود قالوا: يا محمد، كيف يَخْلُص نور الله تعالى من دون السماء؛ فضرب الله تعالى ذلك مثلا لنوره.
ابن كثير
تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} يقول: هادي أهل السموات والأرض. قال ابن جريج: قال مجاهد وابن عباس في قوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} يدبر الأمر فيهما؛ نجومهما وشمسهما وقمرهما. وقال ابن جرير: حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي، حدثنا وهب بن راشد عن فرقد عن أنس بن مالك قال: إن الله يقول: نوري هداي. واختار هذا القول ابن جرير رحمه الله. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب في قوله تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} قال: هو المؤمن الذي جعل الله الإيمان والقرآن في صدره، فضرب الله مثله فقال: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} فبدأ بنور نفسه، ثم ذكر نور المؤمن فقال: مثل نور من آمن به، قال: فكان أبيّ بن كعب يقرؤها: (مثل نور من آمن به) فهو المؤمن، جعل الإيمان والقرآن في صدره، وهكذا قال سعيد بن جبير وقيس بن سعد عن ابن عباس أنه قرأها كذلك: (مثل نور من آمن بالله) وقرأ بعضهم: (ٱللَّهُ منور ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ) وعن الضحاك: {الله نَوَّرَ السموات والأرض}. وقال السدي في قوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} فبنوره أضاءت السموات والأرض. وفي الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق في "السيرة" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في دعائه يوم آذاه أهل الطائف: «حديث : أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي غضبك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله» تفسير : وفي "الصحيحين" عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول: «حديث : اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيّم السموات والأرض ومن فيهن» تفسير : الحديث، وعن ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه. وقوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ} في هذا الضمير قولان: (أحدهما) أنه عائد إلى الله عز وجل، أي: مثل هداه في قلب المؤمن، قاله ابن عباس، {كَمِشْكَاةٍ} (والثاني) أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام، تقديره: مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة، فشبه قلب المؤمن، وما هو مفطور عليه من الهدى، وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه؛ كما قال تعالى: {أية : أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} تفسير : [هود: 17] فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري، وما يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف، فقوله: {كَمِشْكَاةٍ} قال ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغير واحد: هو موضع الفتيلة من القنديل، هذا هو المشهور، ولهذا قال بعده: {فِيهَا مِصْبَاحٌ} وهو الذُبالة التي تضيء. وقال العوفي عن ابن عباس قوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} وذلك أن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل (ذلك) لنوره، فقال: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} والمشكاة: كوة في البيت، قال: وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى الله طاعته نوراً، ثم سماها أنواعاً شتى، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: هي الكوة بلغة الحبشة، وزاد بعضهم فقال: المشكاة: الكوة التي لا منفذ لها، وعن مجاهد المشكاة: الحدائد التي يعلق بها القنديل، والقول الأول أولى، وهو أن المشكاة هو موضع الفتيلة من القنديل، ولهذا قال: {فِيهَا مِصْبَاحٌ} وهو النور الذي في الذُّبالة، قال أبيّ بن كعب: المصباح: النور، وهو القرآن والإيمان الذي في صدره، وقال السدي: هو السراج {ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ} أي: هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية، وقال أبيّ بن كعب وغير واحد: وهي نظير قلب المؤمن {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ} قرأ بعضهم بضم الدال من غير همزة، من الدر، أي: كأنها كوكب من درّ، وقرأ آخرون: دريء ودريء بكسر الدال وضمها مع الهمزة، من الدرء، وهو الدفع، وذلك أن النجم إذا رمي به، يكون أشد استنارة من سائر الأحوال، والعرب تسمي مالا يعرف من الكواكب دراري، قال أبيّ بن كعب: كوكب مضيء، وقال قتادة: مضيء مبين ضخم {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ} أي: يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة {زَيْتُونَةٍ} بدل أو عطف بيان {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} أي: ليست في شرقي بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار، ولا في غربيها فيقلص عنها الفيء قبل الغروب، بل هي في مكان وسط تفرعه الشمس من أول النهار إلى آخره، فيجيء زيتها صافياً معتدلاً مشرقاً. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، أخبرنا عمرو بن أبي قيس عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} قال: هي شجرة بالصحراء، لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف، ولا يواريها شيء، وهو أجود لزيتها. وقال يحيى بن سعيد القطان عن عمران بن حدير عن عكرمة في قوله تعالى: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} قال: هي بصحراء، وذلك أصفى لزيتها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن فروخ عن حبيب بن الزبير عن عكرمة، وسأله رجل عن قوله تعالى: {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} قال: تلك بأرض فلاة، إذا أشرقت الشمس أشرقت عليها، فإذا غربت، غربت عليها، فذلك أصفى ما يكون من الزيت. وقال مجاهد في قوله تعالى: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} قال: ليست بشرقية لا تصيبها الشمس إذا غربت، ولا غربية لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولكنها شرقية وغربية تصيبها إذا طلعت وإذا غربت. وعن سعيد بن جبير في قوله: {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} قال: هو أجود الزيت، قال إذا طلعت الشمس أصابتها من صوب المشرق، فإذا أخذت في الغروب أصابتها الشمس، فالشمس تصيبها بالغداة والعشي، فتلك لا تعد شرقية ولا غربية. وقال السدي: قوله: {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} يقول: ليست بشرقية يحوزها المشرق، ولا غربية يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنها على رأس جبل، أو في صحراء، تصيبها الشمس النهار كله. وقيل: المراد بقوله تعالى: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} أنها في وسط الشجر، ليست بادية للمشرق، ولا للمغرب. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب في قول الله تعالى: {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} قال: هي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت. قال: فكذلك هذا المؤمن، قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد ابتلي بها، فيثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال: إن قال صدق، وإن حكم عدل، وإن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات، قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في قوله: {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} قال: هي وسط الشجر، لا تصيبها شرقاً ولا غرباً، وقال عطية العوفي: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} قال: هي شجرة في موضع من الشجر، يرى ظل ثمرها في ورقها، وهذه من الشجر لا تطلع عليها الشمس ولا تغرب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، حدثنا عمرو بن أبي قيس عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} ليست شرقية: ليس فيها غرب، ولا غربية: ليس فيها شرق، ولكنها شرقية غربية، وقال محمد بن كعب القرظي: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} قال: هي القبلية، وقال زيد بن أسلم: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} قال: الشام، وقال الحسن البصري: لو كانت هذه الشجرة في الأرض، لكانت شرقية أو غربية، ولكنه مثل ضربه الله تعالى لنوره، وقال الضحاك عن ابن عباس: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ} قال رجل صالح: {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} قال: لا يهودي ولا نصراني، وأولى هذه الأقوال القول الأول، وهو أنها في مستوى من الأرض في مكان فسيح باد ظاهر ضاح للشمس، تفرعه من أول النهار إلى آخره؛ ليكون ذلك أصفى لزيتها وألطف؛ كما قال غير واحد ممن تقدم، ولهذا قال تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: لضوء إشراق الزيت. وقوله تعالى: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} قال العوفي عن ابن عباس: يعني بذلك إيمان العبد وعمله، وقال مجاهد والسدي: يعني: نور النار ونور الزيت، وقال أبيّ بن كعب {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة. وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} قال: يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يبين للناس، ولو لم يتكلم أنه نبي؛ كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء. وقال السدي في قوله تعالى: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} قال: نور النار، ونور الزيت، حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه؛ كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا، فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه. وقوله تعالى: {يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} أي: يرشد الله إلى هدايته من يختاره؛ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن زيد عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ، فمن أصاب من نوره يومئذ، اهتدى، ومن أخطأ، ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله عز وجل».تفسير : (طريق أخرى عنه) قال البزار: حدثنا أيوب عن سويد عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم نوراً من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل» تفسير : ورواه البزار عن عبد الله بن عمرو من طريق آخر بلفظه وحروفه. وقوله تعالى: {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلَيِمٌ} لما ذكر تعالى هذا مثلاً لنور هداه في قلب المؤمن، ختم الآية بقوله: {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلَيِمٌ} أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية يعني شيبان عن ليث عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد: فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق، عرف، ثم أنكر، وأما القلب المصفح، فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم والقيح، فأي المدتين غلبت على الأخرى، غلبت عليه» تفسير : إسناده جيد ولم يخرجوه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أي مُنَوِّرهما بالشمس والقمر {مَثَلُ نُورِهِ } أي صفته في قلب المؤمن {كَمِشْكَٰوةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ } هي القنديل والمصباح السراج أي: الفتيلة الموقودة، والمشكاة الطاقة غير النافذة، أي الأنبوبة في القنديل {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا } والنور فيها {كَوْكَبٌ دُرّىٌّ } أي مضيء بكسر الدال وضمها من الدرء بمعنى الدفع لدفعها الظلام، وبضمها وتشديد الياء منسوب إلى الدرّ: اللؤلؤ {يُوقَّدُ} المصباح بالماضي، وفي قراءة بمضارع أَوْقد مَبْنِيّاً للمفعول بالتحتانية وفي أخرى «تُوقَدُ» بالفوقانية، أي الزجاجة { مِنْ } زيت {شَجَرَةٍ مُّبَٰرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } بل بينهما فلا يتمكن منها حرّ ولا برد مضرين {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } لصفائه {نُورٌ } به {عَلَىٰ نُورٍ } بالنار، ونور الله: أي هداه للمؤمن نور على نور الإِيمان {يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ } أي دين الإِسلام {مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ } يبيِّن {ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ } تقريباً لأفهامهم ليعتبروا فيؤمنوا {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ومنه ضرب الأمثال.
الشوكاني
تفسير : لما بيّن سبحانه من الأحكام ما بين أردف ذلك بكونه سبحانه في غاية الكمال، فقال {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}، وهذه الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها، والاسم الشريف مبتدأ، و{نور السمٰوات والأرض} خبره، إما على حذف مضاف، أي: ذو نور السموات، والأرض، أو لكون المراد المبالغة في وصفه سبحانه بأنه نور لكمال جلاله، وظهور عدله، وبسطه أحكامه، كما يقال: فلان نور البلد، وقمر الزمن، وشمس العصر، ومنه قول النابغة:شعر : فإنك شمس والملوك كواكب إذا ظهرت لم يبق منهن كوكب تفسير : وقول الآخر:شعر : هلا قصدت من البلاد لمفضل قمر القبائل خالد بن يزيد تفسير : ومن ذلك قول الشاعر:شعر : إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالها تفسير : وقول الآخر:شعر : نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا تفسير : ومعنى النور في اللغة: الضياء، وهو الذي يبين الأشياء، ويري الأبصار حقيقة ما تراه، فيجوز إطلاق النور على الله سبحانه على طريقة المدح، ولكونه أوجد الأشياء المنوّرة، وأوجد أنوارها، ونوّرها، ويدلّ على هذا المعنى قراءة زيد بن عليّ، وأبي جعفر، وعبد العزيز المكي {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} على صيغة الفعل الماضي، وفاعله ضمير يرجع إلى الله، والسماوات مفعوله؛ فمعنى {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إنه سبحانه صيرهما منيرتين باستقامة أحوال أهلهما، وكمال تدبيره عزّ وجلّ لمن فيهما، كما يقال: الملك نوّر البلد، هكذا قال الحسن، ومجاهد، والأزهري، والضحاك، والقرظي، وابن عرفة، وابن جرير، وغيرهم، ومثله قول الشاعر:شعر : وأنت لنا نور وغيث وعصمة ونبت لمن يرجو نداك وريف تفسير : وقال هشام الجواليقي، وطائفة من المجسمة: إنه سبحانه نور لا كالأنوار، وجسم لا كالأجسام، وقوله: {مَثَلُ نُورِهِ } مبتدأ، وخبره: {كَمِشْكَاةٍ } أي: صفة نوره الفائض عنه، الظاهر على الأشياء كمشكاة، والمشكاة الكوّة في الحائط غير النافذة، كذا حكاه الواحدي عن جميع المفسرين، وحكاه القرطبي عن جمهورهم. ووجه تخصيص المشكاة: أنها أجمع للضوء الذي يكون فيه من مصباح، أو غيره، وأصل المشكاة: الوعاء يجعل فيه الشيء. وقيل: المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة. وقال مجاهد: هي القنديل. والأوّل أولى، ومنه قول الشاعر:شعر : كأن عينيه مشكاتان في جحر تفسير : ثم قال {فِيهَا مِصْبَاحٌ } وهو السراج {ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ } قال الزجاج: النور في الزجاج، وضوء النار أبين منه في كل شيء، وضوؤه يزيد في الزجاج، ووجه ذلك: أن الزجاج جسم شفاف يظهر فيه النور أكمل ظهور. ثم وصف الزجاجة، فقال: {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّيٌّ } أي: منسوب إلى الدرّ لكون فيه من الصفاء والحسن ما يشابه الدرّ. وقال الضحاك: الكوكب الدرّي الزهرة. قرأ أبو عمرو "دِريّ" بكسر الدال. قال أبو عمرو: لم أسمع أعرابياً يقول: إلاّ كأنه كوكب درّيّ بكسر الدال، أخذوه من درأت النجوم تدرأ إذا اندفعت. وقرأ حمزة بضم الدال مهموزاً، وأنكره الفراء والزجاج والمبرد. وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا تهمز، لأنه ليس في كلام العرب. والدّراري: هي المشهورة من الكواكب كالمشتري، والزهري، والمريخ، وما يضاهيها من الثوابت. ثم وصف المصباح بقوله: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } و«من» هذه هي الابتدائية: أي: ابتداء إيقاد المصباح منها، وقيل: هو على تقدير مضاف، أي: يوقد من زيت شجرة مباركة، والمباركة: الكثيرة المنافع. وقيل المنماة، والزيتون من أعظم الثمار نماء، ومنه قول أبي طالب، يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس:شعر : ليت شعري مسافر بن أبي عمرو وليت يقولها المحزون بورك الميت الغريب كما بورك نبع الرمان والزيتون تفسير : قيل: ومن بركتها أن أغصانها تورق من أسفلها إلى أعلاها، وهي إدام، ودهان، ودباغ، ووقود، وليس فيها شيء إلاّ وفيه منفعة، ثم وصفها بأنها {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ }. وقد اختلف المفسرون في معنى هذا الوصف، فقال عكرمة، وقتادة، وغيرهم: إن الشرقية هي التي تصيبها الشمس إذا شرقت، ولا تصيبها إذا غربت. والغربية هي التي تصيبها إذا غربت، ولا تصيبها إذا شرقت. وهذه الزيتونة هي في صحراء بحيث لا يسترها عن الشمس شيء لا في حال شروقها، ولا في حال غروبها، وما كانت من الزيتون هكذا، فثمرها أجود. وقيل: إن المعنى: إنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها، فهي غير منكشفة من جهة الشرق، ولا من جهة الغرب، حكى هذا ابن جرير عن ابن عباس. قال ابن عطية: وهذا لا يصح عن ابن عباس، لأن الثمرة التي بهذه الصفة يفسد جناها، وذلك مشاهد في الوجود. ورجح القول الأوّل الفراء، والزجاج. وقال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية. قال الثعلبي: قد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا، لأن قوله: {زَيْتُونَةٍ } بدل من قوله: {شَجَرَةٍ }. قال ابن زيد: إنها من شجر الشام، فإن الشام لا شرقيّ، ولا غربيّ، والشام هي الأرض المباركة. وقد قرىء "توقد" بالتاء الفوقية على أن الضمير راجع إلى الزجاجة دون المصباح، وبها قرأ الكوفيون. وقرأ شيبة ونافع وأيوب وسلام وابن عامر وأهل الشام وحفص: {يُوقَدُ} بالتحتية مضمومة، وتخفيف القاف، وضم الدال. وقرأ الحسن، والسلمي، وأبو عمرو بن العلاء، وأبو جعفر "توقد" بالفوقية مفتوحة، وفتح الواو، وتشديد القاف، وفتح الدال على أنه فعل ماض من توقد يتوقد، والضمير في هاتين القراءتين راجع إلى المصباح. قال النحاس: وهاتان القراءتان متقاربتان لأنهما جميعاً للمصباح، وهو أشبه بهذا الوصف لأنه الذي ينير ويضيء، وإنما الزجاجة وعاء له. وقرأ نصر بن عاصم كقراءة أبي عمرو ومن معه إلاّ أنه ضم الدال على أنه فعل مضارع، وأصله تتوقد. ثم وصف الزيتونة بوصف آخر، فقال: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } قرأ الجمهور {تمسسه} بالفوقية، لأن النار مؤنثة. قال أبو عبيد: إنه لا يعرف إلاّ هذه القراءة. وحكى أبو حاتم: أن السدّي روى عن أبي مالك، عن ابن عباس: أنه قرأ «يمسسه» بالتحتية لكون تأنيث النار غير حقيقي. والمعنى: أن هذا الزيت في صفائه وإنارته يكاد يضيء بنفسه من غير أن تمسه النار أصلاً، وارتفاع {نُورٍ } على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو نور، و{عَلَىٰ نُورٍ } متعلق بمحذوف، هو صفة لنور مؤكدة له، والمعنى: هو نور كائن على نور. قال مجاهد: والمراد النار على الزيت. وقال الكلبي: المصباح نور، والزجاجة نور. وقال السديّ: نور الإيمان، ونور القرآن {يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء } من عباده أي: هداية خاصة موصلة إلى المطلوب، وليس المراد بالهداية هنا مجرّد الدلالة {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ } أي: يبين الأشياء بأشباهها، ونظائرها تقريباً لها إلى الأفهام وتسهيلاً لإدراكها، لأن إبراز المعقول في هيئة المحسوس، وتصويره بصورته يزيده وضوحاً وبياناً {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } لا يغيب عنه شيء من الأشياء معقولاً كان أو محسوساً، ظاهراً، أو باطناً. واختلف في قوله {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ } بما هو متعلق؛ فقيل: متعلق بما قبله أي: كمشكاة في بعض بيوت الله، وهي المساجد، كأنه قيل: مثل نوره كما ترى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت، وقيل: متعلق بمصباح. وقال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول: هو حال للمصباح، والزجاجة، والكوكب، كأنه قيل: وهي في بيوت، وقيل: متعلق بتوقد أي: توقد في بيوت، وقد قيل: متعلق بما بعده، وهو {يسبح} أي: يسبح له رجال في بيوت، وعلى هذا يكون قوله {فِيهَا } تكريراً كقولك، زيد في الدار جالس فيها. وقيل: إنه منفصل عما قبله، كأنه قال الله: في بيوت أذن الله أن ترفع. قال الحكيم الترمذي: وبذلك جاءت الأخبار أنه من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه. وقد قيل: على تقدير تعلقه بمشكاة، أو بمصباح، أو بتوقد ما الوجه في توحيد المصباح، والمشكاة، وجمع البيوت؟ ولا تكون المشكاة الواحدة، ولا المصباح الواحد إلاّ في بيت واحد. وأجيب: بأن هذا من الخطاب الذي يفتح أوّله بالتوحيد، ويختم بالجمع كقوله سبحانه: {أية : يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء } تفسير : [الطلاق: 1] ونحوه. وقيل: معنى {في بيوت}: في كلّ واحد من البيوت، فكأنه قال: في كلّ بيت، أو في كلّ واحد من البيوت. واختلف الناس في البيوت، على أقوال: الأوّل: أنها المساجد، وهو قول مجاهد، والحسن، وغيرهما. الثاني: أن المراد بها بيوت بيت المقدس، روي ذلك عن الحسن. الثالث: أنها بيوت النبيّ صلى الله عليه وسلم، روي عن مجاهد. الرابع: هي البيوت كلها، قاله عكرمة. الخامس: أنها المساجد الأربعة الكعبة، ومسجد قباء، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، قاله ابن زيد. والقول الأوّل أظهر لقوله: {يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ }، والباء من بيوت تضم، وتكسر كلّ ذلك ثابت في اللغة، ومعنى {أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ }: أمر وقضى، ومعنى {تُرْفَعَ } تبنى، قاله مجاهد، وعكرمة، وغيرهما، ومنه قوله سبحانه: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [البقرة: 127]. وقال الحسن البصري، وغيره: معنى ترفع تعظم، ويرفع شأنها، وتطهر من الأنجاس، والأقذار، ورجحه الزجاج وقيل: المراد بالرفع هنا مجموع الأمرين، ومعنى {يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ }: كلّ ذكر لله عزّ وجلّ، وقيل: هو التوحيد، وقيل: المراد تلاوة القرآن، والأوّل أولى. {يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ } قرأ ابن عامر، وأبو بكر "يسبح" بفتح الباء الموحدة مبنياً للمفعول، وقرأ الباقون بكسرها مبنياً للفاعل إلاّ ابن وثاب، وأبا حيوة، فإنهما قرآ بالتاء الفوقية، وكسر الموحدة، فعلى القراءة الأولى يكون القائم مقام الفاعل أحد المجرورات الثلاثة، ويكون رجال مرفوع على أحد وجهين: إما بفعل مقدّر، وكأنه جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل يسبحه رجال. الثاني: أن رجال مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وعلى القراءة الثانية يكون رجال فاعل يسبح، وعلى القراءة الثالثة يكون الفاعل أيضاً رجال، وإنما أنث الفعل لكون جمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في بعض الأحوال. واختلف في هذا التسبيح ما هو؟ فالأكثرون حملوه على الصلاة المفروضة، قالوا: الغدوّ صلاة الصبح، والآصال: صلاة الظهر والعصر والعشاءين، لأن اسم الآصال يشملها، ومعنى بالغدوّ والآصال: بالغداة والعشي، وقيل: صلاة الصبح والعصر، وقيل: المراد صلاة الضحى، وقيل: المراد بالتسبيح هنا معناه الحقيقي، وهو: تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به في ذاته، وصفاته، وأفعاله، ويؤيد هذا ذكر الصلاة والزكاة بعده، وهذا أرجح مما قبله، لكونه المعنى الحقيقي مع وجود دليل يدل على خلاف ما ذهب إليه الأوّلون، وهو ما ذكرناه. {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } هذه الجملة صفة لرجال، أي: لا تشغلهم التجارة والبيع عن الذكر؛ وخصّ التجارة بالذكر؛ لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الذكر. وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرجل على بدنه، وخصّ قوم التجارة هاهنا بالشراء لذكر البيع بعدها، وبمثل قول الفراء. قال الواقدي، فقال: التجار هم: الجلاب المسافرون، والباعة: هم المقيمون، ومعنى {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ }: هو ما تقدّم في قوله: {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ }، وقيل: المراد الآذان، وقيل: عن ذكره بأسمائه الحسنى أي: يوحدونه، ويمجدونه. وقيل: المراد عن الصلاة، ويردّه ذكر الصلاة بعد الذكر هنا. والمراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها من غير تأخير، وحذفت التاء؛ لأن الإضافة تقوم مقامها في ثلاث كلمات جمعها الشاعر في قوله:شعر : ثلاثة تحذف تاآتها مضافة عند جمع النحاة وهي إذا شئت أبو عذرها وليت شعري وإقام الصلاة تفسير : وأنشد الفراء في الاستشهاد للحذف المذكور في هذه الآية قول الشاعر:شعر : إن الخليط أجدوا البين وانجردوا وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا تفسير : أي: عدة الأمر، وفي هذا البيت دليل على أن الحذف مع الإضافة لا يختص بتلك الثلاثة المواضع. قال الزجاج: وإنما حذفت الهاء لأنه يقال: أقمت الصلاة إقامة، وكان الأصل إقواماً، ولكن قلبت الواو ألفاً، فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي أقمت الصلاة إقاماً، فأدخلت الهاء عوضاً من المحذوف، وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة، وهذا إجماع من النحويين. انتهى. وقد احتاج من حمل ذكر الله على الصلاة المفروضة: أن يحمل إقامة الصلاة على تأديتها في أوقاتها فراراً من التكرار، ولا ملجىء إلى ذلك، بل يحمل الذكر على معناه الحقيقي كما قدّمنا. والمراد بالزكاة المذكورة هي: المفروضة، وقيل: المراد بالزكاة طاعة الله، والإخلاص، إذ ليس لكلّ مؤمن مال. {يَخَـٰفُونَ يَوْماً } أي: يوم القيامة، وانتصابه على أنه مفعول للفعل لا ظرف له، ثم وصف هذا اليوم بقوله {تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَـٰرُ } أي: تضطرب، وتتحوّل، قيل: المراد بتقلب القلوب انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر فلا ترجع إلى أماكنها، ولا تخرج، والمراد بتقلب الأبصار هو: أن تصير عمياء بعد أن كانت مبصرة. وقيل: المراد بتقلب القلوب أنها تكون متقلبة بين الطمع في النجاة، والخوف من الهلاك، وأما تقلب الأبصار فهو: نظرها من أيّ ناحية يؤخذون، وإلى أيّ ناحية يصيرون. وقيل: المراد تحوّل قلوبهم وأبصارهم عما كانت عليه من الشك إلى اليقين، ومثله قوله: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ } تفسير : [قۤ: 22]. فما كان يراه في الدنيا غياً يراه في الآخرة رشداً. وقيل: المراد: التقلب على جمر جهنم، وقيل غير ذلك. {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } متعلق بمحذوف، أي: يفعلون ما يفعلون من التسبيح، والذكر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا أي: أحسن جزاء أعمالهم حسبما وعدهم من تضعيف ذلك إلى عشرة أمثاله، وإلى سبعمائة ضعف، وقيل: المراد بما في هذه الآية ما يتفضل سبحانه به عليهم زيادة على ما يستحقونه، والأوّل أولى لقوله: {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } فإن المراد به التفضل عليهم بما فوق الجزاء الموعود به {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي: من غير أن يحاسبه على ما أعطاه، أو أن عطاءه سبحانه لا نهاية له، والجملة مقرّرة لما سبقها من الوعد بالزيادة. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال: يدبر الأمر فيهما نجومهما، وشمسهما، وقمرهما. وأخرج الفريابي عنه في قوله {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} مثل نوره الذي أعطاه المؤمن {كَمِشْكَاةٍ }، وقال في تفسير {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } إنها التي في سفح جبل لا تصيبها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } فذلك مثل قلب المؤمن نور على نور. وأخرج عبد بن حميد، وابن الأنباري في المصاحف، عن الشعبيّ قال: في قراءة أبيّ بن كعب: "مثل نور المؤمن كمشكاة". وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في الآية قال: يقول مثل نور من آمن بالله كمشكاة، وهي الكوّه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه: {مَثَلُ نُورِهِ } قال: هي خطأ من الكاتب هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة، قال: مثل نور المؤمن كمشكاة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضاً {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال: هادي أهل السماوات والأرض {مَثَلُ نُورِهِ}: مثل هداه في قلب المؤمن {كَمِشْكَاةٍ } يقول: موضع الفتيلة كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوئه، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى، ونوراً على نور، وفي إسناده عليّ بن أبي طلحة، وفيه مقال. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبيّ بن كعب {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ } قال: هو المؤمن الذي قد جعل الإيمان والقرآن في صدره، فضرب الله مثله، فقال {نُورٍ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ } فبدأ بنور نفسه، ثم ذكر نور المؤمن، فقال: مثل نور من آمن به، فكان أبيّ بن كعب يقرؤها "مثل نور من آمن به" فهو المؤمن، جعل الإيمان والقرآن في صدره {كَمِشْكَاةٍ } قال: فصدر المؤمن المشكاة {فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ}: النور، وهو القرآن والإيمان الذي جعل في صدره {فِى زُجَاجَةٍ } و{ٱلزُّجَاجَةُ } قلبه {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّيٌّ} يقول كوكب مضيء {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ }، والشجرة المباركة: أصل المبارك الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } قال: فمثله كمثل شجرة التفت بها الشجر، فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أيّ حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت، فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يضله شيء من الفتن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس: أن اليهود قالوا لمحمد: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ } المشكاة كوّة البيت فيها مصباح، وهو: السراج يكون في الزجاجة، وهو: مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نوراً، ثم سماها أنواعاً شتى {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } قال: وهي وسط الشجر لا تنالها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، وذلك أجود الزيت {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء } بغير نار {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } يعني بذلك: إيمان العبد وعلمه {يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء } وهو مثل المؤمن. وأخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر في قوله: {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } قال: المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وسلم، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي في قلبه. {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } الشجرة: إبراهيم {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } لا يهودية ولا نصرانية، ثم قرأ {أية : مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [آل عمران: 67]. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن شمر بن عطية قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: حدّثني عن قول الله {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ } قال: مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة قال: المشكاة: الكوّة ضربها الله مثلاً لقمة فيها مصباح، والمصباح قلبه {ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ }، والزجاجة صدره {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّيٌّ } شبه صدر محمد صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدرّيّ، ثم رجع المصباح إلى قلبه، فقال: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ... يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء } قال: يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يبين للناس، ولو لم يتكلم أنه نبيّ، كما يكاد الزيت أن يضيء، ولو لم تمسسه نار. وأقول: إن تفسير النظم القرآني بهذا ونحوه مما تقدّم عن أبيّ بن كعب وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ليس على ما تقتضيه لغة العرب، ولا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجوّز العدول عن المعنى العربي إلى هذه المعاني التي هي شبيهة بالألغاز والتعمية، ولكن هؤلاء الصحابة، ومن وافقهم ممن جاء بعدهم استبعدوا تمثيل نور الله سبحانه بنور المصباح في المشكاة، ولهذا قال ابن عباس: هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة كما قدّمنا عنه، ولا وجه لهذا الاستبعاد. فإنا قد قدّمنا في أوّل البحث ما يرفع الإشكال ويوضح ما هو المراد على أحسن وجه، وأبلغ أسلوب، وعلى ما تقتضيه لغة العرب، ويفيده كلام الفصحاء، فلا وجه للعدول عن الظاهر، لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من لغة. وأما ما حكي عن كعب الأحبار في هذا كما قدّمنا، فإن كان هو سبب عدول أولئك الصحابة الأجلاء عن الظاهر في تفسير الآية، فليس مثل كعب رحمه الله ممن يقتدى به في مثل هذا. وقد نبهناك فيما سبق: أن تفسير الصحابي إذا كان مستنده الرواية عن أهل الكتاب كما يقع ذلك كثيراً، فلا تقوم به الحجة، ولا يسوغ لأجله العدول عن التفسير العربي، نعم إن صحت قراءة أبيّ بن كعب، كانت هي المستند لهذه التفاسير المخالفة للظاهر، وتكون كالزيادة المبينة للمراد، وإن لم تصح، فالوقوف على ما تقتضيه قراءة الجمهور من السبعة، وغيرهم ممن قبلهم، وممن بعدهم هو المتعين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ } قال: هي المساجد تكرم، وينهى عن اللغو فيها، ويذكر فيها اسم الله، يتلى فيها كتابه {يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ } صلاة الغداة وصلاة العصر، وهما أوّل ما فرض الله من الصلاة فأحبّ أن يذكرهما، ويذكر بهما عباده. وقد ورد في تعظيم المساجد، وتنزيهها عن القذر، وتنظيفها، وتطييبها أحاديث ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: إن صلاة الضحى لفي القرآن، وما يغوص عليها إلى غوّاص في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ }. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } قال: "حديث : هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله"تفسير : . وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } قال: "حديث : هم الذين يبتغون من فضل الله"تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية، قال: كانوا رجالاً يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون، فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما في أيديهم، وقاموا إلى المسجد، فصلوا. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في الشعب عنه في الآية، قال: ضرب الله هذا المثل قوله: {كَمِشْكَاةٍ } لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله، وكانوا أتجر الناس، وأبيعهم، ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم، ولا بيعهم عن ذكر الله. وأخرج، عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ قال: عن شهود الصلاة. وأخرج عبد الرزّاق، وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر: أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم، ثم دخلوا المسجد، فقال ابن عمر فيهم: نزلت {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ }. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود: أنه رأى ناساً من أهل السوق سمعوا الأذان، فتركوا أمتعتهم، فقال: هؤلاء الذين قال الله فيهم: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ }. وأخرج هناد بن السري في الزهد، وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب، ومحمد ابن نصر في الصلاة، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يجمع الله يوم القيامة الناس في صعيدٍ واحدٍ يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، فيقوم منادٍ، فينادي: أين الذين كانوا يحمدون الله في السرّاء والضرّاء؟ فيقومون، وهم قليل، فيدخلون الجنة بغير حساب؛ ثم يعود فينادي: أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون، وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب؛ ثم يعود فينادي: ليقم الذين كانوا لا تلهيهم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون، وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يقوم سائر الناس، فيحاسبون»تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن عقبة بن عامر مرفوعاً نحوه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: معناه الله هادي السموات والأرض، قاله ابن عباس، وأنس. الثاني: الله مدبر السموات والأرض، قاله مجاهد. الثالث: الله ضياء السموات والأرض، قاله أُبي. الرابع: منور السموات والأرض. فعلى هذا فبما نورهما به ثلاثة أقاويل: أحدها: الله نور السموات بالملائكة ونور الأرض بالأنبياء. الثاني: أنه نور السموات بالهيبة ونور الأرض بالقدرة. الثالث: نورهما بشمسها وقمرها ونجومها، قاله الحسن، وأبو العالية. {مَثَلُ نُورِهِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: مثل نور الله، قاله ابن عباس. الثاني: مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن شجرة. الثالث: مثل نور المؤمن، قاله أُبي. الرابع: مثل نور القرآن، قاله سفيان. فمن قال: مثل نور المؤمن، يعني في قلب نفسه، ومن قال: مثل نور محمد، يعني في قلب المؤمن، ومن قال: نور القرآن، يعني في قلب محمد. ومن قال: نور الله، فيه قولان: أحدهما: في قلب محمد. الثاني: في قلب المؤمن. {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن المشكاة كوة لا منفذ لها والمصباح السراج، قاله كعب الأحبار. الثاني: المشكاة القنديل والمصباح الفتيلة، قاله مجاهد. الثالث: المشكاة موضع الفتيلة من القنديل الذي هو كالأُنبوب، والمصباح الضوء قاله ابن عباس. الرابع: المشكاة الحديد الذي به القنديل وهي التي تسمى السلسلة والمصباح هو القنديل، وهذا مروي عن مجاهد أيضاً. الخامس: أن المشكاة صدر المؤمن والمصباح القرآن الذي فيه والزجاجة قلبه، قاله أُبَي، قال الكلبي: والمشكاة لفظ حبشي معرب. {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} فيه قولان: أحدهما: يعني أن نار المصباح في زجاجة القنديل لأنه فيها أضوأ، وهو قول الأكثرين. الثاني: أن المصباح القرآن والإِيمان، والزجاجة قلب المؤمن، قاله أُبَي. {كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} أما الكوكب ففيه قولان: أحدهما: أنه الزهرة خاصة، قاله الضحاك. الثاني: أنه أحد الكواكب المضيئة من غير تعيين، وهو قول الأكثرين. وأما درّي ففيه أربع قراءات. إحداها: دُريّ بضم الدال وترك الهمز وهي قراءة نافع وتأويلها أنه مضيء يشبه الدر لضيائه ونقائه. الثانية: بالضم والهمز وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر وتأويلها أنه مضيء. الثالثة: بكسر الدال وبالهمز وهي قراءة أبي عمرو والكسائي وتأويلها أنه متدافع لأنه بالتدافع يصير منقضاً فيكون أقوى لضوئه مأخوذ من درأ أي دفع يدفع. الرابعة: بالكسر وترك الهمز وهي قراءة المفضل بن عاصم، وتأويلها أنه جار كالنجوم الدراري الجارية من درّ الوادي إذا جرى. {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} فيه قولان: أحدهما: يعني بالشجرة المباركة إبراهيم والزجاجة التي كأنها كوكب دري محمد صلى الله عليه وسلم، وهو مروي عن ابن عمر. الثاني: أنه صفة لضياء المصباح الذي ضربه الله مثلاً يعني أن المصباح يشعل من دهن شجرة زيتونة. {مُّبَارَكَةٍ} في جعلها مباركة وجهان: أحدهما: لأن الله بارك في زيتون الشام فهو أبرك من غيره. الثاني: لأن الزيتون يورق غصنه من أوله إلى آخره وليس له في الشجر مثيل إلا الرمان. قال الشاعر: شعر : بُورِكَ الْمَيْتُ الغَرِيبُ كَمَا بُو رِكَ نَضْرُ الرُّمَّانِ والزَّيْتُونِ تفسير : {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} فيه سبعة أقاويل: أحدها: أنها ليست من شجرة الشرق دون الغرب ولا من شجرة الغرب دون الشرق لأن ما اختص بأحد الجهتين أقل زيتاً وأضعف، ولكنها شجر ما بين الشرق والغرب كالشام لاجتماع القوتين فيه، وهو قول ابن شجرة وحكي عن عكرمة. ومنه قولهم: لا خير في المتقاة والمضحاة، فالمتقاة أسفل الوادي الذي لا تصيبه الشمس، والمضحاة رأس الجبل الذي لا تزول عنه الشمس. الثاني: أنها ليست بشرقية تستر عن الشمس في وقت الغروب ولا بغربية تستر عن الشمس وقت الطلوع بل هي بارزة للشمس من وقت الطلوع إلى وقت الغروب فيكون زيتها أقوى وأضوأ، قاله قتادة. الثالث: أنها وسط الشجرة لا تنالها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت وذلك أضوأ لزيتها، قاله عطية. الرابع: أنها ليس في شجر الشرق ولا في شجر الغرب مثلها، حكاه يحيى ابن سلام. الخامس: أنها ليست من شجر الدنيا التي تكون شرقية أو غربية، وإنما هي من شجر الجنة، قاله الحسن. السادس: أنها مؤمنة لا شرقية ولا غربية، أي ليست بنصرانية تصلي إلى الشرق، ولا غربية أي ليست بيهودية تصلي إلى الغرب، قاله ابن عمر. السابع: أن الإِيمان ليس بشديد ولا لين لأن في أهل الشرق شدة، وفي أهل الغرب لينٌ. {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن صفاء زيتها كضوء النار وإن لم تمسسه نار، ذكره ابن عيسى. الثاني: أن قلب المؤمن يكاد أن يعرف قبل أن يتبين له لموافقته له، قاله يحيى بن سلام. الثالث: يكاد العلم يفيض من فم العالم المؤمن من قبل أن يتكلم به. الرابع: تكاد أعلام النبوة تشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدعو إليها. {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} فيه ستة أقاويل: أحدها: يعني ضوء النار على ضوء الزيت على ضوء الزجاجة، قاله مجاهد. الثاني: نور النبوة على نور الحكمة، قاله الضحاك. الثالث: نور الزجاجة على نور الخوف. الرابع: نور الإِيمان على نور العمل. الخامس: نور المؤمن فهو حجة الله، يتلوه مؤمن فهو حجة الله حتى لا تخلو الأرض منهم. السادس: نور نبي من نسل نبي، قاله السدي. {يَهْدِي لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يهدي الله لدينه من يشاء من أوليائه، قاله السدي. الثاني: يهدي الله لدلائل هدايته من يشاء من أهل طاعته. الثالث: يهدي الله لنبوته من يشاء من عباده. {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} الآية. وفيما ضربت هذه الآية مثلاً فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها مثل ضربه الله للمؤمن في وضوح الحق له. الثاني: أنها مثل ضربه الله لطاعته فسى الطاعة نوراً لتجاوزها عن محلها. الثالث: ما حكاه ابن عباس أن اليهود قالوا: يا محمد كيف يخلص نور الله من دون السماء فضرب الله ذلك مثلاً لنوره.
ابن عطية
تفسير : "النور" في كلام العرب الأضواء المدركة بالبصر ويستعمل فيما صح من المعاني ولاح فيقال منه كلام له نور ومنه الكتاب المنير ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا تفسير : والله تعالى ليس كمثله شيء فبين أنه ليس كالأضواء المدركة ولم يبق للآية معنى إلا أنه أراد {الله} ذو {نور السماوات والأرض} أي بقدرته أنارت أضواؤها واستقامت أمورها وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما تقول الملك نورالأمة أي به قوام أمورها وصلاح جملتها، والأمر في الملك مجاز وهو في صفة الله تعالى حقيقة محضة، إذ هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل نوراً هادياً لأن ظهور الوجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات تبارك الله لا رب سواه، وقالت فرقة التقدير دين الله {نور السماوات والأرض}، قال ابن عباس هادي أهل السماوات والأرض والأول أعم للمعاني وأوضح مع التأمل، وقرأ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وأبو عبدالرحمن السلمي الله "نَوّرَ" بفتح النون والواو المشددة وفتح الراء على أنه فعل، وروي أن اليهود لما نزلت هذه الآية جسموا في تأوليها واعترضوا محمداً عليه السلام بأن قالوا كيف هو نور الأرض والسماء بيننا وبينه، فنزلت حينئذ {مثل نوره كمشكاة} الآية أي ليس الأمر كما ظننتم وإنما هو نور بأنه قوام كل شيء وخالقه وموجده {مثل نوره} كذا وكذا، واختلف المتأولون في الضمير في {نوره} على من يعود، فقال كعب الأحبار وابن جبير هو عائد على محمد عليه السلام أي مثل نور محمد، وقال أبي بن كعب وابن جبير والضحاك هو عائد على المؤمنين، وفي قراءة أبي بن كعب "مثل نور المؤمنين"، وروي أن في قراءته "نور المؤمن"، وروي أن فيها "مثل نور من آمن به"، وقال الحسن هو عائد على القرآن والإيمان، قال مكي بن أبي طالب وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله {والأرض}. قال القاضي أبو محمد: وهذه أقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر، وفيها تقطع المعنى المراد بالآية، وقالت فرقة الضمير في {نوره} عائد على {الله}، ثم اختلفت هذه الفرقة في المراد بـ"النور" الذي أضيف إلى الله تعالى إضافة خلق إلى خالق كما تقول سماء الله وناقة الله، فقال بعضها هو محمد، وقال بعضها هو المؤمن، وقال بعضها هو الإيمان والقرآن، وهذه الأقوال متجهة مطرد معها المعنى فكأن اليهود لما تأولوا {الله نور السماوات والأرض} بمعنى الضوء، قيل لهم ليس كذلك وإنما هو نور فإنه قوام كل شيء وهاديه مثل نوره في محمد أو في القرآن، والإيمان {كمشكاة} وهي الكوة غير النافذة فيها القنديل ونحوه. وهذه الأقوال الثلاثة تطرد فيها مقابلة جزء من المثال لجزء من الممثل، فعلى قول من قال الممثل به محمد عليه السلام، وهو قول كعب الحبر، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، هو "المشكاة" أو صدره، و {المصباح} هو النبوءة وما يتصل بها من عمله وهداه، و {الزجاجة} قلبه و"الشجرة المباركة" هي الوحي والملائكة رسل إليه وسببه المتصل به، والزيت هو الحجج والبراهين، والآيات التي تضمنها الوحي، وعلى قول من قال الممثل به المؤمن وهذا قول أبي بن كعب، فـ"المشكاة" صدره، و {المصباح} الإيمان والعلم، و {الزجاجة} قلبه و"الشجرة" القرآن، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها، قال أبي فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات، ومن قال إن الممثل به القرآن والإيمان فتقدير الكلام {مثل نوره} الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه {كمشكاة}، أي كهذه الجملة وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين، لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان، وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال لجزء من الممثل بل وقع التشبيه فيه جملة بجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس، أي فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيه البشر، و"المشكاة" الكوة في الحائط غير النافذة، قاله ابن جبير وسعيد بن عياض وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، و {المصباح} فيها أكثر إنارة من غيرها، وقال مجاهد "المشكاة" العمود الذي يكون {المصباح} على رأسه، وقال أبو موسى "المشكاة" الحديدة أو الرصاصة التي يكون فيها الفتيل في جوف الزجاجة، وقال مجاهد أيضاً "المشكاة" الحدائد التي يعلق بها القنديل، والأول أصح هذه الأقوال، وقوله {في زجاجة} لأنه جسم شفاف {المصباح} فيه أنور منه في غير الزجاج، و {المصباح} الفتيل بناره وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمرو الداني الألف من "مشكاة" فكسر الكاف التي قبلها، وقرأ نصر بن عاصم "في زَجاجة" بفتح الزاي، و"الزجاجة" كذلك وهي لغة، وقوله: {كأنها كوكب دري} أي في الإنارة والضوء وذلك يحتمل معنين: إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك، وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور، قال الضحاك "الكوكب الدري" الزهرة، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم "دُريّ" بضم الدال وشد الياء. ولهذه القراءة وجهان: إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، وإما أن يكون أصله دريء مهموز من الدرء وهو الدفع وخففت الهمزة، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم "دريء" بالهمزة وهو فعيل من الدرء بمعنى أنها تدفع بعضها بعضاً أو بمعنى أن بهاءها يدفع خفاءها، وفعيل بناء لا يوجد في الأسماء إلا في قولهم مريق للعصفور وفي السرية إذا اشتقت من السرو، ووجه هذه القراءة أبو علي، وضعفها غيره، وقرأ أبو عمرو والكسائي "دريء" على وزن فعيل بكسر الفاء من الدرء وهذه متوجهة، وقرأ قتادة "دَريء" بفتح الدال والهمز قال أبو الفتح وهذا عزيز وإنما عزيز وإنما حفظ منه السكّينة بشد الكاف، وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رجاء ونصر بن عاصم "دري" بفتح الدال دون همزة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وطلحة والأعمش والحسن وقتادة وابن وثاب وعيسى "توقد" بضم التاء أي الزجاجة، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة والحسن وابن محيصن "تَوَقّدُ" بفتح التاء والواو وشد القاف وضم الدال أي الزجاجة، وقرأ أبو عمرو أيضاً وابن كثير "تَوقَد" بفتح التاء والدال أي المصباح، وقرأ عاصم فيما روى عنه إسماعيل "يوقد" بالياء المرفوعة على معنى يوقد المصباح، قال أبو الفتح وقرأ السلمي والحسن وابن محيصن وسلام وقتادة "يَوَقَّدُ" بفتح الياء والواو والقاف والمشددة ورفع الدال أصله يتوقد، وقوله {من شجرة} أي من زيت شجرة، و"المباركة" المنمأة، و"الزيتون" من أعظم الثمار نماء واطراد أفنان وغضارة ولا سيما بالشام والرمان كذلك والعيان يقضي بذلك، وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية "ابن شمس": [الخفيف] شعر : ليت شعري مسافر بن أبي عمرو "وليتٌ" يقولها المحزون بورك الميّت الغريب كما بو رك الرمّانُ والزيتون تفسير : وقوله تعالى: {لا شرقية ولا غربية} قرأ الجمهور فيهما بالخفض عطفاً على {زيتونة}، وقرأ الضحاك "لا شرقيةٌ ولا غربيةٌ" بالرفع، واختلف المتأولون في معناه، فقال ابن عباس فيما حكى عنه الطبري معناه أنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول لا يصح عندي عن ابن عباس لأن الوجود يقتضي أَن الشجرة التي تكون بهذه الصفة ينفسد جناها، وقال الحسن ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا وإنما هو مثل ضربه الله لنوره ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية، وقال ابن زيد أراد أَنها من شجر الشام لأن شجر الشام هي أفضل الشجر وهي "الأرض المباركة"، وقال ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم المعنى في قوله: {لا شرقية ولا غربية} أنها في منكشف من الأرض تصيبها الشمس طول النهار تستدير عليها أي فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية، وقوله: {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} مبالغة في صفة صفائه وحسنه وجودته، وقرأ الجمهور "تمسسه" بالتاء من فوق، وقرأ ابن عباس والحسن بالياء من تحت، وقوله: {نور على نور} أي هذه كلها معاون تكامل بها هذا النور الممثل به وفي هذا الموضع تم المثال، ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده وذكر تفضله في ضرب الأمثال للعباد ليقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان.
ابن عبد السلام
تفسير : {نُورُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ}: هاديهما أو مدبرهما، أو ضياؤهما أو مُنَوِّرهما؛ نَوَّر السماء بالملائكة والأرض بالأنبياء، أو السماء بالهيبة والأرض بالقدرة، أو نَوَّرهما بالشمس والقمر والنجوم {مَثَلُ نُورِهِ} نور المؤمن في قلبه، أو نور محمد صلى الله عليه وسلم في قلب المؤمن، أو نور القرآن في قلب محمد صلى الله عليه وسلم أو نور الله ـ تعالى ـ في قلب محمد صلى الله عليه وسلم، أو قلب المؤمن {كَمِشْكَاةٍ} كُوَّة لا تنفذ و {الْمِصْبَاحُ} السراج، أو قنديل [و] المصباح: الفتيلة، أو موضع الفتيلة من القنديل وهو الأنبوب والمصباح: الضوء "ع"، أو السلسلة والمصباح: القنديل، أو صدر المؤمن والمصباح: القرآن الذي فيه والزجاجة قلبه والمشكاة، حبشي معرَّبٌ، {الْمِصْبَاحٌ فِي زُجَاجَةٍ} القنديل؛ لأنه فيها أضوأ قاله الأكثرون، أو المصباح القرآن والإيمان والزجاجة قلب المؤمن {كَوْكَبٌ} الزهرة، أو كوكب غير معين عن الأكثر {دُرِّيء} يشبه الدر في صفاته، دُرِّيٌ: مضيء، دِرِّيءٌ: متدافع قوي الضوء من درأ دفع، دِرِّيٌّ: جارٍ درأ الوادي إذا جرى، والنجوم الدراري الجواري {شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ، والزجاجة: محمد صلى الله عليه وسلم، أو صفة لضياء دهن المصباح {مُّبارَكَةٍ}؛ لأنها من زيتون الشام وهو أبرك من غيره، أو لأن الزيتون يورق غصنه من أوله إلى آخره {لا شَرْقِيَّةٍ} ليست من شجر الشرق ولا من شجر الغرب لقلة زيت الجهتين وضعف نوره ولكنها من شجر ما بينهما كالشام لاجتماع القوتين فيه، أو لا شرقية تستتر عن الشمس عند الغروب ولا غربية تستتر عنها وقت الطلوع بل هي بارزة من الطلوع إلى الغروب فإنه أقوى لزيتها وأضوأ، أو هي وسط الشجر لا تنالها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت وذلك أجود لزيتها، أو ليس في شجر الشرق ولا في شجر الغرب مثلها، أو ليست من شجر الدنيا التي تكون شرقية، أو غربية، وإنما هي من شجر الجنة "ح" أو مؤمنة ليست بنصرانية تصلي إلى الشرق ولا يهودية تصلي إلى الغرب، أو الإيمان ليس بشديد ولا لين؛ لأن من أهل الشرق شدة وفي أهل الغرب لين {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىءُ} صفاؤه كضوء النهار {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} أو يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يُبين له، أو يكاد العلم يفيض من فم المؤمن العالم قبل أن يتكلم به "ح" أو تكاد أعلام النبوة تشهد للرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يدعو إليه {نُّورٌ عَلَى نُورِ} ضوء النار على ضوء الزيت على ضوء الزجاجة، أو نور النبوة على نور الحكمة، أو نور الرجاء على نور الخوف، أو نور الإيمان على نور العمل، أو نور المؤمن هو حجة لله يتلوه مؤمن هو حجة لله حتى لا تخلو الأرض منهم، أو نور نبي من نسل نبي {لِنُورِهِ} نبوته، أو دينه، أو دلائل هدايته {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} هذا مثل ضربه للمؤمن في وضوح الحق له وفيه، أو ضربه لطاعته وسماهما نوراً لتجاوزهما عن محلهما، أو قالت اليهود يا محمد كيف يخلص نور الله من دون السماء فضرب الله ـ تعالى ـ ذلك مثلاْ لنوره "ع".
