Verse. 2854 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

لَا تَجْعَلُوْا دُعَاۗءَ الرَّسُوْلِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاۗءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا۝۰ۭ قَدْ يَعْلَمُ اللہُ الَّذِيْنَ يَتَسَلَّـلُوْنَ مِنْكُمْ لِوَاذًا۝۰ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِيْنَ يُخَالِفُوْنَ عَنْ اَمْرِہٖۗ اَنْ تُصِيْبَہُمْ فِتْنَۃٌ اَوْ يُصِيْبَہُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۶۳
La tajAAaloo duAAaa alrrasooli baynakum kaduAAai baAAdikum baAAdan qad yaAAlamu Allahu allatheena yatasallaloona minkum liwathan falyahthari allatheena yukhalifoona AAan amrihi an tuseebahum fitnatun aw yuseebahum AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا» بأن تقولوا يا محمد، بل قولوا يا نبيَّ الله، يا رسول الله، في لين وتواضع وخفض صوت «قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا» أي يخرجون من المسجد في الخطبة من غير استئذان خفية مستترين بشيء، وقد للتحقيق «فليحذر الذين يخالفون عن أمره» أي الله ورسوله «أن تصيبهم فتنة» بلاء «أو يصيبهم عذاب أليم» في الآخرة.

63

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} يريد: يَصيح من بعيد: يا أبا القاسم! بل عظّموه كما قال في الحُجُرات {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحجرات: 3] الآية. وقال سعيد بن جُبير ومُجاهد: المعنى قولوا يا رسول الله، في رِفق ولِين، ولا تقولوا يا محمد بتجهُّم. وقال قتادة: أمرهم أن يشّرفوه ويفخّموه. ابن عباس: لا تتعرضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن دعوته موجبة. {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} التسلّلل والانسلال: الخروج. واللِّواذ من الملاوذة، وهي أن تستتر بشيء مخافة مَن يراك؛ فكان المنافقون يتسلّلون عن صلاة الجمعة. «لِوَاذاً» مصدر في موضع الحال؛ أي متلاوذين، أي يلوذ بعضهم ببعض، ينضم إليه استتاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة؛ حكاه النقاش، وقد مضى القول فيه. وقيل: كانوا يتسلّلون في الجهاد رجوعاً عنه يلوذ بعضهم ببعض. وقال الحسن: لواذاً فراراً من الجهاد؛ ومنه قول حسان:شعر : وقريشٌ تجول منا لِوَاذا لم تحافظ وخَفّ منها الحُلُوم تفسير : وصحّت واوها لتحركها في لاوذ. يقال: لاوذ يلاوِذ ملاوذة ولِواذاً. ولاذ يلوذ (لواذاً) ولِياذا؛ انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها اتباعاً للاذ في الاعتلال؛ فإن كان مصدرَ فاعَل لم يُعَلّ؛ لأن فاعَل لا يجوز أن يُعَلّ. قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} بهذه الآية احتجّ الفقهاء على أن الأمر على الوجوب. ووجهها أن الله تبارك وتعالى قد حذّر من مخالفة أمره، وتوعّد بالعقاب عليها بقوله: {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فتحرُم مخالفته، فيجب امتثال أمره. والفتنة هنا القتل؛ قاله ابن عباس. عطاء: الزلازل والأهوال. جعفر بن محمد: سلطان جائر يُسلّط عليهم. وقيل: الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول. والضمير في «أَمْرِهِ» قيل هو عائد إلى أمر الله تعالى؛ قاله يحيـى بن سلام. وقيل: إلى أمر رسوله عليه السلام؛ قاله قتادة. ومعنى {يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي يُعرضون عن أمره. وقال أبو عبيدة والأخفش: «عن» في هذا الموضع زائدة. وقال الخليل وسيبويه: ليست بزائدة؛ والمعنى؛ يخالفون بعد أمره؛ كما قال:شعر : ... لـم تَـنْـتَـطِـق عـن تَـفَـضُّـلِ تفسير : ومنه قوله: «فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ» أي بعد أمر ربه. و«أن» في موضع نصب بِـ«ـيَحْذر». ولا يجوز عند أكثر النحويين حذِر زيداً، وهو في «أن» جائز؛ لأن حروف الخفض تحذف معها.

ابن كثير

تفسير : قال الضحاك عن ابن عباس: كانوا يقولون: يا محمد يا أبا القاسم فنهاهم الله عز وجل عن ذلك؛ إعظاماً لنبيه صلى الله عليه وسلم قال: فقولوا يا نبي الله، يا رسول الله وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير. وقال قتادة: أمر الله أن يهاب نبيه صلى الله عليه وسلم وأن يبجل، وأن يعظم، وأن يسود. وقال مقاتل في قوله: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} يقول: لا تسموه إذا دعوتموه يا محمد ولا تقولوا: يابن عبد الله، ولكن شرفوه، فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله. وقال مالك عن زيد بن أسلم في قوله: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} قال: أمرهم الله أن يشرفوه، هذا قول، وهو الظاهر من السياق، كقوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَٰعِنَا} تفسير : [البقرة: 104] إلى آخر الآية. وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ}تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ}تفسير : [الحجرات: 2 ــــ 5] الآية، فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم والكلام معه وعنده؛ كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته. والقول الثاني في ذلك: أن المعنى في: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره؛ فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا، حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري وعطية العوفي، والله أعلم. وقوله: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} قال مقاتل بن حيان: هم المنافقون، كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة، ويعني بالحديث: الخطبة، فيلوذون ببعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة بعد ما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروج، أشار بأصبعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم كان إذا تكلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، بطلت جمعته. وقال السدي: كانوا إذا كانوا معه في جماعة، لاذ بعضهم ببعض حتى يتغيبوا عنه فلا يراهم، وقال قتادة في قوله: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} يعني: لواذاً عن نبي الله وعن كتابه. وقال سفيان: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} قال: من الصف، وقال مجاهد في الآية: {لِوَاذاً}: خلافاً. وقوله: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي: عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائناً من كان، كما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد» تفسير : أي: فليحذر وليخشَ من خالف شريعة الرسول باطناً وظاهراً {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي: في قلوبهم؛ من كفر أو نفاق أو بدعة {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: في الدنيا؛ بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك. كما روى الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار، يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويقتحمن فيها ــــ قال ــــ فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار؛ هلم عن النار، فتغلبوني، وتقتحمون فيها» تفسير : أخرجاه من حديث عبد الرزاق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً } بأن تقولوا يا محمد، بل قولوا: يا نبيَّ الله، يا رسول الله، في لِينٍ وتواضعٍ وخفضِ صَوْت {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً } أي يخرجون من المسجد في الخطبة من غير استئذان خفية مستترين بشيء، (وقد) للتحقيق {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } أي الله أو رسوله {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } بلاء {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً} الآية. فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه نهي من الله عن التعرض لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسخاطه لأن دعاءه يوجب العقوبة وليس كدعاء غيره، قاله ابن عباس. الثاني: أنه نهي من الله عن دعاء رسول الله بالغلظة والجفاء وَلْيَدْعُ بالخضوع والتذلل: يا رسول الله، يا نبي الله، قاله مجاهد، وقتادة. الثالث: أنه نهي من الله عن الإِبطاء عند أمره والتأخر عند استدعائه لهم إلى الجهاد ولا يتأخرون كما يتأخر بعضهم عن إجابة بعض، حكاه ابن عيسى. {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} فيه قولان: أحدهما: أنهم المنافقون كانوا يتسلّلُون عن صلاة الجمعة لواذاً أي يلوذ بعضهم ببعض ينضم إليه استتاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة فنزل ذلك فيهم، حكاه النقاش. الثاني: أنهم كانوا يتسللون في الجهاد رجوعاً عنه يلوذ بعضهم ببعض لواذاً فنزل ذلك فيهم، قاله مجاهد. وقال الحسن معنى قوله: {لِوَاذاً} أي فراراً من الجهاد، ومنه قول حسان ابن ثابت: شعر : وقريش تجول منكم لواذاً لم تحافظ وخفّ منها الحلوم تفسير : {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} فيه قولان: أحدهما: يخالفون عن أمر الله، قاله يحيى بن سلام. الثاني: عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة. ومعنى قوله: {يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي يعرضون عن أمره، وقال الأخفش: {عَنْ} في هذا الموضع زائدة ومعنى الكلام فليحذر الذين يخالفون أمره، وسواء كان ما أمرهم به من أمور الدين أو الدنيا. {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} فيها ثلاثة تأويلات: أحدها: كفر، قاله السدي. الثاني: عقوبة، قاله ابن كامل. الثالث: بلية تُظْهِرُ ما في قلوبهم من النفاق، حكاه ابن عيسى. {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فيه قولان: أحدهما: القتل في الدنيا، قاله يحيى بن سلام. الثاني: عذاب بجهنم في الآخرة.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية مخاطبة لجميع معاصري رسول الله. وأمرهم الله أن لا يجعلوا مخاطبة رسول الله في النداء كمخاطبة بعضهم لبعض فإن سيرتهم كانت التداعي بالأسماء وعلى غاية البداوة وقلة الاهتبال، فأمرهم الله تعالى في هذه الآية وفي غيرها أن يدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشرف أسمائه وذلك هو مقتضى التوقير والتعزيز، فالمنبغي في الدعاء أن يقول يا رسول الله، وأن يكون ذلك بتوقير وخفض صوت وبر، وأن لا يجري ذلك على عادتهم بعضهم في بعض قاله مجاهد، وغيره، وقال ابن عباس المعنى في هذه الآية إنما هو لا تحسبوا دعاء الرسول عليكم {كدعاء بعضكم} على بعض أي دعاؤه عليكم مجاب فاحذروه. قال الفقيه الإمام القاضي : ولفظ الآية يدفع هذا المعنى. والأول أصح ثم أخبرهم تعالى أن المتسللين منهم {لواذًا} قد علمهم. واللواذ الروغان والمخالفة وهو مصدر لاوذ وليس بمصدر لاذ لأنه كان يقال له لياذاً ذكره الزجاج وغيره، ثم أمرهم بالحذر من عذاب الله ونقمته إذا خالفوا عن أمره، وقوله {يخالفون عن أمره} معناه يقع خلافهم بعد أمره وهذا كما تقول كان المطر عن ريح وعن هي لما عدا الشيء والفتنة في هذا الموضع الإخبار بالرزايا في الدنيا وبالعذاب الأثيم في الآخرة ولا بد للمنافقين من أحد هذين ملكاً وخلفاً، ثم أخبرهم أنه قد علم ما أهل الأرض والسماء عليه وخص منهم بالذكر المخاطبين لأن ذلك موضع الحجة عليهم وهم به أعني وقوله: {ويوم يرجعون} يجوز أن يكون معمولاً لقوله {يعلم} ويجوز أن يكون التقدير والعلم الظاهر لكم أو نحو هذا يوم فيكون النصب على الظرف، وقرأ الجمهور "يُرجَعون" بضم الياء وفتح الجيم، وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق وأبو عمر "يَرجِعون" بفتح الياء وكسر الجيم، وقال عقبة بن عامر الجهني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية خاتمة النور فقال "حديث : والله بكل شيء بصير" تفسير : وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ} نهى عن التعرض لدعائه بإسخاطه فإن دعاءه يوجب العقوبة وليس كدعاء غيره "ع"، أو لا تدعونه بالغلظة والجفاء ولكن بالخضوع والتذلل؛ يا رسول الله، يا نبي الله، أو لا تتأخروا عن أمره ولا تقعدوا عن استدعائه إلى الجهاد كما يتأخر بعضهم عن أجابة بعض {الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ} المنافقون يتسللون عن صلاة الجمعة يلوذ بعضهم ببعض استتاراً من الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن أثقل عليهم من الجمعة وحضور الخطبة، أو كانوا يتسللون في الجهاد برجوعهم عنه يلوذ بعضهم ببعض {لِوَاذاً} فراراً من الجهاد "ح" {يُخَالِفُونَ} يعرضون، أو "عن" صلة {عَنْ أَمْرِهِ} أمر الله ـ تعالى ـ، أو الرسول صلى الله عليه وسلم {فِتْنَةٌ} كفر، أو عقوبة، أو بلية تظهر نفاقهم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} جهنم، أو القتل في الدُنيا.

