٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
51
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى قول المنافقين وما قالوه وما فعلوه أتبعه بذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون فقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن {قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالرفع، والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه اسماً لكان أوغلهما في التعريف و {أَن يَقُولُواْ } أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف {قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }. المسألة الثانية: قوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } معناه كذلك يجب أن يكون قولهم وطريقتهم إذا دعوا إلى حكم كتاب الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا، فيكون إتيانهم إليه وانقيادهم له سمعاً وطاعة، ومعنى {سَمِعْنَا } أجبنا على تأويل قول المسلمين سمع الله لمن حمده أي قبل وأجاب، ثم قال: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي فيما ساءه وسره {وَيَخْشَ ٱللَّهَ } فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي {وَيَتَّقْهِ } فيما بقي من عمره {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه. أما قوله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ } فقال مقاتل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين، ثم قال لما بين الله تعالى كراهية المنافقين لحكم رسول الله، فقالوا والله لئن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، ثم إنه تعالى أمر رسوله أن ينهاهم عن هذا القسم بقوله: {قُل لاَّ تُقْسِمُواْ } ولو كان قسمهم كما يجب لم يجز النهي عنه لأن من حلف على القيام بالبر والواجب لا يجوز أن ينهى عنه، وإذا ثبت ذلك ثبت أن قسمهم كان لنفاقهم وأن باطنهم خلاف ظاهرهم، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه لا يكون إلا قبيحاً. أما قوله: {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } فهو إما خبر مبتدأ محذوف، أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا أيمان كاذبة، أو مبتدأ خبره محذوف أي طاعة معروفة أمثل من قسمكم بما لا تصدقون فيه، وقيل معناه دعوا القسم ولا تغتروا به وعليكم طاعة معروفة فتمسكوا بها. وقرأ اليزيدي {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } بالنصب على معنى أطيعوا طاعة (الله) {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي بصير لا يخفى عليه شيء من سرائركم، وإنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم. أما قوله: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } فاعلم أنه تعالى صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات، وهو أبلغ في تبكيتهم {فَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني إن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله فإنما على الرسول ما حمل من تبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم من الطاعة {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } أي تصيبوا الحق وإن عصيتموه فما على الرسول إلا البلاغ المبين، والبلاغ بمعنى التبليغ، والمبين الواضح، والموضح لما بكم إليه الحاجة، وعن نافع أنه قرأ {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ } بفتح الحاء والتخفيف أي فعليه إثم ما حمل من المعصية.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي إلى كتاب الله وحكم رسوله. {أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} قال ابن عباس: أخبر بطاعة المهاجرين والأنصار، وإن كان ذلك فيما يكرهون؛ أي هذا قولهم، وهؤلاء لو كانوا مؤمنين لكانوا يقولون سمعنا وأطعنا. فالقول نصب على خبر كان. واسمها في قوله: «أن يقولوا» نحو {أية : وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} تفسير : [آل عمران: 147]. وقيل: إنما قولُ المؤمنين، وكان صلة في الكلام؛ كقوله تعالى: {أية : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} تفسير : [مريم: 29]. وقرأ ابن القَعْقَاع «لِيُحْكَمَ بينهم» غير مسمّى الفاعل. عليّ بن أبي طالب «إنما كان قول» بالرفع.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } على عادته تعالى في اتباع ذكر المحق المبطل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي، وقرىء {قَوْلَ } بالرفع و {لِيَحْكُمَ } على البناء للمفعول وإسناده إلى ضمير مصدره على معنى ليفعل الحكم. {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } فيما يأمرانه أو في الفرائض والسنن. {وَيَخْشَ ٱللَّهَ } على ما صدر عنه من الذنوب. {وَيَتَّقْهِ } فيما بقي من عمره، وقرأ يعقوب وقالون عن نافع بلا ياء وأبو بكر وأبو عمرو بسكون الهاء، وحفص بسكون القاف فشبه تقه بكتف وخفف والهاء ساكنة في الوقف بالاتفاق. {فَأُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُون} بالنعيم المقيم. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } إنكار للامتناع عن حكمه. {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ } الخروج عن ديارهم وأموالهم. {لَيُخْرِجَنَّ } جواب لـ {أَقْسَمُواْ} على الحكاية. {قُل لاَّ تُقْسِمُواْ } على الكذب. {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا اليمين على الطاعة النفاقية المنكرة. أو {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } أمثل منها أو لتكن طاعة، وقرئت بالنصب على أطيعوا طاعة. {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } فلا يخفى عليه سرائركم. {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } أمر بتبليغ ما خاطبهم الله به على الحكاية مبالغة في تبكيتهم. {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ } أي على محمد صلى الله عليه وسلم. {مَا حُمّلَ } من التبليغ. {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } من الامتثال. {وَإِن تُطِيعُوهُ } في حكمه. {تَهْتَدُواْ } إلى الحق. {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } التبليغ الموضح لما كلفتم به، وقد أدى وإنما بقي {مَّا حُمّلْتُمْ } فإن أديتم فلكم وإن توليتم فعليكم. {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللأمة أوله ولمن معه ومن للبيان {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} ليجعلنهم خلفاء متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم، وهو جواب قسم مضمر تقديره وعدهم الله وأقسم ليستخلفنهم، أو الوعد في تحققه منزل منزلة القسم. {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } يعني بني إسرائيل استخلفهم في مصر والشام بعد الجبابرة، وقرأ أبو بكر بضم التاء وكسر اللام وإذا ابتدأ ضم الألف والباقون بفتحهما وإذا ابتدؤوا كسروا الألف. {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ} وهو الإِسلام بالتقوية والتثبيت. {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ } من الأعداء، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بالتخفيف. {أَمْناً} منهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ثم هاجروا إلى المدينة وكان يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى أنجز الله وعده فأظهرهم على العرب كلهم وفتح لهم بلاد الشرق والغرب، وفيه دليل على صحة النبوة للإِخبار عن الغيب على ما هو به وخلافة الخلفاء الراشدين إذ لم يجتمع الموعود والموعود عليه لغيرهم بالإِجماع. وقيل الخوف من العذاب والأمن منه في الآخرة. {يَعْبُدُونَنِي} حال من الذين لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد، أو استئناف ببيان المقتضي للاستخلاف والأمن. {لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} حال من الواو أي يعبدونني غير مشركين. {وَمَن كَفَرَ} ومن ارتد أو كفر هذه النعمة. {بَعْدَ ذَلِكَ} بعد الوعد أو حصول الخلافة. {فَأُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} الكاملون في فسقهم حيث ارتدوا بعد وضوح مثل هذه الآيات، أو كفروا تلك النعمة العظيمة. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلَوٰةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} في سائر ما أمركم به ولا يبعد عطف ذلك على أطيعوا الله فإن الفاصل وعد على المأمور به، فيكون تكرير الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم للتأكيد وتعليق الرحمة بها أو بالمندرجة هي فيه بقوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} كما علق به الهدى. {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} لا تحسبن يا محمد الكفار معجزين لله عن إدراكهم وإهلاكهم، و {فِي ٱلأَرْضِ} صلة {مُعجِزِينَ}. وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء على أن الضمير فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى كما هو في القراءة بالتاء أو {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فاعل والمعنى ولا يحسبن الكفار في الأرض أحداً معجزاً لله، فيكون {مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} مفعوليه أو لا يحسبونهم {مُعَـجِزِينَ} فحذف المفعول الأول لأن الفاعل والمفعولين لشيء واحد فاكتفى بذكر اثنين عن الثالث. {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} عطف عليه من حيث المعنى كأنه قيل: الذين كفروا ليسوا بمعجزين ومأواهم النار، لأن المقصود من النهي عن الحسبان تحقيق نفي الإِعجاز. {وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} المأوى الذي يصيرون إليه. { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} رجوع إلى تتمة الأحكام السالفة بعد الفراغ من الإِلهيات الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيرها والوعد عليها والوعيد على الإِعراض عنها، والمراد به خطاب الرجال والنساء غلب فيه الرجال لما روي أن غلام أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كرهته فنزلت. وقيل أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مدلج بن عمرو الأنصاري وكان غلاماً وقت الظهيرة ليدعو عمر، فدخل وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذن، ثم انطلق معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده وقد أنزلت هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ } والصبيان الذين لم يبلغوا من الأحرار فعبر عن البلوغ بالاحتلام لأنه أقوى دلائله. {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} في اليوم والليلة مرة. {مّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ } لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة، ومحله النصب بدلاً من ثلاث مرات أو الرفع خبراً لمحذوف أي هي من قبل صلاة الفجر. {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ } أي ثيابكم لليقظة للقيلولة. {مّنَ ٱلظَّهِيرَةِ } بيان للحين. {وَمِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَاء} لأنه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف. {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } أي هي ثلاث أوقات يختل فيها تستركم، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره ما بعده وأصل العورة الخلل ومنها أعور المكان ورجل أعور. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي {ثَلَـٰثٍ} بالنصب بدلاً من {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ}. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان، وليس فيه ما ينافي آية الاستئذان فينسخها لأنه في الصبيان ومماليك المدخول عليه وتلك في الأحرار البالغين. {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} أي هم طوافون استئناف ببيان العذر المرخص في ترك الاستئذان وهو المخالطة وكثرة المداخلة، وفيه دليل على تعليل الأحكام وكذا في الفرق بين الأوقات الثلاثة وغيرها بأنها عورات. {بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } بعضكم طائف على بعض أو يطوف بعضكم على بعض. {كَذٰلِكَ } مثل ذلك التبيين. {يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } أي الأحكام. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بأحوالكم. {حَكِيمٌ } فيما شرع لكم. {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} الذين بلغوا من قبلهم في الأوقات كلها، واستدل به من أوجب استئذان العبد البالغ على سيدته، وجوابه أن المراد بهم المعهودين الذين جعلوا قسيماً للمماليك فلا يندرجون فيهم. {كَذٰلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} كرره تأكيداً ومبالغة في الأمر بالاستئذان. {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنّسَاءِ} العجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحمل. {ٱلَّلَـٰتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً} لا يطمعن فيه لكبرهن. {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ } أي الثياب الظاهرة كالجلباب، والفاء فيه لأن اللام في {ٱلْقَوَاعِدِ } بمعنى اللاتي أو لوصفها بها. {غَيْرَ مُتَبَرّجَـٰتِ بِزِينَةٍ } غير مظهرات زينة مما أمرن بإخفائه في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ }تفسير : [النور: 31] وأصل التبرج التكلف في إظهار ما يخفى من قولهم: سفينة بارجة لا غطاء عليها، والبرج سعة العين بحيث يرى بياضها محيطاً بسوادها كله لا يغيب منه شيء، إلا أنه خص بتكشف المرأة زينتها ومحاسنها للرجال. {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} من الوضع لأنه أبعد من التهمة.{وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لمقالتهن للرجال. {عَلِيمٌ } بمقصودهن. {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} نفي لما كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء حذراً من استقذارهم، أو أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح ويبيح لهم التبسط فيه إذا خرج إلى الغزو وخلفهم على المنازل مخافة أن لا يكون ذلك من طيب قلب، أو من إجابة من دعوهم إلى بيوت آبائهم وأولادهم وأقاربهم فيطعمونهم كراهة أن يكونوا كلاً عليهم، وهذا إنما يكون إذا علم رضا صاحب البيت بإذن أو قرينة أو كان في أول الإِسلام ثم نسخ بنحو قوله {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ }تفسير : [الأحزاب: 53] وقيل نفي للحرج عنهم في القعود عن الجهاد وهو لا يلائم ما قبله ولا ما بعده. {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم فيدخل فيها بيوت الأولاد لأن بيت الولد كبيته لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : أنت ومالك لأبيك»تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : إن أطيب ما يأكل المؤمن من كسبه وإن ولده من كسبه»تفسير : {أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} وهو ما يكون تحت أيديكم وتصرفكم من ضيعة أو ماشية وكالة أو حفظاً. وقيل بيوت المماليك والمفاتح جمع مفتح وهو ما يفتح به وقرىء {مفتاحه}. {أَوْ صَدِيقِكُمْ} أو بيوت صديقكم فإنهم أرضى بالتبسط في أموالهم وأسر به، وهو يقع على الواحد والجمع كالخليط، هذا كله إنما يكون إذا علم رضا صاحب البيت بإذن أو قرينة ولذلك خصص هؤلاء فإنه يعتاد التبسط بينهم، أو كان ذلك في أول الإِسلام فنسخ فلا احتجاج للحنفية به على أن لا قطع بسرقة مال المحرم. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً } مجتمعين أو متفرقين نزلت في بني ليث ابن عمرو من كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده. أو في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا معه. أو في قوم تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الطبائع في القذارة والنهمة. {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً } من هذه البيوت {فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة. {تَحِيَّةً مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } ثابتة بأمره مشروعة من لدنه، ويجوز أن تكون صلة للتحية فإنه طلب الحياة وهي من عنده تعالى وانتصابها بالمصدر لأنها بمعنى التسليم. {مُّبَـٰرَكَةً} لأنها يرجى بها زيادة الخير والثواب. {طَيِّبَةً} تطيب بها نفس المستمع. وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال لي «حديث : متى لقيت أحداً من أمتي فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين»تفسير : {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } كرره ثلاثاً لمزيد التأكيد وتفخيم الأحكام المختتمة به وفصل الأولين بما هو المقتضى لذلك وهذا بما هو المقصود منه فقال: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي الحق والخير في الأمور.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } أي: القَول اللائق بهم {أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } بالإِجابة {وَأُوْلٰئِكَ } حينئذٍ {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الناجون.