النسفي
تفسير : نظير قوله {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } مع قوله {مَثَلُ نُورِهِ } و{يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ } قولك زيد كرم وجود ثم تقول: ينعش الناس بكرمه وجوده، والمعنى ذو نور السماوات و{نُورُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } الحق شبهه بالنور في ظهوره وبيانه كقوله: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ }تفسير : [البقرة: 257] أي من الباطل إلى الحق. وأضاف النور إليهما للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض، وجاز أن المراد أهل السماوات والأرض وأنهم يستضيئون به {مَثَلُ نُورِهِ } أي صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة {كَمِشْكَاةٍ } كصفة مشكاة وهي الكوّة في الجدار غير النافذة {فِيهَا مِصْبَاحٌ } أي سراج ضخم ثاقب {ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ } في قنديل من زجاج شامي بكسر الزاي {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّىٌّ } مضيء بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدر لفرط ضيائه وصفائه، وبالكسر والهمزة عمرو وعلي كأنه يدرأ الظلام بضوئه، وبالضم والهمزة أبو بكر وحمزة شبه في زهوته بأحد الكواكب الدراري كالمشتري والزهرة ونحوهما {يُوقَدُ } {توقد} بالتخفيف: حمزة وعلي وأبو بكر الزجاجة و{يُوقَدُ } بالتخفيف: شامي ونافع وحفص {وتوقد} بالتشديد: مكي وبصري أي هذا المصباح {مِن شَجَرَةٍ } أي ابتدأ ثقوبه من زيت شجرة الزيتون يعني رويت ذبالته بزيتها {مُّبَـٰرَكَةٍ } كثيرة المنافع أو لأنها نبتت في الأرض التي بورك فيها للعالمين. وقيل: بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم عليه السلام {زَيْتُونَةٍ } بدل من {شجرة} نعتها {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } أي منبتها الشام يعني ليست من المشرق ولا من المغرب بل في الوسط منهما وهو الشام وأجود الزيتون زيتون الشام. وقيل: ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط بل يصيبها بالغداة والعشي جميعها فهي شرقية وغربية. {يَكَادُ زَيْتُهَا } دهنها {يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } وصف الزيت بالصفاء والوميض وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } أي هذا النور الذي شبه به الحق نور متضاعف قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت حتى لم تبق بقية مما يقوي النور، وهذا لأن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أجمع لنوره بخلاف المكان الواسع فإن الضوء ينتشر فيه. والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة وكذلك الزيت وصفاؤه، وضرب المثل يكون بدنيء محسوس معهود لا بعلي غير معاين ولا مشهود فأبو تمام لما قال في المأمون: شعر : إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس تفسير : قيل له: إن الخليفة فوق من مثلته بهم فقال مرتجلاً: شعر : لا تنكروا ضربي له من دونه مثلاً شروداً في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس تفسير : {يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ } أي لهذا النور الثاقب {مَن يَشَآء } من عباده أي يوفق لإصابة الحق من يشاء من عباده بإلهام من الله أو بنظره في الدليل {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ } تقريباً إلى أفهامهم ليعتبروا فيؤمنوا {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } فيبين كل شيء بما يمكن أن يعلم به. وقال ابن عباس رضي الله عنه: مثل نوره أي نور الله الذي هدى به المؤمن. وقرأ ابن مسعود رحمه الله {مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة} وقرأ أبيّ {مثل نور المؤمن}.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {نور السموات} على الفعل: يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا {كمشكاة} ممالة: أبو عمرو عن الكسائي {دريء} بكسرتين وبالهمز: أبو عمرو وعلي والمفضل مثله بضم الدال: حمزة وأبو بكر وحماد والخزاز. الباقون بضم الدال وتشديد الياء {توقد} بضم التاء وفتح القاف: حمزة وعلي وخلف وابو بكر وحماد مثله ولكن بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح: ابن عامر ونافع وحفص وابو زيد عن المفضل. الباقون وجبلة {توقد} بالفتحات وتشديد القاف {يسبح} بفتح الباء: ابن عامر وأبو بكر وحماد: {سحاب} {ظلمات} على الإضافة: البزي {سحاب} بالتنوين {ظلمات} بالكسر على أنه نصب على الحال: القواس وابن فليح. الباقون بالرفع والتنوين فيهما. {ينزل} من الإنزال: ابن كثير وابو عمرو وسهل ويعقوب {يذهب} من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة {خالق كل شيء} على الإضافة: حمزة وعلي وخلف. الآخرون {خلق} على لفظ الماضي {كل} منصوباً. الوقوف: {والأرض} ط {مصباح} ط {زجاجة} ط {غربية} ط لأن ما بعدها صفة شجرة {نار} ط {نور} ط {يشاء} ط {للناس} ط {عليم} ه لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو {كمكشاة} أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ {يسبح} وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ {يسبح} {والآصال} ط لمن قرأ {يسبح} بفتح الباء كأنه قيل: من يسبح؟ فقيل: {رجال} أي يسبحه رجال. ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر {رجال} لا لأن ما بعده صفة {الزكاة} لا لأن ما بعده أيضاً صفة {والأبصار} ه لا لتعلق اللام. أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال: فلما سقطت النون انكسرت اللام. {من فضله} ط {حساب} ه {ماء} ط {حسابه} ط {الحساب} ه لا للعطف {سحاب} ط لمن قرأ {ظلمات} بالرفع ولم يجعلها بدلاً {فوق بعض} ط {يراها} ط {من نور} ه {صافات} ط {وتسبيحه} ط {يفعلون} ه {والأرض} ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين {المصير} ه {من خلاله} ج لما قلنا {عمن يشاء} ط {بالأبصار} ه ط {والأنهار} ط {الأبصار} ج {من ماء} ج للفاء مع التفصيل {بطنه} ج {رجلين} ج لمثل ما قلنا {اربع} ط {ما يشاء} ط {قدير} ه {مبينات} ط {مستقيم} ه {ذلك} ط {بالمؤمنين} ه {معرضون} ه {مذعنين} ه ط {ورسوله} ط {الظالمون} ه. التفسير: أنه سبحانه لما بين من الأحكام ما بين أردفها على عادة القرآن بالإلهيات وقدم لذلك مثلين أحدهما في أن دلائل الإيمان في غاية الظهور، والثاني أن أديان الكفر في نهاية الظلمة. أما الأول فهو قوله {الله نور السموات والأرض} واعلم أن النور في اللغة موضوع لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ما يجاذيها من الأجرام، لا شك أنه لا يمكن أن يكون إلهاً لأنه إن كان عرضاً فظاهر، وإن كان جسماً فكذلك للدليل الدال على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني ولا زائل ولا متنقل إلى غير ذلك من أمارات الحدوث والافتقار، وعند ذلك ذكر العلماء في تأويل الآية وجوهاً: الأول وهو قول ابن عباس والأكثرين، أن المضاف محذوف أي هو ذو نور السموات والأرض لأنه قال {مثل نوره} {ويهدي الله لنوره} والمضاف مغاير للمضاف إليه. فنظير الاية قولك "زيد كرم وجود" للمبالغة. الثاني أن معناه منور السموات كقراءة من قرأ {نور} بالتشديد وعلى القولين ما المراد بالنور؟ فالأكثرون على أنه الهداية والحق منا قال في آخر الآية {يهدي الله لنورهه من يشاء} شبهه بالنور في ظهوره وبيانه. وأضافه إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، أو على حذف المضاف أي نور أهل السموات والأرض وقيل: نور السماء بالملائكة وبالأجرام النيرة والأرض بها وبالأنبياء والعلماء وهو مروي عن أبيّ بن كعب والحسن وابي العالية. وقيل: هو تدبيره إياهما بحكمة كاملة كما يوصف الرئيس المدبر بأنه نور البلد إذا كان يدبر أمورهم تدبيراً حسناً، فهو لهم كالنور الذي يهتدي به في المضايق والمزالق. وهذا القول اختيار الأصم والزجاج. وقيل: هو نظمه إياهما على النهج الأحسن والوجه الأصلح. وقد يعبر بالنور عن النظام. يقال: ما أرى لهذه الأمور نوراً. الثالث: ما ذهب إليه الحكماء الأولون الإشراقيون وإليه ميل الشيخ الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي على ما قرره في رسالته المسماة بمشكاة الأنوار: أن الله تعالى نور في الحقيقة بل لا نور، إلا هو بيانه أن للإنسان بصراً يدرك به النور المحسوس الواقع من الأجرام النيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة، وبصيرة هي القوة العاقلة، ولا شك أن البصيرة أقوى من البصر لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها وهي العين، وأما لقوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب أو الدماغ، والإدراك الحسي غير منتج لأنه لا يصير سبباً لإحساس آخر، والإدراك العقلي يصير سبباً لإدراكات أخر حتى تجتمع علوم جمة، والحس يضطرب بكثرة ورود المحسوسات عليه حتى إنه لا يسمع الصوت الضعيف مثلاً بعد سماع الصوت الشديد، والعقل يزداد بهاؤه ونورانيته بكثرة توارد العلوم وتعاونها، والقوة الحسية تضعف بضعف البدن، والقوة العقلية تقوى بعد الأربعين حتى استدل بذلك على بقائها بعد خراب البدن، والقوة الحسية لا تدرك من القرب القريب ولا من البعد البعيد، والعقلية لا يختلف حالها في القرب والبعد فيدرك ما فوق العرش إلى ما تحت الثرى في لحظة واحدة، بل يدرك ذات الله وصفاته مع أنه منزه عن القرب والبعد والجهة، والحس لا يدرك من الشياء إلا ظواهرها، والعقل يغوص في حقائق الأشياء وفي أجزائها وجزئياتها وفي ذاتياتها وعرضياتها، فيوحد الكثير تارة بانتزاع صورة كلية من الجزئيات، ويكثر الواحد أخرى بالتجنيس والتنويع والتصنيف وغير ذلك من التقسيمات التي لا تكاد تتناهى. وإدراك العقل قد يكون مقدماً على وجود الشيء ويسمى العلم العقلي، وإدراك الحس تابع لوجود الشيء وإذا كان الروح الباصر نوراً فالبصيرة التي هي أشرف منها أولى بأن تكون نوراً، وكما أن نور المبصر يحتاج في إدراكه إلى معين من الخارج هو الشمس أو السراج مثلاً، فنور البصيرة ايضاً يحتاج في إدراكه إلى مرشد هو النبي أو القرآن فلذلك سمي القرآن نوراً {أية : والنور الذي أنزلنا}تفسير : [التغابن: 8] والنبي نوراً {أية : وسراجاً منيراً}تفسير : [الأحزاب: 46] فروح النبي في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام. ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من أنوار أخرى فوقها لقوله {أية : علمه شديد القوى}تفسير : [النجم: 5] {أية : قل نزله روح القدس من ربك}تفسير : [النحل: 102] فكل الأنوار تنتهي إلى مالا نور أنور منه ولا أجل وأشرف وهو الله سبحانه. والكلام المجمل في هذا المقام هو الذي قد سلف تحقيقه مراراً وهو أن الكمالات أنوار والملكات الذميمة ظلمات. وأيضاً الوجود نور والعدم ظلمة، فإن نظرنا إلى الكمال فكل كمال ينتهي إلى الله سبحانه ولا كمال فوق كماله، فهو نور الأنوار. وإن نظرنا إلى الوجود نفسه فلا ريب أن الممكن وجوده مستفاد من غيره إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته وهو نور الأنوار، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم بإشراق نوره، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره" تفسير : وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون الفاً. قال العلماء: الحجب ثلاثة أقسام: حجب ظلمانية محضة، وحجب ممزوجة من نور وظلمة، وحجب نورانية صرفة، أما المحجوبون بالأول فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لا يلتفت خاطرهم إلى الاستدلال بالمصنوعات على الصانع. وأما المحجوبون بالثاني فهم الذين اعتقدوا في الممكنات أنها غنية عن المؤثر، فنفس تصور الاستغناء عن الغير نور لأنه من صفات الله تعالى، ولكن اعتقاد حصوله لمن لا يليق به ظلمة فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة، وأما المحجوبون بالثالث فهم الذين استغرقوا في بحار صفات الله وأفعاله فاحتجبوا بالصفات عن الذات، فعرف منهذا التقرير أن الحجب لا تكاد تتناهى حيث لا نهاية للمكنات ولا انحصار للسلوب والإضافات، ولكن الحديث ورد على ما هو المتعارف في باب التكثير. ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة وهذا القول أصح عند أئمة اللغة وهي من لغة العرب ومنه المشكاة للزق الصغير. وقيل: هي بلغة الحبشة، وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري أن المشكاة هي القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة وهو قول مجاهد والقرطبي، ومثله قول الزجاج هي قصبة القنديل من الزجاجة التي يوضع فيها الفتيلة. وقال الضحاك: هي الحلقة التي يتعلق بها القنديل والمصباح السراج الضخم الثاقب وأصله من الضوء ومنه الصبح والدريّ فمن قرأ بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدر اي ابيض متلألئ، ومن قرأ بالهمز مضموم الدال كمرّيق أو مكسورها كسكيت، فمعناه أنه يدرأ الظلام بضوئه. وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا تهمزة لأنه ليس في كلام العرب "فعيل". ومن همزة من القراء فإنما أراد "فعول" على سبوح فاستثقل فرد بعضه غلى الكسر. والدري من الكواكب هي المشاهير كالمشتري والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت التي هي في العظم الأول. ومعنى {من شجرة مباركة} أن ابتداء ثقوبه من شجرة مباركة كثيرة المنافع وهي الزيتون. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به فإنها مصحة من الباسور"تفسير : وقيل: سميت مباركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، أو بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم عليه السلام فقوله {زيتونة} بدل من {شجرة} ومعنى {لا شرقية ولا غربية} أن منبتها في أكثر الشام وزيتونها أجود الزيتون والشام قريب من وسط العمارة ليس على الطرف الشرقي من الربع المسكون ولا على الطرف الغربي منه، وعن الحسن أراد شجرة الزيتون في الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية. وضعف بأن المثل إنما يضرب بما يشاهد وإنهم ما شاهدوا شجرة الجنة، وقيل: أراد أنها شجرة ملفوفة بالأشجار أو بأوراقها فلا تصيبها الشمس في مشرق ولا مغرب. وزيف بأن الغرض هو صفاء الزيت ولا يحصل إلا بكمال النضج وذلك يتوقف عادة على وصول أثر الشمس إلى الشجرة، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وهو اختيار الفراء والزجاج: المراد أنها ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً لأنها في موضع مكشوف، فيكون فيه دليل على كمال النضج الموجب لصفاء الزيت. ومنهم من قال: لا في مضحى ولا في مقنأة وهي المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ولكن الظل والشمس يتعاقبان عليها وذلك أجود لكمال الثمرة، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا خير في مضحى"تفسير : ثم وصف الزيت بالصفاء والبريق وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء. فهذا ما يتعلق بحل الألفاظ على ظاهر التفسير، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول: إن جمهور المتكلمين ذهبوا إلى أنه تعالى شبه الهداية وهي الآيات البينات في الظهور والجلاء، بالمشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء. وإنما اختار هذا التشبيه دون أن يقول إنها كالشمس في الظهور والوضوح لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهان التي هي كالظلمات وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل، وهذا المقصود لا يحصل من ضرب المثل بالشمس لأنها إذا طلعت لم تبق ظلمة أصلاً. والأمور التي اعتبرها الله سبحانه في هذا المثال منها كون المصباح في المشكاة وذلك ليكون أجمع للنور وأعون لتكاثف الأشعة وأصون له عن تعرض الرياح. زعم بعضهم أن في الكلام قلباً والمراد كمصباح في مكشاة والصحيح أنه لا حاجة إليه لأن هذا تشبيه مركب، ولهذا قال جار الله: أراد صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة كصفة مشكاة، ومنها كون المصباح في زجاجة صافية، فإن تعاكس الأنوار من جوانب الزجاجة يزيد المصباح نوراً. ومنها كون المصباح متقداً بدهن الزيت فليس في الأدهان ما يدانيه في اللمعان والتطويس. ومنها كون الزيت من شجرة بارزة للشمس فإن ذلك يدل على كما نضج الثمرة ونهاية صفاء ذهنها. وأما الإمام الغزالي رضي الله عنه فإنه يقول: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت عبارة عن المراتب الخمس الإنسانية. فأولها القوة الحساسة التي هي أصل الروح الحيواني وتوجد للصبي بل لكل حيوان، وأوفق مثال لها من عالم الأجسام المشكاة لأن تلك القوى تخرج من عدة ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين والفم. وثانيها القوة الخيالية التي تحفظ ما يورده الحواس مخزوناً عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه، وأنت لا تجد شيئاً في عالم الأجسام يشبه الخيال سوى الزجاجة فإنها في الأصل جوهر كثيف ولكن صفي ورقق حتى صار بحيث لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة. كذلك الخيال من طينة العالم السفلي الكثيف بدليل أن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحدّ،ولنه إذا صفي وهذب صار موازياً للمعاني العقلية ومؤدياً لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن في رمضان قبل الصبح. وثالثها القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف اليقينية ولا يخفى وجه تمثيله بالمصباح كما مر في تسمية النبي سراجاً. وحين كان الحس كالمقدمة للخيال وهي مالمقدمة للعقل قيل: إن المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح. ورابعها القوة الفكرية القوية على التقسيمات والاستنتاجات فمثالها مثال الشجرة المثمرة، وإذا كانت ثمرتها مادة ازدياد أنوار المعارف فبالحري أن لا تشبه إلا بشجرة الزيتون، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصباح وله من سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان. وإذا كانت الماشية تسمى مباركة لكثرة درها ونسلها فالذي لا تتناهى ثمرته على حد محدود أولى أن يسمى مباركاً. وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ناسب أن يقال لها {لا شرقية ولا غربية} وخامسها القوة القدسية النبوية التي {يكاد زيها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور}. وأما الشيخ الرئيس أو علي بن سينا فإنه نزل الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية المشهورة. فالمشكاة هي العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض، والزجاجة هي العقل بالملكة وهي قوة النفس حين حصل لها البديهيات وأمكن لها بواسطتها الترقي إلى النظريات والانتقال إلى الكسبيات. ثم إن كان الانتقال ضعيفاً فهي الشجرة وتسمى فكراً وإن كان قوياً فهي الزيت ويسمى حدساً، وإن كان في النهاية القصوى سميت قوة قدسية وهي التي {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور} ثم إذا حصل لها المعارف والعلوم المكتسبة بالفعل بحيث تقدر على ملاحظتها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد فهو المصباح ويسمى عقلاً بالفعل، وغياته أن تكون المعقولات حاضرة عندها متمثلة لها كأنها تشاهدها وهي نور على نور ويسمى عقلاً مستفاداً. أما الأول فلأن الملكة نور ومشاهدة تلك الملكة نور آخر، وأما الثاني فلأن ذلك غاية الاستفادة ونهاية التحصيل. وزعم الشيخ أبو علي أن المخرج من العقل الهيولاني إلى الملكة ثم منها إلى العقل التام هو العقل الفعال مدبر ما تحت كرة القمر عند الحكماء، وعبر عنه في الآية بالنار. وعن مقاتل أنه قال {مثل نوره} أي مثل نور الإيمان في قلب محمد كمشكاة فيها مصباح فالمشكاة نظير صلب عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد، واشجرة النبوة والرسالة. وقيل: المشكاة نظير إبراهيم عليه السلام، والزجاجة نظير إسماعيل والمصباح نظير جسد محمد وعن أبي بن كعب أنه قرأ {مثل نور من آمن به} ورأيت في كتب الشيعة عن علي رضي الله عنه مرفوعاً للقمر وجهان يضيء بهما أهل السموات والأرضين وعلى الوجهين مكتوب أتدرون ما كتابته؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: على وجه السموات {الله نور السموات والأرض} وعلى وجه الأرض محمد وعلي نور الأرضين. وقيل: المشكاة صدر محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه، والمصباح ما في قلبه من الدين، والشجرة إبراهيم عليه السلام، {ويوقد من شجرة} كقوله {أية : فاتبعوا ملة إبراهيم}تفسير : [آل عمران: 95] ومعنى {لا شرقية ولا غربية} أن إبراهيم لم يكن يصلي قبل المشرق كالنصارى ولا قبل المغرب كاليهود بل كان يصلي قبل الكعبة وهي ما بين المشرق والمغرب ومعنى {يكاد زيتها يضيء} أن نور محمد يكاد يتبين للناس قبل أن يتكلم قاله كعب. وقال الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي ومن هنا قال عبد الله بن رواحة: شعر : لو لم يكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر تفسير : وقال يحيى بن سلام: قلب المؤمن نوريّ يعرف الحق قبل أن يتبين لموافقته له وهو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله"تفسير : وقيل: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم به ولهذا يزداد نوراً على نور. قال ابي بن كعب: المؤمن بين اربع خلال: إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل. فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي ين أموات يتقلب في خمس من النور: كلامه نور، وعلمه نور ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة. قال الربيع: سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال: سره وعلانيته. قالت الأشاعرة في قوله {يهدي الله لنوره من يشاء} إشارة إلى أن هذه الدلائل مع وضوحها لا تكفي ولا تنفع ما لم يخلق الله الإيمان فيه، وقالت المعتزلة: اراد يهدي الله لطريق الجنة، أو أراد بقوله {من يشاء} الذين بلغهم حد التكليف والهدى محمول على زيادات الألطاف التي هي ضد الخذلان ولهذا قال في الكشاف: معناه يوفق. لإصابة الحق من نظر وتدبر معنى الإنصاف، وجانب جانب المراء والاعتساف، ولم يكن كالأعمى الذي يستوي عنده جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس وأكدوا ذلك بقوله {ويضرب الله الأمثال للناس} يعني النبي والمكلفين من أمته قالوا: إنما ذكره في معرض الإنعام ولو كان الكل بخلق الله تعالى لما تمكنوا من الانتفاع بالمثل فلا يكون نعمة. ثم زاد التأكيد بقوله {والله بكل شيء عليم} ففيه تحذير لمن لا يتفكر ولا يعتبر ولا يستدل ولا ينظر. قوله {في بيوت} اعترض أبومسلم على قول من قال إنه يتعلق بـ {كمشكاة} و {بتوقد} لأن كون المشكاة في بعض بيوت الله لا تزيد المصباح إنارة وإضاءة. وأيضاً الموصوف واحد فلا يكون إلا في مكان واحد وقوله {في بيوت} أمكنة متعددة ولا يصح أن يكون شيء واحد في أمكنة متعددة في حالة واحدة، وكذا لو جعل {في بيوت} صفة {مصباح} و {زجاجة} أو {كوكب} وأجيب بأن هذه صفة موضحة لا مميزة وذلك أن المشكاة تكون غالباً في بيوت العبادة أو المشكاة التي فيها مصباح إذا كانت في مثل هذه البيوت الرفيعة كانت أعظم وأكثر ضخامة فيكون في باب التمثيل أدخل. وعن الثاني أنه أريد بالمشكاة النوع لا الواحد كما لو قيل: "الذي يصلح لخدمتي رجل" يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته فإنه يراد به النوع لا الواحد. وذهب أبو مسلم إلا أنه راجع إلى قوله {ومثلاً من الذين خلوا} اي الأنبياء والمؤمنين الذين مضوا وكانوا ملازمين لبيوت العبادة. واعترض عليه بتفكيك النظم إذ ذاك وبأن الذين خلوا هم المكذبون. والأكثرون على أن البيوت هي المساجد، والإذن الأمر، والرفع التعظيم أو البناء. وعن عكرمة هي البيوت كلها، ومعنى الرفع البناء وذكر اسم الله عام في كل ذكر. وعن ابن عباس أن يتلي فيها كتابه. وقيل: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي. والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به. وقيل: الصلوات الخمس وقيل: صلاتا الصبح والعصر وكانتا واجبتين فقط في أول الإسلام فزيد فيهما. وعن ابن عباس: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وتلا هذه الآية. والأولى العموم. قيل: خص الرجال بالذكر لأنهم من أهل الجماعات دون النساء. ويحتمل أن يقال: لأنهم أصل والنساء تبع. واختلفوا في {لا تلهيهم تجارة} فقيل: نفي الإلهاء لأنه تجارة ولا بيع كقوله: شعر : ولا ترى الضب فيها ينجحر تفسير : وقيل: أثبت التجارة والبيع وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم شيء عن ذكر الله وهذا قول الأكثرين. وعن الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء.وما الفرق بين التجارة والبيع؟ قيل: الأول عام لأن صناعة التاجر قد يقع فيها البيع وقد يقع فيها الشراء، وخص البيع لأن الربح فيه يقين وفي الشراء مظنون، فالبيع أدخل في الالهاء. وقيل: اراد بالتجارة الشراء، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع. وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده. وذكر الله دعاؤه والثناء عليه بما هو أهله وقيل: هو الصلاة. ومن هنا قال ابن عباس: أراد بإقام الصلاة إتمامها لمواقيتها، وبإيتاء الزكاة طاعة الله والإخلاص له. والتاء في {إقامة} عوض من العين الساقطة للإعلال، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت. ثم حكى أن هؤلاء الرجال مع ما ذكر من الطاعة والإخلاص موصوفون بالوجل والخوف من أهوال يوم القيامة. وتقلب القلوب اضطرابها من الهول والفزع، وتقلب الأبصار شخوصها، أو المراد تقلب أحوالهما فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها، وتدرك الأبصار بعد أن كانت عمياء عن النظر والاعتبار وكأنهم انقلبوا من الشك والغفلة إلى اليقين والمعاينة. وقال الضحاك: إن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر والبصار تصير زرقاً. وقال الجبائي: يحتمل أن يراد تقلبها على جمر جهنم أو تغير ماهياتها بسبب ما ينالها من العذاب فتكون مرة بهيئة ما انضج بالنار، ومرة بهيئة ما أحرق، وقيل: إن القلوب تتقلب في ذلك اليوم من طمع النجاة إلى الخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أيّ ناحية يؤخذ بهم أم من ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ومن اي جهة يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل. قوله {ليجزيهم} متعلق بما قبله لفظاً أو معنى يسبحون ويخافون أو يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم وهو الواحد يعشر إلى سبعمائة وأكثر. وقيل: أراد بالأحسن الحسنات أجمع وهي الطاعات فرضها ونفلها. قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم وقال القاضي: أراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم فيصح أن الله تعالى يجزيهم بأحسن الأعمال. وهذا مبني على مذهبه في الإحباط والموازنة. ومعنى {ويزيدهم من فضله} كقوله {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} تفسير : [يونس: 26] وقوله {والله يرزق من يشاء بغير حساب} قد مر تفسيره في "البقرة". وحين بين حال المؤمن أنه يكون في الدنيا في النور بسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح وفي الآخرة يفوز بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبعه بيان أن الكافر يكون في الدنيا في أنواع الظلمات وفي الآخرة في أصناف الحسرات، وضرب لكل من حاله مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فذلك قوله {والذين كفروا أعمالهم كسراب} قال الأزهري: هو ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبهاً بالماء الجاري كأنه يسرب على وجه الأرض أي يذهب. وأما الآل فهو ما يتراءى في أول النهار. وظاهر كلام الخليل أنه لم يفرق بينهما. والقيعة بمعنى اللقاع وهو المستوى من الأرض. وقال الفراء: هي جمع قاع كجيرة في جار. والظمآن الشديد العطش، ووجه التشبيه أن الكافر يأتي ببعض أعمال البر ويعتقد ثواباً عليه فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب عظمت حسرته وتناهى غمه وحيرته فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى ما يحييه ويبقيه، فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به رجاءً للحياة، فإذا جاءه ولم يجد شيئاً عظم غمه وطال حزنه، قال مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته وفراقه الدنيا. وههنا سؤال وهو أنه كيف قال {جاءه} فأثبت أنه شيء لأن العدم لا يتصور المجيء إليه ثم قال {لم يجده شيئاً} فنفى كونه شيئاً؟ والجواب أراد شيئاً نافعاً كما يقال "فلان ما عمل شيئاً" وإن كان قد اجتهد. أو المراد جاء موضع السراب فلم يجد هناك شيئاً وأراد أنه تخيل أولاً ضباباً وهباء شبه الماء وذلك بإعانة من شعاع الشمس فإذا قرب منه رق وانتثر وصار هواء وهذا قول الحكماء. قوله {ووجد الله} أي وجد عقاب الله أو زبانية الله يأخذونه فيصلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق خلاف ما يتصور من الراحة والنعيم، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام. وأما المثل الآخر فهو قوله {أو كظلمات} وقد يقال معنى أو أنه شبه أعمالهم الحسنة بالسراب والقبيحة بالظلمات، أو الأول لأعمالهم الظاهرة والثاني لعقائدهم الفاسدة وللجيّ العميق الكثير الماء منسوب إلى اللُج وهو معظم ماء البحر، والظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب. وكذا الكافر له ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل قاله الحسن. وعن ابن عباس قلبه وبصره وسمعه. وقيل: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم. والظاهر أن الجمع للتكثير، وأن أنواع الضلالات والأباطيل اجتمعت فيه. والضمير في {أخرج} للواقع في الظلمات يدل عليه قرينة الحال. ومعنى {لم يكد يراها} لم يقرب أن يراها، ونفي القرب من الرؤية أبلغ من نفي الرؤية نفسها وقد مر هذا البحث في البقرة في قوله {أية : وما كادوا يفعلون}تفسير : [البقرة: 71] قالت الأشاعرة في قوله {ومن لم يجعل الله له نوراً} دلالة على أن الهداية بتخليق الله تعالى وبجعله جملة المعتزلة على منح الألطاف وقد مر أمثال ذلك مراراً. ولما وصف أنوار المؤمنين وظلمات الكافرين صرح بدلائل التوحيد فقال مستفهماً على سبيل التقرير {ألم تر أن الله يسبح له} وقد مر مثله في سورة "سبحان". والخطاب لكل من له أهلية النظر أو للرسول وقد علمه من جهة الاستدلال. ومعنى {صافات} أنهن يصففن أجنحتهن في الهواء والضمير في علم لكل أو لله عز وجل. وعلى الأول فالضمير في {صلاته وتسبيحه} إما لكل أو لله. والمعنى كل مسبح قد علم صلاته التي تليق بحاله أو صلاة الله التي كلفه إياها، وعلى الثاني فالضمير فيهما لكل والصلاة بمعنى الدعاء ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهما سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، والاستقصاء في حكاياتهن مذكور في خواص الحيوانات ولا سيما في كتاب عجائب المخلوقات. ثم بين أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال {ولله ملك السموات} الآية. ثم ذكر دليلاً آخر من الآثار العلوية قائلاً {الم تر أن الله يزجي سحاباً} أي يسوقه بالرياح {ثم يؤلف بينه} اي بين أجزائه أي يجمع قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً متراكماً ساداً للأفق {فترى الودق} المطر أو القطر {يخرج من خلاله} من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في جبل قوله {من السماء من جبال فيها من برد} الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض على أن قوله {من جبال} مفعول {ينزل} والثالثة للبيان أو الأوليان للبيان والثالثة للتبعيض، ومعناه أنه ينزل بعض البرد من السماء من جبال فيها وقد مر في أول البقرة في قوله {أية : أو كصيب من السماء}تفسير : [البقرة: 19] معنى البرد وأنه بخار يجمد بعدما استحال قطرات ماء. قال عامة المفسرين: إن في السماء جبالاً من برد خللقها الله فيها كما خلق في الأرض جبالاً من حجر. وقال أهل المعنى: السماء ههنا هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس، والمراد بالجبال الكثرة كما يقال "فلان يملك جبالاً من ذهب" ثم بين بقوله {فيصيب به} إلى آخر الاية. أنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها كيف يشاء، أو يهلك بالبرد من يشاء أن يعذبه به أبصارهم ليعتبروا ويحذروا، أو يعاقب بين الليل والنهار ويخالف بينهما في الطول والقصر وفي كل ذلك معتبر لذوي الأبصار، والذين يترقون من المصنوع إلى الصانع ويستدلون بالمحسوس على الغائب منتقلين من ظلمة التقليد إلى نور البرهان. ثم ذكر دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان فقال {والله خلق كل دابة من ماء} قال علماء المعاني: التنكير في {ماء} للتنويع أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء مخصوص وهو النطفة. وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير الثاني أكثر. وإنما عرّف في قوله {أية : وجعلنا من الماء كل شيء حي}تفسير : [الأنبياء: 30] لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء. وعن القفال أن قوله {من ماء} صفة {دابة} لا صلة خلق. والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي مخلوقة لله تعالى واحترز بها عن الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله من الماء وقيل: نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش إلا بالماء. ثم بين أن اصلهم وإن كان واحداً إلا أن خلقتهم مختلفة {فمنهم من يمشي على بطنه} وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق لفظة من تغليب للعقلاء.وسمي الزحف على البطن مشياً على سبيل المشاكلة أو الاستعارة نظيره قوله "فلان لا يتمشى له أمر" وقد يوجد من الدواب ذوات ارجل أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له اربع وأربعون رجلاً المسمى "دخال الأذن". وإنما لم يذكرها سبحانه لأنها نادرة بالنسبة إلى سائرهن. ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد وقت المشي على اربع فقط. وقيل: إن في قوله تعالى{يخلق الله ما يشاء}تنبيهاً على سائر الأقسام، ولا ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفاً من ذلك تذكيراً لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول: الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفيذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف الألوان والأشكال والصلابة واللبن، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات برياً وبحرياً أو برياً فقط أو بحرياً فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر. فمنها ما له مأوى معلوم كالروابي أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة. ومن الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء أيضاً، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير السود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء. وقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر التفرد كالعقاب. وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش زوجاً كالقطا والإنسان من الحيوانات الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها. ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوانات ما هو إنسيّ كالإنسان، وما هو إنسيّ بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر كالفهد. ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطئ استئناسه كالأسد. ومن الحيوان ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً حتى الإنسان. ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى الخفاش. ومنه هادئ الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق الذي رآه. وفي قوله {إن الله على كل شيء قدير} إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار. وحين فرغ من إثبات هذه الدلائل اراد أن يبين أحوال المكلفين وأن فيهم منافقين فقدم لذلك مقدمة وهي قوله {ولقد أنزلنا آيات مبينات} وإنما فقد العاطف ههنا بخلاف قوله {أية : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً}تفسير : [النور: 34] لأن المقصود هناك هو ما سبق من التكاليف والمواعظ، والغرض ههنا توطئة مقدمة لما يجيء عقيبه من حال أهل النفاق والوفاق. وقوله {وما أولئك} إشارة إلى الفريق المتولي. وإنما قال {بالمؤمنين} معرِّفاً لأنه اراد أنهم ليسوا بالذين عرفت صحة إيمانهم لثباتهم واستقامتهم. ويحتمل ان يكون {أولئك} إشارة إلى جميع القائلين آمنا وأطعنا وحينئذ يكون قوله {ثم يتولى فريق منهم} حكماً على بعض دفعاً للإلزام والنقض، فإن الحكم الكلي قلما يخلو عن منع ولمثل هذا قال في الاية الثانية {إذا فريق منهم معرضون} والحاصل أنه حكم أولاً على بعضهم بالتولي ثم صرح آخراً بأن الإيمان منتفٍ عن جميعهم. ويجوز أن يراد بالفريق المتولي رؤساء النفاق. وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين. قال جار الله: معنى {إلى الله ورسوله} إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كقولك "أعجبني زيد وعكرمة". أما سبب نزول الاية. فعن مقاتل أنها في بشر من المنافقين كما سبق في سورة النساء في قوله {أية : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت}تفسير : [النساء: 60] وعن الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فدفع إلى علي منها ملا يصيبه الماء إلا بمشقة. فقال المغيرة: يعني أرضك فباعها منه وتقابضا. فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء. فقال لعلي: اقبض ارضك فأبى ودعا المغيرة إلى محاكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المغيرة: أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإِنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ. قوله {يأتوا إليه} الجار صلة أتى فإنه قد يعدَّى بإلى. قال جار الله: والأحسن أن يتصل بمذعنين ليفيد الاختصاص أي لا يتحاكمون إذا عرفوا أن الحق لهم إلا إلى الرسول مسرعين في طاعته. ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه، وهذه الأمور وإن كانت متلازمة إلا أنها متغايرة في الاعتبار فصحت القسمة. ثم بين بقوله {بل أولئك هم الظالمون} أنهم لا يخافون حيفه لأنهم عارفون أمانته ولكن الظلم مركوز في جبلتهم وأنهم لا يستطيعون الظلم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك يأبون المحاكمة إليه إذا كان الحق عليهم. التأويل: للآية تأويلان: أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس. أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء {يكاد زيتها} وهو عالم الأرواح {يضيء} اي يظهر من العدم إلىعالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة {ولو لم تمسسه نار} ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود {نور على نور} فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله {أية : الرحمن على العرش استوى}تفسير : [طه: 5] وفي قوله {يهدي الله لنوره من يشاء} إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله تعالى إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى. وأما التأويل الثاني: فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال {أية : وأَشرقت الأرض بنور ربها}تفسير : [الزمر: 69] وهو مقام "كنت له سمعاً وبصراً" الحديث: {في بيوت} هي القلوب {أذن الله} أمر واراد {أن ترفع} درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال "وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" يروى أنه أوحى إلى داود عليه السلام "فرغ لي بيتاً اسكن فيه" فقال: رب أنت منزه عن البيوت. فقال: فرغ لي قلبك. ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال {ويذكر فيها اسمه} {لا تلهيهم تجارة} هي الفوز بدرجات الجنات كما قال {أية : هل أدلكم على تجارة تنجيكم}تفسير : [الصف: 10] {ولا بيع} هو بيع الدنيا بالجنة كقوله {أية : إن الله اشترى}تفسير : [التوبة:111] إلى قوله {أية : فاستبشروا ببيعكم}تفسير : [التوبة: 111] وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال {يخافون يوماً}هو يوم الفراق {تتقلب فيه القلوب والأبصار} والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء {أو كظلمات في بحر لجي} هو حب الدنيا {يغشاه موج} الرياء {من فوقه موج} هو حب الجاه وطلب الرياسة {من فوقه سحاب} الشرك الخفي {إذا أخرج} يد سعيه واجتهاده {لم يكد يراها} يرى طريق خلاصة {ومن لم يجعل الله له نوراً} أي لم يصبه رشاش النور الالهي في الأزل {يزجى} سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى. والودق هو مطر التوبة {يخرج من خلاله} كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه. ينزل من سماء القلب {من جبال} من قساوة {فيها من برد} هو برد القهر {يقلب الله} ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب {والله خلق} كل ذي روح {من ماء} هو روح محمد صلى الله عليه وسلم كما قال "حديث : أول ما خلق الله روحي"تفسير : {فمنهم من يمشي} أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه {ومنهم من يمشي على رجلين} أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع {ومنهم من يمشي على أربع} هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة {أفي قلوبهم مرض} انحراف في الفطرة {أم ارتابوا} بتشكيك أهل البدع والأهواء {أم يخافون} الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية {وإليه المآب}.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية: النور في كلام العرب الأضواء المُدْرَكَةُ بالبصر، ويُسْتَعْمَلُ مجازاً فيما صَحَّ من المعاني ولاح؛ فيقال: كلام له نور، ومنه الكتاب المنير واللّه تعالى ليس كمثله شيء فواضح أَنَّهُ ليس من الأضواء المُدْرَكَةِ، ولم يبقَ إلاَّ أَنَّ المعنى مُنَوِّرُ السموات والأرض، أي: به وبقدرته أنارت أضواؤها واستقامت أمورها كما تقول الملك نور الأمة أي قِوام أمورها وصلاحُ جملتها، والأمر في الملك مجاز، وهو في صفة اللّه تعالى حقيقة مَحْضَةٌ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وغيره: «اللّه نَوَّرَ» ـــ بفتح النون والواو المشددة وفتح الراء ـــ والضمير في {نوره} يعود على اللّه تعالى؛ قاله جماعة، وهو إضافة خلق إلى خالق، كما تقول: ناقة اللّه، وبيت اللّه، ثم اختلفوا في المراد بهذا النور، فقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو المؤمن، وقيل: هو الإيمان والقرآن، وفي قراءة أُبَيِّ ابن كعب: «مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِينَ» والمشكاة: هي الكُوَّةُ غير النافذة فيها القنديل ونحوه، وهذه الأقوال الثلاثة يَطَّرِدُ فيها مقابلة جزء من المثال بجزء من المُمَثَّلِ، فعلى قول مَنْ قال: المُمَثَّلُ محمد صلى الله عليه وسلم ـــ وهو قول كعب الأحبار ـــ فرسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم هو المشكاةُ أو صدره، والمصباح هو النبوة وما يَتَّصِلُ بها من علمه وهداه، والزجاجة: قلبه، والشجرة المباركة: هي الوحي، والزيت: هو الحجج والبراهين. وعلى قول مَنْ قال: إنَّ المُمَثَّلَ به هو المؤمن ـــ وهو قول أُبَيِّ بن كعب ـــ، فالمشكاة صدره، والمصباح: الإيمان، والعلم، والزجاجة: قلبه، والشجرة القرآن، وزيتها: هو الحجج، والحكمة التي تضمنها قولُ أُبَيٍّ فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي في قبور الأموات، وتحتمل الآية معنى آخر، وهو أَنْ يريدَ: مَثَلُ نورِ اللّه الذي هو هداه في الوضوح كهذه الجملة من النور، الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة؛ التي هي أبلغ صفات النور، الذي هو بين أيديكم أَيُّها البشر؛ وقال أبو موسى: المشكاة: الحديدة أو الرَّصَاصَةُ التي يكون فيها القنديل في جوف الزجاجة، والأَوَّلُ أَصَحُّ. وقوله: {فِي زُجَاجَةٍ} لأَنَّه جسم شَفَّافٌ، المصباحُ فيه أنور منه في غير الزجاجة، والمصباح: الفتيل بناره. وقوله: {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} أي في الإنارة والضوء، وذلك يحتمل معنيين: إمَّا أَنْ يريد أَنَّها بالمصباح كذلك، وإمَّا أَنْ يريد أَنَّها في نفسها؛ لصفائها وجودة جوهرها، وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور؛ قال الضَّحَّاكُ: الكوكب الدُّرِّيُّ: الزهرة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «تَوَقَّدَ» ـــ بفتح التاء والدال ـــ، والمراد: المصباح، وقرأ نافع وغيره: «يُوقَدُ» أي: المصباح. وقوله: {مِن شَجَرَةٍ} أي من زيت شجرة، والمباركة: المُنَمَّاةُ. وقوله تعالى: {لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} قال الحسن: أي: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا؛ وإنَّما هو مَثَلٌ ضربه اللّه تعالى لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إمَّا شرقِيَّةً وإمَّا غربِيَّةً، وقيل غيرُ هذا. وقوله سبحانه: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيء...} الآية مبالغة في صفة صفائه وحُسْنِهِ. وقوله: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} أي: هذه كلها ومعان تكامل بها هذا النورُ المُمَثَّلُ به، وفي هذا الموضع تمَّ المثالُ، وباقي الآية بَيِّنٌ. وقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} قال ابن عباس وغيره: هي المساجد المخصوصةُ بعبادة اللّه التي من عادتها أنْ تُنَوَّرَ بهذا النوع من المصابيح. وقوله: {أَذِنَ ٱللَّهُ}: بمعنى: أمر وقضى، و {تُرْفَعَ} قيل: معناه تُبْنَى وتُعَلَّى؛ قاله مجاهد وغيره؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ...} تفسير : [البقرة:127]. وقال الحسن: معناه تُعظَّم ويُرْفَعُ شأنها، وذكر اسمه تعالى هو بالصلاة والعبادة قولاً وفعلاً، و {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} أي: في المساجد، {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ} قال ابن عباس: أراد ركعتي الضُّحَى. والعصر، وإنَّ ركعتي الضحى لفي كتاب اللّه وما يغوص عليها إلاَّ غَوَّاصٌ؛ ثم وصف تعالى المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمرَ اللّه تعالى وطلبهم رضاه، لا يشغلهم عن الصلاة وذكرِ اللّه شيءٌ من أمور الدنيا. قلت: وعن عمر - رضي اللّه عنه - أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحَدٍ، يَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، ويُسْمعُهُمُ الدَّاعِي، فَيْنَادِي مُنَادٍ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ لَمِنَ الْكَرَمُ اليَوْمَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِع} [السجدة:16]؟ ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُواْ {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } إلى آخر الآية، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الجَمْعِ لَمِنِ الكَرَمُ اليَوْمَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ رَبَّهمْ» تفسير : مختصراً رواه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» وله طرق عن أَبي إسحاقَ، انتهى من «السلاح»، ورواه أيضاً ابن المبارك من طريق ابن عباس قال: «حديث : إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ نَادَىٰ مُنَادٍ: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ منْ أَصْحَابُ الكَرَم، لِيَقُمْ الحَامِدُونَ لِلَّهِ تَعَالَىٰ عَلَىٰ كُلِّ حَالٍ، فَيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إلَى الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنَادِي ثَانِيَةً: سَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الكَرَمِ؛ لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانَتْ جُنُوبُهُمْ تَتَجَافَىٰ عَنِ المَضَاجِعِ؛ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ؛ قَالَ: فَيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إلى الجنَّة، ثُمَّ يُنَادِي ثَالِثَةً: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ مَنْ أَصْحَابُ الكَرَمِ؛ لِيَقُمَ الَّذِينَ كَانَتْ: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَاء ٱلزَّكَـوٰةِ يَخَـٰفُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَـٰرُ} فيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إلى الجَنَّة»تفسير : . انتهى من «التذكرة». والزكاة هنا عند ابن عباس: الطاعة للَّه. وقال الحسن: هي الزكاةُ المفروضة في المال، واليوم المخوف: هو يوم القيامة، ومعنى الآية: إنَّ ذلك اليوم لِشِدَّةِ هوله القلوبُ والأبصارُ فيه مضطربةٌ قَلِقَةٌ متقلبة. قلت: ومن «الكلم الفارقية»: سعادة القلبِ إقباله على مُقَلِّبِهِ والعالِم بحال مَآله ومُنْقَلَبهِ، القلوبُ بحارٌ جواهرُها المعارفُ، وسواحلها الألسنة وغواصها الفكرة النافذة، غَوَّاصُ بحر الصُّوَرِ يغوصُ بصورته في طلب مكسبه، والعارِفُ يغوص بمعنى قلبه في بحار غَيْبِ رَبِّهِ، فيلتقط جواهرَ الحكمة ودُرَرَ الدِّرَايَةِ قلوبُ العارفين، كالبحار تنعقد في أصداف ضمائرهم جواهِرُ المعارف والأسرار، القلوب كالأراضي إلى من أسلمت إليه قلبك بذر فيه ما عنده, أَمَّا مَنْ بذر نفسه ووسواسه العفن المسوس, أو بذر فيه معرفته بالرب المقدس، انتهى. قلت: فإنْ أردت سلامتك في ذلك اليوم فليكن قلبك الآن مقبلاً على طاعة مولاك؛ فإنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاَّ مَنْ أَتَى اللّه بقلب سليم. قال الواحِدِيُّ: تتقلب فيه القلوبُ بين الطمع في النجاة والخوفِ من الهلاك، والأبصارُ تتقلَّبُ في أيِّ ناحية يؤخذ بهم أذاتَ اليمين أم ذاتَ الشمال، ومن أيِّ جهة يُؤتون كتبَهم، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. هذه جملة من مبتدأ وخبر، إما على حذف مضاف، أي: ذو نور السموات والمراد بالنور: عَدْلُهُ، ويؤيد هذا قوله: "مَثَلُ نُورِهِ" وأضاف النور لهذين الظرفين إما دلالة على سَعَةِ إِشْرَاقِهِ، وَفشُوّ إضاءته حتى تضيء له السمواتُ والأرضُ، وإمَّا لإرادة أهل السموات والأرض، وأنهم يَسْتَضِيئُونَ به. ويجوز أن يُبَالَغَ في العبادة على سبيل المدح كقولهم: فلان شَمْسُ البلادِ وقمرُها قال النابغة: شعر : 3831- فإِنَّك شَمْسٌ والمُلُوكُ كَوَاكِبٌ إذَا ظَهَرتْ لم يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ تفسير : وقال (آخر): شعر : 3832- قَمَرُ القَبَائِلِ خَالِدُ بن يزيد تفسير : ويجوز أن يكون المصدر واقعاً اسم الفاعل، أي: مُنَوِّرُ السَّمواتِ. ويؤيد هذا الوجهَ قراءة أمير المؤمنين وزيد بن علي وأبي جعفر وعبد العزيز المكي: "نَوَّر" فعلاً ماضياً، وفاعله ضمير الباري تعالى، "السموات" مفعوله، وكَسْرُهُ نَصْبٌ، و"الأَرْضُ" بالنصب نَسَقٌ عليه. وفَسَّرَهُ الحسنُ فقال: "اللَّهُ مُنوِّرُ السَّمواتِ". فصل قال ابن عباس: هادي أهل السموات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون. وقال الضحاك: منوِّر السموات والأرض، يقال: نوّر الله السماء بالملائكة ونوّر الأرض بالأنبياء. وقال مجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض. وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية: مزَيّن السموات والأرض، زين السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقيل: بالنبات والأشجار. وقيل: معناه: الأنوار كلها منه، كما يقال: فلان رحمة، أي: منه الرحمة. وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح، كقول القائل: شعر : 3833- إذا سارَ عبدُ اللَّهِ من مَرْوَ لَيْلَةً فقد سارَ منها نورُها وجمالُها تفسير : قوله: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} مبتدأ وخبر، وهذه الجملة إيضاحٌ وتفسيرٌ لِمَا قبلها، فلا محلَّ لها، وثمَّ مُضَاف محذوف، أي: كَمَثَلِ مِشْكَاةٍ. قال الزمخشري: أي: صفةُ نُورِهِ العجيبةُ الشأنِ في الإضاءة "كَمِشْكَاةٍ" أي: كصفة (مشكاة). واختلفوا في الضمير في "نُورِهِ": فقيل: هو الله تعالى، أي: مثل نور الله - عزَّ وجلَّ - في قلب المؤمن، وهو النور الذي يهتدى به، كما قال: {أية : فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} تفسير : [الزمر: 22]. وكان ابن مسعود يقرأ "مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ المُؤْمِن" وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: "مثل نوره الذي أعطى المؤمن" وعلى هذا المراد بالنور: الإيمان، والآيات البيّنات. وقيل: يعود على المؤمنين أو المؤمن، أو من آمن به، أي مثل نور قلب المؤمن. وكان أبيّ يقرأ بهذه الألفاظ كلها، وأعاد الضمير على ما قرأ به. والمراد بالنور: الإيمان والقرآن لقوله تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة: 15] يعني: القرآن. وقال سعيد بن جبير والضحاك: الضمير يعود على محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يتقدم لهذه الأشياء ذِكْر. وأما عوده على المؤمنين في قراءة أبيّ، ففيه إشكال من حيث الإفراد. قال مكّيٌّ: يُوقَف على الأرض في هذه الأقوال الثلاثة. وقيل: أراد بـ "النور" الطاعة، سمى طاعة الله نوراً، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلاً. فصل واختلفوا في هذا التشبيه: (هل هو) تشبيه مركب، أي: أنه قصد تشبيه جملة بجملة من غير نظر إلى مقابلة جزء بجزء، بل قصد تشبيه هُدَاهُ وإتْقَانهُ صُنْعَتَهُ في كل مخلوق على الجملة بهذه الجملة من النور الذي يتخذونه، وهو أبلغ صفات النور عندكم أو تشبيه غير مركب، أي: قصد مقابلة جزء بجزء. ويترتب الكلام فيه بحسب الأقوال في الضمير في "نورِهِ". و"المِشْكَاةُ": الكُوَّةُ غير النَّافِذة. وهل هي عربية أم حبشيّة مُعَرَّبَةٌ؟ خلاف. قال مجاهد: "هي القنديل". وقيل: هي الحديدةُ أو الرَّصاصةُ التي يُوضع فيها الذُّبالُ، وهو الفتيل، ويكون في جوف الزجاجة. وقيل: هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح. وقيل: ما يعلق منه القنديل من الحديدة. وأمال "المِشْكَاة" الدُّوري عن الكسائي لِتقدُّم الكسر وإن وُجِدَ فاصل ورُسِمَتْ بالواو كـ "الزكوة" و"الصلواة". والمصباح: السِّراج الضَّخم، وأصله من الضوء ومنه الصبح. والزّجاجة: واحدة الزّجاج، وهو جوهَر معروف، وفيه ثلاث لغات: فالضم: لغة الحجاز، وبها قرأ العامة. والكسر والفتح: لغة قيس. وبالفتح قرأ ابن أبي عبلة ونصر بن عاصم في رواية ابن مجاهد. وبالكسر قرأ نصر بن عاصم في رواية عنه، وأبو رجاء. وكذلك الخلاف في قوله: "الزُّجَاجَةُ". والجملة من قوله: "فِيهَا مِصْبَاح" صفة لـ "مشكاة"، ويجوز أن يكون الجار وحده هو الوصف، و"مِصْبَاح" مرتفع به فاعلاً. قوله: "دُرِّي". قرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال، وياء بعدها همزة. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بضم الدال وياء بعدها همزة. والباقون بضم الدال وتشديد الياء من غير همز. وهذه الثلاثة في السبع. وقرأ زيد بن عليّ والضحاك وقتادة بفتح الدال وتشديد الياء. وقرأ الزهري بكسرها وتشديد الياء. وقرأ أبان بن عثمان وابن المسيب وأبو رجاء وقتادة أيضاً "دَرِّيءٌ" فتح الدال وياء بعدها همزة فأما الأولى فقراءة واضحة، لأنه بِنَاءً كثيرٌ، يوجد في الأسماء نحو: "سِكِّين" وفي الصفات نحو "سِكِّير". وأما القراءة الثانية فهي من "الدرء" بمعنى: الدفع، أي: يدفع بعضها بعضاً، أو يدفع ضوؤها خفاءها. قيل: ولم يوجد شيء وزنه "فُعِّيل" إلا "مُرِّيقاً" للعُصْفر، و"سُرِّيّة" على قولنا: إنها من السّرور، وأنه أبدل من إحدى المُضَعَّفَات ياء، وأُدْغِمت فيها ياء "فُعِّيل"، و"مُرِّيخاً" للذي في داخل القرن اليابس، ويقال بكسر الميم أيضاً، و"عُلِّيّة" و"دُرِّيءٌ" في هذه القراءة، و"دُرِّيَّة" أيضاً في قولٍ، وقال بعضهم: وزن "دريء" في هذه القراءة "فُعُّول" كسُبُّوح قُدُّوس فاستثقل توالي الضم فنُقِل إلى الكسر، وهذا منقول أيضاً في "سُرِّيّة" و"دُرِّيّة". وأما القراءة الثالثة فتحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أصلها الهمز كقراءة حمزة إلا أنه أُبدل من الهمز ياءً، وأُدغِم، فيتحد معنى القراءتين. ويحتمل أن تكون نسبة إلى الدُّرِّ لصفائها، وظهور (إشراقها). وأما قراءة تشديد الياء مع فتح الدال وكسرها، فالذي يظهر أنه منسوب إلى الدُّرّ. والفتح والكسر في الدال من باب تغييرات النسب. وأما فتح الدال مع المد والهمز ففيها إشكال. قال أبو الفتح: وهو بناءٌ عزيز لم يُحْفَظ منه إلاّ السَّكِّينة بفتح الفاء وتشديد العين. قال شهاب الدين: وقد حكى الأخفش فعلية السَّكِّينَة والوَقَار، وكَوْكَبٌ دَرِّيءٌ من (دَرَأْتُه). قوله: "تُوقَدُ" قرأ ابن كثير وأبو عمرو "تَوَقَّدَ" بزنة "تَفَعَّلَ" فعلاً ماضياً فيه ضمير فاعله يعود على "المِصْبَاح"، ولا يعود على "كَوْكَبٍ" لفساد المعنى. والأخوان وأبو بكر: "تُوقَدُ" بضم التاء من فوق وفتح القاف مضارع "أَوقَدَ"، وهو مبني للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير يعود على "زُجَاجَة" فاستتر في الفعل. وباقي السبعة كذلك إلا أنه بالياء من تحت، والضمير المستتر يعود "المِصْبَاح". وقرأ الحسن والسُّلمي وابن مُحيصن ورُويَتْ عن عاصم من طريق المُفضَّل كذلك إلا أنه ضمَّ الدَّال، جعله مضارع "تَوَقَّدَ"، والأصل "تَتَوَقَّد" بتاءين فحذف إحداهما كـ "تَتَذَكّر"، والضمير أيضاً للزجاجة. وقرأ عبد الله "وُقِّدَ" فعلاً ماضياً بزنة "قُتِّلَ" مشدداً، أي: "المصْبَاحُ" وقرأ الحسن وسلام أيضاً "يَوَقَّدُ" بالياء من تحت وضم الدال مضارع "توقد"، والأصل "يتوقد" بياء من تحت وتاء من فوق، فحذف التاء من فوق (و) هذا شاذٌ، إذ لم يَتَوال مِثلان، ولم يَبْقَ في اللفظ ما يدل على المحذوف، بخلاف "تَنَزَّلُ" و"تَذَكَّرُ" وبابه، فإن فيه تاءين، والباقي يدل على ما فُقِدَ. وقد يُتَمَحَّلُ لصحته وجه من القياس، وهو أنهم قد حملوا "أَعِدُ" و"تَعِدُ" و"نَعِدُ" على "يَعِدُ" في حذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فكذلك حملوا "يَتَوَقّدُ" بالياء والتاء على "تَتَوَقَّدُ" بتاءين وإن لم يكن الاستثقال موجوداً في الياء والتاء. قوله: "مِنْ شَجَرَةٍ" مِنْ لابتداء الغاية، وثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي: من زيت (شَجَرَةٍ). و"زَيْتُونَةٍ" فيها قولان: أشهرهما: أنها بدل من "شَجَرَةٍ". الثاني: أنها عطف بيانٍ، وهذا مذهب الكوفيين، وتبعهم أبو علي. وتقدم هذا في قوله: {أية : مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} تفسير : [إبراهيم: 16]. قوله: "لاَ شَرْقِيَّةٍ" صفة لـ "شجرةٍ" ودخلت "لاَ" لتفيد النفي. وقرأ الضَّحَّاكُ بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: لاَ هِيَ شَرْقِيةٌ، والجملة أيضاً في محل جر نعتاً لـ "شَجَرَةٍ". (قوله: "يَكَادُ" هذه الجملة أيضاً نعت لـ "شَجَرَةٍ"). قوله: {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} جوابها محذوف، أي: لأضاءت، لدلالة ما تقدم عليه، والجملة حالية. وتقدم تحرير هذا في قولهم: أعطوا السائل وَلَوْ جاء على فَرَسٍ. وأنها لاستقصاء الأحوال حتى في هذه الحالة. وقرأ ابن عباس والحسن: "يَمْسَسْهُ" بالياء، لأن التأنيث مجازي، ولأنه قد فصل بالمفعول أيضاً. فصل في كيفية هذا التمثيل قال جمهور المتكلمين: معناه: أن هداية الله قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات، وصار ذلك بمنزلة المشكاة التي يكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح (يتّقد بزيت) بلغ النهاية في الصفاء. فإن قيل: لم شبهه بذلك مع أن ضوء الشمس أعظم منه؟ فالجواب: أنه تعالى أراد أن يصف الضوء الكامل الذي يلوح وسط الظلمة، لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات (وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين الظلمات) وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس، لأن ضوءها إذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص، وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة، فلا جرم كان هذا المثل أليق وأوفق. فصل اعلم أن الأمور التي اعتبرها الله تعالى في هذه المثل توجب كمال الضوء. فأولها: أن المصباح إذا لم يكن في المشكاة تفرقت أشعته، أما إذا وضع في المشكاة اجتمعت أشعته فكانت أشد إنارة، ويحقق ذلك أن المصباح ينعكس شعاعه من بعض جوانب الزجاجة إلى البعض، لما في الزجاجة من الصفاء والشفافة، فيزداد بسبب ذلك الضوء والنور، والذي يحقق ذلك أن شعاع الشمس إذا وقع على الزجاجة الصافية تضاعف النور الظاهر، حتى إنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك الضوء، فإذا انعكست تلك الأشعة من كل جانب من جوانب الزجاجة إلى الجانب الآخر كثرت الأنوار والأضواء وبلغت النهاية. وثانيها: أن ضوء المصباح يختلف بحسب اختلاف ما يتقد فيه، فإذا كان الدهن صافياً خالصاً كانت حاله بخلاف حاله إذا كان كدراً، وليس في الأدهان التي توقد ما يظهر فيه من الصفاء مثل الذي يظهر في الزيت، فربما بلغ في الصفاء والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض فيه وشعاع يتردد في أجزائه. وثالثها: أن الزيت يختلف باختلاف شجرته، فإذا كانت لا شرقية ولا غربية بمعنى أنها كانت بارزة للشمس (في كل حالاتها يكون زيتونها أشد نضجاً، فكان زيته أكثر صفاءً، لأن زيادة تأثير الشمس) تؤثر في ذلك، فإذا اجتمعت هذه الأمور وتعاونت صار ذلك الضوء خالصاً كاملاً، فيصلح أن يجعل مثلاً لهداية الله تعالى. فصل قال بعضهم: "هذه الآية من المقلوب والتقدير: مثل نوره كمصباح في مشكاة، لأن المشبه به هو الذي يكون معدناً للنور ومنبعاً له، وذلك هو المصباح لا المشكاة". فصل قال مجاهد: "المِشْكَاة": القنديل، والمعنى: كمصباح في مشكاة. المصباح في زجاجة، يعني: "القنديل" قال الزجاج: إنما ذكر الزجاجة لأن النور وضوء النار فيها أبين في كل شيء، وضوؤه يزيد في الزجاج. ثم وصف الزجاجة فقال: {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ}. والدَّرُّ: الدفع، لأن الكواكب تدفعُ الشياطينَ من السماء. وشبيه حالة الدفع، لأنه يكون في تلك الحالة أضوأ وأنور. وقيل: "دري" أي: طالع، يقال: درى النجم: إذا طلع وارتفع، ويقال: هو من درأ الكوكب: إذا اندفع منْقضاً فيضاعف ضوؤه في ذلك الوقت) (ويقال: درأ علينا فلان، أي: طلع وظهر. وقيل: الدري أي ضخم مضى، ودراري النجوم: عظامها. وقيل: الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام، وهي: زحل، والمريخ والمشتري، والزهرة وعطارد. وقيل: الكواكب المضيئة كالزهرة والمشتري والثوابت التي في المعظم الأول. فإن قيل: لم شبهه بالكوكب ولم يشبهه بالشمس والقمر؟. فالجواب لأن الشمس والقمر يلحقها الخسوف، والكواكب لا يلحقها الخسوف. "توقّد" يعني: المصباح، أي: اتَّقَدَ. ويقال: توقدت النار، أي: اتقدت، يعني: نار الزجاجة، لأن الزجاجة لا توقد. هذا على قراءة من ضم التاء وفتح القاف. وأما على قراءة الآخرين فـ "توقد" يعني المصباح {مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} أي: من زيت شجرة مباركة، فحذف المضاف بدليل قوله: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ}. وأراد بالشجرة المباركة: الزيتون وهي كثيرة البركة والنفع: لأن الزيت يسرج به وهو أضوأ وأصفى الأدهان، وهو إدام وفاكهة، ولا يحتاج في استخراجه إلى عصار، بل كل أحد يستخرجه. وقيل: أول شجرة نبتت بعد الطوفان، وبارك فيها سبعون نبياً منهم الخليل. وجاء في الحديث أنه مصحة من الباسور، وهي شجرة تورق من أعلاها إلى أسفلها. وقال عليه السلام: "حديث : كُلُوا الزَّيْتَ وادهنُوا بِهِ فإِنَّهُ من شَجَرة مُبَارَكةٍ ". تفسير : وقيل: المراد زيتون الشام، لأنه في الأرض المباركة فلهذا جعل الله هذه الشجرة بأنها {لا شرقية ولا غربية} واستدلوا على ذلك بوجوه: أحدها: أن الشام وسط الدنيا، فلا توصف شجرتها بأنها شرقية أو غربية. وهذا ضعيف، لأن من قال: "الأرض كرة" لم يثبت للمشرق والمغرب موضعين معينين، بل لكل بلد مشرق ومغرب على حدة، لأن المثل مضروب لكل من (يعرف، الزيت) وقد) يوجد في غير الشام كوجوده فيه. وثانيها: قال الحسن: "لأنها من شجر الجنة، إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية". وهذا أيضاً ضعيف، لأنه تعالى إنما ضرب المثل بما شاهدوه، وهم ما شاهدوا شجر الجنة. وثالثها: أنها شجرة يلتف بها ورقها التفافاً شديداً، ولا تصل الشمس إليها سواء كانت الشمس شرقية أو غربية، وليس في الشجر ما يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان. وهذا أيضاً ضعيف، لأن الغرض صفاء الزيت، وذلك لا يحصل إلا بكمال نضج الزيتون، وذلك إنما يحصل في العادة بوصول أثر الشمس إليه لا بعدم وصوله. ورابعها: قال ابن عباس: "المراد الشجرة التي تبرز على جبل عال، أو صحراء واسعة، فتطلع الشمس عليها حالتي الطلوع والغروب". وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة. وقال الفراء والزجاج: "لا شرقية وحدها ولا غربية وحدها، ولكنها شرقية غربية، كما يقال: فلان لا مسافر ولا مقيم، إذا كان يسافر ويقيم، أي: تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها، فتكون شرقية غربية تأخذ حظها من الأمرين، فيكون زيتها أضوأ، كما يقال: فلان ليس بأسود ولا أبيض، يريد: ليس بأسود خالص ولا بأبيض خالص، بل اجتمع فيه الأمران، وهذا الرمان ليس بحلو ولا حامض، أي: اجتمع فيه الحلاوة والحموضة". وهذا هو المختار، لأن الشجرة إذا كانت كذلك كان زيتها في نهاية الصفاء، وحينئذ يكون مقصود التمثيل أتم. وقيل: المراد بـ "المِشْكَاة" صدر محمد، (و"الزجاجة" قلب محمد) و"المصباح" ما في قلب محمد من الدين، {يوقد من شجرة} يعني: {أية : واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [النساء: 125] والشجرة: إبراهيم، ثم وصف إبراهيم بقوله: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} أي: لا يصلي قبل المشرق ولا قبل المغرب كاليهود والنصارى، بل كان عليه السلام يصلي إلى الكعبة، ثم قال: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} لأن الزيت إذا كان خالصاً ثم رئي من بعيد يرى كأن له شعاعاً، فإذا مسته النار ازْدَاد ضَوءاً على ضوئه كذلك. قال ابن عباس: "يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد نوراً على نور، وهدى على هدى". وقال الضحاك: "يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي". قال عبد الله بن رواحة: شعر : 3834- لَوْ لَمْ تَكُنْ فيه آياتٌ مبينةٌ كانتْ بديهتُه تُنْبِيكَ بالخَبر تفسير : وقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة: إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل والمصباح محمد - صلى الله عليه وسلم - سماه الله مصباحاً كما سماه سراجاً فقال {أية : وسراجاً منيراً} تفسير : [الأحزاب: 46] {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ} وهي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وسماه مباركاً، لأن أكثر الأنبياء من صلبه {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} أي لم يكن إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً، لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} يكاد محاسن محمد - صلى الله عليه وسلم - تظهر للناس من قبل أن يوحى إليه، {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} نبي من نسل نبي (نور محمد على نور إبراهيم). قوله: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} خبر مبتدأ مضمر أي: ذلك نور، و"عَلَى نُورٍ" صفة لـ "نُورٌ". والمعنى: أن القرآن نور من الله - عزَّ وجلَّ - لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نوراً على نور. {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ}. قال ابن عباس: "لدين الإسلام، وهو نور البصيرة". وقيل: القرآن. (قال إن المؤمن يتقلب في خمسة أنوار: قوله نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصير إلى نور). واستدل أهل السنة بهذه الآية على صحة مذهبهم فقالوا: "إنه تعالى بعد أن بين أن هذه الدلائل التي بلغت في الظهور والوضوح إلى هذا الحد الذي لا يمكن الزيادة عليه، قال: "يَهْدِي اللَّهُ" بإيضاح هذه الأدلة {لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} أي: وضوح هذه الدلائل لا يكفي ولا ينفع ما لم يخلق الله الإيمان". قوله: {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} يبين الله الأشباه للناس، أي: للمكلفين، تقريباً لأفهامهم، وتسهيلاً لنيل الإدراك. {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} وهذا كالوعيد لمن لا يعتبر ولا يتفكر في أمثاله، ولا ينظر في أدلته فيعرف وضوحها وبعدها عن الشبهات. قالت المعتزلة: قوله تعالى {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} ذكره في معرض النعمة، وإنما يكون نعمة عظيمة لو أمكنكم الانتفاع به وتقدم جوابه.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تهجد في الليل يدعو"حديث : اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت قيام السموات والأرض ومن فيهن أنت الحق، وقولك حق، ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت ". تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي عن زيد بن أرقم قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دبر صلاة الغداة وفي دبر الصلاة"حديث : اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد بأنك أنت الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمداً عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء إجعلني مخلصاً لك وأهلي في كل ساعة في الدنيا والآخرة، ذا الجلال والإِكرام اسمع واستجب، الله أكبر الله أكبر نور السموات والأرض، الله أكبر الله أكبر حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الله أكبر ". تفسير : وأخرج الطبراني عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عباس يقول: اللهم إني أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض أن تجعلني في حرزك وحفظك وجوارك وتحت كنفك. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {الله نور السماوات والأرض} يدبر الأمر فيهما. نجومهما، وشمسهما، وقمرهما. وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله {الله نور السماوات والأرض مثل نوره} الذي أعطاه المؤمن {كمشكاة} مثل الكوّة {فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية} في سفح جبل لا تصيبها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور} فذلك مثل قلب المؤمن نور على نور {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} قال: أعمال الكفار إذا جاؤوا رأوها مثل السراب إذا أتاه الرجل قد احتاج إلى الماء فأتاه فلم يجد شيئاً. فذلك مثل عمل الكافر يرى أن له ثواباً وليس له ثواب {أو كظلمات في بحر لجي} إلى قوله {لم يكد يراها} فذلك مثل قلب الكافر ظلمة فوق ظلمة. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن الشعبي قال: في قراءة أبي بن كعب {مثل نور المؤمن كمشكاة} . وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله {الله نور السماوات والأرض} يقول: مثل نور من آمن بالله كمشكاة قال: وهي النقرة يعني الكوّة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {مثل نوره} قال: هي خطأ من الكاتب. هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة قال: مثل نور المؤمن كمشكاة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق علي عن ابن عباس {الله نور السماوات والأرض} قال: (هادي أهل السموات وأهل الأرض) {مثل نوره} مثل هداه في قلب المؤمن {كمشكاة} يقول: موضع الفتيلة يقول: كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار إذا مسته النار ازداد ضوأً على ضوئه، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا أتاه العلم ازداد على هدى ونوراً على نور. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي العالية قال: هي في قراءة أبي بن كعب مثل نور من آمن به. أو قال مثل من آمن به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن أُبي بن كعب {الله نور السماوات والأرض مثل نوره} قال: هو المؤمن الذي جعل الإِيمان والقرآن في صدره، فضرب الله مثله فقال {الله نور السماوات والأرض} فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال: مثل نور من آمن به فكان أُبي بن كعب يقرؤها: مثل نور من آمن به فهو المؤمن جعل الإِيمان والقرآن في صدره {كمشكاة} قال: فصدر المؤمن المشكاة {فيها مصباح} والمصباح: النور، وهو القرآن، والإِيمان الذي جعل في صدره {في زجاجة} والزجاجة: قلبه. {كأنها كوكب دري} فقلبه مما استنار فيه القرآن والإِيمان كأنه كوكب دري يقول: كوكب مضيء. {توقد من شجرة مباركة} والشجرة المباركة: أصل المبارك الإِخلاص لله وحده. وعبادته لا شريك له. {زيتونة لا شرقية ولا غربية} قال: فمثله كمثل شجرة التف بها الشجر، فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حالة كانت، لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصله شيء من الفتن، وقد ابتلي بها فثبته الله فيها، فهو بين اربع خلال. إن قال صدق، وإن حكم عدل، وأن أعطى شكر، وإن ابتلى صبر. فهو في سائر الناس كالرجل الحي، يمشي بين قبور الأموات {نور على نور} فهو يتقلب في خمسة من النور. فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى نور يوم القيامة إلى الجنة. ثم ضرب مثل الكافر فقال {والذين كفروا أعمالهم كسراب...} قال: وكذلك الكافر يجيء يوم القيامة وهو يحسب أن له عند الله خيراً فلا يجده، ويدخله الله النار قال: وضرب مثلاً آخر للكافر فقال {أو كظلمات في بحر لجي} فهو يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار. فكذلك ميت الأحياء يمشي في الناس لا يدري ماذا له وماذا عليه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن اليهود قالوا لمحمد: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره فقال {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة} والمشكاة: كوة البيت. {فيها مصباح} وهو السراج يكون في الزجاجة. وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نوراً، ثم سماها أنواعاً شتى {لا شرقية ولا غربية} قال: هي وسط الشجرة لا تنالها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت وذلك لوجود الزيت {يكاد زيتها يضيء} يقول: بغير نار {نور على نور} يعني بذلك إيمان العبد وعمله {يهدي الله لنوره من يشاء} هو مثل المؤمن. وأخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله {كمشكاة فيها مصباح} قال: المشكاة: جوف محمد صلى الله عليه وسلم. والزجاجة: قلبه. والمصباح: النور الذي في قلبه. {توقد من شجرة مباركة} الشجرة: إبراهيم. {زيتونة لا شرقية ولا غربية} لا يهودية ولا نصرانية ثم قرأ {أية : ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} تفسير : [آل عمران: 67]. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن شمر بن عطية قال: جاء ابن عباس رضي الله عنهما إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله {الله نور السماوات والأرض مثل نوره} قال: مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة قال: المشكاة الكوة: ضربها مثلاً لفمه {فيها مصباح} والمصباح: قلبه. {في زجاجة} والزجاجة: صدره. {كأنها كوكب دري} شبه صدر محمد صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدري، ثم رجع إلى المصباح. إلى قلبه فقال: توقد من شجرة مباركة زيتونة يكاد زيتها يضيء قال: يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت أنه يضيء ولو لم تمسسه نار. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {الله نور السماوات والأرض} قال: الله هادي أهل السموات والأرض {مثل نوره} يا محمد في قلبك كمثل هذا المصباح في هذه المشكاة، فكما هذا المصباح في هذه المشكاة كذلك فؤادك في قلبك. وشبه قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدري الذي لا يخبو {توقد من شجرة مباركة زيتونة} تأخذ دينك عن إبراهيم عليه السلام. وهي الزيتونة {لا شرقية ولا غربية} ليس بنصراني فيصلي نحو المشرق، ولا يهودي فيصلي نحو المغرب {يكاد زيتها يضيء} فيقول: يكاد محمد ينطق بالحكمة قبل أن يوحى إليه بالنور الذي جعل الله في قلبه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {مثل نوره} قال: محمد صلى الله عليه وسلم {يكاد زيتها يضيء} قال: يكاد من رأى محمداً صلى الله عليه وسلم يعلم أنه رسول الله وإن لم يتكلم. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه {الله نور السماوات والأرض مثل نوره} قال: مثل نور المؤمن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه {مثل نوره} قال: مثل هذا القرآن في القلب {كمشكاة} قال: ككوة. وأخرج ابن جرير عن أنس رضي الله عنه قال: إن إلهي يقول "إن نوري هداي". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله {كمشكاة} قال: هي موضع الفتيلة من القنديل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما {كمشكاة} قال: ككوة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنه قال {كمشكاة} الكوة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {المشكاة} بلسان الحبشة. الكوة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: {المشكاة} الكوة بلغة الحبشة. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن عياض {كمشكاة} قال: ككوة بلسان الحبشة. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير {كمشكاة} قال: الكوة التي ليست بنافذة. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك. مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال {المشكاة} الكوة التي ليس لها منفذ {والمصباح} السراج. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {مثل نوره} قال: مثل نور الله في قلب المؤمن {كمشكاة} قال: الكوة {كأنها كوكب دري} قال: منير يضيء {زيتونة لا شرقية ولا غربية} قال: لا يفي عليها ظل شرقي ولا غربي كنا نتحدث انها صاحبة الشمس. وهو أصفى الزيت، وأطيبه، وأعذبه، هذا مثل ضربه الله للقرآن أي قد جاءكم من الله نور وهدى متظاهر أن المؤمن يسمع كتاب الله. فوعاه، وحفظه، وانتفع بما فيه، وعمل به، فهذا مثل المؤمن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {كمشكاة} قال: الصفر الذي في جوف القنديل {فيها مصباح} قال: السراج {في زجاجة} قال: القنديل {لا شرقية ولا غربية} قال: هي الشمس من حين تطلع إلى أن تغرب ليس لها ظل، وذلك أضوأ لزيتها، وأحسن له، وأنور له {نور على نور} قال: النار على الزيت جاورته. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك {كأنها كوكب دري} قال: يعني الزهرة. ضرب الله مثل المؤمن مثل ذلك النور يقول: قلبه نور، وجوفه نور، ويمشي في نور. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {كوكب دري} قال: ضخم. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {زيتونة لا شرقية ولا غربية} قال: قلب إبراهيم لا يهودي ولا نصراني. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا شرقية ولا غربية} قال: شجرة لا يظلها كهف ولا جبل، ولا يواريها شيء، وهو، أجود لزيتها. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والضحاك رضي الله عنه ومحمد بن سيرين. مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا شرقية ولا غربية} قال: ليست شرقية ليس فيها غرب، ولا غربية ليس فيها شرق، ولكنها شرقية غربية. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {لا شرقية ولا غربية} قال: هي في وسط الشجر لا تصيبها الشمس في شرق ولا غرب، وهي من وجوه الشجر. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ومحمد بن كعب. مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية. ولكنه مثل ضربه الله لنوره. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما {توقد من شجرة مباركة} قال: رجل صالح {لا شرقية ولا غربية} قال: لا يهودي ولا نصراني. وأخرج عبد بن حميد في مسنده والترمذي وابن ماجة عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي أسيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن عائشة رضي الله عنها "حديث : أنها ذكر عندها الزيت فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن يؤكل، ويدهن، ويستعط به، ويقول "إنه من شجرة مباركة" ". تفسير : وأخرج الطبراني عن شريك بن سلمة قال: ضفت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة، فأطعمني كسوراً من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتاً. وقال: هذا الزيت المبارك الذي قال الله لنبيه. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {يكاد زيتها يضيء} يقول: من شدة النور. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال الضوء إشراق الزيت. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه {نور على نور} قال: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا. وكذلك نور القرآن ونور الإِيمان. وأخرج ابن مردويه عن أبي العالية {نور على نور} قال: أتى نور الله تعالى على نور محمد.
