Verse. 2831 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

اَوْ كَظُلُمٰتٍ فِيْ بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَّغْشٰـىہُ مَوْجٌ مِّنْ فَوْقِہٖ مَوْجٌ مِّنْ فَوْقِہٖ سَحَابٌ۝۰ۭ ظُلُمٰتٌۢ بَعْضُہَا فَوْقَ بَعْضٍ۝۰ۭ اِذَاۗ اَخْرَجَ يَدَہٗ لَمْ يَكَدْ يَرٰىہَا۝۰ۭ وَمَنْ لَّمْ يَجْعَلِ اللہُ لَہٗ نُوْرًا فَمَا لَہٗ مِنْ نُّوْرٍ۝۴۰ۧ
Aw kathulumatin fee bahrin lujjiyyin yaghshahu mawjun min fawqihi mawjun min fawqihi sahabun thulumatun baAAduha fawqa baAAdin itha akhraja yadahu lam yakad yaraha waman lam yajAAali Allahu lahu nooran fama lahu min noorin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أو» الذين كفروا أعمالهم السيئة «كظلمات في بحر لجَّي» عميق «يغشاه موج من فوقه» أي الموج «موج من فوقه» أي الموج الثاني «سحاب» أي غيم، هذه «ظلمات بعضها فوق بعض» ظلمة البحر وظلمة الموج الأول، وظلمة الثاني وظلمة السحاب «إذا أخرج» الناظر «يده» في هذه الظلمات «لم يكد يراها» أي لم يقرب من رؤيتها «ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور» أي من لم يهده الله لم يهتد.

40

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} ضرب تعالى مثلاً آخر للكفار، أي أعمالهم كسراب بقِيعة أو كظلمات. قال الزجاج: إن شئت مثِّل بالسّراب وإن شئت مثِّل بالظلمات؛ فـ«ـأوْ» للإباحة حسبما تقدم من القول في {أية : أَوْ كَصَيِّبٍ} تفسير : [البقرة: 19]. وقال الجُرْجَانِيّ: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ذكر كفرهم، ونسق الكفر على أعمالهم لأن الكفر أيضاً من أعمالهم، وقد قال تعالى: {أية : يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة: 257]؛ أي من الكفر إلى الإيمان. وقال أبو عليّ: «أوْ كظلمات» أو كذي ظلمات؛ ودل على هذا المضافِ قوله تعالى: {إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ} فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف. قال القشيريّ: فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار، وعند الجُرْجاني لكفر الكافر، وعند أَبي عليّ للكافر. وقال ابن عباس في رواية: هذا مَثَل قلب الكافر. {فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} قيل: هو منسوب إلى اللُّجّة، وهو الذي لا يُدْرك قعره. واللُّجّة معظم الماء، والجمع لجج. والتَجّ البحر إذا تلاطمت أمواجه؛ ومنه ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من رَكب البحر إذا التَجّ فقد بَرِئت منه الذِّمة»تفسير : . والتجّ الأمر إذا عَظُم واختلط. وقوله تعالى: {أية : حَسِبَتْهُ لُجَّةً} تفسير : [النمل: 44] أي ما له عمق. ولَجَّجتِ السفينة أي خاضت اللُّجة (بضم اللام). فأما اللَّجّة (بفتح اللام) فأصوات الناس؛ يقول: سمعت لَجَّةَ الناس؛ أي أصواتهم وصَخَبهم. قال أبو النَّجْم:شعر : فـي لَجَّـةٍ أمْسِـكْ فُـلاَنـاً عـن فُـلِ تفسير : والتجت الأصوات أي اختلطت وعظمت. {يَغْشَاهُ مَوْجٌ} أي يعلو ذلك البحر اللُّجّيّ مَوْج. {مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} أي من فوق الموج موجٌ، ومن فوق هذا الموج الثاني سحاب؛ فيجتمع خوفُ الموج وخوف الريح وخوفُ السحاب. وقيل: المعنى يغشاه موج من بعده موج؛ فيكون المعنى: المَوْج يتبع بعضه بعضاً حتى كأن بعضه فوق بعض، وهو أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب، ومن فوق هذا الموج سحاب. وهو أعظم للخوف من وجهين: أحدهما: أنه قد غَطَّى النجوم التي يُهتدَى بها. الثاني: الريح التي تنشأ مع السحابِ والمطر الذي ينزل منه. {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} قرأ ابن مُحَيْصِن والبَزِّي عن ابن كثير «سحابُ ظلماتٍ» بالإضافة والخفض. قُنْبُل «سحابٌ» منوّناً «ظلماتٍ» بالجر والتنوين. الباقون بالرفع والتنوين. قال المهدوِيّ: من قرأ «مِنْ فوقه سحابُ ظلماتٍ» بالإضافة فلأن السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات فأضيف إليها؛ كما يقال: سحابُ رحمةٍ إذا ارتفع في وقت المطر. ومن قرأ «سحابٌ ظلماتٍ» جَرّ «ظلماتٍ» على التأكيد لـ«ـظلماتٍ» الأولى أو البدل منها. و«سحابٌ» ابتداء و«من فوقه» الخبر. ومن قرأ «سحابٌ ظلماتٌ» فظلمات خبر ابتداء محذوف؛ التقدير: هي ظلمات أو هذه ظلمات. قال ابن الأنبارِيّ: «من فوقه موج» غير تام؛ لأن قوله: «من فوقه سحاب» صلة للمَوْج، والوقف على قوله: «من فوقه سحاب» حَسَن، ثم تبتدىء «ظلماتٌ بعضها فوق بعض» على معنى هي ظلمات بعضها فوق بعض. وروي عن أهل مكة أنهم قرؤوا «ظُلُماتٍ» على معنى أو كظُلُماتٍ ظُلُماتٍ بعضُها فوق بعض؛ فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على السحاب. ثم قيل: المراد بهذه الظلمات ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة الليل وظلمة البحر؛ فلا يُبصر من كان في هذه الظلمات شيئاً ولا كَوْكباً. وقيل: المراد بالظلمات الشدائد؛ أي شدائد بعضها فوق بعض. وقيل: أراد بالظلمات أعمال الكافر، وبالبحر اللُّجِّي قلبه، وبالموج فوق الموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحَيْرة، وبالسحاب الرَّيْنُ والخَتْم والطبع على قلبه. روِي معناه عن ابن عباس وغيره؛ أي لا يُبصر بقلبه نور الإيمان، كما أن صاحب الظلمات في البحر إذا أخرج يده لم يكد يراها. وقال أُبَيّ بن كعب: الكافر يتقلّب في خمسٍ من الظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات في النار وبئس المصير. {إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ} يعني الناظر. {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} أي من شدّة الظلمات. قال الزجاج وأبو عبيدة: المعنى لم يرها ولم يَكَد؛ وهو معنى قول الحسن. ومعنى «لم يَكَدْ» لم يطمع أن يراها. وقال الفَرّاء: كاد صلة، أي لم يرها؛ كما تقول: ما كدت أعرفه. وقال المبرّد؛ يعني لم يرها إلا من بعد الجهد؛ كما تقول: ما كدت أراك من الظلمة، وقد رآه بعد يأس وشدّة. وقيل: معناه قَرُب من الرؤية ولم ير؛ كما يقال: كاد العروس يكون أميراً، وكاد النعام يطير، وكاد المنتعل يكون راكباً. النحاس: وأصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها، فإذا لم يقارب رؤيتها فلم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة. {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً} يهتدي به أظلمتْ عليه الأمور. وقال ابن عباس: أي من لم يجعل الله له دِيناً فما له من دين، ومن لم يجعل الله له نوراً يمشي به يوم القيامة لم يهتد إلى الجنة؛ كقوله تعالى: {أية : وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} تفسير : [الحديد: 28]. وقال الزجاج: ذلك في الدنيا؛ والمعنى: من لم يهده الله لم يهتد. وقال مقاتل بن سليمان: نزلت في عتبة بن ربيعة، كان يلتمس الدِّين في الجاهلية، ولَبِس المُسُوح، ثم كفر في الإسلام. الماوَرْدِيّ: في شيبة بن ربيعة، وكان يترهّب في الجاهلية ويلبس الصوف ويطلب الدِّين، فكفر في الإسلام. قلت: وكِلاَهُمَا مات كافراً، فلا يبعد أن يكونا هما المراد بالآية وغيرهما. وقد قيل: نزلت في عبد الله بن جَحْش، وكان أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة ثم تنصّر بعد إسلامه. وذكر الثّعلبيّ: وقال أنس قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى خلقني من نور وخلق أبا بكر من نوري وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر وخلق المؤمنين من أمتي من نور عمر وخلق المؤمنات من أمتي من نور عائشة فمن لم يحبني ويحب أبا بكر وعمر وعائشة فما له من نور»تفسير : . فنزلت {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوْ } الذين كفروا أعمالهم السيئة {كَظُلُمَٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجّىّ } عميق {يَغْشَٰهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ } أي الموج {مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ } أي الموج الثاني {سَحَابٌ } أي غيم، هذه {ظُلُمَٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } ظلمة البحر وظلمة الموج الأول وظلمة الثاني وظلمة السحاب {إِذَا أَخْرَجَ } الناظر {يَدَهُ } في هذه الظلمات {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } أي لم يقرب من رؤيتها {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } أي من لم يهده الله لم يهتد.

ابن عبد السلام

تفسير : {كَظُلُمَاتٍ} ظلمة البحر وظلمة السحاب وظلمة الليل {لُّجِّىٍّ} واسع لا يرى ساحله، أو كثير الموج، أو عميق، ولجة البحر: وسطه {لَمْ يَكَدْ} لم يَرَهَا ولم يكد قاله الزجاجَ، أو رآها بعد أن كادَ لا يراها، أو لم يطمع أن يراها، أو يكاد صلة {وَمَن لًّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً} سبيلاً إلى النجاة فلا سبيل له إليها، أو من لم يهده الله إلى الإسلام لم يهتدِ إليه. مثل للكافر والظلمات ظلمة الشرك وظلمة الشك وظلمة المعاصي، والبحر اللجي قلبه يغشاه موج عذاب الدنيا من فوقه موج عذاب الآخرة.