ابن عطية
تفسير : وقرأ الجمهور "قولَ" بالنصب، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وابن أبي إسحاق "قولُ" بالرفع، واختلف عنهما قال أبو الفتح شرط {كان} أن يكون اسمها أعرف من خبرها فقراءة الجمهور أقوى، والمعنى إنما كان الواجب أن يقوله المؤمنون {إذا دعوا إلى} حكم {الله ورسوله} {سمعنا وأطعنا} فكأن هذه ليست إخباراً عن ماضي زمن وإنما كقول الصديق: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل الدعاء إلى الله من حيث هو إلى شرعة ودينه، وقرأ الجمهور "ليَحكُم" على بناء الفعل للفاعل، وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بن الياس والحسن "ليُحكَم" على بناء الفعل للمفعول، و {المفلحون} البالغون آمالهم في دنياهم وآخرتهم، و"جهد اليمين" بلوغ الغاية في تعقيدها و {ليخرجن} معناه إلى الغزو وهذه في المنافقين الذين تولوا حين {دعوا إلى الله ورسوله} وقوله: {قل لا تقسموا طاعة معروفة} يحتمل معاني أحدها النهي عن القسم الكاذب إذ عرف أن طاعتهم دغلة رديئة. فكأنه يقول لا تغالطوا فقد عرف ما أنتم عليه، والثاني أن يكون المعنى لا تتكلفوا القسم طاعة متوسطة على قدر الاستطاعة أمثل وأجدى عليكم، وفي هذا الوجه إبقاء عليهم، والثالث أن يكون المعنى لا تقنعوا بالقسم طاعة تعرف منكم وتظهر عليكم هو المطلوب منكم، والرابع أن يكون المعنى لا تقنعوا لأنفسكم بإرضائنا بالقسم، طاعة الله معروفة وشرعه وجهاد عدوه مهيع لائح، وقوله {إن الله خبير} متصل بقوله: {لا تقسموا}، و {طاعة معروفة}، اعتراض بليغ، وقوله {قل أطيعوا الله} الآية مخاطبة لأولئك المنافقين وغيرهم من الكفار وكل من يتعتى عن أمر محمد عليه السلام، وقوله {تولوا} معناه تتولوا محذوف التاء الواحدة يدل على ذلك، قوله: {وعليكم ما حملتم} ولو جعلنا {تولوا} فعلاً ماضياً وقدرنا في الكلام خروجاً من خطاب الحاضر إلى ذكر الغائب لاقتضى الكلام أن يكون بعد ذلك وعليهم ما حملوا، والذي حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التبليغ ومكافحة الناس بالرسالة وإعمال الجهد في إنذارهم، والذي حمل الناس هو السمع والطاعة واتباع الحق وباقي الآية بين، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ونافع في رواية ورش "ويتقهي" بياء بعد الهاء قال أبو علي وهو الوجه. وقرأ قالون عن نافع " ويتقهِ" بكسر الهاء لا يبلغ بها الياء، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر "ويتقهْ" جزماً للهاء، وقرأ حفص عن عاصم {ويتقه} بسكون وكسر الهاء.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ويتقه} بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد. وأبو عمرو طريق الهاشمي. بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد عن ابن ذكوان. بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه "تقه" بكتف فخفف، وعلى هذا فالهاء ضمير فإِن تحريك هاء السكت ضعيف. الباقون {ويتقهى} بالإشباع {فإن تولوا} بإِظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح {كما استخلف} مجهولاً: أبو بكر وعمار {وليبدلنهم} خفيفاً: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد {لا يحسبن} على الغيبة: ابن عامر وحمزة {ثلاث عورات} بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل. الآخرون بالرفع {لبعض شأنهم} بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام. {يرجعون} مبنياً للفاعل: عباس ويعقوب. الوقوف: {وأطعنا} ط {المفلحون} ه {الفائزون} ه {ليخرجن} ط {لا تقسموا} ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول {معروفة} ط {تعملون} ه {الرسول} ج للشرط مع الفاء {ما حملتم} ط {تهتدوا} ط {المبين} ه {من قبلهم} ص {أمنا} ط بناء على أن ما بعده مستأنف {شيئاً} ط {الفاسقون} ه {ترحمون} ط {في الأرض} ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول {النار} ط {المصير} ه {مرات} ط أي متى كذا وكذا {العشاء} قف عند من قرأ {ثلاث عورات} بالرفع أي هو ثلاث {لكم} ط {بعدهن} ط أي هو طوافون {على بعض} ص {الآيات} ط {حكيم} ه {من قبلهم} ط {آياته} ط {حكيم} ه ط {بزينة} ط {لهن} ط {عليم} ه {صديقكم} ط {أشتاتاً} ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم {طيبة} ط للعدول من المخاطبة إلى الغيبة {تعقلون} ه {يستأذنوه} ه {ورسوله} ط للشرط مع الفاء {لهم الله} ط {رحيم} ه {بعضاً} ط {لو إذا} ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب {اليم} ه {والأرض} ط {عليه} ط فصلاً بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة {بما عملوا} ه {عليم} ه. التفسير: لما حكى سيرة المنافقين وما قالوه وفعلوه، أتبعه ذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون من طريق الأخلاق. وعن الحسن أنه قرأ قول المؤمنين بالرفع والقراءة المشهورة وهي النصب أقوى. قال جار الله: لأن أولى الاسمين بكونه اسماً أوغلهما في التعريف {أن يقولوا} أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين. قلت: وذلك لاحتمال كون الإضافة فيه لفظية و {أن يقولوا} يشبه المضمر كما بينا في الأنعام في قوله {أية : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا}تفسير : [الآية: 23] فلا سبيل إلى تنكيره. ومعنى {كان} صح واستقام أي لا ينبغي أن يكون قولهم إلا السمع والطاعة. عن ابن عباس {ومن يطع الله} في فرائضه {ورسوله} في سننه {ويخش الله} على ما مضى من ذنوبه {ويتقه} فيما يستقبل من عمره {فأولئك هم الفائزون} وهذه آية جامعة لأسباب الفوز وفقنا الله تعالى للعمل بها. ثم حكى عن المنافقين أنهم يريدون أن يؤكدوا أساس الإيمان بالأيمان الكاذبة. قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين وكانوا يقولون: والله إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فنهوا عن هذه الأقسام لما علم من نفاقهم وشقاقهم وإضمارهم الغدر والخديعة وإلا فمن حلف على فعل البر لا يجوز أن ينهى عنه. وقوله {طاعة معروفة} مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معلومة لا شك فيها ولا نفاق أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة لا ارتياب فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، أو طاعتكم طاعة معروفة بأنها بالقول دون الفعل. ثم صرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب لمزيد التبكيت والعتاب. ومعنى {فإن تولوا} فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين. وما حمل الرسول هو أداء الرسالة، وما حمل على الأمة هو الطاعة والانقياد، والبلاغ المبين كون التبليغ مقروناً بالآيات والمعجزات أو كونه واقعاً على سبيل المجاهرة لا المداهنة. وههنا شبه إضمار والتقدير: بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون فقد وعد الله الذين آمنوا منكم أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح. وفي الوعد معنى القسم لأن وعد الله محقق الوقوع ولذلك قال في جوابه {ليستخلفنهم} أو القسم محذوف أي أقسم ليجعلنكم خلفاء في الأرض كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشأم بعد إهلاك الجبابرة. {وليمكنن} لأجلهم الدين المرتضى وهو دين الإسلام. وتمكين الدين تثبيته وإشادة قواعده، كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه فسئموا وشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وورثوا ملك الأكاسرة خزائنهم، وهذا إخبار بالغيب فيكون معجزاً. ومحل {يعبدونني} نصب على الحال أي وعدهم ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم أو هو استئناف كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟ فقال: {يعبدونني} وعلى الوجهين فقوله {لا يشركون} بدل من {يعبدونني} أو بيان لها. وفيه دليل على أن المقصود من الكل هو عبادة الله تعالى والإخلاص له. {ومن كفر} بهذه النعم الجسام وهي الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف بعد حصول ذلك أو بعدما ذكر {فأولئك هم} الكاملون في الفسق. قال أهل السنة: في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين لأن قوله {منكم} للتبعيض وذلك البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب، ومعلوم أن الأئمة الأربعة كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وكانوا حاضرين وقتئذ وقد حصل لهم الاستخلاف والفتوح، فوجب أن يكونوا مرادين من الآية. واعترض بأن قوله {منكم} لم لا يجوز أن يكون للبيان، ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو إمكان التصرف والتوطن فيها كما في حق بني إسرائيل؟ سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد به خلافة علي عليه السلام؟ والجمع للتعظيم أو يراد هو وأولاده الأحد عشر بعده؟ وقيل: إن في قوله {ومن كفر بعد ذلك} إشارة إلى الخلفاء المتغلبين بعد الراشدين يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً"تفسير : {وأقيموا الصلاة} معطوف على {أطيعوا} وليس ببدع أن يقع بين المعطوفين فاصلة وإن طالت، وكررت طاعة الرسول للتأكيد. من قرأ {لا يحسبن} على الغيبة فمفعولاه {معجزين في الأرض} أي لا يحسبن الكفرة أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطيعوهم في مثل ذلك، وفاعله ضمير النبي، أو المفعول الأول محذوف لأنه هو الفاعل بعينه أي لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين والمراد بهم الذين أقسموا أو عام قوله {ومأواهم} قال جار الله: هو معطوف على ما تقدم معنى كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله عز وجل ومأواهم النار. وحين ذكر من دلائل التوحيد وأحوال المكلفين ما ذكر تنشيطاً للاذهان وترغيباً فيما هو الغرض الأصلي من التكاليف وهو العرفان، عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو الحكم العام في باب الاستئذان فذكره ههنا على وجه أخصر فقال {ليستأذنكم} قال القاضي: هذا الخطاب للرجال ظاهراً ولكنه من باب التغليب فيدخل فيه النساء. وقال الإمام فخر الدين الرازي: يثبت للنساء بقياس جلي لأنهن في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال. وظاهر قوله {الذين ملكت أيمانكم} يشمل البالغين والصغار، فالأمر للبالغين على الحقيقة وللصغار على وجه البيان والتأديب كما يؤمرون بالصلاة لسبع، أو هو تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ كقولك للرجل "ليخفك أهلك وولدك" فظاهره الأمر لهم وحقية الأمر له بفعل ما يخافون عنده. وعن ابن عباس أن المراد الصغار وليس للكبار أن ينظروا إلى مالكيهم إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه. ثم إنه هل يشكل الإماء؟ فعن ابن عمر ومجاهد لا، وعن غيرهما نعم، لأن الإنسان كما يكره إطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً إطلاع الإناث عليها. عن ابن عباس: آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي أن تستأذن عليّ أراد امرأته، وكان ابن عباس ينام بين جاريتين. ومن العلماء من قال: هذا الأمر للاستحباب. ومنهم من قال للوجوب. ومن هؤلاء من قال: إنه ناسخ لقوله {لا تدخلو بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا} لأن ذلك يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وهذا يدل على وجوبه في الأوقات الثلاثة فقط، ومنه لزوم النسخ بأن الأولى في المكلفين وهذه في غير المكلفين قالوا: الذين ملكت أيمانكم يشمل البالغين. قلنا: لو سلم فلا نسخ أيضاً لأن قوله {غير بيوتكم} لا يشمل العبيد لأن الإضافة توجب الاختصاص والملكية، والعبد لا يملك شيئاً فلا يملك البيت أمر المماليك والأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وهذا معنى قوله {منكم} أن تسـتأذنوا ثلاث مرات في اليوم والليلة. إحداها قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع ووقت استبدال ثياب اليقظة بثياب النوم، وثانيتها عند الظهيرة وهو نصف النهار عند اشتداد الحر وظهوره فحينئذ يضع الناس ثيابهم غالباً، وثالثها بعد صلاة العشاء يعني الآخرة لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم. ثم بين حكمة الاستئذان في هذه الأوقات فقال {ثلاث عورات} فمن قرأ {ثلاث} بالرفع فظاهر كما مر في الوقوف، ومن قرأ بالنصب فقد قال في الكشاف: إنه بدل من {ثلاث مرات} أي أوقات ثلاث عورات قلت: هذا بناء على أن قوله {ثلاث مرات} ظرف ويجوز أن يكون {ثلاث مرات} مصدراً بمعنى ثلاثة استئذانات، ويكون {ثلاث عورات} تفسيراً وبياناً للأوقات الثلاثة لأنها منصوبة تقديراً. وأصل العورة الخلل ومنه الأعور المختل العين، وأعور الفارس إذا بدا منه موضع خلل للضرب، وأعور المكان إذا خيف فيه القطع. قال جار الله: إذا رفعت {ثلاث عورات} فمحل هذه الجملة الرفع على الوصف أي هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة. ثم بين وجع العذر بقوله {طوّافون عليكم} وهم الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة والمخالطة للاستخدام ونحوه. وارتفع {بعضكم} بالإبتداء وخبره {على بعض} أو بالفاعلية أي بعضكم طائف، أو يطوف بعضكم على بعض يدل على المحذوف طوّافون. وفي الاية دلالة على وجوب اعتبار العلل في الأحكام ما أمكن. يروى أن مدلج بن عمرو وكان غلاماً أنصارياً أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن. ثم انطلق معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية. ثم بين حكم الأطفال والأحرار بعد البلوغ وهو أن لا يكون لهم الدخول إلا بإذن في جميع الأوقات,. ومعنى {الذين من قبلهم} الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال الذين ذكروا من قبلهم في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً} الآية. ومتى يحكم ببلوغ الطفل؟ اتفقوا على أنه إذا احتلم كان بالغاً وأما إذا لم يحتلم فعند عامة العلماء وعليه الشافعي أنه إذا بلغ خمس عشرة سنة فهو بالغ حكماً لما روي أن ابن عمر عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلم يجزه وكان له اقل من خمس عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وكان ابن خمس عشرة سنة فأجازه. وعن بعض السلف ويروى عن علي عليه السلام أيضاً أنه كان يعتبر القامة ويقدر بخمسة الأشبار وعليه يحمل قول الفرزدق: شعر : ما زال مذ عقدت يداه إزاره فسما وأدرك خمسة الأشبار تفسير : وإنبات العانة غير معتبر إلا في حق الأطفال الكفار وقد مر في أول سورة النساء. وإنما ختم هذه الآية بقوله {كذلك يبين الله لكم آياته} وقبلها وبعدها {لكم الآيات}لأنهما يشتملان على علامات يمكن الوقوف عليها وهي في الأولى الأوقات الثلاثة، وفي الآخرة {من بيوتكم أو بيوت آبائكم}إلى آخرها ومثلهما في قوله {أية : يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين * ويبين الله لكم الآيات}تفسير : [النور: 17 ـ 18] يعني حد الزانيين وحد القاذف. وأما بلوغ الأطفال فلم يذكر لها علامات يمكن الوقوف عليها بل تفرد سبحانه بعلم ذلك فخصها بالإضافة إلى نفسه. {والله عليم} بمصالح العباد {حكيم} في أوامره ونواهية. ثم بين حكم النساء اللواتي خرجن عن محل الفتنة والتهمة فقال و {القواعد} وهي جمع "قاعد" بغير هاء كالحائض والطالق، وقد زعم صاحب الكشاف لها أنها جمع قاعدة بالهاء وفيه نظر لأنه من أوصاف النساء الخاصة بهن، سميت بذلك لقعودها عن الحيض والولد لكبرها ولذلك أكد بقوله {اللاتي لا يرجون نكاحاً} أي لا يطمعن فيه لعدم من يرغب فيهن وليست من القعود بمعنى الجلوس حتى يحتاج إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، ولا شبهة أنه لا يحل لهن وضع كل ثيابهن لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار. وعن ابن عباس أنه قرأ {أن يضعن جلابيبهن} وعن السدي عن شيوخه يضعن خمرهن عن رؤوسهن، خصهن الله تعالى بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع شيء من الثياب الظاهر، وإنما أبيح وضع الثياب حال كونهن {غير متبرجات بزينة} أي غير مظهرات شيئاً من الزين الخفية المذكورة في قوله {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه. وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قوله "سفينة بارج لا غطاء عليها". والبرج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها لا يغيب منه شيء. واختص التبرج في الاستعمال بتكشف المرأة للرجال. وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهاً على اختيار الأفضل في كل باب فقال {وأن يستعففن خير لهن} وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة. وسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح. ثم ختم السورة بسائر الصور التي يعتبر فيها الإذن فقال {ليس على الأعمى حرج} نفى الحرج عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات ثم قال {ولا على أنفسكم أن تأكلوا} فذهب ابن زيد إلى أن المراد نفي الحرج عنهم في القعود عن الجهاد، ثم عطف على ذلك أنه لا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة. ووجه صحة العطف التقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج. قال جار الله: مثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر. وقال آخرون: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي الآفات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب الكل ريبة خوفاً من أن يكون أكلاً بغير حق لقوله {أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}تفسير : [البقرة: 188] فقيل: لهم ليس على هؤلاء الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك. قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا. والقزازة احتراز مع القزة وهي مدح، والكزازة ذم. وروى الزهري عن سعيد بن السمي وغيره أن المسلمين كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون كما يحكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في ماله وبيته، فلما رجع رآه مجهوداً فقال: ما أصابك؟ قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل لي أن آكل من مالك. فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تخرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت. قال الأكثرون: كان هؤلاء الضعفاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم فيقول الأعمى: إني لا ارى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الردئ، والأعرج يفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة أو غيرها من اسباب الكراهة. وأيضاً كان المؤمنون يقولون الأعمى لا يبصر الطعام الجيد ولا يأله، والأعرج لا يتمكن من الجلوس فلا يقدر على الأكل مما ينبغي، والمريض لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الأصحاء فقيل: ليس على هؤلاء ولا عليكم في المؤاكلة حرج. ثم إنه تعالى عدد من مواضع الأكل أحد عشر موضعاً: الأول قوله {من بيوتكم} وفيه سؤال: وهو أنه أيّ فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه من بيته؟ والجواب أراد من بيوت أزواجكم وعيالكم لأن بيت المرأة بيت الزوج قاله الفراء. وقال ابن قتيبة: اراد بيوت أولادهم ولهذا لم يذكر الأولاد في جملة الأقارب وإن الولد أقرب الأقربين لأنه بعض الرجل وحكمه حكم نفسه، وفي الحديث "حديث : إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه" تفسير : وباقي البيوت لا إشكال فيها إلى البيت العاشر وهو قوله {أو ما ملكتم مفاتحه} وفيه وجوه: أحدها قال ابن عباس وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا باس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه. وثانيها قال الضحاك: يريد الزمنى الذين يخلفون الغزاة. وثالثها قيل: أراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه. الحادي عشر قوله {أو صديقكم} ومعناه أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً كالعدو. وعن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من اصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص واطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد أكابر الصحابة. وعن جعفر الصادق بن محمد عليه السلام: من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الإنس والثقة والانبساط بمنزلة النفس والأب والأخ والابن. قال العلماء: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه. احتج أبويوسف بالآية على أنه لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وذلك أنه تعالى أباح الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذن فلا يكون ماله محرزاً منهم، وأورد عليه أن لا يقطع إذا سرق من صديقه. فأجاب بأن السارق لاي كون صديقاً للمسروق منه. واعلم أن ظاهر الآية دل على أن إباحة الأكل من هذه المواضع لا تتوقف على الاستئذان. فعن قتادة أن الأكل مباح ولكنه يجمل. وجمهور العلماء أنكروا ذلك فقيل: كان ذلم مباحاً في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" تفسير : ومما يدل على هذا النسخ قوله {أية : لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه}تفسير : [الأحزاب: 53] وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة. وفي هذه الآية إباحة ما حظر وفي قوله {أية : لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله}تفسير : [المجادلة: 22] وقيل: إن هؤلاء القوم كانت تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك فلا جرم خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق. وإذا علمنا أن الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا، فلا حاجة إلى القول بالنسخ. وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل فقال {ليس عليكم جناح أن تأكلوا} وانتصب قوله {جميعاً أو اشتاتاً} على الحال أي مجتمعين أو متفرقين. والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به. ثم اجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرّجون عن الانفراد في الطعام، فربما قعد الرجل منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل. وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا يأكلون إلا مع ضيفهم. وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب. وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى فرفع الله الحرج. ثم علمهم أدباً جميلاً قائلاً {فإذا دخلتم بيوتاً} أي من البيوت المذكورة لتأكلوا {فسلموا على أنفسكم} أي ابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة وانتصب {تحية} بـ {سلموا} نحو "قعدت جلوساً" ومعنى {من عند الله} أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه، أو أراد أن التحية طلب حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده. ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق وتضعيف الثواب. حديث : عن أنس قال: كنت واقفاً على رأس النبي صلى الله عليه وسلم أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: "ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟ قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله. قال: متى لقيت من أمتى أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوّابين"تفسير : . قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل "السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ومن صور الإذن قوله سبحانه {وإنما المؤمنون} الآية. والمقصود أن يبين عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذنه {إذا كانوا معه على أمر جامع} وهو الذي يجمع له الناس. فلما كان الأمر سبب الجمع وصف به مجازاً. قال مجاهد: هو أمر الحرب ونحوه من الأمور التي يعم ضررها ونفعها. وقال الضحاك: هو الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة. وذلك أنه لا بد في الخطوب الجليلة من ذوي رأي وقوة يستعان بهم وبآرائهم وتجاربهم في كفايتها، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ويشعب عليه رأيه. قال الجبائي: في الآية دلالة على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان. وأجيب بأن ترك الاستئذان من أهل النفاق لا نزاع أنه كفر لأنهم تركوه استخفافاً. قال جار الله: ومما يدل على عظم هذه الجناية أنه جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه فيأذن لهم ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، ومع ذلك صدر الجملة بإنما وأوقع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين. ثم عقبه بمزيد توكيد وتشديد حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله {إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله} فجعل الاستئذان كالمصدق الصحة الإيمان بالله والرسول وفيه تعريض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً. وفي قوله {لبعض شأنهم} دليل على أن أمر الاستئذان مضيق لا يجوز ارتكابه في كل شأن. وفي قوله {فأذن لمن شئت منهم} دلالة على أنه تعالى فوّض بعض أمر الدين إلى اجتهاد الرسول ورايه. وزعم قتادة أنها منسوخة بقوله {أية : لم أذنت لهم}تفسير : [التوبة: 43] وفي قوله {واستغفر لهم الله} وجهان: أحدهما أن هذا الاستغفار لأجل أنهم تركوا الأولى والأفضل وهو أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه، والآخر أنه جبراً لهم على تمسكهم بإذن الله تعالى في الاستئذان. ثم حثهم على طاعة رسوله بقوله {لا تجعلوا دعاء الرسول} اي لا تقيسوا دعاءه إياكم لخطب جليل على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، وذلك أن أمره فرض لازم وأمر غيره ليس بفرض، وإنما هو أدب مستحن رعايته مع الأئمة والمتقدمين. هذا ما عليه الأكثرون منهم المبرد والقفال، وعن سعيد بن جبير: لا تنادوه باسمه ولا تقولوا "يا محمد" ولكن "يا نبي الله ويا رسول الله" مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض. وقيل: اراد احذروا دعاء الرسول ربه عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره. والتسلل الانسلال والذهاب على سبيل التدرج، واللواذ الملاوذة وهو أن يكون هذا بذاك وذاك بهذا. وانتصابه على الحال والحاصل أنهم يتسللون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة وهو استتار بعضهم ببعض. وقيل: كان يلوذ من لم يؤذن له بالذي أذن له فينطلق معه. قال مقاتل: هذا في الخطبة. وقال مجاهد: في صف القتال. وقال ابن قتيبة: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن. ومعنى {قد يعلم} يكثر العلم والمبالغة فيه كما مر في "البقرة" في قوله {أية : قد نرى تقلب وجهك}تفسير : [البقرة: 144] يقال: خالفته عن القتال أي جبنت عنه واقدم هو وخالفته إلى القتال اي اقدمت، وجبن هو الفتنة المحنة في الدنيا كالقتل أو الزلازل، وسائر الأهوال والعذاب الأليم هو عذاب النار. وعن جعفر بن محمد عليه السلام: الفتنة أن يسلط عليهم سلطان جائر. وقال الأصوليون: في الآية دلالة على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر فإن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والموافقة ضد المخالفة، فإذا أخل بمقتضاه كان مخالفاً والمخالف مستحق للعقاب بالآية، ولا نعني بالوجوب إلا هذا. واعترض عليه بأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة الأمر. ومنع من أن المندوب مأمور به فإن هذا أول المسألة، والظاهر أن الضمير في أمره للرسول ولو كان لله لم يضر لأنه لا فرق بين أمر الله وأمر رسوله، وأمر الرسول متناول عند بعضهم للقول والفعل والطريقة كما يقال "أمر فلان مستقيم" وعلى هذا فكل ما فعله الرسول فإنه يكون واجباً علينا. ثم بين كما قدرته وعمله بقوله {ألا أن لله} الخ. تأكيد الوجوب الحذر. قال جار الله: الخطاب والغيبة في قوله {ما أنتم عليه ويوم يرجعون} كلاهما للمنافقين على طريقة الالتفات إذ الأول عام والثاني لأهل النفاق. وأقول: يحتمل أن يكون كلاهما عاماً للمنافقين. والفاء في قوله {فينبئهم} لتلازم ما قبلها وما بعدها كقولك {أية : وربك فكبر}تفسير : [المدثر: 3]. التأويل: {ومن يطع الله ورسوله} فيما يدعوانه إلى الحضرة بترك ما سوى الله {ويخشى} الانقطاع عن الله ويثق به عما سواه {فأولئك هم الفائزون} بالوصول والوصال وصالاً بلا انفصال وزوال {لئن أمرتهم بالخروج} عن غير الله {طاعة معروفة} بالفعل دون القول {ليستخلفنهم} ليخرجن ما في استعدادهم من خلافة الله في أرض البشرية من القوة إلى الفعل. {وليمكنن} كل صنف حمل الأمانة المودعة فيه على اختلاف مراتبهم وطباقتهم، فمنهم حفاظ لأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وللقرآن، ومنهم علماء الأصول، ومنهم علماء الفروع، ومنهم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وأرباب السلوك الكاملون المكملون، وإنهم خلفاء الله على الحقيقة وأقطاب العالم وأوتاد الأرض {وليبدلنهم من بعد خوفهم} من الشرك الخفي {أمنا يعبدونني} بالإخلاص {لا يشركون بي شيئاً} من مطالب الدنيا والآخرة {ليستأذنكم} المريدون الذين هم تحت تصرفكم {والذين لم يبلغوا} أوان الشيخوخة {ثلاث مرات} في المبادي وفي أوساط السلوك وفي نهاية أمرهم، فإذا صلحت أحوالهم في هذه الأوقات صلح سائرها في الأغلب والله المستعان. {والقواعد} فيه إشارة إلى أن المريد إذ صار بحيث أمن منه إفشاء الأسرار وما استودع فيه من متولدات الأحوال، فلا ضير عليه أن لا يبالغ في التستر والإخفاء من الأغيار والكتمان خير له {ليس على الأعمى حرج} قال الشيخ المحقق نجم الدين المعروف بداية رضى الله عنه: فيه إشارة إلى أن من لا يبصر إلا بالله ولا يمشي إلا بالله ولا يعلم إلا بالله فإنهم مخصوصون بالتكون بكينونة الله كما قال "كنت له سمعاً" الحديث. فإنهم مستعدون لقبول الفيض الإلهي وهم السابقون المقربون فلا حرج في الشرع على من يكون مستعداً لهذا الكمال، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. وفي قوله {ولا على أنفسكم} الخ إشارة إلى أنه لا حرج على أرباب النفوس على أن يكون مأكلهم من بيوتهم أو بيوت أبناء جنسهم وهي الجنات ومراتبها كما قال {أية : وفيها ما تشتهيه الأنفس} تفسير : [الزخرف: 71] وفي قوله {أو ما ملكتم مفاتحه} إشارة إلى أن درجات الجنة مساكن أهل المكاسب كما أن مقامات أهل القرب عند مليك مقتدر منازل أهل المواهب. قوله {أو صديقكم} فيه أن درج الجنان ينالها المرء ببركة جليسه الصالح، وقد ينعكس نور ولاية الشيخ على مرآة قلب المريد الصادق فينال به مرتبة لم يكن يصل إليها بمجرد أعماله: {ليس عليكم جناح} فيه أنه لا حرج على أهل الجنة أن تكون مآكلهم من درجة واحدة أو من درجات شتى. {فإذا دخلتم بيوتاً} أي بلغتم منزلاً من المنازل {فسلموا} أي استسلموا لأحكام الربوبية بمزيد العبودية حتى ترتقوا منها إلى منازل أعلى وأطيب {إنما المؤمنون} فيه أن المريد الصادق ينبغي أن لا يتنفس إلا بإذن شيخه فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته {أن تصيبهم فتنة} من المال أو الجاه أو قبول الخلق أو التزويج أو السفر بإذن الشيخ أو التردد على أبواب الملوك ونحو ذلك، وما العصمة إلا من واهبها وهو المستعان.