٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {رِجَالٌ } فاعل يسبِّح بكسر الباء وعلى فتحها نائب الفاعل «له» و«رجال» فاعل فعل مقدّر جواب سؤال مقدر كأنه قيل: من يسبحه؟ {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَٰرَةٌ } أي شراء {وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ } حذف هاء إقامة تخفيف {وَإِيتَاءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَٰفُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ } تَضْطَرِبُ {فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَٰرُ } من الخوف، القلوب بين النجاة والهلاك، والأبصار بين ناحيتي اليمين والشمال: هو يوم القيامة.
ابن عبد السلام
تفسير : {تِجَارَةٌ} التجار: الجلاب المسافرون، والباعة: المقيمون. {عَن ذِكْرِ اللَّهِ} بأسمائه الحسنى، أو عن الآذان {تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} على جمر جهنم، أو تتقلب أحوالها بأن تلحقها النار ثم تنضجها ثم تحرقها، أو تقلب القلوب: وجيبها وتقلب الأبصار نظرها إلى نواحي الأهوال، أو تقلب القلوب: بلوغها الحناجر وتقلب الأبصار الزُّرق بعد الكُحْل والعمى بعد الإبصار، أو يتقلب قلب الكافر عن الكفر إلى الإيمان ويتقلب بصره عما كان يراه غيَّاً فيراه رشداً.
الخازن
تفسير : {رجال} قيل خص الرجال بالذكر في هذه المساجد، لأن النساء ليس عليهن حضور المساجد لجمعة ولا جماعة {لا تلهيهم} أي لا تشغلهم {تجارة} وقيل خص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل الإنسان به عن الصلوات والطاعات، وأراد بالتجارة الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعاً، لأنه ذكر البيع بعده وقيل التجارة لأهل الجلب والبيع ما باعه الرجل على يده {ولا بيع} أي ولا يشغلهم بيع {عن ذكر الله} أي حضور المساجد لإقامة الصلوات {وإقام الصلاة} يعني إقامة الصلاة في وقتها لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة، وروي عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فقام الناس وأغلقوا حوانيتهم، ودخلوا المساجد فقال ابن عمر فيهم نزلت هذه الآية {رجال لا تلهيهم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة} {وإيتاء الزكاة} يعني المفروضة قال ابن عباس إذا حضر، وقت أداء الزكاة لا يحبسونها {يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار} يعني أن هؤلاء الرجال، وإن بالغوا في ذكر الله والطاعات فإنهم مع ذلك وجلون خائفون لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته. قيل: إن القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار. وقيل: تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشك إلى اليقين وترفع عن الأبصار الأغطية. وقيل: تتقلب القلوب بين الخوف والرجاء فتخشى الهلاك وتطمع في النجاة، وتتقلب الأبصار من هول ذلك اليوم، من أي ناحية يؤخذ بهم أمن ذات اليمين، أم من ذات الشمال ومن أي يؤتون كتبهم أمن اليمين أم من قبل الشمال؟ وقيل: يتقلب القلب في الجوف، فيرفع إلى الحنجرة فلا ينزل ولا يخرج ويتقلب البصر فيشخص من هول الأمر وشدته {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا} يعني أنهم اشتغلوا بذكر الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا والمراد بالأحسن الحسنات كلها وهي الطاعات فرضها ونفلها، وذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوىء أعمالهم، بل يغفرها لهم وقيل: إنه سبحانه وتعالى يجزيهم جزاء أحسن من أعالمهم، على الواحد من عشرة إلى سبعمائة ضعف {ويزيدهم من فضله} يعني أنه سبحانه وتعالى يجزيهم بأحسن أعمالهم ولا يقتصر على ذلك بل يزيدهم من فضله {والله يرزق من يشاء بغير حساب} فيه تنبيه على كمال قدرته وكمال جوده وسعة إحسانه وفضله. قوله تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} لما ضرب مثلاً لحال المؤمن وأنه في الدنيا والآخرة في نور، وأنه فائز بالنعيم المقيم، أتبعه بضرب مثل لأعمال الكفار, وشبهه بالسراب وهو شبه ماء يرى نصف النهار عند شدة الحر في البراري يظنه من رآه ماء، فإذا قرب منه لم ير شيئاً. والقيعة القاع وهو المنبسط من الأرض وفيه يكون السراب {يحسبه} أي يتوهمه {الظمآن} أي العطشان {ماء حتى إذا جاء} أي جاء ما قدر أنه ماء وقيل: جاء إلى موضع السراب {لم يجده شيئاً} أي لم يجده على ما قدره وظنه ووجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر من أعمال البر، يعتقد أنه له ثواباً عند الله وليس كذلك فإذا وافى عرصات القيامة لم يجد الثواب الذي كان يظنه، بل وجد العقاب العظيم والعذاب الأليم فعظمت حسرته، وتناهى غمه فشبه حاله بحال الظمآن الذي اشتدت حاجته إلى الماء، فإذا شاهد السراب في البر تعلق قلبه به فإذا جاءه لم يجده شيئاً فكذلك حال الكافر يحسب أن عمله، نافعه فإذا احتاج إلى عمله لم يجده أغنى عنه شيئاً ولا نفعه {ووجد الله عنده} أي وجد الله بالمرصاد وقيل: قدم على الله {فوفاه حسابه} أي جزاء عمله {والله سريع الحساب} معناه أنه عالم بجميع المعلومات فلا تشغله محاسبة واحد عن واحد. ثم ضرب للكفار مثلاً آخر فقال تعالى {أو كظلمات} أعلم الله سبحانه وتعالى أن أعمال الكفار إن كانت حسنة، فهي كسراب بقيعة وإن كانت قبيحة فهي كظلمات، وقيل: معناه إن مثل أعمالهم في فسادها، وجهالتهم فيها كظلمات {في بحر لجي} أي عميق كثير الماء ولجة البحر معظمه {يغشاه} أي يعلوه {موج من فوقه موج} أي متراكم {من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض} معناه أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب غموره الماء، فإذا ترادفت الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى {إذا أخرج يده لم يكد يراها} أي لم يقرب أن يراها لشدة الظلمة وقيل: معناه لم يرها إلا بعد الجهد وقيل: لما كانت اليد من أقرب شيء يراه الإنسان قال: لم يكد