٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
57
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} هذا تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم ووعدٌ بالنصرة. وقراءة العامة «تَحْسَبَنَّ» بالتاء خطاباً. وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو حَيْوة «يَحْسَبَنَّ» بالياء، بمعنى لا يحسبنّ الذِين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض؛ لأن الحُسْبان يتعدّى إلى مفعولين. وهذا قول الزجاج. وقال الفراء وأبو عليّ: يجوز أن يكون الفعل للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي لا يحسبنّ محمد الذين كفروا معجزين في الأرض. فـ«ـالذين» مفعول أوّل، و«معجزين» مفعول ثان. وعلى القول الأوّل «الذين كفروا» فاعل «أنفسهم» مفعول أوّل، وهو محذوف مراد «معجزين» مفعول ثان. قال النحاس: وما علمت أحداً من أهل العربية بَصْرِيًّا ولا كوفِيًّا إلا وهو يخطِّىء قراءة حمزة؛ فمنهم من يقول: هي لحن؛ لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ليحسبنّ. وممن قال هذا أبو حاتم. وقال الفراء: هو ضعيف؛ وأجازه على ضعفه، على أنه يحذف المفعول الأوّل، وقد بيناه. قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول في هذه القراءة: يكون «الذين كفروا» في موضع نصب. قال: ويكون المعنى ولا يحسبنّ الكافر الذين كفروا معجزين في الأرض. قلت: وهذا موافق لما قاله الفراء وأبو عليّ؛ إلاّ أنّ الفاعل هناك النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي هذا القول الكافر. و«معجزين» معناه فائتين. وقد تقدّم. {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي المرجع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَ تَحْسَبَنَّ } بالفوقانية والتحتانية والفاعل الرسول {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ } لنا {فِى ٱلأَرْضِ } بأن يفوتونا {وَمَأْوَاهُمُ } مرجعهم {ٱلنَّارُ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } المرجع هي.
البقاعي
تفسير : ولما كان الكفار من الكثرة والقوة بمكان، كان الحال جديراً بتأكيد معنى التمكين، جواباً لسؤال من كأنه قال: وهل ذلك ممكن فقال: {لا تحسبن} أي أيها المخاطب {الذين كفروا} أي وإن زادت كثرتهم على العد، وتجاوزت عظمتهم الحد، فإن ذلك الحسبان ضعف عقل، لأن الملك لا يعجزه من تحت قهره، ويجوز أن يكون خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم لزيادة تحقيقه، لأنه على قدر عظمة المخاطب يكون إنجاز الوعد {معجزين} لأهل ودنا {في الأرض} فإنهم مأخوذون لا محالة {ومأواهم} أي مسكنهم ومنزلهم بعد الأخذ {النار}. ولما كانت سكنى الشيء لا تكون إلا بعد الصيرورة إليه قال: {ولبئس المصير*} مصيرها! فكيف إذا كان على وجه السكنى. ولما كان الملل من شيم النفوس، فكان تدريج الكلام في المقاصد لا سيما الأحكام شيئاً فشيئاً خلال مقاصد أخرى أوقع في القلب، وأشهى إلى الطبع، لا سيما إذا كان على وجوه من المناسبات عجيبة، وضروب من الاتصالات هي مع دقتها غريبة، زين الله تأصيلها بتفصيلها فابتدأ السورة بطائفة منها، وفصلها بدر الوعظ، وجواهر الحكم، والحث على معالي الأخلاق، ومكارم الأعمال، ثم وصلها بالإلهيات التي هي أصولها، وعن علي مقاماتها تفرعت فصولها، فلما ختمها بالتمكين لأهل هذا الدين، وتوهين أمر المعتدين، شرع في إكمالها، بإثبات بقية أحوالها، تأكيداً لما حكم به من التمكين، وما ختمه من ذلك من التوهين، وتحذيراً مما ختمه من العذاب المهين، وتحقيقاً لما ألزم به من الطاعة، ولزوم السنة والجماعة، فقال واصلاً بما ختم به الأحكام الأولى، من الأمر بإنكاح الأيامى، والكف عن إكراه البغايا، إثر الذين لم يظهروا على عورات النساء: {يا أيها الذين آمنوا} أي من الرجال والنساء، إما للتغليب، وإما لأن النساء أولى بحفظ العورة {ليستأذنكم} تصديقاً لدعوى الإيمان {الذين ملكت أيمانكم} من العبيد والإماء البالغين، ومن قاربهم، للدخول عليكم كراهة الاطلاع على عوراتكم والتطرق بذلك إلى مساءتكم {والذين} ظهروا على عورات النساء، ولكنهم {لم يبلغوا الحلم} وقيده بقوله: {منكم} ليخرج الأرقاء والكفار {ثلاث مرّات} في كل دور، ويمكن أن يراد: ثلاث استئذانات في كل مرة، فإن لم يحصل الإذن رجع المستأذن كما تقدم: المرة الأولى من الأوقات الثلاث {من قبل صلاة الفجر} لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم {و} الثانية {حين تضعون ثيابكم} أي التي للخروج بين الناس {من الظهيرة} للقائلة {و} الثالثة {من بعد صلاة العشاء} لأنه وقت الانفصال من ثياب اليقظة، والاتصال بثياب النوم، وخص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة، ووضع الثياب، وأثبت من في الموضعين دلالة على قرب الزمن من الوقت المذكور لضبطه، وأسقطها في الأوسط دلالة على استغراقه لأنه غير منضبط، ثم علل ذلك بقوله: {ثلاث عورات} أي اختلالات في التستر والتحفظ، وأصل العورة - كما قال البيضاوي: الخلل. لأنه لما كانت العورة تبدو فيها سميت بها {لكم} لأنها ساعات وضع الثياب والخلوة بالأهل، وبين حكم ما عدا ذلك بقوله مستأنفاً: {ليس عليكم} أي في ترك الأمر {ولا عليهم} يعني