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. العامة على نصب "قَوْلَ" خبراً لـ "كَانَ"، والاسم "أنْ" المصدرية وما بعدها. وقرأ أمير المؤمنين والحسن وابن أبي إسحاق برفعه على أنه الاسم، و"أَنْ" وما في حَيِّزها الخبر، وهي عندهم مرجُوحَةٌ، لأنه متى اجتمع مَعْرِفَتَان فالأولى جعل الأعرف الاسم، وإن كان سيبويه خيَّر في ذلك بين كل معرفتين، ولم يفرِّق هذه التفرقة، وتقدم تحقيق هذا في "آل عمران". فصل قوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} أي: إلى كتاب الله {وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} وهذا ليس على طريق الخبر، ولكنه تعليم أدب الشرع، بمعنى أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا هكذا، {أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي: سمعنا الدعاء وأطعنا بالإجابة، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} قال ابن عباس: فيما ساءه وسره "وَيخْشَى اللَّهَ" فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي "وَيَتَّقِه" فيما بقي من عمره {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون} الناجون. قوله: "وَيَتَّقِهِ". القراء فيه بالنسبة إلى القاف على مرتبتين: الأولى: تسكينُ القاف، ولم يقرأ بها إلاّ حفص. والباقون بكسرها. وأما بالنسبة إلى هاء الكناية فإنهم فيها على خمس مراتب: الأولى: تحريكُهَا مَفْصُولةً قولاً واحداً، وبها قرأ ورشٌ وابن ذَكْوَانَ وخَلَفٌ وابن كثير والكسائيّ. الثانية: تسكينها قولاً واحداً، وبها قرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم. الثالثة: إسكان الهاء أو وصلها بياء، وبها قرأ خلاَّد. الرابعة: تحريكها من غير صلة، وبها قرأ قالون وحفص. الخامسة: تحريكها موصولة أو مقصورة، وبها قرأ هشام. فأمَّا إسكان الهاء وقصرها وإشباعها فقد مرَّ تحقيقه مستوفًى. وأما تسكين القاف فإنهم حملوا المنفصل على المتَّصل، وذلك أنهم يُسَكِّنُون عين "فَعل" فيقولون: كَبْد، وكتف، وصبر في كَبِد وكَتِف وصبِر، لأنها كلمة واحدة، ثم أجري ما أشبه ذلك من المنفصل مُجْرَى المتصل، فإن "يَتَّقِه" صار منه "تَقِه" بمنزلة "كَتِف" فسكن كما يسكن، ومنه: شعر : 3849- قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيقَا تفسير : بسكون الراء كما سكن الآخر: شعر : 3850- فَبَاتَ مُنْتَصباً وَمَا تَكَرْدَسَا تفسير : وقول الآخر: شعر : 3851- عَجِبْتُ لمَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أَبَوَانِ تفسير : يريد: "مُنْتَصِباً"، و"لَمْ يَلِدْهُ". وتقدم في أول البقرة تحرير هذا الضابط في قوله: {أية : فهي كالحجارة} تفسير : [البقرة: 74] و"هي" و"هو" ونحوها: وقال مكيٌّ: كان يجب على من سَكَّنَ القاف أن يضُمَّ الهاء، لأنَّ هاء الكناية إذا سُكِّن ما قبلها ولم يكن الساكن ياءً ضُمَّتْ نحو "مِنْهُ" و"عَنْهُ"، ولكن لما كان سكون القاف عارضاً لم يعتدَّ به، وأبقى الهاء على كسرتها التي كانت عليها مع كسر القاف، ولم يصلها بياء، لأنَّ الياء المحذوفة قبل الهاء مُقَدَّرَةٌ مَنْويَّةٌ، (فبقي الحذف الذي في الياء قبل الهاء على أصله). وقال الفارسيُّ: الكسرة في الهاء لالتقاء الساكنين، وليست الكسرة التي قبل الصلة، وذلك أنَّ هاء الكناية ساكنةٌ في قراءته، ولما أَجْرَى "تَقِهِ" مجرى كَتِفٍ، وسكَّن القاف التقى ساكنان، ولمَّا التقيا اضطر إلى تحريك أحدهما، فإمَّا أن يحرِّك الأول أو الثاني، (و) لا سبيل إلى تحريك الأول، لأنه يعود إلى ما فرَّ منه، وهو ثقل "فَعِل" فحرَّك ثانيهما (على غير) أصل التقاء الساكنين، فلذلك كسر الهاء، ويؤيده قوله: شعر : 3852-........................ .................. لَمْ يَلْدَه أبَوَانِ تفسير : وذلك أن أصله: لم "يَلِدْه" بكسر اللام وسكون الدال للجزم، ثم لما سكن اللام التقى ساكنان، فلو حرك الأول لعاد إلى ما فرَّ منه، فحرك ثانيهما وهو الدال، وحركها بالفتح وإن كان على خلاف أصل التقاء الساكنين مراعاة لفتحة الياء. وقد ردَّ أبو القاسم بن فيره قول الفارسي وقال: لا يصحُّ قوله: إنه كسر الهاء لالتقاء الساكنين، لأن حفصاً لم يسكِّن الهاء في قراءته قطُّ وقد رد أبو عبد الله شارح قصيدته هذا الردَّ، وقال: وعجبت من نفْيِهِ الإسكان عَنْهُ مع ثُبُوتِهِ عَنْهُ في {أية : أَرْجِهْ} تفسير : [الأعراف: 111] و {أية : فَأَلْقِهْ} تفسير : [النمل: 28]، وإذا قَرَأَهُ في "أَرْجِهْ" و"فَأَلْقِهْ" احتمل أن يكون "يَتَّقِهْ" عنده قبل سكون القاف كذلك، وربما يرجَّحَ ذلك بما ثبت عن عاصم من قراءته إيَّاه بسكون الهاء مع كسر القاف. قال شهاب الدين: لم يَعْنِ الشاطبيُّ بأنَّه لم يسكن الهاء قطّ، الهاء من حيث هي هي، وإنما (عَنَى هَاء) "يَتَّقِهْ" خاصة، وكان الشاطبيّ أيضاً يعترض التوجيه الذي تقدم عن مكيّ، ويقول: تعليله حذف الصلة بأن الياء المحذوفة قبل الهاء مقدَّرةٌ منويَّةٌ، فبقي في حذف الصلة بعد الهاء على أصله غير مستقيم من قبل أنَّه قرأ "يُؤَدِّهِي" [آل عمران: 75] وشبَّهه بالصلة، ولو كان يعتبر ما قاله من تقدير الياء قبل الهاء لم يصلها. قال أبو عبد الله: هو وإن قرأ "يُؤَدِّ هِي" وشبَّهَهُ بالصلة فإنه قرأ: {أية : يَرْضَهُ}تفسير : [الزمر: 7] بغير صلةٍ، فَألحق مكيّ "يَتَّقِه" بـ "يَرْضَهْ"، وجعله مما خرج فيه عن نظائره لاتّباع الأثر، والجمع بين اللغتين، ويرجح ذلك عنده لأنّ اللفظ عليه، ولما كانت القاف في حكم المكسورة بدليل كسر الهاء بعدها صار كأنه "يَتَّقِهِ" بكسر القاف والهاء من غير صلةٍ، كقراءة قالون وهشام في أحد وجهيه، فعلَّله بما يُعَلِّل به قراءتهما، والشاطبيُّ يرجح عنده حمله على الأكثر مما قرأ به، لا على ما قلَّ وندر، فاقتضى تعليله بما ذكر. قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}. في "جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ" وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المصدر بدلاً من اللفظ بفعله، إذ أصل: أقسم بالله جهد اليمين: أقسم بجهد اليمين جهداً، فحذف الفعل وقدَّم المصدر موضوعاً موضعه، مضافاً إلى المفعول كـ {أية : ضَرْبَ الرِّقَابِ} تفسير : [محمد: 11]، قاله الزمخشري. والثاني: أنه حال، تقديره: مُجتهدين في أيمانهم، كقولهم: افعل ذلك جهدك وطاقتك. وقد خلط الزمخشريّ الوجهين فجعلهما وجهاً واحداً فقال بعد ما تقدَّم عنه: وحكم هذا المنصوب حكم الحال، كأنه قيل: جاهدين أيمانهم وتقدم الكلام على {أية : جَهْد أيْمَانِهِم} تفسير : في المائدة [53]. فصل قال مقاتل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين، وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : أينما كنت نكن معك، لئن خرجت خرجنا، وإن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا"تفسير : . فقال الله تعالى: "قُلْ" لهم "لاَ تُقْسِمُوا" لا تحلفوا، وهاهنا تم الكلام. ولو كان قسمهم لما يجب لم يجز النهي عنه، لأنّ من حلف على القيام بالبر والواجب لا يجوز أن ينهى عنه، فثبت أنّ قسمهم كان لنفاقهم، وكان باطنهم بخلاف ظاهرهم، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه قبيح. قوله: "طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ". في رفعها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: "أَمْرُنَا طَاعَةٌ"، أو "المطلوب طَاعَةٌ". والثاني: أنها مبتدأ والخبر محذوفٌ، أي: (أَمْثَل أَوْ أَوْلَى). وقد تقدَّم أَنَّ الخبر متى كان في الأصل مصدراً بدلاً من اللفظ بفعل وجب حذف مبتدأه، كقوله: {أية : صَبْرٌ جَمِيلٌ} تفسير : [يوسف: 83]، ولا يبرز إلاّ اضطراراً، كقوله: شعر : 3853- فَقَالَتْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ أَمرُكَ طَاعَةٌ وإنْ كُنْتُ قَدْ كُلِّفْتُ مَا لَمْ أُعَوَّدِ تفسير : على خلاف في ذلك. والثالث: أن يكون فاعله بفعل محذوف، أي: ولتكن طاعة، ولتوجد طاعة. واستضعف ذلك بأنَّ الفعل لا يحذف إلاَّ (إذا) تقدَّم مشعر به، كقوله: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [النور: 36] في قراءة من بناه للمفعول، أي: يُسَبِّحُهُ رِجَالٌ. أو يجاب به نفيٌ، كقولك: بلى زيدٌ لمن قال: "لم يقم أحدٌ". أو استفهام كقوله: شعر : 3854- أَلاَ هَلْ أَتَى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَل بَلَى خَالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْه العَوَائِق تفسير : وقرأ زيد بن علي واليزيديّ: "طاعةً" بنصبها بفعل مضمر، وهو الأصل. قال أبو البقاء: ولو قرئ بالنصب لكان جائزاً في العربية، وذلك على المصدر، أي: أطيعوا طاعةً وقولوا قولاً، وقد دلَّ عليه قوله بعدها: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} قال شهاب الدين: (قوله: (ولو قرئ بالنصب لكان جائزاً) قد تقدم النقل لقراءته). وأما قوله: (وقولوا قولاً) فكأنه سبق لسانه إلى آية القتال، وهي: {أية : فَأَوْلَىٰ لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} تفسير : [محمد: 20، 21] ولكن النصب هناك ممتنع أو بعيد. فصل المعنى: هذه طاعة بالقول باللسان دون الاعتقاد، وهي معروفة، أي: أمر عرف منكم أنكم تكذبون وتقولون ما لا تفعلون، قاله مجاهد. وقيل: طاعة معروفة بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل. وقال مقاتل بن سليمان: لتكن منكم طاعة معروفة. هذا على قراءة الرفع. وأما على قراءة النصب فالمعنى: أطيعوا الله طاعةً و{ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: لا يخفى عليه شيء من سرائركم، فإنه فاضحكم لا محالة، ومجازيكم على نفاقكم، ثم قال: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ (وَأَطِيعُواْ) ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي: عن طاعة الله ورسوله "فَإِنَّمَا عَلَيْه" أي: على الرسول "مَا حُمِّلَ" كلِّف وأمر به من تبليغ الرسالة {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ} من الإجابة والطاعة. وقرأ نافع في رواية: {فَإنَّمَا عَلَيْهِ مَا حَمل} بفتح الحاء والتخفيف أي: فعليه إثم ما حمل من المعصية. {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ} أي: تصيبوا الحق، وإن عصيتموه، فـ {مَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ}، و"البَلاَغُ" بمعنى: التبليغ. و"المُبِينُ": الواضح. قوله: "فَإِنْ تَوَلَّوا" يجوز أن يكون ماضياً، وتكون الواو ضمير الغائبين ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، وحسَّن الالتفات هنا كونه لم يواجههم بالتولِّي والإعراض، وأن يكون مضارعاً حذفت إحدى تاءيه، والأصل: "تَتَوَلَّوا"، ويُرَجّح هذا قراءة البزِّيِّ: بتشديد (التاء "فَإنْ) تَّولَّوا". وإن كان بعضهم يستضعفها للجمع بين ساكنين على غير حدِّهما. ويرجّحه أيضاً الخطاب في قوله: {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ}، ودعوى الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ثانياً بعيد.
