Verse. 2852 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

لَيْسَ عَلَي الْاَعْمٰى حَرَجٌ وَّلَا عَلَي الْاَعْرَجِ حَرَجٌ وَّلَا عَلَي الْمَرِيْضِ حَرَجٌ وَّلَا عَلٰۗي اَنْفُسِكُمْ اَنْ تَاْكُلُوْا مِنْۢ بُيُوْتِكُمْ اَوْ بُيُوْتِ اٰبَاۗىِٕكُمْ اَوْ بُيُوْتِ اُمَّہٰتِكُمْ اَوْ بُيُوْتِ اِخْوَانِكُمْ اَوْ بُيُوْتِ اَخَوٰتِكُمْ اَوْ بُيُوْتِ اَعْمَامِكُمْ اَوْ بُيُوْتِ عَمّٰتِكُمْ اَوْ بُيُوْتِ اَخْوَالِكُمْ اَوْ بُيُوْتِ خٰلٰتِكُمْ اَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحَہٗۗ اَوْ صَدِيْقِكُمْ۝۰ۭ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَنْ تَاْكُلُوْا جَمِيْعًا اَوْ اَشْـتَاتًا۝۰ۭ فَاِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوْتًا فَسَلِّمُوْا عَلٰۗي اَنْفُسِكُمْ تَحِيَّۃً مِّنْ عِنْدِ اللہِ مُبٰرَكَۃً طَيِّبَۃً۝۰ۭ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللہُ لَكُمُ الْاٰيٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُوْنَ۝۶۱ۧ
Laysa AAala alaAAma harajun wala AAala alaAAraji harajun wala AAala almareedi harajun wala AAala anfusikum an takuloo min buyootikum aw buyooti abaikum aw buyooti ommahatikum aw buyooti ikhwanikum aw buyooti akhawatikum aw buyooti aAAmamikum aw buyooti AAammatikum aw buyooti akhwalikum aw buyooti khalatikum aw ma malaktum mafatihahu aw sadeeqikum laysa AAalaykum junahun an takuloo jameeAAan aw ashtatan faitha dakhaltum buyootan fasallimoo AAala anfusikum tahiyyatan min AAindi Allahi mubarakatan tayyibatan kathalika yubayyinu Allahu lakumu alayati laAAallakum taAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج» في مؤاكلة مقابليهمْ «ولا» حرج «على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم» أولادكم «أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه» خزنتموه لغيركم «أو صديقكم» وهو من صدقكم في مودته المعنى يجوز الأكل من بيوت من ذكر وإن لم يحضروا إذا علم رضاهم به «ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا» مجتمعين «أو أشتاتا» متفرقين جمع شت نزل فيمن تحرج أن يأكل وحده وإذا لم بجد يؤاكله يترك الأكل «فإذا دخلتم بيوتا» لكم لا أهل بها «فسلموا على أنفسكم» قولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإن الملائكة ترد عليكم وإن كان بها أهل فسلموا عليهم «تحية» حيا «من عند الله مباركة طيبة» يثاب عليها «كذلك يبيَّن الله لكم الآيات» أي يفضل لكم معالم دينكم «لعلكم تعقلون» لكي تفهموا ذلك.

61

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المراد من رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض فقال ابن زيد: المراد أنه لا حرج عليهم ولا إثم في ترك الجهاد، وقال الحسن نزلت الآية في ابن أم مكتوم وضع الله الجهاد عنه وكان أعمى وهذا القول ضعيف لأنه تعالى عطف عليه قوله: {أَن تَأْكُلُواْ } فنبه بذلك على أنه إنما رفع الحرج في ذلك، وقال الأكثرون المراد منه أن القوم كانوا يحظرون الأكل مع هؤلاء الثلاثة وفي هذه المنازل، فالله تعالى رفع ذلك الحظر وأزاله، واختلفوا في أنهم لأي سبب اعتقدوا ذلك الحظر، أما في حق الأعمى والأعرج والمريض فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أنهم كانوا لا يأكلون مع الأعمى لأنه لا يبصر الطعام الجيد فلا يأخذه، ولا مع الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس فإلى أن يأكل لقمة يأكل غيره لقمتين، وكذا المريض لأنه لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الصحيح، قال الفراء: فعلى هذا التأويل تكون (على) بمعنى في يعني ليس عليكم في مواكلة هؤلاء حرج وثانيها: أن العميان والعرجان والمرضى تركوا مواكلة الأصحاء، أما الأعمى فقال إني لا أرى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الأردأ، وأما الأعرج والمريض فخافا أن يفسدا الطعام على الأصحاء لأمور تعتري المرضى، ولأجل أن الأصحاء يتكرهون منهم ولأجل أن المريض ربما حمله الشره على أن يتعلق نظره وقلبه بلقمة الغير، وذلك مما يكرهه ذلك الغير فلهذه الأسباب احترزوا عن مواكلة الأصحاء، فالله تعالى أطلق لهم في ذلك وثالثها: روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبدالله في هذه الآية أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يسلمون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا فكانوا يتحرجون من ذلك قالوا لا ندخلها وهم غائبون، فنزلت هذه الآية رخصة لهم وهذا قول عائشة رضي الله عنها فعلى هذا معنى الآية نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج إلى الغزو ورابعها: نقل عن ابن عباس ومقاتل بن حيان نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو وذلك أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازياً وخلف بن مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهوداً فسأله عن حاله فقال تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك، وأما في حق سائر الناس فذكروا وجهين: الأول: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وقراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فلما نزل قوله تعالى: { أية : لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً } تفسير : [النساء: 29] أي بيعاً فعند ذلك امتنع الناس أن يأكل بعضهم من طعام بعض فنزلت هذه الآية الثاني: قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا، قال السدي كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو أخته فتتحفه المرأة بشيء من الطعام فيتحرج، لأنه ليس ثم رب البيت. فأنزل الله تعالى هذه الرخصة. المسألة الثانية: قال الزجاج الحرج في اللغة الضيق ومعناه في الدين الإثم. المسألة الثالثة: أنه سبحانه أباح الأكل للناس من هذه المواضع وظاهر الآية يدل على أن إباحة الأكل لا تتوقف على الاستئذان، واختلف العلماء فيه فنقل عن قتادة أن الأكل مباح ولكن لا يجمل، وجمهور العلماء أنكروا ذلك ثم اختلفوا على وجوه: الأول: كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ لك بقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه » تفسير : ومما يدل على هذا النسخ قوله: { أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ } تفسير : [الأحزاب: 53] وكان في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من لهن الآباء والأخوة والأخوات، فعم بالنهي عن ذهول بيوتهن إلا بعد الإذن في الدخول وفي الأكل، فإن قيل إنما أذن تعالى في هذا لأن المسلمين لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن يأكلوا من بيوتهم حضروا أو غابوا، فجاز أن يرخص في ذلك، قلنا لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص هؤلاء الأقارب بالذكر معنى لأن غيرهم كهم في ذلك الثاني: قال أبو مسلم الأصفهاني: المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم يكونوا مؤمنين، وذلك لأنه تعالى نهى من قبل عن مخالطتهم بقوله: { أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [المجادلة: 22] ثم إنه سبحانه أباح في هذه الآية ما حظره هناك، قال ويدل عليه أن في هذه السورة أمر بالتسليم على أهل البيوت فقال: { أية : حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا } تفسير : [النور: 27] وفي بيوت هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك، بل أمر أن يسلموا على أنفسهم، والحاصل أن المقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة، لا إثبات الإباحة في جميع الأقات الثالث: أنه لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك، فيجوز أن يقال خصهم الله بالذكر، لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق، ولما علمنا أن هذه الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا فيها، فلا حاجة إلى القول بالنسخ. المسألة الرابعة: أن الله تعالى ذكر أحد عشر موضعاً في هذه الآية أولها: قوله: {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } وفيه سؤال وهو أن يقال أي فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه في بيته؟ وجوابه المراد في بيوت أزواجكم وعيالكم أضافه إليهم، لأن بيت المرأة كبيت الزوج، وهذا قول الفراء. وقال ابن قتيبة: أراد بيوت أولادهم فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء لأن الولد كسب والده وماله كماله، قال عليه السلام: « حديث : إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه » تفسير : والدليل على هذا أنه سبحانه وتعالى عدد الأقارب ولم يذكر الأولاد لأنه إذا كان سبب الرخصة هو القرابة كان الذي هو أقرب منهم أولى وثانيها: بيوت الآباء وثالثها: بيوت الأمهات ورابعها: بيوت الإخوان وخامسها: بيوت الأخوات وسادسها: بيوت الأعمام وسابعها: بيوت العمات وثامنها: بيوت الأخوال وتاسعها: بيوت الخالات وعاشرها: قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ } وقرىء {مفتاحه} وفيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته، وملك المفاتح كونها في يده وفي حفظه الثاني: قال الضحاك: يريد الزمنى الذين كانوا يحرسون للغزاة الثالث: المراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه قال الفضل المفاتح واحدها مفتح بفتح الميم، وواحد المفاتيح مفتح بالكسر الحادي عشر: قوله: {أَوْ صَدِيقِكُمْ } والمعنى أو بيوت أصدقائكم، والصديق يكون واحداً وجمعاً، وكذلك الخليط والقطين والعدو ويحكى عن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد (أخرجوا) سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الصديق أكثر من الوالدين، لأن أهل الجنة لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات بل بالأصدقاء، فقالوا مالنا من شافعين ولا صديق حميم، وحكي أن أخاً للربيع بن خيثم في الله دخل منزله في حال غيبته فانبسط إلى جاريته حتى قدمت إليه ما أكل، فلما عاد أخبرته بذلك، فلسروره بذلك قال إن صدقت فأنت حرة. المسألة الخامسة: احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع لإباحة الله تعالى بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم، فلا يكون ماله محرزاً منهم، فإن قيل فيلزم أن لا يقطع إذا سرق من مال صديقه، قلنا من أراد سرقة ماله لا يكون صديقاً له. أما قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً } فقال أكثر المفسرين: نزلت الآية في بني ليث بن عمرو وهم حي من كنانة، كان الرجل منهم لا يأكل وحده يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئاً، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فأعلم الله تعالى أن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه، هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، وقال عكرمة وأبو صالح رحمهما الله: كانت الأنصار إذا نزل بواحد منهم ضيف لم يأكل إلا وضيفه معه، فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين ومتفرقين. وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك للزمن والمريض، فبين الله لهم أن ذلك غير واجب، وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذي، فبين الله تعالى أنه غير واجب وقوله: {جَمِيعاً } نصب على الحال {وأشتاتاً} جمع شت وشتى جمع شتيت وشتان تثنية شت قاله المفضل وقيل الشت مصدر بمعنى التفرق ثم يوصف به ويجمع. أما قوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } فالمعنى أنه تعالى جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة على مثال قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النساء: 29] قال ابن عباس: فإن لم يكن أحد فعلى نفسه ليقل السلام علينا من قبل ربنا، وإذا دخل المسجد فليقل السلام على رسول الله وعلينا من ربنا. قال قتادة: وحدثنا أن الملائكة ترد عليه. قال القفال: وإن كان في البيت أهل الذمة فليقل السلام على من اتبع الهدى وقوله {تَحِيَّةً } نصب على المصدر، كأنه قال: فحيوا تحية من عند الله، أي مما أمركم الله به. قال ابن عباس رضي الله عنهما: من قال السلام عليكم معناه اسم الله عليكم وقوله: {مُبَـٰرَكَةً طَيّبَةً } قال الضحاك: معنى البركة فيه تضعيف الثواب وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك ثابت لما فيه من الأجر والثواب وأنه إذا أطاع الله فيه أكثر خيره وأجزل أجره {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ } أي يفصل الله شرائعه لكم {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لتفهموا عن الله أمره ونهيه، وروى حميد عن أنس قال: «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لم فعلته ولا قال لي في شيء تركته لم تركته، وكنت واقفاً على رأس النبي صلى الله عليه وسلم أصب الماء على يديه فرفع رأسه إلي وقال: حديث : ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بهن؟ تفسير : قلت بأبي وأمي أنت يا رسول الله بلى، فقال حديث : من لقيت من أمتي فسلم عليهم يطل عمرك، وإذا دخلت بيتاً فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة (الأبرار) الأوابين ».

القرطبي

تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} اختلف العلماء في تأويل هذه الآية على أقوال ثمانية. أقربها ـ هل هي منسوخة أو ناسخة أو مُحْكَمة؛ فهذه ثلاثة أقوال: الأوّل: أنها منسوخة من قوله تعالى: {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} إلى آخر الآية؛ قاله عبد الرحمن بن زيد، قال: هذا شيء قد انقطع، كانوا في أوّل الإسلام ليس على أبوابهم أغلاق، وكانت الستور مرخاة، فربما جاء الرجل فدخل البيت وهو جائع وليس فيه أحد؛ فسوّغ الله عز وجل أن يأكل منه، ثم صارت الأغلاق على البيوت فلا يحلّ لأحد أن يفتحها، فذهب هذا وانقطع. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يَحْتَلِبَنّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلا بإذنه...» تفسير : الحديث. خرّجه الأئمة. الثاني: أنها ناسخة؛ قاله جماعة. روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لما أنزل الله عز وجل: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [النساء: 29] قال المسلمون: إن الله عز وجل قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، وأن الطعام من أفضل الأموال، فلا يحلّ لأحد منّا أن يأكل عند أحد، فكفّ الناس عن ذلك؛ فأنزل الله عز وجل {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} ـ إلى ـ {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ}. قال: هو الرجل يوكّل الرجل بضيعته. قلت: عليّ بن أبي طلحة هذا هو مولى بني هاشم سكن الشام، يُكْنَى أبا الحسن ويقال أبا محمد، واسم أبيه أبي طلحة سالمٌ، تُكلِّم في تفسيره؛ فقيل: إنه لم ير ابن عباس، والله أعلم. الثالث: أنها محكمة؛ قاله جماعة من أهل العلم ممن يُقْتَدى بقولهم؛ منهم سعيد بن المسيِّب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وروى الزُّهْرِيّ عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان المسلمون يُوعِبُون في النَّفِير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضَمْناهم ويقولون: إن احتجتم فكُلُوا؛ فكانوا يقولون إنما أحلُّوه لنا عن غير طِيب نَفْس؛ فأنزل الله عز وجل: {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ} إلى آخر الآية. قال النحاس: «يُوعِبون» أي يخرجون بأجمعهم في المغازِي؛ يقال: أوْعَب بنو فلان لبني فلان إذا جاؤوهم بأجمعهم. وقال ابن السكِّيت: يقال أوْعب بنو فلان جلاءً؛ فلم يبق ببلدهم منهم أحد. وجاء الفرسُ برَكْضٍ وَعِيب؛ أي بأقصى ما عنده. وفي الحديث: «حديث : في الأنف إذا استوعِب جَدْعُه الدِّيَةُ» تفسير : إذا لم يترك منه شيء. واستيعاب الشيء استئصاله. ويقال: بَيْتٌ وَعِيبٌ إذا كان واسعاً يَسْتَوْعِب كلّ ما جُعل فيه. والضَّمْنَى هم الزَّمْنَى، واحدهم ضَمِن مثل زمِن. قال النحاس: وهذا القول من أجلّ ما روي في الآية؛ لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوقيف أن الآية نزلت في شيء بعينه. قال ابن العربي: وهذا كلام منتظم لأجل تخلّفهم عنهم في الجهاد وبقاء أموالهم بأيديهم، لكن قوله: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} قد اقتضاه؛ فكان هذا القول بعيداً جداً. لكن المختار أن يقال: إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به من المشي؛ وما يتعذّر من الأفعال مع وجود العَرَج، وعن المريض فيما يؤثّر المرض في إسقاطه؛ كالصوم وشروط الصلاة وأركانها، والجهاد ونحو ذلك. ثم قال بعد ذلك مبيّناً: وليس عليكم حرج في أن تأكلوا من بيوتكم. فهذا معنى صحيح، وتفسير بيِّن مفيد، يَعْضُده الشرع والعقل، ولا يحتاج في تفسير الآية إلى نقل. قلت: وإلى هذا أشار ابن عطية فقال: فظاهر الآية وأمرُ الشريعة يدلّ على أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر، وتقتضي نيتهم فيه الإتيان بالأكمل، ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص؛ فالحرج مرفوع عنهم في هذا، فأما ما قال الناس في هذا الحرج هنا وهي: الثانية: فقال ابن زيد: هو الحرج في الغزو؛ أي لا حرج عليهم في تأخرهم. وقوله تعالى: {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} الآية، معنًى مقطوع من الأوّل. وقالت فرقة: الآية كلّها في معنى المطاعم. قالت: وكانت العرب ومَن بالمدينة قبل المَبْعث تتجنّب الأكل مع أهل الأعذار؛ فبعضهم كان يفعل ذلك تقَذُّراً لجَوَلان اليد من الأعمى، ولانبساط الجلسة من الأعرج، ولرائحة المريض وعلاّته؛ وهي أخلاق جاهلية وكبر، فنزلت الآية مؤذنة. وبعضهم كان يفعل ذلك تحرّجاً من غير أهل الأعذار، إذ هم مقصرون عن درجة الأصحاء في الأكل، لعدم الرؤية في الأعمى، وللعجز عن المزاحمة في الأعرج، ولضعف المريض؛ فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم. وقال ابن عباس في كتاب الزّهْرَاوِيّ: إن أهل الأعذار تحرّجوا في الأكل مع الناس من أجل عذرهم؛ فنزلت الآية مبيحة لهم. وقيل: كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئاً ذهب به إلى بيوت قرابته؛ فتحرّج أهل الأعذار من ذلك؛ فنزلت الآية. الثالثة: قوله تعالى: {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} هذا ابتداء كلام؛ أي ولا عليكم أيها الناس. ولكن لما اجتمع المخاطَب وغير المخاطب غلّب المخاطب لينتظم الكلام. وذكر بيوت القرابات وسقط منها بيوتُ الأبناء؛ فقال المفسرون: ذلك لأنها داخلة في قوله: «في بيوتكم» لأن بيت ابن الرجل بيتُه؛ وفي الخبر: «أنت ومالك لأبيك». ولأنه ذكر الأقرباء بعدُ ولم يذكر الأولاد. قال النحاس: وعارض بعضهم هذا القول فقال: هذا تحكّم على كتاب الله تعالى؛ بل الأولى في الظاهر ألا يكون الابن مخالفاً لهؤلاء، وليس الاحتجاج بما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «حديث : أنت ومالك لأبيك» تفسير : بقوِيّ لوَهْي هذا الحديث، وأنه لو صح لم تكن فيه حجة؛ إذ قد يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم علم أن مال ذلك المخاطب لأبيه. وقد قيل إن المعنى: أنت لأبيك، ومالك مبتدأ؛ أي ومالك لك. والقاطع لهذا التوارثُ بين الأب والابن. وقال الترمذي الحكيم: ووجه قوله تعالى: {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} كأنه يقول مساكنكم التي فيها أهاليكم وأولادكم؛ فيكون للأهل والولد هناك شيء قد أفادهم هذا الرجل الذي له المسكن، فليس عليه حرج أن يأكل معهم من ذلك القُوت، أو يكون للزوجة والولد هناك شيء من ملكهم فليس عليه في ذلك حرج. الرابعة: قوله تعالى: {أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ} قال بعض العلماء: هذا إذا أذنوا له في ذلك. وقال آخرون: أذنوا له أو لم يأذنوا فله أن يأكل؛ لأن القرابة التي بينهم هي إذنٌ منهم. وذلك لأن في تلك القرابة عَطْفاً تسمح النفوس منهم بذلك العطف أن يأكل هذا من شيئهم ويُسَرّوا بذلك إذا علموا. ابن العربي: أباح لنا الأكل من جهة النسب من غير استئذان إذا كان الطعام مبذولاً، فإذا كان محوزاً دونهم لم يكن لهم أخذه، ولا يجوز أن يجاوزوا إلى الادخار، ولا إلى ما ليس بمأكول وإن كان غير محوز عنهم إلا بإذن منهم. الخامسة: قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} يعني مما اختزنتم وصار في قبضتكم. وعظم ذلك ما ملكه الرجل في بيته وتحت غَلَقه؛ وذلك هو تأويل الضحاك وقتادة ومجاهد. وعند جمهور المفسرين يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأُجَراء. قال ابن عباس: عنى وكيل الرجل على ضيعته، وخازنه على ماله؛ فيجوز له أن يأكل مما هو قَيِّم عليه. وذكر معمر عن قتادة عن عكرمة قال: إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يَطْعَم الشيء اليسير. ابن العربي: وللخازن أن يأكل مما يُخزن إجماعاً؛ وهذا إذا لم تكن له أجرة، فأما إذا كانت له أجرة على الخزن حَرُم عليه الأكل. وقرأ سعيد بن جُبير «مُلِّكْتُم» بضم الميم وكسر اللام وشدها. وقرأ أيضاً «مفاتيحه» بياء بين التاء والحاء، جمع مفتاح؛ وقد مضى في «الأنعام». وقرأ قتادة «مفتاحه» على الإفراد. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازِياً وخلّف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهوداً فسأله عن حاله فقال: تحرّجت أن آكل من طعامك بغير إذنك؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. السادسة: قوله تعالى: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} الصديق بمعنى الجمع، وكذلك العدوّ؛ قال الله تعالى: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ} تفسير : [الشعراء: 77]. وقال جرير:شعر : دعَوْن الهَوَى ثم ارْتَمَيْنَ قلوبَنا بأسهم أعداء وهن صدِيقُ تفسير : والصديق من يَصْدقك في مودّته وتَصْدقه في مودّتك. ثم قيل: إن هذا منسوخ بقوله: {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 53]، وقوله تعالى: {أية : فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا} تفسير : [النور: 28] الآية، وقوله عليه السلام: «حديث : لا يحل مال امرىء مسلم إلا بِطيبة نفس منه»تفسير : . وقيل: هي محكمة؛ وهو أصح. ذكر محمد بن ثَوْر عن مَعْمَر قال: دخلت بيت قتادة فأبصرت فيه رُطَباً فجعلت آكله؛ فقال: ما هذا؟ فقلت: أبصرت رطباً في بيتك فأكلت؛ قال: أحسنت، قال الله تعالى: «أَوْ صَدِيقِكُمْ». وذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: «أَوْ صَدِيقِكُمْ» قال: إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته لم يكن بذلك بأس. وقال معمر قلت لقتادة: ألا أشرب من هذا الحُبّ؟ قال: أنت لي صديق! فما هذا الاستئذان. وكان صلى الله عليه وسلم يدخل حائط أبي طلحة المسمّى ببَيْرَحا ويشرب من ماء فيها طيّب بغير إذنه، على ما قاله علماؤنا؛ قالوا: والماء متملّك لأهله. وإذا جاز الشرب من ماء الصديق بغير إذنه جاز الأكل من ثماره وطعامه إذا علم أن نفس صاحبه تطيب به لتفاهته ويسير مؤنته، أو لما بينهما من المَودّة. ومن هذا المعنى إطعام أمّ حَرام له صلى الله عليه وسلم إذ نام عندها؛ لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل، وأن يد زوجته في ذلك عارِيَة. وهذا كله ما لم يتخذ الأكل خُبْنة، ولم يقصد بذلك وقاية ماله، وكان تافهاً يسيراً. السابعة: قرن الله عز وجل في هذه الآية الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة، لأن قرب المودة لَصِيق. قال ابن عباس في كتاب النقاش: الصديق أوكد من القرابة؛ ألا ترى استغاثة الجَهَنمِيين {أية : فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 100 ـ 101]. قلت: ولهذا لا تجوز عندنا شهادة الصديق لصديقه، كما لا تجوز شهادة القريب لقريبه. وقد مضى بيان هذا والعلة فيه في «النساء». وفي المثل «أيّهم أحب إليك أخوك أم صديقك» قال: أخي إذا كان صديقي. الثامنة: قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} قيل: إنها نزلت في بني ليث بن بكر، وهم حيّ من بني كِنانة، كان الرجل منهم لا يأكل وحده ويمكث أياماً جائعاً حتى يجد من يؤاكله. ومنه قول بعض الشعراء:شعر : إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي له أكِيلاً فإني لست آكله وَحْدِي تفسير : قال ابن عطية: وكانت هذه السيرة موروثة عندهم عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان لا يأكل وحده. وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه؛ فنزلت الآية مبيّنة سُنّة الأكل، ومذهبة كلّ ما خالفها من سيرة العرب، ومبيحة من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرّماً، نحت به نحو كرم الخلق، فأفرطت في إلزامه، وإن إحضار الأكيل لحَسَن، ولكن بألا يحرم الانفراد. التاسعة: قوله تعالى: {جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} «جميعاً» نصب على الحال. و«أَشْتَاتاً» جمع شَتّ، والشَّتُّ المصدر بمعنى التفرّق؛ يقال: شتّ القوم أي تفرّقوا. وقد ترجم البخاريّ في صحيحه (باب ـ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) الآية. و(النِّهد والاجتماع). ومقصوده فيما قاله علماؤنا في هذا الباب: إباحة الأكل جميعاً وإن اختلفت أحوالهم في الأكل. وقد سوّغ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك، فصارت تلك سنّة في الجماعات التي تدعى إلى الطعام في النِّهد والولائم وفي الإملاق في السفر. وما ملكت مفاتحه بأمانة أو قرابة أو صداقة فلك أن تأكل مع القريب أو الصديق ووحدك. والنِّهد: ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على قدر في النفقة ينفقونه بينهم؛ وقد تناهدوا؛ عن صاحب العين. وقال ابن دُرَيد: يقال من ذلك: تناهد القوم الشيء بينهم. الهَرَوِيّ: وفي حديث الحَسَن: حديث : أخرجوا نِهْدَكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكمتفسير : . النِّهد: ما تخرجه الرُّفقة عند المناهدة؛ وهو استقسام النفقة بالسويّة في السفر وغيره. والعرب تقول: هات نِهْدَك؛ بكسر النون. قال المهلّب: وطعام النِّهد لم يوضع للآكلين على أنهم يأكلون بالسّواء، وإنما يأكل كل واحد على قدر نَهْمته، وقد يأكل الرجل أكثر من غيره. وقد قيل: إن تركها أشبه بالوَرَع. وإن كانت الرُّفقة تجتمع كل يوم على طعام أحدهم فهو أحسن من النهد؛ لأنهم لا يتناهدون إلا لِيُصيبَ كلّ واحد منهم من ماله، ثم لا يدري لعل أحدهم يقصّر عن ماله، ويأكل غيره أكثر من ماله؛ وإذا كانوا يوماً عند هذا ويوماً عند هذا بلا شرط فإنما يكونون أضيافاً والضّيفُ يأكل بطِيب نَفْس ممّا يُقدَّم إليه. وقال أيوب السِّختياني: إنما كان النّهد أن القوم كانوا يكونون في السفر فيسبق بعضهم إلى المنزل فيذبح ويهيّىء الطعام ثم يأتيهم، ثم يسبق أيضاً إلى المنزل فيفعل مثل ذلك؛ فقالوا: إن هذا الذي تصنع كلُّنا نحب أن نصنع مثله فتعالوْا نجعل بيننا شيئاً لا يتفضل بعضنا على بعض، فوضعوا النِّهد بينهم. وكان الصلحاء إذا تناهدوا تحرّى أفضلهم أن يزيد على ما يخرجه أصحابه، وإن لم يرضوا بذلك منه إذا علموه فعله سرًّا دونهم. العاشرة: قوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} اختلف المتأولون في أي البيوت أراد؛ فقال إبراهيم النَّخَعِيّ والحسن: أراد المساجد؛ والمعنى: سلِّموا على من فيها من صنفكم. فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول المرء: السلام على رسول الله. وقيل: يقول السلام عليكم؛ يريد الملائكة، ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وذكر عبد الرزاق أخبرنا مَعْمَر عن عمرو بن دِينار عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: «فإذا دخلتم بيوتاً فسلّمُوا على أنفسكم» الآية، قال: إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقيل: المراد بالبيوت البيوت المسكونة؛ أي فسلموا على أنفسكم. قاله جابر بن عبد الله وابن عباس أيضاً وعطاء بن أبي رباح. وقالوا: يدخل في ذلك البيوت غير المسكونة، ويسلّم المرء فيها على نفسه بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال ابن العربي: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح، ولا دليل على التخصيص؛ وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بيت كان للغير أو لنفسه؛ فإذا دخل بيتاً لغيره استأذن كما تقدّم، فإذا دخل بيتاً لنفسه سلم كما ورد في الخبر، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ قاله ابن عمر. وهذا إذا كان فارغاً، فإن كان فيه أهله وخدمه فليقل: السلام عليكم. وإن كان مسجداً فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وعليه حمل ابن عمر البيتَ الفارغ. قال ابن العربي: والذي أختاره إذا كان البيت فارغاً ألا يلزم السلام، فإنه إن كان المقصود الملائكة فالملائكة لا تفارق العبد بحال، أما إنه إذا دخلت بيتك يستحب لك ذكر الله بأن تقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وقد تقدم في سورة «الكهف». وقال القُشَيْرِي في قوله: «إذا دخلتم بُيُوتاً»: والأوجه أن يقال إن هذا عام في دخول كل بيت، فإن كان فيه ساكن مسلم يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإن لم يكن فيه ساكن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وإن كان في البيت من ليس بمسلم قال السلام على من اتبع الهدى، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وذكر ابن خُوَيْزمَنْداد قال: كتب إليّ أبو العباس الأصمّ قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا جعفر بن ميسرة عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا دخلتم بيوتاً فسلّموا على أهلها واذكروا اسم الله فإن أحدكم إذا سلّم حين يدخل بيته وذكر اسم الله تعالى على طعامه يقول الشيطان لأصحابه لا مَبِيت لكم هاهنا ولا عَشَاء وإذا لم يسلّم أحدكم إذ دخل ولم يذكر اسم الله على طعامه قال الشيطان لأصحابه أدركتم المبيت والعشاء.»تفسير : قلت: هذا الحديث ثَبَت معناه مرفوعاً من حديث جابر، خرّجه مسلم. وفي كتاب أبي داود عن أبي مالك الأشجعيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا وَلَج الرجل بيته فلْيقل اللَّهُمَّ إني أسألك خير الُولُوج وخير الخروج باسم الله وَلَجْنَا وباسم الله خرجنا وعلى الله ربّنا توكلنا ثم ليسلِّم على أهله».تفسير : الحادية عشرة: قوله تعالى: {تَحِيَّةً} مصدر؛ لأن قوله: «فسَلِّموا» معناه فحيُّوا. وصفها بالبركة لأن فيها الدعاء واستجلاب مودّة المسلَّم عليه. ووصفها أيضاً بالطّيب لأن سامعها يستطيبها. والكاف من قوله «كذلك» كاف تشبيه. و«ذلك» إشارة إلى هذه السُّنَن؛ أي كما بيّن لكم سُنّة دينكم في هذه الأشياء يبيّن لكم سائر ما بكم حاجة إليه في دينكم.