النسفي

تفسير : {أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ } «أو» هنا كـــــ «أو» في {أية : أَوْ كَصَيّبٍ } [البقرة: 19] تفسير : {لُّجّىّ } عميق كثير الماء منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر {يَغْشَـٰهُ } يغشى البحر أو من فيه يعلوه ويغطيه {مَوْجٍ } هو ما ارتفع من الماء {مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ } أي من فوق الموج موج آخر {مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ } من فوق الموج الأعلى سحاب {ظُلُمَـٰتِ } أي هذه ظلمات ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } ظلمة الموج على ظلمة البحر وظلمة الموج على الموج وظلمة السحاب على الموج {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ } أي الواقع فيه {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } مبالغة في لم يرها أي لم يقرب أن يراها فضلاً عن أن يراها، شبه أعمالهم أولاً في فوات نفعها وحضور ضررها بسراب لم يجد من خدعه من بعيد شيئاً ولم يكفه خيبة وكمداً أن لم يجد شيئاً كغيره من السراب حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى النار، وشبهها ثانياً في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة وفي خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } من لم يهده الله لم يهتد عن الزجاج في الحديث «حديث : خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل»تفسير : {أَلَمْ تَرَ } ألم تعلم يا محمد علماً يقوم مقام العيان في الإيقان {أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبّحُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ } عطف على {من} {صَافَّـٰتٍ } حال من {الطير} أي يصففن أجنحتهن في الهواء {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } الضمير في {علم} لـــــ {كل} أو لله، وكذا في صلاته وتسبيحه. والصلاة الدعاء ولم يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لايكاد العقلاء يتهتدون إليها {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } لا يعزب عن علمه شيء

البقاعي

تفسير : ولما بين سبحانه بهذا المثال أنهم لم يصلوا إلى شيء غير التعب، المثمر للعطب، وكان هذا لا يفعله بنفسه عاقل، ضرب مثالاً آخر بين الحامل لهم على الوقوع في ممثول الأول، وهو السير بغير دليل، الموقع في خبط العشواء كالماشي في الظلام، فقال عاطفاً على {كسراب} قوله: {أو} للتخيير، أي أعمالهم لكونها لا منفعة لها كسراب، ولكونها خالية عن نور الحق {كظلمات} أو للتنويع، فإنها إن كانت حسنة الظاهر فكالسراب، أو قبيحة فكالظلمات، أو للتقسيم باعتبار وقتين كالظلمات في الدنيا والسراب في الآخرة {في بحر} هو مثال قلب الكافر {لجي} أي ذي لج هو اللج، إشارة إلى أنه عميق لا يدرك له قرار، لأن اللج معظم الماء، ويكون جمع لجة أيضاً، والأوفق هنا أن يكون منسوباً إلى الجمع، لأنه أهول، والمقام للتهويل، قال القزاز في ديوانه: ولجة البحر معروفة وهو المرضع الذي لا ترى منه أرضاً ولا جبلاً، وبحر لجي: واسع اللجة، وجمع اللجة لجج ولج. {يغشاه} أي يغطي هذا البحر ويعلوه، أو يلحق الكائن فيه {موج} وهو مثل ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، كائن {من فوقه} أي هذا الموج {موج} آخر {من فوقه} أي هذا الموج الثاني المركوم على الأول {سحاب} قد غطى النجوم، وهو مثال الرين والختم والطبع على القلب، فلا سماء تبصر ولا أرض. ولما كان هذا أمراً مهولاً، أشار إلى هوله وتصويره بقوله: {ظلمات} أي من البحر والموجين والسحاب {بعضها}. ولما كان المراد استغراق الجهة، لم يثبت الجار فقال: {فوق بعض} متراكمة، فلذلك يبعد كل البعد أن ينفذ فيها بصر، ولذلك قال: {إذا أخرج} أي الكائن في هذا البحر بدلالة المعنى وإن لم يجر له ذكر {يده} وهي أقرب شيء إليه {لم يكد} أي الكائن فيه {يراها} أي يقرب من ذلك فضلاً عن أن يكون، لأن الله قد ستر عنه كل نور بهذه الظلمات المتكاثفة، وهو مثال لعمله وأنه عدم لما تقدم من أن العدم كله ظلمة، فلا عمل له يكون شيئاً ولا يقرب من ذلك لأنه لا أهلية له بوجه {ومن لم يجعل الله} أي الملك الأعظم {له نوراً} من الأنوار، وهو قوة الإيجاد والإظهار {فما له من نور*} أصلاً، لأنه سبحانه يستر نوره وإن كان ملء السماوات والأرض عمن يشاء بحجب الأهوية، لأنه قادر على ما يريد. ولما كان قيام الأمور، وظهورها كل ظهور، إنما هو بالنور، حساً بالإيجاد، ومعنى بجعل الموجودات آيات مرئيات تدل على موجدها، قال تعالى دالاً على ما أخبر به من أنه وحده نور السماوات والأرض، أي موجدهما بعلمه وقدرته ومن أن من كساه من نوره فإن في يوم البعث الذي يجازي فيه الخلق على ما يقتضيه العلم الذي هو النور في الحقيقة من مقادير أعمالهم، ومن أعراه من النور هلك: {ألم تر} أي تعلم يا رأس الفائزين برتبة الإحسان علماً هو في ثباته كما بالمشهادة {أن الله} الحائز لصفات الكمال {يسبح له} أي ينزه عن كل شائبة نقص لأجله خاصة بما له فيه من القدرة الكاملة {من في السماوات}. ولما كان مبنى السورة على شمول العلم والقدرة لم يؤكد فقال: {والأرض} أي هما وكل ما فيهما بلسان حاله، أو آلة مقاله، وعرف أن المراد العموم بعطفه بعض ما لا يعقل، وعبر بـ "من" لأن المخبر به من وظائف العقلاء. ولما كان أمر الطير أدل لأنه أعجب، قال مخصصاً: {والطير صافات} أي باسطات أجنحتها في جو السماء، لا شبهة في أنه لا يمسكهن إلا الله، وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة، وتقديره لها فيه على القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرته. ولما كان العلم يوصف به ما هو سبب كالكتاب المصنف ونحوه، ويشتق للشيء اسم فاعل مما لابسه كما يقال: ليله قائم، ونهاره صائم، {أية : ولا تزال تطلع على خائنة منهم} تفسير : [المائدة: 13] وكانت أسطر القدرة مجودة على كل كائن، شديدة الوضوح في صفحات كل شيء، فكانت الكائنات بذلك دالة على خالقها وما له من كل صفة كمال، صح إطلاق العلم عليها وإسناده إليها فقال: {كل} أي من المخلوقات {قد علم} أي بما كان سبباً له من العلم بما فيه من الآيات الدالة المعلمة بما لموجده من صفات الكمال {صلاته} أي الوجه الذي به وصلته بمولاه ونسبته إليه {وتسبيحه} أي الحال الذي به براءة صانعه من الشين وتعاليه عن النقص، وقد صرحت بذلك ألسن أحوالها، نيابة عن بيان مقالها، هذا بقيامه صامتاً جامداً، وهذا بنموه مهتزاً رابياً، إلجاء وقهراً، وهذا بحركته بالإرادة، وقصد وجوه منافعه، وبعده عن أحوال مضاره بمجرد فطرته وما أودع في طبيعته، وهذا بنطقه وعقله، ونباهته وفضله، مع أن نسبة كل منهم إلى الأرض والسماء واحدة، ويدل على ذلك دلالة واضحة ما روى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن "النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أن نوحاً عليه السلام أوصى ابنه عند موته بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن حلقة مبهمة قصمتهن، وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق تفسير : وقال الغزالي في الإحياء: وروي حديث : أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تولت عني الدنيا وقلت ذات يدي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق وبها يرزقون"، قال فقلت: وما هي يا رسول الله؟ قال: "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أستغفر الله مائة مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح، تأتيك الدنيا راغمة صاغرة، ويخلق الله من كل كلمة ملكاً يسبح الله إلى يوم القيامة لك ثوابه"تفسير : . قال الحافظ زين الدين العراقي: رواه المستغفري في الدعوات عن ابن عمر رضي الله عنهما وقال: غريب من حديث مالك، ولا أعرف له أصلاً من حديث مالك". ولما كان التقدير: فالله قدير على جميع تلك الشؤون، عطف عليه قوله: {والله} أي المحيط علماً وقدرة {عليم بما يفعلون*} بما ثبت مما أخبركم به في هذه السورة دقائق أقوالكم وأحوالكم، وضمائركم وأفعالكم، وقد تقدم في الأعراف عند {أية : أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} تفسير : [الأعراف: 185] ما ينفع هنا. ولما أخبر عما في الكونين بما يستلزم الملك على أنهى وجوه التمام المستلزم للقدرة على البعث، أخبر عنهما بالتصريح به فقال: {ولله} أي الذي لا ملك سواه {ملك السماوات والأرض} مع كونه مالكاً مسخراً مصرفاً لجميع ذلك، فهو جامع للملك والملك. ولما كان التقدير: ومن الله المبدأ للكل بالإيجاد من العدم، عطف عليه قوله: {وإلى الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {المصير*} أي لهم كلهم بعد الفناء، وإنما طوي هذا المقدر لأنه لا خلف فيه. ولما أخبر بذلك فتقرر ملكه وقدرته على البعث على حسب ما وعد به بعد أن تحرر ملكه، دل عليه بتصرفه في العالم العلوي والسفلي بما يدل على القدرة على الإعادة فقال: {ألم تر أن الله} أي ذا الجلال والجمال {يزجي} أي يسوق بالرياح، وسيأتي الكلام عليها في النمل؛ وقال أبو حيان: إن الإزجاء يستعمل في سوق الثقل برفق. {سحاباً} أي بعد أن أنشأه من العدم تارة من السفل، وتارة من العلو، ضعيفاً رقيقاً متفرقاً، قال أبو حيان: وهو اسم جنس واحده سحابة، والمعنى: يسوق سحابة إلى سحابة. وهو معنى {ثم يؤلف بينه} أي بين أجزائه بعد أن كانت قطعاً في جهات مختلفة {ثم يجعله ركاماً} في غاية العظمة متراكباً بعضه على بعض بعد أن كان في غاية الرقة {فترى} أي في تلك الحالة المستمرة {الودق} أي المطر، قال القزاز: وقيل: هو احتفال المطر. {يخرج من خلاله} أي فتوقه التي حدثت بالتراكم وانعصار بعضه من بعض {وينزل من السماء} أي من جهتها مبتدئاً من {من جبال فيها} أي في السماء، وهي السحاب الذي صار بعد تراكمه كالجبال؛ وبعض فقال: {من برد} هو ماء منعقد؛ وبين أن ذلك بإرداته واختياره بقوله: {فيصيب به} أي البرد والمطر على وجه النقمة أو الرحمة {من يشاء} من الناس وغيرهم {ويصرفه عمن يشاء} صرفه عنه؛ ثم نبه على ما هو غاية في العجب في ذلك مما في الماء من النار التي ربما نزلت منها صاعقة فأحرقت ما لا تحرق النار فقال: {يكاد سنا} أي ضوء {برقه} وهو اضطراب النور في خلاله {يذهب} أي هو، ملتبساً {بالأبصار*} لشدة لمعه وتلألئه، فتكون قوة البرق دليلاً على تكاثف السحاب وبشيراً بقوة المطر، ونذيراً بنزول الصواعق؛ ثم ذكر ما هو أدل على الاختيار، فقال مترجماً لما مضى بزيادة: {يقلب الله} أي الذي له الأمر كلهه بتحويل الظلام ضياء والضياء ظلاماً، والنقص تارة والزيادة أخرى، مع المطر تارة والصحو أخرى {الليل والنهار} فينشأ عن ذلك التقليب من الحر والبرد والنمو والينوع واليبس ما يبهر العقول؛ ولهذا قال منبهاً على النتيجة: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم الذي ذكر من جميع ما تقدم {لعبرة لأولي الأبصار*} أي النافذة، والقلوب الناقدة، يعبرون منها إلى معرفة ما لمدبر ذلك من القدرة التامة والعلم الشامل الدال قطعاً على الوحدانية.

