Verse. 2827 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

فِيْ بُيُوْتٍ اَذِنَ اللہُ اَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيْہَا اسْمُہٗ۝۰ۙ يُسَبِّــحُ لَہٗ فِيْہَا بِالْغُدُوِّ وَالْاٰصَالِ۝۳۶ۙ
Fee buyootin athina Allahu an turfaAAa wayuthkara feeha ismuhu yusabbihu lahu feeha bialghuduwwi waalasali

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«في بيوت» متعلق بيسبح الآتي «أذن الله أن ترفع» تعظم «ويذكر فيها اسمه» بتوحيده «يسبَّح» بفتح الموحدة وكسرها: أي يُصلِي «له فيها بالغدو» مصدر بمعنى الغدوات: أي البُكر «والآصال» العشايا من بعد الزوال.

36

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ } يقتضي محذوفاً يكون فيها وذكروا فيه وجوه: أحدها: أن التقدير كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن الله وهو اختيار كثير من المحققين، اعترض أبو مسلم بن بحر الأصفهاني عليه من وجهين: الأول: أن المقصود من ذكر المصباح المثل وكون المصباح في بيوت أذن الله لا يزيد في هذا المقصود لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة وإضاءة الثاني: أن ما تقدم ذكره فيه وجوه تقتضي كونه واحداً كقوله: {كَمِشْكَاةٍ } وقوله: {فِيهَا مِصْبَاحٌ } وقوله: {فِي زُجَاجَةٍ } وقوله: { أية : كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ } تفسير : [النور: 35] ولفظ البيوت جمع ولا يصح كون هذا الواحد في كل البيوت والجواب عن الأول أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم وأضخم فكان أضوأ، فكان التمثيل به أتم وأكمل وعن الثاني: أنه لما كان القصد بالمثل هو الذي له هذا الوصف فيدخل تحته كل كمشكاة فيها مصباح في زجاجة تتوقد من الزيت، وتكون الفائدة في ذلك أن ضوأها يظهر في هذه البيوت بالليالي عند الحاجة إلى عبادة الله تعالى، ولو أن رجلاً قال الذي يصلح لخدمتي رجل يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته لكان وإن ذكره بلفظ الواحد فالمراد النوع فكذا ما ذكره الله سبحانه في هذه الآية وثانيها: التقدير توقد من شجرة مباركة في بيوت أذن الله أن ترفع وثالثها: وهو قول أبي مسلم أنه راجع إلى قوله: { أية : وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [النور: 34] أي ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم في بيوت أذن الله أن ترفع، ويكون المراد بالذين خلوا الأنبياء والمؤمنين والبيوت المساجد، وقد اقتص الله أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذكر أماكنهم فسماها محاريب بقوله: { أية : إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } تفسير : [ص: 21] و { أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ } تفسير : [آل عمران: 37] فيقول: ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات، وأنزلنا أقاصيص من بعث قبلكم من الأنبياء والمؤمنين في بيوت أذن الله أن ترفع ورابعها: قول الجبائي إنه كلام مستأنف لا تعلق له بما تقدم والتقدير صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع وخامسها: وهو قول الفراء والزجاج إنه لا حذف في الآية بل فيه تقديم وتأخير كأنه قال يسبح في بيوت أذن الله أن ترفع رجال صفتهم كيت وكيت، وأما قول أبي مسلم فقد اعترض عليه القاضي من وجهين: الأول: أن قوله: { أية : وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [النور: 34] المراد منه خلا من المكذبين للرسل لتعلقه بما تقدم من الإكراه على الزنا ابتغاء للدنيا فلا يليق ذلك بوصف هذه البيوت لأنها بيوت أذن أن يذكر فيها اسمه الثاني: أن هذه الآية صارت منقطعة عن تلك الآية بما تخلل بينهما من قوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [النور: 35] وأما قول الجبائي فقيل الإضمار لا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة وعلى التأويل الذي ذكره الفراء والزجاج لا حاجة إليه فلا يجوز المصير إليه فإن قيل على قول الزجاج يتوجه عليه إشكال أيضاً لأن على قوله يصير المعنى في بيوت أذن الله يسبح له فيها فيكون قوله فيها تكراراً من غير فائدة، فلم قلتم إن تحمل هذه الزيادة أولى من تحمل مثل ذلك النقصان؟ قلنا الزيادة لأجل التأكيد كثيرة فكان المصير إليها أولى. المسألة الثانية: أكثر المفسرين قالوا المراد من قوله: {فِى بُيُوتٍ } المساجد وعن عكرمة {فِى بُيُوتٍ } قال هي البيوت كلها والأول أولى لوجهين: الأول: أن في البيوت ما لا يمكن أن يوصف بأن الله تعالى أذن أن ترفع الثاني: أنه تعالى وصفها بالذكر والتسبيح والصلاة وذلك لا يليق إلا بالمساجد ثم للقائلين بأن المراد هو المساجد قولان: أحدهما: أن المراد أربع مساجد الكعبة بناها إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام، وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، ومسجد المدينة بناه النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء الذي أسس على التقوى بناه النبي صلى الله عليه وسلم وعن الحسن هو بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف قنديل والثاني: أن المراد هو جميع المساجد والأول ضعيف لأنه تخصيص بلا دليل فالأول حمل اللفظ على جميع المساجد، قال ابن عباس رضي الله عنهما المساجد بيوت الله في الأرض وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض. المسألة الثالثة: اختلفوا في المراد من قوله: {أَن تُرْفَعَ } على أقوال أحدها: المراد من رفعها بناؤها لقوله: { أية : بَنَـٰهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا } تفسير : [النازعات: 27، 28] وقوله: { أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [البقرة: 127] وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي المساجد أمر الله أن تبنى وثانيها: ترفع أي تعظم وتطهر عن الأنجاس وعن اللغو من الأقوال عن الزجاج وثالثها: المراد مجموع الأمرين. والقول الثاني أولى لأن قوله: {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ } ظاهره أنها كانت بيوتاً قبل الرفع فأذن الله أن ترفع. المسألة الرابعة: اختلفوا في المراد من قوله: {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } فالقول الأول: أنه عام في كل ذكر والثاني: أن يتلى فيها كتابه عن ابن عباس والثالث: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي والأول أولى لعموم اللفظ. المسألة الخامسة: قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم {يُسَبّحُ } بفتح الباء والباقون بكسرها فعلى القراءة الأولى يكون القول ممتداً إلى آخر الظروف الثلاثة أعني له فيها بالغدو والآصال، ثم قال الزجاج {رِجَالٌ } مرفوع لأنه لما قال {يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا } فكأنه قيل من يسبح؟ فقيل يسبح رجال. المسألة السادسة: اختلفوا في هذا التسبيح فالأكثرون حملوه على نفس الصلاة، ثم اختلفوا فمنهم من حمله على كل الصلوات الخمس ومنهم من حمله على صلاتي الصبح والعصر فقال كانتا واجبتين في ابتداء الحال ثم زيد فيهما، ومنهم من حمله على التسبيح الذي هو تنزيه الله تعالى عما لا يليق به في ذاته وفعله، واحتج عليه بأن الصلاة والزكاة قد عطفهما على ذلك من حيث قال عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهذا الوجه أظهر. المسألة السابعة: الآصال جمل أُصُل والأصُل جميع أصيل وهو العشي وإنما وجد الغدو لأنه في الأصل مصدر لا يجمع والأصيل اسم جمع، قال صاحب «الكشاف» بالغدو أي بأوقات الغدو أي بالغدوات وقرىء {والإيصال} وهو الدخول في الأصيل يقال آصل كأعتم وأظهر، قال ابن عباس رحمهما الله إن صلاة الضحى لفي كتاب الله تعالى مذكورة وتلا هذه الآية وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : ما من أحد يغدو ويروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه إلا وله عند الله نزل يعد له في الجنة » تفسير : وفي رواية سهل بن سعد مرفوعاً « حديث : من غدا إلى المسجد وراح ليعلم خيراً أو ليتعلمه كما كمثل المجاهد في سبيل الله يرجع غانماً » تفسير : . المسألة الثامنة: اختلفوا في قوله تعالى: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ } فقال بعضهم نفى كونهم تجاراً وباعة أصلاً، وقال بعضهم بل أثبتهم تجاراً وباعة وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم عنها شاغل من ضروب منافع التجارات، وهذا قول الأكثرين، قال الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون، ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء فقاموا بالصلاة والزكاة، وعن سالم نظر إلى قوم من أهل السوق تركوا بياعاتهم وذهبوا إلى الصلاة فقال هم الذين قال تعالى فيهم: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ }، وعن ابن مسعود مثله، واعلم أن هذا القول أولى من الأول، لأنه لا يقال إن فلاناً لا تلهيه التجارة عن كيت وكيت إلا وهو تاجر، وإن احتمل الوجه الأول وههنا سؤالات: السؤال الأول: لما قال: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ } دخل فيه البيع فلم أعاد ذكر البيع؟ قلنا الجواب عنه من وجوه: الأول: أن التجارة جنس يدخل تحت أنواع الشراء والبيع إلا أنه سبحانه خص البيع بالذكر لأنه في الإلهاء أدخل، لأن الربح الحاصل في البيع يقين ناجز، والربح الحاصل في الشراء شك مستقبل الثاني: أن البيع يقتضي تبديل العرض بالنقد، والشراء بالعكس والرغبة في تحصيل النقد أكثر من العكس الثالث: قال الفراء: التجارة لأهل الجلب، يقال: اتجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده، والبيع ما باعه على يديه. السؤال الثاني: لم خص الرجال بالذكر؟ والجواب: لأن النساء لسن من أهل التجارات أو الجماعات. المسألة التاسعة: اختلفوا في المراد بذكر الله تعالى، فقال قوم: المراد الثناء على الله تعالى والدعوات، وقال آخرون: المراد الصلوات، فإن قيل فما معنى قوله: {وإقام الصلاة }؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما: قال ابن عباس رضي الله عنهما المراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها والثاني: يجوز أن يكون قوله: {وإقام الصلاة} تفسيراً لذكر الله فهم يذكرون الله قبل الصلاة وفي الصلاة. المسألة العاشرة: قد ذكرنا في أول تفسير سورة البقرة (3) في قوله: {أية : وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ } تفسير : أن إقام الصلاة هو القيام بحقها على شروطها، والوجه في حذف الهاء ما قاله الزجاج، يقال أقمت الصلاة إقامة وكان الأصل إقواماً، ولكن قلبت الواو ألفاً فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي أقمت الصلاة إقاماً، فأدخلت الهاء عوضاً من المحذوف وقامت الإضافة ههنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة، قال وهذا إجماع من النحويين. المسألة الحادية عشرة: اختلفوا في الصلاة فمنهم من قال هي الفرائض، ومنهم من أدخل فيه النقل على ما حكيناه في صلاة الضحى عن ابن عباس، والأول أقرب لأنه إلى التعريف أقرب وكذلك القول في الزكاة أن المراد المفروض لأنه المعروف في الشرع المسمى بذلك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما المراد من الزكاة طاعة الله تعالى والإخلاص، وكذا في قوله: { أية : وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلَوٰةِ وَٱلزَّكَـوٰةِ } تفسير : [مريم: 55] وقوله: { أية : مَا زَكَىٰ مِنكُم مّنْ أَحَدٍ } تفسير : [النور: 21] وقوله: { أية : تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } تفسير : [التوبة: 103] وهذا ضعيف لما تقدم ولأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء، وهذا لا يحمل إلا على ما يعطى من حقوق المال. المسألة الثانية عشرة: أنه سبحانه بين أن هؤلاء الرجال وإن تعبدوا بذكر الله والطاعات فإنهم مع ذلك موصوفون بالوجل والخوف فقال: {يَخَـٰفُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَـٰرُ } وذلك الخوف إنما كان لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته. واختلفوا في المراد بتقلب القلوب والأبصار على أقوال: فالقول الأول أن القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار لقوله: { أية : وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } تفسير : [الأحزاب: 10] الثاني: أنها تتغير أحوالها فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها لا تفقه وتبصر الأبصار بعد أن كانت لا تبصر، فكأنهم انقلبوا من الشك إلى الظن، ومن الظن إلى اليقين، ومن اليقين إلى المعاينة، لقوله: { أية : وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } تفسير : [الزمر: 47] وقوله: { أية : لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ } تفسير : [ق: 22]، الثالث: أن القلوب تتقلب في ذلك اليوم طمعاً في النجابة وحذراً من الهلاك والأبصار تنقلب من أي ناحية يؤمر بهم، أمن ناحية اليمين أم من ناحية الشمال؟ ومن أي ناحية يعطون كتابهم أمن قبل الإيمان أم من قبل الشمائل؟ والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل، فإنهم قالوا إن أهل الثواب لا خوف عليهم ألبتة في ذلك اليوم، وأهل العقاب لا يرجون العفو، لكنا بينا فساد هذا المذهب غير مرة الرابع: أن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر، والأبصار تصير زرقاً، قال الضحاك: يحشر الكافر وبصره حديد وتزرق عيناه ثم يعمى، ويتقلب القلب من الخوف حيث لا يجد مخلصاً حتى يقع في الحنجرة فهو قوله: { أية : إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ } تفسير : [غافر: 18]، الخامس: قال الجبائي المراد بتقلب القلوب والأبصار تغير هيئاتهما بسبب ما ينالها من العذاب، فتكون مرة بهيئة ما أنضج بالنار ومرة بهيئة ما احترق، قال ويجوز أن يريد به تقلبها على جمر جهنم وهو معنى قوله تعالى: { أية : وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [الأنعام: 110]. المسألة الثالثة عشرة: قوله: {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } أي يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله ويثيبهم على أحسن ما عملوا، وفيه وجوه: الأول: المراد بالأحسن الحسنات أجمع، وهي الطاعات فرضها ونفلها، قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوىء أعمالهم بل يغفرها لهم. الثاني: أنه سبحانه يجزيهم جزاء أحسن ما عملوا على الواحد عشراً إلى سبعمائة الثالث: قال القاضي: المراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم وإنما يجزيهم الله تعالى بأحسن الأعمال، وهذا مستقيم على مذهبه في الإحباط والموازنة. أما قوله تعالى: {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } فالمعنى أنه تعالى يجزيهم بأحسن الأعمال ولا يقتصر على قدر استحقاقهم بل يزيدهم من فضله على ما ذكره تعالى في سائر الآيات من التضعيف، فإن قيل فهذا يدل على أن لفعل الطاعة أثراً في استحقاق الثواب، لأنه تعالى ميز الجزاء عن الفضل وأنتم لا تقولون بذلك، فإن عندكم العبد لا يستحق على ربه شيئاً، قلنا نحن نثبت الاستحقاق لكن بالوعد فذاك القدر هو المستحق والزائد عليه هو الفضل ثم قال: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } نبه به على كمال قدرته وكمال جوده ونفاذ مشيئته وسعة إحسانه، فكان سبحانه لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة، ومع ذلك يكونون في نهاية الخوف، فالحق سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم، ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ} فيه تسع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} الباء في «بيوت» تضم وتكسر؛ وقد تقدّم. واختلف في الفاء من قوله «في» فقيل: هي متعلقة بـ«ـمصباح». وقيل: بـ«يسبح له»؛ فعلى هذا التأويل يوقف على «عليم». قال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب؛ كأنه قال وهي في بيوت. وقال الترمذي الحكيم محمد بن علي: «في بيوت» منفصل، كأنه يقول: الله في بيوت أذن الله أن تُرفع؛ وبذلك جاءت الأخبار أنه «من جلس في المسجد فإنه يجالس ربّه». وكذا ما جاء في الخبر فيما يحكى عن التوراة «أن المؤمن إذا مشى إلى المسجد قال الله تبارك اسمه عبدي زارني وعليّ قِراه ولن أرضى له قِرًى دون الجنة». قال ابن الأنباري: إن جعلت «في» متعلقة بـ«ـيسبِّح» أو رافعة للرجال حَسُن الوقف على قوله «والله بكل شيء عليم». وقال الرُّمَّانِي: هي متعلقة بـ«ـيوقد» وعليه فلا يوقف على «عليم». فإن قيل: فما الوجه إذا كانت البيوت متعلقة بـ«ـيوقد» في توحيد المصباح والمشكاة وجمع البيوت، ولا يكون مشكاة واحدة إلا في بيت واحد. قيل: هذا من الخطاب المتلوّن الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع؛ كقوله تعالى: {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} تفسير : [الطلاق: 1] ونحوه. وقيل: رجع إلى كل واحد من البيوت. وقيل: هو كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} تفسير : [نوح: 16] وإنما هو في واحدة منها. واختلف الناس في البيوت هنا على خمسة أقوال: الأَوَّل: أنها المساجد المخصوصة لله تعالى بالعبادة، وأنها تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض؛ قاله ابن عباس ومجاهد والحسن. الثاني: هي بيوت بيت المقدس؛ عن الحسن أيضاً. الثالث: بيوت النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ عن مجاهد أيضاً. الرابع: هي البيوت كلّها؛ قاله عكرمة. وقوله: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} يقوّي أنها المساجد. وقول خامس: أنها المساجد الأربعة التي لم يبنها إلا نبيّ: الكعبة وبيت أرِيحَا ومسجد المدينة ومسجد قُبَاء؛ قاله ابن بُريدة. وقد تقدّم ذلك في «براءة». قلت: الأظهر القول الأوّل؛ لما رواه أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أحبَّ الله عز وجل فليحبّني ومن أحبّني فلْيحِبّ أصحابي ومن أحب أصحابي فليُحِبّ القرآن ومن أحبّ القرآن فلْيُحِبّ المساجد فإنها أفنية الله أبنيته أذن الله في رفعها وبارك فيها ميمونةٌ ميمون أهلها محفوظةٌ محفوظ أهلها هم في صلاتهم والله عز وجل في حوائجهم هم في مساجدهم والله من ورائهم».تفسير : الثانية: قوله تعالى: {أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} «أذِن» معناه أمر وقضى. وحقيقة الإذن العلم والتمكين دون حظر؛ فإن اقترن بذلك أمر وإنفاذ كان أقوى. و«ترفع» قيل: معناه تُبْنَى وتُعْلى؛ قاله مجاهد وعكرمة. ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [البقرة: 127]. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من بنى مسجداً من ماله بنى الله له بيتاً في الجنة»تفسير : . وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تحض على بنيان المساجد. وقال الحسن البصري وغيره: معنى «ترفع» تعظّم، ويرفع شأنها، وتطهر من الأنجاس والأقذار؛ ففي الحديث: «حديث : أنّ المسجد لَيَنْزَوِي من النجاسة كما ينزوي الجلد من النار»تفسير : . وروى ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أخرج أذًى من المسجد بنى الله له بيتاً في الجنة»تفسير : . وروي عن عائشة قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخذ المساجد في الدور وأن تطهر وتطيَّب. الثالثة: إذا قلنا: إن المراد بنيانها فهل تزيّن وتنقش؟ اختلف في ذلك؛ فكرهه قوم وأباحه آخرون. فروى حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قِلاَبة عن أنس وقتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد»تفسير : . أخرجه أبو داود. وفي البخاري ـ وقال أنس: «حديث : يتباهَوْن بها ثم لا يَعْمُرونها إلا قليلاً»تفسير : . وقال ابن عباس: لَتُزَخْرِفُنّها كما زَخْرفتِ اليهود والنصارى. وروى الترمذِيّ الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا زخرفتم مساجدكم وحلّيتم مصاحفكم فالدَّبار عليكم»تفسير : . احتجّ من أباح ذلك بأن فيه تعظيم المساجد والله تعالى أمر بتعظيمها في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} يعني تعظم. وروي عن عثمان أنه بنى مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم بالسَّاج وحسّنه. قال أبو حنيفة: لا بأس بنقش المساجد بماء الذهب. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه نقش مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم وبالغ في عمارته وتزيينه، وذلك في زمن ولايته قبل خلافته، ولم ينكر عليه أحد ذلك. وذكر أن الوليد بن عبد الملك أنفق في عمارة مسجد دمشق وفي تزيينه مثل خراج الشأم ثلاث مرات. وروي أن سليمان بن داود عليهما السلام بنى مسجد بيت المقدس وبالغ في تزيينه. الرابعة: ومما تصان عنه المساجد وتنزه عنه الروائح الكريهة والأقوال السيئة وغير ذلك على ما نبيّنه؛ وذلك من تعظيمها. وقد صح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غَزْوة تَبُوك: «حديث : من أكل من هذه الشجرة ـ يعني الثُّوم ـ فلا يأتِيَنّ المساجد»تفسير : . وفي حديث جابر بن عبد الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أكل من هذه البقلة الثُّوم» تفسير : وقال مرة: «حديث : من أكل البصل والثوم والكُرَاث فلا يقربَنّ مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم»تفسير : . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته: ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ولا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصلَ والثُّوم، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من رجل في المسجد أمَر به فأخرِج إلى البقيع، فمن أكلهما فَلْيُمِتْهُما طبخاً. خرّجه مسلم في صحيحه. قال العلماء: وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يُتأذَّى به ففي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذَرِب اللسان سفِيهاً عليهم، أو كان ذا رائحة قبيحة لا تَرِيمه لسوء صناعته، أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه. وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة فيه حتى تزول. وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها كمجالس العلم والولائم وما أشبهها، مَن أكل الثُّوم وما في معناه، مما له رائحة كريهة تؤذي الناس. ولذلك جمع بين البصل والثوم والكراث، وأخبر أن ذلك مما يتأذى به. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام رحمه الله أفتى في رجل شكاه جيرانه واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده فشُووِر فيه؛ فأفتى بإخراجه من المسجد وإبعاده عنه، وألا يشاهد معهم الصلاة؛ إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه، فذاكرته يوماً أمره وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك وراجعته فيه القول؛ فاستدل بحديث الثُّوم، وقال: هو عندي أكثر أذًى من أكل الثوم، وصاحبه يُمنع من شهود الجماعة في المسجد. قلت: وفي الآثار المرسلة «أن الرجل ليكذب الكِذْبَة فيتباعد عنه المَلَك من نتن ريحه». فعلى هذا يُخرج من عُرف منه الكذب والتقوّل بالباطل فإن ذلك يؤذي. الخامسة: أكثر العلماء على أن المساجد كلها سواء؛ لحديث ابن عمر. وقال بعضهم: إنما خرج النهي على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل جبريل عليه السلام ونزوله فيه؛ ولقوله في حديث جابر: «فلا يقربَنّ مسجدنا». والأوّل أصح، لأنه ذكر الصفة في الحكم وهي المسجدية، وذكرُ الصفة في الحكم تعليل. وقد روى الثعلبي بإسناده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجائب بيض قوائمها من العنبر وأعناقها من الزعفران ورؤوسها من المسك وأزمّتها من الزبرجد الأخضر وقُوّامها المؤذنون فيها يقودونها وأئمتها يسوقونها وعمارها متعلقون بها فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف فيقول أهل الموقف هؤلاء ملائكة مقرّبون وأنبياء مرسلون فينادي ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء ولكنهم أهل المساجد والمحافظون على الصلوات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم»تفسير : . وفي التنزيل {أية : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 18]. وهذا عام في كل مسجد. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان إن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} »تفسير : . وقد تقدم. السادسة: وتصان المساجد أيضاً عن البيع والشراء وجميع الاشتغال؛ «حديث : لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي دعا إلى الجمل الأحمر: «لا وَجَدْتَ إنما بُنيت المساجد لمَا بُنيت له»»تفسير : . أخرجه مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه «حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما صلى قام رجل فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا وَجدتَ إنما بُنيت المساجد لمَا بُنيت له»»تفسير : . وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن. وكذا جاء مفسراً من حديث أنس قال: «حديث : بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَهٍ مَهْ؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا تُزْرِمُوه دَعُوه». فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن». أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدَلْو من ماء فشنّه عليه»تفسير : . خرّجه مسلم. ومما يدل على هذا من الكتاب قوله الحق: {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ}. وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن الحكم السّلَمِيّ: «حديث : إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»تفسير : . أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث بطوله خرجه مسلم في صحيحه، وحسبك! وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا الصوت! أتدري أين أنت! وكان خَلَف بن أيوب جالساً في مسجده فأتاه غلامه يسأله عن شيء فقام وخرج من المسجد وأجابه؛ فقيل له في ذلك فقال: ما تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا، فكرهت أن أتكلم اليوم. السابعة: روى الترمذِيّ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلّق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة. قال: وفي الباب عن بُريدة وجابر وأنس حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن. قال محمد بن إسماعيل: رأيت محمّداً وإسحاق وذكر غيرهما يحتجّون بحديث عمرو بن شعيب. وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد؛ وبه يقول أحمد وإسحاق. وروي أن عيسى ابن مريم عليهما السلام أتى على قوم يتبايعون في المسجد فجعل رداءه مخراقاً، ثم جعل يسعى عليهم ضرباً ويقول: يا أبناء الأفاعي، اتخذتم مساجد الله أسواقا هذا سوق الآخرة. قلت: وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب البيع. وهذا إذا كان بأجرة، فلو كان بغير أجرة لمنع أيضاً من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرّزون عن الأقذار والوسخ؛ فيؤدّي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بتنظيفها وتطييبها فقال: «حديث : جَنِّبُوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسلّ سيوفِكم وإقامةَ حدودِكم ورفع أصواتكم وخصوماتكم وأجمروها في الجُمَع واجعلوا على أبوابها المطاهر»تفسير : . في إسناده العلاء بن كثير الدمشقي مولى بني أمية، وهو ضعيف عندهم؛ ذكره أبو أحمد بن عدِيّ الجرجاني الحافظ. وذكر أبو أحمد أيضاً من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: صلّيت العصر مع عثمان أمير المؤمنين فرأى خياطاً في ناحية المسجد فأمر بإخراجه؛ فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنه يكنِس المسجد ويغلِق الأبواب ويرشّ أحياناً. فقال عثمان: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : جنّبوا صنّاعكم من مساجدكم»تفسير : . هذا حديث غير محفوظ، في إسناده محمد بن مجيب الثقفي، وهو ذاهب الحديث. قلت: ما ورد في هذا المعنى وإن كان طريقه لَيِّناً فهو صحيح معنًى؛ يدل على صحته ما ذكرناه قبل. قال الترمذِيّ: وقد رُوي عن بعض أهل العلم من التابعين رُخْصةٌ في البيع والشراء في المسجد. وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في غير حديث رخصةٌ في إنشاد الشعر في المسجد. قلت: أما تناشد الأشعار فاختلف في ذلك، فمن مانع مطلقا، ومن مجيز مطلقاً. والأوْلى التفصيل، وهو أن يُنظر إلى الشعر فإن كان مما يقتضي الثناء على الله عز وجل أو على رسوله صلى الله عليه وسلم أو الذبّ عنهما كما كان شعر حسان، أو يتضمن الحض على الخير والوعظ والزهد في الدنيا والتقلّل منها، فهو حسن في المساجد وغيرها؛ كقول القائل:شعر : طَوّفي يا نفس كي أقصد فرداً صمداً وذريني لست أبغي غير ربي أحدا فهو أنسي وجليسي ودعي الناس فما إن تجدي من دونه ملتحدا تفسير : وما لم يكن كذلك لم يجز؛ لأن الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزين بالباطل، ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللّغْوُ والهَذَر، والمساجد منزهة عن ذلك؛ لقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ}. وقد يجوز إنشاده في المسجد؛ كقول القائل:شعر : كفَحْل العَدَاب الفَرْدِ يضربه النَّدَى تَعَلَّى النّدَى في متنه وتَحدّرا تفسير : وقول الآخر:شعر : إذا سقط السماء بأرض قوم رَعَيناه وإن كانوا غِضابَا تفسير : فهذا النوع وإن لم يكن فيه حَمْد ولا ثناء يجوز؛ لأنه خالٍ عن الفواحش والكذب. وسيأتي ذكر الأشعار الجائزة وغيرها بما فيه كفاية في «الشعراء» إن شاء الله تعالى، وقد روى الدارقطنِيّ من حديث هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «حديث : ذُكر الشعر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هو كلام حَسَنه حَسَن وقبيحه قبيح»»تفسير : . وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ذكره في السنن. قلت: وأصحاب الشافعيّ يأثرون هذا الكلام عن الشافعيّ وأنه لم يتكلم به غيره؛ وكأنهم لم يقفوا على الأحاديث في ذلك. والله أعلم. الثامنة: وأما رفع الصوت فإن كان مما يقتضي مصلحة للرافع صوتَه دُعي عليه بنقيض قصده؛ لحديث بَريرة المتقدّم، وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سمع رجلاً يَنْشُد ضالّة في المسجد فليقل لا ردّها الله عليك فإن المساجد لم تُبْن لهذا»تفسير : . وإلى هذا ذهب مالك وجماعة، حتى كرهوا رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفعَ الصوت في الخصومة والعلم؛ قالوا: لأنهم لا بدّ لهم من ذلك. وهذا مخالف لظاهر الحديث، وقولهم: لا بدّ لهم من ذلك، ممنوع، بل لهم بُدّ من ذلك لوجهين: أحدهما بملازمة الوَقَار والحرمة، وبإحضار ذلك بالبال والتحرّز من نقيضه. والثاني أنه إذا لم يتمكن من ذلك فليتّخذ لذلك موضعاً يخصّه، كما فعل عمر حيث بَنَى رحبة تُسمَّى البطيحاء، وقال: من أراد أن يَلْغَط أو يُنْشِد شعراً ـ يعني في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فليخرج إلى هذه الرحبة. وهذا يدل على أن عمر كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، ولذلك بنى البطيحاء خارجه. التاسعة: وأما النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك من رجل أو امرأة من الغرباء ومن لا بيت له فجائز؛ لأن في البخاري ـ وقال أبو قِلابة عن أنس: قَدِم رهط من عُكْل على النبيّ صلى الله عليه وسلم فكانوا في الصُّفة، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصفة فقراء. وفي الصحيحين عن ابن عمر: أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم. لفظ البخاري. وترجم (باب نوم المرأة في المسجد) وأدخل حديث عائشة في قصة السوداء التي اتهمها أهلها بالوِشاح، قالت عائشة: وكان لها خِبَاء في المسجد أو حِفْش... الحديث. ويقال: كان مبيت عطاء بن أبي رَبَاح في المسجد أربعين سنة. العاشرة: روى مسلم عن أبي حميد أو عن أبي أسَيْد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فلْيَقُل اللَّهُمَّ افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللَّهُمَّ إني أسألك من فضلك»تفسير : . خرجه أبو داود كذلك؛ إلا أنه زاد بعد قوله: «حديث : إذا دخل أحدكم المسجد: فليسلِّم وليصلِّ على النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم ليقل اللهم افتح لي...» تفسير : الحديث. وروى ابن ماجه عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: «حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: «باسم الله والسلام على رسول الله اللَّهُمَّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال باسم الله والصلاة على رسول الله اللَّهُمَّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك»»تفسير : . وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فليصلّ على النبيّ صلى الله عليه وسلم وليقل اللَّهُمَّ افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فلْيُسَلِّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم وليقل: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي من الشيطان الرجيم»تفسير : . وخرج أبو داود عن حَيْوة بن شُريح قال: لَقِيت عقبة بن مسلم فقلت له بلغني أنك حدّثت عن عبدالله بن عمرو بن العاصي «حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم»» تفسير : قال: نعم. قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظ مني سائرَ اليوم. الحادية عشرة: روى مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» تفسير : وعنه قال: «حديث : دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظَهْرَانِي الناس، قال فجلست فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟» فقلت: يا رسول الله، رأيتك جالساً والناس جلوس. قال: «فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين»»تفسير : . قال العلماء: فجعل صلى الله عليه وسلم للمسجد مزيّة يتميّز بها عن سائر البيوت، وهو ألا يجلس حتى يركع. وعامّةُ العلماء على أن الأمر بالركوع على الندب والترغيب. وقد ذهب داود وأصحابه إلى أن ذلك على الوجوب؛ وهذا باطل، ولو كان الأمر على ما قالوه لحرُم دخول المسجد على المحدث الحدث الأصغر حتى يتوضأ، ولا قائل به فيما أعلم، والله أعلم. فإن قيل: فقد روى إبراهيم بن يزيد عن الأوزاعيّ عن يحيـى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين وإذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين فإن الله جاعل من ركعتيه في بيته خيراً»تفسير : ، وهذا يقتضي التسوِيَة بين المسجد والبيت. قيل له: هذه الزيادة في الركوع عند دخول البيت لا أصل لها؛ قال ذلك البخاري. وإنما يصح في هذا حديث أبي قتادة الذي تقدم لمسلم، وإبراهيم هذا لا أعلم روى عنه إلا سعد بن عبد الحميد، ولا أعلم له إلا هذا الحديث الواحد؛ قاله أبو محمد عبد الحق. الثانية عشرة: روى سعيد بن زَبّان حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أبي هند رضي الله عنه قال: «حديث : حَمَل تميمٌ ـ يعني الدّارِي ـ من الشأم إلى المدينة قنادِيل وزَيْتاً ومُقُطاً، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة فأمر غلاماً يقال له أبو البزاد فقام فنَشَط المُقُطَ وعلق القناديل وصبّ فيها الماء والزيت وجعل فيها الفتيل؛ فلما غَرَبت الشمس أمر أبا البزاد فأسرجها، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فإذا هو بها تزهر؛ فقال: «من فعل هذا؟» قالوا: تميم الدّارِي يا رسول الله؛ فقال: «نوّرت الإسلام نوّر الله عليك في الدنيا والآخرة أمَا إنه لو كانت لي ابنة لزوّجْتُكَها»»تفسير : . قال نَوْفل بن الحارث: لي ابنة يا رسول الله تسمى المغيرة بنت نَوْفل فافعل بها ما أردت؛ فأنكحه إيّاها. زَبّان (بفتح الزاي والباء وتشديدها بنقطة واحدة من تحتها) ينفرد بالتّسمِّي به سعيد وحده، فهو أبو عثمان سعيد بن زَبّان بن قائد بن زبان بن أبي هند، وأبو هند هذا مولى بني بياضة حجّام النبيّ صلى الله عليه وسلم. والمُقُط: جمع المِقاط، وهو الحبل، فكأنه مقلوب القِماط. والله أعلم. وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: أوّل من أسرج في المساجد تَميمٌ الدّارِيّ. وروي عن أنس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحَمَلة العرش يُصلّون عليه ويستغفرون له ما دام ذلك الضوء فيه وإن كنس غبار المسجد نقد الحُور العين»تفسير : . قال العلماء: ويستحب أن ينوّر البيت الذي يقرأ فيه القرآن بتعليق القناديل ونصب الشموع فيه، ويزاد في شهر رمضان في أنوار المساجد. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ} اختلف العلماء في وصف الله تعالى المسبِّحين؛ فقيل: هم المراقبون أمر الله، الطالبون رضاءه، الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا. وقال كثير من الصحابة: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كلّ شغل وبادروا. ورأى سالم بن عبد الله أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة فقال: هؤلاء الذين أراد الله بقوله: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}. وروي ذلك عن ابن مسعود. وقرأ عبد الله بن عامر وعاصم في رواية أبي بكر عنه والحسن «يسبَّح له فيها» بفتح الباء على ما لم يسمّ فاعله. وكان نافع وابن عمر وأبو عمرو وحمزة يقرؤون «يُسَبِّح» بكسر الباء؛ وكذلك روى أبو عمرو عن عاصم. فمن قرأ «يسبَّح» بفتح الباء كان على معنيين: أحدهما أن يرتفع «رجال» بفعل مضمر دلّ عليه الظاهر؛ بمعنى يسبّحه رجال؛ فيوقف على هذا على «الآصال» وقد ذكر سيبويه مثل هذا. وأنشد:شعر : لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارعٌ لخصومة ومُخْتَبِط مما تُطيح الطّوائحُ تفسير : المعنى: يبكيه ضارع. وعلى هذا تقول: ضُرب زيد عمرو؛ على معنى ضربه عمرو. والوجه الآخر: أن يرتفع «رجال» بالابتداء، والخبر «في بيوت»؛ أي في بيوت أذن الله أن ترفع رجال. و«يسبح له فيها» حال من الضمير في «ترفع»؛ كأنه قال: أن ترفع؛ مسبّحاً له فيها، ولا يوقف على «الآصال» على هذا التقدير. ومن قرأ «يسبح» بكسر الباء لم يقف على «الآصال»؛ لأن «يسبح» فعل للرجال، والفعل مضطر إلى فاعله ولا إضمار فيه. وقد تقدم القول في «الغدوّ والآصال» في آخر «الأعراف» والحمد لله وحده. الرابعة عشرة: قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} قيل: معناه يصلي. وقال ابن عباس: كل تسبيح في القرآن صلاة؛ ويدل عليه قوله: «بِالغدوّ والآصالِ»، أي بالغداة والعَشِيّ. وقال أكثر المفسرين: أراد الصلاة المفروضة؛ فالغدوّ صلاة الصبح، والآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين؛ لأن اسم الآصال يجمعها. الخامسة عشرة: روى أبو داود عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من خرج من بيته متطهِّراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المُحْرِم ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المُعْتَمِر وصلاةٌ على إثر صلاة لا لَغْوَ بينهما كتاب في علِّيِّين»تفسير : . وخرّج عن بُريدة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بشّر المشّائين في الظُلَم إلى المساجد بالنور التامّ يوم القيامة»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ الله له نُزُلاً في الجنة كلما غَدَا أو راح»تفسير : . في غير الصحيح من الزيادة «كما أن أحدكم لو زار من يحب زيارته لاجتهد في كرامته»؛ ذكره الثعلبي. وخرّج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خَطْوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة»تفسير : . وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة وذلك أن أحدهم إذا توضّأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا يَنْهَزُه إلا الصلاةُ لا يريد إلا الصلاة فلم يَخْطُ خُطوةً إلا رُفع له بها درجةٌ وحُطّ عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبِسه والملائكة يصلّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلّى فيه يقولون اللَّهُمَّ ارحمه اللَّهُم اغفر له اللَّهُمَّ تُب عليه ما لم يُوْذِ فيه ما لم يُحْدِث فيه»تفسير : . في رواية: ما يُحدث؟ قال: «يَفْسُو أو يَضْرِط». وقال حكيم بن زريق: قيل لسعيد بن المسيب أحضور الجنازة أحبّ إليك أم الجلوس في المسجد؟ فقال: من صلّى على جنازة فله قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان؛ والجلوس في المسجد أحبّ إلي؛ لأن الملائكة تقول: اللَّهُمَّ اغفر له اللَّهُمَّ ارحمه اللَّهُمَّ تُبْ عليه. وروي عن الحكم بن عمير صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كونوا في الدنيا أضيافاً واتخذوا المساجد بيوتاً وعوّدوا قلوبكم الرقة وأكثروا التفكر والبكاء ولا تختلف بكم الأهواء. تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون وتؤمّلون ما لا تدركون»تفسير : . وقال أبو الدَّرْداء لابنه: ليكن المسجد بيتَك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن المساجد بيوت المتقين. ومن كانت المساجد بيته ضمن الله تعالى له الرَّوح والراحة والجواز على الصراط»تفسير : . وكتب أبو صادق الأزدي إلى شعيب بن الحَبْحاب: أنْ عليك بالمساجد فالزمها؛ فإنه بلغني أنها كانت مجالس الأنبياء. وقال أبو إدريس الخَوْلانِيّ: المساجد مجالس الكرام من الناس. وقال مالك بن دينار: بلغني أن الله تبارك وتعالى يقول «إني أَهُمّ بعذاب عبادي فأنظر إلى عُمّار المساجد وجلساء القرآن ووُلْدان الإسلام فيسكن غضبي». وروي عنه عليه السلام أنه قال: حديث : سيكون في آخر الزمان رجال يأتون المساجد فيقعدون فيها حِلَقاً حِلَقا ذِكْرُهم الدنيا وحبَّها فلا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة»تفسير : . وقال ابن المسيِّب: من جلس في مسجد فإنما يجالس ربّه، فما حقّه أن يقول إلا خيراً. وقد مضى من تعظيم المساجد وحرمتها ما فيه كفاية. وقد جمع بعض العلماء في ذلك خمس عشرة خصلة، فقال: من حرمة المسجد أن يسلّم وقت الدخول إن كان القوم جلوساً، وإن لم يكن في المسجد أحد قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأن يركع ركعتين قبل أن يجلس، وألا يشتري فيه ولا يبيع، ولا يَسُلّ فيه سهماً ولا سيفاً، ولا يطلب فيه ضالة، ولا يرفع فيه صوتاً بغير ذكر الله تعالى، ولا يتكلّم فيه بأحاديث الدنيا، ولا يتخطّى رقاب الناس، ولا ينازع في المكان، ولا يضيّق على أحد في الصف، ولا يمرّ بين يدي مصلٍّ، ولا يبصق، ولا يتنخّم ولا يتمخّط فيه، ولا يفرقع أصابعه، ولا يعبث بشيء من جسده، وأن يُنَزَّه عن النجاسات والصبيان والمجانين، وإقامة الحدود، وأن يكثر ذكر الله تعالى ولا يغفل عنه. فإذا فعل هذه الخصال فقد أدّى حق المسجد، وكان المسجد حرزاً له وحِصْناً من الشيطان الرجيم. وفي الخبر: «أن مسجداً ارتفع بأهله إلى السماء يشكوهم إلى الله لما يتحدّثون فيه من أحاديث الدنيا». وروى الدّارَقُطْنِيّ عن عامر الشّعْبِيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من اقتراب الساعة أن يُرَى الهلال قَبَلاً فيقال لليلتين وأن تتّخذ المساجد طُرُقاً وأن يظهر موت الفجأة»تفسير : . وهذا يرويه عبد الكبير بن المعافى عن شريك عن العباس بن ذَرِيح عن الشعبي عن أنس. وغيره يرويه عن الشعبي مرسلاً، والله أعلم. وقال أبو حاتم: عبد الكبير بن معافى ثقة كان يُعَدّ من الأبدال. وفي البخاري عن أبي موسى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من مَرّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنَبْل فليأخذ على نِصالها لا يَعْقِر بكفّه مسلماً»تفسير : . وخرّج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : البُزاق في المسجد خطيئة وكفّارتها دفنها»تفسير : . وعن أبي ذَرًّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : عُرِضت عليّ أعمال أمّتِي حَسَنُها وسيئها فوجدتُ في محاسن أعمالها الأذى يُماط عن الطريق ووجدت في مساوىء أعمالها النُّخاعة تكون في المسجد لا تُدفن»تفسير : . وخرّج أبو داود عن الفرج بن فضالة عن أبي سعد الحميري قال: رأيت واثلة بن الأَسْقع في مسجد دمشق بَصَق على الحصير ثم مسحه برجله؛ فقيل له: لم فعلت هذا؟ قال: لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. فرج بن فضالة ضعيف، وأيضاً فلم يكن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حُصُر. والصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بصق على الأرض ودلكه بنعله اليسرى، ولعلّ واثلة إنما أراد هذا فحمل الحصير عليه. السادسة عشرة: لما قال تعالى: «رجالٌ» وخصّهم بالذكر دلّ على أن النساء لا حظّ لهنّ في المساجد؛ إذ لا جمعة عليهنّ ولا جماعة، وأن صلاتهن في بيوتهن أفضل. روى أبو داود عن عبد الله رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتُها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها».تفسير : السابعة عشرة: قوله تعالى: {لاَّ تُلْهِيهِمْ} أي لا تشغلهم. {تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} خصّ التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل بها الإنسان عن الصلاة. فإن قيل: فلمَ كرّر ذكر البيع والتجارةُ تشمله. قيل له: أراد بالتجارة الشراء لقوله: «ولا بيع». نظيره قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} تفسير : [الجمعة: 11] قاله الواقدي. وقال الكلبي: التجار هم الجُلاّب المسافرون، والباعة هم المقيمون. {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} اختلف في تأويله؛ فقال عطاء: يعني حضور الصلاة؛ وقاله ابن عباس، وقال: المكتوبة. وقيل عن الأذان؛ ذكره يحيـى بن سلام. وقيل: عن ذكره بأسمائه الحسنى؛ أي يوحدونه ويمجّدونه. والآية نزلت في أهل الأسواق؛ قاله ابن عمر. قال سالم: جاز عبد الله بن عمر بالسّوق وقد أغلقوا حوانيتهم وقاموا ليصلّوا في جماعة فقال: فيهم نزلت {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ} الآية. وقال أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. وقيل: إن رجلين كانا في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، أحدهما بياعاً فإذا سمع النداء بالصلاة فإن كان الميزان بيده طرحه ولا يضعه وَضعاً، وإن كان بالأرض لم يرفعه. وكان الآخر قَيْناً يعمل السيوف للتجارة، فكان إذا كانت مِطْرقته على السَنْدان أبقاها موضوعة، وإن كان قد رفعها ألقاها من وراء ظهره إذا سمع الأذان؛ فأنزل الله تعالى هذا ثناء عليهما وعلى كل من اقتدى بهما. الثامنة عشرة: قوله تعالى: {وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ} هذا يدلّ على أن المراد بقوله: «عن ذكر الله» غير الصلاة؛ لأنه يكون تكراراً. يقال: أقام الصلاة إقامةً، والأصل إقواماً فقلبت حركةُ الواو على القاف فانقلبت الواو ألفاً وبعدها ألف ساكنة فحذفت إحداهما، وأثبتت الهاء لئلا تحذفها فتُجْحف، فلما أضيفت قام المضاف مقام الهاء فجاز حذفها، وإن لم تضف لم يجز حذفها؛ ألا ترى أنك تقول: وَعَد عِدَة، ووَزَن زِنَة، فلا يجوز حذف الهاء لأنك قد حذفت واواً؛ لأن الأصل وَعَد وِعْدَةً، ووَزَن وِزْنة، فإن أضفت حذفت الهاء، وأنشد الفراء:شعر : إنّ الخَلِيط أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا وأخلفوك عِدَ الأمرِ الذي وَعَدُوا تفسير : يريد عِدَة، فحذف الهاء لما أضاف. وروي من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نُجُب بيض قوائمها من العنبر وأعناقها من الزعفران ورؤوسها من المسك وأذِمّتها من الزبرجد الأخضر وقُوّامها والمؤذنون فيها يقودونها وأئمتها يسوقونها وعُمّارها متعلقون بها فتجوز عَرَصات القيامة كالبرق الخاطف فيقول أهل الموقف هؤلاء ملائكة مقرَّبون أو أنبياء مرسلون فينادَى ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء ولكنهم أهل المساجد والمحافظون على الصلوات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم»تفسير : . وعن عليّ رضي الله عنه أنه قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، يعمرون مساجدهم وهي من ذكر الله خراب، شرُّ أهلِ ذلك الزمن علماؤهم، منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود؛ يعني أنهم يعلمون ولا يعملون بواجبات ما علموا. التاسعة عشرة: قوله تعالى: {وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ} قيل: الزكاة المفروضة؛ قاله الحسن. وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله تعالى والإخلاص؛ إذ ليس لكل مؤمن مال. {يَخَافُونَ يَوْماً} يعني يوم القيامة. {تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ} يعني من هوله وحذر الهلاك. والتقلّب التحوّل، والمراد قلوب الكفار وأبصارهم. فتقلب القلوب انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر، فلا هي ترجع إلى أماكنها ولا هي تخرج. وأما تقلب الأبصار فالزَّرَق بعد الكَحَل والعَمَى بعد البصر. وقيل: تتقلّب القلوب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك، والأبصار تنظر من أيّ ناحية يعطَوْن كتبهم، وإلى أي ناحية يؤخذ بهم. وقيل: إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك، وكذلك أبصارهم لرؤيتهم اليقين؛ وذلك مثل قوله تعالى: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [قۤ: 22]؛ فما كان يراه في الدنيا غَيًّا يراه رُشْداً؛ إلا أن ذلك لا ينفعهم في الآخرة. وقيل: تقلّب على جمر جهنم؛ كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [الأحزاب: 66]، {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ} تفسير : [الأنعام: 110]. في قول من جعل المعنى تقلّبها على لهب النار. وقيل: تقلب بأن تلفحها النار مرة وتُنْضِجها مرة. وقيل إن تقلب القلوب وَجِيبها، وتقلّب الأبصار النظر بها إلى نواحي الأهوال. {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} فذكر الجزاء على الحسنات، ولم يذكر الجزاء على السيئات وإن كان يجازي عليها لأمرين: أحدهما: أنه ترغيب، فاقتصر على ذكر الرغبة. الثاني: أنه في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر؛ فكانت صغائرهم مغفورة. {وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها. الثاني: ما يتفضل به من غير جزاء. {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي من غير أن يحاسبه على ما أعطاه؛ إذ لا نهاية لعطائه. وروي أنه لما نزلت هذه الآية «حديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء مسجد قُبَاء، فحضر عبد الله بن رَوَاحة فقال: يا رسول الله، قد أفلح من بنى المساجد؟ قال: «نعم يا ابن رواحة» قال: وصلّى فيها قائماً وقاعداً؟ قال: «نعم يا ابن رواحة» قال: ولم يَبِت لله إلا ساجداً؟ قال: «نعم يا ابن رواحة. كفَّ عن السّجْع فما أعطى عبد شيئاً شراً من طلاقة في لسانه»»تفسير : ؛ ذكره الماوَرْدي.

