٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما بين حال المؤمن، وأنه في الدنيا يكون في النور وبسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح، ثم بين أنه في الآخرة يكون فائزاً بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبع ذلك بأن بين أن الكافر يكون في الآخرة في أشد الخسران، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات، وضرب لكل واحد منهما مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فهو قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } قال الأزهري: السراب ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبيه الماء الجاري وليس بماء ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جارياً يقال سرب الماء يسرب سروباً إذا جرى فهو سارب، أما الآل فهو ما يتراءى للعين في أول النهار فيرى الناظر الصغير كبيراً، وظاهر كلام الخليل أن الآل والسراب واحد، وأما القيعة فقال الفراء: هو جمع قاع مثل جار وجيرة والقاع المنبسط المستوي من الأرض وقال صاحب «الكشاف» القيعة بمعنى القاع، وقال الزجاج الظمآن: قد يخفف همزه، وهو الشديد العطش، ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثواباً، مع أنه يعتقد أن له ثواباً عليه، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه عقاباً مع أنه يعتقد أنه يستحق عليه ثواباً، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثواباً عند الله تعالى، فإذا وافى عرصات القيامة، ولم يجد الثواب بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه، فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الماء فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به ويرجو به النجاة ويقوى طمعه فإذا جاءه وأيس مما كان يرجوه فيعظم ذلك عليه وهذا المثال في غاية الحسن، قال مجاهد السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا فإن قيل قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءهُ } يدل على كونه شيئاً وقوله: {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً } مناقض له؟ قلنا الجواب عنه من وجوه ثلاثة: الأول: المراد معناه أنه لم يجده شيئاً نافعاً كما يقال فلان ما عمل شيئاً وإن كان قد اجتهد الثاني: حتى إذا جاءه أي جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئاً فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه الثالث: الكناية للسراب لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء. أما قوله: {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ } أي وجد عقاب الله الذي توعد به الكافر عند ذلك فتغير ما كان فيه من ظن النفع العظيم إلى تيقن الضرر العظيم، أو وجد زبانية الله عنده يأخذونه فيقبلون به إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله تعالى فيهم { أية : عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } تفسير : [الغاشية: 3]، { أية : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } تفسير : [الكهف: 104]، { أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ } تفسير : [الفرقان: 23] وقيل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام. أما قوله: {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } فذاك لأنه سبحانه عالم بجميع المعلومات فلا يشق عليه الحساب، وقال بعض المتكلمين معناه لا يشغله محاسبة واحد عن آخر كنحن، ولو كان يتكلم بآلة كما يقوله المشبهة لما صح ذلك، وأما المثل الثاني فهو قوله: {أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجّىّ } وفي لفظة (أو) ههنا وجوه: أحدها: اعلم أن الله تعالى بين أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب وإن كانت قبيحة فهي الظلمات وثانيها: تقدير الكلام أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا وثالثها: الآية الأولى في ذكر أعمالهم وأنهم لا يتحصلون منها على شيء، والآية الثانية في ذكر عقائدهم فإنها تشبه الظلمات كما قال: { أية : يُخْرِجُهُم مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [البقرة: 257] أي من الكفر إلى الإيمان يدل عليه قوله تعالى: { أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } تفسير : [النور: 40] وأما البحر اللجي فهو ذو اللجنة التي هي معظم الماء الغمر البعيد القعر، وفي اللجى لغتان كسر اللام وضمها، وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب غمورة الماء، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى، فالواقع في قعر هذا البحر اللجى يكون في نهاية شدة الظلمة، ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها ومن أبعد ما يظن أنه لا يراها فقال تعالى: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } وبين سبحانه بهذا البلوغ تلك الظلمة إلى أقصى النهايات ثم شبه به الكافر في اعتقاده وهو ضد المؤمن في قوله تعالى: { أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } تفسير : [النور: 35] وفي قوله: { أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم } تفسير : [الحديد: 12] ولهذا قال أبي بن كعب الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه وعمله ومدخله ومخرجه ومصيره إلى النار، وفي كيفية هذا التشبيه وجوه أخر: أحدها: أن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب وكذا الكافر له ظلمات ثلاثة ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل عن الحسن وثانيها: شبهوا قلبه وبصره وسمعه بهذه الظلمات الثلاث عن ابن عباس وثالثها: أن الكافر لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ويعتقد أنه يدري، فهذه المراتب الثلاث تشبه تلك الظلمات ورابعها: أن هذه الظلمات متراكمة فكذا الكفار لشدة إصراره على كفره، قد تراكمت عليه الضلالات حتى أن أظهر الدلائل إذا ذكرت عنده لا يفهمها وخامسها: قلب مظلم في صدر مظلم. أما قوله: {ظُلُمَـٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } فروي عن ابن كثير أنه قرأ (سحاب) وقرأ (ظلمات) بالجر على البدل من قوله: {أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ } وعنه أيضاً أنه قرأ {سَحَابٌ ظُلُمَـٰتٌ } كما يقال سحاب رحمة وسحاب عذاب على الإضافة وقراءة الباقين {سَحَابٌ ظُلُمَـٰتٌ } كلاهما بالرفع والتنوين وتمام الكلام عند قوله: {سَحَابٌ } ثم ابتدأ {ظُلُمَـٰتِ } أي ما تقدم ذكره ظلمات بعضها فوق بعض. أما قوله: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } ففيه قولان: أحدهما: أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي فقوله: { أية : وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } تفسير : [البقرة: 71] نفي في اللفظ ولكنه إثبات في المعنى لأنهم فعلوا ذلك وقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : كاد الفقر أن يكون كفراً » تفسير : إثبات في اللفظ لكنه نفي في المعنى لأنه لم يكفر فكذا ههنا قوله: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } معناه أنه رآها والثاني: أن كاد معناه المقاربة فقوله: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } معناه لم يقارب الوقوع ومعلوم أن الذي لم يقارب الوقوع لم يقع أيضاً وهذا القول هو المختار والأول ضعيف لوجهين: الأول: أن ما يكون أقل من هذه الظلمات فإنه لا يرى فيه شيء فكيف مع هذه الظلمات الثاني: أن المقصود من هذا التمثيل المبالغة في جهالة الكفار وذلك إنما يحصل إذا لم توجد الرؤية ألبتة مع هذه الظلمات. أما قوله: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } فقال أصحابنا إنه سبحانه لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال: {يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء } ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبها بقوله: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } والمقصود من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان وظلمة الطريق لا تمنع منه، فإن الكل مربوط بخلق الله تعالى وهدايته وتكوينه، وقال القاضي المراد بقوله: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً } أي في الدنيا بالألطاف {فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } أي لا يهتدي فيتحير ويحتمل {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً } أي مخلصاً في الآخرة وفوزاً بالثواب {فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } والكلام عليه تزييفاً وتقريراً معلوم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} لما ضرب مثل المؤمن ضرب مثل الكافر. قال مقاتل: نزلت في شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، كان يترهّب متلمّساً للدّين، فلما خرج صلى الله عليه وسلم كفر. أبو سهل: في أهل الكتاب. الضحاك: في أعمال الخير للكافر؛ كصلة الرحم ونفع الجيران. والسراب: ما يُرَى نصف النهار في اشتداد الحَرّ، كالماء في المفاوز يلتصق بالأرض. والآلُ الذي يكون ضُحاً كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء. وسُمِّيَ السَّراب سراباً لأنه يَسْرُب أي يجري كالماء. ويقال: سَرَب الفحل أي مضى وسار في الأرض. ويسمى الآلَ أيضاً، ولا يكون إلا في البَرِّية والحر فيغترّ به العطشان. قال الشاعر:شعر : فكنت كمُهْرِيق الذي في سِقائه لِرَقراقِ آلٍ فوق رابِيَةٍ صَلْدِ تفسير : وقال آخر:شعر : فلما كففنا الحرب كانت عهودهم كلَمْع سراب بالفلا متألق تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : ألم أُنْضِ المَطِيّ بكل خَرْقٍ أَمَقِّ الطُّولِ لَمّاعِ السراب تفسير : والقيعة جمع القاع؛ مثلُ جيرة وجار؛ قاله الهَرَوِيّ وقال أبو عبيدة: قِيعةٌ وقاعٌ واحد؛ حكاه النحاس. والقاع ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب. وأصل القاع الموضعُ المنخفض الذي يستقر فيه الماء، وجمعه قِيعان. قال الجوهري: والقاع المستوي من الأرض؛ والجمع أَقْوُع وأقواع وقِيعان، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها؛ والقِيعة مثل القاع، وهو أيضاً من الواو. وبعضهم يقول: هو جمع {يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ} أي العطشان. {مَآءً} أي يحسَب السّرَاب ماء. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} مما قدّره ووجد أرضاً لا ماء فيها. وهذا مَثَل ضربه الله تعالى للكفار، يُعَوِّلون على ثواب أعمالهم فإذا قدموا على الله تعالى وجدوا ثواب أعمالهم محبطة بالكفر؛ أي لم يجدوا شيئاً كما لم يجد صاحب السّراب إلا أرضاً لا ماء فيها؛ فهو يهلك أو يموت. {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ} أي وجد الله بالمرصاد. {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} أي جزاء عمله. قال امرؤ القيس:شعر : فَوَلَّى مُدْبِراً يَهْوي حَثِيثاً وأيقن أنّه لاقَى الحِسَابَا تفسير : وقيل: وَجَد وعْد الله بالجزاء على عمله. وقيل: وجد أمر الله عند حَشْره؛ والمعنى متقارب. وقرِىء «بقِيعَات». المهدوِيُّ: ويجوز أن تكون الألف مُشْبَعة من فتحة العين. ويجوز أن تكون مثل رَجُل عِزْهٍ وعِزْهاة، للذي لا يقرب النساء. ويجوز أن يكون جمع قِيعة، ويكون على هذا بالتاء في الوصل والوقف. وروي عن نافع وأبي جعفر وشيبة «الظمان» بغير همز، والمشهور عنهما الهمز؛ يقال: ظمِىء يظمأ ظَمَأً فهو ظمآن، وإن خفّفت الهمزة قلت الظمان. وقوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} ابتداء {أَعْمَالُهُمْ} ابتداء ثان. والكاف من {كَسَرَابٍ} الخبرُ، والجملة خبر عن «الذين». ويجوز أن تكون «أعمالهم» بدلاً من «الذين كفروا»؛ أي وأعمال الذين كفروا كسراب، فحذف المضاف.
ابن كثير
تفسير : هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار؛ كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين: نارياً ومائياً، وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين: مائياً ونارياً، وقد تكلمنا على كل منهما في موضعه بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنة. فأما الأول من هذين المثلين، فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض من بعد كأنه بحر طام، والقيعة: جمع قاع كجار وجيرة، والقاع أيضاً واحد القيعان، كما يقال: جار وجيران، وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة، وفيه يكون السراب، وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار، وأما الآل، فإنما يكون أول النهار يرى كأنه ماء بين السماء والأرض، فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء، يحسبه ماء، قصده ليشرب منه، فلما انتهى إليه، {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} فكذلك الكافر، يحسب أنه قد عمل عملاً، وأنه قد حصل شيئاً، فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها، ونوقش على أفعاله، لم يجد له شيئاً بالكلية قد قبل، إما لعدم الإخلاص، أو لعدم سلوك الشرع؛ كما قال تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23] وقال ههنا: {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} وهكذا روي عن أبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد. وفي "الصحيحين": أنه يقال يوم القيامة لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من ولد، ماذا تبغون؟ فيقولون: يا رب عطشنا فاسقنا، فيقال: ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سرابٌ يحطم بعضها بعضاً، فينطلقون فيتهافتون فيها، وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب، فأما أصحاب الجهل البسيط، وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون، فمثلهم كما قال تعالى: {أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ} قال قتادة {لُّجِّىٍّ} هو العميق {يَغْشَـٰهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَـٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} أي: لم يقارب رؤيتها؛ من شدة الظلام، فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط، المقلد الذي لا يعرف حال من يقوده، ولا يدري أين يذهب، بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم، قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما {يَغْشَـٰهُ مَوْجٌ} الآية، يعني: بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهي كقوله: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ} تفسير : [البقرة: 7] الآية، وكقوله: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَٰوَةً} تفسير : [الجاثية: 23] الآية، وقال أبيّ بن كعب في قوله تعالى: {ظُلُمَـٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} فهو يتقلب في خمسة من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار، وقال السدي والربيع بن أنس نحو ذلك أيضاً. وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} أي: من لم يهده الله، فهو هالك جاهل، حائل، بائر، كافر؛ كقوله تعالى: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} تفسير : [الأعراف: 186] وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين: {يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نوراً، وعن أيماننا نوراً، وعن شمائلنا نوراً، وأن يعظم لنا نوراً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } جمع قاع: أي في فلاة وهو شعاع يرى فيها نصف النهار في شدّة الحر يشبه الماء الجاري {يَحْسَبُهُ } يظنه {ٱلظَّمْانُ } أي العطشان {مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً } مما حسبه كذلك الكافر يحسب أن عمله كصدقة ينفعه حتى إذا مات وقدم على ربه لم يجد عمله أي لم ينفعه {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ } أي عند عمله {فَوَفَّٰهُ حِسَابَهُ } أي جزاه عليه في الدنيا {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } أي المجازاة.