٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
60
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} القواعد واحدتها قاعد، بلا هاء؛ ليدلّ حذفها على أنه قعود الكِبَر، كما قالوا: امرأة حامل؛ ليدلّ بحذف الهاء أنه حمل حَبَل. قال الشاعر:شعر : فلو أنّ ما في بطنه بين نِسوَةٍ حَبِلْن وإن كنّ القواعدُ عُقرَا تفسير : وقالوا في غير ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها، بالهاء. والقواعد أيضاً: أساس البيت؛ واحده قاعدة، بالهاء. الثانية: القواعد: العُجّز اللواتي قعدن عن التصرف من السنّ، وقعدن عن الولد والمحيض؛ هذا قول أكثر العلماء. قال ربيعة: هي التي إذا رأيتها تستقذرها من كِبَرِها. وقال أبو عبيدة: اللاتي قعدن عن الولد؛ وليس ذلك بمستقيم، لأن المرأة تقعد عن الولد وفيها مستمتَع؛ قاله المهدوِيّ. الثالثة: قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ} إنما خص القواعد بذلك لانصراف الأنفس عنهن؛ إذ لا مذهب للرجال فيهن، فأبيح لهن ما لم يبح لغيرهن، وأزيل عنهن كُلْفة التحفظ المتعب لهن. الرابعة: قرأ ابن مسعود وأبَيّ وابن عباس «أنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيابهن» بزيادة «من». قال ابن عباس: وهو الجِلْباب. وروي عن ابن مسعود أيضاً «من جلابيبهن». والعرب تقول: امرأة واضع، للتي كَبِرت فوضعت خِمارها. وقال قوم: الكبيرة التي أيِست من النكاح، لو بدا شعرها فلا بأس؛ فعلى هذا لا يجوز لها وضع الخمار. والصحيح أنها كالشابة في التستّر؛ إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق الدِّرع والخِمار؛ قاله ابن مسعود وابن جُبير وغيرهما. الخامسة: قوله تعالى: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ} أي غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة ليُنْظر إليهن؛ فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق. والتبرّج: التكشّف والظهور للعيون؛ ومنه: بروج مشيّدة. وبروج السماء والأسوار؛ أي لا حائل دونها يسترها. وقيل لعائشة رضي الله عنها: يا أمّ المؤمنين، ما تقولين في الخِضاب والصِّباغ والتمائم والقُرْطين والخَلْخال وخاتم الذهب ورقاق الثياب؟ فقالت: يا معشر النساء، قصتكنّ قصةُ امرأة واحدة، أحلّ الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروْا منكن مُحَرَّماً. وقال عطاء: هذا في بيوتهن، فإذا خرجت فلا يحل لها وضع الجلباب. وعلى هذا «غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ» غير خارجات من بيوتهن. وعلى هذا يلزم أن يقال: إذا كانت في بيتها فلا بد لها من جلباب فوق الدِّرع، وهذا بعيد، إلا إذا دخل عليها أجنبي. ثم ذكر تعالى أن تحفّظ الجميع منهن، واستعفافَهنّ عن وضع الثياب والتزامَهنّ ما يلزم الشباب أفضل لهن وخير. وقرأ ابن مسعود «وأن يتعففن» بغير سين. ثم قيل: من التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفانها. روى الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صِنفان من أهل النار لم أرهما قومٌ معهم سِيَاط كأذناب البَقَر يضربون بها الناس ونساءٌ كاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مائلات رؤوسهن كأَسْنِمة البُخْتِ المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن رِيحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا»تفسير : . قال ابن العربي: وإنما جعلهنّ كاسيات لأن الثياب عليهنّ، وإنما وصفهنّ بأنهنّ عاريات لأن الثوب إذا رَقَّ يصفهنّ، ويبدي محاسنهنّ؛ وذلك حرام. قلت: هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى. والثاني: أنهنّ كاسيات من الثياب عارِياتٌ من لباس التّقْوَى الذي قال الله تعالى فيه: {أية : وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} تفسير : [الأعراف: 26]. وأنشدوا:شعر : إذا المرء لم يلبس ثياباً من التُّقَى تقلّب عُرْيَاناً وإن كان كاسِيا وخيُر لباس المرء طاعةُ ربِّه ولا خيرَ فيمن كان لِلَّه عاصِيا تفسير : وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بينا أنا نائم رأيت الناس يُعْرَضون عليّ وعليهم قُمُص منها ما يبلغ الثُّدِيَّ ومنها ما دون ذلك ومَرّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه» قالوا: ماذا أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: «الدِّينتفسير : . فتأويله صلى الله عليه وسلم القميص بالدِّين مأخوذ من قوله تعالى: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ}. والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالثياب؛ كما قال شاعرهم:شعر : ثـيـاب بنـي عَـوْف طَـهـارَى نَـقِـيَّـة تفسير : وقد «حديث : قال صلى الله عليه وسلم لعثمان: «إن الله سيُلْبِسك قميصاً فإن أرادوك أن تخلعه فلا تخلعه»»تفسير : . فعبّر عن الخلافة بالقميص، وهي استعارة حسنة معروفة. قلت: هذا التأويل أصح التأويلين، وهو اللائق بهنّ في هذه الأزمان، وخاصّةً الشباب، فإنهنّ يتزيّن ويخرجن متبرِّجات؛ فهن كاسيات بالثياب عاريات من التّقْوَى حقيقة، ظاهراً وباطناً، حيث تُبْدِي زينتها، ولا تبالي بمن ينظر إليها، بل ذلك مقصودهنّ، وذلك مشاهد في الوجود منهنّ، فلو كان عندهنّ شيء من التقوى لما فعلن ذلك، ولم يعلم أحد ما هنالك. ومما يقوي هذا التأويل ما ذكر من وصفهنّ في بقيّة الحديث في قوله: «رؤوسهنّ كأسنمة البُخْت». والبُخْت ضرب من الإبل عظام الأجسام، عظام الأسنمة؛ شبه رؤوسهنّ بها لما رفعن من ضفائر شعورهنّ على أوساط رؤوسهنّ. وهذا مشاهد معلوم، والناظر إليهنّ ملوم. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما تركتُ بعدي فتنةً أضرّ على الرجال من النساء»تفسير : . خرّجه البخاري.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَاءِ } قعدن عن الحيض والولد لكبرهنّ {ٱلَّٰتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً } لذلك {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ } من الجلباب والرداء والقناع فوق الخمار {غَيْرَ مُتَبَرّجَٰتِ } مظهرات {بِزِينَةٍ } خفية كقلادة وسوار وخلخال {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ } بأن لا يضعنها {خَيْرٌ لَّهُنَّ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لقولكم {عَلِيمٌ } بما في قلوبكم.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالْقَوَاعِدُ} جمع قاعد قعدت بالكبر عن الحيض والحمل، أو لأنها تكثر القعود بعد الكبر، أو لأنها لا تراد فتقعد عن الاستمتاع {لا يَرْجُونَ} لا يردن لأجل كبرهن الرجال ولا يردهن الرجال {ثِيَابَهُنَّ} رداؤها الذي فوق خمارها تضعه إذا سترها باقي ثيابها، أو خمارها ورداءها {مُتَبَرِّجَاتٍ} مظهرات من زينتهن ما يستدعى النظر إليهن فإنه حرام على القواعد وغيرهن، وجاز لهن وضع الجلباب لانصراف النفوس عنهن، وتمنع الشواب من وضع الجلباب ويُؤمرن بلباس أكثف الجلابيب لئلا تصفهن ثيابهن {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} تعفف القاعدة من وضع الجلابيب أفضل لها وأولى بها من وضعه وإن كان جائزاً.