البيضاوي

تفسير : {فِي بُيُوتٍ} متعلق بما قبله أي كمشكاة في بعض بيوت، أو توقد في بيوت فيكون تقييد للممثل به بما يكون تحبيراً ومبالغة فيه فإن قناديل المساجد تكون أعظم، أو تمثيلاً لصلاة المؤمنين أو أبدانهم بالمساجد، ولا ينافي جمع البيوت وحدة المشكاة إذ المراد بها ماله هذا الوصف بلا اعتبار وحدة ولا كثرة أو بما بعده وهو يسبح، وفيها تكرير مؤكد لا بيذكر لأنه من صلة أن فلا يعمل فيما قبله أو بمحذوف مثل سبحوا في بيوت، والمراد بها المساجد لأن الصفة تلائمها. وقيل المساجد الثلاثة والتنكير للتعظيم. {أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ } بالبناء أو التعظيم. {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} عام فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله والمباحثة في أحكامه. {يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ} ينزهونه أي يصلون له فيها بالغدوات والعشيات، والغدو مصدر أطلق للوقت ولذلك حسن اقترانه بالآصال وهو جمع أصيل، وقرىء «والايصال» وهو الدخول في الأصيل وقرأ ابن عامر وأبو بكر «يسبح» بالفتح على إسناده إلى أحد الظروف الثلاثة ورفع رجال بما يدل عليه، وقرىء تسبح بالتاء مكسوراً لتأنيث الجمع ومفتوحاً على إسناده إلى أوقات الغدو. {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ} لا تشغلهم معاملة رابحة. {وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } مبالغة بالتعميم بعد التخصيص إن أريد به مطلق المعارضة، أو بإفراد ما هو الأهم من قسمي التجارة فإن الربح يتحقق بالبيع ويتوقع بالشراء، وقيل المراد بالتجارة الشراء فإنه أصلها ومبدؤها، وقيل الجلب لأنه الغالب فيها ومنه يقال تجر في كذا إذا جلبه وفيه إيماء بأنهم تجار. {وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةَ} عوض فيه الإِضافة من التاء المعوضة عن العين الساقطة بالإِعلال كقوله:شعر : وَأَخْلَفُـوكَ عـد الأَمـرِ الَّـذِي وَعَـدُوا تفسير : {وَإِيتَاء ٱلزَّكَـوٰةِ } ما يجب إخراجه من المال للمستحقين. {يَخَـٰفُونَ يَوْماً } مع ما هم عليه من الذكر والطاعة. {تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَـٰرُ } تضطرب وتتغير من الهول، أو تتقلب أحوالها فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه وتبصر الأبصار ما لم تكن تبصره، أو تتقلب القلوب مع توقع النجاة وخوف الهلاك والأبصار من أي ناحية يؤخذ بهم ويؤتى كتبهم. {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ} متعلق بيسبح أو لا تلهيهم أو يخافون. {أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } أحسن جزاء ما عملوا الموعود لهم من الجنة. {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } أشياء لم يعدهم بها على أعمالهم ولم تخطر ببالهم. {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} تقرير للزيادة وتنبيه على كمال القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الإِحسان. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} والذين كفروا حالهم على ضد ذلك فإن أعمالهم التي يحسبونها صالحة نافعة عند الله يجدونها لاغية مخيبة في العاقبة كالسراب، وهو ما يرى في الفلاة من لمعان الشمس عليها وقت الظهيرة فيظن أنه ماء يسرب أي يجري، والقيعة بمعنى القاع وهو الأرض الخالية عن النبات وغيره المستوية، وقيل جمعه كجار وجيرة وقرىء «بقيعات» كديمات في ديمة. {يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَاءً} أي العطشان وتخصيصه لتشبيه الكافر به في شدة الخيبة عند مسيس الحاجة. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ} جاء ما توهمه ماء أو موضعه. {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} مما ظنه. {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ } عقابه أو زبانيته أو وجده محاسباً إياه. {فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ} استعراضاً أو مجازاة. {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لا يشغله حساب عن حساب. روي أنها نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية تعبد في الجاهلية والتمس الدين فلما جاء الإِسلام كفر. {أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ } عطف على {كَسَرَابٍ} و {أَوْ} للتخيير فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب، ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب، أو للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب وإن كانت قبيحة فكالظلمات، أو للتقسيم باعتبار وقتين فإنها كالظلمات في الدنيا وكالسراب في الآخرة. {فِي بَحْرٍ لُّجّيّ} ذي لج أي عميق منسوب إلى اللج وهو معظم الماء. {يَغْشَـٰهُ} يغشى البحر. {مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} أي أمواج مترادفة متراكمة. {مّن فَوْقِهِ} من فوق الموج الثاني. {سَحَابٌ} غطى النجوم وحجب أنوارها، والجملة صفة أخرى للـ {بَحْرٍ}. {ظُلُمَـٰتِ} أي هذه ظلمات. {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } وقرأ ابن كثير {ظُلُمَـٰتِ } بالجر على إبدالها من الأولى أو بإضافة الـ {سَحَابٌ } إليها في رواية البزي. {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ } وهي أقرب ما يرى إليه. {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } لم يقرب أن يراها فضلاً أن يراها كقول ذي الرمة:شعر : إِذَا غَيَّرَ النَّأَي المُحِبِّينَ لَمْ يَكد رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ تفسير : والضمائر للواقع في البحر وإن لم يجر ذكره لدلالة المعنى عليه. {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً } ومن لم يقدر له الهداية. لم يوفقه لأسبابها. {فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } خلاف الموفق الذي له نور على نور. {أَلَمْ تَرَ } ألم تعلم علماً يشبه المشاهدة في اليقين والوثاقة بالوحي أو الاستدلال. {أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ينزه ذاته عن كل نقص وآفة أهل السموات والأرض، و {مِنْ} لتغليب العقلاء أو الملائكة والثقلان بما يدل عليه من مقال أو دلالة حال. {وَٱلطَّيْرُ } على الأول تخصيص لما فيها من الصنع الظاهر والدليل الباهر ولذلك قيدها بقوله: {صَافَّـٰتٍ } فإن إعطاء الأجرام الثقيلة ما به تقوى على الوقوف في الجو باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرة الصانع تعالى ولطف تدبيره. {كُلٌّ} كل واحد مما ذكر أو من الطير. {قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } أي قد علم الله دعاءه وتنزيهه اختياراً أو طبعاً لقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } أو علم كل على تشبيه حاله في الدلالة على الحق والميل إلى النفع على وجه يخصه بحال من علم ذلك مع أنه لا يبعد أن يلهم الله تعالى الطير دعاء وتسبيحاً كما ألهمها علوماً دقيقة في أسباب تعيشها لا تكاد تهتدي إليها العقلاء. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فإنه الخالق لهما وما فيهما من الذوات والصفات والأفعال من حيث إنها ممكنة واجبة الانتهاء إلى الواجب. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} مرجع الجميع. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً} يسوقه ومنه البضاعة المزجاة فإنه يزجيها كل أحد. {ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ} بأن يكون قزعاً فيضم بعضه إلى بعض، وبهذا الاعتبار صح بينه إذ المعنى بين أجزائه، وقرأ نافع برواية ورش «يولف» غير مهموز. {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} متراكماً بعضه فوق بعض. {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ } المطر. {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } من فتوقه جمع خلل كجبال في جبل، وقرىء من «خلله». {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء} من الغمام وكل ما علاك فهو سماء. {مِن جِبَالٍ فِيهَا} من قطع عظام تشبه الجبال في عظمها أو جمودها. {مِن بَرَدٍ } بيان للجبال والمفعول محذوف أي {يُنَزّلٍ } مبتدأ {مِنَ ٱلسَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } برداً، ويجوز أن تكون من الثانية أو الثالثة للتبعيض واقعة موقع المفعول، وقيل المراد بالسماء المظلة وفيها جبال من برد كما في الأرض جبال من حجر، وليس في العقل قاطع يمنعه والمشهور أن الأبخرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبقة الباردة من الهواء وقوي البرد هناك اجتمع وصار سحاباً، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطراً، وإن اشتد فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجاً وإِلا نزل برداً، وقد يبرد الهواء برداً مفرطاً فينقبض وينعقد سحاباً. ينزل منه المطر أو الثلج وكل ذلك لا بد أن يستند إلى إرادة الواجب الحكيم لقيام الدليل على أنها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالها وأوقاتها وإليها أشار بقوله: {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عن مَن يَشَاء } والضمير للـ {بَرَدٍ }. {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ } ضوء برقه، وقرىء بالمد بمعنى العلو وبإدغام الدال في السين و {بَرْقِهِ } بضم الباء وفتح الراء وهو جمع برقة وهي المقدار من البرق كالغرفة وبضمها للاتباع. {يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَـٰرِ } بأبصار الناظرين إليه من فرط الإِضاءة وذلك أقوى دليل على كمال قدرته من حيث إنه توليد للضد من الضد، وقرىء {يَذْهَبُ } على زيادة الباء. {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} بالمعاقبة بينهما أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور أو بما يعم ذلك. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيما تقدم ذكره. {لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَـٰرِ} لدلالة على وجود الصانع القديم وكمال قدرته وإحاطة علمه ونفاذ مشيئته وتنزهه عن الحاجة وما يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة. {وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ } حيوان يدب على الأرض. وقرأ حمزة والكسائي «خالق كل دابة» بالإِضافة. {مِن مَّاء} هو جزء مادته، أو ماء مخصوص هو النطفة فيكون تنزيلاً للغالب منزلة الكل إذ من الحيوانات ما يتولد عن النطفة، وقيل {مِن مَّاء} متعلق بـ {دَابَّةٍ} وليس بصلة لـ {خلقَ}. {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ} كالحية وإنما سمي الزحف مشياً على الاستعارة أو المشاكلة. {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ} كالإِنس والطير. {وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ} كالنعم والوحش ويندرج فيه ما له أكثر من أربع كالعناكب فإن اعتمادها إذا مشت على أربع، وتذكير الضمير لتغليب العقلاء والتعبير عن الأصناف ليوافق التفصيل الجملة والترتيب لتقديم ما هو أعرف في القدرة. {يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَاء } مما ذكر ومما لم يذكر بسيطاً ومركباً على اختلاف الصور والأعضاء والهيئات والحركات والطبائع والقوى والأفعال مع اتحاد العنصر بمقتضى مشيئته. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيفعل ما يشاء. {لَّقَدْ أَنزَلْنَا ءَايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ} للحقائق بأنواع الدلائل. {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء} بالتوفيق للنظر فيها والتدبر لمعانيها. {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} هو دين الإِسلام الموصل إلى درك الحق والفوز بالجنة. {وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ} نزلت في بشر المنافق خاصم يهودياً فدعاه إلى كعب بن الأشرف وهو يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل في مغيرة بن وائل خاصم عليّاً رضي الله عنه في أرض فأبى أن يحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَأَطَعْنَا} أي وأطعناهما. {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ} بالامتناع عن قبول حكمه. {فَرِيقٌ مّنْهُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ} بعد قولهم هذا. {وَمَا أُوْلَٰـئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} إشارة إلى القائلين بأسرهم فيكون إعلاماً من الله تعالى بأن جميعهم وإن آمنوا بلسانهم لم تؤمن قلوبهم، أو إلى الفريق منهم وسلب الإيمان عنهم لتوليهم، والتعريف فيه للدلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفتهم وهم المخلصون في الإِيمان والثابتون عليه. {وَإِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} أي ليحكم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه الحاكم ظاهراً والمدعو إليه، وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه صلى الله عليه وسلم في الحقيقة حكم الله تعالى {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ } فاجأ فريق منهم الإِعراض إذا كان الحق عليهم لعلمهم بأنك لا تحكم لهم، وهو شرح للتولي ومبالغة فيه. {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ} أي الحكم لا عليهم. {يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم، و {إِلَيْهِ } صلة لـ {يَأْتُواْ } أو لـ {مُذْعِنِينَ } وتقديمه للاختصاص. {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} كفر أو ميل إلى الظلم. {أَمِ ٱرْتَابُواْ} بأن رأوا منك تهمة فزال يقينهم وثقتهم بك. {أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} في الحكومة. {بَلْ أُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم فتعين الأول، ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محققاً عندهم أو متوقعاً وكلاهما باطل، لأن منصب نبوته وفرط أمانته صلى الله عليه وسلم يمنعه فتعين الأول وظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف والفصل لنفي ذلك عن غيرهم سيما المدعو إلى حكمه.

