٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن تقدير النظم بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون، فقد وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات أي الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود وسليمان عليهما السلام وغيرهما، وأنه يمكن لهم دينهم وتمكينه ذلك هو أن يؤيدهم بالنصرة والإعزاز ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمناً بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم ويأمنوا بذلك شرهم، فيعبدونني آمنين لا يشركون بي شيئاً ولا يخافون {وَمَن كَفَرَ } أي من بعد هذا الوعد وارتد {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ }. واعلم أن هذه الآية مشتملة على بيان أكثر المسائل الأصولية الدينية فلنشر إلى معاقدها: المسألة الأولى: قوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ } يدل على أنه سبحانه متكلم لأن الوعد نوع من أنواع الكلام والموصوف بالنوع موصوف بالجنس، ولأنه سبحانه ملك مطاع والملك المطاع لا بد وأن يكون بحيث يمكنه وعد أوليائه ووعيد أعدائه فثبت أنه سبحانه متكلم. المسألة الثانية: الآية تدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافاً لهشام بن الحكم، فإنه قال لا يعلمها قبل وقوعها ووجه الاستدلال به أنه سبحانه أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إخباراً على التفصيل وقد وقع المخبر مطابقاً للخبر ومثل هذا الخبر لا يصح إلا مع العلم. المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه سبحانه حي قادر على جميع الممكنات لأنه قال: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً } وقد فعل كل ذلك وصدور هذه الأشياء لا يصح إلا من القادر على كل المقدورات. المسألة الرابعة: الآية تدل على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة لأنه قال {يَعْبُدُونَنِي }، وقالت المعتزلة الآية تدل على أن فعل الله تعالى معلل بالغرض لأن المعنى لكي يعبدوني وقالوا أيضاً الآية دالة على أنه سبحانه يريد العبادة من الكل، لأن من فعل فعلاً لغرض فلا بد وأن يكون مريداً لذلك الغرض. المسألة الخامسة: دلت الآية على أنه تعالى منزه عن الشريك لقوله: {لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً } وذلك يدل على نفي الإله الثاني، وعلى أنه لا يجوز عبادة غير الله تعالى سواء كان كوكباً كما تقوله الصابئة أو صنماً كما تقوله عبدة الأوثان. المسألة السادسة: دلت الآية على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن الغيب في قوله: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً } وقد وجد هذا المخبر موافقاً للخبر ومثل هذا الخبر معجز، والمعجز دليل الصدق فدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم. المسألة السابعة: دلت الآية على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان، خلافاً للمعتزلة لأنه عطف العمل الصالح عن الإيمان والمعطوف خارج عن المعطوف عليه. المسألة الثامنة: دلت الآية على إمامة الأئمة الأربعة وذلك لأنه تعالى وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم وهو المراد بقوله ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وأن يمكن لهم دينهم المرضي وأن يبدلهم بعد الخوف أمناً، ومعلوم أن المراد بهذا الوعد بعد الرسول هؤلاء لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده ومعلوم أنه لا نبي بعده لأنه خاتم الأنبياء، فإذن المراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة ومعلوم أن بعد الرسول الاستخلاف الذي هذا وصفه إنما كان في أيام أبي بكر وعمر وعثمان لأن في أيامهم كانت الفتوح العظيمة وحصل التمكين وظهور الدين والأمن ولم يحصل ذلك في أيام علي رضي الله عنه لأنه لم يتفرغ لجهاد الكفار لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة فثبت بهذا دلالة الآية على صحة خلافة هؤلاء، فإن قيل الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي حصول الخلافة لكل من آمن وعمل صالحاً ولم يكن الأمر كذلك. نزلنا عنه، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } هو أنه تعالى يسكنهم الأرض ويمكنهم من التصرف لا أن المراد منه خلافة الله تعالى ومما يدل عليه قوله: {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } واستخلاف من كان قبلهم لم يكن بطريق الإمامة فوجب أن يكون الأمر في حقهم أيضاً كذلك. نزلنا عنه، لكن ههنا ما يدل على أنه لا يجوز حمله على خلافة رسول الله لأن من مذهبكم أنه عليه الصلاة والسلام لم يستخلف أحداً وروي عن علي عليه السلام أنه قال أترككم كما ترككم رسول الله. نزلنا عنه، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه علياً عليه السلام والواحد قد يعبر عنه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كقوله تعالى: { أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1] وقال في حق علي عليه السلام: { أية : وَٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } تفسير : [المائدة: 55] نزلنا عنه، ولكن نحمله على الأئمة الإثني عشر والجواب عن الأول أن كلمة من للتبعيض فقوله: {مّنكُمْ } يدل على أن المراد بهذا الخطاب بعضهم وعن الثاني: أن الاستخلاف بالمعنى الذي ذكرتموه حاصل لجميع الخلق فالذكور ههنا في معرض البشارة لا بد وأن يكون مغايراً له. وأما قوله تعالى: {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } فالذين كانوا قبلهم كانوا خلفاء تارة بسبب النبوة وتارة بسبب الإمامة والخلافة حاصلة في الصورتين وعن الثالث: أنه وإن كان من مذهبنا أنه عليه الصلاة والسلام لم يستخلف أحداً بالتعيين ولكنه قد استخلف بذكر الوصف والأمر بالاختيار فلا يمتنع في هؤلاء الأئمة الأربعة أنه تعالى يستخلفهم وأن الرسول استخلفهم، وعلى هذا الوجه قالوا في أبي بكر يا خليفة رسول الله، فالذي قيل إنه عليه السلام لم يستخلف أريد به على وجه التعيين وإذا قيل استخلف فالمراد على طريقة الوصف والأمر وعن الرابع: أن حمل لفظ الجمع على الواحد مجاز وهو خلاف الأصل وعن الخامس: أنه باطل لوجهين: أحدهما: قوله تعالى: {مّنكُمْ } يدل على أن هذا الخطاب كان مع الحاضرين وهؤلاء الأئمة ما كانوا حاضرين الثاني: أنه تعالى وعدهم القوة والشوكة والنفاذ في العالم ولم يوجد ذلك فيه فثبت بهذا صحة إمامة الأئمة الأربعة وبطل قول الرافضة الطاعنين على أبي بكر وعمر وعثمان وعلى بطلان قول الخوراج الطاعنين على عثمان وعلي، ولنرجع إلى التفسير. أما قوله: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } فلقائل أن يقول أين القسم المتلقى باللام والنون في {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ }، قلنا: هو محذوف تقديره: وعدهم الله(وأقسم) ليستخلفنهم أو نزل وعد الله في تحققه منزلة القسم فتلقى بما يتلقى به القسم كأنه قال اقسم الله ليستخلفنهم. أما قوله: {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } يعني {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ } هارون ويوشع وداود وسليمان وتقدير النظم ليستخلفنهم استخلافاً كاستخلاف من قبلهم من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وقرىء كما استخلف بضم التاء وكسر اللام، وقرىء بالفتح. أما قوله تعالى: {وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ } فالمعنى أنه يثبت لهم دينهم الذي ارتضى لهم وهو الإسلام، وقرأ ابن كثير وعاصم ويعقوب {وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ } ومن الإبدال بالتخفيف والباقون بالتشديد، وقد ذكرنا الفرق بينهما في قوله تعالى: { أية : بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا } تفسير : [النساء: 56]. أما قوله: {يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً } ففيه دلالة على أن الذين عناهم لا يتغيرون عن عبادة الله تعالى إلى الشرك. وقال الزجاج يجوز أن يكون في موضع الحال على معنى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات في حال عبادتهم وإخلاصهم لله ليفعلن بهم كيت وكيت ويجوز أن يكون استئنافاً على طريق الثناء عليهم. أما قوله: {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ } أي جحد حق هذه النعم {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } أي العاصون.
القرطبي
تفسير : نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ قاله مالك. وقيل: إن سبب هذه الآية أن بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم شكا جَهْد مكافحة العدوّ، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم، وأنهم لا يضعون أسلحتهم؛ فنزلت الآية. وقال أبو العالية: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين بعدما أوحي إليه خائفاً هو وأصحابه، يدعون إلى الله سرًّا وجهراً، ثم أمِر بالهجرة إلى المدينة، وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح. فقال رجل: يا رسول الله، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال عليه السلام: «حديث : لا تلبثون إلاّ يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِياً ليس عليه حديدة»تفسير : . ونزلت هذه الآية، وأظهر الله نبيّه على جزيرة العرب فوضعوا السلاح وأمنوا. قال النحاس: فكان في هذه الآية دلالة على نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله جل وعز أنجز ذلك الوعد. قال الضحاك في كتاب النقاش: هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ؛ لأنهم أهل الإيمان وعملوا الصالحات. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الخلافة بعدي ثلاثون»تفسير : . وإلى هذا القول ذهب ابن العربيّ في أحكامه، واختاره وقال: قال علماؤنا هذه الآية دليل على خلافة الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، وأن الله استخلفهم ورضي أمانتهم، وكانوا على الدِّين الذي ارتضى لهم، لأنهم لم يتقدّمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا، فاستقر الأمر لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذَبُّوا عن حَوْزة الدِّين؛ فنفذ الوعد فيهم، وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نَجَز، وفيهم نَفَذ، وعليهم ورَدَ، ففيمن يكون إذاً، وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا، ولا يكون فيما بعده. رضي الله عنهم. وحكى هذا القولَ القُشَيْرِي عن ابن عباس. واحتجُّوا بما رواه سفَيِنة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون مُلْكاً»تفسير : . قال سفينة: أمسك (عليك) خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشراً، وخلافة عثمان ثنتي عشرة سنة، وخلافة عليّ ستًّا. وقال قوم: هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلّها تحت كلمة الإسلام؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : زُوِيَتْ لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ مُلْك أمتي ما زُوِيَ لي منها»تفسير : . واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره حيث قال: والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، واستخلافهم هو أن يملّكهم البلاد ويجعلهم أهلها؛ كالذي جرى في الشأم والعراق وخراسان والمغرب. قال ابن العربي: قلنا لهم هذا وعد عام في النبوّة والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة، فنفذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حاله؛ حتى في المفتين والقضاة والأئمة، وليس للخلافة محل تنفذ فيه الموعدة الكريمة إلا من تقدّم من الخلفاء. ثم ذكر اعتراضاً وانفصالاً معناه: فإن قيل هذا الأمر لا يصح إلا في أبي بكر وحده، فأما عمر وعثمان فقُتِلا غِيلَةً، وعليّ قد نُوزِع في الخلافة. قلنا: ليس في ضمن الأمن السلامةُ من الموت بأيّ وجه كان، وأما عليّ فلم يكن نزاله في الحرب مُذْهِباً للأمن، وليس من شرط الأمن رفع الحرب إنما شرطه مِلْك الإنسان لنفسه باختياره، لا كما كان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة. ثم قال في آخر كلامه: وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين؛ فهذا نهاية الأمن والعز. قلت: هذه الحال لم تختص بالخلفاء الأربعة رضي الله عنهم حتى يُخَصُّوا بها من عموم الآية، بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين بل وغيرهم. ألا ترى إلى إغزاء قريش المسلمين في أُحُد وغيرها وخاصّة الخَنْدق، حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم فقال: {أية : إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ * هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً } تفسير : [الأحزاب: 10 ـ 11]. ثم إن الله ردّ الكافرين لم ينالوا خيراً، وأمّن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وهو المراد بقوله:{لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ}. وقوله: {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني بني إسرائيل، إذ أهلك الله الجبابرة بمصر، وأورثهم أرضهم وديارهم فقال: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} تفسير : [الأعراف: 137]. وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين، ثم إن الله تعالى أمّنهم ومكّنهم وملّكهم، فصح أن الآية عامّة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب (له) التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسكُ بالعموم. وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال أصحابه: أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال عليه السلام: «حديث : لا تلبثون إلا قليلاً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِياً ليس عليه حديدة»تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : واللَّهِ لَيُتِمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون»تفسير : . خرّجه مسلم في صحيحه؛ فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم. فالآية معجزة النبوّة؛ لأنها إخبار عما سيكون فكان. قوله تعالى: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} فيه قولان: أحدهما: يعني أرض مكة؛ لأن المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك فوُعِدوا كما وُعِدت بنو إسرائيل؛ قال معناه النقاش. الثاني: بلاد العرب والعجم. قال ابن العربيّ: وهو الصحيح؛ لأن أرض مكة محرّمة على المهاجرين، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لكن البائسُ سعد بن خَوْلة»تفسير : . يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ مات بمكة. وقال في الصحيح أيضاً: «حديث : يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً»تفسير : . واللام في {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} جواب قَسَم مُضْمَر؛ لأن الوعد قول، مجازها: قال الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات والله ليستخلفنّهم في الأرض فيجعلهم ملوكها وسكانها. {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني بني إسرائيل، أهلك الجبابرة بمصر والشأم وأورثهم أرضهم وديارهم. وقراءة العامة «كما اسْتَخْلَفَ» بفتح التاء واللام؛ لقوله: «وَعَدَ». وقولِه: «ليَسْتَخْلِفنّهم». وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضّل عن عاصم «استُخلِف» بضم التاء وكسر اللام على الفعل المجهول. {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ} وهو الإسلام؛ كما قال تعالى: {أية : وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً} تفسير : [المائدة: 3] وقد تقدّم. وروى سليم بن عامر عن المِقْداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما على ظهر الأرض بيت حجر ولا مَدَر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعزّ عزيز أو ذلّ ذليل أمّا بعزهم فيجعلهم من أهلها وأما بذلهم فيدينون بها»تفسير : . ذكره الماوردِي حجة لمن قال: إن المراد بالأرض بلاد العرب والعجم؛ وهو القول الثاني، على ما تقدم آنفاً. {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ} قرأ ابن مُحَيْصِن وابن كثير ويعقوب وأبو بكر بالتخفيف؛ من أبدل، وهي قراءة الحسن، واختيار أبي حاتم. الباقون بالتشديد؛ من بدّل، وهي اختيار أبي عبيد؛ لأنها أكثر ما في القرآن، قال الله تعالى: {أية : لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} تفسير : [يونس: 64]. وقال: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً} تفسير : [النحل: 101] ونحوه، وهما لغتان. قال النحاس: وحكى محمد بن الجَهْم عن الفَرّاء قال: قرأ عاصم والأعمش «وليبدّلنّهم» مشددة، وهذا غلط عن عاصم؛ وقد ذكر بعده غلطاً أشدّ منه، وهو أنه حكى عن سائر الناس التخفيف. قال النحاس: وزعم أحمد بن يحيـى أن بين التثقيل والتخفيف فرقاً، وأنه يقال: بدّلته أي غيّرته، وأبدلته أزلته وجعلت غيره. قال النحاس: وهذا القول صحيح؛ كما تقول: أبدِلْ لي هذا الدرهم، أي أزله وأعطني غيره. وتقول: قد بدّلت بعدنا، أي غيّرت؛ غير أنه قد يستعمل أحدهما موضع الآخر؛ والذي ذكره أكثر. وقد مضي هذا في «النساء» والحمد لله، وذكرنا في سورة «إبراهيم» الدليلَ من السنة على أن بدل معناه إزالة العين؛ فتأمله هناك. وقرىء {أية : عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا} تفسير : [القلم: 32] مخففاً ومثقلاً. {يَعْبُدُونَنِي} هو في موضع الحال؛ أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص. ويجوز أن يكون استئنافاً على طريق الثناء عليهم. {لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} فيه أربعة أقوال: أحدها: لا يعبدون إلٰهاً غيري؛ حكاه النقاش. الثاني: لا يراءون بعبادتي أحداً. الثالث: لا يخافون غيري؛ قاله ابن عباس. الرابع: لا يحبّون غيري؛ قاله مجاهد. {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي بهذه النعم. والمراد كفران النعمة؛ لأنه قال تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} والكافر بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله.
ابن كثير
تفسير : هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس، والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد. وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمناً وحكماً فيهم، وقد فعله تبارك وتعالى، وله الحمد والمنة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر وإسكندرية، وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة رحمه الله وأكرمه. ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فلمّ شعث ما وهي بعد موته صلى الله عليه وسلم وأَطَّدَ جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد رضي الله عنه، ففتحوا طرفاً منها، وقتلوا خلقاً من أهلها، وجيشاً آخر صحبة أبي عبيدة رضي الله عنه ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثاً صحبة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران، وما والاها، وتوفاه الله عز وجل، واختار له ما عنده من الكرامة. ومنَّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده قياماً تاماً، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله. وتمّ في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس. وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام، وانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله، عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة. ثم لما كانت الدولة العثمانية، امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جداً، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن، ولهذا ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها» تفسير : فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا. قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً» تفسير : ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت عني، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قال: «حديث : كلهم من قريش»تفسير : . ورواه البخاري من حديث شعبة عن عبد الملك بن عمير به، وفي رواية لمسلم: أنه قال ذلك عشية رجم ماعز بن مالك، وذكر معه أحاديث أخر، وفي هذا الحديث دلالة على أنه لابد من وجود اثني عشر خليفة عادلاً، وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثني عشر، فإن كثيراً من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء، فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش، يلون فيعدلون، وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمة متتابعاً ومتفرقاً، وقد وجد منهم أربعة على الولاء، وهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنه، ثم كانت بعدهم فترة، ثم وجد منهم من شاء الله، ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله تعالى. ومنهم المهدي الذي اسمه يطابق اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد بن جهمان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً» تفسير : وقال الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} الآية، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وإلى عبادته وحده لا شريك له سراً، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة، فقدموها، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح، ويصبحون في السلاح، فغبروا بذلك ما شاء الله، ثم إن رجلاً من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لن تغبروا إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليست فيه حديدة» تفسير : وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله تعالى قبض نبيه صلى الله عليه وسلم فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا فيه، فأدخل عليهم الخوف، فاتخذوا الحجزة والشرط، وغيروا فغير بهم، وقال بعض السلف: خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حق في كتاب الله، ثم تلا هذه الآية. وقال البراء بن عازب: نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد، وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [الأنفال: 26]. وقوله تعالى: {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} كما قال تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 129] الآية، وقال تعالى: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [القصص: 5] الآيتين. وقوله: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ} الآية، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم حين وفد عليه: «حديث : أتعرف الحيرة؟» تفسير : قال: لم أعرفها، ولكن قد سمعت بها. قال: «حديث : فو الذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز» تفسير : قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «حديث : نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد»تفسير : . قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان عن أبي سلمة عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والدين، والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب»تفسير : . وقوله تعالى: {يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً} قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة عن أنس: أن معاذ بن جبل حدثه قال: بينا أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، قال: «حديث : يا معاذ»تفسير : . قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ثم سار ساعة، ثم قال: «حديث : يا معاذ بن جبل»تفسير : . قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: «حديث : يا معاذ بن جبل»تفسير : . قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: «حديث : هل تدري ما حق الله على العباد؟» تفسير : قلت: الله ورسوله أعلم.. قال: «حديث : فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً»تفسير : . قال: ثم سار ساعة، ثم قال: «حديث : يا معاذ بن جبل»تفسير : . قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: «حديث : فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» تفسير : قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم»تفسير : ، أخرجاه في "الصحيحين" من حديث قتادة. وقوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} أي: فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك، فقد خرج عن أمر ربه، وكفى بذلك ذنباً عظيماً، فالصحابة رضي الله عنهم لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأوامر الله عز وجل، وأطوعهم لله، كان نصرهم بحسبهم، أظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيدهم تأييداً عظيماً، وحكموا في سائر العباد والبلاد، ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر، نقص ظهورهم بحسبهم، ولكن قد ثبت في "الصحيحين" من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلمأنه قال: «حديث : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة ــــ وفي رواية: حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ــــ وفي رواية: ــــ حتى يقاتلوا الدجال ــــ وفي رواية: ــــ حتى ينزل عيسى بن مريم وهم ظاهرون» تفسير : وكل هذه الروايات صحيحة، ولا تعارض بينها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } بدلاً عن الكفار {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ } بالبناء للفاعل والمفعول {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من بني إسرائيل بدلاً عن الجبابرة {وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ } وهو الإِسلام بأن يظهره على جميع الأديان ويوسع لهم في البلاد فيملكونها {وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ } بالتخفيف والتشديد {مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ } من الكفار {أَمْناً } وقد أنجز الله وعده لهم بما ذكر وأثنى عليهم بقوله: {يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً } هو مستأنف في حكم التعليل {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ } الإِنعام منهم به {فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ } وأوّل من كفر به قتَلة عثمان رضي الله عنه فصاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخواناً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعِمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ليَسَتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ} فيه قولان: أحدهما: يعني أرض مكة، لأن المهاجرين سألوا الله ذلك، قاله النقاش. والثاني: بلاد العرب والعجم، قاله ابن عيسى. روى سليم بن عامر عن المقدام بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {حديث : لاَ يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ بَيْتُ حَجَرٍ وَلاَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الإِسْلاَمِ بِعزٍّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلٍّ ذَلِيلٍ، إما يعزهم فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون لها ". تفسير : {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} فيه قولان: أحدهما يعني بني إسرائيل في أرض الشام. الثاني: داود وسليمان. {وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} يعني دين الإِسلام وتمكينه أن يظهره على كل دين. {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِم أَمْناً} لأنهم كانوا مطلوبين فطلبوا، ومقهورين فقهروا. {يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: لا يعبدون إلهاً غيري، حكاه النقاش. الثاني: لا يراءون بعبادتي أحداً. الثالث: لا يخافون غيري، قاله ابن عباس. الرابع: لا يحبون غيري، قاله مجاهد. قال الضحاك: هذه الآية في الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم وهم الأئمة المهديون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخِلاَفَةُ بَعْدِي ثَلاَثونَ سَنَةً ".
