Verse. 2845 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

قُلْ اَطِيْعُوا اللہَ وَاَطِيْعُوا الرَّسُوْلَ۝۰ۚ فَاِنْ تَوَلَّوْا فَاِنَّمَا عَلَيْہِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ۝۰ۭ وَاِنْ تُطِيْعُوْہُ تَہْتَدُوْا۝۰ۭ وَمَا عَلَي الرَّسُوْلِ اِلَّا الْبَلٰغُ الْمُبِيْنُ۝۵۴
Qul ateeAAoo Allaha waateeAAoo alrrasoola fain tawallaw fainnama AAalayhi ma hummila waAAalaykum ma hummiltum wain tuteeAAoohu tahtadoo wama AAala alrrasooli illa albalaghu almubeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان تولوْ» عن طاعته بحذف إحدى التاءين خطاب لهم «فإنما عليه ما حمل» من التبليغ «وعليكم ما حملتم» من طاعته «وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين» أي التبليغ البيِّن.

54

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} بإخلاص الطاعة وترك النفاق. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي فإن تتوَلّوْا، فحذف إحدى التاءين. ودلّ على هذا أن بعده «وعليكم» ولم يقل وعليهم. {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} أي من تبليغ الرسالة. {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ} أي من الطاعة له؛ عن ابن عباس وغيره. {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ} جعل الاهتداء مقروناً بطاعته. {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} أي التبليغ {ٱلْمُبِينُ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن طاعته بحذف إحدى التاءين خطاب لهم {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ } من التبليغ {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } من طاعته {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ } أي التبليغ البيّن.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَا حُمِّلَ} من إبلاغكم {مَّا حُمِّلْتُمْ} من طاعته {تَهْتَدُواْ} إلى الحق {الْبَلاغُ} بالقول للطائع وبالسيف للعاصي.

النسفي

تفسير : {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات وهو أبلغ في تبكيتهم {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } يريد فإن تتولوا فما ضررتموه وإنما ضررتم أنفسكم فإن الرسول ليس عليه إلا ما حمله الله تعالى وكلفه من أداء الرسالة فإذا أدى فقد خرج عن عهدة تكليفه، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } أي وإن أطعتموه فيما يأمركم وينهاكم فقد أحرزتم نصيبكم من الهدى، فالضرر في توليكم والنفع عائدان إليكم {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } وما على الرسول إلا أن يبلغ ما له نفع في قلوبكم ولا عليه ضرر في توليكم. والبلاغ بمعنى التبليغ كالأداء بمعنى التأدية، والمبين الظاهر لكونه مقروناً بالآيات والمعجزات. ثم ذكر المخلصين فقال

البقاعي

تفسير : ولما نبه على خداعهم، أشار إلى عدم الاغترار بإيمانهم، وإلى قبول شهادة التوسم فيهم، أمر بترغيبهم وترهيبهم، مشيراً إلى الإعراض عن عقوبتهم فقال: {قل أطيعوا} أيها الذين أقروا بالإيمان {الله} أي الذي لم الكمال المطلق {وأطيعوا الرسول} أي لاذي له الرسالة المطلقة، ظاهراً وباطناً لا كالمنافقين {فإن تولوا} أي توجد منكم التولية عن ذلك عصياناً له ولو على أدنى وجوه التولية - بما أشار إليه حذف التاء، تضلوا فلا تضروا إلا أنفسكم، وهو معنى قوله: {فإنما عليه} أي الرسول {ما حمل} أي من التبليغ ممن إذا حمل أحداً شيئاً فلا بد من حمله له أو حمل ما هو أثقل منه {وعليكم ما حملتم} من القبول، وليس عليه أن يقسركم على الهداية؛ وأفهم بقوله: {وإن تطيعوه} أي بالإقبال على كل ما يأمركم به {تهتدوا} أي إلى كل خير أنه لا هداية لهم بدون متابعته؛ روى عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال على المنبر: "حديث : من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" تفسير : قال: فقال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه: عليكم بالسواد الأعظم! قال فقال رجل: ما السواد الأعظم؟ فنادى أبو أمامة هذه الآية في سورة النور {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم}. ولما كان ما حمله الرسول صلى الله عليه وسلم مبهماً، عينه بقوله: {وما على الرسول} أي من جهة غيره {إلا البلاغ المبين*} أي التبليغ الذي يحصل به البلاغ من غير شك، إما بالإيضاح وحده أو مضموماً إلى السيف فما دونه من أنواع الزواجر. ولما لاح بهذا الإذن في الكف عن قتل النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين لئلا يقول الناس: إن محمداً استنصر بقوم، فلما نصره الله بهم أقبل يقتلهم. فيمتنع من يسمع ذلك من الدخول في الإسلام، فتكون مفسدة قتلهم أعظم من مفسدة إبقائهم، لأن الدين لم يكن حينئذ تمكن تمكناً لا يؤثر فيه مثل ذلك، تشوفت النفوس إلى أن هذا الحال هل يستمر؟ فجلى الله عنهما هذا الكرب بقوله: بياناً لأن تمكن الدين غير مفتقر إليهم سواء أقبلوا أو أدبروا: {وعد الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {الذين آمنوا} وهو مع ذلك كالتعليل لما قبله ترغيباً لمن نظر في الدنيا نوع نظر؛ وقيد بقوله: {منكم} تصريحاً بأهل القرن الأول، ليكون ظاهراً فس إخراج المنافقين المتولين بالإعراض، إشارة إلى أنهم لا يزالون في ذل وضعة؛ وقدم هذا القيد اهتماماً به لما ذكر بخلاف ما يأتي في سورة الفتح {وعملوا} تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} من الإذعان للأحكام وغيرها، وأكد غاية التأكيد بلام القسم، لما عند أكثر الناس من الريب في ذلك فقال: {ليستخلفنهم في الأرض} أي أرض العرب والعجم، بأن يمد زمانهم، وينفذ أحكامهم {كما استخلف} أي طلب وأوجد خلافة بإيجادهم {الذين من قبلهم} أي من الأمم من بني إسرائيل وغيرهم من كل من حصلت له مكنة، وظفر على الأعداء بعد الضعف الشديد كما كتب في الزبور {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} وكما قال موسى عليه السلام: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} {وليمكنن لهم} أي في الباطن والظاهر {دينهم} أضافة إليهم إشارة إلى رسوخ أقدامهم فيه وأنه أبديّ لا ينسخ {الذي ارتضى لهم} حتى يقيموا الحدود فيه من قتل وغيره على الشريف والوضيع سواء كان الواقعون في ذلك عصبة أم لا، لا يراعون أحداً، ولا يخافون لومة لأئم، لأنه لا يضره إذ ذاك إدباراً مدبر كما قال صلى الله عليه وسلم عن الحرورية كافة "حديث : إنه إن أدركهم ليقتلنهم قتل عاد، بعد أن كف عن قتل رأسهم ونهى عن قتله - وهو واحد في غزوة حنين ".تفسير : ولما بشرهم بالتمكين، أشار لهم إلى مقداره بقوله: {وليبدلنهم} وأشار إلى عدم استغراق هذا الأمن العام لجميع الزمان بإثبات الجارّ فقال: {من بعد خوفهم} هذا الذي هم فيه الآن {أمناً} أي عظيماً بمقدار هذا الخوف، في زمن النبوة وخلافتها؛ ثم أتبع ذلك نتيجته بقوله تعليلاً للتمكين وما معه: {يعبدونني} أي وحدي؛ وصرح بالمراد بياناً لحال العابدة النافعة بقوله: {لا يشركون بي شيئاً} ظاهراً ولا باطناً، لأن زمانهم يكون زمن عدل، فلا يتحابون فيه بالرغبة والرهبة، روى الطبراني في الوسط عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم المدينة، وآوتهم الأنصار - رضي الله عنهم أجمعين، رمتهم العرب من قوس واحدة فنزلت {ليستخلفنهم في الأرض} الآية. ولقد صدق الله سبحانه ومن أصدق من الله حديثاً - ففتح سبحانه لهم البلاد، ونصرهم على جبابرة العباد، فأذلوا رقاب الأكاسرة، واستعبدوا أبناء القياصرة، ومكنوا شرقاً وغرباً مكنة لم تحصل قبلهم لأمة من الأمم، كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها"تفسير : . يعرف ذلك من طالع فتوح البلاد، وأجمعها وأحسنها النصف الثاني من سيرة الحافظ أبي الربيع بن سالم الكلاعي، وكتاب شيخه ابن حبيش أيضاً جامع، ولا أعلم شيئاً أنفع في رسوخ الإيمان، بعد حفظ القرآن، من مطالعة السير والفتوح، وسيرة الكلاعي جامعة للأمرين، ونظمي للسيرة في القصيدة التي أولها: شعر : ما بال جفنك هامي الدمع هامره وبحر فكرك وافي الهم وافره تفسير : أجمع السير - يسر الله إكمال شرحها، آمين. ولما قتلوا عثمان رضي الله عنه، وخرجوا على عليّ ثم ابنه الحسن رضي الله عنهما، نزع الله ذلك الأمن كما أشير إليه بـ "من" وتنكير "أمناً" وجاء الخوف واستمر يتطاول ويزداد قليلاً قليلاً إلى أن صار في زماننا هذا إلى أمر عظيم - والله المستعان. ولما كان التقدير: فمن ثبت على دين الإسلام، وانقاد لأحكامه واستقام، نال هذه البشرى، عطف عليه قوله: {ومن كفر} أي بالإعراض عن الأحكام أو غيرها؛ أو هو عطف على {يعبدونني} لأن معناه: ومن لم يعبدني. ولما كان الفاسق الكامل إنما هو من مات على كفره فحبط عمله، فكان بذلك كفره مستغرقاً لزمانه دون من مات مسلماً وإن كان كافراً في جميع ما مضى له قبل ذلك، أسقط الجار فقال: {بعد ذلك} أي الاستخلاف العظيم على الوجه المشروح {فأولئك} البعداء من الخير {هم} خاصة {الفاسقون*} أي الخارجون من الدين خروجاً كاملاً، لا تقبل معه معذرة، ولا تقال لصاحبه عثرة، بل تقام عليهم الأحكام بالقتل وغيره، ولا يراعى فيهم ملام، ولا تأخذ بهم رأفة عند الانتقام، كما تقدم في أول السورة فيمن لزمه الجلد، ولعل الآية مشيرة إلى أهل الردة. ولما تمت هذه البشرى، وكان التقدير: فاعملوا واعبدوا، عطف عليه قوله: {وأقيموا الصلاة} أي فإنها قوام ما بينكم وبين ربكم، مع أنه يصح عطفه على قوله "أطيعوا الله" فيكون من مقول {قل} {وآتوا الزكاة} فهي نظام ما بينكم وبين إخوانكم {وأطيعوا الرسول} أي المحيط بالرسالة في كل ما يأمركم به، فإنما هو عن أمر ربكم {لعلكم ترحمون*} أي لتكونوا عند من يجهل العواقب على رجاء من حصول الرحمة ممن لا راحم في الحقيقة غيره.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏فإنما عليه ما حمل‏}‏ فيبلغ ما أرسل به إليكم ‏ {‏وعليكم ما حملتم‏}‏ قال‏:‏ أن تطيعوه وتعملوا بما أمركم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الزبير عن جابر أنه سئل‏:‏ إن كان على امام فاجر فلقيت معه أهل ضلالة أقاتل أم لا ليس بي حبه ولا مظاهرة‏؟‏ قال‏:‏ قاتل أهل الضلالة أينما وجدتهم، وعلى الإِمام ما حمل وعليك ما حملت‏. وأخرج البخاري في تاريخه عن وائل حديث : أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن كان علينا أمراء يعملون بغير طاعة الله تعالى‏؟‏ فقال‏: "عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم"‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والترمذي وابن جرير في تهذيبه وابن مردويه عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ قدم يزيد بن سلمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أرأيت إن كان علينا امراء يأخذوا منا الحق ولا يعطونا‏؟‏ فقال‏: "‏إنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم" ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن قانع والطبراني عن علقمة بن وائل الحضرمي عن سلمة بن يزيد الجهني قال‏:‏ ‏ ‏"حديث : قلت يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء من بعدك يأخذونا بالحق الذي علينا، ويمنعونا الحق الذي جعله الله لنا، نقاتلهم ونبغضهم‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم"‏ "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} كرَّر الأمرَ بالقول لإبراز كمالِ العنايةِ به والإشعارِ باختلافهما من حيثُ أنَّ المقولَ في الأوَّلِ نهيٌ بطريق الردِّ والتَّقريعِ كما في قولِه تعالى: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 108] وفي الثَّاني أمرٌ بطريقِ التَّكليفِ والتَّشريعِ، وإطلاقُ الطَّاعة المأمورِ بها عن وصفِ الصحَّةِ والإخلاصِ ونحوهما بعد وصف طاعتهم بما ذُكر للتَّنبـيه على أنَّها ليستْ من الطَّاعةِ في شيءٍ أصلاً. وقوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} خطابٌ للمأمورين بالطَّاعةِ من جهتِه تعالى واردٌ لتأكيد الأمر بها والمبالغةِ في إيجاب الامتثال به والحملِ عليه بالتَّرهيب والتَّرغيبِ لما أنَّ تغيـيرَ الكلامِ المسوقِ لمعنى من المعاني وصرفِه عن سَننِه المسلوكِ ينبىءُ عن اهتمامٍ جديدٍ بشأنه من المتكلِّم ويستجلبُ مزيدَ رغبةٍ فيه من السَّامعِ كما أُشير إليه في تفسيرِ قولِه تعالى: {أية : وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } تفسير : [الكهف: 109] لا سيَّما إذا كان ذلك بتغيـير الخطابِ بالواسطةِ إلى الخطابِ بالذَّاتِ فإنَّ في خطابِه تعالى إيَّاهم بالذَّات بعد أمرِه تعالى إيَّاهم بوساطتِه عليه السَّلامُ وتصدِّيه لبـيان حُكمِ الامتثالِ بالأمر والتولِّي عنه إجمالاً وتفصيلاً من إفادةِ ما ذُكر من التَّأكيدِ والمُبالغةِ ما لا غايةَ وراءَهُ وتَوهُّم أنَّه داخل تحت القولِ المأمور بحكايتِه من جهته تعالى وأنَّه أبلغُ في التَّبكيتِ تعكيسٌ للأمرِ والفاء لترتيبِ ما بعدها على تبليغِه عليه السَّلامُ للمأمور به إليهم، وعدمُ التَّصريحِ به للإيذانِ بغاية ظهورِ مسارعتِه عليه السَّلامُ إلى تبليغ ما أُمرَ به وعدم الحاجةِ إلى الذِّكرِ أي إنْ تتولَّوا عن الطَّاعةِ إثرَ ما أُمرتم بهَا {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ} أي فاعلمُوا أنَّما عليه عليه السَّلام {مَا حُمّلَ} أي أُمر به من التَّبليغِ وقد شاهدتمُوه عند قوله: أطيعوا الله والرسول {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ} أي ما أُمرتم