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه حال المؤمنين، وما يئول إليه أمرهم ذكر مثلاً للكافرين، فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } المراد بالأعمال هنا: هي الأعمال التي من أعمال الخير كالصدقة، والصلة، وفكّ العاني، وعمارة البيت، وسقاية الحاجّ، والسراب: ما يرى في المفاوز من لمعان الشمس عند اشتداد حرّ النهار على صورة الماء في ظنّ من يراه، وسمي سراباً لأنه يسرب أي: يجري كالماء؛ يقال: سرب الفحل أي: مضى، وسار في الأرض، ويسمى الآل أيضاً. وقيل: الآل هو الذي يكون ضحى كالماء، إلاّ أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين السماء والأرض، قال امرؤ القيس:شعر : ألم أنض المطيّ بكلّ خرق طويل الطول لماع السراب تفسير : وقال آخر:شعر : فلما كففنا الحرب كانت عهودهم كلمع سرابٍ بالفلا متألق تفسير : والقيعة: جمع قاع: وهو الموضع المنخفض الذي يستقرّ فيه الماء، مثل جيرة، وجار، قاله الهروي. وقال أبو عبيد: قيعة، وقاع واحد. قال الجوهري: القاع المستوي من الأرض، والجمع: أقوع وأقواع وقيعان، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها، والقيعة مثل القاع. قال: وبعضهم يقول: هو جمع {يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَاء } هذه صفة ثانية لسراب، والظمآن: العطشان، وتخصيص الحسبان بالظمآن مع كون الرّيان يراه كذلك، لتحقيق التشبيه المبنيّ على الطمع {حَتَّىٰ إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً } أي: إذا جاء العطشان ذلك الذي حسبه ماء لم يجده شيئاً مما قدّره وحسبه، ولا من غيره، والمعنى: أن الكفار يعوّلون على أعمالهم التي يظنونها من الخير، ويطمعون في ثوابها، فإذا قدموا على الله سبحانه لم يجدوا منها شيئاً، لأن الكفر أحبطها، ومحا أثرها، والمراد بقوله {حَتَّىٰ إِذَا جَاءهُ } مع أنه ليس بشيء أنه جاء الموضع الذي كان يحسبه فيه. ثم ذكر سبحانه ما يدلّ على زيادة حسرة الكفرة، وأنه لم يكن قصارى أمرهم مجرّد الخيبة كصاحب السراب، فقال: {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } أي: وجد الله بالمرصاد، فوفاه حسابه أي: جزاء عمله، كما قال امرؤ القيس:شعر : فولى مدبراً يهوى حثيثا وأيقن أنه لاقى الحسابا تفسير : وقيل: وجد وعد الله بالجزاء على عمله، وقيل: وجد أمر الله عند حشره، وقيل: وجد حكمه وقضاءه عند المجيء، وقيل: عند العمل، والمعنى متقارب. وقرأ مسلمة بن محارب "بقيعاه" بهاء مدورة كما يقال: رجل عزهاه. وروى عنه: أنه قرأ "بقيعات" بتاء مبسوطة. قيل: يجوز أن تكون الألف متولدة من إشباع العين على الأوّل، وجمع قيعة على الثاني. وروي عن نافع، وأبي جعفر، وشيبة أنهم قرؤوا: "الظمآن" بغير همز، والمشهور عنهم الهمز. {أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ } معطوف على كسراب، ضرب الله مثلاً لأعمال الكفار كما أنه تشبه السراب الموصوف بتلك الصفات، فهي أيضاً تشبه الظلمات. قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن أعمال الكفار إن مثلت بما يوجد، فمثلها كمثل السراب، وإن مثلت بما يرى، فهي كهذه الظلمات التي وصف. قال أيضاً: إن شئت مثل بالسراب، وإن شئت مثل بهذه الظلمات، فأو: للإباحة حسبما تقدّم من القول في {أية : أَوْ كَصَيّبٍ } تفسير : [البقرة: 19]. قال الجرجاني: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ذكر كفرهم، ونسق الكفر على أعمالهم لأنه أيضاً من أعمالهم. قال القشيري: فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار، وعند الجرجاني لكفر الكفار {فِي بَحْرٍ لُّجّيّ } اللجة معظم الماء، والجمع لجج، وهو: الذي لا يدرك لعمقه. ثم وصف سبحانه هذا البحر بصفة أخرى، فقال {يَغْشَـٰهُ مَوْجٌ } أي: يعلو هذا البحر موج، فيستره ويغطيه بالكلية، ثم وصف هذا الموج بقوله {مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ } أي من فوق هذا الموج موج، ثم وصف الموج الثاني، فقال: {مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ } أي: من فوق ذلك الموج الثاني سحاب، فيجتمع حينئذٍ عليهم خوف البحر وأمواجه، والسحاب المرتفعة فوقه. وقيل: إن المعنى: يغشاه موج من بعده موج، فيكون الموج يتبع بعضه بعضاً حتى كأن بعضه فوق بعض، والبحر أخوف ما يكون إذا توالت أمواجه، فإذا انضم إلى ذلك وجود السحاب من فوقه زاد الخوف شدّة، لأنها تستر النجوم التي يهتدي بها من في البحر، ثم إذا أمطرت تلك السحاب، وهبت الريح المعتادة في الغالب عند نزول المطر تكاثفت الهموم، وترادفت الغموم، وبلغ الأمر إلى الغاية التي ليس وراءها غاية، ولهذا قال سبحانه: {ظُلُمَـٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } أي: هي ظلمات متكاثفة مترادفة، ففي هذه الجملة بيان لشدّة الأمر وتعاظمه، وقرأ ابن محيصن، والبزي: "سحاب ظلمات" بإضافة سحاب إلى ظلمات، ووجه الإضافة: أن السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات، فأضيف إليها لهذه الملابسة. وقرأ الباقون بالقطع، والتنوين. ومن غرائب التفاسير: أنه سبحانه أراد بالظلمات: أعمال الكافر، وبالبحر اللجيّ: قلبه، وبالموج فوق الموج: ما يغشى قلبه من الجهل، والشكّ، والحيرة. والسحاب: الرين، والختم، والطبع على قلبه، وهذا تفسير هو عن لغة العرب بمكانٍ بعيد. ثم بالغ سبحانه في هذه الظلمات المذكورة بقوله {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } وفاعل أخرج ضمير يعود على مقدّر دلّ عليه المقام أي: إذا أخرج الحاضر في هذه الظلمات أو من ابتلى بها. قال الزجاج، وأبو عبيدة: المعنى لم يرها، ولم يكد. وقال الفرّاء: إن كاد زائدة. والمعنى: إذا أخرج يده لم يرها، كما تقول ما كدت أعرفه. وقال المبرد: يعني: لم يرها إلاّ من بعد الجهد. قال النحاس: أصح الأقوال في هذا أن المعنى: لم يقارب رؤيتها، فإذن لم يرها رؤية بعيدة، ولا قريبة، وجملة: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } مقرّرة لما قبلها من كون أعمال الكفرة على تلك الصفة، والمعنى: ومن لم يجعل الله له هداية، فما له من هداية. قال الزجاج: ذلك في الدنيا، والمعنى: من لم يهده الله لم يهتد، وقيل: المعنى: من لم يجعل له نوراً يمشي به يوم القيامة، فما له من نور يهتدي به إلى الجنة. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبّحُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قد تقدّم تفسير مثل هذه الآية في سورة سبحان، والخطاب لكلّ من له أهلية النظر، أو للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد علمه من جهة الاستدلال؛ ومعنى {أَلَمْ تَرَ }: ألم تعلم، والهمزة للتقرير أي: قد علمت علماً يقينياً شبيهاً بالمشاهدة، والتسبيح: التنزيه في ذاته، وأفعاله، وصفاته عن كل ما لا يليق به، ومعنى {مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}: من هو مستقرّ فيهما من العقلاء، وغيرهم، وتسبيح غير العقلاء ما يسمع من أصواتها، ويشاهد من أثر الصنعة البديعة فيها. وقيل: إن التسبيح هنا هو الصلاة من العقلاء، والتنزيه من غيرهم. وقد قيل: إن هذه الآية تشمل الحيوانات، والجمادات، وأن آثار الصنعة الإلهية في الجمادات ناطق، ومخبر باتصافه سبحانه بصفات الجلال، والكمال، وتنزّهه عن صفات النقص، وفي ذلك تقريع للكفار، وتوبيخ لهم حيث جعلوا الجمادات التي من شأنها التسبيح لله سبحانه شركاء له يعبدونها كعبادته عزّ وجلّ. وبالجملة، فإنه ينبغي حمل التسبيح على ما يليق بكل نوع من أنواع المخلوقات على طريقة عموم المجاز. قرأ الجمهور {والطير صافات} بالرفع للطير، والنصب لصافات على أن الطير معطوفة على من، وصافات منتصب على الحال. وقرأ الأعرج "والطير" بالنصب على المفعول معه، وصافات حال أيضاً. قال الزجاج: وهي أجود من الرفع. وقرأ الحسن، وخارجة عن نافع "والطير صافات" برفعهما على الابتداء، والخبر، ومفعول صافات محذوف أي: أجنحتها، وخصّ الطير بالذكر مع دخولها تحت من في السماوات والأرض لعدم استمرار استقرارها في الأرض، وكثرة لبثها في الهواء، وهو ليس من السماء ولا من الأرض، ولما فيها من الصنعة البديعة التي تقدر بها تارة على الطيران، وتارة على المشي بخلاف غيرها من الحيوانات، وذكر حالة من حالات الطير، وهي كون صدور التسبيح منها حال كونها صافات لأجنحتها؛ لأن هذه الحالة هي أغرب أحوالها، فإن استقرارها في الهواء مسبحة من دون تحريك لأجنحتها، ولا استقرار على الأرض من أعظم صنع الله الذي أتقن كلّ شيء. ثم زاد في البيان فقال: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } أي: كلّ واحد مما ذكر، والضمير في علم يرجع إلى كلّ، والمعنى: أن كل واحد من هذه المسبحات لله قد علم صلاة المصلي وتسبيح المسبح. وقيل: المعنى أن كلّ مصلّ ومسبح قد علم صلاة نفسه، وتسبيح نفسه. قيل: والصلاة هنا بمعنى التسبيح، وكرّر للتأكيد، والصلاة قد تسمى تسبيحاً. وقيل: المراد بالصلاة هنا الدعاء أي: كل واحد قد علم دعاءه، وتسبيحه. وفائدة الإخبار بأن كل واحد قد علم ذلك، أن صدور هذا التسبيح هو عن علم قد علمها الله ذلك، وألهمها إليه، لا أن صدوره منها على طريقة الإتفاق بلا روية، وفي ذلك زيادة دلالة على بديع صنع الله سبحانه، وعظيم شأنه، كونه جعلها مسبحة له عالمة بما يصدر منها غير جاهلة له {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } هذه الجملة مقرّرة لما قبلها أي: لا تخفى عليه طاعتهم، ولا تسبيحهم، ويجوز أن يكون الضمير في {علم} لله سبحانه، أي: كلّ واحد من هذه المسبحة قد علم الله صلاته له، وتسبيحه إياه، والأوّل أرجح لاتفاق القرّاء على رفع كل، ولو كان الضمير في علم لله لكان نصب كل أولى. وذكر بعض المفسرين: أنها قراءة طائفة من القراء علم على البناء للمفعول. ثم بين سبحانه: أن المبدأ منه، والمعاد إليه، فقال: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي: له لا لغيره {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } لا إلى غيره، والمصير: الرجوع بعد الموت. وقد تقدّم تفسير مثل هذه الآية في غير موضع. ثم ذكر سبحانه دليلاً آخر من الآثار العلوية، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً } الإزجاء: السوق قليلاً قليلاً، ومنه قول النابغة:شعر : إني أتيتك من أهلي ومن وطني أزجي حشاشة نفس ما بها رمق تفسير : وقوله أيضاً:شعر : أسرت عليه من الجوزاء سارية يزجي السماك عليه جامد البرد تفسير : والمعنى: أنه سبحانه يسوق السحاب سوقاً رقيقاً إلى حيث يشاء {ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ } أي: بين أجزائه، فيضم بعضه إلى بعض، ويجمعه بعد تفرّقه ليقوى، ويتصل، ويكثف، والأصل في التأليف الهمز. وقرأ ورش، وقالون عن نافع "يولف" بالواو تخفيفاً، والسحاب واحد في اللفظ، ولكن معناه جمع، ولهذا دخلت «بين» عليه لأن أجزاءه في حكم المفردات له. قال الفراء: إن الضمير في {بينه} راجع إلى جملة السحاب، كما تقول: الشجر قد جلست بينه، لأنه جمع، وأفرد الضمير باعتبار اللفظ {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً } أي: متراكماً يركب بعضه بعضاً. والركم: جمع الشيء، يقال: ركم الشيء يركمه ركماً أي: جمعه وألقى بعضه على بعض وارتكم الشيء، وتراكم إذا اجتمع. والركمة: الطين المجموع، والركام: الرمل المتراكب {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } الودق: المطر عند جمهور المفسرين، ومنه قول الشاعر:شعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : فدمعهما ودق وسح وديمة وسكب وتوكاف وتنهملان تفسير : يقال: ودقت السحاب فهي: وادقة، وودق المطر يدق أي: قطر يقطر، وقيل: إن الودق البرق، ومنه قول الشاعر:شعر : أثرن عجاجة وخرجن منها خروج الودق من خلل السحاب تفسير : والأوّل أولى. ومعنى {مِنْ خِلاَلِهِ }: من فتوقه التي هي مخارج القطر، وجملة: {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } في محل نصب على الحال، لأن الرؤية هنا هي البصرية. وقرأ ابن عباس وابن مسعود والضحاك وأبو العالية "من خلله" على الإفراد. وقد وقع الخلاف في خلال: هل هو مفرد كحجاب؟ أو جمع كجبال؟ {وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } المراد بقوله: من سماء: من عال، لأن السماء قد تطلق على جهة العلوّ، ومعنى {من جبال}: من قطع عظام تشبه الجبال، ولفظ «فيها» في محل نصب على الحال، و«من» في {من برد} للتبعيض، وهو مفعول ينزل. وقيل: إن المفعول محذوف، والتقدير: ينزل من جبال فيها من برد برداً. وقيل: إن من في {من برد} زائدة، والتقدير: ينزل من السماء من جبال فيها برد. وقيل: إن في الكلام مضافاً محذوفاً أي: ينزل من السماء قدر جبال، أو مثل جبال من برد إلى الأرض. قال الأخفش: إن من في {من جبال} وفي: {من برد} زائدة في الموضعين، والجبال والبرد في موضع نصب أي: ينزل من السماء برداً يكون كالجبال. والحاصل: أن «من» في {من السماء} لابتداء الغاية بلا خلاف، و«من» في {من جبال} فيها ثلاثة أوجه: الأوّل لابتداء الغاية، فتكون هي ومجرورها بدلاً من الأولى بإعادة الخافض بدل اشتمال. الثاني: أنها للتبعيض فتكون على هذا هي ومجرورها في محل نصب على أنها مفعول الإنزال، كأنه قال: وينزل بعض جبال. الثالث: أنها زائدة أي: ينزل من السماء جبالاً. وأما « من» في {من برد} ففيها أربعة أوجه: الثلاثة المتقدّمة. والرابع: أنها لبيان الجنس، فيكون التقدير على هذا الوجه: وينزل من السماء بعض جبال التي هي البرد. قال الزجاج: معنى الآية: وينزل من السماء من جبال برد فيها كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد أي: خاتم حديد في يدي، لأنك إذا قلت: هذا خاتم من حديد، وخاتم حديد كان المعنى واحداً. انتهى. وعلى هذا يكون {من برد} في موضع جرّ صفة لجبال كما كان من حديد صفة لخاتم، ويكون مفعول ينزل {من جبال}، ويلزم من كون الجبال برداً أن يكون المنزل برداً. وذكر أبو البقاء: أن التقدير: شيئاً من جبال، فحذف الموصوف، واكتفى بالصفة {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء } أي: يصيب بما ينزل من البرد من يشاء أن يصيبه من عباده {وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء } منهم، أو يصيب به مال من يشاء، ويصرفه عن مال من يشاء، وقد تقدّم الكلام عن مثل هذا في البقرة. {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَـٰرِ } السنا: الضوء، أي: يكاد ضوء البرق الذي في السحاب يذهب بالأبصار من شدّة بريقه، وزيادة لمعانه، وهو كقوله: {أية : يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ } تفسير : [البقرة: 20] قال الشماخ:شعر : وما كادت إذا رفعت سناها ليبصر ضوءها إلاّ البصير تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : يضيء سناه أو مصابيح راهب أمال السليط في الذبال المفتل تفسير : فالسنا بالقصر: ضوء البرق، وبالمدّ: الرفعة، كذا قال المبرّد، وغيره. وقرأ طلحة بن مصرف، ويحيىٰ ابن وثاب "سناء برقه" بالمدّ على المبالغة في شدّة الضوء، والصفاء، فأطلق عليه اسم: الرفعة، والشرف. وقرأ طلحة، ويحيى أيضاً بضم الباء من برقه، وفتح الراء. قال أحمد بن يحيىٰ ثعلب: وهي على هذه القراءة جمع برق. وقال النحاس: البرقة المقدار من البرق، والبرقة الواحدة. وقرأ الجحدري، وابن القعقاع: "يذهب" بضم الياء، وكسر الهاء من الإذهاب. وقرأ الباقون {سنا} بالقصر و{بَرْقه} بفتح الباء، وسكون الراء، و{يَذْهَبُ} بفتح الياء والهاء من الذهاب، وخطأ قراءة الجحدري وابن القعقاع الأخفش وأبو حاتم. ومعنى ذهاب البرق بالأبصار: خطفه إياها من شدّة الإضاءة، وزيادة البريق، والباء في {بالأبصار} على قراءة الجمهور للإلصاق، وعلى قراءة غيرهم زائدة. {يُقَلّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } أي: يعاقب بينهما، وقيل يزيد في أحدهما، وينقص الآخر، وقيل: يقلبهما باختلاف ما يقدره فيهما من خير وشرّ، ونفع وضرّ، وقيل: بالحرّ والبرد، وقيل: المراد بذلك تغيير النهار بظلمة السحاب مرّة، وبضوء الشمس أخرى، وتغيير الليل بظلمة السحاب تارة، وبضوء القمر أخرى، والإشارة بقوله: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } إلى ما تقدّم، ومعنى العبرة: الدلالة الواضحة التي يكون بها الاعتبار، والمراد بأولي الأبصار: كل من له بصر يبصر به. ثم ذكر سبحانه دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان، وبديع صنعته، فقال {وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء } قرأ يحيـىٰ بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي "والله خالق كل دابة"، وقرأ الباقون: {خلق}، والمعنيان صحيحان، والدابة: كلّ ما دب على الأرض من الحيوان، يقال: دبّ يدبّ، فهو: دابّ، والهاء للمبالغة، ومعنى {مِن مَّاء } من نطفة، وهي المنيّ، كذا قال الجمهور. وقال جماعة: إن المراد الماء المعروف، لأن آدم خلق من الماء، والطين. وقيل: في الآية تنزيل الغالب منزلة الكل على القول الأوّل، لأن في الحيوانات ما يتولد لا عن نطفة، ويخرج من هذا العموم الملائكة، فإنهم خلقوا من نور، والجانّ، فإنهم خلقوا من نار. ثم فصل سبحانه أحوال كلّ دابة، فقال: {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ }، وهي الحيات والحوت والدود ونحو ذلك {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ } الإنسان والطير {وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ } سائر الحيوانات، ولم يتعرّض لما يمشي على أكثر من أربع لقلته، وقيل: لأن المشي على أربع فقط، وإن كانت القوائم كثيرة، وقيل: لعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع، ولا وجه لهذا، فإن المراد التنبيه على بديع الصنع، وكمال القدرة، فكيف يقال: لعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع؟ وقيل: ليس في القرآن ما يدلّ على عدم المشي على أكثر من أربع، لأنه لم ينف ذلك، ولا جاء بما يقتضي الحصر، وفي مصحف أبيّ: "ومنهم من يمشي على أكثر"، فعمّ بهذه الزيادة جميع ما يمشي على أكثر من أربع، كالسرطان والعناكب وكثير من خشاش الأرض {يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَاء } مما ذكره هاهنا، ومما لم يذكره، كالجمادات مركبها وبسيطها، ناميها وغير ناميها {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } لا يعجزه شيء بل الكلّ من مخلوقاته داخل تحت قدرته سبحانه. {لَّقَدْ أَنزَلْنَا ءايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ } أي: القرآن، فإنه قد اشتمل على بيان كلّ شيء، وما فرّطنا في الكتاب من شيء، وقد تقدّم بيان مثل هذا في غير موضع {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء } بتوفيقه للنظر الصحيح، وإرشاده إلى التأمل الصادق {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } إلى طريق مستوي لا عوج فيه، فيتوصل بذلك إلى الخير التام، وهو نعيم الجنة. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ } قال: هو مثل ضربه الله كرجل عطش، فاشتد عطشه، فرأى سراباً، فحسبه ماء، فطلبه، فظن أنه قدر عليه حتى أتى، فلما أتاه لم يجده شيئاً، وقبض عند ذلك، يقول: الكافر كذلك السراب إذا أتاه الموت لم يجد عمله يغني عنه شيئاً، ولا ينفعه إلاّ كما نفع السراب العطشان {أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِي بَحْرٍ لُّجّىّ } قال: يعني بالظلمات: الأعمال، وبالبحر اللجيّ: قلب الإنسان {يَغْشَـٰهُ مَوْجٌ } يعني بذلك: الغشاوة التي على القلب، والسمع والبصر. وأخرج ابن جرير عنه {بِقِيعَةٍ }: بأرض مستوية. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم مِن طريق السديّ، عن أبيه، عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الكفار يبعثون يوم القيامة ورداً عطاشاً، فيقولون: أين الماء؟ فيتمثل لهم السراب، فيحسبونه ماء، فينطلقون إليه، فيجدون الله عنده، فيوفيهم حسابه، والله سريع الحساب»تفسير : ، وفي إسناده السديّ عن أبيه، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة في قوله: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } قال: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله {وَٱلطَّيْرُ صَافَّـٰتٍ } قال: بسط أجنحتهن. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ } يقول: ضوء برقه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: كل شيء يمشي على أربع إلاّ الإنسان. وأقول: هذه الطيور على اختلاف أنواعها تمشي على رجلين، وهكذا غيرها، كالنعامة، فإنها تمشي على رجلين، وليست من الطير، فهذه الكلية المروية عنه رضي الله عنه لا تصحّ.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أََعَمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بقِيعَةٍ} أما السراب فهو الذي يخيل لمن رآه في الفلاة كأنه الماء الجاري قال الشاعر: شعر : فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُهُمْ كَلَمْعِ سَرَابٍ بِالْفَلاَ مُتَأَلِّق تفسير : والآل كالسراب إلا أنه يرتفع عن الأرض في وقت الضحى حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء، وقيل: إن السراب بعد الزوال والآل قبل الزوال والرقراق بعد العصر وأما القيعة فجمع قاع مثل جيرة وجار، والقاع ما انبسط من الأرض واستوى. {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} يعني العطشان يحسب السراب ماءً. {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} وهذا مثل ضربه الله للكافر يعول على ثواب عمله فإذا قدم على الله وجد ثواب عمله بالكفر حابطاً. {وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ} فيه وجهان: أحدهما: وجد أمر الله عند حشره. الثاني: وجد الله عند عرضه. {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: ووجد الله عند عمله فجازاه على كفره. والثاني: وجد الله عند وعيده فوفى بعذابه ويكون الحساب على الوجهين معاً محمولاً على العمل، كما قال امرؤ القيس: شعر : فوّلَّى مُدْبِراً وَأيْقَنَ أنَّه لاَقِى الْحِسَابَا تفسير : {وَاللَّهُ سَرِيع الْحِسَابِ} يحتمل وجهين: أحدهما: لأن حسابه آت وكل آت سريع. الثاني: لأنه يحاسب جميع الخلق في وقت سريع. قيل إن هذه الآية نزلت في شيبة بن ربيعة وكان يترهب في الجاهلية ويلبس الصوف ويطلب الدين فكفر في الإِسلام. قوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} الظلمات: ظلمة البحر وظلمة السحاب وظلمة الليل. وفي قوله لجيّ ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه البحر الواسع الذي لا يرى ساحله، حكاه ابن عيسى. الثاني: أنه البحر الكثير الموج، قاله الكلبي. الثالث: أنه البحر العميق، وهذا قول قتادة، ولجة البحر وسطه، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : مَنْ رَكِبَ البَحْرَ إِذَا الْتَجَّ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ" تفسير : يعني إذا توسطه. {يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: يغشاه موج من فوق الموج ريح، من فوق الريح سحاب فيجمع خوف الموج وخوف الريح وخوف السحاب. الثاني: معناه يغشاه موج من بعده فيكون المعنى الموج بعضه يتبع بعضاً حتى كأنه بعضه فوق بعض وهذا أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب، ومن فوق هذا الموج سحاب وهو أعظم للخوف من وجهين: أحدهما: أنه قد يغطي النجوم التي يهتدى بها. الثاني: الريح التي تنشأ مع السحاب والمطر الذي ينزل منه. {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد الظلمات التي بدأ بذكرها وهي ظلمة البحر وظلمة السحاب وظلمة الليل. الثاني: يعني بالظلمات الشدائد أي شدائد بعضها فوق بعض. {إِذَا أخْرَجَ يَدَه لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} فيه وجهان: أحدهما: معناه أنه رآها بعد أن كاد لا يراها، حكاه ابن عيسى. الثاني: لم يرها ولم يكد، قاله الزجاج، وهو معنى قول الحسن. وفي قوله لم يكد وجهان: أحدهما: لم يطمع أن يراها. الثاني: لم يرها ويكاد صلة زائدة في الكلام. {ومَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهَ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} فيه وجهان: أحدهما: ومن لم يجعل الله له سبيلاً إلى النجاة في الآخرة فما له من سبيل إليها حكاه ابن عيسى. الثاني: ومن لم يهده الله للإِسلام لم يهتد إليه، قاله الزجاج. وقال بعض أصحاب الخواطر وجهاً ثالثاً: ومن لم يجعل الله نوراً له في وقت القسمة فما له من نور في وقت الخلقة. ويحتمل رابعاً: ومن لم يجعل الله له قبولاً في القلوب لم تقبله القلوب. وهذا المثل ضربه الله للكافر، فالظمات ظلمة الشرك وظلمة الليل وظلمة المعاصي، والبحر اللجي قلب الكافر، يغشاه من فوقه عذاب الدنيا، فوقه عذاب الآخرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَسَرَابٍ}: هو الذي يتخيل لرائيه أنه ماء جارٍ والآل مثله إلا أنه يرتفع عن الأرض ضُحى حتى يصير كأنه بين السماء والأرض، وقيل السراب بعد الزوال والآل قبل الزوال، والرقراق بعد العصر {بِقِيعَةٍ} جمع قاع كجيرة وجار وهو ما انبسط من الأرض واستوى. مثل مضروب لاعتماد الكافر على ثواب عمله فإذا قدم على الله ـ تعالى ـ وجد ثوابه حابطاً بكفره ووجد أمر الله عند حشره، أو وجد الله ـ تعالى ـ عند عرضه، نزلت في شيبة بن ربيعة ترهّب في الجاهلية ولبس الصوف وطلب الدين وكفر في الإسلام.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} الآية. لما بيَّن حال المؤمن أنه في الدنيا يكون في النور، وبسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح ثم بين أنه يكون في الآخرة فائزاً بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبع ذلك ببيان أن الكافر يكون في الآخرة في أشد الخسران، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات، وضرب لكل واحد منهما مثلاً، أما المثل الدال على حسرته في الآخرة فقوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ}. قال الأزهري: "السَّرَابُ: ما يتراءى للعين وقت الضحى في الفلوات شبيهاً بالماء الجاري وليس بماء، ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جارياً، يقال: سَرَبَ الماءُ يَسْرُبُ سُرُوباً: إذَا جرى، فهو سَارِبٌ". وقيل: السَّرَابُ: مَا يَتَرَاءَى للإنْسَانِ في القَفْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ مِمَّا يُشْبهُ المَاءَ. وقيل: مَا يَتَكَاثَفُ مِنْ قُعُورِ القيعَانِ. قال الشاعر: شعر : 3836- فَلَمَّا كَفَفْت الحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُهم كَلَمْع سَرَابٍ في الفَلاَ مُتَألِّقِ تفسير : يضرب به المَثَلُ لمن يَظُنُّ بشيءٍ خيراً فَيُخْلَفُ ظَنُّهُ. وقيل: هو الشُّعَاعُ الذي يُرَى نِصْفَ النَّهَارِ في شدة الحَرِّ في البراري، يُخَيَّلُ للناظر أنه الماء السَّارِبُ، أي: الجاري، فإذا قرب منه لم ير شيئاً. والآل: ما ارتفع من الأرض، وهو شعاع يرى بين السماء والأرض بالغدوات شبه المَلاَة يرفع الشخوص، يرى فيها الصغير كبيراً، والقصير طويلاً. والرَّقْرَاقُ: يكون بالعشايا. وهو ما ترقرق من السراب، أي: جاء وذهب. قوله: "بِقِيعَةٍ" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلِّق بمحذوف على أنه صفة لـ "سَرَابٍ". والثاني: أنه ظرف، والعامل فيه الاستقرار العامل في كاف التشبيه. والقيعة: بمعنى القاع، قاله الزمخشري، وهو المُنْبَسِطُ من الأرض، وتقدم في "طه". وقيل: بل هي جمعه كـ "جَارٍ وَجيرَة" قاله الفراء. وقرأ مسلمة بن محارب بتاء (ممطوطة)، وروي عنه بتاء شَكل الهاء، ويقف عليها بالهاء، وفيها أوجه: أحدها: أن يكون بمعنى "قيعة" كالعامة، وإنَّما أشبع الفتحة فتولَّد منها ألف كقوله: مُخرنبقٌ لينباع. قاله صاحب اللوامح. والثاني: أنه جمع: "قيعة" وإنَّما وقف عليها بالهاء ذهاباً به مذهب لغة طيئ في قولهم: "الإخْوَه والأخَوَاه" و"دَفْنُ البَنَاه من المَكْرُماه" أي: والأخوات، والبنات، والمكرمات. وهذه القراءة تؤيد أن "قيعة" جمع قاع. قال الزمخشري: وقد جعل بعضهم "بِقِيعَاة" بتاء مدوَّرة كـ "رجل عِزْهَاةٍ". فظاهر هذا أنه جعل هذا بناء مستقلاً ليس جمعاً ولا إشباعاً. قوله: "يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ" جملة في محل الجر صفة لـ "سَرَابٍ" أيضاً، وحَسُنَ ذلك لتقدم الجار على الجملة، هذا إن جعلنا الجارَّ صفةً والضمائر المرفوعة في "جَاءَهُ"، وفي "لَمْ يَجِدْهُ" وفي "وَجَدَ"، والضمائر في "عِنْدَهُ" وفي "وَفَّاهُ" وفي "حِسَابَهُ" كلها ترجع إلى "الظَّمْآن" لأن المراد به الكافر المذكور أولاً، وهذا قول الزمخشري وهو حَسَنٌ. وقيل: بل الضميران في "جَاءَهُ" و"وَجَدَ" عائدان على "الظَّمْآن"، والباقية عائدة على الكافر. وإنما أفرد الضمير على هذا وإن تقدمه جمع، وهو قوله: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا" حَمْلاً على المعنى؛ إذ المعنى: كلُّ واحدٍ من الكفار. والأول أولى لاتِّساق الضمائر. وقرأ أبو جعفر، ورُويَتْ عن نافع: "الظَّمَانُ" بإلقاء حركة الهمزة على الميم. فصل قال الزجاج: "(الظَّمْآن) قد تخفف همزته، وهو الشديد العطش، ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثواباً مع أنه يعتقد أن له ثواباً عليه، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه العقاب مع أنه يعتقد أنه ثواباً، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثواباً عند الله تعالى، فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب، بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه، فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الشراب ويتعلق قلبه به، ويرجو به النجاة، فإذا جاءه وأيس مما كان يرجوه عظم ذلك عليه". قال مجاهد: "السراب: عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا". فإن قيل: قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ} يدل على كونه شيئاً، وقوله: {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} مناقض له؟ فالجواب من وجوه: الأول: معناه: لم يجد شيئاً نافعاً، كما يقال: فلان ما عمل شيئاً، وإن كان قد اجتهد. الثاني: "إذا جَاءَهُ" أي: جاء موضع السراب لم يجد السراب، لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة، كأنه ضباب وهباء، فإذا قرب منه رق وانتشر وصار كالهواء. قوله: {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ} أي: وجد عقاب الله عنده الذي توعد به الكافر. وقيل: وجد الله عنده، أي: عند عمله، أي وجد الله بالمرصاد. وقيل: قدم على الله "فَوَفَّاهُ حِسَابه" أي: جزاء عمله. قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام. قوله: {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلا يشق عليه الحساب. وقال بعض المتكلمين: "معناه: لا تشغله محاسبة أحد عن آخر كنحن، ولو كان يتكلم بآلة كما تقول المشبهة لما صح ذلك". قوله تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} هذا مثل آخر ضربة الله تعالى لأعمال الكفار، وفي هذا العطف أوجه: أحدها: أنه نسقٌ على "كَسَرَابٍ" على حذف مضاف واحد، تقديره: أو كَذِي ظُلُمَاتٍ، ودل على هذا المضاف قوله: {إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف. وهو قول أبي علي. الثاني: أنه على حذف مضافين، تقديره: أو كَأَعْمَالٍ ذِي ظُلُمَاتٍ فَيُقَدَّر "ذي" ليصح عود الضمير إليه في قوله: {إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ} ويقدر "أَعْمَال" ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب الظلمة، إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمة. الثالث: أنه لا حاجة إلى حذف البتَّة، والمعنى: أنه شَبَّهَ أعمالَ الكُفَّارِ في حَيْلُولَتِهَا بين القلب وما يهتدي به بالظلمة. وأما الضميران في "أَخْرَجَ يَدَهُ" فيعودان على محذوف دلَّ عليه المعنى، أي: إذا أخرج يده من فيها و"أَوْ" هنا للتنويع لا للشك. وقيل: بل هي للتخيير، أي: "شَبهُوا أعمالهم بهذا أو بهذا. وقرأ سفيان بن حسين: "أوَ كَظُلُمَاتٍ" بفتح الواو، جعلها عاطفة دخلت عليها همزة الاستفهام التي معناها التقرير، وقد تقدم ذلك في قوله: {أية : أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [الأعراف: 98]. قوله: {فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ}: "في بَحْر" صفة لـ "ظُلُمَاتٍ" فيتعلق بمحذوف. واللُّجِيُّ: منسوبٌ إلى "اللُّجِّ" وهو مُعْظَمُ البحر قاله الزمخشري. وقال غيره: منسوب إلى اللُّجَّةِ بالتاء، وهي أيضاً