ابو السعود

تفسير : {أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ} عطفٌ على كسرابٍ وكلمةُ أو للتَّنويع إثرَ ما مُثِّلت أعمالُهم التي كانُوا يعتمدونَ عليها أقوى اعتمادٍ ويفتخرون بها في كلِّ وادٍ ونادٍ بما ذُكر من حال السَّرابِ مع زيادةِ حسابٍ وعقابٍ مُثِّلتْ أعمالُهم القبـيحةُ التي ليس فيها شائبةٌ خيريَّةٌ يغترُّ بها المغترُّون بظلماتٍ كائنة {فِى بَحْرٍ لُّجّىّ} أي عميقٍ كثيرِ الماءِ منسوبٍ إلى اللُّجِّ وهو معظمُ ماءِ البحرِ وقيل: إلى اللُّجَّةِ وهي أيضاً معظمُه {يَغْشَـٰهُ} صفة أُخرى للبحر أي يسترُه ويُغطِّيه بالكُلِّية {مَوْجٍ} وقولُه تعالى: {مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} جملةٌ مِن مبتدأ وخبرٍ محلُّها الرَّفعُ على أنَّها صفةٌ لموجٌ أو الصِّفةُ هي الجارُّ والمجرورُ وموجٌ الثَّانِي فاعلٌ له لاعتمادِه على الموصوفِ والكلامُ فيهِ كما مرَّ في قولِه تعالى: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} تفسير : [النور: 35] أي يغشاهُ أمواجٌ متراكمةٌ متراكبةٌ بعضُها على بعضٍ، وقوله تعالى: {مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ} صفةٌ لموجٌ الثَّاني على أحد الوجهينِ المذكُورينِ أي من فوق ذلك الموجِ سحابٌ ظلمانيٌّ ستَر أضواءَ النُّجومِ وفيه إيماءٌ إلى غايةِ تراكم الأمواجِ وتضاعفُها حتَّى كأنَّها بلغت السَّحابَ {ظُلُمَـٰتِ} خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أي هي ظلماتٌ {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} أي متكاثفة متراكمة وهذا بـيان لكمال شدَّةِ الظُّلماتِ كما أنَّ قوله تعالى: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } تفسير : [النور: 35] بـيانٌ لغاية قُوَّةِ النُّورِ خلا أنَّ ذلك متعلِّق بالمشبَّهِ وهذا بالمشبَّه به كما يُعرِبُ عنه ما بعده. وقُرىء بالجرِّ على الإبدالِ من الأُولى، وقُرىء بإضافةِ السَّحابِ إليها {إِذَا أَخْرَجَ} أي مَن ابتُليَ بها. وإضمارُه من غير ذكرِه لدلالة المَعْنى عليه دلالةً واضحة {يَدَهُ} وجعلها بمرأى منه قريبةً من عينه لينظرَ إليها {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} وهي أقربُ شيءٍ منه فضلاً عن أنْ يراها {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً} الخ، اعتراضٌ تذيـيليٌّ جيء به لتقرير ما أفاده التَّمثيلُ من كون أعمالِ الكَفَرةِ كما فُصِّل، وتحقيق أنَّ ذلك لعدمِ هدايتِه تعالى إيَّاهم لنورِه، وإيرادُ الموصولِ للإشارة بما في حيِّزِ الصِّلةِ إلى علَّة الحُكم وأنَّهم ممَّن لم يشأ الله تعالى هدايتَهم أي ومَن لم يشأ الله أنْ يهديَه لنوره الذي هُو القرآنُ هدايةً خاصَّةً مستتبعة للاهتداء حتماً ولم يُوفقه للإيمان به {فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} أي فما له هدايةٌ ما من أحدٍ أصلاً.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} [الآية: 40]. قال الواسطى رحمه الله: قيل ما علامة النور؟ قيل: من كان نوره أقوى كان تيقظه أدوم، ومن كان نوره أضعف كان ذكره مرة وعطبه مرة، ومن قويت أنواره فنيت أعماره. قال القاسم: من لم يجعل الله له نورًا وقت العتمة فما له من نور وقت الخلقة. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت محمد بن موسى الواسطى يقول: إن الله لا يقرب فقيرًا لأجل فقره ولا يبعد غنيًا لأجل غناه، وليس للإعراض عنده خطر حتى بها يصل، وبها يقطع، ولو بذلت له الدنيا والآخرة ما أوصلك به، ولو أخذتهما كليهما ما قطعت به قرب، من قرب من غير علة، وقطع من قطع من غير علة كما قال الله عز وجل: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}.

القشيري

تفسير : ظلماتُ الحسبان، وغيومُ التفرقة، وليالي الجُحْدِ، وحنادسُ الشَّكِّ إذا اجتمعت فلا سِراجَ لصاحبها ولا نجوم، ولا أقمارَ ولا شموسَ... فالويلُ ثم الويل!. قوله: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}: إذا لم يسبق لعبدٍ نورُ القسمة، ولم يساعده تَعَلُّقٌ فجهدُه وكدُّه، وسَعْيُه وجِدُّه عقيمٌ من ثمراته، موئِسٌ من نَيْلِ بركاته والبدايات غالبةٌ للنهايات؛ فالقبولُ لأهْلِه غيرُ مُجْتَلَبٍ، والردُّ لأهله غير مُكْتَسَبٍ وسعيدٌ مَن سَعِدْ بالسعادة في عِلْمِه في آزاله، وأراد كونَ ما عَلِمَ من أفعاله يكون، وأخبر أن ذلك كذلك يكون، ثم أجرى ذلك على ما أخبر وأراد وعَلِمَ. وهكذا القول في الشقاوة؛ فليس لأفعاله عِلَّةٌ، ولا تتوجَّهُ عليه لأحدٍ حُجَّةٌ.

اسماعيل حقي

تفسير : {او كظلمات} عطف على كسراب واو للتنويع فان اعمالهم ان كانت حسنة فكالسراب وان كانت قبيحة فكالظلمات {فى بحر لجى} اى عميق كثير الماء منسوب الى اللج وهو معظم ماء البحر، قال الكاشفى [دردرياى عميق كه دم بدم] {يغشاه موج} صفة اخرى للبحر اى يستره ويغطيه بالكلية {من فوقه موج} مبتدأ وخبر والجملة صفة لموج اى يغشاه امواج متراكمة بعضها على بعض {من فوقه سحاب} صفة لموج الثانى واصل السحب الجر وسمى السحاب اما لجر الريح او لجره الماء اى من فوق الموج الثانى الا على سحاب غطى النجوم وحجب انوارها، وفيه ايماء الى غاية تراكم الامواج وتضاعفها حتى كأنها بلغت السحاب {ظلمات} اى هذه ظلمات {بعضها فوق بعض} اى متكاثفة متراكمة حتى {اذا اخرج} اى من ابتلى بهذه الظلمات واضماره من غير ذكر الله لدلالة المعنى عليه دلالة واضحة {يده} وهى اقرب اعضائه المرئية اليه وجعلها بمرأى منه قريبة من عينه لينظر اليها {لم يكد يراها} لم يقرب ان يراها لشدة الظلمة فضلا عن ان يراها {ومن لم يجعل الله له نورا} اى ومن لم يشأ الله ان يهديه لنور القرآن ولم يوفقه للايمان به {فما له من نور} اى فماله هداية ما من احد اصلا، قال الكاشفى [اين تمثيل ديكراست مر عملهاى كفاررا ظلمات اعمال تيره اوست وبحر لجى دل او وموج آنجه دل اورا مى بوشد ازجهل وشرك وسحاب مهر خذلان برآن بس كردار وكفتارش ظلمت ومدخل ومخرجش ظلمت ورجوع اودر روز قيامت هم بظلمت عكس مؤمن كه اورانوراست واين را {ظلمات بعضها فوق بعض}] شعر : مؤمنان ازتيركى دور آمدند لاجرم نور على نور آمدند كافر تاريك دل را فكرتست حال كارش ظلمت اندر ظلمتست تفسير : والاشارة بالظلمات الى صورة الاعمال التى وقعت على الغفلة بلا حضور القلب وخلوص النية فهى {كظلمات فى بحر لجى} وهو حب الدنيا {يغشاه موج} من الرياء {من فوقه موج} من حب الجاه وطلب الرياسة {من فوقه سحاب} من الشرك الخفى {ظلمات بعضها فوق بعض} يعنى ظلمة غفلة الطبيعة وظلمة حب الدنيا وظلمة حب الجاه وظلمة الشرك {اذا اخرج يده} يعنى العبد يد قصده واجتهاده وسعيه ليرى صلاح حاله ومآ له فى تخصله من هذه الظلمات لم ير بنظر عقله طريق خلاصه من هذه الظلمات لان من لم يصبه رشاش النور الالهى عند قسمه الانوار فماله من نور يخرجه من هذه الظلمات فان نور العقل ليس له هذه القوة لانها من خصوصية نور الله كقوله تعالى {أية : الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور}تفسير : والنكتة فى قوله تعالى {أية : يخرجهم}تفسير : الخ كأنه يقول اخرجت الماء من العين والمطر من السحاب والنار من الحجر والحديد من الجبال الدخان من النار والنبات من الارض والثمار من الاشجار كما لايقدر احد ان يرد هذه الاشياء الى مكانها كذلك لايقدر ابليس وسائر الطواغيت ان يردك الى ظلمة الكفر والشك والنفاق بعدما اخرجتك الى نور الايمان واليقين والاخلاص والله الهادى.

