Verse. 2849 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لِـيَسْتَاْذِنْكُمُ الَّذِيْنَ مَلَكَتْ اَيْمَانُكُمْ وَالَّذِيْنَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلٰثَ مَرّٰتٍ۝۰ۭ مِنْ قَبْلِ صَلٰوۃِ الْفَجْرِ وَحِيْنَ تَضَعُوْنَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظَّہِيْرَۃِ وَمِنْۢ بَعْدِ صَلٰوۃِ الْعِشَاۗءِ۝۰ۣۭ ثَلٰثُ عَوْرٰتٍ لَّكُمْ۝۰ۭ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لَا عَلَيْہِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَہُنَّ۝۰ۭ طَوّٰفُوْنَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلٰي بَعْضٍ۝۰ۭ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللہُ لَكُمُ الْاٰيٰتِ۝۰ۭ وَاللہُ عَلِيْمٌ حَكِيْمٌ۝۵۸
Ya ayyuha allatheena amanoo liyastathinkumu allatheena malakat aymanukum waallatheena lam yablughoo alhuluma minkum thalatha marratin min qabli salati alfajri waheena tadaAAoona thiyabakum mina alththaheerati wamin baAAdi salati alAAishai thalathu AAawratin lakum laysa AAalaykum wala AAalayhim junahun baAAdahunna tawwafoona AAalaykum baAAdukum AAala baAAdin kathalika yubayyinu Allahu lakumu alayati waAllahu AAaleemun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم» من العبيد آمنوا والإماء «والذين لم يبلغوا الحلم منكم» من الأحرار وعرفوا أمر النساء «ثلاث مرات» في ثلاثة أوقات «من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة» أي وقت الظهر «ومن بعد الصلاة العشاء ثلاث عورات لكم» بالرفع خبر مبتدأ بعده مضاف وقام المضاف إليه مقامه: أي هي أوقات وبالنصب بتقدير أوقات منصوبا بدلاً من محل ما قبله قام المضاف إليه مقامه، وهي لإلقاء الثياب تبدو فيها العورات «ليس عليكم ولا عليهم» أي المماليك والصبيان «جناح» في الدخول عليكم بغير استئذان «بعدهن» أي بعد الأوقات الثلاثة هم «طوافون عليكم» للخدمة «بعضكم» طائف «على بعض» والجملة مؤكدة لما قبلها «كذلك» كما بين ما ذكر «يبين الله لكم الآيات» أي الأحكام «والله عليم» بأمور خلقه «حكيم» بما دبره لهم وآية الاستئذان قيل منسوخة وقيل لا ولكن تهاون الناس في ترك الاستئذان.

58

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } وإن كان ظاهره الرجال فالمراد به الرجال والنساء لأن التذكير يغلب على التأنيث فإذا لم يميز فيدخل تحت قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ } الكل ويبين ذلك قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } لأن ذلك يقال في الرجال والنساء والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي، وذلك لأن النساء في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال، فهذا الحكم لما ثبت في الرجال فثبوته في النساء بطريق الأولى، كما أنا نثبت حرمة الضرب بالقياس الجلي على حرمة التأفيف. المسألة الثانية: ظاهر قوله: {ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } يدخل فيه البالغون والصغار، وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد الصغار، واحتجوا بأن الكبير من المماليك ليس له أن ينظر من المالك إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه، قال ابن المسيب: لا يغرنكم قوله: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } لا ينبغي للمرأة أن ينظر عبدها إلى قرطها وشعرها وشيء من محاسنها، وقال الآخرون: بل البالغ من المماليك له أن ينظر إلى شعر مالكته وما شاكله، وظاهر الآية يدل على اختصاص عبيد المؤمنين والأطفال من الأحرار بإباحة ما حظره الله تعالى من قبل على جماعة المؤمنين بقوله: { أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } تفسير : [النور: 27] فإنه أباح لهم إلا في الأوقات الثلاثة وجوز دخولهم مع من لم يبلغ بغير إذن ودخول الموالي عليهم بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوافُونَ عَلَيْكُمْ } أي يطوف بعضكم على بعض فيما عدا الأوقات الثلاثة، وأكد ذلك بأن أوجب على من بلغ الحلم الجري على سنة من قبلهم من البالغين في الاستئذان في سائر الأوقات وألحقهم بمن دخل تحت قوله: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا }. المسألة الثالثة: قوله: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } إن أريد به العبيد والإماء إذا كانوا بالغين فغير ممتنع أن يكون أمراً لهم في الحقيقة، وإن أريد {ٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ } لم يجز أن يكون أمراً لهم، ويجب أن يكون أمراً لنا بأن نأمرهم بذلك ونبعثهم عليه كما أمرنا بأمر الصبي، وقد عقل الصلاة أن يفعلها لا على وجه التكليف لهم، لكنه تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ، ولا يبعد أن يكون لفظ الأمر وإن كان في الظاهر متوجهاً عليهم إلا أنه يكون في الحقيقة متوجهاً على المولى كقولك للرجل: ليخفك أهلك وولدك، فظاهر الأمر لهم وحقيقة الأمر له بفعل ما يخافون عنده. المسألة الرابعة: قال ابن عباس رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاماً من الأنصار إلى عمر ليدعوه فوجده نائماً في البيت فدفع الباب وسلم فلم يستيقظ عمر فعاد ورد الباب وقام من خلفه وحركه فلم يستيقظ فقال الغلام اللهم أيقظه لي ودفع الباب ثم ناداه فاستيقظ وجلس ودخل الغلام فانكشف من عمر شيء وعرف عمر أن الغلام رأى ذلك منه فقال وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا في هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق معه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فوجده قد نزل عليه {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } فحمد الله تعالى عمر عند ذلك فقال عليه السلام حديث : وما ذاك يا عمر؟ تفسير : فأخبره بما فعل الغلام فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنعه وتعرف اسمه ومدحه، وقال: حديث : إن الله يحب الحليم الحي العفيف المتعفف، ويبغض البذيء الجريء السائل الملحف» تفسير : فهذه الآية إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر. وقال بعضهم: نزلت في أسماء بنت أبي مرثد قالت إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحاف واحد، وقيل دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله فيه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فنزلت الآية. المسألة الخامسة: قال ابن عمر ومجاهد قوله: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ } عنى به الذكور دون الإناث لأن قوله: {ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } صيغة الذكور لا صيغة الإناث، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي في الرجال والنساء يستأذنون على كل حال بالليل والنهار، والصحيح أنه يجب إثبات هذا الحكم في النساء، لأن الإنسان كما يكره اطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً اطلاع النساء عليها ولكن الحكم يثبت في النساء بالقياس لا بظاهر اللفظ على ما قدمناه. المسألة السادسة: من العلماء من قال الأمر في قوله: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ } على الندب والاستحباب ومنهم من قال إنه على الإيجاب وهذا أولى، لما ثبت أن ظاهر الأمر للوجوب. أما قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عمر {ٱلْحُلُمَ } بالسكون. المسألة الثانية: اتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ واختلفوا إذا بلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة رحمه الله لا يكون الغلام بالغاً حتى يبلغ ثماني عشرة سنة ويستكملها وفي الجارية سبع عشرة سنة، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله في الغلام والجارية خمس عشرة سنة قال أبو بكر الرازي قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ } يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة إذا لم يحتلم لأن الله تعالى لم يفرق بين من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة: « حديث : رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم » تفسير : ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة سنة وبين من لم يبلغها، فإن قيل فهذا الكلام يبطل التقدير أيضاً بثماني عشرة سنة أجاب بأنا قد علمنا بأن العادة في البلوغ خمس عشرة سنة وكل ما كان مبنياً على طريق العادات فقد تجوز الزيادة فيه والنقصان منه، وقد وجدنا من بلغ في اثنتي عشرة سنة، وقد بينا أن الزيادة على المعتاد جائزة كالنقصان منه فجعل أبو حنيفة رحمه الله الزيادة كالنقصان، وهي ثلاث سنين، وقد حكى عن أبي حنيفة رحمه الله تسع عشرة سنة للغلام، وهو محمول على استكمال ثماني عشرة سنة والدخول في التاسعة عشرة. حجة الشافعي رحمه الله ما روى ابن عمر أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه اعترض أبو بكر الرازي عليه فقال هذا الخبر مضطرب لأن أحداً كان في سنة ثلاث والخندق في سنة خمس فكيف يكون بينهما سنة؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأنه قد يرد البالغ لضعفه ويؤذن غير البالغ لقوته ولطاقته حمل السلاح ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام ما سأله عن الاحتلام والسن. البحث الثاني: اختلفوا في الإنبات هل يكون بلوغاً، فأبو حنيفة وأصحابه ما جعلوه بلوغاً والشافعي رحمه الله جعله بلوغاً، قال أبو بكر الرازي رحمه الله ظاهر قوله: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ } ينفي أن يكون الإنبات بلوغاً إذا لم يحتلم كما نفى كون خمس عشرة سنة بلوغاً وكذلك قوله عليه السلام « حديث : وعن الصبي حتى يحتلم » تفسير : حجة الشافعي رحمه الله تعالى ما روى عطية القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت قال فنظروا إلى فلم أكن قد أنبت فاستبقاني قال أبو بكر الرازي هذا الحديث لا يجوز إثبات الشرع به وبمثله لوجوه: أحدها: أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر لا سيما مع اعتراضه على الآية، والخبر في نفي البلوغ إلا بالاحتلام وثانيها: أنه مختلف الألفاظ ففي بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى، وفي بعضها من اخضر عذاره ومعلوم أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدم بلوغه ولا يكون قد جرت عليه الموسى إلا وهو رجل كبير، فجعل الإنبات وجرى الموسى عليه كناية عن بلوغ القدر الذي ذكرنا من السن وهي ثماني عشرة سنة فأكثر وثالثها: أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر بالقتل لذاك لا للبلوغ، قال الشافعي رحمه الله هذه الاحتمالات مردودة بما روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سئل عن غلام فقال هل اخضر عذاره؟ وهدا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة. البحث الثالث: ويروى عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله خمسة أشبار، روي عن علي عليه السلام أنه قال إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتص له ويقتص منه، وعن ابن سيرين عن أنس قال أتى أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلى عنه، وهذا المذهب أخذ به الفرزدق في قوله: شعر : ما زال مذ عقدت يداه إزاره وسما فأدرك خمسة الأشبار تفسير : وأكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلاً، وفوق البلوغ ويكون قصيراً فلا عبرة به. المسألة الثالثة: قال أبو بكر الرازي دلت هذه الآية على أن من لم يبلغ، وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح فإن الله أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، وقال عليه السلام: « حديث : مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر » تفسير : وعن ابن عمر رضي الله عنه قال نعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله، وعن زين العابدين أنه كان يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً، فقيل له يصلون الصلاة لغير وقتها فقال خير من أن يتناهوا عنها، وعن ابن مسعود رضي الله عنه إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم، ثم قال أبو بكر الرازي إنما يؤمر بذلك على وجه التعليم وليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفوراً منه، وكذلك يجنب شرب الخمر ولحم الخنزير وينهى عن سائر المحظورات لأنه لو لم يمنع منه في الصغر لصعب عليه الامتناع بعد الكبر، وقال الله تعالى: { أية : قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } تفسير : [التحريم: 6] قيل في التفسير أدبوهم وعلموهم. المسألة الرابعة: قال الأخفش: يقال في الحلم حلم الرجل بفتح اللام، يحلم حلماً بضم اللام، ومن الحلم حلم بضم اللام، يحلم حلماً بكسر اللام. أما قوله تعالى: {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَاء ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } يعني ثلاث أوقات، لأنه تعالى فسرهن بالأوقات، وإنما قيل ثلاث مرات للأوقات لأنه أراد مرة في كل وقت من هذه الأوقات، لأنه يكفيهم أن يستأذنوا في كل واحد من هذه الأوقات مرة واحدة، ثم بين الأوقات فقال: {مّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَاء }، يعني الغالب في هذه الأوقات الثلاثة أن يكون الإنسان متجرداً عن الثياب مكشوف العورة. المسألة الثانية: قوله: {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } قرأ أهل الكوفة: {ثَلَـٰثٍ } بالنصب على البدل من قوله: {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } وكأنه قال في أوقات ثلاث عورات لكم، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه وقراءة الباقين بالرفع أي: هي ثلاث عورات فارتفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، قال القفال فكأن المعنى ثلاث انكشافات والمراد وقت الانكشاف. المسألة الثالثة: العورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان والأعور المختل العين، فسمى الله تعالى كل واحدة من تلك الأحوال عورة، لأن الناس يختل حفظهم وتسترهم فيها. المسألة الرابعة: الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين: أحدهما: بقوله تعالى: {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } والثاني: بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة وبين ما عداها بأنه ليس ذاك إلا لعلة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة، وأنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها وليس كذلك ما عدا هذه الأوقات. المسألة الخامسة: من الناس من قال إن قوله تعالى: { أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } تفسير : [النور: 27] فهذا يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وصار ذلك منسوخاً بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة، ومن الناس من قال الآية الأولى أريد بها المكلف لأنه خطاب لمن آمن، وما ذكره الله تعالى في هذه الآية فهو فيمن ليس بمكلف فقيل فيه إن في بعض الأحوال لا يدخل إلا بإذن، وفي بعضها بغير إذن. فلا وجه لحمل ذلك على النسخ، لأن ما تناولته الآية الأولى من المخاطبين لم تتناوله الآية الثانية أصلاً، فإن قيل بتقدير أن يكون قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } يدخل فيه من قد بلغ فالنسخ لازم، قلنا لا يجب ذلك أيضاً، لأن قوله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } لا يدخل إلا من يملك البيوت لحق هذه الإضافة، وإذا صح ذلك لم يدخل تحت العبيد والإماء، فلا يجب النسخ أيضاً على هذا القول، فأما إن حمل الكلام على صغار المماليك فالقول فيه أبين. المسألة السادسة: قال أبو حنيفة رحمه الله: لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس ولا أرى أحداً يعمل بهن، قال عطاء حفظت اثنتين ونسيت واحدة، وقرأ هذه الآية وقوله: { أية : يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } تفسير : [الحجرات: 13] وذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة قوله: { أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ } تفسير : [النساء: 8] الآية. أما قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: أتقولون في قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ } أنه يقتضي الإباحة على كل حال؟ الجواب: قد بينا أن ذلك هو في الصغار خاصة، فمباح لهم الدخول للخدمة بغير الإذن في غير الأوقات الثلاثة، ومباح لنا تمكينهم من ذلك والدخول عليهم أيضاً. السؤال الثاني: فهل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة لهم؟ الجواب: لا وإنما أباح الله تعالى ذلك من حيث كانت العادة أن لا تكشف العورة في غير تلك الأوقات، فمتى كشفت المرأة عورتها مع ظن دخول الخدم إليها فذلك يحرم عليها، فإن كان الخادم ممن يتناوله التكليف فيحرم عليه الدخول أيضاً إذا ظن أن هناك كشف عورة، فإن قيل أليس من الناس من جوز للبالغ من المماليك أن ينظر إلى شعر مولاته؟ قلنا من جوز ذلك أخرج الشعر من أن يكون عورة لحق الملك، كما يخرج من أن يكون عورة لحق الرحم، إذ العورة تنقسم ففيه ما يكون عورة على كل حال. وفيه ما يختلف حاله بالإضافة فيكون عورة مع الأجنبي غير عورة غيره على ما تقدم ذكره. السؤال الثالث: أتقولون هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم؟ الجواب: نعم وفي قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } دلالة عى أن هذا الحكم يختص بالصغار دون البالغين على ما تقدم ذكره وقد نص تعالى على ذلك من بعد فقال: {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } والمراد من تجدد منه البلوغ يجب أن يكون بمنزلة من تقدم بلوغه في وجوب الاستئذان، فهذا معنى قوله: {كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } وقد يجوز أن يظن ظان أن من خدم في حال الصغر، فإذا بلغ يجوز له أن لا يستأذن ويفارق حاله حال من لم يخدم ولم يملك، فبين تعالى أنه كما حظر على البالغين الدخول إلا بالاستئذان فكذلك على هؤلاء إذا بلغوا وإن تقدمت لهم خدمة أو ثبت فيهم ملك لهن. السؤال الرابع: الأمر بالاستئذان هل هو مختص بالمملوك ومن لم يبلغ الحلم أو يتناول الكل من ذوي الرحم؟ والأجنبي أيضاً لو كان المملوك من ذوي الرحم هل يجب عليه الاستئذان؟ الجواب: أما الصورة الأولى فنعم، إما لعموم قوله تعالى: { أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ } تفسير : [النور: 27] أو بالقياس على المملوك، ومن لم يبلغ الحلم بطريق الأولى، وأما الصورة الثانية فيجب عليه الاستئذان لعموم الآية. السؤال الخامس: ما محل {لَيْسَ عَلَيْكُمْ }؟ الجواب: إذا رفعت {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } كان ذلك في محل الرفع على الوصف، والمعنى هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل، وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة. السؤال السادس: ما معنى قوله: {طَوافُونَ عَلَيْكُمْ }؟ الجواب: قال الفراء والزجاج إنه كلام مستأنف كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم، والطوافون الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد، وأصله من الطواف، والمعنى يطوف بعضكم على بعض بغير إذن. السؤال السابع: بم ارتفع {بَعْضُكُمْ }؟ الجواب: بالابتداء وخبره {عَلَىٰ بَعْضٍ } على معنى طائف على بعض، وإنما حذف لأن {طَوفُونَ } يدل عليه. أما قوله: {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنّسَاءِ ٱلَّـٰتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن السكيت: امرأة قاعد إذا قعدت عن الحيض والجمع قواعد، وإذا أردت القعود قلت قاعدة، وقال المفسرون: القواعد هن اللواتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر ولا مطمع لهن في الأزواج، والأولى أن لا يعتبر قعودهن عن الحيض لأن ذلك ينقطع والرغبة فيهن باقية، فالمراد قعودهن عن حال الزوج، وذلك لا يكون إلا إذا بلغن في السن بحيث لا يرغب فيهن الرجال. المسألة الثانية: قوله تعالى في النساء: {لاَ يَرْجُونَ } كقوله: { أية : إَّلا أَن يَعْفُونَ } تفسير : [البقرة: 237]. المسألة الثالثة: لا شبهة أنه تعالى لم يأذن في أن يضعن ثيابهن أجمع لما فيه من كشف كل عورة، فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والبرد والقناع الذي فوق الخمار، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ {أَن يَضَعْنَ جَلَـٰبِيبِهِنَّ } وعن السدي عن شيوخه (أن يضعن خمرهن رؤوسهن) وعن بعضهم أنه قرأ (أن يضعن من ثيابهن)، وإنما خصهن الله تعالى بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن، وقد بلغن هذا المبلغ فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع الثياب ولذلك قال: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ } وإنما جعل ذلك أفضل من حيث هو أبعد من المظنة وذلك يقتضي أن عند المظنة يلزمهن أن لا يضعن ذلك كما يلزم مثله في الشابة. المسألة الرابعة: حقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قولهم سفينة بارج لا غطاء عليها، والبرج سعة العين التي يرى بياضها محيطاً بسوادها كله، لا يغيب منه شيء إلا أنه اختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها.

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولى: قال العلماء: هذه الآية خاصّة والتي قبلها عامّة؛ لأنه قال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} ثم خصّ هنا فقال: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فخصَّ في هذه الآية بعض المستأذنين، وكذلك أيضاً يتأول القول في الأولى في جميع الأوقات عموماً. وخص في هذه الآية بعض الأوقات، فلا يدخل فيها عبد ولا أَمَة. وَغْدا كان أو ذا منظر إلا بعد الاستئذان. قال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مَرْثَد، دخل عليها غلام لها كبير، فاشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فنزلت عليه الآية. وقيل: سبب نزولها دخول مُدْلج على عمر؛ وسيأتي. الثانية: اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ} على ستة أقوال: الأول: أنها منسوخة، قاله ابن المسيّب وابن جبير. الثاني: أنها ندب غير واجبة؛ قاله أبو قِلاَبة، قال: إنما أمروا بهذا نظراً لهم. الثالث: عنى بها النساء؛ قاله أبو عبد الرحمن السُّلَميّ. وقال ابن عمر: هي في الرجال دون النساء. وهو القول الرابع. الخامس: كان ذلك واجباً، إذ كانوا لا غَلَق لهم ولا أبواب، ولو عاد الحال لعاد الوجوب؛ حكاه المهدوِيّ عن ابن عباس. السادس: أنها محكمة واجبة ثابتة على الرجال والنساء؛ وهو قول أكثر أهل العلم؛ منهم القاسم وجابر بن زيد والشَّعْبِيّ. وأضعفها قول السُّلَمِيّ لأن «الذين» لا يكون للنساء في كلام العرب، إنما يكون للنساء «الّلاتي واللّواتِي». وقول ابن عمر يستحسنه أهل النظر، لأن «الذين» للرجال في كلام العرب، وإن كان يجوز أن يدخل معهم النساء فإنما يقع ذلك بدليل، والكلام على ظاهره، غير أن في إسناده ليْث بن أبي سليم. وأما قول ابن عباس فروى أبو داود عن عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: آية لم يؤمر بها أكثر الناس آيةُ الاستئذان وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن عليّ. قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء عن ابن عباس «يأمر به». وروى عكرمة أن نفراً من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس، كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها (أحد)، قول الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَـلاَةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ}. قال أبو داود: قرأ القَعْنَبِيّ إلى «عليمٌ حكيمٌ» قال ابن عباس: إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحبّ السّتر، وكان الناس ليس لبيوتهم سُتُور ولا حجال، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل والرجلُ على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير، فلم أر أحداً يعمل بذلك (بعد). قلت: هذا متن حسن، وهو يرد قول سعيد وابن جبير؛ فإنه ليس فيه دليل على نسخ الآية، ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت، فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان، بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحارى ونحوها. وروى وَكيع عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن الشعبي «يأيها الذين آمنوا ليِستأذنْكُم الذين ملكت أيمانكم» قال: ليست بمنسوخة. قلت: إن الناس لا يعملون بها؛ قال: الله عز وجل المستعان. الثالثة: قال بعض أهل العلم: إن الاستئذان ثلاث مأخوذ من قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} قال يزيد: ثلاث دفعات. قال: فورد القرآن في المماليك والصبيان، وسنّةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجميع. قال ابن عبد البر: ما قاله من هذا وإن كان له وجه فإنه غير معروف عن العلماء في تفسير الآية التي نزع بها، والذي عليه جمهورهم في قوله: {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} أي في ثلاثة أوقات. ويدلّ على صحة هذا القول ذِكْرُه فيها {مِّن قَبْلِ صَـلاَةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ ٱلْعِشَآءِ}. الرابعة: أدّب الله عز وجل عباده في هذه الآية بأن يكون العبيد إذ لا بال لهم، والأطفال الذين لم يبلغوا الحُلُم إلا أنهم عَقَلُوا معاني الكَشْفة ونحوها، يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة، وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشافَ فيها وملازمةَ التعَرِّي. فما قبل الفجر وقتُ انتهاء النوم ووقت الخروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار. ووقتُ القائلة وقت التجرّد أيضاً وهي الظهيرة، لأن النهار يظهر فيها إذا علا شعاعه واشتد حَرّه. وبعد صلاة العشاء وقت التّعَرِّي للنوم؛ فالتكشف غالب في هذه الأوقات. يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاماً من الأنصار يقال له مُدْلج إلى عمر بن الخطاب ظَهِيرةً ليدعوه، فوجده نائماً قد أغلق عليه الباب، فدقّ عليه الغلام الباب فناداه ودخل، فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء، فقال عمر: وَدِدت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذن؛ ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد أنزلت، فخر ساجداً شكراً لله. وهي مكية. الخامسة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ} أي الذين لم يحتلموا من أحراركم؛ قاله مجاهد. وذكر إسماعيل بن إسحاق كان يقول: ليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم؛ على التقديم والتأخير، وأن الآية في الإماء. وقرأ الجمهور بضم اللام، وسكّنها الحسن بن أبي الحسن لثقل الضمة. وكان أبو عمرو يستحسنها. و«ثلاثَ مَرّات» نصب على الظرف؛ لأنهم لم يؤمروا بالاستئذان ثلاثاً، إنما أمروا بالاستئذان في ثلاثة مواطن، والظرفية في «ثلاث» بيّنة: مِن قبل صلاة الفجر، وحين تَضَعُون ثيابكم من الظّهِيرة، ومن بعد صلاة العشاء. وقد مضى معناه. ولا يجب أن يستأذن ثلاث مرات في كل وقت. {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ} قرأ جمهور السبعة «ثلاثُ عَوْراتٍ» برفع «ثلاث». وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «ثلاثَ» بالنصب على البدل من الظرف في قوله: «ثلاثَ مرات». قال أبو حاتم: النصب ضعيف مردود. وقال الفَرّاء: الرفع أحب إليّ. قال: وإنما اخترت الرفع لأن المعنى: هذه الخصال ثلاثُ عورات. والرفع عند الكسائي بالابتداء، والخبر عنده ما بعده، ولم يقل بالعائد، وقال نَصًّا بالابتداء. قال: والعَوْرات الساعاتُ التي تكون فيها العَوْرة؛ إلا أنه قرأ بالنصب، والنصب فيه قولان: أحدهما: أنه مردود على قوله: «ثلاثَ مرّات»؛ ولهذا استبعده الفراء. وقال الزجاج: المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات؛ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. و«عَوْرات» جمع عَوْرة، وبابه في الصحيح أن يجيء على فعلات (بفتح العين) كجَفْنة وجَفَنات، ونحو ذلك. وسكّنوا العَيْن في المُعْتَلّ كبَيْضة وبَيْضات؛ لأن فتحه داع إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك؛ فأما قول الشاعر:شعر : أبو بَيَضاتٍ رائحٌ مُتَأوِّبٌ رَفِيقٌ بمسح المَنْكِبَيْن سَبُوحُ تفسير : (فشاذّ). السادسة: قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} أي في الدخول من غير أن يستأذنوا وإن كنتم متبذّلين. {طَوَّافُونَ} بمعنى هم طوافون. قال الفراء: كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم. وأجاز الفراء نصب «طوافين» لأنه نكرة، والمضمر في «عليكم» معرفة. ولا يجيز البصريون أن يكون حالاً من المضمَرَيْن اللّذَيْن في «عليكم» وفي «بَعْضُكُم» لاختلاف العاملين. ولا يجوز مررت بزيد ونزلت على عمرو العاقليْن، على النعت لهما. فمعنى «طَوّافون عليكم» أي يطوفون عليكم وتطوفون عليهم؛ ومنه «حديث : الحديث في الهِرّة: «إنما هي من الطوّافين عليكم أو الطوّافات»»تفسير : . فمنع في الثلاث العورات من دخولهم علينا؛ لأن حقيقة العَوْرة كل شيء لا مانع دونه، ومنه قوله: {أية : إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 13] أي سهلة للمَدْخَل، فبيّن العلة الموجبة للإذن، وهي الخلوة في حال العورة؛ فتعين امتثاله وتعذر نسخه. ثم رفع الجُنَاح بقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي يطوف بعضكم على بعض. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ} الكاف في موضع نصب؛ أي يبيّن الله لكم آياته الدالة على متعبّداته بياناً مثل ما يبيّن لكم هذه الأشياء. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تقدم. السابعة: قوله تعالى: {وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ ٱلْعِشَآءِ} يريد العتمة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا تَغْلِبَنّكم الأعراب على اسم صلاتكم ألاَ إنّها العِشاء وهُمْ يعتِمون بالإِبل»تفسير : . وفي رواية «حديث : فإنها في كتاب الله العِشاءُ وإنها تُعْتِم بِحِلاب الإبل»تفسير : . وفي البخاري عن أبي بَرْزة: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يؤخّر العشاء. وقال أنس: أخّر النبيّ صلى الله عليه وسلم العشاء. وهذا يدل على العشاء الأولى. وفي الصحيح: فصلاها، يعني العصر بين العشاءين المغرب والعشاء. وفي الموَطّأ وغيره: ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتَوْهما ولوْ حَبْواً. وفي مسلم عن جابر بن سَمُرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصلواتِ نحواً من صلاتكم، وكان يؤخّر العَتَمة بعد صلاتكم شيئاً، وكان يُخِفّ الصلاة. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذه أخبار متعارضة، لا يُعلم منها الأول من الآخر بالتاريخ، ونهيه عليه السلام عن تسمية المغرب عشاء وعن تسمية العشاء عَتَمة ثابت، فلا مردّ له من أقوال الصحابة فضلاً عمن عداهم. وقد كان ابن عمر يقول: من قال صلاة العتمة فقد أثم. وقال ابن القاسم قال مالك: «وَمِنْ بَعْد صَلاَةِ الْعِشَاءِ» فالله سماها صلاة العشاء فأحبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن تسمّى بما سمّاها الله تعالى به، ويعلّمها الإنسان أهله وولده، ولا يقال عَتَمة إلا عند خطاب من لا يفهم. وقد قال حسان بن ثابت:شعر : وكانت لا يزال بها أنيس خلالَ مُروجِها نَعَمٌ وَشاءُ فدَعْ هذا ولكن مَنْ لِطَيْفٍ يؤرّقني إذا ذهب العشاء تفسير : وقد قيل: إن هذا النهي عن اتباع الأعراب في تسميتهم العشاء عَتَمة، إنما كان لئلا يُعدل بها عما سمّاها الله تعالى في كتابه إذ قال: {وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ ٱلْعِشَآءِ}؛ فكأنه نَهْيُ إرشاد إلى ما هو الأوْلى، وليس على جهة التحريم، ولا على أن تسميتها العتمة لا يجوز. ألا ترى أنه قد ثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أطلق عليها ذلك، وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وقيل: إنما نهى عن ذلك تنزيهاً لهذه العبادة الشريفة الدّينية عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دُنْيَوِيّة، وهي الحَلْبة التي كانوا يحتلبونها في ذلك الوقت ويسمونها العتمة؛ ويشهد لهذا قوله: «فإنها تُعْتِم بحِلاب الإبل». الثامنة: روى ابن ماجه في سننه حدّثنا عثمان بن أبي شيبة حدّثنا إسماعيل بن عيّاش عن عُمارة بن غَزِيّة عن أنس بن مالك عن عمر بن الخطاب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «حديث : من صَلّى في جماعة أربعين ليلة لا تفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء كتب الله له بها عِتْقاً من النار»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من صلّى العشاء في جماعة فكأنما قام نصفَ الليل ومن صلّى الفجر في جماعة فكأنما قام الليلَ كلّه»تفسير : . وروى الدّارَقُطْنِيّ في سننه عن سُبيع أو تُبَيْع عن كعب قال: من توضأ فأحسن الوضوء وصلى العشاء الآخرة وصلّى بعدها أربع ركعات فأتمّ ركوعهن وسجودهن ويعلم ما يقترىء فيهن كن له بمنزلة ليلة القدر.

