٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
53
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} عاد إلى ذكر المنافقين، فإنه لما بيّن كراهتهم لحكم النبيّ صلى الله عليه وسلم أتَوْه فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونساءنا وأموالنا لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا؛ فنزلت هذه الآية. أي وأقسموا بالله أنهم يخرجون معك في المستأنف ويطيعون. {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي طاقة ما قدروا أن يحلفوا. وقال مقاتل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين. وقد مضى في «الأنعام» بيان هذا. و«جَهْدَ» منصوب على مذهب المصدر تقديره: إقساماً بليغاً. {قُل لاَّ تُقْسِمُواْ} وتم الكلام. {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} أوْلَى بكم من أيمانكم؛ أو ليكن منكم طاعة معروفة، وقول معروف بإخلاص القلب، ولا حاجة إلى اليمين. وقال مجاهد: المعنى قد عُرفت طاعتكم وهي الكذب والتكذيب؛ أي المعروف منكم الكذب دون الإخلاص. {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن أهل النفاق الذين كانوا يحلفون للرسول صلى الله عليه وسلم لئن أمرتهم بالخروج في الغزو ليخرجن، قال الله تعالى: {قُل لاَّ تُقْسِمُواْ} أي: لا تحلفوا. وقوله: {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} قيل: معناه طاعتكم طاعة معروفة، أي: قد علم طاعتكم إنما هي قول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم، كما قال تعالى: {أية : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} تفسير : [التوبة: 96] الآية. وقال تعالى: {أية : ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً} تفسير : [المجادلة: 16] الآية، فهم من سجيتهم الكذب، حتى فيما يختارونه، كما قال تعالى: { أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَـٰفَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَـٰرَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } تفسير : [الحشر: 11 ــــ 12]. وقيل: المعنى في قوله: {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} أي: ليكن أمركم طاعة معروفة، أي: بالمعروف من غير حلف ولا أقسام؛ كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف، فكونوا أنتم مثلهم، {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة والباطن بخلافه، وإن راج على المخلوق، فالخالق تعالى يعلم السر وأخفى، لا يروج عليه شي من التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده، وإن أظهروا خلافها. ثم قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} أي: اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله. وقوله تعالى: {فإِن تَوَلَّوْاْ} أي: تتولوا عنه، وتتركوا ما جاءكم به {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} أي: إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ} أي: بقبول ذلك وتعظيمه والقيام بمقتضاه {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ} وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم {أية : صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الشورى: 53] الآية. وقوله تعالى: {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ} كقوله تعالى:{أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [الرعد: 40]. وقوله:{أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } تفسير : [الغاشية: 21 ــــ 22]. قال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: شعياء: أن قم في بني إسرائيل، فإني سأطلق لسانك بوحي، فقام فقال: يا سماء اسمعي، ويا أرض أنصتي، فإن الله يريد أن يقضي شأناً، ويدبر أمراً هو منفذه، إنه يريد أن يحول الريف إلى الفلاة، والآجام في الغيطان، والأنهار في الصحارى، والنعمة في الفقراء، والملك في الرعاة، ويريد أن يبعث أمياً من الأميين ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، لو يمر على السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب اليابس لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشراً ونذيراً، لا يقول الخنى، أفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وأسدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به من الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء مشتتة، وأستنقذ به فئاماً من الناس عظيماً من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين مصدقين بما جاءت به رسلي، رواه ابن أبي حاتم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ } غايتها {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ } بالجهاد {لَيَخْرُجُنَّ قُل } لهم {لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } للنبيّ خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: طاعة صادقة خير من أيمان كاذبة. الثاني: قد عرف نفاقكم في الطاعة فلا تتجملوا بالأيمان الكاذبة. قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن الرسول. {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ} أي عليه ما حمل من إبلاغكم، وعليكم ما حملتم من طاعته. ويحتمل وجهاً ثانياً: أن عليه ما حمل من فرض جهادكم، وعليكم ما حملتم من وزر عباده. {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ} يعني إلى الحق. {وَمَا عَلَى الرَّسُولَِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} يعني بالقول لمن أطاع وبالسيف لمن عصى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أتى قوم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله لو أمرتنا أن نخرج من أموالنا لخرجنا فأنزل الله {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن} قال: ذلك من شأن الجهاد {قل لا تقسموا} قال: يأمرهم أن لا يحلفوا على شيء {طاعة معروفة} قال: أمرهم أن يكون منهم طاعة معروفة للنبي صلى الله عليه وسلم، من غير أن يقسموا. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد {طاعة معروفة} يقول قد عرفت طاعتكم أي أنكم تكذبون به.
القشيري
تفسير : أقسموا بالله غاية اليمين، ووعدوا من أنفسهم الطاعة لو أمرهم بالخروج في المستقبل، فقال: لا تَعِدُوا بما هو معلومٌ منكم ألا تفوا به؛ فطاعةٌ في الوقت أَوْلى من تسويفٍ بالوعد. ثم قال: قُلْ يا محمد أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.. فإن أجابوا سَعِدُوا في الدارين، وأحسنوا إلى أنفسهم. وإنْ تَوَلّوْا عن الإجابة فما أَضَرُّوا إلا بأنفسهم ويكون الندم في المستقبل عليهم، وسوف يَلْقَوْنَ سوء عواقبهم، وليس على الرُسلِ إلا حُسْنُ البلاغ. ويومَ الحَشْرِ يُعْطَى كُلُّ أحدٍ كتابَه، ويُعامَلَ بمقتضى حساب نفسه.
اسماعيل حقي