يراها، ووجه التشبيه أن الله ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات: ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب، وكذلك الكافر له ثلاث ظلمات ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل وقيل: شبه بالبحر اللجي قلبه، وبالموج ما يتغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الختم والطبع على قلبه. قال أبيّ بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه ظلمة وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} قال ابن عباس من لم يجعل الله له ديناً وإيماناً، فلا دين له وقيل من لم يهده الله فلا هادي له قيل نزلت هذه الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية، كان يلتمس الدين في الجاهلية ولبس المسوح فلما جاء الإسلام كفر وعاند، والأصح أن الآية عامة في حق جميع الكفار.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خير مساجد النساء قعر بيوتهن ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي حميد الساعدي عن أبيه عن جدته أم حميد قالت: قلت يا رسول الله تمنعنا أزواجنا أن نصلي معك، ونحب الصلاة معك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : صلاتكن في بيوتكن أفضل من صلاتكن في حجركن، وصلاتكن في حجركن أفضل من صلاتكن في الجماعة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: ما صلت امرأة قط صلاة أفضل من صلاة تصليها في بيتها، إلا أن تصلي عند المسجد الحرام؛ إلا عجوز في منقلبها يعني حقبها. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة حديث : عن رسول الله في قوله تعالى {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} قال: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله . تفسير : وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي سعيد الخدري حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} قال: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} قال: كانوا رجالاً يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون، فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما بأيديهم وقاموا إلى المسجد فصلوا. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} قال: أما والله لقد كانوا تجاراً، فلم تكن تجارتهم ولا بيعهم يلهيهم عن ذكر الله. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في الآية قال: ضرب الله هذا المثل قوله {مثل نوره كمشكاة} لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وكانوا اتجر الناس وأبيعهم، ولكن لم تكن تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} قال: عن شهود الصلاة المكتوبة. وأخرج الفريابي عن عطاء مثله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر: انه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم، ثم دخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود: أنه رأى ناساً من أهل السوق سمعوا الأذان، فتركوا أمتعتهم، وقاموا إلى الصلاة فقال: هؤلاء الذين قال الله {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} قال: هم في أسواقهم يبيعون ويشترون، فإذا جاء وقت الصلاة لم يلههم البيع والشراء عن الصلاة {يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار} قال: تتقلب في الجوف، ولا تقدر تخرج حتى تقع في الحنجرة، فهو قوله {أية : إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} تفسير : [غافر: 18]. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله {يخافون يوماً} قال يوم القيامة. وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد عن أبي الدرداء قال: أحب أن أبايع على هذا الدرج، وأربح كل يوم ثلثمائة دينار، وأشهد الصلاة في الجماعة، أما أنا لا أزعم أن ذلك ليس بحلال، ولكنني أحب أن أكون من الذين قال الله {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} . وأخرج هناد بن السري، في الزهد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر؛ فيقوم مناد فينادي: أين الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء؟ فيقومون - وهم قليل - فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يعود فينادي أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون - وهم قليل - فيدخلون الجنة بغير حساب، فيعود فينادي أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون - وهم قليل - فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يقوم سائر الناس فيحاسبون ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عقبة بن عامر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: "حديث : يجمع الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، فينادي مناد: سيعلم أهل الموقف لمن الكرم اليوم ثلاث مرات، ثم يقول: أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ ثم يقول: أين الذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة؟ إلى آخر الآية. ثم يقول: أين الحمادون الذين كانوا يحمدون ربهم ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : يقول الرب عز وجل "سيعلم أهل الجمع اليوم من أهل الكرم فقيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل الذكر في المساجد ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم. أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيقومون فيتخطون رقاب الناس، ثم ينادي مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم. أين الذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون فيتخطون رقاب الناس، ثم ينادي أيضاً فيقول: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم. أين الحمادون لله على كل حال؟ فيقومون وهم كثير. ثم تكون التبعة والحساب على من بقي.