معظمه. فاللُّجّيّ: هو العميق الكثير الماء، وفيه لغتان: كسر اللام، وضمها. قوله: "يَغْشَاه موجٌ" صفة أخرى لـ "بَحْرٍ" هذا إذا أعدنا الضمير في "يَغْشَاهُ" على "بَحْرٍ" وهو الظاهر. وإن قدَّرنا مضافاً محذوفاً، أي: "أَو كَذِي ظُلُمَاتٍ" كما فعل بعضهم كان الضمير في "يَغْشَاهُ" عائداً عليه، وكانت الجملة حالاً منه لتخصيصه بالإضافة، أو صفة له. قوله: {مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} يجوز أن تكون هذه جملة من مبتدأ وخبر صفة لـ "مَوْجٍ" الأول ويجوز أن يجعل الوصف الجار والمجرور فقط، و"مَوْجٌ" فاعل به، لاعتماده على الموصوف، قوله: {مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} فيه الوجهان المذكوران قبله من كون الجملة صفة لـ "مَوْجٍ" الثاني، أو الجار فقط. قوله: "ظُلُمَاتٌ". قرأ العامة بالرفع، وفيه وجهان: أجودهما: أن يكون خبر مبتدأ مضمر تقديره: هذه أو تلك ظلمات. الثاني: أن يكون "ظُلُمَاتٌ" مبتدأ، والجملة من قوله: {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} خبره، ذكره الحوفي وفيه نظر، لأنه لا مسوغ للابتداء بهذه النكرة، اللهم إلا أن يقال: إنها موصوفة تقديراً، أي: ظلمات كثيرة متكاثفة، كقولهم: "السمن منوان بِدِرْهم". وقرأ ابن كثير: "ظُلُمَاتٍ" بالجر، إلا أنَّ البزِّي روى عنه حينئذ حذف التنوين من "سَحَابُ" فقرأ البَزِّيُّ عنه: "سَحَابُ ظُلُمَاتٍ" بإضافة "سَحَابُ" لـ "ظُلُمَاتٍ". وقرأ قُنْبُل عه التنوين في "سَحَابٌ" كالجماعة مع جره لـ "ظُلُمَاتٍ". فأما رواية البزِّي فقال أبو البقاء: جَعَلَ المَوْجَ المُتَرَاكم بمنزلة السحاب. وأما رواية قنبل فإنه جعل "ظُلُمَاتٍ" بدلاً من "ظُلُمَاتٍ" الأولى. قوله: {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} جملة من مبتدأ وخبر في موضع رفع أو جر على حسب القراءتين في "ظُلُمَاتٍ" قبلها لأنها صفة لها. وجوَّز الحوفي على قراءة رفع "ظُلُمَاتٍ" في "بَعْضُها" أن تكون بدلاً من "ظُلُمَاتٌ" ورد عليه من حيث المعنى، (إذ المعنى) على الإخبار بأنها ظلمات، وأن بعض تلك الظلمات فوق بعض وصفاً لها بالتَّراكم، لا أنَّ المعنى أنَّ بعض تلك الظلمات فوق بعض من غير إخبار بأن تلك الظلمات السابقة ظلماتٌ متراكمة. وفيه نظرٌ، إذ لا فرق بين قولك: بعض الظلمات فوق بعضٍ، وبين قولك: الظلماتُ بعضُهَا فوق بعض، وإن تُخُيِّل ذلك في بادئ الرأي. قوله: {إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}. تقدم الكلام في "كاد" وأنَّ بعضهم زعم أنَّ نَفْيَهَا إثباتٌ وإثباتها نفيٌ، وتقدمت أدلة ذلك في البقرة عند قوله: {أية : وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [البقرة: 71]. وقال الزمخشري هنا: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} مبالغة في (لَمْ يَرَهَا) أي: لم يَقْرُب أن يَرَاهَا فَضلاً (عن) أن يراها، ومنه قوله ذي الرمة: شعر : 3837- إذَا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ رَسِيسُ الهَوَى مِنَ حُبِّ مَيَّة يَبْرَحُ تفسير : أي: لم يَقْرُبْ مِنَ البِرَاحِ فَمَا بَالُهُ يَبْرحُ. وقال أبو البقاء: اختلف الناس في تأويل هذا الكلام، ومنشأ الاختلاف فيه أنَّ موضوع "كَادَ" إذا نفيت وقوع الفعل، وأكثر المفسرين على أن المعنى: أنه لا يرى يَدَهُ، فعلى هذا في التقدير ثلاثة أوجه: أحدها: أن التقدير: لَمْ يَرَهَا وَلَمْ يَكَدْ، ذكره جماعةٌ من النحويين، وهذا خطأ لأن قوله: "لَمْ يَرَهَا" جَزْمٌ بنفي الرؤية، وقوله: "لَمْ يَكَدْ" إذا أخرجها على مقتضى الباب كان التقدير: وَلَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، كما هو مُصَرَّحٌ به في الآية، فإن أراد هذا القائل أنه لم يكد يراها وأنه يراها بعد جَهْدٍ، تناقض، لأنه نفى الرؤية ثم أثبتها. وإن كان معنى {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} لم يَرَها البتَّة على خلاف الأكثر في هذا الباب فينبغي أن يحمل عليه من غير أن يقدِّر "لَمْ يَرَهَا". الوجه الثاني: قال الفراء: إن (كَادَ) زائدة. وهو بعيد. الثالث: أن "كَادَ" خرِّجت هاهنا على معنى "قَارَبَ" والمعنى: لم يُقَارِب رؤيتها، وإذا لم يُقَارِبها بَاعَدَها، وعليه جاء قول ذي الرمة في البيت المتقدم، أي: لم يقارب البراح، ومن هنا حكي عن ذي الرُّمة أنه لما روجع في هذا البيت قال: (لم أجِد) بدل (لَمْ يَكَدْ). والمعنى الثاني: أنه رآها بعد جَهد، والتشبيه على هذا صحيح، لأنه مع شدة الظلمة إذا أحدَّ نظره إلى يده وقرَّبها من عينه رآها انتهى. أما الوجه الأول وهو ما ذكره أن قول الأكثرين (إنه يكون نَفْيُها إثباتاً، فقد تقدم أنه غير صحيح، وليس هو قول الأكثر) وإنما غرّهم في ذلك آية البقرة، وما أنشد بعضهم: شعر : 3838- أَنَحْوِيَّ هَذَا العَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ تفسير : البيتين. وأما ما ذكره من زيادة "كاد" فهو قول أبي بكر وغيره، ولكنه مردود عندهم. وأما ما ذكره من المعنى الثاني، وهو أنه رآها بعد جهد، فهو مذهب الفراء والمبرد. والعجب كيف يعدل عن المعنى الذي أشار إليه الزمخشري، وهو المبالغة في نفي الرؤية. وقال ابن عطية ما معناه: إذا كان الفعل بعد "كاد" منفيًّا دلَّ على ثبوته، نحو: "كاد زيد لا يقوم"، أو مثبتاً دلَّ على نفيه، نحو: "كاد زيد يقوم" وتقول: "كَادَ النَّعام يَطِير" فهذا يقتضي نفي الطيران عنه، فإذا قلت: "كاد النعام ألا يطير" وجب الطيران له، وإذا تقدم النفي على "كاد" احتمل أن يكون موجباً وأن يكون منفياً، تقول: "المفْلُوجُ لا يكاد يَسْكُنُ" فهذا يتضمَّن نفي السكون، وتقول: "رجل مُنْصَرِفٌ لا يكاد يَسْكُنُ" فهذا تضمن إيجاب السكون بعد جَهْدٍ. فصل اعلم أن الله تعالى بين أنَّ أعمال الكفار إن كانت حسنةً فمثلها السراب، وإن كانت قبيحةً فهي الظلمات، وفيه وجه آخر، وهو أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة، وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا. وقيل: إن الآية الأولى في ذكر أعمالهم، وأنهم لا يَحْصلون منها على شيء، والآية الثانية في ذكر عقائدهم، فإنها تشبه الظلمات، كما قال: {أية : يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257] أي: من الكفر إلى الإيمان، يدل عليه قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}. فصل وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب غور الماء، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة، فإذا كانت فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى، فالواقع في قعر هذا البحر اللُّجِّيّ في نهاية شدة الظلمة. ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها، وأبعد ما يظن أنه لا يراها، فقال تعالى: {إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} فبين سبحانه بهذا بلوغ تلك الظلمة التي هي أقصى النهايات، ثم شبه الكافر في اعتقاده، وهو ضد المؤمن في قوله تعالى: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} تفسير : [النور: 35] وفي قوله: {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} تفسير : [الحديد: 12]. ولهذا قال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات إلى النار. وفي كيفية هذا التشبيه وجوه: الأول: قال الحسن: "إن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب، كذا الكافر له ظلمات ثلاث: ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل". الثاني: قال ابن عباس: "شبه قلبه وسمعه وبصره بهذه الظلمات الثلاث". الثالث: أن الكافر لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، ويعتقد أنه يدري، فهذه المراتب الثلاثة تشبه تلك الظلمات الثلاث. الرابع: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم. الخامس: أن هذه الظلمات متراكمة، فكذا الكافر لشدة إصراره على كفره قد تراكمت عليه الضلالات حتى لو ذكر عنده أظهر الدلائل لم يفهمه. قوله: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}. قال ابن عباس: من لم يجعل الله له ديناً وإيماناً فلا دين له. وقيل: من لم يهده الله (فلا إيمان له) ولا يهديه أحد. قال أهل السنة: إنه تعالى لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال: {أية : يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [النور: 35]، ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبه بقوله: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}. والمراد من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان، وظلمة الطريق لا تمنع منه، فإن الكل مربوط بخلق الله وهدايته وتكوينه. قال القاضي: قوله: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً} يعني في الدنيا بالإلطاف {فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} أي: لا يهتدي فيتحير، وتقدم الكلام عليه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {والذين كفروا أعمالهم كسراب} الآية. قال: هو مثل ضربه الله لرجل عطش، فاشتد عطشه، فرأى سراباً، فحسبه ماء، فظن أنه قدر عليه حتى أتى، فلما أتاه لم يجده شيئاً وقبض عند ذلك يقول الكافر: كذلك أن عمله يغني عنه أو نافعه شيئاً. ولا يكون على شيء حتى يأتيه الموت، فأتاه الموت لم يجد عمله أغنى عنه شيئاً، ولم ينفعه إلا كما يقع العطشان المشتد إلى السراب {أو كظلمات في بحر لجي} قال: يعني بالظلمات: الأعمال. وبالبحر اللجي: قلب الإِنسان. {يغشاه موج} يعني بذلك الغشاوة التي على القلب، والسمع والبصر. وأخرج أبن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {كسراب بقيعة} يقول: أرض مستوية. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {كسراب بقيعة} قال: بقاع من الأرض، والسراب عمل الكافر {حتى إذا جاءه لم يجِدْهُ شيئاً} واتيانه إياه. موته وفراقه الدنيا {ووجد الله عنده} ووجد الله عند فراقه الدنيا {فوفاه حسابه} . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {كسراب بقيعة} قال: بقيعة من الأرض. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبيه عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الكفار يبعثون يوم القيامة رداً عطاشاً فيقولون: أين الماء؟ فيمثل لهم السراب، فيحسبونه ماء، فينطلقون إليه، فيجدون الله عنده، فيوفيهم حسابهم. والله سريع الحساب ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة {أو كظلمات في بحر لجي} قال: اللجي: العميق القعر. {يغشاه موج من فوقه موج...} قال: هذا مثل عمل الكافر في ضلالات ليس له مخرج ولا منفذ. أعمى فيها لا يبصر. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: {إذا أخرج يده لم يكد يراها} قال: أما رأيت الرجل يقول: والله ما رأيتها، وما كدت أن أراها. وأخرج ابن المنذر عن أبي امامة أنه قال: أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، ويوشك أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو القبر. بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الضيق إلا ما وسع الله، ثم تنقلون إلى مواطن يوم القيامة، وإنكم لفي بعض تلك المواطن حين يغشى الناس أمر من أمر الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون إلى منزل آخر، فيغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نوراً، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطى شيئاً، وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه {أو كظلمات في بحر لجي} إلى قوله {فما له من نور} فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} عطف على ما ينساق إليه ما قبله كأنَّه قيل: الذين أمنُوا أعمالُهم حالاً ومآلاً كما وُصفَ والذين كفرُوا {أَعْمَـٰلَهُمْ} أي أعمالُهم التي هي من أبواب البِرِّ كصلةِ الأرحامِ وفكِّ العُناةِ وسقاية الحاجِّ وعمارة البـيت وإغاثة الملهُوفين وقِرى الأضيافِ ونحوِ ذلك ممَّا لو قارنَه الإيمانُ لاستتبعَ الثوابَ كما في قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ } تفسير : [إبراهيم: 18] الآيةَ {كَسَرَابٍ} وهو ما يُرى في الفَلَوات من لمَعَانِ الشَّمسِ عليها وقتَ الظَّهيرةِ فيُظنُّ أنه ماءٌ يسرُب أو يجري {بِقِيعَةٍ} متعلِّق بمحذوف هو صفةٌ لسرابٍ أي كائن في قاعٍ وهي الأرضُ المنبسِطةُ المستويةُ، وقيل: هي جمعُ قاعٍ كجيرة جمعُ جارٍ. وقُرىء بقيعاتٍ بتاء ممدودةٍ كديماتٍ إمَّا على أنَّها جمعُ قيعةٍ أو على أنَّ الأصلَ قيعة قد أُشبعت فتحةُ العينِ فتولَّد منها ألِفٌ {يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْانُ مَاء} صفةٌ أخرى لسرابٍ وتخصيص الحسبان بالظَّمآن مع شموله لكلِّ مَن يراه كائناً من كان من العطشانِ والريَّانِ لتكميل التَّشبـيهِ بتحقيق شركة طرفيه في وجه الشَّبهِ الذي هو المطلعُ المطمع والمقطعُ المؤنِسُ {حَتَّىٰ إِذَا جَاء} أي إذا جاءَ العطشانُ ما حَسِبَه ماءً، وقيل: موضعَه {لَمْ يَجِدْهُ} أي ما حسبَه ماءً وعلَّق به رجاءَهُ {شَيْئاً} أصلاً لا محقَّقاً، ولا متوهَّماً كما كان يراهُ من قبلُ فضلاً عن وجدانه ماء وبه تمَّ بـيانُ أحوالِ الكفرِ بطريق التَّمثيل وقوله تعالى: {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} بـيانٌ لبقيَّة أحوالِهم العارضة لهم بعد ذلك بطريقِ التَّكملة لئلاَّ يتوَّهم أنَّ قُصارى أمرِهم هو الخيبةُ والقُنوط كما هو شأنُ الظَّمآنِ ويظهر أنَّه يعتريهم بعد ذلك من سوءِ الحالِ ما لا قدرَ عنده للخيبةِ أصلاً فليستِ الجملةُ معطوفةً على لم يجدْهُ شيئاً بل على ما يُفهم منه بطريقِ التَّمثيل من عدمِ وجدان الكَفَرةِ من أعمالِهم المذكُورةِ عيناً ولا أثراً كما في قوله تعالى: { أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23] كيف لا وأنَّ الحكم بأنَّ أعمالَ الكَفَرة كسرابٍ يحسبه الظمآنُ ماء حتَّى إذا جاءه لم يجدُه شيئاً حكمٌ بأنَّها بحيث يحسبونَها في الدُّنيا نافعةً لهم في الآخرة حتَّى إذا جاءوها لم يجدُوها شيئاً كأنَّه قيل: حتَّى إذا جاء الكَفَرةُ يومَ القيامةِ أعمالَهم التي كانُوا في الدُّنيا يحسبونها نافعةً لهم في الآخرةِ لم يجدُوها شيئاً ووجدُوا الله أي حكمَهُ وقضاءَهُ عند المجيءِ وقيل: عند العملِ فوفَّاهم أي أعطاهُم وافياً كاملاً حسابَهم أي حسابَ أعمالِهم المذكورةِ وجزاءها فإنَّ اعتقادَهم لنفعها بغير إيمانٍ وعملهم بموجبه كفرٌ على كفرٍ موجب للعقاب قطعاً وإفرادُ الضَّميرينِ الرَّاجعينِ إلى الذين كفروا إمَّا لإرادة الجنس كالظَّمآنِ الواقع في التَّمثيلِ وإمَّا للحملِ على كلِّ واحدٍ منهم وكذا إفرادُ ما يرجع إلى أعمالِهم، هذا وقد قيل: نزلتْ في عُتبةَ بنِ أبـي ربـيعةَ بنِ أُميَّة كان قد تعبَّد في الجاهليَّةِ ولبس المسوحَ والتمسَ الدِّينَ فلمَّا جاء الإسلامُ كفرَ.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً} [الآية: 39]. قال ابن عطاء رحمه الله: يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا قلت: ليس فيه شىء من أنوار الله فعبر بما فيه رجوعه إلى الأسباب، والفقير من يكون رجوعه إلى غير الحق يحسب أن رجوعه الى غيره. يعنى: وهو كسراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاء لم يجده شيئًا إذا تبين له أن الرجوع إلى الأسباب شرك فيظهر له أن الرجوع إلى الحق هو الإيمان. قال الله تعالى: {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ} أى وجد الطريق إليه. قال ابن عطاء رحمه الله فى قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} [الآية: 39] قال: ما وجد الخلق سوى الخلق وأنى للحق أن يكون للخلق إليه طريق إذ لا يعرفه سواه، ولا يشهده غيره. قال جعفر: أظلتهم ظلم صحبة الأغيار فكانت على قلوبهم مثل السراب لم يغن عنهم شيئًا ولم تدلهم على حق، ولو وجدوا السبيل إلى الله لأضات سرائرهم وكانت كما قال الله تعالى: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ}. قال بعضهم: القلب الذى تعلق بشىء غير الله فهو فقير بما فيه لأن الفقر صحبة الأشكال، والغنى الرجوع الى الله من الخلق. قال ابن عطاء رحمه الله: كل ما دون الله فهو فقر، وكل قلب فيه محبة شىء سوى الله فهو فقير.