ابو السعود

تفسير : {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ} استئنافٌ مقرر لمضمون ما قبله والالتفاتُ لإبراز مزيدِ الاعتناءِ بشأنه أي لا تجعلُوا دعوتَه عليه الصلاة والسلام إيَّاكم في الاعتقاد والعملِ بها {كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً} أي لا تقيسُوا دعاءَه عليه الصَّلاة والسَّلام إيَّاكُم على دعاء بعضِكم بعضاً في حالٍ من الأحوال وأمرٍ من الأمور التي من جُملتها المساهلةُ فيه والرُّجوعُ عن مجلسه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بغير استئذانٍ فإنَّ ذلكَ من المحرَّماتِ وقيل: لا تجعلُوا دعاءَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ربَّه كدعاءِ صغيرِكم كبـيرَكم يجيبه مرَّةً ويردُّه أُخرى فإنَّ دعاءَه مستجابٌ لا مردَّ له عند الله عزَّ وجلَّ وتقريرُ الجملةِ حينئذٍ لما قبلها أما من حيثُ إنَّ استجابتَه تعالى لدعائِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ممَّا يُوجب امتثالَهم بأوامره عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ومتابعتَهم له في الورود والصُّدورِ أكملَ إيجابٍ وأما من حيثُ إنها موجبةٌ للاحتراز عن التَّعرض لسخطه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ المؤدِّي إلى ما يُوجبُ هلاكَهم من دعائه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عليهم، وأمَّا ما قيل من أنَّ المعنى لا تجعلُوا نداءَه عليه الصَّلاةُ والسلام كنداءِ بعضِكم بعضاً باسمِه ورفع الصَّوتِ والنِّداءِ من وراء الحجراتِ ولكن بلقبِه المعظَّم مثل: يا رسولَ الله يا نبـيَّ الله، مع غايةِ التَّوقيرِ والتَّفخيمِ والتَّواضعِ وخفضِ الصَّوتِ فلا يناسب المقامَ فإن قوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ} الخ، وعيدٌ لمخالفي أمرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فيما ذُكر من قبل فتوسيطُ ما ذكر بـينهما ممَّا لا وجهَ له، والتَّسللُ الخروجُ من البـين على التَّدريجِ والخفيةِ وقد للتَّحقيق كما أنَّ رُبَّ تجيء للتَّكثير حسبما بُـيِّن في مطلع سورةِ الحجرِ أي يعلمُ الله الذين يخرجُون من الجماعة قليلاٌ قليلاً على خُفيةٍ {لِوَاذاً} أي مُلاوذةً بأن يستترَ بعضُهم ببعضٍ حتَّى يخرجَ أو بأن يلوذَ بمن يخرجُ بالإذنِ إراءةً أنَّه من أتباعِه. وقُرىء بفتحِ اللاَّمِ وانتصابِه على الحاليةِ من ضمير يتسللون أي مُلاوذين أو على أنَّه مصدرٌ مؤكِّد لفعل مضمرٍ هو الحالُ في الحقيقة أي يلوذُون لِواذاً، والفاء في قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} لترتيب الحذرِ أو الأمر به على ما قبلها من علمه تعالى بأحوالهم فإنَّه ممَّا يُوجب الحذرَ البتةَ أي يخالفون أمرَه بترك مقتضاه ويذهبونَ سمتاً خلافَ سمتِه إما لتضمُّنه معنى الإعراضِ أو حملِه على معنى يصدُّون على أمره دُون المؤمنين من خالفَه عن الأمر إذا صدَّ عنه دونه، وحذفُ المفعولِ لما أنَّ المقصودَ بـيانُ المُخالِفِ والمُخالَفَ عنه. والضَّميرُ لله تعالى لأنَّه الآمرُ حقيقةً أو للرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لأنَّه المقصودُ بالذِّكر {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي محنةٌ في الدُّنيا {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي في الآخرةِ وكلمةُ أَوْ لمنع الخلوِّ دون الجمعِ وإعادة الفعلِ صريحاً للاعتناء بالتَّهديد والتَّحذيرِ واستُدلَّ به على أنَّ الأمرَ للإيجاب فإنَّ ترتيب العذابـينِ على مخالفته كما يُعرب عنه التَّحذيرُ عن إصابتهما يوجبُ وجوبَ الامتثالِ به حتماً.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} [الآية: 63]. قال ابن عطاء رحمه الله: لاتخاطبوه مخاطبة، ولا تدعوه بكنيته واسمه، واتبعوا أداء الله فيه بدعائه يا أيها النبى ويا أيها الرسول. قال جعفر: الحرمات تتبع بعضها بعضًا من ضيع حرمة الحق فقد ضيَّع حرمة المؤمنين، ومن ضيَّع حرمة المؤمنين فقد ضيَّع حرمة الأولياء، ومن ضيّع حرمة الأولياء فقد ضيّع حرمة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ضيع حرمة الرسول فقد ضيّع حرمة الله عز وجل، ومن ضيّع حرمة الله فقد دخل فى ديوان الأشقياء، وأفضل الأخلاق حفظ الحرمات، ومن أسقط عن قلبه الحرمات تهاون بالفرائض والسنن. قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [الآية: 63]. قال أبو سعيد الخراز: الفتنة هو إسباغ النعم على الاستدراج من حيث لا يعلم العبد. قال الجنيد رحمه الله: الفتنة هو انتكاس القلب حتى لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا. قال النووى: الفتنة هى الاشتغال بشىء دون الله. قال رويم: الفتنة للعوام، والبلاء للخواص. قال أبو بكر بن الطاهر: الفتنة مأخوذ بها، والبلاء معفو عنه ومثاب عليه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً}. أي عَظِّموه في الخطاب، واحفظوا في خدمته الأدبَ، وعانِقوا طاعتَه على مراعاةِ الهيبة والتوقير. قوله جلّ ذكره: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. سعادة الدارين في متابعةَ السنَّة، وشقاوة المنزلين في مخالفة السُّنَّة. ومِنْ أَيْسَرِ ما يُصيب مَنْ خَالَفَ سُنتَه حرمانُ الموافقة، وتَعَذُّرُ المتابعة بعده، وسقوط حشمة الدارين عن قلبه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} احترام الرّسول من احترام الله ومعرفته من معرفة الله والادب فى متابعته من الادب مع الله قال ابن عطا لا تخاطبوه مخاطبة ولا تدعوه بكنيته واسمه واتبعوا أداب الله فيه بدائه يا ايّها النبي ويا ايّها الرسول قوله تعالى {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} الفتنة لههنا والله اعلم فتنة صحبة الاضداد والمخالفين والمنكرين وذلك ان من صاحبهم بسوء ظنه باولياء الله لانهم اعداء الله واعداء اوليائه يقعون كل وقت فى الحق ويقبحون احوالهم عند العامة لصرف وجوه الناس اليهم وهذه الفتنة اعظم الفتن قال ابو سعيد الحرار الفتنة هى اسباغ النعم مع الاستدراج من حيث لا يعلم العبد وقال رديم الفتنة للعوام والبلاء للخواص وقال ابو بكر بن طاهر الفتنة ماخوذ بها والبلاء معفو عنه ومثاب عليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {لاتجعلوا دعاء الرسول بينكم} المصدر مضاف الى الفاعل اى لاتجعلوا دعوته وامره اياكم فى الاعتقاد والعمل بها {كدعاء بعضكم بعضا} اى لا تقيسوا دعوته اياكم الى شىء من الامور على دعوة بعضكم بعضا فى جواز الاعراض والمساهلة فى الاجابة والرجوع بغير اذن فان المبادرة الى اجابته واجبة والمراجعة بغير اذنه محرمة، وقال بعضهم المصدر مضاف الى المفعول والمعنى لاتجعلوا نداءكم اياه وتسميتكم له كنداء بعضكم بعضا باسمه مثل يا محمد ويا ابن عبدالله ورفع الصوت به والنداء وراء الحجرة ولكن بلقبه المعظم مثل يانبى الله ويارسول الله كما قال تعالى {أية : ياايها النبى} {أية : ياايها الرسول}تفسير : قال الكاشفى [حضرت عزت همه انبيارا بنداى علامت خطاب كرده وحبيب خودرا بنداى كرامت] شعر : يا آدمست با بدرانبيا خطاب يا ايها النبى خطاب محمد است تفسير : قال ابو الليث فى تفسيره وفى الآية بيان توقير معلم الخير لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معلم الخير فامر الله بتوقيره وتعظيمه وفيه معرفة حق الاستاذ وفيه معرفة اهل الفضل، قال فى حقائق البقلى احترام الرسول من احترام الله ومعرفته من معرفة الله والادب فى متابعته من الادب مع الله. وفى التأويلات النجمية يشير الى تعظيم المشايخ فان الشيخ فى قومه كالنبى فى امته اى عظموا حرمة الشيوخ فى الخطاب واحفظوا فى خدمتهم الادب وعلقوا طاعتهم على مراعاة الهيبة والتوقير {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم} قد للتحقيق بطريق الاستعارة لاقتضاء الوعيد اياه كما ان رب يجيىء للتكثير وفى الكواشى