به من الطَّاعة، ولعلَّ التَّعبـيرَ عنه بالتَّحميل للإشعارِ بثقله وكونِه مُؤنةً باقيةً في عهدتِهم بعدُ، كأنَّه قيل: وحيثُ توليتُم عن ذلك فقد بقيتم تحت ذلك الحملِ الثَّقيلِ. وقولُه تعالى: {مَا حُمّلَ} محمولٌ على المُشاكلة {وَإِن تُطِيعُوهُ} أي فيما أَمركم به من الطَّاعةِ {تَهْتَدُواْ} إلى الحقِّ الذي هو المقصدُ الأصليُّ المُوصلُ إلى كلِّ خيرٍ والمُنجِّي من كلِّ شرَ، وتأخيرُه عن بـيانِ حكم التَّولِّي لما في تقديم التَّرهيبِ من تأكيد التَّرغيبِ وتقريبه ممَّا هو من بابه من الوعد الكريمِ. وقولُه تعالى: {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله من أنَّ غائلةَ التولِّي وفائدة الإطاعةِ مقصورتانِ عليهم واللامُ إمَّا للجنسِ المُنتظمِ له عليه السَّلامُ انتظاماً أوليًّا أو للعهد أي ما على جنس الرَّسولِ كائناً مَن كان أو ما عليه عليه السَّلامُ إلاَّ التَّبليغُ الموضِّحُ لكلِّ ما يَحتاج إلى الإيضاحِ، أو الواضحُ على أنَّ المُبـينَ مِن أبانَ بمعنى بانَ وقد علمتُم أنَّه قد فعله بما لا مزيدَ عليه وإنما بقيَ ما حُمِّلتم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ} [الآية: 54]. سمعت جدى رحمه الله يقول: سمعت أبا عثمان يقول: من أمَّر السُّنة على نفسه قولاً وفعلاً ونطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة لأن الله يقول: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ}. قال الحسين: طاعة الرسول فيها صلاح الكل وهو المواظبة على الأوامر، والفرائض فإن الأنبياء يعملون على الفرائض، والمؤمنون يعملون فى الفضائل، والصديقون يعملون فى النهى، والعارفون يعملون فى نسيان كل شىء غير الله. قال بعضهم: أوائل الطاعة أمور، أولها: احتمال الأذى من غير شكاية، ودفع الأذى من غير منة، ولا تخاصم الله عن نفسك ولا يملك غير الله. قال محمد بن الفضل: إن تطيعوه فى سنته توصلكم بركته إلى حقائق القيام بأداء الفرائض فتكونوا من المهتدين أى من الموافقين بشرائط الأدب مع الله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ} ان تطيعوه بالعبودية تهتدو به الى انوار الربوبية وان تطيعوه بالمحبة تهتدوا به الى المشاهدة وان تطيعوه بالمعرفة تهتدوا به الى الوصلة وان تطيعوا الرسول تهتدوا الى ما فيه من عجائب المكاشفات والمشاهدات والمعارف والمجاب وان تطيعوه بالحرمة والادب تهتدوا به الى سنى الدرجات ومعالى الكرامات قال ابو عثمان من امر السنة على نفسه قولاً وعلا نطق بالحكمة ومن امر الهوى على نسه نطق بالبدعة لان الله يقول وان تطيعوه تهتدوا قال محمد بن الفضل ان تطعيوه فى سنته يوصلكم ركبتها الى حقائق القيام باداب الفرائض فتكونوا من المهتدين من المرافقين بشرط الادب مع الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل اطيعوا الله واطيعوا الرسول} فى الفرائض والسنن على رجاء الرحمة والقبول {فان تولوا} بحذف احدى التاءين اى تتولوا وتعرضوا عن هذه الطاعة اثر ما امرتم بها {فانما عليه} اى فاعلموا انما عليه صلى الله عليه وسلم {ما حمل} اى ما كلف وامر به من تبليغ الرسالة {وعليكم ما حمتلم} ما امرتم به من الاجابة والطاعة ولعل التعبير عنه بالتحمل للاشعار بثقله وكونه مؤونة باقية فى عهدتهم بعد كأنه قيل وحيث توليتم عن ذلك فقد بقيتم تحت ذلك الحمل الثقيل {وان تطيعوه} اى فيما امركم به من الطاعة {تهتدوا} الى الحق الذى هو المقصد الاقصى الموصل الى كل خير والمنجى من كل شر وتأخيره عن بيان حكم التولى لما فى تقديم الترهيب من تأكيد الترغيب {وما على الرسول} محمد ويبعد ان يحمل على الجنس لانه اعيد معرفا {الا البلاغ المبين} التبليغ الموضح لكل ما يحتاج الى الايضاح وقد فعل وانما بقى ما حملتم فان اديتم فلكم وان توليتم فعليكم، قال ابو عثمان رحمه الله من امر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن امر الهوى على نفسه نطق بالبدعة لان الله تعالى قال {وان تطيعوه تهتدوا}، يقال ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا تقبل واحدة منها بغير قرينتها: اولاها قوله تعالى {أية : واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة}تفسير : فمن صلى ولم يؤد الزكاة لم تقبل منه الصلاة: والثانية قوله تعالى {اطيعوا الله واطيعوا الرسول} فمن اطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه: والثالثة قوله تعالى {أية : ان اشكر لى ولوالديك}تفسير : فمن شكر الله فى نعمائه ولم يشكر الوالدين لا يقبل منه ذلك