ابو السعود
تفسير : قولُه تعالى: {رِجَالٌ} فاعلُ يسبِّح، وتأخيرُه عن الظُّروفِ لما مرَّ مراراً من الاعتناءِ بالمقدَّم والتَّشويق إلى المؤخَّر ولأنَّ في وصفه نوع طُولٍ فيُخلُّ تقديمُه بحسن الانتظام. وقُرىء يُسبِّح على البناء للمفعول بإسناده إلى أحد الظُّروف. ورجالٌ مرفوعٌ بما ينبىءُ عنه حكايةُ الفعلِ من غير تسميةِ الفاعل على طريقة قوله: [الطويل] شعر : ليُبكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ [ومُخْتبطٌ مِمَّا تُطيحُ الطوائحُ] تفسير : كأنه قيل: مَنْ يُسبِّح له؟ فقيل: يُسبِّح له رجالٌ. وقُرىء تُسبِّح بتأنيثِ الفعلِ مبنيًّا للفاعلِ لأنَّ جمعَ التَّكسيرِ قد يُعامل معاملةَ المؤنَّثِ ومبنياً للمفعول على أنْ يُسندَ إلى أوقات الغُدوِّ والآصالِ بزيادة الباءِ وتجعلُ الأوقاتُ مسبِّحةً مع كونِها فيها أو يُسند إلى ضميرِ التَّسبـيحةِ أي تُسبَّح له التَّسبـيحةُ على المجازِ المسوِّغ لإسناده إلى الوقتينِ كما خرَّجُوا قراءة أبـي جَعفرٍ ليُجزَى قوماً أي ليُجزَى الجزاءُ قَوْماً بل هذا أولى من ذلك إذْ ليس هنا مفعولٌ صريحٌ {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ} صفةٌ لرجالٌ مؤكِّدةٌ لما أفادَه التَّنكيرُ من الفخامةِ مفيدةٌ لكمال تبتُّلِهم إلى الله تعالى واستغراقهم فيما حُكي عنهم من التَّسبـيحِ من غير صارفٍ يلويهم ولا عاطفٍ يثنيهم كائناً ما كان وتخصيصُ التِّجارةِ بالذِّكرِ لكونِها أقوى الصَّوارفِ عندهم وأشهرَها أي لا يشغلُهم نوعٌ من أنواعِ التِّجارةِ {وَلاَ بَيْعٌ} أي ولا فردٌ من أفراد البـياعاتِ وإنْ كان في غايةِ الرِّبحِ. وإفرادُه بالذِّكرِ مع اندراجِه تحت التِّجارة للإيذانِ بإنافتِه على سائرِ أنواعِها لأنَّ ربحَهُ متيقَّنٌ ناجزٌ وربحُ ما عداه متوقَّعٌ في ثاني الحال عند البـيع فلم يلزمْ من نفيِ إلهاءِ ما عداه نفيُ إلهائِه ولذلك كُرِّرت كلمةُ لا لتذكيرِ النَّفيِ وتأكيدِه وقد نُقل عن الواقديِّ أنَّ المرادَ بالتِّجارة هو الشِّراءُ لأنَّه أصلُها ومبدؤها. وقيل: هو الجَلَبُ لأنَّه الغالبُ فيها ومنه يُقال: تَجَر في كَذا أي جَلَبه. {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} بالتَّسبـيحِ والتَّحميدِ {وإِقَامِ ٱلصَّلوٰة} أي إقامتِها لمواقيتها من غير تأخيرٍ وقد أُسقطتْ التَّاءُ المُعوِّضةُ عن العينِ السَّاقطةِ بالإعلال وعُوِّض عنها الإضافةُ كما في قوله: [البسيط] شعر : [إن الخليط أجدُّوا البينَ فانجردوا] وَأَخْلفُوك عِدَ الأَمْرِ الذي وَعدُوا تفسير : أي عدةَ الأمرِ {وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ} أي المال الذي فُرض إخراجُه للمستحقِّين، وإيرادُه هٰهُنا وإنْ لم يكن ممَّا يُفعل في البـيوت لكونِه قرينةً لا تُفارق إقامةَ الصَّلاةِ في عامَّة المواضع مع ما فيه من التَّنبـيه على أنَّ محاسنَ أعمالِهم غيرُ منحصرةٍ فيما يقعُ في المساجدِ وكذلك قوله تعالى: {يَخَافُونَ} الخ، فإنه صفةٌ ثانيةٌ لرجالٌ أو حالٌ من مفعول لا تُلهيهم، وأيًّا ما كان فليس خوفُهم مقصُوراً على كونِهم في المساجد وقوله تعالى: {يَوْماً} مفعولُ ليخافون لا ظرفٌ له. وقولُه تعالى: {تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَـٰرُ} صفةٌ ليوماً أي تضطربُ وتتغيرُ في أنفسها من الهول والفزعِ وتشخصُ كما في قولِه تعالى: { أية : وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأبْصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} تفسير : [الأحزاب: 10] أو تتغيرُ أحوالُها وتتقلَّب فتتفقّه القلوبُ بعد أن كانتْ مطبوعاً عليها وتُبصر