ابن كثير

تفسير : اختلف المفسرون رحمهم الله في المعنى الذي لأجله رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض ههنا، فقال عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنها نزلت في الجهاد، وجعلوا هذه الآية ههنا كالتي في سورة الفتح، وتلك في الجهاد لا محالة، أي: إنهم لا إثم عليهم في ترك الجهاد؛ لضعفهم وعجزهم، وكما قال تعالى في سورة براءة: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} تفسير : - إلى قوله - {أية : أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ } تفسير : [التوبة: 91 ــــ 92] وقيل: المراد ههنا أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى؛ لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك، ولا مع الأعرج؛ لأنه لا يتمكن من الجلوس، فيفتات عليه جليسه، والمريض لا يستوفي من الطعام كغيره، فكرهوا أن يؤاكلوهم؛ لئلا يظلموهم، فأنزل الله هذه الآية، رخصة في ذلك، وهذا قول سعيد بن جبير ومقسم. وقال الضحاك: كانوا قبل البعثة يتحرجون من الأكل مع هؤلاء؛ تقذراً وتعززاً، ولئلا يتفضلوا عليهم، فأنزل الله هذه الآية. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} الآية، قال: كان الرجل يذهب بالأعمى أو بالأعرج أو بالمريض إلى بيت أبيه أو أخيه، أو بيت أخته، أو بيت عمته، أو بيت خالته، فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت عشيرتهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم. وقال السدي: كان الرجل يدخل بيت أبيه أو أخيه أو ابنه، فتتحفه المرأة بشيء من الطعام، فلا يأكل؛ من أجل أن رب البيت ليس ثم، فقال الله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} الآية. وقوله تعالى: {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} إنما ذكر هذا، وهو معلوم؛ ليعطف عليه غيره في اللفظ، وليساوي به ما بعده في الحكم، وتضمن هذا بيوت الأبناء؛ لأنه لم ينص عليهم، ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه، وقد جاء في المسند والسنن من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أنت ومالك لأبيك»تفسير : . وقوله { أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَـٰتِكُمْ} ــــ إلى قوله ــــ {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ} هذا ظاهر، وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض؛ كما هو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل في المشهور عنهما، وأما قوله: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ} فقال سعيد بن جبير والسدي: هو خادم الرجل من عبد وقهرمان، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف. وقال الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان المسلمون يذهبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه، فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا أن نأكل، إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء، فأنزل الله: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ}. وقوله: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} أي: بيوت أصدقائكم وأصحابكم، فلا جناح عليكم في الأكل منها، إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم؛ ولا يكرهون ذلك. وقال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك، فلا بأس أن تأكل بغير إذنه. وقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك لما أنزل الله: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ} تفسير : [النساء: 29] قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل من الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} ــــ إلى قوله ــــ {أَوْ صَدِيقِكُمْ} وكانوا أيضاً يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك، فقال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} وقال قتادة: كان هذا الحي من بني كنانة يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحفل، وهو جائع، حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده، ومع الجماعة، وإن كان الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل. كما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا نأكل ولا نشبع. قال: «حديث : لعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله؛ يبارك لكم فيه» تفسير : ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث الوليد بن مسلم به، وقد روى ابن ماجه أيضاً من حديث عمرو بن دينار القهرماني عن سالم عن أبيه عن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «حديث : كلوا جميعاً ولا تفرقوا؛ فإن البركة مع الجماعة».تفسير : وقوله: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} قال سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والزهري: يعني: فليسلم بعضكم على بعض. وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، سمعت جابر بن عبد الله يقول: إذا دخلت على أهلك، فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة، قال: ما رأيته إلا يوجبه. قال ابن جريج: وأخبرني زياد عن ابن طاوس: أنه كان يقول: إذا دخل أحدكم بيته، فليسلم، قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم؟ قال: لا، ولا آثر وجوبه عن أحد، ولكن هو أحب إلي، وما أدعه إلا ناسياً. وقال مجاهد: إذا دخلت المسجد، فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك، فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وروى الثوري عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد: إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد، فقل: بسم الله والحمد لله، السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقال قتادة: إذا دخلت على أهلك، فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك، وحدثنا أن الملائكة ترد عليه. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عويد بن أبي عمران الجوني عن أبيه عن أنس قال: أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم بخمس خصال، قال: «حديث : يا أنس أسبغ الوضوء، يزد في عمرك، وسلم على من لقيك من أمتي، تكثر حسناتك، وإذا دخلت ــــ يعني: بيتك ــــ فسلم على أهلك، يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى؛ فإنها صلاة الأوابين قبلك. يا أنس ارحم الصغير، ووقر الكبير، تكن من رفقائي يوم القيامة»تفسير : . وقوله {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةً طَيِّبَةً} قال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أنه كان يقول: ما أخذت التشهد، إلا من كتاب الله، سمعت الله يقول: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةً طَيِّبَةً} فالتشهد في الصلاة: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم يدعو لنفسه ويسلم. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث ابن إسحاق. والذي في "صحيح مسلم" عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف هذا، والله أعلم. وقوله {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لما ذكر تعالى ما في هذه السور الكريمة من الأحكام المحكمة، والشرائع المتقنة المبرمة، نبه تعالى عباده على أنه يبين لعباده الآيات بياناً شافياً؛ ليتدبروها ويتعقلوها؛ لعلهم يعقلون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ } في مؤاكلة مقابليهم {وَلاَ } حرج {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } أي بيوت أولادكم {أَوْ بُيُوتِ ءَابائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمْ أو بُيُوتِ إِخْوٰنِكُمْ أو بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَٰلَـٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ} أي خزنتموه لغيركم {أَوْ صَدِيقِكُمْ } وهو مَن صدقكم في مودّته. المعنى يجوز الأكل من بيوت من ذكر وإن لم يحضروا أي إذا علم رضاهم به {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً } مجتمعين {أَوْ أَشْتَاتاً } متفرّقين، جمع شت، نزل فيمن تحرّج أن يأكل وحده وإذا لم يجد من يؤاكله يترك الأكل {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً } لكم لا أهل بها {فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } أي قولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنّ الملائكة تردّ عليكم وإن كان بها أهل فسلموا عليهم {تَحِيَّةً } مصدر حيا {مّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةً طَيّبَةً } يُثاب عليها {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَٰتِ } أي يفصل لكم معالم دينكم {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي تفهموا ذلك.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن الأنصار كانوا يتحرجون أن يؤاكلوا هؤلاء إذا دعوا إلى الطعام فيقولون: الأعمى لا يبصر أطيب الطعام، والأعرج لا يستطيع الزحام عند الطعام، والمريض يضعف عن مشاركة الصحيح في الطعام. وكانوا يقولون: طعامهم مفرد ويرون أنه أفضل من أن يكونوا شركاء، فأنزل الله هذه الآية فيهم ورفع الحرج عنهم في مؤاكلتهم، قاله ابن عباس، والضحاك، والكلبي. الثاني: أنه ليس على هؤلاء من أهل الزمانة حرج أن يأكلوا من بيوت من سمى الله بعد هذا من أهاليهم، قاله مجاهد. الثالث: أنه كان المذكورون من أهل الزمانة يخلفون الأنصار في منازلهم إذا خرجواْ بجهاد وكانوا يتحرجون أن يأكلوا منها فرخص الله لهم في الأكل من بيوت من استخلفوهم فيها، قاله الزهري. الرابع: أنها نزلت في إسقاط الجهاد عمن ذكروا من أهل الزمانة. الخامس: ليس على من ذكر من أهل الزمانة حرج إذا دُعِي إلى وليمة أن يأخذ معه قائده، وهذا قول عبد الكريم. {وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: من أموال عيالكم وأزواجكم لأنهم في بيته. الثاني: من بيوت أولادكم فنسب بيوت الأولاد إلى بيوت أنفسهم لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَنتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" تفسير : ولذلك لم يذكر الله بيوت الأبناء حين ذكر بيوت الآباء والأقارب اكتفاء بهذا الذكر. الثالث: يعني بها البيوت التي هم ساكنوها خدمة لأهلها واتصالاً بأربابها كالأهل والخدم. {أَوْ بُيُوتِ ءَابَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ} فأباح الأكل من بيوت هؤلاء لمكان النسب من غير استئذانهم في الأكل إذا كان الطعام مبذولاً، فإن كان محروزاً دونهم لم يكن لهم هتك حرزه. ولا يجوز أن يتجاوزوا الأكل إلى الادخار، ولا إلى ما ليس بمأكول وإن كان غير محروز عنهم إلا بإذن منهم ثم قال: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عَنَى به وكيل الرجل وَقيِّمه في ضيعته يجوز له أن يأكل مما يقوم عليه من ثمار ضيعته،قاله ابن عباس. الثاني: أنه أراد منزل الرجل نفسه يأكل مما ادخره، قاله قتادة. الثالث: أنه عنى به أكل السيد من منزل عبده وماله لأن مال العبد لسيده، حكاه ابن عيسى. {أَوْ صَدِيقِكُمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه يأكل من بيت صديقه في الوليمة دون غيرها. الثاني: أنه يأكل من منزل صديقه في الوليمة وغيرها إذا كان الطعام حاضراً غير محرز. قال ابن عباس: الصديق أكثر من الوالدين، ألا ترى أن الجهنميين لم يستغيثوا بالآباء ولا الأمهات وإنما قالوا: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِي الصَّدِيقِ البَارِّ عِوَضَاً عَنِ الرَّحِمِ المَذْمُومَةِ" تفسير : والمراد بالصديق الأصدقاء وهو واحد يعبر به عن الجميع، قال جرير: شعر : دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا. . بأسهم أعداءٍ وهن صديقُ تفسير : وفي الصديق قولان: أحدهما: أنه الذي صدقك عن مودته. الثاني: أنه الذي يوافق باطنه باطنك كما وافق ظاهره ظاهرك. ثم اختلفوا في نسخ ما تقدم ذكره بعد ثبوت حكمه على قولين: أحدهما: أنه على ثبوته لم ينسخ شيء منه، قاله قتادة. الثاني: أنه منسوخ بقوله تعالى: {لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ} الآية. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحل مَالُ امْرِىءْ مُسْلِمٍ إلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنهُ " تفسير : قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنها نزلت في بني كنانة كان رجل منهم يرى أن مُحرَّماً عليه أن يأكل وحده في الجاهلية حتى أن الرجل ليسوق الزود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل فيهم هذه الآية، قاله قتادة وابن جريج. الثاني: أنها نزلت في قوم من العرب كان الرجل منهم إذا نزل به ضيف تحرج أن يتركه يأكل وحده حتى يأكل معه، فنزل ذلك فيهم، قال أبو صالح. الثالث: أنها نزلت في قوم كانوا يتحرجون أن يأكلوا جميعاً ويعتقدون أنه ذنب ويأكل كل واحد منهم منفرداً، فنزل ذلك فيهم، حكاه النقاش. الرابع: أنها نزلت في قوم مسافرين اشتركوا في أزوادهم فكان إذا تأخر أحدهم أمسك الباقون عن الأكل حتى يحضر، فنزل ذلك فيهم ترخيصاً للأكل جماعة وفرادى. {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً} فيها قولان: أحدهما: أنه المساجد. الثاني: أنها جميع البيوت. {فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: يعني إذا دخلتم بيوت أنفسكم فسلموا على أهاليكم وعيالكم، قاله جابر. الثاني: إذا دخلتم المساجد فسلموا على من فيها، وهذا قول ابن عباس. الثالث: إذا دخلتم بيوت غيركم فسلموا عليهم، قاله الحسن. الرابع: إذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أهل دينكم، قاله السدي. الخامس: إذا دخلتم بيوتاً فارغة فسلموا على أنفسكم وهو أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، قاله ابن عمر، وإبراهيم، وأبو مالك، وقيل: سلامه على نفسه أن يقول: السلام علينا من ربنا تحية من عند الله. وإذا سلم الواحد من الجماعة أجزأ عن جميعهم، فإذا دخل الرجل مسجداً ذا جمع كثير سلم يسمع نفسه، وإذا كان ذا جمع قليل أسمعهم أو بعضهم. قال الحسن: كان النساء يسلمن على الرجال ولا يسلم الرجال على النساء، وكان ابن عمر يسلم على النساء، ولو قيل لا يسلم أحد الفريقين على الآخر كان أولى لأن السلام مواصلة. {تَحِيَّةً مِنْ عِندِ اللَّهِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني أن السلام اسم من أسماء الله تعالى. الثاني: أن التحية بالسلام من أوامر الله. الثالث: أن الرد عليه إذا سلم دعاء له عند الله. الرابع: أن الملائكة ترد عليه فيكون ثواباً من عند الله. {مُبَارَكَةً} فيها وجهان: أحدهما: لما فيها من الثواب الجزيل. الثاني: لما يرجى من ثواب الدعاء. {طَيِّبَةً} يحتمل وجهين: أحدهما: لما فيها من طيب العيش بالتواصل. الثاني: لما فيها من طيب الذكر والشأن.

ابن عطية

تفسير : اختلف الناس في المعنى الذي رفع الله فيه "الحرج" عن الأصناف الثلاثة، فظاهر الآية وأمر الشريعة أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر وتقتضي نيتهم الإتيان فيه بالأكمل، ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص، فالحرج مرفوع عنهم في هذا. فأما ما قال الناس في هذا "الحرج" هنا فقال ابن زيد هو الحرج في الغزو أي لا حرج عليهم في تأخرهم، وقوله: {ولا على أنفسكم} الآية معنى مقطوع من الأول، وقالت فرقة الآية كلها في معنى المطاعم قال وكانت العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تتجنب الأكل مع أهل الأعذار فبعضهم كان يفعل ذلك تقذراً لجولان اليد من {الأعمى} ولانبساط الجلسة من {الأعرج} ولرائحة المريض وعلاته وهي أخلاق جاهلية وكبر، فنزلت الآية مؤيدة، وبعضهم كان يفعل ذلك تحرجاً من غبن أهل الأعذار إذ هم مقصرون في الأكل عن درجة الأصحاء لعدم الرؤية في {الأعمى} وللعجز عن المزاحمة في {الأعرج} ولضعف المريض فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم، وقال ابن عباس في كتاب الزهراوي أن أهل هذه الأعذار تحرجوا في الأكل مع الناس لأجل عذرهم فنزلت الآية مبيحة لهن، وقال ابن عباس أيضاً الآية من أولها إلى آخرها إنما نزلت بسبب أن الناس، لما نزلت {أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} تفسير : [البقرة: 188] قالوا لا مال أعز من الطعام وتحرجوا من أن يأكل أحد مع هؤلاء فيغبنهم في الأكل فيقع في أكل المال بالباطل، وكذلك تحرجوا عن أكل الطعام القرابات لذلك فنزلت الآية مبيحة جميع هذه المطاعم ومبينة تلك إنما هي في التعدي والقمار وكل ما يأكله المرء من مال الغير والغير كاره أو بصفة فاسدة ونحوه، وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قوله في الأصناف الثلاثة إنما نزلت بسبب أن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزو، خلفوا أهل العذر في منازلهم وأموالهم، فكان أهل العذر يتجنبون أكل مال الغائب، فنزلت الآية مبيحة لهم أكل الحاجة من طعام الغائب إذا كان الغائب قد بنى على ذلك، وقيل كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئاً ذهب بهم إلى بيت قرابته فتحرج أهل الأعذار من ذلك، فنزلت الآية وذكر الله تعالى بيوت القرابات وسقط منها بيوت الأبناء، فقال المفسرون ذلك داخل في قوله {من بيوتكم} لأن بيت ابن الرجل بيته، وقرأ طلحة بن مصرف "إمهاتكم" بكسر الهمزة وقوله: {أم ما ملكتم مفاتحه} يعني ما حزتم وصار في قبضتكم، فعظمه ما ملكه الرجل في بيته وتحت غلقه وذلك هو تأويل الضحاك ومجاهد، وعند جمهور المفسرين يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأجراء بالمعروف، وقرأ جمهور الناس "مَلَكتم" بفتح الميم واللام، وقرأ سعيد بن جبير "مُلِّكتم" بضم الميم وكسر اللام وشدها، وقرأ جمهور الناس "مفاتحه"، وقرأ سعيد بن جبير "مفاتيحه" بياء بين التاء والحاء الأولى على جمع مَفتح والثانية على جمع مُفتاح، وقرأ قتادة "ملكتم مفاتحه" وقرن تعالى في هذه الآية الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة لأن قرب المودة لصيق، قال معمر: قلت لقتادة ألا أشرب من هذا الجب؟ قال أنت لي صديق فما هذا الاستئذان؟ قال ابن عباس في كتاب النقاش الصديق أوكد من القرابة، ألا ترى إلى استغاثة الجهنميين {أية : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} تفسير : [الشعراء: 100] وقوله {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً} رد لمذهب جماعة من العرب كانت لا تأكل أفراداً البتة، قاله الطبري، ومن ذلك قول بعض الشعراء: [الطويل] شعر : إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي تفسير : وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه فنزلت هذه الآية مبينة سنة الأكل ومذهبة كل ما خلفها من سنة العرب، ومبيحة من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرماً نحت به نحو كرم الخلق فأفرطت في إلزامه وأن إحضار الأكيل لحسن ولكن بأن لا يحرم الانفراد، وقال بعض أهل العلم هذه الآية منسوخة بقوله عليه السلام: "حديث : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" تفسير : وبقوله تعالى: {أية : لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا} تفسير : [النور: 27] وبقوله عليه السلام من حديث ابن عمر "حديث : لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه" تفسير : الحديث، ثم ختم الله تعالى الآية بتبيينه سنة السلام في البيوت، واختلف المتأولون في أي البيوت أراد، فقال إبراهيم النخعي أراد المساجد، والمعنى سلموا على من فيها من صنفكم فهذا كما قال {أية : لقد جاءكم رسول من أنفسكم} تفسير : [التوبة: 128] فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول المرء السلام على رسول الله وقيل السلام عليكم يريد الملائكة ثم يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين قوله {تحية} مصدر ووصفها بالبركة لأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه والكاف من قوله {كذلك} كاف تشبيه وذلك إشارة إلى هذه السنن أي كهذا الذي وصف يطرد تبيين الآيات {لعلكم} تعقلونها وتعملون بها، وقال بعض الناس في هذه الآية إنها منسوخة بآية الاستئذان الذي أمر به الناس وهي المقدمة في السورة، فإذا كان الإذن محجوراً فالطعام أحرى، وكذلك أيضاً فرضت فرقة نسخاً بينها وبين قوله تعالى {أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} تفسير : [البقرة: 188]. قال الفقيه الإمام القاضي : والنسخ لا يتصور في شيء من هذه الآيات بل هي كلها محكمة، أما قوله {أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} تفسير : [البقرة: 188] ففي التعدي والخدع والإغرار واللهو والقمار ونحوه، وأما هذه الآية ففي إباحة هذه الأصناف التي يسرها استباحة طعامها على هذه الصفة، وأما آية الإذن فعلة إيجاب الاستئذان خوف الكشف فإذا استأذن الرجل خوف الكشفة ودخل المنزل بالوجه المباح صح له بعد ذلك أكل الطعام بهذه الإباحة وليس يكون في الآية نسخ فتأمله.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى}..... إلى {الْمَرِيضِ} كان الأنصار يتحرجون من الأكل مع هؤلاء إذا دعوا إلى طعام ويقولون الأعمى لا يبصر أطيب الطعام، والأعرج لا يقدر على الزحام عند الطعام، والمريض عن مشاركة الصحيح في الطعام، فكانوا يعزلون طعامهم، ويرون أنه أفضل من مشاركتهم فنزلت الآية رافعة للحرج في مؤاكلتهم "ع"، أو كان الأنصار يستخلفون أهل الزَّمانة المذكورين في منازلهم إذا خرجوا للجهاد فكانوا يتحرجون أن يأكلوا منها فرخص لهم أن يأكلوا من بيوت من استخلفهم، أو نزلت في سقوط الجهاد عنهم "ح"، أو لا جناح على من دُعي منهم إلى وليمة أن يأخذ معه قائده {بُيُوتِكُمْ} أموال عيالكم وزوجاتكم لأنهم في بيته، أو أولادكم فنسبت بيوت الأولاد إليهم كقوله: "أنت ومالك لأبيك" ولذلك لم تذكر بيوت الأبناء، أو البيوت التي أنتم ساكنوها خدمة لأهلها واتصالاً بأربابها كالأهل والخدم {أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ}... إلى {خَالاتِكُمْ} أباح الأكل من بيوت هؤلاء إذا كان الطعام مبذولاً غير مُحرز، فإن مكان مُحرزاً فلا يجوز هتك الحرز، ولا يتعدى إلى غير المأكول ولا يتجاوز الأكل إلى الادخار {مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ} وكيل الرجل وقَيِّمُه في ضيعته يجوز أن يأكل مما يقوم [عليه] من ثمار الضيعة "ع"، أو يأكل من منزل نفسه ما ادخره، أو أكله من مال عبده {صَدِيقِكُمْ} في الوليمة خاصة، أو في الوليمة وغيرها وإذا كان الطعام غير محرز، والصديق واحد يعبّر به عن الجمع، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : قد جعل الله في الصديق البار عوضاً من الرحم المذمومة " تفسير : ، والصديق: من صدقك عن مودته، أو من وافق باطنه باطنك كما يوافق ظاهره ظاهرك، وما تقدم ذكره محكم لم ينسخ منه شيء، قاله قتادة: أو نسخ بوقوله ـ تعالى ـ: {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ} تفسير : [الأحزاب: 53] وبقوله: "حديث : لا يحل مال أمرىء مسلم " تفسير : الحديث {أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً} كان بنو كنانة في الجاهلية يرى أحدهم أنه يحرم عليه الأكل وحده حتى أن أحدهم ليسوق الذود الحُفَّل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه فنزلت فيهم، أو في قوم من العرب كانوا يتحرجون إذا نزل بهم ضيف أن يتركوه يأكل وحده حتى يأكلوا معه، أو في قوم تحرجوا من الاجتماع على الأكل ورأوا ذلك دِيناً، أو في قوم مسافرين اشتركوا في أزوادهم فكان إذا تأخر أحدهم أمسك الباقون حتى يحضر فرخص لهم في الأكل جماعة وفرادى {بُيُوتاً} المساجد، أو جميع البيوت {عَلَى أَنفُسِكُمْ} إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلكم وعيالكم، أو المساجد، فسلموا على من فيها "ع"، أو بيوت غيركم فسلموا عليهم "ح"، أو بيوتاً فسلموا على أهل دينكم، أو بيوتاً فارغة فسلموا على أنفسكم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أو سلام علينا من ربنا تحية من الله {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ} السلام اسم من أسماء الله ـ تعالى ـ، أو التحية بالسلام أمر من أوامره، أو الرد عليه إذا سلم دعاء له عند الله، أو الملائكة ترد عليه إذا سلم فيكون ثواباً من عند الله {مُبَارَكَةً} بما فيها من الثواب الجزيل، أو لما يرجى من قبول دعاء المجيب.