قد هنا موذنة بقلة المتسللين لانهم كانوا اقل من غيرهم، والتسلل الخروج من البين على التدريج والخفية يقال تسلل الرجل اى انسرق من الناس وفارقهم بحيث لايعلمون والمعنى يعلم الله الذين يخرجون من الجماعة قليلا قليلا على خفية {لواذا} هو ان يستتر بشىء مخالفة من يراه كما فى الوسيط، قال فى القاموس اللوذ بالشىء الاستتار والاحتصان به كاللواذا مثلثة انتهى. والمعنى ملاوذة بان يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج او بان يلوذ بمن يخرج بالاذن، اراءة انه من اتباعه وانتصابه على الحالية من ضمير يتسللون اى ملاوذين او على انه مصدر مؤكد بفعل مضمر هو الجللة فى الحقيقة اى يلاوذون لواذا وهو عام للتسلل من صف القتال ومن المسجد يوم الجمعة وغيرهما من المجامع الحقة، وقال بعضهم كان يثقل على المنافقين خطبة النبى يوم الجمعة فيلوذون ببعض اصحابه او بعضهم ببعض فيخرجون من المسجد فى استتار من غير استئذان فاوعدهم الله تعالى بهذه الآية {فليحذر الذين يخالفون عن امره} يخالفون امره بترك مقتضاه ويذهبون سمتا بخلاف سمته وعن لتضمينه معنى الاعراض والميل والضمير لله لانه الآمر حقيقة او للرسول لانه المقصود بالذكر {ان} اى من ان {تصيبهم} [برسدبريشان] {فتنة} محنة فى الدنيا فى البدن او فى المال او فى الولد كالمرض والقتل والهلاك وتسلط السلطان، قال الكاشفى [يامهرغفلت بردل ياروى توبة.جنيد قدس سره فرموده كه فتنة سختىء دلست ومتأثر ناشدن او ازمعرفت آلهى] {او يصيبهم عذاب اليم} اى فى الآخرة، وفى الجلالين {ان تصيبهم فتنة} بلية تظهر نفاقهم {او يصيبهم عذاب اليم} عاجل فى الدنيا انتهى وكلمة او لمنع الخلودون الجمع واعادة الفعل صريحاً للاعتناء بالتحذير وفى ترتيب العذابين على المخالفة دلالة على ان الامر للوجوب. وفى التأويلات النجمية {فليحذر الذين يخالفون عن امره} اى عن امر شيخهم {ان تصبيهم فتنة} من موجبات الفترة بكثرة المال او قبول الخلق او التزويج بلا وقته او السفر بلا امر الشيخ او مخالفة الاحداث و النسوان والافتتان بهم او صحبة الاغنياء او التردد على ابواب الملوك او طلب المناصب او كثرة العيال فان الاشتغال بما سوى الله فتنة {او يصيبهم عذاب اليم} بالانقطاع عن الله ا نتهى، وفى حقائق البقلى الفتنة ههنا والله اعلم فتنة صحبة الاضداد والمخالفين والمنكرين وذلك ان من صاحبهم يسوء ظنه باولياء الله لانهم اعداء الله واعداء اوليائه يقعون كل وقت فى الحق ويقبحون احوالهم عند العامة لصرف وجوه الناس اليهم وهذه الفتنة اعظم الفتن، قال ابو سعيد الحراز ورحمه الله الفتنة هى اسباغ النعم مع الاستدراج من حيث لا يعلم العبد، وقال رويم الفتنة للعوام والبلاء للخواص، وقال ابو بكر بن طاهر الفتنة مأخوذ بها والبلاء معفو عنه ومثاب عليه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {لا تجعلوا دُعاءَ الرسولِ بينكم كدُعَاءِ بعضِكم بعضاً} أي: إذا احتاج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اجتماعكم لأمر جامع، فدعَاكم، فلا تتفرقوا عنه إلا بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضاً، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الراعي؛ لأن أمره - عليه الصلاة والسلام - وشأنه ليس كشأنكم: أو: لا تجعلوا دعاء الرسول على أحد، كدعاء بعضكم على بعضاً، فإنَّ غضبه عليه ليس كغضبكم؛ لأن غضبه غضب الله، ودعاءه مستجاب. وهذا يناسب ما قبله من جهة التحذير عن ترك الاستئذان، فإنَّ من رجع بغير استئذان معرض لغضبه - عليه الصلاة والسلام - ودعائه عليه. أو: لا تجعلوا نداءه صلى الله عليه وسلم كنداء بعضكم بعضاً؛ كندائه باسمه، ورفع الصوت عليه، وندائه من وراء الحُجرات، ولكن بلَقَبه المعظم؛ يا رسول الله، يا نبي الله، مع غاية التوقير والتفخيم والتواضع وخفض الصوت. قال القشيري: أي: عَظِّموه في الخطاب، واحفظوا حرمته وخدمته في الأدب، وعانقوا طاعته على مراعاة الهيبة والتوقير. هـ. فالإضافة، على الأوليْن: للفاعل، وعلى الثالث؛ للمفعول، لكنه بعيد من المناسبة لما قبله ولما بعده في قوله: {قد يعلم الله الذين يتسللون} أي: يخرجون قليلاً قليلاً على خِفْيَةٍ منكم، {لِوَاذاً} أي: ملاوذين، بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج، أو يلوذ بمن يخرج بالإذن؛ إراءة أنه من أتباعه. أو مصدر، أي: يلوذون لواذاً. واللواذ: الملاوذة، وهي التعلق بالغير، وهو أن يلوذ هذا بهذا في أمر، أي: يتسللون عن الجماعة؛ خفية، على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض. ثم هددهم على المخالفة بقوله: {فليحذرِ الذين يُخالفون عن أمره} أي: الذين يصدون عن أمره، يقال: خالفه إلى الأمر: إذا ذهب إلى دونه، ومنه: {أية : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}تفسير : [هود: 88]، وخالفه عن الأمر: إذا صد عنه. والضمير: إما لله سبحانه، أو للرسول عليه الصلاة والسلام -، وهو أنسب؛ لأنه المقصود بالذكر. والمعنى: فليحذر الذين يخالفون عن طاعته ودينه وسنَّته، {أن تُصيبَهم فتنةٌ}؛ محنة في الدنيا؛ كقتل أو زلازل وأهوال، أو تسليط جائر، أو عدو، أو قسوة قلب. أو كثرة دنيا؛ استدراجاً وفتنة. قال القشيري: سعادة الدارين في متابعة السُّنَّة، وشقاوتهما في مخالفتها، ومما يصيب من خالفها: سقوط حشمة الدين عن القلب. هـ. {أو يُصيبهم عذابٌ أليم} في الآخرة. والآية تدل على أن الأمر للإيجاب، وكلمة "أو": لمنع الخلو، دون منع الجمع. وإعادة الفعل صريحاً؛ للاعتناء بالتهديد والتحذير. {أَلاَ إنَّ لله ما في السمواتِ والأرضِ} من الموجودات، خلقاً وملكاً وتصرفاً، وإيجاداً وإعداماً، بَدْءاً وإعادةً، و "ألاَ": تنبيه على أن يخالفوا من له ما في السموات والأرض. {قد يعلمُ ما أنتم عليه} أيها المُكَلَّفُون، من الأحوال والأوضاع، التي من جملتها الموافقةُ والمخالفةُ، والإخلاصُ والنفاقُ. وأدخل "قد"؛ ليؤكد علمه بما هم عليه، ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد. والمعنى: أن جميع ما استقر في السموات تحت ملكه وسلطانه وإحاطة علمه، فكيف يخفى عليه أحوال المنافقين، وإن اجتهدوا في سترها؟! {ويوم يُرجعون إليه} أي: ويعلم يوم يُردون إلى جزائه، وهو يوم القيامة. والخطاب والغيبة في قوله: {قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه} يجوز أن يكون للمنافقين، على طريق الالتفات، ويجوز أن يكون {ما أنتم عليه} عاماً، و {يُرجعون} للمنافقين. {فينبئهم} حينئذٍ {بما عملوا} من الأعمال السيئة، التي من جملتها: مخالفة الأمر، ليرتب على ذلك الإنباء ما يليق به من التوبيخ والجزاء. {والله بكل شيءٍ عليم}، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قرأ سورة النور على المنبر في الموسم، وفسرها على وجه لو سمعته الروم لأسلمت. هـ. وأما ما ورد في فضل السور فموضوع، وقد غلط من ذكره من المفسرين. وبالله التوفيق. الإشارة: شيوخ التربية خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في القيام بالتربية النبوية، فيجب امتثال كل ما أمروا به، واجتناب كل ما نهوا عنه، فُهِمَ معناه أو لم يُفهم. فإذا كانوا مجموعين في أمر جامع لم يذهب أحد حتى يستأذن شيخه، ولا يكفي إِذْنُ بَعْضِ الفقراء، إلا إنْ وَجّهَهُ الشيخ لذلك، فلا يكون دعاء الشيخ كدعاء بعضكم بعضاً في التساهل في مخالفة أمره، أو امتثال أمره. قد يعلم الله الذين يتسللون، فيفرون عنه؛ لِواذاً، فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة؛ كتسليط الدنيا عليه فتفتنه وتنسخ حلاوة الشهود من قلبه، أو يصيبهم عذاب أليم، وهو السلب بعد العطاء، والعياذ بالله من الزلل ومواقع الضلال. نسأل الله تعالى أن يثبت قدمنا على منهاج الحق، وأن يميتنا على المحبة والتعظيم، ورسوخ القدم في معرفة الرحمن الرحيم. آمين. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، النبي الكريم، وعلى آله وصحبه، وسلم.