ابن كثير

تفسير : لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب، وذلك كالقنديل، ذكر محلها، وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد، فقال تعالى: {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} أي: أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها. كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة: {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} قال: نهى الله سبحانه عن اللغو فيها، وكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة وسفيان بن حسين، وغيرهم من العلماء المفسرين. وقال قتادة: هي هذه المساجد، أمر الله سبحانه وتعالى ببنائها وأمر بعمارتها وتطهيرها. وقد ذكر لنا: أن كعباً كان يقول: مكتوب في التوراة: ألا إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه، ثم زارني في بيتي، أكرمته، وحق على المزور كرامة الزائر. رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره. وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها، وذلك له محل مفرد يذكر فيه، وقد كتبت في ذلك جزءاً على حدة، و لله الحمد والمنة، ونحن بعون الله تعالى نذكر هاهنا طرفاً من ذلك إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان، فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين". وروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من بنى مسجداً يذكر فيه اسم الله، بنى الله له بيتاً في الجنة» تفسير : وللنسائي عن عمرو بن عَبَسَة مثله، والأحاديث في هذاكثيرة جداً، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب. رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي، ولأحمد وأبي داود عن سمرة بن جندب نحوه، وقال البخاري: قال عمر: ابن للناس ما يكنهم، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، وروى ابن ماجه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم» تفسير : وفي إسناده ضعف. وروى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أمرت بتشييد المساجد» تفسير : قال ابن عباس: أزخرفها كما زخرفت اليهود والنصارى. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد»تفسير : . رواه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي. وعن بريدة: أن رجلاً أنشد في المسجد، فقال: من دعاإلى الجمل الأحمر، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «حديث : لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له» تفسير : رواه مسلم، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع والابتياع، وعن تناشد الأشعار في المساجد. رواه أحمد وأهل السنن وقال الترمذي: حسن. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد، فقولوا: لا ردَّ الله عليك» تفسير : رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر مرفوعاً قال: «حديث : خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقاً، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حد، ولا يقتص فيه أحد، ولا يتخذ سوقاً» تفسير : وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «حديث : جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع» تفسير : ورواه ابن ماجه أيضاً، وفي إسنادهما ضعف، أما أنه لا يتخذ طريقاً، فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه، وفي الأثر: إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه، وأما أنه لا يشهر فيه السلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، فلما يخشى من إصابة بعض الناس به؛ لكثرة المصلين فيه، ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر أحد بسهام، أن يقبض على نصالها؛ لئلا يؤذي أحداً، كما ثبت ذلك في الصحيح، وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه، فلما يخشى من تقاطر الدم منه؛ كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث، وأما أنه لا يضرب فيه حد، أو يقتص، فلما يخشى من إيجاد النجاسة فيه من المضروب أو المقطوع، وأما أنه لا يتخذ سوقاً، فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه؛ فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة فيه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: «حديث : إن المساجد لم تبن لهذا، إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها» تفسير : ثم أمر بسجل من ماء، فأهريق على بوله. وفي الحديث الثاني: «حديث : جنبوا مساجدكم صبيانكم» تفسير : وذلك لأنهم يلعبون فيه، ولا يناسبهم، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رأى صبياناً يلعبون في المسجد، ضربهم بالمخفقة، وهي الدرة، وكان يفتش المسجد بعد العشاء، فلا يترك فيه أحداً «حديث : ومجانينكم» تفسير : يعني: لأجل ضعف عقولهم، وسخر الناس بهم، فيؤدي إلى اللعب فيها، ولما يخشى من تقذيرهم المسجد ونحو ذلك، «حديث : وبيعكم وشراءكم» تفسير : كما تقدم، «حديث : وخصوماتكم» تفسير : يعني: التحاكم والحكم فيه، ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد، بل يكون في موضع غيره؛ لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والعياط الذي لا يناسبه، ولهذا قال بعده: «حديث : ورفع أصواتكم».تفسير : وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن قال: حدثني يزيد بن خَصَيفة عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائماً في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد، لأوجعتكما؛ ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال النسائي: حدثنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمع عمر صوت رجل في المسجد، فقال: أتدري أين أنت؟ وهذا أيضاً صحيح. وقوله: «حديث : وإقامة حدودكم وسل سيوفكم» تفسير : تقدما. وقوله: «حديث : واتخذوا على أبوابها المطاهر» تفسير : يعني: المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة. وقد كانت قريباً من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم آبار يستقون منها، فيشربون ويتطهرون ويتوضؤون، وغير ذلك. وقوله: «حديث : وجمروها في الجمع» تفسير : يعني: بخروها في أيام الجمع؛ لكثرة اجتماع الناس يومئذ، وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل جمعة. إسناده حسن لا بأس به، والله أعلم، وقد ثبت في "الصحيحين" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن وضوءه، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه،اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة»تفسير : . وعند الدار قطني مرفوعاً: «حديث : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» تفسير : وفي السنن: «حديث : بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة» تفسير : ويستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى، وأن يقول كما ثبت في "صحيح البخاري" عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد يقول: «حديث : أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» تفسير : [قال: أقطُ؟ قال: نعم] قال: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم. وروى مسلم بسنده عن أبي حميد أو أبي أسيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك فضلك» تفسير : ورواه النسائي عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم» تفسير : ورواه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا ليث بن أبي سليم عن عبد الله بن حسن عن أمه فاطمة بنت حسين عن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد، صلى على محمد وسلم، ثم قال: «حديث : اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك» تفسير : وإذا خرج صلى على محمد وسلم، ثم قال: «حديث : اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك» تفسير : ورواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وإسناده ليس بمتصل؛ لأن فاطمة بنت حسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى، فهذا الذي ذكرناه مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك كله محاذرة الطول داخل في قوله تعالى: {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ}. وقوله: {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} أي: اسم الله؛ كقوله {أية : يَـٰبَنِىۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}تفسير : [الأعراف: 31] وقوله: {أية : وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [الأعراف: 29] وقوله: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ} تفسير : [الجن: 18] الآية. وقوله تعالى: {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} قال ابن عباس: يعني: فيها يتلى كتابه، وقوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ} أي: في البكرات والعشيات. والآصال جمع أصيل، وهو آخر النهار. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بالغدوّ: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة العصر، وهما أول ما افترض الله من الصلاة، فأحب أن يذكرهما، وأن يذكر بهما عباده. وكذا قال الحسن والضحاك: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ} يعني: الصلاة، ومن قرأ من القراء: {يُسَبَّحُ له فيها بالغدوِّ والأَصال} بفتح الباء من {يُسَبِّحُ} على أنه مبني لما لم يسم فاعله، وقف على قوله: {وَٱلأَصَالِ} وقفاً تاماً وابتدأ بقوله: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} وكأنه مفسر للفاعل المحذوف كما قال الشاعر:شعر : لِيُبْكَ يزيدٌ ضارِعٌ لخُصومَةِ ومُخْتَبِطٌ مما تُطيح الطوائحُ تفسير : كأنه قال: من يبكيه؟ قال: هذا يبكيه، وكأنه قيل: من يسبح له فيها؟ قال: رجال. وأما على قراءة من قرأ: {يُسَبِّحُ} بكسر الباء، فجعله فعلاً، وفاعله {الرجال}، فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل؛ لأنه تمام الكلام، فقوله تعالى: {رِجَالٌ} فيه إشعار بهممهم السامية، ونياتهم وعزائمهم العالية التي بها صاروا عماراً للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه، ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه كما قال تعالى: {أية : مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} تفسير : [الأحزاب: 23] الآية، وأما النساء، فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن؛ لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني عمرو عن أبي السمح عن السائب مولى أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خير مساجد النساء قعر بيوتهن» تفسير : وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا هارون، أخبرني عبد الله بن وهب، حدثنا داود بن قيس عن عبد الله بن سويد الأنصاري عن عمته أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي: أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: «حديث : قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي» تفسير : قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه، فكانت والله تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى، لم يخرجوه. هذا ويجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط أن لا تؤذي أحداً من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب، كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» تفسير : رواه البخاري ومسلم، ولأحمد وأبي داود: «حديث : وبيوتهن خير لهن»تفسير : . وفي رواية: «حديث : وليخرجن وهن تفلات» تفسير : أي: لا ريح لهن. وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمس طيباً»تفسير : . وفي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وفي "الصحيحين" عنها أيضاً أنها قالت: لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء، لمنعهن من المساجد، كما منعت نساء بين إسرائيل. وقوله تعالى: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [المنافقون: 9] لآية. وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} تفسير : [الجمعة: 9] الآية، يقول تعالى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم، والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم، وأنفع مما بأيديهم؛ لأن ما عندهم ينفد، وما عند الله باق، ولهذا قال تعالى: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـوٰةِ} أي: يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم، قال هشيم عن سيّار قال: حدثت عن ابن مسعود أنه رأى قوماً من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة، تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله بن مسعود: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} الآية، وهكذا روى عمرو بن دينار القهرماني عن سالم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم، ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله بن بكر الصنعاني، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبد الله بن بجير، حدثنا أبو عبد ربه قال: قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إني قمت على هذا الدرج أبايع عليه، أربح كل يوم ثلثمائة دينار، أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد، أما إني لا أقول: إن ذلك ليس بحلال، ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله فيهم: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} وقال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله، ونحن نريد المسجد، فمررنا بسوق المدينة، وقد قاموا إلى الصلاة، وخمروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، فتلا سالم هذه الآية: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} ثم قال: هم هؤلاء، وكذا قال سعيد بن أبي الحسن والضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها. وقال مطر الورّاق: كانوا يبيعون ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء، وميزانه في يده، خفضه وأقبل إلى الصلاة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} يقول: عن الصلاة المكتوبة، وكذا قال مقاتل بن حيان والربيع بن أنس. وقال السدي: عن الصلاة في جماعة. وقال مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة، وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها. وقوله تعالى: {يَخَـٰفُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَـٰرُ} أي: يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار، أي: من شدّة الفزع وعظمة الأهوال، كقوله: {أية : وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} تفسير : [غافر: 18] الآية. وقوله {أية : إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ} تفسير : [إبراهيم: 42] وقال تعالى: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَـٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً } تفسير : [الإنسان: 8 ــــ 12]. وقوله تعالى ههنا: {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} أي: هؤلاء من الذين يتقبل حسناتهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم. وقوله {وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي: يتقبل منهم الحسن، ويضاعفه لهم، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} تفسير : [النساء: 40] الآية، وقال تعالى: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} تفسير : [الأنعام: 160] الآية، وقال: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} تفسير : [البقرة: 245] الآية، وقال: {أية : وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 261] وقال ههنا: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. وعن ابن مسعود أنه جيء بلبن، فعرضه على جلسائه واحداً واحداً، فكلهم لم يشربه؛ لأنه كان صائماً، فتناوله ابن مسعود فشربه؛ لأنه كان مفطراً، ثم تلا قوله: {يَخَـٰفُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَـٰرُ} رواه النسائي وابن أبي حاتم من حديث الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عنه. وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة جاء مناد، فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق» تفسير : وروى الطبراني من حديث بقية عن إسماعيل بن عبد الله الكندي عن الأعمش عن أبي وائل، عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} قال: أجورهم: يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله: الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة لمن صنع لهم المعروف في الدنيا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فِى بُيُوتٍ } متعلق بيسبح الآتي {أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ } تُعَظَّم {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } بتوحيده {يُسَبِّحُ } بفتح الموحدة وكسرها: أي يُصلي {لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ } مصدر بمعنى الغدوات: أي البُكر {وَٱلأَصَالِ } العشَايَا من بعد الزوال.

الماوردي

تفسير : قوله: {فِي بُيُوتٍ} في هذه البيوت قولان: أحدهما: أنها المساجد، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد. الثاني: أنها سائر البيوت، قاله عكرمة. {أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ} أربعة أوجه: أحدها: أن تُبْنَى، قاله مجاهد كقوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} أي يبني. الثاني: أنها تطهر من الأنجاس والمعاصي، حكاه ابن عيسى. الثالث: أن تعظم، قاله الحسن. الرابع: أن ترفع فيها الحوائج إلى الله. {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: يتلى فيها كتابه، قاله ابن عباس. الثاني: تذكر فيها أسماؤه الحسنى، قاله ابن جرير. الثالث: توحيده بأن لا إله غيره، قاله الكلبي. وفيما يعود إليه ذكر البيوت التي أذن الله أن ترفع قولان: أحدهما: إلى ما تقدم من قوله: كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن الله. الثاني: إلى ما بعده من قوله: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} وفي هذا التسبيح قولان: أحدهما: أنه تنزيه الله. الثاني: أنه الصلاة، قاله ابن عباس والضحاك. {بالْغَدُوِّ وَالآصَالِ} الغدو جمع غَدوة والآصال جمع أصيل وهي العشاء. {رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} قال الكلبي: التجار هم الجلاب المسافرون، والباعة هم المقيمون. {عَن ذِكْرِ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: عن ذكره بأسمائه الحسنى. الثاني: عن الأذان، قاله يحيى بن سلام. {تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبِ وَالأبْصَارُ} فيه خمسة أوجه: أحدها: يعني تقلبها على حجر جهنم. الثاني: تقلب أحوالها بأن تلفحها النار ثم تنضجها وتحرقها. الثالث: أن تقلب القلوب وجيبها، وتقلب الأبصار النظر بها إلى نواحي الأهوال. الرابع: أن تقلب القلوب بلوغها الحناجر، وتقلب الأبصار الزّرَق بعد الكحل، والعمى بعد البصر. الخامس: أن الكافر بعد البعث ينقلب قلبه على الكفر إلى الإيمان وينقلب بصره عما كان يراه غياً فيراه رشداً. {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} فذكر الجزاء على الحسنات ولم يذكر الجزاء على السيئات وإن كان يجازى عليها لأمرين: أحدهما: أنه ترغيب فاقتصر على ذكر الرغبة. الثاني: أنه يكون في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر فكانت صغائرهم مغفورة. {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها. الثاني: ما يتفضل به من غير جزاء. {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} فيه أربعة أوجه: أحدها: بغير جزاء بل يسديه تفضلاً. الثاني: غير مقدر بالكفاية حتى يزيد عليها. الثالث: غير قليل ولا مضيق. الرابع: غير ممنون به. وقيل لما نزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء مسجد قباء فحضر عبد الله بن رواحة فقال: يا رسول الله قد أفلح من بنى المساجدا؟ قال: "حديث : نَعَمْ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ" تفسير : قال، وصلى فيها قائماً وقاعداً قال: "حديث : نَعَمْ يَا ابْنَ رَوَاحَةِ" تفسير : قال: ولم يبت لله إلا ساجداً؟ قال: "حديث : نَعَمْ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ. كُفّ عَنِ السَّجْعِ فَمَا أُعْطِيَ عَبْدٌ شَيئاً شَرّاً مِن طَلاَقَةِ لِسَانِهِ ".

ابن عطية

تفسير : الباء في {بيوت} : تضم وتكسر، واختلف في الفاء من قوله {في} فقيل هي متعلقة بـ{مصباح} [النور: 35] قال أبو حاتم وقيل متعلقة بــ {يسبح} المتأخر، فعلى هذا التأويل يوقف على {عليم} [النور: 38] قال الرماني هي متعلقة بـ{يوقد} [النور: 35] واختلف الناس في البيوت التي أَرادها بقوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع} فقال ابن عباس والحسن ومجاهد هي المساجد المخصوصة لله تعالى التي من عادتها أن تنور بذلك النوع من المصابيح، وقال الحسن بن أَبي الحسن أراد بيت المقدس وسماه بيوتاً من حيث فيه مواضيع يتحيز بعضها عن بعض. قال الفقيه الإمام القاضي : ويؤثر، أن عادة بني إسرائيل في وقيد بيت المقدس كانت غاية في التهمم به، وكان الزيت منتخباً مختوماً على ظروفه قد صنع صنعة وقدس حتى لا يجزى الوقيد بغيره، فكان لهذا ونحوه أضوأ بيوت الأرض، وقال عكرمة أراد بيوت الإِيمان على الإطلاق مساجد ومساكن فهي التي يستصبح فيها بالليل للصلاة وقراءة العلم، وقال مجاهد أراد بيوت النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد : وقوله تعالى: {يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال} يقوي أنها المساجد وقوله: {أذن} بمعنى أمر وقضى، وحقيقة الإذن العلم والتمكين دون حظر فإن اقترن بذلك أمر وإنفاذ كان أقوى، و {ترفع}، قيل معناه تبنى وتعلى، قاله مجاهد وغيره فذلك كنحو قوله تعالى: {أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد} تفسير : [البقرة: 127] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من بنى مسجداً من ماله بنى الله له بيتاً في الجنة" تفسير : ، وفي هذا المعنى أحاديث، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره معناه تعظم ويرفع شأنها، وذكر {اسمه} تعالى، هو بالصلاة والعبادة قولاً وفعلاً، وقرأ ابن كثير وعاصم "يسبَّح" بفتح الباء المشددة، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم "يسبِّح" بكسر الباء، فـ {رجال} على القراءة الأولى مرتفع بفعل مضمر يدل عليه {يسبح} تقديره يسبحه رجال، فهذا عند سيبويه نظير قول الشاعر: "ليبك يزيد ضارع لخصومة" أي يبكيه ضارع، و {رجال} على القراءة الثانية مرتفع بــ {يسبح} الظاهر، وروي عن يحيى بن وثاب أنه قرأ "تسبح" بالتاء من فوق، و {الغدو والآصال} قال الضحاك أراد الصبح والظهر، وقال ابن عباس أراد ركعتي الضحى والعصر وإن ركعتي الضحى لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا غواص، وقرأ أبو مجلز "والإيصال" ثم وصف تعالى المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمر الله تعالى وطلبهم لرضاه لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا، وقال كثير من الصحابة نزلت هذه الآية في أَهل الأَسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا إليها، فرأى سالم بن عبد الله بن عمر أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة فقال هؤلاء الذين أراد الله تعالى بقوله: {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}، وروي ذلك عن ابن مسعود، {وإقام}، مصدر من أقام يقيم أصله أقوام نقلت حركة الواو إلى القاف فبقيت ساكنة والألف ساكنة فحذفت للالتقاء، فجاء {إقام}، بعض النحويين هو مصدر بنفسه قد لا يضاف وقيل لا يجوز أقمته إقاماً، وإنما يستعمل مضافاً، ذكره الرماني وقال بعضهم من حيث رأوه لا يستعمل إلا مضافاً ألحقت به هاء عوضاً من المحذوف فجاء إقامة، فهم إذا أضافوه حذفوا العوض لاستغنائهم عنه بأَن المضاف والمضاف إليه كاسم واحد، و {الزكاة} هنا عند ابن عباس الطاعة لله، وقال الحسن هي الزكاة المفروضة في المال، و "اليوم المخوف" الذي ذكره تعالى، هو يوم القيامة، واختلف الناس في تقلب {القلوب والأبصار} كيف هو، فقالت فرقة يرى الناس الحقائق عياناً فتتقلب قلوب الشاكين ومعتقدي الضلال عن معتقداتها إلى اعتقاد الحق على وجهه وكذلك الأبصار وقالت فرقة هو تقلبها على جمر جهنم. قال الفقيه الإمام القاضي : ومقصد الآية إنما هو وصف هول يوم القيامة، فأما القول الأول فليس يقتضي هولاً وأما الثاني فليس التقلب في جمر جهنم في يوم القيامة وإنما هو بعده. وإنما معنى الآية عندي أن ذلك اليوم لشدة هوله ومطلعه، القلوب والأبصار فيه مضطربة قلقة متقلبة من طمع في النجاة إلى طمع ومن حذر هلاك إلى حذر، ومن نظر في هول إلى النظر في الآخر، والعرب تستعمل هذا المعنى في الحروب ونحوها ومنه قول الشاعر: شعر : "بل كان قلبك في جناحي طائر" تفسير : ومنه قول بشار شعر : كان فؤاده كرة تنزى تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : "إذا حلق النجيد وصلصل الحديد" تفسير : وهذا كثير.

ابن عبد السلام

تفسير : {بُيُوتٍ} المساجد "ع"، أو سائر البيوت {تُرْفَعَ} تُبْنَى، أو تطهر من الأنجاس والمعاصي، أو تعظم، أو ترفع فيها الحوائج إلى الله ـ تعالى ـ {وَيُذْكَرَ فِيهَا أسْمُهُ} يتلى كتابه "ع"، أو تذكر أسماؤه الحسنى، أو توحيده بأن لا إله غيره، {فِى بُيُوتٍ} متعلق بقوله كمشكاة، أو بقوله ـ تعالى ـ "يسبح" {يُسَبِّحُ} يصلي له "ع" أو ينزهه {وَالأَصَالِ} العشايا.

النسفي

تفسير : {فِى بُيُوتٍ } يتعلق {بمشكاة} أي كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد كأنه قيل: مثل نوره كما يرى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت، أو بـــــ {توقد} أي توقد في بيوت، أو بــــ {يسبح} أي يسبح له رجال في بيوت. و {فيها} تكرير فيه توكيد نحو «زيد في الدار جالس فيها» أو بمحذوف أي سبحوا في بيوت {أَذِنَ ٱللَّهُ } أي أمر {أَن تُرْفَعَ} تبنى كقوله {أية : بَنَـٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا } {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ }تفسير : [البقرة: 127] أن تعظم من الرفعة. وعن الحسن: ما أمر الله أن ترفع بالبناء ولكن بالتعظيم {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } يتلى فيها كتابه أو هو عام في كل ذكر {يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ } أي يصلي له فيها بالغداة صلاة الفجر وبالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين. وإنما وحد الغدو لأن صلاته صلاة واحدة، وفي الآصال صلوات والآصال جمع أصل جمع أصيل وهو العشي {رِجَالٌ } فاعل{ يسبح} {يسبح} شامي وأبو بكر ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة أعني له فيها بالغدو و{رِجَالٌ } مرفوع بما دل عليه {يسبح} أي يسبح له {لاَّ تُلْهِيهِمْ } لا تشغلهم {تِجَـٰرَةً } في السفر {وَلاَ بَيْعٌ } في الحضر. وقيل: التجارة الشراء إطلاقاً لاسم الجنس على النوع أو خص البيع بعد ماعم لأنه أوغل في الإلهاء من الشراء لأن الربح في البيعة الرابحة متيقن وفي الشراء مظنون {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } باللسان والقلب {وَإِقامِ ٱلصَّلَوٰةِ } أي وعن إقامة الصلاة. التاء في إقامة عوض من العين الساقطة للإعلال والأصل إقوام، فلما قلبت الواو ألفاً اجتمع ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فأدخلت التاء عوضاً عن المحذوف، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام التاء فأسقطت {وَإِيتاء الزكاة} أي وعن إيتاء الزكاة والمعنى لا تجارة لهم حتى تلهيهم كأولياء العزلة، أو يبيعون ويشترون ويذكرون الله مع ذلك وإذا حضرت الصلاة قاموا إليها غير متثاقلين كأولياء العشرة. {يَخَـٰفُونَ يَوْماً } أي يوم القيامة و{يخافون} حال من الضمير في {تلهيهم} أو صفة أخرى لـــــ {رجال} {تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ } ببلوغها إلى الحناجر {وَٱلأَبْصَـٰرُ } بالشخوص والزرقة أو تتقلب القلوب إلى الإيمان بعد الكفران والأبصار إلى العيان بعد إنكاره للطغيان كقوله {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق:22]

