Verse. 2832 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللہَ يُسَبِّحُ لَہٗ مَنْ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَالطَّيْرُ صٰۗفّٰتٍ۝۰ۭ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَہٗ وَتَسْبِيْحَہٗ۝۰ۭ وَاللہُ عَلِيْمٌۢ بِمَا يَفْعَلُوْنَ۝۴۱
Alam tara anna Allaha yusabbihu lahu man fee alssamawati waalardi waalttayru saffatin kullun qad AAalima salatahu watasbeehahu waAllahu AAaleemun bima yafAAaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض» ومن التسبيح صلاة «والطير» جمع طائر بين السماء والأرض «صافّات» حال باسطات أجنحتهنَّ «كل قد علم» الله «صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون» فيه تغليب العاقل.

41

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد: فالنوع الأول: ما ذكره في هذه الآية ولا شبهة في أن المراد ألم تعلم لأن التسبيح لا تتناوله الرؤية بالبصر ويتناوله العلم بالقلب، وهذا الكلام وإن كان ظاهره استفهاماً فالمراد التقرير والبيان، فنبه تعالى على ما يلزم من تعظيمه بأن من في السموات يسبح له وكذلك من في الأرض. واعلم أنه إما أن يكون المراد من التسبيح دلالة هذه الأشياء على كونه تعالى منزهاً عن النقائص موصوفاً بنعوت الجلال، وإما أن يكون المراد منه أنها تنطق بالتسبيح وتتكلم به، وإما أن يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه وفي حق الباقين النطق باللسان، والقسم الأول أقرب لأن القسم الثاني متعذر، لأن في الأرض من لا يكون مكلفاً لا يسبح بهذا المعنى، والمكلفون منهم من لا يسبح أيضاً بهذا المعنى كالكفار، أما القسم الثالث وهو أن يقال إن من في السموات وهم الملائكة يسبحون باللسان، وأما الذين في الأرض فمنهم من يسبح باللسان ومنهم من يسبح على سبيل الدلالة فهذا يقتضي استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً وهو غير جائز فلم يبق إلا القسم الأول وذلك لأن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها وصفاتها دالة على تنزيه الله سبحانه وتعالى وعلى قدرته وإلهيته وتوحيده وعدله فسمى ذلك تنزيهاً على وجه التوسع. فإن قيل فالتسبيح بهذا المعنى حاصل لجميع المخلوقات فما وجه تخصيصه ههنا بالعقلاء؟ قلنا لأن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه لأن العجائب والغرائب في خلقهم أكثر وهي العقل والنطق والفهم. أما قوله تعالى: {وَٱلطَّيْرُ صَافَّـٰتٍ } فلقائل أن يقول ما وجه اتصال هذا بما قبله؟ والجواب: أنه سبحانه لما ذكر أن أهل السموات وأهل الأرض يسبحون ذكر أن الذين استقروا في الهواء الذي هو بين السماء والأرض وهو الطير يسبحون، وذلك لأن إعطاء الجرم الثقيل القوة التي بها يقوى على الوقوف في جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط من أعظم الدلائل على قدرة الصانع المدبر سبحانه وجعل طيرانها سجوداً منها له سبحانه، وذلك يؤكد ما ذكرناه من أن المراد من التسبيح دلالة هذه الأحوال على التنزيه لا النطق اللساني. أما قوله: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } ففيه ثلاثة أوجه: الأول: المراد كل قد علم الله صلاته وتسبيحه قالوا ويدل عليه قوله سبحانه: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } وهو اختيار جمهور المتكلمين والثاني: أن يعود الضمير في الصلاة والتسبيح على لفظ {كُلٌّ } أي إنهم يعلمون ما يجب عليهم من الصلاة والتسبيح والثالث: أن تكون الهاء راجعة على ذكر الله يعني قد علم كل مسبح وكل مصل صلاة الله التي كلفه إياها وعلى هذين التقديرين فقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } استئناف وروي عن أبي ثابت قال كنت جالساً عند محمد بن جعفر الباقر رضي الله عنه فقال لي: أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها؟ قال لا، قال فإنهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن. واستبعد المتكلمون ذلك فقالوا الطير لو كانت عارفة بالله تعالى لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا لكنها ليست كذلك، فإنا نعلم بالضرورة أنها أشد نقصاناً من الصبي الذي لا يعرف هذه الأمور فبأن يمتنع ذلك فيها أولى، وإذا ثبت أنها لا تعرف الله تعالى استحال كونها مسبحة له بالنطق، فثبت أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال على ما تقدم تقريره. قال بعض العلماء إنا نشاهد أن الله تعالى ألهم الطيور وسائر الحشرات أعمالاً لطيفة يعجز عنها أكثر العقلاء، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه، وبيان أنه سبحانه ألهمها الأعمال اللطيفة من وجوه: أحدها: احتيالها في كيفية الاصطياد فتأمل في العنكبوت كيف يأتي بالحيل اللطيفة في اصطياد الذباب، ويقال إن الدب يستلقي في ممر الثور فإذا أرام نطحه شبث ذراعيه بقرينه ولا يزال ينهش ما بين ذراعيه حتى يثخنه، وأنه يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويضرب الإنسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه وربما عاود يتشممه ويتجسس نفسه ويصعد الشجر أخف صعود ويهشم الجوز بين كفيه تعريضاً بالواحدة وصدمة بالأخرى ثم ينفخ فيه فيذر قشره ويستف لبه، ويحكى عن الفأر في سرقته أمور عجيبة. وثانيها: أمر النحل ومالها من الرياسة وبناء البيوت المسدسة التي لا يتمكن من بنائها أفاضل المهندسين وثالثها: انتقال الكراكي من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طلباً لما يوافقها من الأهوية، ويقال إن من خواص الخيل أن كل واحد منها يعرف صوت الفرس الذي قابله وقتاً ما والكلاب تتصايح بالعية المعروفة لها، والفهد إذا سقي أو شرب من الدواء المعروف بخانق الفهد عمد إلى زبل الإنسان فأكله، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها كالعقعق وينظف ما بين أسنانها، وعلى رأس ذلك الطير كالشوك فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطير تأذى من ذلك الشوك فيفتح فاه فيخرج الطائر، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية صعتراً جبلياً ثم تعود وقد عوفيت من ذلك، وحكى بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى وتنهزم عنه إلى بقلة تتناول منها ثم تعود ولا يزال ذلك دأبه فكان ذلك الشيخ قاعداً في كن غائر فعل القنصة وكانت البقلة قريبة من مكمنه فلما اشتغل الحبارى بالأفعى قلع البقلة فعادت الحبارى إلى منبتها ففقدته وأخذت تدور حول منبتها دوراناً متتابعاً حتى خر ميتاً فعلم الشيخ أنه كان يتعالج بأكلها من اللسعة، وتلك البقلة كانت هي الجرجير البري، وأما ابن عرس فيستظهر في قتال الحية بأكل السذاب فإن النكهة السذابية مما تنفر منها الأفعى والكلاب إذا دودت بطونها أكلت سنبل القمح، وإذا جرحت اللقالق بعضها بعضاً داوت جراحها بالصعتر الجبلى ورابعها: القنافذ قد تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب فتغير المدخل إلى جحرها وكان بالقسطنطينية رجل قد أثرى بسبب أنه كان ينذر بالرياح قبل هبوبها وينتفع الناس بإنذاره وكان السبب فيه قنفذاً في داره يفعل الصنيع المذكور فيستدل به، والخطاف صانع جيد في اتخاذ العش من الطين وقطع الخشب فإن أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدراً من الطين، وإذا أفرخ بالغ في تعهد الفراخ ويأخذ ذرقها بمنقاره ويرميها عن العش، ثم يعلمها إلقاء الذرق نحو طرف العش، وإذا دنا الصائد من مكان فراخ القبجة ظهرت له القبجة وقربت منه مطمعة له ليتبعها ثم تذهب إلى جانب آخر سوى جانب فراخها، وناقر الخشب قلما يقع على الأرض بل على الشجر ينقر الموضع الذي يعلم أن فيه دوداً، والغرانيق تصعد في الجو جداً عند الطيران فإن حجب بعضها عن بعض ضباب أو سحاب أحدثت عن أجنحتها حفيفاً مسموعاً يلزم به بعضها بعضاً، فإذا نامت على جبل فإنها تضع رؤوسها تحت أجنحتها إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه، وإذا سمع حرساً صاح، وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضاً أمر عجيب، واعلم أن الاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب طبائع الحيوان، والمقصود أن الأكياس من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال إنها ملهمة من عند الله تعالى بمعرفته والثناء عليه وإن كانت غير عارفة بسائر الأمور التي يعرفها الناس؟ ولله در شهاب الإسلام السمعاني حيث قال: جل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال. أما قوله سبحانه: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } فهو مع وجازته فيه دلالة على تمام علم المبدأ والمعاد، فقوله: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تنبيه على أن الكل منه لأن كل ما سواه ممكن ومحدث والممكن والمحدث لا يوجدان إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب فدخل في هذه القضية جميع الأجرام والأعراض وأفعال العباد وأقوالهم وخواطرهم. وأما قوله: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } فهو عبارة تامة في معرفة المعاد وهو أنه لا بد من مصير الكل إليه سبحانه، وله وجه آخر وهو أن الوجود يبدأ من الأشرف فالأشرف نازلاً إلى الأخس فالأخس ثم يأخذ من الأخس فالأخس مترقياً إلى الأشرف فالأشرف، فإنه يكون جسماً ثم يصيره موصوفاً بالنباتية ثم الحيوانية ثم الإنسانية ثم الملكية ثم ينتهي إلى واجب الوجود لذاته، فالاعتبار الأول هو قوله: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } والثاني هو قوله: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ} لما ذكر وضوح الآيات زاد في الحجة والبيّنات، وبيّن أن مصنوعاته تدلّ بتغييرها على أن لها صانعاً قادراً على الكمال؛ فله بِعْثة الرسل، وقد بعثهم وأيّدهم بالمعجزات، وأخبروا بالجنة والنار. والخطاب في «ألم تر» للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ومعناه: ألم تعلم؛ والمراد الكُلّ. {أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} من الملائكة. {وَٱلأَرْضِ} من الجن والإنس. {وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ} قال مجاهد وغيره: الصلاة للإنسان والتسبيح لما سواه من الخلق. وقال سفيان: للطير صلاةٌ ليس فيها ركوع ولا سجود. وقيل: إنّ ضربها بأجنحتها صلاة، وإن أصواتها تسبيح؛ حكاه النقاش. وقيل: التسبيح هاهنا ما يرى في المخلوق من أثر الصنعة. ومعنى «صافاتٍ» مصطفات الأجنحة في الهواء. وقرأ الجماعة «والطّيْرُ» بالرفع عطفاً على «مَنْ». وقال الزجاج: ويجوز «والطيرَ» بمعنى مع الطير. قال النحاس: وسمعته يخبر «قمتُ وزيداً» بمعنى مع زيد. قال: وهو أجود من الرفع. قال: فإن قلت قمت أنا وزيد، كان الأجود الرفع، ويجوز النصب. {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} يجوز أن يكون المعنى: كلٌّ قد علم الله صلاته وتسبيحه؛ أي علم صلاة المصلِّي وتسبيحَ المسبِّح. ولهذا قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} أي لا يخفى عليه طاعتهم ولا تسبيحهم. ومن هذه الجهة يجوز نصب «كل» عند البصريين والكوفيين بإضمار فعل يفسّره ما بعده. وقد قيل: المعنى قد علم كلُّ مُصَلٍّ ومسبّح صلاة نفسه وتسبيحه الذي كُلِّفه. وقرأ بعض الناس «كلٌّ قد عُلِم صلاتُه وتسبيحُه» غير مسمّى الفاعل. وذكر بعض النحويين أن بعضهم قرأ «كلٌّ قد عَلَّم صلاتَه وتسبيحه»؛ فيجوز أن يكون تقديره: كلٌّ قد علّمه الله صلاته وتسبيحه. ويجوز أن يكون المعنى: كلٌّ قد علّم غيرَه صلاته وتسبيحه، أي صلاة نفسه؛ فيكون التعليم الذي هو الإفهام والمراد الخصوص؛ لأن من الناس من لم يُعَلِّم. ويجوز أن يكون المعنى كلٌّ قد استدل منه المستدِلّ، فعبّر عن الاستدلال بالتعليم؛ قاله المهدوِيّ. والصلاة هنا بمعنى التسبيح، وكرر تأكيداً؛ كقوله: «يَعْلمُ السِّرَّ والنَّجْوَى». والصلاة قد تسمَّى تسبيحاً؛ قاله القُشَيْرِيّ. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} تقدّم في غير موضع.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه يسبح له من في السموات والأرض، أي: من الملائكة والأناسي والجان والحيوان، حتى الجماد؛ كما قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} الآية، وقوله تعالى: {وَٱلطَّيْرُ صَآفَّـٰتٍ} أي: في حال طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة، ولهذا قال تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} أي: كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله عز وجل. ثم أخبر أنه عالم بجميع ذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض، فهو الحاكم المتصرف الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولا معقب لحكمه {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} أي: يوم القيامة، فيحكم فيه بما يشاء {أية : ٱلاَْرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ} تفسير : [النجم: 31] الآية، فهو الخالق المالك، ألا له الحكم في الدنيا والأخرى، وله الحمد في الأولى والأخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبّحُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ومن التسبيح صلاة {وَٱلطَّيْرُ } جمع طائر بين السماء والأرض {صَـٰفَّٰتٍ } حال باسطات أجنحتهنّ {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ } الله {صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } فيه تغليب العاقل.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَالطَّيْرُ صَآفَاتٍ} أي مصطفة الأجنحة في الهواء. {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الصلاة للإِنسان والتسبيح لما سواه من سائر الخلق، قاله مجاهد. الثاني: أن هذا في الطير وإن ضرب أجنحتها صلاة وأن أصواتها تسبيح، حكاه النقاش. الثالث: أن للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود، قاله سفيان. ثم فيه قولان: أحدهما: أن كل واحد منهم قد علم صلاته وتسبيحه. الثاني: أن الله قد علم صلاته وتسبيحه.