الجنابذي

تفسير : {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} يعنى انّ الّذين كفروا بالولاية امّا يكونون على صورة الاسلام ويكون عملهم صورة عمل المؤمن او لا يكونون على صورة الاسلام ولا يكون عملهم موافقاً لعمل المؤمن، بل يكون بخلاف الشّريعة وخلاف عمل المؤمن فيكون بصورته مظلماً كما انّه لا يكون له لبّ مثل عمل الكافر السّابق الّذى كان على صورة الاسلام ولم يكن له ايمان، فشبّه اعمالهم المظلمة بظلمات اللّيل ونفوسهم المظلمة ببحرٍ عميقٍ او بعيد السّاحل، واضطرابات نفوسهم بسبب كثرة الآمال والشّهوات وكثرة خوفهم بحسبان كلّ صيحهٍ عليهم بالامواج المتتابعة والمتراكمة، وشبّه الاهوية السّاترة للحقّ عن نظره بالسّحاب السّاترة للشّمس الواقعة فوق البحر فانّها تصير سبباً لشدّة الظلّمة وكثرة الامواج خصوصاً اذا كان معها قطرات من المطر فقال أعمالهم كظلماتٍ {فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ} اى يغشى البحر او العامل {مَوْجٌ} من البحر {مِّن فَوْقِهِ} اى من فوق الموج او البحر او العامل {مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ} هذا الضّمير كالضّمير السّابق {سَحَابٌ} قرئ بالاضافة ومنوّناً {ظُلُمَاتٌ} قرئ بالرّفع مبتدءً ومسوّغه وصفه المستفاد من التّنوين، او خبر مبتدءٍ محذوفٍ، وقرئ بالجرّ وهو على قراءة تنوين سحاب يكون بدلاً من ظلماتٍ {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} وهى ظلمة البحر وظلمه اللّيل وظلمة الامواج وظلمة السّحاب {إِذَآ أَخْرَجَ} العامل او اذا اخرج مخرج {يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} يعنى لا يريها ولا يقرب رؤيتها او يريها بعد جهةٍ ومشقّة بعد ان لم يكد يريها فانّه قد يستعمل فى هذا المعنى {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً} يعنى من لم يهده الله لنوره، وهذا يدلّ على انّ قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} (الى آخره) معادلٌ لقوله {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} ولم يقل: من لم يهتد الى نوره؛ للاشعار بانّ الاهتداء الى النّور مسبّب من فعل الله بخلاف الكفر فانّه مسبّب من استعداد العبد والمراد بالنّور الّذى يجعله الله للعباد الولاية الّتى هى كالبذر فى ارض القلب وكالانفحة للبن الوجود وكاللّبّ لجوز الاعمال ولوزها وفستقها، وبها يصير العباد اولى الالباب، والاعمال ذوات الالباب، وبدونها يكون وجود العباد واعمالهم كالجوز الخالى من اللّبّ وهذه هى الّتى لا تدع العباد ان يخرجوا عن طاعة مشايخهم، وهى الّتى اذا قويت وصفّت النّفوس ظهرت بصورة مشايخهم فى قلوبهم وقوله تعالى: {أية : نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} تفسير : [التحريم:8] اشارة الى هذا الظّهور فانّه فى القيامة تصفو النّفوس من حجب المادّة وتظهر ولايتهم بصورة امامهم، وبظهور هذا النّور يكون جميع الخيرات ويدفع جميع الشّرور، وتلك الولاية كسفينة نوح يكون المتوسّل بها آمنا من امواج الفتن وظلمات الزّمن، والى هذه الولاية اشار من قال: شعر : بهر اين فرمود بيغمبر كه من همجو كشتى ام بطوفان زمن ما واصحابيم جون كشتىّ نوح هركه دست اندر زند يابد فتوح تفسير : والى ذلك الظّهور اشار بقوله: شعر : جون خدا مرجسم راتبديل كرد روفتنش بى فرسخ وبى ميل كرد جونكه باشيخى تودور اززشتئى روز وشب سيّارى ودركشتئى هين مير الاّ كه بابرهاى شيخ تا ببينى عون لشكر هاى شيخ تفسير : {فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} لانّه من ذاته ان يكون ليس فى ذاته وصفاته، ومن الله ان يكون ايساً فى ذلك كلّه فكأنّه تعالى قال: لم يكن له نورٌ لانّه ما له من نورٍ من ذاته، وللاشارة الى بعض وجوه التّأويل ورد عن الصّادق (ع) شرح فى تأويل الآية حتّى قال: اذا اخرج يده المؤمن فى ظلمة فتنتهم لم يكد يريها ومن لم يجعل الله له نوراً اماماً من ولد فاطمة (ع) فما له من نورٍ امام يوم القيامة.

فرات الكوفي

تفسير : {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور40} قال: حدّثني عبيد بن كثير معنعناً: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أتاني جبرئيل عليه السلام فقال: أبشّرك يا محمد بما تجوز على الصراط. قال: قلت: بلى، قال: تجوز بنور الله، ويجوز عليّ بنورك، ونورك من الله، وتجوز أمّتك بنور علي، ونور علي من نورك {ومن لم يجعل الله له} [مع علي. أ، ب] {نوراً فما له من نور}.

اطفيش

تفسير : {أَو كَظُلُمَاتٍ} عطف على كسراب والظاهر أن (أو) للتنويع تنويع اعماله إلى حسنة فهي كسراب وإلى قبيحة فهي كظلمات بعضها حسنة وبعضها قبيحة أو هي للتقسيم كذلك أو للتفصيل كذا يظهر ثم رايت القاضي قال: هي للتنويع أو للتقسيم باعتبار وقتين فانها كالظلمات في الدنيا والسراب في الآخرة (أو) للتخيير لان اعمالهم كالسراب لعدم منفعة فيها أو كالظلمات لخلوها عن نور الحق وفيه بحث من حيث ان شرط التخيير تقدم الامر وامتناع الجمع على المشهور والامر غير متقدم والجمع غير ممتنع لجواز تشبيه اعمالهم بسراب وظلمات جميعا فانها في فسادها وجهالتهم فيها ظلمات * {فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} نسب إلى اللج وهو معظم ماء البحر فالمراد البحر العميق {يَغْشَاهُ} اي البحر * {مَوْجٌ} والجملة صفة بحر أو حالة منه أو من ضمير مستتر في {لُّجِّي} ويغشاه يغطيه ويعلوه * {مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} نعت موج والهاء للموج والمراد امواج كثيرة ما ذكر فيه كثير * {مِّن فَوْقِهِ} اي فوق الموج الثاني * {سَحَابٌ} غطى النجوم وحجب انوارها والجملة نعت الموج الثاني ولك ارجاع الهاء للبحر فتكون نعتا له او حالا على ما مر وارجاعها للموج الاول فتكون الجملة نعتا له أو حالا منه. ويجوز ان يراد التشبيه بظلمات البحر في يوم سحاب غطى الشمس فان قعر البحر مطلقا شديد الظلمة * {ظُلُمَاتُ} اي هذه ظلمات. قال عمرو قرأ البزي (سحاب) بغير تنوين والباقون بالتنوين. وقرأ ابن كثير (ظلمات) بالخفض والباقون بالرفع يعني ان ابن كثير جر ظلمات بدلا من الاولى في رواية غير البزي فينون (سحاب) ولاضافة سحاب في رواية البزي عنه. {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهاَ} لم يقرب ان يراها لشدة الظلمة. وقيل: معناه لم يرها الا بعد جهد والاول ابلغ اي لم يكن قريبا من رؤيتها فضلا عن ان يكون رأى وخص اليد لانها قيل من اقرب شيء يراه الانسان وضمائر مذكر المواقع في البحر ولو لم يجري له ذكر لدلالة المعنى عليه. قيل: ذكر الله ثلاثة انواع من الظلمة ظلمة البحر وظلمة الامواج وظلمة السحاب وكذلك الكافر له ثلاث ظلمات ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل. وقل الشيخ هود في الظلمات: انها ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة الليل. وقيل: الظلمات الاعمال الفاسدة والمعتقدات الباطلة والبحر اللجي صدر الكافر وقلبه والموج هو الضلال والجهالة والشك والسحاب شهوته في الكفر واعراضه عن الايمان والطبع على قلبه؛ كلامه ظلمة وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره للظلمة يوم القيامة {وَمَنْ لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَالَهً مِن نُّورٍ} اي من لم يوفقه الى الدين والايمان والهداية فلا موفق إلى ذلك. وقالت فرقة ذلك ففي الآخرة اي من لم يرحمه وينور حاله بالمغفرة والرحمة فلا رحمة له. قال عياض: والاول أليق بلفظ الآية وأبين ذلك متلازم فان من كان له ذلك في الدنيا كان له ما ذكر في الآخرة ومن كان له ما ذكر في الآخرة فقد كان له ذلك في الدنيا.