ابن كثير

تفسير : هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أحوال (الأول) من قبل صلاة الغداة؛ لأن الناس إذ ذاك يكونون نياماً في فرشهم {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ} أي: في وقت القيلولة؛ لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله، {وَمِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ} لأنه وقت النوم، فيؤمر الخدم والأطفال أن لا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال؛ لما يخشى من أن يكون الرجل على أهله، أو نحو ذلك من الأعمال، ولهذا قال: {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} أي: إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال، فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم من ذلك، ولا عليهم إن رأوا شيئاً في غير تلك الأحوال؛ لأنه قد أذن لهم في الهجوم، ولأنهم طوافون عليكم أي في الخدمة وغير ذلك. ويغتفر في الطوافين ما لا يغتفر في غيرهم، ولهذا روى الإمام مالك وأحمد بن حنبل وأهل السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الهرة: «حديث : إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم - أو - والطوافات»تفسير : . ولما كانت هذه الآية محكمة، ولم تنسخ بشيء، وكان عمل الناس بها قليلاً جداً، أنكر عبد الله بن عباس ذلك على الناس. كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} إلى آخر الآية، والآية التي في سورة النساء: {أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [النساء: 8] الآية، والآية في الحجرات {أية : لِتَعَـٰرَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَٰكُمْ} تفسير : [الحجرات: 13] وروى أيضاً من حديث إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف، عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: غلب الشيطان الناس على ثلاث آيات فلم يعملوا بهن: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} إلى آخر الآية. وروى أبو داود: حدثنا ابن الصباح وابن سفيان وابن عبدة، وهذا حديثه: أخبرنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: لم يؤمن بها أكثر الناس؛ آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي. قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء عن ابن عباس يأمر به، وقال الثوري عن موسى بن أبي عائشة: سألت الشعبي: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ}؟ قال: لم تنسخ. قلت: فإن الناس لا يعملون بها. فقال: الله المستعان. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة عن ابن عباس: أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر؛ كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم، ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط الله عليهم الرزق، فاتخذوا الستور، واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه أبو داود عن القعنبي عن الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو به. وقال السدي: كان أناس من الصحابة رضي الله عنهم يحبون أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات؛ ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن. وقال مقاتل بن حيان: بلغنا ــــ والله أعلم ــــ أن رجلاً من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرثد صنعا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً، فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا إنه ليدخل على المرأة وزوجها ــــ وهما في ثوب واحد ــــ غلامهما بغير إذن، فأنزل الله في ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} إلى آخرها، ومما يدل على أنها محكمة لم تنسخ قوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلاَْيَـٰتِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ثم قال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني: إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث، إذا بلغوا الحلم، وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، يعني: بالنسبة إلى أجانبهم، وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث. قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: إذا كان الغلام رباعياً، فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم، فليستأذن على كل حال. وهكذا قال سعيد بن جبير. وقال في قوله: {كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني: كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه. وقوله: {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والضحاك وقتادة: هن اللواتي انقطع عنهن الحيض، ويئسن من الولد {ٱلَّلَـٰتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً} أي: لم يبق لهن تشوف إلى التزوج، {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَـٰتِ بِزِينَةٍ} أي: ليس عليها من الحرج في التستر؛ كما على غيرها من النساء. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس: {أية : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ} تفسير : [النور: 31] الآية، فنسخ واستثنى من ذلك القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً الآية. قال ابن مسعود في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} قال: الجلباب أو الرداء. وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي وغيرهم. وقال أبو صالح: تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. وقال سعيد بن جبير وغيره في قراءة عبد الله بن مسعود: {أن يضعن من ثيابهن} وهو الجلباب من فوق الخمار، فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق، وقال سعيد بن جبير في الآية: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَـٰتِ بِزِينَةٍ} يقول: لا يتبرجن بوضع الجلباب ليرى ما عليهن من الزينة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبد الله، حدثنا ابن المبارك حدثني سوار بن ميمون، حدثنا طلحة بن عاصم عن أم الضياء: أنها قالت: دخلت على عائشة رضي الله عنها،فقلت: يا أم المؤمنين ما تقولين في الخضاب والنفاض والصباغ والقرطين والخلخال وخاتم الذهب وثياب الرقاق؟ فقالت: يا معشر النساء قصتكن كلها واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات، أي: لا يحل لكن أن يروا منكن محرماً. وقال السدي: كان شريك لي يقال له: مسلم، وكان مولى لامرأة حذيفة بن اليمان، فجاء يوماً إلى السوق، وأثر الحناء في يده، فسألته عن ذلك، فأخبرني أنه خضب رأس مولاته، وهي امرأة حذيفة، فأنكرت ذلك، فقال: إن شئت أدخلتك عليها؟ فقلت: نعم، فأدخلني عليها، فإذا هي امرأة جليلة، فقلت لها: إن مسلماً حدثني أنه خضب لك رأسك؟ فقالت: نعم يا بني إني من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحاً، وقد قال الله تعالى في ذلك ما سمعت. وقوله: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} أي: وترك وضعهن لثيابهن، وإن كان جائزاً، خير وأفضل لهن، {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِيَسْتَئْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ } من العبيد والإِماء {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ } من الأحرار وعرفوا أمر النساء {ثَلـَٰثَ مَرَّاتٍ } في ثلاثة أوقات {مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ } أي وقت الظهر {وَمِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَاء ثَلَـٰثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } بالرفع خبر مبتدأ مقدّر بعده مضاف وقام المضاف إليه مقامه: أي هي أوقات، وبالنصب بتقدير أوقات منصوباً بدلاً من محل ما قبله قام المضاف إليه مقامه، وهي لإِلقاء الثياب تبدو فيها العورات {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ } أي المماليك والصبيان {جُنَاحٌ } في الدخول عليكم بغير استئذان {بَعْدَهُنَّ } أي بعد الأوقات الثلاثة، هم {طَوٰفُونَ عَلَيْكُمْ } للخدمة {بَعْضُكُمْ } طائف {عَلَىٰ بَعْضٍ } والجملة مؤكدة لما قبلها {كَذٰلِكَ } كما بيّن ما ذكر {يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَٰتِ } أي الأحكام {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بأمور خلقه {حَكِيمٌ } بما دبَّره لهم، وآية الاستئذان قيل منسوخة وقيل لا، ولكن تهاون الناس في ترك الاستئذان.

الشوكاني

تفسير : لما فرغ سبحانه من ذكر ما ذكره من دلائل التوحيد رجع إلى ما كان فيه من الاستئذان، فذكره هاهنا على وجه أخصّ، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } والخطاب للمؤمنين، وتدخل المؤمنات فيه تغليباً كما في غيره من الخطابات. قال العلماء: هذه الآية خاصة ببعض الأوقات. واختلفوا في المراد بقوله: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ } على أقوال: الأوّل: أنها منسوخة، قاله سعيد بن المسيب. وقال سعيد بن جبير: إن الأمر فيها للندب لا للوجوب. وقيل: كان ذلك واجباً حيث كانوا لا أبواب لهم، ولو عاد الحال لعاد الوجوب، حكاه المهدوي عن ابن عباس. وقيل: إن الأمر هاهنا للوجوب، وإن الآية محكمة غير منسوخة، وأن حكمها ثابت على الرجال والنساء. قال القرطبي: وهو قول أكثر أهل العلم. وقال أبو عبد الرحمٰن السلمي: إنها خاصة بالنساء. وقال ابن عمر: هي خاصة بالرجال دون النساء. والمراد بقوله: {مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ }: العبيد، والإماء، والمراد بـ {الذين لم يبلغوا الحلم}: الصبيان {منكم} أي: من الأحرار، ومعنى {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ }: ثلاثة أوقات في اليوم والليلة، وعبر بالمرات عن الأوقات لأن أصل وجوب الاستئذان هو بسبب مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا نفس الأوقات، وانتصاب {ثلاث مرات} على الظرفية الزمانية أي: ثلاثة أوقات، ثم فسر تلك الأوقات بقوله: {مّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ } إلخ، أو منصوب على المصدرية أي: ثلاث استئذانات؛ ورجح هذا أبو حيان، فقال: والظاهر من قوله: {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } ثلاث استئذانات، لأنك إذا قلت: ضربتك ثلاث مرات لا يفهم منه إلاّ ثلاث ضربات. ويردّ: بأن الظاهر هنا متروك للقرينة المذكورة، وهو التفسير بالثلاثة الأوقات. قرأ الحسن، وأبو عمرو في رواية الحلم بسكون اللام، وقرأ الباقون بضمها. قال الأخفش: الحلم من حلم الرجل بفتح اللام، ومن الحلم حلم بضم اللام يحلم بكسر اللام. ثم فسر سبحانه الثلاث المرات، فقال: {مّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ }، وذلك لأنه وقت القيام عن المضاجع، وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب اليقظة، وربما يبيت عرياناً، أو على حال لا يحبّ أن يراه غيره فيها، ومحله النصب على أنه بدل من ثلاث، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هي من قبل، وقوله: {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مّنَ ٱلظَّهِيرَةِ } معطوف على محل {مّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ }، و«من» في {مّنَ ٱلظَّهِيرَةِ } للبيان، أو بمعنى: في، أو بمعنى: اللام. والمعنى: حين تضعون ثيابكم التي تلبسونها في النهار من شدة حرّ الظهيرة، وذلك عند انتصاف النهار، فإنهم قد يتجرّدون عن الثياب لأجل القيلولة. ثم ذكر سبحانه الوقت الثالث، فقال: {وَمِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَاء }، وذلك لأنه وقت التجرد عن الثياب، والخلوة بالأهل، ثم أجمل سبحانه هذه الأوقات بعد التفصيل، فقال: {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } قرأ الجمهور: {ثلاثُ عورات} برفع ثلاث وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بالنصب على البدل من ثلاث مرات. قال ابن عطية: إنما يصح البدل بتقدير أوقات ثلاث عورات، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ويحتمل: أنه جعل نفس ثلاث مرات نفس ثلاث عورات مبالغة؛ ويجوز أن يكون ثلاث عورات بدلاً من الأوقات المذكورة أي: من قبل صلاة الفجر إلخ؛ ويجوز أن تكون منصوبة بإضمار فعل أي: أعني، ونحوه، وأما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هنّ ثلاث. قال أبو حاتم: النصب ضعيف مردود. وقال الفراء: الرفع أحبّ إليّ، قال: وإنما اخترت الرفع لأن المعنى: هذه الخصال ثلاث عورات. وقال الكسائي: إن ثلاث عورات مرتفعة بالابتداء، والخبر ما بعدها. قال والعورات الساعات التي تكون فيها العورة. قال الزجاج: المعنى: ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعورات جمع عورة، والعورة في الأصل: الخلل، ثم غلب في الخلل الواقع فيما يهمّ حفظه ويتعين ستره أي: هي ثلاث أوقات يختلّ فيها الستر. وقرأ الأعمش: "عورات" بفتح الواو، وهي لغة هذيل وتميم، فإنهم يفتحون عين فعلات سواء كان واواً أو ياء، ومنه:شعر : أخو بيضات رايح متأوّب رفيق بمسح المنكبين سبوح تفسير : وقوله:شعر : أبو بيضات رايح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزوّد تفسير : و{لكم} متعلق بمحذوف، هو صفة لثلاث عورات أي: كائنة لكم، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان علة وجوب الاستئذان {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } أي: ليس على المماليك، ولا على الصبيان جناح، أي: إثم في الدخول بغير استئذان لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر، والإطلاع على العورات. ومعنى {بعدهنّ}: بعد كل واحدة من هذه العورات الثلاث، وهي الأوقات المتخللة بين كلّ اثنين منها، وهذه الجملة مستأنفة مقرّرة للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة، ويجوز أن تكون في محل رفع صفة لثلاث عورات على قراءة الرفع فيها. قال أبو البقاء: {بَعْدَهُنَّ } أي: بعد استئذانهم فيهنّ، ثم حذف حرف الجرّ والمجرور فبقي بعد استئذانهم، ثم حذف المصدر، وهو الاستئذان، والضمير المتصل به. وردّ: بأنه لا حاجة إلى هذا التقدير الذي ذكره، بل المعنى: ليس عليكم جناح، ولا عليهم، أي: العبيد والإماء والصبيان جناح في عدم الاستئذان بعد هذه الأوقات المذكورة، وارتفاع {طَوافُونَ} على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هم طوّافون عليكم، والجملة مستأنفة مبينة للعذر المرخص في ترك الاستئذان. قال الفراء: هذا كقولك في الكلام هم خدمكم، وطوّافون عليكم، وأجاز أيضاً نصب طوّافين لأنه نكرة، والمضمر في {عَلَيْكُمْ } معرفة، ولا يجيز البصريون أن تكون حالاً من المضمرين اللذين في عليكم، وفي بعضكم لاختلاف العاملين. ومعنى {طوّافون عليكم} أي: يطوفون عليكم، ومنه الحديث في الهرّة: «حديث : إنما هي من الطوّافين عليكم. أو الطوّافات» تفسير : أي: هم خدمكم فلا بأس أن يدخلوا عليكم في غير هذه الأوقات بغير إذن، ومعنى {بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ }: بعضكم يطوف، أو طائف على بعض، وهذه الجملة بدل مما قبلها، أو مؤكدة لها. والمعنى: أن كلا منكم يطوف على صاحبه العبيد على الموالي، والموالي على العبيد، ومنه قول الشاعر:شعر : ولما قرعنا النبع بالنبع بعضه ببعض أبت عيدانه أن تكسرا تفسير : وقرأ ابن أبي عبلة: "طوّافين" بالنصب على الحال كما تقدّم عن الفراء، وإنما أباح سبحانه الدخول في غير تلك الأوقات الثلاثة بغير استئذان، لأنها كانت العادة أنهم لا يكشفون عوراتهم في غيرها، والإشارة بقوله: {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } إلى مصدر الفعل الذي بعده، كما في سائر المواضع في الكتاب العزيز أي: مثل ذلك التبيين يبين الله لكم الآيات الدالة على ما شرعه لكم من الأحكام {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } كثير العلم بالمعلومات، وكثير الحكمة في أفعاله. {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ } بين سبحانه هاهنا حكم الأطفال الأحرار إذا بلغوا الحلم بعد ما بين فيما مرّ حكم الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم في أنه لا جناح عليهم في ترك الاستئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة، فقال: {فَلْيَسْتَأْذِنُواْ } يعني: الذين بلغوا الحلم إذا دخلوا عليكم {كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }، والكاف نعت مصدر محذوف أي: استئذاناً كما استأذن الذين من قبلهم، والموصول عبارة عن الذين قيل لهم: {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ } تفسير : [النور: 27] الآية. والمعنى: أن هؤلاء الذين بلغوا الحلم يستأذنون في جميع الأوقات كما استأذن الذين من قبلهم من الكبار الذين أمروا بالاستئذان من غير استثناء، ثم كرّر ما تقدّم للتأكيد، فقال: {كَذٰلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } وقرأ الحسن "الحلم"، فحذف الضمة لثقلها. قال عطاء: واجب على الناس أن يستأذنوا إذا احتلموا أحراراً كانوا أو عبيداً. وقال الزهري: يستأذن الرجل على أمه، وفي هذا المعنى نزلت هذه الآية، والمراد بالقواعد من النساء: العجائز اللاتي قعدن عن الحيض، والولد من الكبر، واحدتها قاعد بلا هاء ليدلّ حذفها على أنه قعود الكبر، كما قالوا: امرأة حامل ليدلّ بحذف الهاء على أنه حمل حبل، ويقال: قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها. قال الزجاج: هن اللاتي قعدن عن التزويج، وهو معنى قوله: {ٱلَّلَـٰتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً } أي: لا يطمعن فيه لكبرهنّ. وقال أبو عبيدة: اللاتي قعدن عن الولد، وليس هذا بمستقيم، لأن المرأة تقعد عن الولد، وفيها مستمتع. ثم ذكر سبحانه حكم القواعد، فقال: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ } أي: الثياب التي تكون على ظاهر البدن كالجلباب ونحوه، لا الثياب التي على العورة الخاصة، وإنما جاز لهنّ ذلك لانصراف الأنفس عنهنّ إذ لا رغبة للرجال فيهنّ، فأباح الله سبحانه لهنّ ما لم يبحه لغيرهنّ، ثم استثنى حالة من حالاتهنّ، فقال: {غَيْرَ مُتَبَرّجَـٰتِ بِزِينَةٍ } أي: غير مظهرات للزينة التي أمرن بإخفائها في قوله: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } تفسير : [النور: 31]، والمعنى: من غير أن يردن بوضع الجلابيب إظهار زينتهنّ، ولا متعرّضات بالتزين لينظر إليهنّ الرجال. والتبرّج: التكشف، والظهور للعيون، ومنه {أية : بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } تفسير : [النساء: 78] وبروج السماء، ومنه قولهم: سفينة بارجة أي: لا غطاء عليها {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ } أي: وأن يتركن وضع الثياب فهو خير لهنّ من وضعها. وقرأ عبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب وابن عباس: "أن يضعن من ثيابهن" بزيادة من، وقرأ ابن مسعود: "وأن يعففن" بغير سين {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } كثير السماع والعلم، أو بليغهما. {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ } اختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة، أو منسوخة؟ قال بالأوّل جماعة من العلماء، وبالثاني جماعة. قيل: إن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمانهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرّجون من ذلك وقالوا: لا ندخلها، وهم غيب، فنزلت هذه الآية رخصة لهم؛ فمعنى الآية: نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيوت أقاربهم، أو بيوت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو. قال النحاس: وهذا القول من أجلّ ما روي في الآية لما فيه من الصحابة، والتابعين من التوقيف. وقيل: إن هؤلاء المذكورين كانوا يتحرّجون من مؤاكلة الأصحاء حذاراً من استقذارهم إياهم، وخوفاً من تأذيهم بأفعالهم، فنزلت. وقيل: إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به القدرة الكاملة على المشي على وجه يتعذر الإتيان به مع العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه، وقيل: المراد بهذا الحرج المرفوع عن هؤلاء هو الحرج في الغزو أي: لا حرج على هؤلاء في تأخرهم عن الغزو. وقيل: كان الرجل إذا أدخل أحداً من هؤلاء الزمنى إلى بيته، فلم يجد فيه شيئاً يطعمهم إياه ذهب بهم إلى بيوت قرابته، فيتحرج الزمنى من ذلك، فنزلت. ومعنى قوله {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ }. عليكم، وعلى من يماثلكم من المؤمنين {أَن تَأْكُلُواْ } أنتم، ومن معكم، وهذا ابتداء كلام أي: ولا عليكم أيها الناس. والحاصل: أن رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض إن كان باعتبار مؤاكلة الأصحاء، أو دخول بيوتهم فيكون {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } متصلاً بما قبله، وإن كان رفع الحرج عن أولئك باعتبار التكاليف التي يشترط فيها وجود البصر، وعدم العرج وعدم المرض، فقوله: {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } ابتداء كلام غير متصل بما قبله. ومعنى {مِن بُيُوتِكُمْ }: البيوت التي فيها متاعهم، وأهلهم، فيدخل بيوت الأولاد، كذا قال المفسرون، لأنها داخلة في بيوتهم لكون بيت ابن الرجل بيته، فلذا لم يذكر سبحانه بيوت الأولاد، وذكر بيوت الآباء، وبيوت الأمهات، ومن بعدهم. قال النحاس: وعارض بعضهم هذا، فقال: هذا تحكم على كتاب الله سبحانه بل الأولى في الظاهر أن يكون الابن مخالفاً لهؤلاء. ويجاب عن هذه المعارضة بأن رتبة الأولاد بالنسبة إلى الآباء لا تنقص عن رتبة الآباء بالنسبة إلى الأولاد، بل للآباء مزيد خصوصية في أموال الأولاد لحديث: «حديث : أنت ومالك لأبيك»تفسير : ، وحديث: «حديث : ولد الرجل من كسبه»تفسير : ، ثم قد ذكر الله سبحانه هاهنا بيوت الإخوة والأخوات، بل بيوت الأعمام، والعمات، بل بيوت الأخوال، والخالات، فكيف ينفي سبحانه الحرج عن الأكل من بيوت هؤلاء، ولا ينفيه عن بيوت الأولاد؟ وقد قيد بعض العلماء جواز الأكل من بيوت هؤلاء بالإذن منهم. وقال آخرون: لا يشترط الإذن. قيل: وهذا إذا كان الطعام مبذولاً، فإن كان محرزاً دونهم لم يجز لهم أكله. ثم قال سبحانه: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ } أي: البيوت التي تملكون التصرّف فيها بإذن أربابها، وذلك كالوكلاء، والعبيد، والخزّان، فإنهم يملكون التصرّف في بيوت من أذن لهم بدخول بيته، وإعطائهم مفاتحه. وقيل: المراد بها بيوت المماليك. قرأ الجمهور {ملكتم} بفتح الميم، وتخفيف اللام. وقرأ سعيد بن جبير بضم الميم، وكسر اللام مع تشديدها. وقرأ أيضاً "مفاتيحه" بياء بين التاء، والحاء. وقرأ قتادة {مفاتحه} على الإفراد، والمفاتح جمع مفتح، والمفاتيح جمع مفتاح {أَوْ صَدِيقِكُمْ } أي: لا جناح عليكم أن تأكلوا من بيوت صديقكم، وإن لم يكن بينكم وبينه قرابة، فإن الصديق في الغالب يسمح لصديقه بذلك، وتطيب به نفسه، والصديق يطلق على الواحد والجمع، ومنه قول جرير:شعر : دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا بأسهم أعداء وهنّ صديق تفسير : ومثله العدوّ والخليط والقطين والعشير، ثم قال سبحانه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ } من بيوتكم {جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً } انتصاب {جميعاً} و{أشتاتاً} على الحال. والأشتات جمع شتّ، والشتّ المصدر بمعنى: التفرّق، يقال: شتّ القوم أي: تفرقوا، وهذه الجملة كلام مستأنف مشتمل على بيان حكم آخر من جنس ما قبله أي: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم مجتمعين، أو متفرقين، وقد كان بعض العرب يتحرّج أن يأكل وحده حتى يجد له أكيلاً يؤاكله، فيأكل معه، وبعض العرب كان لا يأكل إلاّ مع ضيف، ومنه قول حاتم:شعر : إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي تفسير : {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً } هذا شروع في بيان أدب آخر أدّب به عباده أي: إذا دخلتم بيوتاً غير البيوت التي تقدّم ذكرها {فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } أي: على أهلها الذين هم بمنزلة أنفسكم. وقيل: المراد البيوت المذكورة سابقاً. وعلى القول الأوّل، فقال الحسن، والنخعي: هي المساجد، والمراد: سلموا على من فيها من صنفكم، فإن لم يكن في المساجد أحد، فقيل: يقول: السلام على رسول الله، وقيل يقول: السلام عليكم مريداً للملائكة، وقيل: يقول: السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين. وقال بالقول الثاني: أعني أنها البيوت المذكورة سابقاً جماعة من الصحابة، والتابعين، وقيل: المراد بالبيوت هنا هي كلّ البيوت المسكونة، وغيرها، فيسلم على أهل المسكونة، وأما غير المسكونة فيسلم على نفسه. قال ابن العربي: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح، وانتصاب {تَحِيَّةً } على المصدرية، لأن قوله: {فَسَلّمُواْ } معناه: فحيوا أي: تحية ثابتة {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } أي: إن الله حياكم بها. وقال الفرّاء: أي: إن الله أمركم أن تفعلوها طاعة له، ثم وصف هذه التحية، فقال: {مُّبَـٰرَكَةٍ } أي كثيرة البركة والخير دائمتهما {طَيّبَةً } أي تطيب بها نفس المستمع، وقيل: حسنة جميلة. وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك طيب لما فيه من الأجر والثواب، ثم كرّر سبحانه، فقال: {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } تأكيداً لما سبق. وقد قدّمنا: أن الإشارة بذلك إلى مصدر الفعل {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } تعليل لذلك التبيين برجاء تعقل آيات الله سبحانه، وفهم معانيها. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان قال: بلغنا أن رجلاً من الأنصار، وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً، فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا! إنه ليدخل على المرأة وزوجها، وهما في ثوب واحد غلامهما بغير إذن، فأنزل الله في ذلك {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } يعني: العبيد والإماء {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ } قال: من أحراركم من الرجال والنساء. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ في هذه الآية قال: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا، ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين، والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلاّ بإذن. وأخرج ابن مردويه عن ثعلبة القرظي عن عبد الله بن سويد قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العورات الثلاث، فقال: «حديث : إذا أنا وضعت ثيابي بعد الظهيرة لم يلج عليّ أحد من الخدم من الذين لم يبلغوا الحلم، ولا أحد لم يبلغ الحلم من الأحرار إلاّ بإذن، وإذا وضعت ثيابي بعد صلاة العشاء، ومن قبل صلاة الصبح»تفسير : . وأخرجه عبد بن حميد والبخاري في الأدب، عن عبد الله بن سويد من قوله. وأخرج نحوه أيضاً ابن سعد عن سويد بن النعمان. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: إنه لم يؤمن بها أكثر الناس يعني: آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذه، لجارية قصيرة قائمة على رأسه أن تستأذن عليّ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: ترك الناس ثلاث آيات لم يعملوا بهنّ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } والآية التي في سورة النساء {أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ } تفسير : [النساء: 8] الآية، والآية التي في الحجرات: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } تفسير : [الحجرات: 13]. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في السنن عنه أيضاً في الآية قال: إذا خلا الرجل بأهله بعد العشاء فلا يدخل عليه صبيّ، ولا خادم إلاّ بإذنه حتى يصلي الغداة، وإذا خلا بأهله عند الظهر، فمثل ذلك، ورخص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن، وهو قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ }، فأما من بلغ الحلم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلاّ بإذن على كل حال، وهو قوله: {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }. وأخرج أبو داود، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في السنن بسندٍ صحيح من طريق عكرمة عنه أيضاً: أن رجلاً سأله عن الاستئذان في الثلاث العورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر، وكان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم، ولا حجاب في بيوتهم، فربما فجأ الرجل خادمه، أو ولده، أو يتيم في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط عليهم في الرزق، فاتخذوا الستور، واتخذوا الحجاب، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب، وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر في قوله: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } قال: هي على الذكور دون الإناث، ولا وجه لهذا التخصيص، فالاطلاع على العورات في هذه الأوقات كما يكرهه الإنسان من الذكور يكرهه من الإناث. وأخرج ابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قالت: نزلت في النساء أن يستأذنّ علينا. وأخرج الحاكم وصححه عن عليّ في الآية قال: النساء، فإن الرجال يستأذنون. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي في هذه الآية قال: هي في النساء خاصة الرجال يستأذنون على كل حال بالليل والنهار. وأخرج الفريابي، عن موسىٰ بن أبي عائشة قال: سألت الشعبي عن هذه الآية أمنسوخة هي؟ قال: لا. وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في الأدب، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عطاء: أنه سأل ابن عباس: أأستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت: إنها في حجري، وإني أنفق عليها، وإنها معي في البيت أأستأذن عليها؟ قال: نعم، إن الله يقول: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ } الآية، فلم يؤمر هؤلاء بالإذن إلاّ في هؤلاء العورات الثلاث، قال: {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } فالإذن واجب على كل خلق الله أجمعين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال: عليكم إذن على أمهاتكم. وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في الأدب عنه قال: يستأذن الرجل على أبيه وأمه وأخيه وأخته. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب، عن جابر نحوه. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في السنن عن عطاء بن يسار: أن رجلاً قال: يا رسول الله أأستأذن على أمي؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : ، قال: إني معها في البيت، قال: "حديث : استأذن عليها"تفسير : ، قال: إني خادمها أفأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: «حديث : أتحبّ أن تراها عريانة؟» تفسير : قال: لا، قال: «حديث : فاستأذن عليها»تفسير : وهو مرسل. وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عن زيد بن أسلم: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أيضاً مرسل. وأخرج أبو داود، والبيهقي في السنن عن ابن عباس: {أية : وَقُل لّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنّ} تفسير : [النور: 31] الآية، فنسخ، واستثنى من ذلك {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنّسَاء ٱلَّلَـٰتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً } الآية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في السنن عنه قال: هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار، وتضع عليها الجلباب ما لم تتبرّج بما يكرهه الله، وهو قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرّجَـٰتِ بِزِينَةٍ }. وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، والبيهقي عن ابن عباس: أنه كان يقرأ "أَن يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابَهُنَّ" ويقول: هو: الجلباب. وأخرج سعيد ابن منصور وابن المنذر عن ابن عمر في الآية قال: تضع الجلباب. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في السنن عن ابن مسعود: {أن يضعن ثيابهنّ} قال: الجلباب، والرداء. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ } تفسير : [النساء: 29] قالت الأنصار: ما بالمدينة مال أعزّ من الطعام كانوا يتحرّجون أن يأكلوا مع الأعمى يقولون: إنه لا يبصر موضع الطعام، وكانوا يتحرّجون الأكل مع الأعرج يقولون: الصحيح يسبقه إلى المكان، ولا يستطيع أن يزاحم، ويتحرّجون الأكل مع المريض يقولون: لا يستطيع أن يأكل مثل الصحيح، وكانوا يتحرّجون أن يأكلوا في بيوت أقاربهم، فنزلت: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ } يعني: في الأكل مع الأعمى. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقسم نحوه. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد قال: كان الرجل يذهب بالأعمى أو الأعرج أو المريض إلى بيت أبيه أو بيت أخيه أو بيت عمه أو بيت عمته أو بيت خاله، أو بيت خالته، فكان الزمنى يتحرّجون من ذلك يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم. وأخرج البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن النجار عن عائشة قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدفعون مفاتيحهم إلى أمنائهم، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما احتجتم إليه، فكانوا يقولون: إنه لا يحلّ لنا أن نأكل إنهم أذنوا لنا من غير طيب نفس، وإنما نحن زمنى، فأنزل الله: {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ } إلى قوله: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ }. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال: لما نزلت {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ } تفسير : [النساء: 29] قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل الأموال، فلا يحلّ لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكفّ الناس عن ذلك، فأنزل الله: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ } إلى قوله: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ }، وهو: الرجل يوكل الرجل بضيعته، والذي رخص الله أن يأكل من ذلك الطعام والتمر ويشرب اللبن، وكانوا أيضاً يتحرّجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم فقال {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً }. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعمى، ولا مريض، ولا أعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام، فنزلت رخصة في مؤاكلتهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في مراسيله، وابن جرير والبيهقي عن الزهري أنه سئل عن قوله: {لَّيْسَ عَلَى ٱلاْعْمَىٰ حَرَجٌ } ما بال الأعمى، والأعرج، والمريض ذكروا هنا؟ فقال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله: أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم يقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، وكانوا يتحرّجون من ذلك يقولون: لا ندخلها، وهم غيب، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان هذا الحيّ من بني كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أن عليه مخزاة أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل يسوق الذود الحفل، وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً }. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة وأبي صالح قالا: كانت الأنصار إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون حتى يأكل الضيف معهم، فنزلت رخصة لهم. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس في الآية، قال: خرج الحارث غازياً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف على أهله خالد بن يزيد، فحرج أن يأكل من طعامه، وكان مجهوداً، فنزلت. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {أَوْ صَدِيقِكُمْ } قال: إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته، ثم أكلت من طعامه بغير إذنه لم يكن بذلك بأس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: {أَوْ صَدِيقِكُمْ } قال: هذا شيء قد انقطع، إنما كان هذا في أوّله، ولم يكن لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة، فربما دخل الرجل البيت، وليس فيه أحد، فربما وجد الطعام وهو جائع فسوّغه الله أن يأكله. وقال: ذهب ذلك اليوم البيوت فيها أهلها، فإذا خرجوا أغلقوا فقد ذهب ذلك. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } يقول: إذا دخلتم بيوتكم، فسلموا على أنفسكم {تَحِيَّةً مّنْ عِندِ ٱللَّهِ }، وهو السلام، لأنه اسم الله، وهو: تحية أهل الجنة. وأخرج البخاري وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: إذا دخلت على أهلك، فسلم عليهم تحية من عند الله {مُبَـٰرَكَةً طَيّبَةً }. وأخرج عبد الرزّاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس في قوله: {فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } قال: هو المسجد إذا دخلته، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب عن ابن عمر قال: إذا دخل البيت غير المسكون، أو المسجد، فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لَيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيَمَانُكُم} فيهم قولان: أحدهما: أنهم النساء يستأذنَّ في هذه الأوقات خاصة ويستأذن الرجال في جميع الأوقات، قاله ابن عمر. الثاني: أنهم العبيد والإِماء. وفي المعنى بالاستئذان ثلاثة أقاويل: أحدها: العبد دون الأمة يستأذن على سيده في هذه الأوقات الثلاثة، قاله ابن عمر، ومجاهد. الثاني: أنها الإِماء لأن العبد يجب أن يستأذن أبداً في هذه الأوقات وغيرها، قاله ابن عباس. الثالث: أنه على عمومه في العبد والأمة، قاله أبو عبد الرحمن السلمي. {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ مِنْكُم} هم الصغار الأحرار فمن كان منهم غير مميز لا يصف ما رأى فليس من أهل الاستئذان ومن كان مميزاً يصف ما رأى ويحكي ما شاهد فهو المعني بالاستئذان. {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثَيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَآءِ} وهذه الساعات الثلاث هي أوقات الاستئذان من تقدم ذكره ولا يلزمهم الاستئذان في غيرها من الأوقات، فذكر الوقت الأول وهو من قبل صلاة الفجر وهو من بعد الاستيقاظ من النوم إلى صلاة الصبح، ثم ذكر الوقت الثاني فقال: {وَحِينَ تَضَعُونَ} وهو وقت الخلوة لنومة القائلة، ثم ذكر الوقت الثالث فقال: {وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعَشَآءِ} يعني الآخرة وقد تسميها العامة العتمة وسميت العشاء لأن ظلام وقتها يعشي البصر. وإنما خص هذه الأوقات الثلاثة لأنها أوقات خلوات الرجل مع أهله ولأنه ربما بدا فيها عند خلوته ما يكره أن يرى من جسده، فقد روي أن عمر بن الخطاب كان في منزله وقت القائلة فأنفذ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي من أولاد الأنصار يقال له مدلج فدخل على عمر بغير إذن وكان نائماً فاستيقظ عمر بسرعة فانكشف شيء من جسده فنظر إليه الغلام فحزن عمر فقال: وددت لو أن الله بفضله نهى أبناءنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذننا ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد أنزلت فخرَّ ساجداً [شكراً لله]. {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ} يعني هذه الساعات الثلاث هي أوقات العورات فصارت من عورات الزمان فجرت مجرى عورات الأبدان فلذلك خصت بالإِذن. {لَيْسَ عَلَيْكَمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جَنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} فيه وجهان: أحدهما: يعني ليس عليكم يا أهل البيوت جناح في تبذلكم في هذه الأوقات. الثاني: ليس عليكم جناح في منعهم في هذه الأوقات. ولا على المملوكين والصغار جناح في ترك الاستئذان فيما سوى هذه الأوقات. {طَوَّافُونَ عَلَيْكَم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} يعني أنهم طوّافون عليكم للخدمة لكم فلم ينلهم حرج في دخول منازلكم، والطوافون الذين يكثرون الدخول والخروج. ثم أوجب على من بلغ من الصبيان الاستئذان إذا احتلموا وبلغوا لأنهم صاروا بالبلوغ في حكم الرجال فقال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُم الحُلُمَ فَلْيَسْتَأَذِنُواْ كَمَا اسْتَأَْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} يعني الرجال. قوله: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ} والقواعد جمع قاعدة وهن اللاتي قعدن بالكبر عن الحيض والحمل ولا يحضن ولا يلدن. قال ابن قتيبة: بل سمين بذلك لأنهن بعد الكبر يكثر منهن القعود. وقال زمعة: لا تراد، فتقعد عن الاستمتاع بها والأول أشبه. قال الشاعر: شعر : فلو أن ما في بطنه بين نسوة حبلن ولو كان القواعد عقراً تفسير : وقوله: {الَّلاتِي لاَ يَرْجُونَ نَكَاحاً} أي أنهن لأجل الكبر لا يردن الرجال ولا يريدهن الرجال. {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جَنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} فيه قولان: أحدهما: جلبابها وهو الرداء الذي فوق خمارها فتضعه عنها إذا سترها باقي ثيابها قاله ابن مسعود وابن جبير. الثاني: خمارها ورداؤها، قاله جابر بن زيد. {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ} والتبرج أن تظهر من زينتها ما يستدعي النظر إليها فإنه في القواعد وغيرهن محظور. وإنما خص القواعد بوضع الجلباب لانصراف النفوس عنهن ما لم يبد شيء من عوراتهن. والشابات المشتهيات يمنعن من وضع الجلباب أو الخمار ويؤمرن بلبس أكثف الجلابيب لئلا تصفهن ثيابهن. وقد روى مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لِلزَّوْجِ مَا تَحْتَ الدِّرْعِ، وَلِلإِبْنِ وَالأَخِ مَا فَوقَ الدِّرْعِ، وَلِغَيْرِ ذِي مُحْرِمٍ أَرْبَعَةُ أَثْوَابٍ: دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَجِلْبَابٍ وَإِزَارٍ ". تفسير : {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} يعني إن يستعفف القواعد عن وضع ثيابهن ويلزمن لبس جلابيبهن خير لهن من وضعها وإن سقط الحرج عنهن فيه.