ابن عطية

تفسير : {ألم تر} تنبيه، و"الرؤية" رؤية الفكر، قال سيبويه كأنه قال انتبه الله يسبح له من في السماوات، والتسبيح هنا التعظيم والتنزيه فهو من العقلاء بالنطق وبالصلاة من كل ذي دين، واختلف في تسبيح {الطير} وغير ذلك مما قد ورد الكتاب بتسبيحه، فالجمهور على أنه تسبيح حقيقي وقال الحسن وغيره هو لفظ تجوز وإنما تسبيحه بظهور الحكمة فيه، فهو لذلك يدعو إلى التسبيح، وقال المفسرون قوله {من في السماوات والأرض} عامة لكل شيء من له عقل وسائر الجمادات، لكنه لما اجتمع ذلك عبر عنه بـ {من} تغليباً لحكم من يعقل، و {صافات} معناه مصطفة في الهواء، وقرأ الأعرج "والطيرَ" بنصب الراء، وقرأ الحسن و"الطيرُ صافاتٌ" مرفوعتان وقوله: {كل قد علم صلاته وتسبيحه} قال الحسن المعنى كل قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه فهو يثابر عليها، قال مجاهد "الصلاة" للبشر و"التسبيح" لما عداهم، وقالت فرقة المعنى كل قد علم صلاة الله وتسبيح الله اللذين أمر بهما وهدى إليهما فهذه إضافة خلق إلى خالق، وقال الزجاج وغيره المعنى {كل قد علم} الله {صلاته وتسبيحه} فالضميران للكل، وقرأت فرقة "عُلم صلاتُه وتسبيحُه" بالرفع وبناء الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله ذكرها أبو حاتم، وقرأ الجمهور "يفعلون" بالياء على معنى المبالغة في وصف قدرة الله وعلمه بخلقه، وقرأ عيسى والحسن "تفعلون" بالتاء من فوق ففيه المعنى المذكور وزيادة الوعيد والتخويف من الله تعالى وإعلام بعد بكون الملك على الإطلاق له وتذكيره بأمر المصير إليه والحشر يقوي أمر التخويف من الله تعالى وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود "والله بصير بما تفعلون".

ابن عبد السلام

تفسير : {صَآفَّاتٍ} مُصْطفة الأجنحة في الهواء {صَلاتَهُ} الصلاة: للإنسان والتسبيح: لسائر الخلق، أو هذا في الطير؛ ضرب أجنحتها صلاة وأصواتها تسبيح، أو للطير صلاة لا ركوع فيها ولا سجود، قاله سفيان، علم الله صلاته وتسبيحه، أو علمها هو.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات} أي باسطات أجنحتهن في الهواء قيل خص الطير بالذكر من جملة الحيوان لأنها تكون بين السماء والأرض، فتكون خارجة عن حكم من في السموات والأرض {كل قد علم صلاته وتسبيحه} قيل: الصلاة لبني آدم والتسبيح لسائر الخلق وقيل إن ضرب أجنحة الطير صلاته وتسبيحه، وقيل: معناه إن كل مصل ومسبح علم الله صلاته وتسبيحه وقيل معناه كل مصل ومسبح منهم قد علم صلاة نفسه وتسبيحه {والله عليم بما يفعلون ولله ملك السموات والأرض} أي إن جميع الموجودات ملكه وفي تصرفه وعنه نشأت ومنه بدأت فهو واجد الوجود وقيل معناه أن خزائن المطر والرزق بيده ولا يملكها أحد سواه {وإلى الله المصير} أي وإلى الله مرجع العباد بعد الموت. قوله تعالى {ألم تر أن الله يزجي} أي يسوق {سحاباً} بأمره إلى حيث يشاء من أرضه وبلاده {ثم يؤلف بينه} أي يجمع بين قطع السحاب المتفرقة بعضها إلى بعض {ثم يجعله ركاماً} أي متراكماً بعضه فوق بعض {فترى الودق} أي المطر {يخرج من خلاله} أي من وسطه وهو مخارج القطر {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} قيل معناه وينزل من جبال من السماء وتلك الجبال من برد. قال ابن عباس: أخبر الله أن في السماء جبالاً من برد وقيل معناه وينزل من السماء مقدار جبال في الكثرة من برد. فإن قلت: ما الفرق بين من الأولى والثانية والثالثة. قلت: من الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي في السماء، والثالثة للتجنيس لأن تلك الجبال من جنس البرد {فيصيب به} أي البرد {من يشاء} فيهلكه وأمواله {ويصرفه عمن يشاء} أي فلا يضره {يكاد سنا برقه} أي ضوء برق السحاب {يذهب بالأبصار} أي من شدة ضوئه وبريقه {يقلب الله الليل والنهار} أي يصرفهما في اختلافهما وتعاقبهما فيأتي بالليل ويذهب بالنهار ويأتي بالنهار ويذهب بالليل (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى "حديث : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمن أقلب الليل والنهار"تفسير : . معنى هذا الحديث: أن العرب كانوا يقولون عند النوازل والشدائد أصابنا الدهر ويذمونه في أشعارهم فقيل لهم: لا تسبوا الدهر فإن فاعل ذلك هو الله عز وجل والدهر مصرف تقع فيه التأثيرات كما تقع بكم، وقوله تعالى {إن في ذلك} أي الذي ذكر من هذه الأشياء {لعبرة لأولي الأبصار} أي دلالة لأهل العقول والبصائر على قدرة الله وتوحيده. قوله عز وجل {والله خلق كل دابة من ماء} أي من نطفة وأراد به كل حيوان يشاهد في الدنيا ولا يدخل فيه الملائكة والجن، لأنا لا نشاهدهم وقيل: إن أصل جميع الخلق من الماء وذلك أن الله خلق ماء فجعل بعضه ريحاً ونوراً فخلق منه الملائكة وجعل بعضه ناراً فخلق منه الجن، وجعل بعضه طيناً فخلق منه آدم {فمنهم من يمشي على بطنه} أي كالحيات والحيتان والديدان ونحو ذلك {ومنهم من يمشي على رجلين} يعني مثل بني آدم والطير {ومنهم من يمشي على أربع} يعني كالبهائم والسباع. فإن قلت كيف قال: خلق كل دابة من ماء مع أن كثيراً من الحيوانات يتولد من غير نطفة. قلت ذلك المخلق من غير نطفة، لا بد أن يتكون من شيء، وذلك الشيء أصله من الماء فكان من الماء. فإن قلت: فمنهم من يمشي ضمير العقلاء، فلم يستعمل في غير العقلاء. قلت ذكر الله تعالى ما لا يعقل مع من يعقل لأن جعل الشريف أصلاً، والخسيس تبعاً أولى. فإن قلت: لم قدم ما يمشي على بطنه على غيره من المخلوقات. قلت قدم الأعجب، والأعرف في القدرة وهو الماشي بغير آلة المشي، وهي الأرجل والقوائم ثم ذكر ما يمشي على رجلين ثم ما يمشي على أربع. فإن قلت: لم اقتصر على ذكر الأربع وفي الحيوانات ما يمشي على أكثر من أربع، كالعناكب والعقارب والرتيلا وما له أربع وأربعون رجلاً ونحو ذلك. قلت هذا القسم كالنادر فكان ملحقاً بالأغلب وقيل: إن هذه الحيوانات اعتمادها على أربع في المشي والباقي تبع لها {يخلق الله ما يشاء} أي مما لا يعقل ولا يعلم {إن الله على كل شيء قدير} أي هو القادر على الكل العالم بالكل المطلع على الكل، يخلق ما يشاء كما يشاء لا يمنعه مانع ولا دافع.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبّحُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية: الرؤية هنا قلبية، والتسبيح: التنزيه والتعظيم، والآية عامَّةٌ عند المفسرين لكُلِّ شيء من العقلاء والجمادات. وقوله تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} قال الزَّجَّاجُ وغيره: المعنى: كُلٌّ قد علم اللّهُ صَلاَتَهُ وتسْبِيحَهُ. وقال الحسن: المعنى: كُلٌّ قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه. وقالت فرقة: المعنى: كل قد علم صلاةَ اللّهِ وتسبيحَ اللّهِ اللَّذَيْنِ أمر بهما وهدى إليهما، فهذه إضافة خَلْقٍ إلى خالقٍ، وباقي الآية وعيد، و {يُزْجِي} معناه: يسوق، والرُّكام، الذي يركب بَعْضُه بعضاً ويتكاثف، والودق: المطر، قال البخارِيُّ: {مِن خِلَـٰلِهِ} أي: من بين أضعاف السحاب، انتهى. وقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} قيل: ذلك حقيقةٌ، وقد جعل اللّه في السماء جبالاً من بَرَدٍ، وقالت فرقة: ذلك مجازٌ، وإنَّما أراد وصف كثرته، وهذا كما تقول: عند فلان جبال من مال وجبال من العلم. قلت: وحَمْلُ اللفظ على حقيقته أولى إنْ لم يمنع من ذلك مانع، ومن كتاب «الفرج بعد الشدة» للقاضي أبي علي التنوخي، أحد الرواة عن أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيِّ والمُخْتَصِّينَ به ـــ قال: أخبرنا أَبو بكر الصوليُّ عن بعض العلماء قال: رأيتُ امرأةً بالبادية، وقد جاء البَرَدُ فذهب بزرعِها، فجاء الناس: يُعَزُّونَها فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت: اللهم أنتَ المَأْمُولُ لأَحْسَنِ الخَلَفِ وبيدك التعويضُ مِمَّا تَلِفَ، فافعل بنا ما أَنْتَ أهله، فإنَّ أرزاقنا عليك وآمالنا مصروفة إليك، قال: فلم أبرحْ حتى مَرَّ رجل من الأَجِلاَّءِ، فحُدِّث بما كان؛ فَوَهَبَ لها خَمْسِمائَةٍ دينارٍ، فأجاب اللّه دعوتها وَفَرَّجَ في الحين كربتها، انتهى. والـ {سنا} مقصوراً: الضوءُ، وبالمد: المَجْدُ، والباء في قوله {بِٱلأَبْصَارِ} يحتمل أنْ تكون زائدة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد. والمعنى: ألم تعلم، لأن التسبيح لا يرى بالبصر بل يعلم بالقلب، وهذا استفهام والمراد به: التقرير والبيان. قال ابن الخطيب: "إما أن يكون المراد من هذا التسبيح دلالته بخلق هذه الأشياء على كونه تعالى منزهاً عن النقائص، موصوفاً بنعوت الجلال، أو يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه وفي حق الباقين النطق باللسان. والأول أقرب، لأن القسم الثاني متعذر، لأن في الأرض من لا يكون مكلفاً لا يسبح بهذا المعنى والمكلفون منهم فمن لا يسبح أيضاً بهذا المعنى كالكفار. وأما القسم الثاني وهو أن يقال: إن من في السموات وهم الملائكة يسبحون باللسان وأما الذين في الأرض فمنهم من يسبح على سبيل الدلالة، فهذا يقتضي استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً، وهو غير جائز، فلم يبق إلا القسم الأول، وهو أن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها وصفاتها دالة على تنزيه الله تعالى وقدرته وإلاهيته وتوحيده وعدله، فسمى ذلك تنزيهاً توسعاً. فإن قيل فالتسبيح بهذا المعنى حاصل بجميع المخلوقات فما وجه تخصيصه هاهنا بالعقلاء؟ قلنا: لأن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه، لأن العجائب والغرائب في خلقهم أكثر، وهي العقل والنطق والفهم". قوله: "والطَّيرُ". قرأ العامة: "والطّيْر" رفعاً، "صَافَّاتٍ" نصباً. فالرفع عطف على "مَنْ" والنصب على الحال. وقرأ الأعرج: "والطَّيْرَ" نصباً على المفعول معه و "صَافَّاتٍ" حال أيضاً. وقرأ الحسن وخارجة عن نافع: والطيرُ صَافَّاتٌ" برفعهما على الابتداء والخبر، ومفعول "صَافَّات" محذوف، أي: أجنحتها. قوله: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ} في هذه الضمائر أقوال: أحدها: أنَّها كلَّها عائدةٌ على "كُلٌّ"، أي: كلٌّ قد عَلِمَ هُوَ صَلاَةَ نَفْسِهِ وتَسْبِيحَهَا، وهذا أولى لتوافق الضمائر. الثاني: أن الضمير في "عَلِمَ" عائد إلى الله تعالى، وفي "صَلاَتَهُ وتَسْبِيحَهُ" عائد على "كُلٌّ"، ويدل عليه قوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}. الثالث: بالعكس، أي: عَلِمَ كلٌّ صلاةَ اللَّه وتَسْبِيحَه، أي: اللذين أمَرَ بهما وبأن يُفْعَلاَ، كإضافة الخلق إلى الخالق، وعلى هذا فقوله: "واللَّه علِيمٌ" استئناف. ورَجَّحَ أبو البقاء ألاَّ يكون الفاعل ضمير "كُلٌّ" قال: "لأنَّ القراءة برفع "كُلٌّ" على الابتداء فيرجع ضمير الفاعل إليه، ولو كان فيه ضمير الله لكان الأولى نصب (كُلّ) لأن الفعل الذي بعدها قد نصب ما هو من سببها فيصير كقولك: (زَيْداً ضَرَبَ عَمْرٌو وغُلاَمه) فتنصب (زيداً) بفعل دلَّ عليه ما بعده، وهو أقوى من الرفع، والآخر جائز". قال شهاب الدين: وليس كما ذكر من ترجيح النصب على الرفع في هذه الصُّورة ولا في هذه السورة، بل نصَّ النحويون على أنَّ مثل هذه الصورة يرجَّح رفعها بالابتداء على نصبها على الاشتغال، لأنه لم يكن ثمَّ قرينة من القرائن التي جعلوها مرجحةً للنصب، والنصب يحوجُ إلى إضمار، والرفع لا يحوج إليه، فكان أرجح. وقرأت فرقة: {عُلِمَ صَلاَتُهُ وتَسْبِيحُهُ} بالرفع وبناء الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله. ذكرها أبو حاتم. فصل وجه اتصال هذا بما قبله أنه تعالى لما ذكر أن أهل السموات والأرض يسبحون، ذكر المستقرين في الهواء الذي هو بين السماء والأرض، وهم الطير يسبحون، وذلك أن إعطاء الجرم الثقيل القوة التي بها يقوى على الوقوف في جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط من أعظم الدلائل على قدرة الصانع المدبر سبحانه، وجعل طيرانها سجوداً منها له سبحانه، وذلك يؤيد أن المراد من التسبيح دلالة هذه الأمور على التنزيه (لا النطق) اللساني. وقال أبو ثابت: "كنت جالساً عند أبي جعفر الباقر فقال لي: أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها؟ (قال: لا) قال: فإنهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن". واستبعد المتكلمون ذلك فقالوا: الطير لو كانت عارفة بالله لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا، لكنها ليست كذلك، فإنا نعلم بالضرورة بأنها أشد نقصاناً من الصبي الذي لا يعرف هذه الأمور، فبأن يمتنع ذلك فيها أولى، وإذا ثبت أنها لا تعرف الله استحال كونها مسبحة له بالنطق، فثبت أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال كما تقدم. قال بعض العلماء: إنا نشاهد من الطيور وسائر الحيوانات أعمالاً لطيفة يعجز عنها أكثر العقلاء، وإذا كان كذلك (فلِمَ لا) يجوز أن يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه؟ وبيان أنه سبحانه ألهمها الأعمال اللطيفة من وجوه: أحدها: أن الدب يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويرمي الإنسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه، وربما عاود يشمه ويتحسس نفسه ويصعد الشجر أخف صعود ويهشم الجوز بين كفيه تعريضاً بالواحد وصدمة بالأخرى، ثم ينفخ فيه فيدرأ قشره ويتغذى به، ويحكى عن الفأر في سرقته أمور عجيبة. وثانيها: أمر النحل وما لها من الرياسة والبيوت المسدسة التي لا يتمكن من بنائها أفاضل المهندسين. وثالثها: انتقال الكَرَاكِيّ من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طلباً لما يوافقها من الأهوية، ويقال: من خواص الخيل أن كل واحد يعرف صوت الفرس الذي قابله وقتاً ما، والفهد إذا سقي أو شرب من الدواء المعروف بخانق الفهد عمد إلى زبل الإنسان ليأكله، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها يقال له: القطقاط وينظف ما بين أسنانها، وعلى رأس ذلك الطائر كالشوكة، فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطير تأذى من تلك الشوكة، فيفتح فاه، فيخرج ذلك الطائر، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية صعتراً جبلياً ثم تعود من ذلك. وحكى بعض الثقاة المجربين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى وتنهزم عنه إلى بقلة تتناول منها ثم تعود، ولا تزال كذلك، وكان ذلك الشخص قاعداً في كن، وكانت البقلة قريبة من مسكنه، فلما اشتغل الحبارى قلع البقلة، فعاد الحبارى إلى منبتها فلم يجدها، وأخذ يدور حول منبتها دوراناً متتابعاً حتى خَرَّ ميتاً، فعلم الشخص أنه يعالج بأكلها من اللسعة، وتلك البقلة هي الجرجير البري. وابنُ عِرْس يستظهر في الحية أكل السّذَاب، فإن النكهة السذابية تنفر عنها الأفعى. والكلاب إذا دودت بطونها أكلت سنبل القمح. وإذا جرحت اللقالق بعضها بعضاً داوت الجراحة بالصعتر الجبلي. والقنافذ تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب فتغير المدخل إلى جحرها، وكان رجل بالقسطنطينية قد أثرى بسبب أنه ينذر بالرياح قبل هبوبها، وينتفع الناس بإنذاره، وكان السبب فيه قنفذ في داره يفعل الصنيع المذكور، فيستدل به. والخُطَّافُ صانع في اتخاذ العش من الطين وقطع الخشب فإن أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب لتحمل جناحاه قدراً من الطين، وإذا فرَّخ بالغ في تعهد الفراخ، وتأخذ ذرقها بمنقارها وترميها عن العش، وإذا دنا الصائد من مكان فراخ القبجة ظهرت له القبحة وقربت مطمعة له ليتبعها ثم تذهب إلى جانب آخر سوى جانب الفراخ. وناقر الخشب قلما يقع على الأرض، بل على الشجر ينقر الموضع يعلم أن فيه دوداً. والغرانيق تصعد في الجو عند الطيران، فإن حجب بعضها عن بعض سحاب أو ضباب أحدثت عن أجنحتها حفيفاً مسموعاً يتبع به بعضهم بعضاً، فإذا باتت على جبل فإنها تضع رؤوسها تحت أجنحتها إلاّ القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه، وإذا سمع جرساً صاح. وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضاً أمر عجيب، وإذا كشف عن بيوتهم الساتر الذي كان يستره وكان تحته بيض لهم، فإن كلّ نملة تأخذ بيضة في فمها وتذهب في أسرع وقت. والاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب "طبائع الحيوان". والمقصود من ذلك أن الفضلاء من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقال: إنها تسبح الله وتثني عليه وإن كانت غير عارفة بسائر الأمور التي يعرفها الناس، ويؤيد هذا قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 44]. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}. قرأ الجمهور بالياء من تحت على المبالغة في وصف قدرة الله تعالى وعلمه بخلقه. وقرأ عيسى والحسن بالتاء من فوق، ففيه المعنى المذكور وزيادة الوعيد والتخويف من الله تعالى وفي مصحف أبيّ وابن مسعود: "والله بصير بما تفعلون". قوله تعالى: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تنبيه على أن الكل منه، لأن كل ما سواه ممكن ومحدث، والممكن والمحدث لا يوجد إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب، ويدخل في هذا جميع الأجرام والأعراض، وأفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم. وقوله: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ} وهذا دليل على المعاد، وأنه لا بُدَّ من مصير الكل إليه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله ‏ {‏ألم تر أن الله يسبح له‏} ‏ إلى قوله ‏{‏كل قد علم صلاته وتسبيحه‏} قال‏:‏ الصلاة للإِنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏والطير صافات‏} ‏ قال‏:‏ بسط أجنحتهن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏والطير صافات‏} ‏ قال‏:‏ صافات بأجنحتها‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مسعر في قوله ‏ {‏والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه‏}‏ قال‏:‏ قد سمي لها صلاة، ولم يذكر ركوعاً ولا سجودا‏ً.