العبيد والخدم والصبيان، في ترك الاستئذان {جناح} أي إثم، وأصله الميل {بعدهن} أي في جميع ما سوى هذه الأوقات إذا هجموا عليكم؛ ثم علل الإباحة في غيرها، مخرجاً لغيرهم، مبيناً أن حكمة الاستئذان في كل وقت كما مضى بقوله: {طوافون عليكم} أي لعمل ما تحتاجونه في الخدمة كما أنتم طوافون عليهم لعمل ما يصلحهم ويصلحكم في الاستخدام {بعضكم} طواف {على بعض} لعمل ما يعجز عنه الآخر أو يشق عليه فلو عم الأمر بالاستئذان لأدى إلى الحرج. ولما أعلى سبحانه البيان في هذه الآيات إلى حد يعجز الإنسان لا سيما وهي في الأحكام، والكلام فيها يعيي أهل البيان، وكان السامع لما جبل عليه من النسيان، يذهل عن أن هذا هو الشأن، في جميع القرآن، قال مشيراً إلى عظم شأنها، في تفريقها وبيانها: {كذلك} أي مثل هذا البيان {يبين الله} بما له من إحاطة العلم والقدرة {لكم} أيتها الأمة الخاصة {الآيات} في الأحكام وغيرها وبعلمه وحكمته {والله} الذي له الإحاطة العامة بكل شيء {عليم} بكل شيء {حكيم*} يتقن ما يريده، فلا يقدر أحد على نقضه، وختم الآية بهذا الوصف يدل على أنها محكمة لم تنسخ كما قال الشعبي وغيره - أفاده ابن كثير، وحُكي مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير. ولما بين حكم الصبيان والأرقاء الذين هم أطوع للأمر، وأقبل لكل خير، أتبعه حكم البالغين من الأحرار فقال: {وإذا بلغ الأطفال منكم} أي من أحراركم {الحلم} أي السن الذي يكون فيه إنزال المني برؤية الجماع في النوم، هذا أصله، والمراد سن مطلق الإنزال {فليستأذنوا} على غيرهم في جميع الأوقات {كما استأذن الذين من قبلهم} على ما بين في أول الآيات القائلة {لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا} ونقل ابن كثير عن يحيى بن أبي كثير وسعيد بن جبير أن الغلام إذا كان رباعياً فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال. ولما كانت آيات الاستئذان أتقن حاسم لمواد الشر، وتركها أعظم فاتح لأبواب الفتن، وكان إخراج الكلام، في أحكام الحلال والحرام، مع التهذيب والبيان، في النهاية من الصعوبة، وكان فطم النفوس عما ألفت في غاية من العسر شديدة، أشار سبحانه إلى ذلك بتكرير آية البيان، إشارة إلى أنها - لما لها من العلو - جديرة بالتأكيد، وإلى أن البلغاء يستبعدون القدرة على البيان كلما أريد على هذا السنن فقال: {كذلك} أي مثل ذلك البيان الذي بينه في آيات الأحكام {يبين الله} بما له من صفات الكمال {لكم} مع ما لكم من خلال النقص {آياته} أي العلامات الدالة عليه من هذه الفرعيات وما رقت إليه الأصليات، فأضافها إليه سبحانه تعظيماً لها، إشارة إلى أنها مقدمة للآيات الإلهيات، لأن من لم يتفرغ من مكدرات الأفكار، لم يطر ذلك المطار، وحثاً على تدبر ما تقدم منها لاستحضار ما دعت إليه من الحكم، وفصلت به من المواعظ، وتنبيهاً على ما فيها من العلوم النافعة ديناً ودنيا، وزاد في الترغيب في العلم والحكمة إشارة إلى أن ذلك سبب كل سعادة فقال: {والله} أي المحيط بكل شيء {عليم حكيم*} روى الطبراني وغيره "حديث : عن أنس رضي الله عنه قال: لما كانت صبيحة احتلمت دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته أني قد احتلمت، فقال: "لا تدخل على النساء"، فما أتى عليّ يومٌ كان أشد منه ".تفسير : ولما ذكر سبحانه اقتبال الشباب، في تغيير حكم الحجاب، أتبعه الحكم عند إدبار الشباب، في إلقاء الظاهر من الثياب، فقال: {والقواعد} وحقق الأمر بقوله: {من النساء} جمع قاعد، وهي التي قعدت عن الولد وعن الحيض كبراً وعن الزوج. ولما كان هذا الأخير قطبها قال: {اللاتي لا يرجون نكاحاً} أي لعدم رغبتهن فيه أو لوصولهن إلى حد لا يرغب فيهن معه {فليس عليهن جناح} أي شيء من الحرج في {أن يضعن ثيابهن} أي الظاهرة فوق الثياب الساترة بحضرة الرجال بدليل قراءة ابن مسعود رضي الله عنه {من ثيابهن} قال أبو صالح: تضع الجلباب، وهو ما يغطي ثيابها من فوق كالملحفة، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار {غير متبرجات بزينة} أي متعمدات - بوضع ما أبيح لهن وضعه إظهار وجوههن مع الزينة، أو غير متظاهرات بالزينة، قال في الجمع بين العباب والمحكم: تبرجت المرأة: أظهرت وجهها. وفي القاموس: تبرجت: أظهرت زينتها للرجال - انتهى. ومادة برج تدور على الظهور كما مضى في الحجر؛ وقال البيضاوي: وأصل البرج التكلف في إظهار ما يخفى - انتهى. وكأنه أشير بصيغة التفعل إلى أن ما ظهر منها من وجهها أو زينتها عفواً غير مقصود به الفساد لا حرج فيه. ولما ذكر الجائز، وكان إبداء الوجه داعياً إلى الريبة، أشار إليه بقوله ذاكراً المستحب، بعثاً على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها: {وأن يستعففن} أي يطلبن العفة بدوام الستر وعدم التخفف بإلقاء الجلباب والخمار {خير لهن} من الإلقاء المذكور. ولما كان ما ذكر من حالهن من الخلطة على ذلك الوصف معلوماً أنه لا يخلو عن كلام، كان التقدير: فالله في وضع الحرج عنهن رؤوف بهن رحيم، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {سميع} أي لكلامهن إذا خاطبن الرجال هل يخضعن فيه ويتصنعن في ترخيم الصوت به أو يلقينه على الحالة المعروفة غير المنكرة {عليم*} بما يقصدن به وبكل شيء.