تفسير : {واقسموا بالله} اى حلق المنافقون بالله واصله من القسامة وهى ايمان تقسم على المتهمين فى الدم ثم صار اسما لكل حلف {جهد ايمانهم} الجهد بالفتح الطاقة واليمين فى اللغة القوة وفى الشرع تقوية احد طرفى الخبر بذكر الله، قال الامام الراغب اليمين فى الحلف مستعار من اليد اعتبارا بما يفعله المجاهد والمعاهد عنده، قال فى الارشاد جهد نصب على انه مصدر مؤكد لفعله الذى هو فى حيز النصب على انه حال من فاعل اقسموا اى اقسموا به تعالى يجهدون ايمانهم جهدا ومعنى جهد اليمين بلوغ غايتها بطريق الاستعارة من قولهم جهد نفسه اذا بلغ اقصى وسعها وطاقتها اى جاهدين بالغين اقصى مراتب اليمين فى الشدة والوكادة فمن قال اقسم بالله فقد جهد يمينه ومعنى الاستعارة انه لما لم يكن لليمين وسع وطاقة حتى يبلغ المنافقون اقصى وسع اليمين وطاقتها كان باصله يجهدون ايمانهم جهدا ثم حذف الفعل وقدم المصدر فوضع موضعه مضافا الى المفعول نحو فضرب الرقاب: وبالفارسية [وسوكند كردند منافقان بخداى تعالى سخترين سوكندان خود] {لئن امرتهم} اى بالخروج الى الغزو فانهم كانوا يقولون لرسول الله اينما كنت نكن معك ولئن خرجت خرجنا معك وان اقمت اقمنا وان امرتنا بالجهاد جاهدنا {ليخرجن} جواب لاقسموا لان اللام الموطئة للقسم فى قوله لئن امرتهم جعلت ما يأتى بعد الشرط المذكور جوابا للقسم لاجزاء للشرط وكان جزاء الشرط مضمرا مدلولا عليه بجواب القسم وجواب القسم وجزاء الشرط لما كانا متماثلين اقتصر على جواب القسم وحيث كانت مقالتهم هذه كاذبة ويمينهم فاجرة امر عليه السلام بردها حيث قيل {قل لاتقسموا} لا تحلفوا بالله على ماتدعون من الطاعة {طاعة معروفة} خبر مبتدأ محذوف والجملة تعليل للنهى اى لان طاعتكم طاعة نفاقية واقعة باللسان فقط من غير مواطأة من القلب وانما عبر عنها بمعروفة للايذان بان كونها كذلك مشهور معروف لكل احد كذا فى الارشاد، وقال بعضهم طاعة معروفة بالاخلاص وصدق النية خير لكم وامثل من قسمكم باللسان بالمطلوب منكم هى لا اليمين الكاذبة المنكرة. وفى التأويلات النجمية {قل لا تقسموا} بالكذب قولا بل اطيعوا فعلا فانه {طاعة معروفة} بالافعال غير دعوى القيل والقال {ان الله خبير بما تعملون} بالحال صدقا وبالقال كذبا او بطاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل فيجازيكم على ذلك.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (جهد): مصدر مؤكد لفعله، الذي هو حيز النصب على الحال، من فاعل "أقسموا"، ومعنى جَهْدِ اليمين: بلوغ غايتها بطريق الإستعارة، من قولهم: جهد نفسه: إذا بلغ أقصى وسعها وطاقتها. وأصل أقسم جهد اليمين: أقسم بجهدِ اليمين جَهداً، فحذف الفعل وقدم المصدر، فوضع موضعه مضافاً إلى المفعول، كقوله:{أية : فَضَرْبَ الرِّقَابِ} تفسير : [محمد: 5] وحكم هذا المنصوب حكم الحال، كأنه قال: أقسموا جاهدين أيمانهم. و(طاعة): مبتدأ حذف خبره، أي: طاعة معروفة أولى من تسويفكم، أو: خبر عن محذوف، أي: الذي يطلب منكم طاعة معروفة. يقول الحق جل جلاله: {وأَقْسَموا} أي: المنافقون {بالله جَهْدَ أَيمانهم} أي: بلغوا فيها غاية وسعهم، بأن حلفوا بالله. وعن ابن عباس رضي الله عنه: (من حلف بالله فقد جهد يمينه)، {لئن أمرتهم ليخرجُنَّ} أي: قالوا: لئن أمرنا محمد بالخروج للغزو، أو من ديارنا وأموالنا، لخرجنا. وحيث كانت مقالتهم هذه كاذبة ويمينهم فاجرة أمر عليه الصلاة والسلام - بردها حيث قيل: {قل لا تُقسموا} أي: قل؛ رداً عليهم، وزجراً عن التفوه بها: لا تحلفوا وأنتم كاذبون، {طاعةٌ معروفة}، تعليل للنهي، أي: لا تُقسموا على ما تدعون من الطاعة؛ لأن طاعتكم طاعة نفاقية، معروفة بالنفاق، واقعة باللسان فقط من غير مواطأة للقلب. وإنما عبّر عنها بمعروفة؛ للإيذان بأن كونها نفاقية مشهور معروف لكل أحد. وحملها على الطاعة الحقيقية، على حذف المبتدأ أو الخبر، مما لا يساعده المقام. انظر أبا السعود. قال القشيري: طاعة في الوقت أولى من تسويفٍ في الوعد، ولا تعِدُوا بما هو معلوم أنكم لا تفوا به. هـ. وقال النسفي: طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الفاجرة. أو: الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يُشك فيها ولا يُرتاب، كطاعة الخُلص من المؤمنين، لا أيمان تقسمونها بأفواهكم، وقلوبُكُم على خلافها. هـ. {إن الله خبير بما تعملون} من الأعمال الظاهرة والباطنة، التي من جملتها ما تظهرونه من الأكاذيب المؤكدة بالأيمان الفاجرة، وما تضمرونه في قلوبكم من الكفر والنفاق، والعزيمة على مخادعة المؤمنين، وغيرها من فنون الفساد. {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسولَ}، أُمِر - عليه الصلاة والسلام - بتبليغ ما خاطبهم الله به، وصرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب، وهو أبلغ في تبكيتهم، {فإِن تولَّوا} - بحذف إحدى التاءين؛ بدليل قوله: {وعليكم} أي: فإن تُعرضوا عن الطاعة إثر ما أمرتكم بها {فإِنما عليه ما حُمِّلَ} من التبليغ وقد بلَّغَ، {وعليكم ما حُمِّلتم} من التلقي بالقبول والإذعان. والمعنى: فإن تعرضوا عن الإيمان فما ضررتم إلا أنفسكم، فإن الرسول ليس عليه إلا ما حمله الله تعالى من أداء الرسالة، فإذا أدى فقد خرج عن عهدة تكليفه. وأما أنتم فعليكم ما كلفتم، أي: ما أمرتم به من الطاعة والإذعان، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرَّضتم نفوسكم لسخط الله وعقوبته. قال القشيري: قل يا محمد: أطيعوا الله، فإن أجابوا، سعدوا في الدارين، وإنما أحسنوا لأنفسهم. وإن تولوا؛ فما أضروا إلا بأنفسهم، ويكون اللوم في المستقبل عليهم، وسوف يلقون سوء عواقبهم. هـ. {وإن تُطيعوه} فيما أمركم به من الهدى {تهتدوا} إلى الحق، الذي هو المقصد الأصلي الموصل إلى كل خير، والمنجي من كل شر، {وما على الرسول إلا البلاغُ المبين}؛ الموضح لكل ما يحتاج إلى الإيضاح، أو: البيِّن الوضوح؛ لكونه مقروناً بالآيات والمعجزات المتواترة. والجملة مقررة لما قبلها من أن غائلة التولي وفائدة الإطاعة مقصورتان عليهم. واللام: إما للجنس المنتظم فيه - عليه الصلاة والسلام - انتظاماً أولياً، أو للعهد، أي: ما على جنس الرسول كائناً من كان، أو ما عليه - عليه الصلاة والسلام - إلا التبليغ الواضح. وبالله التوفيق. الإشارة: ترى بعض الناس يُقسمون بالله جهد أَيْمَانهم: لئن ظهر شيخ التربية وأمرهم بالخروج عن أموالهم وأنفسهم ليخرجن، فلما ظهر تولوا وأعرضوا، فيقال لهم: فإن تولوا فإنما عليه ما حُمِّل من الدلالة على الله، والتعريف به، وعليكم ما حُملتم من الدخول تحت تربيته، وإن تُطيعوه تهتدوا إلى معرفة الله بالعيان، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. ثم وعد أهل الإخلاص بالنصر والتمكين، فقال: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}
الهواري
تفسير : قوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} يعني المنافقين {لَئِنَ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} أي: إلى الجهاد معه، أي: أقسموا ولم يستثنوا، وفيهم الضعيف والمريض، ومن يوضع عنه الخروج ممن له العذر. قال الله: {قُل لاَّ تُقْسِمُوا} أي: لا تحلفوا. ثم استأنف الكلام فقال: {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} أي: خير. وهذا إضمار، أي: طاعة معروفة خير مما تُضمِرون من النّفاق. {إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. قوله: {قُل أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} أي: في كل ما تعبّدكم به فأكمِلوه، وأوفوا به أجمع. ثم قال: {فَإِن تَوَلَّوْا} أي: عن الوفاء بما أقرّوا لك به {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ} يعني الرسول {مَا حُمِّلَ} أي: من البلاغ {وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ} أي: من طاعته في جميع ما كلّفكم منها. حديث : ذكروا أن يزيد بن سلمة قام للرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا كان علينا أمراء، أخذونا بالحق ومنعوناه، كيف نصنع؟ فأخذ الأشعث بثوبه فأجلسه، [ثم قام فعاد أيضاً، فأخذ الأشعث بثوبه] فقال: لا أزال أسأله حتى يجيبني أو تغيب الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم . تفسير : قوله: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} وإن تطيعوه، يعني النبي عليه السلام {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ المُبِينُ} كقوله: (أية : وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) تفسير : [الأنعام: 107] أي: تحفظ عليهم أعمالهم حتى تجازيهم بها.