النسفي
تفسير : {وَٱلْقَوَاعِدُ } جمع قاعد لأنها من الصفات المختصة بالنساء كالطالق والحائض أي اللاتي قعدن عن الحيض والولد لكبرهن {مّنَ ٱلنّسَاء } حال {ٱلَّلَـٰتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً } لا يطمعن فيه وهي في كل الرفع صفة للمبتدأ وهي القواعد والخبر {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ } إثم ودخلت الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط بسبب الألف واللام {أَن يَضَعْنَ } في أن يضعن {ثِيَابَهُنَّ } أي الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار {غَيْرِ } حال {مُتَبَرّجَـٰتِ بِزِينَةٍ } أي غير مظهرات زينة يريد الزينة الخفية كالشعر والنحر والساق ونحو ذلك أي لا يقصدن بوضعها التبرج ولكن التخفيف، وحقيقة التبرج يكلف إظهاراً ما يجب إخفاؤه {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ } أي يطلبن العفة عن وضع الثياب فيستترون وهو مبتدأ خبره {خَيْرٌ لَّهُنَّ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لما يعلن {عَلِيمٌ } بما يقصدن.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو داود والبيهقي في السنن عن ابن عباس {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} فنسخ واستثنى من ذلك {القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً...} الآية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن ابن عباس في قوله {والقواعد من النساء} قال: هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار، وتضع عنها الجلباب ما لم تتبرج، لما يكره الله وهو قوله {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} . وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، والبيهقي في السنن عن ابن عباس أنه كان يقرأ {أن يضعن ثيابهن} ويقول: هي الجلباب. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في السنن عن ابن مسعود في قوله {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} قال: الجلباب والرداء. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عمر في الآية قال: تضع الجلباب. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن الحسن {والقواعد من النساء} يقول: المرأة إذا قعدت عن النكاح. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {والقواعد من النساء} يعني المرأة الكبيرة التي لا تحيض من الكبر {اللاتي لا يرجون نكاحاً} يعني تزويجاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {اللاتي لا يرجون نكاحاً} قال: لا يردنه. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: أخبرني مسلم مولى امرأة حذيفة بن اليمان أنه خضب رأس مولاته فدخلت عليها فسألتها فقالت: نعم يا بني إني من {القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً} وقد قال الله في ذلك ما سمعت. وأخرج ابن المنذر عن ميمون بن مهران قال: في مصحف أبي بن كعب ومصحف ابن مسعود {فليس عليهن جناح أن يضعن جلابيبهن غير متبرجات} . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقرآن {فليس عليهم جناح أن يضعن جلابيبهن غير متبرجات} . وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة أنها سئلت: عن الخضاب، والصباغ، والقرطين، والخلخال، وخاتم الذهب، وثياب الرقاق، فقالت: يا معشر النساء قصتكن كلها واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وأن يستعففن خير لهن} قال: يلبسن جلابيبهن. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في السنن عن عاصم الأحول قال: دخلت على حفصة بنت سيرين وقد ألقت عليها ثيابها فقلت أليس يقول الله {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} قال: اقرأ ما بعده {وأن يستعففن خير لهن} هو ثياب الجلباب.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنّسَاء} أي العجائزُ اللاتي قعدنَ عن الحيض والحملِ {ٱلَّلَـٰتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً} أي لا يطمعنَ فيه لكبرهنَّ {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} أي الثيابَ الظَّاهرةَ كالجلباب ونحوِه، والفاءُ فيه لأن اللاَّمَ في القواعدِ بمعنى اللاَّتِي أو للوصفِ بها {غَيْرَ مُتَبَرّجَـٰتِ بِزِينَةٍ} غير مظهراتٍ لزينةٍ ممَّا أمر بإخفائِه في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} تفسير : [النور: 31] وأصلُ التَّبرجِ التَّكلُّفُ في إظهارِ ما يَخْفى من قولِهم: سفينةٌ بارجةٌ لا غطاءَ عليها والبَرَجُ سعةُ العينِ بحيث يُرى بـياضُها محيطاً بسوادِها كلِّه إلا أنَّه خُصَّ بكشفِ المرأةِ زينتَها ومحاسنَها للرِّجال {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} بترك الوضعِ {خَيْرٌ لَّهُنَّ} من الوضعِ لبُعده من التُّهمَة {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} مبالغٌ في سمعِ جميعِ ما يُسمع فيسمعُ ما يَجري بـينهنَّ وبـين الرِّجالِ من المقاولةِ {عَلِيمٌ} فيعلم مقاصدهنَّ وفيه من التَّرهيبِ ما لا يخفى. {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} كانت هؤلاء الطوائفُ يتحرَّجُون من مؤاكلةِ الأصحَّاءِ حِذاراً من استقذارِهم إيَّاهم وخَوفاً من تأذِّيهم بأفعالِهم وأوضاعِهم فإنَّ الأعمى رُبَّما سبقتَ يدُه إلى ما سبقتْ إليه عينُ أكيلِه وهو لا يشعرُ به والأعرجُ يتفسَّح في مجلسِه فيأخذُ أكثرَ من موضعِه فيضيقُ على جليسِه والمريضُ لا يخلُو عن حالةٍ تُؤذي قرينَه. وقيل: كانُوا يدخلُون على الرَّجل لطلبِ العلمِ فإذا لم يكُن عنده ما يُطعمهم ذهبَ بهم إلى بـيوتِ آبائِهم وأمَّهاتِهم أو إلى بعضِ مَن سمَّاهم الله عزَّ وجلَّ في الآيةِ الكريمةِ فكانُوا يتحرَّجون من ذلكَ ويقولُون: ذهبَ بنا إلى بـيتِ غيرِه ولعلَّ أهلَه كارهون لذلكَ وكذا كانُوا يتحرَّجُون من الأكلِ من أموالِ الذينَ كانُوا إذا خرجُوا إلى الغزوِ خلَّفوا هؤلاءِ الضُّعفاءَ في بـيوتِهم ودفعُوا إليهم مفاتيحَها وأذنُوا لهم أنْ يأكلُوا مما فيها مخافةَ أنْ لا يكون إذنُهم عن طيبِ نفسٍ منهم وكانَ غيرُ هؤلاء أيضاً يتحرَّجون من الأكلِ في بـيوتِ غيرِهم فقيل لهم: ليسَ على الطوائفِ المعدودةِ {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي عليكم وعلى مَن يُماثلكم في الأحوالِ من المؤمنينَ حرجٌ {أَن تَأْكُلُواْ} أي تأكلُوا أنتُم وهم معكم. وتعميمُ الخطابِ للطَّوائفِ المذكورةِ أيضاً يأباهُ ما قبله وما بعدَه فإنَّ الخطابَ فيهما لغير أولئكَ الطَّوائفِ حتماً {مِن بُيُوتِكُمْ} أي البـيوتِ التي فيها أزواجُكم وعيالُكم فيدخل فيها بـيوتُ الأولادِ لأنَّ بـيتَهم كبـيتِه لقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : أنتَ ومالُكَ لأبـيكَ » تفسير : وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: « حديث : إنَّ أطيبَ مالِ الرَّجلِ من كسبِه وإنَّ ولدَه من كسبِه » تفسير : {أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} وقُرىء بكسرِ الهمزةِ والميمِ وبكسرِ الأُولى وفتحِ الثَّانيةِ {أَوْ بُيُوتِ إِخْوٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَـٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَـٰلَـٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} من البـيوتِ التي تملكُون التَّصرفَ فيها بإذنِ أربابِها على الوجهِ الذي مرَّ بـيانُه، وقيل: هي بـيوتُ المماليكِ، والمفاتحُ جمع مِفْتحٍ وجمعُ المفتاحِ مفاتيحُ. وقُرىء مُفتاحَه {أَوْ صَدِيقِكُمْ} أي أو بـيوتِ صديقِكم وإنْ لم يكُن بـينكم وبـينهم قرابةٌ نَسَبـيةٌ فإنَّهم أرضى بالتَّبسطِ وأسرُّ به من كثيرٍ من الأقرباءِ. رُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهُما أنَّ الصَّديقَ أكبرُ من الوالدينِ إن الجهنميـين لمَّا استغاثُوا لم يستغيثوا بالآباءِ والأمَّهاتِ بل قالُوا: فما لنا من شافعينَ ولا صديقٍ حميم، والصَّديقُ يقعُ على الواحدِ والجمعِ كالخَليط والقَطينِ وأضرابِهما وهذا فيما إذا عَلم رضَا صاحبِ البـيتِ بصريحِ الإذنِ أو بقرينةٍ دالَّةٍ عليه ولذلكَ خُصص هؤلاءِ بالذِّكرِ لاعتيادِهم التَّبسطَ فيما بـينُهم وقولُه تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} كلامٌ مستأنفٌ مسوق لبـيانِ حكمٍ آخرَ من جنسِ ما بُـيِّن قبله حيثُ كان فريقٌ من المؤمنينَ كبني ليثِ بنِ عمروٍ من كِنانةَ يتحرَّجون أنْ يأكلُوا طعامَهم مُنفردين وكانَ الرَّجلُ منهم لا يأكلُ ويمكثُ يومَه حتَّى يجدَ ضيفاً يأكلُ معه فإنْ لم يجدْ من يُؤاكله لم يأكلْ شيئاً ورُبَّما قعدَ الرَّجلُ والطَّعامُ بـين يديهِ لا يتناولُه من الصَّباحِ إلى الرَّواحِ ورُبَّما كانتْ معه الإبلُ الحُفّلِ فلا يشربُ من ألبانِها حتَّى يجدَ مَن يُشاربه فإذا أمسى ولم يجدْ أحداً أكلَ، وقيل: كان الغنيُّ منهم يدخلُ على الفقيرِ من ذوي قرابته وصداقتِه فيدعُوه إلى طعامِه فيقول: إنِّي أتحرَّجُ أنْ آكلَ معك وأنا غنيٌّ وأنت فقيرٌ، وقيل: كان قومٌ من الأنصار لا يأكلون إذا نزلَ بهم ضيفٌ إلا مع ضيفِهم فرُخِّص لهم في أن يأكلُوا كيف شاءوا، وقيل: كانوا إذا اجتمعُوا ليأكلوا طعاماً عزلُوا للأعمى وأشباهِه طعاماً على حدةٍ فبـيَّن الله تعالى أن ذلك ليس بواجبٍ وقوله تعالى: {جَمِيعاً} حالٌ من فاعلِ تأكلوا وأشتاتاً عطفٌ عليه داخلٌ في حُكمه وهو جمعُ شَتَ على أنَّه صفةٌ كالحقِّ يقال: أمر شتٌّ أي متفرِّقٌ أو على أنه في الأصلِ مصدرٌ وصف به مبالغةً أي ليس عليكم جناحٌ أنْ تأكلوا مجتمعين أو متفرِّقين {فَإِذَا دَخَلْتُمْ} شروع في بـيان الآدابِ التي تجب رعايتها عند مباشرةِ ما رُخِّص فيه إثرَ بـيان الرُّخصةِ فيه {بُيُوتًا} أي من البـيوتِ المذكورة {فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي على أهلِها الذين بمنزلة أنفسِكم لما بـينكم وبـينهُم من القرابة الدِّينيةِ والنَّسبـيةِ الموجبة لذلك {تَحِيَّةً مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي ثابتةً بأمره مشروعةً من لدنه ويجوزُ أنْ يكون صلةً للتَّحية فإنَّها طلبُ الحياة التي هي من عنده تعالى وانتصابُها على المصدريَّةِ لأنَّها بمعنى التَّسليمِ {مُّبَـٰرَكَةٍ} مستتبعة لزيادة الخيرِ والثَّواب ودوامها {طَيّبَةً} تطيبُ بها نفسُ المستمع. وعن أنس رضي الله عنه أنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قال: " حديث : متى لقيتَ أحداً من أمَّتي فسلِّم عليه يطُلْ عمرُك وإذا دخلتَ بـيتَك فسلِّم عليهم يكثُر خيرُ بـيتك وصلِّ صلاةَ الضُّحى فإنَّها صلاةُ الأبرارِ الأوَّابـينَ " تفسير : . {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ} تكرير لتأكيد الأحكامِ المختتمةِ به وتفخيمها {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي ما في تضاعيفها من الشَّرائعِ والأحكامِ وتعملون بموجبها وتحوزُون بذلك سعادةَ الدَّارين، وفي تعليل هذا التَّبـيـينِ بهذه الغاية القُصوى بعد تذيـيل الأولين بما يُوجبهما من الجَزَالةِ ما لا يخفى.
القشيري
تفسير : يحدث تأثيرٌ بالمضَرّة لبناتِ الصدور من دواعي الفتنة واستيلاء سلطان الشهوة؛ فإذا سَكَنتْ تلك الثائرة سَهُل البابُ، وأُبيحت الرُّخَصُ وأُمِنَتْ الفتنة.