الجنابذي

تفسير : {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ} اى دعاءكم ونداءكم للرّسول (ص) {بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} بان تذكروا اسمه او كنيته او تنادوه بصوتٍ رفيعٍ بل اخفضوا من اصواتكم عنده ولا تذكروه باسمه وكنيته بل اذكروه بالفاظ التّعظيم مثل يا رسول الله (ص)، ويا نبىّ الله (ص)، وامثال ذلك، ولا تقولوا: يا محمّد (ص)، ويا ابا القاسم (ص) كما فى الخبر، نسب الى الصّادق (ع) انّه قال: قالت فاطمة (ع): لمّا نزلت هذه الآية هبتُ رسول الله (ص) ان اقول له: يا ابه، فكنت اقول: يا رسول الله (ص) فأعرض عنّى مرّةً او ثنتين او ثلاثاً ثمّ اقبل علىّ فقال: يا فاطمة (ع) انّها لم تنزل فيك ولا فى اهلك ولا فى نسلك، انت منّى وانا منك، انّما نزلت فى اهل الجفاء، والغلظة من قريش من اصحاب البَزَخ والكبر، قولى: يا ابه؛ فانّها احيى للقلب وارضى للرّبّ، والمعنى لا تجعلوا دعاء الرّسول (ص) لكم او عليكم بالخير او الشّرّ كدعاء بعضكم بعضاً للغير او على الغير فى جواز عدم الاجابة او كدعاء بعضكم الله لبعض او على بعض، او المعنى لا تجعلوا دعاء الرّسول (ص) لكم الى امر كجهاد وغيره كدعاء بعضكم بعضاً {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ} لفظة قد للتّحقيق {ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ} انسلّ وتسلّل انطلق فى استخفافٍ يعنى يعلم الله الّذين ينطلقون من الجهاد فى استخفافٍ وهوانٍ بحيث لا يطّلع عليه احدٌ او ينطلقون من المسجد كذلك فانّه نقل انّ المنافقين كانوا يثقل عليهم خطبة النّبىّ (ص) يوم الجمعة فيلوذون ببعض اصحابه فيخرجون من المسجد استتاراً من غير استيذانٍ، وقيل: كانوا يتسلّلون من الجهاد {لِوَاذاً} مفعول له او مفعول مطلق بحذف مضافٍ اى تسلّل لواذٍ او حال واللّوذ بالشّيء الاستتار والاحتصان به كاللّواذ مثلّثةً واللّياذ والملاوذة {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} اى عن امر الله او عن امر الرّسول (ص) {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} بليّة او امتحان يظهر ما فى قلوبهم من النّفاق فى الدّنيا {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فى الآخرة او كلاهما فى الدّنيا او فى الآخرة او فى كلتيهما.