ابن عطية

تفسير : قال ابن عمر {الذين ملكت} يراد به الرجال خاصة، وقال أبو عبد الرحمن السلمي يراد به النساء خاصة وسبيل الرجال يستأذنوا في كل وقت، وحكى الزهراوي عن أبي عمر ونحوه، وقيل الرجال والنساء كلهم مراد ورجحه الطبري، وقرأ الجمهور الناس "الحلُم" بضم اللام وكان أبو عمرو يستحسنها، وهذه الآية محكمة قال ابن عباس تركها الناس وكذلك ترك الناس قوله: {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم} تفسير : [الحجرات: 113] فأبى الناس إلا أن الأكرم هو الأنسب. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذه العبارة بترك إغلاظ وزجر إذ لم تلتزم حق الالتزام، وإلا فما قال الله هو المعتقد في ذلك العلماء المكتوب في تواليفهم، أعني في أن الكرم التقوى وأما أمر الاستئذان فإن تغيير المباني والحجب أغنت عن كثير من الاستئذان، وصيرته على حد آخر، وأين أبواب المنازل اليوم من مواضع النوم وقد ذكر المهدوي عن ابن عباس أنه قال كان العمل بهذه الآية واجباً إذ كانوا لا غلق ولا أبواب ولو عادت الحال لعاد الوجوب. قال الفقيه الإمام القاضي : فهي الآن واجبة في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحارى ونحوها، ومعنى الآية عند جماعة من العلماء أن الله تعالى أدب عباده بأن يكون العبيد إذ لا بال لهم والأطفال الذين لم يبلغوا إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة ونحوها يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها وملازمة التعري في المضاجع، وهي عند الصباح لأن الناس في ذلك الوقت عراة في مضاجعهم وقد ينشكف النائم، فمن مشى ودخل وخرج فحكمه أن يستأذن لئلا يطلع على ما يجب ستره، وكذلك في وقت القائلة وهي الظهيرة لأن النهار يظهر فيها إذا علا واشتد حره، وبعد العشاء لأنه وقت التعري للنوم والتبدل للفراش، وأما غير هذه الأوقات التي هي عروة أي ذات انكشاف، فالعرف من الناس التحرز والتحفظ فلا حرج في دخول هذه الصنيفة بغير إذن إذ هم {طوافون} يمضون ويجيئون لا يجد الناس بدأ من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة "طوافين" وقال الحسن إذا أبات الرجل خادمه معه فلا استئذان عليه ولا في هذه الأوقات الثلاثة، وقوله {بعضكم على بعض} بدل من قوله {طوافون} و {ثلاثَ عورات} نصب على الظرف لأنهم لم يؤمروا بالاستئذان ثلاثاً إنما أمروا بالاستئذان ثلاث مواطن، فالظرفية في {ثلاث} بينة، قرأ جمهور السبعة "ثلاثُ عورات" برفع "ثلاثُ" وهذا على الابتداء، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم " ثلاثَ عورات" بنصب "ثلاث"، وهذه على البدل من الظرف في قوله {ثلاث مرات}، وهذا البدل إنما يصح معناه بتقدير أوقات "ثلاث عورات" فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، و {عورات} جمع عورة وبابه في الصحيح أن يجيء على فعلات بفتح العين كجفنة وجفنات ونحو ذلك وسكنوا العين في المعتل كبيضة وبيضات وجوبة وجوبات ونحوه لأن فتحه داع إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} النساء يستأذن في الأوقات الثلاث خاصة ويستأذن الرجال في جميع الأوقات، أو العبيد والإماء فيستأذن العبد دون الأمة على سيده في هذه الأوقات، أو الأمة وحدها؛ لأن العبد يلزمه الاستئذان في كل وقت "ع"، أو العبد والأمة جميعاً {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ} الصغار الأحرار فإن كان لا يصف ما رأى فليس من أهل الاستئذان وإن كان يصفه فيستأذن في الأوقات الثلاث ولا يلزمهم الاستئذان فيما وراء الثلاث. وخُصَّت هذه الأوقات لخلوة الرجل فيها بأهله وربما ظهر منه فيها ما يكره أون يرى من جسده. وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ وقت القائلة غلاماً من الأنصار فدخل بغير إذن فاستيقظ عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ بسرعة فانكشف منه شيء فرآه الغلام فحزن عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ لذلك وقال: وددت أن الله ـ تعالى ـ بفضله نهى أن يدخل علنيا في هذه الساعات إلا بإذننا فانطلق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآيات قد نزلت فخر ساجداً. {ثَلاثُ عَوْرَاتٍ} لما اشتملت الساعات الثلاث على العورات سماهن عورات إجراءً لعورات الزمان مجرى عورات الأبدان فلذلك خصها بالإذن {لَيْسَ عَلَيْكُمْ} جناح في تبذلكم في هذه الأوقات، أو في منعهم فيها {وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ} في ترك الاستئذان فيما سواهن. {طَوَّافُونَ عَلَيْكُم} بالخدمة فلم يُحرَّج عليهم في دخول منازلكم، والطوَّاف: الذي يكثر الدخول والخروج.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} الآية: قيل: «الذين ملكت أيمانهم»: الرجال والنساء، ورَجَّحَهُ الطبريُّ، وقيل: الرجال خاصة، وقيل: النساء خاصَّةً، ومعنى الآية عند جماعة من العلماء: أَنَّ اللّه تعالى أَدَّبَ عباده بأنْ يكونَ العبيدُ والأَطفَالُ الذين عقلوا معاني الكَشَفَةِ ونحوها ـــ يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثِة، وهي الأوقات التي تقتضي عادَةُ الناس الانكشافُ فيها وملازَمَةُ التَّعَرِّي في المضاجع، وهي: عند الصباح، وفي وقت القائلة وهي الظهيرة؛ لأَنَّ النهار يظهر فيها إذا علا واشْتَدَّ حَرُّهُ، وبعدَ العشاء؛ لأَنَّهُ وقتُ التعرِّي للنوم، وأما في غير هذه الأوقات فالعُرْفُ من الناس التَّحَرُّزُ والتَّحَفُّظُ فلا حرجَ في دخول هذه الصنيفة بغير إذن؛ إذ هم طَوَّافون يمضون ويجيئون، لا يجد الناس بُدّاً من ذلك. وقوله: {بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} بدل من قوله: {طَوَّٰفُونَ} و {ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ} نُصِبَ على الظرف؛ لأَنَّهم لم يُؤْمروا بالاستئذان ثلاثاً؛ وإنَّما أُمِروا بالاستئذان في ثلاث مواطنَ، فالظرفية في ثلاث بَيِّنة. وقوله سبحانه: {وَكَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ الأَيَـٰتِ لَكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} بين للمتأمل