اسماعيل حقي
تفسير : {والقواعد} مبتدأ جمع قاعد بلا هاء لاختصاصها بالمرأة واذا اردت القعود بمعنى الجلوس قلت قاعدة كحامل من حمل البطن وحاملة من حمل الظهر، قال فى القاموس القاعد التى قعدت عن الولد وعن الحيض وعن الزوج {من النساء} حال من المستكن من القواعد اى العجائز اللاتى قعدن عن الحيض الحمل: وبالفارسية [ونشستكان درخانها وباز ماندكان] {اللاتى لا يرجون نكاحا} صفة للقواعد لا للنساء اى لايطمعن فى النكاح لكبرهن فاعتبر فيهن القعود عن الحيض والحمل والكبر ايضا لانه ربما ينقطع الحيض والرغبة فيهن باقية: وبالفارسية [آنانكه اميد ندارند نكاح خودرا يعنى طمع نمى كنندكه كسى ايشانرا نكاح كند بجهت بيرى وعجز] {فليس عليهن جناح} الجملة خبر مبتدأ اى اثم ووبال فى {ان يضعن} عند الرجال {ثيابهن} اى الثياب الظاهرة كالجلباب والازار فوق الثياب والقناع فوق الخمار {غير متبرجات بزينة} حال من فاعل يضعن. واصل التبرج التكلف فى اظهار ما يخفى خص بكشف عورة زينتها ومحاسنها للرجال. والمعنى حال كونهن غير مظهرات لزينة خفية كالسوار والخلخال والقلادة لكن لطلب التخفيف جاز الوضع لهن {وان يستعففن} بترك الوضع اى يطلبن العفة وهى حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة وهو مبتدأ خبره قوله {خير لهن} من الوضع لبعده من التهمة {والله سميع} مبالغ فى جميع مايسمع فيسمع ما يجرى بينهن وبين الرجال من المقاولة {عليم} فيعلم مقاصدهن وفيه من الترهيب ما لايخفى، اعلم ان العجوز اذا كانت بحيث لا تشتهى جاز النظر اليها لأمن الشهوة. وفيه اشارة الى ان الامور اذا خرجت عن معرض الفتنة وسكنت نائرة الآفات سهل الامر وارتفعت الصعوبة وابيحت الرخص ولكن التقوى فوق امر الفتوى كما اشار اليه قوله تعالى {وان يستعففن خير لهن} وفى الحديث "حديث : لايبلغ العبد ان يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به بأس"تفسير : ، قال ابن سيرين ما غشيت امرأة قط لا فى يقظة ولا فى نوم غير ام عبدالله وانى لارى المرأة فى المنام فاعلم انها لاتحل لى فاصرف بصرى، قال بعضهم ليت عقلى فى اليقظة كعقل ابن سيرين فى المنام، وفى الفتوحات المكية يجب على الورع ان يجتنب فى خياله كما يجتنب فى ظاهره لان الخيال تابع للحس ولهذا كان المريد اذا وقع له احتلام فلشيخه معاقبته على ذلك لان الاحتلام برؤيا فى النوم او بالتصور فى اليقظة لايكون الامن بقية الشهوة فى خياله فاذا احتلم صاحب كمال فانما ذلك لضعف اعضائه الباطنة لمرض طرأ فى مزاجه لاعن احتلام لا فى حلال ولا فى حرام انتهى. ثم ان العجوز فى حكم الرجل فى ترك الحجاب لا فى مرتبته كما قال حكيم ان خير نصفى الرجل أخره يذهب جهله ويتقرب حلمه ويجتمع رأيه وشر نصفى المرأة آخرها يسوء خلقها ويحد لسانها ويعقم رحمها، وعدم رجاء النكاح انما هو من طرف الرجل لا من طرف العجوز غالبا فانه حكى ان عجوزا مرضت فاتى ابنها بطبيب فرآها متزينة باثواب مصبوغة فعرف حالها فقال مااحوجها الى الزوج فقال الابن ما للعجائز والازواج فقالت ويحك انت اعلم من الطبيب ـ وحكى ـ لما مات زوج رابعة العدوية استأذن عليها الحسن البصرى واصحابه فاذنت لهم بالدخول عليها وارخت سترا وجلست وراء الستر فقال لها الحسن واصحابه انه قد مات بعلك ولا بد لك بدلا منه قالت نعم وكرامة لكن من اعلمكم حتى ازوجه نفسى فقالوا الحسن البصرى فقالت ان اجبتنى فى اربع مسائل فانا لك فقال سلى ان وفقنى الله اجبتك قالت ما تقول لو مت انا وخرجت من الدنيا مت على الايمان ام لا قال هذا غيب لا يعلمه الى الله ثم قالت ما تقول لو وضعت فى القبر وسألنى منكر ونكير أأقدر على جوابهما ام لا قال هذا غيب ايضا ثم قالت اذا حشر الناس يوم القيامة وتطايرت الكتب أأعطى كتابى بيمينى ام بشمالى قال هذا غيب ايضا ثم قالت اذا نودى فى الخلق فريق فى الجنة وفريق فى السعير كنت انا من أى الفريقين قال هذا غيب ايضا قالت من كان له علم هذه الاربعة كيف يشتغل بالتزوج ثم قالت يا حسن اخبرنى كم خلق الله العقل قال عشرة اجزاء تسعة للرجال وواحد للنساء ثم قالت يا حسن كم خلق الله الشهوة قال عشرة اجزاء تسعه للنساء وواحد للرجل قالت يا حسن انا اقدر على حفظ تسعة اجزاء من الشهوة بجزء من العقل انت لا تقدر على حفظ جزء من الشهوة بتسعة اجزاء من العقل فبكى الحسن وخرج من عندها، وعن سليمان عليه السلام الغالب على شهواته اشد من الذى يفتح المدينة وحده: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : مبر طاعت نفس شهوت برست كه هر ساعتش قبله ديكرست
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "القواعد": جمع قاعد، بغير تاء؛ لأنهما من الصفات المختصة بالنساء، كالطالق والحائض، فلا تحتاج إلى تمييز، وهو مبتدأ، و (اللاتي...) إلخ: صفة له، (فليس): خبر، وأدخلت الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط من العموم الذي في الألف واللام. و (يرْجُون): مبني لاتصاله بنون النسوة. يقول الحق جل جلاله: {والقواعدُ} أي: العجائز {من النساء اللاتي} قعدن عن الحيض والولادة؛ لِكِبَرِهِنَّ. قال ابن قتيبة: سمين بذلك لأنهن بعد الكِبَرِ يُكثرن القعود. ويقرب منه من فسره بالقعود عن التصرف للكبر، والظاهر أن قوله: {لا يرْجُون نِكاحاً}: نعت مُخَصِّصٌ، إن فُسِّرَ القعود فيها بالقعود عن الحيض والولد؛ لأنه قد يكون فيها مع ذلك رَغْبَةٌ للرجال. وقد يُجْعَلُ كاشفاً؛ إذا فسر القعود باستقذار الرجال لهن من عزوف النفس عنهن، فقوله: {لا يرجون نكاحاً} أي: لا يطمعن في رغبة الرجال فيهن، {فليس عليهن جناحٌ} في {أن يَضَعْنَ ثيابَهنّ} أي: الثياب الظاهرة، كَالجِلْبَابِ الذي فوق الخمار ونحوه. قال ابن عطية: قرأ ابن مسعود وأُبَيّ: "أن يَضَعْنَ مِنْ ثيابهن". والعرب تقول: امرأة واضع، للتي كبرت فوضعت خِمَارها، قال في الحاشية: والآية صادقة بما إذا دخل أجنبي بعد الاستئذان، وبخروجهن أيضاً، ومن التبرج: لبس ما يَصف؛ لكونه رقيقاً، أو: شفافاً. هــ. ثم قيَّد الرخصة بقوله: {غير مُتَبرِّجَاتٍ بزينة} أي: مظهرات زينة، يريد الزينة الخفية، كالشعر والنحر والساق ونحوه، أي: لا يقصدن بوضعهن التبرجَ وإظهارَ مَحَاسنها، ولكن التخفيف. وحقيقة التبرج: تَكَلُّفُ إِظْهَارِ ما يجب إخفاؤه، من قولهم: سفينة بارجة: لاَ غِطَاءَ عليها، إلا أنه خص بكشف المرأة زينتها أو محل حسنها للرجال. {وأن يستعففنَ} أي: يطلبن العفة عن وضع الثياب، فيتسترن {خيرٌ لهن} من الانكشاف، {والله سميعٌ عليم} أي: سميع ما يجري بيهن وبين الرجال من المقاولة، عليم، فيعلم مقاصدهن وسرائرهن في قصد التخفيف أو التبرج، وفيه من الترهيب ما لا يخفى. الإشارة: إذا كمل تهذيب الإنسان وإخلاصه، وكمل استغناؤه بربه، فلا بأس أن يظهر من أحواله وعلومه ما يقتدى به ويُهتدى، ليعلم الانتفاع به. فإن خيف منه تهمة فالاستعفاف والاكتفاء بعلم الله خير له. والله سميع عليم. ثم أسقط الحرج عن الأعمى في الاستئذان، واستطرد معه غيره، ممن اشترك معه في مطل العذر، وان اختلف المرخص فيه، فقال: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ...}
الجنابذي
تفسير : {وَٱلْقَوَاعِدُ} الّلاتى قعدن من طلب النّكاح ليأسهنّ من رغبة الرّجال اليهنّ وعدم ميل الرّجال اليهنّ لكبرهنّ {مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً} لعدم طمعهنّ فيه وعدم طمع الرّجال فيهنّ {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ} الجملة خبر الموصول ودخول الفاء فى الخبر امّا لكون الّلام موصولاً، او لوصف القواعد بالّلاتى، او لتوهّم امّا او لتقديره، ولمّا امر بالاستيذان وقت ظهور العورة وطرح الثّياب استفيد منه لزوم لبس الثّياب وستر العورات خصوصاً للنّساء الّلاتى يكون جميع بدنهنّ عورة قال امّا العجائز فليس عليهنّ جناح {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} يعنى بعض ثيابهنّ وهو الجلباب والخمار كما قرئ ان يضعن من ثيابهنّ فانّ اظهار غير الكفّين والقدمين والوجه من البدن على غير المحارم كما كان حراماً لغير العجائز كان حراماً لهنّ ايضاً {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ} اى بشيءٍ من الزّينة ومواضعها فانّ اظهار الزّينة ومواضعها سواء كان من العجائز او غيرهنّ ممّا يريب الرّجال، نعم ورد استثناء الشّعور منهنّ فانّه ان لم يكن الرّجال ينزجرون من رؤيتها لم يكونوا يرغبون فيها {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} بالسّتر وترك وضع الثّياب {خَيْرٌ لَّهُنَّ} من الوضع {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} فلا يقلن للرّجال ما يريبهم {عِلِيمٌ} بنيّاتهنّ فلا يضعن ثيابهنّ لقصد ارتياب الرّجال.