اطفيش

تفسير : {أو كظلمات} أو لتقسيم أعمالهم أو للتنويع أو للتخيير، وجه التقسيم أن حسناتهم بعضه كسراب، وهو ما كان طاعة لا تنفعهم لشركهن، وكذا لا ينفعهم ما ليس طاعة، وبعضها كظلمات وهو المعصية التى تقربوا بها الى الله عز وجل، أو أعمالهم مطلقاً كالسراب فى الآخرة لعدم النفع، لقوله:{ووجد الله}الخ، وكالظلمات فى الدنيا لخلوها من نور الحق لقوله: {ومن لم يجعل الله} الخ أو شبهها بالسراب فى الدنيا حال الموت، وبالظلمات فى القيامة، كما روى: "حديث : الظلم ظلمات" تفسير : والتقسيم باعتبار الوقتين، ووجه التنويع أن بعضا كسراب، وبعضا كظلمات ولا عقاب على ما هو حسنة، ووجه التخيير على جوازه فى غير الطلب أنك إن شبهتها بالسراب أصبت، أو بالظلمات أصبت، نحو: زيد وعمر كلاهما محتاج، تكريم زيداً أو تكريم عمراً. {فى بحر لجىّ} ذى لج، واللج معظم ماء البحر، وكذا اللجة، والأول أولى، لأن الأصل عدم الحذف، ولو اتحد المعنى وفى النسب الى اللجة حذف التاء، ولو كان قياسياً شهيراً {يغشاه موجٌ} يغشى هذا البحر جزء منه متحرك، فالمغشى أكثر البحر، والغاشى بعضه وهو الموج {من فوْقِه} فوق الموج {مَوجٌ} آخر مبتدأ أو خبر، والجملة نعت موج او من فوقه نعت، وموج فاعل لقوله: "من فوقه" والمراد تعدد الأمواج، ويجوز أن يكون الموج بالمعنى المصدرى فالمغشى كل البحر {من فَوقه} أى فوق هذا الموج الثانى {سَحابٌ} ساتر لضوء النجوم والقمر، كأنها بلغت السحاب. {ظلماتٌ} هى ظلمات، أو ذلك ظلمات {بعضها فوق بعضٍ} كقوله تعالى: "أية : نور على نُور" تفسير : [النور: 35] {إذا أخْرج يَده} من ثيابه أو من حيث هى الى جهة السماء قرب عينيه {لَم يَكَد يراهَا} لم يقرب أن يراها، فضلاً عن أن يراها فليس يكاد زائدة وجملة، إذا وشرطها وجوابها نعت ظلمات، وإنما الممنوع أن يكون خبرا أو حالا او صلة أو نعتا أداة الشرط، والشرط أو كلاهما مع الجواب الذى هو أمر او نهى، أونحوهما، والرابط محذوف، أى إذا أخرج فيها يده، ونفى كاد نفى، وإثباتها إثبات، والنفى فى الماضى لا يوجب الاثبات فى المستقبل، وكذا العكس، وإذا استعمل لم يكد يكون مع أنه كان، فمعناه أنه وقع بعد ما بعد من الوقوع، وذلك إن كان دليل الوقوع ولو قيل هنا: المراد لم يرها الا بعد امتناع شديد لقيل أى دليل على ذلك، وشرط الرؤية أن يكون الرائى فى ضوء أو يكون مرئية مضيئا ككوكب، وكنار فى بعيد وأنت فى ظلمة، وأما عدم رؤية النجوم نهاراً فلذهاب ضوئها بضوء الشمس عنا، ولو كانت نهاراً على حالها ليلا. {ومَن لَم يجْعَل الله له نُوراً} هدى {فماله منْ نُور} هدى من أحد له، أو من لم يكن له هدى فى الدنيا، فهو يوم القيامة فى ظلمه، أو من لم ينوره الله يوم القيامة بعفوه لتوفيقه فى الدنيا، فلا نور له يوم القيامة، أى لا رحمة له.

الالوسي

تفسير : {أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ } عطف على { أية : كَسَرَابٍ } تفسير : [النور: 39]، وكلمة (أو) قيل لتقسيم حال أعمالهم الحسنة، وجوز الإطلاق باعتبار وقتين فإنها كالسراب في الآخرة من حيث عدم نفعها وكالظلمات في الدنيا من حيث خلوها عن نور الحق، وخص / هذا بالدنيا لقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } فإنه ظاهر في الهداية والتوفيق المخصوص بها، والأول بالآخرة لقوله تعالى: { أية : وَوَجَدَ } تفسير : [النور: 39] الخ وقدم أحوال الآخرة التي هي أعظم وأهم لاتصال ذلك بما يتعلق بها من قوله سبحانه: { أية : لِيَجْزِيَهُمُ } تفسير : [النور: 38] الخ ثم ذكر أحوال الدنيا تتميماً لها. وجوز أن يعكس ذلك فيكون المراد من الأول تشبيه أعمالهم بالسراب في الدنيا حال الموت، ومن الثاني تشبيهها بالظلمات في القيامة كما في الحديث « حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة » تفسير : ويكون ذلك ترقياً مناسباً للترتيب الوقوعي وليس بذلك لما سمعت. وقيل للتنويع، وذلك أنه أثر ما مثلت أعمالهم التي كانوا يعتمدون عليها أقوى اعتماد ويفتخرون بها في كل واد وناد بما ذكر من حال السراب مثلت أعمالهم القبيحة التي ليس فيها شائبة خيرية يغتر بها المغترون بالظلمات المذكورة، وزعم الجرجاني أن المراد هنا تشبيه كفرهم فقط وهو كما ترى. والظاهر على التنويع أن يراد من الأعمال في قوله تعالى: { أية : أَعْمَـٰلَهُمْ } تفسير : [النور: 39] ما يشمل النوعين. واعترض بأنه يأبـى ذلك قوله تعالى: { أية : وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ } تفسير : [النور: 39] بناءً على دخوله في التشبيه لأن أعمالهم الصالحة وإن سلم أنها لا تنفع مع الكفر لا وخامة في عاقبتها كما يؤذن به قوله سبحانه: {وَوَجَدَ } الخ. وأجيب بأنه ليس فيه ما يدل على أن سبب العقاب الأعمال الصالحة بل وجد أن العقاب بسبب قبائح أعمالهم لكنها ذكرت جميعها لبيان أن بعضها جعل هباء منثور أو بعضها معاقب به. وجوز أن تكون للتخيير في التشبيه لمشابهة أعمالهم الحسنة أو مطلقاً السراب لكونها لاغية لا منفعة فيها، والظلمات المذكورة لكونها خالية عن نور الحق، واختاره الكرماني. واعترض بأن الرضي كغيره ذكر أنها لا تكون للتخيير إلا في الطلب. وأجيب بأنه وإن اشتهر ذلك فقد ذهب كثير إلى عدم اختصاصه به كابن مالك والزمخشري ووقوعه في التشبيه كثير، وأياً ما كان فليس في الكلام مضاف محذوف. وقال أبو علي الفارسي: فيه مضاف محذوف والتقدير أو كذي ظلمات، ودل عليه ما يأتي من قوله سبحانه: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ } والتشبيه عنده هنا يحتمل أن يكون للأعمال على نمط التشبيه السابق ويقدر أو كأعمال ذي ظلمات. ويحتمل أن يكون للكفرة ويقدر أو هم كذي ظلمات والكل خلاف الظاهر، وأمر الضمير سيظهر لك إن شاء الله تعالى. وقرأ سفيان بن حسين {أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ } بفتح الواو، ووجه ذلك في «البحر» ((بأنه جعلها واو عطف تقدمت عليها الهمزة التي لتقرير التشبيه الخالي عن محض الاستفهام)) وقيل هي {أَوْ } التي في قراءة الجمهور وفتحت الواو للمجاورة كما كسرت الدال لها في قوله تعالى: { أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ } تفسير : [الفاتحة: 2] على بعض القراآت. {فِى بَحْرٍ لُّجّىّ } أي عميق كثير الماء منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر. وقيل اللجة وهي أيضاً معظمه وهو صفة {بَحْرٍ } وكذا جملة قوله تعالى {يَغْشَـٰهُ } أي يغطي ذلك البحر ويستره بالكلية {مَوْجٌ } وقدمت الأولى لإفرادها. وقيل الجملة صفة ذي المقدر والضمير راجع إليه، وقد علمت حال ذلك التقدير وقوله تعالى: {مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ } جملة من مبتدأ وخبر محلها الرفع على أنها صفة لموج أو الصفة الجار والمجرور وما بعده فاعل له لاعتماده على الموصوف. والمراد يغشاه أمواج متراكمة متراكبة بعضها على بعض، وقوله تعالى: {مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ } صفة لموج الثاني على أحد الوجهين المذكورين أي من فوق ذلك الموج سحاب ظلماني ستر أضواء النجوم، وفيه إيماء إلى غاية تراكم الأمواج / وتضاعفها حتى كأنها بلغت السحاب. {ظُلُمَـٰتِ } خبر مبتدأ محذوف أي هي ظلمات {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } أي متكاثفة متراكمة، وهذا بيان لكمال شدة الظلمات كما أن قوله تعالى: { أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } تفسير : [النور: 35] بيان لغايةّ قوة النور خلا أن ذلك متعلق بالمشبه وهذا بالمشبه به كما يعرب عنه ما بعده. وأجاز الحوفي أن يكون {ظُلُمَـٰتِ } مبتدأ خبره قوله تعالى: {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ }. وتعقبه أبو حيان وتبعه ابن هشام بأن الظاهر أنه لا يجوز لما فيه من الابتداء بالنكرة من غير مسوغ إلا أن يقدر صفة لها يؤذن بها التنوين أي ظلمات كثيرة أو عظيمة وهو تكلف. وأجاز أيضاً أن يكون {بَعْضَهَا } بدلاً من {ظُلُمَـٰتِ }. وتعقب بأنه لا يجوز من جهة المعنى لأن المراد والله تعالى أعلم الإخبار بأنها ظلمات وأن بعض تلك الظلمات فوق بعض أي هي ظلمات متراكمة لا الإخبار بأن بعض ظلمات فوق بعض من غير إخبار بأن تلك الظلمات السابقة متراكمة. وقرأ قنبل {ظُلُمَـٰتِ } بالجر على أنه بدل من {ظُلُمَـٰتِ } الأولى لا تأكيد لها. وجملة {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } في موضع الصفة له. وقرأ البزي {سَحَابٌ ظُلُمَـٰتٌ } بإضافة سحاب إلى ظلمات وهذه الإضافة كالإضافة في لجين الماء أو لبيان أن ذلك السحاب ليس سحاب مطر ورحمة. {إِذَا أَخْرَجَ } أي من ابتلي بها، وإضماره من غير ذكر لدلالة المعنى عليه دلالة واضحة. وكذا تقدير ضمير يرجع إلى {ظُلُمَـٰتِ } واحتيج إليه لأن جملة {إِذَا أَخْرَجَ } الخ في موضع الصفة لظلمات ولا بد لها من رابط ولا يتعين ما أشرنا إليه. وقيل: ضمير الفاعل عائد على اسم الفاعل المفهوم من الفعل على حد «لا يشرب الخمر وهو مؤمن» أي إذا أخرج المخرج فيها {يَدَهُ } وجعلها بمرأى منه قريبة من عينيه لينظر إليها {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } أي لم يقرب من رؤيتها وهي أقرب شيء إليه فضلاً عن أن يراها. وزعم ابن الأنباري زيادة {يَكَدْ }. وزعم الفراء والمبرد أن المعنى لم يرها إلا بعد الجهد فإنه قد جرى العرف أن يقال: ما كاد يفعل ولم يكد يفعل في فعل قد فعل بجهد مع استبعاد فعله وعليه جاء قوله تعالى: { أية : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } تفسير : [البقرة: 71] ومن هنا خطأ ابن شبرمة ذا الرمة بقوله: شعر : إذا غير النأي المحبين لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح تفسير : وناداه يا أبا غيلان أراه قد برح ففك وسلم له ذو الرمة ذلك فغير لم يكد بلم يكن أو لم أجد. والتحقيق أن الذي يقتضيه لم يكد وما كان يفعل أن الفعل لم يكن من أصله ولا قارب في الظن أن يكون ولا يشك في هذا. وقد علم أن كاد موضوعة لشدة قرب الفعل من الوقوع ومشارفته فمحال أن يوجب نفيه وجود الفعل لأنه يؤدي إلى أن يكون ما قارب كذلك فالنظر إلى أنه إذا لم يكن المعنى على أن ثمت حالاً يبعد معها أن تكون ثم تغيرت كما في قوله تعالى: { أية : فَذَبَحُوهَا } تفسير : [البقرة: 71] الخ يلتزم الظاهر ويجعل المعنى أن الفعل لم يقارب أن يكون فضلاً عن أن يكون والآية على ذلك وكذا البيت، وقد ذكر أن لم يكد فيهما جواب {إِذَا } فيكون مستقبلاً وإذا قلت: إذا خرجت لم أخرج فقد نفيت خروجاً في المستقبل فاستحال أن يكون المعنى فيهما على أن الفعل قد كان. وهذا التحقيق خلاصة ما حقق الشيخ في «دلائل الاعجاز»، ومنه يعلم تخطئة من زعم أن كاد نفيها إثبات وإثباتها نفي. وفي «الحواشي الشهابية» أن نفي كاد على التحقيق المذكور أبلغ من نفي الفعل الداخلة عليه لأن نفي مقاربته / يدل على نفيه بطريق برهاني إلا أنه إذا وقع في الماضي لا ينافي ثبوته في المستقبل وربما أشعر بأنه وقع بعد اليأس منه كما في آية البقرة، وإذا وقع في المستقبل لا ينافي وقوعه في الماضي فإن قامت قرينة على ثبوته فيه أشعر بأنه انتفى وأيس منه بعد ما كان ليس كذلك كما في هذه الآية فإنه لشدة الظلمة لا يمكنه رؤية يده التي كانت نصب عينيه، ثم فرع على هذا أن لك أن تقول: إن مراد من قال: إن نفيها إثبات وإثباتها نفي أن نفيها في الماضي يشعر بالثبوت في المستقبل وعكسه كما سمعت، وهذا وجه تخطئة ابن شبرمة وتغيير ذي الرمة لأن مراده أن قديم هواها لم يقرب من الزوال في جميع الأزمان ونفيه في المستقبل يوهم ثبوته في الماضي فلا يقال: إنهما من فصحاء العرب المستشهد بكلامهم فيكف خفي ذلك عليهما ولذا استبعده في «الكشف» وذهب إلى أن قصتهما موضوعة وأوصى بحفظ ذلك حيث قال: فاحفظه فإنه تحقيق أنيق وتوفيق دقيق سنح بمحض اللطف والتوفيق انتهى. ولعمري إن ما أول به كلام القائل بعيد غاية البعد ولا أظنه يقع موقع القبول عنده ونفي كل فعل في الماضي لا ينافي ثبوته في المستقبل ونفيه في المستقبل لا ينافي وقوعه في الماضي ولا اختصاص لكاد بذلك فيا ليت شعري هل دفع الإيهام ما عير إليه ذو الرمة بيته فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك. ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن مانع الرؤية شدة الظلمة وهو كذلك لأن شرط الرؤية بحسب العادة في هذه النشأة الضوء سواء كانت بمحض خلق الله تعالى كما ذهب إليه أهل الحق أو كانت بخروج الشعاع من العين على هيئة مخروط مصمت أو مؤلف من خطوط مجتمعة في الجانب الذي يلي الرأس أولاً على هيئة مخروط بل على استواء لكن مع ثبوت طرفه الذي يلي العين واتصاله بالمرئي أو بتكيف الشعاع الذي في العين بكيفية الهواء وصيرورة الكل آلة للرؤية كما ذهب إليه فرق الرياضيين أو كانت بانطباع شبح المرئي في جزء من الرطوبة الجليدية التي تشبه البرد والجمد كما ذهب إليه الطبيعيون، وهذان المذهبان هما المشهوران للفلاسفة ونسب للإشراقيين منهم. واختاره شهاب الدين القتيل أن الرؤية بمقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقلية وإذا وجدت هذه الشروط مع زوال المانع يقع للنفس علم إشراقي حضوري على المبصر فتدركه النفس مشاهدة ظاهرة جلية بلا شعاع ولا انطباع، واختار الملا صدرا أنها بإنشاء صورة مماثلة للمرئي بقدرة الله تعالى من عالم الملكوت النفساني مجردة عن المادة الخارجية حاضرة عند النفس المدركة قائمة بها قيام الفعل بفاعله لا قيام المقبول بقابله، وتحقيق ذلك بما له وما عليه في مبسوطات «كتب الفلسفة» وربما يظن أن الظلمة سواء كانت وجودية أو عدم ملكة من شروط الرؤية كالضوء لكن بالنسبة إلى بعض الأجسام كالأشياء التي تلمع بالليل. ونفي ابن سينا ذلك وقال: لا يمكن أن تكون الظلمة شرطاً لوجود اللوامع مبصرة وذلك لأن المضيء مرئي سواء كان الرائي في الظلمة أو في الضوء كالنار نراها مطلقاً، وأما الشمس فإنما لا يمكننا أن نراها في الظلمة لأنها متى طلعت لم تبق الظلمة، وأما الكواكب واللوامع فإنما ترى في الظلمة دون النهار لأن ضوء الشمس غالب على ضوئها وإذا انفعل الحس عن الضوء القوي لا جرم لا ينفعل عن الضعيف، فأما في الليل فليس هناك ضوء غالب على ضوئها فلا جرم ترى، وبالجملة فصيرورتها غير مرئية ليس لتوقف ذلك على الظلمة بل لوجود المانع عن الرؤية وهو وجود الضوء الغالب انتهى، ويمكن أن يقال: إن ضوء الشمس على ما ذكر مانع عن رؤية اللوامع ورفع مانع الرؤية شرط لها ودفع الضوء هو الظلمة فالظلمة شرط رؤية اللوامع بالليل وهو المطلوب فتدبر ولا تغفل / والله تعالى أعلم بحقائق الأمور. {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } اعتراض تذييلي جىء به لتقرير ما أفاده التمثيل من كون أعمال الكفار كما فصل وتحقيق أن ذلك لعدم هدايته تعالى إياهم لنوره، وإيراد الموصول للإشارة بما في حيز الصلة إلى علة الحكم وأنهم ممن لم يشأ الله تعالى هدايتهم أي من لم يشأ الله تعالى أن يهديه الله سبحانه لنوره في الدنيا فما له هداية ما من أحد أصلاً فيها، وقيل: معنى الآية من لم يكن له نور في الدنيا فلا نور له في الآخرة. وقيل: كلا الأمرين في الآخرة، والمعنى من لم ينوره الله تعالى بعفوه ويرحمه برحمته يوم القيامة فلا رحمة له من أحد فيها والمعول عليه ما تقدم. والظاهر أن المراد تشبيه أعمال الكفرة بالظلمات المتكاثفة من غير اعتبار أجزاء في طرفي التشبيه يعتبر تشبيه بعضها ببعض، ومنهم من اعتبر ذلك فقال: الظلمات الأعمال الفاسدة والمعتقدات الباطلة والبحر اللجي صدر الكافر وقلبه والموج الضلال والجهالة التي قد غمرت قلبه والموج الثاني الفكر المعوجة والسحاب شهوته في الكفر وإعراضه عن الإيمان. وقيل: الظلمات أعمال الكافر والبحر هواه العميق القعر الكثير الخطر الغريق هو فيه والموج ما يغشى قلبه من الجهل والغفلة. والموج الثاني ما يغشاه من شك وشبهة والسحاب ما يغشاه من شرك وحيرة فيمنعه من الاهتداء والكل كما ترى ولو جعل من باب الإشارة لهان الأمر. ومن باب الإشارة: ما قيل إن في قوله تعالى: { أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [النور: 2] إشارة إلى أنه ينبغي للشيخ إذا أراد تأديب المريد وكسر نفسه الأمارة أن يؤدبه بمحضر طائفة من المريدين الذين لا يحتاجون إلى تأديب. ومن هنا قال أبو بكر بن طاهر: لا يشهد مواضع التأديب إلا من لا يستحق التأديب وهم طائفة من المؤمنين لا المؤمنون أجمع، والزنا عندهم إشارة إلى الميل للدنيا وشهواتها، وفي قوله تعالى: { أية : ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } تفسير : [النور: 3] الخ. وقوله تعالى: { أية : ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ } تفسير : [النور: 26] الخ إشارة إلى أنه لا ينبغي للأخيار معاشرة الأشرار، إن الطيور على أشباهها تقع. وفي قوله تعالى: { أية : لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } تفسير : [النور: 11] إشارة إلى أنه لا ينبغي لمن يشنع عليه المنكرون من المشايخ أن يحزن من ذلك ويظنه شراً له فإنه خير له موجب لترقيه. وفي قوله تعالى: { أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ } تفسير : [النور: 22] الخ إشارة إلى أنه ينبغي للشيوخ والأكابر أن لا يهجروا أصحاب العثرات وأهل الزلات من المريدين وأن لا يقطعوا إحسانهم وفيوضاتهم عنهم، وفي قوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } تفسير : [النور: 27] إشارة إلى أنه لا ينبغي لمن يريد الدخول على الأولياء أن يدخل حتى يجد روح القبول والإذن بإفاضة المدد الروحاني على قلبه المشار إليه بالاستئناس فإنه قد يكون للولي حال لا يليق للداخل أن يحضره فيه وربما يضره ذلك، وأطرد بعض الصوفية ذلك فيمن يريد الدخول لزيارة قبور الأولياء قدس الله تعالى أسرارهم فقال: ينبغي لمن أراد ذلك أن يقف بالباب على أكمل ما يكون من الأدب ويجمع حواسه ويعتمد بقلبه طالباً الإذن ويجعل شيخه واسطة بينه وبين الولي المزور في ذلك فإن حصل له انشراح صدر ومدد روحاني وفيض باطني فليدخل وإلا فليرجع، وهذا هو المعنى بأدب الزيارة عندهم ولم نجد ذلك عن أحد من السلف الصالح. والشيعة عند زيارتهم للأئمة رضي الله تعالى عنهم ينادي أحدهم أأدخل يا أمير المؤمنين أو يا ابن بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام أو نحو ذلك ويزعمون أن علامة الإذن حصول رقة القلب ودمع العين وهو أيضاً مما لم / نعرفه عن أحد من السلف ولا ذكره فقهاؤنا وما أظنه إلا بدعة ولا يعد فاعلها إلا مضحكة للعقلاء، وكون المزور حياً في قبره لا يستدعي الاستئذان في الدخول لزيارته، وكذا ما ذكره بعض الفقهاء من أنه ينبغي للزائر التأدب مع المزور كما يتأدب معه حياً كما لا يخفى. وقد رأيت بعد كتابتي هذه في «الجوهر المنتظم في زيارة القبر المعظم» صلى الله تعالى على صاحبه وسلم لابن حجر المكي ما نصه: قال بعضهم: وينبغي أن يقف ـ يعني الزائر ـ بالباب وقفة لطيفة كالمستأذن في الدخول على العظماء انتهى. وفيه أنه لا أصل لذلك ولا حال ولا أدب يقتضيه انتهى. ومنه يعلم أنه إذا لم يشرع ذلك في زيارة قبره عليه الصلاة والسلام فعدم مشروعيته في زيارة غيره من باب أولى فاحفظ ذاك والله تعالى يعصمنا من البدع وإياك. وقيل في قوله تعالى: { أية : قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } تفسير : [النور: 30] الخ إن فيه أمراً بغض بصر النفس عن مشتيهات الدنيا وبصر القلب عن رؤية الأعمال ونعيم الآخرة وبصر السر عن الدرجات والقربات وبصر الروح عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى وبصر الهمة عن أن يرى نفسه أهلاً لشهود الحق تنزيهاً له تعالى وإجلالاً، وأمراً بحفظ فرج الباطن عن تصرفات الكونين فيه، والإشارة بأمر النساء بعدم إبداء الزينة إلا لمن استثنى إلى أنه لا ينبغي لمن تزين بزينة الأسرار أن يظهرها لغير المحارم ومن لم يسترها عن الأجانب. وبقوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ } الخ إلى النكاح المعنوي وهو أن يودع الشيخ الكامل في رحم القلب من صلب الولاية نطفة استعداد قبول الفيض الإلٰهي. وقد أشير إلى هذا الاستعداد بقوله سبحانه: { أية : إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [النور: 32] ثم قال جل وعلا: {وَلْيَسْتَعْفِفِ } أي ليحفظ {ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ } شيخاً في الحال أرحام قلوبهم عن تصرفات الدنيا والهوى والشيطان {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } بأن يوفق لهم شيخاً كاملاً أو يخصهم سبحانه بجذبة من جذباته، وأشير بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ } الخ إلى أن المريد إذا طلب الخلاص عن قيد الرياضة لزم إجابته إن علم فيه الخير وهو التوحيد والمعرفة والتوكل والرضا والقناعة وصدق العمل والوفاء بالعهد ووجب أن يؤتى بعض المواهب التي خصها الله تعالى بها الشيخ. وأشير بقوله تعالى: { أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ } تفسير : [النور: 33] الخ إلى أن النفس إذا لم تكن مائلة إلى التصرف في الدنيا لم تكره عليه. ولهم في قوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [النور: 35] كلام طويل عريض وفيما قدمنا ما يصلح أن يكون من هذا الباب. وذكر أن قوله تعالى: { أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [النور: 37] مما يدخل في عمومه أهل الطريقة العلية النقشبندية الذين حصل لهم الذكر القلبـي ورسخ في قلوبهم بحيث لا يغفلون عنه سبحانه في حال من الأحوال وهذا وإن ثبت لغيرهم أيضاً من أرباب الطرائق فإنما يثبت في النهايات دون المبادي كما يثبت لأهل تلك الطريقة. وفي «مكتوبات الإمام الرباني» قدس سره ما يغني عن الإطالة في شرح أحوال هؤلاء القوم وبيان منزلتهم في الذكر والحضور بين سائر الأقوام حشرنا الله تعالى وإياهم تحت لواء النبـي عليه الصلاة والسلام، وقيل إن قوله تعالى: { أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } تفسير : [النور: 40] إشارة لما ورد في حديث « حديث : خلق الله تعالى الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه منه اهتدى ومنه أخطأه ضل » تفسير : والله تعالى الموفق لصالح العمل.