الأبصارُ بعد أنْ كانت عمياءَ أو تتقلَّب القلوبُ بـين توقُّعِ النَّجاةِ وخوفِ الهلاكِ والإبصار من أيِّ ناحيةٍ يُؤخذ بهم ويُؤتى كتابُهم. {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ} متعلِّق بمحذوفٍ يدلُّ عليه ما حُكي من أعمالهم المرضيَّةِ أي يفعلُون ما يفعلُون من المُداومة على التَّسبـيح والذِّكرِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والخوفِ من غير صارفٍ لهم عن ذلك ليجزيهم الله تعالى {أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} أي أحسنَ جزاءِ أعمالِهم حسبما وعد لهم بمقابلةِ حسنةٍ واحدةٍ عشر أمثالها إلى سبعمائةِ ضعفٍ {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} أي يتفضَّلُ عليهم بأشياءَ لم تُوعد لهم بخصوصيَّاتِها أو بمقاديرِها ولم تخطُر ببالِهم كيفيَّاتُها ولا كميَّاتُها بل إنَّما وُعدت بطريقِ الإجمالِ في مثل قوله تعالى: { أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26] وقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حكايةً عنه عزَّ وجلَّ: « حديث : أعددتُ لعبادي الصَّالحينَ ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطَرَ على قلبِ بشرٍ » تفسير : وغيرِ ذلك من المواعيدِ الكريمةِ التي مِن جُملتِها قولُه تعالى: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} فإنَّه تذيـيلٌ مقرِّرٌ للزيادة ووعدٌ كريم بأنَّه تعالى يُعطيهم غيرَ أجزيةِ أعمالِهم من الخيرات ما لا يفي من الحساب وأما عدمُ سبقِ الوعدَ بالزِّيادة ولو إجمالاً وعدمُ خُطورِها ببالِهم ولو بوجهٍ ما فيأباهُ نظمُها في سلك الغايةِ. والموصولُ عبارةٌ عمَّن ذُكرتْ صفاتُهم الجميلةُ كأنَّه قيل: والله يرزقُهم بغير حسابٍ، ووضعه موضعَ ضميرهم للتَّنبـيه بما في حيِّزِ الصِّلةِ على أنَّ مناطَ الرِّزقِ المذكُور محضُ مشيئتِه تعالى لا أعمالُهم المحكيَّةُ كما أنَّها المناطُ لما سبقَ من الهداية لنوره تعالى لا لتظاهر الأسباب وللإيذان بأنَّهم ممَّن شاءَ الله تعالى أنْ يرزقَهم كما أنَّهم ممَّن شاءَ الله تعالى أنْ يهديَهم لنُوره حسبَما يُعرب عنه ما فُصِّل من أعمالهم الحسنةِ فإنَّ جميعَ ما ذُكر من الذِّكرِ والتَّسبـيحِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وخوفِ اليوم الآخرِ وأهوالِه ورجاءِ الثَّوابِ مقتبسٌ من القُرآن الكريم الذي هو المعنيُّ بالنُّور وبه يتمُّ بـيانُ أحوالِ مَن اهتدى بهُداه على أوضحِ وجهٍ وأجلاه هذا، وقد قيل: قوله تعالى: {فِى بُيُوتٍ} الخ، من تتمة التَّمثيلِ وكلمةُ في متعلَّقةٌ بمحذوفٍ هي صفة لمشكاةٍ أي كائنةٍ في بـيوتٍ، وقيل: لمصباح، وقيل: لزجاجة، وقيل: متعلِّقةٌ بـيُوقَد والكلُّ مما لا يليقُ بشأن التَّنزيلِ الجليلِ كيف لا وأنَّ ما بعد قولِه تعالى: {أية : وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } تفسير : [النور: 35] على ما هو الحقُّ أو ما بعد قوله تعالى: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } تفسير : [النور: 35] على ما قيل إلى قولِه تعالى: {أية : بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } تفسير : [النور: 35] كلامٌ متعلِّقٌ بالمُمَثَّل قطعاً فتوسيطُه بـين أجزاءِ التَّمثيل ـ مع كونِه من قبـيل الفصل بـين الشَّجر ولحائِه بالأجنبـيِّ ـ يؤدِّي إلى كون ذكر حال المنتفعين بالتَّمثيلِ المهديِّـينَ بنور القُرآن الكريم بطريق الاستتباعِ والاستطرادِ مع كون بـيانِ أضدادِهم مقصوداً بالذَّاتِ، ومثلُ هذا ممَّا لا عهدَ به في كلام النَّاسِ فضلاً أنْ يُحملَ عليه الكلامُ المعجِزُ.
