Verse. 2853 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

اِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا بِاللہِ وَرَسُوْلِہٖ وَاِذَا كَانُوْا مَعَہٗ عَلٰۗي اَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْہَبُوْا حَتّٰى يَسْتَاْذِنُوْہُ۝۰ۭ اِنَّ الَّذِيْنَ يَسْتَاْذِنُوْنَكَ اُولٰۗىِٕكَ الَّذِيْنَ يُؤْمِنُوْنَ بِاللہِ وَرَسُوْلِہٖ۝۰ۚ فَاِذَا اسْتَاْذَنُوْكَ لِبَعْضِ شَاْنِہِمْ فَاْذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ مِنْہُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَہُمُ اللہَ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۶۲
Innama almuminoona allatheena amanoo biAllahi warasoolihi waitha kanoo maAAahu AAala amrin jamiAAin lam yathhaboo hatta yastathinoohu inna allatheena yastathinoonaka olaika allatheena yuminoona biAllahi warasoolihi faitha istathanooka libaAAdi shanihim fathan liman shita minhum waistaghfir lahumu Allaha inna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه» أي الرسول «على أمر جامع» كخطبة الجمعة «لم يذهبوا» لعروض عذر لهم «حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم» أمرهم «فأذن لمن شئت منهم» بالانصراف «واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم».

62

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرىء {عَلَىٰ أَمْرٍ جمِيع } ثم ذكروا في قوله {عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ } وجوهاً: أحدها: أن الأمر الجامع هو الأمر الموجب للاجتماع عليه فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز، وذلك نحو مقاتلة عدو أو تشاور في خطب مهم أو الأمر الذي يعم ضرره ونفعه وفي قوله: {إِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ } إشارة إلى أنه خطب جليل لا بد لرسول صلى الله عليه وسلم من أرباب التجارب والآراء ليستعين بتجاربهم فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يشق على قلبه وثانيها: عن الضحاك في أمر جامع الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة وثالثها: عن مجاهد في الحرب وغيره. المسألة الثانية: اختلفوا في سبب نزوله قال الكلبي: كان صلى الله عليه وسلم يعرض في خطبته بالمنافقين ويعيبهم فينظر المنافقون يميناً وشمالاً فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفاً، فنزلت هذه الآية فكان بعد نزول هذه الآية لا يخرج المؤمن لحاجته حتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المنافقون يخرجون بغير إذن. المسألة الثالثة: قال الجبائي هذا يدل على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم، ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان، وذلك يدل على أن كل فرض لله تعالى واجتناب محرم من الإيمان والجواب: هذا بناء على أن كلمة {إِنَّمَا } للحصر وأيضاً فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان استخفافا ولا نزاع في أنه كفر. أما قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَئـذِنُونَكَ } إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَئـذِنُونَكَ } المعنى تعظيماً لك ورعاية للأدب {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه، قال الضحاك ومقاتل: المراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك لأنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله فأذن له وقال له انطلق فوالله ما أنت بمنافق يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم، وإذا استأذناه لم يأذن لنا فوالله ما نراه يعدل، وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له، ثم قال يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك، وفي قوله: {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ } وجهان: أحدهما: أن يستغفر لهم تنبيهاً على أن الأولى أن لا يقع الاستئذان منهم وإن أذن، لأن الاستغفار يدل على الذنب وربما ذكر عند بعض الرخص الثاني: يحتمل أنه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة على تمسكهم بآداب الله تعالى في الاستئذان. المسألة الثانية: قال قتادة نسخت هذه الآية قوله تعالى: { أية : لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 43]. المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه سبحانه فوض إلى رسوله بعض أمر الدين ليجتهد فيه برأيه. أما قوله تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً } ففيه وجوه: أحدها: وهو اختيار المبرد والقفال، ولا تجعلوا أمره إياكم ودعاءه لكم كما يكون من بعضكم لبعض إذ كان أمره فرضاً لازماً، والذي يدل على هذا قوله عقيب هذا {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } وثانيها: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً يا محمد، ولكن قولوا يا رسول الله يا نبي الله، عن سعيد بن جبير وثالثها: لا ترفعوا أصواتكم في دعائه وهو المراد من قوله: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ } تفسير : [الحجرات: 3] عن ابن عباس ورابعها: احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره، والوجه الأول أقرب إلى نظم الآية. أما قوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً } فالمعنى يتسللون قليلاً قليلاً، ونظير تسلل تدرج وتدخل، واللواذ: الملاوذة وهي أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا، يعني يتسللون عن الجماعة (على سبيل الخفية) واستتار بعضهم ببعض، و (لواذاً) حال أي ملاوذين وقيل كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيؤذن له فينطلق الذي لم يؤذن له معه، وقرىء {لِوَاذاً } بالفتح ثم اختلفوا على وجوه: أحدها: قال مقاتل: كان المنافقون تثقل عليهم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحابه ويخرجون من غير استئذان وثانيها: قال مجاهد يتسللون من الصف في القتال وثالثها: قال ابن قتيبة هذا كان في حفر الخندق ورابعها: يتسللون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن كتابه وعن ذكره، وقوله: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ } معناه التهديد بالمجازاة. أما قوله: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الأخفش (عن) صلة والمعنى يخالفون أمره وقال غيره معناه يعرضون عن أمره ويميلون عن سنته فدخلت (عن) لتضمين المخالفة معنى الإعراض. المسألة الثانية: كما تقدم ذكر الرسول فقد تقدم ذكر الله تعالى لكن القصد هو الرسول فإليه ترجع الكناية، وقال أبو بكر الرازي: الأظهر أنها لله تعالى لأنه يليه، وحكم الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما تقدمها. المسألة الثالثة: الآية تدل على أن ظاهر الأمر للوجوب، ووجه الاستدلال به أن نقول: تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف الأمر مستحق للعقاب فتارك المأمور به مستحق للعقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك، إنما قلنا إن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر، لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، والمخالفة ضد الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف، وإنما قلنا إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فأمر مخالف هذا الأمر بالحذر عن العقاب، والأمر بالحذر عن العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضى لنزول العقاب، فثبت أن مخالف أمر الله تعالى أو أمر رسوله قد وجد في حقه ما يقتضي نزول العذاب، فإن قيل لا نسلم أن تارك المأمور به مخالف للأمر قوله موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ومخالفته عبارة عن الإخلال بمقتضاه، قلنا لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، فما الدليل عليه؟ ثم إنا نفسر موافقة الأمر بتفسيرين أحدهما: أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب، وأنت تأتي به على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة للأمر الثاني: أن موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقاً واجب القبول فمخالفته تكون عبارة عن إنكار كونه حقاً واجب القبول، سلمنا أن ما ذكرته يدل على أن مخالفة الأمر عبارة عن ترك مقتضاه لكنه معارض بوجوه أخر، وهو أنه لو كان ترك المأمور به مخالفة للأمر لكان ترك المندوب لا محالة مخالفة لأمر الله تعالى، وذلك باطل وإلا لاستحق العقاب على ما بينتموه في المقدمة الثانية، سلمنا أن تارك المأمور به مخالف للأمر فلم قلت إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ }؟ قلنا لا نسلم أن هذه الآية دالة على أمر من يكون مخالفاً للأمر بالحذر بل هي دالة على الأمر بالحذر عن مخالفة الأمر، فلم لا يجوز أن يكون كذلك؟ سلمنا ذلك لكنها دالة على أن المخالف عن الأمر يلزمه الحذر، فلم قلت إن مخالف الأمر لا يلزمه الحذر؟ فإن قلت لفظة (عن) صلة زائدة فنقول الأصل في الكلام لا سيما في كلام الله تعالى أن لا يكون زائداً، سلمنا دلالة الآية على أن مخالف أمر الله تعالى مأمور بالحذر عن العذاب، فلم قلت إنه يجب عليه الحذر عن العذاب؟ أقصى ما في الباب أنه ورد الأمر به لكن لم قلت إن الأمر للوجوب؟ وهذا أول المسألة، فإن قلت هب أنه لا يدل على وجوب الحذر لكن لا بد وأن يدل على حسن الحذر، وحسن الحذر إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب قلت: لا نسلم أن حسن الحذر مشروط بقيام المقتضي لنزول العذاب بل الحذر يحسن عند احتمال نزول العذاب ولهذا يحسن الاحتياط وعندنا مجرد الاحتمال قائم لأن هذه المسألة احتمالية لا قطعية، سلمنا دلالة الآية على وجود ما يقتضي نزول العقاب، لكن لا في كل أمر بل في أمر واحد لأن قوله {عَنْ أَمْرِهِ } لا يفيد إلا أمراً واحداً، وعندما أن أمراً واحداً يفيد الوجوب، فلم قلت إن كل أمر كذلك؟ سلمنا أن كل أمر كذلك، لكن الضمير في قوله: {عَنْ أَمْرِهِ } يحتمل عوده إلى الله تعالى وعوده إلى الرسول، والآية لا تدل إلا على أن الأمر للوجوب في حق أحدهما، فلم قلتم إنه في حق الآخر كذلك؟ الجواب: قوله لم قلتم إن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه؟ قلنا الدليل عليه أن العبد إذا امتثل أمر السيد حسن أن يقال إن هذا العبد موافق للسيد ويجري على وفق أمره، ولو لم يمتثل أمره يقال إنه ما وافقه بل خالفه، وحسن هذا الإطلاق معلوم بالضرورة من أهل اللغة فثبت أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، قوله الموافقة عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر، قلنا لما سلمتم أن موافقة الأمر لا تحصل إلا عند الإتيان بمقتضى الأمر، فنقول لا شك أن مقتضى الأمر هو الفعل لأن قوله: افعل لا يدل إلا على اقتضاء الفعل، وإذا لم يوجد الفعل لم يوجد مقتضى الأمر، فلا توجد الموافقة فوجب حصول المخالفة لأنه ليس بين الموافقة والمخالفة واسطة قوله: الموافقة عبارة عن اعتقاد كون ذلك الأمر حقاً واجب القبول، قلنا هذا لا يكون موافقة للأمر بل يكون موافقة للدليل الدال على أن ذلك الأمر حق، فإن موافقة الشيء عبارة عن الإتيان بما يقتضي تقرير مقتضاه، فإذا دل على حقية الشيء كان الاعتراف بحقيته يقتضي تقرير مقتضى ذلك الدليل، أما الأمر فلما اقتضى دخول الفعل في الوجود كانت موافقته عبارة عما يقرر ذلك الدخول وإدخاله في الوجود يقتضي تقرير دخوله في الوجود فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه. قوله لو كان كذلك لكان تارك المندوب مخالفاً فوجب أن يستحق العقاب، قلنا هذا الإلزام إنما يصح أن لو كان المندوب مأموراً به وهو ممنوع، قوله لم لا يجوز أن يكون قوله: {فَلْيَحْذَرِ } أمراً بالحذر عن المخالف لا أمراً للمخالف بالحذر؟ قلنا لو كان كذلك لصار التقدير فليحذر المتسللون لواذاً عن الذين يخالفون أمره وحينئذ يبقى قوله: {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ضائعاً لأن الحذر ليس فعلاً يتعدى إلى مفعولين. قوله كلمة (عن) ليست بزائدة، قلنا ذكرنا اختلاف الناس فيها في المسألة الأولى. قوله لم قلتم إن قوله: {فَلْيَحْذَرِ } يدل على وجوب الحذر عن العقاب؟ قلنا لا ندعي وجوب الحذر، ولكن لا أقل من جواز الحذر، وذلك مشروط بوجود ما يقتضي وقوع العقاب. قوله لم قلت إن الآية تدل على أن كل مخالف للأمر يستحق العقاب؟ قلنا لأنه تعالى رتب نزول العقاب على المخالفة فوجب أن يكون معللاً به، فيلزم عمومه لعموم العلة. قوله هب أن أمر الله أو أمر رسوله للوجوب، فلم قلتم إن الأمر كذلك؟ قلنا لأنه لا قائل بالفرق، والله أعلم. المسألة الرابعة: من الناس من قال لفظ الأمر مشترك بين الأمر القولي وبين الشأن والطريق، كما يقال أمر فلان مستقيم. وإذا ثبت ذلك كان قوله تعالى: {عَنْ أَمْرِهِ } يتناول قول الرسول وفعله وطريقته، وذلك يقتضي أن كل ما فعله عليه الصلاة والسلام يكون واجباً علينا، وهذه المسألة مبنية على أن الكناية في قوله {عَنْ أَمْرِهِ } راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أما لو كانت راجعة إلى الله تعالى فالبحث ساقط بالكلية، وتمام تقرير ذلك ذكرناه في أصول الفقه، والله أعلم. أما قوله تعالى: {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فالمراد أن مخالفة الأمر توجب أحد هذين الأمرين، والمراد بالفتنة العقوبة في الدنيا، والعذاب الأليم عذاب الآخرة، وإنما ردد الله تعالى حال ذلك المخالف بين هذين الأمرين لأن ذلك المخالف قد يموت من دون عقاب الدنيا وقد يعرض له ذلك في الدنيا، فلهذا السبب أورده تعالى على سبيل الترديد، ثم قال الحسن: الفتنة هي ظهور نفاقهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: القتل. وقيل: الزلازل والأهوال، وعن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائر. أما قوله تعالى: {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } فذاك كالدلالة على قدرته تعالى عليهما وعلى ما بينهما وما فيهما، واقتداره على المكلف فيما يعامل به من المجازاة بثواب أو بعقاب، وعلمه بما يخفيه ويعلنه، وكل ذلك كالزجر عن مخالفة أمره. أما قوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } فإنما أدخل {قَدْ } لتوكيد علمه بما هم عليه من المخالفة في الدين والنفاق. ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد: وذلك لأن قد إذا أدخلت على المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير. كما في قوله الشاعر: شعر : فإن يمس مهجور الفناء فربما أقام به بعد الوفود وفود تفسير : والخطاب والغيبة في قوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات، ويجوز أن يكون ما أنتم عليه عاماً ويرجعون للمنافقين، وقد تقدم في غير موضع أن الرجوع إليه هو الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له فلا وجه لإعادته، والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} «إنَّمَا» في هذه الآية للحصر؛ المعنى: لا يتمّ ولا يكمل إيمانُ من آمن بالله ورسوله إلا بأن يكون من الرسول سامعاً غير معنّت في أن يكون الرسول يريد إكمال أمر فيريد هو إفساده بزواله في وقت الجمع، ونحو ذلك. وبيّن تعالى في أول السورة أنه أنزل آيات بينات، وإنما النزول على محمد صلى الله عليه وسلم؛ فختم السورة بتأكيد الأمر في متابعته عليه السلام؛ ليعلم أن أوامره كأوامر القرآن. الثانية: واختلف في الأمر الجامع ما هو؛ فقيل: المراد به ما للإمام من حاجة إلى جمع الناس فيه لإذاعة مصلحة، من إقامة سُنّة في الدِّين، أو لترهيب عدوّ باجتماعهم وللحروب؛ قال الله تعالى: {أية : وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} تفسير : [آل عمران: 159]. فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك. والإمام الذي يُتَرَقَّب إذنه هو إمام الإمْرة، فلا يذهب أحد لعذر إلا بإذنه، فإذا ذهب بإذنه ارتفع عنه الظن السيىء. وقال مَكْحُول والزُّهْرِيّ: الجمعة من الأمر الجامع. وإمام الصلاة ينبغي أن يُستأذن إذا قدّمه إمام الإمرة، إذا كان يرى المستأذن. قال ابن سيرين: كانوا يستأذنون الإمام على المنبر؛ فلما كثر ذلك قال زياد: من جعل يده على فيه فليخرج دون إذن، وقد كان هذا بالمدينة حتى أن سهل بن أبي صالح رَعَف يوم الجمعة فاستأذن الإمام. وظاهر الآية يقتضي أن يُستأذن أميرُ الإمْرة الذي هو في مقعد النبوّة، فإنه ربما كان له رأي في حبس ذلك الرجل لأمر من أمور الدين. فأما إمام الصلاة فقط فليس ذلك إليه؛ لأنه وكيل على جزء من أجزاء الدِّين للذي هو في مقعد النبوّة. وروي أن هذه الآية نزلت في حفر الخَنْدق حين جاءت قريش وقائدها أبو سيفان، وغطفان وقائدها عُيَيْنة بن حِصْن؛ فضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم الخندق على المدينة، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة، فكان المنافقون يتسلّلون لِواذاً من العمل ويعتذرون بأعذار كاذبة. ونحوه روى أشهب وابن عبد الحكم عن مالك، وكذلك قال محمد بن إسحاق. وقال مقاتل: نزلت في «حديث : عمر رضي الله عنه، استأذن النبيّ صلى الله عليه وسلم في غَزْوة تَبُوك في الرجعة فأذن له وقال: «انطلق فوالله ما أنت بمنافق»» تفسير : يريد بذلك أن يُسمع المنافقين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «حديث : إنما استأذن عمر رضي الله عنه في العُمْرة فقال عليه السلام لما أذِن له: «يا أبا حَفْص لا تنسنا في صالح دعائك»».تفسير : قلت: والصحيح الأوّل لتناوله جميع الأقوال. واختار ابن العربيّ ما ذكره في نزول الآية عن مالك وابن إسحاق، وأن ذلك مخصوص في الحرب. قال: والذي يبين ذلك أمران: أحدهما: قوله في الآية الأخرى: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً}. وذلك أن المنافقين كانوا يتلوّذون ويخرجون عن الجماعة ويتركون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله جميعهم بألا يخرج أحد منهم حتى يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وبذلك يتبيّن إيمانه. الثاني: قوله: {لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ} وأيّ إذن في الحدث والإمام يخطب، وليس للإمام خيار في منعه ولا إبقائه، وقد قال: {فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ}؛ فبيّن بذلك أنه مخصوص في الحرب. قلت: القول بالعموم أولى وأرفع وأحسن وأعلى. {فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم بالخيار إن شاء أن يأذَن وإن شاء منع. وقال قتادة: قوله: «فأذن لمن شئتَ منهم» منسوخة بقوله: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 43]. {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ} أي لخروجهم عن الجماعة إن علمت لهم عذراً. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلمُؤْمِنُونَ} أي الكاملون في الإِيمان. {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } من صميم قلوبهم. {وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ } كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأمور، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة وقرىء «أمر جميع». {لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَئـذِنُوهُ} يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأذن لهم، واعتباره في كمال الإِيمان لأنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص فيه عن المنافق فإن ديدنه التسلل والفرار، ولتعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذنه ولذلك أعاده مؤكداً على أسلوب أبلغ فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَـذِنُونَكَ أُوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة وأن الذهاب بغير إذن ليس كذلك. {فَإِذَا ٱسْتَـئذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } ما يعرض لهم من المهام، وفيه أيضاً مبالغة وتضييق الأمر. {فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} تفويض للأمر إلى رأي الرسول صلى الله عليه وسلم، واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه ومن منع ذلك قيد المشيئة بأن تكون تابعة لعلمه بصدقه فكأن المعنى: فأْذن لمن علمت أن له عذراً. {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ } بعد الإِذن فإن الاستئذان ولو لعذر قصور لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين. {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لفرطات العباد. {رَّحِيمٌ } بالتيسير عليهم. {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً } لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضاً في جواز الإِعراض والمساهلة في الإِجابة والرجوع بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته عليه الصلاة والسلام واجبة والمراجعة بغير إذنه محرمة. وقيل لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضاً باسمه ورفع الصوت به والنداء من وراء الحجرات، ولكن بلقبه المعظم مثل يا نبي الله، ويا رسول الله مع التوقير والتواضع وخفض الصوت، أو لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض فلا تبالوا بسخطه فإن دعاءه موجب، أو لا تجعلوا دعاءه ربه كدعاء صغيركم كبيركم يجيبه مرة ويرده أخرى فإن دعاءه مستجاب. {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ } ينسلون قليلاً قليلاً من الجماعة ونظير تسلل تدرج وتدخل. {لِوَاذاً } يستتر بعضكم ببعض حتى يخرج، أو يلوذ بمن يؤذن له فينطلق معه كأنه تابعه وانتصابه على الحال وقرىء بالفتح. {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } يخالفون أمره بترك مقتضاه ويذهبون سمتاً خلاف سمته، و {عَنْ } لتضمنه معنى الإِعراض أو يصدون عن أمره دون المؤمنين من خالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه، وحذف المفعول لأن المقصود بيان المخالف والمخالف عنه والضمير لله تعالى، فإن الأمر له في الحقيقة أو للرسول فإنه المقصود بالذكر. {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } محنة في الدنيا. {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة واستدل به على أن الأمر للوجوب فإنه يدل على أن ترك مقتضى الأمر مقتض لأحد العذابين، فإن الأمر بالحذر عنه يدل على خشية المشروط بقيام المقتضي له وذلك يستلزم الوجوب. {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ} أيها المكلفون من المخالفة والموافقة والنفاق والإِخلاص، وإنما أكد علمه بـ {قَدْ } لتأكيد الوعيد. {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} يوم يرجع المنافقون إليه للجزاء، ويجوز أن يكون الخطاب أيضاً مخصوصاً بهم على طريق الإِلتفات، وقرأ يعقوب بفتح الياء وكسر الجيم. {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ} من سوء الأعمال بالتوبيخ والمجازاة عليه. {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لا يخفى عليه خافية. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي».