ابو السعود
تفسير : {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لمَّا بُـيِّن حالَ من أطاعَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُشير إلى فوزِه بالرَّحمةِ المُطلقة المستتبعةِ لسعادةِ الدَّارينِ عُقّب ذلك ببـيانِ حالِ مَن عصاهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ومآلِ أمرِه في الدُّنيا والآخرةِ بعد بـيانِ تناهيهِ في الفسقِ تكميلاً لأمرِ التَّرغيبِ والتَّرهيبِ والخطاب إما لكلِّ أحد ممَّن يصلح له كائناً من كانَ وإمَّا للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على منهاج قوله تعالى: { أية : ولا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [يونس: 105] ونظائرِه للإيذانِ بأنَّ الحُسبانَ المذكورَ من القُبحِ والمحذوريَّةِ بحيث يُنهى عنه مَن يمتنعُ صدورُه عنه فكيف بمَن يمكن ذلك منه؟ ومحلُّ الموصولِ النَّصبُ على أنَّه مفعولٌ أوَّلٌ للحُسبانِ وقوله تعالى: {مُعَـٰجِزِينَ} ثانيهما وقوله تعالى: {فِى ٱلأَرْضِ} ظرفٌ لمعجزين لكن لا لإفادةِ كون الإعجاز المنفيّ فيها لا في غيرها فإن ذلك مما لا تحتاج إلى البـيان بل لإفادة شمولِ عدم الإعجازِ بجميعِ أجزائِها أي لا تحسبنَّهم مُعجزين الله عزَّ وجلَّ عن إدراكِهم وإهلاكِهم في قطرٍ من أقطارِ الأرضِ بما رحُبتْ وإنْ هربُوا منها كلَّ مهربٍ. وقُرىء لا يَحسَبنَّ بـياءِ الغَيبةِ على أنَّ الفاعلَ كلُّ أحدٍ والمعنى كما ذُكر أي لا يَحسبنَّ أحدٌ الكافرينَ معجزين له سبحانَهُ في الأرضِ أو هو الموصولُ والمفعولُ الأوَّلُ محذوفٌ لكونه عبارةً عن أنفسِهم كأنَّه قيل: لا يحسبنَّ الكافرونَ أنفسَهم مُعجزين في الأرضِ وأما جعلُ معجزين مفعولاً أوَّلَ وفي الأرضِ مفعولاً ثانياً فبمعزلٍ من المُطابقة لمقتضى المقامِ ضرورةَ أنَّ مصبَّ الفائدةِ هو المفعولُ الثَّاني ولا فائدةَ في بـيانِ كونِ المُعجزين في الأرضِ وقد مرَّ في قولِه تعالى: { أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 30] وقولِه تعالى: {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} معطوفٌ على جملة النَّهيِ بتأويلِها بجُملةٍ خبريَّةٍ لأنَّ المقصودَ بالنَّهيِ عن الحُسبان تحقيقُ نفيِ الحُسبانِ كأنَّه قيل: ليسَ الذين كفرُوا مُعجزين ومأواهم الخ، أو على جملةٍ مقدَّرةٍ وقعتْ تعليلاً للنَّهيِ كأنَّه قيل: لا تحسبنَّ الذين كفرُوا معجزين في الأرضِ فإنَّهم مُدرَكُونَ ومأواهم الخ، وقيل: الجملةُ المقدَّرةُ بل هم مقهورون فتدبَّرْ {وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} جوابٌ لقسمٍ مقدَّرٍ والمخصوص بالذمِّ محذوفٌ أي وبالله لبئسَ المصيرُ هي أي النَّارُ والجملة اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لما قبله وفي إيراد النَّارِ بعنوان كونها مأوى ومصيراً لهم إثرَ نفيِ فَوتِهم بالهرب في الأرض كلَّ مهرَبٍ من الجَزَالة ما لا غايةَ وراءَهُ فللَّه درُّ شأنِ التَّنزيلِ.
القشيري
تفسير : إنَّ الباطلَ قد تكون له دولةُ ولكنها تخييل - وما لذلك بقاء - وأقلُّ لُبْشاً من عارضٍ ينشأ عن الغيظ.