ابن عطية
تفسير : قرأ الجمهور "استخلَف" على بناء الفعل للفاعل، وقرأ أبو بكر عن عاصم والأعرج، "استُخلِف" على بناء الفعل للمفعول، وروي أن سبب هذه الآية أن أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شكا جهد مكافحة العدو وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزلت هذه الآية عامة لأمة محمد عليه السلام، وقوله {في الأرض} يريد في البلاد التي تجاورهم والأصقاع التي قضى بامتدادهم إليها، و"استخلافهم" هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها كما جرى في الشام وفي العراق وخراسان والمغرب، وقال الضحاك في كتاب النقاش هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي لأنهم أهل الإيمان وعمل الصالحات، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الخلافة بعدي ثلاثون سنة " تفسير : قال الفقيه الإمام القاضي : والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، واللام في قوله {ليستخلفنهم} لام القسم، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر " ليبَدّلنهم" بفتح الباء وشد الدال، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر والحسن وابن محيصن بسكون الباء وتخفيف الدال، وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال أصحابه: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تغبرون إلا قليلاً حتى يجلس الرجل منكم في الملأِ العظيم محتبياً ليس فيه حديدة" تفسير : ، وقوله {يعبدونني} فعل مستأنف أي هم يعبدونني، قوله {ومن كفر} يحتمل أن يريد كفر هذه النعم إذا وقعت ويكون "الفسق" على هذا غير المخرج عن الملة، قال بعض الناس في كتاب الطبري ظهر ذلك في قتلة عثمان رضي الله عنه، ويحتمل أن يريد الكفر والفسق المخرجين عن الملة وهو ظاهر قول حذيفة بن اليمان فإنه قال كان على عهد النبي نفاق وقد ذهب ولم يبق إلا كفر بعد إيمان، ولما قدم تعالى شرط عمل الصالحات بينها في هذه الآية، فنص على عظمها وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وعم بطاعة الرسول لأنها عامة لجميع الطاعات، و {لعلكم} معناه في حقكم ومعتقدكم، ثم أنحى القول على الكفرة بأن نبه على أنهم ليسوا بمفلتين من عذاب الله، وقرأ جمهور السبعة "لا تحسبن" بالتاء على المخاطبة للنبي عليه السلام، وقرأها الحسن بن أبي الحسن بفتح السين، وقرأ حمزة وابن عامر " لا يحسبن" بالياء قال أبو علي، وذلك يحتمل وجهين أحدهما أن يكون التقدير لا يحسبن محمد والآخر أن يسند الفعل إلى {الذين كفروا} والمفعول أنفسهم، وأعجز الرجل، إذا ذهب في الأرض فلم يقدر عليه ثم أخبر بأن "مأواهم النار" وأنها بئس الخاتمة والمصير.
ابن عبد السلام
تفسير : {الأَرْضِ} بلاد العرب والعجم، أو أرض مكة؛ لأن المهاجرين سألوا الله ـ تعالى ـ ذلك {الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} بنو إسرائيل في أرض الشام، أو داود وسليمان ـ عليهما الصلاة والسلام ـ {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ} بإظهاره على كل دين {لا يُشْرِكُونَ} لا يعبدون إلهاً غيري، أو لا يراؤون بعبادتي، أو لا يخافون غيري "ع"، أو لا يحبون غيري. قيل هي في الخلفاء الأربعة. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخلافة بعدي ثلاثون ".
النسفي
تفسير : ثم ذكر المخلصين فقال {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ولمن معه و {منكم} للبيان. وقيل: المراد به المهاجرون و «من» للتبعيض {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } أي أرض الكفار. وقيل: أرض المدينة. والصحيح أنه عام لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : ليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل»تفسير : {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ } استخلف أبو بكر {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ } {وليبدلنهم} بالتخفيف: مكي وأبو بكر {مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً } وعدهم الله أن ينصر الاسلام على الكفر ويورثهم الأرض ويجعلهم فيها خلفاء كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة، وأن يمكن الدين المرتضى وهو دين الاسلام، وتمكينه تثبيته وتعضيده وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى قال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فنزلت فقال عليه الصلاة والسلام «حديث : لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة»تفسير : فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وافتتحوا أبعد بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا. والقسم المتلقى باللام والنون في {ليستخلفنهم} محذوف تقديره وعدهم الله وأقسم ليستخلفنهم، أو نزل وعد الله في تحققه منزلة القسم فتلقى بما يتلقى به القسم كأنه قيل: أقسم الله ليستخلفنهم {يَعْبُدُونَنِى } إن جعلته استئنافاً فلا محل له كأنه قيل: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟ فقال: يعبدونني موحدين، ويجوز أن يكون حالاً بدلاً من الحال الأولى. وإن جعلته حالاً عن وعدهم أي وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم فمحله النصب {لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً } حال من فاعل يعبدون أي يعبدونني موحدين، ويجوز أن يكون حالاً بدلاً من الحال الأولى. {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ } أي بعد الوعد والمراد كفران النعمة كقوله تعالى: {أية : فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ { تفسير : [النحل: 112] {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } هم الكاملون في فسقهم حيث كفروا تلك النعمة الجسيمة وجسروا على غمطها. قالوا: أول من كفر هذه النعمة قتلة عثمان رضي الله عنه فاقتتلوا بعدما كانوا إخواناً وزال عنهم الخوف، والآية أوضح دليل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية. تقدير النظم: بلِّغ أيها الرسول وأطيعوا أيها المؤمنون فقد {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ} أي: الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين، كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود وسليمان عليهما السلام - وغيرهما، وأنه يمكن لهم دينهم، وتمكينه ذلك بأن يؤيدهم بالنصر والإعزاز، ويبدلهم من بعد خوفهم من العدوّ أمناً، بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم، ويأمنوا بذلك شرهم. قال أبو العالية: مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الوحي بمكة عشر سنين مع أصحابه، وأمروا بالصبر على أذى الكفار، فكانوا يصبحون ويمسون خائفين، ثم أمروا بالهجرة إلى المدينة، وأمروا بالقتال، وهم على خوفهم لا يفارق أحد منهم سلاحه، فقال رجل منهم: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع السلاح فأنزل الله هذه الآية: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} أدخل اللام لجواب اليمين المضمرة، يعني: والله ليستخلفنهم في الأرض ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم فيجعلهم ملوكها وسكانها {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. (قال قتادة: داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء. وقيل): {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني: بني إسرائيل، حيث أهلك الجبابرة بمصر والشام، وأورثهم أرضهم وديارهم. روى عدي بن حاتم قال: "حديث : أتينا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أتى إليه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع النسل، فقال: "يا عدي هل رأيت الحيرة؟" قلت: لم أرها وقد أتيت فيها: قال: "فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله" قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين قد سعوا البلاد، "وإن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى". قلت: كسرى بن هرمز، "ولئن طالت بك حياة لترين الرجل من مكة يخرج ملأ كفه من ذهب، أو ذهب يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبله، وليلقين الله أحدكم يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، وليقولن: "ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالاً وأتفضل عليك" فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا الجنة، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم"تفسير : . قال عدي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اتقوا النار ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد تمراً فبكلمة طيبة" تفسير : - قال عدي فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله تعالى وكنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "حديث : يخرج (الرجل ملأ كفه) ". تفسير : قوله: "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ" فيه وجهان: أحدهما: هو جواب قسم مضمر، أي: أقسم ليستخلفنهم، ويكون مفعول الوَعْدِ محذوفاً تقديره: وَعَدَهُم الاسْتِخْلاَف، لدلالة قوله: "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ" عليه. والثاني: أن يُجْرَى "وَعَدَ" مجرى القسم لتحقُّقه، فلذلك أجيب بما يجاب به القسم. قوله: "كَمَا اسْتَخْلَفَ" أي: اسْتِخْلاَفاً كَاسْتِخْلاَفِهِمْ. والعامة على بناء اسْتَخْلَفَ للفاعل. وأبو بكر بناه للمفعول. فالموصول منصوب على الأول ومرفوع على الثاني. قوله: "ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ". قرأ ابن كثير وأبو بكر: "وَليُبْدلَنَّهُمْ" بسكون الباء وتخفيف الدال من أبدل وتقدم توجيهها في الكهف في قوله: {أية : أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا} تفسير : [الكهف: 81]. قوله: "يَعْبُدُونَنِي" فيه سبعة أوجه: أحدها: أنه مستأنف، أي: جواب لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ما بالهم يُسْتَخْلَفُونَ ويؤمنون؟ فقيل: "يَعْبُدُونَنِي". والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هم يَعْبُدُونَنِي، والجملة أيضاً استئنافية تقتضي المدح. الثالث: أنه حال من مفعول "وَعَدَ اللَّهُ". الرابع: أنه حال من مفعول "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ". الخامس: أن يكون حالاً من فاعله. السادس: أن يكون حالاً من مفعول "لَيُبَدِّلَنَّهُمْ". السابع: أن يكون حالاً من فاعله. قوله: "لاَ يُشْرِكُونَ". يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً من فاعل "يَعْبُدُونَنِي" أي: يعبدونني موحدين، وأن يكون بدلاً من الجملة التي قبله الواقعة حالاً، وتقدم ما فيها. فصل دلّ قوله: "وَعَدَ اللَّهُ" على أنه متكلم، لأن الوعد نوع من أنواع الكلام، والموصوف بالنوع موصوف بالجنس، ولأنه تعالى ملك مطاع، والملك المطاع لا بُدّ وأن يكون بحيث يمكنه وعد أوليائه ووعيد أعدائه، فثبت أنه سبحانه متكلم. فصل ودلت الآية على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافاً لهشام بن الحكم، فإنه قال: لا يعلمها قبل وقوعها. ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إخباراً على التفصيل. وقد وقع المخبر مطابقاً للخبر، ومثل هذا الخبر لا يصح إلا مع العلم. فصل ودلت الآية على أنه تعالى حي قادر على جميع الممكنات لقوله: "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرْضِ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً" وقد فعل كل ذلك، وصدور هذه الأشياء لا يصح إلا من القادر على كل الممكنات المقدورات. فصل ودلت الآية على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة، لأن قال: "يَعْبُدُونَنِي". وقالت المعتزلة: الآية تدل على أن فعل الله تعالى معلل بالغرض، لأنَّ المعنى: لكي يعبدونني. وقالوا أيضاً: الآية تدل على أنه سبحانه يريد العبادة من الكل، لأنّ من فعل فعلاً لغرض، فلا بدَّ وأن يكون مريداً لذلك الغرض. فصل ودلت الآية على أنه سبحانه منزه عن الشريك، لقوله: {لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} وذلك يدل على نفي الإله الثاني، وعلى أنه لا يجوز عبادة غير الله سبحانه. فصل ودلت الآية على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر عن الغيب بقوله: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} وقد وجد هذا المخبر موافقاً للخبر، ومثل هذا الخبر معجز، والمعجز دليل الصدق، فدل على صدق محمد عليه السلام. فصل دلت الآية على أنّ العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان، خلافاً للمعتزلة، لأنه عطف العمل الصالح على الإيمان، والمعطوف خارج عن المعطوف عليه. فصل دلت الآية على إمامة الأئمة الأربعة، لأنه تعالى وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين في زمان محمد - عليه السلام - بقوله: "مِنْكُمْ" بأنه يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وأن يمكن لهم دينهم المرضي، وأن يبدلهم بعد الخوف أمناً، ومعلوم أن المراد بهذا الوعد بعد الرسول هؤلاء، لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده، ومعلوم ألا نبيّ بعده، لأنه خاتم الأنبياء، فإذن المراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة، ومعلوم أن بعد الرسول لا يحصل هذا الاستخلاف إلاّ في أيام أبي بكر وعمر وعثمان، لأنّ في أيامهم كان الفتوح العظيم، وحصل التمكن، وظهر الدين والأمن، ولم يحصل ذلك في أيام عليّ - كرم الله وجهه - لأنه لم يتفرغ لجهاد الكفار، لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة، فثبت بهذا دلالة الآية على صحة خلافة هؤلاء. فإن قيل: الآية متروكة الظاهر، لأنها تقتضي حصول الخلافة لكل من آمن وعمل صالحاً، ولم يكن الأمر كذلك، نزلنا عنه، ولكن لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله: "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ" هو أنه تعالى أسكنهم في الأرض، ومكنهم من التصرف، لأنّ المراد خلافة الله، ويدل عليه قوله: {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} واستخلاف من كان قبلهم لم يكن بطريق الأمانة، فوجب أن يكون الأمن في حقهم أيضاً، كذلك نزلنا عنه، لكن هاهنا ما يدل على أنه لا يجوز حمله على خلافة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن من مذهبكم أنه - عليه السلام - لم يستخلف أحداً، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "أنزلتكم كما نزلت نبي الله" فعبر عنه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1]، وقال في حق علي - رضي الله عنه -: {أية : ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} تفسير : [المائدة: 55]، نزلنا عنه، ولكن نحمله على الأئمة الاثني عشر؟ والجواب عن الأول: أن كلمة "مِنْ" للتبعيض، فقوله: "مِنْكُمْ" يدل على أنَّ المراد من هذا الخطاب بعضهم. وعن الثاني: أن الاستخلاف بالمعنى الذي ذكرتموه حاصل لجميع الخلق، والمذكور هاهنا في معرض البشارة، فلا بدَّ وأن يكون مغايراً له. وأما قوله تعالى: {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} فالذين كانوا قبلهم قد كانوا خلفاء تارة بسبب النبوة وتارة بسبب الملك، فالخلافة حاصلة في الصورتين. وعن الثالث: أنه وإن كان مذهبنا أنه عليه السلام لم يستخلف أحداً بالتعيين، ولكن قد استخلف بذكر الوصف والأمر والإخبار، فلا يمتنع في هؤلاء أنه تعالى استخلفهم، وأن الرسول استخلفهم، وعلى هذا الوجه قالوا في أبي بكر - رضي الله عنه - خليفة رسول الله، والذي قيل: إنه عليه السلام لم يستخلف أريد به على وجه التعيين، وإذا قيل: استخلف فالمراد على طريق الوصف والأمر. وعن الرابع: أن حمل لفظ الجمع على الواحد مجاز، وهو خلاف الأصل. وعن الخامس: أنه باطل لوجهين: أحدهما: قوله تعالى: "مِنْكُمْ" يدل على أنّ الخطاب كان مع الحاضرين، وهؤلاء الأئمة ما كانوا حاضرين. الثاني: أنه تعالى وعدهم القوة والشوكة والبقاء في العالم، ولم يوجد ذلك فيهم. فثبت بهذا صحة إمامة الأئمة الأربعة، وبطل قول الرافضة الطاعنين على أبي بكر وعمر وعثمان، وعلى بطلان قول الخوارج، الطاعنين على عثمان وعلي. قوله: {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ} أراد كفر النعمة، ولم يرد الكفر بالله تعالى، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} العاصون لله عز وجل. قال المفسرون: أول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان، فلما قتلوه غير الله ما بهم وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخواناً. روى حميد بن هلال قال: قال عبد الله بن سلام في عثمان: إن الملائكة لم تزل محيطة بمدينتكم هذه منذ قدمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى اليوم، فوالله لئن قتلتموه لتذهبون ثم لا تعودون أبداً، فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقي الله أجذم لا يد له، وإن سيف الله لم يزل مغموداً عنكم، والله لئن قتلتموه ليسللنه الله - عز وجل - ثم لا يغمده عنكم إما قال أبداً، وإما قال إلى يوم القيامة، فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفاً، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفاً. وروى علي بن الجعد قال: أخبرني حماد - وهو ابن سلمة - عن ابن دينار عن سعيد بن جهمان عن سَفِينَة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : الخلافة ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً، ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر، وعثمان اثني عشر، وعلي ست"تفسير : . قال علي: "قلت لحماد: سفينة القائل لسعيد: أمسك؟ قال: نعم".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء في قوله {وعد الله الذين آمنوا منكم} الآية. قال: فينا نزلت ونحن في خوف شديد. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له، سراً وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال وكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح، ويصبحون في السلاح، فغيروا بذلك ما شاء الله، ثم إن رجلاً من أصحابه قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لن تغيروا إلا قليلاً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليست فيهم جديدة" فأنزل الله {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض...} إلى آخر الآية. فاظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح، ثم إن الله قبض نبيه، فكانوا كذلك آمنين في امارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا، وكفروا النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفع عنهم، واتخذوا الحجر والشرط، وغيروا فغير ما بهم ". تفسير : وأخرج ابن المنذر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن أبي بن كعب قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله؟ فنزلت {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات...} . وأخرج أحمد وابن مردويه واللفظ له والبيهقي في الدلائل عن أبي بن كعب قال: حديث : لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات} قال: بشر هذه الأمة بالسنا، والرفعة، والدين، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {ليستخلفنهم} بالياء {في الأرض كما استخلف} برفع التاء وكسر اللام {وليمكنن} بالياء مثقلة {وليبدلنهم} مخففة بالياء. وأخرج عبد بن حميد عن عطية {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} قال: أهل بيت ههنا وأشار بيده إلى القبلة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} قال: هو الإِسلام. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس {يعبدونني لا يشركون بي شيئاً} قال: لا يخافون أحداً غيري. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {يعبدونني لا يشركون بي شيئاً} قال: لا يخافون أحداً غيري {ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} قال: العاصون. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية {ومن كفر بعد ذلك} قال: كفر بهذه النعمة ليس الكفر بالله. وأخرج ابن مردويه عن أبي الشعثاء قال: كنت جالساً مع حذيفة وابن مسعود فقال حذيفة: ذهب النفاق، إنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو اليوم الكفر بعد الإِيمان، فضحك ابن مسعود ثم قال: بم تقول؟ قال: بهذه الآية {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات..} إلى آخر الآية. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض} قال: سابقين في الأرض والله تعالى أعلم.