ابو السعود

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} الخ، استئنافٌ خُوطب به النبـيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ للإيذانِ بأنَّه تعالى قد أفاضَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أعلى مراتب النُّور وأجلاها وبـيَّن له من أسرار المُلكِ والمَلَكُوت أدقَّها وأخفَاها. والهمزةُ للتَّقرير أي قد علمتَ علماً يقينيّاً شبـيهاً بالمشاهدة في القوَّة والرَّصانةِ بالوحي الصَّريحِ والاستدلالِ الصَّحيحِ {أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبّحُ لَهُ} أي ينزهه تعالى على الدَّوام في ذاته وصفاتِه وأفعاله عن كلِّ ما لا يليقُ بشأنه الجليلِ من نقص أو خللٍ {مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي ما فيهما إما بطريق الاستقرارِ فيهما من العُقلاء وغيرِهم كائناً ما كان أو بطريق الجُزئية منهما تنزيهاً معنويّاً تفهمه العقولُ السَّليمةُ فإنَّ كلَّ موجود من الموجوداتِ المُمكنة مُركبّاً كان أو بسيطاً فهو من حيثُ ماهيتُه ووجودُه وأحوالُه يدلُّ على وجود صانعٍ واجبِ الوجود متَّصفٌ بصفاتِ الكمال مقدَّسٌ عن كلِّ ما لا يليقُ بشأنٍ من شؤونِه الجليلةِ وقد نبَّه على كمالِ قُوَّةِ تلك الدِّلالةِ وغاية وضوحِها حيثُ عبَّر عنها بما يخصُّ العقلاء من التَّسبـيح الذي هو أقوى مراتب التَّنزيه وأظهرها تنزيلاً للسان الحالِ منزلةَ لسانِ المقالِ وأكَّدَ ذلك بإيثار كلمةِ مَن على مَا كأنَّ كلَّ شيءٍ ممَّا عزَّ وهان وكلَّ فردٍ من أفراد الأعراضِ والأعيان عاقلٌ ناطقٌ ومخبرٌ صادقٌ بعلُّوِ شأنِه تعالى وعزَّةِ سُلطانه، وتخصيصُ التَّنزيه بالذِّكر مع دلالةِ ما فيهما على اتِّصافِه تعالى بنعوتِ الكمالِ أيضاً لما أنَّ مساقَ الكلامِ لتقبـيح حالِ الكَفَرة في إخلالهم بالتَّنزيه بجعلهم الجماداتِ شركاءَ له في الأُلوهيَّةِ ونسبتهم إيَّاه إلى اتخاذ الولد تعالى عن ذلك عُلُّواً كبـيراً. وحملُ التَّسبـيح على ما يليقُ بكلِّ نوعٍ من أنواع المخلوقات بأنْ يُرادَ به معنى مجازيٌّ شاملٌ لتسبـيحِ العُقلاءِ وغيرهم حسبما هو المتبادَرُ من قوله تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} يردُّه أنَّ بعضاً من العُقلاءِ وهم الكفرةُ من الثَّقلينِ لا يسبِّحونَهُ بذلك المعنى قطعاً وإنَّما تسبـيحُهم ما ذُكر من الدِّلالةِ التي يُشاركهم فيها غيرُ العُقلاءِ أيضاً وفيه مزيدُ تخطئةٍ لهم وتعبـيرٌ ببـيان أنَّهم يسبِّحونه تعالى باعتبارِ أخسِّ جهاتهم التي هي الجماديَّةُ والجسميَّةُ والحيوانيَّةُ ولا يسبِّحونه باعتبارِ أشرفها التي هي الإنسانيَّةُ {وَٱلطَّيْرُ} بالرَّفعِ عطفاً على مَن وتخصيصُها بالذِّكرِ مع اندراجها في جُملة ما في الأرضِ لعدم استمرارِ قرارها فيها واستقلالها بصنعٍ بارعٍ وإنشاءٍ رائعٍ قُصد بـيانُ تسبـيحها من تلك الجهةِ لوضوح إنبائِها عن كمال قُدرةِ صانعِها ولطفِ تدبـير مُبدعِها حسبما يُعرب عنه التَّقيـيدُ بقوله تعالى: {صَافَّـٰتٍ} أي تُسبِّحه تعالى حال كونِها صافاتٍ أجنحتَها فإنَّ إعطاءه تعالى للأجرام الثَّقيلةِ ما تتمكنُ به من الوقوف في الجوِّ والحركةِ كيف تشاءُ من الأجنحةِ والأذنابِ الخفيفةِ وإرشادها إلى كيفيَّةِ استعمالها بالقبضِ والبسط حجَّةٌ نيِّرةٌ واضحة المكنونِ وآيةٌ بـيِّنة لقومٍ يعقلون دالَّةٌ على كمال قُدرة الصَّانعِ المجيد وغايةِ حكمةِ المبدىءِ المُعيدِ، وقولُه تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} بـيانٌ لكمالِ عراقةِ كلِّ واحدٍ ممَّا ذُكر في التَّنزيه ورسوخ قدمِه فيه بتمثيل حالِه بحالِ مَن يَعلمُ ما يصدرُ عنه من الأفاعيلِ فيفعلها عن قصدٍ ونيَّةٍ لا عن اتفاقٍ بلا رويَّةٍ وقد أدمج في تضاعيفِه الإشارة إلى أنَّ لكلِّ واحدٍ من الأشياء المذكورةِ مع ما ذُكر من التَّنزيه حاجةً ذاتيَّةً إليه تعالى واستفاضة منه لما يهمه بلسان استعدادِه وتحقيقه أنَّ كلَّ واحدٍ من الموجُوداتِ الممكنةِ في حدِّ ذاته بمعزلٍ من استحقاق الوجود لكنَّه مستعدٌّ لأنْ يفيضَ عليه منه تعالى ما يليقُ بشأنه من الوجودِ وما يتبعه من الكمالاتِ ابتداءً وبقاء فهو مستفيضٌ منه تعالى على الاستمرار فيفيض عليه في كلِّ آنٍ من فيوض الفُنونِ المتعلِّقةِ بذاته وصفاته ما لا يحيطُ به نطاقُ البـيانِ بحيث لو انقطعَ ما بـينه وبـين العناية الربَّانيَّةِ من العلاقة لانعدمَ بالمرَّة وقد عبَّر عن تلك الاستفاضةِ المعنويَّةِ بالصَّلاةِ التي هي الدُّعاءُ والابتهالُ لتكميل التَّمثيل وإفادة المزايا المذكُورة فيما مرَّ على التَّفصيلِ وتقديمها على التَّسبـيحِ في الذِّكرِ لتقدمها عليه في الرُّتبةِ هذا ويجوز أنْ يكونَ العلمُ على حقيقتِه ويراد به مطلقُ الإدراكِ وبما ناب عنه التَّنوينُ في كلِّ أنواع الطَّيرِ وأفرادها وبالصَّلاة والتَّسبـيح ما ألهمه الله تعالى كلَّ واحدٍ منها من الدُّعاءِ والتَّسبـيحِ المخصوصينِ به لكن لا على أنْ يكونَ الطَّيرُ معطُوفاً على كلمة مَن مرفوعاً برافعِها فإنَّه يؤدِّي إلى أنْ يُرادَ بالتَّسبـيح معنى مجازيٌّ شاملٌ للتَّسبـيحِ المقاليِّ والحاليِّ من العُقلاءِ وغيرهم وقد عرفتَ ما فيه، بل بفعل مُضمرٍ أريد به التَّسبـيحُ المخصوص بالطَّيرِ معطوف على المذكور كما مرَّ في قولِه تعالى: {أية : وَكَثِيرٌ مّنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الحج: 18] أي وتسبـيحُ الطَّيرِ تسبـيحاً خاصًّا بها حالَ كونِها صافاتٍ أجنحتَها وقوله تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} أي دعاءَهُ وتسبـيحَه اللَّذينِ ألهمهما الله عزَّ وجلَّ إيَّاه لبـيان كمال رُسوخه فيهما وأنَّ صدورَهما عنه ليس بطريقِ الإتفاق بلا رويَّةٍ بل عن علمٍ وإيقانٍ من غير إخلالٍ بشيءٍ منهما حسبما ألهمَه الله تعالى فإنَّ إلهامَه تعالى لكلِّ نوعٍ من أنواعِ المخلوقاتِ علوماً دقيقةً لا يكادُ يهتدِي إليه جهابذةُ العُقلاءِ ممَّا لا سبـيلَ إلى إنكاره أصلاً، كيف لا وإنَّ القُنفذَ مع كونه أبعدَ الأشياءِ من الإدراك قالُوا: إنَّه يحسُّ بالشَّمالِ والجَنوبِ قبل هبوبِها فيغير المدخلَ إلى جُحرِه حتَّى رُوي أنَّه كان بقُسطنطينيَّةَ قبل الفتحِ الإسلاميِّ رجلٌ قد أثرى بسببِ أنَّه كان يُنذر النَّاسَ بالرِّياحِ قبل هبوبِها وينتفعون بإنذارِه بتدارُكِ أمورِ سفائنِهم وغيرها وكانَ السَّببُ في ذلك أنَّه كان يقتنِي في دارِه قُنفذاً يستدلُّ بأحوالِه على ما ذُكر، وتخصيص تسبـيحِ الطَّيرِ بهذا المَعْنى بالذِّكرِ لما أنَّ أصواتَها أظهرُ وجُوداً وأقربُ حملاً على التَّسبـيحِ وقولُه تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} أي ما يفعلونَهُ اعتراضٌ مقررٌ لمضمون ما قبله، وما على الوجه الأوَّل عبارةٌ عمَّا ذُكر من الدِّلالة الشَّاملةِ لجميع الموجُوداتِ من العُقلاءِ وغيرِهم والتَّعبـيرُ عنها بالفعل مسنداً إلى ضميرِ العُقلاء لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ وعلى الثَّاني إمَّا عبارة عنها وعن التَّسبـيح الخاصِّ بالطَّير معاً أو عن تسبـيح الطَّيرِ فقط فالفعلُ على حقيقته وإسناده إلى ضميرِ العُقلاء لما مرَّ والاعتراضُ حينئذٍ مقررٌ لتسبـيح الطَّيرِ فقط وعلى الأوَّلينِ لتسبـيح الكلِّ. هذا وقد قيل إنَّ الضَّمير في قوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ} لله عزَّ وجلَّ وفي صلاته وتسبـيحه لكل أي قد علَم الله تعالى صلاةَ كلِّ واحدٍ ممَّا في السَّمواتِ والأرضِ وتسبـيحه فالاعتراضُ حينئذٍ مقررٌ لمضمونه على الوجهينِ لكن لا على أنْ تكونَ ما عبارةً عمَّا تعلَّق به علمُه تعالى من صلاتِه وتسبـيحِه بل عن جميع أحوالِه العارضةِ له وأفعاله الصَّادرةِ عنه وهما داخلتانِ فيها دخولاً أوليًّا.

القشيري

تفسير : التسبيح على قسمين: تسبيحُ قولٍ ونطقٍ، وتسبيحُ دلالة وخَلْق؛ فتسبيحُ الخَلْقِ عام من كل مخلوقٍ وعينٍ وأثرٍ، منه تسبيحٌ خاصٌّ بالحيوانات، وتسبيحٌ خاصٌّ بالعقلاء وهذا منقسم إلى قسمين: تسبيحٌ صادرٌ عن بصيرة، وتسبيحٌ حاصلٌ من غير بصيرة؛ فالذي قرينته البصيرة مقبولٌ، والذي تجرَّدَ عن العرفان مردود.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر ان الله يسبح له من فى السموات والارض} الهمزة للتقرير والمراد من الرؤية رؤية القلب فان التسبيح الآتى لا يتعلق به نظر البصر اى قد علمت يا محمد علما يشبه المشاهدة فى القوة واليقين بالوحى او الاستدلال ان الله تعالى ينزهه على الدوام فى ذاته وصفاته وافعاله عن كل مالا يليق بشأنه من نقص وآفة اهل السموات والارض من العقلاء وغيرهم ومن لتغليب العقلاء {والطير} بالرفع عطف على من جمع طائر كركب وراكب والطائر كل ذى جناح يسبح فى الهواء وتخصيصها بالذكر مع اندراجها فى جلمة ما فى الارض لعدم استقرارها قرار ما فيها لانها تكون بين السماء والارض غالبا {صافات} اصل الصف البسط ولهذا سمى اللحم القديد صفيفا لانه يبسط اى تسبحه تعالى حال كونها صافات اى باسطات اجنحتها فى الهواء تصففن {كل} من اهل السموات والارض {قد علم} بالهام الله تعالى ويوضحه ما قرىء علم مشددا اى عرف {صلاته} اى دعاء نفسه {وتسبيحه} تنزيهه {والله عليم بما يفعلون} اى يفعلونه من الطاعة والصلاة والتسبيح فيجازيهم على ذلك وفيه وعيد لكفرة الثقلين حيث لا تسبيح لهم طوعا واختيارا.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ألم تَرَ} يا محمد، وخصَّه بالخطاب؛ إيذاناً بأنه صلى الله عليه وسلم قد أفاض عليه أعلى مَرَاتِبَ النور وأجلاها، وبيَّن له من أسرار الملكوت أجلهَا وأخفاها، أي: ألم تنظر بعين بصيرتك، فتعلم علم اليقين، {أن الله يُسبِّح له} أي: ينزهه على الدَّوَامِ {من في السموات والأرض}؛ من العقلاء وغيرهم، تنزيهاً معنوياً، فإن كلا من الموجودات يدل على وجود صانع واجب الوجود، متصف بصفات الكمال، مقدس عن كل ما لا يليق بعلو شأنه. أو تنزيهاً حسياً بلسان المقال، ولكن لا تفقهون تسبيحهم. وتخصيص التنزيه بالذكر، مع دلالة ما فيهما على اتصافه تعالى بنعوت الكمال أيضاً؛ لأن مساق الكلام تَقْبيحُ حَالِ الكفرة في إخلالهم بالتنزيه؛ بجعلهم الجمادات شركاء له ودعوى اتخاذه الولد. {و} يسبحه {الطيرُ} حال كونها {صافَّاتٍ} أي: يصففن أجنحتهن في الهواء، وتخصيصها بالذكر، مع اندراجها في جملة ما في الأرض؛ لعدم استمرار قرارها فيها، ولاختصاصها بصنع بارع، وهو اصطفاف أجنحتها في الجو، وتمكينها من الحركة كيف تشاء، وإرشادها إلى كيفية استعمالها بالقبض والبسط، ففي ذلك دلالة واضحة على كمال قدرة الصانع المجيد، وغاية حكمة المبدئ المعيد. {كُلٌّ قد عَلِمَ صلاتَه وتسبيحه} أي: كل واحد من الأشياء المذكورة قد عَلِمَ الله تعالى صَلاتَهُ، أي: دعاءه وخضوعه وتسبيحه. أو: كلٌّ قد علم في نفسه ما يصدر عنه من صَلاَةٍ وتسبيح، فالضمير: ما إليه أو لكلٌ. ولا يبعد أن يلهم الله الطيرَ دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة, التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها. {والله عليم بما يفعلون}؛ لا يعزب عن علمه شيء. {ولله ملكُ السموات والأرض} لا لغيره؛ لأنه الخالق لهما، ولما فيهما من الذوات، وهو المتصرف فيهما إيجاداً وَإعْداماً، {وإلى الله المصير} أي: إليه، خَاصَّةً، رجوع الكل بالفناء والبعث لا إلى غيره، وإظهار اسم الجلالة في وضع الإضمار، لتربية المهابة، والإشعار بِعِلِّيّةِ الحُكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما استقر في السموات السبع والأرضين السبع كله من قَبْضَةِ النُّور الأوَّلِيَّةِ بين حس ومعنى، حسه خاضع لأحكام الربوبية، ومعناه قاهر بسطوات الألوهية، حسه حِكْمةٌ، ومعناه قدرة، حسه مُلْكٌ، ومعناه ملكوت، وهذا معنى قوله: {الله نورُ السموات والأرض}، فافهم. ثم ذكر جزيئات من تلك النور فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً...}