القشيري
تفسير : وقال تعالى:{أية : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 104] وقال: {أية : وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ}تفسير : [المجادلة: 18] ومَنْ أَمَّل السرابَ شراباً فلا يلبث إلا قليلاً حتى يعلمَ أنَّه كان تخييلاً؛ فالعَطَشُ يزداد، والروح تدعو للخروج.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين كفروا اعمالهم} اى اعمالهم التى هى من ابواب البرّ كصلة الارحام وعتق الرقاب وعمارة البيت وسقاية الحاج واغاثة الملهوفين وقرى الاضياف واراقة الدماء ونحو ذلك مما لو قارنه الايمان لا ستتبع الثواب {كسراب} هو مايرى فى المفازة من لمعان الشمس عليها نصف النهار فيظن انه ماء يسرب اى يذهب ويجرى وكان السراب فيما لاحقيقة له كالشراب فيما له حقيقة {بقيعة} متعلق بمحذوف هو صفة السراب اى كائن فى قاع وهى الارض المنبسطة المستوية قد انفرجت عنها الجبال، قال فى المختار القيعة مثل القاع وبعضهم يقول هو جمع {يحسبه الضمآن ماء} صفة اخرى لسراب اى يظنه الشديد العطش ماء حقيقة من ظمىء بالكسر يظمأ والظمىء بالكسر مابين الشربتين الورودين والظمأ العطش الذى يحدث من ذلك وتخصيص الحسبان بالظمأن مع شموله لكل من يراه كائنا من كان من العطشان والريان لتكميل التشبيه بتحقيق شركة طرفيه فى وجه الشبه وهو الابتداء المطمع والانتهاء الموئس {حتى اذا} [تاجون] {جاءه} اى جاء ما توهمه ماء وعلق به رجاءه ليشرب منه {لم يجده} اى ماحسبه ماء {شيئا} اصلا لا متحققا ولا متوهما كما كان يراه من قبل فضلا عن وجدان ماء فيزداد عطشا {ووجد الله} اى حكمه وقضاءه {عنده} عند المجىء كما قال {أية : ان ربك لبالمرصاد} تفسير : يعنى مصير الخلق اليه {فوفاه حسابه} اى اعطاه وافيا كاملا حساب عمله يعنى ظهر له بعد ذلك من سوء الحال مالا قدر عنده للخيبة والقنوط اصلا كمن يجىء الى باب السلطان للصلة فيضرب ضربا وجيعا {والله سريع الحساب} لا يشغله حساب عن حساب، قال الكاشفى [زود حسابست حساب يكى اورا از حساب ديكرى بازندارد تمثيل كرد اعمال كافررا بسراب واورا بتشنه جكر سوخته بس همجنانكه تشنه ازسراب نااميد شده باشد شدتش زيادة مى شود كافر انرا ازاميد به باداش اعمال خود جون نيايند حسرت افزون ميكردد]، وفى الآية اشارة الى اهل كفران النعمة وهم الذين يصرفون نعمة الله فى معاصيه ومخالفته ثم يعاملون على الغفلة بالرسم والعادة التى وجدوا عليها آباءهم صورة بلا معنى بل رياء وسمعة وهم يحسبون بجهلهم انهم يحسنون صنعا زين لهم الشيطان اعمالهم فمثل اعمالهم كسراب لا طائل تحته وصاحب الاعمال يحسب من غفلته وجهالته ان اعماله المشوبة هى ما يطفىء به نار غضب الله حتى اذا جاءه عند الموت لم يجده شيئا مما توهمه ووجد الله عند اعماله للوزن والجزاء والحساب وهو غضبان عليه لسوء معاملته معه فجازاه حق جزائه والله سريع الحساب يشير الى ان من سرعة حسابه ان يظهر على ذاته وصفاته آثار معاملته السيئة بالاخلاق الذميمة والاحوال الرديئة فى حال حياته.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "كسراب": خبر الثاني، وهو: ما يُرى في الفلوات من لمعان الشمس وقت الظهيرة، يسرب على وجه الأرض، فَيُظَنُّ أنه ماء يجري. و(بقيعة): متعلق بمحذوف، صفة لسراب، أي: كائن بأرض قيعة، أي: منبسطة، و (سحاب ظلمات): مَنْ جَرَّها: فبالإضافة، ومن رفعها: فخبر، أي: هي ظلمات. يقول الحق جل جلاله: في بيان أعمال الكفرة وظلمة قلوبهم، بعد بيان حَالِ المؤمنين وأنوار قلوبهم: {والذين كفروا أعمالُهم} التي هي من أبواب البر، كصلة الرحم، وفك العُنَاةِ، وسقاية الحاج، وعمارة البيت، وإغاثة الملهوف، وَقِرَى الأضياف، ونحوها، مما لَوْ قارنه الإيمان لاستوجب الثواب، مثاله: {كسراب}؛ كفضاء (بقيعَةٍ)؛ بأرض منبسطة، {يَحْسَبُهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءه لم يجِدْه شيئاً} أي: لم يجده كما ظنه ورجاه، بل خاب مطمعه ومسعاه، {ووجدَ الله عنده} أي: وجد جزاء الله، أو حُكمه، عند عمله، أو عند جزائه، {فوفَّاه حسابَه} أي: أعطاه جزاءه كله وافياً، وإنما وحّد، بعد تقديم الجمع، حملاً على كل واحد من الكفار. {والله سريعُ الحساب}؛ يحاسب العباد في ساعة؛ لأنه لا يحتاج إلى عد وعقد، ولا يشغله حساب عن حساب، أو قَرِيبٌ حسابُه؛ لأنَّ كل آتٍ قريبٌ. شبه ما يعمله الكفرة من البر، الذي يعتقد أنه ينفعه يوم القيامة وينجيه من عذاب الله، ثم يخيب في العاقبة أَملُهُ، ويلقى خلاف ما قدّر، بسراب يراه الكافر بالساهرة، وقد غلبه عطش يوم القيامة، فيحسبه ماء، فيأتيه، فلا يجد ما رجاه، ويجد زبانية الله، فيأخذونه إلى جهنم، فيسقونه الحميم والغساق. قيل: هم الذين قال الله فيهم: {أية : عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} تفسير : [الغاشية: 3]، {أية : ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 104]. قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، كان ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، والتمس الدين، فلما جاء الإسلام كفر. هـ. ثم ضرب مثلاً لأعمالهم في الدنيا، فقال: {أوْ كظلماتٍ}، "أو": للتنويع، {في بحرٍ لجيِّ}؛ عميق كثير الماء، منسوب إلى اللج، وهو معظم ماء البحر، {يغشاه} أي: يغشى البحر، أو مَن فيه، أي: يعلوه ويغطيه بالكلية، {موجٌ} هو ما ارتفع من الماء، {من فوقه موجٌ} أي: من فوق الموج موج آخر، {من فوقه سَحَابٌ}؛ من فوق الموج الأعلى سحاب، {ظلماتٌ} أي: هذه ظلمات؛ ظلمة السحاب، وظلمة الأمواج وظلمة البحر، {بعضُها فوق بعض}؛ ظلمة الموج على ظلمة البحر، وظلمة الموج على ظلمة الموج الأسفل، وظلمة السحاب على الموج، وهذا أعظمُ للخوف وأقربُ للعطب، لأنه يغطي النجوم التي يهتدي بها ويشتد معه الريح والمطر، وذلك يؤكد التلف، {إذا أخرج يده} أي: الواقع فيه، أو مَن ابْتُلِيَ بها، {لم يكد يراها}؛ مبالغة في "لم يرها"، أي: لم يقرب أن يراها، فضلاً عن أن يراها. شبّه أعمالهم، في ظلمتها وسوادها؛ لكونها باطلة، وخلوها عن نور الحق، بظلماتٍ متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب. قال ابن جُزَيّ: لما ذكر حال المؤمنين عَقَّبَ ذلك بمثالين لأعمال الكفار؛ الأول: يقتضي حال أعمالهم في الآخرة، وأنها لا تنفعهم، بل يضمحل ثوابها كما يضمحل السراب. والثاني: يقتضي حال أعمالهم في الدنيا، وأنها في غاية الفساد والضلال، كالظلمة التي بعضها فوق بعض. ثم قال: وفي وصف هذه الظلمات مبالغة، كما أن في وصف النور المذكور قبلها مبالغة. هـ. وقوله: لما ذكر حال المؤمنين، يعني بقوله: {رجال لا تلهيهم..} إلخ، الله بقوله: {يهدي الله لنوره من يشاء}، وقيل: كلا المثالين في الآخرة، يخيبون من نفعها، ويخوضون في بحر ظلمتها. {ومن لم يجعل الله له نوراً} في قلبه، من نور توحيده ومعرفته، {فما له من نورٍ} أي: من لم يشأ الله أن يهديه لنوره: لم يهتد، وفي الحديث: "حديث : خلق الله الخلق في ظلمة، ثم رش عليها من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل" تفسير : ، وينبغي للقارئ عند هذه الآية أن يقول: (اللهمَّ اجعلْ في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، واجعلني نوراً، وأعظم لي نوراً)، كما في الحديث في غير هذا المحل. الإشارة: كل من لم يتحقق بمقام الإخلاص كانت أعماله كسرابٍ بقيعة، يحسبه الظمآنُ ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده، فوفاه حسابه، أي: يناقشه فيما أراد بعمله، وأهل التوحيد الخاص: الوجود كله، عندهم، كالسراب، يحسبه الناظر إليه شيئاً، حتى إذا جاءه بفكرته لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده وحده، وفيه يقول الشاعر: شعر : مَنْ أبْصَرَ الخَلْقَ كالسَّرابِ فَقَدْ تَرَقَّى عَن الحِجَابِ إِلَى وجُودٍ تَرَاهُ رَتْقَاً بِلاَ ابتعَادٍ ولا اقْتِرَابِ ولم تُشاهد به سواه هناك يُهْدَى إلى الصَّوَابِ فلا خِطَاب بِهِ إِلَيْهِ ولا مُشير إلى الخِطَابِ تفسير : ومثال من عكف على دنياه، واتخذ إلهه هواه، كذي ظلمات في بحر لجي، وهو بحر الهوى، يغشاه موج الجهل والمخالفات، من فوقه موج الحظوظ والشهوات، من فوقه سحاب أثر الكائنات، أو: يغشاه موج الغفلات، من فوقه موج العادات، من فوقه سحاب الكائنات، ظلمات بعضها فوق بعض؛ من حب الدنيا، وحب الجاه، وحب الرئاسة، إذا أخرج يد فكرته لم يكد يراها. وقال بعضهم: الدنيا كلها بحر لُجَي، والناس مغروقون فيه، إلا مَنْ عَصَمَ الله، وساحله الموت، فمن لعبت به أمواج الهوى والحظوظ، فليأوي إلى سفينة الزهد والورع، وليتمسك برئيس عارف بأهوال البحر، وهم العارفون بالله، فإنه ينجو من أهوالها، ومن أخطأ هذا غرق في تيارها، ولعبت به أمواج حظوظها وشهواتها، فكان من الهالكين، نسأل الله الحفظ بمنِّه وكرمه. ثم ذكر علامات وجود ذلك النور المتقدم في أهل السماوات والأرض فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي...}
الطوسي
تفسير : ثم اخبر تعالى عن احوال الكفار، فقال والذين كفروا بتوحيد الله واخلاص العبادة وجحدوا انبياءه {أعمالهم} التي عملوها يعني التي يعتقدون أنها طاعات وقربات {كسراب بقيعة} فالسراب شعاع يتخيل كالماء يجري على الارض نصف النهار حين يشتد الحر والآل شعاع يرتفع بين السماء والارض - كالماء - ضحوة النهار، والال يرفع الشخص فيه. وانما قيل سراب، لأنه يتسرب أي يجري كالماء و {قيعة} جمع قاع، وهو المنبسط من الأرض الواسع. وفيه يكون السراب ومثله جار وجيرة، ويجمع ايضاً على (اقواع، وقيعان)، والشعاع بالقاع يتكثف فيرى كالماء، فاذا قرب منه صاحبه انفش كالضباب، فلم يره شيئاً، كما كان. وقال ابن عباس: القيعة الارض المستوية. والمعنى: إن الكافر لم يجد شيئاً على ما قدر. وقوله {ووجد الله عنده فوفّاه حسابه} والمعنى ان الذي قدره من جزاء أعماله لا يجده، ويعلمه الله عند عمله فيوفيه جزاءه على سوء أفعاله. وقوله {والله سريع الحساب} أي سريع المجازاة، لان كل ما هو آت سريع قريب. وقال الجبائي:، لانه تعالى يحاسب الجميع في وقت واحد، وذلك يدل على انه لا يتكلم بآلة. وانه ليس بجسم، لانه لو كان متكلماً بآلة لما تأتى ذلك إلا في أزمان كثيرة. ثم شبه الله تعالى أفعال الكافر بمثال آخر، فقال {أو كظلمات في بحر لجي} أي افعاله مثل ظلمات، يعني ظلمة البحر وظلمة السحاب، وظلمة الليل، لان الكافر حاله ظلمة، واعتقاده ظلمة، ومصيره الى ظلمة، وهو في النار يوم القيامة نعوذ بالله منها. وتلخيص الكلام أن اعمال هؤلاء الكفار كالسراب يحسبه الظمآن - من بعد - ماء يرويه حتى إذا دنى منه لم يجده شيئاً أي حتى اذا مات لم يجد عمله شيئاً لانه بطل بكفره، ووجد الله عند عمله يجازيه عليه. ثم ضرب مثلا آخر فقال او كظلمات يعني انه فى حيرة من كفره مثل هذه الظلمات {ومن لم يجعل الله له نوراً} فى قلبه ويهديه به {فما له من نور} يهتدي به. وقوله {في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض} مبالغة في تشبيه هذه الافعال بالظلمات المتكاثفة على ما وصفه الله تعالى، ولجة البحر معظمه، الذي تتراكب فيه امواجه لا يرى ساحله. والظلمات مثل التحير، والتحير الجهل الذي يغشى القلب. وقوله {حتى إذا أخرج يده لم يكد يراها} انما قال لم يكد يراها مع أنه بدون هذه الظلمات لا يراها، لان (كاد يراها) معناه قارب ان يراها، ولم يكد يراها لم يقارب أن يراها، فهي نفي مقاربة الرؤية على الحقيقة. وقيل دخل (كاد) بمعنى النفي كما يدخل الظن بمعنى اليقين، كأنه قال: يكفيه ان يكون على هذه المنزلة فكيف أقصى المنازل. وقيل يراها بعد جهد وشدة، رؤية تخيل لصورتها. وقال الحسن لم يكد يراها لم يقارب الرؤية قال الشاعر: شعر : ما كدت اعرفه إلا بعد انكار تفسير : وقالوا كاد العروس يكون أميراً. وكاد النعام يطير. وقوله {ومن لم يجعل الله له نوراً، فما له من نور} معناه من لم يجعل الله له هداية الى الرشد، فما له من نور، أي فما له ما يفلح به على وجه من الوجوه. وقيل: من لم يجعل الله له نوراً يوم القيامة يهديه الى الجنة، فما له من نور يهديه اليها. وفي الآية دلالة على فساد قول من يقول: إن المعارف ضرورة، لأنه لا يصح مع المعرفة الضرورية الحسبان.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} عطف على يهدى الله ومعادلٌ له والمناسب للمعادلة ان يقول: ويضلّ الله عن نوره من يشاء لكنّه للاشارة الى انّ الهداية من الغايات الذّاتيّة والاضلال من الغايات العرضيّة كأنّه ليس الاّ من فعل العبد عدل عنه وقال والّذين بالنّور يعنى بعلىّ (ع) وولايته، أو عطف على جملة يسبّح له فيها ومعادلٌ له والمعنى لا يسبّح له فيها رجال {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} لكنّه عدل الى هذا للاشعار بانّ كون اعمالهم كسرابٍ معلّل بكفرهم، وللاشارة الى انّ عدم التّسبيح مسبّب عن كفرهم ايضاً، او عطف على جملة رجال على ان تكون خبراً لمحذوفٍ، او عطف على جملة يخافون على ان تكون مستأنفةً {بِقِيعَةٍ} القيع والقيعة والقيعان بكسرهنّ جمع القاع وهى ارض سهلة مطمئنّة قد انفرجت عنها الجبال {يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} وهذا من التّشبيهات التّمثيليّة مثّل عمل الكافر الّذى يشبه الطّاعات الّتى تصدر عمّن قبل الولاية وصار ذا لبٍّ بتلقيح الولاية والبيعة الخاصّة الولويّة بسرابٍ يلمع لمعان الماء الجارى فى بيداء بعيدة فى نضارة صورة عمله وخلوّها عن معنى الطّاعات وفنائها من غير بقاء اثرٍ منها على النّفس وشبّه الكافر العامل لهذا العمل او النّاظر الى هذا العامل وعمله الّذى يطلب الحقّ وكان الحقّ مستوراً عنه ويفتتن بصورة هذا العمل بظمآن يفتتن بصورة السّراب، وشبّه توجّه العامل او النّاظر الى صورة هذا العمل وافتتانه به بافتتان الظّمآن واسراعه الى السّراب، وشبّه فناء العمل من غير اثرٍ منه حين الحاجة اليه بفناء السّراب حين الاتيان اليه بعد شدّة الحاجة باشتداد الظّماء بسبب سرعة الحركة وتهيّؤ شرب الماء، وشبّه وجدانه الله فى القيامة ومحاسبة الله ايّاه ومطالبته باماناته الّتى اودعها عنده بوجدان ذلك الظّمآن المسرع الى السّراب مع خيبته من مرجوّه محاسباً قويّاً مطاعاً كان له على ذلك الظّمآن ديونٌ ويطالبه بتلك الدّيون فوفّيه حسابه {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تهديد للكافر والنّاظر الى صورة عمله فانّ سرعة الحساب كناية عن عدم فوات الجليل والحقير عنه.