الأعقم
تفسير : {والقواعد من النساء} يعني التي قعدت من الحيض والولد لكبر {أن يضعن ثيابهن} واختلفوا في هذه الثياب فقيل: الرداء، وقيل: الخمار والله أعلم {غير متبرجات بزينة} يعني أن يردن بموضع الحليات إظهار زينتهنّ {وأن يستعففن} يطلبن العفّة بلبس الجلابيب {خير لهنّ والله سميع عليم}، لما تقدم الاستئذان والدخول عقبه ببيان المؤاكلة فقال سبحانه: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} قيل: لما نزل قوله: {أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} تفسير : [البقرة: 188] تحرج المسلمون من مؤاكلة الزمنى والعمي والمرضى والأعرج، وقالوا: الأعمى لا يبصر، والأعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام، وقيل: نزلت في الأكل من بيوت الغزاة إذا خلفوهم في منازلهم، وكانوا يخلفون الزمنى والعمي فيدفعون المفاتيح اليهم، وعن ابن عباس قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غازياً وخلف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهوداً، فسأله فقال: تحرجت أن آكل طعامك بغير أمرك فنزلت الآية، وفي جميع ما تقدم قولان: أحدهما رفع الحرج في المؤاكلة يعني لا حرج في مؤاكلة هؤلاء، وقيل: لا ضيق عليكم في مؤاكلة الغزاة إذا خلفتم فيها بإذنهم، وقيل: لا حرج عليهم في التخلف عن الجهاد، والوجه الأول لأنه لم يذكر الجهاد هنا {ولا على أنفسكم} قيل: يتصل بما قبله، وقيل: كان الرجل إذا وجد في بيته شيئاً لم يعلم من أين اكتسبه تحرج عن أكله فأباح له ذلك، ثم رخص الأكل من بيوت عدة من الأقارب إلى قوله: {خالاتكم}، وقيل: أباح الأكل من بيوت هؤلاء من غير إذن، وقيل: ما جرت من العادة في أن يكون مثله مباحاً، وكذلك عطف عليه الصديق والآية تدل على أن الآية في الأكل من بيوت هؤلاء، وإنما المراد به مع الإِذن، وفي الحديث: "حديث : لا يحل مال امرءٍ مسلم إلا بطيبة من نفسه"تفسير : ، وقول من يقول: هو حكم ثابت فبعيد لأن مال الغير لا يحل {أو ما ملكتم مفاتحه} وهو أموال الرجال إذا كان لهم عليها وكيل يحفظها له فله أن يأكل من تمر بستانه ويشرب من لبن ماشيته، وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه، وقيل: بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه {أو صديقكم} قال جار الله: فإن قلت: ما معنى: {أو صديقكم}؟ قلتُ: معناه أو بيوت أصدقائكم، والصديق يكون واحداً وجمعاً، قيل: كان للرجل أن يدخل بيت صديقه ويأكل من طعامه من غير إذن، وقيل: هو الصديق في الدين وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كسبُه، فيأخذ منه ما شاء، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها مسروراً بذلك، ويحكى عن الحسن أنه دخل داره فإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون منها، فتهللت أسارير وجهه وضحك وقال: هكذا وجدناهم، يريد كبراء الصحابة {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً} أي مجتمعين ومتفرقين، والآية نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظراً نهاره إلى الليل، فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة، وقيل: في قوم من الأنصار كان إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم، وقيل: تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض {فإذا دخلتم بيوتاً} من هذه البيوت لتأكلوا فابدأوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة {تحية من عند الله} أي ثابتة مشروعة، ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير، وعن أنس قال: "حديث : خدمت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا قال لي لشيء تركته: لِمَ تركته؟ وكنت واقفاً على رأسه أصب الماء على يده، فرفع رأسه وقال: "ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟" قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله، قال: "متى لقيت من أمتي أحداً فسلّم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلّم على أهل بيتك يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين"تفسير : ، وقال: "حديث : إن لم يكن في البيت أحد فليقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله وبركاته"تفسير : ، وعن ابن عباس: إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقيل: إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أنفسكم وعيالكم.
اطفيش
تفسير : {وَالقَوَاعِدُ} جمع قاعد والمرأة القاعدة هي التي قعدت عن الحيض والحمل لكبرها لا تحيض ولا تلد. قال ربيعة: هي التي تستقذر من كبرها. قال بعض اصحابنا: هي التي يقبحها التزيين. قال بعض اصحابنا: يجوز النظر لمتبرجة وعجوز وتهامته وامه لا بشهوة. وفي التاج القواعد اللاتي لا يردن ولا يردن ولا تضع مع ذلك جلبابها عند من يتهم بريبة ومن تعمد نظرا لمتبرجة ابدل وضوءه وفي غيره نحو والنظر إلى ما فوق سرة اي المتبرجة وما تحت ركبتيها بلا شهوة. {مِنَ النِّسَآءِ اللاتِي لاَ يَرْجُونَ} الواو لام الكلمة والنون فاعل والفعل مبني على سكون الواو لاتصال نون الاناث به مثل {أية : إلا أن يعفون}تفسير : {نِكَاحاً} لا يطمعن في النكاح من كبرهن فالمدار على عدم الاشتهاء لا تشتهي ولا تشتهى فلو تركت النكاح وكانت لا تلد ولا تحيض وكبرت لكن تشتهي أو تشتهى لوجب عليها ستر رأسها وجسدها الا ما حل من غيرها. {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} من جلباب ورداء وقناع فوق الخمار ولا تضع خمارها ويبدو رأسها عند بعضهم ويجوز عند آخرين وهو ظاهر اطلاق الآية والثواب يعم الخمار والعرب تقول: (امرأة واضع) للتي وضعت خمارها. {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ} اي من غير ان يردن بوضع الجلباب والرداء اظهار زينتهن كقلادة وسوار وخلخال اي يضعن ولا يردن ذلك بل تخفف برج الشيء فهو بارج اي ظهر ومنه البرج طلب الظهور تكلفة أو المراد بالزينة؛ الزينة المحرم كشفها * {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} يتورعن وضع ثيابهن * {خَيْرٌ لَّهُنَّ} لانه ابعد من التهمة وانفى للريبة {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لمقالهن للرجال * {عَلِيمٌ} بمقصودهن.