النسفي

تفسير : {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ } قال سعيد بن المسيب: كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والمريض والأعرج وعند أقاربهم ويأذنونهم أن يأكلوا من بيوتهم، وكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون: نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة فنزلت الآية رخصة لهم {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } أي حرج {أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } أي بيوت أولادكم لأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه ولذا لم يذكر الأولاد في الآية، وقد قال عليه الصلاة والسلام «حديث : أنت ومالك لأبيك»تفسير : أو بيوت أزواجكم لأن الزوجين صار كنفس واحدة فصار بيت المرأة كبيت الزوج {أو بيوت ءَابائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم} لأن الإذن من هؤلاء ثابت دلالة {أوما ملكتم مّفاتحة} جمع مفتح وهو ما يفتح به الغلق، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته، له أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته. وأريد بملك المفاتح كونها في يده وحفظه. وقيل: أريد به بيت عبده لأن العبد وما في يده لمولاه {أَوْ صَدِيقِكُمْ} يعني أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً وهو من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك، وكان الرجل من السلف يدخل دارٍ صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سروراً بذلك، فأما الآن فقد غلب الشح على الناس فلا يؤكل إلا بإذن. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً } مجتمعين {أَوْ أَشْتَاتاً } متفرقين جمع شت. نزلت في بني ليث بن عمرو وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة، أو في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم، أو تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً } من هذه البيوت لتأكلوا {فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } أي فابدؤوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة أو بيوتاً فارغة أو مسجداً فقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين {تَحِيَّةً } نصب بـــــ {سلموا} لأنها في معنى تسليماً نحو «قعدت جلوساً» {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } أي ثابتة بأمره مشروعة من لدنه، أو لأن التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله {مُبَـٰرَكَةً طَيّبَةً } وصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق {كَذَلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي تعقلوا وتفهموا.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} إلى قوله {كَذَلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ظاهر الآية: وأَمْرُ الشريعة أَنَّ الحَرَجَ عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر، وتقتضي نيتهم الإتيان به بالأكمل، ويقتضي العذر أَنْ يقعَ منهم الأنقص، فالحرج مرفوع عنهم في هذا، وللناس أقوال في الآية وتخصيصاتٌ يطول ذكرها، وذكر اللّه تعالى بيوتَ القراباتِ، وسقط منها بيوت الأبناء؛ فقال المفسرون: ذلك لأَنَّها داخلة في قوله: {من بيوتكم} لأنَّ بيت ابن الرجل بيتُه. وقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ} يريد ما خزنتم وصار في قبضتكم، فمعظمه ما ملكه الرجلُ في بيته وتحت غلقه، وهو تأويل الضَّحِّاكِ ومجاهد، وعند جمهور المفسرين: يدخل في الآية الوكلاءُ والعبيدُ والأُجراءُ بالمعروف. وقرأ ابن جبير: «مَلَكْتُمْ مَفَاتِيحَهُ» مبنياً للمفعول وزيادة يا بين التاء والحاء، وقَرَنَ تعالى في هذه الآية الصديقَ بالقرابة المَحْضَةِ الوكيدة؛ لأَنَّ قُرْبَ المودة لصيق؛ قال معمر: قلت: لقتادَة: أَلاَ أشرب من هذا الجُبِّ؟ قال: أنت لي صديق، فما هذا الاستئذان؟ قال ابن عباس في كتاب «النقاش»: الصديق أوكد من القرابة؛ ألا ترى استغاثة الجهنميين: {أية : فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} تفسير : [الشعراء:100، 101]. وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً}: رَدٌّ لمذهب جماعة من العرب كانت لا تأكل أفذاذاً ألبتَّةَ، نحت به نحو كرم الخلق، فأفرطت في إلزامه، وأَنَّ إحضار الأكيل لَحَسَنٌ ولكن بأَلاَّ يحرم الانفرادُ، قال البخاريُّ: أشتاتاً وشتى واحد، انتهى. وقال بعض أهل العلم: هذه الآية منسوخة بقوله عليه السلام: «حديث : إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»تفسير : الحديث، وبقوله تعالى: {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} الآية، وبقوله عليه السلام من حديث ابن عمر: «لاَ يَجْلِبَنَّ أَحَدُكُمْ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلاَّ بِإذْنِهِ» الحديث. قلت: والحق أَنْ لا نسخَ في شيءٍ مِمَّا ذُكِرَ، وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى. وقوله سبحانه: {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً}: قال النَّخَعِيُّ: أراد المساجد، والمعنى: سُلِّمُوا على مَنْ فيها، فإنْ لم يكن فيها أحد فالسلام أنْ يقول: السلامُ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم السلامُ علينا وعلى عبادِ اللّه الصالحين. وقال ابن عباس وغيره: المراد البيوتُ المسكونة، أي: سلِّموا على مَنْ فيها، قالوا: ويدخل في ذلك غيرُ المسكونة، ويُسَلِّم المرءُ فيها على نفسه بأنْ يقول: السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين. قلت: وفي «سلاح المؤمن»، وعن ابن عباس في قوله عز وجل: {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} قال: هو المسجدُ إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلماً، انتهى، وهذا هو الصحيح عن ابنِ عباس، وفَهِمَ النوويُّ أَنَّ الآية في البيوت المسكونة، قال: ففي الترمذيِّ عن أنس قال: قال لي النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يَا بُنَيَّ، إذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ، فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ» تفسير : قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي أبي داودَ عن أبي أُمَامَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثَلاَثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللّهِ ـــ عز وجل ـــ: رَجلٌ خَرَجَ غَازِياً فِي سَبِيلِ اللّهِ عز وجل فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللّهِ تعالى حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يَرُدَّهُ بِما نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إلَى المَسْجِدِ؛ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللّهِ تعالى حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أَوْ يَرُدُّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ؛ وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلامٍ؛ فَهُو ضَامِنٌ عَلَى اللّهِ تعالى»تفسير : حديث حسن رواه أَبو داودَ بإسناد حسن، ورواه آخرون، والضمان: الرعاية للشيء، والمعنى: أَنَّه في رعاية اللّه عز وجل، انتهى. وقوله تعالى: {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةً} وصفها تعالى بالبركة؛ لأَنَّ فيها الدعاءَ واستجلابَ مودَّةِ المسلم عليه. قلت: وقد ذكرنا في سورة النساءِ: ما ورد في المصافحة من رواية ابن السُّنِّيِّ قال النووي: وَرُوِّينَا في سنن أَبي داودَ والترمذيِّ وابن ماجه عن البَرَاءِ بن عازِبٍ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا»تفسير : انتهى. والكاف من قوله: {كذلك}: كافُ تشبيهٍ؛ وذلك: إشارة إلى هذه السنن. وقال أيضاً بعضُ الناس في هذه الآية: أَنَّها منسوخة بآية الاستئذان المتقدمة. قال * ع *: والنسخ لا يُتَصَوَّرُ في شيءٍ من هذه الآيات، بل هي مُحْكَمَةٌ، أَمَّا قوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [البقرة:188] ففي التعدي والخدع ونحوه، وأمَّا هذه الآية ففي إباحة طعام هذه الأصناف التي يسرها ـــ استباحَةُ طعامها على هذه الصفة، وأمَّا آية الإذن فعلة إيجاب الاستئذان خوف الكَشَفَةِ، فإذا استأذن المرءُ ودخل المنزل بالوجه المباح صَحَّ له بعد ذلك أكل الطعام بهذه الإباحة، وليس يكونُ في الآية نسخ فتأمله.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} الآية. قال ابن عباس: لما أنزل الله - عزَّ وجلَّ - {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [النساء: 29] تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعُمْي والعرج وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا الله - عزَّ وجلَّ - عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول، فلا يستوفي الطعام، فأنزل الله هذه الآية. وعلى هذا التأويل تكون "على" بمعنى "في" أي: ليس في الأعمى، أي: ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض حرج. وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما: "كان العرجان والعميان والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء، لأن الناس يتقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم، ويقول الأعمى: ربما أكل أكثر، ويقول الأعرج: ربما أخذ مكان اثنين، فنزلت هذه الآية". وقال مجاهد: نزلت هذه الآية (ترخيصاً لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى الله بهذه الآية) لأن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب العلم، فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم، أو بعض من سمى الله - عزَّ وجلَّ - في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك الطعام ويقولون: ذهب بنا إلى بيت غيره، فأنزل الله هذه الآية وقال سعيد بن المسيب: كان المسلمون إذا غزوا اختلفوا منازلهم ويدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وهم غيب، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم. وقال الحسن: نزلت الآية رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد، وقال: تم الكلام عند قوله: {وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} وقوله تعالى: "وَعَلى أَنْفسكُمْ" كلام منقطع عما قبله. وقيل: لما نزل قوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [البقرة: 188] قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فأنزل الله - عزَّ وجلَّ -: {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ}، أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم. فإن قيل: أي فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه في بيته؟ فالجواب: قيل: أراد من أموال عيالكم وأزواجكم، وبيت المرأة كبيت الزوج. وقال ابن قتيبة: أراد من بيوت أولادكم، نسـب بيوت الأولاد إلى الآبـاء كقولـه عليـه السـلام: "حديث : أنت ومالك لأبيك ". تفسير : فصل دلَّت هذه الآية بظاهرها على إباحة الأكل من هذه المواضع بغير استئذان، وهو منقول عن قتادة، وأنكره الجمهور، ثم اختلفوا: فقيل: كان ذلك في صدر الإسلام، فنسخ بقوله عليه السلام: "حديث : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" تفسير : ويدل على هذا النسخ قوله تعالى {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} تفسير : [الأحزاب: 53] وكان في أزواج الرسول من لهنَّ الآباء والأخوات، فعم بالنهي عن دخول بيوتهن إلا بالإذن في الأكل. فإن قيل: إنما أذن الله تعالى في هذه الآية، لأن المسلمين لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن يأكلوا في بيوتهم، حضروا أو غابوا، فجاز أن يرخص في ذلك؟ فالجواب: لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص هؤلاء الأقارب بالذكر معنى، لأن غيرهم كهم في ذلك. وقال أبو مسلم: المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم يكونوا مؤمنين، لأنه تعالى نهى من قبل عن مخالطتهم بقوله: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [المجادلة: 22] ثم إنه تعالى أباح في هذه الآية ما حظره هناك، قال: ويدل عليه أن في هذه السورة (أمر بالتسليم على أهل البيوت فقال: {أية : حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} تفسير : [النور: 27] وفي بيوت هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك، بل) أمر أن يسلموا على أنفسهم، فالمقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة لا إثبات الإباحة في جميع الأوقات. وقيل: لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب نفوسهم بأكل من يدخل عليهم، والعادة كالإذن، فيجوز أن يقال: خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأصل توجد منهم، ولذلك ضم إليهم الصديق، ولما علمنا أن هذه الإباحة إنما حصلت لأجل حصول الرضا فيها، فلا حاجة إلى النسخ. قوله: {أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ}. قال ابن عباس: عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل ولا يدخر، وملك المفتاح: كونه في يده وحفظه قال المفضل: "المفاتح" واحدها "مَفْتَح" بفتح الميم، وواحد المفاتيح: مِفْتح (بكسر الميم). وقال الضحاك: يعني: من بيوت عبيدكم ومماليككم، لأن السيد يملك منزل عبده والمفاتيح: الخزائن، لقوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} تفسير : [الأنعام: 59]، ويجوز أن يكون الذي يفتح به. وقال عكرمة: "إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير". وقال السُّديّ: الرجل يولي طعامه غيره يقوم عليه، فلا بأس أن يأكل منه. وقيل: {أو ما ملكتم مفاتحه}: ما خزنتموه عندكم. قال مجاهد وقتادة: من بيوت أنفسكم مما أحرزتم وملكتم. قوله: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحَهُ} العامة على فتح الميم واللام مخففة. وابن جُبير: "مُلِّكْتُم"، بضم الميم وكسر اللام مشدّدة؛ أي: "مَلَّكَكُمْ غَيْرُكُمْ". والعامة على "مَفَاتِحَه" دون ياء، جمع "مَفْتَح". وابن جُبَير "مَفَاتِيحَهُ" بالياء بعد التاء، جمع "مِفْتَاح". وجوَّز أبو البقاء أن يكون جمع "مِفْتَح" بالكسر، وهو الآلة، وأن يكون جمع "مَفتح" بالفتح، وهو المصدر بمعنى الفتح. والأول أقيس. وقرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه: "مِفْتَاحَهُ" بالإفراد، وهي قراءة قتادة. قوله: "أَوْ صَدِيقكُمْ". العامة على فتح الصاد. وحُمَيد الجزَّارُ روى كسرها إتباعاً لكسرة الدّال والصديق: يقع للواحد والجمع كالخليط والفطين وشبههما. فصل الصديق: الذي صدقك في المودة. قال ابن عباس: نزلت في الحارث بن عمرو خرج غازياً مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهوداً، فسأله عن حاله فقال: تحرجت من أكل طعامك بغير إذنك، فأنزل الله هذه الآية وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والتحرم بطعامه من غير استئذان منه في الأكل بهذه الآية. والمعنى: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا من غير أن تتزودوا وتحملوا. يحكى أن الحسن دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد أخرجوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة مكبون عليها يأكلون، فتهلل أسارير وجهه سروراً وضحك، وقال: "هكذا وجدناهم" يعني: كبراء الصحابة. وعن ابن عباس: الصديق أكبر من الوالدين، لأن أهل جهنم لمّا استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات، بل قالوا: {أية : مَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 100، 101]. وحكي أن أخا الربيع بن خيثم دخل منزله في حال غيبته فانبسط إلى جاريته حتى قدمت إليه ما أكل، فلما قدم أخبرته بذلك، فانسر لذلك وقال: إن صدقت فأنت حرة. فصل احتج أبو حنيفة بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع، لأن الله تعالى أباح لهم الأكل من بيوتهم، ودخولها بغير إذنهم، فلا يكون ماله محرزاً منهم. فإن قيل: فيلزم ألا يقطع إذا سرق من مال صديقه؟ فالجواب: من أراد سرقة ماله لا يكون صديقاً له. قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} قال الأكثرون: نزلت في بني ليث بن عمرو حي من كنانة، كان الرجل منهم لا يأكل وحده، ويمكث يومه حتى يجد ضيفاً يأكل معه، فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئاً، وربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فإذا أمسى ولم يجد أحداً أكل. هذا قول قتادة والضحاك وابن جريج. وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه، فيقول: والله إني لأحتج، أي: أتحرج أن آكل معك، وأنا غني وأنت فقير، فنزلت هذه الآية وقال عكرمة وأبو صالح: "نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلاّ مع ضيفهم، فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاءوا جميعاً مجتمعين، أو اشتاتاً متفرقين". وقال الكلبي: "كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك المزمن والمريض، فبيّن الله لهم أن ذلك غير واجب". قوله: "جَمِيعاً" حال من فاعل "تَأْكُلُوا"، و"أَشْتَاتاً" عطف عليه، وهو جمع "شَتّ" و"شَتَّى" جمع "شَتيت". و"شَتَّانَ" تثنية "شت". قال المفضل: وقيل: الشت: مصدر بمعنى: التفرق، ثم يوصف به ويجمع. قوله: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}. أي: ليسلم بعضكم على بعض، جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [النساء: 29]. قال ابن عباس: "فإن لم يكن أحد فعلى نفسه يسلم، ليقل: السلام علينا من قبل ربنا". قال جابر وطاوس والزهري وقتادة والضحاك وعمرو بن دينار: "إذا دخل الرجل بيت نفسه يسلم على أهله ومن في بيته". وقال قتادة: "إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم، وإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، حدثنا أن الملائكة ترد عليه" وعن ابن عباس في قوله: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} قال: "إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين". قال القفال: "وإن كان في البيت أهل الذمة فليقل: السلام على من اتبع الهدى". قوله: "تَحيَّةً" منصوب على المصدر من معنى "فَسَلِّمُوا" فهو من باب: قَعَدْتُ جُلُوساً، كأنه قال: فحيوا تحية، وتقدم وزن "التحية". و{مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} يجوز أن يتعلق بنفس "تَحية" أي: التحية صادرة من جهة الله، و"مِنْ" لابتداء الغاية مجازاً إلا أنه يعكر على الوصف تأخر الصفة الصريحة عن المؤولة، وتقدم ما فيه. فصل {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي: مما أمركم الله به. قال ابن عباس: من قال: السلام عليكم، (معناه: اسم الله عليكم "مُبَارَكَةً طَيِّبَةً". قال ابن عباس): "حسنة جميلة" وقال الضحاك: "معنى البركة فيه تضعيف الثواب" {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ} أي: يفصل الله شرائعه "لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" عن الله أمره ونهيه. قال أنس: "حديث : وقفت على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - أصب الماء على يديه، فرفع رأسه وقال: "ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها"؟ فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، بلى. قال: "من لقيت من أمتي فسلم عليهم يطل عمرك، وإذا دخلت بيتاً فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين ".

البقاعي

تفسير : ولما أتم سبحانه ما ذكر من حرمات البيوت المستلزمة لصيانة الأبضاع على وجه يلزم منه إحراز الأموال، أتبعه ما يباح من ذلك للأكل الذي هو من أجلّ مقاصد الأموال اجتماعاً وانفراداً، فقال في جواب من كأنه سأل: هل هذا التحجير في البيوت سارٍ في الأقارب وغيرهم في جميع الأحوال؟: {ليس على الأعمى حرج} أي في مؤاكلة غيره وما يأتي من الأحكام، وإن كره غيره أكله لمد يده كيفما اتفق فإنه مرحوم، والاستئذان من أجل البصر {ولا على الأعرج} الذي لايرجى {حرج} وإن تقذر منه بعض المترفين فإنه يجامعه في أنه يرحم لنقصه {ولا على المريض} أي مرضاً يرجى بعرج أو غيره {حرج} كذلك لمرضه، وأخره لرجاء برئه {ولا على أنفسكم} أي ولا على غير من ذكر، وعبر بذلك تذكيراً بأن الكل من نفس واحدة {أن تأكلوا من بيوتكم } أي التي فيها عيالكم، وذكرها سبحانه لئلا يحصل من تركها لو تركها ريبة، وليدخل فيها بيوت الأولاد لأنهم من كسب الأب "أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" "أنت ومالك لأبيك" {أو بيوت آبائكم} وإن بعدت أنسابكم - ولعله جمع لذلك - فإنها مرباكم وحرمتها حرمتكم {أو بيوت أمهاتكم} كذلك، وقدم الأب لأنه أجل وهو حاكم بيته دائماً والمال له {أو بيوت إخوانكم} من الأبوين أو الأب أو الأم بالنسب أو الرضاع، فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين، لأنهم أشقاؤكم، وهم أولياء بيوتهم {أو بيوت أخواتكم} فإنهن بعدهم، من أجل أن ولي البيت - إذا كن مزوجات - الزوج {أو بيوت أعمامكم} فإنهم شقائق آبائكم سواء كانوا أشقاء أو لأب أو أم، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط فإنه أحق بالاسم {أو بيوت عماتكم} فهن بعد الأعمام لضعفهن، ولأنه ربما كان أولياء بيوتهن الأزواج {أو بيوت أخوالكم} لأنهم شقائق أمهاتكم {أو بيوت خالاتكم} أخرهن لما ذكر {أو ما ملكتم مفاتحه} أي التصرف فيه بوجه من الوجوه كالوكالة {أو صديقكم} الذي تعرفون رضاه بذلك ولو بقرينة كما هو الغالب، ولذلك أطلقه، وإن لم يكن أمكنكم من مفتاحه بل كان عياله فيه، كل ذلك من غير إفساد ولا حمل ولا ادخار، وقد عدل الصديق هنا بالقريب، تنبيهاً على شريف رتبة الصداقة ولطيف سرها، وخفيف أمرها، وأفرده لعزته؛ وعن جعفر بن محمد: من عظم حرمة الصديق أن جعله كالنفس والأب ومن معه. قال الأصبهاني: وقالوا: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وبما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل. ولما ذكر معدن الأكل، ذكر حاله فقال: {ليس عليكم جناح} أي شيء من الإثم الذي من شأنه أن يميل بصاحبه عن السواء في {أن تأكلوا جميعاً} أي مجتمعين وإن كان بينكم ناقص الخلقة، لأن من كان معرضاً للآفات جدير بأن يرحم المبتلى، فلا يستقذره حذراً من انعكاس الحال. ولما رغب في أول الإسلام - لما كان فيه أكثر الناس من الضيق - في المؤاساة، والاجتماع مع الضيوف، ترغيباً ظن به الوجوب، مع ما كانوا عليه من الكرم الباعث على الجود والاجتماع للأنس بالمحتاج، خفف عنهم بقوله: {أو أشتاتاً} أي متفرقين لغير قصد الاستقذار، والترفع والإضرار، وإن كان الأكل في جماعة أفضل وأبرك - كما يفهمه تقديمه، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده "حديث : أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نأكل ولا نشبع، قال: "فلعلكم تأكلون متفرقين؟ اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه""تفسير : . ولابن ماجه عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : كلوا جميعاً ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة ".تفسير : ولما ذكر موطن الأكل وكيفيته، ذكرالحال التي يكون عليها الداخل إلى تلك المواطن أو غيرها، فقال مسبباً عما مضى من الإذن، معبراً بأداة التحقيق، بشارة بأنهم يطيعون بعد أن كانوا تحرجوا من ذلك حين أنزل تعالى {أية : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}تفسير : [النساء: 29]: {فإذا دخلتم} أي بسبب ذلك أو غيره {بيوتاً} أي مأذوناً فيها، أيّ بيوت كانت مملوكة أو لا، مساجد أو غيرها {فسلموا} عقب الدخول {على أنفسكم} أي أهلها الذين هم منكم ديناً وقرباً، وعبر بذلك ترغيباً في السلام، والإحسان في الإكرام، ولتصلح العبارة لما إذا لم يكن فيها أحد فيقال حينئذ "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز {تحية} مصدر من المعنى دون اللفظ، أو أوقعوا الدعاء للمحيي بسلامة وحياة وملك بقاء {من عند الله} أي هي جديرة لتمام حسنها أن تضاف إلى من له الكمال كله سبحانه {مباركة} أي ثابتة أعظم ثبات بكونها موافقة لما شرع الله من خالص قلوبكم {طيبة} تلذذ السمع؛ ثم وصف البيان، تنبيهاً على ما في هذه الآيات من الحسن والإحسان، فقال مستأنفاً كما مر غير مرة: {كذلك} أي مثل هذا البيان، العظيم الشأن {يبين الله} أي المحيط بكل شيء {لكم الآيات} التي لا أكمل منها. ولما كان الله تعالى، بعلمه وحكمته، وعزه وقدرته، ولطفه وخبرته، قد خلق عقلاً نيراً يهدي إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، وقسمه بين عباده، وخلق فيهم أنواعاً من العوائق لذلك العقل عن النفوذ على سمت الاستقامة، من الهوى والكسل، الفتور والملل، جعلها حجباً تحجبه عن النفوذ، وتستر عنه المدارك، و تمنعه من البلوغ، إلا برياضات ومجاهدات تكل عنها القوى، وتضعف عندها العزائم، فلا يكاد الماهر منهم يرتب قياساً صحيحاً، لغلطه في المقدمات، فتكون النتيجة حينئذ فاسدة القاعدة، واهية الأساس، فكانوا لا يزالون لذلك مختلفين، حتى يوصلهم الاختلاف إلى الإحن، والمشاجرة والفتن، فيجرهم إلى السيف وذهاب النفوس تلف الأرواح، فأنزل سبحانه لهم في كل وقت شرعاً يليق بذلك الزمان على لسان رسول من رسله عليهم الصلاة والسلام، جعل ذلك الشرع يطابق العقل السوي، والنور الضوي، والمنهل الروي، والسبب القوي، من تمسك به هدي ولم يزغ، حد فيه سبحانه حدوداً، وأقام فيه زواجر، لتظهر حكمته، ويتضح علمه وقدرته، فصارت شرائع متفقة الأصول، مختلفة الفروع، بحسب الأزمنة، إشارة إلى أن الفاعل في تغيير الأحكام بحسب الأزمان واحد مختار، وامتحاناً للعباد، تمييزاً لأهل الصلاح منهم من أهل الفساد، وكانت الإغارة على شيء من الأعراض والأموال على غير ما أذن فيه تُذهب العقول، وتعمي البصائر، ختم الآية بقوله: {لعلكم تعقلون*} أي لتكونوا على رجاء عند من يصح منه الرجاء من ثبات هذا الوصف لكم، وهو ضبط النفوس وردها عن الأهوية، باتباع آيات الشرع التي أنزلها الذي كرر وصفه هنا بأنه عليم حكيم، فلا تتولوا بعد قولكم {أية : سمعنا وأطعنا} تفسير : [المائدة: 7] عن الإذعان للأحكام وأنتم معرضون.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ لما نزلت ‏{أية : ‏يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل‏}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 29‏] قالت الأنصار‏:‏ ما بالمدينة مال أعز من الطعام‏.‏ كانوا يتحرجون أن يأكلوا مع الأعمى يقولون‏:‏ أنه لا يبصر موضع الطعام، وكانوا يتحرجون الأكل مع الأعرج يقولون‏:‏ الصحيح يسبقه إلى المكان، ولا يستطيع أن يزاحم، ويتحرجون الأكل مع المريض يقولون‏:‏ لا يستطيع أن يأكل مثل الصحيح، وكانوا يتحرجون أن يأكلوا في بيوت أقربائهم، فنزلت ‏ {‏ليس على الأعمى حرج‏} ‏ يعني في الأكل مع الأعمى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقسم قال‏:‏ كانوا يكرهون أن يأكلوا مع الأعمى، والأعرج، والمريض، لأنهم لا ينالون كما ينال الصحيح فنزلت ‏{‏ليس على الأعمى حرج‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وإبراهيم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد قال‏:‏ كان الرجل يذهب بالأعمى أو الأعرج والمريض إلى بيت أبيه، أو بيت أخيه، أو بيت أخته، أو بيت عمه، أو بيت عمته، أو بيت خاله، أو بيت خالته، فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون‏:‏ إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم‏.‏ وأخرج البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن النجار عن عائشة قالت‏:‏ كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدفعون مفاتيحهم إلى أمنائهم ويقولون لهم‏:‏ قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما احتجتم إليه، فكانوا يقولون‏:‏ إنه لا يحل لنا أن نأكل إنهم أذنوا لنا من غير طيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء، فأنزل الله ‏ {‏ولا على أنفسكم أن تأكلوا‏} إلى قوله ‏ {‏أو ما ملكتم مفاتحه‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله وابن المسيب أنه كان رجال من أهل العلم يحدثون إنما أنزلت هذه الآية في أمناء المسلمين، كانوا يرغبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله، فيعطون مفاتيحهم أمناءهم ويقولون لهم‏:‏ قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا فيقول الذين استودعوهم المفاتيح‏:‏ والله ما يحل لنا مما في بيوتهم شيء، وإن أحلوه لنا حتى يرجعوا إلينا، وانها لأمانة ائتمنا عليها، فلم يزالوا على ذلك حتى أنزل الله هذه الآية، فطابت أنفسهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت ‏{أية : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل‏}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 29‏] قال المسلمون‏:‏ إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو من أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل من عند أحد‏.‏ فكف الناس عن ذلك فأنزل الله ‏{‏ليس على الأعمى حرج‏}‏ إلى قوله ‏ {‏أو ما ملكتم مفاتحه‏} ‏ وهو الرجل يوكل الرجل بضيعته، والذي رخص الله أن يأكل من ذلك الطعام، والتمر، وشرب اللبن، وكانوا أيضاً يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم فقال ‏{‏ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتا‏ً}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعمى، ولا مريض، ولا أعرج، لأن الأعمى لا يبصر طيب الطعام، والمريض لا يستوفي الطعام كما يستوفي الصحيح، والأعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام، فنزلت رخصة في مؤاكلتهم‏. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس قال‏:‏ خرج الحارث غازياً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف على أهله خالد بن زيد، فحرج أن يأكل من طعامه، وكان مجهوداً، فنزلت‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في مراسيله وابن جرير والبيهقي عن الزهري أنه سئل عن قوله ‏{‏ليس على الأعمى حرج‏} ‏ الآية ما بال الأعمى والأعرج والمريض ذكروا هنا‏؟‏ فقال‏:‏ أخبرنا عبيد الله بن عبد الله: أن المسلمين كانوا إذا غزوا أقاموا أوصاتهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم يقولون‏:‏ قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، وكانوا يتحرجون من ذلك يقولون‏:‏ لا ندخلها وهم غيب فأنزلت هذه الآية رخصة لهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ كان هذا الحي من بني كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أن عليه مخزاة أن يأكل وحده في الجاهلية حتى إن كان الرجل بسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد ما يؤاكله، ويشاربه فأنزل الله ‏{‏ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتا‏ً}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة وأبي صالح قالا‏:‏ كانت الأنصار إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون معه حتى يأكل معهم الضيف، فنزلت رخصة لهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏أو صديقكم‏}‏ قال‏:‏ إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته، ثم أكلت من طعامه بغير إذنه، لم يكن بذلك بأس‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏{‏أو صديقكم‏}‏ قال‏:‏ هذا شيء قد انقطع إنما كان هذا في أوله، ولم يكن لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة، فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد، فربما وجد الطعام وهو جائع، فسوّغ له الله أن يأكله قال‏:‏ وذهب ذلك‏.‏ اليوم البيوت فيها أهلها، فإذا خرجوا أغلقوا، فقد ذهب ذلك‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم‏}‏ يقول‏:‏ إذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أهلها تحية من عند الله؛‏ وهو السلام، لأنه اسم الله وهو تحية أهل الجنة‏. وأخرج البخاري في الأدب وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة قال أبو الزبير‏:‏ ما رأيته إلا أوجبه‏. وأخرج الحاكم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلها، واذا طعمتم فاذكروا اسم الله، وإذا سلم أحدكم حين يدخل بيته وذكر اسم الله على طعامه يقول الشيطان لأصحابه‏:‏ لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا لم يسلم أحدكم ولم يسم يقول الشيطان لأصحابه‏:‏ أدركتم المبيت والعشاء‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري في الأدب عن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏"حديث : ‏إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان‏:‏ لا مبيت لكم ولا عشاء، فإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان‏:‏ أدركتم المبيت وإن لم يذكر الله عند طعامه قال الشيطان‏:‏ أدركتم المبيت والعشاء ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته يقول‏"حديث : ‏السلام علينا من ربنا التحيات الطيبات المباركات لله سلام عليكم ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عطاء قال‏:‏ إذا دخلت على أهلك فقل‏:‏ السلام عليكم تحية من عند الله مباركة طيبة، فإذا لم يكن فيه أحد فقل‏:‏ السلام علينا من ربنا‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ماهان في قوله ‏ {‏فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ يقول السلام علينا من ربنا‏. وأخرج الطبراني عن أبي البختري قال‏:‏ جاء الاشعث بن قيس، وجرير بن عبدالله البجلي، إلى سلمان فقالا‏:‏ جئناك من عند أخيك أبي الدرداء قال‏:‏ فأين هديته التي أرسلها معكما‏؟‏ قالا‏:‏ ما أرسل معنا بهدية قال‏:‏ اتقيا الله، وأديا الأمانة، ما جاءني أحد من عنده إلا جاء معه بهدية قالا‏:‏ والله ما بعث معنا شيئاً إلا أنه قال‏:‏ اقرؤوه مني السلام قال‏:‏ فأي هدية كنت أريد منكما غير هذه‏؟‏ وأي هدية أفضل من السلام تحية من عند الله مباركة طيبة‏؟‏ وأخرج الطبراني عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏من سره أن لا يجد الشيطان عنده طعاماً، ولا مقيلاً، ولا ميتاً، فليسلم إذا دخل بيته، وليسم على طعامه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عدي عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : إذا قام أحدكم على حجرته ليدخل فليسم الله فإنه يرجع قرينه من الشيطان الذي معه ولا يدخل، فإذا دخلتم فسلموا فأنه يخرج ساكنه منهم، وإذا وضع الطعام فسموا فإنكم تدحرون الخبيث إبليس عن أرزاقكم، ولا يشرككم فيها، وإذا ارتحلتم دابة فسموا الله حين تضعون أول حلس، فإن كل دابة معتقدة وإنكم إذا سميتم حططتموه عن ظهرها، وإن نسيتم ذلك شرككم في مراكبكم‏.‏ ولا تبيتوا منديل الغمر معكم في البيت، فأنه بيت الشيطان ومضجعه، ولا تتركوا العمامة ممسية إذا جمعت في جانب الحجرة، فإنها مقعد الشيطان، ولا تسكنوا بيوتاً غير مغلقة، ولا تفترشوا الزبالا التي تفضي إلى ظهور الدواب، ولا تبيتوا على سطح ليس بمحجور، وإذا سمعتم نباح الكلاب أو نهيق الحمار فاستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإنهما لا يريان الشيطان إلا نبح ونهق الحمار‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"حديث : ‏للاسلام ضياء وعلامات كمنار الطريق فرأسها وجماعها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وتمام الوضوء، والحكم بكتاب الله وسنة نبيه، وطاعة ولاة الأمر، وتسليمكم على أنفسكم، وتسليمكم إذا دخلتم بيوتكم، وتسليمكم على بني آدم إذا لقيتموهم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار وابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال‏:‏ أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم بخمس خصال قال ‏"حديث : ‏أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك، وإذا دخلت بيتك فسلم على أهل بيتك يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك، يا أنس ارحم الصغير، ووقر الكبير، تكن من رفقائي يوم القيامة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم‏}‏ قال‏:‏ هو المسجد إذا دخلته فقل‏:‏ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن أبي مالك قال‏:‏ إذا دخلت بيتاً فيه ناس من المسلمين فسلم عليهم، وإن لم يكن فيه أحد أو كان فيه ناس من المشركين فقل‏:‏ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب عن ابن عمر قال‏:‏ إذا دخل البيت غير المسكون، أو المسجد، فيلقل‏:‏ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ إذا دخلت بيتك وليس فيه أحد أو بيت غيرك فقل‏:‏ بسم الله والحمد لله، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن قتادة في قوله ‏{‏فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، وإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه فقل‏:‏ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك، وحدثنا أن الملائكة ترد عليه‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏{‏فسلموا على أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ ليسلم بعضكم على بعض كقوله ‏{أية : ‏ولا تقتلوا أنفسكم‏}‏تفسير : ‏[النساء:29‏]‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {‏فسلموا على أنفسكم‏}‏ قال‏:‏ إذا دخل المسلم على المسلم سلم عليه مثل قوله {أية : ولا تقتلوا أنفسكم‏}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 29‏] إنما هو لا تقتل أخاك المسلم وقوله {أية : ‏‏ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} تفسير : ‏[‏البقرة: 85‏] قال‏:‏ يقتل بعضكم بعضاً‏.‏ قريظة، والنضير‏.‏ وقوله ‏{أية : ‏جعل لكم من أنفسكم أزواجاً‏{‏ تفسير : ‏[‏الروم: 21‏] كيف يكون زوج الإِنسان من نفسه‏؟‏ إنما هي جعل لكم أرواحاً من بني آدم ولم يجعل من الإِبل والبقر وكل شيء في القرآن على هذا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله ‏ {‏فسلموا على أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ بعضكم على بعض‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله سمعت الله يقول ‏ {‏فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة‏}‏ فالتشهد في الصلاة‏ "‏التحيات المباركات الطيبات لله‏"‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن ثابت بن عبيد قال‏:‏ أتيت ابن عمر قبل الغداة‏.‏ وهو جالس في المسجد فقال لي‏:‏ ألا سلمت حين جئت‏؟‏ فانها تحية من عند الله مباركة‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} [الآية: 61]. قال بعضهم: إذا دعى الى الدعوة أن يدخل معه فائدة. قوله تعالى: {أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} [الآية: 61]. قال أبو عثمان: الصديق من لا يخالف باطنه باطنك كما لا يخالف ظاهره ظاهرك إذ ذاك يكون محل الانبساط اليه مباحًا فى كل شىء من أنوار الدين والدنيا. سئل أبو حفص: ما الصداقة؟ قال: الشفقة والنصيحة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ}. إذا جاءت الأعذار سُهلَ الامتحانُ والاختيارُ، وإذا حصلت القرابةُ سقطت الحشمة، وإذا صدقت القرابة انتفت التفرقة والأجنبية؛ فبشهادة هذه الآية إذا انتفت هذه الشروط صَحَّتْ المباسطة في الارتفاق. ثم قال: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور: 61] وعزيزٌ منْ يصدُقُ في الصداقة؛ فيكون في الباطن كما يُرَى في الظاهر، ولا يكون في الوجه كالمرآه ومِنْ ورائِك كالمقْراض، وفي معناه ما قلت: شعر : مَنْ لي بمن يثق الفؤاد بودِّه فإذا تَرحَّلَ لم يزغ عن عهده يا بؤس نفسي من أخ لي باذلٍ حسنَ الوفاء بوعده لا نَقْدِه يُولِي الصفاءَ بنُطِقه لا خُلقه ويدسُّ صاباً في حلاوة شَهْده فلسانُه يبدي جواهر عقده وجَنانه تغلي مراجلُ حقده لا هُمَّ إني لا أطيق مِراسَه بك أستيعذ من الحسود وكيده تفسير : وقوله: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور: 61] مَنْ تُؤْمَنُ منه هذه الخصال وأمثالها. قوله جلّ ذكره: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةً طَيِّبَةً كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. السلامُ الأمانُ، وسبيلُ المؤمن إذا دخل بيتاً أن يُسلِّمَ مِنَ اللَّهِ على نَفْسِه؛ أي يطلب الأمانَ والسلامةَ من الله لِتَسَلَم نَفْسُه من الإقدام على ما لا يرضاه الله، إذ لا يحل لمُسلِم أَنْ يفْتُرَ لحظةً عن الاستجارة بالله حتى لا يرفع عنه - سبحانه - ظِلَّ عِصْمَتِه؛ بإدامة حِفْظِه عن الاتصاف بمكروهٍ في الشرع.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} الاشارة فيه ان من طمسته انوار سطوات العظمة فهن من رؤية الكل معذور ومن كسَرَت رجل همته احجار منجتيق الازل فى فقر الديمومية فهو معذور اذا انقطع عن السير فى بيداء الازال والاباد لان القدم والبقاء غير محصورين من اعرضته اسقام المحبة والشوق والعشق والمعرفة فهو معذور عن ------ بكسرة العبادة قال جعفر فى هذه الأية كل هذا فى العقود عن الجهاد وبركه وقال بعضهم اذا دعى الى دعوة ان يدخل معه فايده قوله تعالى {أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} الاشارة فيه الى الانبساط الى الاخوان والاصدقاء الصادقين الذين مصادقتهم لله وفى الله على استواء السرّ والعلانية فى الاخلاص لله قال ابو عثمان الصديق من لا يخالف باطن بالمنكر وكما لا يخالف ظاهره ظاهرك اذ ذاك يكون محل الانبساط اليه صباح فى كل شئ من امور الدين والدنيا قوله تعالى {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} اذا دخلتم بيوت اولياء الله بالحرمة والاعتقاد الصحيح فانتم من اهل كرامة الله فسلموا على انفسكم بتحية ----- فانها محل كرامة الله فى تلك الساعة قال جعفر تحية الله اى سلامة من المحن والفتن من الشر كله وقال ابن عطا التحية الامان.