ابن كثير

تفسير : وهذا أيضاً أدب أرشد الله عباده المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف، لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه؛ من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة، أو اجتماع في مشورة ونحو ذلك، أمرهم الله تعالى أن لا يتفرقوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته، وإن من يفعل ذلك فإنه من المؤمنين الكاملين، ثم أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء، ولهذا قال: {فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ} الآية. وقد قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: حدثنا بشر، هو ابن المفضل، عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا انتهى أحدكم إلى المجلس، فليسلم، فإذا أراد أن يقوم، فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة» تفسير : وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عجلان به. وقال الترمذي: حديث حسن.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ } أي الرسول {عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ } كخطبة الجمعة {لَّمْ يَذْهَبُواْ } لعروض عذر لهم {حَتَّىٰ يَسْتَئْذِنُوهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا ٱسْتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } أمرهم {فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } بالانصراف {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.

الشوكاني

تفسير : جملة: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ } مستأنفة مسوقة لتقدير ما تقدّمها من الأحكام، و {إِنَّمَا } من صيغ الحصر. والمعنى: لا يتم إيمان ولا يكمل حتى يكون {بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }، وجملة: {وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ } معطوفة على آمنوا داخلة معه في حيز الصلة أي: إذا كانوا مع رسول الله على أمر جامع، أي على أمر طاعة يجتمعون عليها، نحو الجمعة والنحر والفطر والجهاد وأشباه ذلك، وسمي الأمر جامعاً مبالغة {لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ} قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر، لم يخرج حتى يقوم بحيال النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن، فيأذن لمن يشاء منهم. قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة: أن يشير بيده. قال الزجاج: أعلم الله أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيه فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه، وكذلك ينبغي أن يكونوا مع الإمام لا يخالفونه، ولا يرجعون عنه في جمع من جموعهم إلاّ بإذنه، وللإمام أن يأذن، وله أن لا يأذن على ما يرى لقوله تعالى: {فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ }، وقرأ اليماني: "على أمر جميع". والحاصل: أن الأمر الجامع، أو الجميع هو الذي يعمّ نفعه، أو ضرره، وهو الأمر الجليل الذي يحتاج إلى اجتماع أهل الرأي، والتجارب. قال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه، ولا يرجعون عنه إلاّ بإذنه. ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكََ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } فبيّن سبحانه أن المستأذنين هم: المؤمنون بالله ورسوله كما حكم أوّلاً بأن المؤمنين الكاملين الإيمان هم: الجامعون بين الإيمان بهما وبين الاستئذان {فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } أي: إذا استأذن المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض الأمور التي تهمهم، فإنه يأذن لمن شاء منهم، ويمنع من شاء على حسب ما تقتضيه المصلحة التي يراها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أرشده الله سبحانه إلى الاستغفار لهم، وفيه إشارة إلى أن الاستئذان إن كان لعذر مسوّغ، فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي كثير المغفرة والرحمة بالغ فيهما إلى الغاية التي ليس وراءها غاية. {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً } وهذه الجملة مستأنفة مقرّرة لما قبلها أي لا تجعلوا دعوته إياكم كالدعاء من بعضكم لبعض في التساهل في بعض الأحوال عن الإجابة، أو الرجوع بغير استئذان، أو رفع الصوت. وقال سعيد بن جبير ومجاهد المعنى: قولوا: يا رسول الله في رفق ولين، ولا تقولوا: يا محمد بتجهم. وقال قتادة: أمرهم أن يشرّفوه، ويفخموه. وقيل: المعنى: لا تتعرّضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه، فإن دعوته موجبة {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً } التسلل: الخروج في خفية، يقال: تسلل فلان من بين أصحابه: إذا خرج من بينهم، واللواذ من الملاوذة، وهو: أن تستتر بشيء مخافة من يراك، وأصله أن يلوذ هذا بذاك، وذاك بهذا، واللوذ ما يطيف بالجبل، وقيل: اللواذ: الزوغان من شيء إلى شيء في خفية. وانتصاب لواذاً على الحال أي: متلاوذين يلوذ بعضهم ببعض، وينضمّ إليه، وقيل: هو منتصب على المصدرية لفعل مضمر هو الحال في الحقيقة أي: يلوذون لواذاً. وقرأ زيد بن قطيب: "لواذاً" بفتح اللام. وفي الآية بيان ما كان يقع من المنافقين، فإنهم كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة متلاوذين ينضم بعضهم إلى بعض استتاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان يوم الجمعة أثقل يوم على المنافقين لما يرون من الاجتماع للصلاة، والخطبة، فكانوا يفرّون عن الحضور، ويتسللون في خفية، ويستتر بعضهم ببعض، وينضم إليه. وقيل: اللواذ: الفرار من الجهاد، وبه قال الحسن، ومنه قول حسان:شعر : وقريش تلوذ منكم لواذا لم تحافظ وخفّ منها الحلوم تفسير : {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي: يخالفون أمر النبي صلى الله عليه وسلم بترك العمل بمقتضاه، وعديّ فعل المخالفة بعن مع كونه متعدّياً بنفسه لتضمينه معنى الإعراض، أو الصدّ، وقيل: الضمير لله سبحانه لأنه الآمر بالحقيقة، و {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } مفعول يحذر، وفاعله الموصول. والمعنى: فليحذر المخالفون عن أمر الله، أو أمر رسوله، أو أمرهما جميعاً إصابة فتنة لهم {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي في الآخرة كما أن الفتنة التي حذرهم من إصابتها لهم هي في الدنيا، وكلمة «أو» لمنع الخلوّ. قال القرطبي: احتجّ الفقهاء على أن الأمر للوجوب بهذه الآية، ووجه ذلك أن الله سبحانه قد حذر من مخالفة أمره، وتوعد بالعقاب عليها بقوله: {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } الآية، فيجب امتثال أمره، وتحرم مخالفته، والفتنة هنا غير مقيدة بنوع من أنواع الفتن، وقيل: هي القتل، وقيل: الزلازل، وقيل: تسلط سلطان جائر عليهم، وقيل: الطبع على قلوبهم. قال أبو عبيدة، والأخفش: «عن» في هذا الموضع زائدة. وقال الخليل، وسيبويه: ليست بزائدة، بل هي بمعنى بعد، كقوله: {أية : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } تفسير : [الكهف: 50] أي: بعد أمر ربه، والأولى ما ذكرناه من التضمين. {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} من المخلوقات بأسرها، فهي ملكه {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } أيها العباد من الأحوال التي أنتم عليها، فيجازيكم بحسب ذلك، ويعلم ها هنا بمعنى علم {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } معطوف على ما أنتم عليه أي: يعلم ما أنتم عليه، ويعلم يوم يرجعون إليه، فيجازيكم فيه بما عملتم، وتعليق علمه سبحانه بيوم يرجعون لا بنفس رجعهم لزيادة تحقيق علمه، لأن العمل بوقت وقوع الشيء يستلزم العلم بوقوعه على أبلغ وجه {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ } أي يخبرهم بما عملوا من الأعمال التي من جملتها مخالفة الأمر، والظاهر من السياق: أن هذا الوعيد للمنافقين {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } لا يخفى عليه شيء من أعمالهم. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن المنذر والبيهقي في الدلائل، عن عروة، ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما أقبلت قريش عام الأحزاب نزلوا بمجمع الأسيال من رومة بئر بالمدينة، قائدها أبو سفيان، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بنقمى إلى جانب أحد، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فضرب الخندق على المدينة، وعمل فيه المسلمون، وأبطأ رجال من المنافقين، وجعلوا يورّون بالضعيف من العمل، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق لحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع، فأنزل الله في أولئك {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ } الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: هي في الجهاد والجمعة والعيدين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: {عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ } قال: من طاعة الله عامّ. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عنه في قوله: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء ٱلرَّسُولِ } الآية قال: يعني: كدعاء أحدكم إذا دعا أخاه باسمه، ولكن وقروه وقولوا له: يا رسول الله يا نبيّ الله. وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره، وأبو نعيم في الدلائل عنه أيضاً في الآية قال: لا تصيحوا به من بعيدٍ: يا أبا القاسم، ولكن كما قال الله في الحجرات: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ } تفسير : [الحجرات: 3]. وأخرج أبو داود في مراسيله، عن مقاتل، قال: كان لا يخرج أحد لرعاف، أو إحداث حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بإصبعه التي تلي الإبهام، فيأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بيده، وكان من المنافقين من يثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج. فأنزل الله: {ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً } الآية. وأخرج أبو عبيد في فضائله، والطبراني، قال السيوطي بسندٍ حسن، عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ هذه الآية في خاتمة سورة النور، وهو جاعل على أصبعيه تحت عينيه يقول: "حديث : بكل شيء بصير".

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {.... وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الأمر الجامع الجمعة والعيدان والاستسقاء وكل شيء يَكون فيه الخطبة، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه الجهاد، قاله زيد بن أسلم. الثالث: طاعة الله، قاله مجاهد. {لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَئْذِنُوهُ} أي لم ينصرفوا عنه حتى يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه. {فَإِذَا اسْتَئذَنُوكَ لبَعْضِ شَأْنِهِمْ....} الآية. وهذا بحسب ما يرى من أعذارهم ونياتهم وروي أن هذا نزل في عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مع النبي صلى الله عليهم وسلم في غزاة بتوك فاستأذنه في الرجوع إلى أهله فقال: "حديث : انْطَلِقْ فَوَاللَّهِ مَا أَنتَ بِمُنَافِقٍ وَلاَ مُرْتَابٍ" تفسير : وكان المنافقون إذا استأذنوا نظر إليهم ولم يأذن لهم فكان بعضهم يقول لبعض: محمدٌ يزعم أنه بُعِث بالعدل وهكذا يصنع بنا. {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} يعني لمن أذن له من المؤمنين ليزول عنه باستغفاره ملامة الانصراف قال قتادة: وهذه الآية ناسخة قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَدِنتَ لَهُم} الآية.

ابن عطية

تفسير : {إنما} في هذه الآية للحصر اقتضى المعنى لأنه لا يتم إيمان إلا بأن يؤمن المرء {بالله ورسوله} وبأن يكون من الرسول سامعاً غير معنت في أن يكون الرسول يريد إكمال أمر فيريد هو إفساده بزواله في وقت الجمع ونحو ذلك، و"الأمر الجامع" يراد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لإذاعة مصلحة، فأدب الإسلام اللازم في ذلك إذا كان الأمر حاضراً أن لا يذهب أحد لعذر إلا بإذنه، فإذا ذهب بإذن ارتفع عنه الظن السيىء، والإمام الذي يرتقب إذنه في هذه الآية هو إمام الإمرة، وقال مكحول والزهري الجمعة من "الأمر الجامع" وإمام الصلاة ينبغي أن يستأذن إذا قدمه إمام الإمرة، إذا كان يرى المستأذن، ومشى بعض الناس دهراً على استئذان إمام الصلاة وروي أن هرم بن حيان كان يخطب فقام رجل فوضع يده على أنفه وأشار إلى هرم بالاستئذان فأذن له فلما قضيت الصلاة كشف عن أمره أنه إنما ذهب لغير ضرورة. فقال هرم اللهم أخر رجال السوء لزمان السوء. قال الفقيه الإمام القاضي : وظاهر الآية إنما يقتضي أن يستأذن أمير الإمرة الذي هو في مقعد النبوة فإنه ربما كان له رأي في حبس ذلك الرجل لأمر من أمور الدين، فأما إمام الصلاة فقط فليس ذلك إليه لأنه وكيل على جزء من أجزاء الدين للذي هو في مقعد النبوة، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يأذن لمن عرف منه صحة العذر وهم الذين يشاء، وروي أن هذه الآية نزلت في وقت حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم خندق المدينة وذلك أن بعض المؤمنين كان يستأذن لضرورة، وكان المنافقون يذهبون دون استئذان فأخرج الله تعالى الذين لا يستأذنون عن صنيفة المؤمنين وأمر النبي عليه السلام أن يأذن للمؤمن الذي لا تدعوه ضرورة إلى حبسه وهو الذي يشاء ثم أمره بالاستغفار لصنفي المؤمنين من أذن له ومن لم يؤذن له وفي ذلك تأنيس للمؤمنين ورأفة بهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَمْرٍ جَامِعٍ} الجهاد، أو طاعة الله، أو الجمعة، أو الاستسقاء والعيدان وكل شيء تكون فيه الخطبة {لِّمَن شِئْتَ} على حسب ما ترى من أعذارهم ونياتهم. قيل نزلت في عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أن يرجع إلى أهله، فأذن له وكان المنافقون إذا استأذنوه نظر إليهم ولم يأذن، فيقول بعضهم لبعض إن محمداً يزعم أنه بُعث بالعدل وهكذا يصنع بنا {وَاسْتَغْفِرْ} لمن أذنت له لتزول عنه مذمة الانصراف.