فاطاعة الرسول مفتاح باب القبول ويرشدك على شرف الاطاعة ان كلب اصحاب الكهف لما تبعهم فى طاعة الله وعدله دخول الجنة فاذا كان من تبع المطيعين كذلك فما ظنك بالمطيعين، قال حاتم الاصم رحمه الله من ادعى ثلاثا بغير ثلاث فهو كذاب من ادعى حب الجنة من غير انفاق ماله فهوه كذاب ومن ادعى محبة الله من غير ترك محارم الله فهو كذاب ومن ادعى محبة النبى عليه السلام من غير محبة الفقراء فهو كذاب شعر : محب درويشان كليد جنت است تفسير : واعلم ان احمد بن حنبل رحمه الله لما راعى الشريعة بين جماعة كشفوا العورة فى الحمام قيل له فى المنام ان الله تعالى جعلك اماما للناس برعايتك الشريعة: وفى المثنوى شعر : رهرو راه طريقت اين بود كاو باحكام شريعت ميرود تفسير : نسأل الله التوفيق.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} بالقول والقلب والفعل * {فَإن تَوَلَّواْ} اعرضوا عن الطاعة وهو مضارع بتاء الخطاب بدليل قوله {وعليكم ما حملتم} والاصل تتولوا حذفت احدى التائين امرهم في قوله اطيعوا على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الغيبة اذ لم يقل اطيعوا بل قال: {قُلْ أَطِيعُوا} بان امر نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ ما امروا به على الحكاية مبالغة في تبكيتهم كانه قال يقول لكم الله {اطِيعُوا} وصرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات وهو ابلغ في تبكيتهم * {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ} على محمد صلى الله عليه وسلم * {مَا حُمِّلَ} ما فرض عليه حمله اي الامانة به وهو التبليغ * {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ} من الطاعة ويجوز ان يكون تولوا فعلا ماضيا ولا تقدر فيه تاء فالضمير للغيبة فيكون بينه وبين قوله {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ} التفات. قال زيد بن سلمة: حديث : يا رسول الله إذا كان علينا أَمر اخذونا بالحق واذا كان لنا منعوناه كيف نصنع؟ فأخذ الاشعث بثوبه ليجلسه فقال ارسله اي الثوب حتى يجيبني او تغيب الشمس فقال: اسمعوا واطيعوا فانما علي ما حملت وعليهم ما حملوا تفسير : * {وَإِن تُطِيعُوهُ} في امره * {تَهْتَدُواْ} إلى الحق * {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ الا البَلاَغ} اسم مصدر اي التبليغ والمصدر بلغ المخفف اي عليه ان يبلغ اليكم الحق على لسانه بتخفيف لام بلغ ورفع الحق. {المُبِينُ} الواضح من ابان بمعنى بان والموضح من ابان بمعنى اظهر اي قد ادى صلى الله عليه وسلم الواجب عليه وهو التبليغ فان توليتم فضر عليكم او اطعتم فنفع لكم لا ضر عليه ونفعه هو حاصل بالتبليغ.

اطفيش

تفسير : {قُل} للمنافقين المذكورين {أطيعُوا الله وأطيعُوا الرَّسُول} كرر للتأكيد، ولأنه أمر بطريق التكليف بالشرع، والأول بطريق الرد {فإنْ تَولَّوا} خطاب بحذف إحدى التائين للمنافقين الذين أمر صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، غير داخل فى القول، وإلا قال على ما حملت، والمراد تولوا عن الاطاعة أو عن تبليغك أو عن قولك، وحذف لعلم بأنه مسارع فى ذلك، فلم يبق إلا أن يقال: هل تولوا أو قبلوا. {فإنَّما عليه} الجملة قامت مقام الجواب، أى لم يضره توليكم لأنه إنما عليه {ما حُمِّل} أى حمله، كلفه الله حمله مع ثقله لشدة العمل، وشدة الوحى عليه صلى الله عليه وسلم، أو المراد بتحميله أمر الله إياه به، فعبر بالتحميل مشاكلة لقوله: {وعَليْكم ما حُمِّلتم} أى حملتموه، كلفتم به مما يثقل عليكم، لأنه عمل حادث عليكم مخالف لأغراضكم، وهو حامل لما حمل فينجو ويعذر، وإن لم تتحملوا أهلكتم أنفسكم، وقدم هذا الترهيب لأنه أليق بمزيد عتوهم، لملابستهم ما يوجب العقاب، بخلاف ترك التولى فأخره فى قوله: {وإنْ تطيعوه} فى أمره مع أنه المقصود بالذات، ليكون نتيجة للترهيب، والهاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المباشر، وأقرب، وأجيز أن يكون لله عز وجل لأن أمر الرسول أمر من الله، والاهتداء الوصول الى كل خير، النجاة من كل سوء {وما على الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم، وآل للعهد الذكرى، وهو المتبادر أو لجنس الرسل المعهود فى الأذهان، فيكون كالبرهان والاحتجاج عليهم، كأنه قيل: هذا ما جرت عليه عادتنا فى الأمم ورسلهم، فهكذا على محمد صلى الله اليه وسلم، وهكذا عليكم {إلاَّ البلاغ} تحصيل البلاغ، أو اسم مصدر أى ما على الرسول إلا التبليغ. لكل ما لا بد منه {المبين} الواضح أو الموضح لما خفى.