ابو السعود
تفسير : قوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ} استئنافٌ مقرِّرٌ لما في قوله تعالى: {أية : وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } تفسير : [النور: 54] من الوعد الكريمِ ومُعربٌ عنه بطريق التَّصريحِ ومبـينٌ لتفاصيلِ ما أُجمل فيه من فنون السَّعاداتِ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّة التي هي من آثار الاهتداءِ ومتضمِّنٌ لما هو المرادُ بالطَّاعة التي نيطَ بها الاهتداءُ والمرادُ بالذين آمنُوا كلُّ من اتَّصف بالإيمان بعد الكُفر على الإطلاق من أيِّ طائفةٍ كان وفي أيِّ وقتٍ كان لا مَن آمنَ من طائفةِ المُنافقين فقط ولا مَن آمنَ بعد نزولِ الآيةِ الكريمةِ فحسب ضرورةَ عمومِ الوعد الكريم للكلِّ كافَّةً فالخطاب في منكم لعامَّةِ الكَفَرةِ لا للمنافقين خاصَّةً ومِن تبعيضيَّةٌ. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} عطفٌ على آمنُوا داخلٌ معه في حيِّزِ الصِّلةِ وبه يتمُّ تفسيرُ الطَّاعةِ التي أُمر بها ورُتِّب عليها ما نُظم في سلك الوعدِ الكريمِ كما أُشير إليه. وتوسيطُ الظَّرف بـين المعطُوفينِ لإظهار أصالةِ الإيمانِ وعراقتِه في استتباع الآثارِ والأحكامِ وللإيذانِ بكونِه أوَّلَ ما يُطلب منهم وأهمَّ ما يجبُ عليهم، وأمَّا تأخيرُه عنهما في قولِه تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } تفسير : [المائدة: 9] فلأنَّ مِن هناك بـيانيَّةٌ والضَّميرُ للذين معه عليه السَّلامُ من خُلَّصِّ المؤمنين ولا ريبَ في أنَّهم جامعون بـين الإيمان والأعمال الصَّالحةِ مثابرون عليهما فلا بُدَّ من ورود بـيانِهم بعد ذكر نُعوتهم الجليلة بكمالِها، هذا ومَن جعلَ الخطابَ للنَّبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وللأُمةِ عُموماً على أنَّ مِن تبعيضيَّةٌ أوْ له عليهِ السَّلامُ ولمن معه من المُؤمنينَ خُصوصاً على أنَّها بـيانيَّةٌ فقد نَأَى عمَّا يقتضيهِ سباقُ النَّظمِ الكريمِ وسياقُه بمنازلَ، وأبعدَ عمَّا يليقُ بشأنه عليه السَّلامُ بمراحلَ {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ} جوابٌ للقسم إمَّا بالإضمار أو بتنزيل وعدِه تعالى منزلةَ القسمِ لتحقُّق إنجازِه لا محالةَ أي ليجعلنَّهم خلفاءَ مُتصرِّفين فيها تصرُّفَ الملوكِ في ممالكهم أو خَلَفاً من الذين لم يكونُوا على حالهم من الإيمانِ والأعمالِ الصَّالحةِ. {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} هم بنوُ إسرائيلَ استخلفهم عزَّ وجلَّ في مصرَ والشَّامَ بعد إهلاكِ فرعونَ والجبابرةِ أو هُم ومَن قبلهم من الأمم المؤمنةِ التي أُشير إليهم في قولِه تعالى: { أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} تفسير : [إبراهيم: 9] إلى قوله تعالى: { أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [إبراهيم: 13] ومحلُّ الكافِ النَّصبُ على أنَّه مصدرٌ تشبـيهيٌّ مؤكِّدٌ للفعل بعد تأكيدِه بالقسم وما مصدريةٌ أي ليستخلفنَّهم استخلافاً كائناً كاستخلافِه للذينَ من قبلِهم. وقُرىء كما استُخلفَ على البناء للمفعول فليس العاملُ في الكاف حينئذٍ الفعل المذكور بل ما يدلُّ هو عليه من فعلٍ مبنيَ هو للمفعول جارٍ منه مجرى المطاوعِ فإنَّ استخلافَه تعالى إيَّاهم مستلزمٌ لكونِهم مستخلَفين لا محالة كأنَّه قيل: ليستخلفنَّهم في الأرض فيُستخلفُنَّ فيها استخلافاً أيْ مستخلفيَّةً كائنةً كمستخلفيَّةِ مَن قبلهم وقد مرَّ تحقيقُه في قوله تعالى: { أية : كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} تفسير : [البقرة: 108] ومن هذا القَبـيلِ قوله تعالى: { أية : وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} تفسير : [آل عمران: 37] على أحدِ الوجهينِ أي فنبتتْ نباتاً حسناً وعليه قولُ مَن قال: [الطويل] شعر : وعضَّةُ دَهْرٍ يا ابنَ مَرْوَانَ لَم تَدَع مِن المَالِ إلا مُسحَتٌ أو مُجلَّفُ تفسير : أي فلم يبق إلا مُسحتٌ الخ {وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ} عطفٌ على ليستخلفنَّهم منتظم معه في سلك الجوابِ وتأخيرُه عنه مع كونه أجلَّ الرَّغائبِ الموعودة وأعظمها لما أنَّ النُّفوسَ إلى الحظوظِ العاجلة أميلُ فتصدير المواعيد بها في الاستمالةِ أدخلُ والمعنى ليجعلنَّ دينَهم ثابتاً مُقرَّراً بحيثُ يستمرُّون على العمل بأحكامِه ويرجعون إليهِ في كلِّ ما يأتُون وما يذرُون والتَّعبـيرُ عن ذلك بالتَّمكينِ الذي هو جُعل الشَّيءِ مكاناً لآخرَ يُقال: مكَّن له في الأرضِ أي جعلها مقرًّا له ومنه قولُه تعالى: { أية : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الكهف: 84] ونظائرُه، وكلمة في للإيذانِ بأنَّ ما جُعل مقرًّا له قطعةٌ منها لا كلُّها للدِّلالةِ على كمال ثبات الدِّين ورصانةِ أحكامِه وسلامتِه من التَّغيـيرِ والتَّبديلِ لابتنائه على تشبـيهِه بالأرض في الثَّبات والقرار مع ما فيه من مُراعاةِ المُناسبة بـينه وبـين الاستخلافِ في الأرضِ. وتقديمُ صلةِ التَّمكينِ على مفعوله الصَّريحِ للمُسارعةِ إلى بـيان كونِ الموعودِ من منافعِهم تشويقاً لهم إليه وترغيباً لهم في قبوله عند ورودِه ولأنَّ في توسيطها بـينَهُ وبـينَ وصفِه أعني قوله تعالى: {ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ} وفي تأخيرِها عنه من الإخلالِ بجَزَالةِ النَّظمِ الكريم ما لا يَخْفى وفي إضافة الدِّين إليهم وهو دينُ الإسلامِ ثم وصفُه بارتضائه لهم تأليفٌ لقلوبِهم ومزيدُ ترغيبٍ فيه وفضلُ تثبـيتٍ عليه. {وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ} بالتَّشديدِ وقُرىء بالتَّخفيفِ من الإبدالِ {مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ} أي من الأعداءِ {مِنَ} حيثُ كان أصحابُ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم قبل الهجرةِ عشرَ سنين بل أكثرَ خائفين ثم هاجرُوا إلى المدينةِ وكانوا يُصبحون في السِّلاحِ ويُمسون كذلك حتى قالَ رجلٌ منهم: ما يأتي علينا يومٌ نأمنُ فيه؟ فقالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : لا تعبُرون إلاَّ يسيراً حتى يجلسَ الرَّجلُ منكم في الملإِ العظيمِ مُحتبـياً ليس معه حديدةٌ » تفسير : فأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآيةَ وأنجز وعدَه وأظهرَهم على جزيرةِ العربِ وفتح لهم بلادَ الشَّرقِ والغربِ وصاروا إلى حالٍ يخافُهم كلُّ مَن عداهُم. وفيه من الدِّلالةِ على صحَّة النُّبوةِ للإخبارِ بالغيبِ على ما هُو عليه قبل وقوعِه ما لا يخفى. وقيل: المرادُ الخوفُ من العذابِ والأمنُ منه في الآخرةِ {يَعْبُدُونَنِى} حالٌ من الموصول الأوَّلِ مفيدةٌ لتقيـيد الوعد بالثَّباتِ على التَّوحيدِ، أو استئنافٌ ببـيانِ المُقتضي للاستخلافِ وما انتظم معه في سلكِ الوعدِ {لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً} حالٌ من الواوِ أي يعبدوننِي غيرَ مشركين بـي في العبادة شيئاً {وَمَن كَفَرَ} أي اتَّصف بالكُفر بأنْ ثبتَ واستمرَّ عليه ولم يتأثَّر بما مرَّ من التَّرهيب والتَّرغيبِ فإنَّ الإصرارَ عليه بعد مُشاهدةِ دلائلِ التَّوحيدِ كفرٌ مستأنفٌ زائدٌ على الأصل، وقيل: كفرَ بعد الإيمانِ وقيل: كفرَ هذه النِّعمةَ العظيمةَ، والأوَّلُ هو الأنسبُ بالمقامِ {بَعْدَ ذَلِكَ} أي بعد ذلك الوعدِ الكريمِ بما فُصِّل من المطالب العاليةِ المستوجبةِ لغاية الاهتمامِ بتحصيلها والسعيِ الجميلِ في حيازتِها {فَأُوْلَـئِكَ} البُعداءُ عن الحقِّ التائهون في تيهِ الغَواية والضَّلال {هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} الكاملون في الفِسق والخروجِ عن حُدودِ الكُفر والطُّغيانِ.
القشيري
تفسير : وَعْدُ الله حقٌّ وكلامُه صدقٌ، والآية تدل على صحة الخلفاء الأربعة لأنه - بالإجماع - لم يتقدمهم في الفضيلة - إلى يومنا - أحدٌ؛ فأولئك مقطوعٌ بإمامتهم، وصدَق وعدُ الله فيهم، وهم على الدين المرضيِّ من قِبلِ الله، ولقد أَمِنُوا بعد خوفهم، وقاموا بسياسة المسلمين، والذَّبِّ عن حوزة الإسلام أحسنَ قيام. وفي الآية إشارة إلى أئمة الدين الذين هم أركان المِلَّة ودعائم الإسلام، الناصحون لعباده، الهادون مَنْ يسترشِدُ في الله؛ إذ الخلَلُ في أمر المسلمين من الولاةِ الظَّلمَة ضَرَرُه مقصورٌ على ما يتعلَّق بأحكام الدنيا، فأَما حفَّاظُ الدين فهم الأئِمة من العلماء وهم أصناف: قومٌ هم حفَّاظ أخبار الرسول عليه السلام وحفّاظُ القرآن وهم بمنزلة الخزنةِ، وقوم هم علماءُ الأصولِ الرادُّون على أهلِ العِناد وأصحابِ البِدَع بواضح الأدلة، وهم بطارِقةٌ الإسلام وشجعانُه. وقوم هم الفقهاء المرجوعُ إليهم في علوم الشريعة من العبادات وكيفية المعاملات وما يتعلق بأحكام المصاهرات وحكم الجراحات والدِّيَّات، وما في معاني الأَيْمانِ والنذور والدعاوى، وفصل الحُكم في المنازعات وهم في الدين بمنزلة الوكلاء والمتصرفين في المُلْك. وقوم هم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وهم في الدِّين كخواصِّ المَلِك وأعيان مجلس السلطان؛ فالذين معمورٌ بهؤلاء - على اختلافهم إلى يوم القيامة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وعد الله الذين آمنوا منكم وعلموا الصالحات} الخطاب لعامة الكفرة ومن تبعيضية او له عليه السلام ولمن معه من المؤمنين ومن بيانية وتوسيط الظرف بين المعطوفين لاظهار اصالة الايمان {ليستخلفنهم فى الارض} جواب للقسم اما باضمار على معنى وعدهم الله واقسم ليستخلفنهم او بتنزيل وعده تعالى منزلة القسم لتحقق انجازه لا محالة اى ليجعلنهم خلفاء متصرفين فى الارض تصرف الملوك فى ممالكهم، قال الكاشفى [فى الارض: درزمين كفار ازعرب وعجم] لقوله عليه السلام "ليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل"، قال الراغب الخلافة النيابة عن الغير اما لغيبة المنوب عنه واما لموته واما لعجزه واما لتشريف المستخلف وعلى هذا الوجه الاخير استخلف الله اولياءه فى الارض {كما استخلف الذين من قبلهم} اى استخلافا كائنا كاستخلاف الذين من قبلهم وهم بنوا اسرائيل استخلفهم الله فى مصر والشام بعد اهلاك فرعون والجبابرة {وليمكنن لهم دينهم} التمكين جعل الشىء مكانا لآخر يقال مكن له فى الارض اى جعلها مقرا له، قال فى تاج المصادر التمكين [دست دادن وجاى دادن] يقال مكنتك ومكنت لك مثل نصحتك ونصحت لك، وقال ابو على يجوز ان يكون على حد ردف لكم انتهى. والمعنى ليجعلن دينهم مقررا ثابتا بحيث يستمرون على العمل باحكامه من غير منازع {الذى ارتضى لهم} الارتضاء [بسنديدن] كما فى التاج. قال فى التأويلات النجمية يعنى يمكن كل صنف من الخلفاء حمل امانته التى ارتضى لهم من انواع مراتب دينهم فانهم ائمة اركان الاسلام ودعائم الملة الناصحون لعباده الهادون من يسترشد فى الله حفاظ الدين وهم اصناف. قوم هم حفاظ اخبار الرسول عليه السلام وحفاظ القرآن وهم بمنزلة الخزنة. وقوم هم علماء الاصول من الرادين على اهل العناد واصحاب البدع بواضح الادلة غير مخلطين الاصول بعلوم الفلاسفة وشبههم فانها مهلكة عظيمة لا يسلم منها الا العلماء الراسخون والاولياء القائمون بالحق وهم بطارقة الاسلام وشجعانه. وقوم هم الفقهاء الذين اليهم الرجوع فى علوم الشريعة من العبادات وكيفية المعاملات وهم فى الدين بمنزلة الوكلاء والمتصرفين فى الملك. وآخرون هم اهل المعرفة واصحاب الحقائق وارباب السلوك الكاملون المكملون وهم خلفاء الله على التحقيق واقطاب العالم وعمد السماء واوتاد الارض بهم تقوم السموات والارض وهم فى الدين كخواص الملك واعيان مجلس السلطان فالدين معمور بهؤلاء على اختلاف طبقاتهم الى يوم القيامة {وليبدلنهم} التبديل جعل الشىء مكان آخر وهو اعم من العوض فان العوض هو ان يصير لك الثانى باعطاء الاول والتبديل يقال للتغيير وان لم تأت ببدله: والمعنى بالفارسية [وبدل دهد ايشانرا] {من بعد خوفهم} من الاعداء {امنا} منهم واصل الامن طمانينة النفس وزوال الخوف كان اصحاب النبى عليه السلام قبل الهجرة اكثر من عشر سنين خائفين ثم هاجروا الى المدينة وكانوا يصبحون فى السلاح ويمسون فيه حتى انجز الله وعده فاظهرهم على العرب كلهم وفتح لهم بلاد الشرق والغرب شعر : دمبدم صيت كمال دولت خدام او عرصه روى زمين راسر بسر خواهد كرفت شاهباز همتش جون بر كشايد بال قدر ازثريا تا ثرى در زير برخواهد كرفت تفسير : {يعبدوننى} حال من الذين آمنوا لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد {لايشركون بى شيئا} حال من الواو اى يعبدوننى غير مشركين بى فى العباد شيئا {ومن كفر} ومن ارتد {بعد ذلك} الوعد او اتصف بالكفر بان ثبت واستمر عليه ولم يتأثر بمامر من الترغيب والترهيب فان الاصرار عليه بعد مشاهدة دلائل التوحيد كفر مستأنف زائد على الاصل او كفر هذه النعمة العظيمة {فاولئك هم الفاسقون} الكاملون فى الفسق والخروج عن حدود الكفر والطغيان، قال المفسرون اول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان رضى الله عنه فلما قتلوه غير الله ما بهم من الامن وادخل عليهم الخوف الذى رفع عنهم حتى صاروا يقتلون بعد ان كانوا اخوانا متحابين والله تعالى لا يغير نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بانفسهم وفى الحديث "حديث : اذا وضع السيف فى امتى لا يرفع عنها الى يوم القيامة"تفسير : : وفى المثنوى شعر : هرجه باتوا آيد از ظلمات غم آن زبى شرمى وكستاخيست هم تفسير : قال ابراهيم بن ادهم رحمه الله مشيت فى زرع انسان فنادانى صاحبه يا بقر فقلت غير اسمى بزلة فلو كثرت لغير الله معرفتى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (ليستخلفنهم): جواب لقسم مضمر، أو تنزيل وعْده تعالى منزلة القسم، و (كما): الكاف: محلها النصب على المصدر التشبيهي، أي: استخلافاً كائناً كاستخلافه مَنْ قَبْلَهُمْ. و (ما): مصدرية. و (يعبدونني): حال من الموصول الأول، مقيدة للوعد بالثبات على التوحيد، أو استئنافٌ ببيان مقتضى الاستخلاف، و (لا يشركون): حال من واو (يعبدونني). يقول الحق جل جلاله: {وعد الله الذين آمنوا منكم} أي: كل من اتصف بالإيمان بعد الكفر من أي طائفة كان، وفي أي وقت وجد، لا من آمن من المنافقين فقط، ولا من آمن بعد نزول الآية الكريمة، بحسب ظهور الوعد الكريم. و (من): للبيان. وقيل: للتبعيض، ويراد المهاجرون فقط. {وعملوا} مع الإيمان الأعمال {الصالحات}، وتوسيط المجرور بين المَعْطُوفَيْنِ؛ لإظهار أصالة الإيمان وعراقته في استتباع الآثار والأحكام، والإيذان بكونه أول ما يطلب منهم، وأهم ما يجب عليهم. وأما تأخيره في قوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً} تفسير : [الفتح: 29]؛ فإن الضمير للذين آمنوا معه صلى الله عليه وسلم؛ فلا ريب أنهم جامعون بين الإيمان والأعمال الصالحة، مثابون عليها، فلا بد من ورود بيانهم بعد نعوتهم الجليلة بكمالها. ثم ذكر الموعود به، فقال: {لَيستخلفنَّهم في الأرض} أي: لَيجعلهم خلفاء متصرفين فيها تصرف الملوك في مماليكهم، والمراد بالأرض: أرض الكفار كلها، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : ليدخلن هذا الدين ما دخل الليل والنهار" تفسير : ، {كما استخلف الذين مِن قبلهم}؛ كبني إسرائيل، استخلفهم الله في مصر والشام، بعد إهلاك فرعون والجبابرة، ومَنْ قَبْلَهم مِن الأمم المؤمنة التي استخلفهم الله في أرض من أهلكه الله بكفره. كما قال تعالى: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [إبراهيم: 13]. {وليُمَكِّنَنَّ لهم دينَهم}: عطف على {ليستخلفنهم}، داخل معه في سلك الجواب، وتأخيره عنه مع كونه أصل الرغائب الموعودة وأعظمها؛ لأن النفوس إلى الحظوظ العاجلة أميل، فَتصْدير المواعد بها في الاستمالة