النسفي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ } أي الذي يجمع له الناس نحو الجهاد والتدبير في الحرب وكل اجتماع في الله حتى الجمعة والعيدين {لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَـذِنُوهُ } أي ويأذن لهم. ولما أراد الله عز وجل أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذنه إذا كانوا معه على أمر جامع، جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره. وذلك مع تصدير الجملة بـــــ {إنما} وإيقاعٍ المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم عقبه بما يزيده توكيداً وتشديداً حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَـذِنُونَكَ أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } وضمنه شيئاً آخر وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين وعرض بحال المنافقين وتسللهم لوإذاً {فَإِذَا ٱسْتَـذَنُوكَ } في الانصراف {لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } أمرهم {فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } فيه رفع شأنه عليه الصلاة والسلام {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وذكر الاستغفار للمستأذنين دليل على أن الأفضل أن لا يستأذن. قالوا: وينبغي أن يكون الناس كذلك مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم يظاهرونهم ولا يتفرقون عنهم إلا بإذن، قيل: نزلت يوم الخندق كان المنافقون يرجعون إلى منازلهم من غير استئذان {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً } أي إذا احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تفرقوا عنه إلا بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضاً، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي أو لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمي بعضكم بعضاً ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه، فلا تقولوا يا محمد ولكن يا نبي الله يا رسول الله مع التوقير والتعظيم والصوت المخفوض. {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ } يخرجون قليلاً قليلاً {مِنكُمْ لِوَاذاً } حال أي ملاوذين اللواذ. والملاوذة هو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا أي ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } أي الذين يصدون عن أمره دون المؤمنين وهم المنافقون. يقال: خالفه إلى الأمر إذا ذهب إليه دونه ومنه: {أية : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ} تفسير : [هود: 88] وخالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه. والضمير في {أمره} لله سبحانه أو للرسول عليه الصلاة والسلام والمعنى عن طاعته ودينه ومفعول {يحذر} {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } محنة في الدنيا أو قتل أو زلازل وأهوال أو تسليط سلطان جائر أو قسوة القلب عن معرفة الرب أو إسباغ النعم استدراجاً {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة. والآية تدل على أن الأمر للإيجاب.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه} أي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {على أمر جامع} أي يجمعهم من حرب أو صلاة حضرت، أو جمعة أو عيد أو جماعة أو تشاور في أمر نزل {لم يذهبوا} أي لم يتفرقوا عنه ولم ينصرفوا عما اجتمعوا له {حتى يستأذنوه} قال المفسرون "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث يراه فيعرف أنه إنما قام ليستأذن فيأذن لمن شاء منهم" تفسير : قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده قال أهل العلم وكذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام يخالفونه، ولا يرجعون عنه إلا بإذن وإذا استأذن الإمام إن شاء أذن له وإن شاء لم يأذن وهذا إذا لم يكن حدث سبب يمنعه من المقام فإن حدث سبب يمنعه من المقام، بأن يكون في المسجد فتحيض امرأة منهم أو يجنب رجل أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان {إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم} أي أمرهم {فأذن لمن شئت منهم} أي في الانصراف والمعنى إن شئت فأذن وإن شئت فلا تأذن {واستغفر لهم الله} أي إن رأيت لهم عذراً في الخروج عن الجماعة {إن الله غفور رحيم} قوله عز وجل {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يقول احذروا دعاء الرسول إذا اسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره وقيل معناه لا تدعوه باسمه، كما يدعو بعضكم بعضاً يا محمد يا عبدالله، ولكن فخموه وعظموه وشرفوه وقولوا يا نبيّ الله يا رسول الله في لين وتواضع {قد يعلم الله الذين يتسللون} أي يخرجون {منكم لواذاً} أي يستتر بعضهم ببعض ويروغ في خفية فيذهب قيل كانوا في حفر الخندق فكان المنافقون ينصرفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفين وقال ابن عباس لواذاً أي يلوذ بعضهم ببعض، وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة واستماع خطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم فكانوا يلوذون ببعض أصحابه، فيخرجون من المسجد في استتار وقوله قد يعلم فيه التهديد بالمجازاة {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} أي يعرضون عن أمره وينصرفون عنه بغير إذن {أن تصيبهم فتنة} أي لئلا تصيبهم فتنة أي بلاء في الدنيا {أو يصيبهم عذاب أليم} أي وجيع في الآخرة، ثم عظم الله نفسه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...} الآية: إنَّما هنا: للحصر والأمر الجامع يُرَادُ به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لمصلحة، فالأدب اللازم في ذلك أَلاَّ يذهبَ أَحد لعذرٍ إلا بإذنه، والإمام الذي يُتَرَقَّبُ إذنه هو إمام الإمارة، وروي: أنَّ هذه الآية نزلت في وقت حَفْرِ النبي صلى الله عليه وسلم خندقَ المدينة، فكان المؤمنون يستأذنون، والمنافقون يذهبون دون إذن، ثم أمر تعالى نَبِيَّهُ عليه السلام بالاستغفار لصنفي المؤمنين: مَنْ أَذِنَ له، ومَنْ لم يُؤْذن له. وفي ذلك تأنيس للمؤمنين ورأفة بهم. وقوله تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} أي: لا تخاطبوه كمخاطبة بعضكم لبعض، وأمرهم تعالى في هذه الآية وفي غيرها أنْ يدعوا رسول الله بأشرف أسمائه؛ وذلك هو مُقْتَضَى التوقير، فالأدب في الدعاء أنْ يقول: يا رسولَ اللّه، ويكون ذلك بتوقير وبِرٍّ، وخفض صوت، قاله محاهد، واللواذ: الرَّوْغَانُ، ثم أمرهم تعالى بالحذر من عذاب اللّه ونِقْمَتِهِ إذا خالفوا أمره ومعنى {يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي: يقع خلافهم بعد أمره، ثم أخبر تعالى أَنَّهُ قد علم ما أهلُ الأرض والسماء عليه، وباقي الآية بَيِّنٌ، والحمد للَّه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ} أي: مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ} يجمعهم من حرب حضرت، أو صلاة جمعة، أو عيد، أو جماعة، أو تشاور في أمر نزل. فقوله "أَمْرٍ جَامِع" من الإسناد المجازي (لأنه لما كان سبباً في جمعهم نسب الفعل) إليه مجازاً. وقرأ اليماني: "عَلَى أَمْرٍ جَميعٍ" فيحتمل أن يكون صيغة مبالغة بمعنى "مُجمع" وألا يكون. والجملة الشرطية من قوله: "وَإِذَا كَانُوا" وجوابها عطف على الصلة من قوله: "آمَنُوا". والأمر الجامع: هو الذي يعم ضرره أو نفعه، والمراد به: الخطب الجليل الذي لا بُدَّ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أرباب التجارب (والآراء) ليستعين بتجاربهم، فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يَشُق على قلبه. فصل قال الكلبي: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُعَرِّضُ في خطبته بالمنافقين ويعيبهم، فينظر المنافقون يميناً وشمالاً، فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفاً، فنزلت الآية، فكان المؤمن بعد نزول هذه الآية لا يخرج لحاجته حتى يستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان المنافقون يخرجون بغير إذن. فصل قال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلاّ بإذن، وهذا إذا لم يكن سبب يمنعه من المقام، (فإن حدث سبب يمنعه من المقام) بأن يكونوا في المسجد فتحيض منهم امرأة، أو يجنب رجل، أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان. فصل قال الجبائي: دلَّت الآية على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم، ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان. والجواب: هذا بناء على أن كلمة "إنما" للحصر، وأيضاً فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان استخفافاً، وذلك كفر. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ} تعظيماً لك ورعاية للأدب {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه. قال الضحاك ومقاتل: المراد: عمر بن الخطاب، وذلك أنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله، فأذن له، وقال: "انطلق، فوالله ما أنت بمنافق" يريد أن يُسْمِع المنافقين ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم، وإذا استأذناه أبى، فوالله ما نراه يعدل. قال ابن عباس: "حديث : إن عمر استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العمرة، فأذن له، ثم قال: "يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك ". تفسير : قوله: "لِبَعْض شَأْنِهِمْ" تعليل، أي: لأجل بعض حاجتهم. وأظهر العامةُ الضادَ عند الشين. وأدغمها أبو عمرو فيها، لما بينهما من التقارب، لأن الضاد من أقصَى حافة اللسان والشين من وسطه. وقد استضعف جماعة من النحويين هذه الرواية واستبعدوها عن أبي عمرو - رأس الصناعة - من حيث إن الضادَ أقوى من الشين، ولا يدغم الأقوى في الأضعف وأساء الزمخشري على راويها السوسيّ. وقد أجاب الناس عنه، فقيل: وجه الإدغام أن الشين أشد استطالة من الضاد، وفيها تَفَشِّي ليس في الضاد، فقد صارت الضاد أَنْقَصَ منها، وإدغام الأنقص في الأزْيَدِ جائز، قال: ويُؤَيِّد هذا أن سيبويه حكى عن بعض العرب "اطَّجَع" في "اضْطَجع"، وإذا جاز إدغامها في الطاء فإدغامها في الشين أولى. والخصم لا يسلم جميع ما ذكر، ومستند المنع واضح. فصل {فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} أمرهم {فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} بالانصراف، أي: إن شئت فأذن وإن شئت فلا تأذن، {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ} وهذا تنبيه على أن الأولى ألا يستأذنوا وإن أذن، لأن الاستغفار يكون عن ذنب. ويحتمل أن يكون أمره بالاستغفار لهم مقابلة على تمسكهم بإذن الله تعالى في الاستئذان. فصل قال مجاهد: قوله: فأذن لمن شئت منهم نسخت هذه الآية. وقال قتادة: نسخت هذه الآية بقوله: {أية : لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 43]. والآية تدل على أنه تعالى فوض إلى رسول الله بعض أمر الدين ليجتهد فيه رأيه. قوله: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً}. قال سعيد بن جبير وجماعة كثيرة: لا تنادونه باسمه فتقولون: يا محمد، ولا بكنيته فتقولون: يا أبا القاسم، بل نادوه وخاطبوه بالتوقير: يا رسول الله، يا نبي الله. وعلى هذا يكون المصدر مضافاً لمفعوله. وقال المبرد والقفال: لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم لبعض فتتباطؤون كما يتباطأ بعضكم عن بعض إذا دعاه لأمر، بل يجب عليكم المبادرة لأمره، ويؤيده قوله: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ}. وعلى هذا يكون المصدر مضافاً للفاعل. وقال ابن عباس: "احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه، فإن دعاءه موجب لنزول البلاء بكم ليس كدعاء غيره". وروي عنه أيضاً: "لا ترفعوا أصواتكم في دعائه". وهو المراد من قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحجرات: 3] وقول المبرد أقرب إلى نظم الآية. وقرأ الحسن: "نبيكم" بتقديم النون على الباء المكسورة، بعدها ياء مشددة مخفوضة مكان "بينكم" الظرف في قراءة العامة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من الرسول. الثاني: أنه عطف بيان له، لأَنَّ النبيَّ بإضافته إلى المخاطبين صار أشهر من الرسول. الثالث: أنه نعتٌ. لا يقال: إنه لا يجوز لأن هذا كما قَرَّرتم أعرف، والنعت لا يكون أعرف من المنعوت بل إمَّا أقلُّ أو مساوٍ، لأنَّ الرَّسول صار علماً بالغلبة على محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد تساويا تعريفاً. قوله: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ}. "قد" تدل على التقليل مع المضارع إلاّ في أفعال الله فتدل على التحقيق كهذه الآية. وقد ردَّها بعضهم إلى التقليل، لكن إلى متعلَّق العلم، يعني: أن الفاعلين لذلك قليل، فالتقليل ليس في العلم بل في متعلِّقه. قوله: لِوَاذاً فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على المصدر من معنى الفعل الأول، إذ التقدير: يتسلّلون منكم تَسَلُّلاً، أو يُلاَذُون لواذاً. والثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: مُلاَوِذين. واللِّواذُ: مصدر لاَوذَ، وإنما صحَّت الواو وإن انكسر ما قبلها ولم تُقلب ياءً كما قُلبَتْ في "قِيَام" و"صِيَام"، لأنه صحَّت في الفعل نحو "لاَوَذَ"، فلو أُعِلَّتْ في الفعل أُعِلَّتْ في المصدر نحو "القيام" و"الصِّيَام" لقلبها ألفاً في "قام" و"صام". وأما مصدر: "لاَذَ بكذا يَلُوذُ به" فمعتل نحو: "لاَذَ لِيَاذاً" مثل: "صَامَ صِياماً، وقام قِياماً". واللِّوَاذُ والمُلاَوَذَةُ: التَّستُّر، يقال: لاَوَذَ فلانٌ بكذا: إذا استتر بِهِ. واللَّوذُ: ما يُطيفُ بالجبل. وقيل: اللِّوَاذُ: الرَوَغَان من شيءٍ إلى شيءٍ في خفيةٍ، ووجه المفاعلة أَنَّ كُلاًّ منهم يلُوذُ بصاحبه، فالمشاركة موجودة. وقرأ يزيد بن قطيب: "لَوَاذاً" بفتح اللام، وهي محتملة لوجهين: أحدهما: أن يكون مصدر "لاذ" ثلاثياً، فيكون مثل "طاف طوافاً". والثاني: أن يكون مصدر "لاَوَذَ" إلاّ أنه فتحت الفاء إتباعاً لفتحة العين. وهو تعليل ضعيف يصلح لمثل هذه القراءة. فصل المعنى: قال المفسرون: إن المنافقين كانوا يخرجون متسترين بالناس من غير استئذان حتى لا يروا. قال ابن عباس: كان المنافقون يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة واستماع خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد في استتار وقال مجاهد: يتسللون من الصف في القتال. وقيل: كان هذا في حفر الخندق ينصرفون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مختفين. وقيل: يعرضون عن الله وعن كتابه وعن ذكره وعن نبيه. قوله: "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ" فيه وجهان: أشهرهما، وهو الذي لا يعرف النحاة غيره: أن الموصول هو الفاعل و"أن تصيبهم" مفعوله، أي: فليحذر المخالفون عن أمره إصابتهم فتنة. والثاني: أن فاعل "فَلْيَحْذَر" ضمير مستتر، والموصول مفعول به. وردَّ هذا بوجوهٍ: منها: أن الإضمار خلاف الأصل. وفيه نظر، لأنَّ هذا الإضمار في قوة المنطوق به، فلا يقال: هو خلاف الأصل، ألا ترى أن نحو: "قُمْ" و"ليقُمْ" فاعله مضمر، ولا يقال في شيء منه هو خلاف الأصل، وإنما الإضمار خلاف الأصل فيما كان حذفاً نحو: {أية : وَاسْأَلِ القَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]. ومنها: أنَّ هذا الضمير لا مرجع له، أي: ليس له شيء يعود عليه، فبطل أن يكون الفاعل ضميراً مستتراً. وأجيب بأن الذي يعود عليه الضمير هو الموصولُ الأول، أي: فَلْيَحْذَر المُتَسَلِّلُونَ المخالفين عن أمره، فيكونون قد أمروا بالحذر منهم، أي: أُمرُوا باجتنابهم، كما يُؤْمَرُ باجتناب الفُسَّاقِ. وردُّوا هذا بوجهين: أحدهما: أنَّ الضمير مفرد، والذي يعود عليه جمع، ففاتت المطابقةُ التي هي شرطٌ في تفسير الضمائر. الثاني: أن المُتَسلِّلينَ هم المُخالِفُون، فلو أمروا بالحذر عن الذين يخالفون لكانوا قد أُمِرُوا بالحذر عن أنفسهم، وهو لا يجوز، لأنه لا يمكن أن يُؤْمَرُوا بالحذر عن أنفسهم. ويمكن أن يُجاب عن الأول بأن الضمير وإن كان مفرداً فإنما عاد على جمع باعتبار أن المعنى: فليحذر هو، أي من ذكر قبل ذلك، وحكى سيبويه: "ضَرَبَني وضربت قومك" أي: ضَرَبَني من ثمَّ ومن ذكر، وهي مسألة معروفة في النحو. أو يكون التقدير: فَلْيَحْذَر كلُّ واحد من المتسللين. وعن الثاني: بأنه يجوز أن يُؤْمَر الإنسانُ بالحذر عن نفسه مجازاً، يعني: أنه لا يطاوعها على شهواتها، وما تُسوِّلُه له من السوء، وكأنه قيل: فليحذر المخالفون أنفسهم فلا يطيعوها فيما تأمرهم به، ولهذا يقال: أمَرَ نفسهُ ونَهَاهَا، وأَمرتهُ نفسهُ باعتبار المجاز. ومنها: أنه يصير قوله: {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مفلَّتاً ضائعاً، لأنَّ "يحذر" يتعدى لواحد، وقد أخذه على زعمكم، وهو الذين يخالفون ولا يتعدى إلى اثنين حتى يقولوا: إن {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} في محل مفعوله الثاني، فيبقى ضائعاً. وفيه نظرٌ، لأنَّا لا نُسلِّم ضياعهُ، لأنه مفعول من أجله. واعترض على هذا بأنه لا يستكمل شروط النصب لاختلاف الفاعل، لأن فاعل الحذر غير فاعل الإصابة. وهو ضعيفٌ، لأن حذف حرف الجر يطرد مع "أَنَّ" و"أَنْ" منقول مسلمٌ: شروط النصب غير موجودةٍ، وهو مجرور باللام تقديراً، وإنما حُذفت مع أَنْ لطولها بالصلة. و"يُخَالِفُونَ" يتعدى بنفسه نحو: خَالَفْتُ أَمْر زيدٍ، وبـ "إِلَى" نحو: خالفتُ إلى كذا، فكيف تعدَّى هذا بحرفِ المجاورة؟ وفيه أوجه: أحدها: أنه ضُمِّنَ معنى "صَدَّ" و"أَعْرَضَ" أي: صدَّ عن أمره، وأَعْرَضَ عنه مُخَالِفاً له. الثاني: قال ابن عطية: معناه: يقعُ خلافُهُمْ بعدَ أَمْرِه، كما تقول: كان المطر عَنْ ريح كذا، و"عن" لِمَا عدا الشي. الثالث: أنها مزيدة، أي: يخالفون أمره، وإليه نحا الأخفش وأبو عبيدة. والزيادة خلافُ الأصل. وقُرِئ: "يُخَلِّفُونَ" بالتشديد، ومفعوله محذوف، أي: يُخَلِّفُونَ أَنْفُسَهُمْ. فصل المعنى: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ} أي: يعرضون "عَنْ أَمْرِهِ"، أو يخالفون أمره وينصرفون عنه بغير إذنه {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي: لئلا تصيبهم فتنة. قال مجاهد: بلاء في الدنيا. {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وجيع في الآخرة. والضمير في "أمره" يرجع إلى "الرسول". وقال أبو بكر الرازي: الأظهر أنه لله تعالى لأنه يليه. فصل الآية تدل على أن الأمر للوجوب، لأن تارك المأمور مخالف للأمر، ومخالف الأمر يستحق العقاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك. قوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي: ملكاً وعبيداً، وهذا تنبيه على كمال قدرته تعالى عليهما، وعلى ما بينهما وفيهما. قوله: {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ}. قال الزمخشري: أدخل "قد" ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق، ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد، وذلك أن "قد" إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى "رُبَّما" فوافقت "ربما" في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قوله: شعر : 3858- فَإِنْ يُمْسي مَهْجُورَ الفَنَاءِ فَرُبَّمَا أقام به بَعْدَ الوُفُودِ وُفُودُ تفسير : ونحو من ذلك قول زهير: شعر : 3859- أَخِي ثِقَةٍ لاَ تُهْلِكُ الخَمْرُ مَالَهُ وَلكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نَائِلُه تفسير : قال أبو حيان: وكونُ "قَدْ" إذا دخلت على المضارع أفادت التكثير قولٌ لبعض النحاة، وليس بصحيح، وإنما التكثير مفهوم من السياق. والصحيح أن رُبَّ لتقليل الشيء أو لتقليل نظيره، وإن فُهِمَ تكثير فمن السياق لا منها. قوله: "وَيَوْمَ يُرجَعُونَ"، في "يَوْمَ" وجهان: أحدهما: أنه مفعول به لا ظرف، لعطفه على قوله: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ}، أي: يعلم الذي أنتم عليه من جميع أحوالكم، ويعلم يوم يرجعون، كقوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} تفسير : [لقمان: 34]. وقوله: {أية : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأعراف: 187]. والثاني: أنه ظرف لشيء محذوف. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون التقدير: والعلم الظاهر لكم أو نحو: هذا يومَ، فيكون النصب على الظرف. انتهى. وقرأ العامة "يُرْجَعُونَ" مبنياً للمفعول، وأبو عمرو في آخرين مبنيًّا للفاعل، وعلى كلتا القراءتين فيجوز وجهان: أحدهما: أن يكون في الكلام التفات من الخطاب في قوله: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} إلى الغيبة في قوله "يرجعون". والثاني: أنَّ {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} خطاب عام لكل أحد، والضمير في "يرجعون" للمنافقين خاصة، فلا التفات حينئذ. فصل المعنى: {يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} من الإيمان والنفاق و"قَدْ" صلة {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} يعني يوم البعث، {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ} من الخير والشر، {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ}. روي عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن الغَزْلَ وسورة النور ". تفسير : وروى الثعلبي عن أبي أُمامة عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن فيما مضى وفيما بقي ".