القشيري
تفسير : الذين إيمانهم حقيقةً بحكم التصديق شأنُهم قيامُهم بإظهار ما ضمنوه من التحقيق. ومن يُقابِلْ أمرَ الله بالطاعة، ويستقبلْ حُكمه بالاستخذاء...فأولئك هم الصادقون في الحقيقة، السالكون في الطريقة، الآخذون بالوثيقة.
اسماعيل حقي
تفسير : {انما كان قول المؤمنين} بالنصب على انه خبر كان وان مع مافى حيزها اسمها {اذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم} اى الرسول {بينهم} وبين خصومهم سواء كانوا منهم او من غيرهم {ان يقولوا سمعنا} الدعاء {وأطعنا} بالاجابة والقبول والطاعة موافقة الامر طوعا وهى تجوز لله ولغيره كما فى فتح الرحمن [بهرجه كنى درميان حكمى] {واولئك} المنعوتون بما ذكر من النعت الجميل {هم المفلحون} الفائزون بكل مطلب والناجون من كل محذور. قال فى المفردات الفلاح الظفر وادراك البغية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (قول): خَبَرُ "كَانَ"؛ مُقَدَّمٌ، و(أن يقولوا): اسمها؛ مؤخر، وقرأ الحسن: بالرفع؛ على الاسمية، والأول: أرجح؛ صنَاعةً، والثاني: أظهر؛ دلالة، وأكثر إفادة. انظر أبا السعود. يقول الحق جل جلاله: {إِنما كان قَوْلَ المؤمنين} الصادر عنهم {إذا دُعُوا إلى الله ورسولِه ليحكم} الرسولُ صلى الله عليه وسلم {بينهم} وبين خصومهم، سواء كانوا منهم أو من غيرهم، {أن يقولوا سمعنا} قوله، {وأطعنا} أمره، {وأولئك هم المفلحون}؛ الفائزون بكل مطلب، الناجون من كل مهرب. والإشارة إلى المؤمنين باعتبار صدور القول المذكور عنهم، وما فيه من البُعد، للإشعار بعلو رتبتهم، وبُعد منزلتهم في الفضل، أي: أولئك المنعوتون بتلك النعوت الجميلة هم الفائزون بكل مطلوب. {ومن يُطع الله ورسولَه}، هذا استئناف جيء به لتقرير ما قبله من حسن حال المؤمنين، وترغيب مَن عَدَاهم في الانتظام في سلكهم، أي: ومن يُطع الله ورسوله، كائناً من كان، فيما أمَرَا به من الأحكام الشرعية اللازمة والمتعدية، وقيل: من يطع الله في فرائضه، ورسولَهُ في سننه. {ويَخْشَ الله} على ما مضى من ذنوبه، {ويتَّقه} فيما يستقبل من عمره، {فأولئك} الموصوفون بما ذكر؛ من الطاعة والخشية، والاتقاء، {هم الفائزون} بالنعيم المقيم، لاَ مَنْ عَدَاهُم. وعن بعض الملوك: أنه سأل عن آية كافية، فتُليت عليه هذه الآية. وهي جامعة لأسباب الفوز. قال القرطبي: ذكر أسلم: أن عمر بينما هو قائم في مسجده صلى الله عليه وسلم فإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقال له عمر: ما شأنك؟ قال: أسلمت، قال: ألهذا سبب؟ قال: نعم؛ إني قرأت التوراة والزبور والإنجيل، وكثيراً من كتب الأنبياء، فسمعت أسيراً يقرأ آية من القرآن، جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت أنه من عند الله، فأسلمت. قال: ما هذه الآية؟ قال قوله تعالى: {ومن يُطع الله} في الفرائض، {ورسولَه} في السنن، {ويَخْشَ الله} فيما مضى من عمره، {ويتَّقه} فيما بقي، {فاولئك هم الفائزون}؛ والفائز: من نجا من النار واُدْخِل الجنة، فقال عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُعطيتُ جوامع الكلم"تفسير : . هـ. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنما كان قول المؤمنين الكاملين، الطالبين الوصول إلى حضرة رب العالمين، إذا دُعوا إلى حضرة الله ورسوله؛ ليحكم بينهم وبين نفوسهم التي حجبتهم حتى يغيبوا عنها، أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، ويدخلوا تحت تربية المشايخ، فإذا أمروهم أو نهوهم، قالوا: سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون الفائزون بالوصول إلى الله تعالى. ومن يطع الله في أمره ونهيه، ورسوله في سنَّـته، وما رغَّب فيه، ويخش الله أن يعاتبه، أو يؤدبه, ويتقه, أي: يجعل وقاية بينه وبيْن ما يحجبه أو يبعده عنه, فأولئك هم الفائزون الظافرون بمعرفة الله على نعت الشهود والعيان. وبالله التوفيق. ثم رجع إلى تتمة القسم الأول، حاكيا بعض جنايتهم، فقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...}
الطوسي
تفسير : قرأ ابو بكر وأبو عمرو {ويتقه} ساكنة القاف. لان الهاء لما اختلطت بالفعل وصارت مزدوجة ثقلت الكلمة، فخففت بالاسكان. وقيل: انهم توهموا أن الجزم واقع عليها. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وورش {ويتقهي} بكسر الهاء لمجاورة القاف المكسورة، وبعد الهاء ياء. وروى قالون باختلاس الحركة، وهو الاجود عند النحويين، لان الأصل يتقيه باختلاس الحركة، فلما سقطت الياء للجزم بقيت الحركة مختلسة، كما كانت. وروى حفص باسكان القاف وكسر الهاء، لانه كره الكسرة فى القاف واسكنها تخفيفاً، كما قال الشاعر: شعر : عجبت لمولود وليس له أب ومن والد لم يلده ابوان تفسير : ويجوز أن يكون أسكن القاف والهاء ساكنة، فكسر الهاء لالتقاء الساكنين، ولأن من العرب من يقول لم يتق مجزوم القاف بعد حذف الياء. لما اخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم إذا دعوا الى الله ورسوله في الحكم بينهم فيما يتنازعون فيه، فانهم عند ذلك يعرضون عن ذلك، ولا يجيبون اليه، أخبر أن المؤمنين بخلافهم وانهم إذا قيل لهم تعالوا {إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} ينبغي {أن يقولوا} فى الجواب عن ذلك {سمعنا وأطعنا} أى قبلنا هذا القول وانقدنا اليه وأجبنا الى حكم الله ورسوله. ثم اخبر تعالى عن هؤلاء المؤمنين بانهم {هم الفائزون} الذين فازوا بثواب الله وكريم نعمه. وعن أبي جعفر (ع) أن المعني بالآية أمير المؤمنين (ع) وصفه بخلاف ما وصف خصمه الذي ذكره فى الآية الاولى. ثم قال تعالى {ومن يطع الله ورسوله} بان يفعل ما أمره به ويبادر اليه {ويخشى الله ويتقه} بأن يخاف عقابه، فيجتنب معاصيه، فان من هذه صفته من الفائزين. و (الفوز) اخذ الحظ الجزيل من الخير، تقول: فاز يفوز فوزاً، فهو فائز. وسميت المهلكة مفازة تفاؤلا، فكأنه قيل: منجاة. ثم أخبر تعالى عن جماعة من المنافقين بأنهم {أقسموا بالله جهد أيمانهم} أي حلفوا به أغلظ أيمانهم، وقدر طاقتهم {لئن أمرتهم} يا محمد بالخروج {ليخرجن} يعني الى الغزو، فقال الله تعالى لهم {لا تقسموا} أي لا تحلفوا {طاعة معروفة} وقيل: في معناه قولان: احدهما - هذه طاعة معروفة منكم يعني بالقول دون الاعتقاد. أي إنكم تكذبون ذكره مجاهد. والثاني - طاعة وقول معروف أمثل من هذا القسم، والقول المعروف هو المعروف صحته. فان ذلك خير لكم من هذا الحلف. ثم اخبر تعالى بأنه {خبير} أي عالم {بما تعملون} لا يخفى عليه شيء على أي وجه توقعون أفعالكم، فيجازيكم بحسبها. وفى ذلك تهديد. ثم قال {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} أي تتولوا، فحذفت التاء، وليس كقوله {أية : فإن تولوا فإنما هم في شقاق} تفسير : لان الأول مجزوم، وهو للمخاطبين، لأنه قال {وعليكم ما حملتم} ولو كان لغير المخاطبين، لقال وعليهم، كما قال {فإن تولوا فإنما هم في شقاق} وكان يكون فى موضع نصب لانه بمنزلة قولك: فان قاموا، والجزاء يصلح فيها لفظ المستقبل والماضي من (فعل يفعل) كما قال {أية : فإن فاؤا فإن الله}. تفسير : وقوله {فإن تولوا فإنما هم في شقاق} في موضع نصب ذكره الفراء، وقوله {فإنما عليه} يعني على المتولي جزاء ما حمل أي كلف، فانه يجازى على قدر ذلك، وعليكم جزاء ما كلفتم إذا خالفتم {وإن تطيعوه تهتدوا} يعني ان اطعتم رسوله تهتدوا. ثم اخبر انه ليس {على الرسول إلا البلاغ} الظاهر والقبول يتعلق بكم، ولا يلزمه عهدته، ولا يقبل منكم اعتذار تركه بامتناع غيره.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ عن حال المؤمنين الّذين لم يكن ايمانهم محض القول {إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا} هذ الدّعاء، او سمعنا حكمه سواء كان لنا او علينا {وَأَطَعْنَا وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ} قرئ يتّقه بكسر القاف والهاء بدون الاشباع على الاصل، وقرئ يتّقه بسكون القاف وكسر الهاء بلا اشباع تشبيهاً له بالكتف فى التّخفيف، وقرئ بكسر القاف وكسر الهاء مع الاشباع، وقرئ بكسر القاف وسكون الهاء تشبيهاً للضّمير بهاء السّكت {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون وَأَقْسَمُواْ} اى القائلون آمنّا بالله او الّذين تولّوا {بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} مفعول مطلق نوعىّ لاقسموا اى اقسموا مبالغة ايمانهم كما هو عادة الكذّاب يكثر الايمان ويؤكّدها ويغلّظها، او جهد ايمانهم مفعول مطلق لمحذوفٍ هو حال اى يجهدون جهد ايمانهم {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ} بالخروج فى الغزوات {لَيَخْرُجُنَّ قُل} لهم {لاَّ تُقْسِمُواْ} اى لا حاجة الى القسم لانّ طاعتك {طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌٌ} يرتضيها العقل والعرف ونفعها عائد اليهم لا اليك حتّى يحتاجوا الى الاظهار والقسم عليها {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ قُلْ} لهم {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} بالفعل لا بالقول فقط {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ} اى تتولّوا لا تضرّوه شيئاً {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ} اى على الرّسول (ص) {مَا حُمِّلَ} من تبليغ رسالته وقد بلّغ لاهدايتكم الى الطّاعة حتّى يكون وبال تولّيكم عليه {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ} من متابعته فضرر التّولّى عائد عليكم {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ} الى الايمان الّذى هو بضاعتكم لآخرتكم وهو ولاية علىّ (ع) {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} اى التّبليغ {ٱلْمُبِينُ} الظّاهر بحيث لا يخفى على احدٍ او المظهر للمقصود.