الطوسي

تفسير : قرأ ابو جعفر المدني {يذهب بالأبصار} بضم الياء. الباقون بفتحها. وقد مضى ذكر مثله. يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) {ألم تر} يا محمد والمراد به جميع المكلفين أي ألم تعلم ان الذي ذكره في الآية لايرى بالابصار وانما يعلم بالادلة، {أن الله يسبح له من في السماوات والأرض} فالتسبيح التنزيه لله تعالى عن جميع ما لا يجوز عليه، ولا يليق به، فمن نفى عنه الصاحبة والولد، فقد سبحه، لانه يرأه مما لا يجوز عليه، ومن نفى عنه أن يكون له شريك في ملكه او عبادته، فقد سبحه، لانه برّأه مما لا يجوز عليه، وكذلك من نفى عنه فعل القبيح، فقد سبحه، لانه برأه مما لا يجوز عليه. وتسبيح من في السموات والارض إنما هو بما فيها من الدلالات على توحيده، ونفي الصاحبة عنه، ونفي تشبيهه بخلقه وتنزيهه عما لا يليق به، مما يدل على ذلك ويدعو اليه، كأنه المسبح له. وقوله {والطير صافات} معناه وتسبحه الطير صافات فى حال اصطفافها في الهواء، لانها إذا صفت اجنحتها في الهواء وتمكنت من ذلك كان في ذلك دلالة وعبرة على أن ممكنها من ذلك لا يشبه شيئاً من المخلوقات. وقوله {كل قد علم صلاته وتسبيحه} معناه: إن جميع ذلك قد علم الله تعالى صلاته، يعني دعاءه الى توحيده، وتسبيحه، وتنزيهه عما لا يليق به. وقال مجاهد: الصلاة للانسان، والتسبيح لكل شيء. وقيل: كل قد علم صلاته أي صلاة نفسه، وتسبيح نفسه، فيكون الضمير فى علم لـ (كل)، وعلى الأول يعود على اسم الله، والأول أجود، لان هذه الاشياء كلها لا يعلم كيفية دلالتها غير الله. وانما الله تعالى عالم بذلك، ويقويه قوله {والله عليم بما يفعلون} أي عالم بأفعالهم، لا يخفى عليه شيء منها، فيجازيهم بحسبها. ثم اخبر تعالى فقال {ولله ملك السماوات والأرض}، والملك المقدور الواسع لمن يملك السياسة والتدبير، فملك السموات والارض لا يصح إلا لله وحده لا شريك له، لانه لا يقدر على خلق الاجسام غيره، وليس مما يصح أن يملكه العبد، لانه لا يمكنه أن يصرفه أتم التصريف، فالملك التام، لا يصح الا لله تعالى. وقوله {وإلى الله المصير} اي اليه المرجع يوم القيامة، الى ثوابه او عقابه. ثم قال {ألم تر} اي الم تعلم {أن الله يزجي سحاباً} اى يسوق سحاباً الى حيث يريده، ومنه زجا الخراج إذا انساق الى أهله وازجاه فلان أي ساقه {ثم يؤلف بينه} أي بين بعضه وبعض، لان لفظ سحاب جمع، واحده سحابة، وهو كقولهم: جلس بين النخل، لان لفظ بين لا تستعمل إلا فى شيئين فصاعداً. وقوله {ثم يجعله ركاماً} وهو المتراكب بعضه فوق بعض {فترى الودق} يعني المطر، يقال: ودقت السحابة، تدق ودقاً إذا أمطرت قال الشاعر: شعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا ارض ابقل إبقالها تفسير : {يخرج من خلاله} فالخلال جمع خلل. وقوله {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} معنى {من} الاولى، لابتداء الغاية، لان {من السماء} ابتداء الانزال بالمطر، والثانية للتبعيض، لأن البرد بعض الجبال التي فى السماء، والثالثة لتبيين الجنس، لان جنس الجبال جنس البرد. وقيل فى السماء جبال برد مخلوقة في السماء. وقال البلخي: يجوز أن يكون البرد يجتمع في السحاب كالجبال ثم ينزل منها. وقيل السماء هو السحاب، لان كل ما علا مطبقاً فهو سماء. وقال الفراء: يجوز أن يكون المراد وينزل من السماء قدر جبال من برد، كما تقول: عندي بيتان من تبن أي قدر بيتين. وقال الحسن: فى السماء جبال برد، وقيل المعنى: قدر جبال يجعل منها برداً على ما حكيناه عن الفراء. وقوله {فيصيب به} يعني بذلك البرد {فيصيب به من يشاء} ان يهلك أو يهللك ماله {ويصرفه عمن يشاء} على حسب اقتضاء المصلحة. وقوله {يكاد سنا برقه} أي ضياء البرق، فسنا البرق مقصور، وسناء المجد ممدود. وقال ابن عباس وابن زيد: يعني ضوء برقه يكاد يختطف الابصار. وقال قتادة: لمعان برقه. وقوله {يقلب الله الليل والنهار} يعني يجيء بالنهار عقيب الليل، وباليل عقيب النهار. وقيل: يزيد من هذا في ذاك وينقص من ذاك في هذا {إن في ذلك لعبرة} اي دلالة {لأولي الأبصار} يعني ذوي العقول الذين يبصرون بقلوبهم. وفي الآية دلالة على وجوب النظر، وفساد التقليد، لانه تعالى مدح المعتبرين بعقولهم بما نبه من الدلالات والآيات الدالة على توحيده وعدله وغير ذلك.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ نشأ من قوله {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} فانّ تقييد التّسبيح بكونه فى تلك البيوت وكونه من رجال مخصوصين يوهم انّه لا يسبّح له فى غيرها فصار المقام مقام ان يسأل عن تسبيح غير الرّجال المذكورين والتّسبيح فى غير تلك البيوت فقال تعالى: الم تر خطاباً لمحمّدٍ (ص) او لمن يتأتّى منه الرّؤية فانّ الرّائى اذا نظر بادنى تأمّلٍ رأى انّ جميع الذّرّات فى جميع الاحوال وجميع الافعال يكونون فى تسبيح الرّبّ والتّسبيح للرّبّ، فانّ الكلّ يكونون فى الاستكمال الفطرىّ على الدّوام وهذا الاستكمال تنزيه للطيّفة الّتى هى اسم الرّبّ ومرآته عن سمة النّقصان وحجب القوى واخراج لها من القوى الى الفعليّات، وهذا التّسبيح اتمّ من التّسبيح اللّسانىّ الاختيارىّ الّذى يكون اكثر الاوقات مشوباً بالاغراض النّفسانيّة وتدنيساً لتلك اللّطيفة وتركاً للتّسبيح فى الحقيقة وضدّاً له، وقد سبق مكرّراً انّ المراد بتسبيح الرّبّ سواء عدّى بنفسه الى الرّبّ او الى اسم الرّبّ او عدّى بالباء او بالّلام الزّائدة للتّقوية او بالّلام التّعليليّة تنزيه تلك اللّطيفة عن شوب القوّة والاستعداد فانّ تلك اللّطيفة نازلة الرّبّ واسمه وتنزيهها ليس الاّ للرّبّ وبتنزيهها يكون تنزيه الرّبّ فالله تعالى شأنه يسبّحه ويسبّح لاجله جميع من فى السّماوات {وَ} جميع من فى {ٱلأَرْضِ} والمراد جميع الموجودات فيهما بطريق التّغليب ويكون ذكر الطّير بعدهما لكونهما ممّا ليست فى الارض ولا فى السّماء فى الاغلب بل بينهما، او المراد بهما ذوو العقول خاصّة وذكر الطّير من بين سائر الحيوان لكونها اشرف من اكثر اصنافه واكثر تفطّناً {وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ} اى حال كونها ذوات صفيف الاجنحة فى الجوّ، وهذا التّقييد يشعر بانّ ذكرها لكونها فى الجوّ {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ} الصّلٰوة الدّعاء والرّحمة والعبادة المخصوصة الموضوعة فى كلّ ملّةٍ ولكلّ امّةٍ والكلّ مناسب فانّ الله يعلم دعاء كلّ والرّحمة الّلائقة به وعبادته الخاصّة به، وكلّ من فى الارض والسّماء والطّير قد علم كيفيّة دعائه لله وطريق الرّحمة الخاصّة به والعبادة المخصوصة به، فانّ طريق رحمة كلّ وكيفيّة دعائه لله هو سيره على طريقه الخاصّة به وعدم الانحراف منها وهو عبادته الخاصّة به فعلى هذا جاز ان يكون ضمير علم راجعاً الى الله والى كلّ {وَتَسْبِيحَهُ} كيفيّة تنزيهه لله بخروجه من قواه الى فعليّاته غاية الامر انّ غير ذوى العقول يعلم بالشّعور البسيط دون الشّعور التّركيبىّ كما فى قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء:44] يعنى بالشّعور التّركيبىّ {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} فيجازيهم بحسب افعالهم ولا يفوته شيءٌ من افعالهم حتّى لا يجزيه.

فرات الكوفي

تفسير : {والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه41} [تقدم في ح2 من ذيل الآية 46/ الأعراف].

الهواري

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَآفَّاتٍ} أي: بأجنحتها {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} قال مجاهد: الصلاة للإِنسان، يعني المؤمن، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه. {وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهُ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَٰواتِ وَالأرْضِ} قيل الرواية قلبية اي (الم تعلم علما يشبه المشاهدة) في اليقين بالوحي او بالاستدلال او بهما (ان الله) ينزهه عن كل نقص اهل السماوات والارض العقلاء وغير العقلاء جمادا وحيوانا (ومن) لتغليب العقلاء أو هي للعقلاء فقط وهم الملائكة والثقلان. والتسبيح يكون بلسان المقال وبلسان الحال والطبع والاكثر على ان المراد العقلاء وغيرهم الحيوان والجماد. {وَالطَّيْرُ} عطف خاص على عام على تفسير الاكثر لمزية الطير بخاصية وهي جعل الاجرام الثقيلة قادرة على الوقوف في الجو باسطة اجنحتها * {صَآفَّاتٍ} حال من الطير فذلك حجة قاطعة على كمال قدرة الصانع ولطف تدبيره والطير من جملة ما في الارض. وان قلنا ان (من) واقعة على الملائكة والثقلين أو اعتبر ان ما في الجو غير ما في الارض كان ذلك عطفا مغايرا * {كُلٌّ} أي كل واحد من ذلك كله أو من الطير {قَدْ عَلِمَ} الله * {صَلاَتَهُ} اي دعاءه {وَتَسْبِيحَهُ} فدعاء الملائكة والثقلين في الصلاة وغيرها ودعاء الطير في غيرها وكذلك يقال في التسبيح هذا ما يظهر لي وهو ظاهر تفسير الزجاج. وقال مجاهد: الصلاة لبني آدم او التسبيح لسائر الخلق. وقيل: ان ضرب اجنحة الطير صلاته وتسبيحه. وقال: كل قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه. وقالت فرقة: كل قد علم صلاة الله وتسبيح الله اللذين امر بهما ولا يبعد ان يلهم الله الطير ذلك كما الهمها علوما دقيقة في اسباب معيشتها لا يكاد العلماء يهتدون اليها او نشبه حال كل في الدلالة على الحق والميل إلى النفع على وجه يخصه بحال من علم ذلك.