أدخل، والمعنى: ليجعل دينهم ثابتاً متمكناً مقرراً لا يتبدل ولا يتغير، ولا تنسخ أحكامه إلى يوم القيامة. ثم وصف بقوله: {الذي ارتضى لهم}، وهو دين الإسلام، وصفه بالارتضاء؛ تأليفاً ومزيدَ ترغيب فيه وفضْلَ تثبيت عليه. {وليُبدِّلنهُمْ} بالتشديد والتخفيف من الإبدال، {من بعد خوفهم} من الأعداء {أمناً}. نزلتْ حيث كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة عشر سنين، أو أكثر، خائفين، ولَمَّا هاجروا كانوا بالمدينة يُصْبِحُون في السلاح ويُمْسُون فيه، حتى قال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع السلاح، فلما نزلت، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا تصبرون إلا يسيراً حتى يَجْلِسَ الرجل منكم في الملأِ العظيم، مُحْتبياً، ليس معه حديدة"تفسير : ، فأنجز الله وعده، فأمِنُوا، وأظهرهم على جزيرة العرب، وفتح لهم بلاد المشرق والمغرب، ومزقوا ملك الأكاسرة، وملكوا خزائنهم، واستولوا على الدنيا بحذافيرها. وفيه من الإخبار بالغيب ما لا يخفى. وقيل: الخوف والأمن في الآخرة. ثم مدحهم بالإخلاص فقال: {يعبدونني} وحدي، {لا يُشركون بي شيئاً} أي: حال كونهم موحدين غير مشركين بي شيئاً من الأشياء، شركاً جلياً ولا خفياً؛ لرسوخ محبتهم، فلا يُحبون معه غيره، {ومن كَفَر بعد ذلك} أي: بعد الوعد الكريم، كفرانَ النعمة، أو الرجوع عن الإيمان، كما فعل أهلُ الردة، {فأولئك هم الفاسقون}؛ الكاملون في الفسق، حيث كفروا تلك النعمة بعد ظهور عزها وأنوارها، قيل: أول من كفر هذه النعمة قتلةُ عثمان رضي الله عنه؛ فاقتتلوا بعد ما كانوا إخواناً. والآية أوضح دليل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين؛ لأن المستخلَفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات على ما ينبغي هم الخلفاء - رضي الله عنهم -. ولمّا كان كفر من كفر بعد الوعد إنما كان بمعنى بمنع الزكاة، قرَنَه مع الصلاة في الأمر به فقال: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاةَ}؛ فمن فرّق بينهما فقد كفر، وكان من الفاسقين. {وأطيعوا الرسولَ} فيما دعاكم إليه وأمركم به، ومن جملة ما أمر به: طاعة أمرائه وخلفائه؛ لقوله: "عليكم بسنتي، وسنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ"، فمن امتنع من دفع الزكاة لخليفته - كما فعل أهل الردة - فقد كفر، ومن أداها إليه كما أمره الله فقد استوجب الرحمة، لقوله: {لعلكم تُرحمون} أي: لكي تُرحموا، فإنها من مُسْتَجلبَاتِ الرحمة. والله تعالى أعلم. الإشارة: سنة الله تعالى في خواصه: أن يُسلط عليهم في بدايتهم الخَلْقَ، فينُزل بهم الذلَ والفقرَ والخوفَ من الرجوع عن الطريق، ثم يُعزهم، ويُمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ويبدلهم من بعد خوفهم أمناً، كما قال الشاذلي رضي الله عنه: اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا... إلخ كلامه. قال القشيري: وفي الآية إشارة إلى أئمة الدين، الذين هم أركان السُنَّة ودعائم الإسلام، الناصحون لعباد الله، الهادون من يسترشد في الله. ثم قال: فأما حُفاظ الدين؛ فهم الأئمة والعلماء الناصحون لدين الله، وهم أصناف: قومٌ هم حفَّاظُ أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، وحُفّاظُ القرآن، وهم بمنزلة الخزنة، وقوم هم علماء الأصول، الرادُّون على أهلِ العناد، وأصحاب الابتداع، بواضح الأدلة، وهم بطارِقَةُ الإسلام وشجعانُه، وقوم وهم الفقهاء المرجوعُ إليهم في علوم الشريعة وفي العبادات وكيفية المعاملات، وهم من الدين بمنزلة الوكلاء والمتصرفين في المُلْك، وآخرون هم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق، وهم في الدِّين كخواص الملك وأعيان مجلس السلطان وأرباب الأسرار، الذين لا يبرحون في عالي مجلس السلطان، فالدين معمورٌ بهؤلاء على اختلافهم إلى يوم القيامة. هـ. تقدم ومثله في قوله: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} تفسير : [التوبة: 122]. والله تعالى أعلم. ثم ذكر الفريق الثالث، وهم الكفرة ظاهراً وباطناً، فقال: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ...}
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو بكر عن عاصم {وليبدلنهم} بالتخفيف. الباقون بالتشديد. وقرأ ابو بكر عن عاصم {كما استخلف} بضم التاء على ما لم يسم فاعله. الباقون بفتحها. قال ابو علي: الوجه فتح التاء، لأن اسم الله قد تقدم ذكره، والضمير فى {يستخلفنهم} يعود الى الاسم، فكذلك قوله {كما استخلف} لان المعنى ليستخلفنهم استخلافاً كاستخلافه الذين من قبلهم. ومن ضم التاء ذهب الى ان المراد به مثل المراد بالفتح. فى هذه الآية وعد من الله تعالى للذين آمنوا من اصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) وعملوا الصالحات، بأن يستخلفهم فى الارض، ومعناه يورثهم أرض المشركين من العرب والعجم {كما استخلف الذين من قبلهم} يعني بني اسرائيل بأرض الشام بعد اهلاك الجبابرة بأن أورثهم ديارهم وجعلهم سكانها. وقال الجبائي: {استخلف الذين من قبلهم} يعني فى زمن داود وسليمان. وقال النقاش: يريد بالأرض أرض مكة، لان المهاجرين سألوا ذلك، والاول قول المقداد بن الاسود، وروى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "حديث : لا يبقى على الارض بيت مدر، ولا وبر إلا ويدخله الاسلام بعز عزيز أو ذل ذليل". تفسير : وفي ذلك دلالة على صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنه أخبر عن غيب وقع مخبره على ما أخبر، وذلك لا يعلمه إلا الله تعالى {وليمكنن لهم دينهم الذي أرتضى لهم} يعني يمكنهم من إظهار الاسلام الذي ارتضاه ديناً لهم {وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً} أي نصرهم بعد أن كانوا خائفين بمكة وقت غلبة المشركين آمنين بقوة الاسلام وانبساطه. ثم اخبر عن المؤمنين الذين وصفهم بأنهم يعبدون الله تعالى وحده لا يشركون بعبادته سواه من الاصنام والاوثان وغيرهما. ويجوز ان يكون موضعه الحال. ويجوز أن يكون مستأنفاً. ثم قال {ومن كفر بعد ذلك} يعني بعد الذي قصصنا عليك ووعدناهم به {فأولئك هم الفاسقون} وإنما ذكر الفسق بعد الكفر مع أن الكفر أعظم من الفسق، لأحد امرين: احدهما - انه أراد الخارجين في كفرهم الى أفحشه، لان الفسق في كل شيء هو الخروج الى اكبره. الثاني - أراد من كفر تلك النعمة بالفساد بعدها، فسق وليس يعني الكفر بالله، ذكره ابو العالية. والتبديل - تغيير حال الى حال أخرى، تقول: بدل صورته تبديلا، وتبدل تبدلا، والابدال رفع الشيء بأن يجعل غيره مكانه، قال ابو النجم: شعر : عزل الامير بالأمير المبدل تفسير : والتبديل رفع الحال الى حال أخرى. والابدال رفع النفس الى نفس أخرى. والأصل واحد، وهو البدل. واستدل الجبائي، ومن تابعه على إمامة الخلفاء الأربعة بأن قال: الاستخلاف المذكور فى الآية لم يكن إلا لهؤلاء، لأن التمكين المذكور في الآية إنما حصل في أيام ابي بكر وعمر، لان الفتوح كانت فى أيامهم، فأبو بكر فتح بلاد العرب وطرفاً من بلاد العجم، وعمر فتح مداين كسرى الى حد خراسان وسجستان وغيرهما، فاذا كان التمكين والاستخلاف ها هنا ليس هو إلا لهؤلاء الائمة الأربعة. واصحابهم علمنا أنهم محقون. والكلام على ذلك من وجوه: احدها - ان الاستخلاف - ها هنا - ليس هو الامارة والخلافة. بل المعنى هو ابقاؤهم فى أثر من مضى من القرون، وجعلهم عوضاً منهم وخلفاً، كما قال {أية : هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} تفسير : وقال {أية : عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض} تفسير : وقال {أية : وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء} تفسير : وكقوله {أية : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} تفسير : أي جعل كل واحد منهما خلف صاحبه، وإذا ثبت ذلك، فالاستخلاف والتمكين الذي ذكره الله في الآية، كانا في أيام النبي (صلى الله عليه وسلم) حين قمع الله اعداءه وأعلا كلمته ونشر ولايته، واظهر دعوته، وأكمل دينه، ونعوذ بالله أن نقول: لم يمكّن الله دينه لنبيه في حياته حتى تلا فى ذلك متلاف بعده، وليس ذلك التمكين كثرة الفتوح والغلبة على البلدان، لأن ذلك يوجب أن دين الله لم يتمكن بعد الى يومنا هذا لعلمنا ببقاء ممالك للكفر كثيرة لم يفتحها المسلمون، ويلزم على ذلك إمامة معاوية وبني أمية، لأنهم تمكنوا اكثر من تمكن أبي بكر وعمر، وفتحوا بلاداً لم يفتحوها. ولو سلمنا أن المراد بالاستخلاف الامالة للزم أن يكون منصوصاً عليهم، وذلك ليس بمذهب اكثر مخالفينا، وإن استدلوا بذلك على صحة إمامتهم احتاجوا أن يدلوا على ثبوت امامتهم بغير الآية، وانهم خلفاء الرسول حتى تتناولهم الآية. فان قالوا: المفسرون ذكروا ذلك. قلنا: لم يذكر جميع المفسرين ذلك، فان مجاهداً قال: هم أمة محمد (صلى الله عليه وسلم). وعن ابن عباس وغيره: قريب من ذلك. وقال أهل البيت (ع) إن المراد بذلك المهدي (ع) لأنه يظهر بعد الخوف، ويتمكن بعد ان كان مغلوباً، فليس فى ذلك اجماع المفسرين. وهذا أول ما فيه. قد استوفينا ما يتعلق بالآية في كتاب الامامة، فلا نطول بذكره - ها هنا - وقد تكلمنا على نظير هذه الآية، وان ذلك ليس بطعن على واحد منهم، وانما المراد الممانعة من أن يكون فيها دلالة على الامامة، وكيف يكون ذلك. ولو صح ما قالوه لما احتيج الى اختياره، ولكان منصوصاً عليه، وليس ذلك مذهباً لأكثر العلماء، فصح ما قلناه.
الجنابذي
تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما لمطيع الرّسول؟- او ما لمن اهتدى الى الايمان الحقيقىّ؟- فقال: وعد الله ووعده لا خلف فيه {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ} بالبيعة العامّة النّبويّة او بالبيعة الخاصّة الولويّة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الّلازمات للايمان حتّى يستقرّ ايمانهم {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} يجعلهم خلفاء الماضين او خلفاء نفسه {فِي ٱلأَرْضِ} اى ارض العالم الصّغير او ارض العالم الكبير بان يخرج الجبابرة المسلّطين عليها عنها او يجعلهم منقادين للاسلام طوعاً او كرهاً {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} فى الصّغير او الكبير. اعلم، انّ الفاظ القرآن لسعته لا تحمل على معنىً واحدٍ ولا على وجهٍ واحدٍ بل كان المنظور منها جميع معانيها بجميع وجوهها لسعة المتكلّم والمخاطب بها، فالايمان اذا اريد به الاسلام الحاصل بالبيعة العامّة النّبويّة يجوز ان يراد بالعمل الصّالح الاعمال الّلازمة للاسلام، وان يراد بالاستخلاف التّسلّط الصّورىّ والغلبة فى الدّنيا كما ورد انّه لمّا قدم رسول الله (ص) واصحابه المدينة وآواهم الانصار رَمَتَهم العرب عن قوسٍ واحدة وكانوا لا يبيتون الاّ مع السّلاح ولا يصبحون الاّ فيه، فقالوا: ترون انّا نعيش حتّى نبيت آمنين مطمئنّين لا نخاف الاّ الله؟- فنزلت هذه الآية وصدقت بعد الغلبة على المدينة ونواحيها وانقياد العرب لهم او بعد فتح مكّة كما قيل: انّها نزلت فى فتح مكّة، وفى روايةٍ عن رسول الله (ص): زُويِت لى الارض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك امّتى ما زوى لى منها، وفى خبرٍ عن المقداد عن رسول الله (ص) انّه لا يبقى على الارض بيت مدرٍ ولا وبرٍ الاّ ادخله الله تعالى كلمة الاسلام بعزّ عزيز او ذلّ ذليل امّا ان يعزّهم الله فيجعلهم من اهلها وامّا ان يذلّهم فيدينون لها وعلى هذا فمعنى قوله {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ} ليسلّطنّهم على مخالفيهم حتّى يمكنهم اظهار كلمة الاسلام ولوازمها، ويجوز ان يراد بالعمل الصّالح البيعة الولويّة الايمانيّة وبالاستخلاف الاستخلاف فى العلم والتّصرّف بالنّسبة الى العالم الصّغير او الى العالم الكبير، ويجوز ان يراد بالاستخلاف استخلاف لطيفتهم الولويّة الّتى تظهر بصورة ولىّ الامر فى ملكهم الصّغير، واذا قويت وتمكّنت صارت خليفةً لله فى العلم والعمل فى الصّغير والكبير، ويجوز ان يراد بالاستخلاف الاستخلاف فى النّبوّة او الرّسالة بعد استخلاف اللّطيفة الولويّة، واذ اريد بالايمان الايمان الحاصل بالبيعة الولويّة يجوز ان يراد بالاستخلاف الاستخلاف فى الملك او الاستخلاف فى العلم والعمل، او الاستخلاف بظهور صورة ولىّ الامر، او الاستخلاف فى النّبوّة والرّسالة، واذا اريد بالايمان الايمان الشّهودىّ الّذى لا يكون الاّ بشهود ملكوت ولىّ الامر جاز ان يراد بالعمل الصّالح البقاء على الحضور عنده، وبالاستخلاف الاستخلاف فى النّبوّة او الرّسالة، والى هذه المعانى وتلك الوجوه اشير فى الاخبار فانّه فسّر الّذين آمنوا تارةً بالمسلمين وتارةً بالمؤمنين القابلين للولاية بالبيعة الخاصّة الولويّة، وتارةً بالكاملين فى الايمان من الائمّة الاطهار (ع)، والاستخلاف تارةً بالاستخلاف فى الملك وتارةً بالاستخلاف فى العلم والدّين والعبادة، وتارةً بالاستخلاف فى ظهور القائم (ع) من اراد الاخبار فليرجع الى المفصّلات {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ} من الاعداء الظّاهرة فى الكبير ومن الاعداء الباطنة فى الصّغير {أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي} بشيء من انواع الشّرك الصّورىّ او الباطنىّ {شَيْئاً} من الاصنام والاهوية والشّركاء فى الولاية {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} الخارجون عن حكم الله ودينه فانّ من لم يبلغ الى هذا المقام وبقى استعداد للدّخول فيه كان كأنّه غير خارج من طريق الانسانيّة وان لم يكن داخلاً فيها بالدّخول التّكليفىّ او السّلوكىّ بعد بخلاف من وصل الى هذا المقام وخرج بعد منه فانّه خرج من القوّة الى الفعل وبالخروج من هذا المقام يبطل الفعليّة ولا يكون فيه قوّة واستعداد فيكون هو الفاسق حقيقةً، واذا اريد بالّذين آمنوا المؤمنون التّابعون للائمّة (ع) من الشّيعة كان انجاز الوعد فى حال الحيٰوة الدّنيا او فى حال الاحتضار.
الهواري
تفسير : قوله: {وَعَدَ اللهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لِيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} من الأنبياء والمؤمنين {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَى لَهُمْ} أي: لينصرنّهم بالإِسلام حتى يظهرهم على الدّين كلّه فيكونوا الحكامَ على أهل الأديان. ذكروا عن ميمون بن مهران الجزري أن عمر بن عبد العزيز قال: الله أجل وأعظم من أن يتخذ في الأرض خليفة واحداً، والله يقول: {وَعَدَ اللهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ}، ولكني أثقلكم حملاً. قال: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} كقوله: {أية : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} تفسير : فارس والروم، (أية : فآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ) تفسير : [الأنفال:26]. قال: {يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ}. يقول: من أقام على كفره بعد هذا الذي أنزلت فأولئك هم الفاسقون، أي: فسق الشرك. قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} أي: الصلوات الخمس. وإقامتها أن يُحَافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. {وَءَاتُوا الزَّكَاةَ} يعني الزكاة المفروضة {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} أي: فيما أمركم ودعاكم إليه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي: فإنكم ترحمون إذا فعلتم ذلك. قوله: {لاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} أي: لا تحسبنَّهم يسبقوننا حتى لا نقدر عليهم فنحاسبهم، وحسابهم أن يكون مأواهم النار {وَلَبِئسَ المَصِيرُ} أي: المرجع والمأوى، أي: المنزل.