الأعقم
تفسير : {إنما كان قول المؤمنين} يعني المؤمنين من يسمع ويطيع الله ورسوله {إذا دُعُوا إلى الله} إلى كتابه وحكمه ورسوله {أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} أي فازوا بالمطلوب إلى الثواب {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله} أي يخشى عقابه {ويتقه} أي يتقي معاصيه {فأولئك هم الفائزون} {واقسموا بالله جهد أيمانهم} الآية نزلت في المنافقين كانوا يحلفون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أينما كنت كنا معك، وإن أقمت أقمنا، وإن خرجت خرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، وقوله: {جهد أيمانهم} بذلوا الجهد في اليمين، وقيل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين {لئن أمرتهم ليخرجن} لخرجوا إلى العدوّ والغزو {قل} يا محمد {لا تقسموا} أي لا تحلفوا بأن حدّه {طاعة} بالقول دون الاعتقاد وهي {معروفة} عندكم، يعني أنكم تكذبون، أو طاعة معروفة أمثل لكم وأولى لكم من هذه الايمان الكاذبة {إن الله خبير بما تعملون} تحذير لهم، أي عليم بأعمالكم فيجازيكم بها {قل أطيعوا الله} فيما أمركم به {وأطيعوا الرسول} فيما أتاكم {فإن تولوا} انحرفوا عن طاعة الله وطاعة رسوله {إنما عليه} أي على الرسول {ما حمل} من الطاعة والمتابعة، فإن لم تطيعوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه {وإن تطيعوه} أي تطيعوا الرسول {تهتدوا} إلى الحق {وما على الرسول إلا البلاغ المُبين} أي ليس عليه إلا آداء الرسالة وبيان الشريعة {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} الذين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليورثنهم أرض المشركين من العرب والعجم {كما استخلف الذين من قبلهم} يعني بني إسرائيل بعد هلاك الجبابرة أورثهم أرضهم وأسكنهم فيها وجعلوا ملوكاً فيها {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} وهو الإِسلام، وقيل: الآية نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين علي (عليه السلام)، والذي ذكره الحاكم أن الآية عامة في الجميع، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، فلما هاجروا وكانوا بالمدينة يصبحون بالسلاح ويمسون فيه حتى قال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح، فأنجز الله وعده وأظهره على حرائر العرب وافتتحوا بعد بلاد المشرق والمغرب فذلك قوله: {وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} الكاملون في فسقهم حيث كفروا تلك النعمة العظيمة {وأقيموا الصلاة} أي قوموا بأدائها وإتمامها {وآتوا الزكاة} المفروضة {وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون} يعني افعلوا ذلك برحمته راجيين لها.
اطفيش
تفسير : {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ} خبر كان. {إذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ} مثل ما مر. وقدر بعض إلى كتاب الله * {أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا} الدعاء * {وَأَطَعْنَا} وهذا التعليم لآداب الشرع ذكر قول المنافقين وهم ظالمون لانفسهم ولمن له الحق ولا يريدون المحاكمة في مجلسه صلى الله عليه وسلم لانه لا يتم لهم فيه انكار الحق وذلك لا يجوز واتبعه بقول المؤمنين (وان يقولوا) اسم (كان) بالتاويل وقول: خبرها. وقرأ الحسن (قول المؤمنين) بالرفع على انه اسم كان والنصب اولى لان (ان) والفعل اوغل في التعريف اذ هما بمنزلة الضمير من المعرف بالاضافة والضمير لا يقبل التنكير وما هو اولى في التعريف فهو اولى لكونه اسما لناسخ أو مبتدأ. وقرئ ببناء (يحكم) للمفعول والنائب ضمير مستتر عائد إلى الحق اي ليثبت الحق بينهم لهم او عليهم او عائد إلى الحكم المفهوم من الفعل كأنه قيل: ليفعل الحكم بنا على جواز نيابة المصدر غير المختص بل هو مختص إذ قدر معرفا بال. وقيل: النائب بين بناء على جواز نيابة الظرف الذي لا يتصرف مع بقاء النصب فيه ويقدر الرفع. {وَأُوْلَئِكَ} الذين هذه صفتهم * {هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الناجون.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } جار على عادته تعالى في اتباع ذكر المحق المبطل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي، ونصب {قَوْلَ } على أنه خبر (كان) و(إن) مع ما في حيزها في تأويل مصدر اسمها، ونص سيبويه في مثل ذلك على جواز العكس فيرفع {قَوْلَ } على الاسمية وينصب المصدر الحاصل من السبك على الخبرية. وقد قرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن أبـي إسحٰق والحسن برفع {قَوْلَ } على ذلك، قال الزمخشري: والنصب أقوى لأن الأولى للاسمية ما هو أوغل في التعريف وذلك هو المصدر الذي أول به {أَن يَقُولُواْ} لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف {قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فإنه يحتمله كما إذا اختزلت عنه الإضافة، وقيل في وجه أعرفيته أنه لا يوصف كالضمير، ولا يخفى أنه لا دخل له في الأعرفية، ثم أنت تعلم أن المصدر الحاصل من سبك (أن) والفعل لا يجب كونه مضافاً في كل موضع ألا ترى أنهم قالوا في قوله تعالى: { أية : وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ أَن يُفْتَرَى } تفسير : [يونس: 37] إنه بمعنى ما كان هذا القرآن افتراء. وذكر أن جواز تنكيره مذهب الفارسي وهو متعين في نحو أن يقوم رجل إذ هومؤول قطعاً بقيام رجل وهو نكرة بلا ريب. وفي «إرشاد العقل السليم» أن النصب أقوى صناعة لكن الرفع أقعد معنى وأوفى لمقتضى المقام لما أن مصب الفائدة وموقع البيان في الجمل هو الخبر فالأحق بالخبرية ما هو أكثر إفادة وأظهر دلالة على الحدوث وأوفر اشتمالاً على نسب خاصة بعيدة من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع ولا ريب في أن ذلك هٰهنا في (أن) مع ما في حيزها أتم وأكمل فإذن هو أحق بالخبرية، وأما ما تفيده الإضافة من النسبة المطلقة الإجمالية فحيث كانت قليلة الجدوى سهلة الحصول خارجاً وذهناً كان حقها أن تلاحظ ملاحظة مجملة وتجعل عنواناً للموضوع فالمعنى إنما كان مطلق القول الصادر عن المؤمنين إذا دعوا إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم وبين خصومهم أن يقولوا سمعنا الخ أي خصوصية هذا القول المحكي عنهم لا قولاً آخر أصلاً، وأما النصب فالمعنى عليه إنما كان قولاً للمؤمنين خصوصية قولهم {سَمِعْنَا } الخ ففيه من جعل أخص النسبتين وأبعدهما / وقوعاً وحضوراً في الأذهان وأحقهما بالبيان مفروغاً عنها عنواناً للموضوع وإبراز ما هو بخلافها في معرض القصد الأصلي ما لا يخفى انتهى. وبحث فيه بعضهم بأن مساق الآية يقتضي أن يكون قول المؤمنين سمعنا وأطعنا في مقابلة إعراض المنافقين فحيث ذم ذلك على أتم وجه ناسب أن يمدح هذا، ولا شك أن الأنسب في مدحه الإخبار عنه لا الإخبار به فينبغي أن يجعل {أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } اسم كان و {قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } خبرها وفي ذلك مدح لقولهم {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} إذ معنى كونه قول المؤمنين أنه قول لائق بهم ومن شأنهم على أن الأهم بالإفادة كون ذلك القول الخاص هو قولهم: {إِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } أي قولهم المقيد بما ذكر ليظهر أتم ظهور مخالفة حال قولهم {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} وحال قول المنافقين { أية : آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا } تفسير : [النور: 47] فتدبر فإنه لا يخلو عن دغدغة. والظاهر أن المراد من {أَطَعْنَا} هنا من غير المراد منه فيما سبق فكأنهم أرادوا سمعنا كلامكم وأطعنا أمركم بالذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينكم وبيننا، وقيل المعنى قبلنا قولكم وانقدنا له وأجبنا إلى حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس ومقاتل أن المعنى سمعنا قول النبـي صلى الله عليه وسلم وأطعنا أمره، وقيل المراد من الطاعة الثبوت أو الإخلاص لتغاير ما مر وهو كما ترى. وقرأ الجحدري وخالد بن إلياس {لِيَحْكُمَ } بالبناء للمفعول مجاوباً لدعوا، وكذلك قرأ أبو جعفر هنا وفيما مر ونائب الفاعل ضمير المصدر أي ليحكم هو أي الحكم، والمعنى ليفعل الحكم كما في قوله تعالى: { أية : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ }تفسير : [سبأ: 54]. {وَأُوْلٰئِكَ } إشارة إلى المؤمنين باعتبار صدور القول المذكور عنهم، ومافيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل أي وأولئك المنعوتون بما ذكر من النعت الجليل {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي هم الفائزون بكل مطلوب والناجون عن كل محذور.