اطفيش

تفسير : {ألم تر أنَّ الله يُسبِّح له من فى السماوات والأرض والطَّيْر صافات} الاستفهام تقرير بما وقع، وهو أنه صلى الله عليه وسلم عالم بالوحى قبل نزول الآية، أو بالمكاشفة بأن من فى السماوات والأرض والطير تسبح له تعالى، أو الخطاب لمن يصلح على العموم، أوله صلى الله عليه وسلم، والمراد جميع المكلفين، وعليهما فالتقرير بما يشاهدون ويفهمون من الأحوال، والرؤية بمعنى العلم استعارة من الأبصار بالعين، لعلاقة الادراك، او مجاز مرسل لعلاقة اللزوم، أو التسبب وقيل حقيقة فى الآية جمع بين الحقيقة والمجاز، إذ جمعت التسبيح بالألسنة والتسبيح بغيرها مما يعلمه الله من الجمادات، أو من حيوانات لا تسبح بلسانها. أو جمعت التسبيح بالنطق، وبلسان الحال، وذلك على أن من فى الآية مستعملة لغير العقلاء معهم، تغليباً، ويجوز أن يراد عموم المجاز، وهو الخضوع الموجود فى تسبيح اللسان وغيره، وإن أريد بمن العقلاء فقط، فالتسبيح حقيق، فيقدر للطير عامل مجازى، أى ويسبح الطير، وإن كان تسبيحها كما ورد فى بعض فتسبيحها داخل فى تسبيح العقلاء أعنى أنه لا يقدر عامل، وصافات واقفة فى الجو، أى من شأنها، ولا يختص التسبيح بحال كونها صافات، وفيها دلالة عظيمة على قدرة الله تعالى، إذ تقف فى الهواء، وتجرى فيه بقبض الأجنحة وبسطها، مع أنها أجسام ثقال. {كلٌ} ممن فى السماوات والأرض والطير، وخص الطير هنا وفيما قبل لأنها ليست فى الأرض، بل فى الجو، ولو كانت فى جهة الأرض، لكنها من الأرض، وتسكن فيها فبهذا الاعتبار خصها مع أنها مما فى الأرض لتميز شأنها بالتصرف فى الهواء، وفيه أيضاً طير خلقت فيه، ولا تصل الأرض، وقيل: كل واحد من الطير {قَدْ علم} الله {صلاته} صلاة كل واحد له تعالى، أى عبادته له أو دعاءه. {وتَسْبيحه} تسبيح كل واحد له تعالى، وهذا أوفق للأصل، وهو إضافة المصدر لفاعله، وموافقة صلاته فى ذلك لاضافته، للفاعل ولو رجعنا الضمير فى تسبيحه لله وحذفنا ضمير الفاعل لخالف ذلك، ويجوز عود ضمير علم الى كل واحد مما ذكر، بمعنى أنها تصلى وتسبح، وهى تعلم انها تفعل ذلك، ولست خالقا لها على نوع صلاة وتسبيح طبعا لا تعلم به. {واللهُ عَليمٌ بما يفْعَلون} بما يفعل من فى السماوات والأرض والطير، كما علم صلاتهم وتسبيحهم.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبّحُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الخ استئناف خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم / للإيذان كما في «إرشاد العقل السليم» بأن الله تعالى قد أفاض عليه أعلى مراتب النور وأجلاها وبين له من أسرار الملك والملكوت أدقها وأخفاها. وقال الطبرسي ((هو بيان للآيات التي جعلها نوراً)) والخطاب له عليه الصلاة والسلام والمراد به جميع المكلفين. والهمزة للتقرير والرؤية هنا بمعنى العلم والظاهر أن إطلاقها عليه حقيقة. وقيل هي حقيقة في الإبصار وإطلاقها على العلم استعارة أو مجاز لعلاقة اللزوم، وأياً ما كان فالمراد لم تعلم بالوحي أو بالمكاشفة أو بالاستدلال أن الله تعالى ينزهه آناً فآناً في ذاته وصفاته وأفعاله عن كل ما لا يليق بشأنه الجليل من نقص أو خلل تنزيهاً معنوياً تفهمه العقول السليمة جميع من في السمٰوات والأرض من العقلاء وغيرهم كائناً ما كان فإن كل موجود من الموجودات الممكنة مركباً كان أو بسيطاً فهو من حيث ذاته ووجوده وأحواله المتجددة له يدل على صانع واجب الوجود متصف بصفات الكمال منزه عن كل ما لا يليق بشأن من شؤونه الجليلة وقد نبه سبحانه على كمال قوة تلك الدلالة وغاية وضوحها حيث عبر عنها بما يخص العقلاء من التسبيح الذي هو أقوى مراتب التنزيه وأظهرها تنزيلاً للسان الحال منزلة لسان المقال وتخصيص التنزيه بالذكر مع دلالة ما فيهما على اتصافه تعالى بنعوت الكمال أيضاً لما أن مساق الكلام لتقبيح حال الكفرة في إخلالهم بالتنزيه بجعلهم الجمادات شركاء له سبحانه في الألوهية ونسبتهم إياه عز وجل إلى اتخاذ الولد ونحو ذلك مما تعالى الله عنه علواً كبيراً. وإطلاق (من) على العقلاء وغيرهم بطريق التغليب، ولا يغني عن اعتباره أو اعتبار مجاز مثله إسناد التسبيح المختص بالعقلاء بحسب الظاهر كما توهمه بعض الأجلة، وحمل بعضهم التسبيح على معنى مجازي شامل لتسبيح العقلاء وغيرهم ويسمى عموم المجاز. ورد بأن بعضاً من العقلاء وهم الكفرة من الثقلين لا يسبحونه بذلك المعنى قطعاً وإنما تسبيحهم ما ذكر من الدلالة التي يشاركهم فيها غير العقلاء أيضاً. وفي ذلك من تخطئتهم وتعييرهم ما فيه، والقول بأن الكفرة يسبحون كالمؤمنين لكن من حيث لا يشعرون كما قال الحلاج: جحودي لك تقديس مما لا يقبله ذوو العقول وحري بأن لا يكون من المقبول. وقال بعضهم إذا كانت (من) للتغليب يندرج في عمومها العقلاء المطيعون والعقلاء العاصون وغير العقلاء مطلقاً فيحمل التسبيح على معنى مجازي يصح نسبته إلى كل مما ذكر وأي مانع من ذلك وهو كما ترى. واستظهر أبو حيان إبقاء التسبيح على ظاهره وتخصيص (من) بالعقلاء المطيعين وما ذكر أولاً أولى. {وَٱلطَّيْرُ } بالرفع عطفاً على {مِنْ } وتخصيصها بالذكر عليه مع اندراجها في جملة ما في الأرض لعدم استمرار قرارها فيها واستقلالها بصنع بارع وإنشاء رائع قصد بيان تسبيحها من تلك الجهة لوضوح إنبائها عن كمال قدرة صانعها ولطف تدبير مبدعها حسبما يعرب عنه التقييد بقوله تعالى: {صَافَّـٰتٍ } أي تسبحه الطير حال كونها صافات أجنحتها فإن إعطاءه تعالى للأجرام الثقيلة ما يتمكن به من الوقوف في الجو والحركة كيف تشاء من الأجنحة والأذناب الخفيفة وإرشادها إلى كيفية استعمالهما بالقبض والبسط والتحريك يميناً وشمالاً ونحو ذلك حجة واضحة الدلالة على كمال قدرة الصانع المجيد، وغاية حكمة المبدىء المعيد. والعطف على ما استظهره أبو حيان على {مِنْ } أيضاً وقد صرح بذلك، ونقل عن الجمهور أن تسبيحها حقيقي وظاهره أنه على نحو تسبيح العقلاء من الثقلين، ولعل ملتزم ذلك لا يلتزم وجوب كون التسبيح الحقيقي بالألفاظ المألوفة لنا وإلا لا يتسنى القول بأن تسبيحها حقيقي مع هذا الوجوب لفقد الألفاظ المألوفة لنا منها. ويجوز أن يقال: إنه / تعالى ألهم الطير تسبيحاً مخصوصاً يليق بها هو غير التسبيح الحالي الذي هو الدلالة السابقة ويقدر فعل رافع لها يراد منه ذلك المعنى الملهم أي ويسبح الطير. وتخصيص تسبيحها بذلك المعنى بالذكر لما أن أصواتها أظهر وجوداً وأقرب حملاً على التسبيح لكن التقييد بالحال على هذا حاله في الحسن دون حاله على ما سبق. وقرأ الأعرج {والطير} بالنصب على أنه مفعول معه، وقرأ الحسن وخارجة عن نافع {والطير صافات } برفعهما على الابتداء والخبرية، والظاهر على هذه القراءة أن قوله تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } خبر بعد خبر وعلى قراءة الجمهور استئناف جىء به لبيان كمال عراقة كل واحد مما ذكر من الطير وما اندرج في عموم {مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} في التنزيه ورسوخ قدمه فيه بتمثيل حاله بحال من يعلم ما يصدر عنه من الأفاعيل فيفعلها عن قصد ونية لا عن اتفاق بلا روية، وقد أدمج سبحانه في تضاعيفه الإشارة إلى أن لكل واحد من الأشياء المذكورة مع ما ذكر من التنزيه حاجة ذاتية إليه تعالى واستفاضة منه عز وجل لما يهمه بلسان استعداده، وتحقيقه أن كل واحد من الموجودات الممكنة في حد ذاته بمعزل عن استحقاق الوجود لكنه مستعد لأن يفيض عليه منه تعالى ما يليق بشأنه من الوجود وما يتبعه من الكمالات ابتداءً وبقاءً فهو مستفيض منه تعالى على الاستمرار فيفيض عليه في كل آن من فنون الفيوض المتعلقة بذاته وصفاته ما لا يحيط به نطاق البيان بحيث لو انقطع ما بينه وبين العناية الربانية من العلاقة لانعدم بالمرة، وقد عبر عن تلك الاستفاضة المعنوية بالصلاة التي هي الدعاء والابتهال لتكميل التمثيل، وتقديمها على التسبيح في الذكر لتقدمها عليه في الرتبة كذا في «إرشاد العقل السليم»، والكلام عليه استعارة تمثيلية والمضاف إليه الذي ناب عنه تنوين {كُلٌّ } ما يشمل المذكور المصرح به والمندرج تحت العموم حتى الجماد وضمير {عِلْمٍ } وكذا ضميرا {صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } لكل واحد وإليه ذهب الزجاج. وزعم بعضهم أنه يكون في {عِلْمٍ } على ذلك استعارة تبعية وقال في بيان ذلك: إنه يشبه دلالة كل واحد من المذكورين على الحق بلسان الحق والمقال وميل كل منهم إلى النفع اختياراً أو طبعاً بعلم التسبيح والصلاة فيطلق على كل واحد من تلك الدلالة والميل اسم العلم على سبيل الاستعارة ويشتق منه لفظ علم، ومن له أدنى ذوق لا يرتضيه، وجوز أيضاً أن يكون الصلاة مجازاً عن الميل والتسبيح مجازاً عن الدلالة ومع هذا قيل إنه وإن صح غير مناسب للتمثيل، وزعم بعض أن الأولى أن يجعل المضاف إليه غير شامل للجماد وليس بذاك، وجوز أن يكون ضميرا {صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } لله تعالى على أن الإضافة للمفعول، وجوز أن يكون لكل واحد مما في السمٰوات والأرض ويكون ضمير {عِلْمٍ } لله عز وجل. وقال غير واحد: يجوز أن لا يكون هناك استعارة والعلم على حقيقته ويراد به مطلق الإدراك ويراد بما ناب عنه التنوين أنواع الطير أو أفرادها وبالصلاة والتسبيح ما ألهمه الله عز وجل كل واحد من الدعاء والتسبيح المخصوصين به، ولا بعد في هذا الإلهام فقد ألهم سبحانه كل نوع من أنواع الحيوانات علوماً دقيقة لا يكاد يهتدي إليها جهابذة العقلاء وهذا مما لا سبيل إلى إنكاره أصلاً كيف لا وإن القنفذ مع كونه أبعد الحيوانات من الإدراك قالوا: إنه يحس بالشمال والجنوب قبل هبوبهما فيغير المدخل إلى جحره، والجملة على هذا لبيان كمال الرسوخ في الأمرين وأن صدورهما عن الطير ليس بطريق الاتفاق بلا روية بل عن علم وإتقان نظير ما مر لكن لا على سبيل التمثيل، وقدر فعل رافع للطير / عليه أي ويسبح الطير كما تقدم ولم تجعل معطوفة على {مِنْ } مرفوعة برافعها قيل لأنه يؤدي إلى أن يراد بالتسبيح الدال عليه الفعل المذكور معنى مجازي شامل للتسبيح المقالي والحالي من العقلاء وغيرهم، وقد تقدم ما فيه. وجوز جعل ما ناب عنه التنوين ما يشمل الطير وغيره من المندرج في العموم السابق، وفيه أن مما اندرج في العموم الجماد ولا ينسب إليه العلم وإن كان بمعنى مطلق الإدراك والتزم أن له علماً وأنه سبحانه ألهمه صلاة وتسبيحاً لائقين به مما لا يرتضيه كثير من الناس، وقد تقدم لك ما يتعلق بهذا المقام في سورة الإسراء [44] فتذكر. وجوز بعضهم على تقدير حمل العلم على المعنى الحقيقي أن يكون عطف التسبيح على الصلاة من عطف التفسير، وأنت تعلم أنه إذا قبل ذلك على ذلك التقدير فما المانع من قبوله على التقدير السابق من جعل الاستعارة تمثيلية، نعم يفوت حينئذٍ الإدماج الذي أشير إليه فيما مر وهو ليس بمانع، والحق أن احتمال التفسير بعيد ولا داعي إلى ارتكابه بل يفوت عليه ما يفوت كما لا يخفى. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } أي بالذي يفعلونه اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله. و {مَا } إما عبارة عن الدلالة الشاملة لجميع الموجودات من العقلاء وغيرهم والتعبير عنها بالفعل مسنداً إلى ضمير العقلاء لما أشرنا إليه أول الكلام، وإما عبارة عنها وعن التسبيح الخاص بالطير معاً أو عن تسبيح الطير فقط فالفعل على حقيقته وإسناده إلى ضمير العقلاء لما مر، والاعتراض حينئذٍ مقرر لتسبيح الطير فقط وعلى الأولين لتسبيح الكل، وإما عبارة عن الأعم من الصلاة والتسبيح وغيرهما من الأفعال الصادرة عمن في السمٰوات والأرض والأحوال العارضة له والاعتراض حينئذٍ مقرر لمضمون {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ } أي الله تعالى صلاته وتسبيحه وأمر التعبير بالفعل والإسناد إلى ضمير العقلاء لا يخفى، ولتعدد الأوجه فيما مر تعددت الاحتمالات هنا فتأمل ولا تغفل. وقرأ الحسن وعيسى وسلام وهارون عن أبـي عمرو {تفعلون } بتاء الخطاب، وفيه كما قيل وعيد وتخويف ولعل الظاهر أن الخطاب فيه للكفرة، وربما يجوز أن يكون ضمير الجمع على قراءة الجمهور لهم أيضاً على أن المراد بالجملة تخويفهم لإعراضهم عن تسبيحه تعالى بعد أن أخبر سبحانه عمن أخبر بأنه قد علم صلاته وتسبيحه، وهذا وإن كان بعيداً إلا أن في القراءة المذكورة نوع تأييد له.