اطفيش
تفسير : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْض} يجعلهم خلفاء يتصرفون في الارض تصرف الملوك في مملوكاتهم ويزيل الملك عن المشركين والمنافقين. وقد صدق وعده بان فتح لهم البلاد العربية والعجمية مكث صلى الله عليه وسلم بعد الوحي مع اصحابه عشر سنين وامروا بالصبر على اذى الكفار فكانوا يصبحون يمسون خائفين ثم امروا بالهجرة إلى المدينة وامروا بالقتال وهم على خوفهم في المدينة لا يفارق احدا منهم سلاحه فقال رجل ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فنزلت الآية فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما بقي إِلا قليل حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس فيه حديدة " تفسير : قال المخالفون: عن الضحاك ان الذين آمنوا هم عمر وابو بكر وعثمان وعلي وان استخلافهم امامتهم العظمى وسيأتي قد مرّ أيضا ما يدل على بطلان دخول عثمان وعلي في ذلك ومفعول وعدد محذوف اي اعدهم للاستخلاف وليستخلفنهم جواب لمحذوف اي وعدهم الاستخلاف واقسم ليستخلفنهم أو جواب للوعد لتحققه في منزلة القسم فيجاب كالقسم. {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من بني اسرائيل بعد هلاك الجبابرة بمصر والشام وغيرهما والمسلمين الذين من قبلهم مطلقا من بني اسرائيل وغيرهم ودخل في ذلك الانبياء وغيرهم اورثهم ارضهم واموالهم. وقرأ ابو بكر استخلف بالبناء للمفعول فاذا ابتدأ ضم الهمزة ومن بناه للفاعل إذا أبدى كسرها * {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ} يثبته لهم وينصرهم ويعملون به ظهورا * {الَّذِي ارْتَضَى} اختاره * {لَهُمْ} وقد اظهره والحمد لله وهو دين الاسلام على سائر الاديان ووسع لهم في البلاد وملكوها * {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ} يعوضنهم. وقرأ ابن كثير وابو بكر باسكان الباء وتخفيف الدال من الابدال والاول من التبديل * {مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ} من الكفار * {أَمْناً} ضد الخوف. قال عدي بن حاتم حديث : بينما أَنا عند النبي صلى الله عليه وسلم اذ اتاه رجل فشكا إليه الفاقة اي (الفقر) ثم اتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم ارها ولقد انبئت عنها قال: فان طالت بك الحياة فلترين الظعينة أي المرأة في هودج ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا الا الله قلت في نفسي: فاين هؤلاء الذين قد اخذوا البلاد؟ قال: ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد احدا يقبله منه وليلقين الله احدكم يوم القيامة وليس بينهما ترجمان يترجم له اي ترجمان من جنسه والا فهناك ملك يتكلم بما اراد الله . تفسير : فكأنه قال ليس بين احدكم وبين ملك الله ترجمان كما كان النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا ترجمانا بين الملك والعباد أو ليس بين كلامه تعالى وبين احدكم ترجمان بل يخلق الله تعالى كلاما يسمعه بلا متكلم به فانه قادر على خلق الارض مستقلا بنفسه فليقولن:"ألم أبعث اليك رسولا فيبلغك" فيقول بلى يا رب فيقول: الم اعطك مالا وافضل عليك فيقول: بلى فينظر عن يمينه فلا يرى الا جهنم وينظر عن شماله فلا يرى الا جهنم. قال عدي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد شق تمرة فكلمة طيبة " تفسير : قال عدي: فرأيت الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف الا الله وكنت فيمن فتح كنوز كسرى ولئن طالت حياة لترون ما قال ابو القاسم يخرج ملء كف الرجل ذهبا ولا يؤخذ منه؛ ذكره أبو عبدالله محمد ابن اسماعيل. وفي ايام ابي بكر وعمر وعثمان وعليّ بعدهم كانت الفتوح العظيمة وتمكن الدين لاهله. (والاستخلاف) في الآية تملك المسلمين اموال الكفار وقد وقع ذلك في آيات دليل صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. وعن سفانة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حديث : الخلافة ثلاثون سنة ثم تكون ملكا . تفسير : قال القرطبي: تدور رحى الاسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين وسبع وثلاثين. وكانت خلافة ابي بكر سنتين قيل وثلاثة اشهر وقيل سنتين وثلاثة اشهر وواحد وعشرين يوما وكانت خلافة عمر عشر سنين وستة اشهر. قيل: وعشرة ايام. وكانت خلافة عثمان اثنتي عشرة سنة. وقيل: الا اربعة عشر يوما. وكانت خلافة علي اربع سنين وتسعة اشهر. وخلافة الحسن ستة اشهر ثم نزل عنها. ورأيت في شرح مسلم الآتي ان خلافة عثمان اثنتا عشرة سنة الا عشرة ايام. وقيل: الا ثمانية ايام والمراد بالسنة وذلك كله العام والذي يحفظ عن الجواهري العلامة ابي الفضل ان خلافة ابي بكر سنتان واربعة اشهر الا عشرة ايام وخلافة عمر عشر سنين وثلاثة اشهر وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة وخلافة علي سنتان وثمانية اشهر وتسعة عشر يوما. وقيل: المراد في الآية الخوف من العذاب والامن منه في الآخرة. {يَعْبُدُونَنِي} مستأنف في حكم التعليل وهو لبيان مقتضى استخلافهم وامنهم او حال من (الذين) او من الضمير (هم) في (ليستخلفنهم) أو في (ليبدلنهم) وفي ذلك تقييد للوعد بالثبات على التوحيد وما يترتب عليه {لاَ يَشْرِكُون بِي شَيْئاً} الجملة حال من واو (يعبدونني) {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ} الانعام منهم والانعام يحصل بانجاز الوعد وحصول الخلافة والمراد بالكفر كفر النعمة وهو المسمى عندنا كفر النفاق أو المراد كفر الشرك بالارتداد * {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقَونَ} الكاملون في النفاق أو الشرك وقيل: من كفر بعد هذا الذي نزلت فاولئك هم الفاسقون فسق شرك. واقول والله اعلم بغيبه: أن اول من كفر تلك النعمة وجحد حقها عثمان بن عفان جعله المسلمون على انفسهم واموالهم ودينهم فخانهم في كل ذلك زاد في مسجد رسول الله صل الله عليه وسلم ووسعه وابتاع من قوم وابى آخرون فغصبهم فصاحوا به فسيرهم للحبس وقال قد فعل بكم عمر هذا فلم تصيحوا به فكلمه فيهم عبدالله بن خالد بن اسيد فاطلقهم من السجن وقد جمع في ذلك غصب المال وقذف عمر رضي الله عنه وعزل سعد بن ابي وقاص عن الكوفة بلا حدث منه رضي الله عنه واستعمل اخاه لامه وهو الوليد بن عقبة ونزل {أية : واتقوا فتنة}تفسير : بحضرة ابي بكر وعمر رضي الله عنهما وعثمان وعلي فقال لعثمان بك تفتح وبك تنشب وقال لعلي: انت امامها وزمامها وقائدها تمشي فيها مشي البعير في قيده. وقا: لضرس بعض الجلوس في نار جهنم اعظم من جبل احد وقال: يثور دخانها تحت قدمي رجل يزعم انه مني وليس مني الا ان اوليائي المتقون واول ما نقم المسلمون على عثمان انه لم ينفذ ما اوصاه به عمر في ابنه عبيدالله وقد قتل جفينه والهرمزان في السوق بخنجر وقد اسلما وحسن اسلامهما. وقيل: (جفينة) نصراني لامرهما ابا لؤلؤة بقتل ابيه فيما قيل فاوصى الستة الذين جعل الامامة شورى بينهم ومن ولي منكم فليكلف ابني عبيدالله البينة انهما امرا ابا لؤلؤة بقتلي فان لم يات بها فليقد بهما فجعل عثمان يعتل بعلل وعبيدالله يدعي بينة غائبة وعبيدالله هذا ولد في عهد رسول الله ولم يرو عنه؛ حدّه عمر في الخمر. وقعد في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنبر وكان ابو بكر نزل درجة وعمر درجتين وادخل عثمان الحكم ابن ابي العاص طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه المدينة وقد طرده صلى الله عليه وسلم إلى جزيرة تسمى دهلك لانه هجاه بسبعين بيتا من شعر فقال اللهم اني لا احسن الشعر فالعنه بكل بيت وقد كلم ابا بكر عثمان واناس من بني امية في ادخاله فقال قد ضللت إذاً وما انا من المهتدين. ولما تولى عمر كلموه فاغلظ عليهم ولما تولى عثمان ادخله واعطاه مائة ألف درهم من فيء المسلمين واعطى مروان بن الحكم خمس المال المجلوب من افريقية حين فتحت واخاه الحارث بن الحكم مائة الف درهم من صدقة البحرين وعبدالله بن خالد بن اسيد بن ابيّ ستمائة ألف درهم من صدقة البصرة وارسل اليه أبو موسى الاشعري بمال عظيم من صدقة البصرة فقسمه بين اولاده واهله بالصحائف وحمى مواطن المطر من ارض البادية لاهله وخاصته وعزل عمال عمر بلا حدث وهم فقهاء من السابقين الاولين واستعمل السفهاء من أهل بيته وقرابته؛ استبدل بالصالح الطالح وبالعالم الجاهل استعمل الوليد بن عقبة اخاه لامه على الكوفة وهو طالح واستعمل عبدالله بن عامر على البصرة وهو ابن خاله وعبدالله بن سعد بن ابي سرح على مصر وهو اخوه من الرضاعة ويعلا بن امية على اليمن وهو حليف لبني امية وأسيد بن الاخنس ابن شريق الثقفي حليف بني زهرة وهو ابن عمة عثمان ولم يدع صالحا الا عزله واستعمل من يرجو طاعته ونصره. عزل عمارا عن الكوفة وكان اميرا عليها وعلى الصلاة والقضاء وعزل عنها ابن مسعود وكان على بيت المال فيها وعزل عنها عثمان بن حبيب وكان على خراجها وارضها وصلى عثمان بالناس في منى اربع ركعات وكان صلى الله عليه وسلم والخليفتان بعده يصلون بها اثنتين وحرق المصاحف لما نسخا وحرم قراءة ابن مسعود وابيّ بن كعب وامر ان يقرأ الناس على حرف واحد ومن خالف مثل به. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سره ان يقرأ القرآن غضا كيوم انزل فليقرأ قراءة ابن ام عبد"تفسير : وهو ابن مسعود واستلف من مال الله مالا عظيما وابى ان يرده وكان الوليد المذكور تلعب السحرة بين يديه ويشرب الخمر ويصلي سكران بها وما اقام عليه حدا ولا عزله وقتل دينار أو أجمع المهاجرون والانصار أن يقيده عثمان فابى واستخلف على الكوفة بعد الوليد سعيد بن ابي العاص بن امية فعمل فيها مثل عمل الوليد لكن لم يظهر شرب الخمر لكن كلمه خيار الكوفة فعزله وجاءته إبل من الصدقة فوهبها لبعض بني الحكم فاخذها عبدالرحمن بن عوف فقسمها بين المسلمين وهو أول من اجترأ عليه ومنع الاعراب لها ليسقط اسهام من الغي. وكان صلى الله عليه وسلم والخليفتان بعد دعائهم للجهاد اجتمعت الصحابة وفيهم عبدالرحمن قدموه وخلعوه وكتبوا إليه كتابا فجاءه به عمار فوصفهم عثمان بانهم اعداء الله وامر غلاما وطء بطن عمار ففتقه حين دخل عليه بالكتاب ودعا عليا ليعينه على ان له عيرا اولها بالمدينة وآخرها باليمن فقال علي: لقد اكثرت أو كان من مالك؟ فقال أو من مال قوم جالدوا عليه باسيافهم؟ وقال شيخ من أهل مكة لابي ذر: ما منزلة عثمان عندكم؟ فقال: اما لكم تستقون عليه الماء فقال اي والله لقد تركته في الدار فقال والله لعثمان شر من ذلك الحمار وكان عمار يقول فيه الحق ويعيبه وكان عثمان يكذبه وينسبه إلى الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والى طعن في دين الله وقال لعلي: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اخذك سارقا وما منعه عن قطع يدك الا قرابتك منه وهذا منه كذب على علي وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبه له إلى الميل في الحكم فقال فيه صلى الله عليه وسلم "حديث : ان عثمان فرعون هذه الامة"تفسير : وكذا قالت عائشة ونفى ابا ذر بلا وطاء على جمل. وعن ابن مسعود ما يوزن لعثمان يوم القيامة ذباب فقال رجل ذباب فقال ولا جناح ذباب وعنه وددت انا وعثمان برمل عالج يحثو عليَّ واحثوا عليه حتى يموت الاعجل فقيل إذاً يغلبك فقال لا يعين الله كافراً على مؤمن ودخل صلى الله عليه وسلم بيتا فيه اثنا عشر رجلا منهم ابن مسعود وعثمان يذكرون الدجال فقال والذي نفسي بيده ان في البيت مما هو اضر على امتي من الدجال قال ابن مسعود ومضوا كلهم ولم يغتن واحد منهم الامة وبقيت انا وعثمان وامر عبدا له اسود غليظا طويلا اسمه زمعة فاخذ ابن مسعود اخذا عنيفا فضرب به الارض فدق اضلاعه وذلك في المسجد فزجرتهم عائشة فقال: اسكتي او لاملأنها عليك سودانا وكان ذلك سبب موت ابن مسعود وقال له: استغفر لي فقال: لئن كنت كما اقول فما ينفعك وحبس عطاءه خمس سنين في كل سنة خمس آلاف درهم. وروي ان زمعة حمله فالقاه خارج المسجد فدق اضلاعه وروي انه حمله فقال له انشدك الله ان تخرجني من المسجد ولم أوصله الباب جعل يضرب الجدار بعجزه حتى كسر عصعصه وفلق انثييه وايضا دق اضلاعه. وقال ابن مسعود في مرضه هذا بحضرة عثمان وصحابه انشدكم الله تعلمون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مواضع ثلاثة "حديث : اللهم إِني رضيت لإِمتي من رضي لها ابن أُم عبد وسخطت لها من سخط"تفسير : فقالوا: اللهم نعم فقال عبدالله: اللهم لا ارضى لامتي خليل عثمان بن عفان قال ذلك مرارا وقال لعمار: أدفنتموه ولم تعلموني يا ابن السوداء؟ فقال له عمار: فانت ابن الهاوية فنزل إليه وجعل يضربه ويطأه وكتب لبعض بني معيط ليأخذوا من بيت المال ما شاء فدخل عليه ابيّ بن كعب فقال له: انت الذي تصك إلى بيت مال المسلمين يا ابن الهاوية يا ابن النار الحامية هلكت وأهلكت فقال له عثمان لولا انك شيخ وليس فيك موضع العقوبة لعاقبتك ومدح رجل عثمان فحثا العفر أي التراب في فيه. ورفعت عائشة رضي الله عنها نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقميصه فقالت هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا قميصه لم يبلين وقد بليت سنته ان فيكم فرعون او مثله تعني عثمان وهو يقول إنما هذه امرأة ورأيها رأي امرأة وعقلها عقل امرأة ورفعت ورقات من المصحف على عود من وراء حجابها وعثمان يخطب على المنبر فقالت يا غادر اقرأ ما في كتاب الله ان تصاحب تصاحب غادرا فقال لتنتهين او لادخلن عليك سود الرجال وحمرها فقالت لقد لعنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وما استغفر لك ورفعت قميصه على جريدة فقالت يا نعثل هذا قميصه صلى الله عليه وسلم لم يبل حتى غيرت سنته ومر عثمان في المسجد فنادته عائشة يا فاجر يا غادر خنت امانتك وضعيت رعيتك وحلال دمك لولا الغواة الذين يمنعونك لذبحتك كالشاة فقال:{أية : امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا}تفسير : الآية. فقال رجل كذبت يا عثمان قال حذيفة والله ما يعدو عثمان ان يكون فاجرا في دينه اخرق في معيشته وقال وددت ان ما في كنانتي من سهم في بطنه وقذف رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده إذ قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤثر بني هاشم وابو بكر بني تميم وعمر بني عدي فوالله لاخصن بني امية على رغم الانوف فقال عمار: فانفي يرغم قال: ارغم الله انفك ونزل اليه فوطئه وغشي عليه وفتق بطنه وكان عبدالرحمن بن حنبل أشد الناس على عثمان يذكر جوره ويبرأ منه فضربه عثمان مائة سوط وحمله على بعير فطاف به المدينة وحبسه موثقا بالحديد ما زال عليّ يكلمه فيه حتى خلى سبيله وسيره إلى خيبر. وفي علي قال: شعر : نفسي فداء علي حين خلصني من كفر بعد اغلاظ على صفد تفسير : ونفى نفراً من الكوفة إلى الشام منهم الاشتر وثابت بن قيس الهمذاني وحميد بن زيادة وزيد وحنظلة وصعصعة ولدي صوحان وجندب بن زهير العامري وحبيب بن كعب الازدي وعروة بن الجعد وعمر بن الحمق الخزاعي وابن الكوا ولما شاعت خيانته فارسل إليه المسلمون ان يتوب فامر عماله بالتضييق في الرزق والعطايا ليرجع الناس إليه وقد عطل الحدود وارسل إليه المهاجرون والانصار تب او اعتزل او تقتل فانعم لهم بالاستقامة بعهود ومواثيق فلم يف بها فارسلوا إلى من بالثغور ان هلموا فقد ضيع دين محمد هنا فاجتمعوا فقتلوه وقد غدر بعد العهد وكتب إلى بعض عماله اقتل فلانا وفلانا وعاقب فلانا وفلانا بكذا وهم نفر من الصحابة وقوم من التابعين باحسان اطلع المسلمون على كتاب فيه ذلك على جمل مع غلام له فجاءوا بذلك كله إليه وفي الكتاب طابع خاتمه وكتب إلى معاوية بالشام وإلى أهل الشام ان ينصروه وجعل يتأهب للقتال واتخذ جندا عظيما من الحبشة والسودان بشراء وغيره. وكانت عائشة ترفع كل جمعة سربال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول هذا سرباله لم يبل وقد بلي دينه وقالت ليته في غرازتي اقذفه في اليم. قال محمد بن سلمة الانصاري: ما رأيت يوما اقر للعين ولا شابه بيوم بدر قط من يوم قتل عثمان قال حذيفة: قتل وهو كافر وكذا قال ابن مسعود واستغفر رجل لعثمان فحثاه عمار بالتراب فقال له اتستغفر له يا كافر واما علي بن ابي طالب فلقد قتل من المسلمين كثيرا وقتل رجالا مشهودا لهم بالجنة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم حرقوص وعمار المشهود لهما بالجنة ولقاتلهما بالنار وعلي امر بقتل هؤلاء. وعن الحسن لا يرى قاتلهم الجنة ومثل ذلك قالت عائشة واما معاوية فمتهتك مظهر لم يحتج ان يؤول ما ظهر من فسقه وقد لقنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما بسطت بعض مساوئ عثمان لقول الخازن وهو من الشافعية ان اول من جحد حق النعمة وفسق قتلة عثمان وانما ذكرت ذلك ليكون قذى في عينيه وفي عيني القاضي البيضاوي وغيرهما ويلهما اعتمدا على سراب وما ذكر به ثابت عندنا وعند من تكلم في هذا النوع من المخالفين كالنوبي والقرطبي والابي وغيرهم. فائدة زعم الخازن عن غيره انه ما قتل نبي قط الا قتل به سبعون الفا ولا خليفة الا قتل به خمسة وثلاثون الفا.