الأعقم
تفسير : {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} الآية، البقيعة يعني البقاع، وقيل: هي الأرض المستوية {يحسبه الظمآن ماءً} العطشان، يعني: {إذا جاءه} جاء موضع الشراب، وقيل: جاء ما قدره لم يجده شيئاً، أي لم يجد ما قدر، فزادت حيرته، سنّة ما يعمله من لا يعتقد الايمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها تنفعه عند الله وتنجيه من عذابه ثم يخيب أمله في الآخرة ويلقاه خلاف ما قدر، كسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه عطش يوم القيامة يحسبه ماء، فيأتيه فلا يجد ما رجاه ويجد زبانية الله عنده فأخذوه وعتلوه إلى جهنم فسقوه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله فيهم: {أية : عاملة ناصبة} تفسير : [الغاشية: 3] {ووجد الله عنده} يعني: حفظ الله عليه عمله، وقيل: وجد الله عند ذلك بالمرصاد {فوفاه حسابه} جزاؤه {والله سريع الحساب} لأنه لا يشغله حساب عن حساب {أو كظلمات} وذلك مثلاً آخر، يعني مثلهم ومثل أعمالهم وفسادها كظلمات {في بحر لجي} وهو البحر العميق، ولجّة البحر معظمه، وإنما ضرب المثل لراكبه من هذا صفة {يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض} فالظلمات، ظلمة البحر، وظلمة السحاب، وظلمة الليل، وظلمة الموج، فشبه الكافر في جهله وكفره بمن هذا حاله ظلمة، واعتقاده ظلمة ومصيره يوم القيامة إلى النار ظلمة، وقيل: الكافر يتقلب في خمس ظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة {إذا أخرج يده لم يكد يراها} يعني إذا أخرج الناظر يده لم يكد يراها، وقيل: لم يراها ولم يقرب من أن يراها {ومن لم يجعل الله له نوراً} أي من لم يجعل له فرجاً ونجاة {فما له من نور} في القيامة {ألم تر} ألم تعلم {أن الله يسبح له ما في السماوات والأرض والطير} قوله تعالى: {صافّات} أما من في السماوات فهو عام والأرض خصوص في المؤمنين، وقيل: أراد تنزيهه بما يدل عليه خلقه، فما من شيء إلاَّ يدل على إثباته وإثبات صفاته، وتنزيهه وكذلك الطير {كلّ قد علم صلاته وتسبيحه} قيل: الصلاة للإنسان والتسبيح، واختلفوا إلى من يعود الضمير في قوله: {علم} قيل: علم الله صلاته وتسبيحه، وقيل: يصلي منهم صلاة نفسه وتسبيحه، وقيل: كل منهم علم صلاة الله وتسبيحه، قال جار الله: لا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، والصلاة الدعاء {والله عليم بما يفعلون} فيجازيهم.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابِ بَقِيعَةٍ} اي في قيعة جمع قاع كجار وحيرة. وقيل: مفرد بمعنى القاع وهي الارض المستوية. وقرئ بقيعات بزيادة الف. وقرئ بقيعاة بجمعه جمع سلامة والسراب شعاع يرى في الفلاة وهي القيعة نصف النهار عند اشتداد الحر شبيه بالماء الجاري لما ضرب الله سبحانه مثلا للمؤمن ضرب مثلا للكافر بان اعماله التي يحسبها تنفعه عند الله يجدها على غير ما يحسبها ويخيب امله كالسراب يراه الانسان فيظنه ماء وما هو بماء وقوله بقيعة نعت سراب * {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً} العطشان وخص الظمآن لتشبيه الكافر به في شدة الحاجة يطمع ان عمله ينفعه ويخيب كما يطمع الظمآن في السراب انه ماء فاذا هو ليس بماء وكان الكافر يوم القيامة يرى السراب بالساهرة وقد غلب عليه عطش يوم القيامة فيحسبه ماء فياتيه فلا يجده ماء. وقيل: ان الآية نزلت في عتبة بن ربيعة بن امية كان يتعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية وكفر في الاسلام. وقيل: ان الآية في المنافقين اقروا بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبما جاء به حقا ولم يعملوا لله شيئا وحسبوا ان الله يثيبهم على الاقرار ولو لم يكن العمل حتى إذا صاروا في الآخرة لم يجدوا ثواب الاقرار وذلك يظهر له عند الموت وتلك الجملة مستأنفة أو نعت لسراب أو حال له. {حَتَّى إِذَا جَآءَهُ} اي جاء إلى موضع السراب يظن السراب ماء والضمير للقيعة بمعنى الموضع وان قلنا القيعة جمع فالمواضع المتصلة موضع واحد واسع أو للموضع دل عليه المقام أو للسراب * {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ} هاء عنده للظمآن والمراد وجد عقاب الله عنده أو زبانية الله او وجده محسابا اياه أو الهاء للسراب اي ياتيه فلا يجده شيئا ويجد زبانية الله عنده وهو في كل مكان فيعتلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق والرجوع من جانب المشبه إلى جانب المشبه به أو بالعكس جائز كما ترى أو يقدر محذوف اي فكذلك الكافر في يوم القيامة يظن عمله نافعا فاذا جاءه لم يجده شيئا. {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} احضر له حساب عمله أو احضر له جزاءه على اعماله وهو النار {وَاللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ} لا يشغله حساب عن حساب.
اطفيش
تفسير : {والَّذين كَفَروا أعمالهُمْ} ما يعملونه مما هو طاعة شرعية، وما يدعونه عبادة، وليس عبادة كفك العانى، وسقاية الحاج، وعمارة البيت وإغاثة الملهوف، وقرى الضيف، وكلطخ البيت بدم الذبائح التى يتقربون بها، ودخول البيوت من غير أبوابها إذا أحرموا، وقولهم: لبيك اللهم لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك. {كسرابٍ} من سرب الماء بمعنى جريانه، لأنه بخار رقيق يصعد من قيعان الأرض تصيبه الشمس فيرى من بعيد كأنه ماء سارب، أى جار أو ما ترقرق من الهواء وقت شدة الحر فى الفيفاء المنبسطة، أو شعاع يرى نصف النهار وقت شدة الحر {بقيعةٍ} فى أرض مستوية منبسطة، لا فى هوائها فقط نعت سراب {يحسبُه} يظنه، وقيل: الظن أن يخطر الشيئان الجائزان، أو الأشياء الجائزات فى القلب، ويرجح أحدهما أو إحداهن، والحسبان الحكم بواحد دون خطور الآخر، دون أن يصل درجة العلم، ويطلق أيضاً على معنى دعوى وصولها. {الظّمآن} العطشان {ماء} وكذا الريان يحسبه ماء، إلا أنه خص الظمآن لأنه المتشوف للماء، والجملة نعت آخر {حتَّى إذا جاءه} أى جاء الظمآن الماء المحسوب أو السراب {لم يجدهُ} أى لم يجد ما حسبه ماء هو السراب {شيئاً} محسوساً ولا معقولا فضلاً عن أن يكون ماء، ولو كان فى نفس الأمر شيئاً، وهو البخار المتصعد مثلاً، ألا ترى أنه يرى من بعيد فلا بد أن له أصلا، كما أن للحلقة الحاصلة من إدارة الشعلة بسرعة أصلاً، وهو الشعلة. {ووجَد الله} مقدور الله، وهو الاهلاك {عنْدَه} عند السراب، أى يجد حساب الله عند السراب {فوفَّاه حِسابه} أعطاه حساب عمله كاملاً، فيعذب العذاب المتوقف عليه كاملاً، ولا يثابون على ما ظنوه من الأعمال نافعاً، وعبادة فى الجملة لا يوم القيامة، لأنه لا يؤمن به، ولكن إذا بعث طمع أن ينفعه ذلك، أو فرض أنه إن صحت القيامة نفعنى فيها ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ومثل ذلك فى المؤمن قوله تعالى: "أية : يجد الله غفوراً رحيماً"تفسير : [النساء: 110] أى يجد مغفرته ورحمته، وقيل نزلت الآية فى عتبة بن ربيعة بن أمية، كان يترهب فى الجاهلية، ويلبس المسوح، ولما جاء الاسلام كفر به. روت صحابة أن الكفار يبعثون يوم القيامة وردا عطاشا، فيقولون أين الماء فيمثل لهم السراب فى الساهرة، فيحسبونه ماء فينطلقون اليه، فيجدون الله تعالى عنده، فيوفيهم حسابه، تجرهم الزبانية الى النار، وتسقيهم الحميم والغساق، والكلام استعارة تمثيلية {والله سريعُ الحساب} لا يشغله حساب عن حساب.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } إلى آخره عطف على ما قبله عطف القصة على القصة أو على مقدر ينساق إليه ما قبله كأنه قيل الذين آمنوا أعمالهم حالاً ومآلاً كما وصف والذين كفروا {أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ } أي أعمالهم التي هي من أبواب البر كصلة الأرحام وفك العناة / وسقاية الحاج وعمارة البيت وإغاثة الملهوفين وقرى الأضياف ونحو ذلك على ما قيل، وقيل أعمالهم التي يظنون الانتفاع بها سواء كان مما يشترط فيها الإيمان كالحج أم كانت مما لا يشترط فيها ذلك كسقاية الحاج وسائر ما تقدم، وقيل المراد بها ما يشمل الحسن والقبيح ليتأتى التشبيهان، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك. والسراب بخار رقيق يرتفع من قعور القيعان فإذا اتصل به ضوء الشمس أشبه من بعيد الماء السارب أي الجاري، واشترط فيه الفراء اللصوق في الأرض، وقيل هو ما ترقرق من الهواء في الهجير في فيافي الأرض المنبسطة، وقيل: هو الشعاع الذي يرى نصف النهار عند اشتداد الحر في البر يخيل للناظر أنه ماء سارب، قال الشاعر: شعر : فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كلمع سراب في الفلا متألق تفسير : وإلى هذا ذهب الطبرسي، وفسر الآل بأنه شعاع يرتفع بين السماء والأرض كالماء ضحوة النهار {بِقِيعَةٍ } متعلق بمحذوف هو صفة لسراب أي كائن بقيعة وهي الأرض المنبسطة المستوية، وقيل هي جمع قاع كجيرة في جار ونيرة في نار. وقرأ مسلمة بن محارب {بقيعات} بتاء طويلة على أنه جمع قيعة كديمات وقيمات في ديمة وقيمة، وعنه أيضاً أنه قرأ {بقيعاة} بتاء مدورة ويقف عليها بالهاء فيحتمل أن يكون جمع قيعة ووقف بالهاء على لغة طيء كما قالوا: البناه والأخواه، ويحتمل كما قال صاحب «اللوامح» أن يكون مفرداً وأصله قيعة كما في قراءة الجمهور لكنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف. {يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً} صفة أخرى لسراب. وجوز أن يكون هو الصفة وبقيعة ظرفاً لما يتعلق به الكاف وهو الخبر؛ والحسبان الظن على المشهور وفرق بينهما الراغب بأن الظن أن يخطر النقيضان بباله ويغلب أحدهما على الآخر والحسبان أن يحكم بأحدهما من غير أن يخطر الآخر بباله فيعقد عليه الأصبع ويكون بعرض أن يعتريه فيه شك. وتخصيص الحسبان بالظمآن مع شموله لكل من يراه كائناً من كان من العطشان والريان لتكميل التشبيه بتحقيق شركة طرفية في وجه الشبه الذي هو المطلع المطمع والمقطع المؤيس. وقرأ شيبة وأبو جعفر ونافع بخلاف عنهما {الظمان } بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الميم. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءهُ } أي إذا جاء العطشان ما حسبه ماء، وقيل إذا جاء موضعه {لَمْ يَجدْهُ} أي لم يجد ما حسبه ماء وعلق رجاءه به {شَيْئاً } أصلاً لا محققاً ولا مظنوناً [كما] كان يراه من قبل فضلاً عن وجدانه ماء، ونصب {شَيْئاً } قيل على الحالية، وأمر الاشتقاق سهل، وقيل على أنه مفعول ثان لوجد بناء على أنها من أخوات ظن، وجوز أن يكون منصوباً على البدلية من الضمير، ويجوز إبدال النكرة من المعرفة بلا نعت إذا كان مفيداً كما صرح به الرضي، واختار أبو البقاء أنه منصوب على المصدرية كأنه قيل لم يجده وجداناً وهو كما ترى. {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ } عطف على جملة {لَمْ يَجِدْهُ } فهو داخل في التشبيه أي ووجد الظمآن مقدوره تعالى من الهلاك عند السراب المذكور، وقيل أي وجد الله تعالى محاسباً إياه على أن العندية بمعنى الحساب لذكر التوفية بعد بقوله سبحانه: {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} أي أعطاه وافياً كاملاً حساب عمله وجزاءه أو أتم حسابه بعرض الكتبة ما قدمه {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } لا يشغله حساب عن حساب. وفي «إرشاد العقل السليم» أن بيان أحوال الكفرة بطريق التمثيل قد تم بقوله سبحانه: {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً }، وقوله / تعالى: {وَوَجَدَ } الخ بيان لبقية أحوالهم العارضة لهم بعد ذلك بطريق التكملة لئلا يتوهم أن قصارى أمرهم هو الخيبة والقنوط فقط كما هو شأن الظمآن. ويظهر أنه يعتريهم بعد ذلك من سوء الحال ما لا قدر للخيبة عنده أصلاً فليست الجملة معطوفة على {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً } بل على ما يفهم منه بطريق التمثيل من عدم وجدان الكفرة من أعمالهم [المذكورة] عيناً ولا أثراً كما في قوله تعالى: { أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } تفسير : [الفرقان: 23] كيف لا وأن الحكم بأن أعمال الكفرة كسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً حكم بأنها بحيث يحسبونها في الدنيا نافعة لهم في الآخرة حتى إذا جاءوها لم يجدوها شيئاً كأنه قيل: حتى إذا جاء الكفرة يوم القيامة أعمالهم التي كانوا في الدنيا يحسبونها نافعة لهم في الآخرة لم يجدوها شيئاً ووجدوا الله أي حكمه وقضاءه عند المجيء، وقيل: عند العمل فوفاهم أي أعطاهم وافياً حسابهم أي حساب أعمالهم المذكورة وجزاءها فإن اعتقادهم لنفعها بغير إيمان وعملهم بموجبه كفر على كفر موجب للعقاب قطعاً، وإفراد الضميرين الراجعين إلى {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} إما لإرادة الجنس كالظمآن الواقع في التمثيل وإما للحمل على كل واحد منهم، وكذا إفراد ما يرجع إلى أعمالهم انتهى، ولا يخفى ما فيه من البعد وارتكاب خلاف الظاهر. وأياً ما كان فالمراد بالظمآن مطلق الظمآن، وقيل المراد به الكافر، وإليه ذهب الزمخشري قال: «شبه سبحانه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه عطش [يوم] القيامة فيحسبه ماء فيأتيه فلا يجده ويجد زبانية الله تعالى عنده يأخذونه فيسقونه الحميم والغساق» وكأنه مأخوذ مما أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم من طريق السدي في غرائبه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن الكفار يبعثون يوم القيامة ورداً عطاشاً فيقولون أين الماء فيمثل لهم السراب فيحسبونه ماء فينطلقون إليه فيجدون الله تعالى عنده فيوفيهم حسابهم والله سريع الحساب »تفسير : ،واستطيب ذلك العلامة الطيبـي حيث قال: إنما قيد المشبه به برؤية الكافر وجعل أحواله ما يلقاه يوم القيامة ولم يطلق لقوله تعالى: {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ } الخ لأنه من تتمة أحوال المشبه به، وهذا الأسلوب أبلغ لأن خيبة الكافر أدخل وحصوله على خلاف ما يؤمله أعرق. وتعقبه أبو حيان بأنه يلزم من حمل الظمآن على الكافر تشبيه الشيء بنفسه. ورد بأن التشبيه على ما ذكره جار الله تمثيلي أو مقيد لا مفرق كما توهم فلا يلزم من اتحاد بعض المفردات في الطرفين تشبيه الشيء بنفسه كاتحاد الفاعل في ـ أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى ـ، وبالجملة هو أحسن مما في «الإرشاد» كما لا يخفى على من سلم ذهنه من غبار العناد. والآية على ما روي عن مقاتل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام ولا يأبـى ذلك قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } لأنه غير خاص بسبب النزول وإن دخل فيه دخولاً أولياً، ولا يرد عليه أن الآية مدنية نزلت بعد بدر وعتبة قتل في بدر فإن كثيراً من الآيات نزل بسبب الأموات وليس في ذلك محذور أصلاً، ثم لا يبعد أن يكون في حكم هؤلاء الكفرة الفلاسفة ومتبعوهم من المتزيين بزي الإسلام فإن اعتقاداتهم وأعمالهم حيث لم تكن على وفق الشرع كسراب بقيعة.