ابو السعود
تفسير : قولُه تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} الخ حينئذٍ استئنافٌ مَسوقٌ لتقريرِ ما فيها من البـيانِ مع الإشعارِ بكونه في غاية الكمالِ على الوجه الذي ستعرفُه، وأمَّا على الأوَّلِ فلتحقيقِ أنَّ بـيانه تعالى ليس مقصُوراً على ما وردَ في السُّورة الكريمة بل هو شاملٌ لكلِّ ما يحقُّ بـيانُه من الأحكام والشَّرائعِ ومباديها وغاياتها المترتِّبة عليها في الدُّنيا والآخرة وغير ذلك ممَّا له مدخلٌ في البـيان وأنَّه واقعٌ منه تعالى على أتمِّ الوجوهِ وأكملِها حيث عبَّر عنه بالتَّنوير الذي هو أقوى مراتب البـيانِ وأجلاها وعبَّر عن المنوِّر بنفس النُّور تنبـيهاً على قوَّةِ التَّنوير وشدَّةِ التَّأثيرِ وإيذاناً بأنه تعالى ظاهرٌ بذاته، وكلُّ ما سواه ظاهرٌ بإظهاره، كما أنَّ النُّور نيِّرٌ بذاته وما عداه مستنير به وأضيف النُّور إلى السَّمواتِ والأرضِ للدِّلالةِ على كمال شيوع البـيان المُستعار له وغاية شمولهِ لكلِّ ما يليق به من الأمور التي لها مدخل في إرشاد النَّاسِ بوساطة بـيان شمول المُستعار منه لجميع ما يقبله ويستحقُّه من الأجرام العُلويَّةِ والسُّفليَّةِ فإنَّهما قُطرانِ للعالم الجسمانيِّ الذي لا مظهر للنُّور الحسيِّ سواه أو على شمول البـيان لأحوالهما وأحوال ما فيهما من الموجُودات، إذ ما من موجودٍ إلا وقد بُـيِّن من أحواله ما يستحقُّ البـيانَ إمَّا تفصيلاً أو إجمالاً، كيف لا ولا ريبَ في بـيان كونهِ دليلاً على وجود الصَّانعِ وصفاته وشاهداً بصحَّة البعثِ أو على تعلُّق البـيان بأهلهما كما قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: هادي أهلِ السَّمواتِ والأرضِ فهم بنوره يهتدون وبهداه من حَيرة الضَّلالةِ ينجُون، هذا وأما حملُ التَّنوير على إخراجهِ تعالى للماهيَّاتِ من العدمِ إلى الوجود ـ إذ هو الأصلُ في الإظهار كما أنَّ الإعدامَ هو الأصلُ في الإخفاء ـ أو على تزيـينِ السَّمٰواتِ بالنيِّرينِ وسائر الكواكب وما يفيضُ عنها من الأنوار أو بالملائكة عليهم السَّلامُ وتزيـين الأرض بالأنبـياءِ عليهم السَّلامُ والعلماء والمؤمنين أو بالنبات والأشجارِ أو على تدبـيره تعالى لأمورهما وأمور ما فيهما ـ فمما لا يلائمُ المقامَ ولا يساعدهُ حسنُ النِّظامِ. {مَثَلُ نُورِهِ} أي نورهِ الفائض منه تعالى على الأشياء المُستنيرة به وهو القرآنُ المبـينُ كما يعرب عنه ما قبله من وصف آياته بالإنزال والتَّبـيـينِ وقد صرّح بكونهِ نوراً أيضاً في قوله تعالى: { أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 174] وبه قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنهُما والحسنُ وزيدُ بنُ أسلم رحمهم الله تعالى، وجعلُه عبارةً عن الحقِّ وإن شاع استعارتُه كاستعارة الظُّلمة للباطل يأباه مقامُ بـيان شأن الآياتِ ووصفِها بما ذُكر من التَّبـيـين مع عدم سبق ذكر الحقِّ ولأنَّ المعتبرَ في مفهوم النُّور هو الظُّهورُ والإظهار كما هو شأنُ القُرآن الكريم. وأما الحقُّ فالمعتبر في مفهومِه من حيثُ هو حقٌّ هو الظُّهورُ لا الإظهارُ، والمراد بالمثل الصِّفةُ العجيبةُ أي صفة نوره العجيبة {كَمِشْكَاةٍ} أي صفة كُوَّة غير نافذةٍ في الجدار في الإنارة والتَّنويرِ {فِيهَا مِصْبَاحٌ} سراجٌ ضخمٌ ثاقبٌ، وقيل المشكاةُ الأُنبوبةُ في وسطِ القنديلِ والمصباحُ الفتيلةُ المشتعلةُ {ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ} أي قنديلٍ من الزُّجاجِ الصَّافي الأزهرِ. وقُرىء بفتح الزَّاي وكسرِها في الموضعينِ {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّىٌّ} متلألىءٌ وقَّادٌ شبـيه بالدُّرِّ في صفائه وزُهرته. ودراري الكواكب عظامُها المشهورةُ. وقُرىء دِرِّىء بدالٍ مكسورةٍ وراءٍ مشدَّدةٍ وياءٍ ممدودةٍ بعدها همزةٌ، على أنَّه فِعيلٌ من الدَّرءِ وهو الدَّفعُ أي مبالغٌ في دفعِ الظَّلامِ بضوئهِ أو في دفعِ بعضِ أجزاءِ ضيائهِ لبعضٍ عندَ البريقِ واللَّمعانِ. وقُرىء بضمِّ الدَّال، والباقي على حالهِ، وفي إعادةِ المصباحِ والزُّجاجةِ معروفينِ إثرَ سبقهما مُنكرين والإخبار عنهما بما بعدهما مع انتظامِ الكلامِ بأنْ يقالَ كمشكاةٍ فيها مصباحٌ في زجاجةٍ كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ - من تفخيمِ شأنهما ورفعِ مكانهِما بالتَّفسيرِ إثرَ الإبهامِ والتَّفصيلِ بعدَ الإجمالِ وإثباتِ ما بعدهما لهما بطريقِ الإخبارِ المنبىءِ عن القصد الأصليِّ دونَ الوصفِ المبنيِّ على الإشارة إلى الثُّبوت في الجملةِ - ما لا يخفى. ومحلُّ الجملةِ الأُولى الرَّفعُ على أنَّها صفةٌ لمصباحٌ، ومحلُّ الثَّانيةِ الجرُّ على أنَّها صفةٌ لزجاجةٍ واللاَّمُ مغنيةٌ عن الرَّابط كأنَّه قيل فيها مصباحٌ هو في زُجاجةٍ هي كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ. {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ} أي يبتدأُ إيقادُ المصباحِ من شجرةٍ {مُّبَـٰرَكَةٍ} أي كثيرةِ المنافعِ بأنْ رُويت ذبالتُه بزيتها، وقيلَ إنَّما وُصفتْ بالبركةِ لأنَّها تنبتُ في الأرضِ التي باركَ اللَّهُ تعالى فيها للعالمينَ {زَيْتُونَةٍ} بدلٌ من شجرةٍ وفي إبهامِها ووصفِها بالبركةِ ثم الإبدالِ منها تفخيمٌ لشأنِها. وقُرىء تُوقد بالتَّاء على أنَّ الضَّميرَ القائمَ مقامَ الفاعل للزُّجاجة دون المصباحِ. وقُرىء توقَّدَ على صيغة الماضي من التَّفعُّلِ أي ابتداءُ ثقوب المصباح منها. وقُرىء تَوقَّدُ بحذف إحدى التَّاءين من تتوقدُ على إسناده إلى الزُّجاجةِ {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} تقعُ الشَّمسُ عليها حيناً دُونَ حينٍ بل بحيثُ تقعُ عليها طولَ النَّهار كالتي على قُلَّة أو صحراء واسعةٍ فتقع الشَّمسُ عليها حالتَيْ الطُّلوع والغروب وهذا قولُ ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وسعيد بن جُبـير، وقتادة. وقال الفرَّاءُ والزَّجاجُ: لا شرقيَّة وحدها ولا غربـيَّة وحدها لكنَّها شرقيَّةٌ وغربـيَّةٌ أي تصيبها الشَّمسُ عند طلوعِها وعند غروبِها فتكون شرقيَّةً وغربـيَّةً تأخذ حظَّها من الأمرينِ فيكون زيتُها أضوأ. وقيل لا نابتة في شرقِ المعمُورة ولا في غربِها بل في وسطِها وهو الشَّامُ فإن زيوتَها أجودُ ما يكون وقيل لا في مَضحى تشرقُ الشَّمسُ عليها دائماً فتحرِقُها ولا في مَقْنأةٍ تغيب عنها دائماً فتتركها نيِّئةً. وفي الحديث: " حديث : لا خيرَ في شجرةٍ ولا في نباتٍ في مَقْنأةٍ ولا خير فيهما في مَضْحى "تفسير : . {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} أي هو في الصَّفاءِ والإنارةِ بحيثُ يكادُ يُضيءُ بنفسِه من غير مساسِ نارٍ أصلاً. وكلمة لو في أمثالِ هذه المواقع ليستْ لبـيان انتفاء شيءٍ في الزَّمان الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يُلاحظ لها جوابٌ قد حُذف ثقةً بدلالة ما قبلها عليه ملاحظةً قصديةً إلا عند القصدِ إلى بـيان الإعرابِ على القواعد الصناعيةِ بل هي لبـيان تحقُّقِ ما يفيده الكلامُ السَّابقُ من الحكم الموجبِ أو المنفيِّ على كل حالٍ مفروض من الأحوال المُقارنة له إجمالاً بإدخالِها على أبعدها منه إما لوجودِ المانع كما في قولِه تعالى: { أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} تفسير : [النساء: 78] وإما لعدم الشَّرط كما في هذه الآية الكريمة ليظهر بثبوتِه أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤُه مع ما عداه من الأحوالِ بطريق الأولويَّةِ لما أنَّ الشيءَ متى تحقَّقَ مع ما ينافيه من وجود المانعِ أو عدم الشَّرطِ فلأنْ يتحققَ بدون ذلك أولى ولذلك لا يُذكر معه شيءٌ آخرُ من سائر الأحوالِ ويكتفى عنه بذكر الواوِ العاطفةِ للجُملة على نظيرتها المقابلةِ لها المتناولة لجميع الأحوالِ المغايرةِ لها عند تعدُّدِها وهذا معنى قولِهم أنها لاستقصاء الأحوالِ على سبـيلِ الإجمال وهذا أمر مطَّرد في الخبر الموجب والمنفيِّ فإنَّك إذا قلتَ: فلانٌ جوادٌ يُعطي ولو كان فقيراً أو بخيلٌ لا يُعطي ولو كان غنيًّا تريد بـيان تحقُّقِ الإعطاء في الأوَّلِ وعدم تحقُّقِه في الثَّانِي في جميع الأحوال المفروضة والتَّقديرُ يُعطي لو لم يكن فقيراً، ولا يُعطي لو لم يكن غنيًّا فالجملة مع ما عُطفت هي عليه في حيِّزِ النَّصبِ على الحاليَّةِ من المستكِّنِ في الفعل الموجب أو المنفيِّ أي يُعطي أو لا يُعطي كائناً على جميعِ الأحوال. وتقديرُ الآية الكريمة يكادُ زيتُها يضيءُ لو مسَّته نارٌ ولو لم تمسسه نارٌ أي يضيءُ كائناً على كلِّ حال من وجود الشَّرطِ وعدمه وقد حُذفت الجملةُ الأولى حسبما هو المطَّردُ في الباب لدلالة الثَّانيةِ عليها دلالةً واضحةً {نُورٍ} خبرُ مبتدأ محذوفٍ. وقولُه تعالى: {عَلَىٰ نُورٍ} متعلِّق بمحذوفٍ هو صفة له مؤكِّدةٌ لما أفاده التَّنكيرُ من الفخامة. والجملة فَذْلكةٌ للتَّمثيل وتصريحٌ بما حصلَ منه وتمهيدٌ لما يعقبه أي ذلك النُّور الذي عُبِّر به من القرآن ومُثِّلتْ صفتُه العجيبةُ الشَّأنِ بما فُصِّل من صفة المشكاة نورٌ عظيمٌ كائن على نور كذلك لا على أنَّه عبارة عن نورٍ واحدٍ معيَّن، أو غير معيَّنٍ فوق نور آخرَ مثله ولا عن مجموع نورينِ اثنينِ فقط بل عن نورٍ مُتضاعفٍ من غير تحديد لتضاعفه بحدَ مُعيَّنٍ، وتحديدُ مراتبِ تضاعُف ما مُثِّل به من نورِ المشكاةِ بما ذُكر لكونِه أقصى مراتب تضاعفِه عادةً فإنَّ المصباحَ إذا كان في مكانٍ متضايق كالمشكاةِ كان أضوأَ له وأجمعَ لنورِه بسبب انضمامِ الشُّعاعِ المنعكس منه إلى أصلِ الشُّعاعِ بخلاف المكان المتَّسعِ فإنَّ الضَّوءَ ينبثُّ فيه وينتشرُ والقنديل أعونُ شيءٍ على زيادة الإنارةِ وكذلك الزَّيت وصفاؤه، وليس وراء هذه المراتبِ ممَّا يزيد نورَها إشراقاً ويمدُّه بإضاءةٍ مرتبةٌ أُخرى عادةً هذا وجعل النُّورِ عبارةً عن النُّورِ المشبه به مما لا يليق بشأن التَّنزيلِ الجليل {يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ} أي يهدي هدايةً خاصَّةً موصِلةً إلى المطلوب حتماً لذلك النُّور المتضاعف العظيمِ الشَّأنِ. وإظهارُه في مقام الإضمارِ لزيادة تقريرِه وتأكيدِ فخامتِه الذَّاتيَّةِ بفخامتِه الإضافيةِ النَّاشئةِ من إضافتِه إلى ضميره عزَّ وجلَّ {مَن يَشَآء} هدايتَه من عباده بأنْ يوفِّقَهم لفهم ما فيه من دلائلِ حقيقتِه وكونه من عند الله تعالى من الإعجاز والإخبارِ عن الغيبِ وغير ذلك من مُوجباتِ الإيمانِ به وفيه إيذانٌ بأنَّ مناطَ هذه الهدايةِ ومِلاكَها ليس إلا مشيئتَه تعالى وأنَّ تظاهرَ الأسباب بدونها بمعزلٍ من الإفضاء إلى المطالب. {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} في تضاعيف الهداية حسبَما يقتضِي حالُهم فإنَّ له دخلاً عظيماً في باب الإرشاد لأنَّه إبرازٌ للمعقول في هيئة المحسوس وتصويرٌ لأوابدِ المعاني بصورة المأنُوسِ ولذلك مُثّل نورُه المعبَّر به عن القُرآن المُبـين بنور المشكاة. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في مقام الإضمار للإيذانِ باختلاف حال ما أُسند إليه تعالى من الهدايةَ الخاصَّةَ وضربِ الأمثالِ الذي هو من قبـيلِ الهداية العامَّةِ كما يُفصح عنه تعليقُ الأُولى بمن يشاءُ والثَّانيةِ بالنَّاس كافَّة {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} معقولاً كان أو محسوساً ظاهراً كان أو باطناً، ومن قضيَّتِه أنْ تتعلقَ مشيئتُه بهداية مَن يليق بها ويستحقُّها مِن النَّاسِ دُونَ مَن عداهم لمخالفتِه الحكمةَ التي عليها مبْنى التَّكوينِ والتَّشريعِ وأنْ تكونَ هدايتُه العامَّة على فنونٍ مختلفةٍ وطرائقَ شتَّى حسبما تقتضيهِ أحوالُهم. والجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقررٌ لما قبله، وإظهارُ الاسمِ الجليل لتأكيد استقلالِ الجملة والإشعارِ بعلَّةِ الحكم وبما ذُكر من اختلافِ حال المحكومِ به ذاتاً وتعلُّقاً.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}[35] يعني مزين السماوات والأرض بالأنوار، {مَثَلُ نُورِهِ}[35] يعني مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم. قال الحسن البصري: عنى بذلك قلب المؤمن وضياء التوحيد، لأن قلوب الأنبياء صلوات الله عليهم أنور من أن توصف بمثل هذه الأنوار، وقال: النور مثل نور القرآن مصباح، المصباح سراجه المعرفة وفتيلته الفرائض ودهنه الإخلاص ونوره نور الاتصال. فكلما ازداد الإخلاص صفاء، ازداد المصباح ضياء، وكلما ازداد الفرائض حقيقة ازداد المصباح نوراً.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} الى قوله: {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} [الآية: 35]. قال ابن عطاء رحمه الله: زين الله تعالى السماوات باثنى عشر برجًا وهو الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت. وزين قلوب العارفين باثنى عشرة خصلةٍ: الذهن، والانتباه، والشرح، والعقل، والمعرفة، واليقين، والفهم، والبصيرة، وحباء القلب، والرجاء، والحياء، والمحبة فما دام هذه الروح قائمة يكون العالم على النظام والسعة. وكذلك ما دامت هذه الخصال فى قلب العارفين يكون فيها نور العافية وحلاوة العبادة. قال أبو سعيد الخراز: فى قوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} المشكاة: جوف محمد صلى الله عليه وسلم، والزجاجة: قلبه، والمصباح: النور الذى قد جعل الله فيه كأنها كوكب درى توقد من شجرة مباركة، والشجرة: إبراهيم صلى الله عليه وسلم جعل الله فى قلبه من النور ما جعل فى قلب محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن مسعود: مثل نور المؤمن كمشكاة، وهى الكوّة التى تنفذ لها إشارة إلى صدر المؤمن فيها مصباح وهو نور قلب المؤمن والمصباح فى زجاجة والزجاجة سر المؤمن. قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لله أوانٍ فأحبها إليه ما صفا ورقَّ كأنها كوكب درى ". تفسير : قال الواسطى رحمه الله: نفس خلقها الله مؤمنة فسماها شجرة مباركة كشجرة الزيتونة. قال سهل: مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم. وقال سفيان الثورى رحمه الله: مثل نور القرآن. وقال الحسن البصرى: عنى بذلك قلب المؤمن، وضياء التوحيد لأن قلوب الأنبياء أنور من أن توصف بمثل هذه الأنوار. قوله تعالى وتقدس: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} [الآية: 35]. قال ابن عطاء: لا قرب فيها، ولا بعد، فالله من القرب بعيد، ومن البعد قريب. قال جعفر رضى الله عنه فى هذه الآية: لا خوف يجلب القنوط، ولا رجاء يجلب الانبساط، فيكون قائمًا من الخوف والرجاء. قال الواسطى رحمه الله: لا دنيا به، ولا آخر به جذبها الحق الى قربه، وأكرمها بضيائه {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ} يكاد ضياء روحها يتوقد، {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} أى ولو لم يدعه نبىّ، ولا يسمعه كتاب، {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} نور الهداية وافق نور الروح، {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} لا باجتهاد المجتهدين، وطلب الطالبين وهرب الهاربين. قال الجنيد رحمه الله تعالى: فى قوله {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال هو منوّر قلوب الملائكة حتى سبحوه، وقدسوه، ومنوّر قلوب الرسل حتى عرفوا حقيقة المعرفة، وعبدوه حقيقة العبودية، وكذلك المؤمنون فقال: أنا منور قلوبكم بالهداية، والمعرفة. وقال الجنيد رحمه الله فى قوله: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} لا هى مائلة الى الدنيا، ولا راغبة فى الآخرة فانية الحظ من الأكوان. قال الواسطى رحمه الله فى قوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال: هادٍ. قال بعضهم: منور قلوبهم بنور الإيمان، مثل القلوب كمشكاة فجعل سويداء قلبه كزجاجة، لا يدخلها شىء وقاه من الضلالة والردى مصانة بالتسديد والهدى فهو منورها بهدايته وموفقها لطاعته. قال أبو على الجوزجانى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} بدأ بنوره والنور البيان فالله نور السماوات، ومن نوره اليقين سراج مضى فى قلب المؤمن كما قال الله: {مَثَلُ نُورِهِ} يعنى فى قلب المؤمن لأن قلب المؤمن منور بالإيمان، فنوّر قلبه من نور الله بيانًا مبينًا. فهو ينظر بنور ربه الى جميع ملكه، فيرى فيها بدائع صنعه، ويرى بنور المعرفة قدرة الله وسلطانه، وأمره، وملكه فيفتح له بذلك النور علم ما فى السماوات السبع، وما فى الأرضين علمًا يقينًا. فيخضع له الملك، ومن فيه، فيجيبه كل شىء على ما يحبه ويهدى مثل ذلك النور كمشكاة فيها مصباح، المصباح فى زجاجة فنفس المؤمن بيت، وقلبه مثل قنديل، ومعرفته مثل السراج وفوه مثل الكوّة، ولسانه مثل باب الكوّة، والقنديل معلق بباب الكوة، إذا افتتح اللسان بما فى القلب من الذكر استضاء المصباح من كوته الى العرش، والزجاجة من التوفيق، وفتائلها من الزهد، ودهنها من الرضا وعلائقها من العقل وهو قوله: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ}. قوله تعالى وتقدس: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىءُ وَلَو لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [الآية: 35]. يكاد يزهر من قلب المؤمن على لسانه إذا ذكر الله ما بين المشرق والمغرب. قال الجنيد رحمه الله فى قوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} الآية. قالت طائفة معناه: منوّر قلوب أهل السماوات والأرض بنور الإيمان، ومثل القلب كالمشكاة، وجعل سويداء القلب كالزجاجة لا يدخلها شىء موقاه من الضلالة، والردى مصانة بالسديد والهدى وهو منورها بهداه وموفقها بطاعته. وقال: ليس بشرقية ولا غربية. قال: ليس بيهودية ولا نصرانية. ثم قال كالكوكب الدرى فذكر الدر لنفاسة الدر، وعظيم خطره فى قلوب الخلق، أنه موجود فى قعر الأبحر لا يناله إلا الغواصون وهم الراسخون فى العلم، غاصوا بأرواحهم فى الغيب فاستخرجوا نفيس الذخائر، وجليل الجواهر فنطق عليهم وعنهم لما فى قلوبهم يكاد زيتها يضىء والزيت التوفيق. وقال جعفر بن محمد رضى الله عنه: الأنوار تختلف أولها: نور حفظ القلب، ثم نور الخوف، ثم نور الرجاء، ثم نور الحب، ثم نور التفكر، ثم نور اليقين، ثم نور التذكر، ثم النظر بنور العلم، ثم نور الحياء، ثم نور حلاوة الإيمان، ثم نور الإسلام، ثم نور الإحسان، ثم نور النعمة، ثم نور الفضل، ثم نور الآلاء، ثم نور الكرم، ثم نور العطف، ثم نور القلب، ثم نور الاحاطة، ثم نور الهيبة، ثم نور الحياة، ثم نور الأنس، ثم نور الاستقامة، ثم نور الاستكانة، ثم نور الطمأنينة، ثم نور العظمة، ثم نور الجلال، ثم نور القدرة، ثم نور العدل، ثم نور القوة، ثم نور الإلهية، ثم نور الوحدانية، ثم نور الفردانية، ثم نور الأبدية، ثم نور السرمدية، ثم نور الديمومية، ثم نور الأزلية، ثم نور البقائية، ثم نور الكلية، ثم نور الهيبة، ولكل واحد من هذه الأنوار أهل وله حال، ومحلها، وكلها من أنوار الحق التى ذكرها الله فى قوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ولكل عبد من عبيده مشرق من نور هذه الأنوار وربما كان حظه من نورين، ومن ثلاث، ولا تتم هذه الأنوار لأحد إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنه القائم مع الله بشروط تصحيح العبودية، والمحبة فهو نور وهو من ربه على نور من ربه. وقال بعضهم: نور السماوات الملائكة، ونور الأرض الأولياء. وقال بعضهم: النور فى السماء إظهار الهيبة، والنور فى الأرض إظهار القدرة. وقال بعضهم: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ}: قال مثل نوره فى قلب العبد المخلص، كمشكاة والمشكاة القلب والمصباح النور الذى قذف فيه المصباح فى زجاجة النور مؤيد بالتوفيق، والتوفيق مثبت فيه بصحة المعرفة، والزجاجة كأنها كوكب درى كالنور والمعرفة تضىء فى قلب العارف بنور التوفيق، مصباح النور كالكوكب الدرى، والكوكب الدرى كنور المعرفة الذى يضىء من قلب المؤمن، توقد من شجرة مباركة تضىء على شخص مبارك وهو نفس المؤمن حتى تبين أنوار باطنة على آداب طاهرة، وحسن معاملته زيتونة لا شرقية ولا غربية، جوهرة صافية لا حظ لها فى الدنيا، ولا فى الآخرة، لاختصاصها بمولاها، وتفردها بالفرد الجبار. وقيل: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ}. ولا مشركة فى أعماله ولا مرابية فى أحواله يكاد نور معرفة قلب المؤمن نطق بما فى سره، ويضىء على من يصحبه ويتبعه وإن لم يكن له منها علم، ولا عنها خير {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} نور المعرفة يزيد على نور الإيمان: وقيل: نور على نور، نور المشاهدة يغلب على نور المتابعة. وقيل: نور الجمع يعلو أنوار التفرقة، وقيل: نور الروح يهدى الى السر شعاع الفردانية، ونور السر يهدى الى القلب ضياء الوحدانية، ونور القلب يهدى الى الصدر حقيقة الإيمان، ونور السر يهدى الى الصدر آداب الإسلام فإذا جاء نور الحقيقة غلبت هذه الأنوار وإفراد العارف عنها وأفناه منا وحصله فى محل البقاء مع الحق متسمًا بسمته مترسمًا برسمه، ولا يكون للحدث عليها أثر بحال لأن محل أنوار الأحوال هو القيام معها ورؤيتها والسكون إليها فإذا جاء نور الحقيقة أفناه عن الحظوظ والمشاهدات، وإذا علا نور الحق خمدت الأنوار كلها وصارت الأحوال دهشًا فى فناء، وفناء فى دهشة، وهو بحصول اسم ورسم وذهاب الحقيقة فى عين الحق يهدى الله لنوره من يشاء، يخص الله بهذه الأنوار من سيقت له المشيئة فيه بالخصوصة ويضرب الله الأمثال للناس. قال العقلاء الألباء الذين خصوا بالفهم عنه، والرجوع إليه لعلهم يتفكرون فى أن الذى خصهم بهذه الأنوار والمراتب من غير سابقة إليه، ولا يتقرب إليه إلا بفضله وكرمه دون التسبيح والصلوات. قال بعضهم فى قوله تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال: هو شواهد ربوبيته، ودلائل توحيده ظاهر فتمثل معرفته فى قلوب العارفين كمصباح فى مشكاة شبه نور المعرفة فى القلوب بالمصباح، وشبه قلب المؤمن بالقنديل. قال بعضهم: المصباح سراج المعرفة وفتيلتة الفرائض وذهنه الإخلاص، ونوره نور الاتصال كلما ازداد الإخلاص صفاء ازداد المصباح ضياء، وكلما ازدادت الفرائض حقيق ازداد المصباح نورًا. قال بعضهم: من عرف أن الله نور السماوات والأرض لم يمن على الله بطاعته، ولا بذكره، ولا بصدقه ولا بشىء من أبواب الخير لأن الله جل جلاله أجرى ذلك على يديه، ونور قلبه وهداه واجتباه واصطفاه وجباه لأن الله يقول: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. قال الواسطى: نور قلوب الرسل حتى عرفوه وعبدوه وكذلك نور قلوب المؤمنين فقال: الله نور السماوات والأرض نور قلوبهم فأضاءت برضوانه السابق بمحبته القديمة، وبمودته الأزلية وبموالاته السرمدية فلما خاطبها قالت: لبيك فجدد المنة عليهم فهذا قوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. وقال الحسين: فى قوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال منور قلوبكم حتى عرفتم ووجدتم وختم بقوله: {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} فكان أو ابتدائه الله نور السماوات والأرض إنى أنا مبتدئ النعم ومتممها والآخر خاتمه فالأول فضل والآخر مشيئة فهو المجتبى لأوليائه والهادى لأصفيائه. قال الحسين: إن الله نور السماوات والأرض، وهو نور النور يهدى من يشاء بنوره إلى قدرته، وبقدرته إلى غيبه، وبغيبه إلى قِدمَه، وبقدمه إلى أزله، وأبده بأزله وأبده إلى وحدانيته،لا إله إلا هو المشهود شأنه بقدرته، تقدس وتعالى يزيد من يشاء علمًا بتوحيده ووحدانيته وتنزيهه، وإجلال مقامه وتعظيم ربوبيته. قال الواسطى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ} الزيت التوفيق والنار التسديد، والنور القرآن، قال يهدى الله لنوره من يشاء فأخذ الكسب من المؤمنين وأثبت اختصاصه ورحمته ومشيئته بقوله: {أية : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [آل عمران: 74] وأثبت الإرادة فلما أثبت الإرادة قال: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال: أنا منور قلوب عبادى بتوحيدى ومنهجها بتفريدى، والمتولى لها بالفضل والرحمة، والاختصاص والمشيئة والاصطفاء، وقال إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد، ونورها بصفاته، وخاطبها بذاته فاستضاءت واستنارت بنور قدسه فأخبر عنها بقوله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لأنه منور الأرواح بكمال نوره. قال الخراز: من خلقه من نوره ثم أحرقه بنوره ثم أعاده فى أكبر كبريائه من نور إذا خلى له لم يحترق لأنه يكون هو نور من نوره على نور من نوره. قال الله تعالى: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} [الآية: 35]. قال الجوزجانى فى قوله: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} الرجاء مثل النور والخوف مثل النور، والمحبة مثل النور فإذا اجتمعت فى قلب المؤمن يكون نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء يوصل الله إلى هذه الأنوار من نوره فى الأزل، بأنوار قدسه فتغير هذه الأنوار التى فى الباطن على الظاهر فى أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وأعمال الفضائل، والتطوع فيصير المؤمن منورًا بنور الله وإلى الله متصلاً بتوحيده يحول معه فى ميادين الرضا ويجتبى ثمرات المحبة والصفاء فإن عمل أخلص، وإن فتر تحقر وهذا بيان قوله: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} بنوره إلى قدرته، وبقدرته إلى غيبه وبغيبه إلى قدمه وبقدمه إلى أزله، وبأزله وأبده إلى وحدانيته. قال الحسين: فى الرأس نور الوحى، وبين العينين نور المناجاة وفى السمع نور اليقين، وفى اللسان نور البيان، وفى الصدر نور الإيمان، وفى الطبائع نور التسبيح، فإذا التهب شىء من هذه الأنوار غلب على النور الآخر فأدخله فى سلطانه فإذا سكن عاد سلطان ذلك النور أوفر، وأتم مما كان فإذا التهب جميعًا صار نورًا على نور {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ}. وقال بعضهم: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}: الآخرة نور على نور متصلة الأزل. وقال بعضهم: من خلقه من نوره وأحرقه بنوره ثم أعاده بأكبر كبريائه من نوره ثم إذا تجلى له لم يحترق لأنه نور من نوره، فى نوره. قال الله تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} على نوره يهدى الله لنوره من يشاء. وقال الجوزجانى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} بدأ بنوره والنور البيان فالسماوات والأرض منورة بنور الله وبيانه ومن نوره، وبيانه نور اليقين وهو سراج منير فى قلب المؤمن كما قال الله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ} فى قلب المؤمن منور بالإيمان يلمع به لأنه حبيب الله، ونوره بنور الله ونظر إلى السماوات بنور الله فاستغرقت السماوات والأرض فى نور الله فيرى ربه بنوره فى السماوات أنها صفة روقها بغير عمد من تحتهن ولا علائق من فوقهن متمسكات بقدرته فنظر بنور الله من مملكته إليه، ومنه إلى مملكته فخضع له وأطاعه {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} المشكاة نفس العارف كأنها كوكب درى بنفسه مثل بيت، وقلبه مثل قنديل، ومعرفته مثل السراج وفاه مثل الكوّة ولسانه مثل باب الكوة. والقنديل يتعلق بباب الكوة ودهنها اليقين، وفتيلتها من الزهد، وزجاجتها من الرضا وعلائقها من العقل إذا فتح اللسان بإقرار ما فى القلب استضاء المصباح من كوته إلى عرش الرحمن فالتوفيق نور من الله توقد سراجه فاستضاء فى الكوّة الى عبد ربّ العزة وفيها ثلث جواهر منورة فى نورها الخوف، والرجاء، والحب فالخوف مثل نارٍ منور، والرجاء مثل نور من خوف، والحب نور على نور كأنه كوكب درى توقد من شجرة القرآن مبارك شهر غضٌّ طرى من زيتونة منزل من عند الله لا شرقية ولا غربية لا من أساطير الأولين، ولا من بدائع الآخرين يكاد زيتها يضىء يزهر من قلب المؤمن على لسانه إذا أقرأ ما بين المشرق، والمغرب ولو لم تمسسه نار نور على نور، نارٌ من الخوف على نور من المعرفة منورة، ونور الرجاء على نور الحب منور إذا فتح فاه بلا إله إلا الله وبالقرآن من النور الذى فى قلبه من معرفة الله يهيج منه نار الخوف مع نور الرجاء على نور الحب فاستضاءت هذه الأنوار من كوّة فمه ففتح الباب وازداد ضوؤه بأداء الفرائض، واجتناب المحارم وأعمال الفضائل فصار المؤمن منورًا بنور الله وأصلاً إلى الله متصلاً بتوحيده إليه إن أعطاه شكر، وإن ابتلاه صبر وإن عمل أخلص وصار مستغرقًا فى النور كلامه نور، وعلمه نور ومدخله نور، ومخرجه نور وظاهره نور، وباطنه نور، وهو فى نور الله بين الأنوار، نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شىء عليم. قال الجنيد رحمه الله: أخذهم من أعمالهم، واجتهادهم وطاعاتهم وردّهم إلى صرف الملازمة وأثبت لهم باختصاصه ورحمته. فقال: {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ}. وقال أيضًا: يهدى الله لنوره من يشاء وكان الأول ابتداءً والآخر خاتمة، فقال: أنا مبتدئ النعم ومتممها. وقال بعضهم: للمؤمن ثمانية أنوار: نور الروح، ونور السر، ونور على نور، وهو نور الهداية وافق نور الروح، ونور الروح، ونور العلم، ونور التوفيق، ونور العصمة، ونور القسمة، ونور الحياة. قال بعضهم: فى قوله: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} إخبارًا عن الإيمان وأوامره إنها ليست بشديدة ولا لينة لأن فى أهل الشرق جفوة كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وفى أهل المغرب لينة. وقال: ما هذه الشجرة التى مثلها مثل الإيمان لا بشرقية جافية ولا غربية لينة لكنها متوسطة المعانى سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا جعفر الملطى يقول عن على بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنه وعنهم قال: نوّر السماوات بنور الكواكب والشمس والقمر ونور الأرضين بنور النبات الأحمر، والأصفر، والأبيض وغير ذلك، ونور قلوب المؤمنين بنور الإيمان، والإسلام ونور الطريق إلى الله جل جلاله بنور أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضوان الله عليهم ورحمته فمن أجل ذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ". تفسير : وقال أيضًا: فى هذه الآية نور السماوات بأربع: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل عليهم السلام. ونور الأرض بأبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ} ان الله سبحانه اوجد الكون من العرش الى الثرى بالكاف والنون وكان بين الكاف والنون مظلما بظلمة العدم مجوبا عن نور القدم لانه معلولة بعلة الحدوث ولم ينكشف المسكون هناك نور الكاف والنون فبقى كمشكوة بلا سراج فجعل الكاف قنديلا والنون فتيله بنور الصفة فاضاء الكون بنور الصفة ثم وضع القنديل فى زجاجة فعله العلم وضع زجاجة الفعل فى الكون ثم نور الكون بعد تنويره بنور الصفات بانوار الذات حتى يكون الكون كمشكوة منورة بمصباح الصفة التى معدنها الذات فاضاء نور الذات فى الصفة واضاء نور الصفة فى نور فعله الخاص واضاء نور فعله الخاص فى قنديل الكاف والنون اضاء نور الكاف والنون زجاجة العلم العامل واضاء نور فعله العلم فى مشكوة الكون فاذا رايت المشكوة رايت نور الكاف والنون واذا رايت نور الكاف والنون رايت نور فعله الخاص الذى هو غنى بقوله {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} مباركة اذ هى اصلها مصدر الصفة التى اصلها الذات المنزه عن البداية والنهاية {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} لا من شرف ظهور الكون من العدم ولا من غرب عدم الكون عند القدم {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ} قيل ان يصل اليه نور الصفات لانها صدرت من الصفات فرسل نور الصفات الى نور الفعل الخاص وصار نورا كقوله {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ} واذا رايت نور هذه الشجرة رايت نور الصفة واذا رايت نور الصفة رايت نور الذات واذا رايت الذات رايت عين العين واذا رايت الصفات رايت العين واذا رايت الفعل رايت عين الجمع واذا رايت عين الجمع رايت الكوم مراة الفعل يظهر منها انوار الذات والصفات لمن له استعداد النظر الى مشاهدة القدم بنعت الاصطفائية الازلية وذلك قوله {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} حتى تعرف بهذا المثال ظهور نعوت القدم فى مراة الكون لاهل الكرم من العارفين قال الله {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} وهم باختصاصهم عليهم بقوله {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} عليم بكل مثل وعبر وبرهان وسلطان وايضا فيه اشارة اخرى فى قوله الله نور السماوات والارض اراد السماوات والارض صورة المؤمن راسه السماوات وبدنه الارض وهو بجلاله وقدر نور هذه السماوات والارض اذ زيّن الراس بنور السمع والبصر والشم والذوق والبيان فى اللسان فنور العين كنور الشمس والشمس ونور الاذنين كنور الزهرة والمشترى ونور الفم والانف كنور المريخ وزحل ونور اللسان كنور العطارد وهذه السيارات النيرات ترى فى بروج الراس ونور ارض البدن الجوارح والاعضاء والعضلات واللحم والدم والثمرات عظامها الجبال انور الله هذه السماوات والارضين منورة بنور فعله وفعله منور بنور اسمائه واسماؤه منورة بنور صفاته ونور صفاته منور بنور ذاته وذاته نور الكل اذا الكل قائم بذاته فنور ذاته ونور صفاته لا يضافى الانوار لان نوره منزه عن المشابهة بالانوار فمن نوره الشجرة والثمرة ومن نوره الصدف والجوهر ومن نوره الذهب والفضة ومن نوره الدر والياقوت ومن نوره العرش والكرسى والجنة وما فيها من نوره السماوات والارض من نوره الارواح والاشباح ومن نوره العقل والقلوب ومن نوره تنورت هذه النيرات واضاءت هذه الأيات نور قدرته زينها التركيب ونور علمه نورها بالانتظام ونور سمعه نورها بالقيام ونور بصره زينها بالوان العجائب ونور ارادته زينها بالارتسام والبقاء ونور كلامه زينها بالنماء والبركات ونور حيوته زينها بالحياة ونور قدمه زينها بغرايب الالطاف ونور رقائه زينها بالارواح الفعلية والقدسية الفطرية ونور ذاته زينها بالوجود سبحانه المنزه بجلاله اوجد الكون بنور القدم وانوره عن ظلمة العدم مثل نوره كمشكوة فيها مصباح صدر العارف كوة فعله ومشكوة امره وروح العارف قنديل قدرته وفتيلة قنديله عقله العزيزى وفطرته الفعلى واستعداده الروحانى ودهنه المعرفة وقلبه زجاجة المشبه ---- انوار الصفة القديمة للمنزهة عن مباشرة الاكوان والحدثان والحلول فى الزمان والمكان اسرج بمصباح صفاته قنديل الروح وفتيلة العقل وزاد نور المصباح من نور الذات اذا الذات والصفات مكشوفان لها فى جميع الاوقات بنعت السرمدية ولو امتنع انوارها عنها انطفى مصباحها ولم يكن ناظرة الغيب اسدَّ المصباح بدهن معرفته ذلك وتلك الشجرة المباركة منابتها العقل الملكوتى ---- الحكمية والجبروتية وهى فى جميع الانفاس على مقابلة شمس الالوهية لا يقع عليها ظلال غدوة شرق القدم ولا ظلال عشية غرب الفناء فى ارض مشرق المشاهدة منورة بجمال شمس القدم والبقاء لذلك نفى علة الحجاب بالحدثان بقوله لا شرقية ولا غربية وتلك المعرفة التى هى الشجرة المباركة يكاد وهن نورها يضئ بنور الفعل قيل او يصلى اليها نور الصفة قال تعالى يكاد زيتها يضئ بنور الله وببصر الله بالله لا بغير الله قال الله تعالى نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء يضرب مثل نور صفاته بالمصباح وشبه الروح بالقنديل وشبه القلب المشكاة دون الروح فى القلب والنور فى الروح والمعرفة دهن قنديل الروح وتلك الكوة هى القلب والقلب فى الصدر لا منفذ اليها الرياح القهر والشقاوة اذا القلب فى اصبع الصفة يقلبها كيف يشاء والروح فى يمين القدرة قال عليه السّلام القلوب بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وقال الارواح فى يمين الرحمن فكيف ينطفى هذا المصباح الذرة نوره من نور الازل وضياؤه من ضياء الابد ثم وصف الروح وشبه الزجاجة قنديل فى مشكوة القلب بالكوكب الدرى الذى قال تعالى كانها درى اذ هى انقدحت من زنود الجلال والجمال واعلما ان ذلك المصباح فى تلك الزجاجة لا ينطفى ابدا لان المصباح اذا كان فى تحت زجاجة لا تؤثر فيه الرياح لعواصف اذ لا سبيل الى نور المشاهدة فى نور المعرفة والعقل ولا يزول بتغائر الحدثان ولا بالزلة والعصيان فهذان النور ينفذان فى روازن ابراج الدماغ فبنّور ان تلك السيارات المذكورة ويتلالان من مرأة سماء وجه العارف الا ترى كيف قال ابو يزيد قدس الله روحه يظهر نور الصمدية من بشرة وجه العارف ومن ها هنا قال الحكماء الاول صياحة الوجود من عكس الروح النطاقة هذا يا فهم مما ساخ لقلبى فى اشارة الأية ما يوافق اقوال ايمتى وشيوخ قال ابن عطا زين الله السماوات اثنى عشر برجا وهو الحمل والثور والجوزاء والسرطان والاسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدى والدلو والحوت وزين قلوب المؤمنين باثنى عشر خصلة الذهن والانتباه والشرح والعقل والمعرفة واليقين والفهم والبصيرة وحياة القلب والرجاء والخوف والحياء فما دامت هذه البروج قائمة يكون العالم على النظام والسعة وكذلك ما دامت هذه الخصال فى قلب العارف يكون فيه نور المعلق وحلاوة العبادة وقال ابو مسعود مثل نور المؤمن كمشكوة فى كوة وهى التى لا منف لها اشار الى صدر المؤمن فيها مصباح وهو نور قلب المؤمن والمصباح فى زجاجة والزجاجة سرّ المؤمن قال النبى صلى الله عليه وسلم حديث : ان الله اواينا فاحبها اليه ما صفا ورق لانها كوكب درى تفسير : قال ابن عطا لا شرقية ولا غربية لا قرب فيها ولا بعد فيها فالله من البعد قريب من القرب بعيد قال الواسطى لا دنيائية ولا أخرة جذبها الله الى قربه واكرمها بضيائها يكاد زيتها يضئ لك ضياء وروحها يتوقد ولو لم تمسه اى ولو لم يدعه نعى لا يسمع كتابا نور على نور نور الهداية وافق نور الروح يهدى الله لنوره من يشاء اجتهاد المجتهدين وطلب الطالبين وهرب الهاربين قال الجنيد لا هى مائلة الى الدنيا ولا راغبة فى الأخرة ولكنها فانية الحظ من الاكوان قال ابو على الجورجانى فى قوله الله نور السماوات والارض بدأ بالنور والنور والبيان فالله نور السماوات ومن نور اليقين سراج يضئ فى قلب المؤمن كما قال الله مثل نوره يضئ فى قلب المؤمن لان قلب المؤمن منور بالايمان فنور قلبه من نور الله بيانا مبينا فهو ينظر بنور ربه الى جميع ملكه فيرى فيها بدائع صنعه ويرى بنور المعرفة قدرة الله وسلطانه وامره ووملكه فيفتح له ذلك النور علم ما فى السماوات والسبع وما فى الارضين علما يقينا فيخضع له الملك ومن نبه يجب به لك شيء على ما يجب ويهوى مثل ذلك النور كشكوة فيها مصباح المصباح فى زجاجة نفس المؤمن بيت وقلبه مثل قنديل ومعرفته مثل السراج وفاه مثل الكوة ولسانه مثل باب الكوة والقنديل معلق باب الكوة اذا فتح اللسان بما فى القلب من الذكر استضاء المصباح من كونه الى العرش فالزجاجة هى التوفيق وفتيلتها من الزهد ودهنها من الرضا وعلائقها من العقل وهو قوله نور على نور وقال جعفر بن محمد اناء تختلف اولها نور حفظا لقلب ثم نور الخوف ثم نور الرجاء ثم نور الحب ثم نور التفكير ثم نور اليقين ثم نور التذكر ثم النظر بنور العلم ثم نور الحياء ثم نور حلاوة الايمان ثم نور الاسلام ثم نور الاحسان ثم نور السماء ثم نور الفضل ثم نور الألاء ثم نور العطف ثم نور القلب ثم نور الاحاطة ثم نور الهيبة ثم نور الجيرة ثم نور الحياة ثم نور الانس ثم نور الاستقامة ثم نور الاستكانة ثم نرو الاطمانينة ثم نور العظمة ثم نور الجلال ثم نور القدوة ثم نور الحول ثم نور القوة ثم نور الالوهية ثم نور الوحدانية ثم نور الفردانية ثم نور الهوية والكل واحد من هذه الانوار اهل وله حال ومحل كلها من انوار الحق التى ذكر الله فى قوله الله نور السماوات والارض والكل عبد من عبيده مشرب من نور هذه الانوار وربما كان حظه من نورين ومن ثلث ولا يتم هذه الانوار لاحد الا للمصطفى صلى الله عليه وسلم فانه القائم مع الله بشروط تصحيح العبودية والمحبة فهو نور وهو من ربه على نور قال بعضهم نور السماوات والملائكة ونور الارض الاولياء وقيل فى قوله نور على نور نور المشاهدة يغلب نور المتابعة وقيل نور اجمع يعلوا انوار التفرقة وقيل نور الروح يهدى الى السر شعاع الفردانية ونور السر يهدى الى القلب ضياء الوحدانية ونور القلب يهدى الى الصدر حقيقة الايمان ونور السر يهدى الى الصدر أداب الاسلام فاذا جاء نور الحقيقة غلب هذه الانوار وافرد العارف عنها وافناه فيها وحصله فى محل البقاء مع الحق متسما بسمته مترسما برسمه لا يكون للحدث عليها اثر بحال لان محل انوار الاحوال هو القيام معها ورؤيتها والسكون اليها فاذا جاء نور الحقيقة افناه عن الحظوظ والمشاهدات واذا غلب نور الحق خمدت الانوار لها وصارت الاحوال دهشا فى فناء وفناء فى دهش وهو بحصول اسم ورسم وذهاب الحقيقة فى عين الحق يهدى الله لنوره من يشاء يخص الله بهذه الانوار من سبقت له الخشية فيه بالخصوصية ويرب الله الامثال للناس قال العقلاء الالباء الذين خُصُّوا بالفهم عنه والرجوع اليه لعلكم تتفكرون فى ان الذى خصهم بهذه الانوار والمراتب من غير سابقة لا يتقرب اليه الا بفضله وكرمه دون عد التسبيح والصلاة عليه وقال الحسين فى قول الله نور السماوات والارض منور قلوبكم حتى عرفتم ووجدتم وختم بقوله يهدى الله لنوره من يشاء فكان اول ابتدائه الله نور السماوات والارض اى مبتدى النعم ومنبعها والأخر خاتمته فالاول فضل والأخر مشية فهو المجتبى لاوليائه الهادى لاصفيائه قال الحسين الله نور السماوات والارض هو نور النور يهدى من يشاء بنوره الى قدرته وبقدرته الى غيبة وبغيبه الى قدمه وبقدمه الى ازله وابده وبازله وابده الى وحدانيته لا اله الا هو الشهود شانه بقدرته تقدس وتعالى يزيد من يشاء علما بتوحيده ووحدانيته وتنزيهه واجلال مقام وتعظمي ربوبيته وقال الواسطى ان الله خلق الارواح قبل الاجساد نورها بصفاته وخاطبها بذاته فاستضاءت واستنارات بنور قدسه فاخبر عنها بقوله الله نور السماوات والارض لانه منور الارواح بكمال نوره قال الخراز من خلقه من نوره ثم احرته بنوره ثم اعاده فى اكبر كبريائه من نور اذا تجلى له لم يحترق لان يكون هو نور امن نوره على نوره فى نوره قال الله تعالى نور على نور قال الحسين فى الراس نور الوحى وفى العينين نور المناجاة وفى السمع نور اليقين وفى اللسان نور البيان وفى الصدر نور الايمان وفى الطبايع نور التسبيح فاذا التهب شئ من هذه الانوار غلب على النور الاخر فادخله فى سلطانه فاذا سكن عاد سلطان ذلك النور او----- مما كان فاذا التهب جميعا صار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء قال الاستاذ فى قوله لا شرقية ولا غربية كذلك همهم ولا تسكن شرقيا ولا غربية ولا علويا ولا سفليا ولا جنيا ولا انسيا ولا عرشيا ولا كرسيا سطحت عن الاكوان ولم تجد له سبيلا الى الحقيقة لان الحق منزه عن اللحوق والدرك فبقيت عن الخلق منفصلة وبالحق غير متصلة ويقال نور المطالبة يحصل فى الغلب بديا يحمل صاحبه على المحاسبة فاذا نظر فى ديوانه ما اسلفه من عصيانه يحصل نور المعاينة فيعود على نفسه للايمة ويتجرح كاسات ندمه فيرتقى عن هذا باستدامة قصده والتنقى عما كان عليه فى اوقات فترته فاذا استقام فيه كوشف بنور المراقبة فيعلم دائما ان سبحانه مطلع عليه وبعد هذا نورا المحاصرة وهو لوايح تبدو فى السرائر ثم بعد ذلك نور المكاشفة وذلك يتجلى الصفات ثم بعده انوار المشاهدة فيصير ليله نهار او نجومه اقمار وأقماره بدورا وبدوره شمس اليس فى سماء اسرارهم سحاب ولا فى هوائها ضباب ثم بعد هذا انوار التوحيد عند ذلك يتحقق التجريد بخصائص التفريد ثم لا يتناوله عبادة ولا يدركه اشارة فى البيان عند ذلك خرس والشواهد طمس وشهود الغير عند ذلك محال فعند ذلك اذا الشمس كورت واذا النجوم انكدرت واذا العشار عطلت واذا السماء انشقت واذا السماء انفطرت هذه كلها اقسام الكون وما من العدم لهم صار الى العدم القائم عنهم غيرهم والكائن عنهم سواهم جلت الامدية وعزت الصدمية وتقدست الديمومية وتنزهت الالوهية ثم بين سبحانه ان ذلك المصباح والمشكاة فى بيت صورة العبد -----وذلك البيت صدره يتنور بنور الله ونور قربه ليبصر سواكنه بنوره ما ينفتح فيه من انوار ملكوته وجبروته بقوله {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} ان يرفع همها الى مشاهدة الذات و صرف الصفات ولا ينزل على غيره من الأيات والكرامات والعقل يذكر اسم الله هناك والقلب يذكر وصفه والروح يذكر ذاته وصفاته تعالى وايضا ترفع الاسرار بنعت الاشتياق حوائج الوصال اليه بنعت المداناة والمناجاة وقال بعضهم ترفع لحوائج من القلوب وتشغل القلوب بالذكر فان النبى صلى الله عليه وسلم يقول حاكيا عن ربه من شغله ذكرى عن مسألتى اعطيته افضل ما اعطى السائلين ويقال القلوب بيوت المعرفة والارواح مشاهد المحبة والاسرار محال المشاهدة ثم وصف سبحانه اهل خالصة تلك البيوت بشهود الحضرة والمراقبة فى القربة بنعت التجريد عن غير المشاهدة بقوله {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} وصف الله العارفين الرجولية حين اقبلوا عليه بسرار وطاهرة عن الحدثان وبسيرهم فى صحارى الازل والاباد بالارواح القدسية والعقول الملكوتية بين سماع القهر وحيات الامتحان واساد الغيرة لا تشغلهم المستحسنات والمستقبحات عن بلوغهم الى معالى الدرجات فى رؤية الذات والصفات ومثالهم كالبحار لا تتغير بالجيف كذلك احوالهم تحرى عليهم احكام الكونين بنعت المباشرة والمعاملة ولا تتغير اسرارهم عن شهود الوصال والنظر الى الجمال قال ابن عطا هم خزئان الودائع ومواضع الاسرار قال النصر ابادى اسقط عنهم المكون ذكر المكونات فلا تشغلهم الاسباب عن المسبب بحال قال جعفر هم الرجال من بين الرجال على الحقيقة لان الله حفظ اسرارهم عن الجروع الى ما سواه وملاحظة غيره فلا تشغلهم تجارات الدنيا ونعمتها وزهراتها والاخرة وثوابها عن الله لانهم فى بساتين الانس ورضا الذكر قال الله لا تلهيهم تجارة ولا يبيع عن ذكر الله قال بعضهم اسقط الله اسم الرجولية عن العاملين الا من عامل الله على المشاهدة ولم يوثر عليه الاكوان فقال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله قال بعضهم من اسقط عن سره ذكر ما لم يكن فكان سمى رجل حقيقة ومن شغله عن ربه من ذلك شيء فليس هو من الرجال المتحققين ثم زاد سبحانه فى وصفهم بالخوف الدائم والرجل القائم من صرف القلوب والابصار من مشاهدة الجبار بقوله {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ} يفزعون من يوم الشهود وحيث يتقلب القلوب عن مشاهدة صرف القدم فى الجنان والابصار فى النظر الى الجبر والغلمان والروح والريحان ايضا يخافون من مقلب القلوب فى انوار الصفات والابصار فى انوار الذات لئلا يقف فى منازل الشهود ومشاهد الحقيقة وينقطع عن السير فى الوهية الاولية السرمدية الابدية بل يطيعون ان يبقى بحسن المعرفة وكمال الادب فى زمان العبودية مع مشاهدة الابد بنعت الدنو ودنوا الدنو وكشف ما كان مكتوما عنهم بقوله {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} ذلك الرزق كشف جمال القدم بغير حجاب قال النصر أبادى النفوس فى التنقيل والقلوب فى التقليب وقال الحسين خلق الله القلوب والابصار على التقلي وجعل عليها اغطية وستور او اكنة واقفالا فتهتك الستور بالانوار وترفع الحجب الذكر وتفتح الافقال بالقلب وقال الحسين اذا علمت انه مقلب القلوب والابصار فيكم شغلك فى النظر الى افعاله فيك وتوفى الخلاف والغفلة ثم وصف سبحانه اهل العزة به الذين معولهم على الرسوم وما عملوا من المعاملات على رؤية النفس والخلق بقوله {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} اى ان الذين نسوا عهد الله الازلى الذى اوجب عليه فيه الاقبال عليه الكلية من الكون وباشروا صورة العمل رياء وسمعة شبه اعمالهم بسارب القيعان لانهم فى الرياء والشرك من اهل الخسران والحرمان فاذا احتاجوا الى جزاء الاعمال وهم فى حسبانه لم يجدوا فى الحضرة شيئا من وصول المراد حيث جازى الله اصفياءه باعمالهم التى وقعت على حسن القبول اذا كانت قيمتها من حسن اليقين والصدق والاخلاص ووجه الله عنده بنعت الاعراض عنه يجازيهم بالفرقة والانقطاع عن المامول وهكذا شان من رجع الى الخلق وسكن الى الاسباب من المسبب قال ابن عطا فى قوله يحسبه الظمان ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا قلب ليس فيه شئ من انوار الله فقير بما فيه رجوعه الى الاسباب والفقير من يكون رجوعه الى غير الحق يحسب ان الرجوع الى غيره يغنى وهو كسراب يحسبه الظمان ماء حتى اذا جاءه لم يجد شيئا اذا تبين له ان الرجوع الى الاسباب شرك يظهر اذ ذاك له ان الرجوع الى الحق هو الايمان قال الله ووجد الله عنده اى وجد الطريق الهي وقال ايضا كل ما دون الله فهو فقير وكل قلب فيه محبة ما سوى الله فهو فقير وفقير عن الحق وعن معرفته ويعلم انه تاه قوم فى ميدان الجهد فتخلفوا عن واجبات الحق وظنوا انهم يصلون بجهدهم الى الله وما وصل احد اليه الا من سبق له من الله العناية والمجتهد فى مجاهدته كما قال الله عز وجل بحسبه الظمان الخ ثم بين سحبانه ان هؤلاء المحجوبين عن الله ---- فى ظلمات طبايعهم يصحبهم نور العناية فيبقى فى ظلمة معقولهم على ما عملوا لغير وجه الله بقوله {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} اى من لم يصحبه نور معرفة الله الذى من كشف مشاهدة الله فى بدور روحه الى منتهى سيره الى الله فمال له هناك من نور المعرفة بنور المشاهدة ونور الوصال والعارف الصادق فى مشاهدة الحق يحتاج الى الف الف نور فى كل لمحة من نور الازل والابد ينظر بها الى جمال القدم ويعرف بها طرق الصفات ويرثها عجائب الذات قال القاسم من لم يجعل الله له نورا فى وقت اقسمة فما له من نور فى وقت الخلقة.