التستري
تفسير : قوله: {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ}[37]، يعني يوم البعث تتقلب فيه القلوب والأبصار حالاً بعد حال لا يدومون على حال، فالمؤمن الذي يخاف هذا اليوم. وقد حكي عن الحسن أنه قال: ذكر عنده أن رجلاً يخرج من النار بعد ألف عام، فقال الحسن: يا ليتني أنا هو. وحكي عن عون بن عبدالله أنه قال: أوصى لقمان ابنه قال: يا بني ارجُ الله رجاء لا تأمن فيه مكره، وخَف الله تعالى خوفاً لا تيأس فيه من رحمته. فقال: كيف أستطيع ذلك ولي قلب واحد؟ فقال: يا بني إن المؤمن لذو قلبين: قلب يرجو الله به، وقلب يخافه به، والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} [الآية: 37]. قال ابن عطاء رحمه الله: خزائن الودائع، ومواضع الأسرار. قال بعضهم: رجال قلوبهم متعلقة بالسوابق والخواتيم فأشغلهم حزن ما جرى عليهم فى الأول، وحزن ما يردون عليه من العاقبة عن الاشتغال بالدنيا. والتقلب فيها والتمتع بها. سمعت النصرآباذى يقول فى هذه الآية: رجال أسقط عنهم المكون ذكر المكنونات فلا تشغلهم الأسباب عن المسبب. وقال جعفر: هم الرجال من بين الرجال على الحقيقة لأن الله حفظ سرائرهم عن الرجوع الى ما سواه وملاحظات غيره، فلا تشغلهم تجارات الدنيا ونعيمها وزهرتها، ولا الآخرة، وثوابها عند الله لأنهم فى بساتين الأنس، ورياض الذكر. قال الله تعالى: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ}. وقال بعضهم: أسقط الله اسم الرجولية عن العاملين إلا من عامل الله على المشاهدة، ولم يؤثر عليه الأكوان فقال: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. قال الواسطى رحمه الله: الأذكار ثلاثة: ذكر السطوة على الخوف والحزن والرجل وذكر اليد وهو المنّة والسبق بالفضل، وذكر النعمة، وهو الفضل لا يقف بين يديه موقفًا، والآخر فيه مقال وذكر وهو ذكر المشاهدة، وذلك هو ذكر الرجال. قال الله عز وجل: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} [الآية: 37]. وقوله تعالى: {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ} [الآية: 37]. سمعت النصرآباذى يقول: النفوس فى التنقيل، والقلوب فى التقليب. قال الحسين: خلق الله القلوب، والأبصار على التقلب، وجعل عليها أغطينة وستورًا وأكنه واففالاً، لأهتكن الستور بالأنوار، وترفع الحجب بالذكر وتفتح الأقفال بالقرب. وقال الحسين: إذا علمت أنه مقلب القلوب والأبصار فليكن شغلك فى النظر إلى أفعاله فيك، وتوق الخلاف والغفلة. قال الواسطى رحمه الله: يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب للعامة تتقلب قلوبهم حذرًا لما يرد عليهم من دحض الأعمال. قال الله تعالى: {أية : وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ}تفسير : [الزمر: 47].