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} الآية. قال ابن عباس: وجَّه رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غلاماً من الأنصار يقال له: "مُدْلج بن عمرو" إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل، فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مَرْثَد، كان لها غلام كبير، فدخل عليها في وقت كرهته، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إنّ خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ} اللام للأمر "مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" يعني: العبيد والإماء. قال القاضي: هذا الخطاب وإن كان ظاهره للرجال، فالمراد به الرجال والنساء، لأنّ التذكير يغلب على التأنيث. قال ابن الخطيب: والأولى عندي أنّ الحكم ثابت في النساء بقياس جليّ، لأنّ النساء في باب (حفظ) العورة أشد حالاً من الرجال، فهو كتحريم الضرب بالقياس على حرمة التأفيف. وقال ابن عباس: هي في الرجال والنساء يستأذنون على كل حال في الليل والنهار. واختلف العلماء في هذا الندب: فقيل للأمر. وقيل: للوجوب، وهو الأظهر. قوله: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ} أي: من الأحرار، وليس المراد: الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل الذين عرفوا أمر النساء، ولكن لم يبلغوا. واتفق الفقهاء على أنّ الاحتلام بلوغ. واختلفوا في بلوغ خمس عشرة سنة إذا لم يوجد احتلام: قال أبو حنيفة: لا يكون بالغاً حتى يبلغ ثماني عشرة سنة، ويستكملها الغلام والجارية تستكمل سبع عشرة. وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: في الغلام والجارية خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم، لما روى ابن عمر أنه عرض على النبي يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه، وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة، فأجازه. قال أبو بكر الرازي: هذا الخبر مضطرب، لأنّ أُحُداً كان في سنة ثلاث، والخندق كان في سنة خمس، فكيف يكون بينهما سنة؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ، فقد لا يؤذن للبالغ لضعفه، ويؤذن لغير البالغ لقوته ولطاقته لحمل السلاح، ولذلك لم يسأله النبي - عليه السلام - عن الاحتلام والسن. واختلفوا في الإنبات: هل يكون بلوغاً؟ فأصحاب الرأي لم يجعلوه بلوغاً، لقوله - عليه السلام -: "حديث : وعن الصبي حتى يحتلم"تفسير : . وقال الشافعي: هو بلوغ، لأنّ النبي - عليه السلام -: أمر بقتل من أنبت من بني قريظة. قال الرازي: الإنبات يدل على القوة البدنية، فالأمر بالقتل لذلك لا للبلوغ. فصل قال أبو بكر الرازي: دلَّت هذه الآية على أن من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع، وينهى عن ارتكاب القبائح، فإن الله تعالى أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات. وقال عليه السلام: "حديث : مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر ". تفسير : وقال ابن عمر: يعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله. وقال ابن مسعود: إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له حسناته، ولا تكتب عليه سيئاته حتى يحتلم. واعلم أنه إنما يؤمر بذلك تمريناً ليعتاده ويسهل عليه بعد البلوغ. فصل قال الأخفش: الحلم: من حلم الرجل بفتح اللام، ومن الحلم: حلم بضم اللام يحلم بكسر اللام. قوله: "ثَلاَثَ مَرَّاتٍ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّه منصوب على الظرف الزماني، أي: ثلاثة أوقات، ثم فسَّر تلك الأوقات بقوله: {مِّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ (ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ) وَمِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ}. والثاني: أنه منصوب على المصدرية، أي ثلاثة استئذانات. ورجح أبو حيان هذا فقال: والظاهر من قوله: ثَلاثَ مرَّاتٍ: ثلاثة استئذاناتٍ، لأنك إذا قلت: ضربتُ ثَلاثَ مراتٍ، لا يفهم منه إلاّ ثلاث ضرباتٍ، ويؤيده قوله عليه السلام: "حديث : الاستئذانُ ثَلاَثٌ"تفسير : . قال شهاب الدين: مسلَّم أنّ الظاهر كذا، ولكن الظاهر هنا متروك للقرينة المذكورة، وهي التفسير بثلاثة الأوقات المذكورة. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية: "الحُلْم" بسكون العين، وهي تميمية. قوله: {مِّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدلٌ من قوله: "ثَلاَثَ" فيكون في محل نصب. الثاني: أنه بدلٌ من "مَرَّاتٍ" فيكون في محل جرّ. الثالث: أنه خبرُ مبتدأ مضمر، أي: هي من قَبْلُ، أي: تلكَ المرات، فيكون في محل رفع. وقوله: "وَحِينَ تَضَعُونَ" عطف على محل {مِّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ}. قوله: "من الظَّهِيرةِ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ "مِنْ" لبيان الجنس، أي: حين ذلك الذي هو الظهيرة. الثاني: أنها بمعنى "في" أي: تضعونها في الظهيرة. الثالث: أنها بمعنى اللام، (أي): من أجل حرّ الظهيرة. وقوله: {وَمِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ}: عطف على ما قبله. والظَّهيرةُ شِدّةُ الحرِّ، وهو انتصاف النهار. قوله: "ثلاث عورات". قرأ الأخوان وأبو بكر: "ثَلاَثَ" نصباً. والباقون رفعاً. فالأولى تحتمل ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها بدلٌ من قوله: "ثَلاَثَ مَرَّاتٍ". قال ابن عطية: إنما يصح البدلُ بتقدير: أوقاتُ ثلاثِ عوراتٍ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وكذا قدره الحوفي والزمخشري وأبو البقاء، ويحتمل أنه جعل نفس ثلاث المرات نفس ثلاث العورات مبالغة فلا يحتاج إلى حذف مضاف، وعلى هذا الوجه - أعني: وجه البدل - لا يجوز الوقف على ما قبل "ثَلاَثَ عَوْرَاتٍ" لأنه بدل منه وتابع له، ولا يوقف على المتبوع دون تابعه. الثاني: أنَّ "ثَلاَثَ عَوْراتٍ" بدل من الأوقات المذكورة، قاله أبو البقاء. يعني قوله: {مِّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ} وما عُطِفَ عليه، ويكون بدلاً على المحل، فلذلك نصب. الثالث: أن ينْتصب بإضمار فعل. فقدره أبو البقاء: "أعني" وأحسن من هذا التقدير: اتقوا، أو احذروا ثلاث. فأمّا الثانية: فـ "ثَلاَثُ" خبر مبتدأ محذوف تقديره: "هُنَّ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ". وقدره أبو البقاء مع حذف مضاف، فقال: أي: هي أوقات ثلاث عورات، فحذف المبتدأ والمضاف. قال شهاب الدين: وقد لا يحتاجُ إليه على جعلِ العَوْرات نَفْسَ الأوقاتِ مبالغةً، وهو المفهوم من كلام الزمخشري، وإن كان قد قدَّر مضافاً، كما تقدم عنه. قال الزمخشري: ويسمى كل واحد من هذه الأحوال عَوْرةً، لأنَّ الناس يختل تسترهم وتحفظُهم فيها. والعَوْرةُ: الخللُ، ومنه أعور الفارسُ، وأعور المكانُ. والأعور: المختل العين. فهذا منه يؤذن بعدم تقدير "أوقاتٍ" مضاف لـ "عوراتٍ" بخلاف كلامه أولاً فيؤخذ من مجموع كلاميه وجهان. وعلى قراءة الرفع وعلى الوجهين قبلها في تخريج قراءة النصب يوقف على ما قبل "ثَلاَث عوراتٍ" لأنها ليست تابعة لما قبلها. وقرأ الأعمش: "عَورَاتٍ" بفتح الواو، وهي لغة هذيل وبني تميم، يفتحون عين "فَعْلاء" واواً أو ياءً، وأنشد: شعر : 3856- أَخُو بَيَضَاتٍ رَائِحٌ مُتَأَوِّبٌ رَفِيقٌ بِمَسْحِ المِنْكَبَيْنِ سَبُوحُ تفسير : فصل المعنى: يستأذنوا في ثلاثة أوقات: من قبل صلاة الفجر، ووقت القيلولة، ومن بعد صلاة العشاء. وخصَّ هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يحب أن يراه أحد من العبيد والصبيان، فأمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، فأما غيرهم فيستأذنون في جميع الأوقات. وسميت هذه الأوقات عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فتبدو عورته. فصل قال بعضهم: إن قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} تفسير : [النور: 27] يدل على أنّ الاستئذان واجب في كل حال، فنسخ بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة. قال ابن عباس: لم يكن للقوم ستور ولا حجاب، وكان الخدم والولائد يدخلون، فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، وقد بسط الله الرزق، واتخذ الناس الستور، فرأى أن ذلك أغنى عن الاستئذان. وقال آخرون: الآية الأولى أريد بها المكلف، لأنه خطاب لمن آمن، والمراد بهذه الآية غير المكلف، لا يدخل في بعض الأحوال إلاّ بإذن، وفي بعضها بغير إذن، ولا وجه للنسخ. فإن قيل: قوله: {ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} يدخل فيه من بلغ، فالنسخ لازم؟ فالجواب أن قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} تفسير : [النور: 27] لا يدخل تحته العبيد والإماء، فلا يجب النسخ. قال أبو عبيد: لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس لا أرى أحداً يعمل بهن، قال عطاء: حفظت آيتين ونسيت واحدة، وقرأ هذه الآية، وقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ} تفسير : [الحجرات: 13] ذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة: {أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ...} تفسير : [النساء: 8] الآية. قوله: "لَيْسَ عَلَيْكُمْ" هذه الجملة يجوز أن يكون لها محل من الإعراب، وهو الرفع نعتاً لـ "ثَلاَثُ عَوْرَات" في قراءة من رفعها، كأنه قيل: هُنَّ ثَلاَثُ عَوْراتٍ مخصوصةٌ بالاستئذان، وأَلاَّ يكون لها محل، بل هي كلام مقرر للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة، وذلك في قراءة من نصب "ثَلاَثَ عَوْرَاتٍ". قوله: "بعدهن". قال أبو البقاء: التقدير: بعد استئذانهم فيهن، ثم حذف حرف الجر والفاعل فبقي "بعد استئذانهم" ثم حذف المصدر. يعني بالفاعل: الضمير المضاف إليه الاستئذان، فإنه فاعل معنوي بالمصدر، وهذا غير ظاهر، بل الذي يظهر أن المعنى: ليس عليكم جناح ولا عليهم أي: العبيدُ والإماءُ والصبيانُ "جُنَاحٌ" في عدم الاستئذان بعد هذه الأوقات المذكورة، ولا حاجة إلى التقدير الذي ذكره. قوله: "طَوَّافُونَ" خبر مبتدأ مضمر تقديره: "هُمْ طَوَّافُونَ"، و"عَلَيْكُم" متعلق به. قوله: {بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}. في "بَعْضُكُم" ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، و"عَلَى بَعْضٍ" الخبر، فقدره أبو البقاء: "يَطُوفُ على بعض" وتكون هذه الجملة بدلاً مما قبلها، ويجوز أن تكون مؤكدة مبينة، يعني: أنها أفادت إفادة الجملة التي قبلها، فكانت بدلاً أو مؤكدة. وردّ أبو حيان هذا بأنه كونٌ مخصوص، فلا يجوز حذفه. والجواب عنه: أن الممتنع الحذف إذا لم يدل عليه دليل، وقُصِدَ إقامةُ الجار والمجرور مقامه. وهنا عليه دليل ولم يُقْصَد إقامة الجار مقامه. ولذلك قال الزمخشري: خبره "عَلَى بَعْضٍ" على معنى: طائف على بعض، وحذف لدلالة "طوافون" عليه. الثاني: أن يرتفع بدلاً من "طَوَّافُونَ" قاله ابن عطية قال أبو حيان: ولا يصحُّ إن قدَّر الضميرَ ضمير غيبةٍ لتقدير المبتدأ "هم" لأنه يصير التقدير: هُمْ يطوفُ بعضكُم على بعضٍ وهو لا يصح، فإن جعلت التقدير: أنتم يطوف بعضكم على بعض، فَيَدْفَعهُ أنَّ قوله: "عَليْكُم" يدل على أنهم هم المطوفُ عليهم، و"أنتُمْ طَوَّافُونَ" يدل على أنهم طائفون، فتعارضا. قال شهاب الدين: الذي نختار أن التقدير: أنتم، ولا يلزمُ محذور، وقوله: فيدفعه إلى آخره، لا تعارض فيه، لأن المعنى: كل منكم ومن عبيدكم طائف على صاحبه، وإن كان طوافُ أحد النوعين غير طواف الآخر، لأنَّ المراد الظهور على أحوال الشخص، ويكون "بعضكم" بدلاً من "طَوَّافُونَ" و"على بعض" بدلاً من عليكم بإعادة العامل، فأبدلت مرفوعاً من مرفوع ومجروراً من مجرور، ونظيره قوله: شعر : 3857- فَلَمَّا قَرَعْنَا النَّبْعَ بالنَّبْعِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ أَبَتْ عيدَانُه أَنْ تَكَسَّرَا تفسير : فـ "بعضه" بدل من "النَّبع" المنصوب، و"ببعض" بدل من المجرور بالياء. الثالث: أنه مرفوعٌ بفعل مقدر، أي: يطوفُ بعضُكُم على بعض، لدلالة "طَوَّافُونَ" عليه، قاله الزمخشري. وقرأ ابن أبي عبلة: "طَوَّافينَ" بالنصب على الحال من ضمير "عَلَيْهِمْ". فصل المعنى "ليس عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهم" يعني: العبيد والإماء والصبيان "جُنَاحٌ" في الدخول عليكم بغير استئذان "بَعْدَهُنَّ" أي: بعد هذه الأوقات الثلاثة، "طَوَّافُونَ علَيْكُمْ" أي: العبيد والخدم يطوفون عليكم: يترددون ويدخلون ويخرجون في أشغالهم بغير إذن {بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}. فإن قيل: هل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة (لهم؟ فالجواب، لا، وإنما أباح تعالى ذلك من حيث كانت العادة لا تكشف العورة) في غير تلك الأوقات، فمتى كشفت المرأة عورتها مع ظن دخول الخدم فذلك يحرم عليها. فإن كان الخادم مكلفاً حرم عليه الدخول إن ظن أن هناك كشف عورة. فإن قيل: أليس في الناس من جوَّز للبالغ من المماليك أن ينظر إلى شعر مولاته؟ فالجواب: من جوَّز ذلك فالشعر عنده ليس بعورة في حق المماليك كما هو في حق الرحم، إذ العورة تنقسم أقساماً وتختلف بالإضافات. فصل هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم. وقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ} هذا الحكم مختص بالصغار دون البالغين، لقوله بعد ذلك: {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. قوله: {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ} أي: الاحتلام، يريد: الأحرار الذين بلغوا "فَلْيَسْتَأْذِنُوا" أي: يستأذنون في جميع الأوقات في الدخول عليكم {كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأحرار (الكبار). وقيل يعني الذين كانوا مع إبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} دلالاته. وقيل: أحكامه "واللَّهُ عَلِيمٌ" بأمور خلقه "حَكِيمٌ" بما دبر لهم. قال سعيد بن المسيب: يستأذن الرجل على أمه، فإنما أنزلت الآية في ذلك وسئل حذيفة: أيستأذن الرجل على والدته؟ قال: "نعم وإن لم تفعل رأيت منها ما تكره". قوله: {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ}. القواعدُ: من غير تاء تأنيث، ومعناه: القواعدُ عن النكاح، أو عن الحيض، أو عن الاستمتاع، أو عن الحبل، أو عن الجميع ولولا تخصيصهُنَّ بذلك لوجبت التاء نحو ضاربة وقاعدة من القعود المعروف. وقوله: "مِنَ النِّسَاءِ" وما بعده بيان لهن. و"القَوَاعِدُ" مبتدأ، و"مِنَ النِّسَاءِ" حال، و"اللاَّتِي" صفة القواعد لا للنساء، وقوله: "فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ"، الجملة خبر المبتدأ، وإنما دخلت الفاء لأن المبتدأ موصوف بموصول، لو كان ذلك الموصول مبتدأ لجاز دخولها في خبره، ولذلك منعت أن تكون "اللاتِي" صفة للنساء، إذ لا يبقى مسوغ لدخول الفاء في خبر المبتدأ. وقال أبو البقاء: ودخلت الفاءُ لما في المبتدأ من معنى الشرط، لأن الألف واللام بمعنى الذي وهذا مذهب الأخفش، وتقدم تحقيقه في المائدة، ولكن هنا ما يُغني عن ذلك، وهو وصف المبتدأ بالموصول المذكور، و"غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ" حال من "عليهن". (والتَّبرُّجُ الظهور من البُرْج) وهو البناء الظاهر، والتبرج: سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها كله، لا يغيب منه شيء والتبرج: إظهار ما يجب إخفاؤه بأن تكشف المرأة للرجال (بإبداء) زينتها وإظهار محاسنها. و"بزينة" متعلق به. قوله: "وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ" مبتدأ بتأويل: "اسْتِعْفَافُهُنَّ"، و"خَيْرٌ" خبره. فصل قال المفسرون: القواعد: هن اللواتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر، ولا مطمع لهن في الأزواج. والأولى ألا يعتبر قعودهن عن الحيض، لأن ذلك ينقطع، والرغبة فيهن باقية، والمراد: قعودهن عن الأزواج، ولا يكون ذلك إلا عند بلوغهن إلى حيث لا يرغب فيهن الرجال لكبرهن قال ابن قتيبة: سميت المرأة قاعداً إذا كبرت، لأنها تكثر القعود وقال ربيعة: هنَّ العجز اللواتي إذا رآهنَّ الرجل استقذرهن، فأما من كانت فيها بقية من جمال، وهي محل الشهوة، فلا تدخل في هذه الآية. {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} عند الرجال، يعني: يضعن بعض ثيابهن، وهي الجلباب، والرداء الذي فوق الثياب، والقناع الذي فوق الخمار، فأما الخمار فلا يجوز وضعه لما فيه من كشف العورة. وقرأ عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: {أن يضعن من ثيابهن}. وروي عن ابن عباس أنه قرأ: {أن يضعن جلابيبهن}. وعن السدي عن شيوخه: أن يضعن خمرهن عن رؤوسهن وإنما خصهن الله بذلك لأن التهم مرتفعة عنهن، وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهنّ وضع الثياب، ولذلك قال: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} وإنما جعل ذلك أفضل لأنه أبعد عن الظنة، فعند الظنة يلزمهن ألا يضعن ذلك كما يلزم الشابة، والله سميع عليم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ابن حيان قال‏:‏ بلغنا أن رجلاً من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً فقالت أسماء‏:‏ يا رسول الله ما أقبح هذا‏!‏ انه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد كل منهما بغير إذن، فأنزل الله في ذلك ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم‏} ‏ من العبيد والاماء ‏ {‏والذين لم يبلغوا الحلم منكم‏} ‏ قال‏:‏ من أحراركم من الرجال والنساء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في هذه الآية قال‏:‏ كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا باذن‏. وأخرج ابن مردويه عن ثعلبة القرظي عن عبد الله بن سويد قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العورات الثلاث فقال ‏"‏حديث : إذا أنا وضعت ثيابي بعد الظهيرة، لم يلج عليّ أحد من الخدم من الذين لم يبلغوا الحلم، ولا أحد من الاجراء إلا باذن، وإذا وضعت ثيابي بعد صلاة العشاء، ومن قبل صلاة الصبح‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبخاري في الأدب عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، أنه ركب إلى عبد الله بن سويد أخي بني حارثة بن الحارث يسأله عن العورات الثلاث وكان يعمل بهن فقال‏:‏ ما تريد‏؟‏ قال‏:‏ أريد أن أعمل بهن فقال‏:‏ إذا وضعت ثيابي من الظهيرة لم يدخل عليّ أحد من أهلي بلغ الحلم إلا بإذني إلا أن أدعوه فذلك اذنه، ولا إذا طلع الفجر وتحرك الناس حتى تصلي الصلاة، ولا إذا صليت العشاء الآخرة ووضعت ثيابي حتى أنام‏.‏ قال‏:‏ فتلك العورات الثلاث‏. وأخرج ابن سعد عن سويد بن النعمان أنه سئل عن العورات الثلاث فقال‏:‏ إذا وضعت ثيابي من الظهيرة لم يدخل علي أحد من أهلي إلا أن أدعوه فذلك اذنه، واذا طلع الفجر وتحرك الناس حتى يصلي الصبح، وإذا صليت العشاء وضعت ثيابي، فتلك العورات الثلاث‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ آية لم يؤمن بها أكثر الناس‏.‏ آية الاذن وإني لآمر جاريتي هذه الجارية قصيرة قائمة على رأسه أن تستأذن علي‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال‏:‏ هذه الآية تهاون الناس بها ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم‏}‏ وما نسخت قط‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي في قوله ‏ {‏ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم‏}‏ قال‏:‏ ليست منسوخة‏.‏ قيل: فإن الناس لا يعملون بها قال‏:‏ الله المستعان‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال‏:‏ يمكث الناس في الساعات الذين ملكت أيمانكم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ والآية التي في سورة النساء ‏{أية : ‏وإذا حضر القسمة‏}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 8‏]‏ والآية التي في الحجرات ‏{أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم‏}‏تفسير : ‏[‏الحجرات: 13‏]‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن ابن عباس في قوله ‏{‏ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ إذا خلا الرجل بأهله بعد العشاء فلا يدخل عليه خادم ولا صبي إلا باذنه حتى يصلي الغداة، وإذا خلا بأهله عند الظهر فمثل ذلك، ورخص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن‏.‏ وهو قوله ‏ {‏ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن‏}‏ فاما من بلغ الحلم فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا باذن على كل حال‏.‏ وهو قوله ‏ {‏وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم‏}‏ ‏.‏ وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في السنن عن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن فقال ابن عباس‏:‏ ان الله ستير يحب الستر، وكان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم، ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه، أو ولده، أو يتيمه في حجره، وهو على أهله‏.‏ فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، وبسط الله عليهم في الرزق، فاتخذوا الستور، واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به‏. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر في قوله ‏ {‏ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم‏}‏ قال هو على الذكور دون الاناث‏. وأخرج الفريابي عن ابن عمر في قوله ‏{‏ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم‏}‏ قال‏:‏ هو للاناث دون الذكور أن يدخلوا بغير إذن‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏ {‏ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ نزلت في النساء أن يستأذن علينا‏. وأخرج الحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب في قوله ‏ {‏ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم‏}‏ قال‏:‏ النساء فإن الرجال يستأذنون‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي في هذه الآية قال‏:‏ هي في النساء خاصة‏.‏ الرجال يستأذنون على كل حال بالليل والنهار‏.‏ وأخرج الفريابي عن موسى بن أبي عائشة قال‏:‏ سألت الشعبي عن هذه الآية ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم‏}‏ أمنسوخة هي‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏والذين لم يبلغوا الحلم منكم‏} ‏ قال‏:‏ أبناؤكم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏طوافون عليكم‏}‏ قال‏:‏ يعني بالطوّافين‏:‏ الدخول والخروج غدوة وعشية بغير إذن‏.‏ وفي قوله ‏ {‏وإذا بلغ الأطفال‏} ‏ يعني الصغار، ‏ {‏منكم الحلم‏}‏ يعني من الأحرار من ولد الرجل وأقاربه ‏ {‏فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم‏}‏ يعني كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله ‏{‏كما استأذن الذين من قبلهم‏} ‏ قال‏:‏ كما استأذن الذين بلغوا الحلم من قبلهم، الذين أمروا بالاستئذان على كل حال‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ ليستأذن الرجل على أمه فانما نزلت ‏{‏وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم‏} ‏ في ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في السنن عن ابن مسعود أن رجلاً سأله استأذن على أمي‏؟‏ فقال‏:‏ نعم‏.‏ ما على كل أحيانها تحب أن تراها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب عن جابر قال‏:‏ ليستأذن الرجل على ولده وأمه - وإن كانت عجوزاً - وأخيه وأخته وأبيه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عطاء أنه سأل ابن عباس استأذن على أختي‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت إنها في حجري، وإني أنفق عليها، وانها معي في البيت، استأذن عليها‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ إن الله يقول ‏ {‏ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ فلم يؤمر هؤلاء بالإِذن إلا في هؤلاء العورات الثلاث قال‏:‏ ‏{‏وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم‏}‏ فالإِذن واجب على خلق الله أجمعين‏.‏ وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم ‏حديث : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم استأذن على أمي‏؟‏ قال‏: نعم‏.‏ أتحب أن تراها عريانة ‏. تفسير : وأخرج ابن جرير والبيهقي في السنن عن عطاء بن يسار ‏حديث : أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله استأذن على أمي‏؟‏ قال‏: نعم. قال‏:‏ إني معها في البيت قال‏: استأذن عليها قال‏:‏ إني خادمها أفاستأذن عليها كلما دخلت‏ عليها؟‏ قال‏:‏ أفتحب أن تراها عريانة‏؟ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏: فاستأذن عليها‏ ‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب والبيهقي عن حذيفة أنه سئل أيستأذن الرجل على والدته‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ إن لم تفعل رأيت منها ما تكره‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين في قوله ‏ {‏والذين لم يبلغوا الحلم منكم‏} ‏ قال‏:‏ كانوا يعلمونا إذا جاء أحدنا أن نقول السلام عليكم‏.‏ أيدخل فلان‏؟‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم قال الله تعالى ‏{‏ومن بعد صلاة العشاء‏}‏ وإنما العتمة عتمة الابل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنما هي في كتاب الله العشاء، وإنما يعتم بحلاب الإِبل‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ "‏ثلاث عورات" بالنصب‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يَـٰأَيُهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} رجوع إلى بـيان تتمةِ الأحكامِ السَّابقةِ بعد تمهيدِ ما يُوجب الامتثالَ بالأوامر والنَّواهي الواردة فيها وفي الأحكام اللاَّحقةِ من التمثيلات والتَّرغيبِ والتَّرهيبِ والوعدِ والوعيدِ. والخطابُ إمَّا للرِّجالِ خاصَّةً، والنِّساءُ داخلاتٌ في الحكم بدلالة النَّصِّ أو للفريقينِ جميعاً بطريقِ التَّغليبِ. رُوي أنَّ غلاماً لأسماءَ بنتِ أبـي مَرْثَدٍ دخل عليها في وقتٍ كرهتْهُ فنزلتْ، وقيلَ: أرسلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِدْلَجَ بنَ عمروٍ الأنصاريَّ وكان غُلاماً وقتَ الظَّهيرةِ ليدعوَ عُمرَ رضي الله عنه فدخلَ عليه وهو نائمٌ قد انكشفَ عنه ثوبُه، فقال عمرُ رضي الله عنه: لوددتُ أنَّ الله تعالى نَهَى آباءَنا وأبناءَنا وخدمَنا أنْ لا يدخلوا علينا هذه السَّاعاتِ إلا بإذنٍ ثمَّ انطلقَ معه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فوجدَه وقد أُنزلتْ عليه هذه الآيةُ. {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} من العبـيدِ والجَوَاري {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ} أي الصِّبـيانُ القاصرُون عن درجة البلوغِ المعهود. والتَّعبـيرُ عنه بالحُلُم لكونِه أظهرَ دلائلِه {مّنكُمْ} أي من الأحرارِ {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} أي ثلاثةَ أوقاتٍ في اليَّومِ واللَّيلةِ. والتَّعبـيرُ عنها بالمرَّات للإيذانِ بأنَّ مدارَ وجوبِ الاستئذانِ مقارنةُ تلك الأوقاتِ لمرور المستأذنينَ بالمخاطبـينَ لا أنفسِها {مّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ} لظهورِ أنَّه وقتُ القيامِ من المضاجعِ وطرحِ ثيابِ النَّومِ ولبسِ ثيابِ اليقظةِ، ومحلُّه النَّصبُ على أنَّه بدلٌ من ثلاثَ مرَّاتٍ أو الرَّفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي أحدُها من قبل الخ {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ} أي ثيابَكم التي تلبسونَها في النَّهارِ وتخلعونَها لأجل القَيلولةِ وقوله تعالى: {مّنَ ٱلظَّهِيرَةِ} وهي شدَّةُ الحرِّ عند انتصافِ النَّهارِ بـيانٌ للحينِ. والتَّصريحُ بمدارِ الأمرِ أعني وضعَ الثِّيابِ في هذا الحينِ دُون الأوَّلِ والآخرِ لما أنَّ التَّجردَ عن الثِّيابِ فيه لأجل القيلولةِ لقلَّة زمانِها كما ينبىءُ عنها إيرادُ الحين مُضافاً إلى فعلٍ حادثٍ منقضَ ووقوعُها في النَّهارِ الذي هُو مَئِنَّةٌ لكثرةِ الورودِ والصُّدورِ ومَظِنَّةٌ لظهورِ الأحوالِ وبروزِ الأمورِ ليسَ من التَّحقُّقِ والاطرادِ بمنزلةِ ما في الوقتينِ المذكورينِ فإنَّ تحقُّقَ التَّجردِ واطِّرادَه فيهما أمرٌ معروفٌ لا يحتاجُ إلى التَّصريحِ به {وَمِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَاء} ضرورةَ أنَّه وقتُ التَّجردِ عن اللِّباسِ والالتحافِ باللِّحافِ وليسَ المرادُ بالقبليَّةِ والبعديَّةِ المذكورتينِ مطلقَهُما المتحقِّقَ في الوقتِ الممتدِّ المتخللِ بـينَ الصَّلاتينِ كما في قوله تعالى: { أية : وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ} تفسير : [يوسف: 3] وقوله تعالى: { أية : مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى} تفسير : [يوسف: 100] بل ما يعرض منهما لطرفي ذلك الوقتِ الممتدِّ المتصلين بالصَّلاتينِ المذكورتينِ اتِّصالاً عاديّاً. وقولُه تعالى: {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ} خبرُ مبتدأ محذوفٍ. وقولُه تعالى: {لَكُمْ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لثلاثُ عوراتٍ أي كائنةٌ لكم والجملةُ استئنافٌ مسوقٌ لبـيان علَّةِ وجوبِ الاستئذانِ أي هنَّ ثلاثةُ أوقاتٍ يختلُّ فيها التَّستُّر عادةً. والعورةُ في الأصلِ هو الخللُ غلبَ في الخللِ الواقعِ فيما يهمُّ حفظُه ويُعتنى بسترِه. أُطلقتْ على الأوقاتِ المُشتملةِ عليها مبالغةً كأنَّها نفسُ العورةِ. وقُرىء ثلاثَ عوراتٍ بالنَّصبِ بدلاً من ثلاثَ مرَّاتٍ. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ} أي على المماليكِ والصِّبـيانِ {جُنَاحٌ} أي إثمٌ في الدُّخولِ بغيرِ استئذانٍ لعدمِ ما يُوجبه من مخالفةِ الأمرِ والاطِّلاعِ على العوراتِ {بَعْدَهُنَّ} أي بعد كلِّ واحدةٍ من تلك العوراتِ الثَّلاثِ وهي الأوقاتُ المتخلِّلةُ بـين كلِّ اثنتينِ منهنَّ وإيرادُها بعُنوان البعديَّةِ مع أنَّ كلَّ وقتٍ من تلكَ الأوقاتِ قبل عورةٍ من العَورات كما أنَّها بعد أخرى منهنَّ لتوفيةِ حقِّ التَّكليفِ والتَّرخيصِ الذي هو عبارةٌ عن رفعه إذ الرُّخصةُ إنَّما تتصور في فعل يقعُ بعد زمان وقوعِ الفعلِ المكلَّف، والجملة على القراءتينِ مستأنفةٌ مسوقة لتقرير ما قبلها بالطَّردِ والعكس وقد جُوِّز على القراءة الأولى كونُها في محلِّ رفعٍ على أنَّها صفة أخرى لثلاثُ عوراتٍ وأمَّا على القراءة الثَّانيةِ فهي مستأنفةٌ لا غير إذ لو جُعلت صفةً لثلاثُ عورات وهي بدلٌ من ثلاثَ مرَّاتٍ لكانَ التَّقديرُ ليستأذنكم هؤلاءِ في ثلاث عورات لا إثمَ في ترك الاستئذانِ بعدهنَّ وحيثُ كان انتفاءُ الإثمِ حينئذٍ ممَّا لم يعلمه السَّامعُ إلا بهذا الكلامِ لم يتسنَّ إبرازُه في معرض الصِّفةِ بخلافِ قراءة الرَّفع فإنَّ انتفاءَ الإثمِ حينئذٍ معلومٌ من صدر الكلام وقوله تعالى: {طَوٰفُونَ عَلَيْكُمْ} استئنافٌ ببـيان العذر المرخَّص في ترك الاستئذان وهي المخالطةُ الضَّروريةُ وكثرةُ المداخلةِ وفيه دليلٌ على تعليل الأحكامِ وكذا في الفرق بـين الأوقات الثَّلاثةِ وبـين غيرِها بكونها عَورات. {بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي بعضكم طائفٌ على بعضٍ طوافاً كثيراً أو بعضُكم يطوفُ على بعضٍ {كَذٰلِكَ} إشارةٌ إلى مصدرِ الفعلِ الذي بعدَه، وما فيه من معنى البُعد لما مرَّ مراراً من تفخيم شأنِ المشار إليهِ حسّاً أي مثلَ ذلك التَّبـيـين {يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ} الدَّالة على الأحكامِ أي ينزلها بـينةً واضحة الدلالاتِ عليها لا أنَّه تعالى يبـينها بعد أنْ لم تكن كذلك والكافُ مقحمةٌ وقد مرَّ تفصيلُه في قوله تعالى: { أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} تفسير : [البقرة: 143] ولكم متعلِّق بـيبـين وتقديمُه على المفعول الصَّريحِ لما مرَّ مراراً من الاهتمام بالمقدَّم والتَّشويقِ إلى المؤخَّر وقيل: يبـين عللَ الأحكامِ وليس بواضحٍ مع أنَّه مؤدٍ إلى تخصيص الآياتِ مما ذُكر هٰهنا {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} مبالغٌ في العلمِ بجميع المعلوماتِ فيعلم أحوالَكم {حَكِيمٌ} في جميع أفاعيلِه فيشرع لكُم ما فيه صلاحُ أمرِكم معاشاً ومعاداً.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ}. ضيَّق الأمر من وجهٍ ووسَّعَه من وجهٍ، وأمر بمراعاة الاحتياط وحسن السياسة لأحكام الدين ومراعاة أمر الحُرُم، والتحرر من مخاوف الفتنة، وإذا كانت الجوانبُ محروسةً صارت المخاوفُ مأمونة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا} ـ روى ـ ان غلاما لاسماء بنت ابى مرثد دخل عليها فى وقت كراهته فنزلت والخطاب للرجال المؤمنين والنساء المؤمنات جميعا بطريق التغليب {ليستأذنكم} هذه اللام لام الامر الاستئذان طلب الاذن والاذن فى الشىء اعلام باجازته والرخصة فيه: والمعنى بالفارسية [بايدكه دستورى طلبند از شما] {الذين ملكت ايمانكم} من العبيد والجوارى {والذين لم يبلغوا الحلم} اى الصبيان القاصرون عن درجة البلوغ المعهود والتعبير عن البلوغ بالاحتلام لكونه اظهر دلائله وبلوغ الغلام صيرورته بحال لو جامع انزل، قال فى القاموس الحلم بالضم والاحتلام الجماع فى النوم والاسم الحلم كعنق انتهى، وفى المفردات ليس الحلم فى الحقيقة هو العقل لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل وتسمى البلوغ بالحلم لكونه جديرا صاحبه بالحلم {منكم} اى من الاحرار {ثلث مرات} ظرف زمان ليستأذن اى ليستأذنوا فى ثلاثة اوقات فى اليوم والليلة لانها ساعات غرة وغفلة ثم فسر تلك الاوقات بقوله {من قبل صلوة الفجر} لظهور انه وقت القيام عن المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة ومحله النصب على انه بدل من ثلاث مرات {وحين تضعون ثيابكم} اى ثيابكم التى تلبسونها فى النهار وتخلعونها لاجل القيلولة وهى النوم نصف النهار {من الظهيرة} بيان للحين وهى شدة الحر عند انتصاف النهار، قال فى القاموس الظهيرة حد انتصاف النهار انما ذلك فى القيظ والتصريح بمدار الامر اعنى وضع الثياب فى هذا الحين دون الاول والآخر لما ان التجرد عن الثياب فيه لاجل القيلولة لقلة زمانها ووقوعها فى النهار الذى هو مظنة لكثرة الورود والصدور ليس من التحقق والاطراد بمنزلة مافى الوقتين فان تحقق التجرد واطراده فيهما امر معروف لايحتاج الى التصريح به {ومن بعد صلوة العشاء} الآخرة ضرورة انه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف وهو كل ثوب تغطيت به {ثلث عورات} خبر مبتدأ محذوف اى هن ثلاثة اوقات كائنة {لكم} يختل فيها التستر عادة والعورة الخلل الذى يرى منه مايراد ستره وسميت الاوقات المذكورة عورات مع انها ليست نفس العورات بل هذه اوقات العورات على طريق تسمية الشىء باسم ما يقع فيه مبالغة فى كونه محلاله {ليس عليكم ولا عليهم} اى على المماليك والصبيان {جناح} اثم فى الدخول بغير استئذان لعدم ما يوجبه من مخالفة الامر والاطلاع على العورات {بعدهن} اى بعد كل واحدة من تلك العورات الثلاث وهى الاوقات المتخللة بين كل وقتين منهم فالاستئذان لهؤلاء مشروع فيها لابعادها ولغيرهم فى جميع الاوقات {طوافون} اى هم يعنى المماليك والاطفال طوافون {عليكم} للخدمة طوافا كثيرا والطواف الدوران حول الشىء ومنه الطائف لمن يدور حول البيت حافا ومنه استعير الطائف من الجن والخيال والحادثة وغيرها {بعضكم} طائف {على بعض} اى هم يطوفون عليكم للخدمة وانتم تطوفون للاستخدام ولو كلفهم الاستئذان فى كل طوفة اى فى هذه الاوقات الثلاثة وغيرها لضاق الامر عليهم فلذا رخص لكم فى ترك الاستئذان فما وراء هذه الاوقات {كذلك} اشارة الى مصدر الفعل الذى بعده والكاف مقحمة اى مثل ذلك التبيين {يبين الله لكم الآيات} الدالة على الاحكام اى ينزلها مبينة واضحة الدلالات عليها لا انه تعالى بينها بعد ان لم تكن كذلك {والله عليم} مبالغ فى العلم بجميع المعلومات فيعلم احوالكم {حكيم} فى جميع افاعيله فيشرع لكم ما فيه صلاح امركم معاشا ومعادا ـ روى ـ عن عكرمة ان رجلين من اهل العراق سألا ابن عباس رضى الله عنهما عن هذه الآية فقال ان الله ستير يحب الستر وكان الناس لم يكن لهم ستور على ابوابهم ولا حجال فى بيوتهم فربما فاجأ الرجل ولده او خادمه او يتيم فى حجره ويرى منه مالا يحبه فامرهم الله تعالى ان يستأذنوا الثلاث ساعات التى سماها ثم جاء باليسر وبسط الرزق عليهم فاتخذو الستور والحجال فرأى الناس ان ذلك قد كفاهم عن الاستئذان الذى امروا به، ففيه دليل على ان الحكم اذا ثبت لمعنى فاذا زال المعنى زال الحكم فالتبسط فى اللباس والمعاش والسكنى ونحوها مرخص فيه اذا لم يؤد الى كبر واغترار، قال عمر رضى الله عنه اذا وسع الله عليكم فوسعوا على انفسكم. ويقال اليسار مفسدة للنساء لاستيلاء شهوتهن على عقولهن وفى الحديث "حديث : ان الله يحب ان يرى اثر نعمته على عبده"تفسير : يعنى اذا آتى الله عبده نعمة من نعم الدنيا فليظهرها من نفسه وليلبس لباسا نظيفا يليق بحاله ولتكن نيته فى لبسه اظهار نعمة الله عليه ليقصده المحتاجون لطلب الزكاة والصدقات وليس لبس الخلق مع اليسار من التواضع، وفى الآية رخصة اتخاذ العبيد والاماء للخدمة لمن قال بحقهم وبيان ان حق الموالى عليهم الخدمة وفى الحديث "حديث : حسنة الحر بعشر وحسنة المملوك بعشرين"تفسير : يضاعف له الحسنة وهذا لمن احسن عبادة الله ونصح لسيده اى اراد له خيرا واقام بمصالحه على وجه الخلوص كذا فى شرح المشارق، قال فى نصاب الاحتساب وينبغى ان يتخذ الرجل جارية لخدمة داخل البيت دون العبد البالغ لان خوف الفتنة فى العبد اكثر من الاحرار الاجانب لان الملك يقلل الحشمة والمحرمية منتفية والشهوة داعية فلا يأمن الفتنة. وقيل من اتخذ عبدا لخدمة داخل البيت فهو كسحان بالسين المهملة اى اعرج او مقعد. وابتاع بعض المشايخ غلاما فقيل بورك لك فيه فقال البركة مع من قدر على خدمة نفسه واستغنى عن استخدام غيره فخفت مؤونته وهانت تكاليفه وكفى سياسة العبد والمرء فى بيته بمنزلة القلب وقلما تنتفع خدمة الجوارح الا بخدمة القلب، ودلت الآية على ان من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح فانه تعالى امرهم بالاستئذان فى الاوقات المذكورة وفى الحديث "حديث : مروهم بالصلاة وهم ابناء سبع واضربوهم على تركها وهم ابناء عشر"تفسير : وانما يؤمر بذلك ليعتاده ويسهل عليه بعد البلوغ ولذا كره الباسه ذهبا او حريرا لئلا يعتاده والاثم على الملبس كما فى القهستانى: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : بخردى درش زجر وتعليم كن به نيك وبدش وعده وبيم كن تفسير : قال ابن مسعود رضى الله عنه اذا بلغ الصبى عشر سنين كتبت له حسناته ولم تكتب سيآته حتى يحتلم، قال فى الاشباه وتصح عبادة الصبى وان لم تجب عليه واختلفوا فى ثوابها والمعتمد انه له وللمعلم ثواب التعليم وكذا بجميع حسناته وليس كالبالغ فى النظر الى الاجنبية والخلوة بها فيجوز له الدخول على النساء الى خمس عشرة سنة كما فى الملتقط: وقال الشيخ سعدى شعر : بسرجون زده بر كذشته سنين زنا محرمان كوفراتر نشين بر بنبه آتش تشايد فروخت كه تاجشم برهم زنى خانه سوخت

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا}، ويدخل فيه النساء، {لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين ملكت أيمانُكُم} من العبيد والإماء، {والذين لم يبلغوا الحُلُمَ منكم} أي: والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار، {ثلاثَ مراتٍ} في اليوم والليلة، وهي {من قبلِ صلاة الفجر}؛ لأنه وقت القيام من المضاجع، وطرح ما ينام فيه من الثياب، ولبس ثياب اليقظة، وربما يجدهم في هذا الوقت نائمين متجردين، {وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة}؛ وهي نصف النهار في القيظ؛ لأنها وقت وضع الثياب للقيلولة، {ومن بعد صلاةِ العشاء}؛ لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة، والالتحاف بثياب النوم. هي {ثلاثُ عوراتٍ لكم}، ومن نصبه؛ فَبَدلٌ من {ثلاث مرات} أي: أوقاتُ ثلاثِ عوراتٍ، وسمى كل واحد من هذه الأوقات عورة؛ لأن الإنسان يختل تستره فيها، والعورة: الخلل، ومنه سمي الأعور؛ لاختلاف عينه. رُوي أن غلاماً لأسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كَرِهَتْهُ، فنزلت. وقيل: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مُدْلِجَ بنَ عَمرو الأنصاري، وكان غلاماً، وقت الظهيرة، ليدعو عُمر رضي الله عنه، فدخل عليه وهو نائم قد انكشف عنه ثوبه، فقال عمر رضي الله عنه: لوددت أن الله تعالى نهى عن الدخول في هذه الساعات إلا بإذن، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوجده وقد نزلت عليه هذه الآية. والأمر، قيل: للوجوب، وقيل: للندب. ثم عذرهم في ترك الاستئذان في غير هذه الأوقات، فقال: {ليس عليكم ولا عليهم جُناح بعدهنّ} أي: لا إثم عليكم ولا على المذكورين من المماليك والغلمان في الدخول بغير استئذان بعد كل واحدة من تلك العورات الثلاث، أي: في الأزمنة التي بين هذه العورات الثلاث. ثم بيّن العلة في ترك الاستئذان في هذه الأوقات بقوله: {طوَّافون} أي: هم {طوَّافون عليكم} لحاجة البيت والخدمة، {بعضُكم على بعضٍ} أي: بعضكم طائف على بعض، أو يطوف على بعض، والجملة: إما بدل مما قبلها، أوبيان، يعني: أنكم محتاجون إلى المخالطة والمداخلة، يطوفون عليكم للخدمة وتطوفون عليهم للاستخدام، فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت لأفضى إلى الحرج، وهو مدفوع بالنص، {كذلك يبين الله لكم الآيات} أي: كما بيّن الاستئذان، يبين لكم غيره من الآيات التي تحتاجون إلى بيانها، {والله عليمٌ} بمصالح عبادة، {حكيم} فيما دَبَّرَ وحكم به. {وإذا بلغ الأطفالُ منكم} أي: الأحرار دون المماليك {الحُلُمَ} أي: الاحتلام، وهو البلوغ، وأرادوا الدخول عليكم {فَلْيَستأذِنوا} في جميع الأوقات. قال القرطبي: لم يقل: {فليستأذنوكم}، وقال في الأولى: {ليستأذنكم}؛ لأن الأطفال غير مخاطبين ولا متعبَدين. هـ. قلت: فالمخاطبون في الأولى هم الأولياء بتعليمهم الاستئذان وإيصائهم به، وهنا صاروا بالغين، فأمرهم بالاستئذان {كما استأذن الذين من قبلهم} أي: الذين بلغوا الحُلُم مِن قبلهم، وهم الرجال المذكورون في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ}تفسير : [النور: 27] الآية. والمعنى: أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن، إلا في العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم بلغوا الحُلُمَ وَجَبَ أن يُفطَمُوا عن تلك العادة، ويُحملوا على أن يَسْتَأْذِنوا في جميع الأوقات، كالرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن. والناس عن هذه غافلون. عن ابن عباس رضي الله عنه: ثلاث آيات جحدهن الناس: الإذن كله، وقوله: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تفسير : [الحجرات: 13]، وقوله: {أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ}تفسير : [النساء: 8]. وعن سعيد بن جبير: (يقولون: إنها منسوخة، والله ما هي بمنسوخة). وعن ابن عباس أيضاً قال: إنما أُمروا بها حين لم يكن للبيوت الستر، فلما وجدوا ذلك استغنوا عن الاستئذان. وعن أبي محمد مكي: هذا الأمر إنما كان من الله للمؤمنين؛ إذ كانت البيوت بغير أبواب. قلت: أما باعتبار الأجانب فالأبواب تكفي، وأما باعتبار المماليك والأطفال الذين يلجون الدار من غير حَجْرٍ؛ فلا تكفي الأبواب في حقهم، فلا بد من الاستئذان كما في الآية. {كذلك} أي: مثل ذلك البيان العجيب {يُبين الله لكم آياته}. قال ابْنُ عرفة: قال قبل هذه وبعدها: الآيات، وفي هذه: آياته؛ لوجهين، الأول: هذه خاصة بالأطفال، وما قبلَها عامة في العبيد والأطفال، فأطلقت الآية، ولم تقيد بالإضافة، وهذه خاصة، فعبّر عنها بلفظ خاص. الثاني: أن الخطاب بما هنا للبالغين، فأسند فيه الحكم إلى الله تعالى، تخويفاً لهم وتشديداً عليهم. هـ. والمتبادر أنه تفنن. قاله المحشي الفاسي. {والله عليمٌ حكيم} فيما أمر ودبر. الإشارة: إنما أمر الله بالاستئذان لئلا يُكشف السر إلى غير أهله؛ غَيْرَةً منه تعالى على كشف أسرار عباده، وإذا كان غار على كشف سر عبد، فَغَيْرَتُهُ على كشف أسرار ذاته أولى وأحرى، فيجب كتم أسرار الذات عن غير أهله، وكل من خصه الله بسر وجب كتمه إلا على من هو أهل له، وهو من أَعْطَى نفسه وماله، وباعهما لله تعالى. وكل من أُطْلِعَ على سر من أسرار الله أو قضاء من قضائه، ثم استشرف أن يُعْلِم الناس بذلك فهو كذاب. وفي الحِكَم: "استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصِيَّتِكَ دليل على عدم صدقك في عبوديتك". وبالله التوفيق. ثم رخّص للعجائز في عدم التستر من الرجال فقال: {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ...}