ابن عاشور

تفسير : أُعقِب تمثيل ضلال أهل الضلالة وكيف حرمهم الله الهدى في قوله: { أية : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة } تفسير : إلى قوله: { أية : ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } تفسير : [النور: 39، 40] بطلب النظر والاعتبار كيف هدى الله تعالى كثيراً من أهل السماوات والأرض إلى تنزيه الله المقتضي الإيمان به وحده، وبما ألهم الطير إلى أصواتها المعربة عن بهجتها بنعمة وجودها ورزقها الناشئَين عن إمداد الله إياها بهما فكانت أصواتها دلائل حال على تسبيح الله وتنزيهه عن الشريك، فأصواتها تسبيح بلسان الحال. والجملة استئناف ابتدائي ومناسبته ما علمت. وجملة: {كل قد علم صلاته وتسبيحه} استئناف ثانٍ وهو من تمام العبرة إذ أودع الله في جميع أولئك ما به ملازمتهم لما فُطروا عليه من تعظيم الله وتنزيهه. فتسبيح العقلاء حقيقة، وتسبيح الطير مجاز مرسل في الدلالة على التنزيه. وفيه استعمال لفظ التسبيح في حقيقته ومجازه، ولذلك خولف بينهما في الجملة الثانية فعبر بالصلاة والتسبيح مراعاة لاختلاف حال الفريقين: فريق العقلاء. وفريق الطير وإن جمعتهما كلمة {كل} فأطلق على تسبيح العقلاء اسم الصلاة لأنه تسبيح حقيقي. فالمراد بالصلاة الدعاء وهو من خصائص العقلاء، وليس في أحوال الطير ما يستقيم إطلاق الدعاء عليه على وجه المجاز وأبقي لدلالة أصوات الطير اسم التسبيح لأنه يطلق مجازاً على الدلالة بالصوت بعلاقة الإطلاق وذلك على التوزيع؛ ولولا إرادة ذلك لقيل: كل قد علم تسبيحه، أو كل قد علم صلاته. والخطاب في قوله: {ألم تر} للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد من يَبلُغ إليه، أو الخطاب لغير معيّن فيعم كل مخاطب كما هو الشأن في أمثاله. والاستفهام مستعمل كناية عن التعجيب من حال فريق المشركين الذين هم من أصحاب العقول ومع ذلك قد حرموا الهدى لما لم يجعله الله فيهم. وقد جعل الهدى في العجماوات إذ جبلها على إدراك أثر نعمة الوجود والرزق. وهذا في معنى قوله تعالى: { أية : إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً } تفسير : [الفرقان: 44]. والصافّات من صفات الطير يراد به صفهن أجنحتهن في الهواء حين الطيران. وتخصيص الطير بالذكر من بين المخلوقات للمقابلة بين مخلوقات الأرض والسماء بذكر مخلوقات في الجو بين السماء والأرض ولذلك قيّدت بـ{صافات}. وفعل {علم} مراد به المعرفة لظهور الفرق بين علم العقلاء بصلاتهم وعلم الطير بتسبيحها فإن الثاني مجرد شعور وقصد للعمل. وضمائر {علم صلاته وتسبيحه} راجعة إلى {كل} لا محالة. ولو كان المراد بها التوزيع على من في السماوات والأرض والطير من جهة وعلى اسم الجلالة من جهة لوقع ضمير فصل بعد {علم} فلكان راجعاً إلى الله تعالى. والرؤية هنا بصرية لأن تسبيح العقلاء مشاهد لكل ذي بصر، وتسبيح الطير مشاهد باعتبار مسماه فما على الناظر إلا أن يعلم أن ذلك المسمى جدير باسم التسبيح. وعلى هذا الاعتبار كان الاستفهام الإنكاري مكين الوقع. وإن شئت قلت: إن جملة {ألم تر} جارية مجرى الأمثال في كلام البلغاء فلا التفات فيها إلى معنى الرؤية. وقيل: الرؤية هنا قلبية. وأغنى المصدر عن المفعولين. وجملة: {والله عليم بما يفعلون} تذييل وهو إعلام بسعة علم الله تعالى الشامل للتسبيح وغيره من الأحوال. والإتيان بضمير جمع العقلاء تغليب. وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } تفسير : في سورة البقرة (243) وقوله: { أية : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } تفسير : في سورة الأنعام (6).