اطفيش
تفسير : {والقواعدُ مِن النِّساءِ} جمع قاعد بلا تاء كحائض وطامث، لا ختصاصه بمعناه فى النساء بأن تقعد عن الحيض، ولا تقوم فى شأنه لعدمه أو عن التزوج، إذ لا طمع لهن فى الأزواج لكبرهن أو عن كثرة الحركة لذلك، والكبر سبب لانقطاع الحيض، ولقلة الحركة، وعدم اللياقة للتزوج، فقال الله سبحانه وتعالى: {اللاتى لا يرجون نِكَاحاً} تزوجاً، والواو حرف هو آخر المضارع، وهو مبنى على سكون الواو الميت، والنون ضمير هو فاعل، ولشبه التى لا يرجون نكاحاً باسم الشرط فى العموم قرن بالفاء خبر موصوفه، هو ما بعد الفاء من قوله: {فليس عليهنَّ جناحٌ أن يَضَعْن} فى أن يضعن، أو بأن يضعن عنهن {ثيابَهنَّ} التى لا تنكشف العورة بوضعها، وهى كلها عورة إلا ما استثنى لكل أحد، أو لمحارمهن وهى غير الثياب التى تلى أبدانهن وشعورهن، والشعر أيضاً من البدن لا يظهرن الشعر والعنق والساق، ولكن يظهرن الوجه والكف والثياب الحسنة التى تحت الثياب الأخر. {غير مُتَبرِّجاتٍ بزينة} التبرج إظهار الزينة بقصد، وهو لازم لا متعد، لا يقال تبرجت المرأة زينتها بنصب زينتها على المفعولية، وإنما التعدى فى نفسه إذ كان بمعنى الاظهار، لا الى متعلقة، وسمى البرج برجاً لظهروه، وسفينة بارج ظاهرة لا غطاء عليها، والباء للتعدية أو الآلة أو الصحبة، والزينة ذراعها أو ساقها او نحو ذلك، أو ما تعلق بهن الجواهر التى يتزينَّ بها، وزينة عامة عموماً شمولياً لتقدم النفى عليها، وقد تظهر منها زينة، ولا بأس إذا لم تقصد صرف العين إليها كخمار مجود، وذراع أو عضد أو ساق، لا يشتهى، وقد تحمل عليه الآية بوجدان لا زينة لها فضلاً عن أن تظهرها. {وأَنْ يستعففْن} عن وضع ثيابهن {خيرٌ لهنَّ} من وضعها فقد يشتهى انسان ما لا يشتهيه الناس، كما قيل لكل ساقطة لا قطة {والله سميعٌ} بما يتكلم به الرجل مع المرأة {عليمٌ} بما فى قلوبهم ومقاصدهم.
الالوسي
تفسير : {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنّسَاء } أي العجائز وهو جمع قاعد كحائض وطامث فلا يؤنث لاختصاصه ولذا جمع على فواعل لأن التاء فيه كالمذكورة أو هو شاذ، قال ابن السكيت: امرأة قاعد قعدت عن الحيض، وقال ابن قتيبة: سميت العجائز قواعد لأنهن يكثرن القعود لكبر سنهن، وقال ابن ربيعة: لقعودهن عن الاستمتاع حيث أيسن ولم يبق لهن طمع في الأزواج فقوله تعالى: {ٱلَّلَـٰتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً } أي لا يطمعن فيه لكبرهن صفة كاشفة {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ } أي الثياب الظاهرة التي لا يفضي وضعها لكشف العورة كالجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار. وأخرج ابن المنذر عن ميمون بن مهران أنه قال: في مصحف أبـي بن كعب ومصحف ابن مسعود {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ جَلَـٰبِيبِهِنَّ } وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا يقرآن كذلك، ولعله لذلك اقتصر بعض في تفسير الثياب على الجلباب. والجملة خبر {ٱلْقَوَاعِدِ } والفاء إما لأن اللام في القواعد موصولة بمعنى اللاتي وإما لأنها موصوفة بالموصول. وقوله / تعالى: {غَيْرَ مُتَبَرّجَـٰتِ بِزِينَةٍ } حال، وأصل التبرج التكلف في إظهار ما يخفى من قولهم: سفينة بارج لا غطاء عليها، والبرج سعة العين بحيث يرى بياضها محيطاً بسوادها كله لا يغيب منه شيء، وقيل: أصله الظهور من البرج أي القصر ثم خص بأن تتكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها، وليست الزينة مأخوذة في مفهومه حتى يقال: إن ذكر الزينة من باب التجريد. والظاهر أن الباء للتعدية، وقيل: زائدة في المفعول لأنهم يفسرون التبرج بمتعد، ففي «القاموس» تبرجت أظهرت زينتها للرجال وفيه نظر. والمراد بالزينة الزينة الخفية لسبق العلم باختصاص الحكم بها ولما في لفظ التبرج من الإشعار، والتنكير لإفادة الشياع وأن زينة ما وإن دقت داخلة في الحكم أي غير مظهرات زينة مما أمر بإخفائه في قوله تعالى: { أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } تفسير : [النور: 31]. {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ } بترك الوضع والتستر كالشواب {خَيْرٌ لَّهُنَّ } من الوضع لبعده من التهمة فلكل ساقطة لاقطة. وذكر ابن المنير للآية معنى استحسنه الطيبـي فقال ((يظهر لي والله تعالى أعلم أن قوله تعالى: {غَيْرَ مُتَبَرّجَـٰتِ بِزِينَةٍ } من باب: شعر : على لا حب لا يهتدى بمناره تفسير : أي لا منار فيه فيهتدى به وكذلك المراد والقواعد من النساء لا زينة لهن فيتبرجن بها لأن الكلام فيمن هن بهذه المثابة، وكأنه الغرض من ذلك أن هؤلاء استعفافهن عن وضع الثياب خير لهن فما ظنك بذوات الزينة من الشواب، وأبلغ ما في ذلك أنه جعل عدم وضع الثياب في حق القواعد من الاستعفاف إيذاناً بأن وضع الثياب لا مدخل له في العفة هذا في القواعد فكيف بالكواعب)) {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } مبالغ في سمع جميع ما يسمع فيسمع بما يجري بينهن وبين الرجال من المقاولة {عَلِيمٌ } فيعلم سبحانه مقاصدهن. وفيه من الترهيب ما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : هذه الآية مخصّصة لقوله تعالى: { أية : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن } تفسير : [النور: 31] إلى قوله: { أية : على عورات النساء } تفسير : [النور: 31]. ومناسبة هذا التخصيص هنا أنه وقع بعد فرض الاستيذان في الأوقات التي يضع الرجال والنساء فيها ثيابهم عن أجسادهم، فعطف الكلام إلى نوع من وضع الثياب عن لابسها وهو وضع النساء القواعد بعض ثيابهن عنهن فاستثني من عموم النساء النساءُ المتقدمات في السن بحيث بلغن إبان الإياس من المحيض فرخص لهن أن لا يضربن بخمرهن على جيوبهن، وأن لا يدنين عليهن من جلابيبهن. فعن ابن مسعود وابن عباس: الثياب الجلباب، أي الرداء والمقنعة التي فوق الخمار. وقال السدي: يجوز لهن وضع الخمار أيضاً. والقواعد: جمع قاعد بدون هاء تأنيث مثل: حامل وحائض لأنه وصف نُقل لمعنى خاص بالنساء وهو القعود عن الولادة وعن المحيض. استعير القعود لعدم القدرة لأن القعود يمنع الوصول إلى المرغوب وإنما رغبة المرأة في الولد والحيضُ من سبب الولادة فلما استعير لذلك وغلب في الاستعمال صار وصف قاعد بهذا المعنى خاصّاً بالمؤنث فلم تلحقه هاء التأنيث لانتفاء الداعي