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا حفصاً {ثلاث عورات} بفتح الثاء. الباقون بالرفع. قال ابو علي النحوي: من رفع، فعلى أنه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هذه ثلاث عورات، لانه لما قال {الذين ملكت أيمانكم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} وفصل الثلاث بقوله {من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء} صار كأنه قال: هذه ثلاث عورات، فاجمل بعد التفصيل. ومن نصب جعله بدلا من قوله {ثلاث مرات} وانما أبدل {ثلاث عورات} وليس بزمان من {ثلاث مرات} وهي زمان، لانه مشتمل على زمان من حيث ان التقدير: أوقات ثلاث عورات، فلما حذف المضاف أقام المضاف اليه مقامه. و {العورات} جمع عورة، وحكم ما كان على وزن (فعلة) من الأسماء أن تحرك العين منه، نحو صفحة وصفحات، وجفنة وجفنات إلا ان عامة العرب يكرهون تحريك العين فيما كان عينه واواً أو ياء، لانه كان يلزمه الانقلاب الى الألف، فاسكنوا لذلك، فقالوا عورات وجوزات وبيضات. وقرأ الاعمش - بفتح الواو - من {عورات} ووجهه ما حكاه المبرد أن هذيلا يقولون في جمع جوزة وعورة ولوزة: جوزات، وعورات، ولوزات، فيحركون العين فيها، وأنشد بعضهم: شعر : ابو بيضات رائح متأوب رفيق بمسح المنكبين سبوح تفسير : فحرك الياء من بيضات، والأجود عند النحويين ما ذكرناه. هذه الآية متوجهة الى المؤمنين بالله المقرين برسوله، يقول الله لهم: مروا عبيدكم واماءكم أن يستأذنوا عليكم إذا أرادوا الدخول الى مواضع خلواتكم. وقال ابن عباس وابو عبد الرحمن: الآية في النساء والرجال من العبيد. وقال ابن عمر: هي فى الرجال خاصة. وقال الجبائي: الاستئذان واجب على كل بالغ في كل حال، ويجب على الاطفال فى هذه الاوقات الثلاثة بظاهر هذه الآية. وقال قوم: فى ذلك دلالة على انه يجوز أن يؤمر الصبي الذي يعقل، لأنه أمره بالاستئذان. وقال آخرون: ذلك أمر للآباء أن يأخذوا الأولاد بذلك، فظاهر الآية يدل على وجوب الاستئذان ثلاث مرات فى ثلاث أوقات من ساعات الليل والنهار. ثم فسر الاوقات فقال {من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلوة العشاء} الاخرة لأن الغالب على الناس أن يتعروا فى خلواتهم في هذه الاوقات ذكره مجاهد. ثم بين أنه ليس عليكم ولا عليهم جناح فيما بعد ذلك من الاوقات أن يدخلوا عليكم من غير اذن، يعني فى الذين لم يبلغوا الحلم، وهو المراد بقوله {طوافون عليكم بعضكم على بعض} ثم قال: مثل ما بين لكم هذه العورات بين الله لكم الدلالات على الاحكام {والله عليم} بما يصلحكم {حكيم} فيما ذكره وغيره من أفعاله. ثم قال {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم} يعني يرتفع من دخوله بغير اذن إذا بلغ، وصار حكمه حكم الرجال فى وجوب الاستئذان على كل حال. ثم قال مثل ما بين لكم هذا بين لكم ادلته {والله عليم حكيم}. ثم قال {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً} يعني المسنات من النساء اللاتي قعدن عن التزويج، لانه لا يرغب فى تزويجهن. وقيل: هن اللاتي ارتفع حيضهن، وقعدن على ذلك، اللاتي لا يطمعن في النكاح أي لا يطمعع فى جماعهن لكبرهن {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} قيل هو القناع الذي فوق الخمار وهو الجلباب، والرداء الذي يكون فوق الشعار. وفى قراءة أهل البيت (ع) {أن يضعن من ثيابهن} وبه قرأ ابي. وقوله {غير متبرّجات بزينة} أي لا تقصد بوضع الجلباب اظهار محاسنها، وما ينبغي لها أن تستره. والتبرج إظهار المرأة من محاسنها ما يجب عليها ستره. ثم اخبر تعالى أن الاستعفاف عن طرح الجلباب خير لهن في دينهن {والله سميع} لاقوالكم {عليم} بما تضمرونه {حليم} عليكم لا يعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم. وانما ذكر القواعد من النساء، لان الشابة يلزمها من التستر اكثر مما يلزم العجوز، ومع ذلك فلا يجوز للعجوز أن تبدي عورة لغير محرم، كالساق والشعر والذراع.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} كلامٌ منقطعٌ لتعليم ادبٍ من الآداب {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ} اى ملكتهم {أَيْمَـٰنُكُمْ} فى خبرٍ: هى خاصّة فى الرّجال دون النّساء، قيل: فالنّساء يستأذن فى هذه الثّلاث ساعاتٍ؟- قال: لا ولكن يدخلن ويخرجن، وفى روايةٍ اخرى: هم المملوكون من الرّجال والنّساء والصّبيان الّذين لم يبلغوا {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} يعنى فى كلّ يومٍ وليلةٍ {مِّن قَبْلِ صَـلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ} يعنى فى الاوقات الّتى يكون الانسان فى الاغلب عارياً من الثّياب السّاترة للعورات ومن ثياب التّجمّل ودخول الموالى وغير البالغين المميّزين فى تلك الاوقات يوجب رؤية العورات والمساوى ويذهب بهيبة الشّخص من الانظار {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ} لم يقل فى جوف اللّيل لانّه ليس وقت طوافٍ ودخولٍ او لانّ الامر بالاذن فى طرفى النّهار يكون لاستغراق اللّيل، او لانّ وجوب الاذن فى الطّرفين يوجب وجوبه فى وسطه بالطّريق الاولى {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ} العورة الخلل فى الثّغر وغيره وكلّ مكمنٍ للسّتر والسّوءة والسّاعة الّتى هى قمن من ظهور العورة فيها وهى المراد ههنا {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} فى ترك الاستيذان والدّخول من غير اذنٍ ان شاؤا {طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ} استينافٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل بتقدير مبتدءٍ محذوفٍ اى هؤلآء لاجل حاجتكم اليهم فى خدمتهم وفى تربيتهم كثير الطّواف عليكم، ويكون الاستيذان عسراً عليكم وعليهم {بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} بدل من الضّمير واشعار بأنّهم كالاجزاء والابعاض منكم فلا حاجة لهم ولا لكم الى الاستيذان فى غير وقت ظهور العورات، او بعضكم فاعل فعلٍ محذوفٍ او مبتدء خبرٍ محذوفٍ {كَذَلِكَ} التّبيين من تبيين الاحكام مع الاشارة الى عللها وحكمها {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ} الاُخر والاحكام القالبيّة والقلبيّة مع حكمها وعللها {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} يعلم مصالح ما يجعله شريعة لكم {حَكِيمٌ} ينظر الى دقائق الحكم ويشرع ما يترتّب عليه دقائق الحكم.

الهواري

تفسير : قوله: {يَآأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَئذِنْكُمُ الذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَراتٍ مِّن قَبْلِ صَلاَةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ} وهو نصف النهار عند القائلة {وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ العِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ} أي: حرج وهو الإِثم {بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الأيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وهن الساعات التي يخلو فيهن الرجل بأهله لحاجته منها. فأما قوله: {لِيَسْتَأذِنكُمُ الذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فهم المملوكون: الرجال والنساء الذين يخدمون الرجل في بيته، ومن كان من الأطفال المملوكين الذين لم يبلغوا الحلم. قال: {وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ} يعني الأطفال الذين يحسنون الوصف إذا رأوا شيئاً، وكذلك من كان مثلهم من المملوكين، إلا الصغار الذين لا يحسنون الوصف إذا رأوا شيئاً من الأحرار والمملوكين، فلا ينبغي لهؤلاء الكبار والذين يحسنون الوصف أن يدخلوا في هذه الثلاث ساعات إلا بإذن، إلا أن لا يكون للرجل إلى أهله حاجة. ولا ينبغي له إذا كانت له إلى أهله حاجة أن يطأ أهله ومعه في البيت من هؤلاء أحد. فلذلك لا يدخلون في هذه الثلاث ساعات إلا بإذن. قال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ} أي: حرج {بَعْدَهُنَّ} أي: بعد هذه الثلاث ساعات، أن يدخلوا بغير إذن. {طَوَّافُونَ عَلَيْكُم} أي: يدخلون بغير إذن، {بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الأَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. ذكروا عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: دخلت على ابن عباس فأراني وصيفة له خماسية فقال: ما تدخل عليّ هذه في هذه الثلاث ساعات إلا بإذن. ذكروا عن الحسن عن رجل قال له: إنا قوم تجار، نسافر هذه الأسفار، وتكون مع أحدنا الجواري، ويكون معه خباء، وهن معه في الخباء، فهل يطأ واحدة منهن وهن معه في الخباء فغضب، وقال: لا.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأذِنكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} العبيد والاماء وغلب العبيد وعبر بالذين كما ان الخطاب للرجال والنساء فغلب الرجال. وقيل: {الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} المراد بهم هنا هم العبيد فقط والصحيح الاول ورجحه الطبري وذلك تأديب من الله سبحانه لعباده في تداخلهم بعدما ادبهم فيما مر لكن فصل بالوعد على الطاعة والوعيد على المعصية. روي حديث : ان مدلج بن عمرو وكان غلاما أَنصاريا أَرسله صلى الله عليه وسلم وقت الظهر إلى عمر رضي الله عنه ليدعوه فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر لوددت اي والله لوددت ان الله عز وجل نهى آباءنا وأَبناءنا وخدمنا أَن لا يدخلوا علينا هذه الساعات يعني الثلاث الآتية إِلا باذن ثم انطلق معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده قد نزلت عليه هذه الآية تفسير : وهي من الآيات المنزلة بسبب عمر وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه. وقيل: نزلت في اسماء بنت ابي مرشد قالت: انا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحاف واحد. وقيل: دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أخدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها؟ فنزلت الآية فوجب على العبيد والاماء البالغين ان لا يدخلوا في الساعات الثلاث الا باذن ووجب على السادات ان يأمروا عبيدهم واماءهم غير البالغين واطفال المسلمين بالاستئذان فيهن ويعلموهم اياه فالامر للوجوب وقيل: نسخ. وقيل: نسخ في جانب الاطفال المسلمين بقوله وإذا بلغ الاطفال الخ. وقيل: ان الامر في الآية للندب فيجوز للعبيد والاماء والاطفال الاحرار ان لا يستأذنوا على السادات والآباء في تلك الساعات. وممن قال بنسخها سعيد بن المسيب. وعن عكرمة ان نفرا من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس كيف ترى في هذه الآية التي امرنا بها ولا يعمل بها احد {يَا أَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَأذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الخ فقال ان الله عليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجاب ربما دخل الخادم أو الولد أو يتيم الرجل والرجل على اهله فامر الله باستئذان ثم جاء الله بالستور وبسط الرزق فاتخذ الناس الستور فرأى الناس ذلك قد اغناهم عن الاستئذان ذكره في كتاب الناسخ والمنسوخ وذكره ايضا ابو داود. وليس في ذلك ما يدل ان ابن عباس يقول بنسخها وليس مجرد وجود الستر وبسط الرزق مجوزا لان يقال بالنسخ. وممن قال ليست منسوخة الشعبي فقال له موسى: عن ابي عائشة ان الناس لا يعملون بها فقال: الله المستعان. وعن سعيد بن جبير يقولون هي منسوخة لا والله ما هي منسوخة ولكن الناس تهاونوا بها. وعن ابن عباس ثلاث آيات جحدهن الناس الاذن كله يعني استئذان الاماء والعبيد والاطفال وغيرهم وقوله:{أية : إِن أَكرمكم عند الله اتقاكم}تفسير : والناس يقولون اعظمكم بيتا وقوله:{أية : إِذا حضر القسمة}تفسير : إلى {أية : آخره}تفسير : قال: آية لا يؤمن بها اكثر الناس آية الاذن واني لآمر جارتي ان تستأذن عليّ وسأله عطاء استأذن على اختي؟ قال: نعم وان كانت في حجرك تمونها. قال ابن مسعود: عليكم ان تستأذنوا على آبائكم وامهاتكم واخواتكم. وقال بعضهم: دخلت على ابن عباس فاراني وصيفة له خماسية قال ما تدخل عليّ هذه في الثلاث الساعات الا باذن. {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ} يعني من الاحرار وعبر عن البلوغ بالاحتلام لانه اقوى دلائله والمراد بالحلم في الآية الجماع في النوم إذا كان تاما بان تخرج منه النطفة أو تكون بمنزلة الخروج بان تنفصل عن مواضعها وفي القاموس الحلم بضمتين والاحتلام في الجماع النوم. وقرأ ابو عمرو بسكون اللام وفي حكمه خروج النطفة وانفصالها عن مواضعها مطلقا والمراد اطفالكم الذين لم يبلغوا الحلم وعرفوا امر النساء واما الذين لم يعرفوها فلا يجب امرهم بالاستئذان. فصل. الاحتلام بلوغ للذكر باتفاق واختلف في الانثى ويكون لهما ثلاث شعرات سود في الفرج او الابط بلوغا. وقيل: شعرتان سوداوان. قيل: واحدة سوداء غليظة ويكون للانثى علامة بلوغ تكعب الثديين تكعبا غير زائد والحيض والحمل وإذا لم تكن علامة بلوغ لاحدهما فاذا بلغ خمسة عشر عاما واتمها فهو بالغ وقيل اربعة عشر للانثى وخمسة عشر للذكر والقولان في المذهب الاول الشافعي وابي يوسف واحمد. وقال أبو حنيفة: لا يكون الذكر بالغا ان لم تكن له علامة الا ان بلغ ثمان عشرة سنة ولا الانثى الا ان بلغت سبع عشرة سنة واراد ببلوغ العدد استكماله وكان عليّ يعتبر البلوغ مطلقا خمسة اشبار واعتبر بعضهم غلظ كلام الذكر وغلظ ما ارتفع من انفه مع سعة ذلك المرتفع. {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} مرتان في اليوم لا يدخلون فيها بغير استئذان ومرة في الليل كذلك كذا قيل بناء على ان النبي بعد طلوع الفجر وقبل صلاته والحق ان المراد قيل صلاة الفجر سواء طلع الفجر أو لم يطلع. وان النهي بعد صلاة العشاء إلى ما قبل صلاة الفجر. والمرة هنا الوقت وثلاث ظرف متعلق بقوله ليستأذنكم * {مِنْ قَبْلِ} جار ومجرور بدل من ثلاث وان قلنا بزيادة من الداخلة على قبل وبعد كما هو مذهب ابن مالك فالبدل المجرور وحده يقدر نصبه وحين معطوف على الجار والمجرور معا لا على المجرور وحده والا لجر الا ان قلنا بزيادة من يجوز كون نصبه بالعطف على نصب المقدر. قيل: ويجوز ان يكون من قبل خبر المحذوف اي هن من قبل سواء تأصلت من او ازدادت {صَلاَةَ الْفَجْرِ} لانه وقت القيام من النوم وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة ولانه قد وجد الرجل عاريا أو مع امرأته في جماع {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ} للقيلولة أي ثياب اليقظة {مِنَ الظَّهِيرَةِ} بين للحين والظهيرة اسم لوقت الظهر لكن ليس المراد وقت صلاة الظهر لانه لا يجوز النوم بعد دخول الوقت والظاهر انه كان في عادته القيام قبل خروجه بقدر لحوق الصلاة بوظائفها لم يحرم وكذلك ان امر أن يوقظه والمراد الظهيرة هي وقت اشتداد الحر قيل الزوال * {وَمَنْ بَعْدِ صَلاَةِ العِشَآءِ} لانه وقت تجرد عن لباس اليقظة ولبس لباس النوم. فائدة منع بعضهم جعل (ثلاثاً) مفعولا مطلقا يستأذن لانهم لم يؤمروا بالاستئذان (ثلاثا) بل الاستئذان في الثلاث قلت الحق الحق جواز كونه مفعولا مطلقا فيكون من قبل متعلقا بالاستئذان ومحط الامر مجموع الاستئذان والاوقات الثلاث. {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُم} خبر لمحذوف اي هذه ثلاث عورات وسمي كل واحد من تلك الاوقات عورة لان الناس يختل سترهم والعورة الخلل ومنه رجل اعور أو مبتدأ خبره ليس عليكم الخ أو لكم أو محذوف اي يختل فيها تستركم. وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر بالنصب بدلا من ثلاث مرات. وقرأ الاعمش بفتح الواو على لغة هذيل ذكره ابن هشام لكن لم يصرح بالاعمش. قال ابن هشام: ايضا ثلاث مرات ظرف اي في ثلاثة اوقات. وقيل: مفعول مطلق اي ثلاث استئذانات والاول هو الصحيح لانه قد بين ذلك بقوله سبحانه من قبل صلاة الفجر الخ فليحمل عليه {أية : ولقد مننا عليك مرة أخرى}تفسير : فتفرض ظرفا وثلاث عورات بدل من ثلاث مرات اما على انه ظرف على حذف مضاف اي اوقات ثلاث عورات واما على غير حذف جعلت الاوقات انفسها عورات لحصول انكشاف العورات فيها مثل (نهاره صائم وليله قائم) ومن رفع فالتقدير عنده هذه اوقات ثلاث عورات أو هذه ثلاث عورات على المجاز الذي بينا {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ} المماليك والصبيان {جُنَاحُ} حرج في الدخول عليكم بغير استئذان * {بَعْدَهُنَّ} اي بعد تلك الاوقات اي في غيرهن والجملة مستأنفه أو نعت لثلاث قبله نصبت أو رفع. وزعم بعضهم انها نعت له ان رفع لا ان نصب. {طَوَّافُونَ عَلَيْكُم} اي هم طوافون عليكم بيان لوجه جواز دخولهم في غير تلك الاوقات بدون استئذان لانهم يكثر طوافهم عليكم اي مخالطتهم ودخولهم. {بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} اي يطوف بعضكم على بعض أو بعضكم طائف على بعض تطوفون عليهم للاستخدام أو يطوفون عليك الخدمة والمعروف عند الناس التحفظ في غير تلك الاوقات فاتيح الدخول لهؤلاء بغير استئذان وفي الاية دليل على تعليل الاحكام وكذا في الفرق بين الاوقات الثلاث وغيرها. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ} يوضح لكم الاحكام مثل ذلك التوضيح * {وَاللَّهُ عَلِيم} باحوالكم {حَكِيمٌ} فيما شرع لكم. وزعم بعضهم ان الاستئذان مطلقا منسوخ.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها الذين آمنوا} الرجال والنساء تغليباً كغالب القرآن، ولا ينصت الى دعوى ان الخطاب لهم، وأنهن ملحقات بالقياس، ولو كان سبب النزول امرأة، إذ لا يجب التعرض لمن هو سببه، ولا سيما أنه قيل أيضاً سببه الرجل، ولعلهما معاً السبب، روى أن اسماء بنت أبى مرثد بمعجمة مثلثة أو بشين معجمة، دخل عليها غلام كبير لها فى وقت كرهت، فقالت: يا رسول الله يدخل علينا غلماننا وخدمنا وقت نكرهه، وروى أنه صلى الله عليه وسلم بعث فى الظهيرة غلاماً من الأنصار اسمه مدلج، الى عمر رضى الله عنه فدق الباب ودخل عليه، واستيقظ وقد انكشف منه مالا يحب أن يرى، فقال لو نهى الله تعالى آبائنا وأبناءنا وخدمنا، فذهب مع الغلام اليه صلى الله عليه وسلم، وجدها نزلت. وعن السدى: كانوا يطئون نساءهم فى هذه الساعات، فيغتسلون فيخرجن الى الصلاة، فنزلت الآية ناهية عن دخول هؤلاء فيهن إلا بإذن، فقد يقال: نزلت فى ذلك كله خطاباً لهم {يا أيها الذين آمنوا} {ليستئذنكم الذين مَلَكت أيمانكمْ والَّذين لم يبلغوا الحُلُم منْكم} وجوباً على الصحيح أطفالا أو بلغاً، ذكوراً أو إناثاً، ولا بأس بخطاب الطفل، ولو على الوجوب، إلا أنه لاعقاب عليه إن خالف، وفى المراهق قولان، ويقال: الخطاب للمالكين فى المعنى، كأنه قيل: لا تتركوهم أن يدخلوا بلا إذن ولا حاجة الى هذا، والأمر للغائب. وفى الحديث:"حديث : مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر"تفسير : وأمره إياهم بأمر الأطفال بالصلاة أمر منه تعالى، وإذا خرجت النطفة من ذكر أو أنثى أو حاضت أو حبلت أو تكعب لها ولو ثدى واحد فبلوغ، والحق أن ثلاث شعرات سود غلاظ فى إبط أو عورة من ذكر أو أنثى بلوغ، كما قال عثمان وجرت عليه الصحابة أن الانبات بلوغ، وكما جاء عن عطية القرظى، ولو كان غير معروف إذ جاء عن غيره أيضاً أنه استحيا صلى الله عليه وسلم من لم ينبتوا، وأنا منهم وقتل من أنبت، وذلك فى حرب قريظة، واختلاف الروايات بلا تناقض لا بأس به، كما روى فى هذا أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من جرت عليه الموسى، ودعوى أنه أمر بقتل المنبت لقوته، لا لأن الانبات بلوغ تكلف، لأن من لم يبلغ غير مكلف فكيف يعاقب بالقتل، ولا دليل على أن قتله دفع لضره عن المسلمين، لا تكلف بلا دليل على خلافه. وقد تبلغ الأنثى فى السنة السابعة، وتحمل، وقد تبلغ الأنثى أو الذكر فى التاسعة، وإذا لم توجد علامة فالأنثى الثلاث عشرة، والذكر الأربع عشرة أو هى لها، وهو لخمس عشرة، أو هما لخمس عشرة، ومشهور أبى حنيفة انها لسبع عشرة، وأنه لثمانى عشرة، لأن ابن عباس فسر رشد اليتيم بها، ويرده أن ذلك فى تمكينه من ماله، وليس منكم قيداً بالاسلام، بأن يكونوا أولاد المسلمين، بل المراد مقابله المماليك فى الآية. {ثلاث مراتٍ} ثلاث استئذانات فى كل وقت من الأوقات الثلاثة، لأنهن مظنة انكشاف وخلوة، فان لم يؤذن لهم فلا يدخلوا كما جاء على الاطلاق قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الاستئذان ثلاث"تفسير : فهو مفعول مطلق فقوله: {مِنْ قَبل صلاة الفجر} متعلق بيستأذن، وقيل ثلاثة أوقات فهو ظرف، وعليه الجمهور فمن قبل بدل ثلاث أو مرات، أى وقتاً ثابتاً بالنصب أو بالجر قبل صلاة الفجر، والجر على الابدال من مرات. {وحين تضعون ثيابَكُم} عن أبدانكم بالنصب على الظرفية عطفاً على من قبل، لأن المعنى وقتاً من قبل، أو على إبدال من قبل من مرات بمعنى أوقات، فحين مجرور مبنى، ولو أضيف لمضارع معرب كقوله تعالى: "أية : هذا يوم ينفع"تفسير : [المائدة: 119] الخ {من الظَّهيرةِ} حال من حين، ومن للبيان وهو، وقت انتصاف النهار، وهو شدة الحر فى الجملة، أو متعلق بتضع على أنه للتعليل، فيقدر مضاف أى لأجل حر الظهيرة أو الظهيرة، نفس الحر، فلا تقدير {ومن بعْد صلاة العشاء} عطف على من قبل صلاة الفجر، كما هو أشد مناسبة لقوله: {ثلاث عورات لكم} أو على من الظهيرة اذا جعلنا من للبيان، وهذه فذلكة لما قبلها للتأكيد، أى هن ثلاث عورات. {ليس عليْكُم ولا عَليْهم جناحٌ} ولوم وعتاب، لأن الداخلين البلغ الذكور والاناث مماليك للمدخول عليهم كذلك، والذين لم يبلغوا يدخلون على احد بلا إذن فى غير تلك الأوقات، وأما المملوك والمملوكة البالغات، فلا وجه لدخولها بلا إذن على غير مالكهما فى وقت ما إلا لضرورة {بعدهُنَّ} فى الأوقات المتخللة بين كل اثنين منهن، ولو قيل قبلهن لكان المعنى كذلك، واختار البعدية لأن المعروف ان يجد الشىء، وينهى عما بعده {طَوّافُون} علة لليسية أى هم طوافون، أو لأنهم طوافون عليكم {بعضكم} يطوف بعضكم {على بَعض} أى أنتم تدخلون عليهم أيضاً أو يقدر أنتم طوافون خطاباً للمماليك والسادة والأطفال، ولا ضعف فيه، فيكون بدلا من انتم أو من المستتر فى طوافون أو مبتدأ الطوافون. {وكذلك} كما بين الله لكم ما ذكر {يبيِّن} اعتاد البيان {الله لكم الآيات} قبل هذه البيان وبعده {واللهُ عليمٌ} عظيم العلم بأحوالكم وغيرها {حكيمٌ} عظيم الحكمة فيما شرع لكم من المصالح، وفى جميع أفعاله.