فرات الكوفي

تفسير : {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم63} قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في هذه الآية من قول الله [تعالى. ر]: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم} قال: الفتنة الكفار، قال: يا أبا جعفر حدّثني فيمن [ب، ر: فيما] نزلت؟ قال: نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجرى مثلها من النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] في الأوصياء في طاعتهم.

الهواري

تفسير : قوله: {لاَّ تَجْعَلُوا دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} أي: لا تقولوا: يا محمد، ولكن قولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، في لين وتواضع وتودّد. أمرهم الله أن يعظّموا الرسول، ويعظّموا حرمته ولا يستخفوا بحقه، وأمرهم أن يجيبوه لما دعاهم إليه من الجهاد والدين. قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً} أي: فراراً من الجهاد في سبيل الله، يعني المنافقين، يلوذ بعضهم ببعض استتاراً من النبي عليه السلام حتى يذهبوا. قال: {فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي: عن أمر الله، يعني المنافقين {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي: بلية {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: وجيع. أي: أن يستخرج الله ما في قلوبهم من النفاق حتى يظهروه ويتباينوا به، فيصيبهم بذلك العذاب الأليم، أي: القتل. هو كقوله:{أية : لَئِن لَّمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ}تفسير : وكل هؤلاء منافقون، لئن لم ينتهوا ويكفوا عن إظهار نفاقهم وإرجافهم {أية : لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ}تفسير : يا محمد {أية : ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ}تفسير : أي: في المدينة (أية : إِلاَّ قَلِيلاً) تفسير : [الأحزاب: 60] ثم قال: (أية : مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً) تفسير : [الأحزاب: 61] قال: (أية : سُنَّةَ اللهِ فِي الذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ) تفسير : [الأحزاب: 62] أي: من قبلك يا محمد من الأنبياء، يقول: هكذا كانت سنة الله في منافقي أمتك: القتل إن لم ينتهوا ويكفوا؛ فانتهوا وكفّوا، فكفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتالهم.

اطفيش

تفسير : {لاَ تَجْعَلُوا دُعآء الرَّسُولِ} اي نداءه * {بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً} بان تقول في ندائه يا محمد يا رجل أو يا هذا أو نحو ذلك مما هو غير تعظيم كالنداء من وراء الحجرات ورفع الصوت بل نادوه بما يدل على رفعة مثل يا نبي الله يا رسول الله مع توقير وتعظيم وخفض صوت هذا تفسير مجاهد. وقال ابن عباس: لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض احذروا دعاءه إذا استخطتموه فان دعاءه مستجاب ويضعفه ان الدعاء لا يتعدى بنفسه إلى المدعو عليه أو له الا ان جعل بعضا منصوبا على نزع الخافض والذي يطابق ما تقدم قبل هذه الآية ان يكون المعنى لا تجعلوا دعاءه اياكم كدعاء بعضكم بعضا في جواز الاعراض والمساهلة في الاجابة والرجوع بغير اذن فان المبادرة إلى اجابته واجبة والرجوع بغير اذنه محرم ويلي هذا الوجه ان يكون المعنى لا تجعلوا دعاءه اياكم كدعاء صغيركم كبيركم يجيبه مرة ويرده اخرى فان دعاءه واجب الاجابة في كل حال فكلما دعاكم فاجيبوه. واجاز جارالله والقاضي ان يكون المعنى لا تجعلوا دعاء رسول الله كدعاء صغيركم كبيركم وفقيركم غنيكم تارة يجيبه وتارة يرده فان الله يجيب دعاءه في كل ما دعاه وهو وجه صحيح جائز. {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ} قد للتحقيق {الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ} قد يعلم الذين يخرجون قليلا قليلا من المسجد في الخطبة من غير استئذان من وسط الجمهور أو من طرفهم مثل تدخل اي دخل قليلا قليلا * {مِنكُمْ لِوَاذاً} اي ملاوذة مصدر لاوذ كقاتل قتالا وهو المساترة اي يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج خفية أو يلوذون بمن يؤذن له فينطلق معه كأنه تابعه وذاك ان المنافقين يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة واستماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: وقيل: كان ذلك منهم في حفر الخندق. وقيل: امر الجهاد ولواذا مفعول مطلق تضمينا للتسلل معنى الملاوذة أو للملاوذة معنى التسلل أو حال مبالغة أو على حذف مضاف أي ذوي لواذا والتاويل بالوصف أي (ملاوذين). وقرئ لواذا بفتح اللام مصدر لاذ على غير قياس أو اسم مصدر لاوذ {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} يخرجون عنه ولذا عدى يخالف (بعن) أو لتضمنه معنى يعرض أو ينصرف والهاء للرسول أو لله * {أَن تُصِيبَهُمْ} اي حذر ان تصيبهم أو لئلا تصيبهم * {فِتْنَةٌ} بلاء في الدنيا * {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة. وعن ابن عباس: الفتنة القتل. وعن عطاء: زلازل واهوال. وعن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائز. وقيل: الفتنة اظهار نفاقهم والعذاب القتل. وقيل: ان {ليخالفون} مفعولا محذوفا {يخالفون} المؤمنين عن امره وحذف لان المقصود بيان المخالف بكسر اللام والمخالف عنه بفتحها. واستدل بعضهم على ان الامر للوجوب بالآية لدلالتها على ان ترك مقتضى الامر مقتض لاحد العذابين فان الامر بالحذر عنه يدل على حسنه المشروط بقيام المقتضى له وذلك يستلزم الوجوب.

اطفيش

تفسير : {لا تجعلُوا دُعاء الرسول} إياكم الى شىء فعلاً كان أو تركا {بينَكم} متعلق بتجعلوا، أى لا تعتقدوا فيما بينكم أيها المؤمنون، وكل واحد منهى عن ذلك الاعتقاد، فالنهى متوزع فيهم أو فيما بينكم وبينه صلى الله عليه وسلم، فالكاف على هذا له ولهم أو فى أمر هو بينكم، {كدُعاءِ بعضِكُم بعْضاً} الى فعل شىء أو تركه، فإذا دعاكُم فلا تقعدوا، وإذا أجبتم فلا تنصرفوا إلا بإذنه، أو لا تعتقدوا بينكم أن دعاء الرسول ربه كدعاء صغيركم كبيركم، وفقيركم، غنيكم، ويجيب ويرد، فإن دعاءه صلى الله عليه وسلم ربه مستجاب غالباً، والرد قليل أو مستجاب كله، إما بنفسه أو عوضه كما دعا ربه أن لا يذيق أمته بعضاً بأس بعض، وأذاقها وعوضها للآخرة خيرا مما طلب وصرف البلاء والشفاعة، وثواب المصائب او لا تعتقدوا دعاءه بينكم، أو بينكم وبينه كدعاء بعضكم بعضاً يا زيد يا عمر، ولا تقولوا: يا محمد ويا ابن عبد الله، بل يا رسول الله ويا نبى الله، واختلف فى يا أبا القاسم، فنهى عنه ابن عباس، وأجازه بعض وذلك فى حياته وبعد موته. {قد } للتحقيق، ولا حاجة الى جعلها للتكثير حقيقة أو استعارة للفظ القلة للكثرة، ولا الى جعلها لتقليل المتسللين فى جنب معلوماته {يعْلم الله الَّذين يتسَلَّلون منكم} يخرجون قليلا قليلا عن الخطبة فى خفة وخفاء، ومن للتبعيض او للابتداء {لِواذاً} مفعول مطلق على حذف مضاف، أى تسلل لواذا، وتضمين يتسلل معنى يلاوذ، أو حال أى ذوى لواذا، أو ملاوذين، واللواذ والملاوذة المساترة، يشير بعض المؤمنين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج لنحو رعاف فيلحقه منافق يوهم أنه من اتباعه، أو يشير منافق بنحو رعاف كذبا فيأذن له فقد يتبعه غيره كذلك، والخطبة ثقيلة على المنافقين، وصحت الواو بعد كسرة لصحتها فى الفعل، وهو لاوذ، ويلاوذ، ولو كان فعالا من لاذ يلوذ لقيل لياذا بقلبها ياء الكسرة قبلها، لأنها أعلت فى الماضى، وكذا لو كان مصدراً للاذ الثلاثى كقيام. {فليحذر الَّذين يخالفُون عن أمره} يعرضون أو يتباعدون أو يحيدون، أو يخرجون، ولذلك تعدى بعن، وأصله التعدى بنفسه، وذلك أولى من أن يبقى على ظاهره، وأن تجعل عن زائدة فى مفعوله، والهاء لله عز وجل أو للرسول، والأمر الطلب فى الوجهين، ويجوز تفسيره بالشأن على أن الضمير للرسول، والآية على العموم حتى إنها شاملة لمن لا يسلم من الرجال أو النساء عند إرادة الدخول فى بيوت الناس {أن تصيبهم فتنةٌ} بلاء فى الدنيا أو قتل أو جور سلطان أو قتل {أو يُصيبَهُم عذابٌ أليمٌ} فى الآخرة، أو الفتنة غير القتل، والعذاب القتل، وهو ضعيف لعدم تبادر ارادة القتل بالعذاب، وأو لمنع الخلو لا لمنع الجمع لجواز أن يصيبهم ذلك كله، والآية دليل على أن الأمر المطلق للوجوب لأن قوله: أمره بمعنى ضد النهى، أو ما يشمل النهى، بل النهى أمر أيضاً، لأنه أمر بالترك، وقد فسرته بالطلب، والطلب يشمل طلب الفعل، وطلب الترك، فإذا كان مخالفة طلبه توجب الفتنة أو العذاب الأليم، تبين أن ذلك الطلب إيجاب، وإذا كان الأمر غير مطلق بأن صرفه دليل الى الندب أو نحوه، مما ليس وجوباً فليس للوجوب، وإن جعلنا الأمر واحد الأمور وهو ما تقدم فى الايات فلا دليل إلا ان هذا ضعيف.