الشنقيطي

تفسير : اعلم أن الضمير المحذوف الذي هو فاعل علم قال بعض أهل العلم: إنه راجع إلى الله تعالىفي قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} الآية، وعلى هذا فالمعنى كل من المسبحين والمصلين. قد علم الله صلاته وتسبيحه. وقال بعض أهل العلم: إن الضمير المذكور إلى قوله: {كُلٌّ} أي كل من المصلين والمسبحين، قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه، وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} تفسير : [النحل: 97] الآية كلام الأصوليين في أن اللفظ إن احتمل التوكيد والتأسيس حُمل على التأسيس، وبيّنا أمثلة متعددة لذلك من القرآن العظيم. وإذا علمت ذلك فاعلم أن الأظهر على مقتضى ما ذكرنا عن الأصوليين، أن يكون ضمير الفاعل المحذوف في قوله: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} راجعاً إلى قوله {كُلٌّ} أي كل من المصلين قد علم صلاة نفسه، وكل من المسبحين، قد علم تسبيح نفسه، وعلى هذا القول فقوله تعالى {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} تأسيس لا تأكيد، أما على القول بأن الضمير راجع إلى الله: أي قد علم صلاته يكون قوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} كالتكرار مع ذلك فيكون من قبيل التوكيد اللفظي. وقد علمت أن المقرر في الأصول أن الحمل على التأسيس أرجح من الحمل على التوكيد كما تقدم إيضاحه. والظاهر أن الطير تُسبِّح وتصلي صلاة وتسبيحاً يعملهما الله، ونحن لا نعلمهما كما قال تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 44]. ومن الآيات الدالة على أن غير العُقلاء الله ونحن لا نعلمه. قوله تعالى في الحجارة {أية : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 74] فأثبت خشية للحجارة، والخشية تكون بإدراك. وقوله تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحشر: 21] وقوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} تفسير : [الأحزاب: 72] الآية. والإباء والإشفاق إنما يكونان بإدراك، والآيات والأحاديث واردة بذلك، وهو الحق. وظاهر الآية أن للطير صلاة وتسبيحاً، ولا مانع من الحمل على الظاهر ونقل القرطبي عن سفيان: أنَّ للطير ليس فيها ركوع ولا سجود اهـ. ومعلوم أن الصلاة في اللغة الدعاء، ومنه قول الأعشى: شعر : تقول بنتي وقد غربت مرتحلاً با ربِّ جنِّب أبي الأوصاب والوجعَا عليكِ مثل الذي صليتِ فاغتبطي نوماً فإنّ لجنب المرء مضجعا تفسير : فقوله: مثل الذي صليت أي دعوت يعني قولها: يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا. وقوله: {صَآفَّاتٍ}: أي صافّات أجنحتها في الهواء وقد بيّن تعالى في غير هذا الموضع أن إمساكه الطير صافات أجنحتها في الهواء وقابضات لها من آيات قدرته، واستحقاقه العبادة وحده، وذلك في قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [الملك: 19] الآية. وقوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [النحل: 79].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {صَآفَّاتٍ} (41) - أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ (وَهُمُ المَلاَئِكَةُ)، وَمَنْ فِي الأَرْضِ مَنَ البَشَرِ والدَّوَابِّ والجَمَادِ والنَّبَاتِ، وَتُسَبِّحُ لَهُ الطِّيْرُ فِي حَالِ طَيَرَانِهَا فِي أَجْوَاءِ الفَضَاءِ (صَافَّاتِ)، وَتَعْبُدُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُهُ، وَقَدْ أَرْشَدَ اللهُ كُلَّ مَخْلُوقٍ إِلَى طَرِيقَتِهِ وَمَسْلَكِهِ فِي عِبَادَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللهُ عَالِمٌ بِكُلِّ ذَلِكَ، لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْهُ، فَكَيْفَ يَكْفُرُ بِهِ هَؤُلاَءِ الجَاحِدُون؟ صَافَّاتٍ - بَاسِطَاتٍ أَجْنِحَتَها فِي الهَوَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يريد الحق - سبحانه وتعالى - أن يلفتنا إلى ما يدّل على وحدة الخالق الأعلى، وكمال قيوميته، وكمال قدرته، وذُكِرَتْ هذه الآية بعد عدة أوامر ونواهٍ، وكأن ربك - عز وجل - يريد أنْ يُطمئِنك على أن هذا الكون الذي خلقه من أجلك وقبل أن تُولد، بل، وقبل أن يخلق الله آدم أعدَّ له هذا الكون، وجعله في استقباله بسمائه وأرضه وشمسه وقمره ومائه وهوائه، يقول لك ربك: اطمئن فلن يخرج شيء من هذا الكون عن خدمتك فهو مُسخَّر لك، ولن يأتي يوم يتمرّد فيه، أو يعصي أوامر الله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [النور: 41]. {أَلَمْ تَرَ ..} [النور: 41] يعني: ألم تعلم، كما في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ}تفسير : [الفيل: 1] ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم وُلِد عام الفيل، ولم يَرَ هذه الحادثة، فلماذا لم يخاطبه ربُّه بألم تعلم ويريح الناس الذين يتشكّكون في الألفاظ؟ قالوا: ليدلّك على أن ما يخبرك الله به - غيباً عنك - أوثقُ مما تخبرك به عينُك مشهداً لك؛ لأن مصدر علمك هو الله، أَلاَ ترى أن النظر قد يصيبه مرض فتختل رؤيته، كمن عنده عمى ألوان أو قِصَر نظر .. إلخ إذن: فالنظر نفسه وهو أوثق شيء لديك قد يكذب عليك. والتسبيح: هو التنزيه، والتنزيه أن ترتفع بالمنزّه عن مستوى ما يمكن أنْ يجولَ بخاطرك: فالله تعالى له وجود، وأنت لك وجود، لكن وجودَ الله ليس كوجودك، الله له ذات وصفات، لكن ليست كذاتك وصفاتك .. إلخ. إذن: نزِّه ذات الله تعالى عن الذوات التي تعرفها؛ لأنها ذوات وُهِبَتْ الوجود، أما ذات الله فغير موهوبة، ذات الله ذاتية، كذلك لك فِعْل، ولله تعالى فِعْل. وقد ذكرنا في قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ..}تفسير : [الإسراء: 1]. إن الذين اعترضوا على هذا الفعل اعترضوا بغباء، فلم يُفرِّقوا بين فِعْل الله وفِعْل العبد، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: سريْتُ من مكة إلى بيت المقدس. إنما قال: أُسْرِي بي. فالاعتراض على هذا فيه مغالطة، فإنْ كنتم تضربون إليها أكباد الإبل شهراً؛ فذلك لأن سَيْركم خاضع لقدرتكم وإمكاناتكم، أمّا الله تعالى فيقول للشيء: كُنْ فيكون، فلا يحتاج في فِعْله سبحانه إلى زمن. فمن الأدب أَلاَّ تقارن فِعْل الله بفعلك، ومن الأدب أنْ تُنزِّه الله عن كل مَا يخطر لك ببال، نزِّه الله ذاتاً، ونزِّهه صفاتاً، ونزهه أفعالاً. ألا ترى أن (سبحان) مصدر للتسبيح، يدل على أن تنزيه الله ثابت له سبحانه قبل أن يخلق مَنْ ينزهه، كما جاء في قوله تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [آل عمران: 18] فشهد الحق - تبارك وتعالى - لنفسه قبل أنْ تشهدوا، وقبل أن تشهد الملائكة، فهذه هي شهادة الذات للذات. وقبل أن يخلق الله الإنسان المسبِّح سبَّح لله السماوات والأرض ساعة خلقهما سبحانه وتعالى. وحين تتتبع ألفاظ التسبيح في القرآن الكريم تجدها جاءت مرة بصيغة الماضي {أية : سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الحديد: 1] فهل سبّحَتْ السماوات والأرض مرة واحدة، فقالت: سبحان الله ثم سكتَتْ عن التسبيح؟ لا إنما سبَّحَتْ في الماضي، ولا تزال تُسبِّح في الحاضر: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الجمعة: 1]. وما دام أن الكون كله سبَّح لله، وما يزال يُسبِّح فلم يَبْقَ إلا أنت يا ابن آدم: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [الأعلى: 1] يعني: استح أن يكون الكون كله مُسبِّحاً وأنت غير مُسبِّح، فصِلْ أنت تسبيحك بتسبيح كل هذه المخلوقات. وعجيب أن نسمع من يقول أن (مَنْ) في الآية للعاقل، فهو الذي يُسبِّح أمّا السماوات والأرض فلا دخلَ لهما في هذه المسألة، ونقول: لا دخلَ لها في تصورك أنت، أمّا الحقيقة فإنها مثلك تُسبِّح كما قال تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ..} [النور: 41]. وقال: {أية : وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ..}تفسير : [الرعد: 13] فليس لك بعد كلام الله كلام. وآخر يقول لك: التسبيح هنا ليس على الحقيقة، إنما هو تسبيح دلالة وحال، لا مقال، يعني: هذه المخلوقات تدلُّ بحالها على تسبيح الله وتنزيهه، وأنه واحد لا شريك له، على حد قول الشاعر: شعر : وَفِي كُلِّ شَيء لَهُ آيَةٌ تدُلُّ على أنَّه الوَاحِدُ تفسير : وهذا القول مردود بقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..}تفسير : [الإسراء: 44]. إذن: فهذه المخلوقات تُسبِّح على الحقيقة ولها لسان ولغة، لكنك لا تفهم عنها ولا تفقه لغاتها، وهل فهمتَ أنت كل لغات بني جنسك حتى تفهم لغات المخلوقات الأخرى؟ إن العربي إذا لم يتعلم الإنجليزية مثلاً لا يستطيع أن يفهم منها شيئاً، وهي لغة منطوقة مكتوبة، ولها ألفاظ وكلمات وتراكيب مثل العربية. إذن: لا تقُلْ تسبيحَ حال، هو تسبيح مقال، لكنك لا تفهمه، وكل شيء له مقال ويعرف مقاله، بدليل أن الله تعالى إنْ شاء أطلع بعض أهل الاصطفاء على هذه اللغات، ففهمها كما فهم سليمان عليه السلام عن النملة {أية : فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا ..}تفسير : [النمل: 19] وسمع كلام الهدهد وفهم عنه ما يقول عن ملكة سبأ. ونقول لأصحاب هذا الرأي: تأملوا الخلية المسدَّسة التي يصنعها النحل وما فيها من هندسة تتحدى أساطين الهندسة والمقاييس أن يصنعوا مثلها، تأمَّلوا عش الطائر وكيف ينسج عيدان القش، ويُدخل بعضها في بعض، ويجعل للعُشِّ حافَّة تحمي الصغار، فإذا وضعْتَ يدك في العُشِّ وهو من القَشِّ وجدتَ له ملمسَ الحرير، تأملوا خيوط العنكبوت وكيف يصطاد بها فرائسه؟ لقد شاهدت فِيلماً مصوراً يُسجِّل صراعاً بين دب وثور، الدب رأى قرون الثور طويلة حادة، وعلم أنها وسيلة الثور التي ستقضي عليه، فما كان منه إلا أن هجم على الثور وأمسك قَرْنَيْه بيديه، وظل ينهش رأس الثور بأسنانه حتى أثخنه جراحاً حتى سقط فراح يأكله. إذن: كيف نستبعد أن يكون لهذه المخلوقات لغات تُسبِّح الله بها لا يعرفها إلا بنو جنسها، أو مَنْ أفاض الله عليه بعلمها؟ ثم ألم يتعلَّم الإنسان من الغراب كيف يدفن الموتى لما قَتَل قابيلُ هابيلَ؟ كما يقول سبحانه: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ..}تفسير : [المائدة: 31] وكأن ربنا - عز وجل - يُعلِّمنا الأدب وعدم الغرور. وقرأنا أن بعض الباحثين والدارسين لحياة النمل وجدوا أنه يُكوِّن مملكة متكاملة بلغت القمة في النظام والتعاون، فقد لاحظوا مجموعة تمرُّ هنا وهناك، حتى وجدتْ قطعة من طعام فتركوها وانصرفوا، حيث أتوا، ثم جاءت بعدهم كوكبة من النمل التفتْ حول هذه القطعة وحملتْها إلى العُشِّ، ثم قام الباحث بوضع قطعة أخرى ضِعْف الأولى، فإذا بمجموعة الاستكشاف (أو الناضورجية) تمر عليها وتذهب دون أنْ تحاول حَمْلها، وبعدها جاء جماعة من النمل ضِعْف الجماعة الأولى، فكأن النمل يعرف الحجم والوزن والكتلة ويُجيد تقديرها. وفي إحدى المرات لاحظ الباحث فتاتاً أبيض أمام عُشِّ النمل، فلما فحصه وجده من جنين الحبة الذي يُكوِّن النبتة، وقد اهتدى النمل إلى فصل هذا الجنين حتى لا تُنبت الحبة فتهدم عليهم العُشّ، لهذا الحد عَلِم النمل قانون صيانته، وعلم كيف يحمي نفسه، وهو من أصغر المخلوقات، أبعد هذا كله نستبعد أن يكون للنمل أو لغيره لُغته الخاصة؟ ثم يقول سبحانه: {وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ..} [النور: 41] فلماذا خَصَّ الطير بالذكْر مع أنها داخلة في {مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [النور: 41]. قالوا: خَصَّها لأن لها خصوصية أخرى وعجيبة، يجب أن نلتفت إليها؛ لأن الله تعالى يريد أنْ يجعل الطير مثلاً ونموذجاً لشيء أعظم، فالطير كائن له وزن وثِقل، يخضع لقانون الجاذبية التي تجذب للأرض كُلَّ ثقل يعلَقُ في الهواء. لكن الحق - سبحانه وتعالى - يخرق هذا القانون للطير حين يصُفُّ أجنحته في الهواء، يظل مُعلّقاً لا يسقط: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ ..}تفسير : [الملك: 19]. وكأن الخالق - عز وجل يقول: خُذُوا من الطير المشاهد نموذجاً ووسيلة إيضاح، فإذا قلتُ لكم: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ..}تفسير : [الحج: 65] فَصدِّقوا وآمنوا أن الله يُمسك السماء، بل: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ..}تفسير : [فاطر: 41]. فخُذْ من المشهد الذي تدركه دليلاً على ما لا تدركه. لكن، مَن الفاعل في {عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ..} [النور: 41]. يمكن أن يكون الفاعل الطير وكل ما في الوجود، وأحسن منه أن نقول: علم الله صلاتها وتسبيحها؛ لأنه سبحانه خالقها وهاديها إلى هذا التسبيح. إذن: فكل ما في الوجود يعلم صلاته ويعلم تسبيحه، كما تعلم أنت المنهج، لكنه استقام على منهجه لأنه مُسخّر وانحرفت أنت لأنك مُخيَّر. فإنْ أردتَ أنْ تستقيمَ أمور حياتك فطبِّق منهج الله كما جاءك؛ لذلك لا تجد في الكون خللاً أبداً إلا في منطقة الاختيار عند الإنسان، كل شيء لا دخْلَ للإنسان فيه يسير منتظماً، فالشمس لم تعترض في يوم من الأيام ولم تتخلف، كذلك القمر والنجوم والهواء، إنها منضبطة غاية الانضباط، حتى إن الناس يضبطون عليها حساباتهم ومواعيدهم واتجاهاتهم. لذلك يقول تعالى: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}تفسير : [الرحمن: 5] يعني: بحساب دقيق، وما كان للشمس أنْ تضبط الوقت إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41] أي: لقيوميته تعالى على خَلْقه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} ولم تعلم أيها المعتبر الرائي {أَنَّ ٱللَّهَ} المتوحدَ برداء العظمة والكبرياء، المستقل بالوجود الحقيقي بكمال اللطف والجود {يُسَبِّحُ لَهُ} ويقدسه سبحانه عن جميع ما لا يليق بشأنه عن شوب النقص وسمات الحدوث والإمكان، جميعُ {مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من المجبولين على المعرفة المتوجهين نحو المبدع طوعاً {وَ} جميع من في {ٱلأَرْضِ} أيضاً كذلك {وَ} كذا {ٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ} باسطاتٍ أجنحتهن في الجو {كُلٌّ} أي: كل واحدٍ من المسبحين السماويين والأرضيين والهوائيين {قَدْ عَلِمَ} وأشعر {صَلاَتَهُ} وميله إلى ربه الذي أوجده وأظهره {وَتَسْبِيحَهُ} الذي سبَّح ونزه به مبدعاً عما لا يليق بجنابه {وَٱللَّهُ} المتجلي بأسمائه الحسنى وصفاته العليا {عَلِيمٌ} بعلمه الحضوري {بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41] أي: بحميع ما صدر عنهم من التوجه والتسبيح، وإخلاصهم فيه. وكيف لا يعلم سبحانه أفعال عباده ومملوكه؛ إذ {وَللَّهِ} المظهر المبدعِ ابتداءً {مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} وجميع من فيها وما فيها {وَٱلأَرْضِ} ومن عليها وما عليها، فله التصرف فيهما، وفيما بينهما بالاستقلال والاختيار بلا مزاحمة الأضداد والأغيار {وَ} كيف لا {إِلَىٰ ٱللَّهِ} لا إلى غيره من الأظلال الهالكة في بيداء الضلال {ٱلْمَصِيرُ} [النور: 42] أي: المرجع المنتهى؛ إذ الكل منه بدأ وإليه يعود، هو الأول والأخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء كائنُ وسيكون أزلاً وأبداً عليمُ خبيرُ، يظهره ويعدمه حسب علمه وخبرته بإرادته واختياره. {أَلَمْ تَرَ} أيها الرائي {أَنَّ ٱللَّهَ} المتكفلَ لأرزاق عباده كيف {يُزْجِي} ويسوق أجزاء الأبخرة والأدخنة إلى فوقٍ متفرقةً؛ ليجعله {سَحَاباً} هامراً {ثُمَّ يُؤَلِّفُ} ويركب {بَيْنَهُ} أي: بين أجزاء السحاب {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} متراكماً متكاشفاً متصلاً؛ ليكوّن منه مياهً كثيرةً، ثم يُجعل له فتوقاً ومنافذَ {فَتَرَى} أيها الناظر المعتبر {ٱلْوَدْقَ} أي: المطر المتقاطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} وفتوقه غايةً منه سبحانه لمن في حوزته فضلُه وجودُه {وَ} كذا {يُنَزِّلُ مِنَ} جانب {ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا} يعني: من قطعِ سحابٍ متراكمٍ في الجو على هيئة الجبال الرواسي {مِن بَرَدٍ} متكونٍ من الأبخرة والأدخنة الواصلة إلى الطقبة الزمهريرية من الهواء وصولاً تاماً، إلى حيث انجمدت انجماداً صلباً كالحجر من كمال البرودة، فيُنزل منها إظهاراً لقهره سبحانه، وتنبيهاً على صَولة سطوة صفاته الجلالية {فَيُصِيبُ بِهِ} سبحانه {مَن يَشَآءُ} من عباده ممن سبق القهرُ والغضبُ منه سبحانه يمقتضى جلاله سبحانه {وَيَصْرِفُهُ} أي: يصرف شره {عَن مَّن يَشَآءُ} من أهل العناية على مقتضى لطفه وجماله. ومن أمارات غضب الله وقهره: إنه {يَكَادُ} ويقرب {سَنَا بَرْقِهِ} اللامعِ؛ أي: ضوئهِ الحاصلِ منه في كمال الظلمة حالة الاصطكاك {يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ} [النور: 43] الناظرة نحوه، ويختطفها بحدوث الضد من الضد فجأة، وذلك من الأسباب التافهة التامة لتفريق البصر. وكيف لا يخطف الأبصار حين {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ} المحوِّل للأحوال فيه {ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} بغتةً بلا تراخٍ ومهلةٍ إظهاراً لكمال قدرته، واختباره واستقلاله بالتصرف في مظاهره ومصنوعاته {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} التبديل والقلب وإحداث الضد من الضد بغتةً {لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [النور: 44] المنكشفين بوحدة الواجب وصفاته الذاتية التي هي منشأ جميع ما ظهر وبطن من الكوائن والفواسد بإرادته واختياره، المستدلين من آثار أوصافه وأسمائه بعلو شأنه وسمو برهانه، المتيقنين بوحدة ذاته وتنزهه عن وصمة الكثرة والشركة مطلقاً. {وَٱللَّهُ} المتوحد بذاته المعتزز بكمال أسمائه وصفاته {خَلَقَ} أي: أظهر وقدَّر {كُلَّ دَآبَّةٍ} تتحرك على الأرض {مِّن مَّآءٍ} وهو العنصر الأصلي لوجود الحيوانات؛ هو مبدأ حركاتهم ومنشأ إحساساتهم وإدراكاتهم، لذلك خُصََّ بالذكر بين العناصر وإن كانت مركبةً من جميعها {فَمِنْهُمْ} أي: من الدواب، ذكرَ الضمير وجمعها جمع العقلاء على سبيل التغليب؛ لأن العقلاء منها {مَّن يَمْشِي} ويزحف {عَلَىٰ بَطْنِهِ} بلا آلةِ المشي كالحية {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ} كالطير والإنسان {وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ} كالمنعم والوحش. وبالجملة: {يَخْلُقُ ٱللَّهُ} المقتدر على الخلق والإيجاد {مَا يَشَآءُ} من الموجودات والخلوقات إرادةً واختياراً {إِنَّ ٱللَّهَ} المتصفَ بصفات الكمال {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} داخلٍ في حيطة علمه {قَدِيرٌ} [النور: 45] بإيجاده وإظهاره في فضاء العيان بلا قتور وقصورٍ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : نبه تعالى عباده على عظمته، وكمال سلطانه، وافتقار جميع المخلوقات له في ربوبيتها، وعبادتها فقال: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } من حيوان وجماد { وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ } أي: صافات أجنحتها، في جو السماء، تسبح ربها. { كُلٌّ } من هذه المخلوقات { قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } أي: كل له صلاة وعبادة بحسب حاله اللائقة به، وقد ألهمه الله تلك الصلاة والتسبيح، إما بواسطة الرسل، كالجن والإنس والملائكة، وإما بإلهام منه تعالى، كسائر المخلوقات غير ذلك، وهذا الاحتمال أرجح، بدليل قوله: { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } أي: علم جميع أفعالها، فلم يخف عليه منها شيء، وسيجازيهم بذلك، فيكون على هذا، قد جمع بين علمه بأعمالها، وذلك بتعليمه، وبين علمه بأعمالهم المتضمن للجزاء. ويحتمل أن الضمير في قوله: { قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } يعود إلى الله، وأن الله تعالى قد علم عباداتهم، وإن لم تعلموا -أيها العباد- منها، إلا ما أطلعكم الله عليه. وهذه الآية كقوله تعالى: { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } فلما بين عبوديتهم وافتقارهم إليه -من جهة العبادة والتوحيد- بين افتقارهم، من جهة الملك والتربية والتدبير فقال: { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } خالقهما ورازقهما، والمتصرف فيهما، في حكمه الشرعي [والقدري] في هذه الدار، وفي حكمه الجزائي، بدار القرار، بدليل قوله: { وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } أي: مرجع الخلق ومآلهم، ليجازيهم بأعمالهم.