الالوسي

تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الخ رجوع عند الأكثرين إلى بيان تتمة الأحكام السابقة بعد تمهيد ما يوجب الامتثال بالأوامر والنواهي الواردة فيها وفي الأحكام اللاحقة من التمثيلات والترغيب والترهيب والوعد والوعيد. وفي «التحقيق» ويحتمل أن يقال: إنه مما يطاع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيه، وتخصيصه بالذكر لأن دخوله في الطاعة باعتبار أنه من الآداب أبعد من غيره. والخطاب إما للرجال خاصة والنساء داخلات في الحكم بدلالة النص أو للفريقين تغليباً، واعترض الأول بأن الآية نزلت بسبب النساء، فقد روي أن أسماء بنت أبـي مرثد دخل عليها غلام كبير لها في وقت كرهت دخوله فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فنزلت، وقد ذكر في «الإتقان» أن دخول سبب النزول في الحكم قطعي. وأجيب بأنه ما المانع من أن يعلم الحكم في السبب بطريق الدلالة والقياس الجلي ويكون ذلك في حكم الدخول، ونقل عن السبكي أنه ظني فيجوز إخراجه؛ وتمام الكلام في ذلك في «كتب الأصول». ثم ما ذكر في سبب النزول ليس مجمعاً عليه، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث وقت الظهيرة إلى عمر رضي الله تعالى / عنه غلاماً من الأنصار يقال له مدلج وكان رضي الله تعالى عنه نائماً فدق عليه الباب ودخل فاستيقظ وجلس فانكشف منه شيء فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لوددت أن الله تعالى نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعة إلا بإذن فانطلق معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد نزلت فخر ساجداً، وهذا أحد موافقات رأيه الصائب رضي الله تعالى عنه للوحي. وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أنه قال: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات فيغتسلوا ثم يخرجون إلى الصلاة فأمرهم الله تعالى أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ}. ويعلم منه أن الأمر في قوله سبحانه: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ } وإن كان في الظاهر للمملوكين والصبيان لكنه في الحقيقة للمخاطبين فكأنهم أمروا أن يأمروا المذكورين بالاستئذان وبهذا ينحل ما قيل: كيف يأمر الله عز وجل من لم يبلغ الحلم بالاستئذان وهو تكليف ولا تكليف قبل البلوغ، وحاصله أن الله تعالى لم يأمره حقيقة وإنما أمر سبحانه الكبير أن يأمره بذلك كما أمره أن يأمره بالصلاة، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين » تفسير : وأمره بما ذكر ونحوه من باب التأديب والتعليم ولا إشكال فيه، وقيل: الأمر للبالغين من المذكورين على الحقيقة ولغيرهم على وجه التأديب، وقيل: هو للجميع على الحقيقة والتكليف يعتمد التمييز ولا يتوقف على البلوغ فالمراد بالذين لم يبلغوا الحلم المميزون من الصغار وهو كما ترى. واختلف في هذا الأمر فذهب بعض إلى أنه للوجوب، وذهب الجمهور إلى أنه للندب وعلى القولين هو محكم على الصحيح وسيأتي تمام الكلام في ذلك. والجمهور على عموم {ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } في العبيد والإماء الكبار والصغار، وعن ابن عمر ومجاهد أنه خاص بالذكور كما هو ظاهر الصيغة وروي ذلك عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله رضي الله تعالى عنهما، وقال السلمي: إنه خاص بالإناث وهو قول غريب لا يعول عليه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تخصيصه بالصغار وهو خلاف الظاهر جداً. والمراد بالذين لم يبلغوا الحلم الصبيان ذكوراً وإناثاً على ما يقتضيه ما مر في سابقه عن الجمهور وخص بالمراهقين منهم، و {مّنكُمْ } لتخصيصهم بالأحرار ويشعر به المقابلة أيضاً. وفي «البحر» هو عام في الأطفال عبيداً كانوا أو أحراراً. وكني عن القصور عن درجة البلوغ بما ذكر لأن الاحتلام أقوى دلائله، وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا احتلم الصبـي فقد بلغ، واختلفوا فيما إذا بلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة في المشهور: لا يكون بالغاً حتى يتم له ثماني عشرة سنة وكذا الجارية إذ لم تحتلم أو لم تحض أو لم تحبل لا تكون بالغة عنده حتى يتم لها سبع عشرة سنة، ودليله قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } تفسير : [الأنعام: 152] وأشد الصبـي كما روي عن ابن عباس وتبعه القتيبـي ثماني عشرة سنة وهو أقل ما قيل فيه فيبنى الحكم عليه للتيقن به غير أن الإناث نشؤهن وإدراكهن أسرع فنقص في حقهن سنة لاشتمالها على الفصول الأربعة التي يوافق واحد منها المزاج لا محالة، وقال صاحباه والشافعي وأحمد: إذا بلغ الغلام والجارية خمس عشرة سنة فقد بلغا وهو رواية عن الإمام رضي الله تعالى عنه أيضاً وعليه الفتوى. ولهم أن العادة الفاشية أن لا يتأخر البلوغ فيهما عن هذه المدة وقيدت العادة بالفاشية لأنه قد يبلغ الغلام في اثنتي عشرة سنة وقد تبلغ الجارية في تسع سنين، واستدل بعضهم على ما تقدم بما روى ابن عمر رضي الله تعالى / عنهما أنه عرض على النبـي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرض عليه عليه الصلاة والسلام يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه، واعترض أبو بكر الرازي على ذلك بأن أُحداً كان في سنة ثلاث والخندق في سنة خمس فكيف يصح ما ذكر في الخبر، وأيضاً لا دلالة فيه على المدعي لأن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ فقد لا يؤذن البالغ لضعفه ويؤذن غير البالغ لقوته وقدرته على حمل السلاح. ولعل عدم إجازته عليه الصلاة والسلام ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أولاً إنما كان لضعفه ويشعر بذلك أنه صلى الله عليه وسلم ما سأله عن الاحتلام والسن. ومما تفرد به الشافعي رضي الله تعالى عنه على ما قيل جعل الإنبات دليلاً على البلوغ واحتج له بما روى عطية القرظي أن النبـي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت قال: فنظروا إلي فلم أكن قد أنبت فاستبقاني صلى الله عليه وسلم؛ وتعقبه أبو بكر الرازي بأن هذا الخبر لا يجوز إثبات الشرع بمثله فإن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر، وأيضاً هو مختلف الألفاظ ففي بعض رواية أن النبـي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من جرت عليه المواسي، وأيضاً يجوز أن يكون الأمر بقتل من أنبت ليس لأنه بالغ بل لأنه قوي فإن الإنبات يدل على القوة البدنية، وانتصر للشافعي بأن الاحتمال مردود بما روي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن غلام فقال: هل اخضر إزاره فإنه يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم المشهور عن الشافعي عليه الرحمة جعل ذلك دليلاً على البلوغ في حق أطفال الكفار، وتكلف الشافعية في الانتصار له ورد التشنيع عليه بما لا يخفى ما فيه على من راجعه. ومن الغريب ما روي عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله خمسة أشبار، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود يقتص له ويقتص منه. وعن ابن سيرين عن أنس قال: أُتي أبو بكر رضي الله تعالى عنه بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلى عنه، وبهذا المذهب أخذ الفرزدق في قوله يمدح يزيد بن المهلب: شعر : ما زال مذ عقدت يداه إزاره وسما فأدرك خمسة الأشبار يدني كتائب من كتائب تلتقي بالطعن يوم تجاول وغوار تفسير : وأكثر الفقهاء لا يقولون به لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلاً وفوق البلوغ ويكون قصيراً فلا عبرة بذلك. ولعل الأخبار السابقة لا تصح. وما نقل عن الفرزدق لا يتعين إرادة البلوغ فيه، ومن الناس من قال: إنه أراد بخمسة الأشبار القبر كما قال الآخر: شعر : عجباً لأربع أذرع في خمسة في جوفه جبل أشم كبير تفسير : هذا وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية {ٱلْحلم } بسكون اللام وهي لغة تميم، وذكر الراغب أن الحلم بالضم والحلم السكون كلاهما مصدر حلم في نومه بكذا بالفتح إذا رآه في المنام يحلم بالضم ولم يخص ذلك بلغة دون أخرى، وعن بعضهم عد حلماً بالفتح مصدراً لذلك أيضاً، وفي «الصحاح» الحلم بالضم ما يراه النائم تقول منه: حلم بالفتح واحتلم وتقول حلمت بكذا وحلمته أيضاً فيتعدى بالباء وبنفسه قال: شعر : فحلمتها وبنور فيدة دونها لا يبعدن خيالها المحلوم تفسير : والحلم بكسر الحاء الأناة تقول منه: حلم الرجل بالضم إذا صار حليماً، وفي «القاموس» الحلم بالضم وبضمتين الرؤيا جمعه أحلام ثم قال: وحلم به وعنه رأى له رؤيا أو رآه في النوم والحلم بالضم والاحتلام الجماع في النوم / والاسم الحلم كعتق والحلم بالكسر الأناة والعقل وجمعه أحلام وحلوم اهـ، والظاهر أن ما نحن فيه بمعنى الجماع في النوم وهو الاحتلام المعروف ووجه الكناية السابقة عليه ظاهر. وقال الراغب: الحلم زمان البلوغ وسمي الحلم لكونه جديراً صاحبه بالحلم أي الأناة وضبط النفس عن هيجان الغضب وفي النفس منه شيء. {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } أي ثلاث أوقات في اليوم والليلة، والتعبير عنها بالمرات للإيذان بأن مدار طلب الاستئذان مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا أنفسها فنصب {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } على الظرفية للاستئذان وهو الذي ذهب إليه الجمهور ويدل على ما ذكر قوله تعالى: {مّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ } الخ فإن الظاهر أنه في محل النصب أو الجر كما قيل إنه بدل من {ثَلَـٰثٍ } أو من {مَرَّاتٍ } بدل مفصل من مجمل. وجوز أن يكون في محل الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي أحدها من قبل الخ وهو أيضاً يدل على ما ذكرنا، واختار في «البحر» أن المعنى ثلاث استئذانات كما هو الظاهر فإنك إذا قلت: ضربت ثلاث مرات لا يفهم منه إلا ثلاث ضربات، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام ( حديث : الاستئذان ثلاث )تفسير : ، وعليه يكون {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } مفعولاً مطلقاً للاستئذان و {مِن قَبْلُ } الخ ظرف له. وشرع الاستئذان من قبل صلاة الفجر لظهور أنه وقت القيام عن المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة وكل ذلك مظنة انكشاف العورة. وأيضاً كثيراً ما يجنب الشخص ليلاً فيغتسل في ذلك الوقت ويستحى من الاطلاع عليه في تلك الحالة ولو مستور العورة. {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ } أي وحين تخلعون ثيابكم التي تلبسونها في النهار وتحطونها عنكم {مّنَ ٱلظَّهِيرَةِ } بيان للحين، والظهيرة كما قال الراغب وقت الظهر، وفي «القاموس» هي حد انتصاف النهار أو إنما ذلك في القيظ. وجوز أن تكون {مِنْ } أجلية والكلام على حذف مضاف أي وحين تضعون ثيابكم من أجل حر الظهيرة، وفسر بعضهم الظهيرة بشدة الحر عند انتصاف النهار فلا حاجة إلى الحذف؛ و {حِينٍ } عطف على {مِن قَبْلُ } وهو ظاهر على تقدير كونه في محل نصب، وأما على التقديرين الآخرين فيلتزم القول ببناء حين على الفتح وإن أضيف إلى مضارع كما قيل في قوله تعالى: { أية : هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ } تفسير : [المائدة:119] على قراءة فتح ميم يوم. والتصريح بمدار الأمر أعني وضع الثياب في هذا الحين دون ما قبل وما بعد لما أن التجرد عن الثياب فيه لأجل القيلولة لقلة زمانها كما ينبـىء عنه إيراد الحين مضافاً إلى فعل حادث متقض ووقوعها في النهار الذي هو مئنة لكثرة الورود والصدور ومظنة لظهور الأحوال وبروز الأمور ليس من التحقق والاطراد بمنزلة ما في الوقتين المذكورين فإن تحقق المدار فيهما أمر معروف لا يحتاج إلى التصريح به. {وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَاء } ضرورة أنه وقت التجرد عن لباس اليقظة والالتحاف بثياب النوم وكثيراً ما يتعاطى فيه مقدمات الجماع وإن كان الأفضل تأخيره لمن لا يغتسل على الفور إلى آخر الليل، ويعلم مما ذكر في حيز بيان حكمة مشروعية الاستئذان في الوقت الأول والوقت الأخير أن المراد بالقبلية والبعدية المذكورتين ليس مطلقهما المتحقق في الوقت الممتد المتخلل بين صلاة الفجر وصلاة العشاء بل المراد بهما طرفا ذلك الوقت الممتد المتصلان اتصالاً عادياً بالصلاتين المذكورتين وعدم التعرض للأمر بالاستئذان في الباقي / من الوقت الممتد إما لانفهامه بعد الأمر بالاستئذان في الأوقات المذكورة من باب الأولى، وإما لندرة الوارد فيه جداً كما قيل، وقيل إن ذاك لجريان العادة على أن من ورد فيه لا يرد حتى يعلم أهل البيت لما في الورود ودخول البيت فيه من دون إعلام أهله من التهمة ما لا يخفى. وقوله تعالى: {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } خبر مبتدأ محذوف، وقوله سبحانه: {لَكُمْ } متعلق بمحذوف وقع صفة له أي هن ثلاث عورات كائنة لكم، والعورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان إذا اختل حاله والأعور المختل العين، وعورة الإنسان سوأته وأصلها كما قال الراغب: من العار وذلك لما يلحق في ظهورها من العار أي المذمة، وضميرهن المحذوف للأوقات الثلاثة، والكلام على حذف مضاف أي هن ثلاث أوقات يختل فيها التستر عادة، وقدر أبو البقاء المضاف قبل {ثَلَـٰثٍ } فقال: أي هي أوقات ثلاث عورات أولاً حذف فيه، وإطلاق العورات على الأوقات المذكورة المشتملة عليها للمبالغة كأنها نفس العورات. والجملة استئناف مسوق لبيان علة طلب الاستئذان في تلك الأوقات. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي {ثلـٰث } بالنصب على أنه بدل من {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } وجوز أبو البقاء كونه بدلاً من الأوقات المذكورة، وكونه منصوباً بإضمار أعني. وقرأ الأعمش {عورٰت } بفتح الواو وهي لغة هذيل بن مدركة وبني تميم. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ } أي على الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم {جُنَاحٌ } أي في الدخول بغير استئذان {بَعْدَهُنَّ } أي بعد كل واحدة من تلك العورات الثلاث وهي الأوقات المتخللة بين كل اثنين منهن، وإيرادها بعنوان البعدية مع أن كل وقت من تلك الأوقات قبل كل عورة من العورات كما أنها بعد أخرى منهن لتوفية حق التكليف والترخيص الذي هو عبارة عن رفعه إذ الرخصة إنما تتصور في فعل يقع بعد زمان وقوع الفعل المكلف كذا في «إرشاد العقل السليم»، وظاهره أنه لا حرج في الدخول بغير استئذان في الوقت المتخلل بين ما بعد صلاة العشاء وما قبل صلاة الفجر بالمعنى السابق للبعدية والقبلية، ومقتضى ما قدمنا ثبوت الحرج في ذلك فيكون كالمستثنى مما ذكر. وكان الظاهر أن يقال: ليس عليهم جناح بعدهن وعدم التعرض لنفي أن يكون على المخاطبين جناح لأن المأمورين ظاهراً فيما تقدم بالاستئذان في العورات الثلاث هم المماليك والمراهقون الأحرار لا غير، وإن اعتبر المأمورون في الحقيقة فيما مر كان الظاهر هٰهنا أن يقال: ليس عليكم جناح بعدهن مقتصراً عليه، ولعل اختيار ما في النظم الجليل لرعاية المبالغة في الإذن بترك الاستئذان فيما عدا تلك الثلاث حيث نفى الجناح عن المأمورين به فيها ظاهراً وحقيقة. والظاهر أن المراد بالجناح الإثم الشرعي، واستشكل بأنه يفهم من الآية ثبوت ذلك للمخاطبين إذا دخل المماليك والذين لم يبلغوا الحلم منهم عليهم من غير استئذان في تلك العورات مع أنه لا تزر وازرة وزر أخرى وثبوته للمماليك والصغار كذلك مع أن الصغار غير مكلفين فلا يتصور في حقهم الإثم الشرعي. وأجيب بأن ثبوت ذلك لمن ذكر بواسطة المفهوم ولا عبرة به عندنا، وعلى القول باعتباره يمكن أن يكون ثبوته للمخاطبين حينئذٍ لتركهم تعليمهم والتمكين من الدخول عليهم ويبقى إشكال ثبوته للصغار ولا مدفع له إلا بالتزام القول بأن التكليف يعتمد التمييز ولا يتوقف على البلوغ وهو خلاف ما عليه جمهور الأئمة. / ويرد على القول بأن ثبوت ذلك لمن ذكر بواسطة المفهوم بحث لا يخفى. والتزم في الجواب كون المراد بالجناح الإثم العرفي الذي مرجعه ترك الأولى والأخلق من حيث المروءة والأدب وجواز ثبوت ذلك للمكلف وغير المكلف مما لا كلام فيه فكأن المعنى ليس عليكم أيها المؤمنون جناح في دخولهم عليكم بعدهن لترككم تعليمهم وتمكينكم إياهم منه المفضي إلى الوقوف على ما تأبـى المروءة والغيرة الوقوف عليه ولا عليهم جناح في ذلك لإخلالهم بالأدب المفضي إلى الوقوف على ما تكره ذوو الطباع السليمة الوقوف عليه وينفعون منه. ولا يأبـى ذلك تقدم الأمر السابق ولا ما في «الإرشاد» من بيان نكتة إيراد العورات الثلاث بعنوان البعدية بما سمعت فتدبر فإنه دقيق. وذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } تفسير : [النور: 27] منسوخ بهذه الآية حيث دلت على جواز الدخول بدون استئذان بعد الأوقات الثلاث ودل ذلك على خلافه ومن ذهب إليه قال: إنها في الصبيان ومماليك المدخول عليه وآية الاستئذان في الأحرار البالغين ومماليك الغير في حكمهم فلا منافاة ليلتزم النسخ. ثم اعلم أن نفي الجناح بعدهن على من ذكر ليس على عمومه فإنه متى تحقق أو ظن كون أهل البيت على حال يكرهون اطلاع المماليك والمراهقين من الأحرار عليها كانكشاف عورة أحدهم ومعاشرته لزوجته أو أمته إلى غير ذلك لا ينبغي الدخول عليهم بدون استئذان سواء كان ذلك في إحدى العورات الثلاث أو في غيرها والأمر بالاستئذان فيها ونفي الجناح بعدها بناءً على العادة الغالبة من كون أهل البيت في الأوقات الثلاث المذكورة على حال يقتضي الاستئذان وكونهم على حال لا يقتضيه في غيرها. هذا وفي الآية توجيه آخر ذكره أبو حيان وظاهر صنيعه اختياره وعليه اقتصر أبو البقاء وهو أن التقدير ليس عليكم ولا عليهم جناح بعد استئذانهم فيهن فحذف الفاعل وحرف الجر فبقي بعد استئذانهن ثم حذف المصدر فصار بعدهن، وعليه تقل مؤنة الكلام في الآية إلا أنه خلاف الظاهر جداً. والجمهور على ما سمعت أولاً في معناها، والظاهر أن الجملة على القراءتين السابقتين في (ثلاث) مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها، وفي «الكشاف» أنها إذا رفع {ثَلَـٰثٍ } كانت في محل رفع على الوصف والمعنى هن ثلاث مخصوصة بالاستئذان وإذا نصب لم يكن لها محل وكانت كلاماً مقرراً للاستئذان في تلك الأحوال خاصة. وقال في ذلك صاحب «التقريب»: إن رفع الحرج وراء الأوقات الثلاثة مقصود في نفسه فإذا وصف به {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } نصباً وهو بدل من {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} كان التقدير ليستأذنكم هؤلاء في ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان. ويدفعه وجوه مستفادة من علم المعاني. أحدها: اشتراط تقدم علم السامع بالوصف وهو منتف إذ لم يعلم إلا من هذا. والثاني: جعل الحكم المقصود وصفاً للظرف فيصير غير مقصود. والثالث: أن الأمر بالاستئذان في المرات الثلاث حاصل وصفت بأن لا حرج وراءها أو لم توصف فيضيع الوصف. وأما إذا وصف المرفوع فيزول الدوافع لأنه ابتداء تعليم أي هن ثلاث مخصوصة بالاستئذان وصفة للخبر المقصود ولم يتقيد أمر الاستئذان به فليتأمل فإنه دقيق جليل انتهى. وتعقب بأن الوجهين الأخيرين ساقطان لا طائل تحتهما والأول هو الوجه. فإن قيل: هو مشترك الإلزام قيل: قد تقدم في قوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ } ما يرشد إلى العلم بذلك وليست الجملة الأخيرة من أجزائه كما هي كذلك على فرض جعلها صفة للبدل ولا يحتاج مع هذا إلى حديث أن رفع الحرج وراء الأوقات الثلاثة مقصود في نفسه بل قيل هو في نفسه ليس بشيء فقد قال الطيبـي: إن المقصود الأولي الاستئذان في الأوقات المخصوصة ورفع الحرج في غيرها / تابع له لقول المحدث رضي الله تعالى عنه لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعة إلا بإذن ثم انطلق إلى النبـي صلى الله عليه وسلم وقد نزلت الآية. وفي «الكشف» أنه جىء به أي بالكلام الدال على رفع الحرج أعني {لَيْسَ عَلَيْكُمْ } الخ على رفع {ثَلَـٰثٍ } مؤكداً للسالف على طريق الطرد والعكس وكذلك إذا نصب وجعل استئنافاً وأما إذا جعل وصفاً فيفوت هذا المعنى وهذا أيضاً من الدوافع انتهى فتأمل ولا تغفل. وقوله تعالى: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ } خبر مبتدأ محذوف أي هم طوافون. والجملة استئناف ببيان العذر المرخص في ترك الاستئذان وهو المخالطة الضرورية وكثرة المداخلة. وفيه دليل على تعليل الأحكام الشرعية وكذا في الفرق بين الأوقات الثلاث وغيرها بأنها عورات. وقوله عز وجل: {بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } جوز أن يكون مبتدأ وخبراً ومتعلق الجار كون خاص حذف لدلالة ما قبله عليه أي بعضكم طائف على بعض، وجوز أن يكون معمولاً لفعل محذوف أي يطوف بعضكم على بعض. وقال ابن عطية: {بَعْضُكُمْ } بدل من {طَوَّافُونَ}، وتعقبه في «البحر» ((بأنه إن أراد أنه بدل من {طَوَّافُونَ} نفسه فلا يجوز لأنه يصير التقدير هم بعضكم على بعض وهو معنى لا يصح وإن أراد أنه بدل من الضمير فيه فلا يصح أيضاً إن قدر الضمير ضمير غيبة لتقديرهم لأنه يصير التقدير هم يطوف بعضكم على بعض وإن جعل التقدير أنتم يطوف عليكم بعضكم على بعض فيدفعه أن {عَلَيْكُمْ } يدل على أنهم هم المطوف عليهم وأنتم طوافون يدل على أنهم طائفون فيتعارضان)) وقيل: يقدر أنتم طوافون ويراد بأنتم المخاطبون والغيب من المماليك والصبيان وهو كما ترى. وجوز أبو البقاء كون الجملة بدلاً من التي قبلها وكونها مبينة مؤكدة، ولا يخفى عليك ما تضمنته من جبر قلوب المماليك بجعلهم بعضاً من المخاطبين وبذلك يقوى أمر العلية. وقرأ ابن أبـي عبلة {طوافين} بالنصب على الحال من ضمير (عليهم). {كَذٰلِكَ} إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعد على ما مر تفصيله في تفسير قوله تعالى: { أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] وفي غيره أيضاً أي مثل ذلك التبيين {يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } الدالة على ما فيه نفعكم وصلاحكم أي ينزلها مبينة واضحة الدلالة لا أنه سبحانه يبينها بعد أن لم تكن كذلك، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر غير مرة، وقيل: يبين علل الأحكام. وتعقب بأنه ليس بواضح مع أنه مؤد إلى تخصيص الآيات بما ذكر هٰهنا. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } مبالغ في العلم بجميع المعلومات فيعلم أحوالكم {حَكِيمٌ } في جميع أفاعيله فيشرع لكم ما فيه صلاحكم معاشاً ومعاداً.

سيد قطب

تفسير : إن الإسلام منهاج حياة كامل؛ فهو ينظم حياة الإنسان في كل أطوارها ومراحلها، وفي كل علاقاتها وارتباطاتها، وفي كل حركاتها وسكناتها. ومن ثم يتولى بيان الآداب اليومية الصغيرة، كما يتولى بيان التكاليف العامة الكبيرة؛ وينسق بينها جميعاً، ويتجه بها إلى الله في النهاية. وهذه السورة نموذج من ذلك التنسيق. لقد تضمنت بعض الحدود إلى جانب الاستئذان على البيوت. وإلى جانبها جولة ضخمة في مجالي الوجود. ثم عاد السياق يتحدث عن حسن أدب المسلمين في التحاكم إلى الله ورسوله وسوء أدب المنافقين. إلى جانب وعد الله الحق للمؤمنين بالاستخلاف والأمن والتمكين. وها هو ذا في هذا الدرس يعود إلى آداب الاستئذان في داخل البيوت؛ إلى جانب الاستئذان من مجلس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وينظم علاقة الزيارة والطعام بين الأقارب والأصدقاء؛ إلى جانب الأدب الواجب في خطاب الرسول ودعائه... فكلها آداب تأخذ بها الجماعة المسلمة وتنتظم بها علاقاتها. والقرآن يربيها في مجالات الحياة الكبيرة والصغيرة على السواء. {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم، ثلاث مرات: من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء. ثلاث عورات لكم. ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن. طوّافون عليكم بعضكم على بعض. كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم}.. لقد سبقت في السورة أحكام الاستئذان على البيوت. وهنا يبين أحكام الاستئذان في داخل البيوت. فالخدم من الرقيق، والأطفال المميزون لم يبلغوا الحلم يدخلون بلا استئذان. إلا في ثلاثة أوقات تنكشف فيها العورات عادة، فهم يستأذنون فيها. هذه الأوقات هي: الوقت قبل صلاة الفجر حيث يكون الناس في ثياب النوم عادة أو أنهم يغيرونها ويلبسون ثياب الخروج. ووقت الظهيرة عند القيلولة، حيث يخلعون ملابسهم في العادة ويرتدون ثياب النوم للراحة. وبعد صلاة العشاء حين يخلعون ملابسهم كذلك ويرتدون ثياب الليل.. وسماها {عورات} لانكشاف العورات فيها. وفي هذه الأوقات الثلاثة لا بد أن يستأذن الخدم، وأن يستأذن الصغار المميزون الذين لم يبلغوا الحلم، كي لا تقع أنظارهم على عورات أهليهم. وهو أدب يغفله الكثيرون في حياتهم المنزلية، مستهينين بآثاره النفسية والعصبية والخلقية، ظانين أن الخدم لا تمتد أعينهم إلى عورات السادة! وأن الصغار قبل البلوغ لا ينتبهون لهذه المناظر. بينما يقرر النفسيون اليوم ـ بعد تقدم العلوم النفسية ـ أن بعض المشاهد التي تقع عليها أنظار الأطفال في صغرهم هي التي تؤثر في حياتهم كلها؛ وقد تصيبهم بأمراض نفسية وعصبية يصعب شفاؤهم منها. والعليم الخبير يؤدب المؤمنين بهذه الآداب؛ وهو يريد أن يبني أمة سليمة الأعصاب، سليمة الصدور، مهذبة المشاعر، طاهرة القلوب، نظيفة التصورات. ويخصص هذه الأوقات الثلاثة دون غيرها لأنها مظنة انكشاف العورات. ولا يجعل استئذان الخدم والصغار في كل حين منعاً للحرج. فهم كثيرو الدخول والخروج على أهليهم بحكم صغر سنهم أو قيامهم بالخدمة: {طوافون عليكم بعضكم على بعض}.. وبذلك يجمع بين الحرص على عدم انكشاف العورات، وإزالة الحرج والمشقة لو حتم أن يستأذنوا كما يستأذن الكبار. فأما حين يدرك الصغار سن البلوغ، فإنهم يدخلون في حكم الأجانب، الذين يجب أن يستأذنوا في كل وقت، حسب النص العام، الذي مضت به آية الاستئذان. ويعقب على الآية بقوله: {والله عليم حكيم} لأن المقام مقام علم الله بنفوس البشر، وما يصلحها من الآداب؛ ومقام حكمته كذلك في علاج النفوس والقلوب. ولقد سبق الأمر كذلك بإخفاء زينة النساء منعاً لإثارة الفتن والشهوات. فعاد هنا يستثني من النساء القواعد اللواتي فرغت نفوسهن من الرغبة في معاشرة الرجال؛ وفرغت أجسامهن من الفتنة المثيرة للشهوات: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً؛ ليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ـ غير متبرجات بزينة ـ وأن يستعففن خير لهن؛ والله سميع عليم}.. فهؤلاء القواعد لا حرج عليهن أن يخلعن ثيابهن الخارجية، على ألا تنكشف عوراتهن ولا يكشفن عن زينة. وخير لهن أن يبقين كاسيات بثيابهن الخارجية الفضفاضة. وسمي هذا استعفافاً. أي طلباً للعفة وإيثاراً لها، لما بين التبرج والفتنة من صلة؛ وبين التحجب والعفة من صلة.. وذلك حسب نظرية الإسلام في أن خير سبل العفة تقليل فرص الغواية، والحيلولة بين المثيرات وبين النفوس. {والله سميع عليم}.. يسمع ويعلم، ويطلع على ما يقوله اللسان، وما يوسوس في الجنان. والأمر هنا أمر نية وحساسية في الضمير. ثم يمضي في تنظيم العلاقات والارتباطات بين الأقارب والأصدقاء: {ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج؛ ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم، أو بيوت آبائكم، أو بيوت أمهاتكم، أو بيوت إخوانكم، أو بيوت أخواتكم، أو بيوت أعمامكم، أو بيوت عماتكم، أو بيوت أخوالكم، أو بيوت خالاتكم؛ أو ما ملكتم مفاتحه، أو صديقكم. ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً. فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم، تحية من عند الله مباركة طيبة. كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون}.. روي أنهم كانوا يأكلون من هذه البيوت المذكورة ـ دون استئذان ـ ويستصحبون معهم العمي والعرج والمرضى ليطعموهم.. الفقراء منهم.. فتحرجوا أن يطعموا وتحرج هؤلاء أن يصحبوهم دون دعوة من أصحاب البيوت أو إذن. ذلك حين نزلت: {أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} تفسير : فقد كانت حساسيتهم مرهفة. فكانوا يحذرون دائماً أن يقعوا فيما نهى الله عنه، ويتحرجون أن يلموا بالمحظور ولو من بعيد. فأنزل الله هذه الآية، ترفع الحرج عن الأعمى والمريض والأعرج، وعن القريب أن يأكل من بيت قريبه. وأن يصحب معه أَمثال هؤلاء المحاويج. وذلك محمول على أن صاحب البيت لا يكره هذا ولا يتضرر به. إستناداً إلى القواعد العامة في أنه "لا ضرر ولا ضرار" وإلى أنه "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس". ولأن الآية آية تشريع، فإننا نلحظ فيها دقة الأداء اللفظي والترتيب الموضوعي، والصياغة التي لا تدع مجالاً للشك والغموض. كما نلمح فيها ترتيب القرابات. فهي تبدأ ببيوت الأبناء والأزواج ولا تذكرهم. بل تقول الآية: {من بيوتكم} فيدخل فيها بيت الابن وبيت الزوج، فبيت الابن بيت لأبيه، وبيت الزوج بيت لزوجته، وتليها بيوت الآباء، فبيوت الأمهات. فبيوت الإخوة، فبيوت الأخوات. فبيوت الأعمام، فبيوت العمات، فبيوت الأخوال، فبيوت الخالات.. ويضاف إلى هذه القرابات الخازن على مال الرجل فله أن يأَكل مما يملك مفاتحه بالمعروف ولا يزيد على حاجة طعامه.. ويلحق بها بيوت الأصدقاء. ليلحق صلتهم بصلة القرابة. عند عدم التأذي والضرر. فقد يسر الأصدقاء أن يأكل أصدقاؤهم من طعامهم بدون استئذان. فإذا انتهى من بيان البيوت التي يجوز الأكل منها، بين الحالة التي يجوز عليها الأكل: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً} فقد كان من عادات بعضهم في الجاهلية ألا ياكل طعاماً على انفراد، فإن لم يجد من يؤاكله عاف الطعام! فرفع الله هذا الحرج المتكلف، ورد الأمر إلى بساطته بلا تعقيد، وأباح أن يأكلوا أفراداً أو جماعات. فإذا انتهى من بيان الحالة التي يكون عليها الأكل ذكر آداب دخول البيوت التي يؤكل فيها: {فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة}.. وهو تعبير لطيف عن قوة الرابطة بين المذكورين في الآية. فالذي يسلم منهم على قريبه أو صديقه يسلم على نفسه. والتحية التي يلقيها عليه هي تحية من عند الله. تحمل ذلك الروح، وتفوح بذلك العطر. وتربط بينهم بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.. وهكذا ترتبط قلوب المؤمنين بربهم في الصغيرة والكبيرة: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون}.. وتدركون ما في المنهج الإلهي من حكمة ومن تقدير.. وينتقل من تنظيم العلاقات بين الأقارب والأصدقاء، إلى تنظيمها بين الأسرة الكبيرة.. أسرة المسلمين.. ورئيسها وقائدها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وإلى آداب المسلمين في مجلس الرسول: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله. وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه؛ إن الذين يستأذنونك أولـئك الذين يؤمنون بالله ورسوله. فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله. إن الله غفور رحيم. لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً. فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه؛ ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا، والله بكل شيء عليم}.. روى ابن اسحاق في سبب نزول هذه الآيات أنه لما كان تجمع قريش والأحزاب في غزوة الخندق. فلما سمع بهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة. فعمل فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترغيباً للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورّون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا إذنه؛ وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويستأذنه في اللحوق بحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة في الخير واحتساباً له. فأنزل الله تعالى في أولئك المؤمنين: {إنما المؤمنون.... الآية} ثم قال تعالى: يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم.. الآية}.. وأياً ما كان سبب نزول هذه الآيات فهي تتضمن الآداب النفسية التنظيمية بين الجماعة وقائدها. هذه الآداب التي لا يستقيم أمر الجماعة إلا حين تنبع من مشاعرها وعواطفها وأعماق ضميرها. ثم تستقر في حياتها فتصبح تقليداً متبعاً وقانوناً نافذاً. وإلا فهي الفوضى التي لا حدود لها: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله}.. لا الذين يقولون بأفواههم ثم لا يحققون مدلول قولهم، ولا يطيعون الله ورسوله. {وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه}.. والأمر الجامع الأمر الهام الذي يقتضي اشتراك الجماعة فيه، لرأي أو حرب أو عمل من الأعمال العامة. فلا يذهب المؤمنون حتى يستأذنوا إمامهم. كي لا يصبح الأمر فوضى بلا وقار ولا نظام. وهؤلاء الذين يؤمنون هذا الإيمان، ويلتزمون هذا الأدب، لا يستأذنون إلا وهم مضطرون؛ فلهم من إيمانهم ومن أدبهم عاصم ألا يتخلوا عن الأمر الجامع الذي يشغل بال الجماعة. ويستدعي تجمعها له.. ومع هذا فالقرآن يدع الرأي في الإذن أو عدمه للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ رئيس الجماعة. بعد أن يبيح له حرية الإذن: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم}.. وكان قد عاتبه على الإذن للمنافقين من قبل فقال: {أية : عفا الله عنك! لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}.. تفسير : يدع له الرأي فإن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن، فيرفع الحرج عن عدم الإذن، وقد تكون هناك ضرورة ملحة. ويستبقي حرية التقدير لقائد الجماعة ليوازن بين المصلحة في البقاء والمصلحة في الانصراف. ويترك له الكلمة الأخيرة في هذه المسألة التنظيمية يدبرها بما يراه. ومع هذا يشير إلى أن مغالبة الضرورة، وعدم الإنصراف هو الأولى؛ وأن الاستئذان والذهاب فيهما تقصيرأو قصور يقتضي استغفار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمعتذرين: {واستغفر لهم الله. إن الله غفور رحيم}.. وبذلك يقيد ضمير المؤمن. فلا يستأذن وله مندوحة لقهر العذر الذي يدفع به إلى الاستئذان. ويلتفت إلى ضرورة توقير الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند الاستئذان، وفي كل الأحوال. فلا يدعى باسمه: يا محمد. أو كنيته: يا أبا القاسم. كما يدعو المسلمون بعضهم بعضاً. إنما يدعى بتشريف الله له وتكريمه: يا نبي الله. يا رسول الله: {ولا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً}.. فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى تستشعر توقير كل كلمة منه وكل توجيه. وهي لفتة ضرورية. فلا بد للمربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة، وفرق بين أن يكون هو متواضعاً هيناً ليناً؛ وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم لبعض.. يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم، ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير. ثم يحذر المنافقين الذين يتسللون ويذهبون بدون إذن، يلوذ بعضهم ببعض، ويتدارى بعضهم ببعض. فعين الله عليهم، وإن كانت عين الرسول لا تراهم: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً}.. وهو تعبير يصور حركة التخلي والتسلل بحذر من المجلس؛ ويتمثل فيها الجبن عن المواجهة، وحقارة الحركة والشعور المصاحب لها في النفوس. {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}.. وإنه لتحذير مرهوب، وتهديد رعيب.. فليحذر الذين يخالفون عن أمره، ويتبعون نهجاً غير نهجه، ويتسللون من الصف ابتغاء منفعة أو اتقاء مضرة. ليحذروا أن تصيبهم فتنة تضطرب فيها المقاييس، وتختل فيها الموازين، وينتكث فيها النظام، فيختلط الحق بالباطل، والطيب بالخبيث، وتفسد أمور الجماعة وحياتها؛ فلا يأمن على نفسه أحد، ولا يقف عند حده أحد، ولا يتميز فيها خير من شر.. وهي فترة شقاء للجميع: {أو يصيبهم عذاب أليم} في الدنيا أو في الآخرة. جزاء المخالفة عن أمر الله، ونهجه الذي ارتضاه للحياة. ويختم هذا التحذير، ويختم معه السورة كلها بإشعار القلوب المؤمنة والمنحرفة بأن الله مطلع عليها، رقيب على عملها، عالم بما تنطوي عليه وتخفيه. {ألا إن لله ما في السماوات والأرض. قد يعلم ما أنتم عليه. ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا. والله بكل شيء عليم}. وهكذا تختم السورة بتعليق القلوب والأبصار بالله؛ وتذكيرها بخشيته وتقواه. فهذا هو الضمان الأخير. وهذا هو الحارس لتلك الأوامر والنواهي، وهذه الأخلاق والآداب، التي فرضها الله في هذه السورة وجعلها كلها سواء..