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله نور السموات والارض}، قال الامام الغزالى قدس سره فى شرح الاسم النور هو الظاهر الذى به كل ظهور فان الظاهر فى نفسه المظهر لغيره يسمى نورا ومهما قوبل الوجود بالعدم كان الظهور لا محالة للوجود ولا ظلام اظلم من العدم فالبريى من ظلمة العدم الى ظهور الوجود جدير بان يسمى نورا والوجود نور فائض على الأشياء كلها من نور ذاته فهو نور السموات والارض فكما انه لاذرة من نور الشمس الا وهى دالة على وجود الشمس النيرة فلاذرة من وجود السموات والارض ومابينهما الا وهى بجواز وجودها دالة على وجوب وجود موجدها انتهى ويوافقه النجم فى التأويلات حيث قال {الله نور السموات والارض} اى مظهرهما من العدم الى الوجود فان معنى النور فى اللغة الضياء وهو الذي يبين الاشياء ويظهرها للابصار انتهى فقوله تعالى {الله نور السموات والارض} من باب التشبيه البليغ اى كالنور بالنسبة اليهما من حيث كونه مظهرا لهما اى موجدا فان اصل الظهور وهو الظهور من العدم الى الوجود فان الاعيان الثابتة فى علم الله تعالى خفية فى ظلم العدم وانما تظهر بتأثير قدرة الله تعالى كما فى حواشى ابن الشيخ، يقول الفقير لاحاجة الى اعتبار التشبيه البليغ فان النور من الاسماء الحسنى واطلاقه على الله حقيقى لامجازى فهو بمعنى المنور ههنا فانه تعالى نور الماهيات المعدومة بانوار الوجود واظهرها من كتم العدم بفيض الجود كما قال عليه السلام "حديث : ان الله خلق الخلق فى ظلمة ثم رش عليهم من نوره"تفسير : فخلق ههنا بمعنى التقدير فان التقدير سابق على الايجاد ورش النور كناية عن افاضة الوجود على الممكنات والممكن يوصف بالظلمة فانه يتنور بالوجود فتنويره اظهاره، واعلم ان النور على اربعة اوجه. اولها نور يظهر الاشياء للابصار وهو لا يراها كنور الشمس وامثالها فهو يظهر الاشياء المخفية فى الظلمة ولايراها. وثانيها نور البصر وهو يظهر الاشياء للابصار ولكنه يراها وهذا النور اشرف من الاول. وثالثها نور العقل وهو يظهر الاشياء المعقولة المخفية فى ظلمة الجهر للبصائر وهو يدركها ويراها. ورابعها نور الحق تعالى وهو يظهر الاشياء المعدومة المخفية فى العدم للابصار والبصائر من الملك والملكوت وهو يراها فى الوجود كما كان يراها فى العدم لانها كانت موجودة فى علم الله وان كانت معدومة فى ذواتها فما تغير علم الله ورؤيته باظهارها فى الوجود بل كانت التغير راجعا الى ذوات الاشياء وصفاتها عند الايجاد والتكوين فتحقيق قوله تعالى {الله نور السموات والارض} مظهرهما ومبديهما وموجدهما من العدم بكمال القدرة الازلية شعر : در ظلمت عدم همه بوديم بى خبر نور وجود سر شهود از تو يافتيم تفسير : قال بعض الكبار [در زمان ظلمت هيجكس ساكن ازمتحرك نشناسد وعلو ازسفل تمييز نكنند وقبيح را ازصبيح باز نداند وجون رايت نور ظهور نمود خيل ظلام روى بانهزام آرند ووجودات وكيفيات ظاهر كردد وصفو از كدر وعرض ازجوهر متميزشود مدركة انسانية داندكه استفاده اين دانش وتميز بنور كرده اما در ادراك نور متحير باشدجه داندكه عالم ازنور مملو است واومخفى ظاهر بدلالات وباطن بالذات بس حق سبحانه وتعالى كه مابدو دولت ادراك يافته ايم وبمربتة تميز اشيا رسيده سزاوار آن باشد كه آنرا نور كويند شعر : همه عالم بنور اوست بيدا كجا او كرد از عالم هويدا زهى نادانكه اوخورشيد تابان بنور شمع جويد در بيابان تفسير : در تبيان آورده كه مدلول السموات والارض جه هر دليلى از دلائل قدرت وبدائع حكمت كه در دو اثر سبهر برين ومراكز زمين واقعست دلالتى واضح دارد بروجود قدرت وبدائع حكمت او] شعر : ففى كل شىء له آية تدل على انه واحد وجود جمله اشيا دليل قدرت او تفسير : وقال سلطان المفسرين ابن عباس رضى الله عنهما اى هادى اهل السموات والارض فهم بنوره تعالى يهتدون وبهداه من حيرة الضلالة ينجون: يعنى [بهدايت او بهستىء خود راه بردند وبارشاد او مصالح دين ودنيا بشناسند] ولما وصلوا الى نور الهداية بتوفيقه تعالى سمى نفسه باسم النور جريا على مذهب العرب فان العرب قد تسمى الشىء الذى من الشىء باسمه كما يسمى المطر سحابا لانه يخرج منه ويصحل به فلما حصل نور الايمان والهداية بتوفيقه سماه بذلك الاسم ويجوز ان يعبر عن النور بالهداية وعن الهداية بالنور لما يحصل احدهما من الآخر قال الله تعالى {أية : وبالنجم هم يهتدون}تفسير : لما اهتدوا بنور النجم جعل النجم كالهادى لهم وجعلهم من المهتدين بنوره وعلى هذا سمى القرآن نورا والتوراة نورا بمعنى الاهتداء بهما كما فى الاسئلة المقحمة فعلى هذا شبهت الهداية بالنور فى كونها سببا للوصول الى المطلوب فاطلق اسم النور عليها على سبيل الاستعارة ثم اطلق النور بمعنى الهداية عليه تعالى على طريق رجل عدل، وقال حضرة الشيخ الشهير بافتاده قدس سره خطر ببالى على وجه الكشف ان النور فى قوله تعالى {الله نور السموات والارض} بمعنى العلم وهو بمعنى العالم من باب رجل عدل ووجه المناسبة بينهما انه تنكشف بالنور المحسوسات وبالعلم تنكشف المعقولات بل جميع الامور كذا فى الواقعات المحمودية ويقال انه منور السموات بالشمس والقمر والكواكب والارض بالانبياء والعلماء والعباد، وقال فى عرائس البيان اراد بالسموات والارض صورة المؤمن رأسه السموات وبدنه الارض وهو تعالى بجلالة قدره نور هذه السموات والارض اذ زين الرأس بنور السمع والبصر والشم والذوق والبيان فى اللسان فنور العين كنور الشمس والقمر ونور الاذن كنور الزهرة والمشترى ونور الانف كنور المريخ وزحل ونور اللسان كنور عطارد وهذه السيارات النيرات تسرى فى بروج الرأس ونور ارض البدن الجوارج والاعضاء والعضلات واللحم والدم والشعرات وعظامها الجبال [امام زاهد فرموده كه خدايرا نورتوان كفت ولى روشنى نتوان كفت جه روشنى ضد تاربكست وخداى تعالى آفريد كار هردوضداست] فالنور الذى بمقابلة الظلمة حادث لان ما كان بمقابلة الحادث حادث فمعنى كونه تعالى نورا هو انه مبدأ هذا النور المقابل بالظلمة ثم ان اضافة النور الى السموات والارض مع ان كونه تعالى نورا ليس بالاضافة اليهما فقط للدلالة على سعة اشراقه فانهما مثلان فى السعة قال تعالى {أية : وجنة عرضها السموات والارض}تفسير : ويجوز ان يقال قد يراد بالسموات والارض العالم باسره كما يراد بالمهاجرين والانصار جميع الصحابة كما فى حواشى سعدى المفتى ونظيره قوله تعالى في الحديث القدسى خطابا للنبى عليه السلام "حديث : لولاك لما خلقت الافلاك"تفسير : اى العوالم باسرها لكنه خصص الافلاك بالذكر لعظمها وكونها بحيث يراها كل من هو من اهل النظر وهو اللائح بالبال والله الهادى الى حقيقة الحال {مثل نوره} اى نوره الفائض منه تعالى على الاشياء المستنيرة وهو القرآن المبين كما فى الارشاد فهو تمثيل له فى جلاء مدلوله وظهرو ما تضمنه من الهدى بالمشكاة المنعوتة والمراد بالمثل الصفة العجيبة اى صفة نوره العجيب واضافته الى ضميره تعالى دليل على ان اطلاقه عليه لم يكن على ظاهره كما فى انوار التنزيل {كمشكاة} اى صفة كوة غير نافذة فى الجدار فى الانارة وهى بلغة الحبشة: والفارسية [مانندروزنه ايست درديوارى كه او بخارج راه ندارد جون طاقى] {فيها مصباح} سراج ضخم ثابت: وبالفارسية [جراغ فروخته ونيك روشن] {المصباح فى زجاجة} اى قنديل من الزجاج الصافى الازهر وفائدة جعل المصباح فى زجاجة والزجاجة فى كوة غير نافذة شدة الاضاءة لان المكان كلما تضائق كان اجمع للضوء بخلاف الواسع فالضوء ينتشر فيه وخص الزجاج لانه احكى الجواهر لما فيه {الزجاجة كأنها كوكب درى} متلألىْ وقاد شبيه بالدر فى صفائه وزهرته كالمشترى والزهرة والمريخ ودرارى الكواكب عظامها المشهورة ومحل الجملة الاولى الرفع على انها صفة لزجاجة او للام مغنية عن الرابض كأنه قيل فيها مصباح هو فى زجاجة هى كأنها كوكب درى وفى اعادة المصباح والزجاجة معرفين اثر سبقهما منكرين والاخبار عنهما بما بعدهما مع انتظام الكلام بان يقال كمشكاة فيها مصباح فى زجاجة كأنها كوكب درى من تفخيم شأنها بالتفسير بعد الابهام ما لايخفى {يوقد من شجرة} اى يبتدأ ايقاد المصباح من زيت شجرة {مباركة} اى كثيرة المنافع لان الزيت يسرج به وهو ادام ودهان ودباغ ويوقد بحطب الزيتون وبثقله ورماده يغسل به الابريسم ولا يحتاج فى استخراج دهنه الى عصار وفيه زيادة الاشراق وقلة الدخان وهو مصحة من الباسور {زيتونة} بدل من شجرة" وبالفارسية [كه آن زيتونست كه هفتاد بيغمبر بدو دعا كرده ببركت وازجملة ابراهيم خليل عليه السلام] وخصها من بين سائر الاشجار لان دهنها اضوء واصفى، قال فى انسان العيون شجرة الزيتون تعمر ثلاثة آلاف سنة {لاشرقية ولاغربية} اى لاشرقية تطلع عليها الشمس فى وقت شروقها فقط ولاغربية تقع عليها حين غروبها فقط بل بحيث تقع عليها طول النهار فلا يسترها عن الشمس فى وقت من النهار شىء كالتى على قلة او صحراء فتكون ثمرتها انضج وزيتها اصفى اولا فى مضحى تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها ولافى مفيأة تغيب عنها دائما فتتركها نيئا اولا نابتة فى شرق المعمورة نحو كنكدز وديار الصين وخطا ولا فى غربها نحو طنجة وطرابلس وديار قيروان بل فى وسطها وهو الشام فان زيتونه اجود الزيتون او فى خط الاستواء بين المشرق والمغرب وهى قبة الارض فلاتوصف باحد منهما فلا يصل اليها حر وبرد مضرين وقبة الارض وسط الارض عامرها وخرابها وهو مكان تعتدل فيه الازمان فى الحر والبرد ويستوى الليل والنهار فيه ابدا لايزيد احدهما على الآخر اى يكون كل منهما اثنتى عشرة ساعة [حسن بصرى رحمه الله فرموده كه اصل اين شجره ازبهشت بدنيا آورده اند بس از اشجار اين عالم نيست كه وصف شرقى وغربى برو تواند كرد] {يكاد زيتها يضيء} [روشنى دهد] {ولو لم تمسسه نار} [واكرجه نرسيده باشد بوى آتشى يعنى درخشندكى بمثابه ايست بى آتش روشنايى بخشد] اى هو فى الصفاء والاناره بحيث يكاد يضيء المكان بنفسه من غير مساس نار اصلا وتقدير الآية يكاد زيتها يضيء لو مسته نار ولو لم تمسسه نار اى يضيء كائنا على كل حال من وجود الشرط وعدمه فالجملة حالية جيء بها لاستقصاء الاحوال حتى فى هذه الحال {نور} خبر مبتدأ محذوف اى ذلك النور الذى عبر به عن القرآن ومثلت صفته العجيبة الشأن بما فصل من صفة المشكاة نور كائن {على نور} كذلك اى نور متضاعف فان نور المصباح زاد فى انارته صفاء الزيت وزهرة القنديل وضبط المشكاة لاشعته فليس عبارة عن مجموع نورين اثنين فقط بل المراد به التكثير كما يقال فلان يضع درهما على درهم لا يراد به درهمان {يهدى الله لنوره} اى يهدى هداية خاصة موصلة الى المطلوب حتما لذلك النور المتضاعف العظيم الشأن {من يشاء} هدايته من عباده بان يوفقهم لفهم مافيه من دلائل حقيته وكونه من عند الله من الاعجاز والاخبار عن الغيب وغير ذلك من موجبات الايمان وهذا من قبيل الهداية الخاصة ولذا قال من يشاء ففيه ايذان بان مناط هذه الهداية وملاكها ليس الا مشيئته وان تظاهر الاسباب بدونها بمعزل من الافضاء الى المطالب شعر : قرب تو باسباب وعلل نتوان يافت بى سابقه فضل ازل نتوان يافت تفسير : {ويضرب الله الامثال للناس} اى يبينها تقريبا الى الافهام وتسهيلا لسبل الادراك: يعنى [معقولات را در صورت محسوسات بيان ميكند براى مردم تازود در يابند ومقصود سخن بر ايشان كردد] وهذا من قبيل الهداية العامة ولذا قال للناس {والله بكل شىء عليم} من ضرب الامثال وغيره من دقائق المعقولات والمحسوسات وحقائق الجليات والخفيات، قالوا اذا كان مثلا للقرآن فالمصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة الوحى وهى لا مخلوقة ولا مختلقة [نزديكست كه هنوز قرآن ناخوانده دلائل وحجج او برهمكنان واضح شود بس جودبر آن قراءت كند {نور على نور} باشد]، فان قيل لم شبهه بذلك وقد علمنا ان ضوء الشمس ابلغ من ذلك بكثير. اجيب بانه سبحانه اراد ان يصف الضوء الكامل الذى يلوح فى وسط الظلمة لان الغالب على اوهام الخلق وخيالاتهم انما هى الشبهات التى هى كالظلمات وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذى يظهر فيما بين الظلمات وهذا المقصود لا يحصل من تشبيهه بضوء الشمس لان ضوءها اذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص واذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة فلا جرم كان ذلك المثل ههنا أليق، وقال بعضهم [مراد نور ايمانست حق سبحانه وتعالى تشبيه كرد سينه مؤمن را بمشكاة ودل را درسينه بقنديل زجاجه درمشكاة وايمانرا بجراغى افروخته در قنديل وقنديل بكوكبى درخشنده وكلمه اخلاص بشجره مباركة ازتاب آفتاب خوف وخلال نوال رجا بهره دارد ونزديكست كه فيض كلمه بى آنكه بزبان مؤمن كذرد عالم را منور كند جون اقرار بآن برزبان جارى شده وتصديق جنان بآن ياركشته {نور على نور} بظهور رسيد] وشبه بالزجاج دون سائر الجواهر لاختصاص الزجاج بالصفاء يتعدى النور من ظاهره الى باطنه وبالعكس وكذلك نور الايمان يتعدى من قلب المؤمن الى سائر الجوارح والاعضاء وايضا ان الزجاج سريع الانكسار بادنى آفة تصيبه فكذا القلب سريع الفساد بادنى آفة تدخل فيه [وكفته اند آن نور معرقت اسرار الهيست يعنى جراغ معرفت دوزجاجه دل عارف ومشكاة سينه او افروخته است از بركت زيت تلقين شجره مبارك حضرت محمدى عليه السلام نه شرقيست ونه غربى بلكه مكيست ومكه مباركة سره عالم وازفرا كرفتن عارف آن اسراررا ازتعليم آن سيد ابرار {نور على نور} معلوم توان كرد] وانما شبه المعرفة بالمصباح وهو سريع الانطفاء وقلب المؤمن بالزجاج وهو سريع الانكسار ولم يشبهها بالشمس التى لا تطفىء ولا قلب المؤمن بالاشياء الصلبة التى لاتنكسر تنبيها على انه على خطر وجدير بحذر كما فى التيسير [در ورح الارواح آورده كه آن نور حضرت محمد يست عليه السلام مشكاة آدم باشد وزجاجه نوح وزيتون ابراهيم كه نه يهوديه مائل است جون يهود غرب را قبله ساختند ونه نصرانية جون نصارى روى بشرق آورده اند ومصباح حضرت رسالتست عليه السلام يا مشكاة ابراهيم است وزجاجة دل صافى مطهر او مصباح علم كامل او شجره خلق شامل او كه نه در جانب خلود افراط است ونه در طرف تقصير وتفريط بلكه طريق اعتدال كه "خير الامور اوسطها" واقع شده وصراط سوى عبارت از آنست. ودر عين المعانى فرموده كه نور محبت حبيب بانور خلت خليل نور على نور است] شعر : بدر نور بسر نوريست مشهور ازينجافهم كن نور على نور تفسير : قال القشيرى {نور على نور} نور اكتسبوه بجهدهم ونظرهم واستدلالهم ونور وجدوه بفضل الله بافعالهم واقوالهم قال تعالى {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا }تفسير : وفى التأويلات النجمية هذا مثل ضربه الله تعالى للخلق تعريفا لذاته وصفاته فلكل طائفة من عوام الخلق وخواصهم اختصاص بالمعرفة من فهم الخطاب على حسب مقاماتهم وحسن استعدادهم فما العوام فاختصاصهم بالمعرفة فى رؤية شواهد الحق وآياته بار انه اياهم فى الآفاق واما الخواص فاختصاصهم بالمعرفة فى مشاهدة انوار صفات الله تعالى وذاته تبارك وتعالى باراءته فى انفسهم عند التجلى لهم بذاته وصفاته كما قال تعالى فى الطائفتين {أية : سنريهم آياتنا فى الآفاق}تفسير : اى لعوامهم {أية : وفى انفسهم}تفسير : اى لخواصهم {أية : حتى يتبين لهم انه الحق}تفسير : فكل طائفة بحسب مقامهم تخطى من المعرفة فاما حظ العوام من رؤية شواهد الحق وآياته فى الآفاق باراءة الحق فبان يرزقهم فهما ونظرا فى معنى الخطاب ليتفكروا فى خلق السموات والارض ان صورتها وهى عالم الاجسام هى المشكاة والزجاجة فيها هى العرش والمصباح الذى هو عمود القنديل الذى يجعل فيه الفتيلة فهى بمثابة الكرسى من العرش وزجاجة العرش {كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة} وهى شجرة الملكوت وهو باطن السماوات والارض ومعناهما {لاشرقية} اى ليست من شرق الازل والقدم كذات الله وصفاته {ولاغربية} اى ليست من غرب الفناء والعدم كعالم الاجسام وصورة العالم بل هى مخلوقة ابدية لايعتريها الفناء {يكاد زيتها} وهو عالم الارواح {يضيء} اى يظهر من العدم فى عالم الصور المتولدات بازدواج الغيب والشهادة طبعا وخاصية كما توهمه الدهرية والطبائعية عليهم لعنات الله تترى {ولو لم تمسسه نار} نار القدرة الالهية {نور على نور} اى نور الصفة الرحمانية على نور اى باستوائه على نور العرش فينقسم نور الصفة الرحمانية من العرش الى السموات والارض فيتولد منه متولدات ما فى السموات والارض بالقدرة الآلهية على وفق الحكمة والارادة القديمة فلهذا قال تعالى {أية : ان كل من فى السموات والارض الا آتى الرحمن عبدا}تفسير : فافهم جدا، واما حظ الخواص فى مشاهدة انوار صفات الله تعالى وذاته باراءة الحق فى انفسهم فانما يتعلق بالسير فيها لان الله تعالى خلق نفس الانسان مرآة قابلة لشهود ذاته وجميع صفاته اذا كانت صافية عن صدأ الصفات الذميمة والاخلاق الرديئة مصقولة بمصقلة كلمة لا اله الا الله لينتفى بنفى لا اله تعلقها عما سوى الله ويثبت باثبات الا الله فيها نور جمال الله وجلاله فيرى بنور الله الجسد كالمشكاة والقلب كالزجاجة والسر كالمصباح {والزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة} وهى شجرة الروحانية {لاشرقية} اى لا قديمة ازلية {ولاغربية} اى لافانية تغرب فى سماء الوجود فى عين العدم {يكاد زيتها} وهو الروح الانسانى {يضيء} بنور العقل الذى هو ضوء الروح وصفاؤه اى يكاد زيت الروح ان يعرف الله تعالى بنور العقل {ولو لم تمسسه نار} اى نار نور الالهية فابت عظمة جلال الله وعزة كبريائه ان تدرك بالعقول الموسومة بوصمة الحدوث الا ان يتجلى نور القدم لنور العقل الخارج من العدم كما قال تعالى {نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء} اى ينور مصباح سر من يشاء بنور القدم فتتنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد ويخرج اشعتها من روزنة الحواس فاستضاءت ارض البشرية {أية : واشرقت الارض بنور ربها}تفسير : وتحقق حنيئذ مقام (كنت له سمعا وبصرا) الحديث، وفيه اشارة الى ان نور العقل مخصوص بالانسان مطلقا ولا سبيل له بالوصول الى نور الله فهو مخصوص بهداية الله اليه فضلا وكرما لا يتطرق اليه كسب العباد وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء {ويضرب الله الامثال للناس} اى للناسين عهود ايام الوصال بلاهم فى ازل الآزال {والله بكل شىء عليم} فى حالات وجود الاشياء وعدمها بغير التغير فى ذاته وصفاته انتهى كلام التأويلات، قال حضرة الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره، اعلم ان النور الحقيقى يدرك به وهو لايدرك لانه عين ذات الحق من حيث تجردها عن النسب والاضافات ولهذا حديث : سئل النبى عليه السلام هل رأيت ربك قال "نورانى اراه"تفسير : اى النور المجرد لايمكن رؤيته وكذا اشار الحق فى كتابه لما ذكر ظهور نوره فى مراتب المظاهر قال {الله نور السموات والارض} فلما فرغ من ذكر مراتب التمثيل قال {نور على نور} فاحد النورين هو الضياء والآخر هو النور المطلق الاصلى ولهذا تمم فقال {يهدى الله لنوره من يشاء} اى يهدى الله بنوره المتعين فى المظاهر والسارى فيها الى نوره المطلق الاحدى انتهى كلامه فى الفكوك، وقال فى تفسير الفاتحة فالعالم بمجموع صوره المحسوسة وحقائقه الغيبية المعقولة اشعة نور الحق وقد اخبر الحق انه نور السموات والارض ثم ذكر الامثلة والتفاصيل المتعينة بالمظاهر على نحو ما تقتضيه مرآتها ثم قال فى آخر الآية {نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء} فاضاف النور الى نفسه مع انه عين النور وجعل نوره المضاف الى العالم الاعلى والاسفل هاديا الى معرفة نوره المطلق ودالا عليه كما جعل المصباح والمشكاة والشجرة وغيرها من الامثال هاديا الى نوره المقيد وتجلياته المتعينة فى مراتب مظاهره وعرّف ايضا على لسان نبيه عليه السلام انه النور وان حجابه النور انتهى باجمال، قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه قوله {نور على نور} النور الاول هو النور الاضافى المنبسط على سموات الاسماء وارض الاشياء والنور الثانى هو النور الحقيقى المستغنى عن سموات الاسماء وارض الاشياء والنور الاضافى دليل دال على النور الحقيقى والدليل ظاهر النور المطلق والمدلول باطنه وفى التحقيق الاتم هو دليل على نفسه لا يعرف الله الا الله سبحانه.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {الله نورُ السموات والأرض} أي: منور أهلهما [بنور الإسلام والإيمان؛ لأهل الإيمان]، وبنور الإحسان؛ لأهل الإحسان، فحقيقة النور: هو الذي تنكشف به الأشياء على ما هي عليه، حسية أو معنوية، والمراد هنا: المعنوية؛ بدليل قوله {يهدي الله لنُوره من يشاء}، فإن انكشف به أحكام العبودية، باعتبار المعاملة الظاهرة، يُسمّى: نُورُ الإسلام، وإن انكشف به أوصاف الذات العلية وكمالاتها، من طريق البرهان، يُسمى: نُور الإيمان، وإن انكشف به حقيقة الذات وأسرارها، من طريق العيان، يُسمى: نور الإحسان. فالأول: يشبه نور النجوم، والثاني: نور القمر، والثالث نور الشمس، ولذلك تقول الصوفية: نجوم الإسلام، وقمر الإيمان، وشمس العرفان. ثم ضرب المثل لذلك النور، حين يقذفه في قلب المؤمن، فقال {مَثَلُ نُورِهِ} أي: صفة نوره العجيبة في قلب المؤمن - كما هي قراءة ابن مسعود - {كمشكاةٍ} أي: كَصِفَةِ مِشْكَاةٍ، وهي الكُوَّةُ في الجدار غير النافذة؛ لأن المصباح فيها يكون نوره مجموعاً، فيكون أزهر وأنور، {فيها مصباح} أي: سراج ضخم ثاقب، {المصباحُ في زجاجة} أي: في قنديل من زجاج صافٍ أزهر، {الزجاجةُ} من شدة صفائها {كأنها كوكب دُرِّيِّ}؛ بضم الدال وتشديد الراء، منسوب إلى الدر؛ لفرط ضيائه وصفائه، وبالكسر والهمز: "أبو عمرو"؛ على أنه يدْرأ الظلام بضوئه. وبالضم والهمز: أبو بكر وحمزة، شبهه بأحد الكواكب الدراري، كالمشتري والزهرة ونحوهما. {تَوَقَدُ} بالتخفيف والتأنيث، أي: الزجاجة، أو {يُوقَدُ} بالتخفيف والغيب، أو: {تَوَقَّدَ} بالتشديد، أي: المصباح {من شجرةٍ} أي من زيت شجرة الزيتون، أي: رويت فتيلته من زيت {شجرةٍ مباركةٍ}؛ كثيرة المنافع، أو: لأنها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين، وهي الشام، وقيل: بارك فيها سبعون نبياً، منهم إبراهيم عليه السلام. {زيتونةٍ}: بدلٌ من {شجرة}، من نعتها {لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ} أي: ليست شرقية فقط، لا تُصيبها الشمس إلا في حالة الشروق، ولا غربية، لا تصيبها إلا في حال الغروب، بل هي شرقية غربية، تصيبها الشمس بالغداة والعشي، فهو أَنْضَرُ لها، وأجود لزيتونها. وقيل: ليست من المشرق ولا من المغرب، بل في الوسط منه، وهو الشام، وأجودُ الزيتونِ زيتون الشام. {يكادُ زيتُها يٌضيءُ ولو لم تمسسه نارٌ}؛ هو في الصفاء والإنارة بحيث يكاد يضيء بنفسه من غير مسَاس نَارٍ أصلاً. {نورٌ على نورٍ} أي: نور المصباح متضاعف على نور الزيت الصافي، فهذا مثال النور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن؛ فالمشكاة هو الصدر،والمصباح نور الإيمان أو الإسلام أو الإحسان، على ما تقدم، والزجاجة هو القلب الصافي، ولذلك شبهه بالكوكب الدُرّيّ، والزيت هو العِلْمُ النافع الذي يقوي اليقين. ولذلك وصفه بالصفاء والإنارة. يكاد صاحبه تشرق عليه أنوار الحقائق، ولو لم يمسسه علمها. {نورٌ على نورٍ} أي نور الإيمان مُضَافٌ إلى نور الإسلام، أو نور الإحسان مضاف إلى نور الإيمان والإسلام. {يهدي الله لنوره} أي: لهذا النور الباهر {من يشاء} من عباده؛ إما بإلهام أو بواسطة تعليم. وفيه إيذان بأن مناط هذه الهداية إنما هي بمشيئته تعالى، وأن الأسباب لا تأثير لها. {ويضرب الله الأمثالَ للناس}؛ تقريباً للفهم، لأنه إبراز للمعقول في هيئة المحسوس {والله بكل شيءٍعليمٌ}، معقولاً كان أو محسوساً، فيبين الأشياء بما يمكن أن تُعْلَم به. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الكون كله من عرشه إلى فرشه قطْعةٌ من نور الحق، وسر من أسرار ذاته، مُلْكٌ، وباطنه ملكوت فائض من بحر الجبروت، فالكائنات كلها: الله نُورُها وسرُّها، وهو القائم بها. ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء من العارفين بالله، وحسبُ من لم يبلغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه، وتحققوه ذوقاً وكشفاً. ثم ضرب الحقُّ تعالى مثلاً لنوره الفائض من بحر جبروته، فقال: {مثل نوره} الظاهر، الذي تجلى به في عالم الشهادة، {كمشكاة فيها مصباح} أي: كطاقة انفتحت من بحر اللّطَافَةِ الكَنْزِيَّةِ، خرج منها نور كثيف كالمصباح، فالكون كله مِصْبَاحُ نورٍ، انفجر من نور النور، ومن ذلك المصباح تفرعت الكائنات، فهي كلها نور فائض من بحر نوره اللطيف، ثم جعل الحق تعالى يصف ذلك المصباح في توقده وتوهجه بقوله: {المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دُري...} إلخ. فالآية كلها من تتمة التمثيل. وقوله تعالى: {ولو لم تمسسه نار} قيل: الإشارة فيه إلى استغناء العبد في تلك الحالة عن الاستمداد إلا من رب العزة، فيستغني عن الوسائط. وقوله تعالى: {نورٌ على نور} أي: نور ملكوته على نور جبروته، {يهدي الله لنوره} أي: لشهود نوره، أو لمعرفة نوره، {من يشاء} من خواص أحبابه، كأنبيائه وأوليائه، فمن لم يشهد هذا النور، ولم يعرفه، لا خصوصية له؛ يتميز بها عن العوام، فهو من عامة أهل اليمين، ولو كثر علمه وعمله؛ إذ لا عبرة بالعلم والعمل مع الحِجَاب. وفي الحكَم: "الكائن في الكون، ولم تفتح له ميادين الغيوب، مسجون بمحيطاته، محصور في هيكل ذاته"، والمحجوب برؤية الأكوان من جملة العوام عند أهل العيان، ينسحب عليه معنى المثال الآتي في ضد هذا بقوله: (أو كظلمات...) إلخ. وفي الحِكَم: "الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهورُ الحَقِّ فيه، فمن رأى الكون ولم يشهده فيه، أو عنده، أو قبله أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسُحب الآثار". فالكون عند أهل العيان كله نور، وعند أهل الحجاب كله ظلمة، وهو محيط بهم، فالظلمة محيطة بهم، وقد ألف الغزالي في هذه الآية كتابه: (مشكاة الأنوار)، وكلامه فيه يدور على أن معنى اسمه تعالى "النور": يرجع إلى ما ثبتت به الأشياء وظهرت من العدم، ولذلك قال قائلهم: شعر : فَالنُّورُ يُظْهِرُ مَا تَرَى مِنْ صُورَةٍ وبه ظهور الكَائِنَاتِ بِلاَ امْتِرَاءِ تفسير : وفي لطائف المنن: الله نور السموات والأرض؛ نور سموات الأرواح بمشاهدته، ونور أرض النفوس بمطالعته وخدمته، وجعل قلوب أوليائه مَجْلاَةً لذاته ولظهور صفاته، أظهرهم ليظهر فيهم خصوصاً، وهو الظاهر في كل شيء عموماً، ظهر فيهم بأنواره وأسراره، كما ظهر فيهم، وفيما عداهم بقدرته واقتداره. هـ. ثم ذكر محل ظهور ذلك المصباح، فقال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ...}
الجنابذي
تفسير : آية النّور {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} اعلم انّ الله كما سبق مكرّراً اسم للذّات الواجب الوجود باعتبار مقام ظهوره الّذى هو مقام المشيّة وهى اضافته الاشراقيّة الى الاشياء وهى فعله وفيضه ونوره المنبسط على جميع الاشياء وبها يخرج الاشياء من اللّيس المحض الى الايس، ومن العدم الى الوجود، ومن الظّلمة الى النّور، ومن الخفاء الى الظّهور، وانّ الذّات الاحديّة بدون هذا العنوان غيب محض لا اسم له ولا رسم ولا خبر عنه ولذلك سمّى فى الاخبار بالعمى، وقد فسّر الله تعالى فى الآيات بسائر مظاهره من الانبياء والاولياء (ع) فانّه فسّر الكفر والشّرك بالله تعالى فى الاخبار بالكفر والشّرك بخلفائه، وانّ النّور اسم للضّياء سواء كان ضياء الشّمس او القمر او سائر الكواكب، وسواء كان ضياء النّار والسّراج او الجواهر او غيرها، او هو اسم لشعاع الضّياء، او هو اعمّ وقد نار نوراً وانار واستنار ونوّر وتنوّر كلّها بمعنى اضاء الّلازم، وجاء انار ونوّر متعدّيين ايضاً، والنّور اسم لمحمّد (ص) او نبوّته او رسالته او ولايته او اسم لعلىّ (ع) او خلافته او ولايته، وقد يطلق على الّذى يبيّن الاشياء مطلقاً ضياءً وشعاعاً كان، او دليلاً وبرهاناً، او علامة وآثاراً، وبهذا المعنى يطلق على الكتب السّماويّة والخلفاء الالهيّة، وقد يطلق على الهدى وما به الهدى وبهذا المعنى ايضاً يكون الكتب السّماويّة والرّسالات والنّبوّات والولايات والاقوال والافعال والاحوال والاخلاق الحسنة كلّها انواراً وانّه لا اختصاص للاسماء بمصاديقها العرفيّة بل المعتبر فى صدقها هى المعانى المطلقة الحاصلة فى جميع العوالم وجميع المراتب من دون اعتبار خصوصيّة من خصوصيّات المصاديق والعوالم فيها، فانّ النّور اسم للظّاهر بذاته من دون وساطة امرٍ آخر المظهر لغيره، والنّور العرضىّ الّذى لا يبقى آنين وليس ظاهراً الاّ على الابصار ولا يكون ظهوره على الابصار الاّ بعد اجتماعه فى سطحٍ كثيفٍ غليظٍ لا ينفذ فيه ولا يظهر الاّ السّطوح والالوان والاشكال ولا يُظهر الاّ على الابصار دون سائر المدارك احد مصاديقه من دون اعتبار تلك الخصوصيّات فى صدقه، بل نقول: معنى الظّاهر بذاته المظهر لغيره ليس حقيقةً الاّ لحقيقة الوجود الّذى هو واجب لذاته وموجب لغيره، وامّا سائر الانوار العرضيّة والحقيقيّة الّتى هى وجودات الاشياء وانوار الرّسالة والنّبوّة والولاية والهداية فهى وان كانت بوجهٍ ظاهرةً بذواتها بمعنى انّه لا حاجة لها الى نورٍ آخر تظهر هى به لكنّها محتاجة الى علّة تخرجها وتظهرها والى ما تقع عليه من سطوح المهيّات والصّدور والقلوب والارواح ومن سطوح الاجسام المادّيّات فهى ليست فى الحقيقة ظاهرة بذواتها، وانّ السّماوات لا اختصاص لها بالافلاك الطّبيعيّة والكرات العلويّة بل كلّما كان فيه جهة علوّ وفاعليّة بالنّسبة الى ما دونه فهو سماء بالنّسبة اليه فالعقول الكلّيّة الطّوليّة والعرضيّة والنّفوس الكلّيّة والجزئيّة والافلاك الطّبيعيّة كلّها سماوات، والارض اسم لما له تسفّلٌ وقبول ولا اختصاص لاسم الارض بالارض الغبراء بل عالم الطّبع بشراشره وعالما المثال السّفلىّ والعلوىّ كلّها ارض، وقد مضى فى اوّل سورة الانعام وجه جمع السّماوات وافراد الارض وانّ السّماء والارض اسمان للموجود منهما الممتاز بتعيّن السّماوىّ والارضىّ او اسمان لنفس مهيّاتهما من دون اعتبار الوجود معها فعلى هذا صحّ ان يقال فى بيان الآية: انّ الله ذو نور السّماوات والارض موافقاً لما نسب الى امير المؤمنين (ع) انّه قرء: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} على صيغة الماضى من التّفعيل سواء اريد من النّور النّور المحسوس العرضىّ او الوجود، او الهدى وصحّ ان يقال: انّ الله مبيّن السّماوات والارض ومخرجهما من خفاء العدم الى الوجود، وصحّ ان يقال: انّ الله وجود السّماوات والارض سواء اريد منه وجود وجودهما على ان يراد من السّماوات والارض الموجودان منهما واعتبر قيد الحيثيّة فى اضافة النّور اليهما او اريد منه نفس وجودهما، فانّ الله باعتبار مقام ظهوره الّذى هو المشيّة قوام وجودات الاشياء وفاعلها وروحها بوجهٍ ونفس وجودات الاشياء بوجهٍ كما انّ الفصول فاعل وجودات الاجناس وقوامها بوجه اخذها بشرط لا، ونفس وجوداتها بوجه اخذها لا بشرطٍ، فانّ فعل الحقّ الّذى هو المشيّة هو صورة الاشياء وقوامها وفاعلها، وصحّ ان يقال انّ الله بحسب مظهره الّذى هو العقل الكلّىّ او الرّوح الكلّىّ الّذى هو ربّ النّوع الانسانىّ نور السّماوات والارض بالوجوه المذكورة او بحسب مظهره الّذى هو النّفس الكلّيّة او بحسب مظهره الّذى هو عالم المثال نور السّماوات والارض او بحسب مظاهره الّذين هم انبياؤه واولياؤه (ع) هدى اهل السّماوات والارض او مبيّنون لاهل السّماوات والارض او بحسب مظاهره الّتى هى لطائف الولاية، والنّبوّة والرّسالة نور السّماوات والارض فى العالم الكبير او فى العالم الصّغير بالوجوه السّابقة او بحسب مظاهره الّتى هى الارواح والعقول والقلوب والنّفوس البشريّة والنّفوس الحيوانيّة نور السّماوات والارض فى العالم الصّغير بالوجوه السّابقة، او بحسب مظهره الّذى هو ضياء الشّمس نور السّماوات والارض الطّبيعيتين بالمعنى المدرك لكلّ احدٍ، او بحسب مظهره الّذى هو مثال اوليائه الظّاهر فى صدور السّالكين نور السّماوات والارض فى العالم الصّغير ان لم يكن ذلك المثال قويّاً على انارة خارج عالم السّالك، او فى العالم الصّغير والكبير ان صار المثال قويّاً على انارة الخارج ايضاً، والى هذا الوجه اشار العارف الرّبّانىّ قدّس سرّه بقوله: شعر : كرد شهنشاه عشق در حرم دل ظهور قد زميان برفراشت رايت الله نور تفسير : او بحسب مظهره الّذى هو قوّة الواهمة والمتخيّلة والخيال، او بحسب مظهره الّذى هو المدارك الباطنة او هو المدارك الظّاهرة {مَثَلُ نُورِهِ} اى صفته او حديثه {كَمِشْكَاةٍ} اى كصفة مشكوة او حديث مشكوةٍ وقد مضى سابقاً انّ التّشبيهات التّمثيليّة لا يلزم فيها ذكر جميع اجزاء المشبّه ولا ذكر جميع اجزاء المشبّه به ولا التّرتيب بين اجرائهما ولا ذكر جزءٍ مخصوصٍ عقيب اداة التّشبية ولا الاتيان بلفظ المثل فى جانب المشبّه ولا فى جانب المشبّه به ولا الاتيان باداة التّشبيه، واضاف النّور الى ضمير الله مع انّ المناسب ان يقول مثله لانّه جعله نفس النّور للاشارة الى انّ الذّات بحسب مقام الغيب ومقام الذّات الاحديّة لا خبر عنه ولا حكم عليه وانّما الخبر والحكم عليه بحسب مقام ظهوره بمراتب ظهوره كما اشرنا اليه والمشكوة الكوّة الغير النّافذة {فِيهَا} اى فى المشكوة الّتى لا ينفذ النّور منها {مِصْبَاحٌ} اى سراج {ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} فى تكرار المصباح ظاهراً معرّفاً تفخيم وتعجيب من شأنه كما انّ تنكيره اوّلاً يفيد التّفخيم {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} قرئ بضمّ الدّال وكسرها مشدّد الياء ومهموز الآخر منسوباً الى الدُّرّ او فُعّولاً مشدّد العين مضموم الفاء او فُعّيلا مشدّد العين مضموم الفاء او مكسورها من الدّرء بمعنى الدّفع وعلى اىّ تقدير فهو بمعنى شديد التلألؤ {يُوقَدُ} قرئ بالياء التّحتانىّ وبالتّاء الفوقانىّ مبنيّاً للمفعول من اوقد، وقرئ توقّد ماضياً مبنيّاً للفاعل من التّوقّد {مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} فانّ فى الزّيتونة كثرة نفعٍ للعرب من حيث انّها طعام وشراب وفاكهة وادام ودهن، وتوقّد الكواكب او الزّجاجة او المصباح من تلك الشّجرة باعتبار توقّد فتيلة المصباح بدهن ثمرتها {لاَّ شَرْقِيَّةٍ} لا تكون فى مشرق الحائط حتّى لا يقع عليها الشّمس مدّة من اوّل النّهار {وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} لا تكون فى مغرب الحائط حتّى لا يقع عليها الشّمس مدّة من آخر النّهار فيكون زيتها اصفى وثمرها اشهى لكونه بارزةً للشّمس طول النّهار، او المعنى انّها ليست من شجر الدّنيا فانّ شجر الدّنيا لا تكون الاّ شرقيّة او غربيّة او شرقيّة وغربيّة جميعاً بالاضافة الى الجهات المتخالفة، او المعنى انّها لا تكون منسوبةً الى شروق الشّمس بحيث لا يقع عليها ظلّ فيحترق ثمرها ولا منسوبة الى غرب الشّمس بحيث لا يكون الشّمس غاربةً عنا دائماً فلا ينضج ثمرها، او المعنى انّها ليست من الشّجر الواقع فى جهة الشّرق او جهة الغرب من المعمورة فانّ هاتين الجهتين لشدّة حرارة الشّمس فيهما يحترق ثمر شجرهما بل تكون واقعة فى وسط المعمورة فيكون ثمرها اتمّ نضجاً غير محترق من حرّ الشّمس وغيرنىٍّ من برد الهواء {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ} لفرط صفائه ولطافته {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}. تطبيق اجزاء المثل بالممثّل له على الاحتمالات الاربعة عشر فيه على عدد آل محمّدٍ (ص) اعلم، انّ تطبيق هذا المثال على الممثّل له اذا علمت انّ الممثّل له هو المشيّة او العقل الاوّل او مطلق العقول او ربّ النّوع الانسانىّ او مطلق ارباب الانواع او النّفوس الكلّيّة او الجزئيّة او عالم المثال او روح الانسان او عقله او قلبه او نفسه او النّفس الحيوانيّة او مثال خلفاء الله الظّاهر على صدر السّالك المسمّى بالسّكينة والفكر عندهم سهل عليك تطبيق اجراء المثل على الممثّل له، فانّه اذا اريد بالنّور المشيّة كان المشكوة عالم الطّبع والزّجاجة عالم الارواح مطلقاً والمصباح نفس المشيّة من وجهها الى العالم الّذى يسمّى بالكرسىّ والفيض المقدّس وكانت الشّجرة هى المشيّة ايضاً بوجهها الى الله الّذى يسمّى بالعرش والفيض الاقدس، او كانت الشّجرة هى المادّة الاولى او مطلق المادّة، او كانت المشكوة عالم المثال او عالم النّفوس وباقى اجزاء المثال كما سبق، واذا اريد العقول او النّفوس او عالم المثال بالنّور الممثّل له كانت المشكوة عالم الطّبع او عالم المثال والزّجاجة عالم النّفوس والمثال او عالم النّفوس فقط، والشّجرة مطلق عالم المشيّة او جهتها الالهية او جهتها الخلقيّة او المادّة الاولى او المادّة المطلقة، واذا اريد النّفوس من النّور كانت المشكوة عالم الطّبع او عالم البرزخ والزّجاجة عالم المثال والشّجرة هى المشيّة بما ذكر فيها من الوجوه، او العقول او المادّة، اذا اريد عالم المثال كانت المشكوة عالم الطّبع والزّجاجة عالم البرزخ، والشّجرة يجوز ان تكون كلّ ما سبق عليه وان تكون هى المادّة، واذا اريد بالنّور الممثّل له الولاية او النّبوّة او الرّسالة او الاسلام او الايمان او الرّوح او العقل او القلب او النّفس البشريّة او مثال الشّيخ كان تطبيق سائر الاجزاء ظاهراً، واذا اريد النّبىّ (ص) او الولىّ (ع) او الرّسول (ص) او المؤمن كان المشكوة ابدانهم الطّبيعيّة او صدورهم المنشرحة بالاسلام، وبالرّسالة وخلافتها او قلوبهم المنقوشة فيها احكام النّبوّة وآثار الولاية والزّجاجة نفوسهم او قلوبهم او عقولهم والمصباح بحسبها، والشّجرة هى المشيّة او العقول الكلّيّة وارباب الانواع او النّفوس الكلّيّة، او جهة الايحاء وافاضة العلوم اللّدنّيّة او ولايتهم او نبوّتهم، ويجوز ان يراد بالنّور الممثّل له الرّوح النّفسانىّ او الرّوح الحيوانىّ او النّفس النّباتيّة ويكون الزّجاجة الرّوح الحيوانىّ او النّفس النّباتيّة او الطّبع الجمادىّ والمشكوة النّفس النّباتيّة او البخار المتكوّن فى القلب او فيه وفى الشّرائين او الطّبع الجمادىّ او القلب الصّنوبرىّ او هو مع الشّرائين او جملة البدن، وفى الاخبار اشير الى بعض الوجوه والى بعض وجوه اُخر فعن الصّادق (ع) هو مثل ضربه الله تعالى لنا، وعنه (ع) {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال: كذلك الله عزّ وجلّ مثل نوره قال: محمّد (ص) كمشكوة قال: صدر محمّد (ص) فيها مصباح، قال: فيه نور العلم يعنى النّبوّة، المصباح فى زجاجةٍ قال: علم رسول الله (ص) صدر الى قلب علىٍّ (ع) الزّجاجة كأنّها قال: كأنّه كوكب درّىّ يوقد من شجرةٍ مباركةٍ زيتونةٍ لا شرقيّةٍ ولا غربيّةٍ قال: ذلك امير المؤمنين علىّ بن ابى طالبٍ (ع) لا يهودىّ ولا نصرانىّ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نارٌ قال: يكاد العلم يخرج من فم العالم من آل محمدٍ (ص) من قبل ان ينطق به، نورٌ على نورٍ، قال: الامام فى اثر الامام، وقد ورد عنهم (ع) مع اختلافٍ فى بيان الوجوه نظير هذا الخبر كثيراً، وعن الباقر (ع) انّه تعالى يقول: انا هادى السّماوات والارض مثل العلم الّذى اعطيته وهو النّور الّذى يهتدى به مثل المشكوة فيها المصباح فالمشكوة قلب محمّد (ص) والمصباح نوره الّذى فيه العلم، وقوله: المصباح فى زجاجةٍ يقول: انّى اريد ان اقبضك فاجعل الّذى عندك عند الوصىّ، كما يجعل المصباح فى الزّجاجة كأنّها كوكبٌ درّىٌّ فأعلمهم فضل الوصىّ يوقد من شجرةٍ مباركةٍ فأصل الشّجرة المباركة ابراهيم (ع) وهو قول الله عزّ وجلّ: {أية : رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} تفسير : [هود:73] وهو قول الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [آل عمران:33-34] لا شرقيّة ولا غربيّة يقول لستم يهود فتصلّوا قبل المغرب ولا النّصارى فتصلّوا قبل المشرق وانتم على ملّة ابراهيم (ع) وقد قال الله عزّ وجلّ: {أية : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [آل عمران:67] وقوله: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ} يقول: مثل اولادكم الّذين يولدون منكم مثل الزّيت الّذى يعصر من الزّيتون يكادون ان يتكلّموا بالنّبوّة ولو لم ينزل عليهم ملك، وعن الصّادق (ع) عن ابيه فى هذه الآية: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}، قال بدأ بنور نفسه مثل هداه فى قلب المؤمنين كمشكوةٍ فيها مصباح، المشكوة جوف المؤمن والقنديل قلبه، والمصباح النّور الّذى جعله الله فيه، توقد من شجرةٍ مباركةٍ قال: الشّجرة المؤمن زيتونةٍ لا شرقيةٍ ولا غربيّة، قال: على سواء الجبل لا غربيّة اى لا شرق لها ولا شرقيّة اى لا غرب لها، اذا طلعت الشّمس طلعت عليها، واذا غربت غربت عليها، يكاد النّور الّذى جعله الله فى قلب المؤمن يضيء وان لم يتكلّم نورٌ على نورٍ فريضة على فريضةٍ وسنّة على سنّةٍ يهدى الله لنوره من يشاء، قال: يهدى الله لفرائضه وسننه من يشاء، ويضرب الله الامثال للنّاس قال: فهذا مثل ضربه الله للمؤمن، قال: فالمؤمن ينقلب فى خمسة من النّور مدخله نور، ومخرجه نور، وعلمه نور، وكلامه نور، ومصيره يوم القيامة الى الجنّة نور قال الرّاوى: قلت لجعفرٍ (ع) انّهم يقولون مثل نور الرّبّ قال سبحان الله ليس لله مثل اما قال: {أية : فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [النحل: 74] ويجوز ان يراد بالمصباح ولاية محمّد (ص) مخصوصاً فليكن الزّجاجة نبوّته والمشكوة رسالته، والشّجرة لطيفته السّيّارة الانسانيّة او مادّته الكاملة وجثّته العنصريّة اللّتين كانتا فى حاقّ الوسط غير مائلتين الى التّوحيد ولا الى التّكثير كعيسى وموسى (ع) فانّ احدهما مال الى التّوحيد والآخر الى التّكثير، ويجوز ان يراد بالمصباح نبوّة محمّدٍ (ص) فليكن الزّجاجة رسالته والمشكوة صدره، والشّجرة لطيفته السّيّارة، او ولايته الكاملة او مادّته، وقيل: انّ المشكوة ابراهيم (ع) والزّجاجة اسماعيل (ع) والمصباح محمّد (ص) من شجرة مباركة يعنى ابراهيم (ع) لانّ اكثر الانبياء من صلبه لا شرقيّة ولا غربيّة لا نصرانيّة ولا يهوديّة يكاد زيتها يضيء اى يكاد محاسن محمّد (ص) تظهر قبل ان يوحى اليه، وقيل: المصباح القرآن، والزّجاجة قلب المؤمن، والمشكوة لسانه وفمه، والشّجرة شجرة الوحى يكاد حجج القرآن تتّضح وان لم تقرأ {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} خبر بعد خبرٍ لمثل نوره يعنى صفة نوره الّذى هو المشيّة صفة نورٍ على نورٍ فى شدّة الاضاءة لتضاعف اضاءته بصفاء زيته وصفاء زجاجته، وجمع المشكوة لنوره على انّ المشيّة الّتى هى وجود مطلق مقوّمة لجميع الوجودات المقيّدة فهى وجود مطلق وارد على جميع الوجودات المقيّدة وهكذا سائر الوجوه المذكورة فى النّور، او خبر لمبتدءٍ محذوفٍ اى نور الرّبّ نورٌ على نورٍ بجميع الوجوه المذكورة فى النّور او خبر بعد خبر لله اى الله بحسب مظاهره نورٌ على نورٍ، او مبتدء خبرٍ محذوفٍ اى فى المشكوة نورٌ على نورٍ، او خبر بعد خبر للمصباح، او خبر بعد خبر للزّجاجة، او خبر بعد خبر لكأنّ، او صفة لمصباح، او لكوكب، او خبر مبتدءٍ محذوفٍ اى الكوكب الدّرّى نورٌ على نورٍ او مبتدء وعلى نور خبره ومسوّغه الوصف المقدّر اى نور عظيم على نورٍ او مبتدء وخبره {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ} وعائده تكرار المبتدأ اى نورٌ على نورٍ يهدى الله اليه {مَن يَشَآءُ}. وجوه اعراب آية النّور وبيان اعراب الآية بنحو الاجمال ان يقال: الله مبتدء ونور السّماوات خبره كما هو الظّاهر او بدل منه او صفته ومثل نوره كمشكوة جملة وخبر بعد خبر لله او خبر له او حال او مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او معترضة وفيها مصباح صفة لمشكوة او مستأنفة او معترضة والمصباح فى زجاجةٍ صفة مصباح او صفة مشكوةٍ او حال من مشكوة والعائد على الاوّل تكرار الموصوف وعلى الاخيرين يكون مقدّراً اى المصباح فيها فى زجاجة، او مستأنفة او معترضة وفى زجاجة خبر المصباح او حال منه والزّجاجة كأنّها كوكب صفة زجاجةٍ او صفة مصباحٍ او صفة مشكوةٍ، او حال منهما والعائد مثل عائد جملة المصباح فى زجاجة او مستأنفة او معترضة وكأنّها كوكبٌ درّىٌّ خبر الزّجاجة او حال منها، ويوقد من شجرة مباركة صفة كوكب او حال منه او خبر بعد خبر لكأنّ، او خبر للزّجاجة او خبر بعد خبر لها، او حال من الزّجاجة، او من ضمير كأنّها، او صفة زجاجة او حال منه او خبر للمصباح او خبر بعد خبر له، او حال منه او من المستتر فى قوله {فِي زُجَاجَةٍ} او خبر بعد خبر لله او خبر له ابتداء او حال منه او من نور السّماوات او مستأنفة او معترضة وتوفيق التّأنيث والتّذكير لما يحمل عليه ويوصف به موكول الى تفطّن النّاظر الخبير، ويكاد زيتها يضيء صفة للشّجرة او حال منها أو مستأنفة او معترضة، ونورٌ على نورٍ قد مضى وجوه اعرابه {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} يعنى يوصل الى طريق المقصود او يذهب اليه بمن يشاء ويضرب الامثال للتّنبيه على طريق المقصود لجميع النّاس ليهتدى من يهتدى ويضلّ من يضلّ ويحيى من حىّ عن بيّنةٍ ويهلك من هلك عن بيّنةٍ {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} عطف على الله نور السّماوات او على جملة مثل نوره كمشكوة او على جملة يهدى الله لنوره من يشاء، او على جملة يضرب الله الامثال.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدّثنا فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً: عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام في قول الله [تعالى. ر]: {مثل نوره كمشكوة فيها مصباح} قال: المشكوة العلم في [صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {في زجاجة} قال: الزجاجة صدر النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. ر] [ومن. أ، ر] صدر النبي [ر: صدره] إِلى صدر علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] علمه النبي لعلي [عليه السلام. أ] {كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة} [زيتونة}. ر] قال: نور العلم {لا شرقية ولا غربية} قال: [من إِبراهيم خليل الرحمان إِلى محمد رسول الله [صلى الله عليهما وآلهما وسلم. ر] إِلى علي [بن أبي طالب عليه السلام. أ: صلوات الله عليه] {لا شرقية ولا غربية}. ر، أ] [قال. أ] لا يهودية ولا نصرانية {يكاد زيتها يضيء ولولم تمسسه نار، نور على نور} قال: يكاد العلم من آل محمد يتكلم بالعلم قبل أن يسأل عنه. قال حدّثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن جابر رضي الله عنه قال أبو جعفر بلغنا والله أعلم أن قول الله تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره} فهو [نور. أ] محمد صلى الله عليه وآله وسلم {كمشكوة} [قال. أ، ب]: المشكوة هو صدر نبي الله {فيها مصباح} وهو العلم {المصباح في زجاجة} فزعم أن الزجاجة أمير المؤمنين وعلم رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب] عنده، و أما قوله: {كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية} قال: لا يهودية ولا نصرانية {يكاد زيتها يضيء} قال: يكاد ذلك العلم أن يتكلم فيك قبل أن ينطق به الرجل {ولولم تمسسه نار، نور على نور}. وزعم أن قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} [قال. أ، ر]: هي بيوت الأنبياء [عليهم الصلاة. ر] وبيت علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] منها. قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي عبد الله [عليه السلام. أ، ب] في قوله [تعالى. ر. أ: قول الله]: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح} الحسن مصباح [ب: المصباح] والحسين في زجاجة [{الزجاجة. ب] كأنها كوكب دري} فاطمة كوكب دري من [ب. (خ ل): بين نساء العالمين {يوقد من شجرة مباركة [زيتونة}. ر] إبراهيم [الخليل. ر] [{زيتونة. أ، ب.] لا شرقية ولا غربية} يعني: لا يهودية ولا نصرانية {يكاد زيتها يضيء} يكاد العلم ينبع منها. قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن الحسين بن عبد الله بن جندب قال: اخرج [ر، أ: خرج] إِلينا صحيفة فذكر أن أباه كتب إلى أبي الحسن [عليه السلام. أ، ب] جعلت فداك إِنّي قد كبرت و ضعفت وعجزت عن كثير مما كنت أقوى عليه فأحب جعلت فداك أن تعلمني كلاماً يقربني من ربي [ر: بربي] ويزيدني فهماً وعلماً. فكتب إِليه قد [أ، ب: وقد] بعثت إِليك بكتاب فاقرأه وتفهمه فإن فيه شفاء لمن أراد الله شفاه وهدىً لمن أراد الله هداه فأكثر من ذكر بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم وأقرأها على صفوان وآدم. قال علي بن الحسين عليهما السلام: إِن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان أمين الله في أرضه فلما قبض محمد [صلى الله عليه وآله وسلم. أ] كنا أهل البيت أمناء الله في أرضه، عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام، وإنا لنعرف الرجل إِذا رأيناه بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق، وإِن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم [ر: أسماءهم] و أسماء آبائهم، أخذ الله الميثاق علينا [وعليهم. أ، ب] يردون مواردنا ويدخلون مداخلنا، ليس على ملة إِبراهيم خليل الرحمان غيرنا وغيرهم. إِنا يوم القيامة آخذين بحجزة نبينا ونبينا آخذ بحجزة ربه وإِن الحجزة النور، و شيعتنا آخذين بحجزتنا، من فارقنا هلك ومن تبعنا نجا، [مفارقنا. أ، ب] والجاحد لولايتنا كافر، وشيعتنا وتابع ولايتنا [ب (خ ل): ومتبعنا وتابع أولياءنا. ر: لولايتنا] مؤمن، لا يحبنا كافر ولا يبغضنا مؤمن، من مات وهو محبنا [ب: يحبنا] كان حقاً على الله أن يبعثه معنا، نحن نور لمن تبعنا، ونور لمن اقتدى بنا، من رغب عنا ليس منا ومن لم يكن منا [ر: معنا] فليس من الإسلام في شيء. بنا فتح الله وبنا يختمه وبنا أطعمكم الله عشب الأرض، وبنا أنزل الله عليكم قطر السماء، وبنا أمنكم الله من الغرق في بحركم ومن الخسف في بركم، وبنا نفعكم الله في حياتكم وفي قبوركم وفي محشركم وعند الصراط وعند الميزان وعند دخولكم الجنان. إِن مثلنا في كتاب الله كمثل المشكوة والمشكوة في [ب: هو] القنديل فنحن المشكوة {فيها مصباح} والمصباح [هو. ر] محمد صلى الله عليه وآله وسلم على! {المصباح في زجاجة} نحن الزجاجة {[الزجاجة] كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية} لا منكرة ولا دعية {يكاد زيتها} نورها {يضيء ولو لم تمسسه نار}، نور الفرقان [نور. ر] على نور يهدي الله لنوره} لولايتنا {من يشاء والله على كل شيء قدير} على أن يهدي من أحب لولايتنا، حقاً على الله أن يبعث ولينا مشرقاً وجهه نيراً برهانه عظيماً عند الله حجته، [حقاً على الله أن] يجيء عدونا يوم القيامة مسوداً وجهه مدحضة عند الله حجته، حقاً [أ، ر: حق] على الله أن يجعل ولينا رفيق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وحق [ب: حقاً] على الله أن يجعل عدونا رفيقاً للشياطين والكافرين وبئس أولئك رفيقاً. لشهيدنا فضل [ر: افضل] على الشهداء بعشر درجات ولشهيد شيعتنا على شهيد غيرنا سبع درجات. نحن النجباء ونحن أبناء الأوصياء ونحن أولى الناس بالله ونحن المخلصون [ب: المختصون. ق، ص: المخصوصون] في كتاب الله ونحن أولى الناس بدين الله، ونحن الذين شرع الله [لنا. ر] دينه فقال الله: {أية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إِليك} تفسير : يا محمد وما وصى به إِبراهيم وإِسماعيل [وإِسحاق. ب] ويعقوب، فقد علمنا و بلغنا ما علمنا واستودعنا علمهم. نحن ورثة الأنبياء ونحن ذرية أولي العلم {أية : أن أقيموا الدين} تفسير : بآل محمد {أية : ولا تتفرقوا فيه} تفسير : وكونوا على جماعتكم {أية : كبر على المشركين} تفسير : من أشرك بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام {أية : ما تدعوهم إِليه} تفسير : من ولاية علي {أية : إِن الله} تفسير : يا محمد {أية : يجتبي إِليه من يشاء ويهدي إِليه من ينيب} تفسير : [13/ الشورى 42] [قال. أ] من يجيبك إِلى ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: حدّثني علي بن الحسين [معنعناً. ب]: عن الأصبغ بن نباتة! قال: كتب عبد الله بن جندب إِلى علي بن أبي طالب! عليه السلام: جعلت فداك إني [ب: إِن] فيّ ضعف فقوني. قال: فأمر علي الحسن! ابنه أن اكتب إِليه كتاباً قال: فكتب الحسن: إِن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان أمين الله في أرضه فلما أن قبض محمد [ص] وكنا أهل بيته فنحن أمناء الله في أرضه، عندنا علم المنايا والبلايا، وإِنا لنعرف الرجل إِذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق، وإِن شيعتنا لمعروفون [ر، أ: المعروفون] بأسمائهم وأنسابهم، أخذ الله الميثاق علينا وعليهم [ر: منا (ظ) ومنهم]، يردون مواردنا ويدخلون مداخلنا، ليس على ملة أبينا إِبراهيم غيرنا وغيرهم، إِنا يوم القيامة آخذين بحجزة نبينا وإِن نبينا آخذ بحجزة [ربه والحجزة. ب] النور، وإِن شيعتنا آخذين بحجزتنا. من فارقنا هلك ومن اتبعنا [ر: تبعنا] لحق بنا، والتارك لولايتنا كافر والمتبع لولايتنا مؤمن، لا يحبنا كافر ولا يبغضنا مؤمن، ومن مات وهو محبنا كان حقاً [ر، أ: حقيق!] على الله أن يبعثه معنا. نحن نور لمن تبعنا وهدىً لمن اقتدى بنا، ومن رغب عنا فليس منا، ومن لم يكن منا فليس من الإسلام في شيء. بنا فتح الله الدين وبنا يختمه وبنا أطعمكم الله عشب الأرض وبنا من الله عليكم [ب: امنكم الله] من الغرق، وبنا ينقذكم الله في حياتكم وفي قبوركم وفي محشركم وعند الصراط والميزان وعند ورود [كم. ب، ر] الجنان. وإِن مثلنا في كتاب الله كمثل المشكوة والمشكوة هي [ر، أ: هو] القنديل وفينا المصباح والمصباح محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته والمصباح في زجاجة [نحن. أ] الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة} علي بن أبي طالب [عليه السلام ب، ر] {لا شرقية ولا غربية} معروفة لا يهودية ولا نصرانية {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه} نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء}. وحقيق [ب: حق] على الله أن يأتي ولينا يوم القيامة مشرقاً وجهه نيراً برهانه عظيمة عند الله [تعالى. ر] حجته، وحقيق [ب: حق] على الله أن يجعل ولينا رفيق الأنبياء والشهداء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وحقيق [ب: حق] على الله أن يجعل عدونا والجاحد لولايتنا رفيق الشياطين والكافرين وبئس أولئك رفيقاً. ولشهيدنا فضل على شهداء غيرنا بعشر درجات ولشهيد شيعتنا فضل على شهيد [ب، ر: الشهداء] غير شيعتنا بسبع درجات. فنحن [أ: نحن] النجباء ونحن أفراط الأنبياء ونحن خلفاء [الله في. ب] الأرض ونحن المخصوصون [ب: المخلصون] في كتاب الله، ونحن أولى الناس بنبي الله، و نحن الذين شرع الله لنا الدين فقال في كتابه: {أية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إِليك وما وصينا به إِبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} تفسير : وكونوا على جماعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم {أية : كبر على المشركين}تفسير : [13/ الشورى/ 42]. قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن فضيل بن الزبير قال: سألت [ر، أ: سمعت] زيد بن علي [عليهما السلام. ر] عن [ر، أ: من] هذه الآية: {في بيوت أذن الله [أن ترفع ويذكر} إِلى آخره. أ] قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم]: حديث : هي بيوت الأنبياء، فقال أبو بكر: هذا منها- يعني بيت علي [بن أبي طالب. ر]-؟ فقال له النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب]: هذا من أفضلها .