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {في بيوت} أي ذلك المصباح يوقد في بيوت والمراد بالبيوت جميع المساجد بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض وقيل: المراد بالبيوت أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل، فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان ومسجد المدينة بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء أسس على التقوى وبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً {أذن الله أن ترفع} أي تبنى وقيل: تعظم فلا يذكر فيها الخنى من القول وتطهر عن الأنجاس والأقذار {ويذكر فيها اسمه} قال ابن عباس يتلى فيها كتابه {ويسبح له فيها} أي يصلي له فيها {بالغدو والآصال} بالغداة والعشي قال أهل التفسير: أراد به الصلاة المفروضة فالتي تؤدّى بالغداة صلاة الفجر والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين، لأن اسم الأصيل يقع على هذا الوقت كله وقيل: أراد به الصبح والعصر. عن أبي موسى الأشعري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من صلى صلاة البردين دخل الجنة أراد بالبردين صلاة الصبح، وصلاة العصر"تفسير : وقال ابن عباس: التسبيح بالغدو صلاة الضحى والآصال صلاة العصر عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم "حديث : من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة كان أجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى المسجد إلى تسبيح الضحى لا يعنيه إلا ذاك كان أجره كأجر المعتمر وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين"تفسير : أخرجه أبو داود.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} الآية. واعلم أن قوله: "فِي بُيُوتٍ" يقتضي محذوفاً يكون فيها، وذكروا فيه ستّة أوجه: أحدها: أن قوله: "في بُيُوتٍ" صفة لـ "مِشْكَاةٍ" أي كَمِشْكَاةَ في بُيُوتٍ، أي: في بيتٍ من بُيُوت الله. (الثاني: أنه صفة لـ "مصباح") وهذا اختيار أكثر المحققين. واعترض عليه أبو مسلم بن بحر الأصفهاني من وجهين: الأول: أن المقصود من ذكر "المصباح" المثل، وكون المصباح في بيت أذن الله لا يزيد في هذا المقصود، لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة وإضاءة. والثاني: أن الذي تقدم ذكره في وجوه يقتضي كونه واحداً، كقوله: {أية : كَمشْكَاةٍ} تفسير : [النور: 35] وقوله: {أية : فيهَا مِصْبَاحٌ} تفسير : [النور: 35] وقوله: {أية : فِي زُجَاجَةٍ}تفسير : [النور: 35] وقوله: {أية : كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} تفسير : [النور: 35]، ولفظ "البُيُوت" جمع، ولا يصح كون هذا الواحد في كل البيوت. وأجيب عن الأول: أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم وأضخم، فكان أضوأ، فكان التمثيل به أتم وأكمل. وعن الثاني: أنه لما كان القصد بالمثل هذا الذي له هذا الوصف فيدخل تحته كل مشكاة فيها مصباح في زجاجة يتوقد من الزيت، فتكون الفائدة في ذلك أن ضوءه يظهر في هذه البيوت بالليالي عند الحاجة إلى عبادة الله تعالى، كقولك: "الذي يصلح لخدمتي رجل يرجع إلى علم وقناعة يلزم بيته" لكان وإن ذكر بلفظ الواحد، فالمراد النوع، فكذا ههنا. الثالث: أنه صفة لـ "زجاجة".. الرابع: أنه يتعلق بـ "يُوقَدُ" أي: يُوقَد في بيوت، والبيوت هي المساجد قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض. وعلى هذه الأقوال الأربعة لا يوقف على "عَلِيمٌ". الوجه الخامس: أنه متعلق بمحذوف كقوله: {أية : فِي تِسْعِ آيَاتٍ} تفسير : [النمل: 12] أي: سبحوه في بيوت. السادس: أنه متعلق بـ "يُسَبِّحُ" أي: يسبح رجال في بيوت، و"فيهَا" تكرير للتوكيد كقوله: {أية : فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا} تفسير : [هود: 108] وعلى هذين القولين فيوقف على "عَلِيمٌ". قوله: "أَذِنَ اللَّهُ" في محل جر صفة لـ "بُيُوت"، و"أَنْ تُرْفَع" على حذف الجار، أي: في أن ترفع. ولا يجوز تعلق "فِي بُيُوتٍ" بقوله: "وَيُذْكرَ" لأنه عُطِفَ على ما في حيز "أَنْ" وما بعد "أن" لا يتقدم عليها. فصل قال أكثر المفسرين: المراد بـ "البيوت" ههنا: المساجد. وقال عكرمة: هي البيوت كلها. والأول أولى، لأن في البيوت ما لا يوصف بأن الله أذن أن ترفع، وأيضاً فإن الله تعالى وصفها بالذكر والتسبيح والصلاة، وذلك لا يليق إلا بالمساجد. ثم القائلون بأنها المساجد قال بعضهم: بأنها أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبلة. وبيت المقدس بناه داود وسليمان - عليهما السلام - ومسجد المدينة بناه النبي - عليه السلام - ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله ابن بريدة. وعن الحسن أن ذلك بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف قنديل. وهذا تخصيص بغير دليل. وقال ابن عباس: المراد جميع المساجد كما تقدم. قوله: "أَنْ تُرفَعَ". قال مجاهد: تبنى كقوله: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [البقرة: 127]، وهو مرويّ عن ابن عباس. وقال الحسن والزجاج: تُعَظَّم وتُطَهَّر عن الأنجاس ولغو الأفعال. وقيل: مجموع الأمرين {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ}. قال ابن عباس: يتلى فيها كتابه. وقيل: عام في كل ذكر {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا}. قرأ ابن عامر وأبو بكر بفتح الباء مبنياً للمفعول، والقائم مقام الفاعل أحد المجرورات الثَّلاث، والأَوْلَى منها بذلك الأَوَّل، لاحتياج العامل إلى مرفوعه، فالذي يليه أولى، و"رِجَالٌ" على هذه القراءة مرفوع على أحد وجهين: إمَّا بفعل مُقدَّر لتعذّر إسناد الفعل إليه، وكأنَّه جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل: "مَنْ يُسَبِّحُهُ"؟ فقيل: "يُسَبِّحُهُ رجالٌ"، وعليه في أحد الوجهين قول الشاعر: شعر : 3835- ليُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لخُصُومةٍ وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطيح الطَّوَائِح تفسير : كأنه قيل: من يَبْكيه؟ فقيل: يَبْكيه ضارعٌ، إلاَّ أَنَّ في اقتباس هذا خلافاً: منهم من (جَوَّزهُ وقاس) عليه: "ضُرِبَتْ هندٌ زيدٌ" أي: ضَرَبَهَا زيدٌ. ومنهم من مَنَعهُ. والوجه الثاني في البيت أن "يَزِيدُ" منادى حذف منه حرفُ النِّداء، أي: ما يزيد وهو ضعيفٌ جداً. الثاني: أن "رِجَالٌ" خبر مبتدأ محذوف، أي: المُسَبِّحةٌ رجالٌ. وعلى هذه القراءة يوقف على "الآصالِ". وباقي السبعة بكسر الباء مبنياً للفاعل، والفاعلُ "رِجَالٌ" فلا يوقف على "الآصَالِ". وقرأ ابن وثَّاب وأبو حَيْوَة "تُسَبِّحُ" بالتاء من فوق، وكسر الباء، لأن جمع التكسير يُعَامَل معاملة المؤنث في بعض الأحكام، وهذا منها. وقرأ أبو جعفر كذلك إلاَّ أنه فتح (الباء). وخرَّجَها الزمخشري على إسناد الفعل إلى "الغُدُوّ والآصَالِ" على زيادة الباء، كقولهم: "صيد عليه يومان" (والمراد: وحشهما). وخرَّجها غيره على أن القائم مقام الفاعل ضمير التَّسبيحة، أي: تُسَبَّح التَّسبيحَةُ على المجاز المُسَوّغ لإسناده إلى الوقتين، كما خرجوا قراءة أبي جعفر أيضاً: "لِيُجْزَى قَوْماً" أي: "لِيُجْزَى الجَزَاء قَوْماً"، بل هذا أولى من آية الجاثية، إذ ليس هنا مفعول صريح. فصل اختلفوا في هذا التسبيح. فالأكثرون حملوه على الصلاة المفروضة، وهؤلاء منهم من حمله على صلاة الصبح والعصر، فقال: كانتا واجبتين في بدء الحال ثم زيد فيهما، وقال عليه السلام: "حديث : من صلى صلاة البردين دخل الجنة"تفسير : . وقيل: أراد الصلوات المفروضة، فالتي تؤدى بالغداة صلاة الفجر، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الأصيل يجمعهما، و"الآصال" جمع أَصيل، وهو العشي. وإنما وحد "الغدو" لأنه مصدر في الأصل لا يجمع، و"الأَصِيل" اسم فجمع. قال الزمخشري: "بالغدو، أي بأوقات الغد، أي بالغدوات". وقيل: صلاة الضحى، قال عليه السلام: "حديث : من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهِّر، فأجره كأجر الحاجِّ المُحْرم، ومن مشى إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المُعْتَمِر، وصلاةٌ على إثر صلاة لا لَغْوَ بينهما كتاب في عِلِّيِّين"تفسير : . وقال ابن عباس: "إنّ صلاة الضحى لفي كتاب الله (مذكورة) (وتلا هذه) الآية. وقيل: المراد منه تنزيه الله تعالى عما لا يليق به في ذاته وفعله؛ لأنه قد عطف على ذلك الصلاة والزكاة فقال: {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ}. وهذا الوجه أظهر. وقرئ: "بالغدو والإيصَالِ" وهو الدخول في الأصل. قوله: "لا تُلْهِيهِمْ" في محل رفع صفة لـ "رِجَالٌ". (و) خص الرجال بالذكر في هذه المساجد، لأنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المسجد. "لاَ تُلْهِيهِمْ": تشغلهم، "تِجَارَةٌ" قيل: خص التجارة بالذكر، لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة والطاعات. قال الحسن: أما والله إنهم كانوا يتجرون، ولكن إذا جاءتهم فرائض الله لم يلههم عنها شيء، فقاموا بالصلاة والزكاة. فإن قيل: البيع داخل في التجارة، فلم أعاد البيع؟ فالجواب من وجوه: الأول: أن التجارة جنس يدخل تحته أنواع الشراء والبيع، وإنما خص البيع بالذكر لأن الالتهاء به أعظم، لكون الربح الحاصل من البيع معين ناجز، والربح الحاصل من الشراء مشكوك مستقبل. الثاني: أن البيع تبديل العرض بالنقدين، والشراء بالعكس، والرغبة في تبديل النقد أكثر من العكس. الثالث: قال الفراء: التجارة لأهل الجَلْب، يقال: تجر فلان في كذا: إذا جلبه من غير بلده، والبيع ما باعه على يديه. الرابع: أراد بالتجارة الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعاً، لأنه ذكر البيع بعده كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً} تفسير : [الجمعة: 11] يعني: الشراء. قوله: {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} عن حضور المساجد لإقامة الصلاة. فإن قيل: فما معنى قوله: "وَإقَامِ الصَّلاَةِ؟" فالجواب قال ابن عباس: المراد بإقامة الصلاة: إقامتها لمواقيتها، لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة. ويجوز أن يكون قوله: "الصَّلاَة" تفسيراً لذكر الله، فهم يذكرون قبل الصلاة. قال الزجاج: وإنما حذفت الهاء، لأنه يقال: أقمت الصلاة إقامة، وكان الأصل: إقواماً، ولكن قُلِبَت الواو ألفاً، فاجتمعت ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي: أقَمْتُ الصلاة إقاماً، فأدخلت الهاء عوضاً عن المحذوف، وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة وهذا إجماع من النحويين. فصل المراد: الصلوات المفروضة لما روى سالم (عن) ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة، فقام الناس وأغلقوا حوانيتهم، فدخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت هذه الآية: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ}. وقوله: "وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ" يريد: المفروضة. قال ابن عباس: إذا حضر وقت أداء الزكاة لم يحبسوها. وروي عن ابن عباس أيضاً: المراد من الزكاة: طاعة الله والإخلاص. وهذا ضعيف لأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء، وهذا لا يحتمل إلا ما يعطى من حقوق المال. قوله: "يخَافُونَ يَوْماً" يجوز أن يكون نعتاً ثانياً لـ "رِجَالٌ"، وأن يكون حالاً من مفعول "تُلْهِيهِمْ" و"يَوْماً" مفعول به لا ظرف على الأظهر، و"تَتَقَلَّبُ" صفة لـ "يَوْماً". قوله: {تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ}: تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشرك والكفر وتنفتح الأبصار من الأغطية بعد أن كانت مطبوعة عليها لا تبصر، وكلهم انقلبوا من الشك إلى اليقين، كقوله: {أية : وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} تفسير : [الزمر: 47] وقوله: {أية : لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق: 22]. وقيل: تتقلب القلوب تطمع في النجاة وتخشى الهلاك، وتتقلب الأبصار من أي ناحية يؤخذ أمن ناحية اليمين أم من ناحية الشمال؟ ومن أي ناحية يعطون كتابهم، أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال؟ والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل، لأنهم قالوا: إن أهل الثواب لا خوف عليهم البتة، وأهل العقاب لا يرجون العفو. وقيل: إن القلوب تزول من أماكنها فتبلغ الحناجر، والأبصار تصير زرقاً. وقيل: تقلب البصر: شخوصه من هول الأمر وشدته. (وقال الجبائي: تقلب القلوب والأبصار): تغير هيئاتها بسبب ما ينالها من العذاب. قال: ويجوز أن يريد به تقليبها على جمر جهنم كقوله: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام: 110]. قوله: "لِيَجْزِيَهُمْ". يجوز تعلقه بـ "يُسَبِّحُ" أي: يُسَبِّحون لأجل الجزاء. ويجوز تعلقه بمحذوف، أي: فعلوا ذلك ليجزيهم. وظاهر كلام الزمخشري أنه من باب الإعمال، فإنه قال: والمعنى: يُسبِّحونَ وَيَخَافُونَ (لِيَجْزيهمْ"). ويكون على إعمال الثاني للحذف من الأول. وقوله: {أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} أي: ثواب أحسن، أو أحسن جزاء ما عملوا، و"ما" مصدرية، أو بمعنى الذي، أو نكرة. فصل المراد بالأحسن: الحسنات أجمع، وهي الطاعات فرضها ونفلها. قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن لأنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم، بل يغفرها لهم. وقيل: يجزيهم جزاء أحسن ما عملوا على الواحد عشر إلى سبعمائة. ثم قال: {وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي: ما لم يستحقوه بأعمالهم. فإن قيل: هذا يدل على أن لفعل الطاعة أثر في استحقاق الثواب، لأنه تعالى ميز الجزاء عن الفضل، وأنتم لا تقولون بذلك، فإن عندكم العبد لا يستحق على ربه شيئاً؟ قلنا: نحن نثبت الاستحقاق بالوعد، فذلك القدر هو الذي يستحق، والزائد عليه هو الفضل. ثم قال: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وذلك تنبيه على كمال قدرته، وكمال جوده، وسعة إحسانه، فكأنه تعالى لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة، وهم مع ذلك في نهاية الخوف، فالحق سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم.

البقاعي

تفسير : ولما كان كأنه قيل: فأي شيء يكون هذه المشكاة؟ قال شافياً على هذا السؤال: {في بيوت} أي في جدران بيوت، فجمع دلالة على أن المراد بالمشكاة الجنس لا الواحد، وفي وحدتها ووحدة آلات النور إشارة إلى عزته جداً {أذن الله} أي مكن بجلاله فأباح وندب وأوجب {أن ترفع} حساً في البناء، ومعنى بإخلاصها للعمل الصالح، من كل رافع أذن له سبحانه في ذلك، فعلى المرء إذا دخلها أن يتحصن من العدو بما رواه أبو دواد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: "حديث : أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم"تفسير : قال عقبة بن مسلم: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر يوم. {ويذكر} من كل ذاكر أذن له سبحانه {فيها اسمه} أي ذكراً صافياً عن شوب، وخالصاً عن غش {يسبح} أي يصلي وينزه {له} أي خاصة {فيها بالغدو} أي الإبكار، بصلاة الصبح {والآصال*} أي العشيات، ببقية الصلوات، فيفتحون أعمالهم ويختمونها بذكره ليحفظوا فيما بين ذلك ويبارك لهم فيما يتقلبون فيه، وجمع الأصيل لتحقق أن المراد الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ قال البغوي: لأن اسم الأصيل يجمعها. {رجال} أيّ رجال {لا تلهيهم تجارة} أي ببيع أو شرى أو غيرهما، يظهر لهم فيها ربح. ولما كان الإنسان قد يضطر إلى الخروج بالبيع عن بعض ما يملك للاقتيات بثمنه أو التبلغ به إلى بعض المهمات التي لا وصول له إليها إلا به، أو بتحصيل ما لا يملك كذلك مع أن البيع في التجارة أيضاً هو الطلبة الكلية لأنه موضع تحقق الربح الذي لا صبر عنه، قال: {ولا بيع} أي وإن لم يكن على وجه التجارة، والبيع يطلق بالاشتراك على التحصيل الذي هو الشرى وعلى الإزالة {عن ذكر الله} أي الذي له الجلال والإكرام مطلقاً بصلاة وغيرها، فهم كل وقت في شهود ومراقبة لمن تعرف إليهم بصفات الكمال {و} لا يلهيهم ذلك عن {إقام الصلاة} التي هي طهرة الأرواح، أعادها بعد ذكرها بالتسبيح تصريحاً بها تأكيداً لها وحثاً على حفظ وقتها لأنه من جملة مقوماتها وكذا جميع حدودها ولو بأوجز ما يكون من أدنى الكمال - بما أشار إليه حرف التاء إشعاراً بأن هذا المدح لا يتوقف على أنهى الكمال {و} لا عن {إيتاء الزكاة} التي هي زكاء الأشباح ونماؤها، وخص الرجال مع أن حضور النساء المساجد سنة شهيرة، إشارة إلى أن صلاتهن في بيوتهن أفضل لما روى أبو داود في سننه وابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها"تفسير : . والمخدع: الخزانة. وللإمام أحمد والطبراني وابن خزيمة والحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : خير مساجد النساء قعر بيوتهنتفسير : . ولأحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما حديث : عن أم حميدة امرأة أبي حميد الساعدي رضي الله عنهما أنها قالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك، قال:قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي" تفسير : ، قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل. ولما وصف الرجال المذكورين ما وصفهم به، ذكر علة فعلهم لذلك زيادة في مدحهم فقال: {يخافون يوماً} وهو يوم القيامة، هو بحيث {تتقلب فيه} أي لشدة هوله، تقلباً ظاهراً - بما اشار إليه إثبات التاءين {القلوب والأبصار*} أي بين طمع في النجاة، وحذر من الهلاك، ويمكن أن يقال: المشاكي - والله أعلم - هي المساجد، والزجاج هي الرجال، والمصابيح هي القلوب، وتلألؤها ما تشتمل عليه من المعاني الحاملة على الذكر، والشجرة الموصوفة هي مثال الأبدان، التي صفاها الله من الأدران، وطبعها على الاستقامة، والزيت مثال لما وضع سبحانه فيها من جميل الأسرار، وقد ورد في بعض الأخبار أن المساجد لأهل السماوات كالنجوم لأهل الأرض، وفي معجم الطبراني في الأوسط عن ابن عمر رضي الله عنهما: "كمشكاة" قال: جوف محمد صلى الله عليه وسلم، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي في قلبه، والشجرة إبراهيم عليه السلام، {لا شرقية ولا غربية}: لا يهودي ولا نصراني. ولما بين تعالى أفعال هؤلاء الرجال التي أقبلوا بها عليه، وأعرضوا عما عداه، بين غايتهم فيها فقال: {ليجزيهم} أي يفعلون ذلك ليجزيهم {الله} أي في دار كرامته بعد البعث بعظمته وجلاله، وكرمه. وجماله {أحسن ما عملوا} أي جزاءه. ويغفر لهم سيئه {ويزيدهم من فضله} على العدل من الجزاء ما لم يستحقوه - كما هي عادة أهل الكرم. ولما كان التقدير: فإن الله لجلاله، وعظمته وكماله، لا يرضى أن يقتصر في جزاء المحسن على ما يستحقه فقط، عطف عليه بياناً لأن قدرته وعظمته لا حد لها قولَه: {والله} أي الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه {يرزق من يشاء}. ولما كان المعنى: رزقاً يفوق الحد، ويفوت العد، عبر عنه بقوله: {بغير حساب*} فهو كناية عن السعة، ويجوز أن يكون مع السعة التوفيق، فيكون بشارة بنفي الحساب في الآخرة أيضاً أصلاً ورأساً، لأن ذلك المرزوق لم يعمل ما فيه درك عليه فلا يحاسب، أو يحاسب ولا يعاقب؛ فيكون المراد بنفي الحساب نفي عسره وعقابه، ويجوز أن يزاد الرزق كفافاً، وقد ورد أنه لا حساب فيه؛ روى ابن كثير من عند ابن أبي حاتم بسنده عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء منادٍ فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق ".تفسير : ولما أخبر تعالى أن الذين اتبعوا نور الحق سبحانه، وصلوا - من جزائه بسبب ما هداهم إليه النور من الأعمال الصالحة - إلى حقائق هي في نفس الأمر الحقائق، أخبر عن أضدادهم الذين اتبعوا الباطل فحالت جباله الوعرة الشامخة بين أبصار بصائرهم وبين تلك الأنوار بضد حالهم فقال: {والذين كفروا} أي ستروا بما لزموه من الضلال ما انتشر من نور الله {أعمالهم} كائنة في يوم الجزاء {كسراب} وهو ما تراه نصف النهار في البراري لاصقاً بالأرض يلمع كأنه ماء، وكلما قربت منه بعد حتى تصل إلى جبل ونحوه فيخفى؛ قال الرازي في اللوامع: والسراب شعاع ينكشف فينسرب ويجري كالماء تخيلاً؛ وقال ابن كثير: يرى عن بعد كأنه بحر طام، وإنما يكون ذلك بعد نصفف النهار، وأما الآل فإنما يكون أول النهار، يرى كأنه ماء بين السماء والأرض - انتهى. وقال البغوي: والآل ما ارتفع عن الأرض، وهو شعاع يرى بين السماء والأرض بالغدوات شبه الملاءة، يرفع فيه الشخوص، يرى فيه الصغير كبيراً، والقصير طويلاً، والرقراق يكون بالعشايا، وهو ما ترقرق من السراب، أي جاء وذهب. {بقيعة} جمع قاع، وهو أرض سهلة مطمئنة فد انفرجت عنها الجبال والآكام - قاله في القاموس. وقال أبو عبد الله القزاز في ديوانه: القيعة والقاع واحد، وهما الأرض المستوية الملساء يحفن فيها التراب، الفراء: القيعة جمع قاع كجار وجيرة. وقال الصغاني في مجمع البحرين: والقاع: المستوي من الأرض، والجمع أقواع وأقوع وقيعان، صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها، والقيعة مثل قاع، وهو أيضاً من الواو، وبعضهم يقول: هو جمع؛ وقال ابن جرير: والقاع ما انبسط من الأرض واتسع، وفيه يكون السراب. وقال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: قال الفراء: القاع: مستنقع الماء، والقاع: المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه المطر فيمسكه ويستوي نباته، وجمعه قيعة وقيعان. {يحسبه الظمآن} أي العطشان الشديد العطش من ضعف العقل {ماء} فيقصده ولا يزال سائراً {حتى إذا جاءه} أي جاء الموضع الذي توهمه به {لم يجده شيئاً} من الأشياء، فلم يفده قصده غير زيادة العطش بزيادة التعب، وبعده عن مواطن الرجاء، فيشتد بأسه، وتنقطع حليه فيهلك، وهكذا الكافر يظن أعماله تجديه شيئاً فإذا هي قد أهلكته. ولما كان الله محيطاً بعلمه وقدرته بكل مكان قال: {ووجد الله} أي قدرة المحيط بكل شيء {عنده} أي عند ذلك الموضع الذي قصده لما تخيل فيه الخير فخاب ظنه {فوفاه حسابه} أي جزاء عمله على ما تقتضيه أعماله على حكم العدل، فلم يكفِ هذا الجاهل خيبة وكمداً أنه لم يجد ما قصده شيئاً كغيره من السراب حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى نار، لا يفك أسيرها، ولا يخمد سعيرها. ولما كان سبحانه لا يحتاج إلى كاتب، ولا يدخل عليه لبس، ولا يصعب عليه ضبط شيء وإن كثر، ولا يقد أحد أن يتأخر عما يريده به بنوع حيلة، عبر عن ذلك بقوله: {والله} أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل {سريع الحساب*} أي لأنه لا يحتاج إلى حفظ بقلب، ولا عقد بأصابع، ولا شيء غير ذلك، ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد وبعد عمله له، لا يعزب عنه منه ولا من غيره شيء.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏في بيوت أذن الله أن ترفع‏} ‏ قال‏:‏ هي المساجد تكرم، ونهى عن اللغو فيها، ‏{‏ويذكر فيها اسمه‏}‏ ، يتلى فيها كتابه، يسبح‏:‏ يصلي له فيها، بالغدوة‏:‏ صلاة الغداة، والآصال‏:‏ صلاة العصر، وهما أول ما فرض الله من الصلاة، وأحب أن يذكرهما ويذكرهما عباده‏. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يجمع الناس في صعيد واحد، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، فينادي مناد‏:‏ سيعلم أهل الجمع لمن الكرم اليوم ثلاث مرات ثم يقول‏:‏ أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع‏:‏ ثم يقول‏:‏ أين الذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله‏؟‏ ثم يقول‏:‏ أين الحمادون الذين كانوا يحمدون ربهم‏؟‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏في بيوت أذن الله أن ترفع‏} ‏ قال‏:‏ هي المساجد‏.‏ أذن الله في بنيانها ورفعها، وأمر بعمارتها وبطهورها‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ‏ {‏في بيوت أذن الله أن ترفع‏} ‏ قال‏:‏ في مساجد أن تبنى‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله ‏{‏أذن الله أن ترفع‏} ‏ يقول‏:‏ أن تعظم بذكره ‏ {‏يسبح‏} ‏ يصلي له فيها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ‏{‏في بيوت أذن الله أن ترفع‏} ‏ قال‏:‏ إنما هي أربع مساجد لم يُبْنِهُنَّ إلا نبي‏.‏ الكعبة بناها إبراهيم واسمعيل، وبيت المقدس بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة قال‏:‏ حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏{‏في بيوت أذن الله أن ترفع‏} ‏ فقام إليه رجل فقال‏:‏ أي بيوت هذه يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ بيوت الأنبياء‏.‏ فقام إليه أبو بكر فقال‏:‏ يا رسول الله هذا البيت منها‏؟‏ البيت علي وفاطمة قال‏:‏ نعم‏.‏ من أفاضلها‏‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن ابن بريدة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول‏:‏ من دعا إلى الجمل الأحمر في المسجد فقال‏:‏ ‏"‏لا وجدته ثلاثاً إنما بنيت هذه المساجد للذي بنيت له"‏"تفسير : وقال أبو سنان الشيباني في قوله ‏ {‏في بيوت أذن الله أن ترفع‏}‏ قال‏:‏ تعظم‏.‏ وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عائشة قالت‏:‏ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب‏.‏ وأخرج أحمد عن عروة بن الزبير عمن حدثه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصنع المساجد في دورنا، وأن نصلح صنعتها، ونطهرها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى عن ابن عمر‏.‏ أن عمر كان يجمر المسجد في كل جمعة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن يواريه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : البزاق في المسجد خطيئة ودفنه حسنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏تبعث النخامة يوم القيامة في القبلة وهي في وجه صاحبها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من بزق في قبلة ولم يوارها جاءت يوم القيامة أحمى ما تكون حتى تقع بين عينيه‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال "من صلى فبزق تجاه القبلة جاءت البزقة يوم القيامة في وجهه‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال ‏"إذا بزق في القبلة جاءت أحمى ما تكون يوم القيامة حتى تقع بين عينيه‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال‏:‏ إن المسجد لينزوي من المخاط أو النخامة كما تنزوي الجلدة من النار‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن العباس بن عبد الرحمن الهاشمي قال‏:‏ "أول ما خلقت المساجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المسجد نخامة، فحكها ثم أمر بخلوق فلطخ مكانها قال "‏فخلق الناس المساجد"". وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في قبلة المسجد نخامة، فقام إليها فحكها بيده، ثم دعا بخلوق فقال الشعبي‏:‏ هو سنة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن يعقوب بن زيد‏؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتبع غبار المسجد بجريدة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال‏:‏ كان المسجد يرش ويقم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن رجل من الأنصار قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليصرها في ثوبه حتى يخرجها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏خصال لا ينبغين في المسجد:‏ لا يتخذ طريقاً، ولا يشهر فيه سلاح، ولا يقبض فيه بقوس، ولا يتخذ سوقاً "‏. تفسير : وأخرج ابن ماجة عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراركم، وبيعكم، وخصوماتكم، واقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وبخروها في الجمع‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة عن أبي موسى قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : إذا مر أحدكم بالنبل في المسجد فليمسك على نصولها‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء في المسجد، وعن تناشد الأشعار، ولفظ ابن أبي شيبة عن انشاد الضوال‏.‏ وأخرج الطبراني عن ثوبان قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏"حديث : ‏من رأيتموه ينشد شعراً في المسجد فقولوا له فض الله فاك ثلاث مرات، ومن رأيتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا وجدتها ثلاث مرات، ومن رأيتموه يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا‏:‏ لا أربح الله تجارتك ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن جبير بن مطعم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : لا تسل السيوف، ولا تنثر النبل في المساجد، ولا يحلف بالله في المساجد، ولا تمنع القائلة في المساجد مقيماً ولا مضيفاً، ولا تبنى التصاوير، ولا تزين بالقوارير، فإنما بنيت بالأمانة، وشرفت بالكرامة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن جبير بن مطعم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏لا تقام الحدود في المساجد‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه قال لرجل أخرج حصاة من المسجد‏:‏ ردها وإلا خاصمتك يوم القيامة‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال‏:‏ إن الحصاة إذا أخرجت من المسجد تناشد صاحبها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال‏:‏ إذا خرجت الحصاة من المسجد صاحت أو سبحت‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال‏:‏ الحصاة تسب وتلعن من يخرجها من المسجد‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سليمان بن يسار قال‏:‏ الحصاة إذا خرجت من المسجد تصيح حتى ترد إلى موضعها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏بسم الله والسلام على رسول الله‏.‏ اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"‏.‏ وإذا خرج قال‏:‏ "‏بسم الله والسلام على رسول الله‏.‏ اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏اعطوا المساجد حقها قيل‏:‏ وما حقها‏؟‏ قال‏: ركعتان قبل أن تجلس ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال‏:‏ من أشراط الساعة أن تتخذ المساجد طرقا‏ً.‏ والله أعلم‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ {‏يسبح له فيها بالغدوّ والآصال‏}‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ (‏يسبح) بنصب الباء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال‏:‏ إن صلاة الضحى لفي القرآن، وما يغوص عليها الأغواص‏.‏ في قوله ‏{‏في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدوّ والآصال‏}‏ ‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} لمَّا ذُكر شأنُ القرآن الكريم في بـيانه للشَّرائع والأحكام ومباديها وغاياتها المترتِّبةِ عليها من الثَّوابِ والعقاب وغير ذلك من أحوال الآخرة وأهوالِها وأُشير إلى كونِه في غاية ما يكونُ من التَّوضيحِ والإظهار حيثُ مُثِّل بما فُصِّل من نور المشكاة، وأُشير إلى أنَّ ذلك النُّورَ مع كونِه في أقصى مراتبِ الظُّهور إنَّما يهتدي بهداه من تعلَّقتْ مشيئةُ الله تعالى بهدايته دُونَ مَن عداه عقَّب ذلك بذكر الفريقينِ وتصوير بعض أعمالهم المُعربةِ عن كيفيَّةِ حالهم في الاهتداءِ وعدمه. والمرادُ بالبـيوتِ المساجدُ كلِّها حسبما رُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما وقيل: هي المساجدُ التي بناها نبـيٌّ من أنبـياء الله تعالى: الكعبةُ التي بناها إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السَّلامُ وبـيتُ المقدسِ الذي بناه داودُ وسليمانُ عليهما السَّلامُ ومسجدُ المدينةِ ومسجدُ قُباءَ اللذانِ بناهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. وتنكيرُها للتَّفخيم والمرادُ بالإذنِ في رفعها الأمرُ ببنائها رفيعةً لا كسائر البـيوتِ وقيل: هو الأمر برفعِ مقدارها بعبادة الله تعالى فيها فيكونُ عطفُ الذِّكرِ عليه من قبـيل العطفِ التفسيريِّ. وأيًّا ما كان ففي التَّعبـير عنه بالإذن تلويحٌ بأنَّ اللائقَ بحال المأمور أنْ يكونَ متوجِّهاً إلى المأمور به قبل ورود الأمر به ناوياً لتحقيقِه كأنَّه مستأذنٌ في ذلك فيقع الأمرُ به موقعَ الإذن فيه. والمرادُ بذكر اسمه تعالى ما يعمُّ جميعَ أذكارِه تعالى. وكلمةُ في متعلِّقةٌ بقوله تعالى: {يُسَبّحُ لَهُ} وقولُه تعالى: {فِيهَا} تكريرٌ لها للتَّأكيد والتَّذكيرِ لما بـينهما من الفاصلةِ وللإيذانِ بأنَّ التَّقديمَ للاهتمام لا لقصر التَّسبـيحِ على الوقوع في البـيوت فقط. وأصلُ التَّسبـيحِ التَّنزيهُ والتَّقديسُ، يُستعملُ باللامِ وبدونِها أيضاً كما في قوله تعالى: { أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1] قالوا: أُريد به الصَّلواتُ المفروضةُ كما يُنبىء عنه تعيـينُ الأوقاتِ بقوله تعالى: {بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ} أي بالغَدَواتِ والعَشَايا على أنَّ الغُدوَّ إمَّا جمعُ غداةٍ كقُنيَ في جمع قَنَاةٍ كما قيل. أو مصدرٌ أُطلق على الوقت حسبما يُشعر به اقترانُه بالآصالِ وهو جمع أَصيلٍ وهو العَشِيُّ وهو شامل لأوقاتِ ما عدا صلاةَ الفجرِ المؤدَّاةَ بالغداةِ، ويجوزُ أنْ يرادَ به نفسُ التَّنزيه على أنَّه عبارة عمَّا يقعُ منه في أثناء الصَّلواتِ وأوقاتها لزيادةِ شرفِه وإنافتِه على سائر أفراده أو عمَّا يقعُ في جميع الأوقاتِ. وإفرادُ طَرَفي النَّهارِ بالذِّكرِ لقيامِهما مقامَ كلِّها لكونِهما العمدةَ فيها بكونِهما مشهورينَ وكونِهما أشهرَ ما يقعُ فيه المباشرةُ للأعمال والاشتغالُ بالأشغالِ. وقُرىء والإيصالِ وهو الدُّخولُ في الأصيلِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} [الآية: 36]. قال بعضهم: رفع فيها الحوائج إلىّ. وقال أبو عثمان: إذا دخلت المسجد فادفع عن قلبك كل هم سوى الله فإن الله عز وجل خص بها الرفع والذكر فقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} [الآية: 36]. وقال بعضهم: ترفع الحوائج من القلوب وتشتغل القلوب بالذكر إن النبى صلى الله عليه وسلم يقول حاكيًا عن ربه تعالى: "حديث : من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيه أفضل ما أعطى السائلين ".