اسماعيل حقي
تفسير : {لاتحسبن} يا محمد او يامن يصلح للخطاب كائنا من كان {الذين كفروا} مفعول اول للحسبان {معجزين فى الارض} العجز ضد القدرة واعجزت فلانا جعلته عاجزا اى معجزين لله عن ادراكهم واهلاكهم فى قطر من الاقطار بما رحبت وان هربوا منها كل مهرب {ومأواهم النار} عطف على جملة النهى بتأويلها بجملة خبرية اى لا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الارض فانهم مدركون ومأواهم النار {ولبئس المصير} جواب لقسم مقدر والمخصوص بالمدح محذوف اى وبالله لبئس المصير والمرجع هى اى النار يقال صار الى كذا اى انتهى اليه ومنه صير الباب لمصيره الذى ينتهى اليه فى تنقله وتحركه، وفى الآية اشارة الى كفران النعمة فان الذين انفقوا النعمة فى المعاصى وغيروا ما بهم من الطاعات مأواهم نار القطيعة، قال على رضى الله عنه اقل ما يلزمكم لله ان لا تستعينوا بنعمه على معاصيه، قال الحسن رحمه الله اذا استوى يوماك فانت ناقص قيل كيف ذاك قال ان الله زادك فى يومك هذا نعما فعليك ان تزداد فيه شكرا وكل ما اوجد لفعل ما فشرفه لتمام وجود ذلك الفعل منه كالفرس للعدو فى الكرّ والفرّ والسيف للعمل والاعضاء خصوصا اللسان للشكر ومتى لم يوجد فيه المعنى الذى لاجله اوجد كان ناقصا فالانسان القاصر فى عباداته كالانسان الناقص فى اعضائه والآته، واعلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا جميع الناس الى الله تعالى والى توحيده وطاعته فاجاب من اجاب وهم اهل السعادة واولهم الصاحبة رضى الله عنهم واعرض من اعرض وهم اهل الشقاوة واقدمهم الكفرة والمنافقون المعاصرون له عليه السلام ولما هربوا من باب الله تعالى بترك اطاعة رسوله واصروا عليه عاقبهم الله تعالى عاجلا ايضا حيث قتلوا فى الوقائع واصيبوا بما لايخطر ببالهم فانظر كيف ادركهم الله تعالى فلم يعجزه كما ادرك الامم السالفة العاصيه نسأل الله تعالى ان يجعلنا فى حصين عصمته ويتغمدنا برحمته ويحرسنا بعين عنايته.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {لا تحسَبنَّ الذين كفروا مُعْجِزِينَ} أي: فائتين الله عن إدراكهم وإهلاكهم، في قُطْرٍ من أقطار الأرض، بل لا بد من أخذهم، عاجلاً أو آجلاً، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل سامع. و {الذين}: مفعول أول، و (معجزين): مفعول ثان. وقرأ حمزة والشامي بالغيب، و (الذين): فاعل، والأول، محذوف، أي: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين {في الأرض}. و {مأواهم النار}: معطوف على محذوف، أي: بل هم مُدْرَكُونَ، {ومأواهم النار} أي: مسكنهم ومرجعهم، {ولبئس المصيرُ} أي: والله لبئس المرجع هي. وفي إيراد النار، بعنوان كونها مأوى ومصيراً لهم، إثر نفي قوتهم بالهرب في الأرض كل مهرب، من الجزالة ما لا غاية وراءه. والله تعلى أعلم. الإشارة: لا تحسبن أهل الانتقاد على أولياء الله أنهم فائتون، بل لا بد من غيرة الله عليهم، عاجلاً أو آجلاً، في الظاهر أو الباطن، ومأواهم نار القطيعة ولبئس المصير. وقال القشيري على هذه الآية: الباطل قد تكون له صَوْلَةٌ لكنه يختل، وما لذلك بقاء، ولعل لبثه من عارض الشتاء في القيظ، أي: الحر. هـ. والله تعالى أعلم. ثم تمَّم الكلام على الاستئذان المتقدم ووسط بينهما مواعظ تحث على الامتثال، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ...}
الأعقم
تفسير : {لا تحسبنّ الذين كفروا} قرأ نافع وابن كثير بالتاء على الخطاب أيها السامع الكافرين {معجزين في الأرض}، وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء على أن الخطاب للذين كفروا تقديره لا يحسبن {الذين كفروا معجزين في الأرض}، واختلف القراء في فتح السين وكسرها وهما لغتان {معجزين في الأرض} فائتين سابقين، وقيل: أنهم ظنوا أنهم معجزين أولياء الله من المؤمنين بأن يقاتلونهم ويصيّرونهم إلى العجز {ومأواهم النار} أي مصيرهم {ولبئس المصير} {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} الآية قال ابن عباس: وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غلاماً من الأنصار إلى عمر وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل داره فرأى عمر بحالة كره رؤيته، فقال له: يا رسول الله لو أن الله أمرنا ونهى في حال الاستئذان فنزلت: {يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم} أي ليطلبوا الإذن {الذين ملكت أيمانكم} قيل: هم أطفال المماليك والعبيد، قال في الحاكم: وهو الوجه، وقيل: أمر بأن يستأذن العبيد والإِماء {والذين لم يبلغوا الحلم منكم} الأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار {ثلاث مرات} في اليوم والليلة {من قبل صلاة الفجر} لأنه وقت القيام من المضاجع، وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة وبالظهيرة لأنه وقت وضع الثياب للقيلة {ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم} لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم، فأباح للمملوك والأطفال في الأوقات إلا في الثلاثة الأوقات لكشف العورات، وقوله: {ثلاث عورات} يعني هذه الأوقات الثلاثة ثلاث مرات في ثلاثة أوقات {ليس عليكم ولا عليهم جناح} ضيق وحرج {بعدهنّ} بعد هذه الثلاثة {طوافون عليكم} يدخلون للخدمة ويطوفون عليكم للاستخدام {بعضكم على بعض كذلك يبيّن الله لكم الآيات والله عليم حكيم} {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم} وهو وقت البلوغ مبلغ الرجال {فليستأذنوا} في جميع الأوقات {كما استأذن الذين من قبلهم} يعني الأحرار الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن، وهذا مما الناس عنه في غفلة، وعن ابن عباس: لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن، وعنه: ثلاث آيات جحدها للناس الاذن كله، وقوله: {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم}تفسير : [الحجرات: 13]، وقوله: {أية : وإذا حضر القسمة}تفسير : [النساء: 8]، وعن ابن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخوانكم، وعن الشعبي: أنه ليس بمنسوخة، قيل له: أن الناس لا يعلمون بها، فقال: الله المستعان، وعن سعيد بن جبير: يقولون هي منسوخة، ولا والله ما هي منسوخة ولكن الناس يتهاونون بها {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم} وهو وقت البلوغ مبلغ الرجال فليستأذنوا في جميع الأوقات {كما استأذن الذين من قبلهم} يعني الأحرار الكبار {كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم}، قال جار الله: فإن قلتَ: ما السنين الذي يحكم فيها بالبلوغ؟ قلت: قال أبو حنيفة: ثماني عشرة سنة في الغلام، وسبع عشرة في الجارية، وعامة العلماء على خمس عشرة فيهما، ومنهم من اعتبر الانبات.