اطفيش
تفسير : {اللَّهُ نُورُ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} قال جابر ابن زيد سئل ابن عباس رضي الله عنه عن قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} فقال: عدل السماوات والارض وهو هادي من في السماوات والارض وكذا قال الحسن وقتادة وعمر ومحمد وأبو مسلم المكي ومجاهد كقوله * {مَثَلُ نُورِهِ} الخ اي مثل عدله وهدايته فانه سبحانه ليس له مثل. وفي السؤالات وان قال الله جسم فقد اشرك وكذا ان قال لا جسم كالاجسام يعني وكذا ان قال أو عرض فقد اشرك أو عرض لا كالاعراض بل يقال شيء لا كالاشياء قال وكذا ان قال نورا ونور لا كالانوار أو نور النور فقد اشرك يعني ان لم يقصد بالنور ما اريد به في الآية. وان قال {اللَّهُ نُورُ السَّمَٰوَاتِ والأَرْضِ} فذلك توحيد ومعناه عدل السماوات والارض. وقيل: هادي من فيهما. وقيل: منورهما اي خالق نورهما {مَثَلُ نُورِهِ} اي مثل هذا. قال: في شرح الجهالات الا ترى إلى قول {مَثَلُ نُورِهِ} فجعل المثل للنور والله تعالى ليس له مثل وقد قال الله تعالى {أية : فلا تضربوا لله الامثال}تفسير : ونوره هدايته نور السماوات والارض هادي من فيهما وانما لم يجز اطلاق النور على الله سبحانه وتعالى لان النور اما جسم كجرم النار وجرم الشمس واما عرض كشعاعهما الواقع على الاجسام والله لا يوصف بعرض ولا بجسم والنور الذي بمعنى الشعاع كيفية تدركها الباصرة أو لا وتدرك بواسطتها سائر المبصرات. ثانيا فاطلاق اسم النور (لله) اما لانه كما يهتدى بالنور في الاماكن المظلمة يهتدى بالله سبحانه في ظلمات الجهل كقولهم للرئيس في التدبير نور القوم واما على حذف مضاف اي مولى نور السماوات والارض ونورهما مراد به الكواكب والشمس والقمر وشعاعهما والنار وشعاعها أو نورهما الملائكة والانبياء والشريعة أو جميع ذلك على جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز واما على منور السماوات والارض فانه نورهما بما ذكر وقد قرئ الله منور السماوات والارض واما على ان النور بمعنى العدل الذي هو وصف بل قائم مقام الوصف أو الذي هو مصدر فيقدر مضاف اي ذو عدل السماوات والارض واطلق النور على العدل لان العدل كالنور والجور كالظلمة. واما على معنى موجد السماوات والارض وانما اطلق النور واريد به الموجد لان النور ظاهر بذاته مظهر لغيره واصل الظهور الوجود كما ان اصل الخفاء العدم والله سبحانه موجود بذاته موجد لغيره. واما على ان النور هو الذي به تدرك الباصرة أو الذي يدرك به اهلها الاشياء من حيث انه يطلق على الباصرة لتعلقها به أو لمشاركتها له في توقف الادراك عليه ثم اطلق النور على البصيرة لانها اقوى ادراكا فانه يدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات المعدومة والموجودة وتغوص في بواطنها ويتصرف فيها بالتركب والتحليل ثم ان هذه الادراكات ليست لذاتها والا لما فارقتها فهي إذا من سبب يفيضها عليها الله سبحانه وتعالى ابتداء أو بتوسط من الملائكة والانبياء عليهم الصلاة والسلام ولذلك سموا انوارا. ويقرب منه قول ابن عباس: هادي من فيهما فهم بنوره يهتدون واضافته اليهما للدلالة على سعة اشراقه او لاشتمالهما على الانوار الحسية والعقلية وقصور الادراكات البشرية عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما قاله القاضي البيضاوي ولا محذور فيه. قال العلامة الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن وانما سمى مولانا نفسه نورا لانه هو الضياء المظهر للاشياء فاذا سمى ما يظهره غيره بحسب الادراك نور فلان تسمى ما يظهر تلك الاشياء من حيز العدم إلى الوجود نورا أولى واحرى بل هو النور. وفي الحديث الرباني "حديث : من عرف نفسه عرف ربه ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا وفؤادا فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وما وسعني سمائي ولا ارضي ووسعني قلب عبدي وانا جليس عبدي إذا ذكرني ومن تقرب اليّ شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب اليّ ذراعا تقربت اليه باعا ومن اتاني يمشي اتيته هرولة ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لي وقت لا يسعني فيه غير ربي وأَنا لست كأَحدكم إِنما أَظل عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : لورود الارواح الثلاثة على قلبه الروح الامين وروح القدس وروح الامر وكل منها مورد ومصدر. فمورد الاول الذي هو جبرائيل السلام ظاهر قلبه الشريف ومصدره من سدرة المنتهى ويسمى عالم الملك وعين اليقين. ومورد الثاني باطن قلبه وهو يلقيه الله سبحانه على جهة الالهام ومصدرهم، عالم العرش ويسمى عالم الملكوت وعين اليقين. ومورد الثالث السويدا ومصدره من عين القدرة الربانية ويسمى عالم الجبروت وحق اليقين ومن هذا تبين لك معرفة الشريعة والحقيقة والتكوين والتمكين. فالاولى هي الاقامة بوظائف العبودية بجميع حدودها والمجاهدة الظاهرة في الطريق الموصلة إلى الرب سبحانه على ما اشار اليها بقوله {أية : اياك نعبد} تفسير : والثانية اقامة مشاهدة الربانية في باطن الطريقة المذكورة فسر هذه في الاولى كسر الزبد في لبنه والكنز في معدنه اذ لا يتأتى الاول بدون المخض ولا الثاني بدون الحفر واليها اشار بقوله {أية : وإِياك نستعين}. تفسير : والثالثة عبارة عن انتقال من حال إلى حال وترق من مقام إلى مقام وإلى زيادة ونقصان ووصف من كان في الطريق غير واصل منزله وعليه حالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في بدء امره حيث قال له: اقرأ فقاله له: "ما انا بقارئ ثلاث مرات" فقال له: {أية : إِقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإِنسان من علق}. تفسير : وحالة نبينا موسى عليه السلام حين رجع من مناجاة ربه. والرابعة هو حال من وصل منزله فانه حينئذ آمن مطمئن لاستيلاء سلطان الحقيقة عليه ولم يزل في حضرة جليلة ومشاهدة انيسة كما هو حال مولانا محمد صلى الله عليه وسلم على ما سبقت الاشارة إليه وكذا السيد الخضر عليه السلام لكونه موسوما بالعلم اللدني. ونظير هاتين قصة زليخة وصحيباتها مع يوسف عليه السلام وله سبحانه بين الاجساد والارواح رابطة ربانية وعلاقة روحانية ولكل منها ارتباط بصاحبه يختص الله به من يشاء من عباده وينزله منازل حبه ويشهده مشاهد قربه ممن اشرفه على جوارحه واستعملها في مصالحة إذ لا يكون ذلك منه الا بلزوم المجاهدة وحسن المراقبة فحينئذ يتأتى له الوصول إلى تلك المشاهدة والجلوس في تلك المقاعد. وانظر إلى ما قال الله تعالى لنبيه وحبيبه في كتابه {أية : ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أَن يبعثك ربك مقاما محمودا}تفسير : ولا يطمع في الوصول إلى منزل محبوبه من ليس له محصول من طاعة ربه ومن ظن انه يفتح عليه شيء من هذه الطريقة أو يكشف له شيء من هذه الحقيقة من غير لزوم مجاهده ولا معالجة شروط مراقبة فقد غلط وسها وركب متن عمياء وخبط خبط عشواء. وقيل: نور السماوات والارض مزينهما زين السماوات بالقمرين والنجوم والارض بالانبياء والعلماء والمؤمنين. وقال العلامة هود: {مَثَلُ نُورِهِ} الذي اعطى المؤمن في قلبه. وقيل: نور السماوات والارض الذي اصلحها وبه قوام أمورها. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي {الله نَوَّرَ} بفتح النون والواو وتشديدها وفتح الراء وفتح ضاد {الأَرضَ}. وكذا قرأ عليّ؛ اي نشر فيها الحق أو نور قلوب اهلها أو نورها بالنجوم والقمرين والنار. {كَمِشْكَاةٍ} كوة غير نافذة في لغة الحبشة والعرب تنطق بها على لغة الحبشة. وقال ابو موسى الاشعري المشكاة الحديدة أو الرصاصة التي فيها القنديل في جوف الزجاجة والاول اصح * {فِيهَا مِصْبَاحٌ} صفة مشكاة والمصباح في مشكاة اضوأ منه في غيرها. وعن بعض ان في اضافة النور لضميره عز وجل في قوله {نُورِهِ} دليلا على ان اطلاق النور عليه في {اللّهُ نُورُ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} ليس على ظاهره وذلك واضح وان المصباح سراج ضخم ثاقب. وقيل: المشكاة الانبوبة في وسط القنديل والمصباح الفتيلة المشتعلة {المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} في قنديل من الزجاج * {الزُّجَاجَةُ} وقرئ بفتح الزائين وكسرهما * {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} مضيء يلمح كالزهرة منسوب إلى الدر وهو الاضاءة أو فعيل من الدرء بالهمزة بعد الراء بمعنى الدفع قلبت همزته ياء وادغمت فيها الياء الزائدة وذلك لانه يدفع الظلام بضوئه أو يدافع ضوءه بعضه ببعض من كثرة اللمعان. وقرأ أبو بكر (الدرء) بالهمزة مع كسرة الراء مشددة وضم الدال وقرأ ابو عمرو والكسائي (درئ) بكسر الدال والراء مع تشديدها وبعدها ياء ساكنة وبعد الياء همزة. وقرئ (دريء) كسكينة وإذا وقف حمزة سهل الهمزة على اصلها. وقرئ بتقديم الهمزة ساكنة على الراء. وقيل: من (در النجم) طلع وارتفع وكأن التشبيه كالكوكب لان الكوكب لا يكسف ولا يخسف كذا قيل. وقيل: منسوب إلى الدرة وهي اللؤلؤة. وعن الضحاك؛ الكوكب الدري الزهرة. قيل: يحتمل ان يكون المعنى ان الزجاجة بالمصباح كذلك أو انها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك * {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} ضمير (يوقد) للمصباح. وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر (توقد) بالمثناة الفوقية اي (الزجاجة) ويقدر مضاف اي (مصباح الزجاجة) أو اسند اليها الايقاد لانه في مصباح والمصباح فيها. وقرئ بالمثناة مفتوحة اي تتوقد الزجاجة كالقراءة المذكورة لكن الاسناد في هذه وقوعي وفي تلك ايقاعي. وقرئ (يوقد) بالتحتية مضمومة وفتح الواو القاف مشددة (ويوقد) بفتح الياء والواو والقاف المشددة والاصل يتوقد حذفت التاء لاجتماع الزيادتين الياء والتاء وهو غريب (ومن) للابتداء اي ابتداء توقد المصباح من شجرة مباركة اي كثيرة النفع بان رؤية فتيلته يزينها وغرقت فيه وتنكير الشجرة تفخيم لشأنها كما ضخمت ايضا بوصفها بالمباركة وبيانها بعد الابهام بقوله. {زَيْتُونَةٍ} وشجرة الزيتون نبتت في الارض التي بارك فيها للعالمين الارض المقدسة وبارك فيها سبعون نبيا منهم ابراهيم وفي الحديث (عليكم بالزيت فانه مصحة من الباسور) كلوا وادهنوا ويسرج به ويدهن وهو ادام واصفى الادهان واضوأها وهي أول شجرة نبتت بعد الطوفان. وعن بعضهم: المراد بالزجاجة والزيتونة زجاج الشام وزيتونه لانهما اجود واصفى. {لاَ شَرْقَيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} نعتان لزيتونة عطف ثانيهما على اولهما والمراد انها غير الذي تقع عليها الشمس وقتاً دون وقت مثل ان تقع عليها وقت شروقها فقط أو وقت غروبها فقط بل هي شرقية غربية معا تقع عليها طول النهار فان ثمرتها انضج واصفى. وقيل: المعنى لا في موضع تقع الشمس عليها دائما فتحرقها ولا في موضع تغيب عنها دائما فتتركها نيا وفي الحديث"حديث : لا خير في شجرة ولا نبات في مقناة"تفسير : وهي المكان الذي لا تطلع عيله الشمس ولا خير فيهما في مضحى اي في موضع يشتد فيه الحر. وقيل: المعنى انها لا في شرقي المعمور ولا في غربه بل في وسطه وهو الشام فان زيتونه اجود. وقيل: لا نصرانية يصلون إلى المشرق ولا يهودية يصلون إلى المغرب وهو بيت المقدس. وقيل: ليست من شجر الدنيا والا كانت شرقية أو غربية وانما هو مثل وهو الحسنة * {يَكَادُ زَيْتُهَا} وقرأ السوسي: بابدال الدال زايا وادغامها بعد تسكينها في الزاي بعدها * {يُضِيءُ} لذاته * {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ} وقرئ بالتحتية * {نَارٌ} لشدة لمعانه وصفائه {نُورٌ} اي ذلك النور * {عَلَى نُورٍ} اي نور متضاعف تناصر في المشكاة والزجاج والمصباح والزيت حتى لم يبق مما يقوي النور ويزيده اشراقا بقيته فان المصباح في مشكاة تجتمع فيها ضوؤه بخلاف غيرها فان الضوء يتفرق فيه وصفاء الزيت وجودته مما يزيد الضوء وكذا الزجاجة الصفية يتدافع فيها النور. {يَهْدِ اللَّهُ لِنُورِهِ} قال ابن عباس دين الاسلام وهو نور البصيرة * {مَن يَشَآءُ} وهو الذي تدبر بعين قلبه وانصف من نفسه ومن لم يتدبر فكالاعمى الذي سواء عليه جنح الليل الدامس وصحوة النهار الشامس. قال الشيخ هود - رحمه الله -: ذلك مثل قلب المؤمن يكاد يعرف الحق قبل ان يتبين له لما يذهب إليه قلبه من موافقته الحق وإذا تبين له صار نور على نور كنور الزجاجة ونور الزيت ونور النار وفي شرح الجهالات مثل المصباح الذي هو نور وضياء بالهدى والايمان الذي في القلب. وفي عبارته قلب لان المراد تشبيه الهدى والايمان في قلب المؤمن بالمصباح في المشكاة وذكر الزجاجة زيادة في الاشراق ثم ذكر الزيت الذي يستمد منه المصباح مثل ما يمد الله به قلب المؤمن من البيان والدلائل والشواهد التي لا غاية لها. وقيل: ذلك مثل نور المؤمن كما قرأ ابي بن كعب مثل نور المؤمن وابن مسعود مثل نور القلب. وعن أُبيّ مثل نور من آمن به وهذا صفة تفسير لقراءة غيره وذلك بان شبه صدره بالمشكاة وشبه قلبه في صدره بالزجاجة في المشكاة وشبه معرفته بربه بالمصباح في الزجاجة وشبه قلبه بالكوكب الدري وشبه امداد تلك المعرفة بالزيت الصافي المذكور وقد مد ذلك السراج بالاشتعال شيئا فشيئا تدريجيا. وعن ابي بن كعب: المشكاة المؤمن والزجاجة قلبه والمصباح ما فيه من الايمان والقرآن والشجرة الاخلاص فهو كشجرة خضراء ناعمة نضرة لا تصيبها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت لا يصيبه شيء من الفتن ان اعطى شكر وان ابتلى صبر وان حكم عدل وان قال صدق ويكاد يعرف الحق قبل ان يتبين له قوله نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة وعن ابن عباس يكاد زيته إلى اخره يعمل بالهدى قبل ان يأتيه العلم فاذا اتاه ازداد هدى على هدى. وقال الكلبي: نور على نور ايمان المؤمن وعمله وقيل نور الايمان ونور القرآن وقيل: المصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المعرفة يضيء نورها في قلبه بلا نار وقيل: يكاد حجة القرآن يتضح وان يقرأ وهو نور انزله الله على نور اقامه الله قبل نزول القرآن من الدلائل والاعلام وقيل المشكاة بشرية المؤمن والمصباح التوحيد والزجاجة القلب شبه المشكاة بالبشرية لما بينهما من اشتراك في الظلمة نزول منها بالمصباح ومن الانسان بالتوحيد والقلب الطف كالزجاجة فشفافتها يطرح اشعة النور على ما يحاديها من الاجرام وشفافة القلب تعبر عنه اشعة انوار التوحيد إلى الجوارح. كما قال صلى الله عليه وسلم: في مصل يعبث بلحيته لو خشع قلبه لخشعت جوارحه وقيل: هو مثل لنور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شبه عبد المطلب بالمشكاة لصيانتها وابنه الذي هو اعز اولاده عليه وهو عبدالله بالزجاجة لصفائها وصونه والنبي بالمصباح لانارته التي كانت في الاصل فيهما والشجرة ابراهيم عليه السلام لكون اكثر الانبياء منه وهو لا شرقي اي نصراني ولا غربي اي يهودي ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا. وقال كعب: المشكاة صدره صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه والمصباح النبوة والشجرة شجر النبوة يكاد نوره يتبين قبل ان يأتيكم به. وعن ابن عمر المشكاة جوفه صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه والمصباح النور الذي فيه ولا شرقية ولا غربية لا يهودي ولا نصراني والشجرة المباركة ابراهيم ونور على نور قلبه وقلب ابراهيم. وقال محمد بن كعب القرطي: المشكاة ابراهيم والزجاجة اسماعيل والمصباح محمد عليهم الصلاة والسلام فهو نبي من نسل نبي. وعن كعب: هو صلى الله عليه وسلم المشكاة أو هي صدره والنبوة وما يتصل بها من علمه وهديه المصباح وقلبه الزجاجة والوحي الشجرة والحجج والبراهين الزيت. وعن ابي بن كعب: المشكاة صدر المؤمن والمصباح الايمان والعلم والزجاجة قلبه والشجرة القرآن وزيتها الحجج والحكم التي تضمنها فهو على احسن حال يمشي في الناس كالحي يمشي في قبور الاموات وانما كان التشبيه بالمشكاة في القول بان ذلك تمثيل المهدي لاشتمالها على المصباح والهدى محفوف بظلمه اوهام الناس وتشبيهه بها اوفق من تشبيهه بالشمس وقيل ذلك تمثيل ما منح الله عباده من القوى المدركة الخمس التي ناط بها المعاش والمعاد فالمشكاة القوة الحساسة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس لان محلها كالكوة ووجهها إلى الظاهر لا تدرك ما وراءها واضاءتها بالمعقولات لا بالذات والزجاجة القوة الخيالية وهي التي تحفظ صورة تلك المحسوسات بتعرضها على القوة العقلية متى شاءت كما ان الزجاجة تقبل صور المدركات من الجوانب والقوة الخيالية تضبط الانوار العقلية وتستنير بما تشتمل عليه من المعقولات كالزجاجة تستنير هي وما يحاذيها بالضوء والمصباح القوة العقلية المدركة للحقائق الكلية وذلك انها مستنيرة بالادراكات الكلية والمعارف الالهية والشجرة القوة المفكرة وهي التي تؤلف المعقولات ليستنتج منها علم ما لم يعلم وذلك انها كالزيتونة المنتجة باثمار لا نهاية لها الا إلى غاية وزيتها مادة المصباح مجرد عما يوسخ وتلك القوة لها ثمرات لا نهاية لها مجزة عن اللواحق الجسمية واقعة بين الصور والمعاني منصرفة في النوعين منتفعة منهما والزيت القوة القدسية وهي التي تتجلى فيها لوائح الغيب واسرار الملكوت المختصة بالانبياء والاولياء وهي صافية كالزيت وشديدة الذكاء حتى اضاءت بالمعارف بلا تفكر ولا تعليم اعني انها تترتب تلك المعارف على ما سبقها من التعليم. قال القاضي: وذلك تمثيل للقوة العقلية فانها في بدء امرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها كالمشكاة ثم تستنير بالعلوم الضرورية بتوسط احساس الجزئيات بحيث تتمكن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها قابلة للنور وذلك التمكن ان كان بتفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة وان كان بالحدس فكالزيت وان كان بقوة قدسية فكالتي يكاد زيتها يضئ لانها بالكاد تعلم وان لم تتصل بالوحي والالهام الذي مثله النار من حيث ان العقول تشتعل عنها ثم اذا حصلت لها العلوم بحيث يتمكن من استحضارها متى شاءت كانت كالمصباح فاذا استحضرها كان نور على نور. <b>فصل</b> قيل تضمنت هذه الآية الله نور الخ مائة نوع من البديع وقالوا من كتبها إلي بغير حساب في رق غزال بمداد من دواه من له حظوة في العلم وسعادة ثم يطويه قبل صلاة عصر الجمعة مستقبلا صائما للجمعة والخميس قبلها وانما يكتب ذلك بعد قراءة يس مستقبلا متطهرا فاذا صلى العصر قرأ الكهف والكتاب في يده ثم يطويه ويحمله عليه كان مقبولا محبوبا مرزوقا متفرسا بالفراسة الحسنة تكون في قلبه كنور رشيد الصواب وجهيا سعيدا ويقال على العينين الرمداءين في كل صبيحة ثلاث مرات بسم الله الرحمن الرحيم دخل الرمد بسلامة ويخرج بها وانكفت الدمعة وانجلت الحمرة بالف الف لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم الله نور السماوات والارض إلى نور على نور يذهب باذن الله. {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} ايضا للمعقول حتى يقرب من المحسوس * {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ} محسوس أو معقول ظاهر أو خفي * {عَلِيمٌ} فيه وعد ووعيد.
اطفيش
تفسير : {اللهُ نُور السَّماوات والأرْض} أى الظاهر فيهن كظهور النور وإظهاره غيره فى الظلمة، بإيجادهن وإيجاد ما فيهن، والتصرف فى الكل والابقاء والافناء، وارسال الرسل، وإنزال الكتب والهداية لمن فيهما الى صلاح الدين والمعاش، ولولا فعله ذلك كن مظلمات ظلمة حسية وعقلية، كعدم الشمس نحوها، وكالجهل والجور، او المعنى ذو نور السماوات والأرض ونورهن هو الحق والهدى كما قيل: نور السمازات والأرض هاديهما، أى هادى من فيهما، وقد قال الله عز وجل: "أية : يخرجهم من الظلمات إلى النور" تفسير : [البقرة: 257] أى من الباطل الى الحق، وقال: "يهدى الله لنوره من يشاء "وأضاف النور الى السماوات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وإضاءته، كأنهن أضأن به إضاءة حسية مالية لهن. {مثل نُوره} بمعناه المذكور، وعن ابن عباس: النور هنا القرآن، وذلك كقوله عز وجل: "أية : وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً"تفسير : [النساء: 174] وقيل محمد صلى الله عليه وسلم {كمشكاة} كنور مشكاة، أى النور الذى فيها، وضوء المشكاة أقوى لأنه يجتمع منعكساً، بخلاف الضوء فى بسيط من الأرض، وذلك تشبيه للمعقول بالمحسوس، وهى فسحة فى نحو حائط غير نافذة، وهو عربى أصله مشكوة، قلبت الواو ألفاً لتحركها بعد فتحة، وقيل: حبشى عرب، وقيل: رومى عرب وفى الآية تشبيه الأعلى بالأدنى، قال أبو تمام يمدح المأمون: شعر : إقدام عمرو فى سماحة حاتم فى حلم أحنف فى ذكاء أياس تفسير : فقيل له: إن الخليفة فوق من مثلته بهم فقال: شعر : لا تنكروا ضربى له من دونه مثلا شروداً فى الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلا من المشكاة والنبراس تفسير : ومن ذلك قوله تعالى: "أية : كأنهن الياقوت والمرجان" تفسير : [الرحمن: 58]. {فيها مصْباحٌ} سراح كبير، وقيل فتيلة {المصْباحُ} المذكور {فى زْجاجةٍ} صافية زهراء {الزجاجة} المذكورة {كأنَّها كوكبٌ دُرىٌّ} منسب الى الدرة الصافية المنيرة، او الى الدرى بهمزة قلبت ياء وأدغمت فيها الياء من الدرء بمعنى الدفع، يدفع الظلمة، ولكن فعيل بضم الفاء وكسر العين مشدد، وإسكان الياء قليل، ورد منه ذرية وسرية وعلية، ومريق لحب العصفر والفرس السمين، ومريخ لما فى داخل القرن، وقيل أصله دروء كسبوح، قلبت الضمة كسرة للثقل، قالوا وياء لهمزة ياء، وكذا قيل فى ذرية وسرية، قلبت الضمة كسرة، فالواو ياء والهمزة ياء، وكذا قيل فى ذرية وسرية، قلبت الضمة كسرة، الإخفاء، فضم شذوذاً كما قيل فى ذرية، نسب الى الذر إذ خرجوا من آدم كالذر وضم شذوذاً. {يوقدُ} أى المصباح فالجملة خبر ثان للمصباح، أو حال أو مفعول، أو مستأنفة {من شَجرةٍ} من زيت شجرة بواسطته فتيلة {مباركة} كثر الله فيها المنافع، وأنبتها فى الأرض التى بارك فيها للعالمين، وبارك فيها سبعون نبياً منهم ابراهيم عليهم السلام {زيتونةٍ} شجرة الزيت بدل من شجرة، أو عطف بيان منها على جوازه فى النكرات، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ايتدموا بالزيت وادّهنوا به فانه من شجرة مباركة"تفسير : قالت عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بأكل الزيت والادهان به، والسعوط، ويقول: "حديث : إنه من شجرة مباركة" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يأكل الخبز به"تفسير : وعنه: "حديث : أنه مصحة من البواسير"تفسير : وروى أنه أكل لسان ساة مطبوخاً بالشعير وفيه الزيت والتوابل. {لا شرقيةٍ} عطف على محذوف، أو متوسطة لا شرقية وقيل: مجموع لا، ومدخولها نعت شجرة، ظهر الاعراب فيما بعدها، وقيل: هى اسم بمعنى غير مضاف لما بعده نعت للشجرة، أى غير شرقية {ولا غربية} فهى متوسطة فى البستان ضاحية للشمس، لا تحجب عنها، وذلك أجود وأكثر لزيتها، وقيل: ليست من شجر الغرب، ولا من شجر الشرق، بل من شجر وسط الأرض وهو الشام، وزيته أجود زيت، وقيل ليست فى موضع تصيبه الشمس خاصة، ولا موضع يصيبه الظل خاصة، بل فى موضع يصيبانه، تصيبه الشمس عند طلوعها وعند غروبها، فهى شرقية وغربية، وقيل فى وسط البستان، وقيل: من شجر الجنة لا فى الدنيا، وما فى الدنيا غربى أو شرقى لا بد، أى لا فى شرق الأرض ولا فى غربها. {يكاد زيتُها يضىء ولو لَمْ تَمْسَسْه نارٌ} لشدة صفائه، الواو الداخلة على لو وأن الوصلتين عاطفة على محذوف مقابل لما بعدهما، ولو كان لا يذكر، ولا بأس أن تقول لنا معطوف عليه محذوف أبداً، وهو هذا الباب، أى لو مسته نار، ولو لم تمسسه نار، ويقال ترتب الجزاء على المعطوف عليه، يغنى عن ذكره، حتى إن ذكره كالتكرار، ولا وجه لجعلها مالية، لأنه لا خارج للشرط يقيد به فضلا عن أن تكون حالية، وليست حالية مؤكدة لصاحبها، أو عاملها، وقولهم واو الاستئناف وواو الاعتراض، لأن الاعتراض ليس من معانى الحروف، ولا الاستئناف كما زعموا، ولا يصح جعل الجملتين حالا كما قيل، لأن الشرطية تعطل ذلك. {نورٌ على نُور} أى هو نور عظيم ثابت، على نور عظيم، والمراد النور المذكور فى قوله تعالى:{الله نور السماوات والأرض} والمعنى نور مضاعف من غير تحديد، ومعنى الاستعلاء بعلى الصحبة والترادف بلا غاية {يهدى اللهُ} هداية توفيق، لا هداية بيان فقط {لنوره مَنْ يشَاءُ} هدايته بالتوفيق وإخلاص العمل {ويضربُ الله الأمثال للنَّاس} من شأنه فى القرآن ضرب الأمثال، أى وضعها للافهام، لأن فيها دخلا عظيماً فى الارشاد، كما برز فى المعنى المعقول فى صورة المحسوس، لا يخفى أن دلائل الله كالقرآن، كالنور فى الوضوح والايضاح {والله بكل شىء عليمٌ} من كل من يستحق الهداية التوفيقية، ومن لا يستحقها، وما يعقل وما يحس، وما يظهر وما يبطن.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ} النور في اللغة ـ على ما قال ابن السكيت ـ الضياء وهذا ظاهر في عدم الفرق بين النور والضياء، وفرق بينهما جمع وإن كان إطلاق أحدهما على الآخر شائعاً فقال الإمام السهيلي في «الروض» في قول ورقة شعر : ويظهر في البلاد ضياء نور يقيم به البرية أن يموجا تفسير : إنه يوضح معنى النور والضياء وإن الضياء هو المنتشر عن النور والنور هو الأصل، وفي التنزيل { أية : فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ } تفسير : [البقرة: 17] { أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً } تفسير : [يونس: 5] لأن نور القمر لا ينتشر عنه ما ينتشر عن الشمس لا سيما في طرفي الشهر، وقال الفلاسفة: الضياء ما يكون للشيء من ذاته والنور ما يفيض عليه من مقابلة المضىء وعلى هذا جاء فيما زعم إسلاميوهم قوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً } تفسير : [يونس: 5] فإن اختلاف تشكلات القمر بالقرب والبعد من الشمس مع خسوفه وقت حيلولة الأرض بينه وبينها دليل على أن نوره فائض عليه من مقابلتها، وأنت تعلم أن في هذا مقالاً لعلماء الإسلام وقد قدمنا ما فيه في غير هذا المقام، ولعل الأولى في وجه الفرق ما تقدم آنفاً في كلام السهيلي. وذكر بعض المحققين أنه يعلم من كلامهم أن لكل من النور والضياء جهة أبلغية، فجهة أبلغية النور كونه أصلاً ومبدأ للضياء وجهة أبلغية الضياء أن الإبصار بالفعل بمدخليته. وادعى بعضهم أن النور على الإطلاق أبلغ من الضياء للآية التي نحن فيها، وفيه بحث يعلم إن شاء الله تعالى أثناء تفسيرها. واعلم أن الفلاسفة اختلفوا في حقيقة النور فمنهم من زعم أنه أجسام صغار تنفصل عن المضىء وتتصل بالمستضىء وأبطل بعدة أوجه، الأول: أنه لو كان جسماً متحركاً لكانت حركته طبيعية والحركة الطبيعية إلى جهة واحدة دون سائر الجهات لكن / النور يقع على الجسم في كل جهة كانت له، والثاني: أنه إذا دخل من كوة ثم سددناها دفعة فتلك الأجزاء النورانية إما أن تكون باقية في البيت فيلزم أن يكون البيت مستنيراً كما كان قبل السد وليس كذلك وإما أن تكون خارجة من الكوة قبل انسدادها وهو محال لأن السد كان سبب انقطاعها فلا بد أن يكون سابقاً عليه بالذات أو بالزمان وإما أن تكون غير باقية أصلاً فيلزم أن يكون تخلل جسم بين جسمين موجباً انعدام أحدهما وهو معلوم الفساد، والثالث: أن كون تلك الأجسام الصغار أنواراً إما أن يكون هو عين كونها أجساماً وهو باطل لأن المفهوم من النورية مغاير للمفهوم من الجسمية وإما أن يكون مغايراً لها بأن تكون تلك الأجسام حاملة لتلك الكيفية منفصلة من المضيء متصلة بالمستضيء فإن لم تكن تلك الأجسام محسوسة فهو ظاهر البطلان لأنها حينئذ كيف تكون واسطة لإحساس غيرها وإن كانت محسوسة كانت ساترة لما وراءها ويجب أنها كلما ازدادت اجتماعاً ازدادت ستراً لكن الأمر بالعكس فإن النور كلما ازداد قوة ازداد إظهاراً، والرابع: أن الشمس إذا طلعت من الأفق يستنير وجه الأرض كله دفعه ومن البعيد أن تنتقل تلك الأجزاء من الفلك الرابع إلى وجه الأرض في تلك اللحظة اللطيفة، ولا يخفى حاله على القول باستحالة الخرق على الأفلاك، والخامس: أن انفصال الأجزاء من الأجرام الكوكبية يستلزم الذبول والانتقاص وخلو مواضعها عن تمام مقدارها أو مقدار أجزائها أو كونها دائمة التحليل مع إيراد البدل عما يتحلل عن جرمها فتكون أجسامها أجساماً مستحيلة غذائية كائنة فاسدة وذلك محال في الفلكيات. وتعقبها بعض متأخريهم بأنها في غاية الضعف أما الأول: فلأن كون النور جسماً لا يستلزم كونه متحركاً ولا كون حدوثه بالحركة بل هو مما يوجد دفعة بلا حركة، وأما الثاني: فلقائل أن يقول: إن قيام المجعول بلا مادة إنما يكون بالفاعل الجاعل إياه مع اشتراط عدم الحجاب المانع عن الإفاضة فإذا طرأ المانع لم تقع الإفاضة فينعدم المفاض بلا مادة باقية عنه لأن وجوده لم يكن بشركة المادة فكذا عدمه فعند انسداد الباب المانع عن الإفاضة ينعدم الشعاع عن البيت دفعة، ولا فرق في ذلك بين كونه عرضاً أو جوهراً والسر فيهما جميعاً أن النور مطلقاً ليس حصوله من جهة انفعال المادة وشركة الهيولى كسائر الجواهر والأعراض الانفعاليات ولذلك لا ينعدم شيء منها دفعة لو فرض حجاب بنيها وبين المبدأ الفاعلي إلا بعد زمان واستحالة. وأما الذي ذكر ثالثاً فجوابه أن المغايرة في المفهوم لا تنافي الاتحاد والعينية في الوجود فما ذكر مغالطة من باب الاشتباه بين مفهوم الشيء وحقيقته، وأما المذكور رابعاً وخامساً فلأن مبناه على الانفصال والقطع للمسافة لا على مجرد الجوهرية والجسمية. هذا وذهب بعضهم إلى أنه عرض من الكيفيات المحسوسة وقالوا: هو غني عن التعريف كسائر المحسوسات، وتعريفه بأنه كمال أول للشفاف من حيث إنه شفاف أو بأنه كيفية لا يتوقف الإبصار بها على الإبصار بشيء آخر تعريف بما هو أخفى وكأن المراد به التنبيه على بعض خواصه. ومن هؤلاء من قال: إنه نفس ظهور اللون، ومنهم من قال بمغايرتهما واستدلوا بأوجه، الأول: أن ظهور اللون إشارة إلى تجدد أمر فهو إما اللون أو صفة نسبية أو غير نسبية والأول باطل لأن النور إما أن يجعل عبارة عن تجدد اللون أو اللون المتجدد، والأول: يقتضي أن لا يكون مستنيراً إلا في آن تجدده، والثاني: يوجب كون الضوء نفس اللون فلا يبقى لقولهم: الضوء هو ظهور اللون معنى، وإن جعلوا الضوء كيفية ثبوتية زائدة على ذات اللون وسموه / بالظهور فذلك نزاع لفظي، وإن زعموا أن ذلك الظهور تجدد حالة نسبية فهو باطل لأن الضوء أمر غير نسبـي وإلا لكان أمراً عقلياً واقعاً تحت مقولة المضاف فلم يكن محسوساً أصلاً لكن الحس البصري مما ينفعل عنه ويتضرر بالشديد منه حتى يبطل. والأمور الذهنية لا تؤثر مثل هذا التأثير فإذا لم يكن أمراً نسبياً لم يمكن تفسيره بالحالة النسبية، الثاني: أن البياض قد يكون مضيئاً مشرقاً وكذا السواد فلو كان ضوء كل منهما عين ذاته لزم أن يكون بعض الضوء ضد بعضه وهو محال لأن ضد الضوء الظلمة، والثالث: أن اللون يوجد بدون الضوء كما في الجسم الملون في الظلمة وكذا الضوء يوجد بدن اللون كما في البلور إذا وقع عليه الضوء فهما متغايران لوجود كل منهما بدون الآخر، والرابع: أن الجسم الأحمر مثلاً المضيء إذا انعكس عنه إلى مقابله فتارة ينعكس الضوء عنه إلى جسم آخر وتارة ينعكس منه اللون والضوء معاً إذا قوياً حتى يحمر المنعكس إليه فلو كان مجرد ظهور اللون لاستحال أن يفيد غيره لمعاناً ساذجاً، وليس لقائل أن يقول: هذا البريق عبارة عن إظهار اللون في ذلك القابل لأنه يقال: فلماذا إذا اشتد لون الجسم المنعكس منه ضوؤه أخفى ضوء المنعكس إليه وأبطله وأعطاه لون نفسه. وقال بعض المتأخرين: استقر الرأي على أن النور المحسوس بما هو محسوس عبارة عن نحو وجود الجوهر المبصر الحاضر عند النفس في غير هذا العالم وأما الذي في الخارج بإزائه فلا يزيد وجوده على وجود اللون والأوجه التي ذكرت لمغايرتهما مقدوحة، أما الوجه الأول: فهو مقدوح بأن ظهور اللون عبارة عن وجوده وهو صفة حقيقية من شأنها أن ينسب ويضاف إلى القوة المدركة وبهذا الاعتبار يقع له التجدد قولهم: يوجب أن يكون الضوء نفس اللون قلنا: نعم ولكنهما متغايران بالاعتبار كما أن الماهية والوجود في كل شيء متحدان بالذات متغايران بالاعتبار فإن النور والضوء يرجع معناه إلى وجود خاص عارض لبعض الأجسام والظلمة عبارة عن عدم ذلك الوجود الخاص بالكلية والظل عبارة عن عدمه في الجملة واللون عبارة عن امتزاج يقع بين حامل هذا الوجود النوري وحامل عدمه على أنحاء مختلفة فليست الألوان إلا مراتب تراكيب الأنوار والأدلة الموردة على إبطال ذلك ضعيفة فعلى هذا صح قولهم: النور هو ظهور اللون وصح أيضاً قول من يقول إنه غير اللون لأن النور بما هو نور لا يختلف إذ لا يعتبر فيه امتزاج ولا شوب مع عدم أو ظلمة والألوان مختلفة. وأما الوجه الثاني: فهو أيضاً مندفع بما مهد وبأن اللون وإن لم يكن غير النور إلا أن مراتب الأنوار مختلفة شدة وضعفاً، ومع هذا الاختلاف قد تختلف بوجوه أخر بحسب تركيبات وامتزاجات كثيرة تقع بين أعداد من النور وإمكانها وفعليتها وأصلها وفرعها وأعداد من الظلمة أعني عدم ذلك النور وإمكانها وفعليتها وأصلها وفرعها فإن هذه الألوان أمور مادية في الأكثر أو متعلقة بها والمادة منبع الانقسام والتركيب بين الوجودات والإعدام والإمكانات فليس بعجب أن يحصل من ضروب تركيبات النور بالظلمة هذه الألوان التي نراها فتقع تلك الأقسام في محالها على الوجه المذكور ثم يقع عليها نور آخر بمقابلة المنير. ومن قال بأن النور عين اللون لم يقل بأن كل نور عين كل لون كما أن من قال بأن الوجود عين الماهية لم يقل بأن كل وجود عين كل ماهية ليلزمه أن لا يطرد وجود على وجود ولا تضاد وجود لوجود فالألوان متخالفة الأحكام وبعضها أمور متضادة لكن بما هي ألوان لا بما هي أنوار كما أن الموجودات متخالفة الأحكام وبعضها / أشياء متضادة لكن بما هي ماهيات لا بما هي موجودات مع أن الوجود والماهية واحد. وأما الوجه الثالث: فسبيل دفعه سهل بما بين وكذا الوجه الرابع بأدنى اعمال روية فإن عدم ظهور اللون قد يكون لضعف اللمعان الواقع على شيء وقد يكون لشدة اللمعان فالواقع على المقابل من عكس المضيء الملون قد يكون ضوءه فقط وذلك عند قصور الضوء واللون أو قصور استعداد القابل المقابل وقد يكون كلاهما لقوتهما وقوة استعداد المنعكس إليه، على أن الكلام في مباحث العكوس طويل، وكون المنعكس من الجسم المضيء إلى جسم آخر ضوءه دون لونه ربما كان لأجل صقالته فإن الصقيل قد يكون ذا لون وضوء لكن المنعكس منه إلى مقابله ليس إلا ما حصل من نير آخر بتوسطه على نسبة وضعية مخصوصة بينهما له إليهما لا اللون والضوء اللذان يستقران فيه فالمنعكس في ذلك المقابل ليس إلا الضوء فقط من ذلك النير لا من المنعكس منه إلا أن يكون المنعكس إليه أيضاً جسماً صقيلاً فيقع فيه حكاية منهما أي الضوء واللون أو من أحدهما أيضاً. هذا غاية ما قالوه في النور المحسوس الذي يظهر به الأجسام على الأبصار؛ ولهم في النور إطلاق آخر وهو الظاهر بذاته والمظهر لغيره وقالوا: هو بهذا المعنى مساو للوجود بل نفسه فيكون حقيقة بسيطة كالوجود منقسماً كانقسامه، فمنه نور واجب لذاته قاهر على ما سواه، ومنه أنوار عقلية ونفسية وجسمية، والواجب تعالى نور الأنوار غير متناهي الشدة وما سواه سبحانه أنوار متناهية الشدة بمعنى أن فوقها ما هو أشد منها وإن كان بعضها كالأنوار العقلية لا تقف آثارها عند حد، والكل من لمعات نوره عز وجل حتى الأجسام الكثيفة فإنها أيضاً من حيث الوجود لا تخلو عن نور لكنه مشوب بظلمات الإعدام والإمكانات. إذا علمت هذا فاعلم أن إطلاق النور على الله سبحانه وتعالى بالمعنى اللغوي والحكمي السابق غير صحيح لكمال تنزهه جل وعلا عن الجسمية والكيفية ولوازمهما، وإطلاقه عليه سبحانه بالمعنى المذكور وهو الظاهر بذاته والمظهر لغيره قد جوزه جماعة منهم حجة الإسلام الغزالي فإنه قدس سره بعد أن ذكر في رسالته «مشكاة الأنوار» معنى النور ومراتبه قال: إذا عرفت أن النور يرجع إلى الظهور والإظهار فاعلم أن لا ظلمة أشد من كتم العدم لأن المظلم سمي مظلماً لأنه ليس بظاهر للأبصار مع أنه موجود في نفسه فما ليس موجوداً أصلاً كيف لا يستحق أن يكون هو الغاية في الظلمة. وفي مقابلته الوجود وهو النور فإن الشيء ما لم يظهر في ذاته لا يظهر لغيره، والوجود ينقسم إلى ما للشيء من ذاته وإلى ما له من غيره، فما له الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه بل إذا اعتبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض وإنما هو وجود من حيث نسبته إلى غيره وذلك ليس بوجود حقيقي، فالوجود الحق هو الله تعالى كما أن النور الحق هو الله عز وجل، وقد قال قبل هذا: أقول ولا أبالي إن إطلاق اسم النور على غير النور الأول مجاز محض إذ كل ما سواه سبحانه إذا اعتبر ذاته فهو في ذاته من حيث ذاته لا نور له بل نورانيته مستعارة من غيره ولا قوام لنورانيته المستعارة بنفسها بل بغيرها ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض، وفسر النور في هذه الآية أعني قوله تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } بذلك، ثم أشار إلى وجه الإضافة إلى {ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } بقوله: لا ينبغي أن يخفى عليك ذلك بعد أن عرفت أنه تعالى هو النور ولا نور سواه وإنه كل الأنوار والنور الكلي لأن النور عبارة عما تنكشف به الأشياء وأعلى منه ما تنكشف به وله ومنه وليس فوقه / نور منه اقتباسه واستمداده بل ذلك له في ذاته لذاته لا من غيره، ثم عرفت أن هذا لا يتصف به إلا النور الأول، ثم عرفت أن السمٰوات والأرض مشحونة نوراً من طبقتي النور أعني المنسوب إلى البصر والمنسوب إلى البصيرة أي إلى الحسن والعقل كنور الكواكب وجواهر الملائكة وكالأنوار المشاهدة المنبسطة على كل ما على الأرض وكأنوار النبوة والقرآن إلى غير ذلك. وهذا منزع صوفي والصوفية لا يتحاشون من القول بأنه - سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً - هو الكل بل هو هو لا هوية لغيره إلا بالمجاز ويقولون: لا إله إلا الله توحيد العوام ولا إله إلا هو توحيد الخواص لأنه أتم وأخص وأشمل وأحق وأدق وأدخل لصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة، وقد قال بذلك الغزالي في «رسالته» المذكورة أيضاً، وأنت تعلم أنه مما لا يهتدي إليه بنور الاستدلال بل هو طور وراء طور العقل لا يهتدى إليه إلا بنور الله عز وجل. وجوز بعض المحققين كون المراد من النور في الآية الموجود كأنه قيل: الله موجد السمٰوات والأرض، ووجه ذلك بأنه مجاز مرسل باعتبار لازم معنى النور وهو الظهور في نفسه وإظهاره لغيره وقيل: هو استعارة والمستعار منه النور بمعنى الظاهر بنفسه المظهر لما سواه والمستعار له الواجب الوجود الموجد لما عداه، وكون المراد به مفيض الإدراك ومعطيه مجازاً مرسلاً أو استعارة والكلام على حذف مضاف أي نور أهل والسمٰوات والأرض، وهذا قريب مما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: الله نور السمٰوات والأرض هادي أهل السمٰوات والأرض وهو وجه حسن، وجاء في رواية أخرى أخرجها ابن جرير عنه رضي الله تعالى عنه أنه فسر النور بالمدبر فقال: الله نور السمٰوات والأرض يدبر الأمر فيهما، وروي ذلك عن مجاهد أيضاً، وجعل ذلك بعضهم من التشبيه البليغ. ووجه الشبه كون كل من التدبير والنور سبب الاهتداء إلى المصالح. وجوز أن يكون هناك استعارة تصريحية. وتعقب بأن ذكر طرفي التشبيه وهو الله تعالى والنور ينافي ذلك وأجيب بأن ذكرهما إنما ينافيه إذا كان على وجه ينبىء عن التشبيه وكان كل من المشبه والمشبه به مذكوراً بعينه وهنا لم يشبه الله سبحانه بالنور بل شبه المدبر به وذكر جزئي يصدق عليه المشبه أو كلي يشمله لا ينافي ذلك كما أشار إليه صاحب «الكشاف» في مواضع منه وصرح به أهل المعاني، وقيل: المراد به المنزه من كل عيب، ومن ذلك قولهم: امرأة نوار أي بريئة من الريبة بالفحشاء وهو من باب المجاز أيضاً، وقيل: الكلام على حذف مضاف كما في زيد كرم أي ذو نور، ويؤيده كما قيل قوله تعالى بعد {مَثَلُ نُورِهِ } و{يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ }. وقيل: نور بمعنى منور وروي ذلك عن الحسن وأبـي العالية والضحاك وعليه جماعة من المفسرين، ويؤيده قراءة بعضهم {منور} وكذا قراءة علي كرم الله تعالى وجهه وأبـي جعفر وعبد العزيز المكي وزيد بن علي وثابت بن أبـي حفصة والقورصي ومسلمة بن عبد الملك وأبـي عبد الرحمن السلمي وعبد الله بن عباس بن أبـي ربيعة {نُورٍ } فعلاً ماضياً {وٱلاْرْضِ } بالنصب. وتنويره سبحانه السمٰوات والأرض قيل بالشمس والقمر وسائر الكواكب ونسب إلى الحسن ومن معه، وقيل: تنوير السمٰوات بالملائكة عليهم السلام وتنوير الأرض بالأنبياء عليهم السلام والعلماء ونسب إلى أبـي بن كعب، والتنوير على الأول حسي وعلى الثاني عقلي. وقيل وهو الذي أختاره: تنويره سبحانه إياهما بما فيهما من الآيات التكوينية / والتنزيلية الدالة على وجوده ووحدانيته وسائر صفاته عز وجل والهادية إلى صلاح المعاش والمعاد. والجملة استئناف مسوق إما لتحقيق أن بيانه تعالى المأذن به قوله سبحانه: { أية : وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ } تفسير : [النور: 34] الآية ليس مقصوراً على ما ورد في هذه السورة الكريمة، وإما لتقرير ما في القرآن الجليل من البيان، ويتأتى نحو هذا على بعض الأقوال السابقة في بيان المراد بالنور وهو وجه قوي في مناسبة الآية لما قبلها ولا يكاد يظهر مثله على بعض آخر منها. وذكر العلامة الطيبـي في بيان المناسبة كلاماً فيه الغث والسمين إن أردته فارجع إليه. وتخصيص السمٰوات والأرض بالذكر لأنهما المقر المعروف للمكلفين المحتاجين لما يدلهما ويهديهما لما سبق. وقال العلامة البيضاوي بعد ذكر عدة احتمالات في المراد بالنور: إن إضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه أو لاشتمالهما على الأنوار الحسية والعقلية وقصور الإدراكات البشرية عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما، وقيل المراد بهما العالم كله كإطلاق المهاجرين والأنصار على جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وتعقب بأن هذا من إطلاق اسم البعض على الكل مجازاً وقد اشترط في «التلويح» أن يكون الكل مركباً تركيباً حقيقياً ولم يثبت في اللغة إطلاق الأرض على مجموع الأرض والسماء والإنسان على الآدمي والسبع. وأجيب بأنه لا يتعين كونه مجازاً لجواز كونه كناية، ولو سلم فيما في «التلويح» غير مسلم أو هو أغلبـي، فقد ذكر الزمخشري في قوله تعالى: { أية : لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } تفسير : [آل عمران: 5] أنه عبر عن جميع العالم بالسماء والأرض، وقال العلامة في «شرحه»: إنه من إطلاق