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ}. المساجدُ بيوتَه - سبحانه - وإنَّ الله أَذِنَ أَنْ تُرْفَعُ الحوائجُ فيها إليه فيقضيها، ورَفَعَ أقدارَ تلك البيوتِ على غيرها من الأبنية والآثار. المساجدُ بيوتُ العبادة والقلوبُ بيوتُ الإرادة؛ فالعابِدُ يَصِلُ بعبادته إلى ثوابِ الله، والقاصدُ يصل بإرادته إلى الله. ويقال القلوبُ بيوتُ المعرفة، والأرواحُ مَشاهِدُ المحبة، والأسرار محالُّ المشاهدة. قوله: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ...} لم يقل: لا يتجرون ولا يشترون ولا يبيعون، بل قال: لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله، فإنْ أمكن الجمع بينهما فلا بأسَ - ولكنه كالمتعذر - إلاَّ على الأكابر الذين تجري عليهم الأمورُ وهم عنها مأخوذون. ويقال هم الذين يُؤْثِرون حقوقَ الحقِّ على حظوظ النَّفْس. ويقال إذا سمعوا صوتَ المؤذن: حيَّ على الصلاة تركوا ما هم فيه من التجارة والبيع، وقاموا الأداء حقه. ويقال هم الخواص والأكابر الذين لا يشغلهم قوله: {أية : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الصف: 10] عن التحقق بذكره من غير ملاحظة عِوَضٍ أو مطالعة سبب. قوله جلّ ذكره: {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ}. أقوامٌ ذلك اليومُ مُؤَجَّلٌ لهم، وآخرون: ذلك لهم مُعَجَّلٌ وهو بحسب ما هم فيه من الوقت؛ فإنَّ حقيقةَ الخوفِ تَرَقُّبِ العقوباتِ مع مجاري الأنفاس. قوله جل ذكره: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. مَنْ رَفَعَ الحسابَ من الوَسَطَ يَرْفَعْ معه الحساب، ومَنْ هو في أَسْرِ مطالباته فالوزنُ يومئذٍ الحقُّ. والرزقُ بغير حسابٍ في أرزاق الأرواح، فأَمَّا أرزاقُ الأشباحِ فمحصورةٌ معدودةٌ؛ لأن أرزاقَ الأشباحِ حظوظٌ؛ وهي وجودُ أفضال وفنونُ نوالٍ. وما حَصَرَه الوجودُ مِنَ الحوادثِ فلا بُدَّ أن يأتيَ عليه العَدَدُ، وأما مكاشفةُ الأرواحِ بشهودِ الجمالِ والجَلال فذلك على الدوام.

اسماعيل حقي

تفسير : {فى بيوت} متعلق بالفعل المذكور بعده وهو يسبح، قال فى المفردات اصل البيت مأوى الانسان بالليل ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه وجمعه ابيات وبيوت لكن البيوت بالمسكن اخص والابيات بالشعر ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر ومن صوف ووبر وبه شبه بيت الشعر وعبر عن مكان الشىء بانه بيته والمراد بالبيوت المساجد كلها لقول ابن عباس رضى الله عنهما المساجد بيوت الله فى الارض تضيء لاهل السماء كما تضيء النجوم فى الارض {اذن الله} الاذن فى الشىء اعلام باجازته والرخصة فيه {ان ترفع} بالبناء او التعظيم ورفع القدر: يعنى [آنرا رفيع قدر وبزرك مرتبه دانند]، قال الامام الراغب الرفع يقال تارة فى الاجسام الموضوعة اذا عليتها عن مقرها نحو قوله تعالى {أية : ورفعنا فوقكم الطور}تفسير : وتارة فى البناء اذا طولته نحو قوله تعالى {أية : واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت}تفسير : وتارة فى الذكر اذا نوهته نحو قوله تعالى {أية : ورفعنا لك ذكرك}تفسير : وتارة فى المنزلة اذا شرفتها نحو قوله تعالى {أية : ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات}تفسير : {ويذكر فيها اسمه} اسم الله تعالى ما يصح ان يطلق عليه بالنظر الى ذاته او باعتبار صفة من صفاته السلبية كالقدوس او الثبوتية كالعليم او باعتبار فعل من افعاله كالخالق لكنها توقيفيه عند بعض العلماء وهو عام فى كل ذكر توحيدا كان او تلاوة قرآن او مذاكرة علوم شرعية او اذانا او اقامة او نحوها: يعنى [در آنجا بذكر ونماز اشتغال بايد نمود وازسخن دنيا وكلام مالا يعنى براحتراز بايد بود] وفى الاثر "حديث : الحديث فى المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البيهمة الحشيش"تفسير : {يسبح له فيها} فيها تكرير لقوله فى بيوت للتأكيد والتذكير لما بينهما من الفاصلة وللايذان بان التقديم للاهتمام لا لقصر التسبيح على الوقوع فى البيوت فقط والتسبيح تنزيه الله واصله المرّ السريع فى عبادة الله فان السبح المرّ السريع فى الماء او فى الهواء يستعمل باللام وبدونها ايضا وجعل عاما فى العبادات قولا كان او فعلا او نية اريد به ههنا الصلوات المفروضة كما ينبىء عنه تعيين الاوقات بقوله تعالى {بالغدو والآصال} اى بالغدوات والعشيات فالمراد بالغدو وقت صلاة الفجر المؤداة بالغداة وبالآصال ماعداه من اوقات صلوات الظهر والعصر والعشائين لان الاصيل يجمعها ويشملها كما فى الكواشى وغيره. والغدو مصدر يقال غدا يغدو غدوا اى دخل فى وقت الغدوة وهى ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس والمصدر لا يقع فيه الفعل فاطلق على الوقت حسبما يشعر اقترانه بالآصال جمع اصيل وهو العشى اى من زوال الشمس الى طلوع الفجر.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (في بيوت): يتعلق بمشكاة، أي: كائنة في بيوت، أو توقد، أو يسبح، أي: يسبح له رجال في بيوت، وفيه تكرير؛ لزيادة التأكيد، نحو: زيد في الدار جالس فيها، أو بمحذوف، أي: سبّحوا في بيوت. و(أَذِنَ): نَعْتٌ له. يقول الحق جل جلاله: وذلك النور الذي في المشكاة يكون {في بيوتٍ أَذن الله أن ترفع}، وهي المساجد والزوايا المُعدَّة لذكر الله والصلاة وتلاوة القرآن. ورفعها: تعظيمها. أي: التي أمر الله بتعظيمها؛ كتطهيرها من الخبث، وتنقيتها من القذى، وتعليق القناديل ونصب الشموع، ويزاد التعظيم في شهر رمضان. ومن تعظيمها: غلقها في غير أوقات الصلاة، وقيل المراد برفعها: بناؤها، كقوله تعالى: {أية : ... بَنَـٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَاَ...} تفسير : [النازعات:27 - 28] {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [البقرة:127]، والأول أصح. {و} أَذِنَ أيضاً أن {يُذْكَرَ فيها اسمُه} ، وهو عام في جميع الذِّكْر، مفرداً أو جماعة، ويدخل فيه تلاوة القرآن. {يُسَبِّحُ له فيها بالغُدوّ والآصال} أي: يصلي له فيها بالغداة: صلاة الفجر، والآصال: صلاة الظهر والعصر والعِشَاءين. وإنما وَحَّد الغدو؛ لأن صلاته صلاة واحدة، وفي الآصال صلوات، وهو جمع أصيل، وفاعل "يُسَبِّحُ": رجال. ومن قرأ بفتح الباء، فأسنده إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني: (له فيها بالغدو) .و "رجال": مرفوع بمحذوف، دل عليه {يُسبح} أي: يسبحه {رجالٌ لا تُلهيهم}: لا تشغلهم {تجارةٌ} في السفر، {ولا بيعٌ} في الحضر، {عن ذكر الله} باللسان والقلب، وقيل: التجارة: الشراء، أي: لا يشغلهم شراء ولا بيع عن ذكر الله، والجملة صفة لرجال، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، مفيدة لكمال تَبَتُّلِهِمْ إلى الله تعالى، واستغراقهم فيما حكى عنهم من التسبيح من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم. وتخصيصُ التِّجَارَةِ بالذكر؛ لكونها أقوى الصوارف عندهم وأشهرها، أي: لا يشغلهم نوع من أنواع التجارة، ولا فرد من أفراد البياعات، وإن كان في غاية الربح. وإفراده بالذكر، مع اندراجه تحت التجارة؛ لأنه ألهى؛ لأن ربحه متيقن ناجز في الغالب، وما عداه متوقع في ثاني الحال. {و} لا يشغلهم ذلك أيضاً عن {إِقامِ الصلاةِ} أي: إقامتها لمواقيتها من غير تأخير، وأصله: وإقامة، فأسقطت التاء المعوضة عن العين الساقطة بالإعلال، وعوض عنها الإضافة، فأقيمت الإضافة مقام التاء، {وإِيتاء الزكاة} أي: وعن إيتاء الزكاة، وذكرها، وإن لم يكن مما تفعل في البيوت، لكونها قرينتها لا تفارق إقامة الصلاة في عامة المواضع، مع ما فيه من التنبيه على أن مَحَاسِنَ أعمالهم غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فيما يقع في المساجد. والمعنى: لا تجارة لهم حتى تلهيهم، أو يبيعون ويشترون ويذكرون الله مع ذلك، لا يشغلهم عن ذكر الله شيء، وإذا حضرت الصلاة قاموا إليها مسرعين. {يخافون يوماً} أي: يوم القيامة {تتقلَّبُ فيه القلوبُ} أي: تضطرب وتتغير من الهول والفزع، وتبلغ إلى الحناجر، {و} تتقلب {الأبصارُ} بالشخوص أو الزرقة. أو تتقلب القلوب إلى الإيمان بعد الكفران، والأبصار إلى العيان بعد النكران، كقوله: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق: 22]. يفعلون ذلك الاستغراق في التسبيح والذكر، مع الخوف؛ {ليجزيهم الله أحسنَ ما عَمِلُوا} أي: أحسن جزاء أعمالهم، حسبما وعدهم بمقابلة حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، {ويزيدَهُم من فَضْلِه} أي: يتفضل عليهم بأشياء وعدهم بها، لم تخطر على بال؛ كالنظر إلى وجهه، وزيادة كشف ذاته، فهو كقوله: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26]. {والله يرزق من يشاء بغير حساب} أي: يثيب من يشاء ثواباً لا يدخل تحت حساب الخلق، و "مَنْ": واقعة على من ذُكِرَتْ أوصافهم الجميلة، كأنه قيل: والله يرزقهم بغير حساب، ووضعه موضع ضميرهم؛ للتنبيه على أن مناط الرزق المذكور مَحْضُ مشيئتِه تعالى، لا أعمالهم المحكية، ويحتمل أن يريد بالرزق ما يرزقهم في الدنيا مما يقوم بأمرهم، حين تَبتَّلُوا إلى العبادة، يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون، من غير حَصْرٍ ولا عد. والله تعالى أعلم. الإشارة: البيوت التي أَذِنَ الله أن تُرفع هي القلوب، التي هي معدن الأسرار ومحل مصابيح الأنوار، ورفعها: صونها من الأغيار، وتطهيرها من لوث الأكدار، وبُعدها من جيفة الدنيا، التي هي مجمع الخبائث والأشرار، ليُذكَرَ فيها اسم الله، كثيراً، على نعت الحضور والاستهتار، وإنما يمكن ذلك من أهل التجريد والانقطاع إلى الله، الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب عن حضرة الله، والأبصار عن شهود الله، وذلك بشؤم الغفلة في الدنيا عن الله، والقيام بحقوق الله، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا، في جنة الزخارف، ويزيدهم من فضله التَّنَزُّهَ في جنة المعارف. والله يرزق من العلوم والمعارف من يشاء بغير حساب. ثم ذكر ضد أهل النور وهم أهل الظلمة فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ...}

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر وابو بكر وابن شاهي عن حفص {يسبح} بفتح الباء. الباقون بكسرها، فمن فتح الباء، وقرأ على ما لم يسم فاعله احتلمت قراءته في رفع {رجال} وجهين: احدهما - أن يكون الكلام قد تم عند قوله {والآصال} ثم قال {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} فالتجارة الجلب، والبيع ما يبيع الانسان على يده. والوجه الثاني - أن يرفع {رجال} باضمار فعل يفسره الأول، فيكون الكلام تاماً عند قوله {والآصال} ثم يبتدئ {رجال} بتقدير يسبحه رجال. وقال ابو علي: يكون أقام الجار والمجرور مقام الفاعل، ثم فسر من يسبحه، فقال {رجال} أي يسبحه رجال، ومنه قول الشاعر: شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة تفسير : كأنه قال ليبك يزيد. قيل من يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع. وقال المبرد: يجوز ان يكون يسبح نعتاً للبيوت، وتقديره فى بيوت اذن الله برفها وذكر اسمه ويسبح له فيها رجال لا تلهيهم تجارة. ومن قرأ بكسر الباء - ورفع رجالا بفعلهم، فعلى هذه القراءة لا يجوز الوقف إلا على {رجال} وعلى الاول على قوله {والآصال}. والآصال جمع أصيل. وقرأ أبو محلم {الاصال} بكسر الالف جعله مصدراً. وقوله {في بيوت أذن الله} قيل فى العامل في (في) قولان: احدهما - (المصابيح) في بيوت، والعامل استقرار المصابيح، وهو قول ابن زيد. والثاني - توقد في بيوت، وهذه البيوت هي المساجد - فى قول ابن عباس والحسن ومجاهد - وقال عكرمة: هي سائر البيوت وقال الزجاج: يجوز ان تكون (فى) متصلة بيسبح ويكون فيها كقولك فى الدار قام زيد فيها. وقوله {أذن الله أن ترفع} قال مجاهد: معناه أذن الله أن تبنى، وترفع بالبناء، كما قال {أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} تفسير : وقال الحسن: معناه أن تعظم، لانها مواضع الصلوات. وقوله {ويذكر فيها اسمه} أي يذكر اسم الله فى هذه البيوت. وقيل تنزه من النجاسات والمعاصي. وقوله {يسبح له فيها بالغدو والآصال} قال ابن عباس: معناه يصلي له فيها بالغداة والعشي، وهو قول الحسن والضحاك. وقال ابن عباس: كل تسبيح فى القرآن فهو صلاة. وقوله {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} أي لا تشغلهم ولا تصرفهم التجارة والبيع عن ذكر الله وتعظيمه. وروي عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع) انه تعالى مدح قوماً إذا دخل وقت الصلاة تركوا تجارتهم وبيعهم، واشتغلوا بالصلاة. وقوله {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} أي لا تصرفهم تجارتهم عن ذكر الله، وعن اقامة الصلاة، وحذف التاء لان الاضافة عوض عنها، لانه لا يجوز أن تقول: اقمته إقاماً، وانما يجوز إقامة، والهاء عوض عن محذوف، لان أصله اقوام، فلما اضافه قامت الاضافة مقام الهاء {وإيتاء الزكاة} أي ولا يصرفهم ذلك عن اعطاء الزكاة التي افترضها الله عليهم. وقال ابن عباس: الزكاة الطاعة لله وقال الحسن: هي الزكاة الواجبة في المال قال الشاعر [في حذف الهاء والعوض عنها بالاضافة]: شعر : إن الخليط اجدّ والبين فانجردوا واخلفوك عدى الأمر الذي وعدوا تفسير : يريد عدة الأمر فحذف الهاء لما اضاف. وقوله تعالى {يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والابصار} أي يخافون عذاب يوم أو اهوال يوم تتقلب فيه القلوب من عظم اهواله، والابصار من شدة ما يعاينوه. وقيل تتقلب فيه القلوب ببلوغها الحناجر، وتقلب الابصار بالعمى بعد النظر وقال البلخي: معناه إن القلوب تنتقل من الشك الذي كانت عليه، الى اليقين والايمان. وإن الابصار تتقلب عما كانت عليه، لانها تشاهد من أهوال ذلك اليوم ما لم تعرفه، ومثله قوله {أية : لقد كنت في غفلة من هذا} تفسير : الآية. وقال الجبائي: تتقلب القلوب والابصار عن هيئاتها بأنواع العقاب كتقلبها على الجمر. وقوله {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا} أي يفعلون ذلك طلبا لمجازات الله إياهم بأحسن ما عملوا من ثواب الجنة، ويزيدهم على ذلك من فضله وكرمه. ثم اخبر تعالى انه {يرزق} على العمل بطاعته تفضلا منه تعالى {من يشاء بغير حساب} والثواب لا يكون إلا بحساب والتفضل يكون بغير حساب.

الجنابذي

تفسير : {فِي بُيُوتٍ} متعلّق بعليم واشارة الى انّ مظاهره كما انّهم مظاهر له تعالى مظاهر لجميع اسمائه وصفاته، وحجّة على انّ مظاهره انوار السّماوات والارض مثل مقام ظهوره لانّ المظاهر اذا كانوا مظاهر لعلمه الّذى هو من صفاته الحقيقيّة الّتى هى اشرف الصّفات كانوا مظاهر لاضافاته الّتى هى اضعف الصّفات والمعنى انّه كما يعلم بكلّ الاشياء فى مقام ذاته ومقام ظهوره عليم بكلّها فى مظاهره، ويجوز ان يجعل فى بيوتٍ متعلّقاً بمحذوف يفسّره يسبّح المذكور بطريق باب الاشتغال، ويجوز تعلّقه بالجمل السّابقة والمراد بتلك البيوت بيوت خلفاء الله من الانبياء والاولياء (ع) وصدورهم وقلوبهم وولايتهم ونبوّتهم وذوات الانبياء والاولياء (ع)، ويجوز ان يراد بالبيوت الّتى {أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} المساجد الصّوريّة فانّ المساجد الصّوريّة يجوز ان ترفع على سائر البيوت ولا يجوز ان ترفع البيوت عليها والمساجد الحقيقيّة اذن الله ان ترفع على كلّ الموجودات اذناً تكوينيّاً وارتفاعاً تكوينيّاً واذناً تكليفيّاً وارتفاعاً تكليفيّاً {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ} قرئ مبنيّاً للمفعول ومبنيّاً للفاعل بالياء التّحتانىّ وبالتّاء الفوقانىّ، واذا كان مبنيّاً للمفعول وبالياء التّحتانىّ كان مرفوعه واحداً من الظّروف الثّلاثة الآتية، واذا كان بالتّاء الفوقانىّ كان مرفوعه السّبحة المستفادة من الفعل، واذا كان مبنيّاً للفاعل كان مرفوعه رجالٌ، وتأنيث الفعل باعتبار صورة الجمع المكسّر وجملة يسبّح {لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} حاليّة او مستأنفة، والغدوّ مصدرٌ استعمل بمعنى اوقات الصّبح ولذلك حسن مقابلته مفرداً مع الآصال جمعاً والمراد بالتّسبيح تنزيه اللّطيفة الانسانيّة عمّا يعاوقه عن السّلوك الى الرّبّ سواءٌ عدّى بنفسه الى الله او الى اسم الله او بالّلام سواء كان الّلام للتّقوية او للغاية، فانّ تلك اللّطيفة مظهر لله واسم له وتنزيهها ليس الاّ لله.

الهواري

تفسير : قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} وهي المساجد. ذكروا عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : من بنى لله مسجداً ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة. تفسير : ذكروا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : من بنى مسجداً من ماله بنى الله له بيتاً في الجنة، وإنما يتقبّل الله من المتقين . تفسير : ذكروا أن كعباً قال: في التوراة مكتوب: إن بيوتي في الأرض المساجد؛ فمن توضأ فأحسن وضوءه، وزارني في بيتي أكرمته، وحق على المزور أن يكرم زائره. قوله: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالأَصَالِ} الغدو صلاة الصبح، والآصال: العشي، أي: الظهر والعصر. وقد ذكر في غير هذا الموضع المغرب والعشاء وجميع الصلوات الخمس.