اطفيش
تفسير : {وَعَدَ الله} فى علمه وفى اللوح المحفوظ {الَّذين آمنُوا منْكُم} يا محمد وأصحابه فمروا الكفار والمنافقين مواجهة وصريحاً، ولا تخافوا مضرتهم، فإنها لا تحصل البتة او لا تفيدهم شيئاً، فإن الوعد بالاستخلاف وعد بالإحياء والنصر، وذلك أيضاً امتنان ووسط منكم بين آمنوا وبين قوله: {وعَملُوا الصالحات} ولم يؤخره كما أخره فى قوله: "أية : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً"تفسير : [الفتح: 29] لتعجيل ذكر مسرة المؤمنين، فان الآية سيقت لذلك، وأيضاً الايمان هو الأصل الذى ينبنى عليه الاستخلاف، وهو مستلحق للعمل الصالح إذا تحقق. ولا شك أن المراد الايمان المحقق، فالعمل الصالح فرعه فأخره، فان فسق الامام وأمر بعد الاستتابة عزل، وإن عاند قتل، كما ورد فى الحديث، قال أبى بن كعب: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة والمهاجرون، رمتهم العرب عن قوس واحد، والتزموا السلاح ليلاً ونهاراً خوفاً من العرب، وقالوا هل نعيش حتى نبيت آمنين، فنزل قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات}. {ليسْتخلفَنَّهم فى الأرض} الى قوله: {الفاسقون} وقيل: الخطاب فى منكم للمنافقين المقسمين جهد أيمانهم، مقرر لقوله: "أية : وإن تطيعوه تهتدوا"تفسير : [النور: 54] ويرده أنه ما مضى منهم إيمان محقق، ولا استقبل ولا قال وعد الله الذين آمنوا منكم إن كان منكم من آمن أو يؤمن، وزعم بعض ان الخطاب لكل من آمن فى أى مكان، وفى أى زمان فى زمان الرسول وبعده، والجملة جواب القسم، وهو وعد الله، لأنه عزيمة وتحقيق، فهو بمزلة: الله ليستخلفنَّهم، وبمنزلة أقسم بالله ليستخلفنَّهم، وقيل التقدير وعد الله الذين آمنوا الخ أن يستخلفهم، وأقسم ليستخفنَّهم فى الأرض، وهى مشارق الأرض مغاربها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : زويت لى الأرض فأُريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زُوى لى منها ". تفسير : {كما استخْلفَ} استخلافاً ثاباً كاستخلافه {الَّذين من قبلهم} كبنى اسرائيل، ملكوا الشام بعد هلاك فرعون، والقبط قيل ومصر، على أنهم رجعو إليها أو ملكوها، وهم فى الشام، وكالمؤمنين بعد هلاك عاد، وبعد هلاك ثمود، وهلاك قوم لوط. {وليمكنَنَّ لهُم دينهم الَّذى ارتضى لَهُم} وهو دين الاسلام، اختاره لهم، وأنعم عليهم به، يثبته لهم، ويجعله لهم كمكان لساكنه، فإن أصل التمكين جعل الشىء مكاناً لشىء، أو جعل الشىء فى مكان، وقد جعلهم الله فى الاسلام كإسكان الرجل أهله فى دار {وليبدلنَّهُم من بعد خَوْفهم} من أعدائهم خوفاً مطبوعاً فى البشر، ولو كانوا مؤمنين موقنين {أمناً} عظيماً فى الدنيا، يزول معه الخوف من أعدائهم البتة، يورثهم الأرض، ويجعلهم فيها خلفاء، كما أورث بنى إسرائيل مصر والشام. كانوا فى مكة خائفين عشر سنين، ولما هاجرو كانوا فى المدينة يصبحون فى السلاح، يمسون فى السلاح، حتى قال الرجل ما يأتى علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح، فنزلت الآية، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما بقى إلاَّ قليل فيكون أحدكم فى ملأ محتبياً لا حديد معه"تفسير : وكذا قال لعدى: "حديث : لئن حييت لترينَّ الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلاَّ الله تعالى، ولتفتحن كنوز كسرى، وترى الرجل يخرج بملء كفه ذهباً وفضة ولا يجد من يقبل عنه"تفسير : قال عدى لقد شهدت ذلك، وكنت فيمن فتح كنوز كسرى. وجاء:"إن الخلافة بعدى ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً" فكانت خلاله الصديق سنتين، وعمر عشراً، وعثمان اثنتى عشرة، وعلى ستاً، قال بعض: وتسعة أشهر، أو ليبدلنهم من بعد خوفهم فى الدنيا من عذاب الآخرة أمناً منه فى الآخرة {يعبدوننى} مطمئنين لا قلق لهم من جهة أعدائهم، لتدميرهم، والجملة حال من الذين الأول، أو من هاء ليبدلنهم، أو هاء ليستخلفنَّهم، وعلى أن الأمن فى الآخرة تكون مستأنفة لتعليل الأمن، أو الاستخلاف وما معه {لا يُشْركُون بى شيئاً} من الأصنام وغيرها، أو لا يشركون بى اشراكاً. {ومن كَفَر بعْد ذلك} المذكور من الاستخلاف والتمكين والتبديل {فأولئك هُم الفاسِقونَ} كاملوا الفسق حتى كأنه لا فاسق إلا هم، وذلك بالارتداد من اولئك المخلصين او من غيرهم، أو بالبقاء على النفاق بعد انتشار الاسلام فى غيرهم، أو الفسق النفاق بالجارحة، وهو فعل الكبيرة مع التوحيد. قال جابر بن زيد: جلست مع حذيفة وابن مسعود رضى الله عنهما، فقال حذيفة: ذهب النفاق أى نفاق إضمار الشرك، إنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الفسق الكفر بعد الايمان، فضحك ابن مسعود أى استغراباً لذلك، ثم قال: بم قلت ذلك؟ قال حذيفة: بقوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم} الخ فسكت ابن مسعود رضى الله عنه، أى رضى بما قال حذيفة، لأنه موضع سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. الآية حجة على صحة خلافة الأئمة الثلاثة والرابع على، فهم أربعة، وأبطلت دعوى الشيعة ان الامام بعده صلى الله عليه وسلم هو على، وهو نفسه مقر بإمامة الثلاثة قبله، ومن ذلك أنه استشاره عمر فى قتال فارس بنفسه، فقال: نصرة هذا الدين بوعد الله لا بالكثرة {وعد الله الذين آمنوا منكم} الخ ان مت أو أصبت تفرق الاسلام كمخرز انقطع سلكه، فقد لا يجتمع والعرب كثير بالاسلام والاجتماع وأنت القطب، والعرب تدور عليك كالرحى، وإن انتقلت انتقض العرب من أقطارها بعدك، فيكن ما وراءك أهم إليك مما بين يديك، وقالت العجم: هذا اصل العرب إن قطعناه استرحنا، فيشتد اجتهادهم، وإنما قاتلنا من قبل بالنصر من الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه ففي الآية تنويع الخطاب حيث خاطب سبحانه المقسمين على تقدير التولي ثم صرفه تعالى عنهم إلى المؤمنين الثابتين وهو كالاعتراض بناء على ما سيأتي إن شاء الله تعالى من كون { أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ } تفسير : [النور: 56] عطفاً على قوله سبحانه: { أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [النور: 54] وفائدته أنه لما أفاد الكلام السابق أنه ينبغي أن يأمرهم بالطاعة كفاحاً ولا يخاف مضرتهم أكد بأنه عليه الصلاة والسلام هو الغالب ومن معه فأنى للخوف مجال، وإن شئت فاجعله استئنافاً جيء به لتأكيد / ما يفيده الكلام من نفي المضرة على أبلغ وجه من غير اعتبار كونه اعتراضاً فإن في العطف المذكور ما ستسمعه إن شاء الله تعالى؛ و(من) بيانية، ووسط الجار والمجرور بين جملة {آمنوا} والجملة المعطوفة عليها الداخلة معها في حيز الصلة أعني قوله تعالى: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } مع التأخير في قوله تعالى: { أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } تفسير : [الفتح: 29] قيل للدلالة على أن الأصل في ثبوت الاستخلاف الإيمان، ولهذا كان الأصح عدم الانعزال بالفسق الطارىء ودل عليه صحاح الأحاديث ومدخلية الصلاح في ابتداء البيعة وأما في المغفرة والأجر العظيم فكلاهما أصل فكان المناسب التأخير. وقد يقال: إن ذلك لتعجيل مسرة المخاطبين حيث إن الآية سيقت لذلك. وقيل: الخطاب للمقسمين والكلام تتميم لقوله تعالى: { أية : وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } تفسير : [النور: 54] ببيان ما لهم في العاجل من الاستخلاف وما يترتب عليه وفي الآجل ما لا يقادر قدره على ما أدمج في قوله سبحانه: { أية : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } تفسير : [النور: 56] والجار للتبعيض وأمر التوسيط على حاله، ولم يرتضه بعض الأجلة لأن {ءامَنُواْ } إن كان ماضياً على حقيقته لم يستقم إذ لم يكن فيهم من كان آمن حال الخطاب وإن جعل بمعنى المضارع على المألوف من إخبار الله تعالى فمع نبوه عن هذا المقام لم يكن دليلاً على صحة أمر الخلفاء ولم يطابق الواقع أيضاً لأن هؤلاء الأجلاء لم يكن من بعض من آمن من أولئك المخاطبين ولا كان في المقسمين من نال الخلافة انتهى، وفيه شيء، ولعله لا يضر بالغرض وارتضى أبو السعود تعلق الكلام بذلك وادعى أنه استئناف مقرر لما في قوله تعالى: { أية : وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } تفسير : [النور: 54] الخ من الوعد الكريم معرب عنه بطريق التصريح ومبين لتفاصيل ما أجمل فيه من فنون السعادات الدينية والدنيوية التي هي من آثار الاهتداء ومتضمن لما هو المراد بالطاعة التي نيط بها الاهتداء وأن المراد بالذين آمنوا كل من اتصف بالإيمان بعد الكفر على الإطلاق من أي طائفة كان وفي أي وقت كان لا من آمن من طائفة المنافقين فقط ولا من آمن بعد نزول الآية الكريمة فحسب ضرورة عموم الوعد الكريم وأن الخطاب ليس للرسول عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين المخلصين أو من يعمهم وغيرهم من الأمة ولا للمنافقين خاصة بل هو لعامة الكفرة وأن من للتبعيض، وقال في نكتة التوسيط: إنه لإظهار أصالة الإيمان وعراقته في استتباع الآثار والأحكام والإيذان بكونه أول ما يطلب منهم وأهم ما يجب عليهم، وأما التأخير في آية سورة الفتح فلأن (من) هناك بيانية والضمير للذين معه عليه الصلاة والسلام من خلص المؤمنين ولا ريب في أنهم جامعون بين الإيمان والأعمال الصالحة مثابرون عليها فلا بد من ورود بيانهم بعد ذكر نعوتهم الجليلة بكمالها انتهى. وأنت تعلم أن كون الخطاب لعامة الكفرة خلاف الظاهر، وحمل الفعل الماضي على ما يعم الماضي والمستقبل كذلك وفيما ذكره أيضاً بعد عن سبب النزول، فقد أخرج ابن المنذر والطبراني في «الأوسط» والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» والضياء في «المختارة» عن أبـي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم [وأصحابه] المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه فقالوا أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله تعالى فنزلت: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ } الآية ولا يتأتى معه الاستدلال بالآية على صحة أمر الخلفاء أصلاً، ولعله لا يقول به ويستغنى عنه بما هو أوضح دلالة، وعن ابن عباس ومجاهد عامة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأطلقاً الأمة وهي تطلق على أمة الإجابة وعلى أمة الدعوة لكن / الأغلب في الاستعمال الإطلاق الأول فلا تغفل. وإذا كانت (من) بيانية فالمعنى وعد الله الذين آمنوا الذين هم أنتم {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلاْرْضِ } أي ليجعلهم خلفاء متصرفين فيها تصرف الملوك في مماليكهم أو خلفاء من الذين كانوا يخافونهم من الكفرة بأن ينصرهم عليهم ويورثهم أرضهم، والمراد بالأرض على ما قيل جزيرة العرب، وقيل مأواه عليه الصلاة والسلام من مشارق الأرض ومغاربها ففي الصحيح « حديث : زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها » تفسير : واللام واقعة في جواب القسم المحذوف ومفعول وعد الثاني محذوف دل عليه الجواب أي وعد الله الذين آمنوا استخلافهم وأقسم لستخلفنهم، ويجوز أن ينزل وعده تعالى لتحقق إنجازه لا محالة منزلة القسم وإليه ذهب الزجاج ويكون {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } منزل منزلة المفعول فلا حذف. و(ما) في قوله تعالى: {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ } مصدرية والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر محذوف أي ليستخلفنهم استخلافاً كائناً كاستخلافه {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } وهم بنو اسرائيل استخلفهم الله عز وجل في الشام بعد إهلاك الجبابرة وكذا في مصر على ما قيل من أنها صارت تحت تصرفهم بعد هلاك فرعون وإن لم يعودوا إليها أو هم ومن قبلهم من الأمم المؤمنة الذين أسكنهم الله تعالى في الأرض بعد إهلاك أعدائهم من الكفرة الظالمين. وقرىء {كما استخلف} بالبناء للمفعول فيكون التقدير ليستخلفنهم في الأرض فيستخلفون فيها استخلافاً أي مستخلفية كائنة كمستخلفية الذين من قبلهم. {وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ } عطف على {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } والكلام فيه كالكلام فيه، وتأخيره عنه مع كونه أجل الرغائب الموعودة وأعظمها لما أنه كالأثر للاستخلاف المذكور. وقيل: لما أن النفوس إلى الحظوظ العاجلة أميل فتصدير المواعيد بها في الاستمالة أدخل. والتمكين في الأصل جعل الشيء في مكان ثم استعمل في لازمه وهو التثبيت والمعنى ليجعلن دينهم ثابتاً مقرراً بأن يعلي سبحانه شأنه ويقوي بتأييده تعالى أركانه ويعظم أهله في نفوس أعدائهم الذين يستغرقون النهار والليل في التدبير لإطفاء أنواره ويستنهضون الرجال والخيل للتوصل إلى إعفاء آثاره فيكونون بحيث ييأسون من التجمع لتفريقهم عنه ليذهب من البين ولا تكاد تحدثهم أنفسهم بالحيلولة بينهم وبينه ليعود أثراً بعد عين. وقيل: المعنى ليجعله مقرراً ثابتاً بحيث يستمرون على العمل بأحكامه ويرجعون إليه في كل ما يأتون وما يذرون، وأصل التمكين جعل الشيء مكاناً لآخر والتعبير عن ذلك به للدلالة على كمال ثبات الدين ورصانة أحكامه وسلامته عن التغيير والتبديل لابتنائه على تشبيهه بالأرض في الثبات والقرار مع ما فيه من مراعاة المناسبة بينه وبين الاستخلاف في الأرض انتهى، وفيه بحث. وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان كون الموعود من منافعهم مع التشويق إلى المؤخر ولأن في توسيطه بينه وبين وصفه أعني قوله تعالى: {ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ } وتأخيره عن الوصف من الإخلال بجزالة النظم الكريم ما لا يخفى. وفي إضافة الدين وهو دين الإسلام إليهم ثم وصفه بارتضائه لهم من مزيد الترغيب فيه والتثبيت عليه ما فيه {وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ } بالتشديد، وقرأ ابن كثير وأبو بكر والحسن وابن محيصن بالتخفيف من الإبدال، وأخرج ذلك عبد بن حميد عن عاصم وهو عطف على {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} أَوْ {لَيُمَكِّنَنَّ} {مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ } بمقتضى البشرية في الدنيا / من أعدائهم في الدين {أَمْناً } لا يقادر قدره، وقيل: الخوف في الدنيا من عذاب الآخرة والأمن في الآخرة ورجح بأن الكلام عليه أبعد من احتمال التأكيد بوجه من الوجوه بخلافه على الأول. وأنت تعلم أن الأول أوفق بالمقام والأخبار الواردة في سبب النزول تقتضيه وأمر احتمال التأكيد سهل. {يَعْبُدُونَنِى } جوز أن تكون الجملة في موضع نصب على الحال إما من {ٱلَّذِينَ } الأول لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد لأن (ما) في حيز الصلة من الإيمان وعمل الصالحات بصيغة الماضي لما دل على أصل الاتصاف به جيء بما ذكر حالاً بصيغة المضارع الدال على الاستمرار التجددي وإما من الضمير العائد عليه في {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ } أو في {ليبدلنهم}، وجوز أن تكون مستأنفة إما لمجرد الثناء على أولئك المؤمنين على معنى هم يعبدونني وإما لبيان علة الاستخلاف وما انتظم معه في سلك الوعد. وقوله تعالى: {لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً } حال من الواو في {يَعْبُدُونَنِي } أو من {ٱلَّذِينَ } أو بدل من الحال أو استئناف. ونصب {شَيْئاً } على أنه مفعول به أي شيئاً مما يشرك به أو مفعول مطلق أي شيئاً من الإشراك. ومعنى العبادة وعدم الإشراك ظاهر. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله سبحانه: {يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً } لا يخافون أحداً غيري، وأخرج هو وجماعة عن مجاهد نحوه ولعلهما أرادا بذلك تفسير {لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً } وكأنهما عدا خوف غير الله تعالى نوعاً من الإشراك، واختير على هذا حالية الجملة من الواو كأنه قيل: يعبدونني غير خائفين أحداً غيري، وجوز أن يكونا قد أرادا بيان المراد بمجموع {يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ } الخ وكأنهما ادعيا أن عدم خوف أحد غيره سبحانه من لوازم العبادة والتوحيد وأن جملة {يَعْبُدُونَنِى } الخ استئناف لبيان ما يصلون إليه في الأمن كأنه قيل: يأمنون إليَّ حيث لا يخافون أحداً غير الله تعالى ولا يخفى ما في التعبير بضمير المتكلم وحده في {يَعْبُدُونَنِي} و {لاَ يُشْرِكُونَ بِي} دون ضمير الغائب ودون ضمير العظمة من اللطافة. {وَمَن كَفَرَ } أي ومن ارتد من المؤمنين {بَعْدَ ذَلِكَ } أي بعد حصول الموعود به {فَأُوْلَٰئِكَ } المرتدون البعداء عن الحق {هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } أي الكاملون في الفسق والخروج عن حدود الكفر والطغيان إذ لا عذر لهم حينئذ ولا كجناح بعوضة، وقيل: كفر من الكفران لا من الكفر مقابل الإيمان وروي ذلك عن أبـي العالية وكمالهم في الفسق لعظم النعمة التي كفروها، وقيل: {ذَلِكَ} إشارة إلى الوعد السابق نفسه، وفي «إرشاد العقل السليم» أن المعنى ومن اتصف بالكفر بأن ثبت واستمر عليه ولم يتأثر بما مر من الترغيب والترهيب بعد ذلك الوعد الكريم بما فصل من المطالب العالية المستوجبة لغاية الاهتمام بتحصيلها فأولئك هم الكاملون في الفسق، وكون المراد بكفر ما ذكر أنسب بالمقام من كون المراد به ارتد أو كفر النعمة انتهى. والأولى عندي ما تقدم فإنه الظاهر. وفي الكلام عليه تعظيم لقدر الموعود به من حيث أنه لا يبقى بعد حصوله عذر لمن يرتد، وقوة مناسبته للمقام لا تخفى. وهو ظاهر قول حذيفة رضي الله تعالى عنه فقد أخرج ابن مردويه عن أبـي الشعثاء قال: كنت جالساً مع حذيفة وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما فقال حذيفة: ذهب النفاق إنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو الكفر بعد الإيمان فضحك ابن مسعود ثم قال: بم تقول؟ قال: بهذه الآية {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } إلى آخر / الآية وكأن ضحك ابن مسعود كان استغراباً لذلك وسكوته بعد الاستدلال ظاهر في ارتضائه لما فهمه معدن سر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآية. و {مِنْ } تحتمل أن تكون موصولة وتحتمل أن تكون شرطية وجملة {مَن كَفَرَ } الخ قيل معطوفة على جملة {وَعَدَ ٱللَّهُ } الخ أو على جملة محذوفة كأنه قيل: من آمن فهم الفائزون ومن كفر الخ، وقيل: إن هذه الجملة وكذا جملة {يَعْبُدُونَنِى } استئناف بياني أما ذلك في الأول فالسؤال ناشىء من قوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ } الخ فكأنه قيل: فما ينبغي للمؤمنين بعد هذا الوعد الكريم أو بعد حصوله؟ فقيل: يعبدونني لا يشركون بـي شيئاً. وأما في الثانية فالسؤال ناشىء من الجواب المذكور فكأنه قيل فإن لم يفعلوا فماذا؟ فقيل: ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وجزاؤهم معلوم وهو كما ترى. هذا واستدل كثير بهذه الآية على صحة خلافة الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم لأن الله تعالى وعد فيها من في حضرة الرسالة من المؤمنين بالاستخلاف وتمكين الدين والأمن العظيم من الأعداء ولا بد من وقوع ما وعد به ضرورة امتناع الخلف في وعده تعالى ولم يقع ذلك المجموع إلا في عهدهم فكان كل منهم خليفة حقاً باستخلاف الله تعالى إياه حسبما وعد جل وعلا ولا يلزم عموم الاستخلاف لجميع الحاضرين المخاطبين بل وقوعه فيهم كبنو فلان قتلوا فلاناً فلا ينافي ذلك عموم الخطاب الجميع وكون (من) بيانية، وكذا لا ينافيه ما وقع في خلافة عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما من الفتن لأن المراد من الأمن الأمن من أعداء الدين وهم الكفار كما تقدم. وأقامها بعض أهل السنة دليلاً على الشيعة في اعتقادهم عدم صحة خلافة الخلفاء الثلاثة، ولم يستدل بها على صحة خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه لأنها مسلمة عند الشيعة والأدلة كثيرة عند الطائفتين على من ينكرها من النواصب عليهم من الله تعالى ما يستحقون فقال: إن الله تعالى وعد فيها جمعاً من المؤمنين الصالحين الحاضرين وقت نزولها بما وعد من الاستخلاف وما معه ووعده سبحانه الحق ولم يقع ذلك إلا في عهد الثلاثة، والإمام المهدي لم يكن موجوداً حين النزول قطعاً بالإجماع فلا يمكن حمل الآية على وعده بذلك، والأمير كرم الله تعالى وجهه وإن كان موجوداً إذ ذاك لكن لم يرج الدين المرضي كما هو حقه في زمانه رضي الله تعالى عنه بزعم الشيعة بل صار أسوأ حالاً بزعمهم مما كان في عهد الكفار كما صرح بذلك المرتضى في «تنزيه الأنبياء والأئمة» عليهم السلام بل كل «كتب الشيعة» تصرح بأن الأمير وشيعته كانوا يخفون دينهم ويظهرون دين المخالفين تقية ولم يكن الأمن الكامل حاصلاً أصلاً في زمانه رضي الله تعالى عنه فقد كان أهل الشام ومصر والمغرب ينكرون أصل إمامته ولا يقبلون أحكامه وهم كفرة بزعم الشيعة وأغلب عسكر الأمير يخافونهم ويحذرون غاية الحذر منهم، ومع هذا الأمير فرد فلا يمكن إرادته من (الذين آمنوا) ليكون هو رضي الله تعالى عنه مصداق الآية كما يزعمون فإن حمل لفظ الجمع على واحد خلاف أصولهم إذ أقل الجمع عندهم ثلاثة أفراد، وأما الأئمة الآخرون الذين ولدوا بعد فلا احتمال لإرادتهم من الآية إذ ليسوا بموجودين حال نزولها ولم يحصل لهم التسلط في الأرض ولم يقع رواج دينهم المرتضى لهم وما كانوا آمنين بل كانوا خائفين من أعداء الدين متقين منهم كما أجمع عليه الشيعة فلزم أن الخلفاء الثلاثة هم مصداق الآية فتكون خلافتهم حقة وهو المطلوب. / وزعم الطبرسي أن الخطاب للنبـي وأهل بيته صلى الله عليه وسلم فهم الموعودون بالاستخلاف وما معه ويكفي في ذلك تحقق الموعود في زمن المهدي رضي الله تعالى عنه، ولا ينافي ذلك عدم وجوده عند نزول الآية لأن الخطاب الشفاهي لا يخص الموجودين، وكذا لا ينافي عدم حصوله للكل لأن الكلام نظير بنو فلان قتلوا فلاناً، واستدل على ذلك بما روى العياشي بإسناده عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ الآية فقال: هم والله شيعتنا أهل البيت يفعل ذلك بهم على يد رجل منا وهو مهدي هذه الأمة وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: « حديث : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله تعالى ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي اسمه اسمي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً»تفسير : . وزعم أنه روي مثل ذلك عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله رضي الله تعالى عنهما وهذا على ما فيه مما يأباه السياق والأخبار الصحيحة الواردة في سبب النزول. وأخبار الشيعة لا يخفي حالها لا سيما على من وقف على «التحفة الأثنى عشرية». نعم ورد من طريقنا ما يستأنس به لهم في هذا المقام لكنه لا يعول عليه أيضاً مثل أخبارهم وهو ما أخرجه عبد بن حميد عن عطية أنه عليه الصلاة والسلام قرأ الآية فقال: أهل البيت هٰهنا وأشار بيده إلى القبلة. وزعم بعضهم نحو ما سمعت عن الطبرسي إلا أنه قال: هي في حق جميع أهل البيت علي كرم الله تعالى وجهه وسائر الأئمة الإثنى عشر وتحقق ذلك فيهم زمن الرجعة حين يقوم القائم رضي الله تعالى عنه، وزعم أنها أحد أدلة الرجعة، وهذا قد زاد في الطنبور نغمة. وقال الملا عبد الله المشهدي في كتابه «إظهار الحق» لإبطال الاستدلال بها على صحة خلافة الخلفاء الثلاثة: يحتمل أن يكون الاستخلاف بالمعنى اللغوي وهو الإتيان بواحد خلف آخر أي بعده كما في قوله تعالى في حق بني إسرائيل: { أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 129] فقصارى ما يثبت أنهم خلفاء بالمعنى اللغوي وليس النزاع فيه بل هو في المعنى الاصطلاحي وهو معنى مستحدث بعد رحلة النبـي صلى الله عليه وسلم اهـ. وأجيب بأنه لو تم هذا لا يتم لهم الاستدلال على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه بالمعنى المصطلح بحديث « حديث : أنت مني بمنزلة هٰرون من موسى » تفسير : المعتضد بما حكاه سبحانه عن موسى عليه السلام من قوله لهٰرون { أية : ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى } تفسير : [الأعراف: 142] وبما يروونه من قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يا علي أنت خليفتي من بعدي » تفسير : وكذا لا يتم لهم الاستدلال على إمامة الأمير كرم الله تعالى وجهه بما تضمن لفظ الإمام لأنه لم يستعمل في الكتاب المجيد بالمعنى المصطلح أصلاً وإنما استعمل بمعنى النبـي والمرشد والهادي والمقتدى به في أمر خيراً كان أو شراً أو متى ادعى فهم المعنى المصطلح من ذلك بطريق اللزوم فليدع فهم المعنى المصطلح من الخليفة كذلك وربما يدعي أن فهمه منه أقوى لأنه مقرون حيث وقع في الكتاب العزيز بلفظ {فِي ٱلأَرْضِ} الدال على التصرف العام الذي هو شأن الخليفة بذلك المعنى على أن مبني الاستدلال على خلافة الثلاثة بهذه الآية ليس مجرد لفظ الاستخلاف حتى يتم غرض المناقش فيه بل ذلك مع ملاحظة إسناد إلى الله تعالى، وإذا أسند الاستخلاف اللغوي إلى الله عز وجل فقد صار استخلافاً شرعياً، وقد يستفتي في هذه المسألة من علماء الشيعة فيقال: إن اتيان بني إسرائيل بمكان آل فرعون والعمالقة وجعلهم متصرفين في أرض مصر والشام هل كان حقاً أو لا؟ ولا أظنهم يقولون إلا أنه حق وحينئذ يلزمهم أن يقولوا به في الآية لعدم الفرق وبذلك يتم الغرض هذا حاصل ما قيل في هذا المقام. / والذي أميل إليه أن الآية ظاهرة في نزاهة الخلفاء الثلاثة رضي الله تعالى عنهم عما رماهم الشيعة به من الظلم والجور والتصرف في الأرض بغير الحق لظهور تمكين الدين والأمن التام من أعدائه في زمانهم ولا يكاد يحسن الامتنان بتصرف باطل عقباه العذاب الشديد. وكذا لا يكاد يحسن الامتنان بما تضمنته الآية على أهل عصرهم مع كونهم الرؤساء الذين بيدهم الحل والعقد، لو كانوا وحاشاهم كما يزعم الشيعة فيهم، ومتى ثبت بذلك نزاهتهم عما يقولون اكتفينا به وهذا لا يتوقف إلا على اتصافهم بالإيمان والعمل الصالح حال نزول الآية وإنكار الشيعة له إنكار للضروريات، وكون المراد بالآية علياً كرم الله تعالى وجهه أو المهدي رضي الله تعالى عنه أو أهل البيت مطلقاً مما لا يقوله منصف. وفي كلام الأمير كرم الله تعالى وجهه ما يقتضي بسوقه خلاف ما عليه الشيعة ففي «نهج البلاغة» أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما استشار الأمير كرم الله تعالى وجهه لانطلاقه لقتال أهل فارس حين تجمعوا للحرب قال له: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة وهو دين الله تعالى الذي أظهره وجنده الذي أعزه وأيده حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع ونحن على موعود من الله تعالى حيث قال عز اسمه {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} والله تعالى منجز وعده وناصر جنده ومكان القيم في الإسلام مكان النظام من الخرز فإن انقطع النظام تفرق ورب متفرق لم يجتمع والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب فإنك إن شخصت من هذه الأرض تنقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك وكان قد آن للأعاجم أن ينظروا إليك غداً يقولون هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك فأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة اهـ فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك.