اطفيش
تفسير : {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} جهد اليمين بلوغ غاية شدتها وتوكيدها كقولك: (جهد نفسه) اي بلغ اقصى وسعها. وعن ابن عباس؛ ومن قال بالله فقد جهد يمينه (وجهد) مفعول مطلق بـ (أقسم) اي (اقسموا غاية يمينهم) هذا هو التحقيق والضمير ان المنافقين لئن امرتهم بالجهاد * {لَيَخْرُجُنَّ} اليه. وقيل: لئن امرتهم بالخروج عن ديارهم واموالهم ليخرجن وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم اينما كنت نكن معك؛ لئن خرجت خرجنا؛ وان قمت قمنا؛ وان امرتنا الجهاد جاهدنا؛ ولما نزل بيان كراهتهم لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لو امرتنا ان نخرج من ديارنا واموالنا ونسائنا لخرجنا فكيف لا نرضى بحكمك؟!. {وَلَيَخْرُجُنَّ} جواب اقسموا واللام هي اللام المؤكدة لجواب القسم واما لام (لئن) فهي اللام الموطئة له وجواب (ان) محذوف اي يخرج. وقيل: اقسموا ولم يستثنوا وفيهم الضعيف والمريض ومن يوضع عنه الخروج ممن له العذر * {قُلْ لاَّ تُقْسِمُوا} على الكذب * {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} اي طاعتكم طاعة قد عرفت منكم وهي الطاعة باللسان لا يطابقها الاعتقاد ولا الافعال منكم أو المطلوب منكم طاعة معروفة انها طاعة متحققة لا اليمين للطاعة النافية (وطاعة) خبر لمحذوف أو طاعة معروفة اي بينة خالصة على قدر الاستطاعة حرر هذه اليمين الكاذبة فهي مبتدأ محذوف الخبر. وقيل: فاعل لكون محذوف اي لتكن طاعة معروفة بناء على جواز حذف لام الامر والفعل المجزوم بها وهو لولى من حذفها وحدها وبقاء المضارع. وقرأ اليزيدي طاعة معروفة بالنصب اي اطيعوا طاعة * {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من طاعتكم باللسان دون القلب والفعل وسائر سرائركم فيحاربكم.
اطفيش
تفسير : {وأقسَمُوا باللهِ} حلفوا قبل أصله من القسامة، وهى قسمة الحلف على المهتمين بالقتل، على أن القسامة بذلك المعنى فى كلام العرب قبل الشرع {جَهْد أيْمانهم} مفعول مطلق لأقسموا، أى إقسام جهد إقسامهم، او الحال محذوف أى يجهدون جهد أيمانهم، أو جاهدين جهد أيمانهم، أى يبلغون أو بالغين جهدها أى طاقتها، بالتغليظ، ونسبة الطاقة إليها مجاز، وذلك بأن زادوا على والله، وهذا هو المتبادر، عن مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد فى اليمين. {لئن أمرتَهُم} بالخروج الى الجهاد {ليخرجنَّ} اليه، وهذا هو المتبادر المستعمل لا ما قيل المراد الخروج من الأموال، والأصل لنخرجن بالنون، لأنهم يقولون: والله لنخرجن بالنون لا ليخرجن بالياء لكن ذكر ذلك عنهم بالمعنى {قل لا تقْسمُوا} على الخروج {طاعةٌ معروفةٌ} طاعتكم طاعة معروفة بأنها كاذبة بين الناس، أو الواجب عليكم طاعة صادقة لا كاذبة، أو طاعة معروفة بالصدق أليق بكم من اليمين، قيل مبتدأ وخبر على ارادة الجنس، كقولك: تمرة خير من جرادة، أى طاعتكم لا تخفى، وهذا لا يتبادر تفسيراً للآية، ولو وافق الحديث. كما روى عن جندب: ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها، وكما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أن أحدكم يعمل فى صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله لإنسان كائناً من كان" تفسير : {إنَّ الله خبيرٌ بما تعْمَلون} بجوارحكم وألسنتكم وقلوبكم من المعاصى، وخداع المؤمنين.
الالوسي
تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ } حكاية لبعض آخر من أكاذيب الكفرة المنافقين مؤكداً بالأيمان الفاجرة فهو عود على بدء، والقسم الحلف وأصله من القسامة وهي أيمان تقسم على متهمين بقتل حسبما بين في «كتب الفقه» ثم صار اسماً لكل حلف، وقوله سبحانه: {جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } نصب على أنه مصدر مؤكد لفعله المحذوف، وجملة ذلك الفعل مع فاعله في موضع الحال أو هو نصب على الحال أي حلفوا به تعالى يجهدون أيمانهم جهداً أو جاهدين أيمانهم، ومعنى جهد اليمين بلوغ غايتها بطريق الاستعارة من قولهم: جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها وطاقتها، والمراد أقسموا بالغين أقصى مراتب اليمين في الشدة والوكادة، وجوز أن يكون مصدراً مؤكداً لأقسموا أي أقسموا إقسام اجتهاد في اليمين، قال مقاتل: من حلف بالله تعالى فقد اجتهد في اليمين. والظاهر هنا أنهم غلظوا الأيمان وشددوها ولم يكتفوا بقول والله {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ } أي بالخروج كما يدل عليه قوله تعالى: {لَيُخْرِجَنَّ } والمراد بهذا الخروج الخروج للجهاد كما أخرجه ابن أبـي حاتم عن مقاتل. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما يدل على أن المراد الخروج من الأموال. وأياً ما كان فالجملة جواب لأقسموا وجواب الشرط محذوف لدلالة هذه الجملة عليه وهي حكاية بالمعنى والأصل لنخرجن بصيغة المتكلم مع الغير، وقيل: الأصل لخرجنا إلا أنه أريد حكاية الحال الماضية فعبر بذلك. وتعقب بأن المعتبر زمان الحكم وهو مستقبل. {قُلْ } أي رداً عليهم وزجراً لهم عن التفوه بتلك الأيمان وإظهاراً لعدم القبول لكونهم كاذبين فيها {لاَّ تُقْسِمُواْ } على ما ينبىء عنه كلامكم من الطاعة {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي طاعتكم طاعة، والجملة تعليل للنهي كأنه قيل لا تقسموا على ما تدعون من الطاعة لأن طاعتكم طاعة معروفة بأنها واقعة باللسان فقط من غير مواطأة من القلب لا يجهلها أحد من الناس، وقيل التقدير المطلوب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، وقيل: {طَاعَةٌ } مبتدأ خبره محذوف أي طاعة معروفة متوسطة على قدر الاستطاعة أمثل وأولى بكم من قسمكم، واختاره الزجاج، وقيل مرفوع بفعل مقدر أي لتكن طاعة معروفة منكم، وضعف الكل بأنه مما لا يساعده المقام والأخير بأن فيه حذف الفعل في غير موضع الحذف. وقال البقاعي: لا تقدير في الكلام و {طَاعَةٌ } مبتدأ خبره {مَّعْرُوفَةٌ } وسوغ الابتداء بالنكرة أنها أريد بها / الحقيقة فتعم والعموم من المسوغات، ولم تعرف لئلا يتوهم أن تعريفها للعهد. والجملة تعليل لنهي أي لا تقسموا فإن الطاعة معروفة منكم ومن غيركم لا تخفى فقد جرت سنة الله تعالى على أن العبد وإن اجتهد في إخفاء الطاعة لا بد وأن يظهر سبحانه مخايلها على شمائله، وكذا المعصية فلا فائدة في إظهار ما يخالف الواقع، وفي الأحاديث ما يشهد لما ذكر، فقد روى الطبراني عن جندب (ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله تعالى رداءها) وروى الحاكم وقال: صحيح الإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله لإنسان كائناً من كان » تفسير : وهذا المعنى على ما قيل حسن لكنه خلاف الظاهر. وقرأ زيد بن علي واليزيدي {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } بالنصب على تقدير تطيعون طاعة معروفة نفاقية، وقيل أطيعوا طاعة معروفة حقيقية وطاعة بمعنى إطاعة كما في قوله تعالى: {أية : أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح: 71]. {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الأعمال الظاهرة والباطنة التي من جملتها ما تظهرونه من الأكاذيب المؤكدة بالأيمان الفاجرة وما تضمرونه من الكفر والنفاق والعزيمة على مخادعة المؤمنين وغيرها من فنون الشر والفساد والمراد الوعيد بأنه تعالى مجازيهم بجميع أعمالهم السيئة التي منها نفاقهم، وفي «الإرشاد» أن الجملة تعليل للحكم بأن طاعتهم طاعة نفاقية مشعر بأن مدار شهرة أمرها فيما بين المؤمنين إخباره تعالى بذلك ووعيد لهم بالمجازاة.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: { أية : ويقولون ءامنا بالله وبالرسول } تفسير : [النور: 47]. أتبعت حكاية قولهم ذلك بحكاية قسم أقسموه بالله ليتنصلوا من وصمة أن يكون إعراضهم عن الحكومة عند الرسول صلى الله عليه وسلم فجاءوه فأقسموا إنهم لا يضمرون عصيانه فيما يقضي به فإنه لو أمرهم الرسول بأشق شيء وهو الخروج للقتال لأطاعوه. قال ابن عطية: وهذه في المنافقين الذين تولوا حين دعوا إلى الله ورسوله. وقال القرطبي: لما بيّن كراهتهم لحكم النبي أتوه فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا لخرجنا ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا. فنزلت هذه الآية. وكلام القرطبي يقتضي أنهم ذكروا خروجيْن. وبذلك يكون من الإيجاز في الآية حذف متعلق الخروج ليشمل ما يطلق عليه لفظ الخروج من حقيقة ومجاز بقرينة ما هو معروف من قصة سبب نزول الآية يومئذٍ، فإنه بسبب خصومة في مال فكان معنى الخروج من المال أسبق في القصد. واقتصر جمهور المفسرين على أن المراد ليخرجُنّ من أموالهم وديارهم. واقتصر الطبري على أن المراد ليخرجن إلى الجهاد على اختلاف الرأيين في سبب النزول. والإقسام: النطق بالقسم، أي اليمين. وضمير {أقسموا} عائد إلى ما عاد إليه ضمير { أية : ويقولون } تفسير : [النور: 47]. والتعبير بفعل المضي هنا لأن ذلك شيء وقع وانقضى. والجَهْد ــــ بفتح الجيم وسكون الهاء ــــ منتهى الطاقة. ولذلك يطلق على المشقة كما في حديث بدء الوحي « حديث : فغَطّني حتى بلغ منِّي الجَهْد » تفسير : لأن الأمر الشاق لا يعمل إلا بمنتهى الطاقة. وهو مصدر «جَهَد» كمنع متعدياً إذا أتعب غيره. ونَصْبُ {جهد أيمانهم} يجوز أن يكون على الحال من ضمير {أقسموا} على تأويل المصدر باسم الفاعل كقوله { أية : لا تأتيكم إلا بغتة } تفسير : [الأعراف: 187]، أي جاهدين. والتقدير: جاهدين أنفسهم، أي بالغين بها أقصى الطاقة وهذا على طريقة التجريد. ومعنى ذلك: أنهم كرّروا الأيمان وعدّدوا عباراتها حتى أتعبوا أنفسهم ليوهموا أنهم صادقون في أيمانهم. وإضافة {جهد} إلى {أيمانهم} على هذا الوجه إضافة على معنى (من)، أي جهداً ناشئاً عن أيمانهم. ويجوز أن يكون {جهد} منصوباً على المفعول المطلق الواقع بدلاً من فعله. والتقدير: جَهَدوا أيمانهم جَهداً. والفعل المقدر في موضع الحال من ضمير {أقسموا}. والتقدير: أقسموا يَجْهَدون أيمانهم جهداً. وإضافة {جهد} إلى {أيمانهم} على هذا الوجه من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ جعلت الأيمان كالشخص الذي له جَهد، ففيه استعارة مكنية، ورمز إلى المشبه به بما هو من روادفه وهو أن أحداً يجهده، أي يستخرج منه طاقته فإن كل إعادة لليمين هي كتكليف لليمين بعمل متكرر كالجهد له، فهذا أيضاً استعارة. وتقدم الكلام على شيء من هذا عند قوله تعالى: { أية : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم } تفسير : في سورة العقود (53) وقوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية} في سورة الأنعام (109). وجملة: {لئن أمرتهم} الخ بيان لجملة: {أقسموا}. وحذف مفعول {أمرتهم} لدلالة قوله: {ليخرجن}. والتقدير: لئن أمرتهم بالخُروج ليَخرُجن. فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذه الكلمات ذات المَعَاني الكثيرة وهي {لا تقسموا طاعة معروفة}. وذلك كلام موجه لأن نهيهم عن أن يقسموا بعد أن صدر القسم يحتمل أن يكون نهياً عن إعادته لأنهم كانوا بصدد إعادته، بمعنى: لا حاجة بكم إلى تأكيد القسم، أي فإن التأكيد بمنزلة المؤكد في كونه كذباً. ويحتمل أن يكون النهي مستعملاً في معنى عدم المطالبة بالقسم، أي ما كان لكم أن تقسموا إذ لا حاجة إلى القسم لعدم الشك في أمركم. ويحتمل أن يكون النهي مستعملاً في التسوية مثل { أية : اصبروا أوْ لاَ تصْبروا سواء عليكم } تفسير : [الطور: 16]. ويحتمل أن يكون النهي مستعملاً في حقيقته والمُقسم عليه محذوف، أي لا تقسموا على الخروج من دياركم وأموالكم فإن الله لا يكلفكم بذلك. ومقام مواجهة نفاقهم يقتضي أن تكون هذه الاحتمالات مقصودة. وقوله: {طاعة معروفة} كلام أُرسِل مثلاً وتحته معان جمة تختلف باختلاف الاحتمالات المتقدمة في قوله: {لا تقسموا}. وتنكير {طاعة} لأن المقصود به نوع الطاعة وليست طاعة معينة فهو من باب: تمرة خير من جَرادة، و{معروفة} خبره. فعلى احتمال أن يكون النهي عن القسم مستعملاً في النهي عن تكريره يكون المعنى من قبيل التهكم، أي لا حرمة للقسم فلا تعيدوه فطاعتكم معروفة، أي معروف وهنها وانتفاؤها. وعلى احتمال استعمال النهي في عدم المطالبة باليمين يكون المعنى: لماذا تقسمون أفَأنا أشك في حالكم فإن طاعتكم معروفة عندي، أي أعرف عدم وقوعها، والكلام تهكم أيضاً. وعلى احتمال استعمال النهي في التسوية فالمعنى: قسَمُكُم ونفيُه سواء لأن أيمانكم فاجرة وطاعتكم معروفة. أو يكون {طاعة} مبتدأ محذوف الخبر، أي طاعة معروفة أوْلَى من الأيمان، ويَكون وصف {معروفة} مشتقاً من المعرفة بمعنى العلم، أي طاعة تُعلم وتُتحقق أوْلى من الأيمان على طاعة غير واقعةٍ، وهو كالعرفان في قولهم: لا أعرفنك تفعل كذا. وإن كان النهي مستعملاً في حقيقته فالمعنى: لا تقسموا هذا القسمَ، أي على الخروج من دياركم وأموالكم لأن الله لا يكلفكم الطاعة إلا في معروف، فيكون وصف {معروفة} مشتقاً من العرفان، أي عدم النكران كقوله تعالى: { أية : ولا يعصِينَك في معروف } تفسير : [الممتحنة: 12]. وجملة: {إن الله خبير بما تعملون} صالحة لتذييل الاحتمالات المتقدمة، وهي تعليل لما قبلها.