اطفيش

تفسير : {فِي بُيُوتٍ} متعلق بمحذوف نعت لمشكاة أو حال اي كمشكاة كائنة في بيوت وانما جازت الحالية من مشكاة للوصف بقوله فيها مصباح. والمشكاة مراد بها ثلاث فاكثر لان الواحدة تكون في بيت واحد والمراد واحدة ويقدر مضاف اي في بعض بيوت أو افراد ذلك لان المراد ماله بهذا الوصف بلا اعتبار وحدة او كثرة ويجوز تعليقه بـ (يوقد) محذوفا أو يوقد في بيوت كذلك مرادا بالمصباح. والمشكاة ثلاثة فاكثر أو يقدر المضاف ويكون تقييدا للمثل به لما يكون كالبدل أو مبالغة فيه فان قناديل المسجد تكون اعظم أو تمثيلا لصلاة المؤمنين او ابدانهم بالمساجد ويجوز تعليقه بـ (يسبح) فيكون قوله على هذا توكيدا لفظيا ولا يتعلق بـ (يذكر) لان يذكر معطوف على (ترفع) وترفع صلة ان فكأنه هو صلة ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول على الصحيح ومعمول المعطوف لا يتقدم على العاطف ويجوز تعليقه بـ (يسبح) محذوفا مبنيا للمفعول والمراد بالبيوت المساجد بدليل الوصف بقوله {أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ} وقيل المراد مسجد مكة ومسجد المدينة وبيت المقدس. وقيل: مسجد موضوع على التقوى بنى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما بني مسجد المدينة ووضع الحجر الاسود في موضعه من الكعبة وقد بنى الكعبة ابراهيم واسماعيل عليهما السلام وبنيت بعدهما وجعلاها قبلة وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام فتلك اربعة مساجد بناها انبياء. والقول الاول وهو ان المراد جميع المساجد قول ابن عباس قال المساجد بيوت الله في الارض تضيء لاهل السماء كما تضيء النجوم لاهل الارض. قال ابو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول "حديث : من بنى مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له في الجنة بيتا " تفسير : وعن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة وانما يتقبل الله من المتقين " تفسير : وعن كعب: في (التوراة) ان بيوتي في الارض المساجد فمن توضأ واحسن وضوءه وزارني في بيتي اكرمته وحقا على المزور ان يكرم زائره {وَإَذِنَ اللَّهُ} امر ورفع المساجد تعظيمها عن قول ما لا يعني وكلام الدنيا والخناء والنجس والاقذار ولا تقام فيها الحدود ولا توقع فيها مبايعة ولا يحكم فيها أو يحلف وهل يتخاصم فيها عند حاكم وهو من سؤال حق ولا يحكم الا خارجه وجور فيه ايضا اولا قولان وان دخل مسجدا مارا به من باب ليخرج من آخر فصل بينهما بركوع أو دعاء ليخرج عن ان النهي عن اتخاذ المساجد طريقا وجازت فيه مصافحة واخذ سلاح من كضعيف وانفاق على صنع معروف واستخبار عن مطر وسلامة مسافر وموت مفقود ويعزي فيه من امات وليه ويهنئ من ولد له او اشترى شيء أو لبس جديدا أو قدم غائبه أو نحو ذلك ويخطب فيه وينكح ويطلق السنة ويراجع فراجع كتب الفقه. وقيل: رفع المساجد بناؤها. وعن الحسن ما امر الله ان ترفع بالبناء ولكن بالتعظيم * {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} عام فيما يتضمن ذكره فتدخل فيه المذاكرة في افعاله والمباحثات في احكامه. وعن ابن عباس: المراد تلاوة القرآن * {يُسَبِّحُ لَهُ} ينزهه * {فِيهَا بِالغُدُوِّ} في الغدو وهو الصباح واصله مصدر غدا اطلق للوقت ولذا حسن اقترانه بالآصال * {وَالآصَالِ رِجَالٌ} الآصال جمع اصيل. وقال الصبان جمع أُصُل بضمتين الذي هو جمع اصيلة وهو العشي والمراد تعميم الاوقات وذكر الطرفين كاف في ذلك. وقرئ (الآيصال) وهو الدخول في الاصيل كالاظهار وهو الدخول في الظهيرة والفعل اصل واظهر. وقيل: تسبيح الغدو صلاة الفجر وتسبيح الآصال صلاة الظهر والعصر. وقيل: والمغرب والعشاء. وقال ابن عباس: صلاة الضحى وصلاة العصر وان ركعتي الضحى لفي كتاب الله وما يغوص عليها الاغواص. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من صلى البردين أي الفجر والعصر دخل الجنة " تفسير : وعن ابي أمامه عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة كان أجره كأجر المحرم بالحج ومن خرج إليه ليصلي الضحى لا يعنيه الا ذلك فأجره كأجر المعتمر وصلاة على اثر صلاة لا لغو بينهما تكتب في عليين"تفسير : وخص الرجال بالذكر لانهم اولى بعمارة المسجد وعبادة المرأة في دارها خير من عبادتها في المسجد ولانها لا تجب عليها عمارتها ولا جمعة ولا جماعة. وقرئ (تسبح) بالتاء لتاويل الرجال بالجماعة. وقرأ أبو جعفر بها مع فتح الباء فالباء في الغدو صلة والغدو نائب والمسبح بفتح الباء هو الله ولكن اسند التسبيح إلى الغدو والاصل اسنادا ايقاعيا لوقوعه فيها وأتت الغدو ولان المراد به اوقات الغدو ولان الآصال جملة أوقات وضم اليها الغدو وكأنه قيل تسبح الاوقات الغدو والآصال والرجال على هذه القراءة فاعل لمحذوف أي يسبح رجال بكسر الباء كما في قراءة ابن عامر وعاصم يسبح بالتحتية وفتح الباء والنائب على هذه القراءة له أو فيها أو بالغدو أو اخذ المجرورات وحده والاول أولى. وقيل: هذه قراءة ابن عامر وابي بكر وفي القراءتين حذف المسند لكونه مع المسند إليه جوابا لسؤال كأنه قيل من يسبحه فقيل يسبحه رجال وفيها فضل على قراءة الجمهور يكرر الاسناد اسند التسبيح أولا اجمالا إلى احد الظروف في القراءة الاخيرة وإلى الغدو بزيادة بائه في التي قبلها ثم اسند إلى الرجال تفصيلا والاسناد مرتين أوكد وأقوى والاجمال ثم التفصيل وقع في النفس بل الاسناد ثلاثة اثنان جمال احدهما المذكور والثاني المقدر في السؤال وهو قولك من يسبحه فانه سؤال عن تعيين الفاعل والسؤال لا تعيين فيه والاخر تفصيل وهو المحذوف المسند رجال وفضلهما ايضا بوقوع احد الظروف عمدة في الاخيرة ووقع الغدو عمدة في التي قبلها والجميع فضلة في قراءة الجمهور ويكون ذكر فاعل التسبيح كحصول نعمة غير مترقبة لان اول الكلام غير مطمع في ذكره بخلاف ما إذا بني الفعل للفاعل فانه مطمع في ذكر الفاعل ولك تفضيل قراءة الجمهور بسلامتها عن الحذف وباشتمالها على ايهام الجمع بين المتناقضين من حيث الظاهر لان جعل الظروف فضلات يوهم ان الاهتمام بها دون الاهتمام بالفاعل وتقديمها عليه يوهم ان الاهتمام بها فوق الاهتمام به وبان في اطماع أول الكلام في ذكر الفاعل مع تقديم الظروف تشويقا اليه فيكون حصوله اوقع واعز * {لاَّ تُلْهِيهِمْ} تشغلهم * {تِجَارةٌ} اي شراء {وَلاَ بَيْعٌ} والتجارة تعم الشراء والبيع. والمراد هنا خصوص الشراء لذكر البيع بعدها ويجوز ارادتهما معا فيكون ذكر البيع تخصيصا بعد تعميم لمزيته لانه يتحقق الربح بالبيع فهو ادخل في الالهاء من غيره واما الشراء فالربح فيه مظنون وهو اصل التجارة ومبدؤها. وقيل: التجارة الجلب وهو الغالب في البيع والشراء. وقيل: المراد بالتجارة مطلق المعاملة المظنون فيها الربح بولغ بالتخصيص بعد التعميم وبافراد ما هو اهم من انواع التجارة وهو البيع لتحقق الربح به كما مر. والظاهر ان الآية تحتمل معنيين: الاول ان المراد لا تجارة لهم ولا بيع اصلا فضلا عن ان يلهوا بهما فهم طرحوا الدنيا كلها وتفرغوا للآخرة بالكلية. والثاني ان يكون فيها ايماء بانهم ذو تجر وبيع ومع ان التجر مما يلهي عن الاخرة ولا سيما البيع لم يلههم التجر ولا البيع. {عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} فلهم اوقات يخلون فيها بالذكر فاذا كانوا في تجر وبيع ذكروا ايضا وذكرهم لساني قلبي وقلبي فقط بان يكونوا إذا تعرض لهم حرام في تجر أو بيع تذكروا ان الله حرمه فلا يفعلونه. وعن عمر رضي الله عنهحديث : أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يجمع الله الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي فينادي مناد سيعلم الجمع لمن الكرم اليوم ثلاث مرات ثم يقول اين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع ثم يقول اين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله الخ ثم ينادي منادي سيعلم الجمع لمن الكرم اليوم ثلاث مرات ثم يقول اين الحمادون الذين يحمدون ربهم " تفسير : وعن ابن عباس: (إذا كان يوم القيامة نادى مناد ستعلمون اليوم من اصحاب الكرم ليقم الحمادون لله على كل حال فيقومون فيسرحون إلى الجنة ثم ينادي ثانية سيعلمون من اصحاب الكرم اليوم ليقم الذين كانت جنوبهم تتجافى عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فيقومون فيسرحون إلى الجنة ثم ينادي ثالثة ستعلمون اليوم من اصحاب الكرم ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع إلخ. فيقومون فيسرحون إلى الجنة). رواه القرطبي في تذكرته هي كتاب الفه في المشرق بعد هجرته من قرطبة من جزيرة الاندلس لما تغلبت النصارى عليها وقبل ان يأخذوا قرطبة وبعد اخذهم اياها لحقه شيخه إلى المشرق واخبره باخذهم قرطبة وكان شيخه ممن حضر قتال قرطبة. وروى الشيخ هود ذلك وزاد في كل نوع عند تمام الكلام عليه انه اكثر مما قبله وان النوع الاول قليل. {وَإِقَامِ الصَّلٰوةِ} الاصل واقامة بالتاء عوضا عن عين الكلمة أو عن الف افعال على الخلف في المحذوف حذفت التاء وعوضت عنها الاضافة والاصل اقوام بكسر الهمزة نقلت فتحة الواو للقاف فالتقى ساكنان الواو والف فحذفت الواو وهي عين الكلمة حذفت الالف وقيل انه لما نقلت الفتحة قلبت الواو الفا لتحركها في الاصل وانفتاح ما قبلها ولو كان ما بعدها ساكنا فحذفت الالف الاولى وقيل: الثانية وبسطت ذلك في النحو والصرف. واختار ابن هشام ان المحذوف الثانية لزيادتها وقربها من الظرف وهو مذهب سيبويه والخليل وابن مالك. وقال الاخفش والفراء: المحذوف الاولى ويقويه تعويض التاء والمعهود ان التاء تعوض عن الاصل وحذف تلك التاء غير مقيس لكنه كثير مع الاضافة. وقيل: مقيس مع الاضافة وقد حذفت التاء المعوضة عن فاء الكلمة مع الاضافة في قوله واخلفوك عن الامر الذي وعدوا اي عدة الامر ان كتب الف واحد بعد الدال وان كتبت بالغين فجمع غدوة بمعنى ناحية اي اخلفوك نواحي. قيل: حسن حذف التاء في الآية ذكر إيتاء (بعد) وهما متشاكلان * {وَإِيتَآءِ الزَّكَٰوةِ} المال المفروضة في وقتها لا يؤخرونها عن الحسن وابن عباس وفي رواية عن ابن عباس الزكاة الطاعة وعن سالم عن ابن عمر أنه كان في السوق فاقيمت الصلاة فقام الناس واغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر نزلت فيهم الآية {يَخَافُونَ يَوْمَاً} مفعول يخافون. {تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} الجملة نعت ليوم يعني انهم مع ما هم عليه من الذكر والطاعة خائفون لذلك اليوم لعظمه وهوله وتقلب القلوب تحركها عن مواضعها تتصعد وتتسفل وتقلب الابصار ايضا تحركها عن مواضعها وقيل: تقلب القلوب تغيرها من الهول وكذا الابصار وتفقه القلوب ما لم تكن تفقه وتبصر الابصار ما لم تكن تبصر وترجو النجاة تارة وتيأس اخرى أو تخاف وتنظر الابصار هكذا وهكذا لا يدري من اين يؤخذ به ويؤتى كتابه من اليمين أو الشمال. وقيل: تقلب القلوب تيقنها بعد شك أو انكار.

اطفيش

تفسير : {فى بيوتٍ أذنَ الله أن تُرفَع ويُذكر فيها اسمُه يسبِّح له فيها بالغُدو والآصال رجالٌ} فى بيوت نعت لمشكاةٍ، أو من باب الاشتغال، والاشتغال أبداً من باب التوكيد، أى يسبح فى بيوت، والشاغل ها من قوله: {فيها} كقولك: فى الدار جلست فيها، وبزيد مررت به، وذلك من تأكيد الحدث، وإن أريد تأكيد غيره جعلنا فى بيوت متعلقاً بيسبح المذكور، وفيها توكيداً لقوله: {فى بيوت} وفى المثال تعلق بزيد بمررت المذكور، ونجعل به تأكيداً لزيد، ولا يعترض بأن الضمير ضعيف لا يؤكد الأقوى، لأنا نقول باب التوكيد أوسع، يصدق بذكر أدنى شىء، يستغنى عنه، بل التوكيد والمؤكد الجار والمجرور لا المجرور وحده، ولا تتوهم أن الحرف ومجروره بدل من الحرف ومجروره، بل تأكيد، كقولك: فى الدار فى الدار، وبزيد بزيد، لأن الضمير بمنزلة مرجعه، ولا تقلد ما يخالف ذلك، ويبعد تعليقه بيوقد. والمراد ببيوت بيوت مخصوصة، وهى المساجد الاسلامية فى الأمم السالفة، وهذه الأمة ومقابلها مساجد الكفر وبيوت السكنى ونحوها، لا خصوص موضع السجود، من القدس والمسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد قباء، ومعنى {أذن الله ان ترفع} امر بتعظيمها كصيانتها من دخول الجنب والحائض، والنفساء والأقلف، والسكران بمحرم، وعن مسهم إياها، ولو من خارج، واستنادهم عليها من خارج، ودخول الصبيان والمجانين، وإدخال الميت، قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها فى الجمع ". تفسير : وقيل: رفعها بناءها كقوله تعالى: "أية : بناها * رفع سَمكها فسواها"تفسير : [النازعات: 27 - 28] وقال عز وجل: "أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت"تفسير : [البقرة: 127] ولا يسرف فى تزيين المسجد بالنقش، وليس ذلك من رفعه المأمور به، ومن الاسراف نقش جامع قرطبة بالذهب مكتوباً به القرآن كله فى سواريه، وهى نحو تسعمائة سارية من الرخام الفائق، وإنفاق الوليد بن عبد الملك فى عمارة جامع دمشق مثل خراج الشام ثلاث مرات، وروى أن سليمان بالغ فى تزيين بيت المقدس وعمارته، وأقام فى عمارته كذا وكذا ألف رجل سبع سنين، ووضع آجره من الكبريت الأحمر على رأس قبة الصخرة، تغزل النساء فى ضوءها ليلا على اثنى عشر ميلا، وفعل النبى ليس إسرافاً، وليس إسرافاً بناء عثمان مسجد النبى صلى الله عليه وسلم بالساج، وكذا بالغ عمر بن عبد العزيز فى تزيينه ونقشه، ولم ينههما أحد. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما ساء قوم قط إلاَّ زخرفوا مساجدهم"تفسير : وعن ابن عباس: أمرنا أن نبنى المساجد جماء، وجاءت الأنصار بمال فقالوا: يا رسول الله زين به مسجدك، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الزينة والتصاوير للكنائس والبيع بيضوا مساجد الله تعالى"تفسير : ومن شأن المسجد أن يعمر صفة الأول حتى يفرغ، ثم الثانى وهكذا، وإذا دخل رجل قصد يمين المحراب من الصف الأول، والثانى يساره، والثالث مقابله، والرابع حيث شاء، ولا يجزى عمارة فى موضع من غير الصف الأول عن موضع فى الصف الأول، فإذا كان فى اليمين أَحد فى غير الأول، وجاء آخر قصد اليمين من الأول، لأن المعتبر فى التقديم هو الأول، حتى يتم فى صلاة الصف، وإن كانت فيه محاريب اعتبر الذى يصلى فيه الإمام فى الحال. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رأيتموه ينشد شعراً فى المسجد فقولوا له فض الله تعالى فاك ثلاث مرات، ومن رأيتموه ينشد ضالة فى المسجد فقولوا لا وجدتها ثلاث مرات"تفسير : ويستثنى شعر العلم والحكمة، والوعظ والمدح النبوى، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا وجد أحدكم القملة فى المسجد فليصرها فى ثوبه حتى يخرجها"تفسير : ويمنع من دخول ذى البصل والثوم والكراث والبخر والصنان فى المساجد، واتخاذها طريقاً، والمكث فيها، أو المرور بلا ركعتين، ومن تعظيمها تقديم اليمنى دخولا، واليسرى خروجاً. قال بعض الصحابة، إذا طلع شىء من الصدر أو نزل من الرأس، ولم يبزقه فى الأرض، ولا فى ثوبه، بل بلعه احتراماً للمسجد أدخل الله فى جوفه الشفاء، وأخرج منه الداء، وهل له البصاق فى الصلاة فى أرض المسجد يساراً وتحت قدمه؟ قيل نعم، ويصلح ذلك بعد السلام، وقيل لا إلا فى ثوبه، وعن أبى هريرة مرفوعاً: إن لم يجد موضعاً فى المسجد فليبصق فى ثوبه وليحكه، والغدو مصدر بمعنى الزمان، والآصال جمع أصل بمعنى أصيل كعنق وأعناق، أو جمع أصيل كشريف وأشراف، على خلاف القياس، والغدو من أول النهار الى الزوال، والأصل من الزوال الى الصبح، وعن ابن عباس: الغدو وقت الضحا، وأن صلاة الضحا من هذه الآية، وخص الرجال بالذكر، لأنهم أحق بعمارة المساجد، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مساجد نسائكم قعر بيوتهن ". تفسير : {لا تلهِيهم تجارة} معاوضة بأى وجه {ولا بيْعٌ} تخصيص بعد تعميم أو التجارة المعاوضة بالربح والبيع المعاوضة مطلقاً، فهو تعميم بعد تخصيص أَو التجارة الشراء لأنه مبدأ لها، أَو التجارة الجلب، فلا تخصيص ولا تعميم، وفى الآية مدح لمن يجمع العبادة والكسب، ويجوز أن يكون المعنى من لا يتجر ولا يبيع، فضلاً عن أن يلهيهم ذلك كاهل الصفة، والأول أولى، لأنه ظاهر العبارة، وأهله الفاعلون له أكثر، وهو قول الحسن البصرى، إذ قال: كانوا يتجرون ولا تلهيهم تجارة عن ذكر الله تعالى قلت: بل الآية تشملهما بمعنى أنها إما أن تكون ولا تشغلهم، وإما أن لا تكون. {عنْ ذكر الله} بتلاوة القرآن وغيرها {وإقام الصلاة} فى أول وقتها بالطهارة والخشوع والاخلاص، والأصل أقوام نقلت فتحة الواو الى القاف فحذفت للساكن بعدها، ولم تعوض التاء عنها لقيام الاضافة مقامها، وقيل: بجواز ترك التاء، ولو بلا اضافة {وإيتاء الزكاة} جزءاً من المال مخصوص من الحبوب الست، والنقد والأنعام لبلوغ النصاب، فطاعتهم لا تختص بالمسجد، وذكرت الزكاة على عادة الله عز وجل فى قرنها بالصلاة، وكذا خوفهم لا يختص به. {يخافونَ} أينما كانوا {يوماً} هول يوم أو عذاب يوم، والجملة نعت رجال أو حال من الهاء {تتقلبُ فيه القُلوبُ والأبصارُ} نعت يوماً، وهو يوم القيامة، تضطرب فيه القلوب والأبصار، بتوقع النجاة، وخوف الهلاك، والنظر يمينا وشمالاً إذ لا يدرون من أين يؤتون، ولا فى أى يد يعطون كتبهم، وبعلم ما لم يعلموا مشاهدة وروية ما لم يروا "أية : وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر"تفسير : [الأحزاب: 10] وكانه قيل تتقلب فيه القلوب ببلوغها الى الحناجر، والأبصار بالشخوص والزرقة أَو تتقلب القلوب إلى الإيمان بعد الكفر والإبصار الى العيان بعد انكاره للطغيان "أية : فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد" تفسير : [ق: 22].

الالوسي

تفسير : {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ * رِجَالٌ } الخ استئناف لبيان حال من حصلت لهم الهداية لذلك النور وذكر بعض أعمالهم القلبية والقالبية، فالجار والمجرور ـ أعني / متعلق قوله تعالى: {فِى بُيُوتٍ } بـ {يسبح} وفيها تكرير، لذلك جىء به للتأكيد والتذكير بما بعد في الجملة، وللإيذان بأن التقديم للاهتمام دون الحصر، ومثل ما ذكر في التكرير للتأكيد قوله تعالى: { أية : فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [آل عمران:107] وقولك مررت بزيد به، وبعض النحاة أعرب نحو ذلك بدلاً كما في «شرح التسهيل»، وفي «المغني» هو من توكيد الحرف بإعادة ما دخل عليه مضمراً وليس الجار والمجرور توكيداً للجار والمجرور لأن الظاهر لكونه أقوى لا يؤكد بالضمير، وليس المجرور بدلاً بإعادة الجار لأنه لا يبدل مضمر من مظهر وإنما جوزه بعض النحاة قياساً، وأنت تعلم أن ما ذكر غير وارد لأن المجموع بدل أو توكيد، وأتى بالظاهر هرباً من التكرار، و {رِجَالٌ } فاعل {يُسَبّحُ } وتأخيره عن الظروف لأن في وصفه نوع طول فيخل تقديمه بحسن الانتظام وقال الرماني {فِى بُيُوتٍ } متعلق بِـ { أية : يُوْقَدُ } تفسير : [النور: 35]، وقال الحوفي: متعلق بمحذوف وقع صفة لِـ { أية : مِشْكَاة } تفسير : [النور:35]، وقيل هو صفة لمصباح، وقيل صفة لزجاجة، وهو على هذه الأقوال الأربعة تقييد للممثل به للمبالغة فيه، والتنوين في الموصوف للنوعية لا للفردية لينافي ذلك جمع البيوت. وأورد على ما ذكر أن شيئاً منه لا يليق بشأن التنزيل الجليل كيف لا وأن ما بعد قوله تعالى: { أية : وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } تفسير : [النور: 35] على ما هو الحق أو بعد قوله سبحانه: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } على ما قيل إلى قوله تعالى: { أية : بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } تفسير : [النور: 35] كلام متعلق بالممثل قطعاً فتوسيطه بين أجزاء التمثيل مع كونه من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه بالأجنبـي يؤدي إلى كون ذكر حال المنتفعين بالتمثيل المهديين لنوره تعالى بطريق الاستتباع والاستطراد مع كون بيان حال أضدادهم مقصوداً بالذات ومثل هذا مما لا عهد به في كلام الناس فضلاً أن يحمل عليه الكلام المعجز. وتعقبه الخفاجي بأنه زخرف من القول إذ لا فصل فيه وما قبله إلى هنا من المثل، والظاهر عندي أن التمثيل قد تم عند قوله تعالى: { أية : وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } تفسير : [النور: 35] وقيل هو متعلق بسبحوا أو نحوه محذوفاً وتلك الجملة على ما قيل مترتبة على ما قبلها وترك الفاء للعلم به كما في نحو قم يدعوك، ومنعوا تعلقه بيذكر لأنه من صلة (أن) فلا يعمل فيما قبله، والمراد بالبيوت المساجد كلها كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة ومجاهد. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن زيد أنه قال: إنما هي أربع مساجد لم يبنهن إلا نبـي، الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام ومسجد المدينة ومسجد قباء بناهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن الحسن أن المراد بها بيت المقدس والجمع من حيث أن فيه مواضع يتميز بعضها عن بعض وهو خلاف الظاهر جداً. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة قال: « حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه الآية {فِى بُيُوتٍ } الخ فقام إليه عليه الصلاة والسلام رجل فقال أي بيوت هذه يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم بيوت الأنبياء عليهم السلام فقام إليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله هذا البيت منها - لبيت علي وفاطمة رضي الله تعالى عنهما - قال: نعم من أفاضلها » تفسير : وهذا إن صح لا ينبغي العدول عنه. وقال أبو حيان ((الظاهر أنها مطلقة تصدق على المساجد والبيوت التي تقع فيها الصلاة والعلم)) وجوز أن يراد بها صلاة المؤمنين أو أبدانهم بأن تشبه صلاتهم الجامعة للعبادات القولية والفعلية أو أبدانهم المحيطة بالأنوار بالبيوت المذكورة ـ أعني المساجد ـ ثم يستعار اسمها لذلك. وتعقب بأنه لا حسن فيما ذكر وأظنك لا تكتفي بهذا المقدار من الجرح. والمراد بالإذن الأمر وبالرفع التعظيم أي أمر سبحانه بتعظيم قدرها، وروي هذا عن الحسن والضحاك، ولا يخفى أنه إذا أريد بها المساجد فتعظيم قدرها يكون بأشياء شتى كصيانتها عن / دخول الجنب والحائض والنفساء ولو على وجه العبور وقد قالوا بتحريم ذلك وإدخال نجاسة فيها يخاف منها التلويث ولذا قالوا: ينبغي لمن أراد أن يدخل المسجد أن يتعاهد النعل والخف عن النجاسة ثم يدخل فيه احترازاً عن تلويث المسجد، ومنع إدخال الميت فيها ومنع إدخال الصبيان والمجانين وهو حرام حيث غلب تنجيسهم وإلا فهو مكروه، وقد جاء الأمر بتجنيبهم عن المساجد مطلقاً. أخرج ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع ) تفسير : ومنع إنشاد الضالة وإنشاد الأشعار، فقد أخرج الطبراني وابن السني وابن منده عن ثوبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : من رأيتموه ينشد شعراً في المسجد فقولوا فض الله تعالى فاك ثلاث مرات ومن رأيتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا وجدتها ثلاث مرات » تفسير : الحديث. وينبغي أن يقيد المنع من إنشاد الشعر بما إذا كان فيه شيء مذموم كهجو المسلم وصفة الخمر وذكر النساء والمردان وغير ذلك مما هو مذموم شرعاً، وأما إذا كان مشتملاً على مدح النبوة والإسلام أو كان مشتملاً على حكمة أو باعثاً على مكارم الأخلاق والزهد ونحو ذلك من أنواع الخير فلا بأس بإنشاده فيها. ومنع إلقاء القملة فيه بعد قتلها وهو مكروه تنزيهاً على ما صرح به بعض المتأخرين، ويندب أن لا تلقى حية في المسجد، فقد أخرج ابن أبـي شيبة وأحمد عن رجل من الأنصار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليصرها في ثوبه حتى يخرجها » تفسير : ومنع البول فيها ولو في إناء وقد صرحوا بحرمة ذلك، وفي «الأشباه» وأما الفصد في المسجد في إناء فلم أره، وينبغي أن لا فرق أي لأن كلاً من البول والدم نجس مغلظ، ومنع إلقاء البصاق فيها. وفي «البدائع» يكره التوضىء في المسجد لأنه مستقذر طبعاً فيجب تنزيه المسجد عنه كما يجب تنزيهه عن المخاط والبلغم، وأخرج ابن أبـي شيبة عن الشعبـي « حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم رأى في قبلة المسجد نخامة فقام إليها فحكها بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم ثم دعا بخلوق فلطخ مكانها » تفسير : فقال الشعبـي: هو سنة، وذكروا أن إلقاء النخامة فوق الحصير أخف من وضعها تحته فإن اضطر إليه دفنها، وفي حديث أخرجه ابن أبـي شيبة عن أنس مرفوعاً « حديث : التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن يواريه » تفسير : وروى الطبراني في «الأوسط» عن ابن عباس مرفوعاً أيضاً نحوه، ومنع الوطء فيها وفوقها كالتخلي وصرحوا بحرمة ذلك، ومنع دخول من اكل ذا رائحة كريهة فيها كالثوم والبصل والكراث وآكل الفجل إذا تجشأ كذلك، وقد كان الرجل في زمان النبـي صلى الله عليه وسلم إذا وجد منه ريح الثوم يؤخذ بيده ويخرج إلى البقيع، والظاهر أن الأبخر أو من به صنان مستحكم حكمه حكم آكل الثوم والبصل، وكذا حكم من رائحة ثيابه كريهة كثياب الزياتين والدباغين، وعن مالك أن الزياتين يتأخرون ولا يتقدمون إلى الصف الأول ويقعدون في أخريات الناس، ومنع النوم والأكل فيها لغير معتكف، ومنع الجلوس فيها للمصيبة أو للتحدث بكلام الدنيا. ومنع اتخاذها طريقاً وهو مكروه أو حرام. وقد جاء النهي عن ذلك في حديث رواه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً. وأخرج ابن أبـي شيبة عن ابن مسعود أن اتخاذها طريقاً من أشراط الساعة؛ وفي «القنية» معتاد ذلك يأثم ويفسق، نعم إن كان هناك عذر لم يكره المرور، ومن تعظيمها رشها وقمها، فقد أخرج ابن أبـي شيبة عن زيد / بن أسلم قال: كان المسجد يرش ويقم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عن يعقوب بن زيد أن النبـي عليه الصلاة والسلام كان يتبع غبار المسجد بجريدة؛ وكذا تعليق القناديل فيها وفرشها بالآجر والحصير، وفي «مفتاح السعادة» ولأهل المسجد أن يفرشوا المسجد بالآجر والحصير ويعلقوا القناديل لكن من مال أنفسهم لا من مال المسجد إلا بأمر الحاكم، ولعل محل ذلك ما لم يعين الواقف شيئاً من ريع الوقف لذلك، وينبغي أن يكون إيقاد القناديل الكثيرة فيها في ليالي معروفة من السنة كليلة السابع والعشرين من رمضان الموجب لاجتماع الصبيان وأهل البطالة ولعبهم ورفع أصواتهم وامتهانهم بالمساجد بدعة منكرة، وكذا ينبغي أن يكون فرشها بالقطائف المنقوشة التي تشوش على المصلين وتذهب خشوعهم كذلك. ومن التعظيم أيضاً تقديم الرجل اليمنى عند دخولها واليسرى عند الخروج منها، وصلاة الداخل ركعتين قبل الجلوس إذا كان دخوله لغير الصلاة على ما ذكره بعضهم، وأخرج ابن أبـي شيبة عن أبـي قتادة أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : اعطوا المساجد حقها قيل: وما حقها؟ قال: ركعتان قبل أن تجلس » تفسير : ومن ذلك أيضاً بناؤها رفيعة عالية لا كسائر البيوت لكن لا ينبغي تزيينها بما يشوش على المصلين، وفي حديث أخرجه ابن ماجه والطبراني عن جبير بن مطعم مرفوعاً أنها لا تبنى بالتصاوير ولا تزين بالقوارير. وفسر بعضهم الرفع ببنائها رفيعة كما في قوله تعالى: { أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ } تفسير : [البقرة: 127] والأولى عندي تفسيره بما سبق وجعل بنائها كذلك داخلاً في العموم ويدخل فيه أمور كثيرة غير ما ذكرنا وقد ذكرها الفقهاء وأطالوا الكلام فيها. وزعم بعض المفسرين أن إسناد الرفع إليها مجاز، والمراد ترفع الحوائج فيها إلى الله تعالى، وقيل: ترفع الأصوات بذكر الله عز وجل فيها، ولا يخفى ما فيه، وفي التعبير عن الأمر بالإذن تلويح بأن اللائق بحال المأمور أن يكون متوجهاً إلى المأمور به قبل الأمر به ناوياً لتحقيقه كأنه مستأذن في ذلك فيقع الأمر به موقع الأمر فيه. والمراد بذكر اسمه تعالى شأنه ما يعم جميع أذكاره تعالى، وجعل من ذلك المباحث العلمية المتعلقة به عز وجل، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المراد به توحيده عز وجل وهو قول: لا إله إلا الله، وعنه أيضاً المراد تلاوة كتابه سبحانه. وقيل: ذكر أسمائه تعالى الحسنى. والظاهر ما قدمنا، وعطف الذكر على الرفع من قبيل عطف الخاص على العام فإن ذكر اسمه تعالى فيها من أنواع تعظيمها، وليس من عطف التفسير في شيء خلافاً لمن توهمه. والتسبيح التنزيه والتقديس ويستعمل باللام وبدونها كما في قوله تعالى: { أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [الأعلى: 1] والمراد به إما ظاهره أو الصلاة لاشتمالها عليه وروي هذا عن ابن عباس والحسن والضحاك وعن ابن عباس كل تسبيح في القرآن صلاة، وأيد إرادة الصلاة هنا تعيين الأوقات بقوله سبحانه: {بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ } والغدو جمع غداة كقني وقناة أو مصدر أطلق على الوقت الغدو، وأيد بأن أبا مجلز قرأ {والإيصال} مصدراً أي الدخول في وقت الأصيل، و {ٱلأَصَالِ} كما قال الجوهري جمع أصيل كشريف وأشراف، واختاره جماعة مع أن جمع فعيل على أفعال ليس بقياسي. واختار الزمخشري أنه جمع أصل كعنق وأعناق؛ والأصل كالأصيل العشي وهو من زوال الشمس إلى الصباح فيشمل الأوقات ما عدا الغداة وهي من أول النهار إلى الزوال ويطلقان على أول النهار وآخره، وإفرادهما بالذكر لشرفهما وكونهما أشهر ما يقع فيه المباشرة للأعمال والاشتغال بالأشغال. وعن ابن عباس أنه حمل الغداة على وقت الضحى وهو مقتضى ما أخرج ابن أبـي شيبة والبيهقي في «شعب الإيمان» عنه رضي / الله تعالى عنه من قوله: «إن صلاة الضحى لفي القرآن وما يغوص عليها إلا غواص وتلا الآية حتى بلغ {ٱلأَصَالِ}. وقرأ ابن عامر وأبو بكر والبحتري عن حفص ومحبوب عن أبـي عمرو والمنهال عن يعقوب والمفضل وأبان {يسبح } بالياء التحتية والبناء للمفعول ونائب الفاعل {لَهُ } أو {فِيهَا } إن لم يتعلق {فِى بُيُوتٍ } به أو {بِٱلْغُدُوّ } والأولية للأول لأنه ولي الفعل والإسناد إليه حقيقي دون الأخيرين. وجوز أن يكون المجرور فيما ذكر نائب الفاعل والجار فيه زائداً، وفيه ارتكاب لما لا داعي إليه، ورفع {رِجَالٌ } على هذه القراءة على أنه فاعل لفعل محذوف أو خبر مبتدأ محذوف على ما في «البحر» أي يسبح له أو المسبح له رجال. والجملة استئناف بياني وقع جواباً لسؤال نشأ من الكلام السابق، وهذا نظير قوله: شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة (ومختبط مما تطيح الطوائح) تفسير : وهو قياسي عند الكثير فيجوز عندهم أن يقال: ضربت هند زيد بتقدير ضربها أو ضاربها زيد. وليس هذا كذكر الفاعل تمييزاً بعد الفعل المبني للمفعول نحو ضرب أخوك رجلاً المصرح بعدم جوازه ابن هشام في الباب الخامس من «المغني» وإن أوهمت العلة أنه مثله فتأمّل. وقرأ أبو حيوة وابن وثاب {تسبح } بالتاء الفوقية والبناء للفاعل وهو {رِجَالٌ } والتأنيث لأن جمع التكثير كثيراً ما يعامل معاملة المؤنث، وقرى أبو جعفر {تسبح } بالتاء الفوقية والبناء للمفعول وهو قوله تعالى: {بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ } على أن الباء زائدة والإسناد مجازي بجعل الأوقات المسبح فيها ربها مسبحة، وجوز أبو حيان أن يكون الإسناد إلى ضمير التسبيحة الدالة عليه {تُسَبّحُ } أي تسبح هي أي التسبيحة كما قالوا في قوله تعالى: { أية : لِيَجْزِىَ قَوْماً } تفسير : [الجاثية:14] على قراءة من بنى {يُجْزَىٰ } للمفعول أي ليجزي هو أي الجزاء. قال في «إرشاد العقل السليم»: وهذا أولى من التوجيه الأول إذ ليس هنا مفعول صريح. وضعفه بعضهم هنا بأن الوحدة لا تناسب المقام، وأجيب بالتزام كون الوحدة جنسية. وأياً ما كان فرفع {رِجَالٌ } على هذه القراءة على الفاعلية أو الخبرية كما سمعت آنفاً. والتنوين فيه على جميع القراءات للتفخيم. وقوله سبحانه: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ } صفة له مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة مفيدة لكمال تبتلهم إلى الله تعالى من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم كائناً مّا كان. وتخصيص الرجال بالذكر لأنهم الأحقاء بالمساجد. فقد أخرج أحمد والبيهقي عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : خير مساجد النساء قعر بيوتهن » تفسير : وتخصيص التجارة التي هي المعاوضة مطلقاً بذلك لكونها أقوى الصوارف عندهم وأشهرها أي لا يشغلهم نوع من أنواع التجارة {وَلاَ بَيْعٌ } أي ولا فرد من أفراد البياعات وإن كان في غاية الربح. وإفرادهم بالذكر مع اندراجه تحت التجارة للإيذان بإنافته على سائر أنواعها لأن ربحه متيقن ناجز وربح ما عداه متوقع في ثاني الحال عند البيع فلم يلزم من نفي إلهاء ما عداه نفي إلهائه ولذلك كرر كلمة {لا } لتذكير النفي وتأكيده، وجوز أن يراد بالتجارة المعاوضة الرابحة وبالبيع المعاوضة مطلقاً فيكون ذكره بعدها من باب التعميم بعد التخصيص للمبالغة. ونقل عن الواقدي أن المراد بالتجارة هو الشراء لأنه أصلها ومبدؤها فلا تخصيص ولا تعميم، وقيل: المراد بالتجارة الجلب لأنه الغالب فيها فهو لازم لها عادة. ومنه يقال: تجر في كذا أي جلبه. ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن أبـي هريرة عن رسول الله / صلى الله عليه وسلم أنه قال في هؤلاء الموصوفين بما ذكر: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله تعالى. وأخرج الديلمي. وغيره عن أبـي سعيد الخدري مرفوعاً نحوه، وفي ذلك أيضاً ما يقتضي أنهم كانوا تجاراً وهو الذي يدل عليه ظاهر الآية لأنه لا يقال فلان لا تلهيه التجارة إلا إذا كان تاجراً وروي ذلك عن ابن عباس. أخرج الطبراني وابن مردويه عنه أنه قال: أما والله لقد كانوا تجاراً فلم تكن تجارتهم ولا بيعهم يلهيهم عن ذكر الله تعالى، وبه قال الضحاك، وقيل: إنهم لم يكونوا تجاراً والنفي راجع للقيد والمقيد كما في قوله: شعر : على لا حب لا يهتدي بمناره تفسير : كأنه قيل: لا تجارة لهم ولا بيع فيلهيهم فإن الآية نزلت فيمن فرغ عن الدنيا كأهل الصفة، وأنت تعلم أن الآية على الأول المؤيد بما سمعت أمدح ولم نجد لنزولها فيمن فرغ عن الدنيا سنداً قوياً أو ضعيفاً ولا يكتفى في هذا الباب بمجرد الاحتمال. {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } بالتسبيح والتحميد ونحوهما {وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ} أي إقامتها لمواقيتها من غير تأخير. والأصل أقوام فنقلت حركة الواو لما قبلها فالتقى ساكنان فحذفت فقيل: إقام، وعن الزجاج أنه قلبت الواو ألفاً ثم حذف لاجتماع ألفين. وأورد عليه أنه لا داعي إلى قلبها ألفاً مع فقد شرطه وهو أن لا يسكن ما بعدها. وأوجب الفراء لجواز هذا الحذف تعويض التاء فيقال: إقامة أو الإضافة كما هنا، وعلى هذا جاء قوله: شعر : إن الخليط أجدوا البين وانجردوا وأخلفوك عِدَ الأمر الذي وعدوا تفسير : فإنه أراد عدة الأمر. وتأول خالد بن كلثوم ما في البيت على أن عد جمع عدوة بمعنى ناحية كأن الشاعر أراد نواحي الأمر وجوانبه. ومذهب سيبويه جواز الحذف من غير تعويض التاء أو الإضافة {وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ} أي المال الذي فرض إخراجه للمستحقين كما روي عن الحسن. ويدل على تفسير الزكاة بذلك دون الفعل ظاهر إضافة الإيتاء إليها. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير إيتاء الزكاة بإخلاص طاعة الله تعالى وفيه بعد كما ترى، وإيراد هذا الفعل هٰهنا وإن لم يكن مما يفعل في البيوت لكونه قرينة لا تفارق إقامة الصلاة في عامة المواضع مع ما فيه من التنبيه على أن محاسن أعمالهم غير منحصرة فيما يقع في المساجد، وكذا قوله تعالى: {يَخَافُونَ } إلى آخره فإنه صفة أخرى لرجال أو حال من مفعول {لاَّ تُلْهِيهِمْ } أو استئناف مسوق للتعليل. وأياً مّا كان فليس خوفهم مقصوراً على كونهم في المساجد. وقوله تعالى: {يَوْماً } مفعول ليخافون على تقدير مضاف أي عقاب يوم وهو له أو بدونه، وجعله ظرفاً لمفعول محذوف بعيد وأما جعله ظرفاً ليخافون والمفعول محذوف فليس بشيء أصلاً، إذ المراد أنهم يخافون في الدنيا يوماً {تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَـٰرُ } لا أنهم يخافون شيئاً في ذلك اليوم الموصوف بأنه تتقلب فيه الخ، والمراد به يوم القيامة ومعنى تقلب القلوب والأبصار فيه اضطرابها وتغيرها أنفسها فيه من الهول والفزع كما في قوله تعالى: { أية : وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } تفسير : [الأحزاب: 10] أو تغير أحوالها بأن تفقه القلوب ما لم تكن تفقه وتبصر الأبصار ما لم تكن تبصر أو بأن تتوقع القلوب النجاة تارة وتخاف الهلاك أخرى وتنظر الأبصار يميناً تارة وشمالاً أخرى لما أن أغلب أهل الجمع لا يدرون من أي ناحية يؤخذ بهم ولا من / أي جهة يؤتون كتبهم، وقيل: المراد تقلب فيه القلوب والأبصار على جمر جهنم وليس بشيء، ومثله قول الجبائي: إن المراد تنتقل من حال إلى حال فتلفحها النار ثم تنضجها ثم تحرقها، وقرأ ابن محيصن {تتقلب } بإسكان التاء الثانية.