اسماعيل حقي
تفسير : {رجال} فاعل يسبح {لا تلهيهم} لا تشغلهم من غاية الاستغراق فى مقام الشهود يقال الهاه عن كذا اذا شغله عما هو أهم {تجارة} التجارة صفة التاجر من بيع وشراء والتاجر الذى يبيع ويشترى، قال فى المفردات التجارة التصرف فى رأس المال طالبا للربح وليس فى كلامهم تاء بعدها جيم غير هذه اللفظة وتخصيص التجارة لكونها اقوى الصوارف عندهم واشهرها اى لا يشغلهم نوع من انواع التجارة {ولا بيع} البيع اعطاء المثمن واخذ الثمن والشراء اعطاء الثمن واخذ المثمن اى ولافرد من افراد البياعات وان كان فى غاية الربح وافراده بالذكر مع اندراجه تحت التجارة لكونه اهم من قسمى التجارة فان الريح يتحقق بالبيع ويتوقع بالشراء اى ربح الشراء متوقع فى ثانى الحال عند البيع فلم يكن ناجزا كربح البيع فاذا لم يلههم المقطوع فالمظنون اولى {عن ذكر الله} بالتسبيح والتمجيد {واقام الصلوة} اى اقامتها بمواقيتها من غير تأخير وقد اسقطت التاء المعوضة عن العين الساقطة بالاعلال وعوض عنها الاضافة، قال ابن الشيخ اقامة الصلاة اتمامها برعاية جميع ما اعتبره الشرع من الاركان والشرائط السنن والآداب فمن تساهل فى شىء منها لا يكون مقيما لها {وايتاء الزكوة} اى المال الذى فرض اخراجه للمستحقين وايراده ههنا وان لم يكن مما يفعل فى البيوت لكونه قرين اقامة الصلاة لا يفارقها فى عامة المواضع {يخافون} صفة ثانية للرجال والخوف توقع مكروه عن امارة مظنونة او معلومة كما ان الرجاء والطمع توقع محبوب عن امارة مظنونة او معلومة ويضاد الخوف الامن. والمعنى بالفارسية [مى ترسند اين مردمان باوجود جنين توجه واستغراق] {يوما} مفعول ليخافون لا ظرف والمراد يوم القيامة اى من اليوم الذى {تتقلب فيه القلوب والابصار} صفة ليوما والتقلب التصرف والتغير من حال الى حال وقلب الانسان سمى به لكثرة تقلبه من وجه الى وجه والبصر يقال للجارحة الناظرة وللقوة التى فيها. والمعنى تضطرب وتتغير فى انفسها وتنتقل عن اماكنها من الهول والفزع فتنقلب القلوب فى الجوف وترتفع الى الحنجرة ولا تنزل ولا تخرج كما قال تعالى {أية : وبلغت القلوب الحناجر}تفسير : وتقلب الابصار شخوصها كما قال تعالى {أية : ليوم تشخص فيه الابصار}تفسير : واذ زاغت الابصار او تتقلب القلوب بين توقع النجاة وخوف الهلاك والابصار من أى ناحية يؤخذ بهم ومن أى جهة يأتى كتابهم.
الجنابذي
تفسير : {رِجَالٌ} فاعل يسبّح المذكور ان قرئ مبنيّاً للفاعل وفاعل محذوف ان قرئ مبنيّاً للمفعول، وفى اخبارنا انّ رجال خبر مبتدءٍ محذوفٍ كناية عن البيوت اى هم اى البيوت رجال، ويجوز ان يكون رجال مبتدءاً خبره يخافون {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ} التّجارة مطلق المعاملة او هى البيع والشّرى والبيع من الاضداد يستعمل فى الشّرى والبيع كالشّرى، فعلى هذا كان ذكر البيع بعد التّجارة من قبيل ذكر الخاصّ بعد العام او من قبيل ذكر المرادف بعد المرادف للتّأكيد ان كان البيع اعمّ من البيع والشّرى بطريق عموم الاشتراك، او المراد بالتّجارة مطلق المكاسب سواء كان بطريق المعاملة او غيرها وبالبيع التّجارة المعهودة {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} قد مضى فى سورة البقرة عند قوله {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة:152] تحقيق الذّكر واقسامه، والذّكر سواء كان لسانيّاً جليّاً او جنانيّاً خفيّاً او صدريّاً حقيقيّاً ويعبّر عنه بالسّكينة والفكر والحضور وهو مثال الشّيخ المتمثّل عند السّالك لقوّة اشتغاله بالذّكر المأخوذ منه او كان تذكّراً لأمره ونهيه عند كلّ فعلٍ لا ينافى الاشتغال بالمكاسب، بل اذا كان حال السّالك ملاحظة امره تعالى ونهيه عند فعاله وكان كسبه بلحاظ امره تعالى وعدم قعوده عن الكسب بلحاظ نهيه تعالى كان كسبه ذكراً بل كان من اشرف اقسام الذّكر كما مضى فى سورة البقرة، فانّ الذّكر اللّسانىّ والجنانىّ عبارة عمّا يجرى على اللّسان او على الجنان ويذكر الانسان بسببه صفات الرّحمن وهذا الكسب بذلك اللّحاظ يذكر الانسان بسببه صفتى لطفه وقهره واضافتى امره ونهيه، فالرّجال لا يتركون الكسب لذكر الله بل يجعلون الكسب ذكراً لله {وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ} قد