الجزء على الكل فالمعنى حينئذ الله نور العالم كله. {مَثَلُ نُورِهِ } أي أدلته سبحانه العقلية والسمعية في السمٰوات والأرض التي هدى بها من شاء إلى ما فيه صلاحه وحكي هذا عن أبـي مسلم وينتظم ذلك القرآن انتظاماً أولياً، وعن ابن عباس والحسن وزيد بن أسلم أن المراد بالنور هنا القرآن كما يعرب عنه ما قبل من وصف آياته بالإنزال والتبيين، وقد صرح بكونه نوراً أيضاً في قوله تعالى: { أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } تفسير : [النساء: 174] وقيل المراد به الحق فقد جاء استعارة النور له كاستعارة الظلمة للباطل في قوله سبحانه: { أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [البقرة: 257] أي من أنواع الباطل إلى الحق ووجه الشبه الظهور، ومن أمثالهم الحق أبلج، ويكفي ذلك في جواز الاستعارة ولا تتوقف على تحقق ما في النور من معنى الإظهار في الحق، نعم إذا تحقق ذلك أيضاً فهو نور على نور لكن رجح ضعف تفسيره بما ذكر دون القرآن بأنه يأباه مقام بيان شأن الآيات ووصفها بما ذكر من التبيين مع عدم سبق ذكر الحق. وفي «الكشف» المراد بالحق الذي فسر النور به ما يقابل الباطل وهو يتناول التوحيد والشرائع وما دل عليه بدليل السمع والعقل، وليس المراد به كون السمٰوات والأرض دليلين على وجود فاطرهما بل ذلك أيضاً داخل في عموم اللفظ انتهى، ويضعف عليه أمر هذا التضعيف، وقيل المراد به الهدى الذي دل عليه الآيات المبينات، وقيل: الهدى مطلقاً، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس أنه قال: مثل نوره مثل هداه في قلب المؤمن، وأخرج ابن جرير عن أنس قال: إن إلهي يقول نوري هداي؛ وذكر بعضهم أن تفسيره بالهدى مختار الأكثرين وأن تفسيره بالحق بالمعنى العام يوافقه، وقيل: المراد به المعارف والعلوم التي أفاضها عز وجل على قلب المؤمن وإضافة ذلك إليه سبحانه لأنه مفاضه تعالى، وعن أبـي بن كعب والضحاك تفسيره بالإيمان الذي أعطاه سبحانه المؤمن ووفقه إليه. / وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس تفسيره بالطاعات التي حلى بها جل شأنه قلب المؤمن فيشمل الإيمان وسائر الأعمال القلبية الحميدة، وقيل المراد بنوره رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقد جاء إطلاق النور عليه عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: { أية : قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ } تفسير : [المائدة: 15] على قول، وقيل: غير ذلك مما ستعلمه إن شاء الله تعالى. والضمير على جميع هذه الأقوال راجع إليه تعالى كما هو الظاهر. وجوز رجوع الضمير إلى المؤمن وروي ذلك عن عكرمة وهو إحدى الروايات وصححها الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وروي أيضاً عن أبـي بن كعب بل أخرج عبد بن حميد وابن الانباري في «المصاحف» عن الشعبـي أنه قال قرأ أبـي بن كعب {مثل نور المؤمن } وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبـي العالية أن أبياً قرأ {مثل نور من ءامن به } أو قال: {مثل من ءامن به}. وفي «البحر» روي عن أبـي أنه قرأ {مثل نور المؤمنين} وقيل: الضمير راجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم وروى ذلك جماعة عن ابن عباس عن كعب الأحبار، وحكاه أبو حيان عن ابن جبير أيضاً، وقيل: هو راجع إلى القرآن، وقيل: إلى الإيمان، ولا يخفى أن رجوع الضمير إلى غير مذكور في الكلام إذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه أو كان لكن كانت دلالته عليه خفية خلاف الظاهر جداً لا سيما إذا فات المقصود من الكلام على ذلك. والمراد بالمثل الصفة العجبية أي صفة نوره سبحانه العجيبة الشأن. {كَمِشْكَاةٍ } أي كصفتها في الإنارة والتنوير، وقال أبو حيان: أي كنور مشكاة وهي الكوة غير النافذة كما قال ابن عباس وأبو مالك وابن جبير وسعيد بن عياض والجمهور، وقال أبو موسى: هي الحديدة أو الرصاصة التي تكون فيها الفتيلة في جوف الزجاجة وعن مجاهد أنها الحديدة التي يعلق بها القنديل وهو كما ترى، والمعول عليه قول الجمهور، وعن ابن عطية أنه أصح الأقوال، وعلى جميعها هو لفظ حبشي معرب كما قال ابن قتيبة والكلبـي وغيرهما، وقيل: رومي معرب، وقال الزجاج كما في «مجمع البيان»: يجوز أن يكون عربياً فيكون مفعلة والأصل مشكوة فقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وإلى أن أصل ألفها الواو ذهب ابن جني، واستدل عليه بأن العرب قد نحوا بها منحاة الواو كما فعلوا بالصلاة. وقرأ الكسائي برواية الدوري بالإمالة. {فِيهَا مِصْبَاحٌ } سراج ضخم ثاقب، وقيل الفتيلة المشتعلة {ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ } في قنديل من الزجاج الصافي الأزهر، وضم الزاي لغة الحجاز وكسرها وفتحها لغة قيس، وبالفتح قرأ أبو رجاء ونصر بن عاصم في رواية ابن مجاهد. وقرأ بعضهم بالكسر أيضاً وكذا قرىء بهما في قوله تعالى: {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّىٌّ } مضيء متلألىء كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب إلى الدر فوزنه فعلي، وجوز أن يكون أصله دِرِّىء بهمزة آخره كما قرأ به حمزة وأبو بكر فقلبت ياء وأدغمت في الياء فوزنه فعيل وهو من الدرء بمعنى الدفع فإنه يدفع الظلام بضوئه أو يدفعه بعض ضوئه بعضاً من لمعانه، وجوز أن يكون من الدرء بمعنى الجري وليس بذاك ومثله ما قيل إنه من درأ إذا طلع بغتة وفاجأ ولا يخفى على المتتبع أن فعيلاً قليل في كلامهم ففي «اللباب» فعيل غريب لا نظير له إلا مريق لحب العصفر أو ما سمن من الخيل وعلية وسرية وذرية قاله أبو علي، وفي «البحر» سمع أيضاً مريخ للذي في داخل القرن اليابس وفيه لغتان ضم الميم وكسرها. وقال الفراء: لم يسمع إلا مريق وهو أعجمي / وسيبويه عد ذلك من أبنية العرب ولم يثبت بعضهم هذا الوزن أصلاً. وقال أبو عبيد: أصل {دُرِّيء} دروء كسبوح فجعلت الضمة كسرة للاستثقال والواو ياء لانكسار ما قبلها كما قالوا في عتو عتي فوزنه فُعُّول وكذا قيل في سرية وذرية، وجعل بعضهم سرية من السر وهو النكاح أو الإخفاء والضم من تغييرات النسب فوزنه فعلية كما في «الصحاح»، والأخفش يرى أنه من السرور وقد أبدلت الراء الأخيرة ياء وهو معهود في الفعل فقد قالوا: تسررت جارية وتسريت كما قالوا: تظننت وتظنيت فوزنه على هذا كما قال الخفاجي فعليلة، وجعل بعضهم ذرية نسبة إلى الذر على غير القياس لإخراجهم كالذر من ظهر آدم عليه السلام. وقرأ قتادة وزيد بن علي والضحاك {دري } بفتح الدال، وروي ذلك عن نصر بن عاصم وأبـي رجاء وابن المسيب. وقرأ الزهري {دري } بكسر الراء وقرأ أبو عمرو والكسائي دريء بالكسرة والهمزة آخره، وهو بناء كثير في الأسماء نحو سكين وفي الأوصاف نحو سكير. وقرأ قتادة أيضاً وأبان بن عثمان وابن المسيب وأبو رجاء وعمرو بن قائد والأعمش ونصر بن عاصم {دريء} بالهمز وفتح الدال، قال ابن جني: وهذا عزيز لم يحفظه منه إلا السكينة بفتح السين وشد الكاف في لغة حكاها أبو زيد وقرء {دءري} بتقديم الهمزة ساكنة على الراء وهي من نادر الشواذ. وفي إعادة المصباح والزجاجة معرفين إثر سبقهما منكرين والإخبار عنهما بما بعدهما مع انتظام الكلام بأن يقال: كمشكاة فيها مصباح في زجاجة كأنها كوكب دري من تفخيم شأنهما ورفع مكانتهما بالتفسير إثر الإبهام والتفصيل بعد الإجمال وبإثبات ما بعدهما لهما بطريق الإخبار المنبىء عن القصد الأصلي دون الوصف المنبىء عن الإشارة إلى الثبوت في الجملة ما لا يخفى. والجملة الأولى في محل الرفع على أنها صفة لمصباح والجملة الثانية في محل الجر على أنها صفة لزجاجة واللام مغنية كما في «مجمع البيان» و«إرشاد العقل السليم» عن الرابط كأنه قيل: فيها مصباح هو في زجاجة هي كأنها كوكب دري. {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ } أي يبتدأ إيقاد المصباح من شجرة {مُّبَـٰرَكَةٍ } أي كثيرة المنافع بأن رويت ذبالته بزيتها، وقيل إنما وصفت بالبركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله تعالى فيها للعالمين، وقيل بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم عليه السلام {زَيْتُونَةٍ } بدل من {شَجَرَةٍ } وقال أبو علي: عطف بيان عليها وهو مبني على مذهب الكوفيين من تجويزهم عطف البيان في النكرات، وأما البصريون فلا يجوزونه إلا في المعارف. وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثم الإبدال عنها أو بيانها تفخيم لشأنها، وقد جاء في الحديث مدح الزيت لأنه منها، أخرج عبد بن حميد في «مسنده» والترمذي وابن ماجه عن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة »تفسير : . وأخرج البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها ذكر عندها الزيت فقالت: « حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن يؤكل ويدهن ويسعط به ويقول إنه من شجرة مباركة ) تفسير : وهو في حد ذاته ممدوح، ففي الحديث أنه مصحة من الباسور وذكر له الأطباء منافع كثيرة، وكان صلى الله عليه وسلم يأكل الخبز به وأكل عليه الصلاة والسلام اللسان مطبوخاً بالشعير وفيه الزيت والتوابل فليحفظ. وقرى الأخوان وأبو بكر والحسن وزيد بن علي وقتادة وابن وثاب وطلحة وعيسى والأعمش {توقد} بالتاء المثناة من فوق مضارع أوقدت مبنياً للمفعول على أن الضمير القائم مقام الفاعل للزجاجة وإسناد الفعل إليها قيل على سبيل المبالغة، وقيل هو / بتقدير مضاف أي مصباحها وقرأ الحسن والسلمي وقتادة أيضاً وابن محيصن وسلام ومجاهد وابن أبـي إسحاق والمفضل عن عاصم {توقد} بالتاء الفوقية أيضاً مضارع توقد وأصله تتوقد بتاءين فخفف بحذف أحدهما. وذكر الخفاجي أنها قراءة أبـي عمرو وابن كثير والإسناد فيها للزجاجة على ما مر. وقرأ السلمي وقتادة وسلام أيضاً {يوقَد } بالياء التحتية على أنه مضارع توقد أيضاً، وجاء كذلك عن الحسن وابن محيصن، وأصله يتوقد أي المصباح فحذفت التاء وهو غير معروف مع الياء وإنما المعروف هو الحذف عند اجتماع التاءين المتماثلين. ووجه ذلك على ما قال ابن جني أنه شبه فيه حرف مضارعة بحرف مضارعة يعني الياء بالتاء فعومل معاملته كما شبهت التاء والنون في تعد ونعد بياء يعد فحذف الواو معهما كما حذفت فيه لوقوعها بين ياء وكسرة. وقرىء {توقد} بالتاء من فوق على صيغة الماضي من التفعل والضمير للمصباح أي ابتداء توقد المصباح من شجرة. {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } أي ضاحية للشمس لا يظلها جبل ولا شجر ولا يحجبها عنها شيء من حين تطلع إلى أن تغرب وذلك أحسن لزيتها، وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والكلبـي وهو تفسير بلازم المعنى أعني به كونها بين الشرق والغرب. وعن ابن زيد أي ليست من شجر الشرق ولا من شجر الغرب لأن ما اختص بإحدى الجهتين كان أقل زيناً وأضعف ضوأ لكنها من شجر الشام وهي ما بين المشرق والمغرب وزيتونها أجود ما يكون، وقال أبو حيان في «تذكرته»: المعنى ليست في مشرقة أبداً أي في موضع لا يصيبه ظل وليست في مقناة أبداً أي في موضع لا تصيبه الشمس، وحاصله ليست الزيتونة تصيبها الشمس خاصة ولا الظل خاصة ولكن يصيبها هذا في وقت وهذا في وقت، وقال الفراء والزجاج: المعنى لا شرقية فقط ولا غربية فقط لكنها شرقية غربية أي تصيبها الشمس عند طلوعها وغروبها، وأنت تعلم أنه لا بد من تقدير قيد فقط بعد كل من شرقية وغربية كما سمعت ليتوجه النفي إليه فيفيد التركيب اجتماع الأمرين وإلا فظاهره نفيهما، وعن «المطلع» أن هذا كقول الفرزدق: شعر : بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حين سلت تفسير : إذ معناه شاموا سيوفهم وأكثروا بها القتلى، وتعقبه في «الكشف» بأنه لا استدلال بالبيت على ذلك لجواز أن يريد لم يشيموا غير مكثري القتلى على الحال وإفادته المعنى المذكور واضحة حينئذ، وعن ابن عباس أنها في دوحة أحاطت بها فليست منكشفة لا من جهة الشرق ولا من جهة الغرب، وتعقب بأن هذا لا يصح عن ابن عباس لأنها إذا كانت بهذه الصفة فسد جناها، وعن الحسن أن هذا مثل وليست من شجر الدنيا إذ لو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية، وعن عكرمة أنها من شجرة الجنة ولعله إنما جزم بذلك لما ذكر الحسن ولا يخفى ما فيه، وقرأ الضحاك {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } بالرفع أي هي لا شرقية ولا غربية. وقال أبو حيان: أي لا هي شرقية ولا غربية، ولعل ما ذكرنا أولى، والجملة في موضع الصفة لزيتونة. {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } أي هو في الصفاء والإنارة بحيث يكاد يضيء بنفسه من غير مساس نار أصلاً، وكلمة {لَوْ } في أمثال هذه المواقع ليست لبيان انتفاء الشيء لانتفاء غيره في الزمان الماضي فلا يلاحظ لها جواب قد حذف ثقة بدلالة ما قبلها عليه ملاحظة قصدية إلا عند القصد إلى بيان الإعراب على القواعد الصناعية بل هي لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال / مفروض من الأحوال المقارنة له إجمالاً بإدخالها على أبعدها منه، والواو الداخلة عليها لعطف الجملة المذكورة على جملة محذوفة مقابلة لها عند الجزولي ومن وافقه، ومجموع الجملتين في حيز النصب على الحالية من المستكن في الفعل الموجب أو المنفي، وتقدير الآية الكريمة: يكاد زيتها يضىء لو مسته نار ولو لم تمسسه نار أي يضىء كائناً على كل حال من وجود شرط الإضاءة وعدمه، وحذفت الجملة الأولى حسبما هو المطرد في الباب ثقة بدلالة الثانية عليها دلالة واضحة. وقال الزمخشري: الواو للحال ومقتضاه أن {لَوْ } مع ما بعدها حال فالتقدير والحال لو كان أو لو لم يكن كذا أي مفروضاً ثبوته أو انتفاؤه، لكن الزمخشري ومثله المرزوقي يقدر ولو كان الحال كذا. وتعقب ذلك بأن أدوات الشرط لا تصلح للحالية لأنها تقتضي عدم التحقق والحال يقتضي خلافه، والتزم لذلك أنه انسلخ عنها الشرطية وأنها مؤولة بالحال كما أن الحال تكون في معنى الشرط نحو لأفعلنه كائناً ما كان أي إن كان هذا أو غيره ولذا لا تحتاج إلى الجزاء أصلاً، وإنما قدر الحال بعد لو على ما قيل: إشارة إلى أنه قصد إلى جعل الجملة حالاً قبل دخول الشرط المنافي له ثم دخلت {لَوْ } تنبيهاً على أنها حال غير محققة؛ واعترض الرضي القول بأنها عاطفة بأنه لو كان كذلك لوقع التصريح بالمعطوف عليه في الاستعمال وليس كذلك وذهب إلى أنها اعتراضية. ويجوز الاعتراض في آخر الكلام والمقصود منه التأكيد. وأجيب عن اعتراضه بأن ظهور ترتب الجزاء على المعطوف عليه أغنى عن ذكره حتى كان ذكره تكراراً، وبالجملة الذي عطف عليه الأكثرون وارتضوه كونها عاطفة، وبجعل مجموع الجملتين في موضع الحال على ما سمعت يندفع ما يتوهم من أن كاد تنافي اعتبار العطف هنا فتأمل. وقرأ ابن عباس والحسن {يمسسه} بالياء التحتية وحسنه الفصل وكون الفاعل غير حقيقي التأنيث. {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } أي هو نور عظيم كائن على نور على أن يكون {نُورٍ } خبر مبتدأ محذوف والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة له مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، والجملة فذلكة للتمثيل وتصريح بما حصل منه وتمهيد لما يعقبه فالمراد من الضمير النور الذي مثلت صفته العظيمة الشأن بما سمعت لا النور المشبه به وحمله عليه لا يليق كما قيل بشأن التنزيل الجليل، وليس معنى كونه نوراً فوق نور أنه نور واحد معين أو غير معين فوق نور آخر مثله ولا أنه مجموع نورين اثنين فقط بل إنه نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه بحد معين وتحديد مراتب تضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر لكونه أقصى مراتب تضاعفه عادة فإن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أضوأ له وأجمع لنوره بسبب انضمام الشعاع المنعكس منه إلى أصل الشعاع بخلاف المكان المتسع فإن الضوء ينبث فيه وينتشر والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة وكذلك الزيت وصفاؤه وليس وراء هذه المراتب مما يزيد نورها إشراقاً ويمده بإضاءة مرتبة أخرى عادة. والظاهر عندي أن التشبيه الذي تضمنته الآية الكريمة من تشبيه المعقول وهو نوره تعالى بمعنى أدلته سبحانه لكن من حيث إنها أدلة أو القرآن أو التوحيد والشرائع وما دل عليه بدليل السمع والعقل أو الهدى أو نحو ذلك بالمحسوس وهو نور المشكاة المبالغ في نعته وأنه ليس في المشبه به أجزاء ينتزع منها الشبه ليبنى عليه أنه مركب أو مفرق، وذكر أنه إذا كان المراد تشبيه النور بمعنى الهدى الذي دلت عليه الآيات المبينات / فهو من التشبيه المركب العقلي وقد شبه فيه الهيئة المنتزعة بأخرى فإن النور وإن كان لفظه مفرداً دال على متعدد وكذا إذا كان المراد تشبيه ما نور الله تعالى به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث فيها من مصباحها، وفي «الحواشي الطيبة الطيبية» بعد اختيار أن المراد بالنور الهداية بوحي ينزله ورسول يبعثه ما هو ظاهر في أن التشبيه من التشبيه المفرق بل صرح بذلك أخيراً، واستدل عليه بأن التكرير في الآية يستدعي ذلك وقد أطال الكلام في هذا المقام، ومنه أن المشبهات المناسبة على هذا المعنى صدر الرسول صلى الله عليه وسلم وقلبه الشريف واللطيفة الربانية فيه والقرآن وما يتأثر منه القلب عند استمداده. والتفصيل أنه شبه صدره عليه الصلاة والسلام بالمشكاة لأنه كالكوة ذو وجهين فمن وجد يقتبس النور من القلب المستنير ومن آخر يفيض ذلك النور المقتبس على الخلق وذلك لاستعداده بانشراحه مرتين مرة في صباه وأخرى عند إسرائه قال الله تعالى: { أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ } تفسير : [الزمر: 22] وهذا تشبيه صحيح قد اشتهر عن جماعة من المفسرين، روى محي السنة عن كعب هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم المشكاة صدره والزجاجة قلبه والمصباح فيه النبوة والشجرة المباركة شجرة النبوة، وروى الإمام عن بعضهم أن المشكاة صدر محمد عليه الصلاة والسلام والزجاجة قلبه والمصباح ما في قلبه من الدين، وفي «حقائق السلمي» عن أبـي سعيد الخراز المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه الشريف والمصباح النور الذي فيه، وشبه قلبه صلوات الله تعالى وسلامه عليه بالزجاجة المنعوتة بالكوكب الدري لصفائه وإشراقه وخلوصه عن كدورة الهوى ولوث النفس الأمّارة وانعكاس نور اللطيفة إليه. وشبهت اللطيفة القدسية المزهرة في القلب بالمصباح الثاقب. أخرج الإمام أحمد في «مسنده» عن أبـي سعيد الخدري قال: « حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القلوب أربعة قلب أجود فيه مثل السراج يزهر ـ وفيه ـ أما القلب الأجود فقلب المؤمن سراجه فيه نوره » تفسير : الحديث، وشبه نفس القرآن بالشجرة المباركة لثبات أصلها وتشعب فروعها وتأديها إلى ثمرات لا نهاية لها قال الله تعالى: { أية : كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَاء * تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا } تفسير : [إبراهيم: 24-25] الآية. وروى محي السنة عن الحسن وابن زيد الشجرة المباركة شجرة الوحي يكاد زيتها يضىء تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم تقرأ. وشبه ما يستمده نور قلبه الشريف صلوات الله تعالى وسلامه عليه من القرآن وابتداء تفويته منه بالزيت الصافي قال الله تعالى: { أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا } تفسير : [الشورى: 52] فكما جعل سبحانه القرآن سبب توقده منه في قوله تعالى: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ } جعل ضوءه مستفاداً من انعكاس نور اللطيفة إليه في قوله عز وجل: {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ }. والمعنى على ما ذكر في «إنسان العين» يكاد سر القرآن يظهر للخلق قبل دعوة النبـي صلى الله عليه وسلم وفيه مسحة من معنى قوله: شعر : رق الزجاج ورقت الخمر فتشابها وتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر تفسير : ومنه وصفت الشجرة بكونها لا شرقية ولا غربية وعن ابن عباس تشبيه فؤاده صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدري وأن الشجرة المباركة إبراهيم عليه السلام. ومعنى لا شرقية ولا غربية أنه ليس بنصراني فيصلي نحو المشرق ولا يهودي فيصلي نحو المغرب. والزيت الصافي دين إبراهيم عليه السلام، وقد يقال على تفريق التشبيه لكن / على مشرع آخر شبه القرآن بالمصباح على ما سبق ونفسه صلى الله عليه وسلم الزكية الطاهرة بالشجرة لكونها نابتة من أرض الدين متشعبة فروعها إلى سماء الإيمان متدلية أثمارها إلى فضاء الإخلاص والإحسان وذلك لاستقامتها بمقتضى قوله تعالى: { أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } تفسير : [هود: 112] غير مائلة إلى طرفي الإفراط والتفريط وذلك معنى قوله تعالى: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَِلا غَرْبِيَّةٍ } ويشبه ما محض من تلك الثمرات بعد التصفية التامة للتهيئة وقبول الآثار بالزيت الصافي لوفور قوة استعدادها للاستضاءة للدهنية القابلة للاشتعال، ومن ثم خصت شجرة الزيتون لأن لب ثمرتها الزيت الذي تشتعل به المصابيح، وخص هذا الدهن لمزيد إشراقه مع قلة الدخان يكاد زيت استعداده صلوات الله تعالى وسلامه عليه لصفائه وزكائه يضىء ولو لم يمسسه نور القرآن، روى البغوي عن محمد بن كعب القرظي تكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه، قال ابن رواحة: شعر : لو لم يكن فيه آيات مبينة كانت بداهته تنبيك عن خبره تفسير : وفي «حقائق السلمي» ثمل نوره في عبده المخلص والمشكاة القلب والمصباح النور الذي قذف فيه والمعرفة تضىء في قلب العارف بنور التوفيق يوقد من شجرة مباركة يضىء على شخص مبارك تتبين أنوار باطنه على آداب ظاهره وحسن معاملته زيتونه لا شرقية ولا غربية جوهرة صافية لا لها حظ في الدنيا ولا في الآخرة لاختصاصها بموالاة العزيز الغفار وتفردها بالفرد الجبار إلى غير ذلك، وجعل بعضهم التشبيه من المركب الوهمي بناءً على أن المراد من النور المشبه الهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم. وكان الظاهر على هذا دخول الكاف على المصباح دون المشكاة المشتملة عليه، ومن هنا قيل إن في الآية قلباً، ووجه بعضهم دخولها على المشكاة بأن المشتمل مقدم على المشتمل عليه في رأي العين فقدم لفظاً ودخل الكاف عليه رعاية لذلك، وقيل إنه على هذا أيضاً تشبيه مفرق لأنه شبه الهدى بالمصباح والجهالات بظلم استلزمتها وهو كما ترى. ومن الناس من جعل التشبيه مفرقاً لكن بنى كلامه على ما أسسه الفلاسفة فجعل النور المشبه ما منح الله تعالى به عباده من القوى الخمس الدرَّاكة المترتبة التي نيط بها المعاش وهي القوة الحساسة أعني الحس المشترك الذي يدرك المحسوسات بجواسيس الحواس الخمس الظاهرة والقوة الخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاء والقوة العقلية المدركة للحقائق الكلية والقوة الفكرية التي تأخذ المعارف العقلية فتؤلفها على وجه يحصل به العلم بالمجهولات والقوة القدسية التي يختص بها الأنبياء والأولياء وتنجلي فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت، وجعل ما في حيز الكاف عبارة عن أمور شبه بكل منها واحد من هذه الخمس فقال: شبهت القوة الحساسة بالمشكاة من حيث إن محلها تجويف في مقدم الدماغ كالكوة تضع فيه الحواس الظاهرة ما تحس به وبذلك يضىء، وشبهت القوة الخيالية بالزجاجة من حيث أنها تقبل الصور المدركة من الجوانب كما تقبل الزجاجة الأنوار الحسية من الجوانب ومن حيث إنها تضبط الأنوار العقلية وتحفظها كما تحفظ الزجاجة الأنوار الحسية، ومن حيث أنها تستنير بما يشتمل عليها من المعقولات، وشبهت القوة العقلية بالمصباح لإضاءتها بالإدراكات والمعارف وشبهت القوة الفكرية بالشجرة المباركة من حيث إنها تؤدي إلى نتائج كثيرة هي بمنزلة ثمرات الشجرة، واعتبرت زيتونة لأن لها فضيلة على سائر الأشجار من حيث أن لب ثمرتها / هو الزيت الذي له منافع جمة، منها أنه مادة المصابيح والأنوار الحسية وله من بين سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان، واعتبار وصف {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } في جانب المشبه من حيث أن القوة الفكرية مجردة عن اللواحق الجسمية أو من حيث إن انتفاعها ليس مختصاً بجانب الصور ولا بجانب المعاني، وشبهت القوة القدسية بالزيت الذي يكاد يضىء من غير أن تمسسه نار من حيث إنها لكمال صفائها وشدة استعدادها لا تحتاج إلى تعليم أو تفكر. واعترض بأن حق النظم الكريم على هذا أن يقال: مثل نوره كمشكاة وزجاجة ومصباح وشجرة مباركة زيتونة وزيت يكاد يضىء ولو لم تمسسه نار حتى يفيد تشبيه كل واحد بكل واحد. وأجيب بأنه لما كان كل من هذه الحواس يأخذ ما يدركه مما قبله كما يأخذ المظروف من ظرفه أشار سبحانه إلى ذلك بأداة الظرفية دلالة على بديع صنعه سبحانه وحكمته جل شأنه. وجوز أن يراد تشبيه النور المراد به القوة العقلية للنفس بمراتبها بذلك ومراتبها أربع، الأولى: أن تكون النفس خالية عن جميع العلوم الضرورية والنظرية مستعدة لها كما في مبدأ الطفولية وتسمى القوة العقلية في هذه المرتبة بالعقل الهيولاني لأنها كالهيولى في أنها في ذاتها خالية عن جميع الصور قابلة لها، وثانيتها: أن تستعمل آلاتها أي الحواس مطلقاً فيحصل لها علوم أولية، وتستعد لاكتساب علوم نظرية وتسمى القوة المذكورة في هذه المرتبة عقلاً بالملكة لحصول ملكة الانتقال إلى النظريات لها بسبب تلك الأوليات، وثالثتها: أن تصير النظريات مخزونة عندها وتحصل لها ملكة استحضارها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد وتسمى تلك القوة في هذه المرتبة عقلاً بالفعل لحصول تلك العلوم لها بالقوة القريبة من الفعل، ورابعتها: أن ترتب العلوم الأولية وتدرك العلوم النظرية مشاهدة إياها بالفعل وتسمى تلك القوة في هذه المرتبة عقلاً مستفاداً لاستفادتها من العقل الفعال فشبهت القوة بالمرتبة الأولى بالمشكاة الخالية في بدء الأمر عن الأنوار الحسية المستعدة للاستنارة بها وبالمرتبة الثانية بالزجاجة المتلألئة في نفسها القابلة للأنوار الفائضة عليها من النير الخارجي وبالمرتبة الثالثة بالمصباح الذي اشتعلت فتيلته المشبعة من الزيت وبالمرتبة الرابعة بالنور المتضاعف المشار إليه بقوله تعالى: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ }. والشيخ ابن سينا بعد أن بين المراتب حمل مفردات التنزيل عليها، وحقق في «المحاكمات» وجه الترتيب فيها حيث جعل الزجاجة في المشكاة والمصباح في الزجاجة بأن هناك استعداداً محضاً كما في المرتبة الأولى واستعداد اكتساب كما في المرتبة الثانية واستعداد استحضار كما في المرتبة الثالثة ولا شك أن استعداد الاكتساب بحسب الاستعداد المحض واستعداد الاستحضار بحسب استعداد الاكتساب فتكون الزجاجة التي هي عبارة عن العقل بالملكة كأنما هي في المشكاة التي هي عبارة عن العقل الهيولاني والمصباح وهو العقل بالفعل في الزجاجة التي هي العقل بالملكة لأنه إنما يحصل باعتبار حصول العقل أولاً وحيث إن العقل بالملكة إنما يخرج من القوة إلى الفعل بالفكر أو بالحدس أو بالقوة القدسية أشير إلى الفكر بالشجرة الزيتونة وإلى الحدس بالزيت وإلى القوة القدسية بيكاد زيتها يضىء؛ ودفع ما يظهر من عدم انطباق ما ذكر على النظم الجليل لأنه وصف فيه الشجرة بما سمعت من الصفات، وهذه أمور متباينة لا يجوز وصف أحدها بالآخر بأن الشجرة الزيتونة شيء واحد فإذا ترقت في أطوارها حصل لها زيت إذا ترقى وصفاً كاد يضىء؛ وكذلك الاكتساب قوة نفسية هي فكرة فإذا ترقت كانت حدساً، ثم قوة قدسية فهي وإن كانت متباينة ترجع إلى شيء واحد كالشجرة / وذكر أن قوله تعالى: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } إشارة إلى أنها ليست من عالم الحس الذي لا يخلو عن أحد الأمرين، ولا يخفى عليك أن هذا مع تكلفه وابتنائه على ما أسسه الفلاسفة الذين هم في عمى عن نور الشريعة ولله تعالى در من قال فيهم: شعر : قطعت الإخوة عن معشر بهم مرض من كتاب «الشفا» فماتوا على دين أَرسطالس وعشنا على سنة المصطفى تفسير : لا يناسب المقام ولا ينتظم معه أطراف الكلام، وفيه ما يقتضي أن قوله تعالى: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } داخل في التمثيل وفيه خلاف، ثم أعلم أنه يعلم بمعونة ما ذكرنا حال التشبيه على سائر الأقوال في المراد بالنور، ولعل ما ذكرناه فيه أتم نوراً وأشد ظهوراً والله تعالى أعلم بحقائق الأمور، { أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } تفسير : [النور: 40]. {يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ } أي يهدي سبحانه هداية خاصة موصلة إلى المطلوب حتماً لذلك النور المتضاعف العظيم الشأن، وإظهاره في مقام الإضمار لزيادة تقريره وتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية الناشئة من إضافته إلى ضميره عز وجل {مَن يَشَآء } هدايته من عباده بأن يوفقهم سبحانه لفهم وجوه دلالة الأدلة العقلية والسمعية التي نور بها السمٰوات والأرض على وجه ينتفعون به أو بأن يوفقهم لفهم ما في القرآن من دلائل حقيته وكونه من عنده عز وجل من الإعجاز والإخبار عن الغيب وغير ذلك من موجبات الإيمان وفيه احتمالات أخر بحسب ما في النور من الأقوال، وأياً ما كان ففيه إيذان بأن مناط هذه الهداية وملاكها ليس إلا مشيئته تعالى وأن إظهار الأسباب بدونها بمعزل عن الإفضاء إلى المطالب: شعر : إذا لم يك التوفيق عوناً لطالب طريق الهدى أعيت عليه مطالبه تفسير : {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ } في تضاعيف الهداية حسبما يقتضيه حالهم فإن لضرب المثل دخلاً عظيماً في باب الإرشاد لأنه إبراز للمعقول في هيئة المحسوس وتصوير لأوابد المعاني بصورة المأنوس ولذلك مثل جل وعلا نوره المراد به ما يشمل القرآن أو القرآن المبين فقط بنور المشكاة. وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار على ما في «إرشاد العقل السليم» للإيذان باختلاف [حال] ما أسند إليه تعالى من الهداية الخاصة وضرب الأمثال الذي هو من قبيل الهداية العامة كما يفصح عنه تعليق الأولى بمن شاء والثانية بالناس كافة. {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } معقولاً كان أو محسوساً ظاهراً كان أو باطناً ومن قضيته أن تتعلق مشيئته تعالى بهداية من يليق بها ويستحقها من الناس دون من عداهم لمخالفته الحكمة التي هي مبني التكوين والتشريع وأن تكون هدايته سبحانه العامة على فنون مختلفة وطرائق شتى حسبما تقتضيه أحوالهم وتقوم به الحجة له تعالى عليهم، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله، وقيل جىء بها لوعد من تدبر الأمثال ووعيد من لم يكترث بها، وقيل لبيان أن فائدة ضرب الأمثال التي هي التوضيح إنما هي للناس وليس بذاك. وإظهار الاسم الجليل لتأكيد استقلال الجملة والإشعار بعلة الحكم، وبما ذكر آنفاً من اختلاف حال المحكوم به ذاتاً وتعلقاً.
سيد قطب
تفسير : في الدرسين الماضيين من السورة عالج السياق أغلظ ما في الكيان البشري. ليرققه ويطهره ويرتفع به إلى آفاق النور. عالج عرامة اللحم والدم، وشهوة العين والفرج، ورغبة التجريح والتشهير، ودفعة الغضب والغيظ. وعالج الفاحشة أن تشيع في النفس وأن تشيع في الحياة، وأن تشيع في القول. عالجها بتشديد حد الزنا وحد القذف. وعالجها بعرض نموذج شنيع فظيع من رمي المحصنات الغافلات المؤمنات. وعالجها بالوسائل الواقية: بالاستئذان على البيوت وغض البصر وإخفاء الزينة، والنهي عن مثيرات الفتنة، وموقظات الشهوة. ثم بالإحصان، ومنع البغاء، وتحرير الرقيق.. كل أولئك ليأخذ الطريق على دفعات اللحم والدم، ويهيئ للنفوس وسائل العفة والاستعلاء والشفافية والإشراق. وفي أعقاب حديث الإفك عالج ما تخلف عنه من غضب وغيظ، ومن اضطراب في المقاييس، وقلق في النفوس. فإذا نفس محمد ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ مطمئنة هادئه. وإذا نفس عائشة ـ رضي الله عنها ـ قريرة راضية. وإذا نفس أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ سمحة صافية. وإذا نفس صفوان بن المعطل ـ رضي الله عنه ـ قانعة بشهادة الله وتبرئته. وإذا نفوس المسلمين آيبة تائبة. وقد تكشف لها ما كانت تخبط فيه من التيه. فثابت إلى ربها شاكرة فضله ورحمته وهدايته.. بهذا التعليم.. وهذا التهذيب. وهذا التوجيه. عالج الكيان البشري، حتى أشرق بالنور؛ وتطلع إلى الأفق الوضيء؛ واستشرف النور الكبير في آفاق السماوات والأرض، وهو على استعداد لتلقي الفيض الشامل الغامر في عالم كله إشراق، وكله نور: {الله نور السماوات والأرض}.. وما يكاد النص العجيب يتجلى حتى يفيض النور الهادئ الوضيء، فيغمر الكون كله، ويفيض على المشاعر والجوارح، وينسكب في الحنايا والجوانح؛ وحتى يسبح الكون كله في فيض النور الباهر؛ وحتى تعانقه وترشفه العيون والبصائر؛ وحتى تنزاح الحجب، وتشف القلوب، وترف الأرواح. ويسبح كل شيء في الفيض الغامر، ويتطهر كل شيء في بحر النور، ويتجرد كل شيء من كثافته وثقله، فإذا هو انطلاق ورفرفة، ولقاء ومعرفة، وامتزاج وألفه، وفرح وحبور. وإذا الكون كله بما فيه ومن فيه نور طليق من القيود والحدود، تتصل فيه السماوات بالأرض، والأحياء بالجماد، والبعيد بالقريب؛ وتلتقي فيه الشعاب والدروب، والطوايا والظواهر، والحواس والقلوب.. {الله نور السماوات والأرض}.. النور الذي منه قوامها ومنه نظامها.. فهو الذي يهبها جوهر وجودها، ويودعها ناموسها.. ولقد استطاع البشر أخيراً أن يدركوا بعلمهم طرفاً من هذه الحقيقة الكبرى، عندما استحال في أيديهم ما كان يسمى بالمادة ـ بعد تحطيم الذرة ـ إلى إشعاعات منطلقة لا قوام لها إلا النور! ولا "مادة" لها إلا النور! فذرة المادة مؤلفة من كهارب وإليكترونات، تنطلق ـ عند تحطيمها ـ في هيئة إشعاع قوامه هو النور! فأما القلب البشري فكان يدرك الحقيقة الكبرى قبل العلم بقرون وقرون. كان يدركها كلما شف ورف، وانطلق إلى آفاق النور. ولقد أدركها كاملة شاملة قلب محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ففاض بها وهو عائد من الطائف، نافض كفيه من الناس، عائذ بوجه ربه يقول: "حديث : أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة"تفسير : . وفاض بها في رحلة الإسراء والمعراج. فلما سألته عائشة: هل رأيت ربك؟ قال: "حديث : نور. أنى أراه ". تفسير : ولكن الكيان البشري لا يقوى طويلاً على تلقي ذلك الفيض الغامر دائماً، ولا يستشرف طويلاً ذلك الأفق البعيد. فبعد أن جلا النص هذا الأفق المترامي، عاد يقارب مداه، ويقربه إلى الإدراك البشري المحدود، في مثل قريب محسوس: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح. المصباح في زجاجة. الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. نور على نور}.. وهو مثل يقرب للإدراك المحدود؛ ويرسم النموذج المصغر الذي يتأمله الحس، حين يقصر عن تملي الأصل. وهو مثل يقرب للإدراك طبيعة النور حين يعجز عن تتبع مداه وآفاقه المترامية وراء الإدراك البشري الحسير. ومن عرض السماوات والأرض إلى المكشاة. وهي الكوة الصغيرة في الجدار غير النافذة، يوضع فيها المصباح، فتحصر نوره وتجمعه، فيبدو قوياً متألقاً: {كمشكاة فيها مصباح}.. {المصباح في زجاجة}.. تقيه الريح، وتصفي نوره، فيتألق ويزداد.. {الزجاجة كأنها كوكب دري}.. فهي بذاتها شفافة رائقة سنية منيرة.. هنا يصل بين المثل والحقيقة. بين النموذج والأصل. حين يرتقي من الزجاجة الصغيرة إلى الكوكب الكبير، كي لا ينحصر التأمل في النموذج الصغير، الذي ما جعل إلا لتقريب الأصل الكبير.. وبعد هذه اللفتة يعود إلى النموذج. إلى المصباح: {يوقد من شجرة مباركة زيتونة} ونور زيت الزيتون كان أصفى نور يعرفه المخاطبون. ولكن ليس لهذا وحده كان اختيار هذا المثل. إنما هو كذلك الظلال المقدسة التي تلقيها الشجرة المباركة. ظلال الوادي المقدس في الطور، وهو أقرب منابت الزيتون لجزيرة العرب. وفي القرآن إشارة لها وظلال حولها: {أية : وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين}. تفسير : وهي شجرة معمرة، وكل ما فيها مما ينفع الناس. زيتها وخشبها وورقها وثمرها.. ومرة أخرى يلتفت من النموذج الصغير ليذكر بالأصل الكبير. فهذه الشجرة ليست شجرة بعينها وليست متحيزة إلى مكان أو جهة. إنما هي مثل مجرد للتقريب: {لا شرقية ولا غربية}.. وزيتها ليس زيتاً من هذا المشهود المحدود، إنما هو زيت آخر عجيب: {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار}.. فهو من الشفافية بذاته، ومن الإشراق بذاته، حتى ليكاد يضيء بغير احتراق؛ {ولو لم تمسسه نار}.. {نور على نور}.. وبذلك نعود إلى النور العميق الطليق في نهاية المطاف! إنه نور الله الذي أشرقت به الظلمات في السماوات والأرض. النور الذي لا ندرك كنهه ولا مداه. إنما هي محاولة لوصل القلوب به، والتطلع إلى رؤياه: {يهدي الله لنوره من يشاء}.. ممن يفتحون قلوبهم للنور فتراه. فهو شائع في السماوات والأرض، فائض في السماوات والأرض. دائم في السماوات والأرض. لا ينقطع، ولا يحتبس، ولا يخبو. فحيثما توجه إليه القلب رآه. وحيثما تطلع إليه الحائر هداه. وحيثما اتصل به وجد الله. إنما المثل الذي ضربه الله لنوره وسيلة لتقريبه إلى المدارك، وهو العليم بطاقة البشر: {ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم}.. ذلك النور الطليق، الشائع في السماوات والأرض، الفائض في السماوات والأرض، يتجلى ويتبلور في بيوت الله التي تتصل فيها القلوب بالله، تتطلع إليه وتذكره وتخشاه، وتتجرد له وتؤثره على كل مغريات الحياة: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكـاة. يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار. ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب}.. وهناك صلة تصويرية بين مشهد المشكاة هناك ومشهد البيوت هنا، على طريقة التناسق القرآنية في عرض المشاهد ذات الشكل المتشابه او المتقارب. وهناك صلة مثلها بين المصباح المشرق بالنور في المشكاة، والقلوب المشرقة بالنور في بيوت الله. تلك البيوت {أذن الله أن ترفع} ـ وإذن الله هو أمر للنفاذ ـ فهي مرفوعة قائمة، وهي مطهرة رفيعة. يتناسق مشهدها المرفوع مع النور المتألق في السماوات والأرض. وتتناسق طبيعتها الرفيعة مع طبيعة النور السني الوضيء. وتتهيأ بالرفعة والارتفاع لأن يذكر فيها اسم الله: {ويذكر فيها اسمه}. وتتسق معها القلوب الوضيئة الطاهرة، المسبحة الواجفة، المصلية الواهبة. قلوب الرجال الذين {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكـاة}.. والتجارة والبيع لتحصيل الكسب والثراء. ولكنهم مع شغلهم بهما لا يغفلون عن أداء حق الله في الصلاة، وأداء حق العباد في الزكاة: {يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار}.. تتقلب فلا تثبت على شيء من الهول والكرب والاضطراب. وهم يخافون ذلك اليوم فلا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. وهم مع هذا الخوف يعلقون رجاءهم بثواب الله: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا، ويزيدهم من فضله}.. ورجاؤهم لن يخيب في فضل الله: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} من فضله الذي لا حدود له ولا قيود. في مقابل ذلك النور المتجلي في السماوات والأرض، المتبلور في بيوت الله، المشرق في قلوب أهل الإيمان.. يعرض السياق مجالاً آخر. مجالاً مظلماً لا نور فيه. مخيفاً لا أمن فيه. ضائعاً لا خير فيه. ذلك هو مجال الكفر الذي يعيش فيه الكفار: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة، يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده فوفاه حسابه. والله سريع الحساب. أو كظلمات في بحر لجي، يغشاه موج من فوقه موج، من فوقه سحاب. ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها. ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور}.. والتعبير يرسم لحال الكافرين ومآلهم مشهدين عجيبين، حافلين بالحركة والحياة. في المشهد الأول يرسم أعمالهم كسراب في أرض مكشوفة مبسوطة، يلتمع التماعاً كاذباً، فيتبعه صاحبه الظامئ، وهو يتوقع الري غافلاً عما ينتظره هناك.. وفجأة يتحرك المشهد حركة عنيفة.. فهذا السائر وراء السراب، الظامئ الذي يتوقع الشراب، الغافل عما ينتظره هناك.. يصل. فلا يجد ماء يرويه، إنما يجد المفاجأة المذهلة التي لم تخطر له ببال، المرعبة التي تقطع الأوصال، وتورث الخبال: {ووجد الله عنده}! الله الذي كفر به وجحده، وخاصمه وعاداه. وجده هنالك ينتظره! ولو وجد في هذه المفاجأة خصماً له من بني البشر لروّعه، وهو ذاهل غافل على غير استعداد. فكيف وهو يجد الله القوي المنتقم الجبار؟ {فوفاه حسابه}.. هكذا في سرعة عاجلة تتناسق مع البغتة والفجاءة، {والله سريع الحساب}.. تعقيب يتناسق مع المشهد الخاطف المرتاع! وفي المشهد الثاني تطبق الظلمة بعد الالتماع الكاذب؛ ويتمثل الهول في ظلمات البحر اللجي. موج من فوقه موج. من فوقه سحاب. وتتراكم الظلمات بعضها فوق بعض، حتى ليخرج يده أمام بصره فلا يراها لشدة الرعب والظلام! إنه الكفر ظلمة منقطعة عن نور الله الفائض في الكون. وضلال لا يرى فيه القلب أقرب علامات الهدى. ومخافة لا أمن فيها ولا قرار.. {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور}.. ونور الله هدى في القلب؛ وتفتح في البصيرة؛ واتصال في الفطرة بنواميس الله في السماوات والأرض؛ والتقاء بها على الله نور السماوات والأرض. فمن لم يتصل بهذا النور فهو ظلمة لا انكشاف لها، وفي مخالفة لا أمن فيها، وفي ضلال لا رجعة منه. ونهاية العمل سراب ضائع يقود إلى الهلاك والعذاب؛ لأنه لا عمل بغير عقيدة، ولا صلاح بغير إيمان. إن هدى الله هو الهدى. وإن نور الله هو النور. ذلك مشهد الكفر والضلال والظلام في عالم الناس، يتبعه مشهد الإيمان والهدى والنور في الكون الفسيح. مشهد يتمثل فيه الوجود كله، بمن فيه وما فيه، شاخصاً يسبح لله، إنسه وجنه، أملاكه وأفلاكه، أحياؤه وجماده.. وإذا الوجود كله تتجاوب بالتسبيح أرجاؤه، في مشهد يرتعش له الوجدان حين يتملاه: {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض، والطير صافات. كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون}.. إن الإنسان ليس مفرداً في هذا الكون الفسيح؛ فإن من حوله، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته؛ وحيثما امتد به النظر أو طاف به الخيال.. إخوان له من خلق الله، لهم طبائع شتى، وصور شتى، وأشكال شتى. ولكنهم بعد ذلك كله يلتقون في الله، ويتوجهون إليه، ويسبحون بحمده: {والله عليم بما يفعلون}.. والقرآن يوجه الإنسان إلى النظر فيما حوله من صنع الله، وإلى من حوله من خلق الله في السماوات والأرض، وهم يسبحون بحمده وتقواه؛ ويوجه بصره وقلبه خاصة إلى مشهد في كل يوم يراه، فلا يثير انتباهه ولا يحرك قلبه لطول ما يراه. ذلك مشهد الطير صافات أرجلها وهي طائرة في الفضاء تسبح بحمد الله: {كل قد علم صلاته وتسبيحه}.. والإنسان وحده هو الذي يغفل عن تسبيح ربه؛ وهو أجدر خلق الله بالإيمان والتسبيح والصلاة. وإن الكون ليبدو في هذا المشهد الخاشع متجهاً كله إلى خالقه، مسبحاً بحمده، قائماً بصلاته؛ وإنه لكذلك في فطرته، وفي طاعته لمشيئة خالقه الممثلة في نواميسه. وإن الإنسان ليدرك ـ حين يشف ـ هذا المشهد ممثلاً في حسه كأنه يراه؛ وإنه ليسمع دقات هذا الكون وإيقاعاته تسابيح لله. وإنه ليشارك كل كائن في هذا الوجود صلاته ونجواه.. كذلك كان محمد بن عبد الله ـ صلاة الله وسلامه عليه ـ إذا مشى سمع تسبيح الحصى تحت قدميه. وكذلك كان داود ـ عليه السلام ـ يرتل مزاميره فتؤوب الجبال معه والطير. {ولله ملك السماوات والأرض، وإلى الله المصير}.. فلا اتجاه إلا إليه، ولا ملجأ من دونه، ولا مفر من لقائه، ولا عاصم من عقابه، وإلى الله المصير. ومشهد آخر من مشاهد هذا الكون التي يمر عليها الناس غافلين؛ وفيها متعة للنظر، وعبرة للقلب، ومجال للتأمل في صنع الله وآياته، وفي دلائل النور والهدى والإيمان: {ألم تر أن الله يزجي سحاباً، ثم يؤلف بينه، ثم يجعله ركاماً، فترى الودق يخرج من خلاله. وينزل من السماء من جبال فيها من برد، فيصيب به من يشاء، ويصرفه عمن يشآء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار}... والمشهد يعرض على مهل وفي إطالة، وتترك أجزاؤه للتأمل قبل أن تلتقي وتتجمع. كل أولئك لتؤدي الغرض من عرضها في لمس القلب وإيقاظه، وبعثه إلى التأمل والعبرة، وتدبر ما وراءها من صنع الله. إن يد الله تزجي السحاب وتدفعه من مكان إلى مكان. ثم تؤلف بنيه وتجمعه، فإذا هو ركام بعضه فوق بعض. فإذا ثقل خرج منه الماء، والوبل الهاطل، وهو في هيئة الجبال الضخمة الكثيفة، فيها قطع البرد الثلجية الصغيرة.. ومشهد السحب كالجبال لا يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها، فإذا المشهد مشهد الجبال حقاً، بضخامتها، ومساقطها، وارتفاعاتها وانخفاضاتها. وإنه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس، إلا بعد ما ركبوا الطائرات. وهذه الجبال مسخرة بأمر الله، وفق ناموسه الذي يحكم الكون؛ ووفق هذا الناموس يصيب الله بالمطر من يشاء، ويصرفه عمن يشاء.. وتكملة المشهد الضخم: {يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} ذلك ليتم التناسق مع جو النور الكبير في الكون العريض، على طريق التناسق في التصوير. ثم مشهد كوني ثالث: مشهد الليل والنهار: {يقلب الله الليل والنهار. إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار}.. والتأمل في تقلب الليل والنهار بهذا النظام الذي لا يختل ولا يفتر يوقظ في القلب الحساسية وتدبر الناموس الذي يصرف هذا الكون والتأمل في صنع الله. والقرآن يوجه القلب إلى هذه المشاهد التي ذهبت الألفة بوقعها المثير؛ ليواجه القلب هذا الكون دائماً بحس جديد، وانفعال جديد. فعجيبة الليل والنهار كم شاقت القلب البشري، وهو يتأملها أول مرة. وهي هي لم تتغير؛ ولم تفقد جمالها وروعتها. إنما القلب البشري هو الذي صدئ وهمد، فلم يعد يخفق لها. وكم ذا نفقد من حياتنا، وكم ذا نخسر من جمال هذا الوجود، حين نمر غافلين بهذه الظواهر التي شاقت حِسَّنَا وهي جديدة. أو وحِسُّنا هو الجديد! والقرآن يجدد حِسَّنَا الخامد، ويوقظ حواسنا الملول. ويلمس قلبنا البارد. ويثير وجداننا الكليل؛ لنرتاد هذا الكون دائماً كما ارتدناه أول مرة. نقف أمام كل ظاهرة نتأملها، ونسألها عما وراءها من سر دفين، ومن سحر مكنون. ونرقب يد الله تفعل فعلها في كل شيء من حولنا، ونتدبر حكمته في صنعته، ونعتبر بآياته المبثوثة في تضاعيف الوجود. إن الله ـ سبحانه ـ يريد أن يمن علينا، بأن يهبنا الوجود مرة كلما نظرنا إلى إحدى ظواهره؛ فاستعدنا نعمة الإحساس بها كأننا نراها أول مرة. فنظل نجد الكون مرات لا تحصى. وكأننا في كل مرة نوهبه من جديد؛ ونستمتع به من جديد. وإن هذا الوجود لجميل وباهر ورائع. وإن فطرتنا لمتوافقة مع فطرته، مستمدة من النبع الذي يستمد منه، قائمة على ذات الناموس الذي يقوم عليه. فالاتصال بضمير هذا الوجود يهبنا أنساً وطمأنينة، وصلة ومعرفة، وفرحة كفرحة اللقاء بالقريب الغائب أو المحجوب! وإننا لنجد نور الله هناك. فالله نور السماوات والأرض.. نجده في الآفاق وفي أنفسنا في ذات اللحظة التي نشهد فيها هذا الوجود بالحس البصير، والقلب المتفتح، والتأمل الواصل إلى حقيقة التدبير. لهذا يوقظنا القرآن المرة بعد المرة، ويوجه حسنا وروحنا إلى شتى مشاهد الوجود الباهرة، كي لا نمر عليها غافلين مغمضي الأعين، فنخرج من رحلة الحياة على ظهر هذه الأرض بغير رصيد. أو برصيد قليل هزيل.. ويمضي السياق في عرض مشاهد الكون، واستثارة تطلعنا إليها؛ فيعرض نشأة الحياة، من أصل واحد، وطبيعة واحدة، ثم تنوعها، مع وحدة النشأة والطبيعة: {والله خلق كل دآبة من مآء. فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع. يخلق الله ما يشآء. إن الله على كل شيء قدير}.. وهذه الحقيقة الضخمة التي يعرضها القرآن بهذه البساطة، حقيقة أن كل دابة خلقت من ماء، قد تعني وحده العنصر الأساسي في تركيب الأحياء جميعاً، وهو الماء، وقد تعني ما يحاول العلم الحديث أن يثبته من أن الحياة خرجت من البحر ونشأت أصلاً في الماء. ثم تنوعت الأنواع، وتفرعت الأجناس.. ولكننا نحن على طريقتنا في عدم تعليق الحقائق القرآنية الثابتة على النظريات العلمية القابلة للتعديل والتبديل.. لا نزيد على هذه الإشارة شيئاً. مكتفين بإثبات الحقيقة القرآنية. وهي أن الله خلق الأحياء كلها من الماء. فهي ذات أصل واحد. ثم هي ـ كما ترى العين ـ متنوعة الأشكال. منها الزواحف تمشي على بطنها، ومنها الإنسان والطير يمشي على قدمين. ومنها الحيوان يدب على أربع. كل أولئك وفق سنة الله ومشيئته، لا عن فلتة ولا مصادفة: {يخلق الله ما يشاء} غير مقيد بشكل ولا هيئة. فالنواميس والسنن التي تعمل في الكون قد اقتضتها مشيئته الطليقة وارتضتها: {إن الله على كل شيء قدير}.. وإن تملي الأحياء. وهي بهذا التنوع في الأشكال والأحجام، والأصول والأنواع، والشيات والألوان. وهي خارجة من أصل واحد، ليوحي بالتدبير المقصود، والمشيئة العامدة. وينفي فكرة الفلتة والمصادفة. وإلا فأي فلته تلك التي تتضمن كل هذا التدبير؛ وأية مصادفة تلك التي تتضمن كل هذا التقدير؟ إنما هو صنع الله العزيز الحكيم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى..