الالوسي

تفسير : {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً } استئناف مقرر لمضمون ما قبله، والالتفات لإبراز مزيد الاعتناء بشأنه أي لا تقيسوا دعاءه عليه الصلاة والسلام إياكم على دعاء بعضكم بعضاً في حال من الأحوال وأمر من الأمور التي من جملتها المساهلة فيه والرجوع عن مجلسه عليه الصلاة والسلام بغير استئذان فإن ذلك من المحرمات، وإلى نحو هذا ذهب أبو مسلم واختاره المبرد والقفال. وقيل المعنى لا تحسبوا دعاءه صلى الله عليه وسلم عليكم كدعاء بعضكم / على بعض فتعرضوا لسخطه ودعائه عليكم عليه الصلاة والسلام بمخالفة أمره والرجوع عن مجلسه بغير استئذان ونحو ذلك، وهو مأخوذ مما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وروي عن الشعبـي. وتعقبه ابن عطية بأن لفظ الآية يدفع هذا المعنى، وكأنه أراد أن الظاهر عليه على بعض، وقيل: إنه يأباه {بَيْنِكُمْ } وهو في حيز المنع. وقيل: المعنى لا تجعلوا دعاءه عليه الصلاة والسلام ربه عز وجل كدعاء صغيركم كبيركم وفقيركم غنيكم يسأله حاجته فربما أجابه وربما رده فإن دعاءه صلى الله عليه وسلم مستجاب لا مرد له عند الله عز وجل فتعرضوا لدعائه لكم بامتثال أمره واستئذانه عند الانصراف عنه إذا كنتم معه على أمر جامع وتحققوا قبول استغفاره لكم ولا تتعرضوا لدعائه عليكم بضد ذلك. ولا يخفى وجه تقرير الجملة لما قبلها على هذين القولين؛ لكن بحث في دعوى أن جميع دعائه عليه الصلاة والسلام مستجاب بأنه قد صح أنه صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى في أمته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعه، وهو ظاهر في أنه قد يرد بعض دعائه عليه الصلاة والسلام. وتعقب بأنه كيف يرد وقد قال الله تعالى: { أية : ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] وفي الحديث: « حديث : إن الله تعالى لا يرد دعاء المؤمن وإن تأخر » تفسير : وقد قال الإمام السهيلي في «الروض»: الاستجابة أقسام إما تعجيل ما سأل أو أن يدخر له خير مما طلب أو يصرف عنه من البلاء بقدر ما سأل من الخير، وقد أعطي صلى الله عليه وسلم عوضاً من أن لا يذيق بعضهم بأس بعض الشفاعة وقال: « حديث : أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة عذاب عذابها في الدنيا الزلزال والفتن » تفسير : كما في أبـي داود فإذا كانت الفتنة سبباً لصرف عذاب الآخرة عن الأمة فلا يقال: ما أجاب دعاءه صلى الله عليه وسلم لأن عدم استجابته أن لا يعطى ما سأل أولاً يعوض عنه ما هو خير منه، والمراد بالمنع في الحديث منع ذلك بخصوصه لا عدم استجابة الدعاء بذلك بالمعنى المذكور، وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من محله. وقيل: المعنى لا تجعلوا نداءه عليه الصلاة والسلام وتسميته كنداء بعضكم بعضاً باسمه ورفع الصوت به والنداء من وراء الحجرات ولكن بلقبه المعظم مثل يا نبـي الله ويا رسول الله مع التوقير والتواضع وخفض الصوت. أخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في «الدلائل» عن ابن عباس قال: كانوا يقولون: يا محمد يا أبا القاسم فنهاهم الله تعالى عن ذلك بقوله سبحانه: {لاَّ تَجْعَلُواْ } الآية إعظاماً لنبيه صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبـي الله يا رسول الله، وروي نحو هذا عن قتادة الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد. وفي «أحكام القرآن» للسيوطي أن في هذا النهي تحريم ندائه صلى الله عليه وسلم باسمه. والظاهر استمرار ذلك بعد وفاته إلى الآن. وذكر الطبرسي أن من جملة المنهي عنه النداء بيا ابن عبد الله فإنه مما ينادي به العرب بعضهم بعضاً. وتعقب هذا القول بأن الآية عليه لا تلائم السباق واللحاق. وقال بعضهم: وجه الارتباط بما قبلها عليه الإرشاد إلى أن الاستئذان ينبغي أن يكون بقولهم: يا رسول الله إنا نستأذنك ونحوه، وكذا خطاب من معه في أمر جامع إياه صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون بنحو يا رسول الله لا بنحو يا محمد، ويكفي هذا القدر من الارتباط بما قبل ولا حاجة إلى بيان المناسبة بأن في كل منهما ما ينافي التعظيم اللائق بشأنه العظيم صلى الله عليه وسلم، نعم الأظهر في معنى الآية ما ذكرناه أولاً كما لا يخفى. وقرأ الحسن ويعقوب في رواية {نبيكم} بنون مفتوحة وباء مكسورة وياء آخر الحروف مشددة بدل {بَيْنِكُمْ } الظرف في قراءة الجمهور، وخرج على أنه بدل من {ٱلرَّسُولَ } ولم يجعل نعتاً له لأنه مضاف إلى الضمير والمضاف إليه في رتبة العلم / وهو أعرف من المعرف بأل ويشترط في النعت أن يكون دون المنعوت أو مساوياً له في التعريف، وقال أبو حيان: ينبغي أن يجوز النعت لأن {ٱلرَّسُولَ } قد صار علماً بالغلبة كالبيت للكعبة فقد تساويا في التعريف. {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ } وعيد لمن هو بضد أولئك المؤمنين الذين لم يذهبوا حتى يستأذنوه عليه الصلاة والسلام، والتسلل الخروج من البين على التدريج والخفية و{قَدْ} للتحقيق، وجوز أن تكون لتقليل المتسللين في جنب معلوماته تعالى وأن تكون للتكثير إما حقيقة أو استعارة ضدية، وقال أبو حيان: إن قول بعض النحاة بإفادة قد التكثير إذا دخلت على المضارع غير صحيح وإنما التكثير مفهوم من سياق الكلام كما في قول زهير: شعر : أخى ثقة لا يهلك الخمر ماله ولكنه قد يهلك المال نائله تفسير : فإن سياق الكلام للمدح يفهم منه ذلك أي قد يعلم الله الذين يخرجون من الجماعة قليلاً قليلاً على خفية. {لِوَاذاً } أي ملاوذة بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج. وأخرج أبو داود في «مراسيله» عن مقاتل قال: كان لا يخرج أحد لرعاف أو إحداث حتى يستأذن النبـي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام فيأذن له النبـي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بيده وكان من المنافقين من تثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج فأنزل الله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ } الآية. وقيل يلوذ به إراءة أنه من أتباعه. ونصب {لِوَاذاً } على المصدرية أو الحالية بتأويل ملاوذين وهو مصدر لاوذ لعدم قلب واوه ياء تبعاً لفعله ولو كان مصدر لاذ لقيل لياذاً كقياماً. وقرأ يزيد بن قطيب {لواذاً } بفتح اللام فاحتمل أن يكون مصدر لاذ ولم تقلب واوه ياء لأنه لا كسرة قبلها فهو كطواف مصدر طاف، واحتمل أن يكون مصدر لاوذ وفتحة اللام لأجل فتحة الواو. والفاء في قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } لترتيب الحذر أو الأمر به على ما قبلها من علمه تعالى بأحوالهم فإنه مما يوجب الحذر البتة. والمخالفة كما قال الراغب: أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو فعله والأكثر استعمالها بدون عن فيقال خالف زيد عمراً وإذا استعملت بعن فذاك على تضمين معنى الإعراض. وقيل الخروج أي يخالفون معرضين أو خارجين عن أمره. وقال ابن الحاجب: عدى يخالفون بعن لما في المخالفة من معنى التباعد والحيد كأنه قيل الذين يحيدون عن أمره بالمخالفة وهو أبلغ من أن يقال: يخالفون أمره. وقيل على تضمين معنى الصد، وقيل إذا عدي بعن يراد به الصد دون تضمين ويتعدى إلى مفعول بنفسه يقال: خالف زيداً عن الأمر أي صده عنه والمفعول عليه هنا محذوف أي يخالفون المؤمنين أي يصدونهم عن أمره وحذف المفعول لأن المراد تقبيح حال المخالف وتعظيم أمر المخالف عنه فذكر الأهم وترك ما لا اهتمام به وقد يتعدى بإلى فيقال خالف إليه إذا أقبل نحوه. وقال ابن عطية: {عَنْ } هنا بمعنى بعد، والمعنى يقع خلافهم بعد أمره كما تقول: كان المطر عن ريح وأطعمته عن جوع. وقال أبو عبيدة والأخفش: هي زائدة أي يخالفون أمره وضمير {أَمَرَهُ } لله عز وجل فإن الأمر له سبحانه في الحقيقة أو للرسول صلى الله عليه وسلم فإنه المقصود بالذكر، والأمر له قيل الطلب أو الشأن أو ما يعمهما، ولا يخفى أن في تجويز كل على كل من الاحتمالين في الضمير نظراً فلا تغفل. وقرىء {يخلفون } بالتشديد أي يخلفون أنفسهم عن أمره. / {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } أي بلاء ومحنة في الدنيا كما روي عن مجاهد وعن ابن عباس تفسير الفتنة بالقتل. وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه تفسيرها بتسليط سلطان جائر، وعن السدي ومقاتل تفسيرها بالكفر والأول أولى. {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي في الآخرة، وقيل في الدنيا، والمراد بالعذاب الأليم القتل وبالفتنة ما دونه وليس بشيء. وكلمة {أَوْ} لمنع الخلو دون الجمع. وإعادة الفعل صريحاً للاعتناء بالتهديد والتحذير. وشاع الاستدلال بالآية على أن الأمر للوجوب فإنه تعالى أوجب فيها على مخالف الأمر الحذر عن العذاب وذلك تهديد على مخالفة الأمر وهو دليل كون الأمر للوجوب إذ لا تهديد على ترك غير الواجب، وأيضاً بناء حكم الحذر عن العذاب إلى المخالف يقتضي أن يكون حذره عنه من حيث المخالفة، وذلك إنما يكون إذا أفضى إلى العذاب كما في قولك فليحذر الشاتم للأمير أن يضربه ولا إفضاء في ترك غير الواجب. وهذا الأمر أعني {فَلْيَحْذَرِ } بخصوصه مستعمل في الإيجاب إذ لا معنى لندب الحذر عن العقاب أو إباحته، وأيضاً إشعار الآية بوجوب الحذر غير خاف بقرينة ورودها في معرض الوعيد بتوقع إصابة العذاب على أنه لو حمل الأمر المذكور على أنه للندب يحصل المطلوب وذلك لأن التحذير عما لم يعلم أو لم يظن تحققه ولا تحقق ما يفضي إلى وقوعه في الجملة سفه غير جائز بمعنى أنه مخالف للحكمة ولهذا يلام من يحذر عن سقوط الجدار المحكم الغير المائل، وأياً ما كان يندفع ما يقال: لا نسلم أن قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ } للوجوب لأنه عين محل النزاع إذ يكفي في المطلوب على ما قررنا استعماله في الندب أيضاً، والقول بأن معنى مخالفة الأمر عدم اعتقاد حقيته أو حمله على غير ما هو عليه بأن يكون للوجوب أو الندب مثلاً فيحمل على غيره بعيد جداً، والظاهر المتبادر إلى الفهم أنه ترك الامتثال والإتيان بالمأمور به فلا يترك إلى ذلك إلا بدليل. واعترض بأنه بعد هذا القيل والقال لا يدل على أن جميع الأوامر حقيقة في الوجوب لإطلاق الأمر. وأجيب بأن {أَمَرَهُ } مصدر مضاف وهو يفيد العموم حيث فقدت قرينة العهد على أن الإطلاق كاف في المطلوب، وهو كون الأمر المطلق للوجوب خاصة إذ لو كان حقيقة لغيره أيضاً لم يترتب التهديد على مخالفة مطلق الأمر. وقال بعض الأجلة: لا قائل بالفصل في صيغ الأمر بأن بعضها للوجوب وبعضها لغيره. وزعم بعضهم أن الاستدلال لا يتم إذا أريد بالأمر الطلب، ولو فسر بالشأن وكان الضمير للرسول عليه الصلاة والسلام لزم من القول بدلالتها على الوجوب أن يكون كل ما يفعله صلى الله عليه وسلم واجباً علينا ولا قائل به. والزمخشري فسره بالدين والطاعة. وقال صاحب «الكشف»: إن الاستدلال بالآية على أن الأمر للوجوب مشهور، سواء فسر بما ذكر لأن الطاعة امتثال الأمر القولي أو فسر على الحقيقة، وأما إذا جعل إشارة إلى ما سبق من الأمر الجامع ومعنى {يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } ينصرفون عنه فلا وليس بالوجه وإن آثره جمع لفوات المبالغة والتناول الأولى والعدول عن الحقيقة في لفظ الأمر ثم المخالفة من غير ضرورة انتهى. وهذا الذي آثره جمع ذكره الطيبـي عن البغوي ثم قال: هذا هو التفسير الذي عليه التعويل ويساعد عليه النظم والتأويل لأن الأمر حينئذٍ بمعنى الشأن وواحد الأمور، وبيانه إن ما قبله حديث في الأمر الجامع وهو الأمر الذي يجمع عليه الناس ومدح من لزم مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذهب عنه وذم من فارقه بغير الإذن وأمر بالاستغفار في حق من فارق بالإذن لأن / قوله تعالى: {فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور: 62] يؤذن أن القوم ثلاث فرق المأذون في الذهاب بعد الاستئذان والمتخلف عنه ثم المتخلف إما أن يدوم في مجلسه عليه الصلاة والسلام ولم يذهب وهم المؤمنون المخلصون أو يتسلل لواذا وهم المنافقون وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ} الخ مترتب على القسم الثالث على سبيل الوعيد والفعل المضارع يفيد معنى الدأب والعادة وقد أقيم المظهر موضع المضمر علة لاستحقاقهم فتنة الدارين انتهى وقد كشف عن بعض ما فيه صاحب «الكشف» نعم قيل عليه: إن فوات المبالغة والتناول لا يقاوم العهد ولا عدول عن الحقيقة لأن الأمر حقيقة في الحادثة وكذا المخالفة فيما ذكر ولو سلم فهو مشترك الإلزام فإن الأمر ليس حقيقة في الأمر العام وقوله: بلا ضرورة ممنوع فإن إضافة العهد صارفة. وتعقب بأن هذا مكابرة ومنع مجرد لا يسمع فإن الأبلغية لا شبهة فيها فإن تهديد من لم يمتثل أمره عليه الصلاة والسلام أشد من تركه بلا إذن وكون الأمر حقيقة في الطلب هو الأصح في الأصول والمخالفة المقارنة للأمر لا شبهة في أن حقيقتها عدم الامتثال واشتراك الإلزام ليس بتام لأن أمره إذا عم يشمل الأمر الجامع بمعنى الطلب أيضاً وعهد الإضافة ليس بمتعين حتى يعد صارفاً كذا قيل وفيه بحث فتأمل. وقد يقال بناءً على كون الأمر المذكور إشارة إلى الأمر الجامع: إنه جىء بأو في قوله: {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } لما أن الأمر الجامع إما أن يكون أمراً دنيوياً كالتشاور في الأمور الحربية فالانصراف عنه مظنة إصابة المحنة الدنيوية للمنصرفين وإما أن يكون أمراً دينياً كإقامة الجمعة التي فيها تعظيم شعائر الإسلام فالانصراف عنه مظنة إصابة العذاب الأخروي. وبالجملة لا استدلال بالآية على اعتبار العهد وأما إذا لم يعتبر فقد استدل بها، وقد سمعت شيئاً من الكلام في ذلك وتمامه جرحاً وتعديلاً وغير ذلك في «كتب الأصول».