الواحدي
تفسير : {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجنَّ} وذلك أنَّ المنافقين حلفوا أنَّهم يخرجون إلى حيث يأمرهم الرَّسول صلى الله عليه وسلم للغزو والجهاد، فقال الله تعالى: {قل لا تقسموا طاعة معروفة} خيرٌ وأمثلُ من يمينٍ تحنثون فيها. {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمَّل} من تبليغ الرِّسالة {وعليكم ما حملتم} من طاعته. الآية. {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض} ليورثنَّهم أرض الكفَّار من العرب والعجم {كما استخلف الذين من قبلهم} يعني: بني إسرائيل {وليمكنَّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} حتى يتمكَّنوا منه من غير خوفٍ {وليبدلنَّهم من بعد خوفهم} من العدوِّ {أمناً} لا يخافون معه العدوَّ {ومن كفر} بهذه النِّعمة فعصى الله ورسوله، وسفك الدِّماء {فأولئك هم الفاسقون} فكان أوَّل [مَنْ كفر] بهذه النِّعمة بعد ما أنجز الله وعده الذين قتلوا عثمان بن عفان رضي الله عنه، فعادوا في الخوف، وظهر الشَّرُّ والخلاف.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 53- وأقسم المنافقون بالله أقصى ما يكون من إيمان مغلظة، إنك يا محمد إن أمرتهم بالخروج معك للغزو أطاعوا، قل لهم: لا تحلفوا فالأمور المطلوبة منكم معروفة لكم لا ينكرها أحد منكم، ولا ينفى العلم بها إيمان تكذبون فيها، وإن الله لمطلع تمام الاطلاع على كل ما يقع منكم ومجازيكم عليه. 54- قل لهم: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول طاعة صادقة تدل عليها أعمالكم، فإن أعرض المنافقون ولم يمتثلوا، فإنما على محمد ما حمله الله من أمر التبليغ وليس مكلفاً بهدايتهم، وعليكم ما حملكم الله من التكليف والطاعة، وستعاقبون إذا استمررتم على العصيان، وإن تطيعوا الرسول تهتدوا إلى الخير، وما عليه سوى التبليغ الواضح - أطعتم أم عصيتم - وقد بلغ. 55- وعد الله الذين صدَّقوا بالحق وأذعنوا له منكم، وعملوا الأعمال الصالحة وعداً مؤكداً أن يجعلهم خلفاء لمن سبقوهم وارثين لهم فى الحكم والولاية فى الأرض، كما كان الشأن فيمن سبقوهم. وأن يمكن لهم الإسلام الذى ارتضاه ديناً لهم، فتكون لهم المهابة والسلطان، وأن يبدل حالهم من خوف إلى أمن بحيث يعبدوننى مطمئنين، لا يشركون معى أحداً فى العبادة. ومن اختاروا الكفر بعد هذا الوعد الصادق، أو ارتدوا عن الإسلام فأولئك هم الخارجون المتمردون الجاحدون.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وأقسموا بالله جهد أيمانهم: أي حلفوا بالله بالغين غاية الجهد في حلفهم. لئن أمرتهم: أي بالخروج إلى الجهاد. طاعة معروفة: أي طاعة معروفة للنبي فيما يأمركم وينهاكم خير من إقسامكم بالله. فإن تولوا: أي فإن تتولوا أي تعرضوا عن الطاعة. عليه ما حمل: أي من إبلاغ الرسالة وبيانها بالقول والعمل. وعليكم ما حملتم: أي من وجوب قبول الشرع والعمل به عقيدة وعبادة وحكما. وإن تطيعوه تهتدوا: أي وإن تطيعوا الرسول في أمره ونهيه وإرشاده تهتدوا إلى خيركم. ليستخلفنهم: أي يجعلهم خلفاء لغيرهم فيها بأن يُدِيلَ لهم من أهلها فيسودون فيها ويحكمون. وليمكنن لهم دينهم: أي بأن يظهر الإِسلام على سائر الأديان ويحفظه من الزوال. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر أحوال المنافقين فأخبر تعالى عنهم بقوله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي أقسموا للرسول صلى الله عليه وسلم مبالغين في ذلك حتى بلغوا غاية الجهد قائلين لئن أمرتنا بالخروج إلى الجهاد لنخرجن معكم. وهنا أمر تعالى رسوله أن يقول لهم: {لاَّ تُقْسِمُواْ} أي ما هناك حاجة إلى الحلف وتأكيده، وإنما هي طاعة منكم معروفة لنا تغنيكم عن الأيمان وقوله تعلى: {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} تأنيب لهم وتأديب حيث أخبرهم تعالى بأنه مطلع على أسرارهم وما يقولونه ويعملونه في الخفاء ضد الرسول والمؤمنين ثم أمر تعالى رسوله أن يقول لهم: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول في كل ما يأمران به وينهيان عنه، {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي تعرضوا عن الطاعة وترفضوها، فإنما على الرسول ما حمل من البلاغ والبيان، وعليكم ما حملتم من وجوب الانقياد والطاعة، ومن أخل بواجبه الذي أنيط به فسوف يلقى جزاءه وافياً عند ربه وقوله تعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ} هذه الجملة عظيمة الشأن جليلة القدر للمؤمن أن يحلف بالله ولا يحنث على أن من أطاع رسول الله في أمره ونهيه لن يضل أبداً ولن يشقى فالهداية إلى كل خير كامنة في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} أي ليس على الرسول هداية القلوب، وإنما عليه البلاغ المبين لا غير فلا تلحق الرسول تبعة من عصى فَضَلَّ وهَلَك. وقوله تعالى في الآية [55] {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ} أي صدقوا الله والرسول {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وعدهم بأن يستخلفهم في الأرض أي يجعلهم خلفاء حاكمين في أهلها سائدين سكانها استخلافاً كاستخلاف الذين من قبلهم من بني إسرائيل حيث أجلى الكنعانيين والعمالقة من أرض القدس وورثها بني إسرائيل وقول: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ} وهو الإِسلام فيظهره على الدين كله ويحفظه من التغيير والتبديل والزوال إلى قرب الساعة وقوله تعالى: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} إذ نزلت هذه الآية والمسلمون خائفون بالمدينة لا يقدر أحدهم أن ينام وسيفه بعيد عنه من شدة الخوف من الكافرين والمنافقين وتألب الأحزاب عليهم ولقد أنجز تعالى لهم ما وعدهم فاستخلفهم وأمكن لهم وبدلهم بعد خوفهم أمناً فلله الحمد والمنة. وقوله: {يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} هذا ثناء عليهم، وتعليل لما وهبهم وأعطاهم يعبدونه لا يشركون به شيئاً وقد فعلوا وما زال بقاياهم من الصالحين إلى اليوم يعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئاً اللهم اجعلنا منهم، وقوله تعالى:{وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} وعيد وتهديد لمن كفر بعد ذلك الإِنعام العظيم والعطاء الجزيل فأولئك هم الفاسقون عن أمر الله الخارجون عن طاعته المتسوجبون لعذاب الله ونقمته. عياذا بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية الإِقسام بالله تعالى وحرمة الحلف بغيره تعالى. 2- عدم الثقة في المنافقين لخلوهم من موجب الصدق في القول والعمل وهو الإِيمان. 3- طاعة رسول الله موجبة للهداية لما فيه من سعادة الدارين ومعصيته موجبة للضلال والخسران. 4- صدق وعد الله تعالى لأهل الإِيمان وصالح الأعمال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. 5- وجوب الشكر على النعم بعبادة الله تعالى وحده بما شرع من أنواع العبادات. 6- الوعيد الشديد لمن أنعم الله عليه بنعمة أمن ورخاء وسيادة وكرامة فكفر تلك النعم ولم يشكرها فَعَّرضها للزوال.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَيْمَانِهِمْ} {لَئِنْ} (53) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ النِّفَاقِ، الذينَ كَانُوا يَحْلِفُونَ للرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنَّهُ إِذَا أََمَرَهُمْ بالخُرُوجِ مَعَهُ إِلَى الغَزَاةِ لَيَخْرُجُنَّ مَعَهُ مُطِيعِينَ مُمْتَثِلِينَ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ قُلْ لَهُمْ: لاَ تُقْسِمُوا، وَلاَ تَحْلِفُوا فَطَاعَتُكُمْ مَعْرُوفَةٌ، فَهِيَ قَوْلٌ لاَ فِعْلٌ، وَكُلَّمَا حَلَفْتُمْ كَذَبْتُم، وَاللهُ خَبِيرٌ بِكُمْ، وَبِمَنْ يُطِيعُ، وَبِمَنْ يَعْصِي، فالحَلْفُ وإِظْهَارُ الطَّاعَةِ إِذَا رَاجَا عَلَى المَخْلُوقِ، فَلاَ يَرُوجَانِ عَلَى الخَالِقِ، لأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي الضَّمَائِرِ، وَإِنْ أَظْهَرَ العِبَادُ خِلاَفَ مَا يُضْمِرُونَ. جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ - مُجْتَهِدِينَ فِي الحَلْفِ بأَغْلَظِ الأَيْمَانِ. طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ - طَاعَتُكُمْ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ باللِّسَانِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : القَسَم: هو اليمين والحَلِف، والإنسان يُقسِم ليؤكد المقسَم عليه يريد أن يطمئن المخاطب على أن المقسَم عليه حَقٌّ، وهؤلاء لم يقسموا بالله سِراً في أنفسهم، إنما {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ..} [النور: 53] يعني: بَالَغوا وأتَوْا بمنتهى الجهد في القسم، فلم يقل أحدهم: وحياة أمي أو أبي، إنما أقسموا بالله، وليس هناك قَسَم أبلغ من هذا القسم، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت ". تفسير : فلما أقسموا بالله للرسول أنْ يخرجوا من بيوتهم وأولادهم وأموالهم إلى الجهاد مع رسول الله فضح الله سرائرهم، وكشف سترهم، وأبان عن زيف نواياهم، كما قال في آية أخرى: {أية : وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ ..}تفسير : [النساء: 81]. وتأمل دقَّة الأداء القرآني في: {أية : بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ ..}تفسير : [النساء: 81] وهذا احتياط؛ لأن منهم أُنَاساً يراود الإيمان قلوبهم ويفكرون في أنْ يُخلِصوا إيمانهم ونواياهم لله تعالى، ويعودوا إلى الإسلام الصحيح. والقرآن يفضح أمر هؤلاء الذي يُقسِمون عن غير صِدْق في القَسَم، كمن تعوَّد كثرة الحَلِف والحِنْث فيه؛ لذلك ينهاهم عن هذا الحَلِف: {قُل لاَّ تُقْسِمُواْ ..} [النور: 53] ولا يمكن أن ينهي المتكلمُ المخاطبَ عن القسم خصوصاً إذا أقسم على خير، لكن هؤلاء حانثون في قَسَمهم، فهو كعدمه، فهم يُقسِمون باللسان، ويخالفون بالوجدان. وقوله تعالى: {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ..} [النور: 53]. يُشعِر بتوبيخهم، كأنه يقول لهم: طاعتكم معروفة لدينا ولها سوابق واضحة، فهي طاعة باللسان فحسب، ثم يؤكد هذا المعنى فيقول: {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [النور: 53] والذي يؤكد هذه الخبرة أنه يفضح قلوبهم ويفضح نواياهم. والعجيب أنهم لا يعتبرون بالأحداث السابقة، ولا يتعظون بها، وقد سبق لهم أنه كان يجلس أحدهم يُحدِّث نفسه الحديث فيفضح الله ما في نفسه ويخبر به رسول الله، فيبلغهم بما يدور في نفوسهم، كما جاء في قول الله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ..}تفسير : [المجادلة: 8]. ومع ذلك لم يعتبروا ولم يعترفوا لرسول الله بأنه مُؤيَّد من الله، وأنه تعالى لن يتخلى عن رسوله، ولن يدعه لهم يخادعونه ويغشُّونه، وهذه سوابق تكررتْ منهم مرات عِدّة، ومع ذلك لم ينتهوا عما هم فيه من النفاق، ولم يُخلِصوا الإيمان لله. وبعد هذا كله يوصي الحق تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُبقِي عليهم، وألاَّ يرمي (طوبتهم) لعل وعسى، فيقول عز وجل: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى المنافقين وما هم عليه من صفاتٍ قبيحة، أعقبه بذكر ما انطوت عليه نفوسهم من المكر والإِحتيال والحلف الكاذب بأغلظ الأيمان، وختم السورة الكريمة بالتحذير من سلوك طريق المنافقين. اللغَة: {ٱلْحُلُمَ}: الاحتلام في المنام قال في القاموس: الحلم: الرؤيا جمعه أحلام، والحُلم والاحتلام: الجماع في النوم وقال الراغب: هو زمان البلوغ سمي به لكون صاحبه جديراً بالحلم أي الأناة وضبط النفس {ٱلْقَوَاعِدُ} جمع قاعد بغير تاء لأنه خاصٌ بالنساء كحائض وطامث وهي المرأة التي قعدت عن الزواج وعن الولد {أَشْتَاتاً} متفرقين جمع شتّ وهو الافتراق، والشتاتُ: الفرقة {يَتَسَلَّلُونَ} التسلل: الخروج خفية يقال: انسلَّ وتسلل إذا خرج مستتراً بطريق الخفية {لِوَاذاً} اللواذ: أن يستتر بشيء مخافة من يراه. سَبَبُ النّزول: روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاماً من الأنصار يقال له: مُدْلج إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فوجده نائماً، فدقَّّ عليه الغلام الباب ودخل، فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء فقال: وددت أنَّ الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول في هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الآية قد أنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ..} فخرَّ ساجداً شكراً الله تعالى. التفسِير: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمُْ} أي حلف المنافقون بغاية الأيمان المغلَّظة {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} أي لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن معك قال مقاتل: لما بيَّن الله إعراض المنافقين وامتناعهم عن قبول حكمه عليه السلام أتوه فقالوا: لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد لجاهدنا فنزلت {قُل لاَّ تُقْسِمُواْ} أي لا تحلفوا فإن أيمانكم كاذبة {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} أي طاعتُكم لله ورسوله معروفة فإنها باللسان دون القلب، وبالقول دون العمل {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي بصير لا يخفى عليه شيء من خفاياكم ونواياكم {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} أي أطيعوا الله بإخلاص النية وترك النفاق، وأطيعوا الرسول بالاستجابة لأمره والتمسّك بهديه {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي فإن تتولَّوْا وتعرضوا عن طاعته {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} أي على الرسول ما كلف به من تبليغ الرسالة {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ} أي وعليكم ما كلفتم به من السمع والطاعة واتباع أمره عليه السلام {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ} أي وإن أطعتم أمره فقد اهتديتم إلى طريق السعادة والفلاح {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِين} أي ليس عليه إلا التبليغ الواضح للأمة، ولا ضرر عليه إن خالفتم وعصيتم فإنه قد بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي وعد الله المؤمنين المخلصين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي وعدهم بميراث الأرض وأن يجعلهم فيها خلفاء متصرفين فيها تصرف الملوك في ممالكهم، كما استخلف المؤمنين قبلهم فملكهم ديار الكفار قال المفسرون: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة رمتهم العرب عن قوسٍ واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح، ولا يصبحون إلاّ في لأمتهم - أي سلاحهم - فقالوا أترون أنّا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلاّ الله عز وجل!! فنزلت الآية، وهذا وعدٌ ظهر صدقُه بفتح مشارق الأرض ومغاربها لهذه الأمة وفي الحديث بشارة كذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها"تفسير : {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ} أي وليجعلنَّ دينهم - الإِسلام - الذي ارتضاه لهم عزيزاً مكيناً عالياً على كل الأديان {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} أي وليغيرن حالهم التي كانوا عليها من الخوف والفزع إلى الأمن والاستقرار كقوله {أية : وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 4] {يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} استئنافٌ بطريق الثناء عليهم كالتعليل للاستخلاف في الأرض أي يوحدونني ويخلصون لي العبادة، لا يعبدون إلهاً غيري {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي فمن جحد شكر النعم {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} هم الخارجون عن طاعة الله، العاصون أمر الله قال أبو العالية: أي من كفر بهذه النعمة وليس يعني الكفرَ بالله قال الطبري: وهو أشبه بتأويل الآية لأن اللهَ وعد الإِنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية بأنه منعم به عليهم ثم قال {وَمَن كَفَرَ} أي كفر هذه النعمة {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ} أي أقيموا أيها المؤمنون الصلاة وأُدوا الزكاة على الوجه الأكمل الذي يُرضي الله {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي أطيعوا الرسول في سائر ما أمركم به رجاء الرحمة {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} تسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم ووعدٌ له بالنُّصرة أي لا تظننَّ يا محمد الكافرين الذين عاندوك وكذبوك معجزين لله في هذه الحياة بل الله قادرٌ عليهم في كل حين وأن {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} أي مرجعهم نار جهنم {وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي بئس المرجع والمآل الذي يصيرون إليه {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} أي يا أيها المؤمنون الذين صدَّقوا الله ورسوله وأيقنوا بشريعة الإِسلام نظاماً وحكماً ومنهاجاً ليستأذنكم في الدخول عليكم العبيدُ والإِماء الذين تملكونهم ملك اليمين {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ} أي والأطفال الذين لم يبلغوا مبلغ الرجال الأحرار ليستأذنوا أيضاً {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} أي في ثلاثة أوقات {مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ} أي في الليل وقت نومكم وخلودكم إلى الراحة {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ} أي وقت الظهر حين تخلعون ثيابكم للقيلولة {وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ} أي ووقت إرادتكم النوم واستعدادكم له {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ} اي