الالوسي

تفسير : {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } كرر الأمر بالقول لإبراز كمال العناية به والإشعار باختلافهما حيث أن المقول في الأول نهي بطريق الرد والتبكيت، وفي الثاني أمر بطريق التكليف والتشريع، وفي تكرر فعل الإطاعة والعدول عن أطيعوني إلى أطيعوا الرسول ما لا يخفى من الحث على الطاعة وإطلاقها عن وصف الصحة والإخلاص ونحوهما بعد وصف طاعتهم بما تقدم للتنبيه على أنها ليست من الطاعة في شيء. وقوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ } خطاب للمنافقين الذين أمر عليه الصلاة والسلام أن يقول لهم ما سمعت وارد من قبله عز وجل غير داخل في حيز {قُلْ } على ما اختاره صاحب «التقريب» وغيره وفيه تأكيد للأمر السابق والمبالغة في إيجاب الامتثال به والحمل عليه بالترهيب والترغيب لما أن تغيير الكلام المسوق لمعنى من المعاني وصرفه عن سننه المسلوك ينبىء عن اهتمام جديد بشأنه من المتكلم ويستجلب مزيد رغبة فيه من السامع لا سيما إذا كان ذلك بتغيير الخطاب بالواسطة بالذات كما هنا، والفاء لترتيب ما بعدها على تبليغه عليه الصلاة والسلام للمأمور به إليهم، وعدم التصريح للإيذان بغاية مسارعته صلى الله عليه وسلم إلى تبليغ ماأمر به وعدم الحاجة إلى الذكر أي إن تتولوا عن الطاعة إثر ما أمركم الرسول صلى الله عليه وسلم بها {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ } أي على الرسول عليه الصلاة والسلام {مَا حُمّلَ } أي ما أمر به من التبليغ وقد شاهدتموه عند قوله {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } أي ما أمرتم به من الطاعة، ولعل التعبير بالتحميل أولاً للإشعار بثقل الوحي في نفسه، وثانياً للإشعار بثقل الأمر عليهم، وقيل: لعل التعبير بذلك في جانبهم للإشعار بثقله وكون مؤنه باقية في عهدتهم بعد كأنه قيل: وحيث توليتم عن ذلك فقد بقيتم تحت ذلك الحمل الثقيل؛ والتعبير به في جانبه عليه الصلاة والسلام للمشاكلة والفاء واقعة في جواب الشرط وما بعدها قائم مقام الجواب أو جواب على حد ما في قوله تعالى: { أية : وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 53] كأنه قيل فإن تتولوا فاعلموا أنما عليه الخ. هذا واختار بعضهم دخول الجملة الشرطية في حيز القول. قال الطيبـي: الظاهر أنه تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا يخاف مضرتهم فكان أصل الكلام قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليك ما حملت وعليهم ما حملوا بمعنى فما يضرونك شيئاً وإنما يضرون أنفسهم على الماضي والغيبة في {تَوَلَّوْاْ } فصرف الكلام إلى المضارع، والخطاب في تتولوا بحذف إحدى التاءين بمعنى فما ضررتموه وإنما ضررتم أنفسكم لتكون المواجهة بالخطاب أبلغ في تبكيتهم، وجعل ذلك جارياً مجرى الالتفات وجعله غيره التفاتاً حقيقياً من حيث إنهم جعلوا أولاً غيباً حيث أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بخطابهم بقل لهم ثم خوطبوا بأن تتولوا استقلالاً من الله تعالى لا من رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى أن حمل الآية على الخطاب الاستقلالي الغير الداخل تحت القول أدخل في التبكيت. وفي «الإحكام» [للآمدي] أنه استدل بهذه الآية على أن الأمر للوجوب لأنه تعالى أمر بالإطاعة ثم هدد بقوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ } الخ والتهديد على المخالفة دليل الوجوب. وتعقب بأنه لا نسلم أن ذلك للتهديد بل للإخبار وإن سلمنا أنه للتهديد فهو دليل على الوجوب فيما هدد على تركه ومخالفته من الأوامر وليس فيه ما يدل على أن كل أمر مهدد بمخالفته بدليل أمر الندب فإن المندوب مأمور به وليس مهدداً على مخالفته وإذا انقسم الأمر إلى مهدد عليه وغير مهدد عليه وجب اعتقاد الوجوب فيما هدد عليه دون غيره وبه يخرج الجواب عن كل صيغة أمر هدد على مخالفتها وحذر منها ووصف مخالفها بكونه عاصياً وبه يدفع أكثر ما ذكره القائلون بالوجوب في معرض الاستدلال على دعواهم فتدبر. {وَإِن تُطِيعُوهُ } فيما أمركم به عليه الصلاة والسلام من الطاعة {تَهْتَدُواْ } إلى الحق الذي هو المقصد الأصلي الموصل إلى كل خير المنجي عن كل شر، ولعل في تقديم الشق الأول وتأخير هذا إشارة إلى أن الترهيب أولى بهم وأنهم ملابسون لما يقتضيه، وفي «الإرشاد» تأخير بيان حكم الإطاعة عن بيان حكم التولي لما في تقديم الترهيب من تأكيد الترغيب وتقريبه مما هو من بابه من الوعد الكريم، وقوله تعالى: {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } اعتراض تذييلي مقرر لما قبله من أن غائلة التولي وفائدة الإطاعة مقصورتان على المخاطبين، وآل إما للجنس المنتظم له صلى الله عليه وسلم انتظاماً أولياً أو للعهد أي ما على جنس الرسول كائناً من كان أو ما على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ الموضح لكل ما يحتاج إلى الإيضاح أو الواضح في نفسه على أن المبين من أبان المتعدي بمعني بان اللازم، وقد علمتم أنه عليه الصلاة والسلام قد فعله بما لا مزيد عليه وإنما بقي ما عليكم.