ابن عاشور

تفسير : استئناف انتقالي إلى غرض من أحكام المخالطة والمعاشرة. وهو عود إلى الغرض الذي ابتدئت به السورة وقُطع عند قوله { أية : وموعظة للمتقين } تفسير : [النور: 34] كما تقدم. وقد ذكر في هذه الآية شرع الاستئذان لأتباع العائلة ومن هو شديد الاختلاط إذا أراد دخول بيت، فهو من متممات ما ذكر في قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا } تفسير : [النور: 27] وهو بمفهوم الزمان يقتضي تخصيص عموم قوله: {لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم} الآيات لأن ذلك عام في الأعيان والأوقات فكان قوله: {الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم} إلى قوله: {ومن بعد صلاة العشاء} تشريعاً لاستئذانهم في هذه الأوقات وهو يقتضي عدم استئذانهم في غير تلك الأوقات الثلاثة، فصار المفهوم مخصصاً لعموم النهي في قوله: {لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا}. وأيضاً هذا الأمر مخصص بعموم { أية : ما ملكت أيمانهن } تفسير : [النور: 31] وعموم { أية : الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } تفسير : [النور: 31] من قوله تعالى: { أية : ولا يبدين زينتهن } تفسير : [النور: 31] الخ المتقدم آنفاً. وقد روي أن أسماء بنت مرثد دخل عليها عبد لها كبير في وقت كرهت دخوله فيه فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إنما خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حالة نكرهها. فنزلت الآية، (يعني أنها اشتكت إباحة ذلك لهم). ولو صحت هذه الرواية لكانت هذه الآية نسخاً لعموم {أو ما ملكت أيمانهن} وعموم {أو الطفل} لأنها تقتضي أنه وقع العمل بذلك العموم ثم خصص بهذه الآية. والتخصيص إذا ورد بعد العمل بعموم العام صار نسخاً. والأمر في قوله: {ليستئذنكم} للوجوب عند الجمهور. وقال أبو قلابة: هو ندب. فأما المماليك فلأن في عرف الناس أن لا يتحرجوا من اطلاع المماليك عليهم إذ هم خَول وتَبَع. وقد تقدم ذلك آنفاً عند قوله تعالى: { أية : أو ما ملكت أيمانهن } تفسير : [النور: 31]. وأما الأطفال فلأنهم لا عناية لهم بتطلع أحوال الناس. وتقدم آنفاً عند قوله: { أية : أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } تفسير : [النور: 31]. كانت هذه الأوقات أوقاتاً يتجرد فيها أهل البيت من ثيابهم كما آذن به قوله تعالى: {وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة} فكان من القبيح أن يرى مماليكهم وأطفالهم عوراتهم لأن ذلك منظر يخجل منه المملوك وينطبع في نفس الطفل لأنه لم يعتد رؤيته، ولأنه يجب أن ينشأ الأطفال على ستر العورة حتى يكون ذلك كالسجية فيهم إذا كبروا. ووُجّه الخطاب إلى المؤمنين وجعلت صيغة الأمر موجهة إلى المماليك والصبيان على معنى: لتأمروا الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم أن يستأذنوا عليكم، لأن على أرباب البيوت تأديب أتباعهم، فلا يشكل توجيه الأمر إلى الذين لم يبلغوا الحلم. وقوله: {الذين ملكت أيمانكم} يشمل الذكور والإناث لمالكيهم الذكور والإناث. وأما مسألة النظر وتفصيلها في الكبير والصغير والذكر والأنثى فهي من علائق ستر العورة المفصلة في كتب الفقه. وقد تقدم شيء من ذلك عند قوله تعالى: { أية : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } تفسير : [النور: 31] إلى قوله: { أية : على عورات النساء } تفسير : [النور: 31] فلا ينبغي التصدي بإيراد صورها في هذه الآية. وتعيين الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة لأنها أوقات خلوة الرجال والنساء وأوقات التعري من الثياب، وهي أوقات نوم وكانوا غالباً ينامون مجردين من الثياب اجتزاء بالغطاء، وقد سماها الله تعالى: {عورات}. وما بعد صلاة العشاء هو الليل كله إلى حين الهبوب من النوم قبل الفجر. وانتصب {ثلاث مرات} على أنه مفعول مطلق لـ{يستأذنكم} لأن مرات في قوة استئذانات. وقوله: {من قبل صلاة الفجر} ظرف مستقر في محل نصب على البدل من {ثلاث مرات} بدل مفصل من مجمل. وحرف (من) مزيد للتأكيد. وعطف عليه {وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء}. والظهيرة: وقت الظهر وهو انتصاف النهار. وقوله: {ثلاث عورات} قرأه الجمهور مرفوعاً على أنه خبر مبتدإ محذوف أي هي ثلاث عورات، أي أوقات ثلاث عورات. وحذف المسند إليه هنا مما اتبع فيه الاستعمال في كل إخبار عن شيء تقدم الحديث عنه. و{لكم} متعلق بـ{عورات}. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بالنصب على البدل من {ثلاث مرات}. والعورة في الأصل: الخلل والنقص. وفيه قيل لمن فقدت عينه أعور وعورت عينه، ومنه عورة الحي وهي الجهة غير الحصينة منه بحيث يمكن الدخول منها كالثغر، قال لبيد: شعر : وأجَنَّ عورات الثغور ظلامها تفسير : وقال تعالى: { أية : يقولون إنّ بيوتنا عورة } تفسير : [الأحزاب: 13] ثم أطلقت على ما يكره انكشافه كما هنا وكما سمي ما لا يحب الإنسان كشفه من جسده عورة. وفي قوله: {ثلاث عورات لكم} نص على علة إيجاب الاستئذان فيها. وقوله: {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن} تصريح بمفهوم الظروف في قوله: {من قبل صلاة الفجر} وما عطف عليه، أي بعد تلك الأوقات المحددة. فصلاة الفجر حد معلوم، وحالة وضع الثياب من الظهيرة تحديد بالعرف، وما بعد صلاة العشاء من الحصة التي تسع في العرف تصرفَ الناس في التهيؤ إلى النوم. ولك أن تجعل (بعدَ) بمعنى (دون)، أي في غير تلك الأوقات الثلاثة كقوله تعالى: { أية : فمن يهديه من بعد الله } تفسير : [الجاثية: 23]، وضمير {بعدهن} عائد إلى ثلاث عورات، أي بعد تلك الأوقات. ونفي الجناح عن المخاطبين في قوله: {ليس عليكم} بعد أن كان الكلام على استئذان المماليك والذين لم يبلغوا الحلم إيماء إلى لحن خطاب حاصل من قوله: {ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم} فإن الأمر باستئذان هؤلاء عليهم يقتضي أمر أهل البيت بالاستئذان على الذين ملكت أيمانهم إذا دعاهم داع إلى الدخول عليهم في تلك الأوقات كما يرشد السامعَ إليه قوله: {ثلاث عورات لكم}. وإنما لم يصرح بأمر المخاطبين بأن يستأذنوا على الذين ملكت أيمانهم لندور دخول السادة على عبيدهم أو على غلمانهم إذ الشأن أنهم إذا دعتهم حاجة إليهم أن ينادوهم فأما إذا دعت الحاجة إلى الدخول عليهم فالحكم فيهم سواء. وقد أشار إلى العلة قوله تعالى: {طوافون عليكم بعضكم على بعض}. وقوله: {طوافون عليكم} خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم طوافون، يعود على {الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم}. والكلام استئناف بياني، أي إنما رفع الجناح عليهم وعليكم في الدخول بدون استئذان بعد تلك الأوقات الثلاثة لأنهم طوافون عليكم فلو وجب أن يستأذنوا كان ذلك حرجاً عليهم وعليكم. وفي الكلام اكتفاء. تقديره: وأنتم طوافون عليهم دل عليه قوله: {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن} وقوله عقبه: {بعضكم على بعض}. و{بعضكم على بعض} جملة مستأنفة أيضاً. ويجعل {بعضكم} مبتدأ، ويتعلق قوله: {على بعض} بحبر محذوف تقديره: طواف على بعض. وحذف الخبر وبقي المتعلق به وهو كون خاص حذف لدلالة {طوافون} عليه. والتقدير: بعضكم طواف على بعض. ولا يحسن من جعل {بعضكم على بعض} بدلاً من الواو في {طوافون عليكم} لأنه عائد إلى {الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم} فلا يحسن أن يبدل منه بعض المخاطبين وهم ليسوا من الفريقين إلا بتقدير. وقوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات} أي مثل ذلك البيان الذي طرق أسماعكم يبين الله لكم الآيات، فبيانه بالغ الغاية في الكمال حتى لو أريد تشبيهه لما شبّه إلا بنفسه. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } تفسير : في سورة البقرة (143). والتعريف في {الآيات} تعريف الجنس. والمراد بالآيات القرآن فإن ما يقع فيه إجمال منها يبين بآيات أخرى، فالآيات التي أولها {يا أيها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم} جاءت بياناً لآيات { أية : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم } تفسير : [النور: 27]. وجملة: {والله عليم حكيم} معترضة. والمعنى: يبين الله لكم الآيات بياناً كاملاً وهو عليم حكيم، فبيانه بالغ غاية الكمال لا محالة. ووقع قوله: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم} في موقع التصريح بمفهوم الصفة في قوله: {والذين لم يبلغوا الحلم} ليعلم أن الأطفال إذا بلغوا الحلم تغير حكمهم في الاستئذان إلى حكم استئذان الرجال الذي في قوله: { أية : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم } تفسير : [النور: 27] الآيات، فالمراد بقوله: {الذين من قبلهم} فيما ذكر من الآية السابقة أو الذين كانوا يستأذنون من قبلهم وهم كانوا رجالاً قبل أن يبلغ أولئك الأطفال مبلغ الرجال. وقوله: {كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم} القول فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفاً، وهو تأكيد له بالتكرير لمزيد الاهتمام والامتنان. وإنما أضيفت الآيات هنا لضمير الجلالة تفنناً ولتقوية تأكيد معنى كمال التبيين الحاصل من قوله: {كذلك}. وتأكيد معنى الوصفين «العليم الحكيم». أي هي آيات من لدن مَن هذه صفاته ومَن تلك صفات بيانه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ليسأذنكم: أي ليطلب الاذن منكم في الدخول عليكم. ملكت أيمانكم: من عبيد وإماء. لم يبلغوا الحلم منكم: أي سن التكليف وهو وقت الاحتلام خمسة عشر سنة فما فوق. تضعون ثيابكم: أي وقت القيلولة للإِستراحة والنوم. ثلاث عورات لكم: العورة ما يتسحي من كشفه، وهذه الأوقات الثلاثة ينكشف فيها الإِنسان في فراشه فكانت بذلك ثلاث عورات. بعدهن: أي بعد الأوقات الثلاثة المذكورة. طوافون عليكم: أي للخدمة. بعضكم على بعض: أي بعضكم طائف على بعض. فليستأذنوا: أي في جميع الأوقات لأنهم أصبحوا رجالاً مكلفين. والقواعد من النساء: أي اللاتي قعدن عن الحيض والولادة لكبر سنهن. أن يضعن ثيابهن: كالجلباب والعباءة والقناع والخمار. غير متبرجات بزينة: أي غير مظهرات زينة خفية كقلادة وسوار وخلخال. وأن يستعففن خير لهن: بأن لا يضعن ثيابهن خير لهم من الأخذ بالرخصة. معنى الآيات: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} روي في نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث غلاماً من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب يدعوه له فوجده نائماً في وقت الظهيرة فدق الباب ودخل فاستيقظ عمر فانكشف منه شيء فقال عندها عمر وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا في هذه الساعة إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد أنزلت فخر ساجداً شكراً لله تعالى. فقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} هو نداء لكل المؤمنين في كل عصورهم وديارهم. وقوله {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ} أي علموا أطفالكم وخدمكم الاستئذان عليكم في هذه الأوقات الثلاثة وأمروهم بذلك. وقوله: {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} هي المبينة في قوله: {مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ} وهي ساعات النوم من الليل، {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ} وهي القيلولة، {وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ} وهي بداية نوم الليل. وقوله: {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ} أي هي منطقة انكشاف العورة فيها فاطلق عليها اسم العورة والعورة ما يستحي من كشفه وقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ} أي ولا على الأطفال والخدم {جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} أي بعد المرات الثلاث وقوله: {طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ} أي يدخلون ويخرجون عليكم للخدمة. {بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي بعضكم يدخل على بعض للخدمة فلا غنى عنه فلذا فلا حرج عليكم في غير الأوقات الثلاثة. وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ} أي كهذا التبيين الذي بين لكم حكم الاستئذان يبين الله لكم الآيات المتضمنة للشرائع والأحكام والآداب فله الحمد وله المنة وقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} أي بخلقه وما يحتاجون إليه في إكمالهم وإسعادهم {حَكِيمٌ} فيما يشرع لهم ويفرض عليهم. وقوله تعالى في الآية الثانية [59] {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ} أي إذا بلغ الطفل سن الاحتلام وهو البلوغ واحتلم فعليه أن لا يدخل على غير محارمه إلا بعد الإِستئذان كما يفعل ذلك الرجال من قبله إذ قد أصبح بالبلوغ الذي علامته الإِحتلام أو بلوغ خمس عشرة سنة فأكثر أصبح رجلاً تماماً فعليه أن لا يدخل بيت أحد إلا بعد أن يستأذن هذا معنى قوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} وهم الرجال وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} أي المتضمنة لأحكامه وشرائعه {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بخلقه وما يصلح لهم {حَكِيمٌ} في شرعه وهذه حال توجب طاعته تعالى فيما يأمر به وينهى عنه وقوله تعالى: {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً} أي والتي قعدت عن الحيض والولادة لكبر سنها بحيث أصبحت لا ترجو نكاحاً ولا يرجى منها ذلك فهذه ليس عليها إثم ولا حرج في أن تضع خمارها من فوق رأسها، أو عباءتها من فوق ثيابها التي على جسمها حال كونها غير متبرجة أي مظهرة زينة لها كخضاب اليدين والأساور في المعصمين والخلاخل في الرجلين، أو أحمر الشفتين، وما إلى ذلك مما هو زينة يجب ستره وقوله تعالى: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} أي ومن لازمت خمارها وعجارها ولم تظهر للأجانب كاشفة وجهها ومحاسنها خير هلا حالاً ومآلاً، وحسبها ان يختار الله لها فما اختاره لها لن يكون إلا خيراً في الدنيا والآخرة فعلى المؤمنات أن يخترن ما اختار الله لهن. وقوله: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ} أي سميع لأقوال عباده عليم بأعمالهم وأحوالهم فَليتق فيطاع ولا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب تعليم الآباء والسادة والأطفال والخدم الإِستئذان عليهم في الأوقات الثلاثة المذكورة والمعبر عنها بالعورات. 2- وجوب استئذان الأولاد إذا احتلموا الاستئذان على من يريدون الدخول عليه في بيته لأنهم أصبحوا رجالاً مكلفين. 3- بيان رخصة كشف الوجه لمن بلغت سناً لا تحيض فيها ولا تلد للرجال الأجانب ولو أبقت على سترها واحتجابها لكان خيراً لها كما قال تعالى: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ}.

القطان

تفسير : ما ملكت ايمانكم: العبيد والاماء. الحلم: بضم اللام وسكونها، البلوغ. تضعون ثيابكم: تخلعونها. الظهيرة: وقت اشتداد الحر عند منتصف النهار. العورة من الجسم: كل ما يستحي الانسان ان يظهرهُ من جسمه. ثلاث عورات: ثلاث مرات في الاوقات التي تستريحون فيها. جناح، بضم الجيم: اثم. طوافون عليكم: يطوفون عليكم للخدمة والمخالطة. القواعد من النساء: العجائز الكبار في السن. لا يرجون نكاحا: لا يطمعون بالزواج. التبرج: اظهار المحاسن. في هذه الآيات توجيهٌ للمؤمنين وتربيةٌ وتعليم إلى اللّياقة الاجتماعية في محيط الأسرة، وذلك أن اندماجَ الخدم والصبيان في أسَرهم قد يتجاوز بهم الاحتشامَ في المخالطة فيدخلون على الكبار دون استئذان في هذه الاوقات الثلاثة المذكورة في الآية. ونظراً لأنها أوقات خلوة وحرية شخصية يتحلل الانسان فيها من لباس الحشمة، جاء القرآن الكريم بتشريع الاستئذان في تلك الاوقات بالنسبة لمن ذكرتُهم من الهدم والصبيان حتى لا يطلعوا على ما يعتبر سراً لا يستساغ إطلاعهم عليه، إذ هو كالعورة التي ينبغي سترها. وفي هذا توجيه لأعضاء الأسرة المؤمنة الى اتخاذ الملابس اللائقة لمقابلة بعضهم البعض، حتى تظل كرامتهم مصونة، وحريتهم مكفولة وآدابهم مرعية، فالقرآن الكريم جاء ليعلّمنا ويوجهنا الى الخير وفضائل الاخلاق وحسن المعاشرة. وكان الخدم والصبيان والعبيد قبل هذا يدخلون على بعضهم دون استئذان. وهناك روايات عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأسماء بنت مرثد وغيرهما ان بعض الخدم دخل عليهم في بعض هذه الاوقات فتأذوا من ذلك فنزلت هذه الآيات، وهناك احاديث كثيرة في هذا الموضع. بيّن الله تعالى في هذه الآيات ان على الاطفال والخدم ان يستأذنوا للدخول على الكبار في ثلاثة اوقات من اليوم هي: قبل الفجر، وعند الاستراحة وقت الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء. وفيما عدا ذلك يمكن ان يدخلوا دون اذن. أما اذا بلغ الاطفال سن البلوغ فعليهم ان يستأذنوا كما يفعل الكبار على كل حال. واما النساء الكبار في السن اللاتي لا مطمع لهن في الزواج، فلا جناح عليهن اذا تحللن من بعض الملابس في بيوتهن، واذا تعففن باللباس الساتر فانه خير لهن، والله سميع بما يجري بين الناس، عليم بمقاصدهم لا تخفى عليه خافية. قراءات: قرأ الجمهور: ثَلاثُ عورات بضم الثاء، وقرأ ابو بكر وحمزة والكسائي: ثَلاثَ عورات بفتح الثاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {ءَامَنُواْ} {لِيَسْتَأْذِنكُمُ} {أَيْمَـٰنُكُمْ} {ثَلاَثَ} {مَرَّاتٍ} {صَلَوٰةِ} {ثَلاَثُ} {عَوْرَاتٍ} {طَوَٰفُونَ} {ٱلاٌّيَـٰتِ} (58) - هَذِهِ الآيَةُ تَشْمَلُ آدَابَ الاسْتِئْذَانِ بَيْنَ الأَقَارِبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم والمُؤْمِنِينَ، بِأَنْ يَسْتَأْذِنَهُمْ خَدَمُهُمْ (الذين مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وَأَطْفَالُهُم الذينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ فِي ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ. - قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ إِذْ يَكُونُ النَّاسُ نِيَاماً فِي فُرشِهِمْ. - وَوَقْتَ القَيْلُولَةِ بَعْدَ الظَّهِيرَةِ، لأَِنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَضَعُ ثِيَابَهُ وَيَكُونَ فِي تِلْكَ الحَالِ مَعْ أَهْلِهِ. - وَوَقْتَ النَّوْمِ (بَعْدَ صَلاَةِ العِشَاءِ). فَيُؤْمَرُ الخَدَمُ والأَطْفَالُ بِأَلاَّ يَهْجُمُوا عَلَى أَهْلِ البَيْتِ فِي هَذِهِ الأَحْوَالِ. وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ هَذِهِ الأَوْقَاتِ هِيَ عَوْرَاتٌ للنَّاسِ. أَمَّا فِي غَيْرِ هَذِهِ الأَوْقَاتِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمْ إِذَا دَخَلُوا لأَِنَّهُمْ فِي خِدْمَةِ البَيْتِ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى إِنَّهُ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ آيَاتِهِ وَأَحْكَامَهُ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِمَا فِيهِ المَصْلَحَةُ، حَكِيمٌ فِيمَا يَشْرَعُ. جُنَاحٌ - حَرَجٌ فِي الدُّخُولِ بِلاَ اسْتِئْذَانٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تُعلِّمنا هذه الآية آداب الاستئذان داخل الأسرة المكوَّنة من الأبويْن والأبناء، ثم الأتباع مثل الخدم وغيرهم، والحق - تبارك وتعالى - يريد أن يُنشِّىءَ هذه الأسرة على أفضل ما يكون، ويخصّ بالنداء هنا الذين آمنوا، يعني: يا من آمنتم بي رباً حكيماً مُشرِّعاً لكم حريصاً على مصلحتكم استمعوا إلى هذا الأدب: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ..} [النور: 58]. معلوم أن طلب المتكلم من المخاطب يأتي على صورتين: فعل الأمر وفعل المضارع المقترن بلام الأمر، فقوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ..} [النور: 58] يعني: عَلِّموا هؤلاء أن يستأذنوا عليكم، مثل: {أية : وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً ..}تفسير : [النور: 33] يعني: استعفوا، لأن اللام هنا لام الأمر، ومثل: {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ..}تفسير : [الطلاق: 7]. وهذا الأدب تكليف من الله تعالى يُكلِّف به كل مؤمن داخل الأسرة، وإنْ كان الأمر هنا لغير المأمور، فالمأمور بالاستئذان هم مِلْك اليمين والأطفال الصغار، فأمر الله الكبارَ أن يُعلِّموا الصغار، كما ورد في الحديث الشريف: "حديث : مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ". تفسير : فلم يُكلِّف بهذا الصغار إنما كُلِّف الكبار؛ لأن الأطفال لم يبلغوا بَعْد مبلغ التكليف من ربهم، إنما بلغوا مبلغ التكليف عندكم أنتم، لذلك أنت الذي تأمر وأنت الذي تتابع وتعاقب. وأْمُرْ الصغير بالصلاة أو بالاستئذان لِتُربي فيه الدربة والتعود على أمر قد يشقُّ عليه حال كِبَره، إنما إنْ عوَّدته عليها الآن فإنها تسهل عليهم عند سِنِّ التكليف، وتتحول العادة في حقه إلى عبادة يسير عليها. وشرع الله لنا آداب الاستئذان؛ لأن للإنسان ظاهراً يراه الناس جميعاً ويكثر ظاهره للخاصة من أهله في أمور لا يُظهرها على الآخرين، إذن: فَرُقْعة الأهل والملاصقين لك أوسع، وهناك ضوابط اجتماعية للمجتمع العام، وضوابط اجتماعية للمجتمع الخاص وهو الأسرة، وحرية المرء في أسرته أوسع من حريته في المجتمع العام، فإنْ كان في حجرته الخاصة كانت حريته أوسعَ من حريته مع الأسرة. فلا بُدَّ إذن من ضوابط تحمي هذه الخصوصيات، وتُنظِّم علاقات الأفراد في الأسرة الواحدة، كما سبقت ضوابط تُنظِّم علاقات الأفراد خارج الأسرة. ومعنى: {ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ..} [النور: 58] هم العبيد الذين يقومون على خدمة بعض الناس وليس الأجير لأن الأجير حر يستطيع أن يتركك في أي وقت، أمَّا العبد فليس كذلك؛ لأنه مملوك الرقبة لا حريةَ له، فالمملوكية راجحة في هؤلاء، وللسيد السيطرة والمهابة فلا يستطيع أن يُفْلت منه. {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ..} [النور: 58] هم الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا مبْلَغ التكليف، ويقضون المصالح؛ فتراهم في البيت يدخلون ويخرجون دون ضابط، فهل نتركهم هكذا يطَّلِعون على خصوصياتنا؟ وللخدم في البيت طبيعة تقتضي أن يدخلوا علينا ويخرجوا، وكذلك الصغار، إلا في أوقات ثلاثة لا يُسْمح لهم فيها بالدخول إلا بعد الاستئذان: {مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ ..} [النور: 58] لأنه وقت متصل بالنوم، والإنسان في النوم يكون حُرَّ الحركة واللباس {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ ..} [النور: 58] وهو وقت القيلولة، وهي وقت راحة يتخفّف فيها المرء من ملابسه {وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ..} [النور: 58] وبعد العشاء النوم. هذه أوقات ثلاثة، لا ينبغي لأحد أن يدخل عليك فيها إلا بإذنك. وانظر إلى هذا التحفّظ الذي يوفره لك ربك - عز وجل - حتى لا تُقيِّد حريتك في أمورك الشخصية ومسائلك الخاصة، وكأن هذه الأوقات مِلْكٌ لك أيها المؤمن تأخذ فيها راحتك وتتمتع بخصوصياتك، والاستئذان يعطيك الفرصة لتتهيأ لمقابلة المستأذن. أما في بقية الأوقات فالكل يستأذن عليك حتى الزوجة. وسبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد سيدنا عمر في أمر من الأمور، فأرسل إليه غلاماً من الأنصار، فلما ذهب الغلام دفع الباب ونادى: يا عمر. فلم يرد؛ لأنه كان نائماً، فخرج الغلام وجلس في الخارج ودَقَّ الباب فلم يستيقظ عمر، فماذا يفعل الغلام؟ رفع الغلام يديه إلى السماء وقال: يا رب أيقظه. ثم دفع الباب ودخل عليه، وكان عمر نائماً على وضع لا يصح أن يراه عليه أحد، واستيقظ عمر ولحظ أن الغلام قد رآه على هذا الوضع، فلما ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله نريد أن يستأذن علينا أبناؤنا ونساؤنا وموالينا وخدمنا، فقد حدث من الغلام كيت وكيت، فنزلت هذه الآية. ويُسمِّي الله تعالى هذه الأوقات الثلاثة عورة: {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ..} [النور: 58] والعورة: هي ما يحب الإنسان ألاّ يراها أحد، أو يراه عليها؛ لأنها نوع من الخلل والخصوصية، والله لا يريد أنْ يراك أحد على شيء تكرهه. لذلك يقولون لمن به خَلَل في عينه مثلاً: أعور، والعرب تقول للكلمة القبيحة: عوراء، كما قال الشاعر: شعر : وعَوْراء جاءتْ من أخٍ فردَدْتُها بِسالمةِ العَيْنيْنِ طَالِبةً عُذْراً تفسير : يعني: كلمة قبيحة لم أردّ عليها بمثلها، إنما بسالمة لا عين واحدة، بل بسالمة العينين الاثنين. ثم يقول سبحانه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ..} [النور: 58] يعني: بعد هذه الأوقات: لا إثمَ ولا حرجَ عليكم، ولا على المماليك، أو الصغار أنْ يدخلوا عليكم، ففي غير هذه الأوقات يجلس المرء مُسْتعداً لممارسة حياته العادية، ولا مانع لديه من استقبال الخَدَم أو الأَطفال الصغار دون استئذان؛ لأن طبيعة المعيشة في البيوت لا تستغني عن دخول هؤلاء وخروجهم باستمرار. لذلك قال تعالى بعدها: {طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} [النور: 58] يعني: حركتهم في البيت دائمة، دخولاً وخروجاً، فكيف نُقيِّدها في غير هذه الأوقات؟ {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ ..} [النور: 58] أي: بياناً واضحاً، حتى لا يحدث في المجتمع تناقضات فيما بعد {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ..} [النور: 58] بكل ما يُصلح الخلافة في الأرض {حَكِيمٌ} [النور: 58] في تشريعاته وأوامره، لا يضع الحكم إلا بحكمة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ ...}.