ابن عاشور

تفسير : لما كان الاجتماع للرسول في الأمور يقع بعدَ دَعوته الناس للاجتماع وقد أمرهم الله أن لا ينصرفوا عن مجامع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا لعذر بعد إذنه أنبأهم بهذه الآية وجوب استجابة دعوة الرسول إذا دعاهم. وقد تقدم قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } تفسير : في سورة الأنفال (24). والمعنى: لا تجعلوا دعوة الرسول إياكم للحضور لديه مخيَّرين في استجابتها كما تتخيرون في استجابة دعوة بعضكم بعضاً، فوجه الشبه المنفي بين الدعوتين هو الخيار في الإجابة. والغرض من هذه الجملة أن لا يتوهموا أن الواجب هو الثبات في مجامع الرسول إذا حضروها، وأنهم في حضورها إذا دُعوا إليها بالخيار، فالدعاء على هذا التأويل مصدر دعاه إذا ناداه أو أرسل إليه ليحضر. وإضافة {دعاء} إلى {الرسول} من إضافة المصدر إلى فاعله. ويجوز أن تكون إضافة {دعاء} من إضافة المصدر إلى مفعوله والفاعل المقدر ضمير المخاطبين. والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ، فالمعنى نهيهم. ووقع الالتفات من الغيبة إلى خطاب المسلمين حثّاً على تلقي الجملة بنشاط فهمٍ، فالخطاب للمؤمنين الذين تحدث عنهم بقوله: { أية : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله } تفسير : [النور: 62] وقوله: { أية : إن الذين يستأذنونك } تفسير : [النور: 62] الخ. نُهوا عن أن يدْعوا الرسول عند مناداته كما يدعو بعضهم بعضاً في اللفظ أو في الهيئة. فأما في اللفظ فبأن لا يقولوا: يا محمد، أو يا ابن عبد الله، أو يا ابن عبد المطلب، ولكن يا رسول الله، أو يا نبيء الله، أو بكنيته يا أبا القاسم. وأما في الهيئة فبأن لا يدعُوه من وراء الحجرات، وأن لا يُلحوا في دعائه إذا لم يخرج إليهم، كما جاء في سورة الحجرات. لأن ذلك كله من الجلافة التي لا تليق بعظمة قدر الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا أدب للمسلمين وسدّ لأبواب الأذى عن المنافقين. وإذ كانت الآية تحتمل ألفاظُها هذا المعنى صح للمتدبر أن ينتزع هذا المعنى منها إذ يكفي أن يأخذ من لاح له معنى ما لاح له. و{بينكم} ظرف إما لغو متعلق بـ{تجعلوا}، أو مستقِرّ صفة لـ{دعاء}، أي دعاءه في كلامكم. وفائدة ذكره على كلا الوجهين التعريض بالمنافقين الذين تمالؤوا بينهم على التخلف عن رسول الله إذا دعاهم كلما وجدوا لذلك سبيلاً كما أشار إليه قوله تعالى: { أية : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله } تفسير : [التوبة: 120]. فالمعنى. لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كما جعل المنافقون بينهم وتواطأوا على ذلك. وهذه الجملة معترضة بين جملة: { أية : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله } تفسير : [النور: 62] وما تبعها وبين جملة: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً}. وجملة: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً} استئناف تهديد للذين كانوا سبب نزول آية { أية : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله } تفسير : [النور: 62] الآية، أي أولئك المؤمنون وضدهم المعرض بهم ليسوا بمؤمنين. وقد علِمَهم الله وأطلع على تسللهم. (وقد) لتحقيق الخبر لأنهم يظنون أنهم إذا تسللوا متستّرين لم يطلع عليهم النبي فأعلمهم الله أنه عَلمهم، أي أنه أعْلم رسوله بذلك. ودخول (قد) على المضارع يأتي للتكثير كثيراً لأن (قد) فيه بمنزلة (رب) تستعمل في التكثير، ومنه قوله تعالى: { أية : قد يعلم الله المعوقين منكم } تفسير : [الأحزاب: 18] وقول زهير: شعر : أخو ثقةٍ لا تُهلك الخمرُ مالَه ولكنه قد يُهلك المَالَ نائلُه تفسير : و{الذين يتسللون} هم المنافقون. والتسلل: الانسلال من صُبرة، أي الخروج منه بخفية خروجاً كأنه سَلّ شيء من شيء. يقال: تسلل، أي تكلف الانسلال مثل ما يقال: تدخل إذا تكلف إدخال نفسه. واللواذ: مصدر لاَوَذَهُ، إذا لاَذَ به ولاذَ به الآخر. شبه تستر بعضهم ببعض عن اتفاق وتآمر عند الانصراف خفية بلوذ بعضهم ببعض لأن الذي ستر الخارج حتى يخرج هو بمنزلة من لاذ به أيضاً فجعل حصول فعله مع فعل اللائذ كأنه مفاعلة من اللوذ. وانتصب {لواذاً} على الحال لأنه في تأويل اسم الفاعل. و{منكم} متعلق بـ{يتسللون}. وضمير {منكم} خطاب للمؤمنين، أي قد علم الله الذين يخرجون من جماعتكم متسللّين ملاوذين. وفرع على ما تضمنته جملة: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً} تحذير من مخالفة ما نهى الله عنه بقوله: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم} الآية بعد التنبيه على أنه تعالى مطلع على تسللهم. والمخالفة: المغايرة في الطريق التي يمشي فيها بأن يمشي الواحد في طريق غير الطريق الذي مشى فيه الآخر، ففعلها متعدّ. وقد حذف مفعوله هنا لظهور أن المراد الذين يخالفون الله، وتعدية فعل المخالفة بحرف (عن) لأنَّه ضُمّن معنى الصدود كما عُدّي بـ(إلى) في قوله تعالى: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} لما ضمن معنى الذهاب. يقال خالفه إلى الماء، إذا ذهب إليه دونه، ولو تُرِكت تعديته بحرف جر لأفاد أصل المخالفة في الغرض المسوق له الكلام. وضمير {عن أمره} عائد إلى الله تعالى. والأمر هو ما تضمنه قوله: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً} فإن النهي عن الشيء يستلزم الأمرَ بضده فكأنه قال: اجعلوا لدعاء الرسول الامتثال في العلانية والسر. وهذا كقول ابن أبي ربيعة. شعر : فقلْنَ لها سراً فديناكِ لا يرُحْ صحيحاً وإن لم تقتليه فألمم تفسير : فجعل قولهن: «لا يَرح» صحيحاً وهو نهي في معنى: اقتليه، فبنى عليه قوله: «وإن لَم تَقتليه فألمم». والحذر: تجنب الشيء المخيف. والفتنة: اضطراب حال الناس، وقد تقدمت عند قوله تعالى: { أية : والفتنة أشد من القتل } تفسير : في البقرة (191). والعذاب الأليم هنا عذاب الدنيا، وهو عذاب القتل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً}. لأهل العلم في هذه الآية أقوال راجعة إلى قولين: أحدهما: أن المصدر الذي هو دعاء مضاف إلى مفعوله، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالرسول مدعو. الثاني: أن المصدر المذكور مضاف إلى فاعله، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالرسول داع. وإيضاح معنى قول من قال: إن المصدر مضاف إلى مفعوله، أن المعنى: لا تجعلوا دعاءكم الرسول إذا دعوتموه كدعاء بعضكم بعضاً، فلا تقولوا له: يا محمد مصرّحين باسمه، ولا ترفعوا أصواتكم عنده كما يفعل بعضكم مع بعض، بل قولوا له: يا نبيّ الله، يا رسول الله، مع خفض الصوت احتراماً له صلى الله عليه وسلم. وهذا القول: هو الذي تشهد له آيات من كتاب الله تعالى كقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} تفسير : [الحجرات: 2ـ3] وقوله تعالى: {أية : إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم} تفسير : [الحجرات: 4ـ5]. وقوله تعالى: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} تفسير : [البقرة: 104] الآية، وهذا القول في الآية مروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. كما ذكره عنهم القرطبي، وذكره ابن كثير عن الضحاك، عن ابن عباس، وذكره أيضاً عن سعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل، ونقله أيضاً عن مالك عن زيد بن أسلم، ثم قال: إنّ هذا القول هو الظاهر، واستدل له بالآيات التي ذكرنا وأما القول الثاني: وهو أن المصدر مضاف إلى فاعله ففي المعنى وجهان: الأول: ما ذكره الزمخشري في الكشاف، قال إذا احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تتفرقوا عنه إلاّ بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إيّاكم على دعاء بعضكم بعضاً، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي. والوجه الثاني: هو ما ذكره ابن كثير في تفسيره قال، والقول في ذلك أن المعنى في {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} أي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإنّ دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم، فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العوفي والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير. قال مقيّده عفا الله عنه وغفر له: هذا الوجه الأخير يأباه ظاهر القرآن، لأنّ قوله تعالى: {كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} يدل على خلافه، ولو أراد دعاء بعضهم على بعض لقال: لا تجعلوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض فدعاء بعضهم بعضاً، ودعاء بعضهم على بعض متغايران كما لا يخفى. والظاهر أن قوله: لا تجعلوا من جعل التي بمعنى اعتقد، كما ذكرنا عن ابن كثير آنفاً. قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. الضمير في قوله: عن أمره راجع إلى الرسول، أو إلى الله والمعنى واحد، لأنّ الأمر من الله والرسول مبلغ عنه، والعرب تقول: خالف أمره وخالف عن أمره: وقال بعضهم: يخالفون: مضمن معنى يصدون، أي يصدُّون عن أمره. وهذا الآية الكريمة قد استدل بها الأصوليون على أن الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، لأنه جل وعلا توعَّد المخالفين عن أمره بالفتنة أو العذاب الأليم وحذَّرهم من مخالفة الأمر. وكلّ ذلك يقتضي أن الأمر للوجوب، ما لم يصرف عنه صارف، لأنّ غير الواجب لا يستوجب تركه الوعيد الشديد والتحذير. وهذا المعنى الذي دّلت عليه هذه الآية الكريمة من اقتضاء الأمر المطلق الوجوب دلّت عليه آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ} تفسير : [المرسلات: 48] فإن قوله: {ٱرْكَعُواْ} أمر مُطلق، وذمّه تعالى للذين لم يمتثلوه بقوله: {لاَ يَرْكَعُونَ} يدل على أن امتثاله واجب. وكقوله تعالى لإبليس {أية : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } تفسير : [الأعراف: 12] فإنكاره تعالى على إبليس موبِّخاً بقوله: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} يدلّ على أنه تارك واجباً. وأنَّ امتثال الأمر واجب مع أنّ الأمر المذكور مطلق، وهو قوله تعالى: {أية : ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} تفسير : [البقرة: 34] و [الأعراف: 11] و [الإسراء: 61] و [الكهف: 50] و [طه: 116] وكقوله تعالى عن موسى {أية : أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} تفسير : [طه: 93] فسمى مخالفة الأمر معصية، وأمره المذكور مطلق، وهو قوله: أية : ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 142] وكقوله تعالى: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6] وإطلاق اسم المعصية على مخالفة الأمر يدل على أن مخالفة عاص، ولا يكون عاصياً إلا بترك واجب، أو ارتكاب محرَّم. وكقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 36] فإنّه يدل على أن أمر الله، وأمر رسوله مانع من الاختيار موجب للامتثال، وذلك يدل على اقتضائه الوجوب كما ترى. وأشار إلى أنّ مخالفته معصية بقوله بعده: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} تفسير : [الأحزاب: 36]. واعلم أن اللغة تدل على اقتضاء الأمر المطلق الوجوب بدليل أن السيد لو قال لعبده اسقني ماء مثلاً، ولم يمتثل العبد أمر سيده فعاقبه السيد فليس للعبد أن يقول: عقابك لي ظلم لأن صيغة الأمر في قولك: اسقني ماء لم توجب عليَّ الامتثال فقد عاقبتني على ترك ما لا يلزمني، بل يُفهم من نفس الصيغة أنّ الامتثال يَلزمه، وأن العقاب على عدم الامتثال واقع موقعه، والفتنة في قوله {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَة} قيل هي القتل، وهو مروي عن ابن عباس، وقيل: الزلازل والأهوال، وهو مروي عن عطاء. وقيل: السلطان الجائر، وهو مروي عن جعفر بن محمد. قال بعضهم: هي الطبع على القلوب بسبب شؤم مخالفة أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقال بعض العلماء: فتنة: محنة في الدنيا أو يصيبهم عذاب أليم في الآخرة. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد دلّ استقراء القرآن العظيم أن الفتنة فيه أطلقت على أربعة معان. الأول: أن يراد بها الإحراق بالنار كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} تفسير : [الذاريات: 13] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [البروج: 10] الآية. أي أحرقوهم بنار الأخدود على القول بذلك. الثاني: وهو أشهرها إطلاق الفتنة على الاختبار كقوله تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء: 35] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} تفسير : [الجن: 16ـ17]. والثالث: إطلاق الفتنة على نتيجة الاختيار إن كانت سيئة كقوله تعالى: {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ} تفسير : [البقرة: 193]. وفي الأنفال: {أية : وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله} تفسير : [الأنفال: 39]. فقوله: {أية : حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} تفسير : [البقرة: 193] أي حتى لا يبقى شرك على أصح التفسيرين، ويدل على صحته قوله بعده: {أية : وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ} تفسير : [البقرة: 193]، لأن الدين لا يكون كله لله حتى لا يبقى شِرك كما ترى، ويوضح ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أُمِرتُ أن أقاتل الناسَ حتَّى يقولوا لا إله إلا الله" تفسير : كما لا يخفى. والرابع: إطلاق الفتنة على الحجَّة في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]، أي لم تكن حجَّتهم، كما قال به بعض أهل العلم. والأظهر عندي: أن الفتنة في قوله هنا: {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَة} أنه من النوع الثالث من الأنواع المذكورة. وأن معناه أن يفتنهم الله أي يزيدهم ضلالاً بسبب مخالفتهم، عن أمره، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا المعنى تدلّ عليه آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، كقوله جلّ وعلا: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [المطففين: 14] وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5] وقوله تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} تفسير : [البقرة: 10] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة: 125] الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 63- احرصوا على احترام دعوة الرسول لكم إلى الاجتماع للأمور الهامة، واستجيبوا لها، ولا تجعلوها كدعوة بعضكم لبعض فى جواز التهاون فيها، والانصراف عنها، ولا تنصرفوا إلا بعد الاستئذان والموافقة، وفى أضيق الحدود وأشد الضرورات. فالله سبحانه يعلم من ينصرفون بدون إذن مختفين بين الجموع حتى لا يراهم الرسول، فليحذر المخالفون عن أمر الله أن يعاقبهم سبحانه على عصيانهم بمحنة شديدة فى الدنيا كالقحط والزلزال، أو بعذاب شديد الإيلام قد أعد لهم فى الآخرة وهو النار. 64- تنبهوا - أيها الناس - إلى أن الله - وحده - هو مالك السموات والأرض وما فيها، يعلم ما أنتم عليه من الكفر والإسلام والعصيان والطاعة، فلا تخالفوا عن أمره، وسيخبر الناس عند رجوعهم إليه يوم القيامة بكل ما عملوا فى الدنيا وسيجازيهم عليه، لأنه محيط بكل شئ علماً.