البقاعي

تفسير : ولما كان سبحانه قد نفى عنهم الإيمان بالتولي عن الأحكام، وتلاه بما رأيت أن تظمه أحسن نظام، حتى ختم بما أومأ إلى أن من عمي عن أحكامه بعد هذا البيان مسلوب العقل، وكرر في هذه السورة ذكر البيان، تكريراً أشار إلى لمعان المعاني بأمتن بنان حتى صارت مشخصات للعيان، وبين من حاز وصف الإيمان، بحسن الاستئذان، وكان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أجلّ موطن تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من الأوطان، فتصير الأرض برحبها ضيقة لأجله، محظوراً سلوكها مِن جرّاه، بمنزلة بيت الغير الذي لا يحل دخوله بغير إذن، قال معرفاً بذلك على طريق الحصر مقابلاً لسلب {أية : وما أولئك بالمؤمنين}تفسير : [المائدة: 43] مبيناً عظيم الجناية في الذهاب عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم المقتضي للجمع من غير إذن: {إنما المؤمنون} أي الكاملون الذين لهم الفلاح {الذين آمنوا بالله} أي الملك الأعلى {ورسوله} ظاهراً وباطناً. ولما كان الكلام في الراسخين، كان الموضع لأداة التحقيق فقال: {وإذا} أي وصدقوا إيمانهم بأنهم إذا {كانوا معه} أي الرسول صلى الله عليه السلام {على أمر جامع} أي لهم على الله، كالجهاد لأعداء الله، والتشاور في مهم، وصلاة الجمعة، ونحو ذلك {لم يذهبوا} عن ذلك الأمر خطوة إلى موضع من الأرض ولو أنه بيوتهم، لشيء من الأشياء ولو أنه أهم مهماتهم، لأنه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره {حتى يستأذنوه} فيأذن لهم، لأن المأمور به قد صار منزلهم ومأواهم ومتبوأهم، وصار كل ما سواه من الأماكن والأمور له عليه الصلاة والسلام دونهم، لا حظ لهم فيه، فلا يحل لهم أن يدخلوه حساً أو معنى إلا بإذنه، وهذا من عظيم النتبيه على عليّ أمره، وشريف قدره، وذلك أنه سبحانه كما أمرهم بالاستئذان عند الدخول عليه وعلى غيره، أفرده بأمرهم باستئذانه عند الانصراف عنه صلى الله عليه وسلم، وجعل رتبة ذلك تالية لرتبة الإيمان بالله والرسول، وجعلهما كالتسبيب له مع تصدير الجملة بأداة الحصر، وإيقاع المؤمنين في مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت وصلته بالرتب الثلاث شرحاً له. ولما نفى عن المؤمنين الذهاب إلى غاية الاستئذان، فأفهم أن المستأذن مؤمن، صرح بهذا المفهوم ليكون آكد، فقال تشديداً في الإخلال بالأدب بين يديه صلى الله عليه وسلم، وتأكيداً لحفظ حرمته والأدب معه لئلا يتشوش فكره في أسلوب آخر، وبياناً لأن الاستئذان مصداق الإيمان: {إن الذين يستأذنونك} أي يطلبون إذنك لهم إذا أرادوا الانصراف، في شيء من أمورهم التي يحتمل أن تمنع منها {أولئك} العالو الرتبة خاصة {الذين يؤمنون} أي يوجدون الإيمان في كل وقت {بالله} الذي له الأمر كله فلا كفوء له {ورسوله} وذلك ناظم لأشتات خصال الإيمان. ولما قصرهم على الاستئذان، تسبب عن ذلك إعلامه صلى الله عليه وسلم بما يفعل إذ ذاك فقال: {فإذا استأذنوك} أي هؤلاء الذين صحت دعواهم؛ وشدد عليهم تأكيداً لتعظيم الأدب معه صلى الله عليه وسلم بقوله: {لبعض شأنهم} وهو ما تشتد الحاجة إليه {فأذن لمن شئت منهم} قيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة فمن اراد أن يخرج لعذر قام بحياله فيعرف أنه يستأذن فيأذن لمن شاء، قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده، وقيل: كذلك ينبغي أن يكون الناي مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم لا يخذلونهم في نازلة من النوازل. ولما أثبت له بهذا التفويض من الشرف ما لا يبلغ وصفه، أفهمهم أن حال المستأذن قاصرة عن حال المفوض الملازم كيفما كانت، فقال: {واستغفر لهم الله} أي الذي له الغنى المطلق، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، أو يكون الكلام شاملاً لمن صحت دعواه وغيره؛ ثم علل ذلك ترغيباً في الاستغفار، وتطييباً لقلوب أهل الأوزار، بقوله: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {غفور} أي له هذا الوصف فهو جدير بأن يغفر لهم ما قصروا فيه {رحيم*} أي فكل ما أمرهم به فهو خير لهم وإن تراءى لهم خلافه. ولما أظهرت هذه السورة بعمومها، وهذه الآيات بخصوصها، من شرف الرسول ما بهر العقول، لأجل ما وقع للمنافق من التجرؤ على ذلك الجناب الأشم، والمنصب الأتم، وعلم منه أن له صلى الله عليه وسلم في كل أمره وجميع شأنه خصوصية ليست لغيره، صرح بذلك تفخيماً للشأن، وتعظيماً للمقام، ليتأدب من ناضل عن المنافق، أو توانى في أمره فقصر عن مدى أهل السوابق، فقال منبهاً على أن المصائب سبب لإظهار المناقب أو إشهار المعايب {لا تجعلوا} أي ايها الذين آمنوا {دعاء الرسول} أي لكم الذي يوقعه {بينكم} ولو على سبيل العموم، في وجوب الامتثال {كدعاء بعضكم بعضاً} فإن أمره عظيم، ومخالفته استحلالاً كفر، ولا تجعلوا أيضاً دعاءكم إياه كدعاء بعضكم لبعض بمجرد الاسم، بل تأدبوا معه بالتفخيم والتبجيل والتعظيم كما سن الله بنحو: يا ايها النبي، ويا أيها الرسول، مع إظهار الأدب في هيئة القول الفعل بخفض الصوت والتواضع. ولما كان بعضهم يظهر المؤالفة، ويبطن المخالفة، حذر من ذلك بشمول علمه وتمام قدرته، فقال معللاً مؤكداً محققاً معلماً بتجديد تعليق العلم الشهودي كلما جدد أحد خيانة لدوام اتصافه بإحاطة العلم من غير نظر إلى زمان: {قد يعلم الله} أي الحائز لجميع صفات المجد إن ظننتم أن ما تفعلونه من التستر يخفي أمركم على رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو سبحانه يعلم {الذين يتسللون} وعين أهل التوبيخ بقوله: {منكم} أي يتكلفون سلَّ أنفسهم ليجعلوا ذهابهم في غاية الخفاء {لواذاً} أي تسللاً مستخفين به بتستر بعضهم فيه ببعض؛ يقال: لاذ بالشيء لوذاً ولواذاً وملاوذة: استتر وتحصن، فهو مصدر لتسلل من غير لفظه، ولعله أدخل "قد" على المضارع ليزيد أهل التحقيق تحقيقاً، ويفتح لأهل الريب إلى الاحتمال طريقاً، فإنه يكفي في الخوف من النكال طروق الاحتمال؛ وسبب عن علمه قوله: {فليحذر} أي يوقع الحذر {الذين يخالفون} أي يوقعون مخالفته بالذهاب مجاوزين معرضين {عن أمره} أي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى خلافه {أن تصيبهم فتنة} أي شيء يخالطهم في الدنيا فيحل أمورهم إلى غير الحالة المحبوبة التي كاونوا عليها {أو يصيبهم عذاب أليم*} في الآخرة، وهذا يدل على أن الأمر للوجوب حتى يصرف عنه صارف، لترتيب العقاب على الإخلال به، لأن التحذير من العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب. ولما أقام سبحانه الأدلة على أنه نور السماوات والأرض بأنه لا قيام لشيء إلا به سبحانه، وختم بالتحذير لكل مخالف، أنتج ذلك أن له كل شيء فقال: {ألا إن لله} اي الذي له جميع المجد جميع {ما في السماوات} ولثبوت أنه سبحانه محيط العلم والقدرة، لم يقتض المقام التأكيد بإعادة الموصول فقال: {والأرض} أي من جوهر وعرض، وهما له أيضاً لأن الأرض في السماء، وكل سماء في التي فوقها حتى ينتهي ذلك إلى العرش الذي صرح في غير آية أنه صاحبه، وهو سماء أيضاً لعلوه عما دونه، فكل ما فيه له، وذلك أبلغ - لدلالته بطريق المجاز - مما لو صرح به، فدل ذلك - بعد الدلالة على وجوده - على وحدانيته، وكمال علمه وقدرته. ولما كانت أحوالهم من جملة ما له، كان من المعلوم أنها لم تقم في أصلها ولا بقاء لها إلا بعلمه ولأنها بخلقه، فلذلك قال محققاً مؤكداً مرهباً: {قد يعلم ما أنتم} أيها الناس كلكم {عليه} أي الآن، والمراد بالمضارع هنا وجود الوصف من غير نظر إلى زمان، ولو عبر بالماضي لتوهم الاختصاص به، والكلام في إدخال "قد" عليه كما مضى آنفاً باعتبار أولي النفوذ في البصر، وأهل الكلال والكدر {ويوم} أي ويعلم ما هم عليه يوم {يرجعون} أي بقهر قاهر لهم على ذلك، لا يقدرون له على دفاع، ولا نوع امتناع {إليه} وكان الأصل: ما أنتم عليه، ولكنه أعرض عنهم تهويلاً للأمر، أو يكون ذلك خاصاً بالمتولين المعرضين إشارة إلى أنهم يناقشون الحساب، ويكون سر الالتفاف التنبيه على الإعراض عن المكذب بالقيامة، والإقبال على المصدق، صوناً لنفيس الكلام، عن الجفاة الأغبياء اللئام {فينبئهم} أي فيتسبب عن ذلك أنه يخبرهم تخبيراً عظيماً {بما عملوا} فليعدوا لكل شيء منه جواباً {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {بكل شيء} من ذلك وغيره {عليم*} فلذلك أنزل الآيات البينات، وكان نور الأرض والسماوات، فقد رد الختام على المبدأ، والتحم الآخر بالأول والاثنا - والله الهادي.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة ومحمد بن كعب القرظي قالا‏:‏ لما أقبلت قريش عام الأحزاب، نزلوا بمجمع الأسيال من بئر رومة بالمدينة قائدها أبو سفيان، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بتغمين إلى جانب أحد، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، وضرب الخندق على المدينة وعمل فيه، وعمل المسلمون فيه، وابطأ رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا اذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها، يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق لحاجته، فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع، فأنزل الله في أولئك المؤمنين ‏ {‏إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ إلى قوله {أية : ‏والله بكل شيء عليم‏}تفسير : ‏ ‏[‏النور: 64‏]‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه‏} ‏ قال‏:‏ ذلك في الغزو، والجمعة، وإذن الإِمام يوم الجمعة‏:‏ أن يشير بيده‏. وأخرج الفريابي عن مكحول في قوله ‏{‏وإذا كانوا معه على أمر جامع‏} ‏ قال‏:‏ إذا جمعهم لأمر حزبهم من الحرب ونحوه لم يذهبوا حتى يستأذنوه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال‏:‏ هي في الجهاد، والجمعة، والعيدين‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏على أمر جامع‏} ‏ قال‏:‏ من طاعة الله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن سيرين قال‏:‏ كان الناس يستأذنون في الجمعة ويقولون‏:‏ هكذا ويشيرون بثلاث أصابع‏.‏ فلما كان زياد كثر عليه فاغتم فقال‏:‏ من أمسك على أذنه فهو أذنه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مكحول في الآية قال‏:‏ يعمل بها الآن في الجمعة والزحف‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن إسمعيل بن عياش قال‏:‏ رأيت عمرو بن قيس السكوني يخطب الناس يوم الجمعة، فقام إليه أبو المدلَّهْ اليحصبي في شيء وجده في بطنه، فأشار إليه عمرو بيده أي انصرف، فسألت عمراً وأبا المدلَّهْ فقال‏:‏ هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعون‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله ‏{‏لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا‏ً}‏ قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ يا محمد‏.‏ يا أبا القاسم‏.‏ فنهاهم الله عن ذلك اعظاماً لنبيه صلى الله عليه وسلم فقالوا‏: يا نبي الله يا رسول الله‏. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله ‏{‏لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا‏ً}‏ يعني كدعاء أحدكم إذا دعا أخاه باسمه، ولكن وقروه، وعظموه، وقولوا له‏:‏ يا رسول الله‏.‏ ويا نبي الله‏.‏ وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره وأبو نعيم في تفسيره عن ابن عباس في قوله {‏لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا‏ً}‏ يريد ولا تصيحوا به من بعيد‏:‏ يا أبا القاسم‏.‏ ولكن كما قال الله في الحجرات ‏{أية : إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله‏}‏ ‏تفسير : [‏الحجرات: 3‏]‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال‏:‏ أمرهم الله أن يدعوه‏:‏ يا رسول الله‏.‏ في لين وتواضع ولا يقولوا‏:‏ يا محمد‏.‏ في تجهم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال‏:‏ أمر الله أن يهاب نبيه، وأن يُبَجَّلَ، وأن يعظم، وأن يفخم، ويشرف‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال‏:‏ لا تقولوا يا محمد‏.‏ ولكن قولوا يا رسول الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير والحسن‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم‏}‏ يقول‏:‏ دعوة الرسول عليكم موجبة، فاحذروها‏. وأخرج سعيد بن منصور عن الشعبي في الآية قال‏:‏ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم على بعض‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله ‏{‏قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً‏}‏ قال‏:‏ هم المنافقون‏.‏ كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة - ويعني بالحديث الخطبة - فيلوذون ببعض الصحابة حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة بعدما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بأصبعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل، لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي يخطب بطلت جمعته‏. وأخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل قال‏:‏ كان لا يخرج أحد لرعاف، أو أحداث، حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بأصبعه التي تلي الابهام، فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بيده، وكان من المنافقين من يثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج، فأنزل الله {‏قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا‏ً} قال‏:‏ يتسللون عن نبي الله، وعن كتابه، وعن ذكره‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏لواذا‏ً} ‏ قال‏:‏ خلافا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سفيان ‏ {‏قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً‏} ‏ قال‏:‏ يتسللون من الصف في القتال ‏ {‏فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة‏}‏ قال‏:‏ أن يطبع على قلوبهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن صالح قال‏:‏ إني لخائف على من ترك المسح على الخفين أن يكون داخلاً في هذه الآية ‏{‏فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن يحيى بن أبي كثير قال‏:‏ حديث : نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقاتلوا ناحية من خيبر، فانصرف الرجال عنهم وبقي رجل، فقاتلهم، فرموه، فقتلوه، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أبعد ما نهينا عن القتال‏‏؟ فقالوا‏:‏ نعم‏.‏ فتركه ولم يصل عليه‏ . تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال‏:‏ حديث : أشد حديث سمعناه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله في سعد بن معاذ في أمر القبر‏.‏ ولما كانت غزوة تبوك قال "لا يخرج معنا إلا رجل مُقْوٍ" فخرج رجل على بكر له صعب، فصرعه، فمات فقال الناس‏:‏ الشهيد الشهيد‏.‏ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً أن ينادي في الناس "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يدخل الجنة عاص‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن زيد بن أسلم حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم وهو مستقبل العدو‏:‏ لا يقاتل أحد منكم، فعمد رجل منهم ورمى العدو وقاتلهم، فقتلوه، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم استشهد فلان فقال‏: أبعد ما نهيت عن القتال‏؟ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال "لا يدخل الجنة عاص" ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله ‏{أية : ‏لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله}‏‏تفسير : [التوبة:44]‏ قال‏:‏ كان لا يستأذنه إذا غزا إلا المنافقون‏.‏ فكان لا يحل لأحد أن يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يتخلف بعده إذا غزا، ولا تنطلق سرية إلا باذنه، ولم يجعل الله للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لأحد حتى نزلت الآية {‏إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع‏} ‏ يقول‏:‏ أمر طاعة {‏لم يذهبوا حتى يستأذنوه‏} فجعل الاذن إليه يأذن لمن يشاء‏.‏ فكان إذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس لأمر يأمرهم وينهاهم صبر المؤمنون في مجالسهم، وأحبوا ما أحدث لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه، وبما أحبوا وكرهوا، فإذا كان شيء مما يكره المنافقون، خرجوا يتسللون يلوذ الرجل بالرجل يستتر لكي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال الله تعالى‏:‏ إن الله تعالى يبصر الذين يتسللون منكم لواذا‏ً.‏