إلى الهاء من التفرقة بين المذكر والمؤنث وقد بينه قوله: {اللاتي لا يرجون نكاحاً}، وذلك من الكبر. وقوله: {اللاتي لا يرجون نكاحاً} وصف كاشف لـ{القواعد} وليس قيداً. واقترن الخبر بالفاء في قوله {فليس عليهن جناح} لأن الكلام بمعنى التسبب والشرطية، لأن هذا المبتدأ يشعر بترقب ما يرد بعده فشابه الشرط كما تقدم في قوله تعالى: { أية : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } تفسير : [المائدة: 38]. ولا حاجة إلى ادعاء أن (ال) فيه موصولة إذ لا يظهر معنى الموصول لحرف التعريف وإن كثر ذلك في كلام النحويين. و{أن يضعن} متعلق بـ{جناح} بتقدير (في). والمراد بالثياب بعضها وهو المأمور بإدنائه على المرأة بقرينة مقام التخصيص. والوضع: إناطة شيء على شيء، وأصله أن يعدى بحرف (على) وقد يعدى بحرف (عن) إذا أريد أنه أزيل عن مكان ووضع على غيره وهو المراد هنا كفعل (ترغبون) في قوله تعالى: { أية : وترغبون أن تنكحوهن } تفسير : في سورة النساء (127)، أي أن يزلن عنهن ثيابهن فيضعنها على الأرض أو على المشجب. وعلة هذه الرخصة هي أن الغالب أن تنتفي أو تقل رغبة الرجال في أمثال هذه القواعد لكبر السن. فلما كان في الأمر بضرب الخُمُر على الجيوب أو إدناء الجلابيب كلفة على النساء المأمورات اقتضاها سد الذريعة، فلما انتفت الذريعة رفع ذلك الحكم رحمة من الله، فإن الشريعة ما جعلت في حكم مشقة لضرورة إلا رفعت تلك المشقة بزوال الضرورة وهذا معنى الرخصة. ولذلك عقب هذا الترخيص بقوله: {وأن يستعففن خير لهن}. والاستعفاف: التعفف، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استجاب، أي تعففهن عن وضع الثياب عنهن أفضل لهن ولذلك قيد هذا الإذن بالحال وهو {غير متبرجات بزينة} أي وضعاً لا يقارنه تبرج بزينة. والتبرج: التكشف. والباء في {بزينة} للملابسة فيؤول إلى أن لا يكون وضع الثياب إظهاراً لزينة كانت مستورة. والمراد: إظهار ما عادة المؤمنات ستره. قال تعالى: { أية : ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } تفسير : [الأحزاب: 33]، فإن المرأة إذا تجلت بزينة من شأنها إخفاؤها إلا عن الزوج فكأنها تعرض باستجلاب استحسان الرجال إياها وإثارة رغبتهم فيها، وهي وإن كانت من القواعد فإن تعريضها بذلك يخالف الآداب ويزيل وقار سنها، وقد يرغب فيها بعض أهل الشهوات لما في التبرج بالزينة من الستر على عيوبها أو الإشغال عن عيوبها بالنظر في محاسن زينتها. فالتبرج بالزينة: التحلي بما ليس من العادة التحلي به في الظاهر من تحمير وتبييض وكذلك الألوان النادرة، قال بشار: شعر : وإذا خرجتِ تقنَّعي بالحُمْر إن الحسن أحمر تفسير : وسُئلت عائشة أم المؤمنين عن الخضاب والصباغ والتمايم (أي حقاق من فضة توضع فيها تمايم ومعاذات تعلقها المرأة) والقرطين والخَلخَال وخاتم الذهب ورقاق الثياب فقالت: «أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن محرَّماً». فأحالت الأمر على المعتاد والمعروف، فيكون التبرج بظهور ما كان يحجبه الثوب المطروح عنها كالوشام في اليد أو الصدر والنقش بالسواد في الجيد أو الصدر المسمى في تونس بالحرقوص (غير عربية). وفي «الموطأ»: «دخلت حفصة بنت عبد الرحمٰن بن أبي بكر على عائشة أم المؤمنين وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خماراً كثيفاً» أي شقته لئلا تختمر به فيما بعد. وقيل: إن المعنيَّ بقوله: {غير متبرجات بزينة} غير منكشفات من منازلهن بالخروج في الطريق، أي أن يضعن ثيابهن في بيوتهن، أي فإذا خرجت فلا يحل لها ترك جلبابها، فيؤول المعنى، إلى أن يضعن ثيابهن في بيوتهن، ويكون تأكيداً لما تقدم في قوله تعالى: { أية : ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } تفسير : [النور: 31] أي كونهن من القواعد لا يقتضي الترخيص لهن إلا في وضع ثيابهن وضعاً مجرداً عن قصد ترغيب فيهن. وجملة: {والله سميع عليم} مسوقة مساق التذييل للتحذير من التوسع في الرخصة أو جعلها ذريعة لما لا يحمد شرعاً، فوصف «السميع» تذكير بأنه يسمع ما تحدثهن به أنفسهن من المقاصد، ووصف «العليم» تذكير بأنه يعلم أحوال وضعهن الثياب وتبرجهن ونحوها.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقَوَاعِدُ} {ٱلَّلاَتِي} {مُتَبَرِّجَاتِ} (60) - والنِّسَاءُ الطَاعِنَاتُ فِي السِنِّ اللاَّئِي يَِئِسْنَ مِنَ الوَلَدِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُنَّ تَطَلُّعٌ إِلَى التَّزَوُّجِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ مَا عَلَى غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّسَاءِ فِي الحَجْرِ والتَّسَتُّرِ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِنَّ فِي أَنْ يَخْلَعْنَ ثِيَابَهُنَّ الخَارِجِيَّةَ عَلَى أَنْ لاَ تَنْكَشِفَ عَوْرَاتُهُنَّ، وَلا يَنْكَشِفْنَ عَنْ زِينَةٍ، وَخَيْرٌ لَهُنَّ أَنْ يَبْقَيْنَ كَاسِياتٍ بِثِيَابِهِنَّ الخَارِجِيَّةِ الفَضْفَاضَةِ. وَسَمَّى تَعَالَى مِنْهُنَّ ذَلِكَ اسْتِعْفَافاً، أَيْ يَفْعَلْنَهُ طَلَباً لِلعِفَّةِ، وإِيثَاراً لَهَا لِمَا بَيْنَ التَّبَرُّجِ والفِتْنَةِ مِنْ صِلَةٍ، وَبَيْنَ التَّحَجُّبِ والتَّسَتُّرِ وَالعِفَّةِ مِنْ صِلَةٍ، وَخَيْرُ سَبِيلٍ إِلَى العِفَّةِ تَقْلِيلُ فُرَصِ الغَوَايَةِ، والحَيْلُولَةِ بَيْنَ أَسْبَابِ الإِثَارَةِ وَبَيْنَ النُّفُوسِ. واللهُ تَعَالَى يَسْمَعُ مَا يَقُولُهُ اللِّسَانُ، وَيَطَّلِعُ عَلَى مَا يُوَسْوِسُ فِي الجَنَانِ ويُجَازِي عَلَى ذَلِكَ. وَالأَمْرُ كُلُّهُ أَمْرُ نِيَّةٍ وَحَسَاسِيَّةٍ فِي الضَّمِيرِ. القَوَاعِدَ مِنَ النِّسَاءِ - العَجَائِزُ اللَّوَاتِي قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ. مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينةٍ - مُظْهِرَاتٍ لِلزِّيِنَةِ الخَفِيَّةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نعلم أن الشارع الحكيم وضع للمرأة المسلمة قواعد تسير عليها في زِيِّها وسلوكها ومِشْيتها، حمايةً لها وصيانةً للمجتمع من الفتنة، وحتى لا يطمع فيها أصحاب النفوس المريضة، فجعل لها حجاباً يسترها يُخفي زينتها لا يكون شفافاً ولا واصفاً، وقال: {أية : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ..}تفسير : [الأحزاب: 59]. لكن القواعد من النساء والكبيرات منهن لَهُنَّ حكم آخر. والقواعد: جمع قاعد لا قاعدة، قاعدة تدل على الجلوس، أمّا القاعد ذكراً أو أنثى فهو الذي قعد عن دورة الحياة، ولم يَعُدْ له مهمة الإنجاب، ومثل هؤلاء لم يَعُدْ فيهنَّ إِرْبة ولا مطمع؛ لذلك لا مانعَ أن يتخفَّفْنَ بعض الشيء من اللباس الذي فُرِض عليهن حال وجود الفتنة، ولها أن تضع (طرحتها) مثلاً. لكن هذه مسألة مقولة بالتشكيك: نسبية يعني: فمِن النساء مَنْ ينقطع حَيْضها ويدركها الكِبَر، لكن ما يزال فيها جمال وفتنة؛ لذلك ربنا - تبارك وتعالى - وضع لنا الحكم الاحتياطي {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ..} [النور: 60] ثم يدلُّهُن على ما هو خير من ذلك {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ..} [النور: 60]. والمقصود بوَضْع الثياب: التخفّف بعض الشيء من الثياب الخارجية شريطة {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ..} [النور: 60] فلا يجوز للمرأة أن تضع ثيابها أَخْذاً بهذه الرخصة، ثم تضع الزينة وتتبرج. ونخشى أن نُعلِّم النساء هذا الحكم فلا يأخذْنَ به حتى لا نقول عنهن: إنهن قواعد!! وتعجب حين ترى المرأة عندما تبلغ هذه السِّنَّ فتجدها وَرِعة في ملبسها، وَرِعة في مظهرها، وَرِعة في سلوكها، فتزداد جمالاً وتزداد بهاءً وآسرية، على خلاف التي لا تحترم سِنّها فتضع على وجهها المساحيق والألوان فتبدو مَسْخاً مُشوَّهاً. ومعنى {يَسْتَعْفِفْنَ ..} [النور: 60] أي: يحتفظْنَ بملابسهن لا يضعْنَ منها شيئاً، فهذا أَدْعى للعفة.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}. يعني: جلابيبهن {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} [الآية: 60]. يقول: أَن يلبسن جلابيبهن خير لهن. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، /50 و/ عن مجاهد في قوله: {أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ} [الآية: 61]، إلى آخر الآية: قال كان رجال زمني وعمياً وعرجاً أُولي حاجة، يستتبعهم رجال إلى بيوتهم. فإِن لم يجدوا في بيوتهم طعاماً، ذهبوا بهم إِلى بيوت آبائهم، وبيوت أُمهاتهم ومن عد معهم من البيوت. فكره ذلك المستتبعون وقالوا: يذهبون بنا إِلى بيوت غير بيوتهم. فأَنزل الله، عز وجل، في ذلك: لآجناح عليكم في ذلك، وأَحل لهم الطعام حيث وجدوه. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ناء ورقاءُ، قال: نا المبارك بن عبد الله عن ابن جريج، في قوله: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} [الآية: 61]. يعني: مشارب وخزائن لأَنفسهم ليست لغيرهم. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا شيبان عن قتادة في قوله: {فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} [الآية: 62]. قال: رخص له ههنا بعد ما قال له: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}تفسير : [التوبة: 43]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} [الآية: 63]. قال: أَمرهم أَن يقولوا: يا رسول الله، في لين وتواضع، ولا يقولوا: يا محمد في تجهم. أَنبا عبد الرحمن، مقال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال ثنا ورقاءُ عن المبارك بن عبد الله، عن ابن جريج في قوله: {لِوَاذاً} [الآية: 63]. يعني: خلافاً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} وهن اللواتي قَدْ قَعَدنَّ عَن الولدِ والحَيضِ. تفسير : وقوله تعالى: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} فالتَّبرجُ: أن يُظهرنَّ من مَحاسِنهُنَ مالا يَنبغي لَهن أن يُظهِرنَها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ أي: اللاتي قعدن عن الاستمتاع والشهوة { اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا } أي: لا يطمعن في النكاح، ولا يطمع فيهن، وذلك لكونها عجوزا لا تشتهى، أو دميمة الخلقة لا تشتهي ولا تشتهى { فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ } أي: حرج وإثم { أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ } أي: الثياب الظاهرة، كالخمار ونحوه، الذي قال الله فيه للنساء: {أية : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } تفسير : فهؤلاء، يجوز لهن أن يكشفن وجوههن لآمن المحذور منها وعليها، ولما كان نفي الحرج عنهن في وضع الثياب، ربما توهم منه جواز استعمالها لكل شيء، دفع هذا الاحتراز بقوله: { غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ } أي: غير مظهرات للناس زينة، من تجمل بثياب ظاهرة، وتستر وجهها، ومن ضرب الأرض برجلها، ليعلم ما تخفي من زينتها، لأن مجرد الزينة على الأنثى، ولو مع تسترها، ولو كانت لا تشتهى يفتن فيها، ويوقع الناظر إليها في الحرج { وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ }. والاستعفاف: طلب العفة، بفعل الأسباب المقتضية لذلك، من تزوج وترك لما يخشى منه الفتنة، { وَاللَّهُ سَمِيعٌ } لجميع الأصوات { عَلِيمٌ } بالنيات والمقاصد، فليحذرن من كل قول وقصد فاسد، وليعلمن أن الله يجازي على ذلك.
همام الصنعاني
تفسير : 2059- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن (الحسن)، في قوله تعالى: {يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ}: [الآية: 60]، قال: هو الجلبات و المِنْطَق يقول: لا جناح على المرأة إذا قدعت عن النكاح أن تضع الجلباب والمنطق. وفي حرف ابن مسْعُود، {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}. 2060- معمر، وقال الكلبي: إن المرأة تكون قد (حَبِلَت): فيكون لها العضو من أعضائها حسناً، فلا ينبغي لَها أن تبدي ذلِكَ تلمتس به الزينة. 2061- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني الثَّوري، عن علقمة بن مرثد، عن زر، عن أبي وائل، عن ابن مسعود في قوله تعالى: {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}: [الآية: 60]، قال: هوَ الرداءُ. 2062- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: هو الرداء. 2063- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن أبي حصين، وسالم عن سعيد بن جبير، قال: هو الرداء. 2064- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن معقل، أو غيره، عن عمرو بن ميمون قال: هو الجلباب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):