هي ثلاثة أوقات يختل فيها تستركم، العوراتُ فيها بادية والتكشف فيها غالب، فعلِّموا عبيدكم وخدمكم وصبيانكم ألاّ يدخلوا عليكم في هذه الأوقات إلا بعد الاستئذان {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} أي ليس عليكم ولا على المماليك والصبيان حرجٌ في الدخول عليكم بغير استئذان بعد هذه الأوقات الثلاثة {طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي لأنهم خدمكم يطوفون عليكم للخدمة وغير ذلك قال أبو حيان: أي يمضون ويجيئون ويدخلون عليكم في المنازل غدوةً وعشية بغير إذن إلا في تلك الأوقات {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ} أي مثل ذلك التوضيح والبيان يبيّن الله لكم الأحكام الشرعية لتتأدبوا بها {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عالمٌ بأمور خلقه، حكيمٌ في تدبيره لهم {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ} أي وإذا بلغ هؤلاء الأطفال الصغار مبلغ الرجال وأصبحوا في سنّ التكليف {فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي فعلموهم الأدب السامي أن يستأذنوا في كل الأوقات كما يستأذن الرجال البالغون {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} أي يفصّل لكم أمور الشريعة والدين {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بخلقه حكيم في تشريعه قال البيضاوي: كرره تأكيداً ومبالغة في الأمر بالاستئذان {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} أي والنساء العجائز اللواتي قعدن عن التصرف وطلب الزواج لكبر سنهن {ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً} أي لا يطمعن في الزواج ولا يرغبن فيه لانعدام دوافع الشهوة فيهن {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} اي لا حرج ولا إثم عليهنَّ في أن يضعن بعض ثيابهن كالرداء والجلباب، ويظهرن أمام الرجال بملابسهن المعتادة التي لا تلفت انتباهاً، ولا تثير شهوة {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} أي غير متظاهرات بالزينة لينظر إليهن قال أبو حيان: وحقيقة التبرج إظهار ما يجب إخفاؤُه، وربَّ عجوزٍ شمطاء يبدو منها الحرصُ على أن يظهر بها جمال {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} أي وأن يستترن بارتداء الجلباب ولبس الثياب كما تلبسه الشابات من النساء، مبالغةً في التستر والتعفف خيرٌ لهنَّ وأكرم، وأزكى عند الله وأطهر {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ} أي يعلم خفايا النفوس ويجازي كل إنسان بعمله، وفيه وعدٌ وتحذير {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} أي ليس على أهل الأعذار " الأعمى، والأعرج، والمريض" حرج ولا إثم في القعود عن الغزو لضعفهم وعجزهم {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} أي وليس عليكم أيها الناس إثم أن تأكلوا من بيوت أزواجكم وعيالكم قال البيضاوي: فيدخل فيها بيوت الأولاد لأن بيت الولد كبيته لقوله عليه السلام: إن أطيبَ ما يأكل المرءُ من كسبه، وإنَّ ولده من كسبه {أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ} أي لا حرج في الأكل من بيوت هؤلاء الأقارب قال الرازي: والظاهر أن إباحة الأكل لا تتوقف على الاستئذان لأن العادة أن هؤلاء القوم تطيب أنفسهم بأكل الأقارب {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} أي البيوت التي توكّلون عليه وتملكون مفاتيحها في غياب أهلها قال عائشة: كان المسلمون يذهبون مع رسول الله في الغزو ويدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم ويقولون: قد أحللنا لكم الأكل منها فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا ان نأكل، إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم وإنما نحن أمناء فأنزل الله {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} {أَوْ صَدِيقِكُمْ} أي أو بيوت أصدقائكم وأصحابكم قال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} أي ليس عليكم إثم أو حرج أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين قال المفسرون: نزلت في حيٍ من كنانة كان الرجل منهم لا يأكل وحده، يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئاً: وربما كانت معه الإِبل الحُفَّل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه فأخبرهم تعالى بأن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي إذا دخلتم بيوتاً مسكونة فسلموا على من فيها من الناس {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} أي حيُّوهم بتحية الإِسلام "السلام عليكم" وهي التحية المباركة الطيبة التي شرعها الله لعباده المؤمنين قال القرطبي: وصفها بالبركة لأنه فيها الدعاء واستجلاب المودة، ووصفها بالطيب لأن سامعها يستطيبها {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} قال ابن كثير: لما ذكر تعالى في هذه السورة الكريمة من الأحكام المحكمة، والشرائع المُبْرمة، نبَّه عباده على أنه يبين لهم الآيات بياناً شافياً ليتدبروها ويتعقلوها لعلهم يعقلون {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي إنما المؤمنون الكاملون في الإِيمان الذي صدقوا الله ورسوله تصديقاً جازماً لا يخالجه شك {وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ} أي وإذا كانوا مع الرسول في أمرٍ هام فيه مصلحة للمسلمين {لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ} أي لم يتركوا مجلسه حتى يستأذنوه فيأذن لهم قال المفسرون: نزلت هذه الآية في وقت حفر الخندق، فإن بعض المؤمنين كانوا يستأذنون في الانصراف لضرورة، وكان المنافقون يذهبون بغير استئذان فنزلت تمدح المؤمنين الخالصين، وتعُرِّض بذم المنافقين {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} هذا توكيدٌ لما تقدم ذكره تفخيماً وتعظيماً لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم أي إن الذين يستأذنونك يا محمد أولئك هم المؤمنون حقاً قال البيضاوي: أعاده مؤكداً على أسلوب أبلغ فإِن جعل المستأذنين هم المؤمنين عكس الأسلوب الأول وفيه تأكيد للأول بذكر لفظ الله ورسوله فيكون مصداقاً ودليلاً على صحة الإِيمان {فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} أي فإِذا استأذنك هؤلاء المؤمنون لبعض شئونهم ومهامهم {فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} أي فاسمح لمن أحببت بالانصراف إِن كان فيه حكمة ومصلحة {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ} أي وادع الله لهم بالعفو والمغفرة فإِن الاستئذان ولو لعذرٍ قصورٌ لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي عظيم العفو واسع الرحمة {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} أي لا تنادوا الرسول باسمه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه بل قولوا: يا نبيَّ الله ويا رسول الله تفخيماً لمقامه وتعظيماً لشأنه قال أبو حيان: لمّا كان التداعي بالأسماء على عادة البداوة أُمروا بتوقير رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائه بأحسن ما يدعى به نحو يا رسول الله، يا نبيَّ الله، ألا ترى إِلى بعض جفاةِ من أسلم كان يقول يا محمد فنهوا عن ذلك قال قتادة: أمرهم تعالى أن يفخموه ويشرّفوه {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} أي قد علم الله الذين ينسلُّون قليلاً ويخرجون من الجماعة في خفية يستتر بعضهم ببعض قال الطبري: واللواذ هو أن يلوذ القوم بعضُهم ببعض، يستتر هذا بهذا وهذا بهذا {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي فليخف الذين يخالفون أمر الرسول ويتركون سبيله ومنهجه وسنته {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي تنزل بهم محنة عظيمة في الدنيا أو ينالهم عذاب شديد في الآخرة {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي له جل وعلا ما في الكون ملكاً وخلقاً وعبيداً {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} أي قد علم ما نفوسكم من الإِيمان أو النفاق، والإخلاص أو الرياء {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ} أي ويوم القيامة يرجعون إِليه فيخبرهم بما فعلوا في الدينا من صغيرٍ وكبير، وجليل وحقير ويجازي كلا بعمله {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ} أي لا يخفى عليه خافية لأن الكل خلقه وملكه. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البلاغة والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة اللطيفة {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} شبَّه الأيمان التي يحلف بها المنافقون بالغين فيها أقصى المراتب في الشدة والتوكيد بمن يجهد نفسه في أمر شاقّ لا يستطيعه ويبذل أقصى وسعه وطاقته بطريق الاستعارة. 