ابن عاشور

تفسير : تردد المفسرون في تعلق الجار والمجرور من قوله: {في بيوت} الخ. فقيل قوله: {في بيوت} من تمام التمثيل، أي فيكون {في بيوت} متعلقاً بشيء مما قبله. فقيل يتعلق بقوله: { أية : يوقد } تفسير : [النور: 35] أي يوقد المصباح في بيوت. وقيل هو صفة لمشكاة، أي مشكاة في بيوت وما بينهما اعتراض؛ وإنما جاء بيوت بصيغة الجمع مع أن { أية : مشكاة } تفسير : [النور:35] و { أية : مصباح } تفسير : [النور: 35] مفردان لأن المراد بهما الجنس فتساوى الإفراد والجمع. ثم قيل: أريد بالبيوت المساجد. ولا يستقيم ذلك إذ لم يكن في مساجد المسلمين يومئذٍ مصابيح وإنما أحدثت المصابيح في المساجد الإسلامية في خلافة عمر بن الخطاب فقال له علي: نوّر الله مضجعك يا بن الخطاب كما نورت مسجدنا. وروي أن تميماً الداري أسرج المسجد النبوي بمصابيح جاء بها من الشام ولكن إنما أسلم تميم سنة تسع، أي بعد نزول هذه الآية. وقيل البيوت مساجد بيت المقدس وكانت يومئذٍ بِيَعاً للنصارى. ويجوز عندي على هذا الوجه أن يكون المراد بالبيوت صوامع الرهبان وأديرتهم وكانت معروفة في بلاد العرب في طريق الشام يمرون عليها وينزلون عندها في ضيافة رهبانها. وقد ذكر صاحب «القاموس» عدداً من الأديرة. ويرجح هذا قوله: {أن ترفع} فإن الصوامع كانت مرفوعة والأديرة كانت تبنى على رؤوس الجبال. أنشد الفراء: شعر : لو أبصرت رهبان دَير بالجبل لانحدر الرهبان يسعى ويصل تفسير : والمراد بإذن الله برفعها أنه ألهم متّخذيها أن يجعلوها عالية وكانوا صالحين يقرأون الإنجيل فهو كقوله تعالى: {لهدمت صوامع وبيع} إلى قوله: { أية : يذكر فيها اسم الله كثيراً } تفسير : [الحج: 40]. وعبر بالإذن دون الأمر لأن الله لم يأمرهم باتخاذ الأديرة في أصل النصرانية ولكنهم أحدثوها للعون على الانقطاع للعبادة باجتهاد منهم، فلم ينههم الله عن ذلك إذ لا يوجد في أصل الدين ما يقتضي النهي عنها فكانت في قسم المباح، فلما انضم إلى إباحة اتخاذها نية العون على العبادة صارت مرضية لله تعالى. وهذا كقوله تعالى: { أية : ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله } تفسير : [الحديد: 27]. وقد كان اجتهاد أحبار الدين في النصرانية وإلهامُهم دلائل تشريع لهم كما تقتضيه نصوص من الإنجيل. والمقصد من ذكر هذا على هذه الوجوه زيادة إيضاح المشبه به كقول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم: « حديث : فإذا لها كلاليبُ مثلُ حَسَك السَّعدان هل رأيتم حسك السَّعْدان؟ ». تفسير : وفيه مع ذلك تحسين المشبه به ليسري ذلك إلى تحسين المشبه كما في قول كعب بن زهير: شعر : شجت بذي شبَم من ماء محنيَةِ صافٍ بأبطح أضحى وهو مشمول تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه من صوب سارية بيضٌ يعاليل تفسير : لأن ما ذكر من وصف البيوت وما يجري فيها مما يكسبها حسناً في نفوس المؤمنين. وتخصيص التسبيح بالرجال لأن الرهبان كانوا رجالاً. وأريد بالرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله: الرهبان الذين انقطعوا للعبادة وتركوا الشغل بأمور الدنيا، فيكون معنى: {لا تلهيهم تجارة ولا بيع}: أنهم لا تجارة لهم ولا بيع من شأنهما أن يلهياهم عن ذكر الله، فهو من باب: على لاحب لا يهتدى بمناره. والثناء عليهم يومئذٍ لأنهم كانوا على إيمان صحيح إذ لم تبلغهم يومئذٍ دعوة الإسلام ولم تبلغهم إلا بفتوح مشارف الشام بعد غزوة تبوك، وأما كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل فإنه لم يُذع في العامة. وكان الرهبان يتركون الكوى مفتوحة ليظهر ضوء صوامعهم وقد كان العرب يعرفون صوامع الرهبان وأضواءها في الليل. قال امرؤ القيس: شعر : تُضيء الظلام بالعشيّ كأنها منارة مُمْسَى راهب متبتل تفسير : وقال أيضاً: شعر : يضيء سناه أو مصابيح راهب أمال السليط بالذبال المفتل تفسير : السليط: الزيت. أي صب الزيت على الذبال فهو في تلك الحالة أكثر إضاءة. وكانوا يهتدون بها في أسفارهم ليلاً. قال امرؤ القيس: شعر : سموت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تُشب لقُفَّال تفسير : القفال: جمع قافل وهم الراجعون من أسفارهم. وقيل: أريد بالرفع الرفع المعنوي وهو التعظيم والتنزيه عن النقائص. فالإذن حينئذٍ بمعنى الأمر. وبعد فهذا يبعد عن أغراض القرآن وخاصة المدني منه لأن الثناء على هؤلاء الرجال ثناء جم ومعقب بقوله: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا}. والأظهر عندي: أن قوله: {في بيوت} ظرف مستقر هو حال من {نوره} في قوله { أية : مثل نوره كمشكاة } تفسير : [النور: 35] الخ مشير إلى أن «نور» في قوله: {مثل نوره} مراد منه القرآن، فيكون هذا الحال تجريداً للاستعارة التمثيلية بذكر ما يناسب الهيئة المشبهة أعني هيئة تلقي القرآن وقراءته وتدبره بين المسلمين مما أشار إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده »، تفسير : فكان هذا التجريد رجوعاً إلى حقيقة التركيب الدال على الهيئة المشبهة كقول طرفة: شعر : وفي الحي أحوى ينفض المَرْد شادف مظاهر سِمطي لؤلؤ وزبرجد تفسير : مع ما في الآية من بيان ما أجمل في لفظ: {مثل نوره} وبذلك كانت الآية أبلغ من بيت طرفة لأن الآية جمعت بين تجريد وبيان وبيت طرفة تجريد فقط. ويجوز أن يكون {في بيوت} غير مرتبط بما قبله وأنه مبدأ استئناف ابتدائي وأن المجرور متعلق بقوله: {يسبح له فيها}. وتقديم المجرور للاهتمام بتلك البيوت وللتشويق إلى متعلق المجرور وهو التسبيح وأصحابه. والتقدير: يسبح لله رجال في بيوت، ويكون قوله: {فيها} تأكيداً لقوله: {في بيوت} لزيادة الاهتمام بها. وفي ذلك تنويه بالمساجد وإيقاع الصلاة والذكر فيها كما في الحديث: « حديث : صلاة أحدكم في المسجد (أي الجماعة) تفضل صلاته في بيته بسبع وعشرين درجة ». تفسير : والمراد بالغدوّ: وقت الغدوّ وهو الصباح لأنه وقت خروج الناس في قضاء شؤونهم. والآصال: جمع أصيل وهو آخر النهار، وتقدم في آخر الأعراف (205) وفي سورة الرعد (15). والمراد بالرجال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان مثلهم في التعلق بالمساجد. وتخصيص التسبيح بالرجال على هذا لأنهم الغالب على المساجد كما في الحديث: « حديث : ... ورجلٌ قلبه معلق بالمساجد...». تفسير : ويجوز عندي أن يكون {في بيوت} خبراً مقدماً و{رجال} مبتدأ، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله: { أية : يهدي الله لنوره من يشاء } تفسير : [النور: 35] فيسأل السائل في نفسه عن تعيين بعض ممن هداه الله لنوره فقيل: رجال في بيوت. والرجال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والبيوت مساجد المسلمين وغيرها من بيوت الصلاة في أرض الإسلام والمسجد النبوي ومسجد قباء بالمدينة ومسجد جؤاثى بالبحرين. ومعنى {لا تلهيهم تجارة} أنهم لا تشغلهم تجارة ولا بيع عن الصلوات وأوقاتها في المساجد. فليس في الكلام أنهم لا يتجرون ولا يبيعون بالمرة. والتجارة: جلب السلع للربح في بيعها، والبيع أعم وهو أن يبيع أحد ما يحتاج إلى ثمنه. وقرأ الجمهور: {يسبح} بكسر الموحدة بالبناء للفاعل و{رجال} فاعله. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بفتح الموحدة على البناء للمجهول فيكون نائب الفاعل أحد المجرورات الثلاثة وهي {له فيها بالغدو} ويكون {رجال} فاعلاً بفعل محذوف من جملة هي استئناف. ودل على المحذوف قوله: {يسبّح} كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل: يُسبح له رجال. على نحو قول نهشل بن حَريّ يرثي أخاه يزيد: شعر : لِيُبْكِ يزيدُ ضارعٌ لخصومة ومختبطٌ مما تُطيح الطوائح تفسير : وجملة: {لا تلهيهم تجارة} وجملة: {يخافون} صفتان لـ{رجال}، أي لا يشغلهم ذلك عن أداء ما وجب عليهم من خوف الله {وإقام الصلاة} الخ وهذا تعريض بالمنافقين. و{إقام} مصدر على وزن الإفعال. وهو معتل العين فاستحق نقل حركة عينه إلى الساكن الصحيح قبله وانقلاب حرف العلة ألفاً إلا أن الغالب في نظائره أن يقترن آخره بهاء تأنيث نحو إدامة واستقامة. وجاء مصدر {إقام} غير مقترن بالهاء في بعض المواضع كما هنا. وتقدم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة البقرة (3). وانتصب {يوماً} من قوله: {يخافون يوماً} على المفعول به لا على الظرف بتقدير مضاف، أي يخافون أهواله. وتقلّب القلوب والأبصار: اضطرابها عن مواضعها من الخوف والوجل كما يتقلب المرء في مكانه. وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } تفسير : في سورة الأنعام (110). والمقصود من خوفه: العمل لما فيه الفلاح يومئذٍ كما يدل عليه قوله: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا}. ويتعلق قوله: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا} بـ{يخافون}، أي كان خوفهم سبباً للجزاء على أعمالهم الناشئة عن ذلك الخوف. والزيادة: من فضله هي ز حديث : يادة أجر الرهبان إن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم حينما تبلغهم دعوته لما في الحديث الصحيح: «أن لهم أجرين »، تفسير : أو هي زيادة فضل الصلاة في المساجد إن كان المراد بالبيوت مساجد الإسلام. وجملة: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} تذييل لجملة: {ليجزيهم الله}. وقد حصل التذييل لما في قوله: {من يشاء} من العموم، أي وهم ممن يشاء الله لهم الزيادة. والحساب هنا بمعنى التحديد كما في قوله: { أية : إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } تفسير : في سورة آل عمران (37). وأما قوله: { أية : جزاء من ربك عطاء حساباً } تفسير : [النبأ: 36] فهو بمعنى التعيين والإعداد للاهتمام بهم.