اسماعيل حقي

تفسير : {ليس على الاعمى} مفتقد البصر: وبالفارسية [نابينا] {حرج} اثم ووبال {ولا على الاعرج حرج} العروج ذهاب فى صعود وعرج مشى مشى العارج اى الذاهب فى صعود فعرج كدخل اذا اصابه شىء فى رجله فمشى مشية العرجان وعرج كطرب اذا صار ذلك خلقة له والاعرج بالفارسية [لنك] {ولا على المريض حرج} المريض بالفارسية [بيمار] والمرض الخروج عن الاعتدال الخاص بالانسان كانت هذه الطوائف يتحرجون من مواكلة الاصحاء حذرا من استقذارهم اياهم وخوفا من تأذيهم بافعالهم واوضاعهم فان الاعمى ربما سبقت اليه عين مواكله ولا يشعر به والاعرج يتفسح فى مجلسه فيأخذ اكثر من موضعه فيضيق على جليسه والمريض لا يخلو عن حالة تؤذى قرينه اى برائحة كريهة او جرح يبدوا او انف يسيل او نحو ذلك فقال تعالى لا بأس لهم بان يأكلوا مع الناس ولا مأثم عليهم {ولا على انفسكم} اى عليكم وعلى من يماثلكم فى الاحوال من المؤمنين حرج {ان تأكلوا} الاكل تناول المطعم اى ان تأكلوا انتم ومن معكم {من بيوتكم} اصل البيت مأوى الانسان بالليل ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه لكن البيوت بالمسكن اخص والابيات بالشعر وليس المعنى ان تأكلوا من البيوت التى تسكنون فيها بانفسهم وفيها طعامكم وسائر اموالكم لان الناس لايتحرجون من اكل طعامهم فى بيوت انفسهم فينبغى ان يكون المعنى من بيوت الذين كانوا فى حكم انفسكم لشدة الاتصال بينهم وبينكم كالازواج والاولاد والمماليك ونحوهم فان بيت المرأة كبيت الزوج وكذا بيت الاولاد فلذلك يضيف الزوج بيت زوجته الى نفسه وكذا الاب يضيف بيت ولده الى نفسه وفى الحديث "حديث : ان اطيب ما أكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه"تفسير : فى حديث آخر "حديث : انت ومالك لابيك"تفسير : فاذا كان هذا حال الاب مع الولد فقس عليه حال المملوك مع المولى {او بيوت آبائكم} الاب الوالد اى حيوان يتولد من نطفته حيوان آخر {او بيوت امهاتكم} جمع ام زيدت الهاء فيه كا زيدت فى اهراق من اراق والام بازاء الاب اى الوالدة {او بيوت اخوانكم} الاخ المشارك لآخر فى الولادة من الطرفين او من احدهما او من الرضاع ويستعار فى كل مشارك لغيره فى القبيلة او فى الدين اوفى صنعته او فى معاملة اوفى مودة او فى غير ذلك من المناسبات {او بيوت اخواتكم} الاخت تأنيث الاخ وجعل التاء فيها كالعوض عن المحذوف منه {او بيوت اعمامكم} العم اخ الاب العمة اخته واصل ذلك من العموم وهو الشمول ومنه العامة لكثرتهم وعمومهم فى البلد والعمامة لشمولها {او بيوت عماتكم} [خواهران بدران خود] {او بيوت اخوالكم} الخال اخ الام والخالة اختها: وبالفارسية [برادران مادران خود] {او بيوت خالاتكم} [خوهران مادران خود] {او ما ملكتم مفاتحه} جمع مفتح والمفاتيح جمع مفتاح كلاهما آلة الفتح والفتح ازالة الاغلاق والاشكال. والمعنى {او ماملكتم مفاتحه} اى اومن البيوت التى تملكون التصرف فيها باذن اربابها كما اذا خرج الصحيح الى الغزو وخلف الضعيف فى بيته ودفع اليه مفتاحه واذن له ان يأكل مما فيه من غير مخافة ان يكون اذنه لا عن طيب نفس منه، وقال بعضهم هو مايكون تحت ايديهم وتصرفهم من ضيعة او ماشية وكالة او حفظا فملك المفاتح حينئذ كناية عن كون المال فى يد الرجل وحفظه، فالمعنى ليس عليكم جناح ان تأكلوا من اموال لكم يد عليها لكن لامن اعيانها بل من اتباعها وغلاتها كثمر البستان ولبن الماشية {او صديقكم} الصداقة صدق الاعتقاد فى المودة وذلك مختص بالانسان دون غيره فالصديق هو من صدقك فى مودته: وبالفارسية [دوست حقيقى]، قال ابو عثمان رحمه الله الصديق من لايخالف باطنه باطنك كما لايخالف ظاهره ظاهرك اذ ذاك يكون الانبساط اليه مباحا فى كل شىء من امور الدين والدنيا. ونعم ما قيل صديقك من صدقك لامن صدّقك. والمعنى او بيوت صديقكم وان لم يكن بينكم وبينهم قرابة نسبية فانهم ارضى بالتبسط واسر به من كثير من الاقرباء ـ روى ـ عن ابن عباس رضى الله عنهما ان الصديق اكبر من الوالدين ـ روى ـ ان الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والامهات وانما قالوا فما لنا من شافعين ولا صديق حميم، وعن الحسن انه دخل يوما بيته فرأى جماعة من اصدقائه قد اخذوا طعاما من تحت سريره وهم يأكلون فتهلل وجهه سرورا وقال هكذا وجدناهم يعنى من لقى من البدريين، قال الكاشفى [فتح موصلى رحمه الله در خانه دوتسى آمد واو حاضر نبودكيسه اورا زجاريه طلبيدزو درم برداشت وباقى بكنيزك بازداد وجون خواجه بخانه رسيدو صورت واقعة زجارية بشنيد شكرانه آن انبساط كنيزك را آزادكرد وبنواخت: درنكارستان آورده] شعر : شبى كفتم نهان فرسوده را كه بود آسوده در كنج رباطى زلذتهاجه خوشتر در جهان كفت ميان دوستدراران انبساطى تفسير : [ودر عوارف المعارف فرموده كه جون كسى يارخودرا كويد "اعطنى من مالك" ودر جواب كويد كمترست دوستى رانمى شايد يعنى بايدكه هرجه درميان دراد ميدهد واز استفسار جند وجون بكذردكه دوست جانى بهترست از مال فانى ودرين باب كفته اند اى دوست برو بهرجه دارى يارى بخر بهيج مفروش]: ولله در من قال شعر : ياران بجان مضايقه باهم نميكنند آخر كسى بحال جدايى جراكند بسيار جد وجهد ببايدكه تاكسى خودرا بآدمى صفتى آشنا كند تفسير : قال المفسرون هذا كله اذا علم رضى صاحب البيت بصريح الاذن او بقرينه دالة كالقرابة والصداقة ونحو ذلك ولذلك خص هؤلاء بالذكر لاعتيادهم التبسط فيما بينهم يعنى ليس عليكم جناح ان تأكلوا من منازل هؤلاء اذا دخلتموها وان لم يحضروا ويعلموا من غير ان تتزودوا وتحملوا، قال الامام الواحدى فى الوسيط وهذه الرخصة فى اكل مال القرابات وهم لا يعلمون ذلك كرخصته لمن دخل حائطا وهو جائع ان يصيب من ثمره او مرّ فى سفر بغنم وهو عطشان ان يشرب من رسلها توسعة منه تعالى ولطفا بعباده ورغبة بهم عن دناءة الاخلاق وضيق النظر، واحتج ابو حنيفة بهذه الآية على من سرق من ذى محرم لا تقطع يده اى اذا كان ماله غير محرز كما فى فتح الرحمن لانه تعالى اباح لهم الاكل من بيوتهم ودخولها بغير اذنهم فلا يكون ماله محرزا منهم اى اذا لم يكن مقفلا ومخزونا ومحفوظا بوجه من الوجوه المعتادة ولا يلزم منه ان لا تقطع يده اذا سرق من صديقه لان من اراد سرقة المال من صديقه لايكون صديقا له بل خائنا عدوا له فى ماله بل فى نفسه فان من تجاسر على السرقة تجاسر على الاهلاك فرب سرقة مؤدية الى ما فوقها من الذنوب فعلى العاقل ان لايغفل عن الله وينظر الى احوال الاصحاب رضى الله عنهم كيف كانوا اخوانا فى الله فوصلوا بسبب ذلك الى ماوصلوا من الدرجات والقربات وامتازوا بالصدق الاتم والاخلاص الاكمل والنصح الاشمل عمن عداهم فرحمهم الله تعالى ورضى عنهم وألحقنا بهم فى نياتهم اعمالهم {ليس عليكم جناح} فى {ان تأكلوا} حال كونكم {جميعا} اى مجتمعين {او اشتاتا} جمع شت بمعنى متفرق على انه صفة كالحق او بمعنى تفرق على انه مصدر وصف به مبالغة. واما شتى فجمع شتيت كمرضى ومريض، نزل فى بنى ليث بن عمرو وهم حى من كنانة كانوا يتحرجون ان يأكلوا طعامهم منفردين وكان الرجل منهم لايأكل ويمكث يومه حتى يجد ضيفا يأكل معه فان لم يجد من يواكله لم يأكل شيئا وربما قعد الرجل والطعام بين يديه لا يتناوله من الصباح الى الروح وربما كان معه الابل الحفل اى المملوءة الضرع لبنا فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه فاذا امسى ولم يجد احدا اكل فرخص فى هذه الآية الاكل وحده لان الانسان لا يمكنه ان يطلب فى كل مرة احدا يأكل معه واما اذا وجد احدا فلم يشاركه فيما اكله فقد جاء الوعيد فى حقه كما قال عليه السلام "حديث : من اكل وذو عينين ينظر اليه ولم يواسه ابتلى بداء لا دواء له"تفسير : ، قال الامام النسفى رحمه الله دل قوله تعالى {جمعيا} على جواز التناهد فى الاسفار وهو اخراج كل واحد من الرفقة نفقة على قدر نفقة صاحبه اى على السوية، وقال بعضهم فى خلط المال ثم اكل الكل منه الاولى ان يستحل كل منهم غذاء كل او يتبرعون لامين ثم يتبرع لهم الامين {فاذا دخلتم بيوتا} اى من البيوت المذكورة بقرينة المقام اى للاكل وغيره وهذا شروع فى بيان ادب الدخول بعد الترخيص فيه {فسلموا على انفسكم} اى فابدأوا بالتسليم على اهلها الذين بمنزلة انفسكم لما بينكم وبينهم من القرابة الدينية والنسبية الموجبة لذلك {تحية} ثابتة {من عند الله} اى بأمره مشروعة من لدنه ويجوز ان يكون صلة للتحية فانها طلب الحياة التى من عنده تعالى. والتسليم طلب السلامة من الله للمسلم عليه وانتصابها على المصدرية لانها بمعنى التسليم اى فسلموا تسليما {مباركة} مستتبعة لزيادة الخير والثواب ودوامها {طيبة} تطيب بها نفس المستمع {كذلك} اشارة الى مصدر الفعل الذى بعده اى مثل ذلك التبيين {يبين الله لكم الآيات} الدالة على الاحكام اى ينزلها مبينة واضحة الدلالات عليها {لعلكم تعقلون} اى لكى تفقهوا مافى تضاعيفها من الشرائع والاحكام والآداب وتعملون بموجبها وتفوزون بذلك بسعادة الدارين، حديث : وعن انس رضى الله عنه قال خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لشىء فعلته لم فعلته ولا لشىء كسرته لم كسرته وكنت قائما اصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال "ألا اعلمك ثلاث خصال تنتفع بها" فقلت بلى بأبى أنت وامى يارسول الله قال متى لقيت احدا من امتى فسلم عليه يطل عمرك واذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خيرك وصل صلاة الضحى فانها صلاة الابرار الاوابين"تفسير : ، يقول الفقير لاحظ عليه السلام فى التسليم الخارجى المعنى اللغوى للتحية فرتب عليه طول العمر لانه ربما يستجيب الله تعالى دعاء المسلم عليه فيطول عمر المسلم بمعنى وجدان البركة فيه ولاحظ فى التسليم الداخلى معنى البركة فرتب عليه كثرة الخير لانها المطلوبة غالبا بالنسبة الى البيت ولما كان الوقت وقت الوضوء لصلاة الضحى والله اعلم الحقها بالتسليم واوردها بعد الداخلى منه اشارة الى ان الافضل اخفاء النوافل بادائها فى البيت ونحوه، قالوا ان لم يكن فى البيت احد يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد روى ان الملائكة ترد عليه وكذا حال المسجد وفى الحديث "حديث : اذا دخلتم بيوتكم فسلموا على اهلها واذا طعم احدكم طعاما فليذكر اسم الله عليه فان الشيطان اذا سلم احدكم لم يدخل بيته معه واذا ذكر الله على طعامه قال لا مبيت لكم ولاعشاء وان لم يسلم حين يدخل بيته ولم يذكر اسم الله على طعامه قال ادركتم العشاء والمبيت"تفسير : والتسليم على الصبيان العقلاء افضل من تركه كما فى البستان. ولا يسلم على جماعة النساء الشواب كيلا يحصل بينهما معرفة وانبساط فيحدث من تلك المعرفة فتنة. ولا يبتدىء اليهود والنصارى بالسلام فانه حرام لانه اعزاز الكافر وذا لايجوز. وكذا السلام على اهل البدعة ولو سلم على من لايعرفه فظهر ذميا او مبتدعا يقول استرجعت سلامى تحقيرا له ولو احتاج الى سلام اهل الكتاب يقول السلام على من اتبع الهدى ولو رد يقول وعليكم فقط وقد مر ما يتعلق بالسلام مشبعا فى الجلد الاول عند قوله تعالى فى سورة النساء {أية : واذا حييتم بتحية}تفسير : الاية فارجع، قال فى حقائق البقلى قدس سره اذا دخلتم بيوت اولياء الله بالحرمة والاعتقاد الصحيح فانتم من اهل كرامة الله فسلموا على انفسكم بتحية الله فانها محل كرامة الله فى تلك الساعة، يقول الفقير وكذا الحال فى دخول المزارات والمشاهد المتبركة وان كان العامة لا يعرفون ذلك ولايعتقدون: قال الكمال الخجندى شعر : صوفيم ومعتقد صوفيان كيست جو من صوفىء نيك اعتقاد تفسير : قال الحافظ شعر : برسر تربت ماجون كذرى همت خواه كه زيارتكه رندان جهان خواهد بود تفسير : وقال الجامى شعر : نسيم الصبح زرعنى ربى نجد وقبلها كه بوى دوست مى آيدازان ياكيزه منزلها تفسير : اللهم اجعلنا من الذين يجدون النفس الرحمانى من قبل اليمن فى كل حين وزمن.

ابن عجيبة

تفسير : {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً...} يقول الحق جل جلاله: {ليس على الأعمى حَرَجٌ} في الدخول من غير استئذان؛ لأنه لا يتوقع منه نظر لما يكره. وكذلك لا حرج عليه فيما لا قدرة له عليه من الجهاد وغيره، ثم استطرد من شاركه في مطلق العذر فقال: {ولا على الأعْرج حَرَجٌ} فيما لا يقدر عليه من الجهاد وغيره، {ولا على المريض حرج} في ذلك. وقال سعيد بن المُسَيِّب: كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزو وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، ويأذنونهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون من ذلك، ويقولون: نخشى أن تكون نفوسهم غير طيبة بذلك، فنزلت الآية، رُخْصَةً لهم. وقيل: كانوا يتحرجون من ذلك, ويقولون: نخشى أن تكون نفوسهم غير طيبة بذلك, فنزلت الآية, رُخْصَةً لهم, وقيل: كانوا يتحرجون من الأكل معهم؛ لأن الأعمى لا يبصر الطيب من الطعام، والأعرج لا يستطيع المزاحمة عليه، والمريض لا يستطيع استيفاءه. هـ. {ولا على أنفسكم} أي: لا حرج عليكم {أن تأكلوا من بيوتكم} أي: البيت الذي فيه أهل بيتكم؛ أزواجكم وعيالكم، فإذا كان للزوجة أو للولد هناك شيء منسوب إليهما فلا بأس للرجل بأكله؛ لأن الزوجين صارا كنفس واحدة، فصار بيت المرأة بيت الزوج. وقيل: المراد ببيوتكم: بيوت أولادكم، فجعل بيوت أولادهم بيوتهم؛ لأن ولد الرجل من كسبه، وماله كمالِه، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : أنت ومالك لأبيك"تفسير : ، ولذلك لم يذكر الأولاد في الآية؛ لاندراجهم في بيوتكم. ولا حرج عليكم أيضاً أن تأكلوا من {بيوت آبائكم أو بيوتِ أمهاتكم أو بيوتِ إخوانكم} الذكور {أو بيوت أَخَواتكم} النساء، {أو بيوت أعمامكم أو بيوت عمَّاتكم أو بيوتِ أخوالكم أو بيوت خالاتكم}؛ لأن الإذن من هؤلاء ثابت؛ دلالة. واختلف العلماء في إباحة الأكل من هذه البيوت المذكورة، فقيل: إنه منسوخ وإنه لا يجوز الأكل من بيت أحد إلا بإذنه، والناسخ: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ}تفسير : [البقرة: 188]، وقوله عليه الصلاة والسلام-: "حديث : لاَيَحِلُّ مَالُ امْرِىءٍ مسلم إلا عن طِيبِ نَفْسٍ" تفسير : . وقيل: محكمة ومعناها: إذا أذنوا في ذلك، وقيل: ولو بغير إذن، والتحقيق: هو التفصيل: فمن عُلم منه طيب نفسه وفرحُه بذلك؛ بقرينةٍ: حَلَّ أَكْلُ مَالِهِ، ومَنْ لاَ؛ فلا. {أو ما ملكتم مَّفَاتحه} قال ابن عباس: وهو وكيل الرجل وقيّمه في ضَيْعَتِهِ وماشيته، له أن يأكل من ثمرة ضيعته، ويشرب مِنْ لبن ماشيته. والمراد بملك المفاتيح: كَوْنُها في يده وتحت حَوْزِهِ. وقيّده ابن العربي بما إذا لم تكن له أجرة، وإن كانت له أجرة على فعله حَرُمَ، يعني: إلا إذا علم طيب نَفْسٍ صاحبه؛ فيدخل في الصديق. وقيل: أريد به بيت عَبْدهِ؛ لأن العبد وما في يده لمولاه. {أو صَدِيقِكُمْ} أي: أو بيوت أصدقائكم، والصديق يكون واحداً وجمعاً، وهو من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك، يُؤلمه ما يؤلمك ما يؤلمه، ويسرك ما يسره كذلك. وكان الرجل من السلف يدخل دار صديقه وهو غائب، فيسأل جاريته كيسَهُ فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها أعتقها سروراً بذلك، فأما الآن فقد غلب الشحّ فلا يأكل إلا بإذن. قاله النسفي. {ليس عليكم جناحٌ أن تأكلوا جميعاً}: مجتمعين {أو أشتاتاً}: متفرقين، جمع شَتّ، نزلت في بني ليث بن عمرو، كانوا يتحرّجُون أن يأكل الرجل وحده، فربما قعد منتظراً نهاره إلى الليل، فإذا لم يجد من يؤاكله من الضيفان أكَل أكْل ضرورة. وقيل: في قوم من الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا. وقيل: في قوم تحرجوا من الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل، وزيادة بعضهم على بعض، فخيّرهم. وقيل: كان الغني منهم إذا دخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته، ودعاه إلى الطعام، فيقول: إني أتحرج أن آكل معك، وأنا غني وأنت فقير، فأباح لهم ذلك. والله تعالى أعلم. الإشارة: ليس على من عَمِيَتْ بصيرتُه، فلم ير إلا الكون حَرج في أن يقف مع رُخَصِ الشريعة، ويتناول كل ما يشتهيه نفسه، مما أباحته الشريعة، من غير تورع ولا توقف ولا تبصر. وكذلك المريضَ القلب بالخواطر والأوهام، ومن عَرجت فكرته عن شهود الملكوت، فلا بأس لهؤلاء الضعفاء أن يقفوا مع العوائد والأسباب، ويتناولوا كل ما أباحته ظواهر الشريعة، وأما الأقوياء فلا يأخذون إلا ما تحققوا حِلِّيَّتَهُ، وفهموا عن الله في أخذه وتركه، لفتح بصيرتهم وشدة تبصُّرهم. وقال الورتجبي في قوله: {ليس على الأعمى حرج}: عماه الحقيقي ألا يطيق أن ينظر بطونَ الأزل والغيبَ وغيبَ الغيب. وهذا من قوله - عليه الصلاة والسلام - في وصف جمال الحق سبحانه: "حديث : حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحَاتُ وَجْهِه ما انتهى إليه بَصَرُهُ مِنْ خلْقِهِ"تفسير : . فجعله معذوراً ألا يدرك حق الحقيقة وحقيقة الحق؛ إذ يستحيل الحَدَثُ أن يحيط بالقدم إن كان واجباً معرفة الكل من حيث الحقوق لا من حيث التوحيد. هـ ومراده ببطون الأزل: تجلياته تعالى، البارزة من وسط بحر جبروته الغيبي، وهي المراد بالغيب وغيب الغيب، فالأكوان كلها برزت من بحر الذات الأزلية والكنز الغيبي، لكنها، لما تجلت، كستها رداء الكبرياء، فمن فتحت بصيرته رأى الحق تعالى فيها، أو قبلها، أو معها، ومن عميت بصيرته لم ير إلا حس الأكوان الظُّلْمَانِيَّةِ. والله تعالى أعلم. ومذهب الصوفية في تناول متاع بعضهم بعضاً هو ما قال القائل: "نَحْنُ: لاَ مَالٌ مَقْسُومٌ، وَلاَ سِرٌّ مَكْتُومٌ، فَتَرِكَتُهُمْ لاَ تُقْسَمُ أبداً". دخل الجنيد بَيْتَ بَعْضِ إخوانه، فوجد زوجته، فقال: هل عندك شيء نطعم به الفقراء؟ فأشارت إلى وعاء فيه تمر، لا يملك غيره، فأفرغه على رأسه، فأكلوا، وأخذوا ما بقي، فلما جاء زوجها ذكرت له ذلك، فقال: الآن علمت أنه يُحبني. ثم أمر بالسلام بعد الاستئذان، فقال: {...فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} يقول الحق جل جلاله: {فَإِذَا دخلتم بيوتاً} من البيوت المذكورة أو غيرها بعد الإذن، {فسَلّمُوا على أنفسكم} أي: فابدأوا بالسلام على أهلها، الذين هم منكم، الذين هم بمنزلة أنفسكم؛ لما بينكم وبينهم من القرابة الدينية أو النَّسَبِيَّةِ. أو بيوتاً فارغة، أو مسجداً، بأن تقولوا: السلام عليكم، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إن كانت خاوية. {تحيةً} ، مَنْ نَصَبَ فعلى المصدر لِسلِّمُوا؛ لأنها في معنى تسليماً، {من عند الله} أي: بأمره مشروعه من لدنه، أو لأنها طلب للسلامة، وهي بيد الله، {مباركةً}: مستتبعة لزيادة الخير والثواب ودوامهما، {طيبةً}: تطيب بها نفس المستمع. وعن أنس رضي الله عنه أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "حديث : من لقيت أحداً من أمتي فسلم عليه، يَطُلْ عُمْرُكَ. وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكْثُرُ خَيْرُ بَيْتِك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين ". تفسير : {كذلك يُبين الله لكم الآيات}، تكرير؛ لتأكيد الأحكام المختتمة وتفخيمها، {لعلكم تعقلون}: لكي تعقلوا ما في تضاعيفها من الشرائع والأحكام، وتعملوا بموجبها، فتفوزوا بسعادة الدارين. والله تعالى أعلم. الإشارة: السلام على النفس: هو طلب الأمان لها ومنها، فإذا سَلِمَت النفس من موجات الغضب من الله، سَلِمَ صاحبها منها، قال القشيري: السلامُ: الأمانُ، فسبيل المؤمن إذا دخل بيتاً أن يُسلِّمَ مِنَ الله على نَفْسه، يعني: بأن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأن يطلب السلامة والأمان من الله تعالى، لِتسْلَمَ نَفْسُه من الإقدام على ما لا يرضي الله، إذ لا يحل لمُسلم أن يفْتُرَ لحظة عن الاستجارة بالله، بأن لا يرفع عنه ظل عصمته بإدامة حِفظهِ من الاتصاف بمكروه الشرع. هـ. ولما تكلم عن الاستئذان في الدخول، تكلم عن الاستئذان في الخروج، إذا كان مع كبر القوم، فقال: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ...}

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى انه {ليس على الأعمى حرج} وهو الذي كف بصره {ولا على الأعرج حرج} وهو الذي يعرج من رجليه او احدهما {ولا على المريض حرج} وهو الذي يكون عليلا، والحرج الضيق في الدين، مشتق من الحرجة، وهي الشجر الملتف بعضه ببعض لضيق المسالك فيه. وحرج فلان إذا أثم. وتحرّج من كذا إذا تأثم من فعله. نفى الله الحرج عن هؤلاء لما يقتضيه حالهم من الافات التى بهم مما تضيق على غيرهم. واختلفوا في تأويل ذلك، فقال الحسن وابن زيد والجبائي: ليس عليهم حرج فى التخلف عن الجهاد، ويكون قوله {ولا على أنفسكم} كلاماً متسأنفاً. وقال ابن عباس: ليس من مؤاكلتهم حرج، لانهم كانوا يتحرجون من ذلك. قال الفراء: كانت الانصار تتحرج من ذلك، لانهم كانوا يقولون: الاعمى لا يبصر فتأكل جيد الطعام دونه ويأكل رديئة. والاعرج لا يتمكن من الجلوس. والمريض يضعف عن المأكل. وقال مجاهد: ليس عليكم في الأكل من بيوت من سمي على جهة حمل قراباتهم إليهم يستتبعونهم في ذلك حرج. وقال الزهري: ليس عليهم حرج في أكلهم من بيوت الغزاة إذا خلفوهم فيه باذنهم. وقيل: كان المخلف فى المنزل المأذون له في الأكل يتحرج، لئلا يزيد على مقدار المأذون له فيه. وقال الجبائي: الآية منسوخة بقوله {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم الى طعام غير ناظرين إِناه} تفسير : ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم) "حديث : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه" تفسير : والذي روي عن أهل البيت (ع): انه لا بأس بالأكل لهؤلاء من بيوت من ذكرهم الله بغير اذنهم، قدر حاجتهم من غير اسراف. وقوله {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} قال الفراء: لما نزل قوله {أية : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة} تفسير : ترك الناس مؤاكلة الصغير والكبير ممن أذن الله تعالى فى الأكل معه، فقال تعالى وليس عليكم فى أنفسكم، وفي عيالكم حرج أن تأكلوا منهم ومعهم الى قوله {أو صديقكم} أي بيوت صديقكم {أو ما ملكتم مفاتحه} أي بيوت عبيدكم وأموالهم. وقال ابن عباس: معنى ما ملكتم مفاتحه هو الوكيل وما جرى مجراه. وقال مجاهد والضحاك: هو ما ملكه الرجل نفسه في بيته. وواحد المفاتح مفتاح - بكسر الميم - وفي المصدر (مفتح) بفتح الميم. وقال قتادة: معنى قوله {أو صديقكم} لانه لا بأس فى الاكل من بيت صديقه بغير اذنه. وقوله {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً} قيل: يدخل فيه أصحاب الآفات على التغليب للمخاطب كقولهم: انت وزيد قمتما، ولا يقولون قاما. وقال ابن عباس: معناه لا بأس ان يأكل الغني مع الفقير في بيته. وقال ابن عباس والضحاك: هي فى قوم من العرب كان الرجل منهم يتحرج أن يأكل وحده. وقال ابن جريج: كانوا من كنانة. وقال ابو صالح: كانوا إذا نزل بهم ضيف تحرجوا أن يأكلوا معه، فأباح الله الاكل منفرداً ومجتمعاً. والاولى حمل ذلك على عمومه، وانه يجوز الاكل وحداناً وجماعاً. وقوله {فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم} قال الحسن: معناه ليسلم بعضكم على بعض. وقال ابراهيم: اذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال قوم: أراد بالبيوت المساجد. والأولى حمله على عمومه. فاما رد السلام، فهو واجب على المسلمين. وقال الحسن: يجب الرد على المعاهد، ولا يقول الراد ورحمة الله. وقوله تعالى {تحية من عند الله مباركة طيبة} يعني هذا السلام تحيون به تحية من عند الله مباركة طيبة، لما فيها من الأجر الجزيل والثواب العظيم. ثم قال كما يبين الله لكم هذه الأحكام والآداب {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون} أي يبين الله لكم الأدلة على جميع الاحكام، وجميع ما يتعبدكم به لتعقلوا ذلك، وتعملوا بموجبه.