مضى فى اوّل البقرة تحقيق وتفصيل للصّلٰوة واقسامها واقامتها {وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ} قد مضى هناك بيان الزّكٰوة وايتائها مفصّلاً روى عن الصّادق (ع) انّهم كانوا اصحاب تجارة فاذا حضرت الصّلٰوة تركوا التّجارة وانطلقوا الى الصّلٰوة وهم أعظم اجراً ممّن لا يتّجر، وفى خبر: هم التّجّار الّذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله اذا دخل مواقيت الصّلٰوة ادّوا الى الله حقّه فيها، وسئل الصّادق (ع) عن تاجرٍ فقيل: صالح ولكنّه قد ترك التّجارة، فقال (ع): عمل الشّيطان، ثلاثاً؛ اما علم انّ رسول الله (ص) اشترى عيراً اتت من الشّام فاستفضل فيها ما قضى دينه وقسّم فى قرابته يقول الله عزّ وجلّ: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} (الآية) يقول القصّاص: انّ القوم لم يكونوا يتّجرون، كذبوا ولكنّهم لم يكونوا يدعون الصّلٰوة فى ميقاتها وهو افضل ممّن حضر الصّلٰوة ولم يتّجر {يَخَافُونَ} حال او صفة بعد صفة لرجال او خبر بعد خبر اى هم رجال يخافون او خبر لرجال او جواب لسؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل {يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ} فى الاحوال من الحزن والسّرور والقبض والبسط والخوف والرّجاء وغير ذلك من الاحوال المتضادّة وذلك لكثرة ما ترى من اسباب ذلك فانّ ذلك اليوم يوم يعرض فيه الجنّة ونعيمها والجحيم وانواع عذابها على الخلق {وَ} تتقلّب {ٱلأَبْصَارُ} من الانفتاح والانغماز، والشّخوص والخشوع، والدّوران والسّكون، او تتقلّب القلوب من اختسّ احوالها الى اشرفها، او من حالاتها الخسيسة الى اخسّها، او الابصار من ابصارها الى العمى او من ضعف الابصار الى حدّته، او تتحرّك القلوب الى الحناجر والابصار يمنة ويسرة لكثرة المدهشات، او تتقلّب القلوب من الشّكّ الى اليقين والابصار ممّا رأته غيّاً فتراه رشداً.
الهواري
تفسير : قال: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ} التجارة الجالب، والبيع الذي يبيع على يديه، قال: {عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ}. كانوا إذا سمعوا المؤذن تركوا بيعهم وقاموا إلى الصلاة. و{ذِكْرِ اللهِ} في هذا الموضع الأذان. {وَإِقَامِ الصَّلاَةِ} يعني الصلوات الخمس، {وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ} الزكاة المفروضة. وهذا الحرف يقرأ على وجهين: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} أي: في المساجد {بِالغُدُوِّ وَالأَصَالِ رِجَالٌ}، والحرف الآخر: {يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ}. ثم قال: {رِجَالٌ}، أي: فهم الذين يسبحون له فيها بالغدو والآصال. قوله: {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} أي: قلوب الكفار وأبصارهم. وتقلُّبُ القلوب أن القلوب انتزعت من أماكنها فغصّت بها الحناجر، فلا هي ترجع إلى أماكنها ولا هي تخرج. وهو قوله: (أية : إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ)تفسير : [غافر: 18]. وأما تقلب الأبصار فقد قال في آية أخرى: (أية : فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذِينَ كَفَرُوا) تفسير : [الأنبياء: 97] أي: لإجابة الداعي. وهو كقوله: (أية : لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) تفسير : [إبراهيم: 43]. وقال الحسن في قوله: {تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأَبْصَارُ} أي: بالزَّرَقِ بعد الكَحَل، والعمى بعد النظر.
د. أسعد حومد
تفسير : {تِجَارَةٌ} {ٱلصَّلاَةِ} {ٱلزَّكَـاةِ} {ٱلأَبْصَارُ} (37) - وَهَؤُلاَءِ الرِّجَالُ، الذينَ يَعْمُرُونَ بُيُوتَ اللهِ، هُمُ رِجَالٌ أَصْحَابُ هِمَمٍ وَعَزَائِمَ لاَ يُلْهِيهِمْ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلاَةِ: لاَ تِجَارَةٌ، وَلاَ بَيْعٌ، وَلاَ تَشْغَلُهُم الدُّنْيَا وَزُخْرُفُهَا، وَزِينَتُهَا، وَمَلاَذُّهَا، وَلاَ بَيْعُها، وَلاَ رِبْحُها.. عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الذي عَنْدَ اللهِ خَيْرٌ لَهُمْ وأَنْفَعُ مِمَا بِأَيْدِيهِمْ، وَهُمْ يُقَدِّمُونَ طَاعَةَ رَبِّهِمْ وَمَحَبَّتَه