ابن عاشور

تفسير : شأن {أو} إذا جاءت في عطف التشبيهات أن تدل على تخيير السامع أن يشبه بما قبلها وبما بعدها. وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: { أية : أو كصيب من السماء } تفسير : في سورة البقرة (19)، أي مع اتحاد وجه الشبه. ومنه قول أمرىء القيس: شعر : يُضيء سناه أو مصَابيح راهب .......................... تفسير : وقول لبيد: شعر : أفتلك أم وحشية مسبوعة خذلت وهادية الصوّار قوامها تفسير : فإذا كان الكلام هنا جارياً على ذلك الشأن كان المعنى تمثيل الذين كفروا في أعمالهم التي يظنون أنهم يتقربون بها إلى الله بحال ظلمات ليل غشيت ماخراً في بحر شديد الموج قد اقتحم ذلك البحر ليصل إلى غاية مطلوبة، فحالهم في أعمالهم تشبه حال سابح في ظلمات ليل في بحر عميق يغشاه موج يركب بعضه بعضاً لشدة تعاقبه، وإنما يكون ذلك عند اشتداد الرياح حتى لا يكاد يرى يده التي هي أقرب شيء إليه وأوضحُه في رؤيته فكيف يرجو النجاة. وإن كان الكلام جارياً على التخيير في التشبيه مع اختلاف وجه الشبه كان المعنى تمثيل حال الذين كفروا في أعمالهم التي يعملونها وهم غير مؤمنين بحال من ركب البحر يرجو بلوغ غاية فإذا هو في ظلمات لا يهتدي معها طريقاً. فوجه الشبه هو ما حف بأعمالهم من ضلال الكفر الحائل دون حصول مبتغاهم. ويرجح هذا الوجه تذييل التمثيل بقوله: {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور}. وعلى الوجهين فقوله: {كظلمات} عطف على { أية : كسراب } تفسير : [النور: 39] والتقدير: والذين كفروا أعمالهم كظلمات. وهذا التمثيل من قبيل تشبيه حالة معقولة بحالة محسوسة كما يقال: شاهدتُ سواد الكفر في وجه فلان. والظلمات: الظلمة الشديدة. والجمع مستعمل في لازم الكثرة وهو الشدة، فالجمع كناية لأن شدة الظلمة يحصل من تظاهر عدة ظلمات. ألا ترى أن ظلمة بين العشاءين أشد من ظلمة عقب الغروب وظلمة العشاء أشد مما قبلها. وقد ذكرنا فيما مضى أن لفظ ظلمة بالإفراد لم يرد في القرآن انظر أول سورة الأنعام. ومعنى كونها {في بحر} أنها انطبع سوادها على ماء بحر فصار كأنها في البحر كقوله تعالى: { أية : أو كصيب من السماء فيه ظلمات } تفسير : وقد تقدم في سورة البقرة (19) إذ جعل الظلمات في الصيب. واللجِّيّ منسوب إلى اللجة، واللج هو معظم البحر، أي في بحر عميق، فالنسب مستعمل في التمكن من الوصف كقول أبي النجم: شعر : والدهر بالإنسان دوّاريّ. تفسير : أي دوّار، وكقولهم: رجل مشركي ورجل غلاّبي، أي قوي الشرك وكثير الغلب. والموج: اسم جمع موجة والموجة: مقدار يتصاعد من ماء البحر أو النهر عن سطح مائه بسبب اضطراب في سطحه بهبوب ريح من جانبه يدفعه إلى الشاطىء. وأصله مصدر: ماج البحر، أي اضطرب وسمي به ما ينشأ عنه. ومعنى: {من فوقه موج} أن الموج لا يتكسر حتى يلحقه موج آخر من فوقه وذلك أبقى لظلمته. والسحاب تقدم في سورة الرعد (12). والسحاب يزيد الظلمة إظلاماً لأنه يحجب ضوء النجم والهلال. وقوله: {ظلمات بعضها فوق بعض} استئناف. والتقدير: هي ظلمات والمراد بالظلمات التي هنا غير المراد بقوله: {أو كظلمات} لأن الجمع هنا جمع أنواع وهنالك جمع أفراد من نوع واحد. وقرأ الجمهور: {سحاب ظلمات} بالتنوين فيهما. وقرأ البزي عن ابن كثير {من فوقه سحاب ظلمات} بترك التنوين في {سحاب} وبإضافته إلى {ظلمات}. وقرأه قنبل عن ابن كثير برفع {سحاب} منوناً وبجر {ظلمات} على البدل من قوله: {أو كظلمات}. وقوله: {لم يكد يراها} هو من قبيل قوله { أية : فذبحوها وما كادوا يفعلون } تفسير : [البقرة: 71] وقد تقدم وجه هذا الاستعمال في سورة البقرة وما فيه من قصة بيت ذي الرمة. وجملة: {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} تذييل للتمثيل، أي هم باءوا بالخيبة فيما ابتغوا مما عملوا وقد حفهم الضلال الشديد فيما عملوا حتى عدموا فائدته لأن الله لم يخلق في قلوبهم الهدى حين لم يوفقهم إلى الإيمان، أي أن الله جبلهم غير قابلين للهدى فلم يجعل لهم قبوله في قلوبهم فلا يحل بها شيء من الهدى. وفيه تنبيه على أن الله تعالى متصرف بالإعطاء والمنع على حسب إرادته وحكمته وما سبق من نظام تدبيره. وهذا التمثيل صالح لاعتبار التفريق في تشبيه أجزاء الهيئة المشبهة بأجزاء الهيئة المشبه بها؛ فالضلالات تشبه الظلمات، والأعمال التي اقتحمها الكافر لقصد التقرب بها تشبه البحر، وما يخالط أعماله الحسنة من الأعمال الباطلة كالبحيرة، والسائبة يشبه الموج في تخليطه العمل الحسن وتخلله فيه وهو الموج الأول. وما يرد على ذلك من أعمال الكفر كالذبح للأصنام يشبه الموج الغامر الآتي على جميع ذلك بالتخلل والإفساد وهو الموج الثاني، وما يحف اعتقاده من الحيرة في تمييز الحسن من العبث ومن القبيح يشبه السحاب الذي يغشى ما بقي في السماء من بصيص أنوار النجوم، وتطلّبُه الانتفاع من عمله يشبه إخراج الماخر يده لإصلاح أمر سفينته أو تناول ما يحتاجه فلا يرى يده بله الشيء الذي يريد تناوله.