الجنابذي

تفسير : {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} استيناف منقطع عن سابقه لفظاً ومعنىً ولذلك لم يأت بأداة الوصل وبيان لادبٍ آخر من آداب المعاشرة وذلك كما روى ونقل انّ المرضى كانوا يكرهون معاشرة الاصحّاء ومؤاكلتهم لتأنّف الاصحّاء عن معاشرتهم ولاحتمال انزجارهم من مؤاكلتهم ومعاشرتهم وكان الاصحّاء يكرهون مؤاكلتهم لعدم قدرتهم على الاكل مثلهم، وكان الغازون اذا خرجوا الى الغزاء خلّفوا الزّمنى على بيوتهم وكره الزّمنى الاكل منها وكان اذا خرج سريّة كانوا يدفعون مفاتيح بيوتهم الى الغازين ليأخذوا ويأكلوا ما يحتاجون اليه فيكرهون الاكل منها دون الاجتماع مع صاحبيها، وكانوا اذا ارادوا ان يطعموا المرضى ولم يكن فى بيوتهم ما يطعمهم به ذهبوا بهم الى بيوت قراباتهم فكرِه المرضى الاكل منها وكان المرضى يتحرّجون بعدم الاستطاعة للجهاد وعدم القدرة على الطّاعة وعدم زيارة الرّسول (ص) والمؤمنين مثل الاصحّاء فرفع تعالى الحرج من ذلك كلّه لقوله ليس على الاعمى حرج {وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} وحذف المتعلّق ليذهب ذهن السّامع كلّ مذهبٍ ممكنٍ، وقد مضى فى اوّل الكتاب انّ الوجوه المحتملة كلّها مقصودة من الفاظ القرآن فكأنّه قال: ليس على هؤلآء حرج فى المؤاكلة مع الاصحّاء والمعاشرة معهم، ولا فى الاكل من بيوت من خلّفوهم عليها ولا فى الاكل والاخذ من البيوت الّتى اعطاهم صاحبوها مفاتيحها، ولا فى الاكل من بيوت اقرباء الدّاعين ولا فى التّخلّف عن الجهاد لا فى عدم الطّاعة والزّيارة مثل الاصحّاء، وكرّر لفظ حرجٍ للاشارة الى عدم الفرق بين الثّلاثة فى ظنّ التّحرّج وعدمه {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} حرج {أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} متعلّق بالمجموع او مختصّ بالاخير والمعنى ليس على انفسكم حرج فى ان تأكلوا منفردين او مع المعلولين من بيوت انفسكم ولمّا كان الولد وبيته للوالد جعل بيته داخلاً فى بيوتكم ولم يذكره منفرداً كما ورد فى حقّ ولدٍ: انت ومالك لا بيك، وورد: انّ اطيب ما يأكل المرء من كسبه، وانّ ولده من كسبه {أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} بكونكم وكلاء للمالك فى ضيعته او مخزنه او داره، او اعطى المالك المفتاح عارية، او المراد بيت المملوك فانّ المفاتح جمع المفتح بمعنى المخزن والسّيّد مالك للمولى ومملوكه {أَوْ صَدِيقِكُمْ} فانّ الصّداقة تقتضى السّرور بأكل الصّديق من بيته ولا اقلّ من الاذن ولكن كلّ ذلك ما لم يعلم عدم الاذن من صاحبيها، وما لم يؤدّ الى السّرف والافساد {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً} مجتمعين مع صاحبى البيوت او مع المعلولين او مع انسانٍ آخر او مع ضيفٍ {أَوْ أَشْتَاتاً} متفرّقين منفردين فانّهم كما قيل كرهوا الأكل من البيوت المذكورة بدون صاحبيها وبعض البطون كان الرّجل منهم لا يأكل وحده ويتحرّج بالأكل وحده وكانوا لا يأكلون فى بيوت الفقراء فانّ الغنىّ كان يدخل بيت الفقير من ذوى قرابته او صداقته فيدعوه الى طعامه فيتحرّج عن الأكل وكانوا اذا نزل بهم ضيف يتحرّجون الأكل الاّ معه {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً} ادب آخر واتى بالفاء لانّه متعقّب للاذن فى دخول البيوت {فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} يعنى ليسلّم بعضكم على بعضٍ فانّ المعاشرين كلاًّ منهم بمنزلة نفس الآخر، او سلّموا على اهل البيوت حتّى يردّوا السّلام عليكم فيكون سلامكم على أَهل البيوت سلاماً على انفسكم، او سلّموا على انفسكم اذا لم تجدوا فيها احداً بان تقولوا؛ السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين او بان تقولوا؛ السّلام علينا من عند ربّنا {تَحِيَّةً} مفعول مطلق من غير لفظ الفعل {مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} مشروعة من عند الله او نازلة من عند الله فانّ لسان المسلّم حين يسلّم بامر الله يكون مسخّراً لامر الله، والجارى على اللّسان المسخّر لله جارٍ من الله {مُبَارَكَةً} لانّها دعوة مؤمنٍ لمؤمن بأمر الله ودعوة المؤمن للمؤمن بركة عليهما، واذا كانت بأمر الله وكان الدّاعى ناظراً الى امره ضوعفت بركتها {طَيِّبَةً} لما فيها من صيرورة نفسى المسلّم والمسلّم عليه طيّبتين {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ} واحكام المعاشرة او الآيات التّدوينيّة فى بيان احكام المعاشرة {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} حكمها ومصالحها او لعلّكم تصيرون عقلاء او لعلّكم تعقلون الآداب الّلازمة فى المعاشرة وتفهمونها فتعملوا بها.

اطفيش

تفسير : {لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ} معوج الاعضاء لكسر أو غيره * {حَرَجٌ ولاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا} اي في ان تأكلوا (وفي) متعلقة مما تعلق به على الاعمى وهو الاستقرار او متعلق (بعلى الاعمى) لنيابته عن الاستقرار والخطاب في {تَأكُلُوا} يعم من خوطب بالكافات والتاء في ملكتم ويعم الاعمى والاعرج والمريض من تغليب المخاطب على الغائب. {مِن بُيُوتِكُمْ} اي البيوت التي تنسب اليكم سواء كانت لكم أو كانت لازواجكم وكن فيها أو غلقت أو كانت لاولادكم وولد الرجل بعضه وحكمه حكمه وفي الحديث "حديث : إِن أَطيب ما يأكل المرء من كسبه وإِن ولده من كسبه " تفسير : وقوله: "حديث : انت ومالك لابيك"تفسير : على ما فيه من بسط في الفقه وسبب لاكل القرابة والولد اقرب من عدد من القرابات. {أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَو بَيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بَيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ} تصرفه سميت التصرف مفتحا وذلك ما يكون تحت يد الانسان من صيعة أو ماشية أو مال بوكالة أو بمؤاجرة أو يحفظ أو يؤخذ منه لبن وتمر ونحوهما والمفتح ما يفتح به الشيء شبه مال الرجل من التصرف في المال بالمفتاح. وقيل: المراد بيوت المماليك لان مال العبد لمولاه. وقال الضحاك: المراد الذي لكم مختصين به عن سائر العيال عندكم مفتاحه. وقرأ بعضهم (مفتاحه). وقرأ سعيد بن جبير {وما ملكتم مفاتيحه} البناء للمفعول وتشديد اللام وبباء بين التاء والحاء. {أَوْ صَدِيقِكُم} أي أو بيوت صديقكم والصديق بمعنى الاصدقاء هنا فانه يطلق على الواحد والجماعة كالخليط والعد. واباح الله للاصحاء ان يأكلوا من بيوت من ذكر وان يطعموا الاعمى والاعرج والمريض منها. روي انهم كانوا يدخلون على الاصحاء لطلب الطعام فاذا دخلوا على رجل ولم يكن عنده شيء ذهب بهم إلى بيت ابيه أو امه أو من سمى الله فكانوا يتحرجون بذلك فيقولون ذهب بنا إلى غير بيته فنزلت الآية. وربما كان للمطعمين لهؤلاء من تلك البيوت ايضا تحرج في قلوبهم والآية منسوخة فليس لك ان تأكل ولا ان تطعم من ذكر الا من مالك. وقيل: المراد الاطعام والاكل من مال الغير بدلا له أو بقرينة تبين ان صاحب المال مجيز فلا نسخ. وقيل: المراد ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج في مؤاكلة مقابليهم ولا على انفسكم ان تأكلوا من بيوت آبائكم الخ بدلالة أو قرينة. قال ابن عباس رضي الله عنه: لما انزل الله عز وجل {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}تفسير : تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والعميان والعرجى وقالوا الطعام افضل الاموال وقد نهى الله عن اكلها بالباطل والاعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب والاعرج لا يتمكن من الجلوس ولا يستطيع المزاحمة على الطعام والمريض يضعف عن التناول ولا يستوفي من الطعام حقه (وعلى) بمعنى في اي ليس في الاعمى حرج اي ليس عليكم في مؤاكلة حرج وهكذا قيل كان العميان والعرجان والمرضى يتحرجون يتحرج الاعمى عن اكل اطيب الطعام ومن بين ايدي الناس وان تسبق يده والعرجان يتحرجون ان يأخذوا مواضع واسعة وكان الناس يستقذرون الاكل مع المرضى والعرجى ايضا ويستقذرون الاكل مع المريض إذ لا يخلو من رائحة تؤذي من عرق أو جرح أو من سائل انف أو نحو ذلك فيتحرج عن ان يضر الناس فنزلت الآية. فعلى هذا القول (على) للاستعلاء كما في القول الاول. وقيل: كان المسلمون اذا عزوا دفعوا مفاتيحهم لهم ولاقاربهم ويبيحون لهم الاكل فتحرجوا فنزلت الآية. خرج الحارث بن عمرو غازيا وخلف مالك بن زيد في بيته وماله ولما رجع رآه مجهودا وقال: ما اصابك؟ قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل لي ان آكل من مالك فنزلت اباحة لهم ان يأكلوا من بيوت من استخلفهم. وقيل المعنى ليس على هؤلاء الاصناف حرج في التخلف عن الغزو ولا على الاصحاء في الاكل من البيوت المذكورة فالكلام تم في ولا على المريض حرج. والقول الآخر لا يلائم ما قيل ولام بعد لانما قيل في التحفظ والاستئذان ما بعد في الاكل ولكن ذلك جائز مثل ان يستفتيك مسافر عن الافطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فتقول ليس على المسافر حرج في الافطار ولا عليك ياحاج ان تقدم الحلق. وورد في الاكل من مال الصديق ان معمرا قال لقتادة: لا تشرب من هذا الجب قال: انت لي صديق فما هذا الاستئذان قال: النقاش. عن ابن عباس: الصديق اوكد من القريب الا ترى استغاثة الجهنميين {أية : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم}تفسير : ودخل الحسن داره واذا حلقة من اصدقائه وقد استلوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص واطيب الاطعمة وهم مكبون عليها يأكلون فتهللت اسارير وجهه سرورا وضحك وقال: هكذا وجدناهم هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين. وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء فاذا حضر مولاها فاخبرته اعتقها سرورا بذلك. قال الحسن: كنا في بيت صحابي فتناول منا رجل بسرا وقال لصاحب البيت: قد تناولت بسرا فقال هو لك حلال وان لم تذكره لانك من اخي. وعن جعفر بن محمد من عظم حرمة الصديق جعله الله تعالى من الانس والثقة والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والاب والاخ والابن وقالوا: إذا دل ظاهر الحال على رضى المالك قام ذلك مقام الاذن الصريح وربما سفح الاستئذان وثقل كمن قدم اليه طعام استاذن صاحبه في الاكل منه. واختلف اصحابنا في الاكل بالدلالة فاجيزت ومنعت واجيزت بشرط ان يتيقن انه لو وجده صاحب المال يأكل لرضي واجيزت بشرط ذلك وبشرط ان يسر صاحب المال أكل وتمنع اتفاقا ان علم منعا أو كراهية ولم يظن انه يرضى. ودخل صلى الله عليه وسلم دار بريرة فأكل طعامها وهي غائبة وكان الحسن عند بقال يوما فجعل ياخذ التين والفستق فيأكل فقال له هشام: ما بدالك في الورع يا ابا سعيد فقال: يا لكع اتل عليّ آية الاكل فتلا {وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} إلى {وصديقكم} فقال الصديق من استروحت إليه النفس واطمأن اليه القلب. وكان الشافعي عند الزعفراني ببغداد وكان الزعفراني يكتب في كل يوم رقعة بما يطبخ من الالوان ويدفع إلى الجارية فاخذها منها الشافعي يوما وزاد فيها لونا آخر فعرف الزعفراني ذلك فاعتق الجارية سرورا بذلك. فائدة: قال القاضي: كان الاكل من بيوت هؤلاء مباحا في أول الاسلام فنسخ او ابيح إذا علم رضى صاحب البيت بإذن أو قرينه فلا احتجاج في الحقيقة به على ان لا قطع بسرقة مال من ذكر في الآية (انتهى بتصرف). وعن بعضهم: نسخت الآية بقوله تعالى {أية : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}تفسير : ويرده ان هذه متقدمة النزول وبحديث (ان دماءكم واموالكم عليكم حرام) الخ وقوله: (لا يحلبن احدكم ماشية احد الا باذنه) ولآية الاستئذان ويرده ان الاستئذان إذا حصل بعده الاذن صح الاكل من البيت المدخول فيه وايضا {أية : لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل}تفسير : المراد به التعدي والخدع ونحو ذلك. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأكُلُواْ جَمِيعاً} اي مجتمعين فهو هنا {أَوْ أَشْتَاتاً} جمع شتيت أي متفرقين نزلت لتخرج المريض والاعرج والاعمى عن الاكل مع الاصحاء ولتخرج الاصحاء عن الاكل معهم مخافة ان يزيدوا عنهم في الاكل أو ان يأكلوا الاطيب. وقيل: نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة يتحرجون ان يأكل الرجل وحده فربما قعد الرجل منتظرا نهاره إلى الليل فان لم يجد من يأكل معه أكل ضرورة وقد اجهده الجوع. وقال بعضهم: كان بنو كنانة في الجاهلية يحرمون ان يأكل الرجل وحده أو يشرب وحده وقيل: لا يأكلون الا مع الضيف. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان الغني يدخل على قريب وصديق له فيدعوه إلى طعامه فيقول والله اني لاحرج ان آكل معك وانا غني وانت فقير فنزلت. وقيل: نزلت في قوم من الانصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون الا مع ضيفهم. وقيل: في قوم منهم تحرجوا عن الاجتماع إلى الطعام لاختلاف الناس في الاكل وزيادة بعضهم على بعض * {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً} من تلك البيوت لتأكلوا بدليل الآية * {فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} اي على اهلها الذين هم وانتم كواحد للدين والقرابة أو الصداقة قولوا السلام عليكم. وقيل: المراد إذا دخل بعضكم على بعض فليسلم الداخل سواء في تلك البيوت أو في غيرها والمعنى اذا اردتم الدخول وشارفتموه فسلموا. وقيل: المراد إذا دخلتم بيوتا لا احد فيها لكم أو لغيركم فليسلم الداخل على نفسه وسائر المؤمنين بان يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وإذا قال ذلك ردت له الملائكة. وقيل: يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام علينا من ربنا ويقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام على اهل البيت ورحمة الله وبركاته ويعني باهل البيت مالكيه ان كانوا متولين او من له سكونه ان كان متوليا وان لم تكن ولاية عنى به من الملائكة. وقيل: يقول السلام علينا من ربنا وعلى عباد الله الصالحين. وقيل: المعنى إذا دخلتم بيوتا فيها عيالكم فسلموا على اهلكم فهم احق بالسلام. وعن ابن عباس: البيوت المساجد إذا دخلتموها فقولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وزاد بعضهم عنه ان يقول بعد الصالحين تحية من عند الله. وفي رواية عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ان المراد بالبيوت المسكونة اي سلموا على من فيها من أهل دينكم والرواية الاولى اصح عنه. وعن ابي امامة عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة في رعاية الله رجل خرج غازيا في سبيل الله عز وجل يتوفاه الله جل وعلا فيدخله الجنة أو يرده بما نال من اجر وغنيمة ورجل راح إلى المسجد يتوفاه ويدخله الجنة أو يرده بما نال من اجر وغنيمة ورجل يدخل بيته بسلام"تفسير : وعن انس عنه صلى الله عليه وسلم"حديث : اذا دخلت على أَهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أَهل بيتك " تفسير : وعنهحديث : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين وروى تسع سنين فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته ولا قال لي لشيء كسرته لم كسرته وكنت واقفا على رأسه اصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: الا اعلمك ثلاث خصال تنتفع بها قلت: بلى بابي وامي يا رسول الله قال: "متى لقيت من امتي احدا فسلم عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك وصلي صلاة الضحى فانها صلاة الابرار الاوابين " تفسير : قال الشيخ هود: اذا دخل الرجل بيته سلم عليهم وإذا دخل المسجد قال بسم الله سلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب رحمتك ان كان المسجد قليل الاهل أسمعهم التسليم وان لم يكن فيه أحد قال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام علينا من ربنا وكذا يقول إذا دخل بيتا غير مسكون. وقيل: يستحب للرجل إذا دخل منزله ان يقول السلام علينا من ربنا والحمد لله رب العالمين. قال: ويسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والصغير على الكبير والقليل على الكثير وراكب الدابة على راكب البعير وصاحب الحمار والبغل على الفارس (انتهى). والماشيان افضلهما البادي والفقير على الغني والحافي على المنتعل والنازل على الطالع والرعية على الامام وقاضيه وعامله ومدين على غريم وكل ضعيف على قوي ومفضول على فاضل اداء لحق الفاضل وقيل: بالعكس في ذلك كله للتواضع وان سلم قاعد على ماش جاز ويسلم ذو وسع على ذي ضيق وآمن على خائف. وقيل: بالعكس ايضا فيهما وجاز بين رجال ونساء بمنزل أو فحص وكره سلام رجل على امرأة فيه وجاز على محرمته. قال: ولا يسلم الرجل على النساء وكان ابن عمر يسلم عليهن وكذا غير واحد من السلف. وقيل: إذا كان النساء في الطريق فلقيهن رجل فاجلسن ويسلم عليهن الرجل اي او وقفن فيسلم ويحتمل ان يريد إذا كن في الطريق واقفات. ولا يسلم على مجنون وفي الصبي قولان. قال ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَنه مر بغلمان فسلم عليهم وانه قال السلام اسم من اسماء الله"تفسير : قال ابن مسعود فافشوه بينكم. فلمن سلم على قوم فردوا عليه فضيلة وان لم يردوا عليه من هو خير وهم الملائكة عليهم السلام والبسط في الفقه. فصل سلام الرجل على أهله والسلام في بيت لا أحد فيه مستحبان. واختلف اصحابنا هل يسلم على من في المسجد اولا؟ قولان. {تَحِيَّةً} بتشديد الياء مصدر حي بالتشديد والاصل تحيية باسكان الحاء وكسر الياء الاولى وتخفف الثانية نقلت كسرة الياء للحاء فادغمت الياء في الياء وهو مفعول مطلق لسلموا كقولك اقعدوا جلوسا. قال هشام ومن قدر في (قعدت جلوسا) عاملا محذوفا من لفظ المصدر وهو سيبويه قدر في الآية مثله اي (حيوا تحية) والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه {مِّنْ عِندِ اللَّهِ} اي ثابتة بامره مشروعة من لدنه فهو نعت {تَحِيَّةً}. واجيز تعليقه بـ {تَحِيَّةً} لان التحية طلب للحياة من الله سبحانه وتعالى * {مُبَارَكَةً} لانها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها زيادة الخير والثواب * {طَيِّبَةً} لانه تطيب بها نفس المحيى بها وتستجلب بها مودته. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : للمسلم على المسلم ست خصال يسلم عليه إذا لقيه ويشمته إذا عطس ويعوده إذا مرض ويجيبه إذا دعي وينصحه إذا غاب عنه ويشهد جنازته إذا مات"تفسير : وقال "حديث : ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان الا غفر لهما قبل ان يتفرقا"تفسير : قال ابن عباس: مباركة طيبة جميلة حسنة. {كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ} ذكره ثلاث مرات تاكيدا وتفخيما لما تلاه في كل موضع من الثلاث وذكر بعد هذه قوله * {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لانه المقصود منه اي تعقلون الحق والخير في الأمور.

اطفيش

تفسير : {ليس على الأعْمى} بعينيه معاً، ويلتحق به ضعيف البصر والأعور اذا كان عوره مؤذياً له {حَرجٌ} ضيقٌ شرعى بأن يحكم بالذنب على هؤلاء، وأصله مجتمع الشىء كالأغصان الملتفة {ولا على الأعرج حرج} فى اليأَو على الرجل أو الفخذ، {ولا على المريض} بأى مرض معطل عن الغزو، أو يزداد به أو يطول به أو يستقذر به {حرجٌ} فى أن لا يغزوا، وفى أن يأكلوا مع الناس، ولو كانت فيهم رائحة تكره لمرض أو صنان أو وسخ فى العين أو الأنف يبدوا ويأكلوا أكثر، أو يأخذ الأعرج لعرجه زيادة موضع، وفى أن يأكلوا من مال من جرهم اليه من قصدوه، إذ كانوا يأتوه رجاء للأكل، فلا يجد ما يطعمهم فيأتى بهم الى أبيه أو أمه أو نحوهما عمن يرجون معه، فيتحرجون وفى أن يأكلوا ممن خرج غازياً، وتركهم على طعامه أو ماله، فنزلت. وإن كان الاصحاء يتحرجون عن الأكل مع هؤلاء أى لا يستوفون الأكل كالأصحاء، فعلى بمعنى فى أى ليس فى مواكلة الأعمى أو للتعليل لا لمواكلة الأعمى او على ظاهر، أى لا حرج على مواكلة الأعمى كما يقلل: لا عقاب على فعل كذا، أى لا يبنى عقاب على ذلك، أو متعلق الحرج هو قوله: {أن تأكلوا} من قوله: {ولا على أنْفُسكم} أيها الأصحاء حرج {أن تأكلوا} ايها الطوائف الثلاث والأصحاء، وهو ضعيف، لأن عموم الخطاب فى تأكلوا وما بعده للطوائف الثلاث تأباه غيبتهم فى قوله: {ليس على الأعمى} والصحيح أن الكلام تم فى حرج، وذكر كلاماً آخر بقوله:{ولا على أنفسكم أن تأكلوا}. {من بيُوتِكُم} أنتم ومن معَكُم، وذكر الأنفس إثارة الى معنى عليكم، وعلى من فى مثل مالكم، وفيه استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه، فأولى منه لسلامته من ذلك أن يكون ذكره اشارة الى أن الأكل المذكور، مع أنه لا حرج فيه لا يخل بقدر من له شأن، كما كثر ذكر النفس فى ذى الشأن مثل: "أية : كتب ربكم على نفسه الرحمة"تفسير : [الأنعام: 54] وقوله تعالى: "حديث : حرمت الظلم على نفسى ". تفسير : {أو بُيُوت آبائكم أو بيوت أمَّهاتكم، أو بُيُوت إخَّوانكم أو بُيُوت أخَواتكم أو بُيُوت أعمامكم أو بُيُوت عمَّاتِكم أو بيُوت أخوالكُم أو بُيُوت خالاتكم} كان هؤلاء من أب وأم، أو أحدهما أو من الرضاع {أو ما ملكتُم مَفَاتحهُ} كناية عن الكون تحت اليد من بستان أو نعم، بوكالة أو حفظ، يأكل ويؤكل، ولا يحمل ولا يدخر، قاله ابن عباس، وكذا سائر الطعام وغيره، كما قال السدى، والأولاد دخلوا لأن بيوتهم بيوت لآبائهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وأن ولده من كسبه"تفسير : وقال: "حديث : أنت ومالك لأبيك"تفسير : وقيل: من بيوتكم من مال أولادكم وأزواجكم الذين فى بيوتكم، وقيل: ما ملكتم مفاتحه عبيدكم عبر عنهم بما تشبيها بالجماد، أو بالحيوانات والمفاتح جمع مفتح بدون ألف وقيل: مفتاح بالألف، حذفت فى الجمع ياء. {أو صديقكم} أى أو صديق يؤكل واحد منكم، ممن له صديق، وقيل: يقع على الجماعة كما يقع على المفرد والاثنين، لأنه بوزن مصدر السير والصوت، وعلى كل حال لم يقل أصدقائكم اشارة الى قلة الصديق حتى قيل: شعر : صاد الصديق وكاف الكيمياء معا لا يوجدان فدع عن نفسك الطمعا تفسير : والى ان الاثنينية مرتفعة كأنهما واحد فى الأكل وهو أرضى بالتبسط من ذوى القرابة، وهو من يصدق فى مودتك وتصدق فى مودته، أو ولو لم تصدق أنت، وقد استغاث الناريون بالصديق لا بالولد، أو بالوالد فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم، وقد جعله الله عز وجل مع النفس والأخ والأب، قال أفلاطون: لا أحب أخى الشقيق إلا إذا كان صديقى، وصديقى أحب الى من أخى. والآية باقية على اطمئنان النفس من صاحب المال، كما فعلت الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم، يدخل دار صديقه باستئذان فيسأل جاريته عن كيسه فتعطيه فيأخذ ما شاء، فإذا جاء وأخبرته أعتقها سروراً، ودخل أصحاب الحسن داره باستئذان، وأكلوا أطيب طعامه، فدخل فاستنار وجهه فرحا فقال: هكذا وجدناهم يفعلون، يعنى الصحابة، فلا نسخ لحديث: "حديث : لا يحل مال امرئ مسلم إلاَّ بطيب نفس" تفسير : لأنا قد اشترطنا للآية الاطمئنان، ويدرأ الحد عمن أكل من مال هؤلاء عندى، لأنه يدخل جهراً بلا إذن ولا يبالى، وإن كان فيه ساكن استأذن، وليس ذلك سرقة وكأنه قيل: هل نفى الحرج فى الأكل من بيوت هؤلاء إذا كان مع أهل تلك البيوت أم مطلقا فنزل: {ليس عليكُم جناحٌ أن تأكُلُوا جَميعاً} مجتمعين {أو أشْتاتاً} جمع شتيت شذوذاُ، أو جمع شت وهو الأصح مصدر بمعنى الوصف، لا مبالغة إذ لا يوجد فوق الانفراد شىء يسمى شتيتاً يبالغ اليه، وقيل الآية مستأنفة فى تشديدهم على انفسهم ان لا يأكلوا منفردين، كان بنو ليث بن عمرو بن كنانة يمكث أحدهم يوماً، او أكثر لا يأكل حتى يجد ضيفاً يأكل معه، وقد وجد الطعام بين يديه من الغد، والى الرواح، وأكثر إبله جعل باللبن فلا يشرب حتى يمسى، ولم يجد من يشرب معه فيشرب، وكان الخليل عليه السلام لا يأكل حتى يمشى ميلا فى طلب من يأكل معه اتخذه الله خليلاً لذلك فى قول. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : شر الناس من أكل وحده، وضرب عبده ومنع رفده"تفسير : ففى ذم البخل، وكان قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لم يأكلوا إلا معه، ويدخل الغنى على الفقير يأكل فيدعوه للأكل، فيقول لا أزاحمك فى طعامك وأنا غنى، وإذا حضر الأعمى الأكل عزلوا له سهمه لئلا يأكلوا أكثر منه، أو الجود دونه، وكانوا يأكلون فرادى أيضاً خوفاً أن يأكلوا أكثر من صاحبه، أو أن يحصل من احدهم ما ينفر الآخر مثل الزكام والحكة، فنزلت الآية نهيا عن ذلك. {فإذا دخلتم بيوتاً} أردتم دخولها، والمراد قيل البيوت المذكورة بدليل الفاء، ويقاس عليها غيرها، وصرح النبى صلى الله عليه وسلم بغيرها، ووجه التنكير أن المعتاد دخول ثلاثة منها أو أكثر لأكلها أو اعتبر كل بيت يدخله {فسلِّمُوا على أنْفُسكم} أى على أهلها، جعل أهل البيت كنفس الداخل لشدة الاتصال فى الحب للدين الحق، حتى إنه أبيح الأكل من مال أهلها، كأنه مال الداخل، ويبعد ما قيل: إنه قال: {على أنفسكم} لأنك إذا سلمت رد عليك السلام بسلامك، فكأنك سلمت على نفسك أو البيوت المساجد، أو بيوت الداخلين، أو بيوت الكفار، أو كل الثلاثة، فالأنفس على ظاهره، فقد ورد أن داخل المسجد يقول: السلام علينا من ربنا، وعلى عباد الله الصالحين، وأنه إذا دخل بيتاً لا أحد فيه يقول: السلام علينا من ربنا، وأنه إذا دخل بيت الكافر قال: السلام علينا من ربنا، وشهر السلام على من اتبع الهدى، وقد يقال هذا المشهور يعمل به فى غير البيوت، والمأخوذ به أن لا يسلم على أهل الذمة. قال أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقوكم فى الطريق فاضطروهم إلى أضيقها"تفسير : قال على: لا تسلموا على اليهود والنصارى والمجوس، وفى الحديث: "حديث : إذا سلم عليكم أهل الكتاب فلا تزيدوا على قولكم وعليكم"تفسير : قال بعض قومنا: إذا مررت بقوم فيهم مؤمنون وكفار فقل: السلام عليكم، تريد المؤمنين، أو قل السلام على من اتبع الهدى، وإذا أردت كتابة الى مشرك فاكتب: السلام على من اتبع الهدى، وزعموا عن أبى أمامة الباهلى أنه لا يمر على كتابى إلا سلم عليه، وأنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بافشاء السلام على كل مؤمن ومعاهد. وعن ابن مسعود: انه صحب دهاقين من المشركين فى السفر، فلما دخلوا الكوفة افترق معهم فسلم عليهم، فقيل له، فقال: إن لهم حق الصحبة والسلام السلامة، يدعى بها وإن أريد اسم الله سبحانه فليعن أن الله علكيم رقيب. {تحيَّة } مفعول مطلق لسلموا، كقمت وقوفاً، وأصله الدعاء بالحياة، واستعمل لكل خير {مِنْ عِنْد الله} نعت تحية أو متعلق به، والأول أولى {مباركة} يكثر خيرها وأجرها بعشر حسنات، ومع الرحمة بعشرين، ومع البركة بثلاثين {طيِّبةً} حسنة يطيب بها نفس السامع وزاده بعض فى التحية، وأول التحيات مأخود من الآية كما قال ابن عباس {كذلك يُبين اللهُ لَكُم الآيات لعلَّكُم تعْقلُونَ} ما فيها من الشرائع والأحكام، وتعلمون بها، وفى الأثر إذا دخلت على أهل بيتك فسلم عليهم، وإن لم يكن فى البيت أحد فقل: السلام علينا من ربنا وعلى عباد الله الصالحين، لأن الله تعالى قال: {فإذا دخلتم بيوتاً فسلِّموا على أنفُسكم تحيةً من عند الله} والآية تقتضى الأمرين جميعاً، التسليم على الأهل إن كان فيه أحد، وعلى نفسه إن لم يكن فيه أحد، وعن قتادة إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه يؤمر بذلك، وإن كان فيه أحد فأهلك أحق بسلامك، قال ابراهيم النخعى: إذا دخلت بيتك وسلمت قال الشيطان: لا مقيل لى، وإذا سمى على طعامه قال: لا مقيل ولا مطعم، وإذا سمى على شرابه قال: لا مقيل ولا مطعم ولا مشرب.