ابو السعود

تفسير : {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} استئنافٌ جيء به في أواخر الأحكام السَّابقةِ تقريراً لها وتأكيداً لوجوب مراعاتِها وتكميلاً لها ببـيانِ بعضٍ آخرَ من جنسها وإنَّما ذكر الإيمان بالله ورسوله في حيِّز الصِّلةِ للموصولِ الواقع خبراً للمبتدأ مع تضمُّنِه له قطعاً تغيراً لما قبله وتمهيداً لما بعده وإيذاناً بأنه حفيفٌ بأن يجعل قريناً للإيمان بهما مُنتظماً في سلكه فقوله تعالى: {وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ} معطوفٌ على آمنُوا داخلٌ معه في حيِّز الصِّلةِ أي إنَّما الكاملون في الإيمانِ الذين آمنُوا بالله ورسولِه عن صميم قلوبهم وأطاعوهُما في جميع الأحكامِ التي من جُملتها ما فُصِّل من قبل من الأحكامِ المتعلِّقةِ بعامة أحوالِهم المطَّردة في الوقوع وأحوالِهم الواقعة بحسب الاتِّفاقِ كما إذا كانُوا معه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على أمر مهمَ يجب اجتماعُهم في شأنه كالجمعةِ والأعيادِ والحروبِ وغيرِها من الأمور الدَّاعيةِ إلى اجتماع أولي الآراءِ والتَّجارِب، ووصف الأمر بالجمعِ للمبالغة وقُرىء أمرٍ جميعٍ {لَّمْ يَذْهَبُواْ} أي من المجمعِ مع كون ذلك الأمرِ مما لا يوجبُ حضورَهم لا محالةَ كما عند إقامة الجمعةِ ولقاء العدوِّ بل يسوِّغ التَّخلفَ عنه {حَتَّىٰ يَسْتَـئذِنُوهُ} عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في الذهابِ لا على أنَّ نفسَ الاستئذانِ غايةٌ لعدم الذَّهاب بل الغاية هي الإذنُ المنوط برأيِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، والاقتصار على ذكرِه لأنَّه الذي يتمُّ من قبلهم وهو المعتبرُ في كمال الإيمانِ لا الإذنُ ولا الذهابُ المترتِّبُ عليه، واعتبارُه في ذلك لِما أنَّه كالمصداقِ لصحَّتِه والمميِّز للمخلصِ فيه عن المنافق فإنَّ ديدنه التَّسللُ للفرار ولتعظيم ما في الذهابِ بغير إذنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من الجنايةِ وللتَّنبـيهِ على ذلك عقب بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَئْـذِنُونَكَ أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} فقَضَى بأنَّ المستأذنينَ هم المؤمنون بالله ورسولِه كما حكم في الأول بأنَّ الكاملينَ في الإيمان هم الجامعونَ بـين الإيمانِ بهما وبـين الاستئذانِ وفي أولئك من تفخيم شأنِ المستأذنينَ ما لا يخفى {فَإِذَا ٱسْتَـئْذَنُوكَ} بـيانٌ لما هو وظيفتُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في هذا البابِ إثرَ بـيانِ ما هو وظيفةُ المؤمنينَ وأن الإذن عند الاستئذانِ ليس بأمرٍ محتومٍ بل هو مفوَّض إلى رأيِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي بعد ما تحقَّق أنَّ الكاملين في الإيمان هم المستأذنُون فإذا استأذنوك {لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} أي لبعضِ أمرِهم المهم وخَطبهم المُلِّمِ {فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} لما علمتَ في ذلك من حكمةٍ ومصلحةٍ {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ} فإنَّ الاستئذانَ وإنْ كان لعذرٍ قويَ لا يخلُو عن شائبةِ تقديمِ أمرِ الدُّنيا على أمرِ الآخرةِ {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} مبالغ في مغفرةِ فرطاتِ العبادِ {رَّحِيمٌ} مبالغ في إفاضةِ آثار الرَّحمةِ عليهم. والجملةُ تعليلٌ للمغفرة الموعودةِ في ضمن الأمرِ بالاستغفار لهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الآية: 62]. سمعت عبد الله الرازى يقول: قال قوم من أصحاب أبى عثمان أوصنا قال: عليكم بالاجتماع على الدين. وإياكم ومخالفة الأكابر والدخول فى شىء من الطاعات إلا بإذنهم ومشورتهم وواسوا المحتاجين بما أمكنكم فأرجو أن لا يضيع لكم بيعًا.

القشيري

تفسير : شرطُ الاتباع موافقةُ المتبوعِ، وألا يتفرقوا فيصيروا أحزاباً كما قال: {أية : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}تفسير : [الحشر: 14] و "حديث : العلماءُ وَرَثَةُ الأنبياءِ"تفسير : . والمريدون لشيوخهم كالأُمَّةِ لنبيِّهم؛ فَشَرْطُ المريدِ ألا يَتَنَفَّسَ بِنَفَسٍ إلا بإذن شيخه، ومَنْ خَالَفَ شيخَه في نَفَسٍ - سِرَّاً أو جَهْراً - فإنه يرى غِبَّه سريعاً في غير ما يُحبُّه. ومخالفةُ الشيوخ فيما يستسرونه عنهم أشدُّ مِمَّا يظهر بالجهر بكثير لأن هذا يلتحق بالخيانة. ومَنْ خَالَفَ شيخَه لا يُشمُّ رائحةَ الصِّدقِ، فإن بَدَرَ منه شيءٌ من ذلك فعليه بسرعة الاعتذار والإفصاح عمَّا حَصَلَ منه من المخالفة والخيانة، لِيَهْدِيَه شيخُه إلى ما فيه كفَّارةُ جُرْمِه، ويلتزم في الغرامة بما يحكم به عليه. وإذا رجع المريدُ إلى شيخه بالصدق وَجَبَ على شيخه جبرانَ تقصيره بهمته؛ فإِن المريدين عِيالٌ على الشيوخ؛ فُرِضَ عليهم أن يُنْفِقُوا عليهم من قُوَّةِ أحوالهم بما يكون جبراناً لتقصيرهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ} اشارة الأية الى المريدين وموافقهم مشائخهم فى جميع الاحوال ان لا يستبد وأبارائهم فى امور الشريعة والطريقة وان لا يخالفوهم بالاستبداد بالخروج من عنهم الى السفر والحضر والمجاهدة والرياضة قال عبد الله الرازى قال قوم من اصحاب ابى عثمان لابى عثمان اوصنا قال عليكم بالاجتماع على الدين واياكم ومخالفة الاكابر والدخول فى شئ من الطاعات الا باذنهم ومشورتهم واسوا المحتاجين بما امكنكم فارجوا ان لا يضيع لكم سعى.

اسماعيل حقي

تفسير : {انما المؤمنون} نزلت حين جمع النبى عليه السلام المسلمين يوم الجمعة ليستشيرهم فى امر الغزو وكان يثقل المقام عنده على البعض فيخرج بغير اذنه او فى حفر الخندق وكان المنافقون ينصرفون بغير امر رسول الله وكان الحفر من اهم الامور حتى حفر رسول الله بنفسه وشغل عن اربع صلوات حتى دخلت فى حد القضاء فقال تعالى {انما المؤمنون} اى الكاملون فى الايمان وهو مبتدأ خبره قوله {الذين آمنوا بالله ورسوله} عن صميم قلوبهم واطاعوهما فى جميع الاحكام فى السر والعلانية {واذا كانوا معه} مع النبى عليه السلام {على امر جامع} الى آخره معطوف على آمنوا داخل معه فى حيز الصلة اى على امر مهم يجب اجتماعهم فى شأنه كالجمعة والاعياد والحروب والمشاورة فى الامور وصلاة الاستسقاء وغيرها من الامور الداعية الى الاجتماع وصف الامر بالجمع للمبالغة فى كونه سببا لاجتماع الناس فان الامر لكونه مهما عظيم الشان صار كأنه قد جمع الناس فهو من قبيل اسناد الفعل الى السبب {لم يذهبوا} من المجمع ولم يفترقوا عنه عليه السلام {حتى يستأذنوه} عليه السلام فى الذهاب فيأذن لهم واعتبر فى كمال الايمان عدم الذهاب قبل الاستئذان لانه المميز للمخلص من المنافق ثم قال لمزيد التأكيد {ان الذين يستأذنوك} يطلبون الاذن منك {اولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله} لاغير المستأذنين، قال الكاشفى [تعريض جمع منا فقانست كه درغزوه تبوك بتخلف ازجهاد دستورى جستند ودر باره ايشان نازل شد كه] {أية : انما يستأذنك الذين لايؤمنون بالله}تفسير : الآية اى فبعض المستأذنين وكل غير المستأذنين دخلوا فى الترهيب وذلك بحسب الاغراض الفاسدة ولانه فرق بين الاستئذان فى التخلف وبين الاستئذان فى الانصراف ألا ترى الى حديث : عمر رضى الله عنه استأذنه عليه السلام فى غزوة تبوك فى الرجوع الى اهله فأذن له فقال "انطلق فوالله ما انت بمنافق"تفسير : هكذا لاح بالبال {فاذا استأذنوك} اى وبعد ما تحقق ان الكاملين فى الايمان هم المستأذنون فاذا استأذنوك فى الانصراف {لبعض شأنهم} الشأن الحال والامر ولا يقال الا فما يعظم من الاحوال والامور كما فى المفردات لبعض امرهم المهم او خطبهم الملم لم يقل لشؤنهم بل قيد بالبعض تغليظا عليهم فى امر الذهاب عن مجلس رسول الله مع العذر المبسوط ومساس الحاجة {فأذن لمن شئت منهم} لما علمت فى ذلك من حكمة ومصلحة فلا اعتراض عليك فى ذلك {واستغفر لهم الله} بعد الاذن فان الاستئذان وان كان لعذر قوى لايخلوا من شائبة تفضيل امر الدنيا على الآخرة، ففيه اشارة الى ان الافضل ان لايحدث المرء نفسه بالذهاب فضلا عن الذهاب {ان الله غفور} مبالغ فى مغفرة فرطات العباد {رحيم} مبالغ فى افاضة اثر الرحمة عليهم، وفى الآية بيان حفظ الادب بان الامام اذا جمع الناس لتدبير امر من امور المسلمين ينبغى ان لا يرجعوا الا باذنه ولا يخالفوا امير السرية ويرجعوا بالاذن اذا خرجوا للغزو ونحوه وللامام ان يأذن وله ان لا يأذن الا على مايرى فمن تفرق بغير اذن صار من اهل الهوى والبدع وكان عليه السلام اذا صعد المنبر يوم الجمعة واراد رجل الخروج وقف حيث يراه فيأذن له ان شاء ولذا قال عظماء الطريقة قدس الله اسرارهم ان المريد اذا اراد ان يخرج لحاجة ضرورية ولم يجد الشيخ مكانه فان يحضر الباب ويتوجه بقلبه فيستأذن من روحانية الشيخ حتى لايستقل فى خروجه بل يقع ذلك من طريق المتابعة فان للمتابعة تأثيرا عظيما. قال فى التأويلات النجمية فيه اشارة الى ان المريد الصادق من يكون مستسلما لتصرفات شيخه وان لا يتنفس الا باذن شيخه ومن خالف شيخه فى نفسه سرا او جهرا لا يشم رائحة الصدق وسيره غير سريع وان بدر منه شىء من ذلك فعليه بسرعة الاعتذار والافصاح عما حصل منه من المخالفة والخيانة ليهديه شيخه الى مافيه كفارة جرمه ويلتزم فى الغرامة بما يحكم به عليه واذا رجع المريد الى الله والى شيخه بالصدق وجب على شيخه جبران تقصيره بهمته فان المريدين عيال على الشيوخ فرض عليهم ان ينفقوا عليهم من قوت اموالهم بما يكون جبرانا لتقصيرهم انتهى، فعلى المريدين ان يوافقوا مشايخهم فى جميع الاحوال وان لايستبدوا بآرائهم فى امور الشريعة والطريقة وان لايخالفوهم بالاستبعاد بالخروج من عندهم الى السفر والحضر والمجاهدة والرياضة، قال عبدالله الرازى قال قوم من اصحاب ابى عثمان قدس سره اوصنا قال عليكم بالاجتماع على الدين واياكم ومخالفة الاكابر والدخول فى شىء من الطاعات الا باذنهم ومشورتهم وواسوا المحتاجين بما امكنكم فارجو ان لايضيع الله لكم سعيا انتهى فمن وقع منه تقصير فلا يقنط فان لله تعالى قبولا ثم قبولا: قال المولى الجامى شعر : بلى نبود درين ره نا اميدى سياهى را بود رو درسفيدى ز صد در كر اميدت بر نيايد بنوميدى جكر خوردن نشايد در ديكر ببايد زد كه ناكاه ازان درسوى مقصود آورى راه تفسير : والله تعالى يقبل التوبة والاستغفار، واعلم ان هذه الابيات تشير الى ابواب الشفاعة وكثرتها والا فمن رده باب من الابواب الحقة فلا تقبله سائر الابواب ألا ترى ان من رده الله تعالى لايقبله النبى عليه السلام ومن رده النبى عليه السلام لا يقبله الخلفاء الاربعة ولا غيرهم من امته فمن ترك الاستئذان من رسول الله لا يأذن له احد ولو اذن لايفيد وكذا حال من ترك الاستئذان من وارث رسول الله يعنى انه لايفيد اذن غير الوارث وما اذن وارث آخر فلا يتصور لان الوارثين كالحلقة المفرغة فاذا لم ينطبع فى مرآة واحد منهم صورة صلاح احد لم ينطبع فى مرآة الآخر نسأل الله القبول بحرمة الرسول.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {إِنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله}، إنما ذكر الإيمان بالله ورسوله في حيز الصلة للموصول الواقع خبراً للمبتدأ، مع تضمنه له؛ تقريراً لِمَا قبله، وتمهيداً لما بعده، وإيذاناً بأن ما بعده حقيق بأن يُجْعَلَ قريناً للإيمان بهما ومنتظماً في سلكه. {وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ}: عَطْفٌ على (آمنوا)، دَاخِلٌ في حيز الصلة، أي: إنما الكاملون في الإيمان: الذين آمنوا بالله ورسوله عن صميم قلوبهم، وأطاعوه في جميع الأحكام والأحوال المطردة الوقوع، والأحوال الواقعة بحسب الاتفاق، كما إذا كانوا معه - عليه الصلاة والسلام - على أمر مُهم يجب الاجتماع في شأنه؛ كالجمعة والأعياد، والجهاد، وتدريب الحروب، وغيرها من الأمور الداعية إلى الاجتماع، {لم يذهبوا حتى يستأذنوه}، ويأذن لهم، ولو كان الأمر يقوم بدونهم، ليتميز المخلص من المنافق، فإن دَيْدنه التسلل للفرار، ولتعظيم الجرم؛ لما في الذهاب بغير إذنه صلى الله عليه وسلم من الخيانة. وَلَمَّا أراد الحقُّ تعالى أَنْ يُرِيَهُمْ عِظَمَ الجنايةِ في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذنه، إذا كانوا معه على أمر جامع، جعل ترك ذهابهم والصبر معه، حتى يأذن لهم: ثالث الإيمان، وجعل الإيمان برسوله كالسبب له، والبساط لذكره، وذلك مع تصدير الجملة بـ "إنما، ثم عقبة بما يزيده توكيداً وتشديداً؛ حيث أعاده على أسلوب آخر فقال: {إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله}، فقضَى بأن المستأذنين هم المؤمنون خاصة. وفي "أولئك": من تفخيم المستأذنين، ما لا يخفى، {فإذا استأذنوك} في الانصراف {لبعض شأنهم} أي: أمرهم المهم وخطْبهم الملم. {فَأَذَنْ لِمَنِ شئْتَ منهم} لما علمت في ذلك من مصلحة وحكمة. وهذا بيان لما هو وظيفة صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، إثر بيان ما هو وظيفة المؤمنين، وأن الإذن منه - عليه الصلاة والسلام - ليس بأمر محتوم، بل هو مفوّض إلى رأيه عليه الصلاة والسلام، وفيه مِنْ رَفْع شأنه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. والفاء: لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: بعدما تحقق أن الكاملين في الإيمان هو المستأذِنُون. {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فَأْذَنْ لمن شئتَ منهم واستغفر لهم الله}، فإن الاستئذان، وإن كان لعذر، فقد لا يخلو من شائبة تقديم أمر الدنيا على أمر الآخرة، ففيه دليل على أن الصبر وترك الاستئذان أفضل. {إن الله غفور رحيم}؛ مبالغ في غفران فَرَطَاتِ العِبَاد، وفيه إفاضة آثار الرحمة عليهم. وما ذكره الحق تعالى في شأن الصحابة مع الرسول - عليه الصلاة والسلام - في شأن الاستئذان ينبغي أن يكون كذلك مع أئمتهم ومقدّميهم في العلم والدين، لا يتفرقون عنهم إلا بإذن. والآية نزلت في الخندق، كان المنافقون يرجعون إلى منازلهم من غير استئذان، فنزلت. وبقي حكمها عاماً إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم. الإشارة: من آداب الفقراء مع شيخهم ألا يتحركوا لأمر إلا بإذنه، أما أهل البدايات فيستأذنون في الجليل والحقير، كقضية الفقير الذي وجد بَعْضَ البَاقِلاَّءِ - أي: الفول - في الطريق، فأتى بها إلى الشيخ، فقال: يا سيدي ما نفعل به؟ فقال: اتركه، حتى تفطر عليه، فقال بعض الحاضرين: يستأذنك في الباقلاء؟ فقال: لو خالفني في أمر؛ لم يفلح أبداً. وأما أهل النهايات الذين عرفوا الطريق، واستشرفوا على عين التحقيق، وحصلوا على مقام الفهم عن الله، فلا يستأذنون إلا في الأمر المهم؛ كالتزوج، والحج، ونحوهما. وَصَبْرُهُ حتى يأمره الشيخ بذلك أولى، فالمريد بقدر ما يترك تدبيره مع الشيخ، ويتحقق بالتفويض معه قبل الوصول، كذلك يتركه ويتحقق تفويضه مع الله بعد الوصول. فالأدب مع الشيخ هو الأدب مع الله، لكن لما كان من شأن العبد الجهل بالله وسوء الأدب معه أمره بالتحكيم لغيره من جنسه، فإذا حكم جنسه على نفسه قبل المعرفة حكم الله على نفسه بعد المعرفة. والتحكيم في غاية الصعوبة على النفس، لا يرضاها إلا من سبقت له الهداية، وجذبته جواذب العناية، أعني الدخول تحت الشيخ وتحكيمَه على نفسه، حتى لا يتحرك إلا بإذنه، فهذا سبب الوصول إلى مقام الشهود والعيان، فإذا فعل المريد شيئاً من غير استئذان فليتب وليطلب من الشيخ الاستغفار له. وينبغي للشيخ أن يقبل العذر ويسامح ويستغفر له، لقوله تعالى: {واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم}، فالخليفة لرسول الله قائم مقامه، ونائب عنه في رتبة التربية. والله تعالى أعلم. ثم نهاهم عن التساهل في ترك الاستئذان، فقال: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ...}