ابن عاشور

تفسير : تلقين آخر للرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ بما يَرُدّ بهتانهم بقلة الاكتراث بمواعيدهم الكاذبة وأن يقتصروا من الطاعة على طاعة الله ورسوله فيما كلفهم دون ما تبرعوا به كذباً، ويختلف معنى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} بين معاني الأمر بإيجاد الطاعة المفقودة أو إيهام طلب الدوام على الطاعة على حسب زعمهم. وأعيد الأمر بالقول للاهتمام بهذا القول فيقع كلاماً مستقلاً غير معطوف. وقوله: {فإن تولوا} يجوز أن يكون تفريعاً على فعل {أطيعوا} فيكونّ فعلُ {تولوا} من جملة ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم ويكون فعلاً مضارعاً بتاء الخطاب. وأصله: تَتَولوا بتاءين حذفت منهما تاء الخطاب للتخفيف وهو حذف كثير في الاستعمال. والكلام تبليغ عن الله تعالى إليهم، فيكون ضميراً فــ{عَلَيْه ما حُمِّلَ} عائدين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون تفريعاً على فعل {قل} أيْ فإذا قلت ذلك فَتَوَلَّوْا ولم يطيعوا الخ، فيكون فعل {تولوا} ماضياً بتاء واحدة مُواجَهاً به النبي صلى الله عليه وسلم أي فإن تولوا ولم يطيعوا فإنما عليك ما حُمِّلْتَ من التبليغ وعليهم ما حُمِّلوا من تَبِعَة التكليف. كمعنى قوله تعالى: { أية : فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين } تفسير : في سورة النحل (82) فيكون في ضمائر فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} التفاتٌ. وأصل الكلام: فإنما عليك ما حُملتَ وعليهم ما حُمِّلوا. والالتفات محسن لا يحتاج إلى نكتة. وبهذين الوجهين تكون الآية مفيدة معنيين: معنى من تعلق خطاب الله تعالى بهم وهو تعريض بتهديد ووعيد، ومعنى من موعظة النبي صلى الله عليه وسلم إيَّاهم وموادعة لهم. وهذا كله تبكيت لهم ليعلموا أنهم لا يضرون بتولّيهم إلا أنفسهم. ونظيره قوله في سورة آل عمران (23 ـــ 32): { أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً } تفسير : من الكتاب (هم اليهود) يُدعَوْن إلى كتاب الله} إلى قوله: {قل أطيعوا الله والرسول فإن تَولوا فإن الله لا يحب الكافرين} واعلم أن هذين الاعتبارين لا يتأتيان في المواضع التي يقع فيها الفعل المضارع المفتتح بتاءين في سياق النهي نحو قوله تعالى: { أية : ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } تفسير : [النساء: 4] وقوله: { أية : ولا تَيمموا الخبيثَ منه تنفقون } تفسير : [البقرة: 267] وقوله: { أية : ولا تَولوا عنه وأنتم تسمعون } تفسير : في سورة الأنفال (20)، وأما قوله تعالى في سورة القتال (38) { أية : وإن تتولّوا يستبدل قوماً غيركم } تفسير : فثبتت فيه التاءان لأن الكلام فيه موجه إلى المؤمنين فلم يكن فيه ما يقتضي نسج نظمه بما يصلح لإفادة المعنيين المذكورين في سورة النور وفي سورة آل عمران. والبلاغ: اسم مصدر بمعنى التبليغ كالأداء بمعنى التأدية. ومعنى كونه مبيناً أنه فصيح واضح. وجملة: {وإن تطيعوه تهتدوا} إرداف الترهيب الذي تضمنه قوله: {وعليكم ما حملتم} بالترغيب في الطاعة استقصاء في الدعوة إلى الرشد. وجملة {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} بيان لإبهام قوله: {ما حمل}.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبَلاَغُ} (54) - قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أطِيعُوا اللهَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ طَاعَةً صَادِقَةً، واتَّبِعُوا كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ، فَفِي اتِّبَاعِهِمَا الهِدَايَةُ والرَّشَادُ، أَمَّا إِذَا تَوَلَّيْتُمْ وأَعْرَضْتُم وَتَرَكْتُم مَا جَاءَكُم بِهِ رَسُولُ اللهِ، فَعَلَى الرُّسُولِ إِبْلاَغُ الرِّسَالَةِ، وأَدَاءُ الأَمَانَةِ (عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ)، فَهِيَ مَا حَمَّلَهُ اللهُ، أَمَّا أَنْتُمْ فَقَدْ حُمِّلْتُمْ قَبُولَ ذَلِكَ، والإِيْمَانَ بِهِ وتَعْظِيمَهُ، والقِيَامَ بِمُقْتَضَاهُ. وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَبْلُغُوا الهِدَايَةَ لأَِنَّهُ يَدْعُو إِلَى صِرَاطِ اللهِ المُسْتَقِيمِ، والرَّسُولُ مُكَلَّفٌ بِدَعْوَتِكُمْ وَإِبْلاَغِكُمْ. مَا حُمِّلَ - مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ. مَا حُمِّلْتُمْ - مَا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ والانْقِيَادِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكأنه تعالى لا يريد أنْ يُغلق الباب دونهم، فيعطيهم الفرصة: جَدِّدوا طاعة لله، وجَدِّدوا طاعة لرسوله، واستدركوا الأمر؛ ذلك لأنهم عباده وخَلْقه. وكما ورد في الحديث الشريف: "حديث : لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في فلاة .. ". تفسير : ونلحظ في هذه الآية تكرار الأمر أطيعوا {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ..} [النور: 54] وفي آيات أخرى يأتي الأمر مرة واحدة، كما في الآية السابقة: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ..}تفسير : [النور: 52]، وفي {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ..}تفسير : [الأنفال: 20] وفي {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ..}تفسير : [النساء: 80] أي: أن طاعتهما واحدة. قالوا: لأن القرآن ليس كتابَ أحكام فحسب كالكتب السابقة، إنما هو كتاب إعجاز، والأصل فيه أنه مُعْجز، ومع ذلك أدخل فيه بعض الأصول والأحكام، وترك البعض الآخر لبيان الرسول وتوضيحه في الحديث الشريف، وجعل له صلى الله عليه وسلم حقاً في التشريع بنصِّ القرآن: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..}تفسير : [الحشر: 7]. والقرآن حين يُورد الأحكام يوردها إجمالاً ثم يُفصِّلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالصلاة مثلاً أمر بها الحق - تبارك وتعالى - وفرضها، لكن تفصيلها جاء في السنة النبوية المطهرة، فإنْ أردتَ التفصيل فانظر في السنة. كالذي يقول: إذا غاب الموظف عن عمله خمسة عشر يوماً يُفصَل، مع أن الدستور لم ينص على هذا، نقول: لكن في الدستور مادة خاصة بالموظفين تنظم مثل هذه الأمور، وتضع لهم اللوائح المنظِّمة للعمل. وذكرنا أن الشيخ محمد عبده سأله بعض المستشرقين: تقولون في القرآن: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ..}تفسير : [الأنعام: 38] فهات لي من القرآن: كم رغيفاً في إردب القمح؟ فما كان من الشيخ إلا أن أرسل لأحد الخبازين وسأله هذا السؤال فأجابه: في الإردب كذا رغيف. فاعترض السائل: أريد من القرآن. فردَّ الشيخ: هذا من القرآن؛ لأنه يقول: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 43]. فالأمر الذي يصدر فيه حكم من الله وحكم من رسول الله، كالصلاة مثلاً: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً}تفسير : [النساء: 103]. وفي الحديث: "حديث : الصلاة عماد الدين ". تفسير : ففي مثل هذه المسألة نقول: أطيعوا الله والرسول؛ لأنهما متواردان على أمر واحد، فجاء الأمر بالطاعة واحداً. أما في مسائل عدد الركعات وما يُقَال في كل ركعة وكوْنها سِراً أو جهراً، كلها مسائل بيَّنها رسول الله. إذن: فهناك طاعة لله في إجمال التشريع أن الصلاة مفروضة، وهناك طاعة خاصة بالرسول في تفصيل هذا التشريع، لذلك يأتي الأمر مرتين {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ..} [النور: 54]. كما نلحظ في القرآن: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ..}تفسير : [النور: 56] هكذا فحسب. قالوا: هذه في المسائل التي لم يَرِدْ فيها تشريع ونَصٌّ، فالرسول في هذه الحالة هو المشرِّع، وهذه من مميزات النبي صلى الله عليه وسلم عن جميع الرسل، فقد جاءوا جميعاً لاستقبال التشريع وتبليغه للناس، وكان صلى الله عليه وسلم هو الوحيد الذي فُوِّض من الله في التشريع. ثم يقول تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ..} [النور: 54] لأنه تعالى أعلم بحِرْص النبي على هداية القوم، وكيف أنه يجهد نفسه في دعوتهم، كما خاطبه في موضع آخر: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 3] وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنبيه: قُلْ لهم وادْعُهم مرة ثانية لتريح نفسك {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ..} [النور: 54] وإنْ كنت غير مكلَّف بالتكرار، فما عليك إلا البلاغ مرة واحدة. ومعنى: {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ..} [النور: 54] أي: من الله تعالى، فالرسول حُمِّل الدعوة والبلاغ، وأنتم حُمِّلْتم الطاعة والأداء، فعليكم أن تُؤدُّوا ما كلَّفكم الله به. {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ ..} [النور: 54] نلحظ أن المفعول في {وَإِن تُطِيعُوهُ ..} [النور: 54] مفرد، فلم يقل: تطيعوهما، لتناسب صدر الآية {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ..} [النور: 54] ذلك لأن الطاعة هنا غير منقسمة، بل هي طاعة واحدة. وقوله: {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ ..} [النور: 54] تكليفاً من الله {إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} [النور: 54] المحيط بكل تفصيلات المنهج التشريعي لتنظيم حركة الحياة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ...}.