الالوسي

تفسير : {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ } في «كتاب الزهراوي» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هؤلاء الطوائف كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء حذاراً من استقذارهم إياهم وخوفاً من تأذيهم بأفعالهم وأوضاعهم فنزلت. وقيل: كانوا يدخلون على الرجال لطلب الطعام فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو إلى بعض من سماهم الله تعالى في الآية الكريمة فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون: ذهب بنا إلى بيت غيره ولعل أهله كارهون لذلك. وكذا كانوا يتحرجون من الأكل من أموال الذين كانوا إذا خرجوا إلى الغزو وخلفوا هؤلاء الضعفاء في بيوتهم ودفعوا إليهم مفاتيحها وأذنوا لهم أن يأكلوا مما فيها مخافة أن لا يكون إذنهم عن طيب نفس منهم. وكان غير هؤلاء أيضاً يتحرجون من الأكل في بيوت غيرهم، فعن عكرمة كانت الأنصار في أنفسها قزازة لا تأكل من البيوت الذي ذكر الله تعالى، وقال السدي: كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو أخته فتتحفه المرأة بشيء من الطعام فيتحرج لأجل أنه ليس ثم رب البيت. والحرج لغة كما قال الزجاج الضيق من الحرجة وهو الشجر الملتف بعضه ببعض لضيق المسالك فيه، وقال الراغب: هو في الأصل مجتمع الشيء ثم أطلق على الضيق وعلى الإثم، والمعنى على الرواية الأولى ليس على هؤلاء حرج في أكلهم مع الأصحاء، ويقدر على سائر الروايات ما يناسب ذلك مما لا يخفى. و {عَلَىٰ } معناها في جميع / ذلك، وروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما نزل { أية : لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ } تفسير : [النساء:29] تحرج المسلمون عن مؤاكلة الأعمى لأنه لا يبصر موضع الطعام الطيب والأعرج لأنه لا يستطيع المزاحمة على الطعام والمريض لأنه لا يستطيع استيفاء الطعام فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل: كانت العرب ومن بالمدينة قبل البعث تجتنب الأكل مع أهل هذه الأعذار لمكان جولان يد الأعمى وانبساط جلسة الأعرج وعدم خلو المريض من رائحة تؤذي أو جرح ينض أو أنف يذن فنزلت. ومن ذهب إلى هذا جعل {عَلَىٰ } بمعنى في أي ليس في مؤاكلة الأعمى حرج وهكذا وإلا لكان حق التركيب ليس عليكم أن تأكلوا مع الأعمى حرج وكذا يقال فيما بعد وفيه بعد لا يخفى. وقيل: لا حاجة إلى أن يقدر محذوف بعد قوله تعالى: {حَرَجٌ } حسبما أشير إليه إليه إذ المعنى ليس على الطوائف المعدودة {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } حرج {أَن تَأْكُلُواْ } أنتم وهم معكم {مِن بُيُوتِكُمْ } الخ، وإلى كون المعنى كذلك ذهب مولانا شيخ الإسلام ثم قال: وتعميم الخطاب للطوائف المذكورة أيضاً يأباه ما قبله وما بعده فإن الخطاب فيهما لغير أولئك الطوائف حتماً ولعل ما تقدم أولى، وأما تعميم الخطاب فلا أقول به أصلاً؛ وعن ابن زيد والحسن وذهب إليه الجبائي وقال أبو حيان: هو القول الظاهر أن الحرج المنفي عن أهل العذر هو الحرج في القعود عن الجهاد وغيره مما رخص لهم فيه والحرج المنفي عمن بعدهم الحرج في الأكل من البيوت المذكورة، قال صاحب «الكشاف»: والكلام عليه صحيح لالتقاء الطائفتين في أن كلاً منفي عنه الحرج، ومثاله أن يستفتي مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فتقول: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر وهو تحقيق لأمر العطف وذلك أنه لما كان فيه غرابة لبعد الجامع بادىء النظر أزاله بأن الغرض لما كان بيان الحكم كفاء الحوادث والحادثتان وإن تباينتا كل التباين إذا تقارنتا في الوقوع والاحتياج إلى البيان قرب الجامع بينهما ولا كذلك إذا كان الكلام في غير معرض الإفتاء والبيان، وليس هذا القول منه بناء على أن الاكتفاء في تصور ما كاف في الجامعية كما ظن، وبهذا يظهر الجواب عما اعترض به على هذه الرواية من أن الكلام عليها لا يلائم ما قبله ولاما بعده لأن ملاءمته لما بعده قد عرفت وجهها، وأما ملاءمته لما قبله فغير لازمة إذ لم يعطف عليه، وربما يقال في وجه ذكر نفي الحرج عن أهل العذر بترك الجهاد ومايشبهه مما رخص لهم فيه أثناء بيان الاستئذان ونحوه: إن نفي الحرج عنهم بذلك مستلزم عدم وجوب الاستئذان منه صلى الله عليه وسلم لترك ذلك فلهم القعود عن الجهاد ونحوه من غير استئذان ولا إذن كما أن للمماليك والصبيان الدخول في البيوت في غير العورات الثلاث من غير استئذان ولا إذن من أهل البيت، ومثل هذا يكفي وجهاً في توسيط جملة أثناء جمل ظاهرة التناسب، ويرد عليه شيء عسى أن يدفع بالتأمل، وإنما لم يذكر الحرج في قوله تعالى: {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } بأن يقال: ولا على أنفسكم حرج اكتفاء بذكره فيما مر والأواخر محل الحذف، ولم يكتف بحرج واحد بأن يقال: ليس على الأعمى والأعرج والمريض وأنفسكم حرج أن تأكلوا دفعاً لتوهم خلاف المراد، وقيل: حذف الحرج آخراً للإشارة إلى مغايرته للمذكور ولا تقدح في دلالته عليه لا سيما إذا قلنا: إن الدال غير منحصر فيه وهو كما ترى. ومعنى {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } كما في «الكشاف» عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين، وفيه كما في «الكشف» إشارة إلى فائدة إقحام النفس وأن الحاصل / ليس على الضعفاء المطعمين ولا على الذاهبين إلى بيوت القرابات ومن مثل حالهم وهم الأصدقاء حرج. وقيل: إن فائدة إقحامها الإشارة إلى أن الأكل المذكور مع أنه لا حرج فيه لا يخل بقدر من له شأن وهو وجه حسن دقيق لا يلزمه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ظاهراً، وكان منشأه كثرة إقحام النفس في ذوي الشأن، ومن ذلك قوله تعالى: { أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } تفسير : [الأنعام: 54] ولم يقل سبحانه كتب ربكم عليه الرحمة، وقوله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» دون أن يقول جل وعلا: إني حرمت الظلم عليَّ إلى غير ذلك مما يعرفه المتتبع المنصف، وما قيل من أنّ فائدة الإقحام الإشارة إلى أن التجنب عن الأكل المذكور لا يخلو عن رعاية حظ النفس مع خفائه لا يلائم إلا بعض الروايات السابقة في سبب النزول، ونحو ما قيل من أنها أقحمت للإشارة إلى أن نفي الحرج عن المخاطبين في الأكل من البيوت المذكورة لذواتهم بخلاف نفي الحرج عن أهل الأعذار في الأكل منها فإنه لكونهم مع المخاطبين وذهابهم بهم إليها، والتعرض لنفي الحرج عنهم في أكلهم من بيوتهم مع ظهور انتفاء ذلك لإظهار التسوية بينه وبين قرنائه كما في قوله تعالى: { أية : تُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً } تفسير : [آل عمران: 46] لكن ذلك فيما نحن فيه من أول الأمر. ولم يتعرض لبيوت أولادهم لظهور أنها كبيوتهم، وذكر جمع أنها داخلة في بيوت المخاطبين، فقد روى أبو داود وابن ماجه «أنت ومالك لأبيك» وفي حديث رواه الشيخان وغيرهما: « حديث : إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه » تفسير : وقال بعضهم: المراد ببيوت المخاطبين بيوت أولادهم وأضافها إليهم لمزيد اختصاصها بهم كما يشهد به الشرع والعرف، وقيل: المعنى أن تأكلوا من بيوتكم من مال أولادكم وأزواجكم الذين هم في بيوتكم ومن جملة عيالكم وهو كما ترى. {أَوْ بُيُوتِ ءابَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَـٰتِكُمْ } وقرأ حمزة بكسر الهمزة والميم، والكسائي وطلحة بكسر الهمزة وفتح الميم {أَوْ بُيُوتِ إِخْوٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَـٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَـٰلَـٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} أي أو مما تحت أيديكم وتصرفكم من بستان أو ماشية وكالة أو حفظاً وهو الذي يقتضيه كلام ابن عباس. فقد روى عنه غير واحد أنه قال: ذاك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته فلا بأس عليه أن يأكل من ثمر حائطه ويشرب من لبن ماشيته ولا يحمل ولا يدخر. وقال السدي: هو الرجل يولى طعام غيره ويقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه. وقال ابن جرير: هو الزمن يسلم إليه مفتاح البيت ويؤذن له بالتصرف فيه، وقيل: ولي اليتيم الذي له التصرف بماله فإنه يباح له الأكل منه بالمعروف. وملك المفتاح على جميع ذلك كناية عن كونه الشيء تحت يد الشخص وتصرفه. والعطف على ما أشرنا إليه على ما بعد {مِنْ } وعن قتادة أن المراد بما ملكتم مفاتحه العبيد فالعطف على ما بعد {بُيُوتِ } والتقدير أو بيوت الذين ملكتم مفاتحهم. وكان ملك المفتاح لما شاع كناية لم ينظر فيه إلى أن المتصرف مما يتوصل إليه بالمفتاح أولاً ومثله كثير، أو هو ترشيح لجري العبيد مجرى الجماد من الأموال المشعر به استعمال ما فيهم، ولا يخفى عليك بعد هذا القول وأنه يندرج بيوت العبيد في قوله تعالى: {بُيُوتِكُمْ } لأن العبد لا ملك له، وإرادة المعتوقين منهم بقرينة {مَلَكْتُم } بلفظ الماضي مما لا ينبغي أن يلتفت إليه. وقرأ ابن جبير {ملكتم } بضم الميم وكسر اللام مشددة و{مفاتيحه} بياء بعد / التاء جمع مفتاح. وقرأ قتادة وهٰرون عن أبـي عمرو {مفتاحه} بالإفراد وهو آلة الفتح وكذا المفتح كما في «القاموس»، وقال الراغب: المفتح والمفتاح ما يفتح به وجمعه مفاتيح ومفاتح. وفي بعض الكتب أن جمع مفتح مفاتح وجمع مفتاح مفاتيح. {أَوْ صَدِيقِكُمْ } أي أو بيوت صديقكم وهو من يصدق في مودتكم وتصدق في مودته يقع على الواحد والجمع، والمراد به هنا الجمع، وقيل: المفرد، وسر التعبير به دون أصدقائكم الإشارة إلى قلة الأصدقاء حتى قيل: شعر : صاد الصديق وكاف الكيمياء معاً لا يوجدان فدع عن نفسك الطمعا تفسير : ونقل عن هشام بن عبد الملك أنه قال: نلت ما نلت حتى الخلافة وأعوزني صديق لا أحتشم منه، وقيل: إنه إشارة إلى أن شأن الصداقة رفع الإثنينية، ورفع الحرج في الأكل من بيت الصديق لأنه أرضى بالتبسط وأسر به من كثير من ذوي القرابة؛ روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الصديق أكبر من الوالدين إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات فقالوا: { أية : فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } تفسير : [الشعراء: 100-101]. وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه من عظم حرمة الصديق أن جعله الله تعالى من الأنس والثقة والانبساط ورفع الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ، وقيل لأفلاطون: من أحب إليك أخوك أم صديقك؟ فقال: لا أحب أخي إلا إذا كان صديقي، وقد كان السلف ينبسطون بأكل أصدقائهم من بيوتهم ولو كانوا غيباً. يحكى عن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين، وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سروراً بذلك، وهذا شيء قد كان: شعر : إذا الناس ناس والزمان زمان تفسير : وأما اليوم فقد طوي فيما أعلم بساطه واضمحل - والأمر لله تعالى فسطاطه وعفت آثاره وأفلت أقماره وصار الصديق اسماً للعدو الذي يخفى عداوته وينتظر لك حرب الزمان وغارته فآه ثم آه ولا حول ولا قوة إلا بالله: شعر : ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بد تفسير : ثم إن نفي الحرج في الأكل المذكور ومشروط بما إذا علم الآكل رضا صاحب المال بإذن صريح أو قرينة، ولا يرد أنه إذا وجد الرضا جاز الأكل من مال الأجنبـي والعدو أيضاً فلا يكون للتخصيص وجه لأن تخصيص هؤلاء لاعتياد التبسط بنيهم فلا مفهوم له، وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة أباح سبحانه في هذه الآية ما حظره في قوله سبحانه: { أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [المجادلة: 22] وليس بشيء. وقيل: كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ بقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفسه منه » تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: « حديث : لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه »تفسير : ، وقوله تعالى: { أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ } تفسير : [النور: 27] الآية، وقوله عز وجل: { أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ } تفسير : [الأحزاب: 53] فإنهم إذا منعوا من منزله صلى الله عليه وسلم إلا بالشرط المذكور هو عليه الصلاة والسلام أكرم الناس وأقلهم حجاباً فغيره صلى الله عليه وسلم يعلم بالطريق الأولى. / وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى القول بالنسخ بناء على ما قلنا أولاً. واحتج بالآية بعض أئمة الحنفية على أنه لا قطع بسرقة مال المحارم مطلقاً لا فرق في ذلك بين الوالدين والمولودين وبين غيرهم لأنها دلت على إباحة دخول دارهم بغير إذنهم فلا يكون مالهم محرزاً ومجرد احتمال إرادة الظاهر وعدم النسخ كاف في الشهبة المدرئة للحد، وبحث فيه بأن درء الحدود بالشبهات ليس على إطلاقه عندهم كما يعلم من أصولهم، وأورد عليه أيضاً أنه يستلزم أن لا تقطع يد من سرق من الصديق، وأجيب عن هذا بأن الصديق متى قصد سرقة مال صديقه انقلب عدواً، وتعقب بأن الشرع ناظر إلى الظاهر لا إلى السرائر. وقرىء {صَدِيقِكُمْ } بكسر الصاد اتباعاً لحركة الدال حكى ذلك حميد الخزاز. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً} أي مجتمعين وهو نصب على الحال من فاعل {تَأْكُلُواْ } وهو في الأصل بمعنى كل ولا يفيد الاجتماع خلافاً للفراء، ودل عليه هنا لمقابلته بقوله تعالى: {أَوْ أَشْتَاتاً } فإنه عطف عليه داخل في حكمه وهو جمع شت على أنه صفة كالحق يقال: أمر شت أي متفرق أو على أنه في الأصل مصدر وصف به مبالغة. والآية على ما ذهب أكثر المفسرين كلام مستأنف مسوق لبيان حكم آخر من جنس ما بين قبله، وقد نزلت على ما روي عن ابن عباس والضحاك وقتادة في بني ليث بن عمرو من كنانة تحرجوا أن يأكلوا طعامهم منفردين وكان الرجل منهم لا يأكل ويمكث يومه حتى يجد ضيفاً يأكل معه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئاً وربما قعد الرجل منهم والطعام بين يديه لا يتناوله من الصباح إلى الرواح وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه فإذا أمسى ولم يجد أحداً أكل، قيل: وهذا التحرج سنة موروثة من الخليل عليه الصلاة والسلام، وقد قال حاتم: شعر : إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي تفسير : وفي الحديث « حديث : شر الناس من أكل وحده وضرب عبده ومنع رفده » تفسير : وهذا الذم لاعتياده بخلاً بالقرى ونفي الجناح عن وقوعه أحياناً بياناً لأنه لا إثم فيه ولا يذم به شرعاً كما ذمت به الجاهلية فلا حاجة إلى القول بأن الوعيد في الحديث لمن اجتمعت فيه الخصال الثلاث دون الانفراد بالأكل وحده فإنه يقتضي أن كلاً منها على الانفراد غير منهي عنه وليس كذلك، والقول بأنهم أهل لسان لا يخفى عليهم مثله ولكن لمجيء الواو بمعنى أو تركوا كل واحد منها احتياطاً لا وجه له لأن هؤلاء المتحرجين لم يتمسكوا بالحديث، وكون الواو بمعنى أو توهم لا عبرة به، ولا شك أن اجتماع الأيدي على الطعام سنة فتركه بغير داع مذمة انتهى. وعن عكرمة وأبـي صالح أنه نزلت في قوم من الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا معه فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤا، وقيل: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه فيقول: إني لأتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير وروي ذلك عن ابن عباس، وقال الكلبـي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى ونحوه طعاماً على حدة فبين الله تعالى أن ذلك ليس بواجب. وقيل: كانوا يأكلون فرادى خوفاً أن يزيد أحدهم على الآخر في الأكل أو أن يحصل من الاجتماع ما ينفر أو يؤذي فنزلت لنفي وجوب ذلك، وأياً ما كان فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وقيل: الآية من تتمة ما قبلها على معنى أنها وقعت جواباً لسؤال نشأ منه كأن سائلاً يقول: هل نفي الحرج في الأكل من بيوت / من ذكر خاص فيما إذا كان الأكل مع أهل تلك البيوت أم لا؟ فأجيب بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً } أي مجتمعين مع أهل تلك البيوت في الأكل أو أشتاتاً أي متفرقين بأن يأكل كل منكم وحده ليس معه صاحب البيت وما ألطف نفي الحرج فيما اتسعت دائرته ونفي الجناح فيما ورد فيه بين أمرين والنكات لا يجب اطرادها كذا قيل فتدبر. {فَإِذَا دَخَلْتُمْ } شروع في بيان الأدب الذي ينبغي رعايته عند مباشرة ما رخص فيه بعد بيان الرخصة فيه {بُيُوتًا } أي من البيوت المذكورة كما يؤذن به الفاء {فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } أي على أهلها كما أخرج ذلك ابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس. وقريب منه ما أخرجه عبد الرزاق وجماعة عن الحسن أن المعنى فليسلم بعضكم على بعض نظير قوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة: 54] والتعبير عن أهل تلك البيوت بالأنفس لتنزيلهم منزلتها لشدة الاتصال، وفي «الانتصاف» ((في التعبير عنهم بذلك تنبيه على السر الذي اقتضى إباحة الأكل من تلك البيوت المعدودة وأن ذلك إنما كان لأنها بالنسبة إلى الداخل كبيت نفسه للقرابة ونحوها)) وقيل: المراد السلام على أهلها على أبلغ وجه لأن المسلم إذا ردت تحيته عليه فكأنه سلم على نفسه كما أن القاتل لاستحقاقه القتل بفعله كأنه قاتل نفسه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والحاكم وصححه وغيرهم عن ابن عباس أنه قال في الآية: هو المسجد إذا دخلته فقل السلام علينا وعلى عباد الله تعالى الصالحين فحمل البيوت فيها على المساجد والسلام على الأنفس على ظاهره، وقيل: المراد بيوت المخاطبين وأهلهم، وذكر أن الرجل إذا دخل على أهله سن له أن يقول: السلام عليكم تحية من عند الله مباركة طيبة فإن لم يجد أحداً فليقل السلام علينا من ربنا وروي هذا عن عطاء، وقيل السلام على الأنفس على ظاهره والمراد ببيوت بيوت الكفار وذكر أن داخلها وكذا داخل البيوت الخالية يقول ما سمعت آنفاً عن ابن عباس، وقيل: يقول على الكفار يقول: السلام على من اتبع الهدى، ولا يخفى المناسب للمقام، والسلام بمعنى السلامة من الآفات؛ وقيل: اسم من أسمائه عز وجل وقد مر الكلام في ذلك على أتم وجه فتذكر. {تَحِيَّةً مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } أي ثابتة بأمره تعالى مشروعة من لدنه عز وجل، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لتحية، وجوز أن يتعلق بتحية فإنها طلب الحياة وهي من عنده عز وجل، وأصل معناها أن تقول حياك الله تعالى أي أعطاك سبحانه الحياة ثم عمم لكل دعاء، وانتصابها على المصدرية لسلموا على طريق قعدت جلوساً فكأنه قيل فسلموا تسليماً أو فحيوا تحية {مُّبَـٰرَكَةٍ } بورك فيها بالأجر كما روي عن مقاتل، قال الضحاك: في السلام عشر حسنات ومع الرحمة عشرون ومع البركات ثلاثون {طَيّبَةً } تطيب بها نفس المستمع، والظاهر أنه يزيد المسلم ما ذكر في سلامه، وعن بعض السلف زيادته كما مر آنفاً، وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله تعالى سمعت الله تعالى يقول: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةً طَيّبَةً } فالتشهد في الصلاة التحيات المباركات الطيبات لله. {كَذٰلِكَ يُبَيّنُ الله لَكُمُ الأَيَـٰتِ } تكرير لمزيد التأكيد، وفي ذلك تفخيم فخيم للأحكام المختتمة به {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ما في تضاعيفها من الشرائع والأحكام وتعملون بموجبها وتحوزون بذلك سعادة الدارين، / وفي تعليل هذا التبيين بهذه الغاية القصوى بعد تذييلي الأولين بما يوجبهما من الجزالة ما لا يخفى. وذكر بعض الأجلة أنه سبحانه بدأ السورة بقوله تعالى: { أية : وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } تفسير : [النور: 1] وختمها بقوله عز وجل: {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ} ثم جعل تبارك وتعالى ختام الختم قوله سبحانه: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }

ابن عاشور

تفسير : {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ}. اختلف في أن قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج} الخ منفصل عن قوله {ولا على أنفسكم} وأنه في غرض غير غرض الأكل في البيوت، أي فيكون من تمام آية الاستيذان، أو هو متصل بما بعده في غرض واحد. فقال بالأول الحسن وجابر بن زيد وهو مختار الجبائي وابن عطية وابن العربي وأبي حيان. وقال ابن عطية: إنه ظاهر الآية. وهو الذي نختاره تفادياً من التكلف الذي ذكره مخالفوهم لبيان اتصاله بما بعده في بيان وجه الرخصة لهؤلاء الثلاثة الأصناف في الطعام في البيوت المذكورة، ولأن في قوله: {أن تأكلوا من بيوتكم} إلى آخر المعدودات لا يظهر اتصاله بالأعمى والأعرج والمريض، فتكون هذه الآية نفياً للحرج عن هؤلاء الثلاثة فيما تجره ضرارتهم إليهم من الحرج من الأعمال، فالحرج مرفوع عنهم في كل ما تضطرهم إليه أعذارهم، فتقتضي نيتهم الإتيان فيه بالإكمال ويقتضي العذر أن يقع منهم. فالحرج منفي عن الأعمى في التكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط فيه المشي والركوب، وعن المريض في التكليف الذي يؤثر المرض في إسقاطه كالصوم وشروط الصلاة والغزو. ولكن المناسبة في ذكر هذه الرخصة عقب الاستئذان أن المقصد الترخيص للأعمى أنه لا يتعين عليه استئذان لانتفاء السبب الموجِبهِ. ثم ذكر الأعرج والمريض إدماجاً وإتماماً لحكم الرخصة لهما للمناسبة بينهما وبين الأعمى. وقال بالثاني جمهور المفسرين وقد تكلفوا لوجه عدّ هذه الأصناف الثلاثة في عداد الآكلين من الطعام الذي في بيوت من ذكروا في الآية الموالية. والجملة: على كلا الوجهين مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَـٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَـٰلَـٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً}. مناسبة عطف هذه الرخص على رخصة الأعمى، على تقدير أنه منفصل عنه كما تقدم وهو المختار عند المحققين، هو تعلق كليهما بالاستئذان والدخول للبيوت سواء كان لغرض الطعام فيها أو كان للزيارة ونحوها لاشتراك الكل في رفع الحرج، وعلى تقدير أنه متصل به على قول الجمهور فاقتران الجميع في الحكم هو الرخصة للجميع في الأكل، فأذن الله للأعمى والأعرج والمريض أن يدخلوا البيوت للأكل لأنهم محاويج لا يستطيعون التكسب وكان التكسب زمانئذٍ بعمل الأبدان فرخص لهؤلاء أن يدخلوا بيوت المسلمين لشبع بطونهم. هذا أظهر الوجوه في توجيه عد هؤلاء الثلاثة مع من عطف عليهم. وقد ذكر المفسرون وجوهاً أخر أنهاها أبو بكر ابن العربي في «أحكام القرآن» إلى ثمانية ليس منها واحد ينثلج له الصدر. ولا نطيل بها. وأعيد حرف (لا) مع المعطوف على المنفي قبله تأكيداً لمعنى النفي وهو استعمال كثير. والمقصود بالأكل هنا الأكل بدون دعوة وذلك إذا كان الطعام محضراً دون المختزن. والمراد بالأنفس ذوات المخاطبين بعلامات الخطاب فكأنه قيل: ولا عليكم جناح أن تأكلوا إلى آخره، فالخطاب للأمة. والمراد بأكل الإنسان من بيته الأكل غير المعتاد، أي أن يأكل أكلاً لا يشاركه فيه بقية أهله كأن يأكل الرجل وزوجه غائبة، أو أن تأكل هي وزوجها غائب فهذه أثرة مرخص فيها. وعطف على بيوت أنفسهم بيوتُ آبائهم، ولم يذكر بيوت أولادهم مع أنهم أقرب إلى الآكلين من الآباء فهم أحق بأن يأكلوا من بيوتهم. قيل: لأن الأبناء كائنون مع الآباء في بيوتهم، ولا يصح، فقد كان الابن إذا تزوج بنى لنفسه بيتاً كما في خبر عبد الله بن عمر. فالوجه أن بيوت الأبناء معلوم حكمها بالأولى من البقية لقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : أنت ومالك لأبيك ». تفسير : وهؤلاء المعدودون في الآية بينهم من القرابة أو الولاية أو الصداقة ما يعتاد بسببه التسامح بينهم في الحضور للأكل بدون دعوة لا يتحرج أحد منهم من ذلك غالباً. و(ما) في قوله: {ما ملكْتُم مفاتحه} موصولة صادقة على المكان أو الطعام، عطف على {بيوت خالاتكم} لا على {أخوالكم} ولهذا جيء بـ(ما) الغالب استعمالها في غير العاقل. ومِلك المفاتيح أريد به حفظها بقرينة إضافته إلى المفاتيح دون الدور أو الحوائط. والمفاتح: جمع مَفْتح وهو اسم آلة الفتح. ويقال فيها مفتاح ويجمع على مفاتيح. وهذه رخصة للوكيل والمختزن للطعام وناطور الحائط ذي الثمر أن يأكل كل منهم مما تحت يده بدون إذن ولا يتجاوز شبع بطنه وذلك للعرف بأن ذلك كالإجارة فلذلك قال الفقهاء: إذا كان لواحد من هؤلاء أجرة على عمله لم يجز له الأكل مما تحت يده. و(صديق) هنا مراد به الجنس الصادق بالجماعة بقرينة إضافته إلى ضمير جماعة المخاطبين، وهو اسم تجوز فيه المطابقة لمن يجري عليه إن كان وصفاً أو خبراً في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث وهو الأصل، والغالب في فصيح الاستعمال أن يلزم حالة واحدة قال تعالى: { أية : فما لنا منْ شافعين ولا صديق حميم } تفسير : [الشعراء: 100، 101] ومثله الخليط والقطين. والصديق: فعيل بمعنى فاعل وهو الصادق في المودة. وقد جعل في مرتبة القرابة مما هو موقور في النفوس من محبة الصلة مع الأصدقاء. وسئل بعض الحكماء: أي الرجلين أحب إليك أخوك أم صديقك؟ فقال: إنما أحب أخي إذا كان صديقي. وأعيدت جملة: {ليس عليكم جُناح} تأكيداً للأولى في قوله: {ولا على أنفسكم} إذ الجناح والحرج كالمترادفين. وحسّن هذا التأكيد بُعد ما بين الحال وصاحبها وهو واو الجماعة في قوله: {أن تأكلوا من بيوتكم}، ولأجل كونها تأكيداً فصلت بلا عطف. والجميع: المجتمعون على أمر. والأشتات: الموزعون فيما الشأن اجتماعهم فيه، قال تعالى: { أية : تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى } تفسير : [الحشر: 14]. والأشتات: جمع شَتّ، وهو مصدر شتّ إذا تفرق. وأما شتّى فجمع شتيت. والمعنى: لا جناح عليكم أن يأكل الواحد منكم مع جماعة جاءوا للأكل مثله؛ أو أن يأكل وحده متفرقاً عن مشارك، لئلا يحسب أحدهم أنه إن وجد من سبقه للأكل أن يترك الأكل حتى يخرج الذي سبقه، أو أن يأكل الواحد منكم مع أهل البيت. أو أن يأكل وحده. وتقدم قراءة {بيوت} بكسر الباء للجمهور وبضمها لورش وحفص عن عاصم عند قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم } تفسير : في هذه السورة (27). {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلاَْيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. تفريع على الإذن لهم في الأكل من هذه البيوت بأن ذكَّرهم بأدب الدخول المتقدم في قوله: { أية : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } تفسير : [النور: 27] لئلا يجعلوا القرابة والصداقة والمخالطة مبيحة لإسقاط الآداب فإن واجب المرء أن يلازم الآداب مع القريب والبعيد ولا يغرنَّه قول الناس: إذا استوى الحب سقط الأدب. ومعنى {فسلموا على أنفسكم} فليسلم بعضكم على بعض، كقوله: { أية : ولا تقتلوا أنفسكم } تفسير : [النساء: 29]. ولقد عكف قوم على ظاهر هذا اللفظ وأهملوا دقيقته فظنوا أن الداخل يسلم على نفسه إذا لم يجد أحداً وهذا بعيد من أغراض التكليف والآداب. وأما ما ورد في التشهد من قول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فذلك سلام بمعنى الدعاء بالسلامة جعله النبي صلى الله عليه وسلم لهم عوضاً عما كانوا يقولون: السلام على الله، السلام على النبي، السلام على جبريل ومكائيل، السلام على فلان وفلان. فقال لهم رسول الله: « حديث : إن الله هو السلام، إبطالاً لقولهم السلام على الله ). تفسير : ثم قال لهم: « حديث : قولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء وفي الأرض ». تفسير : وأما السلام في هذه الآية فهو التحية كما فسره بقوله: {تحية من عند الله مباركة طيبة} ولا يؤمر أحد بأن يسلم على نفسه. والتحية: أصلها مصدر حيّاه تحية ثم أدغمت الياءان تخفيفاً وهي قول: حياك الله. وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها } تفسير : في سورة النساء (86). فالتحية مصدر فعل مشتق من الجملة المشتملة على فعل (حيّا) مثل قولهم: جزّاه. إذا قال له: جزاك الله خيراً، كما تقدم في فعل { أية : وتسلموا على أهلها } تفسير : [النور: 27] آنفاً. وكان هذا اللفظ تحية العرب قبل الإسلام تحية العامة قال النابغة: شعر : حيّاكِ ربي فإنا لا يحل لنا لهو النساء وإن الدين قد عزَما تفسير : وكانت تحية الملوك «عم صباحاً» فجعل الإسلام التحية كلمة «السلام عليكم»، وهي جائية من الحنيفية { أية : قالوا سلاماً قال سلام } تفسير : [هود: 69] وسماها تحية الإسلام، وهي من جوامع الكلم لأن المقصود من التحية تأنيس الداخل بتأمينه إن كان لا يعرفه وباللطف له إن كان معروفاً. ولفظ «السلام» يجمع المعنيين لأنه مشتق من السلامة فهو دعاء بالسلامة وتأمين بالسلام لأنه إذا دعا له بالسلامة فهو مسالم له فكان الخبر كناية عن التأمين، وإذا تحقق الأمران حصل خير كثير لأن السلامة لا تجامع شيئاً من الشر في ذات السالم، والأمان لا يجامع شيئاً من الشر يأتي من قِبل المعتدي فكانت دعاء ترجى إجابته وعهداً بالأمن يجب الوفاء به. وفي كلمة {عليكم} معنى التمكن، أي السلامة مستقرة عليكم. ولكون كلمة (السلام) جامعة لهذا المعنى امتن الله على المسلمين بها بأن جعلها من عند الله إذ هو الذي علّمها رسوله بالوحي. وانتصب {تحية} على الحال من التسليم الذي يتضمنه {فسلّموا} نظير عود الضمير على المصدر في قوله: { أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى } تفسير : [المائدة: 8]. والمباركة: المجعولة فيها البركة. والبركة: وفرة الخير. وإنما كانت هذه التحية مباركة لما فيها من نية المسالمة وحسن اللقاء والمخالطة وذلك يوفر خير الأخوة الإسلامية. والطيِّبة: ذات الطيِّب، وهو طِيب مجازي بمعنى النزاهة والقبول في نفوس الناس ووجه طِيب التحية أنها دعاء بالسلامة وإيذان بالمسالمة والمصافاة. ووزن {طيبة} فيعلة مبالغة في الوصف مثل: الفيصل. وتقدم في قوله تعالى: { أية : قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } تفسير : في آل عمران (38) وفي قوله: { أية : وجَرَيْن بِهِمْ بريح طيبة } تفسير : في سورة يونس (22). والمعنى أن كلمة «السلام عليكم» تحية خيرٌ من تحية أهل الجاهلية. وهذا كقوله تعالى: { أية : وتحيتهم فيها سلام } تفسير : [يونس: 10] أي تحيتهم هذا اللفظ. وجملة {كذلك يبين الله لكم الآيات} تكرير للجملتين الواقعتين قبلها في آية الاستئذان لأن في كل ما وقع قبل هذه الجملة بياناً لآيات القرآن اتضحت به الأحكام التي تضمنتها وهو بيان يرجى معه أن يحصل لكم الفهم والعلم بما فيه كمال شأنكم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 61- ليس على أصحاب الأعذار كالأعمى والأعرج والمريض حرج، بل ولا عليكم أيها الأصحاء حرج فى أن تأكلوا من بيوت أولادكم فهى بيوتكم، ولا أن تأكلوا من بيوت آبائكم أو أمهاتكم أو إخوانكم أو أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو عماتكم أو أخوالكم أو خالاتكم، أو البيوت التى وكل إليكم التصرف فيها، أو بيوت أصدقائكم المخالطين إذا لم يكن فيها حرمات، وذلك كله إذا عُلِم سماح رب البيت بإذن أو قرينة، وليس عليكم جناح فى أن تأكلوا مجتمعين أو منفردين، فإذا دخلتم بيوتاً فحيوا بالسلام أهلها الذين هم قطعة منكم بسبب اتحاد الدين أو القرابة فهم كأنفسكم، وهذه التحية تحية مشروعة مباركة بالثواب وفيها تطييب للنفوس وعلى هذا النحو يوضح الله لكم الآيات لتعقلوا ما فيها من العظات والأحكام وتفهموها وتعملوا بها. 62- إن المؤمنين الصادقين هم الذين آمنوا بالله ورسوله، ولم يتركوا الرسول وحده فى أمر مهم يتطلب اجتماعهم كالجهاد، إلا بعد أن يستأذنوه فى الانصراف ويسمح لهم به، إن الذين يقدرونك - أيها النبى - حق قدرك، ويدركون خطر الاجتماع فلا ينصرفون إلا بعد موافقتك، وهم الصادقون فى إيمانهم بالله ورسوله، فإذا استأذنك هؤلاء لقضاء بعض مصالحهم فأذن بالانصراف لمن تشاء منهم، إذا رأيت من الدلائل أنه فى حاجة ماسة إلى الانصراف، ولا يحتم الاجتماع وجوده، ومع ذلك اطلب المغفرة لهم من الله على انصرافهم الذى ما كان يليق أبداً، إن الله واسع المغفرة والرحمة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الحرج: الضيق والمراد به هنا الإِثم أي لا إثم على المذكورين في مؤاكلة غيرهم. أو ما ملكتم مفاتحه: أي مما هو تحت تصرفكم بالأصالة أو بالوكالة كوكالة على بستان أو ماشية. أو صديقكم: أي من صدقكم الود وصدقتموه. جميعاً أو أشتاتاً: أي مجتمعين على الطعام أو متفرقين. من عند الله: لأنه هو الذي شرعها وأمر بها، وما كان من عند الله فهو خير عظيم. طيبة: أي تطيب بها نفس المسلم عليه. معنى الآيات: ما زال السياق في هداية المؤمنين وبيان ما يكملهم ويسعدهم فَفِي هذه الآية الكريمة. رفع تعالى عنهم حرجاً عظيماً كانوا قد شعروا به فآلمهم وهو أنهم قد رأوا أن الأكل مع ذوي العاهات وهم العميان والعرجان والمرضى وأهل الزمانة قد يترتب عليه أن يأكلوا ما لا يحل لهم أكله لأن أصحاب هذه العاهات لا يأكلون كما يأكل الأصحاء كماً وكيفاً والله يقول: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ}تفسير : [البقرة: 188] كما أن أصحاب العاهات قد تحرجوا أيضاً من مؤاكلة الأصحاء معهم خوفاً أن يكونوا يتقذرونهم فآلمهم ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية فرفع الحرج عن الجميع الأصحاء وأصحاب العاهات فقال تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} بوكالة وغيرها، {أَوْ صَدِيقِكُمْ} وهو من صدقكم المودة وصدقتموه فيها ما دام الرضا حاصلاً، وإن لم يحضروا ولا استئذان وإن حضروا. ورفع تعالى عنهم حرجاً آخر وهو أن منهم من كان يتحرج في الأكل وحده، ويرى أنه لا يأكل إلا مع غيره وقد يوجد من يتحرج أيضاً في الأكل الجماعي خشية أن يؤذي الآكل معه فرفع تعالى ذلك كله بقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً} أي مجتمعين على قطعة واحدة {أَوْ أَشْتَاتاً} أي متفرقين كل يأكل وحده متى بدا له ذلك وهذا كله ناجم عن تقواهم لله تعالى وخوفهم من معاصيه إذ قد حرم عليهم أكل أموالهم بينهم بالباطل في قوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [البقرة: 188]. وقوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} فأرشدهم إلى ما يجلب محبتهم وصفاء نفوسهم ويدخل السرور عليهم وهو أن من دخل بيتاً من البيوت بيته كان أو بيت غيره عليه أن يسلم على أهل البيت قائلاً السلام عليكم، وإن كان البيت ما به أحد أو كان مسجداً قال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وقوله: {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} إذ هو تعالى الذي أمر بها وأرشد إليها وقوله {مُبَٰرَكَةً} أي ذات بركة تعود على الجميع وكونها طيبة أن نفوس المُسَلَّم عليهم تطيب بها. وقوله تعالى: {كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي كذلك البيان الذي بين لكم من الأحكام والآداب يبين الله لكم الآيات الحاملة للشرائع والأحكام رجاء أن تفهموا عن الله تعالى شرائعه وأحكامه فتعملوا بها فتكملوا وتسعدوا عليها. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الإِذن العام في الأكل مع ذوي العاهات بلا تحرج من الفريقين. 2- الإِذن في الأكل من بيوت من ذكر في الآية من الأقارب والأصدقاء. 3- جواز الأكل الجماعي والإِنفرادي بلا تحرج. 4- مشروعية التحية عند الدخول على البيوت وأن فيها خيراً وفضلاً.

القطان

تفسير : الحرج: الضيق، ومعناه هنا الإثم. ما ملكتم مفاتحه: ما كان تحت تصرفكم. الصديق: يطلق على الواحد والجمع. جميعا: مجتمعين. اشتاتا: متفرقين. في هذه الآيةِ الكريمة توجيهٌ للمؤمنين لتنظيم العلاقاتِ والمعاشرة والمخالطة بين الأقارب والاصدقاء، فقد سمح الله للمؤمنين أن يأكلوا مع أصحابِ العاهات من عُمْيٍ وعُرجٍ ومرضى من هذه البيوت التي سمّاها، يدخلونها مجتمعين او متفرقين. وعليهم إن ارادوا دخولها ان يسلِّموا على أهلِها إن كانوا موجودين، او يسلِّموا على انفسهم ان لم يكن في البيت احد. وهذه التحية تحية مشروعة مباركة، بها تطيبُ النفوس. وعلى هذا النحو يوضح الله لنا آياته لعلّنا نعقِلها ونتفهّم ما فيها من الأحكام والعظات لنعمل بها، ونِعْمَ الأدب والمؤدب.

د. أسعد حومد

تفسير : {آبَآئِكُمْ} {أُمَّهَاتِكُمْ} {إِخْوَانِكُمْ} {أَخَوَاتِكُمْ} {أَعْمَامِكُمْ} {عَمَّاتِكُمْ} {أَخْوَالِكُمْ} {خَالاَتِكُمْ} {مُبَارَكَةً} {ٱلآيَاتِ} (61) - اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ مَوْضُوعِ الحَرَجِ الذي رُفِعَ فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ الأَعْمَى والأَعْرَجِ والمَرِيضِ: - فَقِيلَ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الجِهَادِ، وَإِنَّهُ لاَ حَرَجَ عَلَى هَؤُلاَءِ فِي تَرْكِهِ لِضَعْفِهِمْ وَعَجْزِهِمْ. - وَقِيلَ أيضاً: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الأَكْلِ مَعَ الأَعْمَى لأَنَّهُ لاَ يَرَى الطَّعَامَ، وَمَا فِيهِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَرُبَّمَا سَبَقَه غَيْرُهُ إِلَى ذَلِكَ، كَمَا كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مَعَ الأَعْرَجِ لأَِنَّهُ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الجُلُوسِ فَيَفْتَاتُ عَلَيْهِ جَلِيسُهُ. كَمَا قِيلَ إِنَّ الأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بالمَرِيضِ لأَِنَّه لاَ يَسْتَوفِي مِنَ الطَّعَامِ كَغَيْرِهِ، فَكَرِهُوا أَنْ يُؤَاكِلُوهُمْ لِئِلاَّ يَظْلِمُوهُمْ. - وَقِيلَ أَيْضَاً: إِنَّ النَّاسَ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الأَكْلِ مَعَ هَؤُلاَءِ تَقَذُراً وَتَعَزُّزاً، لِئَلاَّ يَتَفَضَّلُوا عَلَيْهِمْ. - وَقِيلَ أَيْضَاً إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَدْخُلُ بَيتَ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ فَتُتْحِفُهُ المرأةُ بِشَيءٍ مِنَ الطَّعَامِ فَلاَ يَأْكُلُ لأَِنَّ رَبَّ البَيْتِ غَيْرُ حَاضِرٍ. وَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ تَعَالَى الأَبْنَاءَ لأَِنَّ بَيْتَ الابْنِ بِمَنْزِلَةِ بَيْتِ الأَبِ نَفْسِهِ وَمَالُ الابْنِ فِي مَنْزِلَةِ مَالِ الأَبِ. - وَقِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ هَذِهِ البيوتِ دُونَ استئذَانٍ، وَيَسْتَصْحِبُونَ العُمْيِ وَالعُرْجَ والمَرْضَى مِنَ الفُقَرَاءِ لِيُطْعِمُوهُمْ، وَبَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ الآيَةُ: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ}تفسير : تَحَرَّجَ النَّاسُ أَنْ يَطْعَمُوا، وَتحَرَّجَ العُمْيُ والمَرْضَى أَنْ يَصْحَبُوهُم دُونَ دَعْوَةٍ مِنْ أَصْحَابِ البُيوتِ أو إِذْنٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ لِيَرْفَعَ الحَرَجَ عَنِ الأَعْمَى والأَعْرَجِ والقريبِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ بِيتِ قَرِيبِهِ، وَأَنْ يَصْحَبَ هَؤُلاَءِ المُحَتَاجِينَ تَأْسِيساً عَلَى أَنَّ صَاحِبَ البيتِ لاَ يَكْرَهُ هَذَا، وَلاَ يَتَضَرَّرُ بِهِ. وَكَانَ مِنْ عَادَةِ بَعْضِ العَرَبِ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ لا يَأْكُلَ الطَّعَامَ عَلَى انْفِرَادٍ، فَكَانَ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُؤَاكِلُهُ عَافَ الطَّعَامَ، فَرَفَعَ اللهَ هَذَا الحَرَجَ المُتَكَلَّفَ وَرَدَّ الأَمْرَ إِلَى بَسَاطَتِهِ، دُونَ تَعْقِيدٍ. وَقَالَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا أفْرَاداً أو جَمَاعَاتٍ (جَمِيعاً أو أشْتَاتاً). ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى آدَابَ دُخُولِ البُيُوتِ التي يُؤْكَلُ فِيهَا، فَيُسَلِّمُ الإِنْسَانُ عَلَى قَرِيبِه أو صَدِيقِهِ، وَهُوَ كَأَنَّمَا يَسَلِّمُ عَلَى نَفْسِهِ، {فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}، والتَّحِيَّةُ التي يُلْقِيهَا عَلَيْهِمْ هِيَ تَحِيَّةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وكَذَلِكَ يُبِيِّنُ اللهُ للنَّاسِ آيَاتِهِ وحِكَمَهُ لَعَلَّهُمْ يُدْرِكُونَ المَنْهَجَ الإِلَهيَّ، وَلَعَلَّهُم يَعْقِلُونَ مَا فِي هَذِهِ الآيَاتِ والحُجَجِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ ..} [النور: 61] الحرج: هو الضيق، كما جاء في قوله سبحانه: {أية : وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ ..}تفسير : [الأنعام: 125]. أو الحرج بمعنى: الإثم، فالحرج المرفوع عن هؤلاء هو الضِّيق أو الإثم الذي يتعلق بالحكم الآتي في مسألة الأكل، بدليل أنه يقول {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ..} [النور: 61]. والأعمى يتحرَّج أنْ يأكل مع الناس؛ لأنه لا يرى طعامه، وربما امتدتْ يده إلى أطيب الطعام فيأكله ويترك أدناه، والأعرج يحتاج إلى راحة خاصة في جلْسته، وربما ضايق بذلك الآخرين، والمريض قد يتأفف منه الناس. فرفَع الله تعالى عن عباده هذا الحرج، وقال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ..} [النور: 61]. فيصح أن تأكلوا معاً؛ لأن الحق - سبحانه وتعالى - يريد أنْ يجعل التكامل في الذوات لا في الأعراض، وأيضاً أنك إنْ رأيتَ شاباً مَؤوفاً يعني به آفة، ثم تعامله معاملة خاصة فربما جرحْتَ شعوره، حتى إنْ كان ما به أمراً خَلْقياً من الله لا يتأباه، والبعض يتأبى أن يخلقه الله على هيئة لا يرضاها. لذلك كانوا في الريف نسمعهم يقولون: اللي يعطي العمى حقه فهو مبصر، لماذا؟ لأنه رضي بهذا الابتلاء. وتعامل مع الناس على أنه كذلك، فطلب منهم المساعدة؛ لذلك ترى الناس جميعاً يتسابقون إلى مساعدته والأخْذ بيده، فإنْ كان قد فقد عيناً فقد عوَّضه الله بها ألف عَيْن، أما الذي يتأبّى ويرفض الاعتراف بعجزه ويرتدي نظارة سوداء ليخفي بها عاهته فإنه يسير مُتعسِّراً يتخبّط لا يساعده أحد. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد لأصحاب هذه الآفات أن يتوافقوا مع المجتمع، لا يأخذون منه موقفاً، ولا يأخذ المجتمع منهم موقفاً؛ لذلك يعطف على {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ ..} [النور: 61] ثم يقول سبحانه {وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ..} [النور: 61] يعني: هم مثلكم تماماً، فلا حرجَ بينكم في شيء. {أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ..} [النور: 61] إلخ. وكان في الأنصار قزازة، إذا جلس في بيت لا يأكل منه إلا إذا أَذِنَ له صاحب البيت، وقد يسافر الرجل منهم ويترك التابع عنده في البيت دون أنْ يأذنَ له في الأكل من طعام بيته ويعود، فيجد الطعام كما هو، أو يجده قد فسد دون أنْ يأكل منه التابع شيئاً، فأراد الحق سبحانه أنْ يرفع هذا الحرج عن الناس، فقال: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ..} [النور: 61] إلى آخر هذه المعطوفات. ولقائل أنْ يقول: وأيّ حرج في أنْ يأكل المرء من بيته؟ وهل كان يخطر على البال أنْ تجد حَرَجاً، وأنت تأكل من بيتك؟ قالوا: لو حاولتَ استقصاء هؤلاء الأقارب المذكورين في الآية لتبيّن لك الجواب، فقد ذكرتْ الآية آباءكم وأمهاتكم وإخوانكم وأخواتكم وأعمامكم وعماتكم وأخوالكم وخالاتكم، ولم تذكر شيئاً عن الأبناء وهم في مقدمة هذا الترتيب، لماذا؟ قالوا: لأن بيوت الأبناء هي بيوت الآباء، وحين تأكل من بيت ولدك كأنك تأكل من بيتك، على اعتبار أن الولد وما ملكتْ يداه مِلْك لأبيه، إذن: لك أن تضع مكان {بُيُوتِكُمْ ..} [النور: 61] بيوت أبنائكم. ذلك لأن الحق - تبارك وتعالى - لم يُرِدْ أنْ يجعل للأبناء بيوتاً مع الآباء، لأنهما شيء واحد. إذن: لا حرجَ عليك أن تأكل من بيت ابنك أو أبيك أو أمك أو أخيك أو أختك أو عمك أو عمتِك، أو خالك أو خالتك {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ ..} [النور: 61] يعني: يعطيك صاحب البيت مفتاح بيته، وفي هذا إذْنٌ لك بالتصرُّف والأكل من طعامه إنْ أردتَ. {أَوْ صَدِيقِكُمْ ..} [النور: 61] وتلحظ في هذه أنها الوحيدة التي وردتْ بصيغة المفرد في هذه الآية، فقبلها: بيوتكم، آباءكم، أمهاتكم .. إلخ إلا في الصديق فقال {أَوْ صَدِيقِكُمْ ..} [النور: 61] ولم يقل: أصدقائكم. ذلك لأن كلمة صديق مثل كلمة عدو تستعمل للجميع بصيغة المفرد، كما في قوله تعالى: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ ..}تفسير : [الشعراء: 77]. لأنهم حتى إنْ كانوا جماعة لا بُدَّ أنْ يكونوا على قلب رجل واحد، وإلا ما كانوا أصدقاء، وكذلك في حالة العداوة نقول عدو، وهم جمع؛ لأن الأعداء تجمعهم الكراهية، فكأنهم واحد. ثم يقول سبحانه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ..} [النور: 61] {جَمِيعاً ..} [النور: 61] سوياً بعضكم مع بعض، {أَوْ أَشْتَاتاً ..} [النور: 61] متفرقين، كُلٌّ وحده. وقوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ..} [النور: 61] على أنفسكم، لأنك حين تُسلِّم على غيرك كأنك تُسلِّم على نفسك، لأن غيرك هو أيضاً سيسلم عليك، ذلك لأن الإسلام يريد أن يجعل المجتمع الإيماني وحدة متماسكة، فحين تقول لغيرك: السلام عليكم سيردّ: وعليكم السلام. فكأنك تُسلِّم على نفسك. أو: أن المعنى: إنْ دخلتم بيوتاً ليس فيها أحد فسلِّموا على أنفسكم، وإذا دخلوا المسجد قالوا: السلام على رسول الله وعلينا من ربنا، قالوا: تُسمع الملائكة وهي ترد. وقوله تعالى: {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ..} [النور: 61] وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ..}تفسير : [النساء: 86]. والتحية فوق أنها من عند الله فقد وصفها بأنها {مُبَارَكَةً ..} [النور:61] والشيء المبارك: الذي يعطي فوق ما ينتظر منه {كَذَلِكَ ..} [النور: 61] أي: كما بيَّن لكم الأحكام السابقة يُبيِّن لكم {ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور: 61]. أي: أن الذي كلّفكم بهذه الأحكام رَبٌّ يحب الخير لكم، وهو غنيٌّ عن هذه، إنما يأمركم بأشياء ليعود نَفْعها عليكم، فإنْ أطعتموه فيما أمركم به انتفعتُم بأوامره في الدنيا، ثم ينتظركم جزاؤه وثوابه في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ...}.