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى ليس المؤمنون على الحقيقة إلا {الذين آمنوا بالله} أي صدقوا بتوحيده وعدله، وأقروا بصدق رسوله واذا كانوا مع رسوله {على أمر جامع} وهو الذي يقتضي الاجتماع عليه والتعاون فيه: من حضور حرب أو مشورة في أمر، أو في صلاة جمعة، وما اشبه ذلك، لم ينصرفوا عن رسوله او عن ذلك الأمر، إلا بعد أن يأذن لهم الرسول فى الانصراف متى طلبوا الاذن من قبله. والاستئذان طلب الاذن من الغير. ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {إن الذين يستأذنوك} يا محمد، فهم الذين يصدقون بالله ورسوله على الحقيقة، دون الذين ينصرفون بلا استئذان. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) أيضاً متى ما استأذنوك هؤلاء المؤمنون أن يذهبوا لبعض مهماتهم وحاجاتهم {فأذن لمن شئت منهم} فخيره بين ان يأذن وألا يأذن، وهكذا حكم الامام. وقوله {واستغفر لهم الله} أي اطلب لهم المغفرة من الله. واستغفار النبي (صلى الله عليه وسلم) هو دعاؤه لهم باللطف الذي تقع معه المغفرة {إن الله غفور رحيم} أي ساتر لذنوبهم منعم عليهم. ثم أمر المكلفين فقال تعالى {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً} وقيل في معناه قولان: احدهما - احذروا دعاءه عليكم إذا أسخطتموه، فان دعاءه موجب، ليس كدعاء غيره، ذكره ابن عباس. والثاني - قال مجاهد وقتادة: ادعوه بالخضوع والتعظيم، وقولوا له: يا رسول الله، ويا نبي الله، ولا تقولوا: يا محمد، كما تقول بعضكم لبعض. وقوله {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً} معناه إذا تسلل واحد منكم من عند النبي (صلى الله عليه وسلم) فان الله عالم به. وقال الحسن: معنى {لواذاً} فراراً من الجهاد. قال الفراء: كان المنافقون يحضرون مع النبي الجمعة، فاذا نزلت آية فيها ذم للمنافقين ضجروا، وطلبوا غره واستتر بعضهم ببعض، يقال: لاوذت بفلان ملاوذة، ولواذاً. قال الزجاج: الملاوذة المخالفة، ولذت به ألوذ لياذاً. ثم حذرهم من مخالفة رسوله بقوله {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} وانما دخلت (عن) فى قوله {عن أمره} لأن المعنى يعرضون عن أمره. وفى ذلك دلالة على أن أوامر النبي (صلى الله عليه وسلم) على الايجاب، لانها لو لم تكن كذلك لما حذر من مخالفته، وليس المخالف هو ان يفعل خلاف ما أمره فقط، لان ذلك ضرب من المخالفة. وقد يكون مخالفاً بألا يفعل ما أمره به. ولو كان الأمر على الندب لجاز تركه، وفعل خلافه. وقوله {أن تصيبهم فتنة} أي فليحذروا من أن تصيبهم فتنة: أي بلية تظهر ما فى قلوبهم من النفاق. والفتنة شدة فى الدين تخرج ما في الضمير {أو يصيبهم عذاب أليم} فى الآخرة جزاء على خلافهم الرسول. ويجوز أن يكون المراد: ان تصيبهم عقوبة في الدنيا، أو يصيبهم عذاب مؤلم في الآخرة. وقيل: معناه {أن تصيبهم فتنة} أي قبل أن يصيبهم عذاب فى الآخرة. وقوله {ألا إن لله ما في السماوات والأرض} المعنى ان له ملك ما فى السموات والارض، والتصرف في جميع ذلك، ولا يجوز لاحد الاعترض عليه، ولا يجوز مخالفة أمر رسوله، ولا يخالف أمره، لأن الهاء في قوله {عن أمره} يحتمل أن تكون راجعة الى الرسول ويحتمل أن تكون راجعة الى الله، وقد مضى ذكرهما قبلها. ثم بين انه {يعلم ما أنتم عليه} من الايمان والنفاق، لا يخفى عليه شيء من احوالكم لا سراً ولا علانية. وقوله {ويوم يرجعون إليه} أي يوم يردون اليه يعني يوم القيامة، الذي لا يملك فيه احد شيئاً سواه. ومن ضم الياء: أراد يردون. ومن فتحها نسب الرجوع اليهم. وقوله {فينبئهم بما عملوه} أي يعلمهم جميع ما عملوه من الطاعات والمعاصي ويوافيهم عليها. {والله بكل شيء عليم} لا يخفى عليه شيء من ذلك الذي عملوه سراً وجهراً.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} منقطع عن سابقه لفظاً ومعنىً او هو جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: اذا لم يمتثل المؤمنون تلك الاوامر هل كانوا مؤمنين؟- فقال: انّما المؤمنون {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} فلا يتخلّفون عمّا اُمروا به {وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ} للمؤمنين كالجمعة والعيد والقتال والمشاورة {لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ} للذّهاب {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} يعنى انّ الامر مفوّض اليك {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ} اى للمستأذنين فانّ الالتفات الى غيرك وغير الله اذا كانوا عندك معصية عظيمة لهم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يغفر ما يلحقهم من التّوجّه والنّظر الى غيرك حين لا ينبغى ان ينظروا الاّ اليك {رَّحِيمٌ} يرحمهم بواسطة التّوجّه اليك والاستيذان منك، نقل انّ الآية نزلت فى حنظلة بن ابى عيّاش وذلك انّه تزوّج فى اللّيلة الّتى كانت فى صبيحتها حرب أحد فاستأذن رسول الله (ص) ان يقيم عند اهله فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية فأقام عند اهله، ثمّ اصبح وهو جنب فحضر القتال واستشهد فقال رسول الله (ص) حديث : رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن فى صفائح من فضّة بين السّماء والارض فكان سمّى غسيل الملائكة.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله} يعني ليس المؤمن المستحق للمدح إلا من كان بهذه الصفة {وإذا كانوا معه على أمر جامع} الأمر الجامع هو الحرب والغزو والأمور التي يحتاج فيها إلى العدد والقوة {لم يذهبوا} ولم يتفرقوا عنه {حتى يستأذنوه} حتى يطلبوا إذنه في الخروج {إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم} أمرهم وحاجتهم {فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم} {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً} فيقولوا: يا محمد يا أبا القاسم ولكن ادعوه بالتعظيم، وقولوا يا رسول الله مع التوقير والتعظيم والتواضع، ويحتمل ألا تجعلوا نداء الرسول ربه مثل ما يدعو صغيركم كبيركم وفقيركم غنيكم يسأله حاجة فربما أجابه وربما ردَّه، فإن دعوة رسول الله مسموعة مستجابة {قد يعلم الله الذين يتسلّلون} يعني من مجمع الرسول بغير إذنه مسارقة، والآية نزلت في المنافقين، وكان المنافقين ينصرفون لواذاً مستخفين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفراراً من الجهاد {فليحذر الذين يخالفون} أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} موجع، وقيل: الزلزال والأهوال، وقيل: سلطاناً يتسلط عليهم، وقيل: هو عذاب في الدنيا وعذاب في الآخرة، وقيل: يظهر ما في قلوبهم من النفاق {ألا إنَّ لله ما في السماوات وما في الأرض}، ملكاً وخلقاً {قد يعلم ما أنتم عليه} من طاعتكم ومعصيتكم {ويوم يرجعون إليه} إلى حكمه {فينبئهم بما عملوا} يخبرهم بأعمالهم في الدنيا ويجازيهم عليها {والله بكل شيء عليم} لا يخفى عليه شيء.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} أي: الجمعة والعيدين والاستسقاء وكل شيء تكون فيه الخطبة {لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأذِنُوهُ} أي: يستأذنوا الرسول عليه السلام. {إِنَّ الذِينَ يَسْتَأذِنُونَكَ أُولَئِكَ الذِينَ يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ} أي: مصدّقين بالله ورسوله، عاملين بجميع فرائضه، غير منافقين ولا منتقصين لشيء من فرائض الله التي فرضها عليهم. {فَإِذَا اسْتَأذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} يريد الغائط والبول، ولكن الله كنَّى عن ذلك {فَأْذَن لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} وقد أوجب الله على النبي والإِمام بعده أن يأذن لهم، ولكن الله أراد بذلك إكرام النبي عليه السلام وإعظام منزلته. فإذا كانت لرجل حاجة قام حيال الإِمام، وأمسك بأنفه وأشار بيده. قال: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال بعضهم: إنها نسخت الآية في براءة: (أية : عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ)تفسير : [التوبة: 43]. وهي عنده في الجهاد، لأن المنافقين كانوا يستأذنونه في المقام عن الغزو بالعلل الكاذبة، فرخّص الله للمؤمنين أن يستأذنوه إذا كان لهم عذر. وبعضهم يقول: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} أمر طاعة.

اطفيش

تفسير : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} اي الكاملون في الايمان * {الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} من صميم قلوبهم ولهذا صح الاخبار بالذين آمنوا بالله ورسوله عن المؤمنين وافاد بل يصح وتفيد ولو لم تقدر ذلك لتقييد ذلك الخبر بالعطف على صلته في قوله * {وَإذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرِ جَامِعٍ} امر بجمعهم كالخطبة وخطبة الجمعة وحرب وعيد ومشاورة في امر ونحو ذلك مما يجب فيه الاستئذان من امام الامارة في الانصراف عنه أو يندب ومن ذلك حفر الخندق حول المدينة والاجتماع لارهاب العدو واسناد الجميع الامر تجوز في الحكم ومبالغة والجامع حقيقة الامام أو غيره. وقرئ جميع * {لَّمْ يَذْهَبُوا} عنه لعذر * {حَتَّى يَسْتَأذِنُوهُ} وياذن لهم لانه إذا جمعهم فلا جليل احتاجهم فيه فمفارقته بلا اذنه يشق عليه ويشعب رأيه فلذلك شدد فيه وجعل الاستئذان ثالث الايمان بالله ورسوله وجعله يكمل الايمان به لانه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص فيه والمنافق الذي من عادته التسلل. وجعل الجملة مصدرة بانما واوقع المؤمنين مبتدأ مخبرا عنه بموصول احاطت صلته بالايمانين ثم عقبه بما يزيده توكيدا وتشديدا حيث اعادة على اسلوب آخر وهو قوله. {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} فانه يفيد ان المستأذن مؤمن والذاهب بغير اذن منافق. وقيل: ان الآية نزلت في وقت حفر الخندق فكان المؤمنون يستأذنون والمنافقون يذهبون بلا اذن وكان الرجل إذا اراد الخروج من المسجد لحاجة أو عذر والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يوم الجمعة لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث يراه فيعرف انه انما قام ليستأذن فيأذن له ان شاء. قال مجاهد: اذن الامام يوم الجمعة ان يشير بيده والظاهر انه لا بد من الاستئذان ولو كان الشيء مما لا بد ان يأذن له فيه فانه يخبر الامام ان لم تكن خطبة فياذن له وان كانت فعل ما يعلم به انه يريد الخروج وان حاضت امرأة في المسجد او اجنب رجل أو يعرض له مرض اخبره بنطق او بما يعلم به ولا ينطق في الخطبة. وقيل: لا يحتاج هؤلاء إلى الاستئذان. {فَإِذَا اسْتَأذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} امرهم وفي التعبير ببعض مبالغة وتضييق كأنه قيل لا تتعرضوا للاذن الا لبعض ما اهمكم * {فَأذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} في الانصراف وهو الذي اضطره ما لا بد منه كالبول والغائط والذي الجأه مهم وقد علم صفاءه وان شئت فلا تأذن لهذا الذي لم يضطر وكذا كل من لم يضطر. قال بعضهم: إذا اضطره غائط أو بول قام حيال الامام وامسك انفه. وقيل: المراد ببعض شأنهم الكناية عن البول والغائظ ولو كان كذلك لم يقيد الاذن بالمشيئة كذا قيل. قلت: ذلك قول الشيخ هود وهو صحيح والجواب من جانبه ان المشيئة تابعة لعلمه بصدق المستأذن عن بعضهم ان ذلك تفويض للامر إلى رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستدل بعض ان بعض الاحكام مفوضة إليه صلى الله عليه وسلم والمانع يقيد المشيئة بان تتبع علمه بصدق المستأذن اي (فأذن لمن له عذر) فيكون قد اوجب الله على الامام والنبي قبله ان ياذن لذي العذر * {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} والمراد استغفر لجميع المؤمنين. وقيل: المعنى استغفر لمن اذنت لهم لان الاستئذان ولو كان لعذر قصور لانه تقديم لامر الدنيا على الدين الا عذرا لا يحتمل التأخير فلا قصور في الاستئذان له وفي الاستغفار تأسيس للمؤمنين ورحمة ورأفة بهم والاحسن الافضل ان لا يحدثوا انفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا وكذلك ينبغي ان يكون الناس مع ائمتهم ومقدميهم في الدين والعلم ينصرونهم ولا يخذلونهم في نازلة ولا يتفرقون عنهم. {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لفرطات العباد {رَّحِيمٌ} بالتيسير عليهم.