ابن عاشور
تفسير : لمّا جرى ذكر أعمال المتقين من المؤمنين وجزائهم عليها بقوله تعالى: { أية : يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال } تفسير : [النور: 36] إلى قوله: { أية : ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب } تفسير : [النور: 38] أعقب ذلك بضده من حال أعمال الكافرين التي يحسبونها قربات عند الله تعالى وما هي بمغنية عنهم شيئاً على عادة القرآن في إرداف البشارة بالنذارة، وعكس ذلك كقوله: { أية : ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات } تفسير : [آل عمران: 197، 198] الخ فعطْف حال أعمال الكافرين عطف القصة على القصة. ولعل المشركين كانوا إذا سمعوا ما وعد الله به المؤمنين من الجزاء على الأعمال الصالحة يقولون: ونحن نعمر المسجد الحرام ونطوف ونطعم المسكين ونسقي الحاج ونقري الضيف. كما أشار إليه قوله تعالى: { أية : أجعلتم سقاية الحج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر } تفسير : [التوبة: 19] يعدون أعمالاً من أفعال الخير فكانت هذه الآيات إبطالاً لحسبانهم، قال تعالى: { أية : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً } تفسير : [الفرقان: 23] وقد أعلمناك أن هذه السورة نزل أكثرها عقب الهجرة وذلك حين كان المشركون يتعقبون أخبار المسلمين في مهاجرهم ويتحسسون ما نزل من القرآن. والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. {والذين كفروا} مبتدأ وخبره جملة: {أعمالهم كسراب} الخ. وجعل المسند إليه ما يدل على ذوات الكافرين ثم بُني عليه مسند إليه آخر وهو {أعمالهم}. ولم يُجعل المسند إليه أعمال الذين كفروا من أول وهلة لما في الافتتاح بذكر الذين كفروا من التشويق إلى معرفة ما سيذكر من شؤونهم ليتقرر في النفس كمال التقرر وليظهر أن للذين كفروا حظاً في التمثيل بحيث لا يكون المشبه أعمالهم خاصة. وفي الإتيان بالموصول وصلته إيماء إلى وجه بناء الخبر. وهو أنه من جزاء كفرهم بالله. على أنه قد يكون عنوان الذين كفروا قد غلب على المشركين من أهل مكة فيكون افتتاح الكلام بهذا الوصف إشارة إلى أنه إبطال لشيء اعتقده الذين كفروا. فتشبيه الكافرين وأعمالهم تشبيه تمثيلي: شبهت حالة كدهم في الأعمال وحرصهم على الاستكثار منها مع ظنهم أنها تقربهم إلى رضى الله ثم تبيّن أنها لا تجديهم بل يلقون العذاب في وقت ظنهم الفوز: شبه ذلك بحالة ظمئان يرى السراب فيحسبه ماء فيسعى إليه فإذا بلغ المسافة التي خال أنها موقع الماء لم يجد ماء ووجد هنالك غريماً يأسره ويحاسبه على ما سلف من أعماله السيئة. واعلم أن الحالة المشبهة مركبة من محسوس ومعقول والحالة المشبه بها حالة محسوسة. أي داخلة تحت إدراك الحواس. والسراب: رطوبة كثيفة تصعد على الأرض ولا تعلو في الجو تنشأ من بين رطوبة الأرض وحرارة الجو في المناطق الحارة الرملية فيلوح من بعيد كأنه ماء. وسبب حدوث السراب اشتداد حرارة الرمال في أرض مستوية فتشتد حرارة طبقة الهواء الملاصقة للرمل وتحرُّ الطبقة الهوائية التي فوقها حَرّاً أقل من حرارة الطبقة الملاصقة. وهكذا تتناقص الحرارة في كل طبقة من الهواء عن حرارة الطبقة التي دونها. وبذلك تزداد كثافة الهواء بزيادة الارتفاع عن سطح الأرض. وبحرارة الطبقة السفلى التي تلي الأرض تحدث فيها حركات تموجية فيصعد جزء منها إلى ما فوقها من الطبقات وهكذا.. فتكون كل طبقة أكثف من التي تحتها. فإذا انعكس على تلك الأشعة نور الجو من قرب طلوع الشمس إلى بقية النهار تكيّفت تلك الأشعة بلون الماء. ففي أول ظهور النور يلوح السراب كأنه الماء الراكد أو البحر وكلما اشتد الضياء ظهر في السراب ترقرق كأنه ماء جار. ثم قد يطلق السراب على هذا الهواء المتموج في سائر النهار من الغدوة إلى العصر. وقد يخص ما بين أول النهار إلى الضحى باسم الآل ثم سَراب. وعلى هذا قول أكثر أهل اللغة والعرب يتسامحون في إطلاق أحد اللفظين مكان الآخر، وقد شاهدته في شهر نوفمبر فيما بين الفجر وطلوع الشمس بمقربة من موضع يقال له: أم العرائس من جهات توزر، وأنا في قطار السكة الحديدية فخلت في أول النظر أنا أشرفنا على بحر. وقوله: {بقيعة} الباء بمعنى في. و(قيعة) أرض، والجار والمجرور وصف {لسراب} وهو وصف كاشف لأن السراب لا يتكون إلا في قيعة. وهذا كقولهم في المثل للذليل «هو فَقع في قرقر» فإن الفقع لا ينبت إلا في قرقر. والقيعة: الأرض المنبسطة ليس فيها رُبّى ويُرادفها القاعة. وقيل قيعة جمع قاع مثل جيرة جمع جار، ولعله غلب لفظ الجمع فيه حتى ساوى المفرد. وقوله: {يحسبه الظمآن ماء} يفيد وجه الشبه ويتضمن أحد أركان التمثيل وهو الرجل العطشان وهو مشابه الكافر صاحب العمل. و{حتى} ابتدائية فهي بمعنى فاء التفريع. ومجيء الظمآن إلى السراب يحصل بوصوله إلى مسافة كان يقدرها مبدأ الماء بحسب مرأى تخيله، كأن يحدده بشجرة أو صخرة. فلما بلغ إلى حيث توهم وجود الماء لم يجد الماء فتحقق أن ما لاح له سراب. فهذا معنى قوله: {حتى إذا جاءه}، أي إذا جاء الموضع الذي تخيّل أنه إن وصل إليه يجد ماء. وإلا فإن السراب لا يزال يلوح له على بُعد كلما تقدم السائر في سيره. فضرب ذلك مثلاً لقرب زمن إفضاء الكافر إلى عمله وقت موته حين يرى مقعده أو في وقت الحشر. وقوله: {لم يجده شيئاً} أي لم يجد ما كان يخيل إلى عينه أنه ماء لم يجده شيئاً. والشيء: هو الموجود وجوداً معلوماً للناس، والسراب موجود ومرئي، فقوله: {شيئاً} أي شيئاً من ماء بقرينة المقام. وهذا التمثيل كقوله تعالى: { أية : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً } تفسير : [الفرقان: 23]. و(إذا) هنا ظرف مجرد عن الشرطية. والمعنى: زمن مجيئه إلى السراب، أي وصوله إلى الموضع. وقوله: {ووجد الله عنده} هو من تمام التمثيل، أي لم يجد الماء ووجد في مظنة الماء الذي ينتفع به وجد مَنْ إن أخذ بناصيته لم يفلته، أي هو عند ظنه الفوز بمطلوبه فاجأه من يأخذه للعذاب، وهو معنى قوله: {فوفاه حسابه} أي أعطاه جزاء كفره وافياً. فمعنى {فوفاه} أنه لا تخفيف فيه، فهو قد تعب ونصب في العمل فلم يجد جزاء إلا العذاب بمنزلة من ورد الماء للسقي فوجد من له عنده تِرة فأخذه. وجملة: {والله سريع الحساب} تذييل. والسريع: ضد البطيء. والمعنى: أنه لا يماطل الحساب ولا يؤخره عند حلول مقتضيه، فهو عام في حساب الخير والشر ولذلك كان تذييلاً. واعلم أن هذا التمثل العجيب صالح لتفريق أجزائه في التشبيه بأن ينحل إلى تشبيهات واستعارات. فأعمال الكافرين شبيهة بالسراب في أن لها صورة الماء وليست بماء، والكافر يشبه الظمآن في الاحتياج إلى الانتفاع بعمله. ففي قوله: {يحسبه الظمآن} استعارة مصرحة، وخيبة الكافر عند الحساب تشبه خيبة الظمآن عند مجيئه السراب ففيه استعارة مصرحه، ومفاجأة الكافر بالأخذ والعتْل من جند الله أو بتكوين الله تشبه مفاجأة من حسب أنه يبلغ الماء للشراب فبلغ إلى حيث تحقق أنه لا ماء فوجد عند الموضع الذي بلغه من يترصد له لأخذه أو أسره. فهنا استعارة مكنية إذ شبه أمر الله أو ملائكتِه بالعدوّ، ورمز إلى العدو بقوله: {فوفاه حسابه}. وتعدية فعل {وجد} إلى اسم الجلالة على حذف مضاف هي تعدية المجاز العقلي.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أعمال الكفار باطلة، وأنها لا شيء، لأنه قال في السراب الذي مثلها به: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً}، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من بطلان أعمال الكفار، جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ} تفسير : [إبراهيم: 18] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا أن عمل الكافر إذا كان على الوجه الصحيح أنه يُجزى به في الدنيا كما أوضحناه في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} تفسير : [النحل: 97] الآية. وقد دلت آيات من كتاب الله على انتفاع الكافر بعمله في الدنيا، دون الآخرة كقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20] وقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [هود: 15ـ16] وهذا الذي دلت عليه هذه الآيات من انتفاع الكافر بعمله الصالح في الدنيا، دون الآخرة ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أنس رضي الله عنه كما أوضحناه في الكلام على آية النحل المذكورة، وهو أحد التفسيرين في قوله تعالى: {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} الآية أي وفاه حسابه في الدنيا على هذا القول، وقد بيّن الله جل وعلا في سورة بني إسرائيل أن ما دلت عليه الآيات من انتفاع الكافر بعمله الصالح في الدنيا، أنه مقيّد بمشيئة الله تعالى، وذلك في قوله تعالى: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً} تفسير : [الإسراء: 18] تنبيه في هذه الآية الكريمة سؤال ذكرناه وذكرنا الجواب عنه في كتابنا، دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وذلك في قولنا فيه: لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من أنّ الضمير في قوله: جاءه يدل على شيء موجود واقع عليه المجيء، لأن وقوع المجيء على العدم لا يُعقل ومعلوم أن الصفة الإضافية، لا تتقوم إلا بين متضائفين، فلا تدرك إلا بإدراكهما، فلا يعقل وقوع المجيء بالفعل، إلا بإدراك فاعل واقع منه المجيء، ومفعول به واقع عليه المجيء. وقوله تعالى: {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} يدل على عدم وجود شيء يقع عليه المجيء في قوله تعالى: {جَآءَهُ}. والجواب عن هذا من وجهين ذكرهما ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة. قال فإن قال قائل كيف قيل: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} فإن لم يكن السراب شيئاً فعلام دخلت الهاء في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ}، قيل إنه شيء يُرى من بعيد كالضباب الذي يُرى كثيفاً من بعيد، فإذا قرب منه رقّ وصار كالهواء، وقد يُحتمل أن يكون معناه حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئاً فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه انتهى منه. والوجه الأول أظهر عندي، وعنده، بدليل قوله: وقد يحتمل أن يكون معناه إلخ. انتهى كلامنا في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وقد رأيت فيه جواب ابن جرير الطبري عن السؤال المذكور، وقوله تعالى في هذه الآية: {بِقِيعَةٍ} قيل جماع قاع كجار وجيرة. وقيل: القيعة والقاع بمعنى، وهو المنبسط المستوى المتسع من الأرض، وعلى هذا فالقاع واحد القيعان كجار وجيران.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كسراب بقيعة: السراب شعاع أبيض يرى في نصف النهار وكأنه ماء، والقيعة جمع قاع وهو ما انبسط من الأرض. الظمآن: العطشان. بحر لجي: أي ذو لجج واللجة معظم الماء وغزيره كما هي الحال في المحيطات. يغشاه موج: يعلوه ويغطيه موج آخر. يسبح له: ينزه ويقدس بألفاظ التسبيح والتقديس كسبحان الله ونحوه والصلاة من التسبيح. صافات: باسطات أجنحتها. قد علم صلاته: أي كل من في السماوات والأرض قد علم الله صلاته وتسبيحه كما أن كل مسبح ومصل قد علم صلاة وتسبيح نفسه. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} لما بين تعالى حال المؤمنين وأنه تعالى وفاهم أجرهم بأحسن مما كانوا يعملون وزادهم من فضله ذكر هنا حال الكافرين وهو أن أعمالهم في خسرانها وعدم الانتفاع بها كسراب وهو شعاع أبيض يرى في نصف النهار وكأنه ماء {بِقِيعَةٍ} أي بقاع من الأرض وهو الأرض المنبسطة {يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً} أي يظنه العطشان ماء وما هو بماء ولكنه سراب خادع {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} لأنه سراب لا غير. فيا للخيبة، خيبة ظمآن يقتله العطش فرأى سراباً فجرى وراءه يظنه ماء فإذا به لم يجد الماء، ووجد الحق تبارك وتعالى فحاسبه على كل أعماله وهي في جملتها أعمال إجرام وشر وفساد فوفاه إياها فخسر خسراناً مبيناً، {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} فما هي إلا لحظات والكافر في سواء الجحيم. هذا مَثَلٌ تضمنته الآية الأولى [39] ومثل آخر تضمنته الآية الثانية [40] وهو مثل مضروب لضلال الكافر وحيرته في حياته وما يعيش عليه من ظلمة الكفر وظلمة العمل السيىء والإِعتقاد الباطل وظلمة الجهل بربه وما يريده منه، وما أعده له قال تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} أي ذي لجج من الماء {يَغْشَاهُ} أي يعلوه {مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} أي من فوق الموج موج آخر {مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} والسحاب عادة مظلم فهي {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} لشدة الظلمة هذه حال الكافر في هذه الحياة الدنيا، وهي ناتجة عن إعراضه عن ذكر ربه وتوغله في الشر والفساد وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} أعلم تعالى عباده أن النور له وبيده فمن لم يطلبه منه حرمه وعاش في الظلمات والعياذ بالله. وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ} أي ألم ينته إلى علمك يا رسولنا أن الله تعالى يسبح له من في السماوات من الملائكة والأرض أي ومن في الأرض بلسان القال والحال معاً والطير صافات أي باسطات أجنحتها تسبح الله تعالى بمعنى تنزهه بألفاظ التنزيه كسبحان الله. فإن امتنع المشركون أهل الظلمات من الإِيمان بالله وعبادته وتوحيده فيها فإن الله تعالى يسبح له الخلق كله علويه وسفليه فالكافر وإن لم يسبح بلسانه فحاله تسبح فخلقه وتركيبه وأقواله وأعماله كلها تسبح الله خالقه فهي شاهدة على قدرة الله وعلمه وحكمته وأنه لا إله إلا هو ولا رب سواه وقوله تعالى: {كُلٌّ} أي ممن في السماوات والأرض والطير قد علم الله صلاته وتسبيحه كما أن كلاً منهم قد علم صلاته لله تعالى وتسبيحه له {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} أي والله عليم بأفعال عباده، ويجزيهم بها وهو على ذلك قدير إذ له ملك السماوات والأرض وإليه المصير أي مصير كل شيء إليه تعالى فهو الذي يحكم فيه بحكمه العادل. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني البعيدة إلى الأذهان. 2- بيان خسران الكافرين في أعمالهم وحياتهم كلها. 3- بيان حال الكافرين في هذه الدنيا وأنهم يعيشون في ظلمات الجهل والكفر والظلم. 4- تقرير حقيقة وهي أن من لم يجعل الله له نوراً في قلبه لن يكن له نور في حياته كلها. 5- بيان أن الكون كله يسبح لله كقوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الحشر: 24] وقوله: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 44].