ابن عاشور
تفسير : {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}. أتْبع منةَ الهداية الخاصة في أحكام خاصة المفادة من قوله تعالى: { أية : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } تفسير : [النور: 34] الآية بالامتنان بأن الله هو مكون أصول الهداية العامة والمعارف الحقِّ للناس كلهم بإرسال رسوله بالهدى ودين الحق، مع ما في هذا الامتنان من الإعلام بعظمة الله تعالى ومجده وعموم علمه وقدرته. والذي يظهر لي أن جملة: {الله نور السمٰوات والأرض} معترضة بين الجملة التي قبلها وبين جملة: {مثل نوره كمشكاة} وأن جملة: {مثل نوره كمشكاة} بيان لجملة: { أية : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } تفسير : [النور: 34] كما سيأتي في تفسيرها فتكون جملة: {الله نور السماوات والأرض} تمهيداً لجملة: {مثَل نوره كمشكاة}. ومناسبة موقع جملة: {مثل نوره كمشكاة} بعد جملة: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} أن آيات القرآن نور قال تعالى: { أية : وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً } تفسير : في سورة النساء (174)، وقال: { أية : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } تفسير : في سورة العقود (15)، فكان قوله: {الله نور السماوات والأرض} كلمة جامعة لمعان جمّة تتبع معاني النور في إطلاقه في الكلام. وموقع الجملة عجيب من عدة جهات، وانتقال من بيان الأحكام إلى غرض آخر من أغراض الإرشاد وأفانين من الموعظة والبرهان. والنور: حقيقته الإشراق والضياء. وهو اسم جامد لمعنى، فهو كالمصدر لأنا وجدناه أصلاً لاشتقاق أفعال الإنارة فشابهت الأفعال المشتقة من الأسماء الجامدة نحو: استنوق الجمل، فإن فعل أنار مثل فعل أفلس، وفعل استنار مثل فعل استحجر الطين. وبذلك كان الإخبار به بمنزلة الإخبار بالمصدر أو باسم الجنس في إفادة المبالغة لأنه اسم ماهية من المواهي فهو والمصدر سواء في الاتصاف. فمعنى: {الله نور السماوات والأرض} أن منه ظهورهما. والنور هنا صالح لعدة معان تشبّه بالنور. وإطلاق اسم النور عليها مستعمل في اللغة. فالإخبار عن الله تعالى بأنه نور إخبار بمعنى مجازي للنور لا محالة بقرينة أصل عقيدة الإسلام أن الله تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض لا يتردد في ذلك أحد من أصحاب اللسان العربي ولا تخلو حقيقة معنى النور عن كونه جوهراً أو عرضاً. وأسعد إطلاقات النور في اللغة بهذا المقام أن يراد به جلاء الأمور التي شأنها أن تخفى عن مدارك الناس وتلتبس فيقل الاهتداء إليها، فإطلاقه على ذلك مجاز بعلامة التسبب في الحس والعقل وقال الغزالي في رسالته المعروفة «بمشكاة الأنوار»: النور هو الظاهر الذي به كل ظهور، أي الذي تنكشف به الأشياء وتنكشف له وتنكشف منه وهو النور الحقيقي وليس فوقه نور. وجعل اسمه تعالى النور دالاً على التنزه عن العدم وعلى إخراج الأشياء كلها عن ظلمة العدم إلى ظهور الوجود فآل إلى ما يستلزمه اسم النور من معنى الإظهار والتبيين في الخلق والإرشاد والتشريع وتبعه ابن برَّجان الإشبيلي في «شرح الأسماء الحسنى» فقال: إن اسمه النور آل إلى صفات الأفعال اهـ. أما وصف النور هنا فيتعين أن يكون ملائماً لما قبل الآية من قوله: { أية : لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } تفسير : [النور: 34] وما بعدها من قوله: {مثل نوره كمشكاة} إلى قوله: {يهدي الله لنوره من يشاء} وقوله عقب ذلك: { أية : ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } تفسير : [النور: 40]. وقد أشرنا آنفاً إلى أن للنور إطلاقات كثيرة وإضافات أخرى صالحة لأن تكون مراداً من وصفه تعالى بالنور. وقد ورد في مواضع من القرآن والحديث فيحمل الاطلاق في كل مقام على ما يليق بسياق الكلام ولا يطرد ذلك على منوال واحد حيثما وقع، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن » تفسير : فإن عطف «من فيهن» يؤذن بأن المراد بـ«السماوات والأرض» ذاتهما لا الموجودات التي فيهما فيتعين أن يراد بالنور هنالك إفاضة الوجود المعبر عنه بالفتق في قوله تعالى: { أية : كانتا رتقاً ففتقناهما } تفسير : [الأنبياء: 30]. والمعنى: أنه بقدرته تعالى استقامت أمورهما. والتزم حكماء الإشراق من المسلمين وصوفية الحكماء معاني من إطلاقات النور. وأشهرها ثلاثة: البرهان العلمي، والكمال النفساني، وما به مشاهدة النورانيات من العوالم. وإلى ثلاثتها أشار شهاب الدين يحيى السهروردي في أول كتابه «هياكل النور» بقوله: «يا قيوم أيِّدنا بالنور وثبتنا على النور واحشرنا إلى النور» كما بينه جلال الدين الدواني في «شرحه». ونلحق بهذه المعاني اطلاق النور على الإرشاد إلى الأعمال الصالحة وهو الهدي. وقد ورد في آيات من القرآن إطلاق النور على ما هو أعم من الهدي كما في قوله تعالى: { أية : إنا أنزلنا التوراة فيها هُدًى ونور } تفسير : [المائدة: 44] وقوله: { أية : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس } تفسير : [الأنعام: 91] فعطف أحد اللفظين على الآخر مشعر بالمغايرة بينهما. وليس شيء من معاني لفظ النور الوارد في هذه الآيات بصالح لأن يكون هو الذي جعل وصفاً لله تعالى لا حقيقة ولا مجازاً فتعين أن لفظ (نور) في قوله: {مثل نوره كمشكاة} غير المراد بلفظ نور في قوله: {الله نور السماوات والأرض} فالنور لفظ مشترك استعمل في معنى وتارة أخرى في معنى آخر. فأحسن ما يفسر به قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض} أن الله موجد كل ما يعبر عنه بالنور وخاصة أسباب المعرفة الحق والحجة القائمة والمرشد إلى الأعمال الصالحة التي بها حسن العاقبة في العالَمَيْن العلوي والسفلي، وهو من استعمال المشترك في معانيه. ويجوز أن يراد بالسماوات والأرض من فيهما من باب: { أية : واسأل القرية } تفسير : [يوسف: 82] وهو أبلغ من ذكر المضاف المحذوف لأن في هذا الحذف إيهام أن السماوات والأرض قابلة لهذا النور كما أن القرية نفسها تشهد بما يسأل منها، وذلك أبلغ في الدلالة على الإحاطة بالمقصود وألطف دلالة. فيشمل تلقين العقيدة الحق والهداية إلى الصلاح؛ فأما هداية البشر إلى الخير والصلاح فظاهرة، وأما هداية الملائكة إلى ذلك فبأن خلقهم الله على فطرة الصلاح والخير. وبأن أمرهم بتسخير القوى للخير، وبأن أمر بعضهم بإبلاغ الهدى بتبليغ الشرائع وإلهام القلوب الصالحة إلى الصلاح وكانت تلك مظاهر هدى لهم وبهم. {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ}. يظهر أن هذه الجملة بيان لجملة: { أية : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } تفسير : [النور: 34] إذ كان ينطوي في معنى {آيات} ووصفها بـ{مبينات} ما يستشرف إليه السامع من بيان لما هي الآيات وما هو تبيينها، فالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً. ووقعت جملة: {الله نور السماوات والأرض} معترضة بين هذه الجملة والتي قبلها تمهيداً لعظمة هذا النور الممثل بالمشكاة. وجرى كلام كثير من المفسرين على ما يقتضي أنها بيان لجملة: {الله نور السماوات والأرض} فيكون موقعها موقع عطف البيان فلذلك فُصلت فلم تعطف. والضمير في قوله: {نوره} عائد إلى اسم الجلالة، أي مثل نور الله. والمراد بـ{نوره} كتابه أو الدين الذي اختاره، أي مثله في إنارة عقول المهتدين. فالكلام تمثيل لهيئة إرشاد الله المؤمنين بهيئة المصباح الذي حفّت به وسائل قوة الإشراق فهو نور الله لا محالة. وإنما أوثر تشبيهه بالمصباح الموصوف بما معه من الصفات دون أن يشبه نوره بطلوع الشمس بعد ظلمة الليل لقصد إكمال مشابهة الهيئة المشبه بها بأنها حالة ظهور نور يبدو في خلال ظلمة فتنقشع به تلك الظلمة في مساحة يراد تنويرها. ودون أن يشبه بهيئة بزوغ القمر في خلال ظلمة الأفق لقصد إكمال المشابهة لأن القمر يبدو ويغيب في بعض الليلة بخلاف المصباح الموصوف. وبعد هذا فلأن المقصود ذكر ما حف بالمصباح من الأدوات ليتسنى كمال التمثيل بقبوله تفريق التشبيهات كما سيأتي وذلك لا يتأتى في القمر. والمَثَل: تشبيه حال بحال، وقد تقدم في أوائل سورة البقرة. فمعنى {مثل نوره}: شَبيهُ هدِيه حالُ مشكاة.. إلى آخره، فلا حاجة إلى تقدير: كنور مشكاة، لأن المشبه به هو المشكاة وما يتبعها. وقوله: {كمشكاة فيها مصباح} المقصود كمصباح في مشكاة. وإنما قُدم {المشكاة} في الذكر لأن المشبه به هو مجموع الهيئة، فاللفظ الدال على المشبه به هو مجموع المركب المبتدىء بقوله: {كمشكاة} والمنتهي بقوله: {ولو لم تمسسه نار} فلذلك كان دخول كاف الشبه على كلمة {مشكاة} دون لفظ {مصباح} لا يقتضي أصالة لفظ مشكاة في الهيئة المشبه بها دون لفظ {مصباح} بل موجب هذا الترتيب مراعاة الترتيب الذهني في تصور هذه الهيئة المتخيلة حين يلمح الناظر إلى انبثاق النور ثم ينظر إلى مصدره فيرى مشكاةً ثم يبدو له مصباح في زجاجة. والمشكاة المعروف من كلام أهل اللغة أنها فرجة في الجدار مثل الكوة لكنها غير نافذة فإن كانت نافذة فهي الكوة. ولا يوجد في كلام الموثوق عنهم من أهل العربية غير هذا المعنى، واقتصر عليه الراغب وصاحب «القاموس» و«الكشاف» واتفقوا على أنها كلمة حبشية أدخلها العرب في كلامهم فعدت في الألفاظ الواقعة في القرآن بغير لغة العرب. ووقع ذلك في «صحيح البخاري» فيما فسره من مفردات سورة النور. ووقع في «تفسير الطبري» وابن عطية عن مجاهد: أن المشكاة العمود الذي فيه القنديل يكون على رأسه، وفي «الطبري» عن مجاهد أيضاً: المشكاة الصُفر (أي النحاس أي قطعة منه شبيه القصيبة) الذي في جوف القنديل. وفي معناه ما رواه هو عن ابن عباس: المشكاة موقع الفتيلة، وفي معناه أيضاً ما قاله ابن عطية عن أبي موسى الأشعري: المشكاة الحديدة والرصاصة التي يكون فيها الفتيل في جوف الزجاجة. وقول الأزهري: أراد قصبة الزجاجة التي يستصبح فيها وهي موضع الفتيلة. وقد تأوله الأزهري بأن قصبة الزجاجة شبهت بالمشكاة وهي الكوة فأطلق عليها مشكاة. والمصباح: اسم للإناء الذي يوقد فيه بالزيت للإنارة، وهو من صيغ أسماء الآلات مثل المفتاح، وهو مشتق من اسم الصبح، أي ابتداء ضوء النهار، فالمصباح آلة الإصباح أي الإضاءة. وإذا كان المشكاة اسماً للقصيبة التي توضع في جوف القنديل كان المصباح مراداً به الفتيلة التي توضع في تلك القُصيبة. وإعادة لفظ {المصباح} دون أن يقال: فيها مصباح في زجاجة، كما قال: {كمشكاة فيها مصباح} إظهار في مقام الإضمار للتنويه بذكر المصباح لأنه أعظم أركان هذا التمثيل، وكذلك إعادة لفظ {الزجاجة} في قوله: {الزجاجة كأنها كوكب دري} لأنه من أعظم أركان التمثيل. ويسمى مثل هذه الإعادة تشابه الأطراف في فن البديع، وأنشدوا فيه قول ليلى الأخيلية في مدح الحجاج بن يوسف: شعر : إذا أُنزل الحجاج أرضاً مريضةً تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها سقاها فروّاها بشرب سجاله دماءَ رجال يحلبون صراها تفسير : ومما فاقت به الآية عدم تكرار ذلك أكثر من مرتين. والزجاجة: اسم إناء يصنع من الزجاج، سميت زجاجة لأنها قطعة مصنوعة من الزجاج بضم الزاي وتخفيف الجيمين ملحقة بآخر الكلمة هاء هي علامة الواحد من اسم الجمع كأنهم عاملوا الزجاج معاملة أسماء الجموع مثل تَمر، ونَمل، ونَخْل، كانوا يتخذون من الزجاج آنية للخمر وقناديل للإسراج بمصابيح الزيت لأن الزجاج شفاف لا يحجب نور السراج ولا يحجب لون الخمر وصفاءها ليعلمه الشارب. والزجاج: صنف من الطين المطيّن من عجين رملٍ مخصوص يوجد في طبقة الأرض وليس هو رمل الشطوط. وهذا العجين اسمه في اصطلاح الكيمياء (سليكَا) يخلط بأجزاء من رماد نبت يسمى في الكيمياء (صُودا) ويسمى عند العرب الغاسول وهو الذي يتخذون منه الصابون. ويضاف إليهما جزء من الكلس (الجير) ومن (البوتاس) أو من (أُكسيد الرصاص) فيصير ذلك الطين رقيقاً ويدخل للنار فيصهر في أتون خاص به شديد الحرارة حتى يتميّع وتختلط أجزاؤه ثم يخرج من الأتون قطعاً بقدر ما يريد الصانع أن يصنع منه، وهو حينئذٍ رخو يشبه الحلواء فيكون حينئذٍ قابلاً للامتداد وللانتفاخ إذا نُفخ فيه بقصبة من حديد يضعها الصانع في فمه وهي متصلة بقطعة الطين المصهورة فينفخ فيها فإذا داخلها هواء النفَس تمددت وتشكلت بشكل كما يتفق فيتصرف فيه الصانع بتشكيله بالشكل الذي يبتغيه فيجعل منه أواني مختلفة الأشكال من كؤوس وباطيات وقِنِّينات كبيرة وصغيرة وقوارير للخمر وآنية لزيت المصابيح تفضل ما عداها بأنها لا تحجب ضوء السراج وتزيده إشعاعاً. وقد كان الزجاج معروفاً عند القدماء من الفنيقيين وعند القبط من نحو القرن الثلاثين قبل المسيح ثم عرفه العرب وهم يسمونه الزجاج والقوارير. قال بشار: شعر : ارفق بعمرو إذا حركت نسبته فإنه عربي من قوارير تفسير : وقد عرفه العبرانيون في عهد سليمان واتخذ منه سليمان بلاطاً في ساحة صرحه كما ورد في قوله تعالى: { أية : قال إنه صرح ممرد من قوارير } تفسير : [النمل: 44]. وقد عرفه اليونان قديماً ومن أقوال الحكيم (ديوجينوس اليوناني): «تيجان الملوك كالزجاج يسرع إليها العطب». وسمى العرب الزجاج بلَّوراً بوزن سنّوْر وبوزن تنُّور. واشتهر بصناعته أهل الشام. قال الزمخشري في «الكشاف»: {في زجاجة} أراد قنديلاً من زجاج شامي أزهر اهـ. واشتهر بدقة صنعه في القرن الثالث المسيحي أهل البندقية ولونوه وزينوه بالذهب وما زالت البندقية إلى الآن مصدر دقائق صنع الزجاج على اختلاف أشكاله وألوانه يتنافس فيه أهل الأذواق. وكذلك بلاد (بوهيميا) من أرض (المجر) لجودة التراب الذي يصنع منه في بلادهم. ومن أصلح ما انتفع فيه الزجاج اتخاذ أطباق منه توضع على الكوى النافذة والشبابيك لتمنع الرياح وبرد الشتاء والمطر عن سكان البيوت ولا يحجب عن سكانها الضوء. وكان ابتكار استعمال هذه الأطباق في القرن الثالث من التاريخ المسيحي ولكن تأخر الانتفاع به في ذلك مع الاضطرار إليه لعسر استعماله وسرعة تصدعه في النقل ووفرة ثمنه، ولذلك اتخذ في النوافذ أول الأمر في البلاد التي يصنع فيها فبقي زماناً طويلاً خاصاً بمنازل الملوك والأثرياء. والكوكب: النجم، والدرِّيّ ــــ بضم الدال وتشديد التحتية ــــ في قراءة الجمهور واحد الدراري وهي الكواكب الساطعة النور مثل الزُّهرة والمشتري منسوبة إلى الدُّر في صفاء اللون وبياضه، والياء فيه ياء النسبة وهي نسبة المشابهة كما في قول طرفة يصف راحلته: شعر : جماليّة وجناء... البيت تفسير : أي كالجمل في عظم الجثة وفي القوة. وقولهم في المثل «بات بليلة نابغية» أي كليلة النابغة في قوله: شعر : فبت كأني ساورتني ضئيلة... الأبيات تفسير : قال الحريري: «فبت بليلة نابغية. وأحزان يعقوبية» المقامة السابعة والعشرون. ومنه قولهم: وردي اللون، أي كلون الورد. والدر يضرب مثلاً للإشراق والصفاء. قال لبيد: شعر : وتضيء في وجه الظلام منيرة كجمانة البحري سُلّ نظامها تفسير : وقيل: الكوكب الدري علم بالغلبة على كوكب الزهرة. وقرأ أبو عمرو والكسائي {دِرّيء} بكسر الدال ومد الراء على وزن شريب من الدرء وهو الدفع، لأنه يدفع الظلام بضوئه أو لأن بعض شعاعه يدفع بعضاً فيما يخاله الرائي. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بضم الدال ومد الراء من الدرء أيضاً على أن وزنه فُعِّيل وهو وزن نادر في كلام العرب لكنه من أبنية كلامهم عند سيبويه ومنه عُلِّية وسُرِّية وذُرّية بضم الأول في ثلاثتها. وإنما سُلك طريق التشبيه في التعبير عن شدة صفاء الزجاجة لأنه أوجز لفظاً وأبين وصفاً. وهذا تشبيه مفرد في أثناء التمثيل ولا حظ له في التمثيل. وجملة: {يوقد من شجرة} الخ في موضع الصفة لـ{مصباح}. وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم {يوقد} بتحتية في أوله مضمومة بعدها واو ساكنة وبفتح القاف مبنياً للنائب، أي يوقده الموقد. فالجملة حال من {مصباح}. وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف {تَوَقَّد} بفوقية مفتوحة في أوله وبفتح الواو وتشديد القاف مفتوحة ورفع الدال على أنه مضارع توقّد حذفت منه إحدى التاءين وأصله تتوقد على أنه صفة أو حال من {مشكاة} أو من {زجاجة} أو من المذكورات وهي مشكاة ومصباح وزجاجة، أي تنير. وإسناد التوقد إليها مجاز عقلي. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر مثل قراءة حمزة ومن معه لكن بفتح الدال على أنه فعل مضي حال أو صفة لمصباح. والإيقاد: وضع الوقود وهو ما يزاد في النار المشتعلة ليقوى لهبها، وأريد به هنا ما يُمَد به المصباح من الزيت. وفي صيغة المضارع على قراءة الأكثرين إفادة تجدد إيقاده، أي لا يذوى ولا يطفأ. وعلى قراءة ابن كثير ومن معه بصيغة المضي إفادة أن وقوده ثبت وتحقق. وذكرت الشجرة باسم جنسها ثم أبدل منه {زيتونة} وهو اسم نوعها للإبهام الذي يعقبه التفصيل اهتماماً بتقرر ذلك في الذهن. ووصف الزيتونة بالمباركة لما فيها من كثرة النفع فإنها ينتفع بحبها أكلاً وبزيتها كذلك ويستنار بزيتها ويدخل في أدوية وإصلاح أمور كثيرة. وينتفع بحطبها وهو أحسن حطب لأن فيه المادة الدهنية قال تعالى: { أية : تنبت بالدهن } تفسير : [المؤمنون: 20]، وينتفع بجودة هواء غاباتها. وقد قيل إن بركتها لأنها من شجر بلاد الشام والشام بلد مبارك من عهد إبراهيم عليه السلام قال تعالى: { أية : ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } تفسير : [الأنبياء: 71] يريد أرض الشام. ووصف الزيتونة بـ{مباركة} على هذا وصف كاشف، ويجوز أن يكون وصفاً مخصصاً لـ{زيتونة} أي شجرة ذات بركة، أي نماء ووفرة ثمر من بين شجر الزيتون فيكون ذكر هذا الوصف لتحسين المشبه به لينجر منه تحسين للمشبه كما في قول كعب بن زهير: شعر : شجت بذي شبم من ماء مَحْنية صافٍ بأبطح أضحى وهو مَشْمول تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه من صوب سارية بيضٌ يعاليل تفسير : فإن قوله، وأفرطه الخ لا يزيد الماء صفاءً ولكنه حالة تحسنه عند السامع. وقوله: {لا شرقية ولا غربية} وصف لـ{زيتونة}. دخل حرف (لا) النافية في كلا الوصفين فصار بمنزلة حرف هجاء من الكلمة بعده ولذلك لم يكن في موضع إعراب نظير (ال) المعرفة التي ألغز فيها الدماميني بقوله: شعر : حاجيتكم لتخبروا ما اسمان وأول إعرابه في الثاني وهو مبني بكل حال ها هو للناظر كالعيان تفسير : لإفادة الاتصاف بنفي كل وصف وعطف على كل وصف ضده لإرادة الاتصاف بوصف وسط بين الوصفين المنفيين لأن الوصفين ضدان على طريقة قولهم: «الرمان حلو حامض». والعطف هنا من عطف الصفات كقوله تعالى: { أية : لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } تفسير : [النساء: 143] وقول المرأة الرابعة من حديث : حديث أم زرع: «زوجي كليل تهامة لا حَرٌّ ولا قُرُّ» تفسير : أي وسطاً بين الحر والقُر وقول العجاج يصف حمار وحشٍ: شعر : حشرج في الجَوف قليلاً وشهق حتى يقال ناهقٌ وما نهَق تفسير : والمعنى: أنها زيتونة جهتها بين جهة الشرق وجهة الغرب، فُنفِيَ عنها أن تكون شرقية وأن تكون غربية، وهذا الاستعمال من قبيل الكناية لأن المقصود لازم المعنى لا صريحه. وأما إذا لم يكن الأمران المنفيان متضادين فإن نفيهما لا يقتضي أكثر من نفي وقوعهما كقوله تعالى: { أية : وظل من يحموم لا بارد ولا كريم } تفسير : [الواقعة: 43، 44] وقول المرأة الأولى من نساء حديث : حديث أم زرع: «زوجي لحم جَمَل على رأس جبَل، لا سَهْلٌ فيرتقى ولا سمين فينتقل»تفسير : . واعلم أن هذا الاستعمال إنما يكون في عطف نفي الأسماء وأما عطف الأفعال المنفية فهو من عطف الجمل نحو: { أية : فلا صدَّق ولا صلىَّ } تفسير : [القيامة: 31] وقوله صلى الله عليه وسلم « حديث : لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض ». تفسير : واعلم أيضاً أن هذا لم يرد إلا في النفي بلا النافية ولذلك استقام للحريري أن يلقب شجرة الزيتون بلقب «لا و لا» بقوله في المقامة السادسة والأربعين «بورك فيك من طلا. كما بورك في لا و لا» أي في الشجرة التي قال الله في شأنها: {لا شرقية ولا غربية}. ثم يحتمل أن يكون معنى: {لا شرقية ولا غربية} أنها نابتة في موضع بين شرق بلاد العرب وغربها وذلك هو البلاد الشامية. وقد قيل إن أصل منبت شجرة الزيتون بلاد الشام. ويحتمل أن يكون المعنى أن جهة تلك الشجرة من بين ما يحف بها من شجر الزيتون موقع غير شرق الشمس وغربها وهو أن تكون متجهة إلى الجنوب، أي لا يحجبها عن جهة الجنوب حاجب وذلك أنفع لحياة الشجرة وطيب ثمرتها، فبذلك يكون زيتها أجود زيت وإذا كان أجود كان أشد وقوداً ولذلك أتبع بجملة: {يكاد زيتها يضيء} وهي في موضع الحال. وجملة: {ولو لم تمسسه نار} في موضع الحال من {زيتها}. والزيت: عصارة حب الزيتون وما يشبهه من كل عصارة دهنية، مثل زيت السمسم والجلجلان. وهو غذاء. ولذلك تجب الزكاة في زيت الزيتون إذا كان حبه نصاباً خمسة أوسق وكذلك زكاة زيت الجلجلان والسمسم. و{لو} وصلية. والتقدير: يكاد يضيء في كل حال حتى في حالة لم تمسسه فيها نار. وهذا تشبيه بالغ كمال الإفصاح بحيث هو مع أنه تشبيه هيئة بهيئة هو أيضاً مفرَّق التشبيهات لأجزاء المركب المشبه مع أجزاء المركب المشبه به وذلك أقصى كمال التشبيه التمثيلي في صناعة البلاغة. ولما كان المقصود تشبيه الهيئة بالهيئة والمركب بالمركب حسن دخول حرف التشبيه على بعض ما يدل على بعض المركب ليكون قرينة على أن المراد التشبيه المركب ولو كان المراد تشبيه الهدى فقط لقال: نوره كمصباح في مشكاة.. إلى آخره. فالنور هو معرفة الحق على ما هو عليه المكتسبة من وحي الله وهو القرآن. شبه بالمصباح المحفوف بكل ما يزيد نوره انتشاراً وإشراقاً. وجملة: {نور على نور} مستأنفة إشارة إلى أن المقصود من مجموع أجزاء المركب التمثيلي هنا هو البلوغ إلى إيضاح أن الهيئة المشبه بها قد بلغت حد المضاعفة لوسائل الإنارة إذ تظاهرت فيها المشكاة والمصباح والزجاج الخالص والزيت الصافي، فالمصباح إذا كان في مشكاة كان شعاعه منحصراً فيها غير منتشر فكان أشد إضاءة لها مما لو كان في بيت، وإذا كان موضوعاً في زجاجة صافية تضاعف نوره، وإذا كان زيته نقياً صافياً كان أشد إسراجاً، فحصل تمثيل حال الدين أو الكتاب المنزل من الله في بيانه وسرعة فشوه في الناس بحال انبثاق نور المصباح وانتشاره فيما حف به من أسباب قوة شعاعه وانتشاره في الجهة المضاءة به. فقوله: {نور} خبر مبتدأ محذوف دل عليه قوله: {مثل نوره كمشكاة} إلى آخره، أي هذا المذكور الذي مثل به الحق هو نور على نور. و{على} للاستعلاء المجازي وهو التظاهر والتعاون. والمعنى: أنه نور مكرر مضاعف. وقد أشرت آنفاً إلى أن هذا التمثيل قابل لتفريق التشبيه في جميع أجزاء ركني التمثيل بأن يكون كل جزء من أجزاء الهيئة المشبهة مشابهاً لجزء من الهيئة المشبه بها وذلك أعلى التمثيل. فالمشكاة يشبهها ما في الإرشاد الإلهي من انضباط اليقين وإحاطة الدلالة بالمدلولات دون تردد ولا انثلام. وحفظ المصباح من الانطفاء مع ما يحيط بالقرآن من حفظه من الله بقوله: { أية : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } تفسير : [الحجر: 9]. ومعاني هداية إرشاد الإسلام تشبه المصباح في التبصير والإيضاح، وتبيينُ الحقائق من ذلك الإرشاد. وسلامته من أن يطرقه الشك واللبس يشبه الزجاجة في تجلية حال ما تحتوي عليه كما قال: { أية : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } تفسير : [النور: 34]. والوحي الذي أبلغ الله به حقائق الديانة من القرآن والسنة يشبه الشجرة المباركة التي تعطي ثمرة يستخرج منها دلائل الإرشاد. وسماحة الإسلام وانتفاء الحرج عنه يشبه توسط الشجرة بين طرفي الأفق فهو وسط بين الشدة المحرجة وبين اللين المفرِّط. ودوام ذلك الإرشاد وتجدده يشبه الإيقاد. وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته ببيان القرآن وتشريع الأحكام يشبه الزيت الصافي الذي حصلت به البصيرة وهو مع ذلك بيّن قريب التناول يكاد لا يحتاج إلى إلحاح المعلم. وانتصاب النبي عليه الصلاة والسلام للتعليم يشبه مس النار للسراج وهذا يومىء إلى استمرار هذا الإرشاد. كما أن قوله: {من شجرة} يوميء إلى الحاجة إلى اجتهاد علماء الدين في استخراج إرشاده على مرور الأزمنة لأن استخراج الزيت من ثمر الشجرة يتوقف على اعتصار الثمرة وهو الاستنباط. {يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلاَْمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلَيِمٌ}. هذه الجمل الثلاث معترضة أو تذييل للتمثيل. والمعنى: دفع التعجب من عدم اهتداء كثير من الناس بالنور الذي أنزله الله وهو القرآن والإسلام فإن الله إذا لم يشأ هَدْيَ أحد خلقه وجبله على العناد والكفر. وأن الله يضرب الأمثال للناس مرجوّا منهم التذكرُ بها: فمنهم من يعتبر بها فيهتدي، ومنهم من يعرض فيستمر على ضلاله ولكن شأن تلك الأمثال أن يهتدي بها غير من طُبع على قلبه. وجملة: {والله بكل شيء عليم} تذييل لمضمون الجملتين قبلها، أي لا يعزب عن علمه شيء. ومن ذلك علم من هو قابل للهدى ومن هو مصرّ على غيّه. وهذا تعريض بالوعد للأولين والوعيد للآخرين.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 35- الله مصدر النور فى السموات والأرض، فهو منورهما بكل نور حسى نراه ونسير فيه، وبكل نور معنوى، كنور الحق والعدل، والعلم والفضيلة، والهدى والإيمان، وبالشواهد والآثار التى أودعها مخلوقاته، وبكل ما يدل على وجود الله ويدعو إلى الإيمان به سبحانه، وَمَثلُ نوره العظيم وأدلته الباهرة فى الوضوح، كمثل نور مصباح شديد التوهج، وضع فى فجوة من حائط تساعد على تجميع نوره ووفرة إضاءته، وقد وضع المصباح فى قارورة صافية لامعة لمعان كوكب مشرق، يتلألأ كالدر ويستمد المصباح وقوده من زيت شجرة كثيرة البركات، طيبة التربة والموقع، هى شجرة الزيتون المغروسة فى مكان معتدل متوسط، فلا هى شرقية فتحرم حرارة الشمس آخر النهار، ولا هى غربية فتحرمها أول النهار، بل هى على قمة الجبل، أو فى فضاء الأرض تفيد من الشمس فى جميع أجزاء النهار، يكاد زيت هذه الشجرة لشدة صفائه يضئ، ولو لم تمسسه نار المصباح، فهذه العوامل كلها تزيد المصباح إضاءة فوق إضاءة، ونوراً على نور. وهكذا تكون الشواهد المنبثة فى الكون حسيها ومعنويها آيات واضحة لا تدع مجالا للشك فى وجود الله، وفى وجوب الإيمان به وبرسالاته وما جاءت به. والله يوفق من يشاء إلى الإيمان عن طريقها، إذا حاول الانتفاع بنور عقله. وقد أتى الله بالأمثلة المحسوسة ليسهل إدراك الأمور المعقولة، وهو سبحانه واسع العلم، يعلم من نظر فى آياته، ومن أعرض واستكبر، ومجازيهم على ذلك. 36- إن هناك قوماً يُسبحون الله ويعبدونه فى المساجد التى أمر الله أن تبنى وتعظم وتُعمر بذكر الله، وهم يترددون عليها صباحا ومساء. 37- لا تشغلهم الدنيا بما فيها من بيع وشراء عن تذكر الله ومراقبته، فهم يقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة خائفين من يوم القيامة الذى لا تستقر فيه القلوب من القلق والهم، وترقب المصير فيه وتتلفت فيه الأنظار فى حيرة ودهشة من غرابة المنظر وشدة الهول.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الله نور السماوات: أي منورهما فلولاه لما كان نور في السماوات ولا في الأرض، والله تعالى نورٌ وحجابه النور. مثل نوره: أي في قلب عبده المؤمن. كمشكاة: أي كوة. كوكب دري: أي مضيء إضاءة الدر الوهاج. نور على نور: أي نور النار على نور الزيت. يهدي الله لنوره: أي للإِيمان به والعمل بطاعته من يشاء له ذلك لعلمه برغبته وصدق نيته. ويضرب الله الأمثال: أي ويجعل الله الأمثال للناس من أجل أن يفهموا عنه ويعقلوا ما يدعوهم إليه. في بيوت أذن الله أن ترفع: هي المساجد ورفعها إعلاء شأنها من بناء وطهارة وصيانة. يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار: يوم القيامة. يرزق من يشاء بغير حساب: أي بلا عَدٍّ ولا كيل ولا وزن وهذا شأن العطاء إن كان كثيراً. معنى الآيات: قوله تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} يخبر تعالى أنه لولاه لما كان في الكون نور ولا هداية في السماوات ولا في الأرض فهو تعالى منورهما فكتابه نور ورسوله نور أي يهتدي بهما في ظلمات الحياة كما يهتدي بالنور الحسي والله ذاته نور وحجابه نور فكل نور حسي أو معنوي الله خالقه وموهبه وهادٍ إليه. وقوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} أي كوة في جدار {فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} من بلور، {ٱلزُّجَاجَةُ} في صفائها وصقالتها مشرقة {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} والكوكب الدري هو المضيء المشرق كأنه درة بيضاء صافية، وقوله: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} أي وزيت المصباح من شجرة مباركة وهي الزيتونة والزيتونة لا شرقية ولا غربية في موقعها من البستان لا ترى الشمس إلا في الصباح، ولا غربية لا ترى الشمس إلا في المساء بل هي وسط البستان تصيبها الشمس في كامل النهار فلذا كان زيتها في غاية الجودة يكاد يشتعل لصفائه، ولو لم تمسه نار، وقوله تعالى: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} أي نور النار على نور الزيت وقوله تعالى: {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} يخبر تعالى أنه يهدي لنوره الذي هو الإيمان والإِسلام والإِحسان من يشاء من عباده ممن علم أنهم يرغبون في الهداية ويطلبونها ويكملون ويسعدون عليها. وقوله: {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} يخبر تعالى: أنه يضرب الأمثال للناس كهذا المثل الذي ضربه للإِيمان وقلب عبده المؤمن وأنه عليم بالعباد وأحوال القلوب، ومن هو أهل لهداية ومن ليس لها بأهل، إذ هو بكل شيء عليم. وقوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} أي المصباح في بيوت أذن الله أي أمر وَوَصَّى أن ترفع حساً ومعنى وهي المساجد فتطهر من النجاسات ومن اللغو فيها وكلام الدنيا، وتصان وتحفظ من كل ما يخل بمقامها الرفيع لأنها بيوت الله تعالى، وقوله: {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} أي بالأذان والإِقامة والصلاة والتسبيح والدعاء وقراءة القرآن. وقوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} أي لله في تلك البيوت {بِٱلْغُدُوِّ} أي بالصباح {وَٱلآصَالِ} أي المساء {رِجَالٌ} مؤمنون صادقون أبرار متقون {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ} أي لا شراء ولا بيع {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} فقلوبهم ذاكرة غير غافلة وألسنتهم ذاكرة غير لاهية ولا لاغية {وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ} أي لا تلهيهم دنياهم عن آخرتهم فهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة. وقوله: {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ} أي من شدة الخوف وعظم الفزع والهول وهو يوم القيامة وقوله تعالى: {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي إنهم فعلوا ما فعلوا من التسبيح وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة معرضين عن كل ما يشغلهم عن عبادة ربهم فتأهلوا بذلك للثواب العظيم ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله فوق ما استحقوه بأعمالهم وتقواهم لربهم، والله يرزق من يشاء بغير حساب وذلك لعظيم فضله وسابق رحمته فيعطي بدون عَد ولا كيل ولا وزن وذلك لعظم العطاء وكثرته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- كل خير وكل نور وكل هداية مصدرها الله تعالى فهو الذي يطلب منه ذلك. 2- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان والفهوم. 3- الإِشارة إلى أن ملة الإِسلام لا يهودية ولا نصرانية، لا اشتراكية ولا رأسمالية. بل هي الملة الحنيفية من دان بها هدى ومن كفرها ضل. 4- وجوب تعظيم بيوت الله تعالى: "المساجد" بتطهيرها ورفع بنيانها وإخلائها إلا من ذكر الله والصلاة وطلب العلم فيها. 5- ثناء الله تعالى على من لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
القطان
تفسير : المشكاة: الكوّة في الحائط غير نافذة يوضع فيها المصباح. الزجاجة: القنديل من الزجاج. دريّ: مضيء متلألىء نسبةً الى الدر. لا شرقية ولا غربية: يعني في مكان متوسط، لا شرقية فتُحرم حرارة الشمس آخر النهار، ولا غربية فتحرمها أول النهار. الغدوّ: جمع غدوة: الصباح. الآصال: جمع أصيل، وهو المساء. {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ.... } الله مصدرُ النور في هذا الكون، فهو منوِّرُ السماواتِ والأرضِ بكلّ نورٍ حسّي نراه ونسير فيه، وبكل نورٍ معنويّ كنور الحق والعدل، والعلم والفضيلة، والهدى والايمان. إن مَثَلَ نوره الباهر في الوضوح كمَثَلِ نور مصباح شديد التوهج، وُضع في فجوة من حائط يشعّ نوره، وقد وُضع المصباح في زجاجة يتلألأ نورها كالدّر (والعربُ تسمي النجومَ العظام الدَّراري)، ويستمدّ هذا المصباح وقودَه من زيتِ شجرةٍ مباركة طيبة التربة والموقع، زيتونةٍ مغروسة في مكان معتدل لا يسترها عن الشمس في وقتِ النهار شيء، فهي شرقية غربية، تصيبها الشمسُ بالغداة والعشي، يكاد زيت هذه الشجرة لشدة صفائه يضيء ولو لم تمسّه نار المصباح. {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} نور مترادِف متضاعف تجمَّع فيه نور المشكاة والزجاج والمصباح والزيت، وفق ذلك كله نورُ رب العالمين بهدْيه الناسَ الى الصراط المستقيم. {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} وهكذا، تكون الشواهد المنبثة في هذا الكون، الحسّيُّ منها والمعنوي، آياتٍ واضحةً لا تدع مجالاً للشك في وجود الله، والله يوفق من يشاء الى الإيمان، إذا حاول الانتفاعَ بنور عقله. وهو يأتي بالأمثلة المحسوسة ليسهّل على الناس إدراكها، ولما فيها من الفوائد والنصح والارشاد. وهو سبحانه واسع العلم، محيطٌ بكل شيء، يعطي هدايته من يستحقّها ممن صفَتْ نفوسهم واستعدّوا لتلقي احكام الدين وآدابه. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص: دُرّي بضم الدال وتشديد الراء بدون همز. وقرأ ابو عمرو والكسائي: دِريء بكسر الدال والهمزة. وقرأ حمزة وعاصم: دُرِّيءٌ بضم الدال وتشديد الراء وبالهمزة المضمومة في آخره. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: تَوقَّدَ بفتح التاء والقاف المشددة وفتح الدال على انه فعل ماض. وقرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي: يُوقَدُ فعل مضارع بضم الياء وفتح القاف وضم الدال فعل مضارع مبني للمجهول كما هو في المصحف. وقرأ حمزة وأبو بكر: تُوقدُ بضم التاء والدال. {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ.... } الآية. ذلك النور المشعّ في السماوات والأرض يتجلّى في بيوت الله (وهي المساجد) التي تتصل فيها القلوب بالله. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المساجدُ بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الارض. أمر الله ان تبنى وتعظَّم وتعمر بذكر الله من رجالٍ لا تَشغَلُهم الدنيا وزخرفها ولا بيوعهم وتجاراتهم عن ذكر الله.. فهم يعملون للدنيا في الأسواق والحقول والمصانع، ويعملون للآخرة فيؤدون جميع فروضهم وواجباتهم، فلا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولا الآخرة عن الدنيا. وهم مع هذا يخافون هولَ يوم القيامة الذي تضطربُ الأفئدة من شدّته، وتشخَصُ فيه القلوب والأبصار في حيرة ودهشة. والله تعالى مع كل ذلك يطمئِنُ المؤمنين ويبين مآل أمرِهم وحُسْنَ عاقبتهم بقوله: {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} إنها بشرى عظيمة للذين آمنوا واحسنوا، فانه بعد أن يجزيهم أحسنَ ما عملوا يزيدُهم من فضله. {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ما أحسنَ هذه البشرى وما اعظم فضل الله. قراءات: قرأ ابن عامر وابو بكر: يسبح بضم الياء وفتح الباء. والباقون: يسبح بضم الياء وكسر الباء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {كَمِشْكَاةٍ} {مُّبَارَكَةٍ} {ٱلأَمْثَالَ} (35) - اللهُ تَعَالَى هَادٍ أََهْلِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ بِمَا نَصَبَ مِنَ الأَدِلَّةِ فِي الأَنْفُسِ والآفَاقِ، وَبِمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ مِنَ البَيِّنَاتِ، فَهُمْ يَهْتَدُونَ إِلَى الحَقِّ بِنُورِهِ، وَبِهِ يَنْجونَ مِنْ حيرَةِ الشَّكَّ والضَّلاَلِ. وَمَثَلُ الأَدِلَّةِ التي بَثَّهَا اللهُ فِي الآفَاقِ، والتي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ، فَهَدَى مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، كَمَثَلِ النُّورِ الثَّاقِبِ المُنْبَعِثِ مِنْ سِرَاجٍ ضَخْمٍ (مِصْبَاح) مَوْضُوعٍ فِي كُوَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ مِنْ جِدَارٍ (مِشْكَاةٍ)، والمِصْبَاحُ يَقُومُ فِي قِنْدِيلٍ مِنْ زُجَاجٍ أَزْهَرَ صَافٍ (زُجَاجَةٍ)، وَهَذِهِ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ ضَخْمٌ مَضِيءٌ مِنْ دَرَارِي النُجُومِ ذَاتِ اللَّمَعَانِ الشَّدِيدِ، وَقَدْ رُوِّيَتْ فَتِيلَةُ هَذَا المِصْبَاحِ بِزَيْتٍ صَافٍ جِداً يُسْتَخْرَجُ مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةِ زَيْتُونٍ كَثِيرَةِ الخَيْرِ والمَنَافِع (مُبَارَكَةٍ)، زُرِعَتْ عَلَى جَبَلٍ عَالٍ، أَوْ فِي صَحْرَاءَ وَاسِعَةٍ، فَهِيَ مُعَرَّضَةٌ للشَّمْسِ، لاَ يُظِلُّها جَبَلٌ، وَلاَ يَحْجُبُ نُورَ الشَّمْسِ عَنْهَا شَيءٌ، مِنْ طَلُوعِ الشَّمُسِ، حَتَّى غُرُوبِهَا (وَمِثْلُ هَذِهِ الزَّيْتُونَة يَكُونُ زيْتُهَا أَشَّدَّ مَا يَكُونُ الزَّيْت صَفَاءً). (وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبيَّةٍ، إِنَهَا لاَ شَرْقِيَّةٌ فَحَسْبُ، فَتَقَعُ عَلَيْهَا الشَّمْسُ مِنْ جِهَتِها الشَّرْقِيَةِ فَحَسْبُ، وَلاَ تُصِيبُها مِنْ طَرَفِهَا الغَرْبِيِّ، كَذَلِكَ لَيْسَتْ هِيَ غَرْبِيَّةً فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا تُصِيبُها الشَّمْسُ طُولَ النَّهَارِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى مَغِيبها، وَمِنْ جِمِيعِ جِهَاتِهَا). وَهَذَا الزِّيْتُ يَكَادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ لِشِدَّةِ صَفَائِهِ، وَلَوْ لَمْ تَمْسَسهُ نَارٌ، فَإِذَا أُشْعِلَ اجْتَمَعَ نُورُ الزَّيْتِ، وَنُورُ النَّارِ فِيهِ وَأَضَاءَا مَعاً (نُورٌ عَلَى نُورٍ). وَكَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ يَعْمَلُ بالهُدَى قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ، فَإِذَا جَاءَهُ العِلْمُ ازْدَادَ نُوراً على نُور، وَهُدى عَلَى هُدًى، وَاللهُ يُرْشِدُ مَنْ يَشَاءُ إِلَى الصَّوَابِ بالنَّظَرِ والتَّدَبُّرِ، وَلِيدرِكُوا بِهَا مَعَانِيَ مَا أَرَادَ اللهُ. واللهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ فَيَهْدِيهِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الضَلاَلَ فَيُضِلُّهُ. اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ - مُنَوِّرُهُمَا َأَوْ هَادي أَهْلِهمَا. المِشْكَاةُ - الكُوَّةُ غَيْرُ النَّافِذَةِ فِي الجِدَارِ. مِصْبَاحٌ - سِرَاجٌ ضَخْمٌ ثَاقِبٌ. زُجَاجَةٌ - قِنْدِيلٌ مِنَ الزُّجَاجِ صَافٍ أَزْهَرُ. كَوْكَبٌ دُرِّيٌ - مُتَلألِئٌ صَافٍ.