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لأن الإخبار عن الذين يعرضون عندما يدعون إلى الحكومة بأنهم ليسوا بالمؤمنين في حين أنهم يظهرون الإيمان يثير سؤال سائل عن الفاصل الذي يميز بين المؤمن الحق وبين الذي يرائي بإيمانه في حين يُدعى إلى الحكومة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتضي أن يبين للسائل الفرق بين الحالين لئلا يلتبس عنده الإيمان المزور بالإيمان الصادق، فقد كان المنافقون يموهون بأن إعراض من أعرض منهم عن التحاكم عند رسول الله ليس لتزلزل في إيمانه بصدق الرسول ولكنه إعراض لمراعاة أعراض من العلائق الدنيوية كقول بشْر: إن الرسول يُبغضني. فبيّن الله بطلان ذلك بأن المؤمن لا يرتاب في عدل الرسول وعدم مصانعته. وقد أفاد هذا الاستئناف أيضاً الثناء على المؤمنين الأحقاء بضد ما كان ذماً للمنافقين. وذلك من مناسبات هذا الاستئناف على عادة القرآن في إرداف التوبيخ بالترغيب والوعيد بالوعد والنذارة بالبشارة والذم بالثناء. وجيء بصيغة الحصر بـ{إنما} لدفع أن يكون مخالف هذه الحالة في شيء من الإيمان وإن قال بلسانه إنه مؤمن، فهذا القصر إضافي، أي هذا قول المؤمنين الصادقين في إيمانهم لا كقول الذين أعرضوا عن حكم الرسول حين قالوا: { أية : آمنا بالله وبالرسول وأطعنا } تفسير : [النور: 47] فلما دعوا إلى حكم الرسول عصوا أمره فإن إعراضهم نقيض الطاعة، وسيأتي بيانه قريباً. وليس قصراً حقيقياً لأن أقوال المؤمنين حين يدعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم غير منحصرة في قول: {سمعنا وأطعنا} ولا في مرادفه، فلعل منهم من يزيد على ذلك. وفي «الموطأ» من حديث زيد بن خالد الجهني: « حديث : أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله (يعني وهو يريد أن رسول الله يقضي له كما وقع التصريح في رواية الليث بن سعد في «البخاري» أن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله فقال: أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله). وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم (يريد لا تقض له علي فأذَنْ لي أن أبين) فقال رسول الله تكلم.. » تفسير : الخ. وليس المراد بقول {سمعنا وأطعنا} خصوص هذين اللفظين بل المراد لفظهما أو مرادفهما للتسامح في مفعول فعل القول أن لا يحكى بلفظه كما هو مشهور. وإنما خص هذان اللفظان بالذكر هنا من أجل أنهما كلمة مشهورة تقال في مثل هذه الحالة وهي مما جرى مجرى المثل كما يقال أيضاً «سمع وطاعة» بالرفع و«سمعاً وطاعة» بالنصب، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: { أية : ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا } تفسير : في سورة [النساء: 46]. وفي حديث أبي هريرة: « حديث : قال النبي للأنصار: تكفوننا المؤونة ونَشْرِكُكم في الثمرة. فقال الأنصار: سمعنا وأطعنا ». تفسير : و{قول المؤمنين} خبر {كان} و{أن يقولوا} هو اسم {كان} وقدم خبر كان على اسمها متابعة للاستعمال العربي لأنهم إذا جاؤوا بعد {كان} بأن والفعل لم يجيئوا بالخبر إلا مقدماً على الاسم نظراً إلى كون المصدر المنسبك من أن والفعل أعرفَ من المصدر الصريح، ولم يجيئوا بالخبر إلا مقدماً كراهية توالي أداتين وهما: {كان} و{أن}. ونظائر هذا الاستعمال كثيرة في القرآن. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا } تفسير : في سورة [آل عمران: 147]. وجيء في وصف المؤمنين بالفلاح بمثل التركيب الذي وصف به المنافقون بالظلم بصيغة القصر المؤكد ليكون الثناء على المؤمنين ضداً لمذمة المنافقين تاماً. واعلم أن القصر المستفاد من {إنما} هنا قصر إفراد لأحد نوعي القول. فالمقصود منه الثناء على المؤمنين برسوخ إيمانهم وثبات طاعتهم في المنشط والمكره. وفيه تعريض بالمنافقين إذ يقولون كلمة الطاعة ثم ينقضونها بضدها من كلمات الإعراض والارتياب. ونظير هذه الآية في طريق قصر بـ(إلاّ) قوله تعالى: { أية : وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا } تفسير : في سورة [آل عمران: 147].
د. أسعد حومد
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} (51) - أَمَّا المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ فَإِنَّهُمْ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: سَمْعاً وَطَاعَةً للهِ وَلِرَسُولِهِ، وَهَؤُلاَءِ الذينَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ، هُمُ المُفْلِحُونَ، لأَِنَّهُمْ يَنَالُونَ مَا يَطْلبُونَ، وَيَسْلَمُونَ مِمَّا يَرْهَبُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فما دُمْت قد آمنتَ، والإيمان لا يكون إلا عن رغبة واختيار لا يجبرك أحد عليه، فعليك أن تحترم اختيار نفسك بأنْ تطيعَ هذا الاختيار، وإلا سفَّهتَ رأيك واختيارك، لذلك كان حال المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. ولو تأملتَ الكون من حولك لوجدتَهُ يسير على هذه القاعدة، فما دون الإنسان في كَوْن الله مُسيَّر لا مُخيَّر، وإنْ كان الأصل أنه خُيِّر أولاً، فاختار أن يكون مُسيّراً من البداية، وأراح نفسه، كما قال سبحانه: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ..}تفسير : [الأحزاب: 72]. وتصدير الآية الكريمة بـ (إنما) يدل على أنها سبقها مقابل، هذا المقابل على النقيض لما يجيء بعدها، فالمنافقون أعرضوا وردُّوا حكم الله ورسوله، والمؤمنون قالوا سمعنا وأطعنا، كما تقول: فلان كسول إنما أخوه مُجِدٌّ. فقول المنافقين أنهم لا يقبلون حكم الله ورسوله، أمّا المؤمنون فيقبلون حكْم الله ورسوله. ومعنى {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ..} [النور: 51] يعني: سمعنا سمعاً واعياً يليه إجابة وطاعة، لا مجرد أنْ يصل الصوت إلى أذن السامع دون أن يُؤثر فيه شيء. ويقول تعالى في موضع آخر: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ ..}تفسير : [المائدة: 83]. فالسمع له وظيفة، وهو هنا بمعنى: أجَبْنا يا رب، وصممنا على الإجابة، وهذا وعد كلامي يتبعه تنفيذ وطاعة. مثل قولنا في الصلاة: سمع الله لمن حمده، يعني: أجاب الله مَنْ حمده. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] المفلحون: الفائزون الذين بلغوا درجة الفلاح، ومن العجيب أن يستخدم الحق سبحانه كلمة الفلاح، وهي من فلاحة الأرض؛ لأن الفلاحة في الأرض هي أصل الاقتيات، وكل مَنْ أتقن فلاحة أرضه جاءت عليه بالثمرة الطيبة، وزاد خيره، وتضاعف محصوله، حتى إن حبة القمح تعطي سبعمائة حبة، فإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعالى تعطي من يزرعها كل هذا العطاء، فما بالك بخالق الأرض كيف يكون عطاؤه؟ ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ } حقيقة، الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم حين يدعون إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، سواء وافق أهواءهم أو خالفها، { أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي: سمعنا حكم الله ورسوله، وأجبنا من دعانا إليه، وأطعنا طاعة تامة، سالمة من الحرج. { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } حصر الفلاح فيهم، لأن الفلاح: الفوز بالمطلوب، والنجاة من المكروه، ولا يفلح إلا من حكم الله ورسوله، وأطاع الله ورسوله. ولما ذكر فضل الطاعة في الحكم خصوصا، ذكر فضلها عموما، في جميع الأحوال، فقال: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فيصدق خبرهما ويمتثل أمرهما، { وَيَخْشَ اللَّهَ } أي: يخافه خوفا مقرونا بمعرفة، فيترك ما نهى عنه، ويكف نفسه عما تهوى، ولهذا قال: { وَيَتَّقْهِ } بترك المحظور، لأن التقوى -عند الإطلاق- يدخل فيها، فعل المأمور، وترك المنهي عنه، وعند اقترانها بالبر أو الطاعة - كما في هذا الموضع - تفسر بتوقي عذاب الله، بترك معاصيه، { فَأُولَئِكَ } الذين جمعوا بين طاعة الله وطاعة رسوله، وخشية الله وتقواه، { هُمُ الْفَائِزُونَ } بنجاتهم من العذاب، لتركهم أسبابه، ووصولهم إلى الثواب، لفعلهم أسبابه، فالفوز محصور فيهم، وأما من لم يتصف بوصفهم، فإنه يفوته من الفوز بحسب ما قصر عنه من هذه الأوصاف الحميدة، واشتملت هذه الآية، على الحق المشترك بين الله وبين رسوله، وهو: الطاعة المستلزمة للإيمان، والحق المختص بالله، وهو: الخشية والتقوى، وبقي الحق الثالث المختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير، كما جمع بين الحقوق الثلاثة في سورة الفتح في قوله: {أية : لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):