ابن عاشور
تفسير : الأشبه أن هذا الكلام استئناف ابتدائي انتقل إليه بمناسبة التعرض إلى أحوال المنافقين الذين أبقاهم على النفاق تردّدُهم في عاقبة أمر المسلمين، وخشيتُهم أن لا يستقر بالمسلمين المُقام بالمدينة حتى يغزوَهم المشركون، أو يخرجهم المنافقون حين يجدون الفرصة لذلك كما حكى الله تعالى من قول عبد الله بن أبَيّ: { أية : لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعزّ منها الأذَلّ } تفسير : [المنافقون: 8]، فكانوا يظهرون الإسلام اتقاء من تمام أمر الإسلام ويبطنون الكفر ممالاة لأهل الشرك حتى إذا ظهروا على المسلمين لم يلمزوا المنافقين بأنهم قد بدّلوا دينهم، مع ما لهذا الكلام من المناسبة مع قوله: { أية : وإن تطيعوه تهتدوا } تفسير : [النور: 54]، فيكون المعنى: وإن تطيعوه تهتدوا وتُنصروا وتأمنوا. ومع ما روي من حوادث تخوف المسلمين ضُعفهم أمام أعدائهم فكانوا مشفقين عن غزو أهل الشرك ومن كيد المنافقين ودلالتهم المشركين على عورات المسلمين فقيل كانت تلك الحوادث سبباً لنزول هذه الآية. قال أبو العالية: حديث : مكث رسول الله بمكة عشر سنين بعد ما أوحي إليه خائفاً هو وأصحابه ثم أمر بالهجرة إلى المدينة وكانوا فيها خائفين يصبحون ويُمسون في السلاح. فقال رجل: يا رسول الله أمَا يأتي علينَا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال رسول الله: لا تَغْبُرون (أي لا تمكثون) إلا قليلاً حتى يجلس الرجل منكم في المَلإ العظيم محتبياً ليس عليه حديدة ». تفسير : ونزلت هذه الآية. فكان اجتماع هذه المناسبات سبباً لنزول هذه الآية في موقعها هذا بما اشتملت عليه من الموعود به الذي لم يكن مقتصراً على إبدال خوفهم أمناً كما اقتضاه أثر أبي العالية، ولكنه كان من جملة الموعود كما كان سببه من عِداد الأسباب. وقد كان المسلمون واثقين بالأمن ولكن الله قدم على وَعْدهم بالأمن أن وَعَدهم بالاستخلاف في الأرض وتمكين الدين والشريعة فيهم تنبيهاً لهم بأن سنة الله أنه لا تأمن أمة بأس غيرها حتى تكون قوية مكينة مهيمنة على أصقاعها. ففي الوعد بالاستخلاف والتمكين وتبديل الخوف أمناً إيماء إلى التهيُّؤ لتحصيل أسبابه مع ضمان التوفيق لهم والنجاح إن هم أخذوا في ذلك، وأنّ ملاك ذلك هو طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم { أية : وإن تطيعوه تهتدوا } تفسير : [النور: 54]، وإذا حلّ الاهتداء في النفوس نشأت الصالحات فأقبلت مسبباتها تنهال على الأمة، فالأسباب هي الإيمان وعمل الصالحات. والموصول عام لا يختص بمعيّن، وعُمُومه عُرفي، أي غالب فلا يناكده ما يكون في الأمة من مقصرين في عمل الصالحات فإن تلك المنافع عائدة على مجموع الأمة. والخطاب في {منكم} لأمة الدعوة بمشركيها ومنافقيها بأن الفريق الذي يتحقق فيه الإيمان وعمل الصالحات هو الموعود بهذا الوعد. والتعريف في {الصالحات} للاستغراق، أي عملوا جميع الصالحات، وهي الأعْمال التي وصفها الشرع بأنها صلاح، وترك الأعمال التي وصفها الشرع بأنها فساد لأن إبطال الفساد صلاح. فالصالحات جمع صالحة: وهي الخصلة والفَعلة ذات الصلاح، أي التي شهد الشرع بأنها صالحة. وقد تقدم في أول البقرة. واستغراق {الصالحات} استغراق عرفي، أي عَمِل معظم الصالحات ومهماتها ومراجعها مما يعود إلى تحقيق كليات الشريعة وجري حالة مجتمع الأمة على مسلك الاستقامة، وذلك يحصل بالاستقامة في الخويصَّة وبحسن التصرف في العلاقة المدنية بين الأمة على حسب ما أمر به الدين أفراد الأمة كل فيما هو من عمل أمثاله الخليفة فمن دونه، وذلك في غالب أحوال تصرفاتهم، ولا التفات إلى الفلتات المناقضة فإنها معفو عنها إذا لم يُسترسل عليها وإذا ما وقع السعي في تداركها. والاستقامة في الخُويصَّة هي موجب هذا الوعد وهي الإيمان وقواعد الإسلام، والاستقامة في المعاملة هي التي بها تيسير سبب الموعود به. وقد بين الله تعالى أصول انتظام أمور الأمة في تضاعيف كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مثل قوله تعالى: { أية : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } تفسير : [النحل: 90] وقوله: { أية : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم } تفسير : [النساء: 29] وقوله في سياق الذم: { أية : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } تفسير : [البقرة: 205] وقوله: { أية : فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } تفسير : [محمّد: 22]. وبين الرسول عليه الصلاة والسلام تصرفات ولاة الأمور في شؤون الرعية ومع أهل الذمة ومع الأعداء في الغزو والصلح والمهادنة والمعاهدة، وبين أصول المعاملات بين الناس. فمتى اهتم ولاة الأمور وعموم الأمة باتباع ما وضّح لهم الشرع تحقق وعد الله إياهم بهذا الوعد الجليل. وهذه التكاليف التي جعلها الله قِواماً لصلاح أمور الأمة ووعد عليها بإعطاء الخلافة والتمكين والأمن صارت بترتيب تلك الموعدة عليها أسباباً لها. وكانت الموعدة كالمسبب عليها فشابهت من هذه الحالة خطاب الوضع، وجُعل الإيمان عمودها وشرطاً للخروج من عهدة التكليف بها وتوثيقاً لحصول آثارها بأن جعله جالب رضاه وعنايته. فبه يتيسر للأمة تناول أسباب النجاح، وبه يحف اللطف الإلٰهي بالأمة في أطوار مزاولتها واستجلابها بحيث يدفع عنهم العراقيل والموانع، وربما حف بهم اللطف والعناية عند تقصيرهم في القيام بها. وعند تخليطهم الصلاح بالفساد فرفق بهم ولم يعجّل لهم الشر وتلوّم لهم في إنزال العقوبة. وقد أشار إلى هذا قوله تعالى: { أية : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } تفسير : [الأنبياء: 105 ـــ 107] يريد بذلك كله المسلمين. وقد مضى الكلام على ذلك في سورة الأنبياء وقوله: { أية : إن الله يدافع عن الذين آمنوا } تفسير : في سورة الحج (38). فلو أن قوماً غير مسلمين عملوا في سيرتهم وشؤون رعيتهم بمثل ما أمر الله به المسلمين من الصالحات بحيث لم يعوزهم إلا الإيمان بالله ورسوله لاجتنوا من سيرتهم صوراً تشبه الحقائق التي يجتنيها المسلمون لأن تلك الأعمال صارت أسباباً وسنناً تترتب عليها آثارها التي جعلها الله سنناً وقوانين عمرانية سوى أنهم لسوء معاملتهم ربهم بجحوده أو بالإشراك به أو بعدم تصديق رسوله يكونون بمنأى عن كفالته وتأييده إياهم ودفع العوادي عنهم، بل يكلهم إلى أعمالهم وجهودهم على حسب المعتاد. ألا ترى أن القادة الأروبيين بعد أن اقتبسوا من الإسلام قوانينه ونظامه بما مارسوه من شؤون المسلمين في خلال الحروب الصليبية ثم بما اكتسبوه من ممارسة كتب التاريخ الإسلامي والفقه الإسلامي والسيرة النبوية قد نظموا ممالكهم على قواعد العدل والإحسان والمواساة وكراهة البغي والعدوان فعظمت دولهم واستقامت أمورهم. ولا عجب في ذلك فقد سلط الله الأشوريين وهم مشركون على بني إسرائيل لفسادهم فقال: { أية : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلُنّ علوّاً كبيراً فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً } تفسير : وقد تقدم في سورة الإسراء (4، 5). والاستخلاف: جعلهم خلفاء، أي عن الله في تدبير شؤون عباده كما قال: { أية : إني جاعل في الأرض خليفة } تفسير : وقد تقدم في سورة البقرة (30). والسين والتاء للتأكيد. وأصله: ليخلفنهم في الأرض. وتعليق فعل الاستخلاف بمجموع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وإن كان تدبير شؤون الأمة منوطاً بولاة الأمور لا بمجموع الأمة من حيث إن لمجموع الأمة انتفاعاً بذلك وإعانة عليه كل بحسب مقامه في المجتمع، كما حكى تعالى قولَ موسى لبني إسرائيل: { أية : وجعلكم ملوكاً } تفسير : كما تقدم في سورة العقود (20). ولهذا فالوجه أن المراد من الأرض جميعُها، وأن الظرفية المدلولة بحرف (في) ظاهرة في جزء من الأرض وهو موطن حكومة الأمة وحيث تنال أحكامُها سكانه. والأصل في الظرفية عدم استيعاب المظروف الظرف كقوله تعالى: { أية : واستعمركم فيها } تفسير : [هود: 61]. وإنما صيغ الكلام في هذا النظم ولم يقتصر على قوله: {ليستخلفنهم} دون تقييد بقوله: {في الأرض} لـ{ليستخلفنهم} للإيماء إلى أن الاستخلاف يحصل في معظم الأرض. وذلك يقبل الامتداد والانقباض كما كان الحال يوم خروج بلاد الأندلس من حكم الإسلام. ولكن حرمة الأمة واتقاء بأسها ينتشر في المعمورة كلها بحيث يخافهم من عداهم من الأمم في الأرض التي لم تدخل تحت حكمهم ويسعون الجهد في مرضاتهم ومسالمتهم. وهذا اسخلاف كامل ولذلك نظّر بتشبيهه باستخلاف الذين من قبلهم يعني الأمم التي حكمت معظم العالم وأخافت جميعه مثل الأشوريين والمصريين والفنيقيين واليهود زمن سليمان، والفرس، واليونان، والرومان. وعن مالك: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر فيكون موصول الجمع مستعملاً في معنى المثنى. وعن الضحاك: هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. ولعل هذا مراد مالك. وعلى هذا فالمراد بالذين من قبلهم صلحاء الملوك مثل: يوسف، وداود، وسليمان، وأنوشروان، وأصحمة النجاشي، ومُلكي صادق الذي كان في زمن إبراهيم ويدعى حمورابي، وذي القرنين، وإسكندر المقدوني، وبعض من ولي جمهورية اليونان. وفي الآية دلالة واضحة على أن خلفاء الأمة مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ومعاوية كانوا بمحل الرضى من الله تعالى لأنه استخلفهم استخلافاً كاملاً كما استخلف الذين من قبلهم وفتح لهم البلاد من المشرق إلى المغرب وأخاف منهم الأكاسرة والقياصرة. وجملة: {ليستخلفنهم} بيان لجملة: {وعد} لأنها عين الموعود به. ولما كانت جملةَ قسم وهو من قبيل القول كانت إحداهما بياناً للأخرى. وقرأ الجمهور: {كما استخلف} بالبناء للفاعل، أي كما استخلف الله الذين من قبلهم. وقرأه أبو بكر عن عاصم بالبناء للنائب فيكون {الذين} نائب فاعل. وتمكين الدين: انتشاره في القبائل والأمم وكثرة متبعيه. استعير التمكين الذي حقيقته التثبيت والترسيخ لمعنى الشيوع والانتشار لأنه إذا انتشر لم يخش عليه الانعدام فكان كالشيء المثبَّت المرسّخ، وإذا كان متَّبعوه في قلة كان كالشيء المضطرب المتزلزل. وهذا الوعد هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة منها حديث الحديبية إذ جاء فيه قوله: « حديث : وإن هم أبوا (أي إلا القتال) فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (أي ينفصل مقدم العنق عن الجسد) ولينفذنَّ الله أمره ». تفسير : وقوله: {لهم} مقتضى الظاهر فيه أن يكون بعد قوله: {دينهم} لأن المجرور بالحرف أضعف تعلقاً من مفعول الفعل، فقدم {لهم} عليه للإيماء إلى العناية بهم، أي بكون التمكين لأجلهم، كتقديم المجرور على المفعولين في قوله: { أية : ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك } تفسير : [الشرح: 1، 2]. وإضافة الدين إلى ضميرهم لتشريفهم به لأنه دين الله كما دل عليه قوله عقبه: {الذي ارتضى لهم}، أي الذي اختاره ليكون دينهم، فيقتضي ذلك أنه اختارهم أيضاً ليكونوا أتباع هذا الدين. وفيه إشارة إلى أن الموصوفين بهذه الصلة هم الذين ينشرون هذا الدين في الأمم لأنه دينهم فيكون تمكنه في الناس بواسطتهم. وإنما قال: {وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً} ولم يقل: وليؤمننهم، كما قال في سابقَيْه لأنهم ما كانوا يطمحون يومئذٍ إلا إلى الأمن، كما ورد في حديث أبي العالية المتقدم آنفاً، فكانوا في حالة هي ضد الأمن ولو أعطوا الأمن دون أن يكونوا في حالة خوف لكان الأمن منة واحدة. وإضافة الخوف إلى ضميرهم للإشارة إلى أنه خوف معروف مقرر. وتنكير {أمناً} للتعظيم بقرينة كونه مبدّلاً من بعد خوفهم المعروف بالشدة. والمقصود: الأمن من أعدائهم المشركين والمنافقين. وفيه بشارة بأن الله مزيل الشرك والنفاق من الأمة. وليس هذا الوعد بمقتض أن لا تحدث حوادث خوف في الأمة في بعض الأقطار كالخوف الذي اعترى أهل المدينة من ثورة أهل مصر الذين قادهم الضالّ مالك الأشتر النخعي، ومثل الخوف الذي حدث في المدينة يوم الحرّة وغير ذلك من الحوادث وإنما كانت تلك مسببات عن أسباب بشرية وإلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم. وقرأ الجمهور: {وليَبُدّلنهم} بفتح الموحدة وتشديد الدال. وقرأه ابن كثير وأبو بكر عن عاصم ويعقوب بسكون الموحدة وتخفيف الدال والمعنى واحد. وجملة: {يعبدونني} حال من ضمائر الغيبة المتقدمة، أي هذا الوعد جرى في حال عبادتهم إياي. وفي هذه الحال إيذان بأن ذلك الوعد جزاء لهم، أي وعدتُّهم هذا الوعد الشامل لهم والباقي في خلفهم لأنهم يعبدونني عبادة خالصة عن الإشراك. وعبر بالمضارع لإفادة استمرارهم على ذلك تعريضاً بالمنافقين إذ كانوا يؤمنون ثم ينقلبون. وجملة: {لا يشركون بي شيئاً} حال من ضمير الرفع في {يعبدونني} تقييداً للعبادة بهذه الحالة لأن المشركين قد يعبدون الله ولكنهم يشركون معه غيره. وفي هاتين الجملتين ما يؤيد ما قدمناه آنفاً من كون الإيمان هو الشريطة في كفالة الله للأمة هذا الوعد. وجملة: {ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} تحذير بعد البشارة على عادة القرآن في تعقيب البشارة بالنذارة والعكس دفعاً للاتكال. والإشارة في قوله: {بعد ذلك} إلى الإيمان المعبر عنه هنا بـ{يعبدونني لا يشركون بي شيئاً} والمعبر عنه في أول الآيات بقوله: {وعد الله الذين آمنوا}، أي ومن كفر بعد الإيمان وما حصل له من البشارة عليه فهم الفاسقون عن الحق. وصيغة الحصر المأخوذة من تعريف المسند بلام الجنس مستعملة مبالغة للدلالة على أنه الفسق الكامل. ووصف الفاسقين له رشيق الموقع، لأن مادة الفسق تدل على الخروج من المكان من منفذ ضيق.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذه الأمة ليستخلفنّهم في الأرض: أي ليجعلنهم خلفاء الأرض، الذين لهم السيطرة فيها، ونفوذ الكلمة، والآيات تدل على أنّ طاعة الله بالإيمان به، والعمل الصالح سبب للقوّة والاستخلاف في الأرض ونفوذ الكلمة، كقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} تفسير : [الأنفال: 26] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الحج: 40ـ41] وقوله تعالى: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} تفسير : [محمد: 7] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآيات الكريمة: {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي كبني إسرائيل. ومن الآيات الموضحة لذلك: قوله تعالى: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ} تفسير : [القصص: 5ـ6] وقوله تعالى عن موسى عليه السلام وعلى نبيّنا الصلاة والسلام: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 129] وقوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} تفسير : [الأعراف: 137] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ}، اللام موطئة لقسم محذوف: أي وعدهم الله، وأقسم في وعده ليستخلفنهم. قوله تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُم} هذا الدين الذي ارتضاه لهم هو دين الإسلام بدليل قوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} تفسير : [المائدة: 3]. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : [آل عمران: 19]. وقوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 85]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُم}. قال الزمخشري تمكينه هو تثبيته وتوطيده.