الشنقيطي

تفسير : قرأ هذا الحرف جميع السبعة غير ابن عامر، وشعبة، عن عاصم: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} بكسر الباء الموحدة المشددة، مبنياً للفاعل، وفاعله رجال والمعنى واضح على هذه القراءة. وقرأه ابن عامر، وشعبة، عن عاصم: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} بفتح الباء الموحدة المشددة، مبيناً للمفعول، وعلى هذه القراءة فالفاعل المحذوف قد دلت القراءة الأولى على أن تقديره: رجال فكأنه لما قال يسبح له فيها، قيل: ومن يسبح له فيها؟ قال رجال: أي يسبح له فيها رجال. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ما لفظه، وقد التزمنا أنا لا نبينّ القرآن إلا بقراءة سبعية، سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيرها إلى آخره، وإنما ذكرنا أن الآية يبين بعض القراءات فيها معنى بعض، لأن المقرر عند العلماء أن القراءتين في الآية الواحدة كالآيتين. وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة الجمهور: يسبح بكسر الباء وفاعله رجال، مبينة أن الفاعل المحذوف في قراءة ابن عامر، وشعبة، عن عاصم: يسبح بفتح الباء مبنياً للمفعول لحذف الفاعل هو رجال كما لا يخفى. والآية على هذه القراءة حذف فيها الفاعل ليسبح، وحذف أيضاً الفعل الرافع للفاعل الذي هو رجال على حد قوله في الخلاصة: شعر : ويرفع الفاعل فعل أضمرا كمثل زيد في جواب من قرا تفسير : ونظير ذلك في كلام العرب قول ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد أو غيره: شعر : ليُبْكَ يَزيد ضارعٌ لخصومة ومُخْتَبطٌ مما تطيح الطوائح تفسير : فقوله: ليُبكَ يزيد بضم الياء المثناة التحتية، وفتح الكاف مبنياً للمفعول، فكأنه قيل ومن يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع لخصومة إلخ. وقراءة ابن عامر، وشعبة هنا كقراءة ابن كثير: {أية : كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ} تفسير : [الشورى: 3] بفتح الحاء مبنياً للمفعول فقوله: الله فاعل يوحي المحذوفة، ووصفه تعالى لهؤلاء الرجال الذين يسبِّحون له بالغُدو والآصال، بكونهم لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة على سبيل مدحهم، والثناء عليهم. يدلّ على أن تلك الصفات لا ينبغي التساهل فيها بحال، لأن ثناء الله على المتصف بها يدل على أنّ من أخلّ بها يستحق الذمّ الذي هو ضد الثناء،ويوضح ذلك أن الله نهى عن الإخلال بها نهياً جازماً في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [المنافقون: 9] وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ}تفسير : [الجمعة: 9] الآية إلى غير ذلك من الآيات. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: اعلم أنه على قراءة ابن عامر، وشعبة: يسبَّح بفتح الباء يحسن الوقف على قوله: بالآصال، وأما على قراءة الجمهور يسبَّح بالكسر، فلا ينبغي الوقف على قوله: بالآصال، لأن فاعل يسبح رجال، والوقف دون الفاعل لا ينبغي كما لا يخفى. المسألة الثانية: اعلم أن الضمير المؤنث في قوله {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} راجع إلى المساجد المعبّر عنها بالبيوت في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} [النور: 36] والتحقيق: أن البيوت المذكورة، هي المساجد. وإذا علمت ذلك فاعلم أن تخصيصه من يسبح له فيها بالرجال في قوله {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ} يدل بمفهومه على أن النساء يسبحن له في بيوتهن لا في المساجد، وقد يظهر للناظر أن مفهوم قوله: رجال مفهوم لقب، والتحقيق عند الأصوليين أنه لا يحتج به. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا شك أن مفهوم لفظ الرجال، مفهوم لقب بالنظر إلى مجرَّد لفظه، وأن مفهوم اللقب ليس بحجة على التحقيق، كما أوضحناه في غير هذا الموضع، ولكن مفهوم الرجال هنا معتبر، وليس مفهوم لقب على التحقيق، وذلك لأن لفظ الرجال، وإن كان بالنظر إلى مجرّده اسم جنس جامد وهو لقب بلا نزاع، فإنه يستلزم من صفات الذكورة ما هو مناسب لإناطة الحكم به، والفرق بينه وبين النساء، لأنّ الرجال لا تخشى منهم الفتنة، وليسوا بعورة خلاف النساء، ومعلوم أو وصف الذكورة وصف صالح لإناطة الحكم به الذي هو التسبيح في المساجد، والخروج إليها دون وصف الأنوثة. والحاصل: أن لفظ الرجال في الآية، وإن كان في الاصطلاح لقباً فإنما يشتمل عليه من أوصاف الذكورة المناسبة للفرق بين الذكور والإناث، يقتضي اعتبار مفهوم المخالفة في لفظ رجال، فهو في الحقيقة مفهوم صفة لا مفهوم لقب، لأن لفظ الرجال مستلزم لأوصاف صالحة لإناطة الحكم به، والفرق في ذلك بين الرجال والنساء كما لا يخفى. المسألة الثالثة: إذا علمت أن التحقيق أن مفهوم قوله: رجال مفهوم صفة باعتبار ما يستلزمه من صفات الذكورة المناسبة للفرق بين الذكور والإناث، في حكم الخروج إلى المساجد لا مفهوم لقب، وأن مفهوم الصفة معتبر عند الجمهور خلافاً لأبي حنيفة. فاعلم أن مفهوم قوله هنا: رجال فيه إجمال، لأنّ غاية ما يفهم منه أن النساء لسن كالرجال في الخروج للمساجد، وقد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن البيان القرآني إذا كان غير واف بالمقصود من تمام البيان. فإنّا نتمم البيان من السنة من حيث إنها تفسير للمبين باسم الفاعل، وتقدّمت أمثلة لذلك. وإذا علمت ذلك فاعلم أن السنة النبوية بينت مفهوم المخالفة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: رجال،فبينت أن المفهوم المذكور معتبر، وأن النساء لسن كالرجال في حكم الخروج إلى المساجد، وأوضحت أن صلاتهن في بيوتهن أفضل لهن من الخروج إلى المساجد والصلاة فيها في الجماعة، بخلاف الرجال، وبينت أيضاً أنهن يجوز لهن الخروج إلى المساجد بشروط سيأتي إيضاحها إن شاء الله تعالى، وأنهن إذا استأذن أزواجهن في الخروج إلى المساجد فهم مأمورون شرعاً بالإذن لهن في ذلك مع التزام الشروط المذكورة. أما أمر أزواجهن: بالإذن لهن في الخروج إلى المساجد إذا طلبن ذلك فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب النكاح: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا استأْذَنَت امرَأةُ أحَدِكم إلى المسجد فلا يمنَعْها" تفسير : وقال البخاري أيضاً في صحيحه في كتاب الصلاة: باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد: حدثنا مُسَّدد، حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن مَعْمَر عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا استأذنت امرأةُ أحدِكُم فلا يَمْنَعْها" تفسير : وقال البخاري رحمه الله في صحيحه أيضاً، حدثنا عُبيد الله بن موسى، عن حَنْظلة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عُمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجدِ فأذنوا لهنَّ" تفسير : تابعه شُعبة عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني عمرو الناقد، وزُهير بن حرب جميعاً عن ابن عُيينة. قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري. سمع سالماً يحدث عن أبيه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها" تفسير : وفي لفظ عند مسلم، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تمنعوا نساءكم المساجِد إذا استأذنَّكم إليها" تفسير : وفي لفظ عند مسلم أيضاً، عن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" تفسير : وفي لفظ له عنه أيضاً: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا استأذنكم نساؤكم إلى المسجد فأذنوا لهن" تفسير : وفي لفظ له عنه أيضاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل" تفسير : وفي رواية له عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد" تفسير : وفي لفظه عنه أيضاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم" تفسير : وفي رواية "إذا استأذنوكم" قال النووي في شرح مسلم: وهو صحيح وعوملن معاملة الذكور لطلبهن الخروج إلى مجلس الذكور، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا الذي ذكرناه عن الشيخين بروايات متعددة، أخرجه أيضاً غيرهما وهو صريح في أنّ أزواج النساء مأمورون على لسانه صلى الله عليه وسلم بالإذن لهنّ في الخروج إلى المساجد، إذا طلبن ذلك، ومنهيُّون عن منعهن من الخروج إليها. وذكر بعض أهل العلم أن أمر الأزواج بالإذن لهنّ في الروايات المذكورة ليس للإيجاب، وإنما هو للندب، وكذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن منعهن. قالوا: هو لكراهة التنزيه لا للتحريم. قال ابن حجر في فتح الباري: وفيه إشارة إلى أنّ الإذن المذكور لغير الوجوب، لأنه لو كان واجباً لانتفى معنى الاستئذان، لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذن مخيّراً في الإجابة أو الرد. وقال النووي في شرح المهذب: فإن منعها لم يحرِّم عليه هذا مذهبنا، قال البيهقي: وبه قال عامة العلماء. ويجاب عن حديث "حديث : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" تفسير : بأنه نهي تنزيه، لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب، فلا تتركه لفضيلة اهـ. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في هذه المسألة: أن الزوج إذا استأذنته امرأته في الخروج إلى المسجد، وكانت غير متطيِّبة، ولا متلبسة بشيء يستوجب الفتنة مما سيأتي إيضاحه إن شاء الله، أنه يجب عليه الإذن لها، ويحرم عليه منعها للنهي الصريح منه صلى الله عليه وسلم عن منعها من ذلك، وللأمر الصريح بالإذن لها وصيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب، كما أوضحناه في مواضع من هذا الكتاب المبارك، وصيغة النهي كذلك تقتضي التحريم، وقد قال تعالى: {أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [النور: 63] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" تفسير : إلى غير ذلك من الأدلة، كما قدمنا. وقول ابن حجر: إن الإذن لا يتحقق إلا إذا كان المستأذن مخيراً في الإجابة، والرد غير مسلم، إذ لا مانع عقلاً، ولا شرعاً ولا عادة من أن يوجب الله عيه الإذن لامرأته في الخروج إلى المسجد من غير تخيير، فإيجاب الإذن لا مانع منه. وكذلك تحريم المنع، وقد دلّ النص الصحيح على إيجابه فلا وجه لردّه بأمر محتمل كما ترى. وقول النووي: لأن حقّ الزوج في ملازمة المسكن واجب، فلا تتركه للفضيلة لا يصلح، لأن يرد به النص الصريح منه صلى الله عليه وسلم، فأمره صلى الله عليه وسلم الزوج بالإذن لها يلزمه ذلك، ويوجبه عليه، فلا يعارض بما ذكره النووي كما ترى. وما ذكره النووي عن البيهقي: من أن عدم الوجوب قال به عامة العلماء غير مسلم أيضاً، فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه لما حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث الذي ذكرنا عنه في أمر الأزواج بالإذن للنساء في الخروج إلى المساجد، وقال ابنه: لا ندعهن يخرجن، غضب وشتمه ودفع في صدره منكراً عليه، مخالفته لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك دليل واضح على اعتقاده وجوب امتثال ذلك الأمر بالإذن لهن. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني حَرْمَلة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها" تفسير : فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن، فأقبل عليه عبد الله فسبَّه سباً سيئاً ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: والله لنمنعهن، وفي لفظ عند مسلم: فَزَبره ابن عمر قال: أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: لا ندعهن. وفي لفظ لمسلم أيضاً: فضرب في صدره. واعلم أن ابن عبد الله بن عمر الذي زعم أنه لم يمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإذن للنساء إلى المساجد جاء في صحيح مسلم أنه بلال بن عبد الله بن عمر. وفي رواية عند مسلم: أنه واقد بن عبد الله بن عمر: والحقّ تعدد ذلك فقد قاله كل من بلال، وواقد ابني عبد الله بن عمر، وقد أنكر عمر على كلّ منهما. كما جاءت به الروايات الصحيحة عند المسلم وغيره، فكون ابن عمر رضي الله عنهما أقبل على ابنه بلال وسبَّه سبَّا سيئاً وقال منكراً عليه، أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: لنمنعُهنّ: فيه دليل واضح أنّ ابن عمر يرى لزوم الإذن لهنّ، وأنّ منعهن لا يجوز، ولو كان يراه جائزاً ما شدّد النكير على ابنيه كما لا يخفى. وقال النووي في شرح مسلم: قوله: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبَّا سيئاً. وفي رواية فزبره. وفي رواية: فضرب في صدره، فيه تعزير المعترض على السنة والمعارض لها برأيه. قال مقيّده عفا الله وغفر له: وكلام النووي هذا الذي رأيت اعتراف منه بأن مذهبه وهو مذهب الشافعي ومن قال بقوله، كما نقل عن البيهقي، أنه قول عامة العلماء، أن جميع القائلين بذلك مستحقُّون للتعزير، معترضون على السنة، معارضون لها برأيهم، والعجب منه كيف يقرّ بأن بلال بن عبد الله بن عمر مستحق للتعزير لاعتراضه على السنة، ومعارضته لها برأيه، مع أن مذهبه الذي ينصره وينقل أنه قول عامة العلماء عن البيهقي هو بعينه قول بلال بن عبد الله بن عمر الذي صرح هو بأنه يستحق به التعزير، وأنّه اعتراض على السنة ومعارضة لها بالرأي. وقال النووي: قوله: فزبره. أى نهره. وقال ابن حجر في فتح الباري: ففي رواية بلال عند مسلم، فأقبل عليه عبد الله فسبّه سبَّا شديداً ما سمعتُه سبه مثله قط، وفسر عبد الله بن هُبيرة في رواية الطبراني السبّ المذكور باللّعن ثلاث مرات وفي رواية زائدة عن الأعمش فانتهره وقال: أفٍّ لك. وله عن ابن نمير عن الأعمش فعل الله بك وفعل، ومثله للترمذي من رواية عيسى بن يونس. ولمسلم من رواية أبي معاوية: فزبره. ولأبي داود من رواية جرير: فسبّه وغضب، إلى أن قال: وأخذ من إنكار عبد الله على ولده تأديب المعترض على السنن برأيه، وهو اعتراف منه أيضاً بأنّ من خالف الحديث المذكور معترض على السنن برأيه. وبه تعلم أن ما قدّمنا عنه من كون الأمر بالإذن لهن إلى المساجد ليس للوجوب اعتراض على السنن بالرأي كما ترى. وبما ذكرنا أن الدليل قد دلّ من السنة الصحيحة على وجوب الإذن للنساء في الخروج إلى المساجد كما ذكرنا، ويؤيده أن ابن عمر لم ينكر أحد من الصحابة تشنيعه على ولديه كما أوضحناه آنفاً. والعلم عند الله تعالى. وإذا علمت أن ما ذكرنا من النصوص الصريحة في الأمر بالإذن لهن يقتضي جواز خروجهن إلى المساجد، فاعلم أنه ثبت في الصحيح أنهنّ كنّ يخرجن إلى المسجد، فيصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن بُكير قال: أخبرنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عُرْوَة بن الزُّبير: أنّ عائشة رضي الله عنها أخبرته قالت: كُنّ نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ الفجر منلفعات بمروطِهنَّ، ثم ينقَلبن إلى بيوتهن حين يقضينَ الصلاة لا يعرفُهُنَّ أحدٌ مِن الغَلَس اهـ. وهذا الحديث أخرجه أيضاً مسلم وغيره. وقد جاءت أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما دالة على ما دل عليه حديث عائشة هذا المتفق عليه من كون النساء كنّ يشهدن الصلاة في المسجد معه صلى الله عليه وسلم. تنبيه قد علمت مما ذكرنا في روايات حديث ابن عمر المتفق عليه: أنّ في بعض رواياته المتفق عليها تقييد أمر الرجال بالإذن للنساء في الخروج إلى المسجد باللّيل، وفي بعضها الإطلاق وعدم التقييد بالليل، وهو أكثرالروايات كما أشار له ابن حجر في الفتح. وقد يتبادر للناظر أن الأزواج ليسوا مأمورين بالإذن للنساء إلا في خصوص الليل، لأنه أستر، ويترجّح عنده هذا بما هو مقرر في الأصول من حمل المطلق على المقيّد، فتحمل روايات الإطلاق على التقييد بالليل، فيختصّ الإذن المذكور باللّيل. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي تقديم روايات الإطلاق وعدم التقييد بالليل لكثرة الأحاديث الصحيحة الدالة على حضور النساء الصلاة معه صلى الله عليه وسلم في غير الليل، كحديث عائشة المتفق عليه المذكور آنفاً الدال على حضورهن معه صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، وهي صلاة نهار لا ليل، ولا يكون لها حكم صلاة الليل، بسبب كونهنّ يرجعن لبيوتهن، ولا يعرفن من الغلس، لأن ذلك الوقت من النهار قطعاً، لا من الليل، وكونه من النهار مانع من التقييد باللّيل، والعلم عند الله تعالى. وأما ما يشترط في جواز خروج النساء إلى المساجد فهو المسألة الرابعة. اعلم أن خروج المرأة إلى المسجد يشترط فيه عند أهل العلم شروط يرجع جميعها إلى شيء واحد، وهو كون المرأة وقت خروجها للمسجد ليست متلبسة بما يدعو إلى الفتنة مع الأمن من الفساد. قال النووي في شرح مسلم في الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" تفسير : ما نصّه: هذا وما أشبهه من أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع المسجد، ولكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث، وهي ألا تكون متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولاثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة ونحوها. ممن يفتتن بها، وألا يكون في الطريق ما يخاف منه مفسدة ونحوها. انتهى محل الغرض من كلام النووي. قال مقيده عفا الله وغفر له: هذه الشروط التي ذكرها النووي وغيره منها ما هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما لا نص فيه، ولكنه ملحق بالمنصوص لمشاركته له في علته، وإلحاق بعضها لا يخلو من مناقشة كما سترى إيضاح ذلك كلّه إن شاء الله تعالى. أما ما هو ثابت عنه صلى الله عليه وسلم من تلك الشروط، فهو عدم التطيّب، فشرط جواز خروج المرأة إلى المسجد ألاّ تكون متطيبة. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا هارون بن سعيد الأيليُّ، حدثنا ابن وَهبْ، أخبرني مخرمة، عن أبيه عن بُسرِ بن سعيد أن زَينب الثقفية كانت تُحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال "حديث : إذا شَهَدَتْ إحداكُنَّ العشاء، فلا تطيِّب تلك الليلة " تفسير : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عجلان حدثني بكير بن عبد الله الأشج، عن بُسر بن سعيد، عن زينب امرأة عبد الله قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمسَّ طيباً " تفسير : حدثنا يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم، قال يحيى: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فَرْوة، عن يزيد بن خُصَيْفَة، عن بُسر بن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أيما امرأةٍ أصابت بخوراً فلا تَشهد معنا العشاء الآخرة"تفسير : اهـ. فهذا الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن صحابيين، وهما: أبو هريرة، وزينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عن الجميع، صريح في أن المتطيّبة ليس لها الخروج إلى المسجد، ويؤيِّد ذلك ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حمّاد عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات"تفسير : اهـ. وقوله: وهنّ تفلات: أي غير متطيبات. وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث وراه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. وتفلات بفتح التاء المثناة فوق وكسر الفاء: أي تاركات الطيب اهـ. ومنه قول امرئ القيس: شعر : إذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها تميل عليه هونة غير متغالي تفسير : وهذا الحديث أخرجه أيضاً الإمام أحمد وابن خزيمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه ابن حبّان من حديث زيد بن خالد. قاله الشوكاني وغيره. وإذا علمت أن هذه الأحاديث دلّت على المتطيِّبة ليس لها الخروج إلى المسجد، لأنها تحرِّك شهوة الرجال بريح طيبها. فاعلم أن أهل العلم ألحقوا بالطيب ما في معناه كالزينة الظاهرة، وصوت الخلخال والثياب الفاخرة، والاختلاط بالرجال، ونحو ذلك بجامع أن الجميع سبب الفتنة بتحريك شهوة الرجال، ووجهه ظاهر كما ترى. وألحق الشافعيّة بذلك الشابة مطلقاً، لأن الشباب مظنَّة الفتنة، وخصصوا الخروج إلى المساجد بالعجائز. والأظهر أن الشابة إذا خرجت مستترة غير متطيِّبة، ولا متلبِّسة بشيء آخر من أسباب الفتنة أن لها الخروج إلى المسجد لعموم النصوص المتقدّمة. والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة: اعلم أن صلاة النساء في بيوتهن أفضل لهنّ من الصلاة في المساجد، ولو كان المسجد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وبه تعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" تفسير : خاص بالرجال، أما النساء فصلاتهنّ في بيوتهن خير لهن من الصلاة في الجماعة في المسجد. قال أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تمنعوا نساءكم المساجدّ وبيوتُهنَّ خيرٌ لهنَّ" تفسير : وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: وحديث ابن عمر صحيح رواه أبو داود بلفظه هذا، بإسناد صحيح على شرط البخاري اهـ. وهذا الحديث أخرجه أيضاً الإمام أحمد. وقال ابن حجر في فتح الباري: وقد ورد في بعض روايات هذا الحديث وغيره، ما يدلّ على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وذلك في رواية حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر بلفظ "حديث : لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن" تفسير : أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، ولأحمد والطبراني من حديث أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحبُّ الصلاة معك، فقال: "حديث : قد علمتُ وصلاتك في بيتك خيرٌ لكِ من صلاتك في حُجرتك، وصلاتك في حجرتك خيرٌ من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة" تفسير : وإسناد أحمد حسن وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود، ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل، الأمن فيه من الفتنة. انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر. وحديث ابن مسعود الذي أشار له هو ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا ابن المثنى، أن عمرو بن عاصم حدثهم قال: ثنا همام عن قتادة، عن مورق عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حُجرتها وصلاتها في مُخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" تفسير : اهـ. وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم، وقد روى أحمد عن أم سلمة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير مساجد النساء قعر بيوتهن " تفسير : وبما ذكرنا من النصوص تعلم أن صلاة النساء في بيوتهن أفضل لهن من صلاتهن في الجماعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره من المساجد لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومما يؤكد صلاتهن في بيوتهن ما أحدثنه من دخول المسجد في ثياب قصيرة هي مظنًّة الفتنة، ومزاحمتهنَّ للرجال في أبواب المسجد عند الدخول والخروج، وقد روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: لو أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى من النساء ما رأينا، لمنعهنَّ منَ المسجد كما مَنَعت بنو إسرائيل نساءَها. وقد علمت مما ذكرنا من الأحاديث أن مفهوم المخالفة في قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجالٌ} الآية معتبر، وأنه ليس مفهوم لقب، وقد أوضحنا المفهوم المذكور بالسنة كما رأيت. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الرجال الذين يسبحون له في المساجد بالغدو والآصال، إلى آخر ما ذكر من صفاتهم: أنهم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، وهو يوم القيامة لشدة هوله، وما دلّت عليه هذه الآية الكريمة من عظم هول ذلك اليوم، وتأثيره في القلوب والأبصار، جاء في آيات كثيرة من كتاب الله العظيم كقوله تعالى: {أية : قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} تفسير : [النازعات: 8ـ9] وقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [إبراهيم: 42] وقوله تعالى: {أية : وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} تفسير : [غافر: 18] الآية. ونحو ذلك من الآيات الدالة على عظم ذلك اليوم كقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} تفسير : [المزمل: 17ـ18] الآية. وقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} تفسير : [الإنسان: 9ـ10] إلى غير ذلك من الآيات. وفي معنى تقلب القلوب والأبصار أقوال متعددة لأهل التفسير، ذكرها القرطبي وغيره. وأظهرها عندي: أن تقلب القلوب هو حركتها من أماكنها من شدّة الخوف كما قال تعالى: {أية : إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} تفسير : [غافر: 18] وأن تقلب الأبصار هو زيغوغتها ودورانها بالنظر في جميع الجهات من شدة الخوف، كما قال تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [الأحزاب: 19] الآية. وكقوله تعالى: {أية : وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} تفسير : [الأحزاب: 10] فالدوران والزيغوغة المذكوران يعلم بهما معنى تقلب الأبصار، وإن كانا مذكورين في الخوف من المكروه في الدنيا.

د. أسعد حومد

تفسير : (36) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى مَثَلَ نُورِهِ لِعِبَادِهِ، وَهِدَايَتَهُ إِيَّاهُمْ، أَرَادَ هُنَا بَيَانَ حَالِ مَنْ اهْتَدَوا بِذَلِكَ النُّورِ، وَصِفَاتِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّ حَالَ هَؤُلاَءِ المُهْتَدِينَ فِي الطَّهَارَةِ مِنَ النَّجَاسَاتِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ (كَاللَّغْو والرَّفَثِ فِي الحَدِيثِ) كَمَثَلِ القِنْدِيلِ فِي المِصْبَاحِ المُضِيءِ، الدُّرِي المُقَام فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ التي أُقِيمَتْ لِعِبَادَة اللهِ تَعَالَى فِيهَا، وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مُنَزَّهَةٌ، يَقُومُ فِيهَا بِعِبَادَتِهِ تَعَالَى رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ يُنَزِّهُونَ اللهَ تَعَالَى فِيهَا وَيُقَدِّسُونَه فِي أَوَائِلِ النَّهَارِ (الغُدُوِّ) وَفِي آخِرِهِ (الآصَالِ). في بُيُوتٍ - المَسَاجِدِ كُلِّها. أَنْ تُرْفَعَ - أَنْ تُعَظَّمَ وَتُطَهَّر أو تُشَادَ. بالغُدُوِّ والآصَالِ - أَولِ النَّهَارِ وآخِرِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بدأت الآية بالجار والمجرور {فِي بُيُوتٍ ..} [النور: 36] ولا بُدَّ أن نبحث له عن متعلق، فالمعنى: هذا النور الذي سبق الحديث عنه في بيوت أَذِن الله أن تُرفع. والبيت: هو ما أُعِدَّ للبيتوتة، بل لمعيشة الحياة الثابتة، وإليه يأوي الإنسان بعد عناء اليوم وطوافه في مناكب الأرض، والبيت على أية صورة هو مكان الإنسان الخاص الذي يعزله عن المجتمع العام، ويجعل له خصوصية في ذاته، وإلا فالإنسان لا يرضى أن يعيش في ساحة عامة مع غيره من الناس. وهذه الخصوصية في البيوت يتفاوت فيها الناس وتتسامى حسْب إمكاناتهم، وكل إنسان يريد أنْ يتحيّز إلى مكان خاص به؛ لأن التحيّز أمر مطلوب في النفس البشرية: الأسرة تريد أن تتحيز عن المجتمع العام، والأفراد داخل الأسرة يريدون أن يتحيزوا أيضاً، كل إلى حجرة تخصه، وكذلك الأمر في اللباس، ذلك لأن لكل واحد منا مساتير بينه وبين نفسه، لا يحب أن يطلع عليها أحد. وقد اتخذ الله له بيتاً في الأرض، هو أول بيت وُضِع للناس، كما قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً ..}تفسير : [آل عمران: 96]. وهذا هو بيت الله باختيار الله، ثم تعددتْ بيوت الله التي اختارها خَلْق الله، فكما اتخذتم لأنفسكم بيوتاً اتخذ الله لنفسه بيوتاً {أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ..} [النور: 36] وأنتم جميعاً عباد الله وعيال الله، وسوف تجدون الراحة في بيته تعالى كما تجدون الراحة في بيوتكم، مع الفارق بين الراحة في بيتك والراحة في بيت الله. الراحة في بيوتكم راحة حِسِّية بدنية في صالون مريح أو مطبخ مليء بالطعام، أمّا في بيت الله فالراحة معنوية قيمية؛ لأن ربك - عز وجل - غيْبٌ فيريحك أيضاً بالغيب. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما حزبه أمر يقوم إلى الصلاة ليُلقي بأحماله على ربه. وماذا تقول في صنعة تُعرض على صانعها مرة واحدة كل يوم، أيبقى بها عطل أو فساد؟ فما بالك إنْ عُرِضَتْ على صانعها خمس مرات في اليوم والليلة؟ فربُّكَ يدعوك إلى بيته ليريحك، وليحمل عنك همومك، ويصلح ما فسد فيك، ويفتح لك أبواب الفرج. إذن فنور على نور هذه لا تكون إلا في بيوت الله التي أذِن سبحانه أن تُرفعَ بالذكر وبالطاعات وترفع عما يحل في الأماكن الأخرى وتعظم. فالبيوت كلها لها مستوى واحد، لكن ترفع بيوت عن بيوت وتُعلَّى وقد رُفِعَت بيوت الله بالطاعة والعبادة، فالمسجد مكان للعبادة لا يُعصَى الله فيه أبداً على خلاف البيوت والأماكن الأخرى، فعظّم الله بيوته أن يُعْصَى فيها، وعظّم روادها أن يشتغلوا فيها بسفاسف الأمور الحياتية الدنيوية، فعليك أن تترك الدنيا على باب المسجد كما تترك الحذاء. لذلك نهى الإسلام أن نعقد صفقة في بيت الله، أو حتى ننشد فيه الضالة؛ لأن الصفقة التي تُعقَد في بيت الله خاسرة بائرة، والضالة التي ينشدها صاحبها فيه لا تُردُّ عليه، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول لمن يفعل هذا بالمسجد "حديث : لا ردها الله عليك ". تفسير : وإنْ جعل الله الأرض كلها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم مسجداً وطهوراً، لكن فَرْقٌ بين الصلاة في المسجد والصلاة في أيِّ مكان آخر، المسجد خُصِّص للعبادة، ولا نذكر فيه إلا الله، أمّا الأماكن الأخرى فتصلح للصلاة، وأيضاً لمزاولة أمور الدنيا. وإلا، فكيف تعيش كل وقتك لأمور الدنيا على مدار اليوم والليلة، ثم تستكثر على ربك هذه الدقائق التي تؤدي فيها فَرْض الله عليك فتجرجر الدنيا معك حتى في بيت الله؟ ألا تعلم أن بيوت الله ما جُعِلت إلا لعبادة الله؟ لا بد للمؤمن أن يترك دُنْياه خارج المسجد، وأن ينوي الاعتكاف على عبادة ربه والمداومة على ذِكْره في بيته، فلا يليق بك أن تكون في بيت الله وتنشغل بغيره. فإن التزمتَ بآداب المسجد تلقيتَ من ربك نوراً على نور، وزال عن كاهلك الهمّ والغم وحُلَّت مشاكلك من حيث لا تحتسب. إذن: فالحق - تبارك وتعالى - جعل في الفطرة الإيمانية أن تؤمن بإله، فالإيمان أمر فطري مهما حاول الإنسان إنكاره، فالكافر الذي ينكر وجود الله ساعة يتعرَّض لأزمة لا منجاةَ منها بأسباب البشر تجده تلقائياً يتوجه إلى الله يقول: يا رب، لا يمكن أن يكذبَ على نفسه في هذه الحالة أو يُسلم نفسه ويبيعها رخيصة. وفي ذلك يقول تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً ..}تفسير : [الزمر: 8]. ومن دقة الأداء القرآني في هذه المسألة قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ..}تفسير : [الجمعة: 9]. فذكر طرفاً واحداً من عملية التجارة وهو البيع، ولم يقل: والشراء، قالوا: لأنه حين يُمنع البيع يُمنع الشراء في الوقت نفسه؛ ولأن الإنسان يحرص على البيع لكن قد يشتري وهو كاره، فشهوة الإنسان متعلقة بالبيع لا بالشراء، لأن الشراء يحتاج منه إلى مال على خلاف البيع الذي يجلب له المال. إذن: قوله تعالى: {أية : وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ..}تفسير : [الجمعة: 9] إنما ذكر قمة حركة الحياة وخلاصتها، فكل حركات الحياة من تجارة أو زراعة أو صناعة تنتهي إلى مسألة البيع؛ لذلك يحزن البائع إذا لم يَبِعْ، أما المشتري فيقول حين لا يجد الشيء أو يجد المحل مُغلَقاً: بركة يا جامع. ثم إذا انتهتْ الصلاة يعيدنا من جديد إلى حركة الحياة: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الجمعة: 10]. كأنك ذهبتَ للمسجد لتأخذ شحنة إيمانية تعينك وتسيطر على كُلِّ حواسك في حركتك في التجارة، وفي الإنتاج، وفي الاستهلاك، وفي كل ما ينفعك ويُنمي حياتك. وحين يأمرك ربك أن تفرغ لأداء الصلاة لا يريد من هذا الفراغ أن يُعطّل لك حركة الحياة، إنما ليعطيك الوقود اللازم لتصبح حركة حياتك على وَفْق ما أراده الله. وما أشبه هذا الوقت الذي نختزله من مصالح دنيانا في عبادة الله بشحن بطارية الكهرباء، فحين تذهب بالبطارية إلى جهاز الشحن لا نقول: إنك عطلت البطارية إنما زدتَ من صلاحيتها لأداء مهمتها وأخْذ خيرها. فأنت تذهب إلى بيت الله بنور الإيمان، وبنور الاستجابة لنداء: الله أكبر، فتخرج بأنوار متعددة من فيوضات الله؛ لذلك ضرب لنا الحق - تبارك وتعالى - مثلاً لها النور بالمصباح الذي يتنامى نوره ويتصاعد؛ لأنه في زجاجة تزيد من ضوئه؛ لأنها مثل كوكب دُريٍّ والنور يتصاعد؛ لأنها بزيت زيتونة، ويتصاعد لأنها شرقية وغربية في آن واحد، إذن: عندنا ألوان متعددة في المثل، فكذلك النور في بيوت الله. لذلك قال بعض العارفين: أهل الأرض ينظرون في السماء نجوماً متلألئة، والملائكة في السماء ينظرون نجوماً متلألئة من بيوت الله، ولا عجبَ في ذلك لأنها أنوار الله تتلألأ وتتدفق في بيته وفي مسجده، وكيف نستبعد ذلك ونحن نرى نور الشمس كيف يفعل حينما ينعكس على سطح القمر فيُلقِي إلينا بالضوء الذي نراه؟ والشمس والقمر أثر من آثار نور الله الذي يَسْطع في بيوت الله، ألاّ يعطينا ذلك الإشعاع الذي يفوق إشعاع البدور؟ ثم يقول تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} [النور: 36] فالمساجد جُعِلَتْ لتسبيح الله؛ لذلك كان بعض الصالحين إذا نزل بلداً يتحيل أن ينزلها في غير وقت الصلاة، ثم يذهب إلى المسجد فإنْ وجده عامراً في غير وقت الصلاة بالمسبحين علم أن هؤلاء ملتزمون بمنهج الله، حيث يجلسون قبل وقت الصلاة يُسبِّحون الله وينتظرون الصلاة، وإنْ وجد الحال غير ذلك انصرف عنها وعلم أنها بلد لا خيرَ فيها. والغُدوُّ: يعني الصباح، والآصال: يعني المساء، فهي لا تخلو أبداً من ذكْر الله وتسبيحه، وقد وصف هؤلاء الذين يعمرون بيوت الله بالذكر والتسبيح بأنهم: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: يتعبد لله { فِي بُيُوتٍ } عظيمة فاضلة، هي أحب البقاع إليه، وهي المساجد. { أَذِنَ اللَّهُ } أي: أمر ووصى { أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها، بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسة، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله. { وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } يدخل في ذلك الصلاة كلها، فرضها، ونفلها، وقراءة القرآن، والتسبيح، والتهليل، وغيره من أنواع الذكر، وتعلم العلم وتعليمه، والمذاكرة فيها، والاعتكاف، وغير ذلك من العبادات التي تفعل في المساجد، ولهذا كانت عمارة المساجد على قسمين: عمارة بنيان، وصيانة لها، وعمارة بذكر اسم الله، من الصلاة وغيرها، وهذا أشرف القسمين، ولهذا شرعت الصلوات الخمس والجمعة في المساجد، وجوبا عند أكثر العلماء، أو استحبابا عند آخرين. ثم مدح تعالى عمارها بالعبادة فقال: { يُسَبِّحُ لَهُ } إخلاصا { بِالْغُدُوِّ } أول النهار { وَالآصَالِ } آخره . { رِجَالٌ } خص هذين الوقتين لشرفهما ولتيسر السير فيهما إلى الله وسهولته. ويدخل في ذلك، التسبيح في الصلاة وغيرها، ولهذا شرعت أذكار الصباح والمساء وأورادهما عند الصباح والمساء. أي: يسبح فيها الله، رجال، وأي: رجال، ليسوا ممن يؤثر على ربه دنيا، ذات لذات، ولا تجارة ومكاسب، مشغلة عنه، { لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ } وهذا يشمل كل تكسب يقصد به العوض، فيكون قوله: { وَلا بَيْعٌ } من باب عطف الخاص على العام، لكثرة الاشتغال بالبيع على غيره، فهؤلاء الرجال، وإن اتجروا، وباعوا، واشتروا، فإن ذلك، لا محذور فيه. لكنه لا تلهيهم تلك، بأن يقدموها ويؤثروها على { ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ } بل جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم، ونهاية مقصدهم، فما حال بينهم وبينها رفضوه. ولما كان ترك الدنيا شديدا على أكثر النفوس، وحب المكاسب بأنواع التجارات محبوبا لها، ويشق عليها تركه في الغالب، وتتكلف من تقديم حق الله على ذلك، ذكر ما يدعوها إلى ذلك -ترغيبا وترهيبا- فقال: { يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ } من شدة هوله وإزعاجه للقلوب والأبدان، فلذلك خافوا ذلك اليوم، فسهل عليهم العمل، وترك ما يشغل عنه، { لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا } والمراد بأحسن ما عملوا: أعمالهم الحسنة الصالحة، لأنها أحسن ما عملوا، لأنهم يعملون المباحات وغيرها، فالثواب لا يكون إلا على العمل الحسن، كقوله تعالى: {أية : لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ } تفسير : { وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } زيادة كثيرة عن الجزاء المقابل لأعمالهم، { وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } بل يعطيه من الأجر ما لا يبلغه عمله، بل ولا تبلغه أمنيته، ويعطيه من الأجر بلا عد ولا كيل، وهذا كناية عن كثرته جدا.

همام الصنعاني

تفسير : 2049- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن في قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ}: [الآية: 36]، قال: هي المساجد أَذِنَ الله أن ترفع يقول: أن تُعَظَّمَ لذكره {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}: [الآيات: 36-37]، أذِنَ الله أن تُبْنَى ويُصلَّى فِيهَا بالغد والآصالِ. 2050- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا جعفر بن سليمان، قال: أنبأنا عمرو بن دينار مَوْلى لآل الزبير. عن سالم، عن ابن عمر، أنه كان في السوق فأقيمت الصَّلاَة ، فأغلقوا حَوَانِيتَهُم، فدخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}: [الآية: 37].