القطان
تفسير : السراب: ظاهرة ضوئية سببُها انعكاس الشعاع من الأرض عندما تشتد حرارة الشمس فيظنه الانسان ماء يجري ويتلألأ على وجه الأرض، وما هو الا وهمٌ لا حقيقة فيه. القيعة: مكان منبسط من الارض لا نبات فيه ويقال لها القاع ايضا. لُجّيّ: اللج معظم الماء حيث لا يدرَك قعره، وبحر لجي: عميق. يغشاه: يغطيه. لم يكد يراها: تصعب رؤيتها. صافات: باسطة اجنحتها في الهواء. المصير: المرجع. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُم كَسَرَابٍ.... } في هاتين الآيتين يبين الله في مقابل ذلك النورِ المتجلِّي في السماوات والأرض، المشعّ في بيوت الله والمشرِقِ في قلوب المؤمنين - مجالاً مظلما لا نور فيه، مخيفاً لا أمن فيه، ضائعاً لا خير فيه.... ذلك هو حال الذين كفروا. فَمَثَلُ اعمالهم في بطلانها وعدم جدواها كمثل السرابِ الذي يراه الظمآن في الفلاة في شدة حرارة الشمس فيسرع إليه، حتى إذا وصله لم يجد الماء الذي رجا ان يشرب منه... {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} يعني ان كل ما عمله هذا الجاحدُ من أعمال خيرٍ تذهب هباء منثورا، وفي يوم القيامة يحاسبُه الله ويوفّيه جزاءه وعقابه. فلا يستفيد من أعماله شيئاً، لأنه لم يؤمن بالله والبعث والجزاء. وكما قال تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان:23] {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ.... } وهذه صورة أخرى من صور حال الكفار الجاحدين. فأعمالُ الكافرين في الدنيا كمثل السراب الذي ليس بشيء، او كهذه الظلمات في البحر العميق، تتلاطم امواجُه ويتراكم بعضها فوق بعض. ومن فوقِ ذلك كله سحابٌ كثيف مظلم لو رفع الإنسان يدَه الى وجهه لما رآها من شدة الظلام. ان قلوب الكافرين وأعمالَهم مثلُ هذه الظلمات المتراكمة تراكمت عليها الضلالات، فهي مظلمة، في صدور مظلمة، في اجساد مظلمة. ولقد جمع الله تعالى في هذا الوصف بينَ الليل المظلم، وتراكُب الأمواج في البحر بعضها فوق بعض، ومن فوقها السحاب الكثيف.... وهذا أشدُّ ما يكون من الظلمات. وتجمع هذه الآية الكريمة أهم ظواهر عواصف المحيطات العظيمة. وهذا من أكبرِ الأدلة على ان القرآن من عند الله، لأن الرسول الكريم لم يركب المحيطاتِ وكان يعيش في بلاد صحراوية.... فورودُ هذه الدقائق العلمية دليل على أنها وحي من عند الله. {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} ومن لم يوفقه الله لنورِ الإيمان، فليس له نور يهديه الى الخير، ويدلّه على الصراط المستقيم. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} ألم تعلم ايها النبي أن جميع من في هذا الكون يسبِّح بحمد الله تعالى، وان تسبيحَ كل صنف يختلف باختلاف صفاته وخصائصه، وكلٌّ يسبّح بدلالة وجوده وصورته وأحكامه على وجود المصوّر الحكيم، فالعاقل يسبّح بلسان المقال، وغيره يسبّح بلسان الحال، والطير صافات باسطةً أجنحتها في الفضاء تسبّح الله وتحمدُه بلغاتٍ لا نعملها. واعلم أن هذا الوجودَ كلَّه حيّ، ولا معنى للوجود بغير حياة، وان الحياة على مقدار إشراق الأنوار العلوية على المخلوقات، فللانسان وللحيوان وللنبات حياة، أي ان هناك نوعاً من الشعور. وهكذا الجماد له نوع من الشعور لا ندركه. وكل هذه المخلوقات تسبح بحمده تعالى. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} والله تعالى هو مالكُ هذا الكون ومن فيه وصاحبُ السلطان عليهم، وكلُّهم راجعٌ إليه يوم القيامة للحساب والجزاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَعْمَالُهُمْ} {ٱلظَّمْآنُ} {فَوَفَّاهُ} (39) - وَيَضْرِبُ اللهُ تَعَالَى مَثَلاً لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ التِي يَعْملُها الذينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَه، وَجَحَدُوا كُتَبَه، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ أَعْمَالَهم تَنْفَعُهم يَوْمَ القِيَامَة، وَتُنْجِيهِم مِنْ عَذَابِ اللهِ، ثُمَّ تَخِيبُ فِي النَّتِيجَةِ آمَالُهْم، وَيَجِدونَ خَلاَفَ ما قَدَّرُوا. فَيُشَبِّهُ اللهُ تَعَالَى تِلْكَ الأَعْمَالَ بالسَّرَابِ الذي يَرَاهُ الظَّمْآنُ فِي القِيعَانِ مِنَ الأَرْضِ وَكَأنَّهُ بَحْرٌ طَام، مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ، فَإِذَا رَأى السَّرَابَ مَنْ هُوَ مُحْتَاج إِلى المَاءِ حَسِبَهُ مَاءً فَقَصَدَهُ لِيَشْرَبَ مِنْهُ فَإِذا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئاً. فَكَذَلِكَ الكَافِرُ يَحْسَبُ أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ عَمَلاً يَنْفَعُهُ، وأَنَّهُ قَدْ حَصَّل شَيئاً فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَعَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ. فَإِذَا جَاءَ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَحَاسَبَهُ رَبُّهُ، وَنَاقَشَهُ فِي أَعْمَالِهِ لَمْ يَجدْ لَهُ شَيْئاً مِنَ العَمَلِ مَقْبُولاً يَنْتَفِعُ بِهِ عِنْدَ اللهِ فَيُوفِّيِه اللهُ حِسَابَه، وَهُوَ العِقَابُ الذِي تَوَّعَدَ اللهُ بِهِ الكَافِرِينَ. واللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ لاَ يُبْطِى وَلاَ يُخْطِئُ. السَّرَابُ - شُعَاعٌ يُرَى ظُهْراً فِي البَرِّ عَنْدَ اشْتِدَادِ الحَرِّ كَالمَاءِ السَّارِبِ. القِيعَةِ - الأَرْضِ المُنْبَسِطَةِ وَفِيهَا يَظْهَرُ السَّرَابُ.
الثعلبي
تفسير : ثمَّ ضرب لأعمال الكافرين مثلا فقال عزَّ من قائل {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} وهو الشعاع الذي تراه نصف النهار في البراري عند شدّة الحرّ كأنّه ماء فإذا قرب منه الإنسان انفشّ فلم ير شيئاً، وسمّي سراباً لأنّه ينسرب أي يجري كالماء. {بِقِيعَةٍ} وهو جمع القاع مثل جار وجيرة، والقاع: المنبسط الواسع من الأرض وفيه يكون السراب. {يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ} يظنّه العطشان {مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ} يعني ما قدّر أنّه ماء فلم يجده على ما قدّر، وقيل: معناه جاء موضع السراب فاكتفى بذكر السراب عن موضعه، كذلك الكافر يحسب أنّ عمله مغنى عنه أو نافعه شيئاً فإذا أتاه الموت واحتاج إلى عمله لم يجد عمله أغنى عنه شيئاً ولا نفعه {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ} أي وجد الله بالمرصاد عند ذلك {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} جزاء عمله، {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ}. وهذا مثل آخر ضربه اللّه تعالى لأعمال الكفّار أيضاً يقول: مثل أعمالهم في خطائها وفسادها، وضلالتهم وجهالتهم وحيرتهم فيها كظلمات {فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} وهو العميق الكثير الماء وذلك أشدّ ظلمة، ولجّة البحر: معظمه {يَغْشَاهُ} يعلوه {مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} متراكم {مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} قرأ ابن كثير برواية النبّال والفلنجي سُحاب بالرفع والتنوين، ظلمات بالجرّ على البدل من قوله أو كظلمات. روى البّزي عنه، سحاب، ظلمات بالاضافة وقرأ الآخرون: سحاب، ظلمات كلاهما بالرفع والتنوين، وتمام الكلام عند قوله {سَحَابٌ}. ثمَّ ابتدأ فقال {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر. قال المفسّرون: أراد بالظلمات أعمال الكافر، وبالبحر اللجّي قلبه، وبالموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الرَّين والختم والطبع على قلبه. قال أُبي بن كعب في هذه الآية: الكافر ينقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة ومدخله، ظلمة ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار. {إِذَآ أَخْرَجَ} يعني الناظر {يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} أي لم يقرب من أن يراها من شدة الظلمات. وقال الفرّاء: كادَ صلة أي لم يرها كما تقول: ما كدت أعرفه، وقال المبرّد: يعني لم يرها إلاّ بعد الجهد كما يقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه ولكن بعد يأس وشدّة، وقيل: معناه قرب من الرؤية ولم يُرَ، كما يقال: كاد العروس يكون أميراً، وكاد النعام يطير. {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} يعني مَن لم يهده الله فلا إيمان له. قال مقاتل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أُميّة، كان يلتمس الدين في الجاهلية ولبس المسوح ثم كفر في الإسلام. أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن إبراهيم العدل قال: حدّثنا أبو الحسين محمد بن منصور الواعظ قال: حدّثنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد قال: حدّثنا محمد ابن يونس الكديمي قال: حدّثنا عبيد الله بن عائشة قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُنَّ الله تعالى خلقني من نوره، وخلق أبا بكر من نوري، وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر، وخلق المؤمنين من أُمّتي من الرجال من نور عمر، وخلق المؤمنات من أُمّتي من النساء من نور عائشة، فمَن لم يحبّني ويحبّ أبا بكر وعمر وعائشة فما له من نور، فنزلت عليه {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} ". تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ} أجنحتهنّ في الهواء {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} قال المفسّرون: الصلاة لبني آدم، والتسبيح عام لغيرهم من الخلق وفيه وجوه من التأويل: أحدها: كلّ مصلّ ومسبّح قد علم الله صلاته وتسبيحه. والثاني: كلّ مسبّح ومصلَ منهم قد علم صلوة نفسه وتسبيحه الذي كلّفه الله، وقد علم كلّ منهم صلاة الله من تسبيحه. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي تقديرها وتدبير أُمورها وتصريف أحوالها كما يشاء {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي} يسوق {سَحَاباً} الى حيث يريد {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} أي يجمع بين قطع السحاب المتفرّقة بعضها إلى بعض، والسّحاب جمع، وإنما ذكر الكناية على اللفظ {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} متراكماً بعضه فوق بعض {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} وسطه وهو جمع خلل، وقرأ ابن عباس والضحاك من خَللهِ. {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} أي البرد، ومن صلة، وقيل: معناه وينزل من السماء قدر جبال أو مثال جبال من برد إلى الأرض، فمِن الأُولى للغاية لأنّ ابتداء الإنزال من السماء، والثانية: للتبعيض لأنّ البرد بعض الجبال التي في السماء، والثالثة: لتبيين الجنس لأنّ جنس تلك الجبال جنس البرد {فَيُصِيبُ بِهِ} أي بالبرد {مَن يَشَآءُ} فيهلكه ويهلك زروعه وأمواله، {وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} أي ضوء برق السحاب {يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ} من شدّة ضوئه وبريقه، وقرأ أبو جعفر: يُذهب بضم الياء وكسر الهاء، غيره: من الذهاب. {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} يصرفهما في اختلافهما ويعاقبهما {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الذي ذكرت من هذه الاشياء {لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} لذوي العقول. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله عزَّ وجل: يؤذيني ابن آدم بسبّ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقلّب الليل والنهار ".
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - تبارك وتعالى - يريد أنْ يلفت أنظار مَنْ شغلتهم الدنيا بحركتها ونشاطها عن المراد بالآخرة، فيصنعون صنائع معروفٍ كثيرة، لكن لم يُخلصوا فيها النية لله، والأصل في عمل الخير أن يكون من الله ولله، وسوف يُواجَه هؤلاء بهذه الحقيقة فيقال لأحدهم كما جاء في الحديث: "حديث : عملت ليقال وقد قيل ". تفسير : لقد مدحوك وأثنَواْ عليك، وأقاموا لك التماثيل وخَلَّدوا ذِكْراك؛ لذلك رسم لهم القرآن هذه الصورة: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ..} [النور: 39]. {أَعْمَالُهُمْ ..} [النور: 39] أي: التي يظنونها خيراً، وينتظرون ثوابها، والسراب: ما يظهر في الصحراء وقت الظهيرة كأنه ماء وليس كذلك. وهذه الظاهرة نتيجة انكسار الضوء، و"قِيعة": جمع قاع وهي الأرض المستوية مثل جار وجيرة. وأسند الفعل {يَحْسَبُهُ ..} [النور: 39] إلى الظمآن؛ لأنه في حاجة للماء، وربما لو لم يكُنْ ضمآناً لما التفتَ إلى هذه الظاهرة، فلظمئه يجري خلف الماء، لكنه لا يجد شيئاً، وليت الأمر ينتهي عند خيبة المسعى إنما {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ..} [النور: 39] فُوجىء بإله لم يكُنْ على باله حينما فعل الخير، إله لم يؤمن به، والآن فقط يتنبه، ويصحو من غَفْلته، ويُفَاجأ بضياع عمله. إذن: تجتمع عليه مصيبتان: مصيبة الظمأ الذي لم يجد له رِياً، ومصيبة العذاب الذي ينتظره، كما قال الشاعر: شعر : كَما أبرقَتْ قَوْماً عِطَاشاً غَمَامَةٌ فَلمَّا رأوْهَا أَقْشَعَتْ وتَجلَّتِ تفسير : وسبق أن ضربنا مثلاً لهذه المسألة بالسجين الذي بلغ منه العطش مبلغاً، فطلب الماء، فأتاه الحارس به حتى إذا جعله عند فيه واستشرف المسكين للارتواء أراق الحارسُ الكوبَ، ويُسمُّون ذلك: يأْسٌ بعد إِطْماع. لذلك الحق ـ تبارك وتعالى ـ يعطينا في الكون أمثلة تُزهِّد الناس في العمل للناس من أجل الناس، فالعمل للناس لا بُدَّ أن يكون من أجل الله. وفي الواقع تصادف مَنْ ينكر الجميل ويتنكر لك بعد أنْ أحسنْتَ إليه، وما ذلك إلا لأنك عملتَ من أجله، فوجدت الجزاء العادل لتتأدب بعدها ولا تعمل من أجل الناس، ولو فعلتَ ما فعلتَ من أجل الله لوجدتَ الجزاء والثواب من الله قبل أنْ تنتهي من مباشرة هذا الفعل. وفي موضع آخر يُشبِّه الحق سبحانه الذي ينفق ماله رياء الناس بالحجر الأملس الذي لا ينتفع بالماء، فلا ينبت شيئاً: {أية : كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 264]. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [النور: 39] فإياك أنْ تستبعد الموت أو البعث، فالزمن بعد الموت وإلى أن تقوم الساعة زمنٌ لا يُحسَب لأنه يمرُّ عليك دون أن تشعر به ، كما قال سبحانه: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}تفسير : [النازعات: 46]. والله تعالى أخفى الموت أسباباً وميعاداً؛ لأن الإبهام قد يكون غاية البيان، وبإبهام الموت تظل ذاكراً له عاملاً للآخرة؛ لأنك تتوقعه في أي لحظة، فهو دائماً على بالك، ومَنْ يدريك لعلَّك إنْ خفضْتَ طرْفك لا ترفعه، وعلى هذا فالحساب قريب وسريع؛ لذلك قالوا: مَنْ مات فقد قامت قيامته. ثم يقول الحق سبحانه: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} والسَّرابُ: يَكونُ نِصفَ النَّهارِ. والقِيعةُ والقَاعُ واحدٌ. وهو المُستوى من الأَرضِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذان مثلان، ضربهما الله لأعمال الكفار في بطلانها وذهابها سدى وتحسر عامليها منها فقال: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا } بربهم وكذبوا رسله { أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } أي: بقاع، لا شجر فيه ولا نبت. { يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً } شديد العطش، الذي يتوهم ما لا يتوهم غيره، بسبب ما معه من العطش، وهذا حسبان باطل، فيقصده ليزيل ظمأه، { حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } فندم ندما شديدا، وازداد ما به من الظمأ، بسبب انقطاع رجائه، كذلك أعمال الكفار، بمنزلة السراب، ترى ويظنها الجاهل الذي لا يدري الأمور، أعمالا نافعة، فيغره صورتها، ويخلبه خيالها، ويحسبها هو أيضا أعمالا نافعة لهواه، وهو أيضا محتاج إليها بل مضطر إليها، كاحتياج الظمآن للماء، حتى إذ قدم على أعماله يوم الجزاء، وجدها ضائعة، ولم يجدها شيئا، والحال إنه لم يذهب، لا له ولا عليه، بل { وجد اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ } لم يخف عليه من عمله نقير ولا قطمير، ولن يعدم منه قليلا ولا كثيرا، { وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } فلا يستبطئ الجاهلون ذلك الوعد، فإنه لا بد من إتيانه، ومثلها الله بالسراب الذي بقيعة، أي: لا شجر فيه ولا نبات، وهذا مثال لقلوبهم، لا خير فيها ولا بر، فتزكو فيها الأعمال وذلك للسبب المانع، وهو الكفر. والمثل الثاني، لبطلان أعمال الكفار { كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ } بعيد قعره، طويل مداه { يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } ظلمة البحر اللجي، ثم فوقه ظلمة الأمواج المتراكمة، ثم فوق ذلك، ظلمة السحب المدلهمة، ثم فوق ذلك ظلمة الليل البهيم، فاشتدت الظلمة جدا، بحيث أن الكائن في تلك الحال { إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } مع قربها إليه، فكيف بغيرها، كذلك الكفار، تراكمت على قلوبهم الظلمات، ظلمة الطبيعة، التي لا خير فيها، وفوقها ظلمة الكفر، وفوق ذلك، ظلمة الجهل، وفوق ذلك، ظلمة الأعمال الصادرة عما ذكر، فبقوا في الظلمة متحيرين، وفي غمرتهم يعمهون، وعن الصراط المستقيم مدبرين، وفي طرق الغي والضلال يترددون، وهذا لأن الله تعالى خذلهم، فلم يعطهم من نوره، { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } لأن نفسه ظالمة جاهلة، فليس فيها من الخير والنور، إلا ما أعطاها مولاها، ومنحها ربها. يحتمل أن هذين المثالين، لأعمال جميع الكفار، كل منهما، منطبق عليها، وعددهما لتعدد الأوصاف، ويحتمل أن كل مثال، لطائفة وفرقة. فالأول، للمتبوعين، والثاني، للتابعين، والله أعلم.
همام الصنعاني
تفسير : 2052- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ}: [الآية: 39]، قال: بقيعَةٍ من الأرض {يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً}: [الآية: 39]، فهو مثل ضربه الله لعمل الكافر، يحسب أنه في شيء! كما يحسب هذا السراب ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، وكذلك الكافرُ إذا مَاتَ لم يجد عمله شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):