القطان
تفسير : ليستخلفنهم: يجعلهم خلفاء في الحكم على هذه الارض. وليمكننّ لهم دينهم: يثبت لهم الاسلام الذي ارتضاه لهم دينا. {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.... } وعد الله المؤمنين الصادقين في إيمانهم العاملين المجاهدين لجعل الاسلام هو الحاكمَ في الأرض - أن ينصرهم ويجعلهم حكام الأرض، كما فعل مع المؤمنين الذين سبقوهم. كما وعدهم ان يرسِّخَ دعائم دينهم الذي ارتضاه لهم، وان يبدِّل حالهم من الخوف الذي عاشوا فيه عند بداية الإسلام الى أمنِ واستقرار وعز، بشرط ان يعبدوا الله وحده. وقد تحقق هذا الوعدُ لأسلافنا، وهو قائمٌ الى الأبد إذا نحن أقمنا على شرطِ الله بأن نصدُق في إيماننا، ونسيرَ على منهاج ديننا. ان وعدَ الله حقٌّ قائم وشَرْطَ الله حق معروف. ومن أوفى بعهِده من الله.!؟ والذين كفروا بعد هذا الوعد الصادق، هم الخارجون المتمرّدون، وحسابهُم على الله. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ.... } وبعد الوعد الصادق للمؤمنين بالنصرِ واستخلافِهم في الأرض يأتي الأمرُ بإقامة الصلاة وايتاء الزكاة عن طيب خاطر لمستحقّيها، واطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام في سائر ما أمرنا اللهُ به حتى يكون لنا رجاءٌ في رحمته ورضوانه. ثم بين الله بعد ذلك أن الكافرين لا قيمة لهم، وانه سيحلُّ بهم العذاب، ولا يجدون مَهْرَباً مما أوعدهم به ربهم، وأن مصيرهم النار وبئس القرار. قراءات قرأ أبو بكر: كما استخلف، بضم التاء وكسر اللام. والباقون: كما استخلف بفتح التاء واللام. وقرأ ابن عامر وحمزة: لا يحسبن بالياء. والباقون: لا تحسبن بالتاء. وقرأ ابن كثير وابو بكر: وليبدلنْهم باسكان النون. والباقون: وليبدلنّهم بالتشديد.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَات} {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلْفَاسِقُونَ} (55) - هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ سَيَجْعَلُ مِنْ أُمَّتِهِ خُلَفَاءَ فِي الأَرْضِ، وَأَئِمَّةً لِلنَّاسِ، وَأَنَّهُ سَيُبَدِّلُهُمْ بَعْدَ خَوْفِهِمْ مِنَ النَّاسَ أَمْناً وَحُكْماً فِيهِمْ. وَقَدْ أَمْضَى المُسْلِمُونَ عَشْرَ سِنِينَ فِي مَكَّةَ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الإِسْلاَمِ سِرّاً، وَهُمْ خَائِفُونَ لاَ يُؤْمَرونَ بِالقِتَالِ، حَتَّى أُمِرُوا بالهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَأُمِرُوا بِالقِتَالِ، فَكَانُوا خَائِفِينَ يُمْسُونَ بالسِّلاَحِ، وَيُصْبِحُونَ بالسَّلاحِ، فَصَبَرُوا عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ. ثُمَّ حديث : إِنَّ رَجُلاً مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَبَدَ الدَّهْرِ نَحْنُ خَائِفُونَ هَكَذَا؟ مَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْمٌ نَأَمَنُ فِيهِ، وَنَضَعُ السِّلاَحَ؟ فَقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: لَنْ تَصْبِروا إِلاَّ يَسِيراً حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُم فِي المَلأ العَظِيمِ مُحْتَبياً لَيْسَتْ فِيهِ حَدِيدَةٌ ). تفسير : وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ سَيَسْتَخْلِفُ المُؤْمِنِينَ فِي الأَرْضِ، كَمَا اسْتَخَلَفَ المُؤْمِنِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَسَيَكُونُ لَهُم الأَمْرُ. وَحَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَمَنْ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، وَجَحَدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وَكَفَى بِذَلِكَ ذَنْباً عَظَيماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : في أول الحديث عن سورة النور قلنا: إنها سُمِّيَتْ بالنور؛ لأنها تبين للناس النور الحسيّ في الكون، وتقيس عليه النور المعنوي في القيم، وما دُمْنا نطفىء أنوارنا الحسية حين يظهر نور الله في الشمس، يجب كذلك أن نطفىء أنوارنا المعنوية حين يأتينا شرع من الله. فليس لأحد رَأْيٌ مع شرع الله؛ ذلك لأن الخالق - عز وجل - يريد لخليفته في الأرض أن يكون في نور حِسِّيٍّ ومعنوي، ثم ضمن له مقومات بقاء حياته بالطعام والشراب شريطةَ أنْ يكون من حلال حتى تبنى خلاياه وتتكون من الحلال فيَسلم له جهاز الاستقبال عن الله وجهاز الإرسال إنْ أراد الدعاء. وفي الحديث الشريف: "حديث : أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ..} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِّي بالحرام فأنَّى يُستجاب لذلك؟ ". تفسير : فهذه أجهزة مُعطَّلة خَرِبة أشبه ما تكون بالراديو الذي لا يحسن استقبال ما تذيعه محطات الإذاعة، فالإرسال قائم يستقبله غيره، أما هو فجهاز استقباله غير سليم. فإذا ضمنتَ سلامة تكوينك بلقمة الحلال ضمن الله لك إجابة الدعاء، وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "حديث : أطِبْ مَطْعمك تكُنْ مُسْتجاب الدعوة ". تفسير : ثم ضمن الله للإنسان مُقوِّمات بقاء نوعه بالزواج لاستمرار الذرية لتستمر الخلافة في الأرض طاهرة نظيفة، ثم تحدثتْ السورة مُحذِّرة إياكم أنْ تجترئوا على أعراض الناس، أو ترْمُوا المحصنات، أو تدخلوا البيوت دون استئذان، حتى لاتطّلعوا على عورات الناس .. إلخ. فالحق - سبحانه وتعالى - يريد سلامة المجتمع وسلامة الخلافة في الأرض، وكل هذه الأحكام والمعاني تصبُّ في هذه الآية: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [النور: 55]. فمَنْ فعل ذلك كان أَهْلاً للخلافة عن الله، إنها معركة ابتلاءات وتمحيص تُبيِّن الغَثَّ من السَّمين، أَلاَ ترى المسلمين الأوائل كيف كانوا يُعذَّبون ويُضطهدون، ولا يجرؤ أحد على حمايتهم حتى اضطروا للهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وقد قال تعالى: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}تفسير : [العنكبوت: 2]. وهؤلاء الصحابة هم الذي حملوا للدنيا مشاعلَ الهداية، وساحوا بدعوة الله في أنحاء الأرض، فلا بُدَّ أن يُربوا هذه التربية القاسية، وأن يُمتحنوا كل هذا الامتحان، وهم يعلمون جيداً ثمن هذه التضحية وينتظرون ثوابها من الله، فأهل الحق يدفعون الثمن أولاً، أما أهل المبادىء الباطلة فيقبضون الثمن أولاً قبل أنْ يتحركوا في اتجاه مبادئهم. وهذا الابتلاء الذي عاشه المسلمون الأوائل هو من تنقية الخليفة ليكون أَهْلاً لها. لذلك قال سبحانه: {وَعَدَ ٱللَّهُ ..} [النور: 55] والوَعْد: بشارة بخير لم يَأْتِ زمنُه بعد، حتى يستعد الناس بالوسيلة له، وضِدّه الوعيد أو الإنذار بشرٍّ لم يأتِ زمنه بعد، لتكون هناك فرصة للاحتياط وتلافي الوقوع في أسبابه. وما دام الوعد من الله تعالى فهو صِدْق، كما قال سبحانه: {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً}تفسير : [النساء: 122] وقال سبحانه: {أية : وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 111]. والذي يفسد على الناس وعودهم، ويجرُّ عليهم عدم الوفاء أن الإنسان مُتغيِّر بطَبْعه مُتقلِّب، فقد يَعِد إنساناً بخير ثم يتغير قلبه عليه فلا يفي له بما وعد، وقد يأتي زمن الوفاء فلا يقدر عليه، أمّا الحق - تبارك وتعالى - فلا يتغير أبداً، وهو سبحانه قادر على الوفاء بما وعد به، فليست هناك قوة أخرى تمنعه، فهو سبحانه واحد لا إله غيره؛ لذلك فوَعْده تعالى ناجز. {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} [النور: 55] قلنا: إن الإيمان الذي يقوم على صفاء الينبوع والعقيدة ليس مطلوباً لذاته، إنما لا بُدَّ أن تكون له ثمرة، وأن يُرى أثره طاعة وتنفيذاً لأوامر الله، فطالما آمنتَ بالله فنفِّذ ما يأمرك به، وهناك من الناس مَنْ يفعل الخير، لكن ليس من منطلق إيماني مثل المنافقين الذين قال الله فيهم: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا ..}تفسير : [الحجرات: 14] فَردَّ الله عليهم: {أية : قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا ..}تفسير : [الحجرات: 14] يعني: خضعنا للأوامر، لكن عن غير إيمان، إذن: فقيمة الإيمان أن تُنفِّذ مطلوبه. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 1-3]. فبماذا وعد الله الذين آمنوا؟ {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [النور: 55] وهذه ليست جديدة، فقد سبقهم أسلافهم الأوائل {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} [النور: 55]، فاستخلاف الذين آمنوا ليس بدْعاً، إنما هو أمر مُشاهد في مواكب الرسل والنبوة ومُشَاهد في المسلمين الأوائل من الصحابة الذين أُوذُوا وعُذِّبوا واضطهدوا وأُخْرِجوا من ديارهم وأولادهم وأموالهم ولم يُؤمَروا بردِّ العدوان. حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة في جَمْع من صحابته استقبله الأنصار بالحفاوة، واحتضنوا هؤلاء المهاجرين، وفعلوا معهم نموذجاًَ من الإيثار ليس له مثيل في تاريخ البشرية، وهل هناك إيثار أعظم من أنْ يعرض الأنصاري زوجاته على المهاجر يقول: اختر إحداهما أُطلِّقها لك، إلى هذه الدرجة فعل الإيمان بنفوس الأنصار. ولما رأى كفار قريش ما صنعه الأنصار مع المهاجرين توقَّدوا ناراً: كيف يعيش المهاجرون في المدينة هذه العيشة الهنية وتكتلوا جميعاً ضد هذا الدين ليضربوه عن قَوْس واحدة، وتآمروا على القدوة ليقضوا على هذا الدين الوليد الذي يشكل أعظم الخطر عليهم. حتى إن الأمر قد بلغ بالمهاجرين والأنصار أنهم لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا بالسلاح مخافةَ إنْ ينقضَّ عليهم أعداؤهم، حتى إن أحد الصحابة يقول لإخوانه: أتروْنَ أنَّا نعيش حتى نأمن ونطمئن و لانبيت في السلاح ونصبح فيه، ولا نخشى إلا الله؟ يعني: أهناك أمل في هذه الغاية؟ وآخر يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون.؟ ألاَ يأتينا يوم نضع فيه السلاح ونبيت آمنين؟ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم بلسان الواثق من وعد ربه، وليس كلاماً قد يُكذَّب فيما بعد: "حديث : لا تصبرون إلا يسيراً، حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتبياً ليست فيه حديدة"تفسير : يعني: في الملأ الواسع، والاحتباء جلسة المستريح الهانىء، والحديدة كناية عن السلاح. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلْك أمتي ما زُوِيَ لي منها ". تفسير : ومعنى "إن الله زوى لي الأرض" معلوم أن للإنسان مجالَ رؤية يلتقي فيه إلى نهاية الأفق، أمّا الأرض ذاتها فواسعة، فُزِويَتْ الأرض لرسول الله يعني: جُمعت في زاوية، فصار ينظر إليها كلها. إذن: فهم في هذه المرحلة يشتهون الأمن وهدوء البال، وقد قال تعالى عنهم في هذه الفترة: {أية : وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ..}تفسير : [البقرة: 214]. وفي غمرة هذه الشدة وقمة هذا الضيق يُنزل تعالى على رسوله: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45] حتى إن الصحابة ليتعجبون، يقول عمر رضي الله عنه: أيُّ جمع هذا؟ وقد نزلت الآية وهم في مكة في أشد الخوف لا يستطيعون حماية أنفسهم. لكن بعد بدر وبعد أنْ رأى ما نزل بالكفار قال: صدق الله {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45]. ثم ينزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بعض الآيات التي تُطمئن المؤمنين وتصبرهم: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ..}تفسير : [الرعد: 41]. فاطمئنوا، فكل يوم ننقص من أرض الكفر، ونزيد في أرض الإيمان، فالمقدِّمات في صالحكم، ثم يأتي فتح مكة ويدخلها النبي صلى الله عليه وسلم في موكب مهيب مُطْأطِئاً رأسه، تواضعاً لمن أدخله، مُظهِراً ذِلة العبودية لله. حتى إن أبا سفيان لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموكب يقول للعباس: لقد أصبح مُلْك ابن أخيك عظيماً، فيقول العباس: إنها النبوة يا أبا سفيان، يعني: المسألة ليست مُلْكاً إنما هو بشائر النصر لدين الله وظهوره على معقل الأصنام والأوثان في مكة. ثم يذهب إلى خيبر معقل أهل الكتاب من بني قَيْنُقَاع وبني النضير وبني قريظة وينتصر عليهم، ثم تسقط في يده البحرين ومجوس هَجَر، ويدفعون الجزية. بعد ذلك يرسل صلى الله عليه وسلم كُتبه إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى الإسلام، فيرسل إلى النجاشي مَلِك الحبشة، وإلى المقوقِس، وإلى هرقل، وإلى كسرى، وتأتيه الهدايا من كُلِّ هؤلاء. ويستمر المدُّ الإسلامي والوفاء بوعد الله تعالى لخليفة رسول الله، فإنْ كان المد الإسلامي قد شمل الجزيرة العربية على عهد رسول الله، فإنه تعدّاها إلى شتى أنحاء العالم في عهد الخلفاء الراشدين، حتى ساد الإسلامُ العالمَ كله، وأظهره الله على أكبر حضارتين في ذلك الوقت: حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب في وقت واحد، ويتحقق وعد الله للذين آمنوا بأنْ يستخلفهم في الأرض. وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتحقق النبوءات التي أخبر بها، ومنها ما كان من أمر سراقة بن مالك الذي خرج خلف رسول الله في رحلة الهجرة يريد طلبه والفوز بجائزة قريش، وبعد أن تاب سُرَاقة وعاد إلى الجادة كان الصحابة يعجبون لدقة ساعديْه ويصفونهما بما يدعو إلى الضحك "حديث : فكان صلى الله عليه وسلم يقول عن ساعدي سراقة: كيف بهما في سواري كسرى؟ " تفسير : ويفتح المسلمون بعد ذلك مُلْك كسرى، ويكون سِوَارا كسرى من نصيب سُرَاقة، فيلبسهما، ويراهما الناس في يديه. هذه كلها بشائر ومقدمات لوعد الله يراها المؤمنون في أنفسهم، لا فيمن يأتي بعد {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ ..} [النور: 55] يعني المسألة لن تطول. كذلك حديث : أم حرام بنت ملحان التي خرجت في غزوة ذات الصواري وركبت البحر ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينام هناك ثم يصحو وهو يضحك، فقالت له: ما يُضحكك يا رسول الله؟ قال: "أناس من أمتي يركبون زَبَد هذا البحر، ملوك على الأَسِرَّة أو كالملوك على الأَسِرّة" فقال: ادْعُ الله أن أكون منهم، فدعا لها فاستجاب الله دعاءه، وخرجتْ في الغزوة، ولما ركبوا البحر الأبيض أرادت أن تخرج فماتت . تفسير : إذن: فالبشارة في هذه الآية ليست بشارة لفظية، إنما هي بشارة واقعية لها واقع يؤيدها، قد حدث فعلاً. لكن، ما المراد بالأرض في {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [النور: 55]؟ إذا جاءت الأرض هكذا مُفْردةً غير مضافة لشيء فتعني كل الأرض، كما في قوله تعالى: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ ..}تفسير : [الإسراء: 104] يعني: تقطّعوا في كل أنحائها، {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ ..}تفسير : [الإسراء: 104] الذي وعد الله به {أية : جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً}تفسير : [الإسراء: 104] يعني: جمعناكم من الأراضي كلها، وهذا هو الأمل القوي الذي نعيش عليه، وننتظر من الله أنْ يتحقق. ثم يقول تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ ..} [النور: 55] ففوق الاستخلاف في الأرض يُمكِّن الله لهم الدين، ومعنى تمكين الدين: سيطرته على حركة الحياة، فلا يصدر من أمور الحياة أمر إلا في ضوئه وعلى هَدْيه، لا يكون ديناً مُعطّلاً كما نُعطِّله نحن اليوم، تمكين الدين يعني توظيفه وقيامه بدوره في حركة الحياة تنظيماً وصيانة. وقوله سبحانه: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ..} [النور: 55] وهم الذين قالوا: نبيت في السلاح، ونصبح في السلاح، فيبدلهم الله بعد هذا الخوف أَمْناً، فإذا ما حدث ذلك فعليهم أنْ يحافظوا على الخلافة هذه، وأنْ يقوموا بحقها {يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [النور: 55]. ومعنى {كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ ..} [النور: 55] يعني: بعد أن استخلفه الله، ومكّن له الدين وأمَّنه وأزال عنه أسباب الخوف. وفَرْق بين تمكين الإسلام وتمكين مَنْ يُنسب إلى الإسلام، فالبعض يدَّعي الإسلام، ويركب موجته حتى يحكم ويستتب له الأمر وتنتهي المسألة، لا .. لأن التمكين ليس لك أيها الحاكم، إنما التمكين لدين الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا من أوعاده الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدا بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة، وبغوا لهم الغوائل. فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئا، ولا يخافون أحدا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح. { وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ } التمكين والسلطنة التامة لكم، يا معشر المسلمين، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } الذين خرجوا عن طاعة الله، وفسدوا، فلم يصلحوا لصالح، ولم يكن فيهم أهلية للخير، لأن الذي يترك الإيمان في حال عزه وقهره، وعدم وجود الأسباب المانعة منه، يدل على فساد نيته، وخبث طويته، لأنه لا داعي له لترك الدين إلا ذلك. ودلت هذه الآية، أن الله قد مكن من قبلنا، واستخلفهم في الأرض، كما قال موسى لقومه: {أية : وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } تفسير : وقال تعالى: {أية : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 730 : 24 : 19 - سفين عن محمد بن كعب القرظي في هذه الآية {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} قال، هم الولاة. [الآية 55].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):