الواحدي

تفسير : {أو كظلمات} وهذا مثلٌ آخرُ ضربه الله لأعمال الكافر {في بحر لجيٍّ} وهو البعيد القعر الكثير الماء {يغشاه} يعلوه {موجٌ} وهو ما ارتفع من الماء {من فوقه موج} متراكمٌ بعضه على بعض {مِن} فوق الموج {سحاب} وهذه كلُّها {ظلمات بعضها فوق بعض} ظلمة السَّحاب، وظلمة الموج، وظلمة البحر. {إذا أخرج} النَّاظر {يده} بين هذه الظُّلمات {لم يكد يراها} لم يرها لشدَّة الظُّلمة، وأراد بالظُّلمات أعمال الكفار، وبالبحر اللُّجيِّ قلبه، وبالموج من فوق الموج ما يغشى قلبه من الجهل والشَّكِّ والحيرة، وبالسَّحاب الرِّين والختم على قلبه، ثمَّ قال: {ومَنْ لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} أَيْ: مَنْ لم يهده الله للإِسلام لم يهتد. {ألم تر أنَّ الله يسبح له} يصلّي له {من في السموات والأرض} المطيع يُسبِّح له، والعاصي يذلُّ أيضاً بخلق الله تعالى إيَّاه على ما يشاء، على أنَّ الله بريءٌ من السُّوء {والطير صافات} أجنحتهنَّ في الهواء تسبِّح الله. {كلٌّ قد علم صلاته} وهي لبني آدم {وتسبيحه} وهو عامٌّ لغيرهم من الخلق.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 40- وهذا مثل آخر لأعمال الكفار، فمثلها كمثل ظلمات البحر الواسع العميق، الذى تتلاطم أمواجه عند هياجه، ويعلو بعضها فوق بعض، ويغطيها سحاب كثيف قاتم يحجب النور عنها، فهذه ظلمات متراكمة، لا يستطيع راكب البحر معها أن يرى يده ولو أدناها إلى بصره، فوقف حائراً مبهوتاً، وكيف يرى شيئاً ويخلص من هذه الحيرة بدون نور يهديه فى مسيره ويقيه الارتطام والهلاك؟ وكذلك الكافرون لا يفيدون من أعمالهم، ولا يخرجون من عمايتهم وضلالهم، ولا ينجون بأنفسهم إلا بنور الإيمان، ومن لم يوفقه الله لنور الإيمان، فليس له نور يهديه إلى الخير ويدله على الطريق المستقيم، فيكون من الهالكين. 41- ألم تعلم - يا أيها النبى - علماً يقينياً أن الله يخضع له كل من يسكن السموات والأرض، ويخضع له الطير كذلك، وهى باسطة أجنحتها. فهذه المخلوقات كلها خاضعة لأمر الله وتدبيره تنزهه عن الشريك وعن كل ما لا يليق، وكل منها قد علم بإلهام الله ما وجب عليه من خضوع وتنزيه وأداء لوظيفته فى الحياة، والله من ورائهم عالم أتم العلم بصلاة كل مصل وتسبيح كل مسبح، وجميع ما يفعله العباد، فكيف لا يؤمن به الكافرون؟ 42- والله - وحده - هو مالك السموات والأرض وما فيهن، وصاحب السلطان عليها وكلهم راجع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {كَظُلُمَاتٍ} {يَغْشَاهُ} { ظُلُمَاتٌ} {يَرَاهَا} (40) - وَيَضْرِبُ اللهُ تَعَالَى مَثَلاً آخَرَ يُشَبِّهُ بِهِ أَعْمَالَ الكَافِرِينَ الصَّالِحَةِ، فَيَقُولُ إِنَّهَا تُشْبِهُ ظُلُمَاتِ البَحْرِ العِمِيقِ الوَاسِعِ، الذي تَتَلاَطَمُ أَمْوَاجُهُ عِنْدَ هِيَاجِهِ، وَيَعْلُو بَعْضَها فَوْقَ بَعْض، وَيُغَطِّيهَا سَحَابٌ كَثِيفٌ قَاتِمٌ يَحْجُبُ النُّورَ عَنْهَا فَهَذِهِ ظُلُمَاتٌ مُتَرَاكِمَةٌ لاَ يِسْتَطِيعُ رَاكِبُ البَحْرِ مَعَهَا أَنْ يَرَى يَدَهُ إِذَا أَخْرَجَهَا لِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ. وَهُوَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ هَذِه الحَيْرَةِ مِنْ غَيْرِ نُورٍ يَهْدِيهِ فِي مَسِيرَتِهِ. كَذَلِكَ الكَافِرُونَ لاَ يُفِيدُونَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلاَ يَخْرُجُونَ مِنْ عمَايَتِهِمْ وَضَلاَلِهِمْ، إِلاَّ بِنُورِ الإِيْمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللهُ إِلَى الإِيْمَانِ، وَإِلَى الخَيْرِ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَهْدِيهِ. وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَلَيْسَ لَهُ مِنْ تُورٍ. (وَقِيلَ بَلْ إِنَّ المَقْصُودَ هُنَا بالظُّلُمَاتِ أَعْمَالُ الْكَافِرِينَ، وَبِالبَحْرِ اللُّجِّيِّ قُلُوبُهم التي غَمَرَهَا الجَهْلُ، وَتَغَشَّتْها الحَيْرَةُ والضَّلاَلَةُ، فَهِي لاَ تَعْقِلُ مَا فِي الكَوْنِ مِنْ آيَاتٍ وَحُجَجٍ وَعِظَاتٍ فَتِلْكَ ظُلُمَاتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ). بَحْرٌ لُجِّيٌّ - عَمِيقٌ كَثِيرُ المَاءِ. يَغْشَاهُ - يَعْلُوه وَيُغَطِّيهِ. سَحَابٌ - غَيْمٌ يَحْجُبُ نُورَ السَّمَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا مَثَل آخر توضيحي لأعمال الذين كفروا، والبحر اللجي: الواسع الكبير الذي تتلاطم فيه الأمواج، بعضها فوق بعض، وفوق هذا كله سحاب إذن: فالظلام مُطبق؛ لأنه طبقات متتالية، وفي أعماق بعيدة، وقد بلغتْ هذه الظلمة حداً لا يرى الإنسان معها حتى يده التي هي جزء منه، فما بالك بالأشياء الأخرى؟ وقوله: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ..} [النور: 40] أي: لم يقرب من أنْ يراها، وإذا نفى القُرْب من أن يرى فقد نفى الرؤية من باب أَوْلَى؛ ذلك لأنه ليس له نور من الله يرى به ويهتدي {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} [النور: 40] فكما أنه لم ينتفع بالنور، ولم يَرَ حتى يده، كذلك لا ينتفع بشيء من عمله. ثم يقول الحق سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} مضافٌ إلى اللُّجةِ. وهوَ مُعظمِ البَحرِ.

همام الصنعاني

تفسير : 2053- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ}: [الآية: 40]، قال: هو في بحر عميق: وهو مثل ضربه للكافر أنه يَعْمَلُ في ظُلْمَةٍ وحَيْرة قال: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}.