اطفيش
تفسير : {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ} لنا * {فِي الأَرْضِ} عن ادراكهم واهلاكهم وفي الارض متعلق بمعجزين والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والذين مفعول أول ومعجزين مفعول ثاني أو التاء تأنيث الذين لانه اسم جمع لا جمع مذكر سالم وهو فاعل مجاز تأنيثه كما جاز تأنيث جمع التكسير مثل قامت الرجال ومعجزين مفعول اول وفي الارض مفعول ثاني او الذين فاعل ومعجزين مفعول ثاني وفي الارض متعلق به والمفعول الاول ضمير الذين اي لا تحسبنهم جماعة الذين كفروا انفسهم معجزين والهاء للذين يعدها لانه في نية التقديم أي لا تحسبن جماعة الذين كفروا أنفسهم معجزين وحذفت الهاء لانها والذين ومعجزين لشيء واحد. وقرأ حمزة وابن عامر {لاَ يَحْسَبَنَّ} بالتحتية وفيه ضمير الرسول {وَالَّذِينَ} مفعول أول {وَمُعْجِزِينَ} مفعول ثاني وفي الارض متعلق به ولا ضمير فيه {وَالَّذِينَ} فاعله {وَمُعْجِزِينَ} مفعول أول و في الارض مفعول ثاني أو {الَّذِينَ} فاعله {وَمُعْجِزِينَ} مفعول ثاني وفي الارض متعلق به والمفعول الاول محذوف اي لا يحسبن الذين كفروا معجزين او لا يحسبن الذين كفروا وانفسهم معجزين على حذف ما مر * {وَمَأَوَاهُمُ} مرجعهم * {النَّارُ} مستأنف عائد على {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ} في المعنى كأنه قيل الذين كفروا لا يفوتون الله ومأواهم النار تصبهم ولا بد أو معطوف عليه بناء على جواز عطف الخبر على الانشاء والاسمية على الفعلية والذين كفروا المراد بهم الذين اقسموا بالله جهد ايمانهم أو المعموم * {وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} النار. قال ابن هشام: اختلف في دخول لام الابتداء في غير باب (ان) على شيئين احدهما خبر المبتدأ المقدم نحو (لقائم زيد). وفي امالي ابن الحاجب لام الابتداء يجب معها المبتدأ والثاني فعل المضارع نحو (ليقوم زيد) اجازه ابن مالك ولما لقي زاد لما لقي الماضي الجامد نحو لبئس ما كانوا يعملون وبعضهم المعترف المقرون بقد نحو {أية : ولقد كانوا عاهدوا الله} تفسير : والمشهور ان هذه لام القسم.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الخ بيان لمآل الكفرة في الدنيا والآخرة بعد بيان تناهيهم في الفسق وفوز أضدادهم بالرحمة المطلقة المستتبعة لسعادة الدارين، وفي ذلك أيضاً رفع استبعاد تحقق الوعد السابق مع كثرة عدد الكفرة وعددهم والخطاب لكل من يتأتى منه الحسبان نظير ما في قوله تعالى: { أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُؤُوسِهُمْ } تفسير : [السجدة: 12]. وجوز أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل التعريض بمن صدر منه ذلك كقوله: شعر : إياك أعني فاسمعي يا جارة تفسير : أو الإشارة إلى أن الحسبان المذكور بلغ في القبح والمحذورية إلى حيث ينهي من يمتنع صدوره عنه فكيف بمن يكن ذلك منه كما قيل في قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 14] فقول أبـي حيان: إن جعل الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ليس بجيد لأن مثل هذا الحسبان لا يتصور وقوعه منه عليه الصلاة والسلام ليس بجيد لما فيه من الغفلة عما ذكر؛ ومحل الموصول نصب على أنه مفعول أول للحسبان وقوله تعالى: {مُعَـٰجِزِينَ } ثانيهما وقوله تعالى: {فِى ٱلاْرْضِ } ظرف لمعجزين لكن لا لإفادة كون الإعجاز المقصود بالنفي فيها لا في غيرها فإن ذلك غني عن البيان بل لإفادة شمول عدم الإعجاز لجميع أجزائها أي لا تحسبنهم معجزين الله تعالى عن إدراكهم وإهلاكهم في قطر من أقطار الأرض بما رحبت وإن هربوا منها كل مهرب. وقرأ حمزة وابن عامر {يَحْسَبَنَّ } بالياء آخر الحروف على أن الفاعل كل أحد كأنه قيل لا يحسبن حاسب الكافرين معجزين له عز وجل في الأرض أو ضميره صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: { أية : وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } تفسير : [النور: 56] وإليه ذهب أبو علي. وزعم أبـي حيان أنه ليس بجيد لما تقدم ليس بجيد لما تقدم أو ضمير الكافر أي لا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين، ونقل ذلك عن علي بن سليمان أو الموصول والمفعول الأول محذوف كأنه قيل: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين في الأرض، وذكر أن الأصل على هذا لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول وكأن الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت كالشيء الواحد اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث، وتعقبه في «البحر» بأن هذا الضمير ليس من الضمائر التي يفسرها ما بعدها فلا يجوز كون الأصل لا يحسبهم الذين الخ كما لا يجوز ظنه زيد قائماً، وقال الكوفيون {مُعَـٰجِزِينَ } المفعول الأول و {فِى ٱلاْرْضِ } المفعول الثاني، والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله تعالى في الأرض حتى يطمعوا في مثل ذلك، قال الزمخشري: وهذا معنى قوي جيد، وتعقب بأنه بمعزل عن المطابقة لمقتضى المقام ضرورة أن مصب الفائدة هو المفعول الثاني ولا فائدة في بيان كون المعجزين في الأرض. ورد بأنه وإن كان / مصب الفائدة جعل مفروغاً منه وإنما المطلوب بيان المحل أي لا يعجزوه