اطفيش

تفسير : {إنما المؤمنون الَّذين آمنوا بالله ورَسُولِه} وعطف على الصلة قوله جل جلاله: {وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتَّى يستأذنوهُ} لأنه إذا لم يكن جواب الشرط إنشاء جاز التقييد به، فيكون أداة الشرط، وشرطها وجوابها خبراً للمبتدأ او لناسخ أو مفعولا ثانياً لما يدخل على المبتدأ أو الخبر، أو ثالثاً وحالاً ونعتاً وصلة، كما هنا كأنه قيل: الجامعون بين الايمان بالله ورسوله، وبين الاستئذان إذا أرادوا الذهاب عن أمره الجامع. {إنّ الذين يستأذنونَكَ} فى الذهاب، وفى كل ما يجب فيه الاستئذان {أولئك الذينَ يومنُونَ بالله ورسُولِه} وأما من لا يستأذنك فإيمانه كلا إيمان {فإذا استأذَنُوك} استأذنك أصحابك {لبَعْض شأنهم} لبعض مهماتهم أن يذهبوا إليه {فإذن لمنْ شئتَ منْهُم}، ولا تأذن لمن لم تشأ، وإن شئت فأذن له أيضاً، وهذا تفويض فى الاجتهاد، وهذا شامل بالقياس للمجتهد بعده صلى الله عليه وسلم، لأن اختيار ما شاءه صلى الله عليه وسلم، أو شاءه المجتهد بعده قصد للصواب، وتحر له، لا حظ له ولا تشه، فالنبى صلى الله عليه وسلم فوض أن يجتهد فيمن يصلح ان يأذن له، ومن لا يصلح، وأما أن يقال: أحكم بما شئت بلا تحر، فلا يجوز إلا إن استوى الأمران، ولم يمكن الترجيح بوجه ما، وإن استويا كذلك، فإن مالت النفس لأحدهما فهو الذى يتركه إذ مالت إليه لغير أمر شرعى، واختلف إن قيل: احكم بما شئت تشهيا ألا يجوز أم يجوز أم للنبى خاصة، ولم يقع منه أو وقع أقوال. {واستغفر لهم الله} لأنهم أطاعوك واستأذنوك، وهل جزاء الاحسان إلا الاحسان، أو لأن الاستئذان، ولو لعذر قوى لا يخلوا من شائبه أمر دنيوى ولو بالفرح للإذن، إذ لم يحزنوا لذلك الاستئذان المعقب للإذن، يلتحق به صلى الله عليه وسلم فى ذلك سائر الأمة، ومن تولى الأمر لوجه الله مخلصاً، ويستأذن قطعاً فى الانصراف عن الغزو {إنَّ اللهَ غَفورٌ رحيمٌ} يقبل الإعذار.

الالوسي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } الخ دلالة على أن ملاك ذلك كله والمنتفع بتلك الآيات جمع من سلم نفسه لصاحب الشريعة صلوات الله تعالى وسلامه عليه كالميت بين يدي الغاسل لا يحجم ولا يقدم دون إشارته صلى الله عليه وسلم ولهذه الدقيقة أورد هذه الآية شهاب الحق والدين أبوحفص عمر السهروردي قدس سره في باب سير المريد مع الشيخ ونبه بذلك أن كل ما يرسمه من أمور الدين فهو أمر جامع. وقال شيخ الإسلام: إن هذا استئناف جيء به في أواخر الأحكام السابقة تقريراً لها وتأكيداً لوجوب مراعاتها وتكميلاً لها ببيان بعض آخر من جنسها، وإنما ذكر الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم صلة للموصول الواقع خبراً للمبتدأ مع تضمنه له قطعاً تقريراً لما قبله وتمهيداً لما بعده وإيذاناً بأنه حقيق بأن يجعل قريناً للإيمان المذكور منتظماً في سلكه فقوله تعالى: {وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ } الخ معطوف على {ءامَنُواْ } داخل معه في حيز الصلة وبذلك يصح الحمل، والحصر باعتبار الكمال أي إنما الكاملون في الإيمان الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن صميم قلوبهم وأطاعوا في جميع الأحكام التي من جملتها ما فصل من قبل من الأحكام المتعلقة بعامة أحوالهم المطردة في الوقوع وأحوالهم الواقعة بحسب الاتفاق كما إذا كانوا معه عليه الصلاة والسلام على أمر مهم يجب اجتماعهم في شأنه كالجمعة والأعياد والحروب وغيرها من الأمور الداعية إلى الاجتماع لغرض من الأغراض. وعن ابن زيد أن الأمر الجامع الجهاد؛ وقال الضحاك: وابن سلام: هو كل صلاة فيها خطبة كالجمعة والعيدين والاستسقاء، وعن ابن جبير هو الجهاد وصلاة الجمعة والعيدين، ولا يخفى أن الأولى العموم وإن كانت الآية نازلة في حفر الخندق ولعل ما ذكر من باب التمثيل. ووصف الأمر بالجمع مع أنه سبب له للمبالغة، والظاهر أن ذلك من المجاز العقلي، وجوز أن يكون هناك استعارة مكنية. وقرأ اليماني {عَلَىٰ أَمْرٍ جَمِيعٌ } وهو بمعنى جامع أو مجموع له على الحذف والإيصال {لَّمْ يَذْهَبُواْ } عنه صلى الله عليه وسلم {حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ} عليه الصلاة والسلام في الذهاب فيأذن لهم به فيذهبون فالغاية هي الإذن الحاصل بعد الاستئذان والاقتصار على الاستئذان لأنه الذي يتم من قبلهم وهو المعتبر في كمال الإيمان لا الأذن ولا الذهاب المترتب عليه واعتباره في ذلك لما أنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص عن المنافق فإن ديدنه التسلل للفرار. ولتعظيم ما في الذهاب بغير إذنه عليه الصلاة والسلام من الجناية وللتنبيه على ذلك عقب سبحانه بقوله عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} فقد جعل فيه المستأذنين هم المؤمنون عكس الأول دلالة على أنهما متعاكسان سواء بسواء ومنه يلزم أنه كالمصداق لصحة الإيمانين وكذلك من اسم الإشارة لدلالته على أن استئهال الإيمانين لذلك {فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ} بيان لما هو وظيفته صلى الله عليه وسلم في هذا الباب إثر بيان ما هو وظيفة المؤمنين، والفار لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي بعد ما تحقق أن الكاملين في الإيمان هم المستأذنون فإذا استأذنوك لبَعْض شَأْنهمْ} أي لبعض أمرهم المهم وخطبهم الملم {فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } تفويض للأمر إلى رأيه صلى الله عليه وسلم. واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه صلى الله عليه وسلم، وهذه مسألة التفويض المختلف في جوازها بين الأصوليين ((وهي أن يفوض الحكم إلى المجتهد فيقال له: احكم بما شئت فإنه صواب فأجاز ذلك قوم لكن اختلفوا فقال موسى بن عمران بجواز ذلك مطلقاً للنبـي وغيره من العلماء، وقال أبو علي الجبائي بجواز ذلك للنبـي خاصة في أحد قوليه، وقد نقل عن الإمام الشافعي عليه الرحمة في «الرسالة» ما يدل على التردد بين الجواز والمنع ومنع من ذلك الباقون. والمجوزون اختلفوا في الوقوع، قال الآمدي: والمختار الجواز دون الوقوع))، وقد أطال الكلام في هذا المقام فليراجع. والذي أميل إليه جواز أن يفوض الحكم إلى المجتهد إذا علم أنه يحكم تروياً لا تشيهاً ويكون التفويض حينئذ كالأمر بالاجتهاد، والأليق بشأن الله تعالى وشأن رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينزل ما هنا على ذلك وتكون المشيئة مقيدة بالعلم بالمصلحة. وذكر بعض الفضلاء أنه لا خلاف في جواز أن يقال: احكم بما شئت تروياً بل الخلاف في جواز أن يقال: احكم بما شئت تشهياً كيفما اتفق، وأنت تعلم أنه بعد التقييد لا يكون ما نحن فيه من محل النزاع. ومن الغريب ما قيل: إن المراد ممن شئت منهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ولا يخفى ما فيه. {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ } فإن الاستئذان وإن كان لعذر قوي لا يخلو عن شائبة تقديم أمر الدنيا على أمر الآخرة. وتقديم {لَهُمْ } للمبادرة إلى أن الاستغفار للمستأذنين لا للإذن. {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } مبالغ في مغفرة فرطات العباد {رَّحِيمٌ } مبالغ في إفاضة شآبيب الرحمة عليهم، والجملة تعليل للمغفرة الموعودة في ضمن الاستغفار لهم، وقد بالغ جل شأنه في الاحتفال برسوله صلوات الله تعالى وسلامه عليه فجعل سبحانه الاستئذان للذهاب عنه ذنباً محتاجاً للاستغفار فضلاً عن الذهاب بدون إذن ورتب الإذن على الاستئذان لبعض شأنهم لا على الاستئذان مطلقاً ولا على الاستئذان لأي أمر مهما كان أو غير مهم ومع ذلك علق الإذن بالمشيئة، وإذا اعتبرت وجوه المبالغة في قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ } إلى هنا وجدتها تزيد على العشرة. وفي «أحكام القرآن» للجلال السيوطي أن في الآية دليلاً على وجوب استئذانه صلى الله عليه وسلم قبل الانصراف عنه عليه الصلاة والسلام في كل أمر يجتمعون عليه، قال الحسن: وغير الرسول صلى الله عليه وسلم من الأئمة مثله في ذلك لما فيه من أدب الدين وأدب النفس، وقال ابن الفرس: لا خلاف في الغزو أنه يستأذن إمامه إذا كان له عذر يدعوه إلى الانصراف واختلف في صلاة الجمعة إذا كان له عذر كالرعاف وغيره فقيل يلزمه الاستئذان سواء كان إمامه الأمير أم غيره أخذاً من الآية وروي ذلك عن مكحول والزهري.

ابن عاشور

تفسير : لما جرى الكلام السابق في شأن الاستئذان للدخول عُقب ذلك بحكم الاستئذان للخروج ومفارقة المجامع فاعتُني من ذلك بالواجب منه وهو استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم في مفارقة مجلسه أو مفارقة جمععٍ جُمِع عن إذنه لأمر مهم كالشورى والقتال والاجتماع للوعظ ونحو ذلك. وكان من أعمال المنافقين أن يحضروا هذه المجامع ثم يتسللوا منها تفادياً من عمل يشق أو سآمةً من سماع كلام لا يهتبلون به، فنعى الله عليهم فعلهم هذا وأعلم بمنافاته للإيمان وأنه شعار النفاق، بأن أعرض عن وصف نفاق المنافقين واعتنى باتصاف المؤمنين الأحقاء بضد صفة المنافقين قال تعالى: { أية : وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون } تفسير : [التوبة: 127] ولذلك جاء في أواخر هذه الآيات قوله: { أية : قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لِوَاذاً } تفسير : [النور: 63]. فالقصر المستفاد من (إنما) قصر موصوف على صفة. والتعريف في {المؤمنون} تعريف الجنس أو العهد، أي أن جنس المؤمنين أو أن الذين عُرفوا بوصف الإيمان هم الذين آمنوا بالله ورسوله ولم ينصرفوا حتى يستأذنوه. فالخبر هو مجموع الأمور الثلاثة وهو قصر إضافي قصر إفراد، أي لا غيرُ أصحاب هذه الصفة من الذين أظهروا الإيمان ولا يستأذنون الرسول عند إرادة الانصراف، فجعل هذا الوصف علامة مميزة للمؤمنين الأحقاء عن المنافقين يومئذٍ إذ لم يكن في المؤمنين الأحقاء يومئذٍ من ينصرف عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم بدون إذنه، فالمقصود: إظهار علامة المؤمنين وتمييزهم عن علامة المنافقين. فليس سياق الآية لبيان حقيقة الإيمان لأن للإيمان حقيقة معلومة ليس استئذان النبي صلى الله عليه وسلم عند إرادة الذهاب من أركانها، فعلمت أن ليس المقصود من هذا الحصر سلب الإيمان عن الذي ينصرف دون إذن من المؤمنين الأحقاء لو وقع منه ذلك عن غير قصد الخذل للنبيء صلى الله عليه وسلم أو أذاه، إذ لا يعدو ذلك لو فعله أحد المؤمنين عن أن يكون تقصيراً في الأدب يستحق التأديب والتنبيه على تجنب ذلك لأنه خصلة من النفاق كما ورد التحذير من خصال النفاق في أحاديث كثيرة. وعلمتَ أيضاً أن ليس المقصود من التعريف في {المؤمنون} معنى الكمال لأنه لو كان كذلك لم يحصل قصد التشهير بنفاق المنافقين. والأمر: الشأن والحال المهم. وتقدم في قوله: { أية : وأولي الأمر منكم } تفسير : في سورة النساء (59). والجامع: الذي من شأنه أن يجتمع الناس لأجله للتشاور أو التعلم. والمراد: ما يجتمع المسلمون لأجله حول الرسول عليه الصلاة والسلام في مجلسه أو في صلاة الجماعة. وهذا ما يقتضيه (مع) و(على) من قوله: {معه على أمر جامع} لإفادة (مع) معنى المشاركة وإفادة (على) معنى التمكن منه. ووصف الأمر بـ{جامع} على سبيل المجاز العقلي لأنه سبب الجمع. وتقدم في قوله تعالى: { أية : فأجمعوا أمركم } تفسير : في سورة يونس (71). وعن مالك: أن هذه الآية نزلت في المنافقين يوم الخندق (وذلك سنة خمس) كان المنافقون يتسللون من جيش الخندق ويعتذرون بأعذار كاذبة. وجملة: {إن الذين يستأذنونك} إلى آخرها تأكيد لجملة: {إنما المؤمنون} لأن مضمون معنى هذه الجملة هو مضمون معنى جملة: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله} الآية. وقد تفنن في نظم الجملة الثانية بتغيير أسلوب الجملة الأولى فجعل مضمون المسند في الأولى مسنداً إليه في الثانية والمسند إليه في الأولى مسنداً في الثانية ومآل الأسلوبين واحد لأن المآل الإخبار بأن هذا هو ذاك على حدِّ: وشعري شعري، تنويهاً بشأن الاستئذان، وليبنى عليها تفريع {فإذا استئذنوك لبعض شأنهم} ليُعلِّم المؤمنين الأعذار الموجبة للاستئذان، أي ليس لهم أن يستأذنوا في الذهاب إلا لشأن مهم من شؤونهم. ووقع الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: {يستأذنوك} تشريفاً للرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب. وقد خير الله رسوله في الإذن لمن استأذنه من المؤمنين لأنه أعلم بالشأن الذي قضاؤه أرجح من حضور الأمر الجامع لأن مشيئة النبي لا تكون عن هوى ولكن لعذر ومصلحة. وقوله: {واستغفر لهم الله} مؤذن بأن ذلك الانصراف خلاف ما ينبغي لأنه لترجيح حاجته على الإعانة على حاجة الأمة. وهذه الآية أصل من نظام الجماعات في مصالح الأمة لأن من السنة أن يكون لكل اجتماع إمام ورئيس يدير أمر ذلك الاجتماع. وقد أشارت مشروعية الإمامة إلى ذلك النظام. ومن السنة أن لا يجتمع جماعة إلا أمّروا عليهم أميراً فالذي يترأس الجمع هو قائم مقام ولي أمر المسلمين فهو في مقام النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينصرف أحد عن اجتماعه إلا بعد أن يستأذنه، لأنه لو جعل أمر الانسلال لشهوة الحاضر لكان ذريعة لانفضاض الاجتماعات دون حصول الفائدة التي جُمعت لأجلها، وكذلك الأدب أيضاً في التخلف عن الاجتماع عند الدعوة إليه كاجتماع المجالس النيابية والقضائية والدينية أو التخلف عن ميقات الاجتماع المتفق عليه إلا لعذر واستئذان.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أمر جامع: كخطبة الجمعة ونحوها مما يجب حضوره كاجتماع لأمر هام كحرب ونحوها. يستأذنوه: أي يطلبوا منه صلى الله عليه وسلم الإِذن. لبعض شأنهم: أي لبعض أمورهم الخاصة بهم. دعاء الرسول: أي نداءه فلا ينادي بيا محمد ولكن بيا نبي الله ورسول الله. كدعاء بعضكم بعضاً: أي كما ينادي بعضكم بعضاً بيا عمر ويا سعيد مثلاً. يتسللون منكم لواذاً: أي ينسلون واحداً بعد واحد يستر بعضهم بعضاً حتى يخرجوا خفية. أن تصيبهم فتنة: أي زيغ في قلوبهم فيكفروا. قد يعلم ما أنتم عليه: أي من الإِيمان والنفاق، وإرادة الخير أو إرادة الشر، وقد هنا للتأكيد عوملت معاملة رب إذ هي للتقليل وتكون للتكثير أحياناً. معنى الآيات: يخبر تعالى أن المؤمنين الكاملين في إيمانهم هم الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا كانوا معه صلى الله عليه وسلم في أمر جامع يتطلب حضورهم كالجمعة واجتماعات الحروب، لم يذهبوا حتى يستأذنوه صلى الله عليه وسلم ويأذن لهم هذا معنى قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ}. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} في هذا تعليم للرسول والمؤمنين وتعريض بالمنافقين. فقد أخبر تعالى أن الذين يستأذنون النبي هم المؤمنون بالله ورسوله، ومقابله أن الذين لا يستأذنون ويخرجون بدون إذن هم لا يؤمنون بالله ورسوله وهم المنافقون حقاً، وأمر رسول الله إذا استأذنه المؤمنون لبعض شأنهم أن يأذن لمن شاء منهم ممن لا أهمية لحضوره كما أمره أن يستغفر الله لهم لما قد يكون غير عذر شرعي يبيح لهم الاستئذان وطمعهم في المغفرة بقوله إن الله غفور رحيم. وقوله تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} هذا يحتمل أموراً كلها حق الأول أن يحاذر المؤمنون إغضاب رسول الله بمخالفته فإنه إن دعا عليهم هلكوا لأن دعاء الرسول لا يرد فليس هو كدعاء غيره، والثاني أن لا يدعوا الرسول باسمه يا محمد ويا أحمد بل عليهم أن يقولوا يا نبي الله ويا رسول الله، والثالث أن لا يغلظوا في العبارة بل عليهم أن يلينوا اللفظ ويرققوا العبارة إكباراً وتعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ما تضمنه قوله تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً}. وقوله: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} أعلمهم تعالى أنه يعلم قطعاً أولئك المنافقين الذين يكونون في أمر جامع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتسللون واحداً بعد آخر بدون أن يستأذنوا متلاوذين في هروبهم من المجلس يستر بعضهم بعضاً، وفي هذا تهديد بالغ الخطورة لأولئك المنافقين. وقوله: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي أمر رسول الله وهذا عام للمؤمنين والمنافقين وإلى يوم القيامة فليحذروا أن تصيبهم فتنة وهي زيغ في قلوبهم فيموتوا كافرين، أو يصيبهم عذاب أليم في الدنيا والعذاب ألوان وصنوف. وقوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي خلقاً وملكاً وعبيداً يتصرف كيف يشاء ويحكم ما يريد ألا فَلْيَتقَّ اللهُ عز وجل في رسول فلا يخالف أمره ولا يعصي في نهيه فإن الله لم يرسل رسولاً إلا ليطاع بإذنه. وقوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} إخبار يحمل التهديد والوعيد أيضاً فما عليه الناس من أقوال ظاهرة وباطنة معلومة لله تعالى، ويوم يرجعون إلى الله بعد موتهم فينبئهم بما عملوا من خير وشر ويجزيهم به الجزاء الأوفى، {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ} فليحذر أن يخالف رسوله أو يعصي وليتق في أمره ونهيه فإن نقمته صعبة وعذابه شديد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب الاستئذان من إمام المسلمين إذا كان الأمر جامعاً، وللإِمام أن يأذن لمن شاء ويترك من يشاء حسب المصلحة العامة. 2- وجوب تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرمة إساءة الأدب معه حياً وميتاً. 3- وجوب طاعة رسول الله وحرمة مخالفة أمره ونهيه. 4- المتجرىء على الاستهانة بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم يُخشى عليه أن يموت على سوء الخاتمة والعياذ بالله.