عَلَى مُرَادِهِم وَمَحَبَّتِهِمْ، فَلاَ شَيءَ يُلْهِيهِم عَنْ أَنْ يُؤدُّوا الصَّلاَةَ فِي وَقْتِهَا، لأَِنَّهُمْ يَخَافُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ الذي تتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأَبْصَارُ مِنْ شِدَّةِ الفَزَعِ، وَعِظَمِ الهَوْلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا: إن التجارة هي قمة حركة الحياة؛ لأنها واسطة بين منتج زارع أو صانع وبين مستهلك، وهي تقتضي البيع والشراء، وهما قمة التبادلات، وهؤلاء الرجال لم تُلْهِهِمْ التجارة عن ذِكْر الله لأنهم عرفوا ما في الزمن المستقطع للصلاة من بركة تنثر في الزمن الباقي. أو نقول: إن التجارة لم تُلْههم عن ذِكْر الله في ذاتها، فهُمْ حالَ تجارتهم لا يغفلون عن ذكر الله، وقد كنا في الصِّغَر نسمع في الأسواق بين البائع والمشتري، يقول أحدهما للآخر: وحِّد الله، صَلِّ على النبي، مدَّح النبي، بالصلاة على النبي، كل هذه العبارات انقرضت الآن من الأسواق والتعاملات التجارية وحَلَّ محلَّها قيم وعبارات أخرى تعتمد على العَرْض والإعلان، بل الغش والتدليس. ولم نَعُدْ نسمع هذه العبارات، حتى إذا لم يتم البيع كنت تسمع البائع يقول: كسبنا الصلاة على النبي، فهي في حَدِّ ذاتها مكسب حتى لو لم يتم البيع. {وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ ..} [النور: 37] الصلاة لأنها تأخذ وقتاً من العمل، وكثيراً ما ينشغل المرء بعمله وتجارته عن إقامة الصلاة ظاناً أنها ستُضيِّع عليه الوقت، وتُفوِّت عليه مصالح كثيرة، وكذلك ينظر إلى الزكاة على أنها تنقص من ماله، وهذه نظرة خاطئة حمقاء؛ لأن الفلاح الذي يُخرِج من مخزنه أردباً من القمح ليزرع به أرضه: الأحمق يقول: المخزن نقص أردباً، أما العاقل فيثق أن هذا الأردب سيتضاعف عند الحصاد أضعافاً مضاعفة. أو: أن الله تعالى يفيض عليه من أنواره، فيبارك له في وقته، وينجز من الأعمال من الوقت المتبقي ما لا ينجزه تارك الصلاة، أو: يرزقه بصفقة رابحة تأتيه في دقائق، ومن حيث لا يحتسب، والبركة كما قلنا قد تكون سَلْباً وقد تكون إيجاباً، وهذه كلها أنوار وتجليات يفيض الله بها على الملتزم بمنهجه. ثم يقول سبحانه في صفات هؤلاء الرجال: {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ} [النور: 37] ذلك لأنهم يتاجرون لهدف أسمى وأخلد، فأهل الدنيا إنما يتاجرون لصيانة دنياهم، أمّا هؤلاء فيتاجرون مع الله تجارة لن تبور، تجارة تصون الدنيا وتصون الآخرة. وإذا قِسْتَ زمن دنياك بزمن أُخْراك لوجدته هباء لا قيمةَ له، كما أنه زمن مظنون لعمر مظنون، لا تدري متى يفاجئك فيه الموت، أمّا الآخرة فحياة يقينية باقية دائمة، وفي الدنيا يفوتك النعيم مهما حَلاَ وطال، أما الآخرة فنعيمها دائم لا ينقطع. إذن: فَهُمْ يعملون للآخرة {يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ} [النور: 37] واليوم في ذاته لا يُخاف منه، وإنما يُخَاف ما فيه، كما يقول الطالب: خِفْت يوم الامتحان، واليوم يوم عادي لا يخاف منه، إنما يُخاف مما سيحدث في هذا اليوم، فالمراد: يخافون عذاب هذا اليوم. ومعنى {تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ} [النور: 37] يعني: رجفة القلب واضطراب حركته، وما ينتابه من خفقان شديد، ونحن نرى ما يصيب القلوب من ذلك لمجرد أحداث الدنيا، فما بالك بهوْل الآخرة، وما يحدث من اضطراب في القلب؟ كذلك تضطرب الأبصار وتتقلَّب هنا وهناك؛ لأنها حين ترى الفزع الذي يخيفها تتقلب، تنظر هنا وتنظر هنا عَلَّها ترى ما يُطمئنها أو يُخفِّف عنها ما تجد، لكن هيهات فلن ترى إلا فزعاً آخر أشدّ وأَنكى. لذلك ينتهي الموقف إلى: {أية : خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ ..}تفسير : [القلم: 43] {أية : قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ}تفسير : [النازعات: 8-9] يعني: ذليلة منكسرة حيث لا مفرَّ ولا مَنْجى، ولن يجد في هذا اليوم راحة إلا مَنْ قدم له العمل الصالح كالتلميذ المجتهد الواثق من نفسه ومعلوماته، يتلهف إلى ورقة الأسئلة، أما الآخر فيقف حائراً لا يدري. ثم يقول الحق سبحانه: {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):