الصابوني

تفسير : [8] الاستئذان في أوقات الخلوة التحليل اللفظي {لِيَسْتَأْذِنكُمُ}: اللام لام الأمر، واستأذن طلب الإذن، لأن السين والتاء للطلب مثل استنصر طلب النُصرة، واستغفر طلب المغفرة، والاستئذان المذكور في الآية يراد منه الإعلام بالحضور، والسماح للمستأذن بالدخول. والمعنى: ليستأذنْكم في الدخول عليكم عبيدكم وإماؤكم، والصغار من الأطفال. {ٱلْحُلُمَ}: بضم اللام الاحتلام ومعناه: الرؤيا في النوم، والحلْم بكسر الحاء الأناة والعقل، تقول: حلُم الرجل بالضم إذا صار حليماً. وفي "القاموس": الحُلْم بالضم وبضمتين الرؤيا جمعه أحلام، وحلم به رأى له رؤيا أو رآه في النوم، والحُلْم بالضم والاحتلام: الجماع في النوم والاسم منه الحُلُم كعنق. وقال الراغب: الحلم زمان البلوغ سمي الحلم لكون صاحبه جديراً بالحِلم أي الأناة وضبط النفس عن هيجان الغضب. والصحيح أن الحلم هنا بمعنى (الجماع في النوم) وهو الاحتلام المعروف، وأن الكلام (كناية) عن البلوغ والإدراك، يقال: بلغ الصبي الحلم أي أصبح في سن البلوغ والتكليف. {عَوْرَٰتٍ}: جمع عورة ومعناها الخلل وفي "الصحاح": أعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب: وأعور المكان إذا اختل حاله وبدا فيه خلل يخاف منه العدو، ومنه قوله تعالى: {أية : يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 13] والأعور المختل العين فسمى الله تعالى كل واحدة من تلك الأحوال عورة لأن الناس يختل حفظهم وتسترهم فيها. وعورة الإنسان (سوأته) سميت عورة لأنها من العار وذلك لما يلحق في ظهورها من المذمة والعار. قال القرطبي: وعورات جمع عورة وبابه في التصحيح أن يجيء على فعَلات (بفتح العين) كجَفنة وَجَفَنات ونحو ذلك وسكنوا العين في المعتل كبيضة وبيضات لأن فتحة داع إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك. {ٱلْعِشَآءِ}: المراد بها العشاء الأخيرة والعرب تسميها العَتَمة وفي حديث مسلم "حديث : لا تغلبنّكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يُعْتمون بالإبل"تفسير : والمغرب تسمى العشاء الأولى وفي الحديث: فصلاها (يعني العصر) بين العشاءين المغرب والعشاء. قال القرطبي: فالله سماها صلاة العشاء فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن تسمى بما سماها الله تعالى به فكأنه نَهْيُ إرشاد إلى ما هو الأولى وليس له جهة التحريم والعرب كانوا يسمونها العتمة وهي الحلبة التي كانوا يحْلِبونها في ذلك الوقت ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم فإنها تعتِم بحلاب الإبل. أقول: قد ورد تسميتها في الكتاب والسنة (بالعشاء) فالأفضل الاقتصار على ذلك ففي الحديث الصحيح "حديث : من صلى العشاء في جماعة فكأنه قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله"تفسير : . كما اشتهر في الشعر تسميتها بالعشاء قال حسان: شعر : فدع هذا ولكن مَن لِطَيْف يؤرقني إذا ذهب العشاء تفسير : {طَوَٰفُونَ}: جمع طوّاف بالتشديد وهو الذي يدور على أهل البيت للخدمة، والطوافُ في الأصل الدوران ومنه الطواف حول الكعبة، ووصف هؤلاء الخدم بالطواف لأنهم يذهبون في خدمة السادة ويرجعون ومنه الحديث في الهرة "حديث : إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات" تفسير : والمراد في الآية أنهم خدمكم يدخلون ويخرجون عليكم للخدمة فلا حرج عليكم ولا عليهم في الدخول بغير استئذان في غير هذه الأوقات. {وَٱلْقَوَٰعِدُ}: جمع قاعد بغير هاء، لأنه مختص بالنساء كحائض وطامث. قال القرطبي: وحذفها يدل على أنه (قعودُ الكِبَر) كما قالوا امرأة حامل ليدل على أنه حَمل الحَبل، قال الشاعر: شعر : فلو أنّ ما في بطنه بين نسوة حبِلنَ وإنْ كنّ القواعدَ عُقّراً تفسير : وقالوا: في غير ذلك قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها. قال في القاموس: إنها التي قعدت عن الولد وعن الحيض وعن الزوج. والمراد بهن في الآية: العجائز اللواتي لم يبق لهن مطمع في الأزواج لكبرهن، ولا يرغب فيهن الرجال لعجزهن، فأما من كانت فيها بقية من جمال وهي محل للشهوة فلا تدخل في حكم هذه الآية. {غَيْرَ مُتَبَرِّجَٰتٍ}: أصل التبرج: التكلف في إظهار ما يخفى من الأشياء ومادة (تبرّج) تدل على الظهور والانكشاف، ومنه بروج مشيدة وبروج السماء، والمراد بالتبرج في الآية: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال قال تعالى: {أية : وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الأحزاب: 33]. قال الزمخشري: فإن قلت: ما حقيقة التبرج؟ قلت: تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قولهم: سفينة بارج أي لا غطاء عليها، والبَرَج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها كله، لا يغيب منه شيء إلا أنه اختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها. المعنى الإجمالي يقول جل ثناؤه ما معناه: يا أيها المؤمنون الذين صدقوا بالله ورسوله وأيقنوا بشريعة الله نظاماً، ودستوراً، ومنهاجاً، ليستأذنْكم في الدخول عليكم هؤلاء العبيد والإماء الذين تملكونهم بملك اليمين، والأطفال الذين لم يبلغوا مبلغ الرجال من الأحرار فلا يدخلوا عليكم في هذه الأوقات الثلاثة (وقت الفجر) و(قت الظهر) و(وقت العشاء) إلا بإذن منكم لأن هذه الأوقات أوقات خلودكم إلى النوم والراحة، وهي أوقات يختل فيها تستركم، والتكشف فيها غالب، فعلّموا عبيدكم وخدمكم وصبيانكم ألاّ يدخلوا عليكم في مثل هذه الأوقات إلا بعد الاستئذان، وأما في غير هذه الأوقات فلا إثم ولا حرج عليكم ولا عليهم في الدخول بغير إذن، لأنهم يقومون على خدمتكم والله لا يكلفكم ما فيه حرج أو ضيق عليكم، لأن تشريعه من أجل صالحكم وهو جل وعلا العليم الحكيم. وأما إذا بلغ هؤلاء الأطفال مبلغ الرجال فعلموهم الأدب السَّامي ألاّ يدخلوا عليكم إلا بعد الاستئذان كما أُمر الكبارُ من قبل، وذلك هو أدب الإسلام الذي ينبغي أن يتمسك به المؤمنون، وأما النساء العجائز اللاتي لا يرغبن في الزواج ولا يطمع فيهن الرجال لكبرهن وقد انعدمت فيهن دوافع الشهوة والفتنة والإغراء، فلا حرج ولا جناح عليهن أن يضعن بعض ثيابهن كالرداء والجلباب ويظهَرْنَ أمام الرجال بملابسهنَّ المعتادة التي لا تلفت انتباهاً، ولا تثير شهوة. وإذا بالغن في التستر والتعفف ولبسن الجلباب الذي تلبسه الشابات من النساء فذلك خير لهن وأكرم، وأزكى عند الله وأطهر، والله يعلم خفايا النفوس، ومجازٍ كلّ إنسانٍ على ما قدَّم فاتقوه واجتنبوا سخطه وعقابه. سبب النزول أولاً: روي أن أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها غلام كبير لها في وقت كرهت دخوله فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ...} الآية. وروي عن مقاتل بن حيّان أنه قال: بلغنا أن رجلاً من الأنصار وامرأته (أسماء بنت أبي مرثد) صنعا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً، فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا؟ إنه ليدخل على المرأة وزوجها غلامهما وهما في ثوب واحد بغير إذن، فأنزل الله في ذلك هذه الآية يعني بها العبيد والإماء. ثانياً: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاماً من الأنصار يقال له (مُدْلج) إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فوجده نائماً، قد أغلق عليه الباب فدقّ عليه الغلام الباب فناداه ودخل فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء، فقال عمر (وددت أنّ اللَّهَ نهى أبناءنا ونساءنا، وخدمنا عن الدخول في هذه الساعات إلاّ بإذن) ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد أنزلت فخرّ ساجداً شكراً لله تعالى. قال الألوسي: وهذا أحد موافقات رأيه الصائب رضي الله تعالى عنه للوحي. ثالثاً: وروى ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات، فيغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة فأمرهم الله تعالى أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن فذلك قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ...} الآية. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قوله تعالى: {مِنكُمْ} يدل على أن المراد به الأطفال من الأحرار، لأن الله سبحانه قد ذكر العبيد والإماء بقوله: {مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} ثم عقّب ذلك بقوله (منكم) فدلت هذه المقابلة على أن المراد به الصغار من الأحرار. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {ثَلَٰثَ مَرَّٰتٍ} ليس المقصود الاستئذان ثلاث مرات، وإنما المراد به في (ثلاثة أوقات) بدليل ذكره تعالى الأوقات بعدها (الظهيرة، والعشاء، والفجر) وهي أوقات الراحة والنوم. قال أبو السعود: والتعبير عن (الأوقات) بالمرات للإيذان بأنّ مدار وجوب الاستئذان مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا أنفسها. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ} صرّح تعالى في هذا الوقت بخلع الثياب وهو وقت القيلولة وعبّر بقوله: (حين) للإشارة بقلة زمانها ولم يذكر وضع الثياب في الوقتين الآخرين (العشاء) و(الفجر) وفي ذلك إشارة إلى أن أمرهما ظاهر بيّن لا يحتاج إلى تصريح، فإذا كان وقت الظهيرة لا يحل الدخول فيه إلا بعد الاستئذان فوقت العشاء والفجر من باب أولى، لأنهما وقت الخلود إلى الراحة والنوم، والتكشفُ فيهما غالب. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {ثَلَٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ} إطلاق (العورات) على الأوقات الثلاثة التي يكثر فيها التكشف (للمبالغة) حتى كأن هذه الأوقات هي نفسها عورات، والجملة مسوقة لبيان علة (وجوب الاستئذان) فكأن الله تعالى يقول هذه هي أوقات ظهور العورات فلا تدخلوا إلا بعد الاستئذان وفي التعبير من المبالغة ما فيه. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {وَٱلْقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} المراد بها العجائز كما أسلفنا قال ابن قتيبة: سميت العجائز قواعد لأنهن يكثرن من القعود في البيت لكبر سنهن قال الشاعر: شعر : أُطوِّفُ ما أطوّفُ ثم آوي إلى بيت قعيدته لَكَاع تفسير : وقال ابن ربيعة: سميت العجائز قواعد لقعودهن عن الاستمتاع حيث أيسن ولم يبق لهن طمع في الأزواج، ويدل عليه قوله تعالى: {ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً}. اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} ليس المقصود بذلك أن يضعن جميع ثيابهن وإنما المراد بعضها كالجلباب والرداء وهي الثياب الظاهرة التي لا يفضي وضعها لكشف العورة، فهو من باب (إطلاق الكل وإرادة الجزء) ويسميه علماء البلاغة (المجاز المرسل). اللطيفة السابعة: قوله تعالى: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} قال بعض العلماء: (إذا كان استعفاف العجائز عن وضع الثياب خيراً لهن فما ظنك بذوات الزينة من الشواب؟ وأبلغ من هذا أن التستر والتحفظ إذا كان مطلوباً من القواعد فكيف بالكواعب)؟! والمرأة ولو كانت عجوزاً لا تشتهي فإنّ بعض النفوس قد تميل إليها وتشتهيها ولهذا ينبغي لها الاستعفاف. وفي الأمثال (لكل ساقطة لاقطة) وقد قال الشاعر في هذا المعنى: شعر : لكل ساقطةٍ في الحي لاقطة وكلّ كاسدةٍ يوماً لها سوق تفسير : الأحكام الشرعية الحكم الأول: من المخاطب في الآية الكريمة؟ ظاهر قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أنه خطاب للرجال، وقد قال المفسرون: إنّ الآية نزلت في (أسماء بنت أبي مرثد) فيكون المراد فيها (الرجال والنساء) لأن التذكير يغلب التأنيث. ودخولُ سبب النزول في الحكم قطعي كما هو الراجح في الأصول فيكون الخطاب للرجال والنساء بطريق (التغليب). وقال الفخر الرازي: والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي وذلك لأن النساء في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال، فهذا الحكم لمَّا ثبت في الرجال فثبوتُه في النساء بطريق الأولى، كما أنَّا نثبت حرمة الضرب بالقياس الجلي على حرمة التأفيف. وقال أبو السعود: والخطاب إما للرجال خاصة، والنساءُ داخلات في الحكم بدلالة النص أو (للفريقين) جميعاً بطريق التغليب. أقول: اختار بعض المفسرين رأياً آخر خلاصته: أن قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} ليس خطاباً للذكور بطريق التغليب وإنما هو خطاب لكل من اتصف بالإيمان رجلاً كان أو امرأة فيدخل فيه (الرجال والنساء) معاً ويكون المعنى يا من اتصفتم بالإيمان وصدقتم الله ورسوله ليستأذنْكم في الدخول عليكم عبيدكم وإماؤكم.. إلخ، ولعل هذا الرأي أوجه فكل نداء بالإيمان يراد منه الوصف فيشمل الذكور والإناث والله أعلم. الحكم الثاني: ما المراد بقوله: {مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} في الآية الكريمة؟ المراد به (العبيد والإماء) وظاهر قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} أن الحكم خاص بالذكور، سواء أكانوا كباراً أم صغاراً، وبهذا الظاهر قال ابن عمر ومجاهد. والجمهور على أنه عام في (الذكور والإناث) من الأرقاء الكبار منهم والصغار وهو الصحيح الذي اختاره الطبري وجمهور المفسرين. فكما أن الأطفال الصغار لا يحسن دخولهم بدون استئذان على الكبار في أوقات الخلوة، فكذلك لا يحسن دخول الخادم الأنثى، لأن هذه الأوقات أوقات تكشُّف في الغالب، والإنسان كما يكره اطلاع الذكور على أحواله فقد يكره اطلاع النساء عليها كذلك. قال ابن جرير الطبري: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال عني به (الذكور والإناث) لأن الله عمّ بقوله {ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} جميع أملاكِ أيماننا ولم يخصص منهم ذكراً ولا أنثى فذلك على جميع من عمّه ظاهر التنزيل. الحكم الثالث: كيف يخاطب الصغار ولا تكليف قبل البلوغ؟ الخطاب وإن كان ظاهره للصغار الذين لم يبلغوا الحلم، إلا أنَّ المراد به الكبار، فقد أمر الله الرجال أن يعلِّموا مماليكهم وخدمهم وصبيانهم، ألاّ يدخلوا عليهم إلا بعد الاستئذان، فهو في (الظاهر) متوجه للصغار وفي (الحقيقة) للمكلفين الكبار، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر" تفسير : وكقولك: للرجل: لِيَخَفْك أهلُكَ وولَدُك، فظاهر الأمر لهم وحقيقةُ الأمر له بفعل ما يخافون عنده. الحكم الرابع: هل الاستئذان على سبيل الوجوب أو الندب؟ ظاهر الأمر في قوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ} أنه للوجوب وبهذا الظاهر قال بعض العلماء. والجمهورُ على أنه أمر (استحباب وندب) وأنه من باب (التعليم والإرشاد) إلى محاسن الآداب. فالبالغُ يستأذنُ في كلّ وقت، والطفل والمملوك يستأذنان في العورات الثلاث. وقد رُويَ عن ابن عباس أنه قال: (آيةٌ لا يؤمنُ بها أكثر الناس: آية الإذن، وإني لآمر جاريتي أن تستأذن علي) وأشار إلى جارية عنده صغيرة. والآية محكمة لم ينسخها شيء على رأي الجمهور، وزعم بعضهم أنها منسوخة لأن عمل الصحابة والتابعين في الصدر الأول كان جارياً على خلافه. وقال آخرون: إنما كان هذا في العصر الأول لأنه لم تكن لهم أبواب تغلق ولا ستور تُرْخى واستدلوا بما رواه عكرمة (أن نفراً من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس: كيف ترى هذه الآية التي أُمِرْنا فيها بما أُمِرْنا، ولا يعمل بها أحد؟ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ...}. قال ابن عباس: إنّ الله حليم رحيم بالمؤمنين، يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم سترٌ ولا حجاب، فربما دخل الخادم، أو الولد، أو يتيمة الرجل، والرجلُ على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير فلم أر أحداً يعمل بذك بعد).. والصحيح أن الآية ليست بمنسوخة كما قال القرطبي: وكلامُ ابن عباس لا يدل على النسخ، فالأمر بالاستئذان عنده كان متعلقاً بسبب فلما زال السبب زال الحكم. وهذا يدل على أنه لم ير الآية منسوخة، وأنَّ مثل ذلك السبب لو عاد لعاد الحكم وهذا ليس بنسخ. الحكم الخامس: ما هو سن البلوغ الذي يلزم به التكليف؟ أشارت الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَٰلُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ} إلى أن الطفل يصبح مكلفاً بمجرد الاحتلام وقد اتفق الفقهاء على أن الصبيّ إذا احتلم فقد بلغ وكذلك الجارية (الفتاة) إذا احتلمت أو حاضت أو حَمَلت فقد بلغت. فالاحتلام علامة واضحة على بلوغ الصبي أو الجارية سن التكليف وهذا بإجماع الفقهاء لم يختلف فيه أحد.. ولكنهم اختلفوا في تقدير السن التي يصبح بها الإنسان مكلفاً على رأيين: 1 - مذهب الحنفية في المشهور: إلى أن الطفل لا يكون بالغاً حتى يتم له ثماني عشرة سنة ودليله قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} تفسير : [الأنعام: 152] وأشدُّ الصبي كما روي عن ابن عباس: أنه ثماني عشرة سنة، وأما الإناث فنشوءهن وإدراكهن يكون أسرع فنقص في حقهن سنة فيكون بلوغهن سبع عشرة سنة. 2 - مذهب الشافعية والحنابلة (الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد) إلى أنه إذا بلغ الغلام والجارية خمس عشرة سنة فقد بلغا وهو رواية عن أبي حنيفة أيضاً. واستدلوا بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما (أنه عُرِض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحدٍ وله أربع عشرة سنة فلم يُجِزْه، وعُرِض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه). وقالوا: إنّ العادة جارية ألاّ يتأخر البلوغ في (الغلام والجارية) عن خمس عشرة سنة فيكون هو سن البلوغ الذي يصبح به الإنسان مكلفاً وذلك بحكم العادة. قال الجصاص في تفسيره "أحكام القرآن": قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ} يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم قبل ذلك، لأن الله تعالى لم يفرّق بين من بلغها وبين من قصّر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة "حديث : رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم" تفسير : ولم يفرّق بين من بلغ خمس عشرة وبين من لم يبلغها. وأما حديث ابن عمر: أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد.. إلخ فإنه مضطرب لأن الخندق كان في سنة خمس، وأُحد في سنة ثلاث، فكيف يكون بينهما سنة؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تَعلُّق لها بالبلوغ لأنه قد يُرَدّ البالغ لضعفه، ويجاز غير البالغ لقوته على القتال. وطاقته لحمل السلاح كما أجاز (رافع بن خديج) وردّ (سمرة بن جندب) ويدل عليه أنه لم يسأله عن الاحتلام ولا عن السن. وقد تكلم بكلام كثير انتصر فيه لمذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله. الترجيح: والصحيح هو قول الجمهور لما علمنا أن مثل هذا إنما يثبت بحكم العادة، وقد جرت العادة في الأغلب على الاحتلام في مثل هذا السن، فيكون هو سن البلوغ المعتبر في التكليف. وقد نص فقهاء الحنفية على أن الفتوى بقول (الصاحبين) وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أيضاً فيكون هو المعتبر، وكفى الله المؤمنين القتال. الحكم السادس: هل يعتبر الإنباتُ دليلاً على البلوغ؟ الراجح من أقوال الفقهاء أن البلوغ لا يكون إلا بالاحتلام أو بالسن وهي سن الخامس عشرة كما مر معنا، وقد روي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه اعتبر الإنبات دليلاً على البلوغ، واستدل بما روي عن (عطية القرظي) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت، قال: فنظروا إليّ فلم أكن قد أنبتُّ فاستبقاني. وما روي أيضاً أن عثمان رضي الله عنه سئل عن غلام فقال: هل أخضرّ عذاره؟ وهذا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة. وبقية الفقهاء لا يعتبرون الإنبات دليلاً على البلوغ حتى قال الجصاص إن حديث (عطية القرظي) لا يجوز إثبات الشرع بمثله لوجوه: أحدها: أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر ولا سيما مع اعتراضه على الآية والخبرِ في نفي البلوغ إلاَّ بالاحتلام. وثانيها: أنه مختلف الألفاظ ففي بعض الروايات أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى، وفي بعضها من اخضرّ عذاره، ومعلومٌ أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدّم بلوغه. وثالثها: أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر للقتل لذلك لا للبلوغ. والصحيح أن الإمام الشافعي رحمه الله جعل الإنبات دليلاً على البلوغ في حق أطفال الكفار لإجراء أحكام الأسر، والجزية، والمعاهدة، وغيرها من الأحكام لا أنه جعله دليلاً على البلوغ مطلقاً، كما نبّه على ذلك بعض العلماء. قال الألوسي: ومن الغريب ما روي عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله (خمسة أشبار) وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتصّ له، ويقتصّ منه. وعن أنس رضي الله عنه قال: أُتي أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلّى عنه وبهذا المذهب أخذ الفرزدق في قوله: شعر : ما زال مذ عقدت يداه إزاره وسما فأدرك خمسة الأشبار تفسير : وأكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلاً، وفوق البلوغ ويكون قصيراً، فلا عبرة بذلك، ولعلّ الأخبار السابقة لا تصح، وما نقل عن الفرزدق لا يتعيَّن إرادة البلوغ فيه فمن الناس من قال إنه أراد بخمسة أشبار (القبر) كما قال الآخر: شعر : عجباً لأربع أذرع في خمسة في جوفه جبل أشم كبير تفسير : الحكم السابع: هل يؤمر الطفل بفعل الفرائض والطاعات؟ استدل بعض الفقهاء من قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ} على أن من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح - وإن لم يكن من أهل التكليف - على وجه التعليم، فإن الله أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، وقال عليه السلام "حديث : مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ". تفسير : وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "حديث : نعلِّم الصبي إذا عرف يمينه من شماله ". تفسير : وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "حديث : إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم ". تفسير : قال أبو بكر الرازي: إنما يؤمر بذلك على وجه (التعليم والتأديب) ليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفوراً منه. وكذلك يجنّب شرب الخمر، ولحم الخنزير، ويُنْهى عن سائر المحظورات، لأنه لو لم يمنع في الصغر، لصعب عليه الامتناع في الكبر، وقد قال الله تعالى: {أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} تفسير : [التحريم: 6] قيل في التفسير أي أدبوهم وعلموهم. الحكم الثامن: ما المراد من وضع الثياب في الآية الكريمة؟ دلت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَٰتٍ بِزِينَةٍ} على أن المرأة العجوز التي لا تُشْتهى والتي لا يُرغب فيها في العادة أنه لا إثم عليها في وضع الثياب أمام الأجانب من الرجال، بشرط عدم التبرج وإظهار الزينة، وليس المراد أن تخلع المرأة كل ما عليها من الثياب حتى تتعرى فإن ذلك لا يجوز للعجوز ولو كان أمام محارمها فكيف بالأجانب؟ ولذلك فقد اتفق الفقهاء والمفسرون على أن المراد بالثياب في هذه الآية (الجلباب) التي أُمِرت المسلمةُ أن تخفي به زينتها في قوله تعالى في سورة الأحزاب [59] {أية : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ}تفسير : وهذا الإذن في وضع الجلابيب والخُمُر ليس إلا لأولئك النسوة العجائز اللاتي لم يعدن يرغبن في التزين، وانعدمت فيهن الغرائز الجنسية، غير أنه إذا كان لا يزال في هذه النار قبس يتقد، ويكاد يميل بالمرأة إلى إظهار زينتها فلا يصح لها أن تضع جلبابها. قال القرطبي: ومن التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفانها فقد روي في "الصحيح" عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صنفان من أهل النار لم أرهما.. وذكر: ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسْنِمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا.. وفي رواية: من مسيرة خمسمائة عام . تفسير : قال ابن العربي: وإنما جعلهن كاسيات لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن بأنهن عاريات لأن الثوب إذا رقَّ يصفهن ويبدي محاسنهن وذلك حرام. قلت: هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى، والثاني: أنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله فيه: {أية : وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} تفسير : [الأعراف: 26] وأنشدوا: شعر : إذا المرءُ لم يلبس ثياباً من التُّقى تقلّب عُرياناً وإن كان كاسيا وخيرُ لباسِ المرءِ طاعةُ ربه ولا خيرَ فيمن كان لله عاصيا تفسير : ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: ضرورة استئذان الخدم من العبيد، والإماء في أوقات الخلوات. ثانياً: تعليم الأطفال الآداب الإسلامية منها (الاستئذان عند الدخول) في الأوقات الثلاثة. ثالثاً: لا يطلب من الخادم أن يستأذن في كل وقت لضرورة قيامه بالخدمة لسيده. رابعاً: إذا بلغ الطفل سن (المراهقة) فعليه أن يستأذن قبل الدخول في جميع الأوقات. خامساً: لا يجوز للمسلمة أن تنكشف أمام الخدم من الغلمان إذا بلغوا مبلغ الرجال. سادساً: النساء العجائز لا يجب عليهن المبالغة في التستر ولبس الجلباب لرفع الحرج عنهن. سابعاً: التبرج وإظهار الزينة أمام الأجانب يستوي فيه العجائز والأبكار. ثامناً: شرعُ اللَّهِ حكيم، ونظامه رحيم، فعلى المؤمنين أن يتمسكوا به. حكمة التشريع الإسلام رسالة إصلاحية فاضلة، وآداب اجتماعية سامية، ومُثُل إنسانية رفيعة، حوى خير ما في التشاريع من نظم ومبادئ، وخير ما في الأديان من سمو وأخلاق، فتعاليمُه الرشيدة تدعو إلى الكمال، ومبادئه الإنسانية تهدف إلى الإصلاح، وإن شئت فقل: إنه رسالة (الفضائل والآداب) بل إنه رسالة الحياة. وفي هذه الآيات الكريمة دعوة إلى الآداب الإنسانية (آداب البيوت) وتعليم للأمة أن يتمسكوا بالأخلاق الفاضلة التي ربَّاهم عليها الإسلام، وأن يعلِّموا أطفالهم وخَدَمهم هذه الآداب الحميدة، لتبقى الأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، في منأى عن المفاسد التي تعجُّ بها المجتمعات الأخرى. وأول ما يجده الإنسان من (الآداب الاجتماعية) أدب الاستئذان عند دخول البيوت، وقد تقدم في الآيات الكريمة السابقة {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} تفسير : [النور: 27]. ثم يأتي أدب الاستئذان (داخل البيوت) وهو للخدم والأطفال لئلا يطَّلعوا على العورات، فقد يكون الإنسان في حالة لا يحِبّ أن يطلع عليه أحد، وقد يكون مع أهله في حالة لا يصح أن يدخل عليه فيها أحد. لذلك فقد أوجب الإسلام الاستئذان حتى على (الخدم والصغار) في ثلاثة أوقات وسماها (عورات) لانكشاف العورات فيها وفي هذه الأوقات الثلاثة لا بد أن يستأذن الخدم، وأن يستأذن الصغار المميزون الذين لم يبلغوا الحُلُم، كي لا تقع أنظارهم على عورات أهليهم وهو أدب رفيع يُغْفله الكثيرون في حياتهم، مستهينين بآثاره النفسية والخلقية، ظانين أن الخدم لا تمتد أعينهم إلى عورات السادة، وأن الصغار قبل البلوغ لا ينتبهون لهذه المناظر بينما يقرر - علماء النفس - أن بعض المشاهد التي تقع عليها أنظار الأطفال في صغرهم هي التي تؤثر في مستقبل حياتهم وقد تصيبهم بأمراض نفسية، وخلقية، وتوجد فيهم عقداً يصعب شفاؤهم منها. وهذا الأدب الإسلامي الرفيع لا نجده عند غير المسلمين، ويكفي الإسلام فخراً وشرفاً أنه دين (الأدب والستر) ودين الحشمة والوقار، فهو يأمر بغض الأبصار عن عورات الناس ويخصص هذه الأوقات الثلاثة دون غيرها لأنها مظنة انكشاف العورات، ولا يجعل استئذان الخدم والصغار في كل حين منعاً للحرج؛ فهم كثيروا الدخول والخروج على أهليهم بحكم صغر سنهم أو قيامهم بالخدمة وبذلك يجمع بين (الحرص) على ستر العورات وإزالة (الحرج) والمشقة عن الناس. وأخيراً يدعو النساء إلى إخفاء الزينة منعاً لإثارة الفتن والشهوات ويأمر بالتحجب الكامل والتستر الشامل. ويستثني النساء العجائز اللواتي لا يحركن شهوة، ولا يثرن فتنة، فيسمح لهن أن يخلعن ثيابهن الخارجية على ألا تنكشف عوراتهن ولا تظهر زينتهن، وخير لهن وهنَّ العجائز المسنات أن يبقين كاسيات متسترات محتشمات بثيابهن الفضفاضة فذلك هو أدب الإسلام وذلك هو استعفاف المؤمنة الطاهرة التي تريد أن تحفظ نفسها، وتصون كرامتها، وهو ما سماه القرآن (بالاستعفاف) أي طلب العفة وإيثارها على حب الظهور وذلك لما بين (التبرج والفتنة) من صلة، وبين (التحجب والعفة) من صلة وكفى بذلك برهاناً على سمو الشريعة وطُهْر مقصدها ونيل غايتها والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أمر المؤمنين أن يستأذنهم مماليكهم، والذين لم يبلغوا الحلم منهم. قد ذكر الله حكمته وأنه ثلاث عورات للمستأذن عليهم، وقت نومهم بالليل بعد العشاء، وعند انتباههم قبل صلاة الفجر، فهذا -في الغالب- أن النائم يستعمل للنوم في الليل ثوبا غير ثوبه المعتاد، وأما نوم النهار، فلما كان في الغالب قليلا قد ينام فيه العبد بثيابه المعتادة، قيده بقوله: { وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ } أي: للقائلة، وسط النهار. ففي ثلاثة هذه الأحوال، يكون المماليك والأولاد الصغار كغيرهم، لا يمكنون من الدخول إلا بإذن، وأما ما عدا هذه الأحوال الثلاثة فقال: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } أي: ليسوا كغيرهم، فإنهم يحتاج إليهم دائما، فيشق الاستئذان منهم في كل وقت، ولهذا قال: { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } أي: يترددون عليكم في قضاء أشغالكم وحوائجكم. { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ } بيانا مقرونا بحكمته، ليتأكد ويتقوى ويعرف به رحمة شارعه وحكمته، ولهذا قال: { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } له العلم المحيط بالواجبات والمستحيلات والممكنات، والحكمة التي وضعت كل شيء موضعه، فأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، وأعطى كل حكم شرعي حكمه اللائق به، ومنه هذه الأحكام التي بينها وبين مآخذها وحسنها.

همام الصنعاني

تفسير : 2055- معمر، عن قتادة، أن ابن عباس، قال في قوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ}: [الآية: 58]، قال: ثلاث آيات مُحْكَمَات، لم يَعْمَل بِهِنَّ أحد، هذه الآية إحداهن، وأخرى قال الله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ}تفسير : : [الحجرات: 13]، فأبتيم إلاَّ فلاناً وفلاناً.