2- المشاكلة {عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ} أي عليه أمرُ التبليغ وعليكم وزر التكذيب. 3- الطباق بين الخوف والأمن {مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} وكذلك بين الجميع والأشتات {جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} لأن المعنى مجتمعين ومتفرقين. 4- الإِطناب بتكرير لفظ الحرج لترسيخ الحكم في الأذهان {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ}. 5- صيغة المبالغة {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. فَائِدَة: قال بعض السلف: من أمَّر السُنَّة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة لقوله تعالى {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ}. لطيفَة: قيل لبعضهم: من أحبُّ إليك أخوك أم صديقك؟ فقال: لا أحب أخي إذا لم يكن صديقي. وقال ابن عباس: "الصديق أوكد من القريب ألا ترى استغاثة الجهنميّين حين قالوا {أية : فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 100-101] ولم يستغيثوا بالآباء والأمهات". تنبيه: كان بعض العرب يرى أحدهم أن عاراً وخزياً عليه أن يأكل وحده ويبقى جائعاً حتى يجد من يؤاكله ويشاربه واشتهر هذا عن حاتم فكان يقول: شعر : إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي تفسير : وهذا من مآثر العرب ومفاخرهم، فقد اشتهروا بالجود والكرم، وقرى الضيف.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ تُقْسِمُواْ} معناه لا تَحلِفوا.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من خباثة بواطنهم أهل الشرك والشقاق، وشدة شيكمتهم ونفاقهم معك يا أكمل الرسل: {أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ} تروجياً لنفاقهم وتغريراً للمؤمنين {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} وغاية حلفهم، مبالغين فيها، مغلظين منكرين للامتناع عن حكم الرسول بقولهم، واللهِ {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ} يا أكمل الرسل؛ أي: المنافقين بالخروج عن الديار، والجلاء عن الوطن {لَيَخْرُجُنَّ} عنها بلا مطلٍ وتسويفٍ، ممتثلين أمرك، فيكف يتأتى منا الامتناع عن حكمك وما هو إلا من غاية تلبيسهم ونافقهم. {قُل} لهم يا أكمل الرسل بعدما تيقنتَ نفاقَهم بالهامٍ منا إليك ووحي: {لاَّ تُقْسِمُواْ} بالله أيها المسرفون المفرطون، ولا تبالغوا في الحلف الكاذب، فإن المطلوب منكم {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} مشهورةُ بين الناس بلا إتيان مخالفةٍ منكم ظاهراً، وأمَّا أمر بواطنكم وقلوبكم فسَّرُّه عند الله {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلعَ لسرائركم وضمائركم {خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [النور: 53] وتقصدون في نفوسكم، يجازيكم على مقتضى خبرته. {قُلْ} يا أكمل الرسل للناس على سبيل التبليغ العام، والراسلة المطلقة: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} المظهرَ لكم من كتم العدم، وانقادوا لجميع أوامره ونواهيه {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} المبعوثَ إليكم، وصدِّقوه في جميع ما جاء به من عند ربكم {فَإِن تَوَلَّوْاْ} وانصرفوا بعدما بلغتَ رسالتك حق التبليغ {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ} أي: على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جزاء {مَا حُمِّلَ} من التبليغ وإظهارِ الدعوة وتبيينِ الرسالة، {وَعَلَيْكُمْ} أيها السامعون جزاء {مَّا حُمِّلْتُمْ} من الامتثال والانقياد {وَ} اعلموا أيها المتوجهون نحو الحق {إِن تُطِيعُوهُ} أي: الرسولَ، وتصدقوا قوله، وتعلموا على مقتضى ما أُمرتم على لسانه {تَهْتَدُواْ} إلى معرفة ربكم وتفوزوا بتوحيده، {وَ} إن لم تطيعوا له، وتهتدوا إلى ما ُجبلتم لأجله {مَا عَلَى ٱلرَّسُولِ} المأمور بالدعوة والتبليغ {إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} [النور: 54] الظاهرُ الواضحُ؛ لئلا يشتبه عليكم أمر الدين، فإن امتثلتم بما سمتعتم منه فزتم، وإن توليتم فعليكم الوزر والوبال. واعلموا يقيناً أنه {وَعَدَ ٱللَّهُ} المتفضلُ المحسنُ لعباده بأنواع الفضل والعطاء {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ} أيها الناس بتوحيد الله وصفاته، وإرسالِ الرسل، وإنزالهِ الكتبَ، والعبثِ بعد الموت، وجميعِ الأمور الأخروية {وَ} مع الإيمان والإعان {عَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقبولةِ عند الله، المرضية له على مقتضى ما أوحاه على رسوله وأنزله في كتابه، وأقسم سبحانه بنفسه تأكيداً لوعده {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} وليجعلنهم خلفاء {فِي ٱلأَرْضِ} التي استولى عليها الكفرة {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ} آمنوا {مِن قَبْلِهِمْ} يعني: بني إسرائيل استخلفهم على بلاد العمالقة والفراعنة وأرض الشام والفرس، {وَ} بعد استخلافهم {لَيُمَكِّنَنَّ} ويقررن {لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ} وهو دين الإسلام، المبني على صرافة التوحيد الذاتي المستلزم لتوحيد الصفات والأفعال. وليشيعن ويذيعن دينهم هذا إلى جميع الأقطار والأنحاء {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ} ويحولن حالهم {مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ} الناشئ من تمويهات متخيلتهم ووساوس متوهمتهم {أَمْناً} نشأ من اليقين الحقي المثمرِ لكمال الاطمئنان والوقار، وبعدما حصل لهم مرتبة الفناء في ذاتي، حصل لهم البقاء ببقائي، فحينئذٍ {يَعْبُدُونَنِي} مخلصين حيث {لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} من مظاهري ومصنوعاتي بتسويلات شياطين الخيالات والأوهام {وَمَن كَفَرَ} أي: ارتد ورجع {بَعْدَ ذٰلِكَ} أي: بعد نفي الخواطر والأوهام المضلةِ عن سواء السبيل {فَأُوْلَـٰئِكَ} المردودون المطرودون عن ساحة عز الحضور والقبول {هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [النور: 55] الخاسرون المقصورون على الخروج والخسران عن مقتضى اليقين العلمي والعيني والحقي {أية : أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ}تفسير : [الزمر: 15]. {وَ} بعدما جعلتم التوحيد الذاتي قبلة مقصدكم أيها المحمديون {أَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ} المثمرةَ المورثةَ لكم كمالَ الشوق المحبةَ نحو الحق دائماً {وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ} المطهرةَ لنفوسكم عن الميل إلى ما سواه {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} المرشدَ لكم إلى طريق التوحيد {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56] وتفوزون بما لا عينُ رأت ولا أذنُ سمعت ولا خطر على قلب بشر. حققنا بما أنت راضٍ عنا يا خير الناصرين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن حالة المتخلفين عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد من المنافقين، ومن في قلوبهم مرض وضعف إيمان أنهم يقسمون بالله، { لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ } فيما يستقبل، أو لئن نصصت عليهم حين خرجت { لَيَخْرُجُنَّ } والمعنى الأول أولى. قال الله -رادا عليهم-: { قُلْ لا تُقْسِمُوا } أي: لا نحتاج إلى إقسامكم ولا إلى أعذاركم، فإن الله قد نبأنا من أخباركم، وطاعتكم معروفة، لا تخفى علينا، قد كنا نعرف منكم التثاقل والكسل من غير عذر، فلا وجه لعذركم وقسمكم، إنما يحتاج إلى ذلك، من كان أمره محتملا وحاله مشتبهة، فهذا ربما يفيده العذر براءة، وأما أنتم فكلا ولما، وإنما ينتظر بكم ويخاف عليكم حلول بأس الله ونقمته، ولهذا توعدهم بقوله: { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } فيجازيكم عليها أتم الجزاء، هذه حالهم في نفس الأمر، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام، فوظيفته أن يأمركم وينهاكم، ولهذا قال: { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ } امتثلوا، كان حظكم وسعادتكم وإن { تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ } من الرسالة، وقد أداها. { وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ } من الطاعة، وقد بانت حالكم وظهرت، فبان ضلالكم وغيكم واستحقاقكم العذاب. { وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } إلى الصراط المستقيم، قولا وعملا فلا سبيل لكم إلى الهداية إلا بطاعته، وبدون ذلك، لا يمكن، بل هو محال. { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ } أي: تبليغكم البين الذي لا يبقي لأحد شكا ولا شبهة، وقد فعل صلى الله عليه وسلم، بلغ البلاغ المبين، وإنما الذي يحاسبكم ويجازيكم هو الله تعالى، فالرسول ليس له من الأمر شيء، وقد قام بوظيفته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):