الصابوني

تفسير : [9] إباحة الأكل من بيوت الأقرباء التحليل اللفظي {حَرَجٌ}: قال الزجّاج: الحَرَج في اللغة الضيق، وفي الشرع: الإثم. قال تعالى: {أية : لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ}تفسير : [الأحزاب: 37] والمتحرّج: الكافّ عن الإثم، وفي الحديث "حديث : حدّثُوا عن بني إسرائيل ولا حرج"تفسير : وتحرّج تأثّم، والتحريجُ: التضييق. قال ابن الأثير: الحرج في الأصل الضّيقُ ويقع على الإثم والحرام، وقيل الحَرَج: أضيق الضيق، ومعنى الحديث لا بأس ولا إثم عليكم أن تحدّثوا عنهم ما سمعتم. وقد ورد الحرج في أحاديث كثيرة وكلها راجعة إلى هذا المعنى. وفي التنزيل: {أية : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} تفسير : [الأنعام: 125] أي شديد الضيق لا ينشرح لخير. {مَّفَاتِحهُ}: جمع مِفْتحَ، وأمّا المفاتيح فجمع مفتاح، قال في "لسان العرب": والمفتح، بكسر الميم والمفتاح: مفتاح الباب وكل ما فتح به الشيء، قال الجوهري: وكل مستغلق. وفي التنزيل {أية : وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ}تفسير : [القصص: 76] قيل هي مفاتيح الخزائن التي تفتح بها الأبواب، وقيل: هي الكنوز والخزائن. قال الأزهري: والأشبه في التفسير أن قوله تعالى: {مَّفَاتِحهُ} خزائن ماله، والله أعلم بما أراد. {أَشْتَاتاً}: متفرقين جمع شَتّ، والشتات: الفرقة، وتشتّت جمعهم: أي تفرّق جمعهم، قال الطرماح: شعر : شتّ شعبُ الحيّ بعدَ التئامِ وشَجَاكَ الرّبْعُ ربعُ المُقَام تفسير : قال في "لسان العرب": الشَتّ: الافتراق والتفريق، والشّتيتُ المتفرّق، وفي التنزيل {أية : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً} تفسير : [الزلزلة: 6] أي يصدرون متفرقين، منهم من عمل صالحاً، ومنهم من عمل شراً. وجاء القوم أشتاتاً: متفرقين، واحدهم شَتّ. ومعنى الآية؛ أي ليس عليكم إثم أو جناح أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين. {فَسَلِّمُواْ}: من التسليم بمعنى التحية، والمعنى: حيّوا بعضكم بعضاً بتحية الإسلام، وتحية الإسلام (السلام عليكم ورحمة الله) وفي الحديث "حديث : وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"تفسير : والتسليم: مشتق من السّلام اسم الله تعالى، لسلامته من العيب والنقص. قال في "اللسان": السلام والتحية معناهما واحد، وهو السلامة من جميع الآفات، وفي حديث التسليم: "حديث : قل السلام عليك، فإن عليك السلام تحيةُ الموتى"تفسير : . وقد جرت به عادتهم في المراثي كانوا يقدّمون ضمير الميت على الدعاء له كقوله: "عليك سلام الله قيسَ بن عاصم". وفي حديث أبي هريرة: (حديث : لما خلق الله آدم قال: اذهب فسلّم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: "السلام عليكم...")تفسير : الحديث. {تَحِيَّةً}: قال الزجّاج: هي منصوبة على المصدر كقولك: قعدت جلوساً، لأن قوله: (فسلّموا) بمعنى فحيّوا، ومعنى الآية: فحيّوا بعضكم بعضاً تحية من عند الله مباركة طيبة. والتحية في اللغة: السلام، قال تعالى: {أية : وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ} تفسير : [المجادلة: 8]. قال الأزهري: والتحية (تَفْعِلة) من الحياة، وإنما أدغمت لاجتماع الأمثال. والهاء لازمة لها والتاء زائدة، وروي عن أبي الهيثم أنه قال: التحية في كلام العرب ما يحيّي بعضهم بعضاً إذا تلاقَوْا قال الشاعر: شعر : "تحيةُ بَيْنِهِم ضربٌ وَجيعُ" تفسير : {مُبَٰرَكَةً}: بالأجر والثواب، والبركة في اللغة أصلها: النماء والزيادة. {طَيِّبَةً}: حسنة طابت بالدعاء والإيمان أو تطيب نفس المحيّى بها، قال أبو بكر الجصاص: يعني أن السلام تحية من عند الله، لأن الله أمر به، وهي مباركة طيبة، لأنه دعاء بالسلامة، فيبقى أثره ومنفعته، وفيه الدلالة على أن قوله: {أية : وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} تفسير : [النساء: 86] قد أريد به السلام. المعنى الإجمالي يقول الله جلّ ذكره ما معناه: ليس على أهل الأعذار ولا على ذوي العاهات (الأعمى، والأعرج، والمريض) حرج أن يأكلوا مع الأصحاء، فإن الله تعالى يكره الكِبْر والمتكبرين، ويحب من عباده التواضع. وليس عليكم أيها المؤمنون حرج أن تأكلوا من بيوت أقربائكم أو أصدقائكم، أو البيوت التي توكّلون عليها، وتملكون مفاتيحها في غياب أهلها، ليس عليكم إثم أو حرج أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين، فإذا دخلتم بيوت إخوانكم أو أصدقائكم، فابدءوهم بالسلام، وسلّموا عليهم بتحية الإسلام، التي هي شعار المؤمنين، تحية من عند الله مباركة طيبة، ذلك شرع الله وحكمه إليكم، لتتأدبوا بآداب الإسلام، وتتمسكوا بتعاليمه الرشيدة، التي فيها سعادتكم وصلاح دينكم ودنياكم، كذلك يبيّن الله لكم طريق الخير والسعادة لعلكم تعقلون الخير والحق في جميع الأمور وتكونون من المؤمنين المتقين. سبب النزول أولاً: عن ابن عباس رضي الله عنهما: لمّا نزل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [البقرة: 188] تحرّج المسلمون عن مؤاكلة المرضى، والزَّمنى، والعُمْي، والعُرْج وقالوا: الطعام أفضل الأموال وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيّب، والمريض لا يستوفي الطعام بسبب مرضه، والأعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام، فنزلت الآية الكريمة {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ}. ثانياً: وعن سعيد بن المسيّب رضي الله عنه أنه قال: إن ناساً كانوا إذا خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا فكانوا يتقون أن يأكلوا منها، ويقولون: نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيّبة، فنزلت هذه الآية. ثالثاً: وروي عن مجاهد في هذه الآية أنه قال: كان رجال زمنى وعميان وعرجان وأولو حاجة، يستتبعهم رجال إلى بيوتهم، فإن لم يجدوا لهم طعاماً ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم وبعض من سمّى الله عزّ وجلّ في هذه الآية، فكان أهل الزّمانة يتحرجون من أكل ذلك الطعام، لأنه أطعمهم غير مالكه فنزلت هذه الآية. وجوه القراءات أولاً - قرأ الجمهور (مَلَكْتُمْ) بالبناء للمعلوم، وقرأ سعيد بن جبير، وأبو العالية (مُلِّكْتُمْ) بضم الميم وتشديد اللام مع كسرها بالبناء للمجهول. ثانياً - قرأ الجمهور (مَفَاتِحَه) بالجمع، وقرأ أنس بن مالك، وقتادة (مِفْتَاحَه) بكسر الميم على الإفراد، وقرأ ابن جبير (مفاتيحه) جمع مفتاح. ثالثاً - قوله تعالى: {أَوْ صَديقكم} قرئ بكسر الصاد اتباعاً لحركة الدال وقراءة الجمهور بفتح الصاد، ومثلها (أُمّهاتكم) بضم الهمزة وقرأ طلحة (إمّهاتكم) بكسر الهمزة. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} الآية رفع الله تعالى الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، ولم يذكر في الآية متعلق الحرج فذهب جمهور المفسّرين على أن نفي الحرج عن أهل العذر ومن بعدهم في (المَطَاعم) ويكون معنى الآية "ليس عليكم في الأعمى حرج أن تأكلوا معه، ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج وتكون (على) بمعنى (في)" ذكره ابن جرير. وقال الحسن، وعبد الرحمٰن بن زيد: الحرج المنفي عن أهل العذر هو في القعود عن الجهاد في سبيل الله، وهو مقطوع ممّا قبله، إذ متعلّق الحرجين، مختلف ويكون معنى الآية: "ليس على الأعمى، ولا على الأعرج ولا على المريض حرج في تركهم للجهاد وعدم خروجهم مع المجاهدين بسبب أعذارهم" ويكون الكلام قد تمّ هنا، وأنّ ما بعده مستأنف لا تعلّق له به، وهذا ما اختاره (أبو حيّان) في تفسيره "البحر المحيط". ثانياً: قوله تعالى: {جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} قال أبو حيّان: انتصب "جميعاً" و"أشتاتاً" على الحال. أي مجتمعين، أو متفرقين. ثالثاً: قوله تعالى: {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةً طَيِّبَةً}. قال الزجّاج: تحيّة منصوبة على المصدر، لأن قوله (فسلّموا) بمعنى فحيّوا فتكون مفعولاً مطلقاً. وقوله (مباركة طيّبة) صفتان للمصدر (تحيّةً) والجار والمجرور متعلق بـ (مباركة) أو بنفس التحية والله أعلم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ذكر الله تعالى بيوت الأقارب (الآباء، الأمهات، الإخوان، الأخوات، الأعمام، العمات...) إلخ ولم يذكر بيوت الأولاد، والسّر في ذلك أن مال الولد مال الأب، وبيته بيته كما ورد (أنت ومالك لأبيك) فلم يذكر اكتفاءً بذكر (بيوتكم) فما يملكه الولد كأنه ملك للأب، لقوة حقّ القرابة وفي الحديث الشريف (إنَّ أطيبَ ما يأكل الرجل من كسب ولده، وإنَّ ولده من كسبه). قال أبو حيان: ولم يذكر بيوت الأولاد اكتفاءً بذكر بيوتكم، ومعنى قوله تعالى: {مِن بُيُوتِكُمْ} أي من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم. والولد أقرب من عدّد من القرابات، فإذا كان سبب الرخصة هو القرابة، كان الذي هو أقرب منهم أولى. اللطيفة الثانية: قيل لبعضهم من أحبّ إليك أخوك أم صديقك؟ فقال: لا أحبّ أخي إلا إذا كان صديقي. وقد أكل جماعة من أصحاب الحسن من بيته وهو غائب، فجاء فرآهم فسُرّ بذلك وقال: هكذا وجدناهم، يعني كبراء الصحابة. وكان الرجل يدخل بيت صديقه، فيأخذ من كيسه، فيعتق جاريته التي مكنته من ذلك. قال ابن عباس: الصديق أوكد من القرابة، ألا ترى استغاثة الجهنّميّين حيث يقولون: {أية : فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 100-101] ولم يستغيثوا بالآباء والأمهات. اللطيفة الثالثة: اشتهر العرب بالكرم. وكان قوم من الأنصار لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلاّ مع ضيفهم، وكانت قبيلة (كنانة) يتحرّج الرجل أن يأكل وحده، فربما قعد والطعام بين يديه من الصباح إلى المساء، فإذا لم يجد من يؤاكله اضطر إلى الأكل وحده، وقد قال بعضهم مفتخراً: شعر : إذا ما صَنَعْتِ الزّاد فالتمسي لهُ أكيلاً فإنّي لستُ آكلُهُ وَحْدي تفسير : اللطيفة الرابعة: قال الزمخشري: (فإذا دخلتم بيوتاً) فابدأوا بالسلام على أهلها، الذين هم فيها منكم ديناً وقرابة. و(تحية من عند الله) أي ثابتة بأمره ومشروعة من لدنه، أو لأن التسليم والتحية طلب للسلامة، وحياة للمسلّم عليه. ووصفُها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن، يُرْجى بها من الله زيادة الخير، وطيب الرزق. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {بُيُوتاً} التنكير يفيد العموم، أي إذا دخلتم أيّ بيت من البيوت فسلّموا على أنفسكم، قال الفخر الرازي: (فسلّموا على أنفسكم) جعل المولى تعالى أنفس المسلمين كالنفس الواحدة على مثال قوله (ولا تقتلوا أنفسكم) قال ابن عباس: فإن لم يكن أحد فعلى نفسه ليقل: السلام علينا من قبل ربنا. وقال ابن جرير الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه: فإذا دخلتم بيوتاً من بيوت المسلمين، فليسلّم بعضكم على بعض، قال: وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه قال: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً} ولم يخصّص من ذلك بيتاً دون بيت، وقال: (فسلّموا على أنفسكم) يعني: بعضكم على بعض، فكان معلوماً إذ لم يخصص ذلك على بعض البيوت دون بعض، أنه معنيّ به جميعها، مساجدها وغير مساجدها. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بالأكل من البيوت؟ دلت الآية الكريمة على إباحة الأكل من بيوت الأقرباء، وذلك جار مجرى المؤانسة والمباسطة وعدم الكلفة، وقد جرت العادة ببذل الطعام للأقرباء، لأنه بذلك يسرّهم، فكان جريان العادة بالإذن كالنطق الصريح، فيباح للإنسان أن يأكل من بيوت من سمّى الله عز وجل من الأقارب. وقد اختلف المفسّرون في قوله تعالى: {أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد بها بيوت الأولاد، أي بيوت أولادكم لأنها في حكم بيوتكم. الثاني: أن المراد بها البيوت التي يسكنونها وهم فيها عيال غيرهم، فيكون الخطاب لأهل الرجل، وولده، وخادمه، ومن يشتمل عليه منزله، ونسبها إليهم لأنهم سكّانها. الثالث: أن المراد بها بيوتهم، والمقصود من الآية أكلهم من مال عيالهم وأزواجهم، لأن بيت المرأة بيت الرجل. واختار أبو بكر (الجصّاص) الرأي الثاني فقال: "يعني والله أعلم من البيوت التي هم سكّانها، وهم عيال غيرهم فيها مثل: أهل الرجل، وولده، وخادمه، ومن يشتمل عليه منزله، فيأكل من بيته، ونسبها إليهم لأنهم سكانها، وإن كانوا في عيال غيرهم وهو صاحب المنزل، لأنه لا يجوز أن يكون المراد الإباحة للرجل أن يأكل من مال نفسه، إذ كان ظاهر الخطاب وابتداؤه في إباحة الأكل للإنسان من مال غيره. وقال الله: {أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمْ} فأباح الأكل من بيوت هؤلاء الأقارب ذوي المحارم بجريان العادة ببذل الطعام لأمثالهم، وفقد التمانع في أمثاله". الحكم الثاني: هل للوكيل أن يأكل من مال موكّله؟ ظاهر قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} يدل على أنه يرخّص للوكيل أن يأكل من مال الموكل، بغير شطط ولا عدوان، وقد روي عن (عكرمة) أنه قال: "إذا ملك المفتاح فهو جائز، ولا بأس أن يَطْعم الشيء اليسير". وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} هو وكيل الرجل يُرخَّص له أن يأكل من التمر، ويشرب من اللبن. وقيل: المراد به وليّ اليتيم، يتناول من ماله بالمعروف دون إضرار باليتيم كما قال تعالى: {أية : وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [النساء: 6]. الحكم الثالث: هل يباح الأكل من بيت الصّديق بغير إذنه؟ أباحة الآية الكريمة الأكل من بيوت من سمّى الله عز وجلّ من الأقارب، ومن بيوت الأصدقاء. وقد كان الواحد لا يأكل من بيت غيره تأثماً، فرخّص الله تعالى لأهل الأعذار (العمي، والعرج، والمرضى) أولاً ثمّ رخّص للنَّاس عامة، فلو دخلت على صديق فأكلت من طعامه بغير إذنه كان ذلك حلالاً. قال الجصاص: "وهذا أيضاً مبني على ما جرت العادة بالإذن فيه، فيكون المعتاد من ذلك كالمنطوق به، وهو مثل ما تتصدق به المرأة من بيت زوجها بالكسرة ونحوها، من غير استئذانها إيّاه، لأنه متعارف أنهم لا يمنعون مثله، كالعبد المأذون والمكاتب يدعوان إلى طعامهما، ويتصدقان باليسير ممّا في أيديهما، فيجوز بغير إذن المولى. وقد روي عن نافع عن ابن عمر أنه قال: "لقد رأيتني وما الرجل المسلم بأحقّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم". وروى إسحاق بن كثير عن الرصافي قال: "كنا عند أبي جعفر يوماً فقال: هل يُدْخل أحدكم يده في كُمّ أخيه أو في كيسه فيأخذ ماله؟ قلنا: لا، قال: ما أنتم بإخوان". أقول: يباح للإنسان أن يأكل من بيت صديقه في غيبته لما بينهما من المودّة والصداقة، وقد جرت العادة بذلك، ودلت الآية عليه. والصديق يفرح بأكل صديقه عنده ويُسرّ غاية السرور. اللهم إلا إذا كان ممن قال فيهم الشاعر: شعر : سِيَانِ كَسْرُ رغيفِهِ أو كَسْرُ عظم من عظَامِه تفسير : نسأله تعالى أن يقينا مرض البخل والشح إنه سميع مجيب الدعاء. الحكم الرابع: ما هو حكم الشركة في الطعام؟ يجوز للإنسان أن يشارك غيره في الطعام، وقد دل على ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} أي مجتمعين أو منفردين، فإذا اشترك جماعة في طعام جاز لهم أن يأكلوا منه مجتمعين. وقد كان الرجل يخاف إن أكل مع غيره أن يزيد أكله على أكل صاحبه، فامتنعوا لأجل ذلك من الاجتماع على الطعام. فرخّص لهم القرآن الكريم وأباح لهم الأكل حتى ولو كان بعضهم أشهى نفساً، وأوسع معدة. وقد دلّ على هذا قوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} تفسير : [البقرة: 220] فأباح لهم أن يخلطوا طعام اليتيم بطعامهم فيأكلوه جميعاً. ونحو هذا قوله تعالى عن أصحاب الكهف {أية : فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ} تفسير : [الكهف: 19]. فكان الورِق (الفضة) لهم جميعاً. والطعام بينهم فاستجازوا أكله وهذا ما يسميه الفقهاء (المناهدة) وهي الشركة التي يفعلها الناس في الأسفار. الحكم الخامس: هل تقطع اليد في السرقة من بيت المحارم؟ قال أبو بكر الجصّاص رحمه الله في كتابه "أحكام القرآن": "قد دلت هذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع؛ لإباحة الله لهم بهذه الآية الأكل من بيوتهم، ودخولها من غير إذنهم، فلا يكون ماله مُحْرَزاً منهم. فإن قيل: فينبغي أن لا يقطع إذا سرق من صديقه، لأن في الآية إباحة الأكل من طعامه؟ قيل له: من أراد سرقة ماله لا يكون صديقاً له". أقول: الحدود تُدْرأ بالشبهات، ولمّا كانت السرقة من بيت ذي الرحم المحرم، وبينهما هذه القرابة القوية وهي (قرابة الرحم) فقد وجدت الشبهة، فلا قطع حينئذٍ وإنما فيه التعزير والله تعالى أعلم. الحكم السادس: هل الآية الكريمة منسوخة بآية الاستئذان؟ ذهب بعض المفسّرين إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ}تفسير : [النور: 27] وبقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" تفسير : والصحيح أنها غير منسوخة وهو رأي جمهور المفسّرين ومذهب الإمام أبي بكر الجصّاص والرازي وغيرهما. وقد قال أبو بكر: ليس في ذلك ما يوجب النسخ، لأن هذه الآية فيمن ذكر فيها - أي من أهل الأعذار والأقارب - وقوله {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} تفسير : [النور: 27] في سائر الناس غيرهم، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه"تفسير : فإنه في غير هؤلاء المذكورين في الآية الكريمة والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - رفع الحرج عن أهل الأعذار في ترك الجهاد أو في الأكل من بيوت الناس. ثانياً - إباحة الأكل من بيوت الأقارب للمؤانسة والمباسطة التي تكون في العادة بينهم. ثالثاً - حق الصداقة عظيم ولذلك رخّص الله في الأكل من بيت الصديق بغير إذنه. رابعاً - جواز الشركة في الطعام والأكل مع بقية الشركاء مجتمعين أو متفرقين. خامساً - ضرورة التقيد بآداب الإسلام ومنها السلام على أهل المنزل عند الدخول. سادساً - تحية المسلم لأخيه المسلم شرعها الباري جلّ وعلا وهي بلفظ السلام عليكم ورحمة الله. سابعاً - الأحكام التي شرعها الله لعباده المؤمنين فيها خيرهم وصلاحهم وسعادتهم في الدارين. حكمة التشريع حرّم الله تعالى الاعتداء على الناس وأكل أموالهم بالباطل، فلا يجوز لإنسان أن يأكل مال غيره إلاّ بإذنه، وبطيب نفسٍ منه كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُه، ومالُه، وعرضُه ". تفسير : وقد أباح الباري جلّ وعلا للإنسان أن يأكل من بيت أقاربه بدون إذن، وهم الذين سمّاهم في كتابه العزيز وعدّد أصنافهم وهم (الآباء، الأمهات، الإخوان، الأخوات، الأعمام، العمات، الأخوال، الخالات) وذلك لما بين هؤلاء من صلة الرحم، ولأنه يستدعي المحبة والوداد والوئام، فإنَّ أكل الإنسان من بيت أقربائه، يقوّي أواصر القرابة، ويزيل الكُلْفة، ويدعو إلى المؤانسة والانبساط. كما أباح الأكل من بيت الصديق بدون إذن أيضاً، لأن الصداقة بمنزلة القرابة؛ وحق الصديق على صديقه عظيم وكبير، وكم من صديق أنفع من أخٍ قريب. وقد قيل في الأمثال: "حديث : ربّ أخٍ لك لم تلده أمّك ". تفسير : ولهذا رخّص المولى جلّ ثناؤه بالأكل من بيوت الأصدقاء. وجعلهم في عداد الأقرباء، حتى تدوم الألفة، وتتمكن الصداقة والمودّة. وتتقوى روابط (الأخوّة الدينيّة) بين المسلمين، وذلك من أغراض الشريعة الإسلامية، وأهدافها الإنسانية السامية. وصدق الله: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}تفسير : [الحجرات: 10]. وقد أمر سبحانه وتعالى عباده المؤمنين، عند دخولهم لبيوت الآخرين، أن يبدءوهم بالتحية والسلام. فذلك من الآداب الإجتماعية الرفيعة. التي دعا إليها الإسلام. وأمر بإشاعة السلام لأنه تحية المؤمن وشعار الإسلام. وهو طريق المحبة بين المؤمنين. الذي يربط بين أفراد الأمة الإسلامية. كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم ". تفسير : وقد كان أهل الجاهلية إذا لقي الرجل منهم صديقه أو أخاه. يقول له: أنعم صباحاً، أو أنعم مساءً. وأنعم الله بك عيناً إلخ. فجاء الإسلام بما هو خير وأزكى وأطهر. جاءهم بالتحية المباركة الطيبة، بلفظ كريم لطيف "السلام عليكم ورحمة الله" وهذه التحية شرعها الله لعباده كما قال تعالى: {فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةً طَيِّبَةً} والسلام اسم من أسماء الله تعالى فلا يليق بالمسلم أن يدع هذه التحية إلى تحية الجاهلية. أو ما شابهها من ألفاظٍ مستحدثة كقولهم: احتراماتي، تحياتي. صباح الخير، إلى غير ما هنالك من ألفاظ وعبارات ليس فيها ذلك المعنى اللطيف أو المغزى الدقيق الذي قصد إليه الإسلام، دين الإنسانية الخالد.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} معناه إِثمٌ. وأصلُهُ الضِّيقُ. تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} معناه إنفاذهُ وإخراجه. تفسير : وقوله تعالى: {جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} معناه مُتفرقونَ.

الجيلاني

تفسير : ثم لما كانت العرب يتحرّجون عن مصاحبة ذوي العاهات، والمؤاكلة معهم استقذاراً، وكانوا أيضاً يتحرّجون من البيوتات المذكورة تعظماً واستبكاراً، بل يعدونه عاراً، ويستنكفون منه، ردَّ الله عليهم ونفى الحرج، فقالِ: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} أن يأكل مع البصراء {وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ} أن يأكل مع السويِّ السالم، ويجلس معه {وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} أن يأكلش مع الأصحاء {وَلاَ} حرجَ أيضاَ {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} في أكلكم مطلقاً سواءً {أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} وعند أهليكم ومحارمكم، سواءً كان من أكسابكم وأكساب أولادكم {أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ} وأجدادكم؛ لأنهم مستخلِفون لكم {أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمْ} لأن بينكم وبينهن مناسبة الكلية والجزئية {أَوْ بُيُوتِ إِخْوَٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمْ} لا شتراككم معهم في المنشأ {أَوْ بُيُوتِ أَعْمَٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمْ} لاشتراك آبائكم معهم في المنشأ {أَوْ بُيُوتِ أَخْوَٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمْ} لاشتراك أمهاتكم معهم في المنشأ. {أَوْ} بيوت {مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} يعني: بيوت عبيدكم التي أنتم أسبابُ لإنشائها سواءُ كانوا معتَقين أم لا، والتعبير عنهم بما: للتمليك والرّية {أَوْ} بيوت {صَدِيقِكُمْ} بالمناسبة المعنوية التي هي أقوى من القرابة النَّسَبية الصورية، كل ذلك المذكور مسبوقُ بالإذن والرضا والتبسط والنشاط من أصحاب البيوتات. ثم أشار سبحانه إلى أدب المؤاكلة فقال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً} مجتمعين في إناءٍ واحدٍ يأكل بعضكم سؤر بعض؛ إذ هو أدخل في التأليف والتحابب {أَوْ أَشْتَاتاً} متفرقين كلُّ في إناءٍ، وهذا أدخل في التزكية والنظافة {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً} أي: كلُ منكم بيتاً من البيوت التي رُخِّصتم بالأكل منها {فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي: فابدؤوا بالسلام على أهلها؛ لأنهم منكم ديناً وقرابةً، حتى صار سلامكم إياهم {تَحِيَّةً} وزيادة حياةٍ لهم {مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفضلاً عليهم وإحساناً {مُبَٰرَكَةً} كثيرةَ الخير والبركة النازلة من عده على أهلها {طَيِّبَةً} خالصةً صافيةً عن كدر النفاق وأثر الخلاف والشقاق {كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ} الدالة على آداب أثر الخلاف والشقاق {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور: 61] رجاء أن تتفطنوا منها إلى أحوالكم في النشأة الأخرى، فتزوَّدوا فيها لأجلها. ثم أشار سبحانه إلى محافظة الآداب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورعاية حقوقه، وكمال الإطاعة والانقياد إليه فقال: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} الموحدون الكاملون، المنكشفون بسرائر التوحيد الذاتي هم {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ} الجامع لجميع الأسماء والصفات المنسوبة إلى الذات الأحدية {وَرَسُولِهِ} الجامع لجميع مراتب المظاهر والمصنوعات، لا يخرج عن حيطة مرتبته الجامعة الكاملة مرتبةُ من المراتب أصلاً {وَ} بعدما عرفتم جمعيته {إِذَا كَانُواْ} مجتمعين {مَعَهُ} صلى الله عليه وسلم {عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ} أي: أمرٍ مشروطٍ حصولهُ بالاجتماع والاقتحام كالزحف والجهاد والجُمَع والأعياد {لَّمْ يَذْهَبُواْ} ولم ينصرفوا من عنده صلى الله عليه وسلم {حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ} بالانفضاض والانصراف، وإن كنتم مضطرين إلى الإياب والذهاب. ثم كرر سبحانه أمر الاستئذان على وجه أبلغ تأكيداً ومبالغةً، فقال مخاطباً لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ} في الذهاب والانصراف محافظة على الأدب {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المستأذنون هم {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} حقاً {بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} ويراعون الأدب معهما من صفاء بواطنهم وخلوص طوياتهم {فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ} يا أكمل الرسل بعد اضطرارهم {لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} وأمرهم المتعلق بمعاشهم {فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} أي: أنت مخير في إذنهم بعد اضطرارهم {وَ} بعدما أذنتَ لهم {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ} من ذنبهم الذي اختاروا من أمر الدنيا على أمر العقبى، واستأذنوا له واهتموا لشأنه {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لاستعدادات عباده {غَفُورٌ} يغفر لهم أمثال هذه الفرطات الاضطرارية {رَّحِيمٌ} [النور: 62] مشفقُ حينئذٍ عليهم بعدما ندموا في نفوسهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن منته على عباده، وأنه لم يجعل عليهم في الدين من حرج بل يسره غاية التيسير، فقال: { لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } أي: ليس على هؤلاء جناح، في ترك الأمور الواجبة، التي تتوقف على واحد منها، وذلك كالجهاد ونحوه، مما يتوقف على بصر الأعمى، أو سلامة الأعرج، أو صحة للمريض، ولهذا المعنى العام الذي ذكرناه، أطلق الكلام في ذلك، ولم يقيد، كما قيد قوله: { وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } أي: حرج { أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ } أي: بيوت أولادكم، وهذا موافق للحديث الثابت: "حديث : أنت ومالك لأبيك " تفسير : والحديث الآخر: "حديث : إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم " تفسير : وليس المراد من قوله: { مِنْ بُيُوتِكُمْ } بيت الإنسان نفسه، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، الذي ينزه عنه كلام الله، ولأنه نفى الحرج عما يظن أو يتوهم فيه الإثم من هؤلاء المذكورين، وأما بيت الإنسان نفسه فليس فيه أدنى توهم. { أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ } وهؤلاء معروفون، { أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ } أي: البيوت التي أنتم متصرفون فيها بوكالة، أو ولاية ونحو ذلك، وأما تفسيرها بالمملوك، فليس بوجيه، لوجهين: أحدهما: أن المملوك لا يقال فيه " ملكت مفاتحه " بل يقال: " ما ملكتموه " أو " ما ملكت أيمانكم " لأنهم مالكون له جملة، لا لمفاتحه فقط. والثاني: أن بيوت المماليك، غير خارجة عن بيت الإنسان نفسه، لأن المملوك وما ملكه لسيده، فلا وجه لنفي الحرج عنه. { أَوْ صَدِيقِكُمْ } وهذا الحرج المنفي عن الأكل من هذه البيوت كل ذلك، إذا كان بدون إذن، والحكمة فيه معلومة من السياق، فإن هؤلاء المسمين قد جرت العادة والعرف، بالمسامحة في الأكل منها، لأجل القرابة القريبة، أو التصرف التام، أو الصداقة، فلو قدر في أحد من هؤلاء عدم المسامحة والشح في الأكل المذكور، لم يجز الأكل، ولم يرتفع الحرج، نظرا للحكمة والمعنى. وقوله: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا } فكل ذلك جائز، أكل أهل البيت الواحد جميعا، أو أكل كل واحد منهم وحده، وهذا نفي للحرج، لا نفي للفضيلة وإلا فالأفضل الاجتماع على الطعام. { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا } نكرة في سياق الشرط، يشمل بيت الإنسان وبيت غيره، سواء كان في البيت ساكن أم لا فإذا دخلها الإنسان { فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } أي: فليسلم بعضكم على بعض، لأن المسلمين كأنهم شخص واحد، من تواددهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، فالسلام مشروع لدخول سائر البيوت، من غير فرق بين بيت وبيت، والاستئذان تقدم أن فيه تفصيلا في أحكامه، ثم مدح هذا السلام فقال: { تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً } أي: سلامكم بقولكم: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " أو " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " إذ تدخلون البيوت، { تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } أي: قد شرعها لكم، وجعلها تحيتكم، { مُبَارَكَةً } لاشتمالها على السلامة من النقص، وحصول الرحمة والبركة والنماء والزيادة، { طَيِّبَةً } لأنها من الكلم الطيب المحبوب عند الله، الذي فيه طيب نفس للمحيا، ومحبة وجلب مودة. لما بين لنا هذه الأحكام الجليلة قال: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ } الدالات على أحكامه الشرعية وحكمها، { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } عنه فتفهمونها، وتعقلونها بقلوبكم، ولتكونوا من أهل العقول والألباب الرزينة، فإن معرفة أحكامه الشرعية على وجهها، يزيد في العقل، وينمو به اللب، لكون معانيها أجل المعاني، وآدابها أجل الآداب، ولأن الجزاء من جنس العمل، فكما استعمل عقله للعقل عن ربه، وللتفكر في آياته التي دعاه إليها، زاده من ذلك. وفي هذه الآيات دليل على قاعدة عامة كلية وهي: أن " العرف والعادة مخصص للألفاظ، كتخصيص اللفظ للفظ " فإن الأصل، أن الإنسان ممنوع من تناول طعام غيره، مع أن الله أباح الأكل من بيوت هؤلاء، للعرف والعادة، فكل مسألة تتوقف على الإذن من مالك الشيء، إذا علم إذنه بالقول أو العرف، جاز الإقدام عليه. وفيها دليل على أن الأب يجوز له أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره، لأن الله سمى بيته بيتا للإنسان. وفيها دليل على أن المتصرف في بيت الإنسان، كزوجته، وأخته ونحوهما، يجوز لهما الأكل عادة، وإطعام السائل المعتاد. وفيها دليل، على جواز المشاركة في الطعام، سواء أكلوا مجتمعين، أو متفرقين، ولو أفضى ذلك إلى أن يأكل بعضهم أكثر من بعض.

همام الصنعاني

تفسير : 2065- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، في قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ}: [الآية: 61]، قالت للزهري: ما بال الأعمى ذكر ههنا، والأعرج والمريض؟ قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن المسلمينَ كانوا إذا غزوا خلفوا زُمَنَاءهُمْ، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا. فكانوا يَتَحَرَّجُون من ذلِكَ، يقولون: لا ندخلها وهم غيب، فأنزلت هذه الآية رخصةً لهم. 2066- عبد الرزاق، عن معمر، عن مطر الوراق، قال: كنّا نحمل غَداءنا وعشاءنا إلى منزل سعيد بن أبي عروبة، فنأكل عنده. 2067- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان الرجل يذهب بالأعمى أو الأعرج أو المريض إلى بيت أخيه (أو بيت أبيه أو بيت أخته)، أو عَمَّتِهِ أو خاله، أو خالته، فكان الزمنى يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذلِكَ، يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم فنزلت هذه الآية رخصةً لهم. 2068- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ}: [الآية: 61]، مما يخترن يا ابن آدم {أَوْ صَدِيقِكُمْ}: [الآية: 61]، قال: إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته، لم يكن بِذلكَ بأس. 2069- قال معمر، وقال قتادة، عن عِكْرِمة: إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير، قال معمر، ودخلت على قتادة، فقلت له: اشرب من هذا الجبّ، لجب فيه ماء، فقال: أنت لنا صديق. 2070- عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً}: [الآية: 61]، قال: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً، عزلوا الأعمى على حدة، والأعرج على حدة، والمريض على حدة، كانوا يتحرجون أن يتفضلوا عليهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً}. 2071- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة نزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً}: [الآية: 61]، في حَيٍّ من العرب، كان الرجل منهم لا يأكل طعامه وحده، وكان يحمله بعض يوم، حتى يجد من يأكل معه. قال معمر: وأحسبه ذكر أنَّهم من بني كنانة. 2072- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهري، وقتادة، في قوله تعالى: {فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ}: [الآية: 61]، قالا: بيتك إذا دخلته، فقل: سلام عليكم. 2073- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن أبي سنان، عن مَاهَان في قوله تعالى: {فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}: [الآية: 61]، إذا دَخَلْتَ بيتاً لَيْسَ فيه أحدٌ فقل: سلامٌ علينا من رَبِّنا. 2074- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني الثوري، عن عبد الكريم بن أبي أمية، عن مجاهد، قال: إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحَدٌ فقُلْ: بسم الله، والحمد لله، السَّلاَمُ علينا من رَبِّنا، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين. 2075- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، في قوله تعالى: {فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}: [الآية: 61]، قال: هو المسجد، إذا دخلته فقل: سَلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين. 2076- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، والحسن، والكلبي في قوله: {فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}: [الآية: 61]، قال: يُسَلِّم بعضكم على بعض كقوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : ؛ [النساء: 29].