سبحانه في الأرض والإنصاف أن ما ذكر خلاف الظاهر، والظاهر إنما هو تعلق {فِى ٱلاْرْضِ } بمعجزين وأياً ما كان فالقراءة المذكورة صحيحة وإن اختلفت مراتب تخريجاتها قوة وضعفاً، ومن ذلك يعلم ما في قول النحاس ما علمت أحداً من أهل العربية بصرياً ولا كوفياً إلا وهو يخطىء قراءة حمزة، فمنهم من يقول: هي لحن لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ليحسبن، وممن قال هذا أبو حاتم انتهى من قلة الوقوف ومزيد الهذيان والجسارة على الطعن في متواتر من القرآن، ولعمري لو كانت القراءة بالرأي لكان اللائق بمن خفي عليه وجه قراءة حمزة أن لا يتكلم بمثل ذلك الكلام ويتهم نفسه ويحجم عن الطعن في ذلك الإمام. وقوله تعالى: {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارِ } عطف على جملة النهي بتأويلها بجملة خبرية لأن المقصود بالنهي عن الحسبان تحقيق نفي الحسبان كأنه قيل [ليس] الذين كفروا معجزين ومأواهم النار. وجوز أن يكون عطفاً على مقدر لأن الأول وعيد الدنيا كأنه قيل فهم مقهورون في الدنيا بالاستئصال ومخزون في الآخرة بعذاب النار؛ وعن صاحب «النظم» تقديره بل هم مقدور عليهم ومحاسبون ومأواهم النار. قال في «الكشف»: وجعله حالاً على معنى لا ينبغي الحسبان لمن مأواه النار كأنه قيل أني للكافر هذا الحسبان وقد أعد له النار، والعدول إلى {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ } للمبالغة في التحقق وأن ذلك معلوم لهم لا ريب وجه حسن خال عن كلف الكلفة ألم به بعض الأئمة انتهى، ولا يخفى أن في ظاهره ميلاً إلى بعض تخريجات قراءة {يحسبن } بياء الغيبة. وتعقب في «البحر» تأويل جملة النهي لتصحيح العطف عليها بقوله: «الصحيح أنه يجوز عطف الجمل على اختلافها بعضاً على بعض وإن لم تتحد في النوعية وهو مذهب سيبويه». والمأوى اسم مكان، وجوز فيه المصدرية والأول أظهر، وقوله تعالى: {وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } جواب لقسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف أي وبالله لبئس المصير هي أي النار، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله، وفي إيراد النار بعنوان كونها مأوى ومصيراً لهم إثر نفي فوتهم بالهرب في الأرض كل مهرب من الجزالة ما لا غاية وراءه فلله تعالى در شأن التنزيل.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي لتحقيق ما اقتضاه قوله: { أية : وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً } تفسير : [النور: 55]، فقد كان المشركون يومئذٍ لم يزالوا في قوة وكثرة، وكان المسلمون لم يزالوا يخافون بأسهم فربما كان الوعد بالأمن من بأسهم متلقىً بالتعجب والاستبطاء الشبيه بالتردد فجاء قوله: {لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض} تطميناً وتسلية. والخطاب لمن قد يخامره التعجب والاستبطاء دون تعيين. والمقصود من النهي عن هذا الحسبان التنبيه على تحقيق الخبر. وقراءة الجمهور: {تحسبن} بتاء الخطاب. وقرأ ابن عامر وحمزة وحده بياء الغيبة فصار {الذين كفروا} فاعلّ {يحسبن} فيبقى لـ{يحسبن} مفعول واحد هو {معجزين}. فقال أبو حاتم والنحاس والفراء: هي خطأ أو ضعيفة لأن فعل الحسبان يقتضي مفعولين. وهذا القول جرأة على قراءة متواترة. وقال الزجاج: المفعول الأول محذوف تقديره: أنفسهم، وقد وفق لأن الحذف ليس بعزيز في الكلام. وفي «الكشاف» أن {في الأرض} هو المفعول الثاني، أي لا يحسبوا ناساً معجزين في الأرض (يعني ما من كائن في الأرض إلا وهو في متناول قدرة الله إن شاء أخذه، أي فلا ملجأ لهم في الأرض كلها) قال: «وهذا معنى قوي جيّد». والمعجز: الذي يُعجز غيره، أي يجعله عاجزاً عن غلبه. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : إن ما توعدون لآتتٍ وما أنتم بمعجزين } تفسير : في سورة الأنعام (134). وكذلك المعاجز بمعنى المحاول عجز ضده تقدم في قوله تعالى: { أية : والذين سعوا في آياتنا معاجزين } تفسير : في سورة الحج (51). والأرض: هي أرض الدنيا، أي هم غير غالبين في الدنيا كما حسبوا أنه ليس ثمة عالم آخر. وفي الأرض} متعلق بـ{بمعجزين} على قراءة الجمهور وعلى بعض التوجيهات من قراءة حمزة وابن عامر، أو هو مفعول ثان على بعض التوجيهات كما علمت. وقوله: {ومأواهم النار} أي هم في الآخرة معلوم أن مأواهم النار فقد خسروا الدارين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ}. نهى الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يحسب أي يظن الذين كفروا معجزين في الأرض، ومفعول معجزين محذوف: أي لا يظنهم معجزين ربِّهم، بل قادر على عذابهم لا يعجز عن فعل ما أراد بهم لأنه قادر على كل شيء. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبيّناً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِين} تفسير : [التوبة: 2] وقوله تعالى: {أية : وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [التوبة: 3] وقوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 4] وقوله تعالى: {أية : قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} تفسير : [يونس: 53]. وقوله تعالى: {أية : يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [العنكبوت: 21ـ22] الآية. وقوله في الشورى: {أية : وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} تفسير : [الشورى: 31] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} قرأه ابن عامر وحمزة: {لا يحسبن} بالياء المثناة التحتية على الغيبة. وقرأه باقي السبعة: {لاَ تَحْسَبَنَّ} بالتاء الفوقية. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة بفتح السين وباقي السبعة بكسرها. والحاصل أن قراءة ابن عامر وحمزة بالياء التحتية وفتح السين، وقراءة عاصم بالتاء الفوقية وفتح السين، وقراءة الباقين من السبعة بالتاء الفوقية وكسر السين، وعلى قراءة من قرأ بالتاء الفوقية فلا إشكال في الآية مع فتح السين وكسرها، لأن الخطاب بقوله: لا تحسبن للنبي صلى الله عليه وسلم، وقوله {ٱلَّذِينَ كَفَرُوا} هو المفعول الأوّل. وقوله: {مُعْجِزِين} هو المفعول الثاني لتحسبَنَّ. وأما على قراءة: (لا يحسبن) بالياء التحتية ففي الآية إشكال معروف وذكر القرطبي الجواب عنه من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله {ٱلَّذِينَ كَفَرُوا} في محل رفع فاعل (يحسبن)، والمفعول الأوّل محذوف تقديره: (أنفسهم). و (معجزين): مفعول ثان: أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض، وعزا هذا القول للزجاج، والمفعول المحذوف قد تدّل عليه قراءة من قرأ بالتاء الفوقيّة كما لا يخفى، ومفعولا الفعل القلبي يجوز حذفهما أو حذف أحدهما إن قام عليه دليل كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله: شعر : ولا تجز هنا بلا دليل سقوط مفعولين أو مفعول تفسير : ومثال حذف المفعولين معاً مع قيام الدليل عليهما في قوله تعالى: {أية : أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} تفسير : [القصص: 62 و 74] أي تزعمونهم شركائي. وقول الكُمَيت: شعر : بأيِّ كتابٍ أمْ بأيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهم عاراً علَيَّ وتَحْسَبُ تفسير : أي وتحسب حبهم عاراً عليَّ، ومثال حذف أحد المفعولين قول عنترة: شعر : ولقد نزلت فلا تظنِّي غيره مني بمنزلة المحبّ المكرم تفسير : أي لا تظني غيره واقعاً. تفسير : الجواب الثاني: أن فاعل (يحسبن) النبي صلى الله عليه وسلم، لأنّه مذكور في قوله تعالى قبله {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [النور: 54] أي لا يحسبن محمد صلى الله عليه وسلم الذين كفروا معجزين. وعلى هذا فالذين كفروا مفعول أوّل، ومعجزين مفعول ثان. وعزا هذا القول للفراء، وأبي علي. الجواب الثالث: أن المعنى: لا يحسبن الكفار الذين كفروا معجزين في الأرض وعزا هذا القول لعلي بن سليمان، وهو كالذي قبله، إلا أن الفاعل في الأول النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الثاني الكافر. وقال الزمخشري: وقرئ (لا يحسبن) بالياء وفيه أوجه أن يكون معجزين في الأرض هما المفعولان. والمعنى: لا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله في الأرض، حتى يطمعوا هم في مثل ذلك، وهذا معنى قوي جيد، وأن يكون فيه ضمير الرسول لتقدم ذكره في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} وأن يكون الأصل: لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول،وكأن الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت لشيء واحد، اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث.اهـ. وما ذكره النحاس وأبو حاتم وغيرهما من أن قرأءة من قرأ: (لا يحسبن) بالياء التحتية خطأ أو لحن كلام ساقط لا يلتفت إليه، لأنها قراءة سبعية ثابتة ثبوتاً لا يمكن الطعن فيه، وقرأ بها من السبعة: ابن عامر، وحمزة كما تقدم. وأظهر الأجوبة عندي: أن معجزة في الأرض هما المفعولان، فالمفعول الأول معجزين، والمفعول الثاني دل عليه قوله: {فِي ٱلأَرْضِ}، أي لا تحسبن معجزين الله موجودين أو كائنين في الأرض، والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَأْوَاهُمُ} (57) - وَلاَ تَظُنَّ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الذينَ كَفَرُوا، وَخَالَفُوكَ، وَكَذَّبُوكَ، أَنَّهُمْ سَيُعْجِزُونَ اللهَ عَنِ الوُصُولِ إِلَيْهِمْ فِي الأَرْضِ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِمْ، وَسَيُعَذِّبُهُم عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ العَذَابِ، وَسَيَجْعَلُ جَهَنَّمَ مَأْوَاهُمْ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، وَسَاءَتِ النَّارُ مُسْتَقَرّاً وَمَصِيراً. مُعْجِزِينَ - فَائِتِينَ مِنْ عَذَابِنَا بِالهَرَبِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعود السياق للحديث عن الكافرين: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ..} [النور: 57] يعني: لا تظنن، والشيء المعجز هو الذي يثبت العجز للمقابل، نقول: عملنا شيئاً مُعْجزاً لفلان يعني: لا يستطيع الإتيان بمثله. فإياك أنْ تظن أن الكافرين مهما عَلَتْ مراتبهم ومهما استشرى طغيانهم يُفْلِتون من عقاب الله، فلن يثبتوا له سبحانه العجز عنهم أبداً، ولن يُعجِزوه، إنما يُملي لهم سبحانه ويمهلهم حتى إذا أخذهم، أخذهم أَخْذ عزيز مقتدر، وهو سبحانه مُدرِكهم لا محالةَ. وجاء على لسان الجن: {أية : وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً}تفسير : [الجن: 12]. ونلحظ في قوله تعالى: {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ ..} [النور: 57] أنها عطفتْ هذه الجملة على سابقتها، وهي منفية {لاَ تَحْسَبَنَّ ..} [النور: 57] فهل يعني هذا أن معناها: ولا تحسبن مأواهم النار؟ قالوا: لا، إنما المعنى: ولا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض لأن مأواهم النار. {وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [النور: 57] أي: المرجع والمآب. ثم ينتقل السياق إلى سلوك يمسُّ المجتمع من داخله والأسرة في أدقِّ خصوصياتها، بعد أنْ ذكر في أول السورة الأحكام الخاصة بالمجتمع الخارجي، فيقول سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه تأييداً لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لاَ تَحْسَبَنَّ} و لاتظنن يا أكمل الرسل {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله، وأعرضوا عن توحيده هم صاروا بكفرهم وعنادهم {مُعْجِزِينَ} اللهَ القادرَ المقتدرَ عن أخذهم وإهلاكهم {فِي ٱلأَرْضِ} التي هي مملكة الحق ومحل تصرفاته سبحانه، بل يأخذهم الله الرقيبُ عليهم بظلمهم وبغيهم، ويستأصلهم عن وجه الأرض في النشأة الأولى {وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ} في النشأة الأخرى {وَ} اللهِ {لَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [النور: 57] مصيرهم ومرجعهم. ثم أشار سبحانه إلى تتميم ما مضى من آداب الخلطة والمؤانسة بين المؤمنين، فقال منادياً لهم على وجه العموم؛ ليقبلوا إلى امتثال ما نودوا فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} من آداب المصاحبة والإخاء هذا {لِيَسْتَأْذِنكُمُ} بالدخول على بيوتكم، ويسترخص منكم أيها المؤمنون خدمتكم {ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} سواءً كانوا عبيداً أو إماءً، وأنتم رجالُ أو نساءُ، ذكرَ الضمير على سبيل التغليب {وَ} كذا الصبيان {ٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ} أي: لم يبلغوا وقت الحلم، خُصَّ بالذكر؛ لكونه أقوى أسباب البلوغ إلى وقت التكليف {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} يعني: ليستأذنكم الخَدَمةُ والصبيانُ في ثلاثة أوقات دخولهم: أحدها: {مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ} إذ هو وقت الانخلاع، والتجرد عن ثياب النوم، والدخول فيه منهي. {وَ} ثانيها: {حِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ} للاستراحة والقيلولة. {وَ} ثالثها: {مِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ} وقت التجرد عن الثياب للنوم، والأوقاتُ المذكورةُ {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ} لا بدَّ من تحفظكم فيها عما يشوشكم، ويطلع على سركم {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ} ضيقُ ومنعُ {بَعْدَهُنَّ} أي: بعد الأوقات الثلاث لو دخلوا عليكم بلا إذن منكم؛ إذ هم خَدَمةُ {طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ} ليخدموكم؛ إذ جُبلتم على أن يظاهر {بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ كَذَلِكَ} أي: مثل ما ذكر {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ} المدبرُ لمصالحكم {لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ} الدالةَ على آداب المصاحبة والمؤانسة، {وَٱللَّهُ} المطلعُ لأحوال عباده {عَلِيمٌ} بمصالحهم ومفاسدهم {حَكِيمٌ} [النور: 58] في ضبطها وحفظها؛ بحيث لا يختل أمر النظام المتعارف. {وَ} كذا {إِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ} وظهر منهم أمارات الميل والشهوة سواء كانوا ذكوراً أم إناث {فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأحرار البالغين؛ إذ هم حينئذ دخلوا في حكمهم بعد الحلم {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} الدالةَ على آداب خلطتكم وحسن معاشرتكم {وَٱللَّهُ} المصلحُ لأحوال عباده {عَلِيمٌ} بما في ضمائرهم من المنكرات {حَكِيمٌ} [النور: 59] في دفعها قبل وقوعها. {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ} عجائز {ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي} قعدن عن الحيض والحبل وشهوة الوقاع مطلقاً إلى حيث {لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً} وزواجاً؛ لكبرهن وكهولتهن {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ} أي: ذنبُ وكراهةُ {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} أي: الثياب الظاهرة التي يلبسنها فوق الأستار كالجلباب حال كونهن {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ} أي: مظهراتٍ {بِزِينَةٍ} مشهيةٍ للرجال، مثيرة لشهواتهم؛ أي: الزينة التي مُنعن من إبدائها في كريمة: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ...}تفسير : [النور: 31] {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} عن الوضع {خَيْرٌ لَّهُنَّ} سواء كن عجائز أم شواب؛ لأن العفة أبعد من التهمة في كل الأحوال {وَٱللَّهُ} المطلع لسرائرهن {سَمِيعٌ} لمقالتهن مع الرجال {عِلِيمٌ} [النور: 60] بنياتهن منها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):