القطان

تفسير : امر جامع: امر هام يستدعي ان يجتمع الناس عليه للتشاور والتداول. لا تجعلوا دعاء الرسول كدعاء بعضكم بعضا: لا تنادوا الرسول باسمه: يا محمد، بل عظموه وقولوا: يا رسول الله. يتسللون منكم...: يخرجون خفية. لواذا: متسترين يلوذ بعضهم في بعض. يخالفون عن امره: يخرجون عن طاعته. {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ.... } كما أمَرَ اللهُ تعالى المؤمنين بالاستئذان عند الدخول - أمَرَهم هنا بالاستئذان عند الخروج، وفي هذا تعليمٌ وتأديبٌ لنا جميعا. ان المؤمنين حقاً اذا كانوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام في امر مهمٍ من أمور المسلمين، كتشاوُرٍ في أمر الحرب، او ما ينفع المسلمين - فلا يحقّ لهم ان ينصرفوا الا بعد استئذانه ومشورته، فمن التزم بهذا فهو من المؤمنين الكاملين، ويحق للرسول أن يأذَنَ لمن يشاء منهم كما تقتضي المصلحةُ التي اجتمعوا عليها، ويستغفر للمستأذنين. فقد حدث حين بدأ المسلمون بحفر الخندق عندما غزتهم قريشُ ومن معها من العرب - وكان في مقدمتهم الرسول الكريم - أنّ بعضَ المنافقين أخذوا يتسلّلون من ذلك المكانِ ويذهبون الى أهلِهم، اما المؤمنون فقد ثبتوا معه، وكان من يريد ن يذهب الى قضاء حاجة يستأذن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فإن قضى حاجته عاد إلى مكانه وعمله. {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً}. وعندما تخاطبون الرسولَ الكريم فلا تنادوه باسمه: "يا محمد" مثلاً، أو يا أبا القاسم، وإنما خاطبوه بياء أيها الرسول، واحترموه غاية الاحترام، باللين من القول وخفض الجناح. {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً....} والله تعالى يعلم عِلم اليقين الّذين ينصرفون متسلّلين بدون إذنٍ حتى لا يراهم الرسول، فليحذَرِ الذين يخالفون أمرَ الله أن يصيبَهم بلاءٌ من الله او عذاب أليم. {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ.... } واعلموا أيها الناسُ أن هذا الكونَ وما فيه مِلْكٌ لله وحده لا شريك له، ويعلم كل ما تعملون، وسترجعون إليه فينبئكم بكل ما عملتموه من خير او شر، وسيجازيكم عليه، واللهُ بكل شيء عليم. وهكذا ختمت السورة بتعليق القلوب والابصار بالله، وتذكيرها بخشيته وتقواه، والحمد لله أولاً وآخرا، ونسأله التمام على خير.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} { يَسْتَأْذِنُوهُ} {يَسْتَأْذِنُونَكَ} {أُوْلَـٰئِكَ} {ٱسْتَأْذَنُوكَ} (62) - وَهُنَا يُؤَدِّبُ اللهُ النَّاسَ، فَكَمَا أَمَرَهُمْ بالاسْتِئْذَانِ عِنْدَ الدُّخُولِ، كَذَلِكَ أَمَرَهُمْ اللهُ تَعَالَى بِأَلاَّ يَتَفَرَّقُوا عَنِ النَّبِيِّ إِلاَّ بعدَ اسْتِئْذَانِهِ ومُشَاوَرَتِهِ، ولِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْذَنَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ. وَرَوَى ابنُ إِسْحَاقَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: لَمّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ وَالأَحْزَابُ عَلَى حَرْبِ المُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، أَمَرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بِحَفْرِ خَنْدَقِ المَدِينَةِ، وَأَخَذَ يَعْمَلُ بِنَفْسِهِ تَرْغِيباً للمُسْلِمِينَ فِي الأَجْرِ، فَعَمِلَ المُسْلِمُونَ، وَأَبْطَأَ رِجَالٌ مِنَ المُنَافِقِينَ، وَأَخَذُوا يَقُومُونَ بالضَّعِيفِ مِنَ العَمَلِ وَيَتَسَلَّلُونَ بِغَيْرِ إِذْنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. وَكَانَ المُسْلِمُونَ يَسْتَأْذِنُونَ الرَّسُولَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِم، فَإِذَا قَضَى أَحَدُهُمْ حَاجَتَهُ رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ عَمَلٍ، رَغْبَةً فِي الخَيْرِ والأَجْرِ، واحْتِسَاباً لَهُ. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّ هَؤُلاَءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقّاً. أَمْرٍ جَامِعٍ - أَمْرٍ مُهِمٍّ يَجِبُ اجْتِمَاعُهُمْ لَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المؤمن: مَنْ آمن بإله وآمن بالرسول المبلّغ عن الإله، وما دُمْتَ قد آمنتَ بالرسول المبلِّغ عن الله فلا بُدَّ أن تكون حركتك خاضعةً لأوامره، ويجب أن تكون ذاتك له، فإذا رأى الرسول أمراً جامعاً يجمع المسلمين في خَطْب أو حدث أو حرب، ثم يدعوكم إلى التشاور لِيُدلي كل منكم برأيه وتجربته، ويُوسِّع مساحة الشورى في المجتمع ليأتي الحكم صحيحاً سليماً موافقاً للمصلحة العامة. فالمؤمن الحق إذا دُعِي إلى مثل هذا الأمر الجامع، لا يقوم من مجلسه حتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس إلزاماً أنْ يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أمر المسلمين الجامع لهم قد يكون أهمّ من الأمر الذي يشغلك، وتريد أن تقوم من أجله، وتترك مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ..} [النور: 62] فالاستئذان هنا من علامات الإيمان، لا يقوم خِلْسة (وينسلت) من المجلس، لا يشعر به أحد، لا بُدَّ من أن يستأذن رسول الله حتى لا يُفوت مصلحة على المؤمنين، ولربما كان له رَأْيٌ ينتفع به. والرسول إنما يستشير أصحابه ليستنير برأيهم وتجاربهم، فحين يدعوهم إلى أمر جامع يجب أن يُفهم هذا الأمر على نطاق منزلة الرسول من بلاغه عن الله للأمة، فإذا دعا نفر نفراً للتشاور، فإنما يتشاوران في أمر شخصي يخصُّ صاحبه، لكن حين يدعوهم رسول الله لا يدعو لخصوصية واحدة، وإنما لخصوصية أمة، شاء الله أن تكون خير أمة أُخْرِجَتْ للناس، وسوف يستفيد الفرد أيضاً من هذه الدعوة، وربما كانت استفادته من الاستجابة للدعوة العامة التي تنتظم كل الناس خَيْراً من استفادته من دعوته الخاصة، فيجب أنْ يُقدِّر المدعو هذا الفارق. ومع وجود هذا الفارق لم يَحرِم اللهُ بعضَ الناس الذين لهم مشاغل أنْ يستأذنوا فيها رسول الله وينصرفوا؛ لذا شرع لهم الاستئذان، لكن يجب أنْ يضعوا هذا الفارق في بالهم، وأنْ يذكروا أنهم انصرفوا لبعض شأنهم، والرسول قائم في أمر لشئون الدنيا كلها إلى أنْ تقوم الساعة. فكأنه إنْ شارك في هذا الاجتماع فسيستفيد كفرد، وستستفيد أمته: المعاصرون منهم والآتُون إلى أنْ تقومَ الساعة، فإنْ فضّل شأنه الخاص على هذه الشئون فقد أساء، وفعل مَا لا يليق بمؤمن؛ لذلك أُمر رسول الله أنْ يأذنَ لمنْ يشاء، ثم يستغفر له اللهَ. يقول سبحانه: {فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ..} [النور: 62] فالأمر متروك لرسول الله يُقدِّره حَسْب مصلحة المسلمين العامة، فَلَهُ أن يأذنَ أو لا يأذنَ. إذن: لا بُدَّ من استئذان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأذن لمَنْ يشاء منهم ممَّنْ يرى أن في الباقين عِوَضاً عنه وعن رأيه، فإنِ استأذن صاحب رأي يستفيد منه المسلمون لم يأذن له. ثم يقول سبحانه: {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ ..} [النور: 62]، وكأن مسألة الاستئذان والقيام من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر لا يريده الله تعالى. حتى إن استأذنتَ لأمر يهمك، وحتى إنْ أَذِن لك رسول الله، فالأفضل ألاَّ تستأذن؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يدعو لأمر جامع يُهِمّ جماعة المسلمين، يجب ألاَّ ينشغل أحد عَمَّا دُعِي إليه، وألاَّ يُقدِّم على مصلحة المسلمين ومجلس رسول الله شيئاً آخر، ففي الأمر الجامع ينبغي أنْ يُكتّل الجميع مواهبهم وخواطرهم في الموضوع، وساعة تستأذن لأمر يخصُّك فأنت منشغل عن الجماعة شارد عنهم. فحين تنشغل بأمرك الخاص عن أمر المسلمين العام، فهذه مسألة تحتاج إلى استغفار لك من رسول الله، فالرسول يأذن لك، ثم يستغفر لك الله. ثم يقول الحق سبحانه: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا إرشاد من الله لعباده المؤمنين، أنهم إذا كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم على أمر جامع، أي: من ضرورته أو من مصلحته، أن يكونوا فيه جميعا، كالجهاد، والمشاورة، ونحو ذلك من الأمور التي يشترك فيها المؤمنون، فإن المصلحة تقتضي اجتماعهم عليه وعدم تفرقهم، فالمؤمن بالله ورسوله حقا، لا يذهب لأمر من الأمور، لا يرجع لأهله، ولا يذهب لبعض الحوائج التي يشذ بها عنهم، إلا بإذن من الرسول أو نائبه من بعده، فجعل موجب الإيمان، عدم الذهاب إلا بإذن، ومدحهم على فعلهم هذا وأدبهم مع رسوله وولي الأمر منهم، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } ولكن هل يأذن لهم أم لا؟ ذكر لإذنه لهم شرطين: أحدهما: أن يكون لشأن من شئونهم، وشغل من أشغالهم، فأما من يستأذن من غير عذر، فلا يؤذن له. والثاني: أن يشاء الإذن فتقتضيه المصلحة، من دون مضرة بالآذن، قال: { فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ } فإذا كان له عذر واستأذن، فإن كان في قعوده وعدم ذهابه مصلحة برأيه، أو شجاعته، ونحو ذلك، لم يأذن له، ومع هذا إذا استأذن، وأذن له بشرطيه، أمر الله رسوله أن يستغفر له، لما عسى أن يكون مقصرا في الاستئذان، ولهذا قال: { وَاسْتَغْفِرْ لَهُم اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } يغفر لهم الذنوب ويرحمهم، بأن جوز لهم الاستئذان مع العذر. { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم ودعائكم للرسول كدعاء بعضكم بعضا، فإذا دعاكم فأجيبوه وجوبا، حتى إنه تجب إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم في حال الصلاة، وليس أحد إذا قال قولا يجب على الأمة قبول قوله والعمل به، إلا الرسول، لعصمته، وكوننا مخاطبين باتباعه، قال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } تفسير : وكذلك لا تجعلوا دعاءكم للرسول كدعاء بعضكم بعضا، فلا تقولوا: " يا محمد " عند ندائكم، أو " يا محمد بن عبد الله " كما يقول ذلك بعضكم لبعض، بل من شرفه وفضله وتميزه صلى الله عليه وسلم عن غيره، أن يقال: يا رسول الله، يا نبي الله. { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا } لما مدح المؤمنين بالله ورسوله، الذين إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، توعد من لم يفعل ذلك وذهب من غير استئذان، فهو وإن خفي عليكم بذهابه على وجه خفي، وهو المراد بقوله: { يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا } أي: يلوذون وقت تسللهم وانطلاقهم بشيء يحجبهم عن العيون، فالله يعلمهم، وسيجازيهم على ذلك أتم الجزاء، ولهذا توعدهم بقوله: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } أي: يذهبون إلى بعض شئونهم عن أمر الله ورسوله، فكيف بمن لم يذهب إلى شأن من شئونه؟" وإنما ترك أمر الله من دون شغل له. { أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } أي: شرك وشر { أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. { أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } ملكا وعبيدا، يتصرف فيهم بحكمه القدري، وحكمه الشرعي. { قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ } أي: قد أحاط علمه بما أنتم عليه، من خير وشر، وعلم جميع أعمالكم، أحصاها علمه، وجرى بها قلمه، وكتبتها عليكم الحفظة الكرام الكاتبون. { وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } في يوم القيامة { فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا } يخبرهم بجميع أعمالهم، دقيقها وجليلها، إخبارا مطابقا لما وقع منهم، ويستشهد عليهم أعضاءهم، فلا يعدمون منه فضلا أو عدلا. ولما قيد علمه بأعمالهم، ذكر العموم بعد الخصوص، فقال: { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }.

همام الصنعاني

تفسير : 2077- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ}: [الآية: 62]، قال: هو الجمعة إذَا كانوا معه فِيهَا، لم يذهَبُوا حَتَّى يسْتأذنوه. 2078- قال معمر، وقال الكلبي، كان ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما اليوم فإنه إذنه أن يأخذ تابعه وينصرف.