الثعلبي
تفسير : {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. قال ابن عباس: الله هادي أهل السموات والأرض لا هادي فيهما غيره، فهم بنوره الى الحقّ يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون وليس يهتدي ملك مقرّب ولا نبىّ مرسل إلاّ بهدى منه. الضحّاك والقرظي: منوّر السموات والأرض. مجاهد: مدبر الأُمور في السموات والأرض. أُبي بن كعب وأبو العالية والحسن: مزيّن السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزيّن الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقال بعضهم: يعني الأنوار كلّها منه كما يقال: فلان رحمة وسخطة وهو لا يكون في نفسه رحمة ولا سخطة وإنما يكون منه الرحمة والسخطة. وقال بعض أهل المعاني: أصل النور هو التبرئة والتصفية، يقال: امرأة نوار نساء نوار إذا كنّ متعرّيات من الريبة والفحشاء، قال الشاعر: شعر : نوارُ في صواحبها نوارُ كما فاجاك سربٌ أو صوارُ تفسير : فمعنى النور هو المنزّه من كل عيب. وقال بعض العلماء: النور على أربعة أوجه: نور متلألئ، ونور متولّد، ونور من جهة صفاء اللون، ونور من جهة المدح، فالنور المتلألئ مثل قرص الشمس القمر والكواكب وشعلة السراج، والمتولد هو الذي يتولد من شعاع الشمس القمر والسراج فيقع على الأرض فيستنير به، والذي هو من صفاء اللون مثل نور اللآلئ واليواقيت وسائر الجواهر، وكلّ شيء له نور صاف، والذي هو من جهة المدح قول الناس: فلان نور البلد وشمس العصر، قال الشاعر: شعر : فإنّك شمس والملوك كواكب إذا ما بدت لم يبد منهنّ كوكب تفسير : وقال آخر: شعر : قمر القبائل خالد بن يزيد تفسير : وقال آخر: شعر : إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالها تفسير : ويجوز أن يقال: الله سبحانه نور من جهة المدح؛ لأنه واجد الأشياء ونور جميع الأشياء منه دون سائر الأوجه؛ لأنّ النور المحسوس الذي هو ضدّ الظلمة لا يخلو من شعاع وارتفاع وسطوع ولموع وهذه كلّها منفيّة عن الله سبحانه لأنها من أمارات الحدث. قالوا: ولا يجوز أن يقال: لله يا نور إلاّ أن يضمّ إليه شيء كما لا يجوز أن يقال: يا بديع إلاّ أن يضمّ إليه شيء كما قال الله سبحانه {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [البقرة: 117] {نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. وقرأ علي بن أبي طالب: الله نور السموات والأرض على الفعل. {مَثَلُ نُورِهِ} اختلفوا في هذه الكناية فقال بعضهم: هي عائدة الى المؤمن أي مثل نوره في قلب المؤمن حيث جعل الإيمان والقرآن في صدره. روى الربيع عن أبي العالية عن أُبي بن كعب في هذه الآية قال: بدا بنور نفسه فذكره ثمَّ ذكر نور المؤمن فقال {مَثَلُ نُورِهِ} وهكذا كان يقرأ أُبي: مثل نور من آمن به، وقال ابن عباس والحسن وزيد بن أسلم وابنه: أراد بالنور القرآن، وقال كعب وسعيد بن جبير: هو محمد صلى الله عليه وسلم ومثله روى مقاتل عن الضحاك، أضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلاً، وروى عطيّة عن ابن عباس قال: يعني بالنور الطاعة، يسمّي طاعته نوراً ثمَّ ضرب لها مثلا. {كَمِشْكَاةٍ} قال أهل المعاني: هذا من المقلوب أي كمصباح في مشكوة وهي الكوّة التي لا منفذ لها، وأصلها الوعاء يجعل فيها الشيء، والمشكاة: وعاء من أدم يُبرَّد فيه الماء، وهي على وزن مفعلة كالمقراة والمصفاة. قال الشاعر: شعر : كأنّ عينيه مشكاتان في حجر قيضا اقتياضاً بأطراف المناقير تفسير : وقيل: المشكوة: عمود القنديل الذي فيه الفتيلة. وقال مجاهد: هي القنديل {فِيهَا مِصْبَاحٌ} أي سراج وأصله من الضوء، ومنه الصبح، ورجل صبيح الوجه مصبّح إذا كان وضيئاً، وفرّق قوم بين المصباح والسراج فقال الخليل: المصباح: نفس السراج وقيل: السراج أعظم من المصباح لأنّ الله سبحانه سمّى الشمس سراجاً فقال{أية : سِرَاجاً وَهَّاجاً}تفسير : [النبأ: 13] و {أية : وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً}تفسير : [الفرقان: 61] وقال في غيرها من الكواكب {أية : وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ}تفسير : [فصلت: 12]. {ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} قرأ نصر بن عاصم: زجاجة بفتح الزاي، الباقون بضمّه. قال الأخفش: فيها ثلاث لغات: ضمّ الزاي وفتحه وكسره. {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} أي ضخم مضيء، ودراريّ النجوم عظامها، واختلف القرّاء فيه فقرأ أبو عمرو والكسائي مكسورة الدال مهموزة الياء ممدودة وهو من قول العرب: درأ النجم إذا طلع وارتفع، ومن مكان الى آخر رجع، وإذا انقضّ في اثر الشيطان فأسرع، وأصله من الرفع، ووزنه من الفعل فعيل، وقرأ حمزة وأبو بكر مضمومة الدال مهموزة ممدودة. قال أكثر النحاة: هي لحن لأنه ليس في الكلام فُعّيل بضم الفاء وكسر العين. قال أبو عبيد: وأنا ارى لها وجهاً وذلك أنه درّو على وزن فُعّول من درأت مثل سبّوح وقدوّس ثمَّ استثقلوا كثرة الضمّات فيه فردوا بعضها الى الكسرة كما قالوا عتيّاً وهو فعول من عتوت. وقال بعضهم: هو مشتق على هذه القراءة من الدراة وهي البياض ويقال: منه ملح دَراني، وقرأ سعيد بن المسيّب وأبو رجاء العطاردي بفتح الدال وبالهمز. قال أبو حاتم: هو خطأ لأنّه ليس في الكلام فعيل وإن صحّ منهما فهما حجّة، وقرأ الباقون بضم الدال وتشديد الياء من غير همز،نسبوه الى الدُرّ في صفائه وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، ثمَّ قال أبو عبيد: وإنما اخترنا هذه القراءة لعلل ثلاث: إحداها: ما جاء في التفسير أنه منسوب الى الدُرّ لبياضه. والثانية: للخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ أهل الجنة ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الدرّي في أُفق السماء وإنّ أبا بكر وعمر منهم وأنعما. والثالثة: إجماع أهل الحرمين عليها. {يُوقَدُ} اختلف القرّاء فيه أيضاً فقرأ شيبة ونافع وأيوب وابن عامر وعاصم برواية حفص بياء مضمومة يعنون المصباح، وقرأ حمزة والكسائي وخلف برواية أبي بكر بتاء مضمومة أرادوا الزجاجة، وقرأ بن محيص بتاء مفتوحة وتشديد القاف و رفع الدال على معنى تتوقد الزجاجة، وقرأ الآخرون: بفتح التاء والقاف والدال على المضيء يعنون المصباح. {مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ}. قال عكرمة وجماعة: يعني لا يسترها من الشمس جبل ولا واد، فإذا طلعت الشمس أصابتها وإذا غربت أصابتها، فهي صاحبة للشمس طول النهار وليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت، ولا هي غربية وحدها فلا تصيبها الشمس بالغداة إذا طلعت، بل تأخذ حظّها من الأمرين، وإذا كان كذلك كان أجود وأضوأ لزينتها. وقال السدىّ وجماعة: يعني ليست في مقنوة لا تصيبها الشمس ولا هي بارزة للشمس لا يصيبها الظل، فهي لم يضرّها الشمس ولا الظلّ. وقال بعضهم: هي معتدلة ليست من شرق فيلحقها الحرّ، ولا في غرب فيضرّ بها البرد وهي رواية ابن ظبيان عن ابن عباس. وقال ابن زيد: هي شاميّة لأنّ الشام لا شرقي ولا غربي، تقول: هي شرقيّة وغربيّة وهذا كقولك: فلان لا مسافر ولا مقيم، وليس هذا بأبيض ولا أسود إذا كان له من كلا الأمرين قسط ونصيب، قال الشاعر: شعر : بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حين سُلّت تفسير : يعني فعلوا هذا. وقال الحسن: ليس هذه الشجرة من شجر الدنيا، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، وإنّما هو مثل ضربه الله سبحانه لنوره، وقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا لأنها بدل من الشجرة فقال {زَيْتُونَةٍ} وإنما خصّ الزيتونة من بين سائر الاشجار أنّ دهنها أضوأ وأصفر. وقيل: لأنّه يورق غصنها من أوله الى آخره ولا يحتاج دهنه إلى عصّار يستخرجه. وقيل: لأنّها أول شجرة نبتت من الدنيا، وقيل: بعد الطوفان، وقيل: لأنّ منبتها منزل الأنبياء والأولياء والأرض المقدّسة، وقيل: لأنّهُ بارك فيها سبعون نبيّاً منهم إبراهيم (عليه السلام) قال: لذلك قال {مُّبَارَكَةٍ}. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين الحافظ في داري قال: حدّثنا عبد الله ابن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي قال: حدّثني هاشم ابن القاسم الحراني قال: حدّثنا يعلى بن الأشدق عن عمّه عبد الله بن حراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهَّم بارك في الزيت والزيتون، اللهّم بارك في الزيت والزيتون ". تفسير : وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا أبو شعيب الحراني قال: حدّثني أحمد بن عبد الملك قال: حدّثنا زهير قال: حدَّثنا عبد الله بن عيسى عن عطاء عن أبي أُسيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كلوا الزيت وادّهنوا به فإنّه من شجرة مباركة ". تفسير : وأخبرني الحسين قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيق قال: سمعت أبي يقول: حدّثنا أبو حمزة عن جابر عن أبي الطفيل عن عبد الله بن ثابت الأنصاري قال: دعا بَنِيه ودعا بزيت فقال: ادهنوا رؤوسكم، فقالوا: لا ندهن رؤوسنا بالزيت قال: فأخذ العصا وجعل يضربهم ويقول: أترغبون عن دهن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وحدّثنا عبد الله بن يوسف بن ماموله قال: أخبرنا محمد بن عمر بن الخطاب الدينوري قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن سنان قال: حدّثنا يحيى بن عثمان بن صالح قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عليكم بهذه الشجرة المباركة زيت الزيتون فتداووا به فإنّه مصحّة من الباسور ". تفسير : ثمَّ قال سبحانه {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ} من صفائه وضيائه. {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} قيل: أن تصيبه نار، واختلف العلماء في معنى هذا المثل والممّثل وفي المعنيّ بالمشكاة والزجاجة والمصباح، فقال قوم: هذا مثل ضربه الله سبحانه لنبّيه محمد صلى الله عليه وسلم وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال له: حدّثني عن قوله سبحانه وتعالى {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} الآية فقال كعب: هذا مثل ضربه الله سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلم فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه،والمصباح فيه النبوّة، توقد من شجرة مباركة وهي شجرة النبوّة، يكاد نور محمد وأمره يتبّين للناس ولو لم يتكلّم أنّه نبىّ كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسَسه نار. أخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: حدّثنا أبو عثمان البصري قال: حدّثنا أحمد بن سلمة قال: حدّثنا الحسين بن منصور قال: حدّثنا أبان بن راشد الحرزي قال: حدّثنا الوراع بن نافع عن سالم عن ابن عمر في هذه الآية قال: المشكاة جوف محمد، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعل الله فيه، لا شرقية ولا غربية لا يهودي ولا نصراني، توقد من شجرة مباركة إبراهيم، نور على نور النور الذي جعل الله في قلب إبراهيم كما جعل في قلب محمد صلى الله عليه وسلم وقال محمد بن كعب القرظي: المشكوة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل، المصباح محمد صلى الله عليه وسلم سمّاه الله مصباحاً كما سمّاه سراجاً فقال عزَّ من قائل {أية : وَسِرَاجاً مُّنِيراً}تفسير : [الأحزاب: 46] {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} وهي إبراهيم، سمّاه مباركاً لأنَّ أكثر الأنبياء كانوا من صلبه، لا شرقية ولا غربية يعني إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً، وإنّما قال ذلك لأنّ اليهود تصلّي قِبل المغرب والنصارى قِبل المشرق {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} يعني تكاد محاسن محمد تظهر للناس قبل أن أُوحي إليه {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} أي نبيّ من نسل نبيّ. وروى مقاتل عن الضحّاك قال: شبّه عبد المطّلب بالمشكاة وعبد الله بالزجاجة والنبي صلى الله عليه وسلم بالمصباح، كان في صلبهما فورث النبوّة من إبراهيم (عليه السلام) {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} بل هي مكيّة لأنّ مكة وسط الدنيا. ووصف بعض البلغاء هذه الشجرة فقال: هي شجرة التُقى والرضوان وشجرة الهدى والإيمان شجرة أصلها نبوّة، وفرعها مروّة، وأغصانها تنزيل، وورقها تأويل، وخدمها جبرئيل وميكائيل. وقال آخرون: هذا مَثَل ضربه الله سبحانه للمؤمن. روى الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أُبي بن كعب قال: هذا مثل المؤمن، فالمشكاة نفسه، والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله سبحانه من الإيمان والقرآن في قلبه، توقد من شجرة مباركة وهي الإخلاص لله وحده لا شريك له، فمثله مثل شجرة التفَّ بها الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أيّ حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك المؤمن قد أُجير من أن يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها، فيثبته الله تعالى فيها، فهو بين أربع خلال: إن أُعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. ثمَّ قال: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} فهو ينقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره الى النور يوم القيامة الى الجنة. وقال ابن عباس: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسّه النار، فإن مسته النار ازداد ضوءاً على ضوئه كما يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدىً على هدىً ونوراً على نور كقول إبراهيم (عليه السلام) قبل أن تجيئه المعرفة {قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} حين رأى الكوكب من غير أن أخبره أحد أنّ له ربّاً، فلمّا أخبره الله أنّه ربّه ازداد هدىً على هدىً ثم قال {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} يعني إيمان المؤمن وعمله. وقال الحسن وابن زيد: هذا مَثَل للقرآن في قلب المؤمن، فكما أنّ هذا المصباح يُستضاء به وهو كما هو لا ينقص فكذلك القرآن يُهتدى به و يؤخذ به ويعمل به، فالمصباح هو القرآن، والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي. {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} يقول: تكاد حجّة القرآن تتّضح وإن لم تُقرأ، وقيل: تكاد حجج الله على خلقه تضيء لمن فكّر فيها وتدبّرها ولو لم ينزل القرآن. {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} يعني أنّ القرآن نور من الله يخلقه مع ما قد أقام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن فازدادوا بذلك نوراً على نور. ثمَّ أخبر أنّ هذا النور المذكور عزيز فقال عزَّ من قائل {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} تقريباً للشيء الذي أراده إلى الأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك على الأنام {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ}. ثمَّ قال عزَّ من قائل {فِي بُيُوتٍ} نظم الآية: ذلك المصباح في بيوت ويجوز أن يكون معناه: توقد في بيوت وهي المساجد،عن أكثر المفسّرين. أخبرني ابن فنجويه الدينوري قال: حدّثنا ابن حنش المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد ابن إبراهيم الجوهري قال: حدّثنا علىّ بن أشكاب قال: حدّثنا محمد بن ربيعة الكلابي عن بكير ابن شهاب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المساجد بيوت الله عزّ وجلّ في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضئ النجوم لأهل الأرض. وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: المساجد بيوت الله وحقّ على الله أن يكرم من زاره فيها. وأخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: حدّثنا عبيد الله بن ثابت الحريري قال: حدّثنا أبو سعيد الأشجّ قال: حدّثنا أبو أُسامة عن صالح بن حيّان عن ابن أبي بريدة في قوله سبحانه {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} الآية. قال: إنّما هي أربع مساجد لم يبنها إلاّ نبيّ: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء أُسّس على التقوى، بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الدينوري قال: حدّثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: حدّثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمذاني بالكوفة قال: حدّثنا المنذر بن محمد القابوسي قال: حدَّثني الحسين بن سعيد قال: حدّثني أبي عن أبان بن تغلب عن نفيع بن الحرث عن أنس بن مالك وعن بريدة قالا: حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} إلى قوله {وَالأبْصَارُ} فقام رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: "بيوت الأنبياء". قال: فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها -لبيت عليّ وفاطمة - ؟ قال: "نعم من أفاضلها" . تفسير : الصادق: بيوت النبي صلى الله عليه وسلم السدّي: المدينة. وأولى الأقوال بالصواب أنّها المساجد لدلالة سياق الآية على أنها بيوت بنيت للصلاة والعبادة. فإن قيل: ما الوجه في توحيده المشكاة والمصباح وجمع البيوت، لا يكون مشكاة واحدة إلاّ في بيت واحد؟. قلنا: هذا من الخطاب المتلوّن الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع كقوله سبحانه {يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} ونحوها، وقيل: رجع الى كلّ واحد من البيوت، وقيل: هو مثل قوله سبحانه {أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً}تفسير : [نوح: 16] وإنّما هو في واحدة منها. {أَن تُرْفَعَ} أي تبنى عن مجاهد نظيره قوله سبحانه {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}تفسير : [البقرة: 127]وقال الحسن: تعظيم، {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} قال ابن عباس: يتلى فيها كتابهُ، {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} قرأ قتادة وأشهب العقيلي ونصر بن عاصم الليثي وابن عامر وعاصم بفتح الباء على غير تسمية الفاعل. ثم قال {رِجَالٌ} أي هم رجال كما يقال: ضرب زيد وأكل طعامك فيقال: من فعل؟ فيبيّن فيقول: فلان، وفلان والوقف على هذه القراءة عند قوله {وَٱلآصَالِ}. وقرأ الآخرون بكسر الباء جعلوا التسبيح فعلاً للرجال. قال ابن عباس: كلّ تسبيح في القرآن صلاة يدلّ عليه قوله سبحانه {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} أي بالغداة والعشىّ. قال المفسّرون: أراد الصلوات المفروضة، فالصلاة التي تؤدّى بالغدوّ صلاة الفجر، والتي تؤدّى في الآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأنّ اسم الأصيل لجميعها. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا عمير بن مرداس قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي أُويس قال: حدّثنا عبد الرَّحْمن بن زيد عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من أحد يغدو ويروح إلى المسجد ويوثره على ما سواه إلاّ وله عند الله نزل معدّله في الجنّة كلّما غدا وراح، كما لو أنّ أحدكم زارهُ من يحبّ زيارته في كرامته ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا أبو سلمة يحيى بن المغيرة المخزومي قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحسني عن إبراهيم المدني عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن غدا الى المسجد وراح ليتعلّم خيراً أو يعلّمه كان كمثل المجاهد في سبيل الله رجع غانماً، ومن غدا إليه لغير ذلك كان كالناظر إلى الشيء ليس له، يرى المصلين وليس منهم، ويرى الذاكرين وليس منهم ". تفسير : ثمَّ وصفهم فقال {رِجَالٌ} قيل: وجه تخصيص الرجال بالذكر في هذه البيوت أنّه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المساجد {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ} قال أهل المعاني: إنّما خصّ التجارات لأنّها أعظم ما يشتغل بها الإنسان عن الصلوات وسائر الطاعات {وَلاَ بَيْعٌ} إن قيل: إنّ التجارة اسم يقع على البيع والشراء، فما معنى ضم ذكر البيع الى التجارة؟ فالجواب عنه ما قال الواقدي أنّه أراد بالتجارة الشراء نظيره قوله سبحانه {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً}تفسير : [الجمعة: 11] يعني الشراء. {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ} أي إقامة الصلاة فحذف الهاء الزائدة لأجل الإضافة، لأنّ الخافض وما خفض عندهم كالحرف الواحد فاستغنوا بالمضاف إليه من الهاء إذ كانت الهاء عوضاً من الواو، ولأنّ أصل الكلمة أقومت إقواما فاستثقلوا الضمّة على الواو فسكّنوها فاجتمع حرفان ساكنان فأسقطوا الواو ونقلوا حركته الى القاف، وأبدلوا من الواو المحذوفة هاء في آخر الحرف كالتكثير للحرف كما فعلوا في قولهم: عدة وزنة وأصلها وعدة ووزنة، فلمّا أُضيفت حذفت الهاء وجعلت الإضافة عوضاً منها، كقول الشاعر: شعر : إنّ الخليط أجدّوا البين وانجردوا وأخلفوك عِدَ الأمر الذي وعدُوا تفسير : أراد: عِدَة الأمر فأسقط الهاء منها لما أضافها. {وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ} المفروضة عن الحسن. وقال ابن عباس: الزكاة إخلاص الطاعة لله سبحانه وتعالى. قال ابن حيّان: هم أهل الصفّة. وأخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا سلمة بن شبيب قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا جعفر بن سليمان قال: أخبرني عمرو بن دينار مولى لآل الزبير عن سالم عن ابن عمر أنّه كان في السوق فأُقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}. وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الدينوري قال: حدّثنا أبو سعيد أحمد بن عمر بن حبيش الرازي قال: حدّثنا علي بن طيفور النسائي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبي حجير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ للمساجد أوتاداً الملائكة جلساؤهم يتفقّدونهم، وإن مرضوا عادوهم وإن كانوا في حاجة أعانوهم ". تفسير : وقال: جليس المسجد على ثلاث خصال: اخ مستفاد، أو كلمة محكمة، أو رحمة منتظرة. {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ} من هوله بين طمع في النجاة وحذر من الهلاك. {وَٱلأَبْصَارُ} أيّ ناحية يُؤخذ بهم أذات اليمين أم ذات الشمال؟ ومن أين يؤتون كتبهم أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال؟ وذلك يوم القيامة. {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} يعني أنّهم اشتغلوا بذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ} أي بأحسن {مَا عَمِلُواْ}. {وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ} ما لم يستحقّوه بأعمالهم {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا: فإن الله تعالى أعطانا النور الحسيِّ الذي نرى به مرائي الأشياء، وجعله وسيلة للنور المعنوي، وقلنا إن الدنيا حينما تظلم ينير كل مِنَّا لنفسه على حسب قدراته وإمكاناته في الإضاءة، فإذا ما طلعتْ الشمس وأنار الله الكون أطفأ كل مِنَّا نوره؛ لأن نور الله كافٍ، فكما أن نور الله كافٍ في الحسيات فنوره أيضاً كافٍ في المعنويات. فإذا شرع الله حكماً معنوياً يُنظِّم حركة الحياة، فإياكم أن تعارضوه بشيء من عندكم، فكما أطفأتم المصابيح الحسية أمام مصباحه فأطفئوا مصابيحكم المعنوية كذلك أمام أحكامه تعالى وأوامره، والأمر واضح في الآيات الكونية. {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [النور: 35] كما نقول ولله المثل الأعلى: فلان نوَّر البيت، فالآية لا تُعرِّف الله لنا، إنما تُعرِّفنا أثره تعالى فينا، فهو سبحانه مُنوِّر السماوات والأرض، وهما أوسع شيء نتصوره، بحيث يكون كل شيء فيهما واضحاً غيرَ خفيّ. ثم يضرب لنا ربنا - عز وجل - مثلاً توضيحياً لنوره، فيقول: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ..} [النور: 35] أي: مثَلُ تنويره للسماوات وللأرض {كَمِشْكَاةٍ ..} [النور: 35] وهي الطاقة التي كانوا يجعلونها قديماً في الجدار، وهي فجوة غير نافذة يضعون فيها المصباح أو المِسْرجة، فتحجز هذه الفجوة الضوء وتجمعه في ناحية فيصير قوياً، ولا يصنع ظِلاً أمام مسار الضوء. والمصباح: إناء صغير يُوضَع فيه زيت أو جاز فيما بعد، وفي وسطه فتيل يمتصّ من الزيت فيظل مشتعلاً، فإنْ ظلَّ الفتيل في الهواء تلاعبَ به وبدَّد ضوءه وسبَّب دخاناً؛ لأنه يأخذ من الهواء أكثر من حاجة الاحتراق؛ لذلك جعلوا على الفتيل حاجزاً من الزجاج ليمنع عنه الهواء، فيأتي الضوء منه صافياً لا دخانَ فيه، وكانوا يسمونه (الهباب). وهكذا تطور المصباح إلى لمبة وصعد نوره وزادت كفاءته، ومن ذلك قوله تعالى: {ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ..} [النور: 35] لكنها ليست زجاجة عادية، إنما زجاجة {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ..} [النور: 35] يعني: كوكب من الدُّرِّ، والدُّر ينير بنفسه. كذلك زَيْتها ليس زيتاً عادياً، إنما زيت زيتونة مباركة. يقول الحق سبحانه: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ..} [النور: 35]. يعني: شجرة زيتون لا شرقية ولا غربية، يعني: لا شرقية لأنها غربية، ولا غربية لأنها شرقية، فهي إذن شرقية غربية على حَدٍّ سواء، لكن كيف ذلك؟ قالوا: لأن الشجرة الزيتونة حينما تكون في الشرق يكون الغرب مظلماً، وحينما تكون في الغرب يكون الشرق مظلماً، إذن: يطرأ عليها نور وظلمة، إنما هذه لا هي شرقية ولا هي غربية، إنما شرقية غربية لا يحجز شيء عنها الضوء. وهذا يؤثر في زيتها، فتراه من صفائه ولمعانه {يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ..} [النور: 35]، وتعطي الشجرة الضوء القوي الذي يناسب بنوتها للشمس، فإن كانت الشمس هي التي تنير الدنيا، فالشجرة الزيتونة هي ابنتها، ومنها تستمد نورها، بحيث لا يغيب عنها ضوء الشمس. إذن: مَثْلُ تنوير الله للسماوات وللأرض مثل هذه الصورة مكتملة كما وصفنا، وانظر إلى مشكاة فيها مصباح بهذه المواصفات، أيكون بها موضع مظلم؟ فالسماوات والأرض على سعتهما كمثل هذه المشكاة، والمثل هنا ليس لنور الله، إنما لتنويره للسماوات وللأرض، أما نوره تعالى فشيء آخر فوق أنْ يُوصَف. وما المثَل هنا إلا لتقريب المسألة إلى الأذهان. وسبق أنْ ذكرنا قصة أبي تمام حين وصف الخليفة ومدحه بأبرز الصفات عند العرب، فقال: شعر : إقْدَامُ عَمْرٍو فِي سَمَاحَةٍ حَاتمٍ في حِلْم أحنفَ في ذَكَاءِ إيَاسِ تفسير : فجمع للخليفة كل هذه الصفات ومدحه بأشهر الخصال عند العرب؛ لذلك قام إليه أحد الحاقدين وقال معترضاً عليه: كيف تشبه الخليفة بصعاليك العرب؟ فالأمير فوق مَنْ وصفتَ. فأكمل أبو تمام على البديهة وبنفس الوزن والقافية: شعر : لاَ تُنكروا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَهُ مثَلاً شَرُوداً في النَّدَى والبَاسِ فَاللهُ قَدْ ضربَ الأقلَّ لنُورِهِ مَثَلاً من المشْكَاةِ والنِّبراسِ تفسير : فالله - تبارك وتعالى - هو نور السماوات والأرض أي: مُنوِّرهما، وهذا أمر واضح جداً حينما تنظر إلى نور الشمس ساعة يظهر يجلو الكون، بحيث لا يظهر معه نور آخر، وتتلاشى أنوار الكواكب الأخرى والنجوم رغم وجودها مع الشمس في وقت واحد، لكن يغلب على نورها نور الشمس، على حَدِّ قول الشاعر في المدح: شعر : كأنكَ شَمْسٌ والمُلوكُ كَواكبٌ إذَا ظَهَرتْ لَمْ يَبْدُ منهُنّ كوكَبُ تفسير : ثم يقول سبحانه: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ..} [النور: 35] فلم يتركنا الحق - سبحانه وتعالى - في النور الحسيِّ فقط، إنما أرسل إلينا نوراً آخر على يد الرسل هو نور المنهج الذي ينظم لنا حركة الحياة، كأنه تعالى يقول لنا: بعثت إليكم نوراً على نور، نور حِسيِّ، ونور قيمي معنوي، وإذا شهدتم أنتم بأن نوري الحسيّ ينير لكم السماوات والأرض، وإذا ظهر تلاشت أمامه كل أنواركم، فاعلموا أن نور منهجي كذلك يطغَى على كل مناهجكم، وليس لكم أن تأخذوا بمناهج البشر في وجود منهج الله. وقوله تعالى: {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ..} [النور: 35] أي: لنوره المعنوي نور المنهج ونور التكاليف، والكفار لم يهتدوا إلى هذا النور، وإنِ اهتدوا إلى النور الحسيِّ في الشمس والقمر وانتفعوا به، وأطفأوا له مصابيحهم، لكن لم يكُنْ لهم حظ في النور المعنوي، حيث أغلقوا دونه عيونهم وقلوبهم وأسماعهم فلم ينتفعوا به. وكان عليهم أن يفهموا أن نور الله المعنوي مِثْلُ نوره الحسي لا يمكن الاستغناء عنه، لذلك جاء في أثر علي بن أَبي طالب: "من تركه من جبَّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله". والعجيب أن العبد كلما توغل في الهداية ازداد نوراً على نور، كما قال سبحانه: {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ..}تفسير : [الأنفال: 29]. وقال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17]. ثم يقول تعالى: {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ..} [النور: 35] يعني: للعبرة والعِظة مثل المثل السابق لنوره تعالى {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} [نور: 35].
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كَمِشْكَاةٍ} [الآية: 35]. يعني: الصفر الذي في جوف القنديل. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} [الآية: 35]. قال: يعني النار على الزيت ضوئه وجودته وصفائه. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} [الآية: 36] قال: مساجد تبنى. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} [الآية: 39]. يعني السراب يكون بقاع من الأَرض، والسراب عمل الكافر. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ} قال اتيانه إِياه، موته وفراقه الدنيا {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ} فراقه الدنيا {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [الآية: 39]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [الآية: 41]. قال الصلاة للإِنس، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما وصف تعالى نفسه بأنه أنزل آياتٍ مبينات، وأقام دلائل واضحات على وحدانيته، واختصاصه بتشريع الأحكام التي بها سعادة المجتمع، عقَّبه بذكر مثلين: أحدهما في بيان أنَّ دلائل الوحدانية والإِيمان في غاية الظهور والثاني: في بيان أن أديان الكفرة في نهاية الظلمة والخفاء، وبالمقارنة بين المثلين يتضح الصبح لذي عينين. اللغَة: {مِشْكَاةٍ} المشكاة: الكُوَّة في الحائط غير النافذة، وأصلها الوعاء يجعل فيه الشيء {دُرِّيٌّ} متلألئ وقّاد يشبه الدر في صفائه ولمعانه {سَرَابٍ} السرابُ: ما يتراءى للعين وسط النهار عند اشتداد الحر يشبه الماء الجاري وليس بماء، سمي سراباً لأنه يسرب أي يجري كالماء قال الشاعر: شعر : فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كلمع سراب بالفلا متألق تفسير : {قِيعَةٍ} قال الفراء: هو جمع قاع مثل جار وجيرة، والقاعُ المنبسط المستوي من الأرض وقال الزمخشري: القيعةُ بمعنى القاع وليس جمعاً، وهكذا قال أبو عبيدة {لُّجِّيٍّ} اللُّجيُّ: الذي لا يدرك قعره لعمقه، واللُّجةُ معظم الماء، والجمع لُجَج، والتجَّ البحر: تلاطمت أمواجه {يُزْجِي} الإِزجاء: سوقُ الشيء برفقٍ وسهولة {رُكَاماً} مجتمعاً يركب بعضه بعضاً {ٱلْوَدْقَ}: المطر قال الليث: الودقُ المطر كله شديده وهينه {سَنَا}: السنا الضوء واللمعان قال الشماخ: شعر : وما كادت إذا رفعت سناها ليبصر ضوءها إلاّ البصير تفسير : {مُذْعِنِينَ} خاضعين منقادين، أذعن للأمر خضع له {يَحِيفَ} يجور ويظلم. التفسِير: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي الله جلَّ وعلا منور السماوات والأرض، أنار السماواتِ بالكواكب المضيئة، والأرض بالشرائع والأحكام وبعثة الرسل الكرام قال الطبري: أي هادي أهل السماوات والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون وقال القرطبي: النور عند العرب: الضوء المدرك بالبصر واستعمل مجازاً في المعاني فيقال كلامٌ له نور قال الشاعر: شعر : نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا تفسير : وقال جرير "وأنتَ لنا نورٌ وغيثٌ وعصمة" والناس يقولون: فلانٌ نور البلد، وشمسُ العصر وقمره، فيجوز أن يقال: الله نور على جهة المدح لأن جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وبقدرته استقامت أمورها، وقال ابن عطاء الله: "الكون كله ظلمة أناره ظهور الحق فيه، إذ لولا وجود الله ما وجد شيء من العالم" وفي الحديث "حديث : اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن"تفسير : وقال ابن مسعود: "ليس عند ربكم ليلٌ ولا نهار، نور السماوات والأرض نور وجهه" وقال ابن القيم: سمَّى الله سبحانه نفسه نوراً، وجعل كتابه نوراً، ورسوله نوراً، واحتجب عن خلقه بالنور، وقد فسرت الآية بأنه منور السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، وما قاله ابن مسعود أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض، وأما من فسرها بأنه منور السماوات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود {مَثَلُ نُورِهِ} أي مثل نور الله سبحانه في قلب عبده المؤمن {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} أي ككوة في الحائط لا منفذ لها ليكون أجمع للضوء وضع فيها سراج ثاقب ساطع قال في التسهيل: المعنى صفةُ نور الله وضوحه كصفة مشكاةٍ فيها مصباح على أعظم ما يتصوره البشر من الإِضاءة والإِنارة، وإنما شبه بالمشكاة - وإن كان نورُ الله أعظم - لأن ذلك هو ما يدركه الناس من الأنوار ضرب لهم به المثل {ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} أي في قنديل من الزجاج الصافي {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} أي تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} أي يشعل ذلك المصباح من زيت شجرة مباركة {زَيْتُونَةٍ} أي هي من شجر الزيتون الذي خصه الله بمنافع عديدة {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} أي ليست في جهة الشرق ولا في جهة الغرب، وإنما هي في صحراء منكشفة تصيبها الشمس طول النهار لتكون ثمرتها أنضج، وزيتُها أصفى قال ابن عباس: هي شجرة بالصحراء لا يظلها شجر، ولا جبلٌ، ولا كهف، ولا يواريها شيء وهو أجود لزيتها {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} مبالغة في وصف صفاء الزيت وحسنه وجودته أي يكاد زيتُ هذه الزيتونة يضيء من صفائه وحسن ضيائه ولو لم تمسَّه نار، فكيف إذا مسته النار؟ {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} أي نور فوق نور فقد اجتمع نور السراج، وحسن الزجاجة، وصفاء الزيت، فاكتمل النور الممثل به {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} أي يوفق الله لاتباع نوره - وهو القرآن - من يشاء من عباده {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} أي يبين لهم الأمثال تقريباً لأفهامهم ليعتبروا ويتعظوا بما فيها من الأسرار والحكم {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} أي هو سبحانه واسع العلم لا يخفى عليه شيء من أمر الخلق، وفيه وعدٌ ووعيد قال الطبري: ذلك مثلٌ ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإِيمان به فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد مثل كوة في الحائط لا منفذ لها فيها مصباح أي سراج، وجعل السراج مثلاً لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات البينات ثم قال {ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} وذلك مثلٌ للقرآن في قلب المؤمن الذي أنار الله صدره فخلص من الكفر والشك، ثم قال {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} أي كأن الزجاجة في صفائها وضيائها كوكب يشبه الدر في الصفاء والضياء والحسن {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} أي تَوَقَّد هذا المصباح من دهن شجرة مباركة هي شجرة الزيتون، ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب فيكون زيتها أجود وأصفى وأضوأ {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} أي يكاد زيت هذه الزيتونة يضيء من صفائه وحسن ضيائه وعنى بها أن حجج الله على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر ولو لم يزدها الله بياناً ووضوحاً بنزول هذا القرآن، فكيف وقد نبههم به وذكرهم بآياته فزادهم به حجة! وذلك بيانٌ من الله ونور على البيان. ثم لما ذكر تعالى هدايته لمن يشاء من عباده، ذكر مواطن هذه العبادة وهي المساجد أحبُّ البقاع إلى الله فقال {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} أي أمر تعالى أن تبنى وتشاد على اسمه خاصة، وأن تعظَّم ويرفع شأنها لتكون مناراتٍ للهدى ومراكز للإِشعاع الروحي قال ابن عباس: المساجد بيوتُ الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} أي بعبد فيها الله بتوحيده، وذكره، وتلاوة آياته {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} أي يصلي لله تعالى في هذه المساجد في الصباح والمساء والمؤمنون قال ابن عباس: كلُّ تسبيح في القرآن فهو صلاة {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها عن ذكر ربهم، ولا يلهيهم البيع والشراء عن طاعة الله قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق من الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا إذا سمعوا النداء تركوا كل شغل وبادروا لطاعة الله {وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ} أي ولا تشغلهم الدنيا عن إقامة الصلاة في أوقاتها، ودفع الزكاة للفقراء والمستحقين بحدودها وشروطها {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ} أي يخافون يوماً رهيباً تضطرب من شدة هوله وفزعه قلوب الناس وأبصارهم {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} أي ليكافئهم على أعمالهم في الدنيا بأحسن الجزاء، ويجزيهم على الإِحسان إحساناً، وعلى الإِساءة عفواً وغفراناً {وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي يتفضل عليهم فوق ذلك الجزاء بما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي يعطي من شاء من خلقه عطاءً واسعاً بدون حدٍّ ولا عدٍّ يقال فلان ينفق بغير حساب أي يوسع كأنه لا يحسب ما ينفقه قال الإِمام الفخر: نبه به على كمال قدرته، وكمال جوده، وسعة إحسانه، فإنه سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم، ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم، ولما ذكر تعالى حال المؤمن وسعادته، ذكر حال الكافر وخسارته، وضرب لذلك مثلين: الأول لعمله والثاني لاعتقاده وتخبطه في الظلمات فقال {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} أي إن أعمال الكفار التي عملوها في الدنيا وظنوها أعمالاً صالحة نافعة لهم في الآخرة كالسراب الذي يرى في القيعان وهو ما يرى في الفَلوات من ضوء الشمس في الهجيرة حتى يظهر كأنه ماء يجري على وجه الأرض {يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً} أي يظنه العطشان من بعيد ماءً جارياً {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ} أي حتى إذا وصل إليه {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} أي لم ير ماءً ولا شراباًً، وإنما رآى سراباً فعظمت حسرته {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} أي وجدَ الله له بالمرصاد فوفّاه جزاء عمله، فكذلك الكافر يحسب أن عمله ينفعه حتى إذا مات وقدم على ربه لم يجد شيئاً من الأعمال لأنها ذهبت هباءً منثوراً {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي يعجل الحساب لأنه لا يشغله محاسبة واحد عن آخر {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} هذا المثل الثاني لضلال الكفار والمعنى أو مثلهم كظلماتٍ متكاثفة في بحرٍ عميقٍ لا يدرك قعره {يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} أي يغطي ذلك البحر ويعلوه موجٌ متلاطمٌ بعضه فوق بعض {مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} أي من فوق ذلك الموج الثاني سحاب كثيف {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} أي هي ظلمات متكاثفة متراكمة بعضها فوق بعض قال قتادة: الكافر يتقلب في خمسٍ من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار {إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} هذا من تتمة التمثيل أي إذا أخرج ذلك الإِنسان الواقع في هذه الظلمات يده لم يقارب رؤيتها فإن ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب قد تكاثفت حتى حجبت عنه رؤية أقرب شيء إليه من شدة الظلمة فكذلك شأن الكافر يتخبط في ظلمات الكفر والضلال {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} أي ومن لم يهده الله للإِيمان وينور قلبه بنور الإِسلام لم يهتد أبد الدهر، ذكر تعالى لعمل الكافر مثالين: الأول لعمله الصالح ومثَّل له بالسراب الخادع، والثاني لاعتقاده السيء ومثَّل له بالظلمات المتراكم بعضُها فوق بعض ثم ختم الآية الكريمة ذلك الختام الرائع {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} مقابل قوله في المؤمن {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} فكان هذا التمثيل والبيان في غاية الحسن والجمال، فللّه ما أروع تعبير القرآن!! ولما وصف سبحانه أنوار قلوب وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد فقال {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ألم تعلم يا محمد علماً يقيناً أنَّ الله العظيم الكبير يسبح له كل من في الكون من ملك، وإنس، وجن، ينزهه ويقدسه ساكنوها؟ {وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ} أي والطير باسطاتٍ أجنحتهن حال الطيران تسبح ربها وتعبده كذلك بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه تعالى {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} أي كلٌّ من الملائكة والإِنس والجن والطير قد أُرشد وهدي إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله، وما كلف به من الصلاة والتسبيح {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} أي لا تخفى عليه طاعتهم ولا تسبيحهم {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي هو المالك والمتصرف في الكون، وجميعُ المخلوقات تحت ملكه يتصرف فيهم تصرف القاهر الغالب {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} أي وإليه مرجع الخلائق فيجازيهم على أعمالهم وهو تذكير يتضمن الوعيد، ثم أشار تعالى إلى ظاهرة كونية تدل على قدرته ووحدانيته فقال {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً} أي يسوق بقدرته السحاب إلى حيث يشاء {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} أي يجمعه بعد تفرقه {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} أي يجعله كثيفاً متراكماً بعضه فوق بعض {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} أي فترى المطر يخرج من بين السحاب الكثيف {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} أي وينزل من السحاب الذي هو كأمثال الجبال برداً {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ} أي فيصيب بذلك البرد من شاء من العباد فيضره في زرعه وثمرته وماشيته {وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ} أي ويدفعه عمن يشاء فلا يضره قال الصاوي: كما ينزل المطر من السماء وهو نفعٌ للعباد كذلك ينزل منها البرد وهو ضرر للعباد، فسبحان من جعل السماء منشأ للخير والشر {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} أي يقرب ضوء برق السحاب {يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ} أي يخطف أبصار الناظرين من شدة إضاءته وقوة لمعانه {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي يتصرف فيهما بالطول والقصر، والظلمة والنور، والحر والبرد {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً} أي إن فيما تقدم ذكره لدلالة واضحة، وعظة بليغة على وجود الصانع المبدع {لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} أي لذوي البصائر المستنيرة، وخصهم بالذكر لأنهم المنتفعون حيث يتأملون فيجدون الماء والبرد، والظلمة والنور تخرج من شيء واحد، فسبحان القادر على كل شيء {وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ} استدل على وحدانيته بتسبيح أهل السماء والأرض، ثم بتصريف السحاب وإنزال المطر، ثم بأحوال الحيوانات قال ابن كثير: يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه أنواع المخلوقات على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها من ماء واحد {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ} أي فمنهم من يزحف على بطنه كالحية والزواحف {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ} كالإِنسان والطير {وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ} كالأنعام وسائر الدواب قال أبو حيان: قدم ما هو أظهر في القدرة وأعجب وهو الماشي بغير آلة من رجل وقوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع {يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} أي يخلق تعالى بقدرته ما يشاء من المخلوقات {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي هو قادر على ما يشاء لا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع قال الفخر: واعلم أنَّ العقول قاصرة عن الإِحاطة بأحوال أصغر الحيوانات على الكمال، والاستدلال بها على الصانع ظاهرٌ، لأنه لو كان الأمر بتركيب الطبائع الأربع لكان في الكل على السويّة، فاختصاص كل واحدٍ من هذه الحيوانات بأعضائها وأعمارها ومقادير أبدانها لا بدَّ وأن يكون بتدبير قاهرٍ حكيم، سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون {لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} أي لقد أنزلنا إليكم أيها الناس آياتٍ واضحاتٍ، دالات على طريق الحق والرشاد {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي يرشد من يشاء من خلقه إلى الدين الحق وهو الإِسلام، ولما ذكر دلائل التوحيد حذَّر من النفاق والمنافقين فقال {وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} أي يقول المنافقون صدقنا بالله وبالرسول وأطعنا الله ورسوله {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} أي ثم يعرض جماعة منهم عن قبول حكمه {مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعدما صدر منهم ما صدر من دعوى الإِيمان {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} أي وليس أولئك الذين يدعون الإِيمان والطاعة بمؤمنين على الحقيقة قال الحسن: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإِيمان ويسرون الكفر {وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} أي وإذا دعوا إلى حكم الله أو حكم رسوله {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي استنكفوا وأعرضوا عن الحضور إلى مجلس الرسول {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} أي وإن كان الحقُّ بجانبهم جاءوا إلى رسول الله طائعين منقادين لعلمهم أنه عليه السلام يحكم بالحقِّ قال الفخر: نبّه تعالى على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا أن الحقَّ لغيرهم؛ أما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا على الإِعراض وأذعنوا ببذل الرضا {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ} أي هل في قلوبهم نفاقٌ؟ أم شكوا في نبوته عليه السلام؟ {أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} أي أم يخافون أن يظلمهم رسول الله في الحكم، والاستفهام للمبالغة في التوبيخ والذم كقول الشاعر: شعر : ألستَ من القوم الذين تعاهدوا على اللؤم والفحشاء في سالف الدهر تفسير : {بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي بل هم الكاملون في الظلم والعناد لإِعراضهم عن حكم رسول الله {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي كان الواجب عليهم عندما يُدعون إلى رسول الله للفصل بينهم وبين خصومهم أن يسرعوا ويقولوا سمعاً وطاعة، فلو كان هؤلاء مؤمنين لفعلوا ذلك قال الطبري: ولم يقصد به الخبر ولكنه تأنيبٌ من الله للمنافقين وتأديب منه لآخرين {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي وأولئك المسارعون إلى مرضاة الله هم الفائزون بسعادة الدارين {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي ومن يطع أمر الله وأمر رسوله في كل فعلٍ وعمل {وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ} أي ويخاف الله تعالى لما فرط منه الذنوب، ويمتثل أوامره ويجتنب زواجره {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون} أي هم السعداء الناجون من عذاب الله الفائزون برضوانه.. ذكر أن بعض بطارقة الروم سمع هذه الآية فأسلم وقال: إنها جمعت كل ما في التوراة والإِنجيل. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- إطلاق المصدر على إسم الفاعل للمبالغة {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} بمعنى منوِّر لكل شيء بحيث كأنه عين نوره قال الشريف الرضي: وفي الآية إستعارة - على تفسير بعض العلماء - والمراد عندهم أنه هادي أهل السماوات والأرض بصوادع برهانه، ونواصع بيانه كما يهتدى بالأنوار الثاقبة والشهب اللامعة. 2- التشبيه التمثيلي {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} شبَّه نور الله الذي وضعه في قلب عبده المؤمن بالمصباح الوهّاج في كوة داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في الصفاء والحسن الخ سمي تمثيلياً لأن وجه الشبه منتزع من متعدد، وهو من روائع التشبيه. 3- الإِطناب بذكر الخاص بعد العام تنويهاً بشأنه {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ} لأن الصلاة من ذكر الله. 4- جناس الاشتقاق {تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ}. 5- التشبيه التمثيلي الرائع {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} الخ وكذلك في قوله {كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} وهذا من روائع التشبيه وبدائع التمثيل. 6- الطباق بين {يُصِيبُ بِهِ.. وَيَصْرِفُهُ}. 7- الاستعارة اللطيفة {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} إذ ليس المراد التقليب المادي للأشياء الذاتية وإنما استعير لتعاقب الليل والنهار. 8- الجناس التام {يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ} {لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} المراد بالأولى العيون وبالثانية الألباب. لطيفَة: سمع بعض علماء الطبيعة من غير المسلمين هذه الآية {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ..} الآية فسأل هل ركب محمد البحر؟ فقالوا: لا فقال أشهد أنه رسول الله قالوا: وكيف عرفت؟ فقال: إنَّ هذا الوصف للبحر لا يعرفه إلا من عاش عمره في البحار، ورأى الأهوال والأخطار، فلما أخبرت أنه لم يركب البحر عرفت أنه كلام الله تعالى.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} معناه نور السَّمواتُ والأَرضِ {مَثَلُ نُورِهِ [كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ]} يعني محمداً صلى الله عليهِ وعَلَى آله وسلَّمَ. ويقال المؤمنُ. والمِشكاةُ: الكُوةُ في الحَائطِ التي لا منفذَ لَها بلسانِ الحَبشةِ. والمِصباحُ: السِّراجُ. تفسير : وقوله تعالى: {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} وهي من النُّجومِ التي تَجري. والدُّرِّيُّ: المضيءُ - والجمعُ: الدراريّ - مشددٌ غَير مَهموزٍ، وقد يُهمزُ. ويقال الدُّريُ: الضخمُ الحسنُ البراقُ. ويقال الدّرِّيءُ: الطَّالِع ويُقرأ دُري بضم الدال وغير مهموز يَنسبهُ إلى الله عزّ وجلّ. تفسير : وقوله تعالى: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} معناه وسطُ البَحرِ لا يُصيبُها شَرقٌ ولاَ غَربٌ. وهي من أجودِ الشّجرِ. ويقالُ: لا يَسترُها من الشَّمسِ جَبلٌ ولا وادٍ، إذا طَلعتْ، وإذَا غَرَبتْ ويقالُ: هي الضاحيةُ التي تَشْرُقُ عَليها الشَّمسُ وتَغْرُبُ. وزيتُها هو أجودُ الزّيتِ.
الجيلاني
تفسير : وكيف لا تنزجرون عن قهر الله أيها الغافلون، ولا تخافون عن بشطه أيها الضالون، أما تستحيون منه سبحانه مع حضوره وشهوده في جميع الأماكن، وظهور نوره في عموم الآفاق والأنفس غيباً وشهادة، ظاهراً وباطناً، أزلاً وأبداً، أولاً وآخراً، صورةً ومعنىً. وكيف تتركون حدوده وتخرجون عن مقتضى أوامره ونواهيه في كتبه المنزلة على رسله أيها الجاهلون المسرفونن؛ إذ {ٱللَّهُ} المتجلي بأسمائه الحسنى وصفاته العليا {نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: مظهرهما وموجدهما، وموجدُ ما ظهر بينهما وفيهما وعليهما من كتم العدم، بلا سبق مادةٍ ومدةٍ بامتداد أظلال أسمائه وآثار صفاته عليهما {مَثَلُ نُورِهِ} أي: ظهور أنواع وجوده من هياكل الهويات وشباك العكوس والتعينات {كَمِشْكَاةٍ} وهي كوةُ تُوضع فيه القناديل المسرجة، وهي مثال الأشكال والمظاهر والتعينات المنعكسة من أشعة الأسماء والصفات الإلهية المتشعشعة المتجلية بالتجليات الحبية على مقتضى الذات {فِيهَا مِصْبَاحٌ} وهي مثال نور الوجود الإلهي، المضيء بنفسه وذاته، ومن كمال شروقه وبروقه ولمعانه تخطف الأبصار وتكمل المدارك والأنظار، لذلك احتجب {ٱلْمِصْبَاحُ} المذكمور أولاً {فِي زُجَاجَةٍ} صافيةٍ عن كدر التعينات ورين التعلقات، وهي مثال الأسماء والصفات المنبسطة أظلالها على صفائح الأكوان. ومن كمال اللطافة والصفاء، هذه {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} في غاية الإضاءة والإنارة، يتلألأ ويتشعشع بصفاته الذاتية ولطافته الجبلية؛ لأنه {يُوقَدُ} ويسرج بدهن إليهي متخذ {مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} كثيرة الخير والبركة لمن استظل تحتها، وهي شجرة الوجود الممتدة أظلالها على صفائح عموم ما ظهر وبطن من المظاهر والموجودات الغير المحصورة {زَيْتُونَةٍ} كثيرة النفع والخير؛ إذ الوجود خيرُ محض ونفعُ صرفُ لا شرَّ يه ولا ضررَ أصلاً {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} أي: معتدلةُ في نفسها، خارجةُ عن الجهات كلَّها غيرُ محاطةٍ بها. ومن كمال صفائها ولطافتها {يَكَادُ زَيْتُهَا} بإضاءتها الذاتية، وإشراقها العينية {يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} هي التجلي الحبي الشوقي، والمحبة الخالصة والعشق الإلهي. وبالجملة: نور الوجود الإلهي {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} لا يدركه، ولا يتميز، ولا يطلع عليه أحدُ من مظاهره ومصنوعاته، بلا توفيقٍ منه سبحانه وجذبٍ من جانبه، بل {يَهْدِي ٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى صفاء توحيده {لِنُورِهِ} أي: ضياءِ وجودِه وسعة رحمته وَجُوده {مَن يَشَآءُ} من عباده من جذبه الحق نحو جنابه، ووفَّقه الوصول إلى فناء بابه. {وَ} للتنبيه إلى هذا المقام والإشارة إلى هذا المرام، و{يَضْرِبُ ٱللَّهُ} المطلع لاستعدادات عباده {ٱلأَمْثَالَ} المنبهة والأشياء المثيرة {لِلنَّاسِ} المجبولين على فطرة التوحيد لهم؛ لعلهم يتفطنون على ما جبلوا لأجله ويتنبهوا على مبدئهم ومَعادهم {وَٱللَّهُ} المحيط بالآفاق والأنفس إحاطة حضورٍ وشهودٍ {بِكُلِّ شَيْءٍ} مما جرى في مملكة عموم المظاهر والمصنوعات {عَلَيِمٌ} [النور: 35] لا يغيب عن عمله شيء. ولهذا التفطن والتذكر يتوجه المخلصون المنجذبون نحو الحق {فِي بُيُوتٍ} معدةٍ للتوجه مع أنه {أَذِنَ ٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى توحيده {أَن تُرْفَعَ} بناؤها وتُعظَّم غاية التعظيم، {وَيُذْكَرَ فِيهَا} أي: في تلك البيوت والمساجد {ٱسْمُهُ} الذي هو كلمة توحيده وتقدسيه، ولهذا {يُسَبِّحُ لَهُ} أي: الله طلباً لمرضاته لا لغرضٍ دنيويٍ أو أخرويٍ {فِيهَا} أي: في تلك البيوت المذكورة دائماً {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} [النور: 36] أي: في جميع آناء الأيام والليالي. {رِجَالٌ} كمَّل مخلصون منجذبون نحو الحق، مشمرون ذيل هممهم لسلوك طريق الفناء، منقطعون عن الدنيا وما فيها؛ بحيث {لاَّ تُلْهِيهِمْ} وتشغلهم {تِجَارَةٌ} وأرباح متعلقة بالأمور الدنيوية أو الأخروية {وَلاَ بَيْعٌ} أيضاً كذلك {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} والتوجه نحو جنابه، والعكوف على بابه {وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ} ودوام الميل والمناجاة معه {وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ} إي: إنفاقُ ما في أيديهم خالصاً لطلب المرضاة، ومع ذلك {يَخَافُونَ يَوْماً} أي: عذاب يوم القيامة، وما لحق فيها من النكال؛ إذ من شدة هولها {تَتَقَلَّبُ} أي: تتلقلق وتضطرب {فِيهِ ٱلْقُلُوبُ} تدهش فيه {وَٱلأَبْصَارُ} [النور: 37]. كذل ذلك {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ} المجازي لما صرد عنهم {أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} بأحسن الجزاء {وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ} امتناناً عليهم {وَٱللَّهُ} المتفضل لخواص عباده {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} منهم من الرزق المعنوي الحقيقي {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 38] أي: بلا مقابلةِ عملٍ منهم، ومعاضوة إحسانٍ من جانبهم، بل من محض الفضل والجود. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} ستروا الحق، وأنكروا عليه، وأظهروا الباطل ظلماً وزوراً، ووجوه عناداً ومكابرةً لذلك صارت {أَعْمَالُهُمْ} التي خيلوها صالحةً مستجلبةً لأنواع النفع في يوم الجزاء على عكس أعمال المؤمنين {كَسَرَابٍ} أي: كمثلٍ سرابٍ يلمع ويبرق {بِقِيعَةٍ} أي: باديةٍ وصحراءٍ {يَحْسَبُهُ} ويظنه {ٱلظَّمْآنُ} من بعيد {مَآءً} مُسكناً للعطش، مبرِّداً للأكباد. فلما رآه سارع إليه، وسعى نحوه سريعاً {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ} بعد تعبٍ كثيرٍ وعناسْ مفرطٍ مؤملاً الوصول إلى الماء {لَمْ يَجِدْهُ} ماءً بل لم يجد {شَيْئاً} آخرَ متأصلاً في الوجود سوى العكوس التي تتراءى كالماء في البريق واللمعان من تقلب الحدقة، وتشتت البال واضطراب الحواس باستيلاء العطش المفرط وحرارة الأكباد، {وَ} بعدما آيس من نفع أعماله {وَجَدَ ٱللَّهَ} الرقيبَ عليه في جميع أحواله، محاسباً إياه عما صدر عنه {عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ} على الوجه الأقسط الأعدل بلا زيادةٍ ولا نقصاٍ {وَٱللَّهُ} المطلعُ على جميع ما جرى على عباه في جميع شئوهم وتطوراتهم {سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [النور: 39] يحاسبهم، ويجازيهم على مقتضى علمه وخبرته، بلا فوت شيءٍ مما صدر عنهم عدلاً منه سبحانه. {أَوْ} مثل أعمال الكفرة في عدم النفع والخير {كَظُلُمَاتٍ} أي: كمثل أصحاب ظلمات الليل الواقعة لهم {فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} أي: عميقٍ غائرٍ منسوبٍ إلى اللجّ، وهو معظم الماء {يَغْشَاهُ} أي: يغطي البحر ويعلو عليه {مَوْجٌ} هائلُ {مِّن فَوْقِهِ} أي: فوق الموج الأول {مَوْجٌ} آخرُ أهولُ منه هكذا؛ أي: أمواجُ متراكمةُ مترادفةُ بعضها فوق بعض على التوالي والتتالي مع أنه {مِّن فَوْقِهِ} أي: فوق الموج المظلم {سَحَابٌ} كثيفُ أظلمُ منه. وبالجملة: تلك الأمواج والسحب {ظُلُمَاتٌ} متراكمة مترادفة {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} بحيث {إِذَآ أَخْرَجَ} من قوع فيها {يَدَهُ} حذاء بصره اختباراً لنظره {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} أي: لم يقرب أن يراها بالقوة فكيف بالفعل؟! هكذا أعمال الكفرة المتوغلين في بحر الغفلة والضلال، والمغشّاة بالأمواج المتراكمة من الظلم والطغيان والغيّ والعدوان، من فوقه السحب الكثيفة والحجب الغليظة من الجهل بالله، والتعامي عن مطالعة آياته الدالة على توحيده واتصافه بالأوصاف الذاتية، وملاحظة آثاره البديعة وصنائعه العجيبة الغريبة. وهم من غاية انهماكهم في ظلمات غفلاتهم وجهالاتهم، وكمال غيّهم وضلالهم: إذا أمعنوا نظرهم إلى مشاهدة ما في نفوسهم من غرائب صنع الله لم يقربوا أن يكونوا مترصدين للوقوف عليها، فكيف الشهود والاطلاع بها؟! {وَ} بالجملة: {مَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى زلال توحيده {لَهُ نُوراً} من جذبةٍ وتوفيقٍ يهدي به التائهين إلى مقصد توحيده {فَمَا لَهُ} من نفسه وبمجرد كسبه وسعيه {مِن نُورٍ} [النور: 40] يرشده إليه سبحانه، ويوصله إلى فضاء توحيده. هب لنا منك نوراً نهتدي به إلى ما جُبلنا لأجله بفضلك وجودنا يا ذا الطول العظيم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } الحسي والمعنوي، وذلك أنه تعالى بذاته نور، وحجابه -الذي لولا لطفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه- نور، وبه استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، والنور، وبه استنارت الجنة. وكذلك النور المعنوي يرجع إلى الله، فكتابه نور، وشرعه نور، والإيمان والمعرفة في قلوب رسله وعباده المؤمنين نور. فلولا نوره تعالى، لتراكمت الظلمات، ولهذا: كل محل، يفقد نوره فثم الظلمة والحصر، { مَثَلُ نُورِهِ } الذي يهدي إليه، وهو نور الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، { كَمِشْكَاةٍ } أي: كوة { فِيهَا مِصْبَاحٌ } لأن الكوة تجمع نور المصباح بحيث لا يتفرق ذلك { الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ } من صفائها وبهائها { كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ } أي: مضيء إضاءة الدر. { يُوقَدُ } ذلك المصباح، الذي في تلك الزجاجة الدرية { مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } أي: يوقد من زيت الزيتون الذي ناره من أنور ما يكون، { لا شَرْقِيَّةٍ } فقط، فلا تصيبها الشمس آخر النهار، { وَلا غَرْبِيَّةٍ } فقط، فلا تصيبها الشمس [أول] النهار، وإذا انتفى عنها الأمران، كانت متوسطة من الأرض، كزيتون الشام، تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فتحسن وتطيب، ويكون أصفى لزيتها، ولهذا قال: { يَكَادُ زَيْتُهَا } من صفائه { يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } فإذا مسته النار، أضاء إضاءة بليغة { نُورٌ عَلَى نُورٍ } أي: نور النار، ونور الزيت. ووجه هذا المثل الذي ضربه الله، وتطبيقه على حالة المؤمن، ونور الله في قلبه، أن فطرته التي فطر عليها، بمنزلة الزيت الصافي، ففطرته صافية، مستعدة للتعاليم الإلهية، والعمل المشروع، فإذا وصل إليه العلم والإيمان، اشتعل ذلك النور في قلبه، بمنزلة اشتعال النار في فتيلة ذلك المصباح، وهو صافي القلب من سوء القصد، وسوء الفهم عن الله، إذا وصل إليه الإيمان، أضاء إضاءة عظيمة، لصفائه من الكدورات، وذلك بمنزلة صفاء الزجاجة الدرية، فيجتمع له نور الفطرة، ونور الإيمان، ونور العلم، وصفاء المعرفة، نور على نوره. ولما كان هذا من نور الله تعالى، وليس كل أحد يصلح له ذلك، قال: { يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ } ممن يعلم زكاءه وطهارته، وأنه يزكي معه وينمو. { وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ } ليعقلوا عنه ويفهموا، لطفا منه بهم، وإحسانا إليهم، وليتضح الحق من الباطل، فإن الأمثال تقرب المعاني المعقولة من المحسوسة، فيعلمها العباد علما واضحا، { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فعلمه محيط بجميع الأشياء، فلتعلموا أن ضربه الأمثال، ضرب من يعلم حقائق الأشياء وتفاصيلها، وأنها مصلحة للعباد، فليكن اشتغالكم بتدبرها وتعقلها، لا بالاعتراض عليها، ولا بمعارضتها، فإنه يعلم وأنتم لا تعلمون. ولما كان نور الإيمان والقرآن أكثر وقوع أسبابه في المساجد، ذكرها منوها بها فقال: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ...}.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [35] 384- أنا محمد بن معمرٍ، نا حمادُ بن مسعدَهَ، عن عمران بن مُسلمٍ، عن قيسٍ، عن طاووسٍ، عن ابن عباسٍ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يُصلي [قال]: "حديث : اللَّهُمَّ أنتَ قَيَّامُ السماواتِ والأرضِ، ولكَ الحمدُ أنت نورُ السماواتِ والأرضِ، ولكَ الحمدُ أنت ربُّ السماواتِ والأرضِ ومن فِيهِنَّ، ولكَ الحمدُ أنت الحقُّ، وقولكَ الحقُّ، ووعدكَ الحقُّ، ولقاؤُكَ حَقٌّ، والساعةُ حَقٌّ، والنارُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لك أسلمتُ، وبكَ آمنتُ، وإليكَ حاكمتُ، وبكَ خاصمتُ، وإليكَ أنبتُ فاغفر لي ما قدَّمْتُ وأخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعلنتُ، أنت إلَهي لا إله إلاَّ أنْتَ ".
همام الصنعاني
تفسير : 2046- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ}: [الآية: 35]، قال هو مثل نُورِ الله الذي في قلب المؤمن كمشكاة، والمشكاة: الكوة، فيها مصباح، {ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ}: كوكب مضيء، فهذا مثل ضربه الله: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ}: [الآية: 35]. 2047- قال معمر، وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا ليسَتْ شَرْقِيّة ولا غَرْبِيَّة، وقال الكلبي: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ}: لاَ يَسْتُرَها من المشرق شيء {وَلاَ غَرْبِيَّةٍ}: لا يسترها من المغربُ شيء، وهو أصفى الزيت. 2048- قال عبد الرزاق، قال معْمر، قال قتادة: هي الشجرة لا يفيء عَلَيْهَا ظل شرق، ولا ظلّ غرب ضاحِيَةٌ لِلشَّمْسِ، ذَلِكَ أصْفَى الزيت {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ}: [الآية: 35].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):