د. أسعد حومد

تفسير : (63) - كَانَ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُنَادِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَا مُحَمَّدُ، أو بِيَا أََبَا القَاسِمِ... فَنَهَاهُمُ اللهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ تَعْظِيماً لِقَدْرِ الرَّسُولِ وَتَبْجِيلاً، فَقَالَ قُولُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَيَا رَسُولَ اللهِ. وَيُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ الذين يَتَسَلَّلُونَ وَيَذْهَبُونَ بِدُونِ إِذْنٍ. يَلُوذُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَيَتَدَارَى بَعْضُهم بِبَعْضٍ لِكَيْلاَ يَرَاهُم الرَّسُولُ، فَعَيْنُ اللهِ تَرَاهُمْ وَإِنْ لَمْ تَرَهُمْ عَيْنُ الرَّسُولِ. وَيُصَوِّرُ اللهُ تَعَالَى حَالَ هَؤُلاَءِ وَهُمْ يَتَسَلَّلُونَ بِحَذَرٍ مِنْ مَجْلِسِ الرَّسُولِ، مِمَّا يُمَثِّلُ جُبْنَهُمْ عَنَ المُوَاجَهَةِ وَطَلَبِ الإِذْنِ. وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ اللهِ، وَيَتَّبِعُونَ نَهْجاً غَيْرَ نَهْجِهِ، وَيَتَسَلَّلُونَ مِن الصَّفِّ ابْتِغَاءَ مَنْفَعَةٍ، أو اتِّقَاءَ ضَرَرٍ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ أَنْ تُصِيبَهُم فِتْنَةٌ تَخْتَلُّ فِيهَا المَوَازِينُ، وَيَضَطَرِبُ فِيهَا النِّظَامُ، فَيَخْتَلِطُ الحَقُّ بالبَاطِل، وَتَفْسُدُ أُمُورُ الجَمَاعَةِ وَحَيَاتُها، أَو يُصِيبُهم عَذَابٌ أليمٌ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ. دُعَاءَ الرَّسُول - دَعْوَتَه لَكُمْ لِلاجْتِمَاعِ، أو نِدَاءَكُم لَهُ. يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُم - يَخْرُجُونَ مِنهُ تَدْرِيجاً فِي خِفْيَةٍ. لِواذاً - يَسْتَتِرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فِي الخُرُوجِ. يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ - يُعْرِضُونَ أَوْ يَصُدُّونَ عَنْهُ. فِتْنَةٌ - بَلاَءٌ وَمِحْنَةٌ فِي الدُّنْيَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله سبحانه: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ..} [النور: 63] فأنتم يدعو بعضكم بعضاً في مسألة خاصة، لكن الرسول يدعوكم لمسألة عامة تتعلق بحركة حياة الناس جميعاً إلى أنْ تقوم الساعة. أو: أن الدعاء هنا بمعنى النداء يعني: يناديكم الرسول أو تنادونه؛ لأن لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم آداباً يجب مراعاتها، فهو ليس كأحدكم تنادونه: يا محمد، وقد عاب القرآن على جماعة لم يلتزموا أدب النداء مع رسول الله، فقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}تفسير : [الحجرات: 4]. فأساءوا حين قالوا: يا محمد، ولو قالوا حتى: يا أيها الرسول فقد أساءوا؛ لأنه لا يصحّ أنْ يتعجّلوا رسول الله، ويجب أنْ يتركوه على راحته، إنْ وجد فراغاً للقائهم خرج إليهم، إذن: أساءوا من وجهين. ولا يليق أن نناديه صلى الله عليه وسلم باسمه: يا محمد. لأن الجامع بين الرسول وأمته ليس أنه محمد، إنما الجامع أنه رسول الله، فلا بُدَّ أنْ نناديه بهذا الوصف. ولِمَ لا وربه عز وجل وهو خالقه ومصطفيه قد ميّزه عن سائر إخوانه من الرسل، ومن أولي العزم، فناداهم بأسمائهم: {أية : يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ..}تفسير : [البقرة: 35]. وقال: {أية : يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا ..}تفسير : [هود: 48]. وقال: {أية : يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ..}تفسير : [الصافات: 104-105]. وقال: {أية : يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ ..}تفسير : [القصص: 30]. وقال: {أية : يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ..}تفسير : [المائدة: 116]. وقال: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [ص: 26]. لكن لم يُنَادِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم باسمه أبداً، إنما يناديه بـ "يٰأيها" الرسول، يٰأيها النبي. فإذا كان الحق - تبارك وتعالى - لم يجعل دعاءه للرسول كدعائه لباقي رسله، أفندعوه نحن باسمه؟ ينبغي أن نقول: يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا رسول الله، يا نبي الله، فهذا هو الوصف اللائق المشرِّف. وكما نُميِّز دعاء رسول الله حين نناديه، كذلك حين ينادينا نحن يجب أن نُقدِّر هذا النداء، ونعلم أن هذا النداء لخير عام يعود نفعه على الجميع. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]. لا شكَّ أن الذين يستأذنون رسول الله فيهم إيمان، فيُراعون مجلس رسول الله، ولا يقومون إلا بإذنه، لكن هناك آخرون يقومون دون استئذان: {يَتَسَلَّلُونَ ..} [النور: 63] والتسلل: هو الخروج بتدريج وخُفْية كأنْ يتزحزح من مكان لآخر حتى يخرج، أو يُوهِمك أنه يريد الكلام مع شخص آخر ليقوم فينسلِتُ من المجلس خُفْية، وهذا معنى {يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ..} [النور: 63] يلوذ بآخر ليخرج بسببه. ويحذر الله هؤلاء: {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ..} [النور: 63] والتحذير إنذار بالعاقبة السيئة التي تترتب على الانسحاب من مجلس رسول الله، كأنه يقول لهم: قارنوا بين انسحابكم من مجلس الرسول وبين ما ينتظركم من العقاب عليه. وقال: {يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ..} [النور: 63] لا يخالفون أمره، فجعل في المخالفة معنى الإعراض، لا مجرد المخالفة، فالمعنى: يُعرِضون عنه. والأمر: يُراد به فعل الأمر أو النهي أو الموضوع الذي نحن بصدده يعني: ليس طلباً، وهذا المعنى هو المراد هنا: أي الموضوع الذي نبحثه ونتحدث فيه، فانظروا ماذا قال رسول الله ولا تخالفوه ولا تعارضوه؛ لأنه وإنْ كان بشراً مثلكم إلا أنه يُوحَى إليه. لذلك يحدد الرسول صلى الله عليه وسلم مركزه كبشر وكرسول، فيقول: "حديث : يَرِدُ عليَّ - يعني من الحق الأعلى - فأقول: أنا لست كأحدكم، ويُؤخَذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ". تفسير : لذلك كان الصحابة يفهمون هذه المسألة، ويتأدبون فيها مع رسول الله، ويسألونه في الأمر: أهو من عند الله قد نزل فيه وَحْي، أم هو الرأْي والمشورة؟ فإنْ كان الأمر فيه وَحْيٌ من الله فلا كلامَ لأحد مع كلام الله، وإنْ كان لم يرد فيه من الله شيء أدْلَى كُلٌّ منهم برأيه ومشورته. وهذا حدث فعلاً حديث : في غزوة بدر حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلاً رأى بعض الصحابة أن غيره خير منه، فسألوا رسول الله: أهذا منزل أنزلكَهُ الله، أم هو الرأْيُ والمشورة؟ فقال: "بل هو الرأي والمشورة" فأخبروه أنه غير مناسب، وأن المكان المناسب كذا وكذا . تفسير : وقوله تعالى: {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ..} [النور: 63] أي: في الدنيا {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] أي: في الآخرة، فإنْ أفلتوا من فتنة الدنيا فلنْ يُفلتوا من عذاب الآخرة. ثم تختم السورة بقوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} معناه استِتَارٌ.

الجيلاني

تفسير : ومن جملة الآداب التي وجبت عليكم رعايتها ومحافظتها بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ} ونداءه {بَيْنَكُمْ} بين أظهركم {كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} بالاسم واللقب فقط لا ضميمةٍ تدل على تعظيمه وتوقيره، بل قولوا له وقت ندائه: يا نبي الله؛ أو: يا خير خلق الله، أو: يا أكرم الخلق على الله، وأمثالها. أو لا تجعلوا دعاءه ومناجاته مع الله، ورفع حاجاته صلى الله عليه وسلم إليه سبحانه في الإجابة والقبول كدعاء بعضكم بعضاً، فإن قبل مرة ردَّ أخرى بل ردَّ مراراً كثيرة، فإن دعاءه صلى الله عليه وسلم لا يرد عند الله أصلاً، أولاً تقيسوا نداءه إليكم في الوقائع والأمور كدعاء بعضكم بعضاً، فإن تجيبوا مرة وتردوا أخرى، بل عليكم أن تبادروا الإجابة ندائه صلى الله عليه وسلم سمعاً وطاعةً بلا مطلٍ وتسويفٍ، وخافضين أصواتكم حين إجابته مسرعين إليها بالآلات والجوارح، ساعين إلى إنجاح سؤله ومطلوبه صلى الله عليه وسلم. ثم أشار سبحانه إلى توبيخ المنافقين وتقريعهم حيث قال: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ} المطلع على سرائر عباده بمقتضى علمه الحضوري كيدَ المنافقين {ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ} أي: يخرجون قليلاً قليلاً من جمعكم أيها المؤمنون {لِوَاذاً} أي: حال كونهم ملاوذين ملتجئين بغيرهم بأن يستر بعضهم خلف بعض، وحتى يخرج بلا إذنٍ ورخصةٍ منه صلى الله عليه وسلم {فَلْيَحْذَرِ} أولئك الماكرون المخادعون {ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ} وينصرفون {عَنْ أَمْرِهِ} سبحانه وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بلا رخصةٍ {أَن تُصِيبَهُمْ} في الدنيا {فِتْنَةٌ} أي: مصيبةُ ومحنةُ عظيمةُ مثل القتل والنهب الأسر وأنواع البليات {أَوْ يُصِيبَهُمْ} في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] لا عذاب أشدَّ منه. وكيف تعرضون، وتنصرفون عن أمر الله وأمر رسوله أيها المسرفون المفرطون، أما تستحيون من الله الرقيب عليكم، {أَلاۤ} أي: تنبهوا أيها الجاهلون الغافلون بقدْر الله، وحق ألهويته واستقلاله وبسطته {إِنَّ للَّهِ} المظهرِ الموجِدِ تصرفاً وملكاً مظاهرَ {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: العلويات والسلفيات، وما بينهما {قَدْ يَعْلَمُ} سبحانه بعلمه الحضوري {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} في نشأتكم هذه. {وَ} يعلم أيضاً ما ستكونون عليه {يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} في النشأة الأخرى المعدَّة للعرض والجزاء؛ إذ لا يعزب عن حيطة حضرة علمه شيء مما جرى في عالم الغيب الشهادة والنشأة الأولى والأخرى {فَيُنَبِّئُهُمْ} ويخبرهم حينئذ {بِمَا عَمِلُواْ} في النشأة الأولى على التفصيل بلا شذوذِ شيء منها، ثم يجازيهم عليها {وَٱللَّهُ} المجازي لعمود عباده في يوم الجزاء {بِكُلِّ شَيْءٍ} صدر عنهم في أولاهم وأخراهم {عَلِيمُ} [النور: 64] محيطُ بجميع أعمالهم وأفعالهم وشئونهم وحالاتهم، وجميع ما جرى عليهم، يجازيهم على مقتضى علمه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. اصنع بنا يا مولانا ما أنت أهله يا ذا الفضل العظيم والجود العميم. خاتمة السورة عليك أيها الموحد المستضيءُ، المقتبسُ من المشكاة الجامعة المصطفوية والمصباح اللامع النبوي. أرشدك الله إلى غاية ما أملك، ووفقك إلى كمال ما جبلك الحق لأجله. أن تحسن الأدب مع نبيك الهادي إلى طريق التوحيد الذاتي، وتحافظَ على ملازمة ما أوجبك الحق من حقوقه وآدابه صلى الله عليه وسلم. فلك أن تجعل رتبته صلى الله عليه وسلم نصبَ عينيك، ولا تترك شيئاً من سنته المأثورة، وأخلاقه المشهورة، وشيمه المعروفة بين أهل الحق وأرباب المحبة من المنكشفين بعلو مرتبته صلى الله عليه وسلم ورفعة قدره ومكانته، ولا تهمل شيئاً من الحدود والأحكام الموضوعة في دينه وشريعته، ولك أن تختار لنفسك من عزائم شرعه ودينه مهما أمكنك، ولا تميلَ إلى رخصتها؛ إذ الرخصة لعوام أهل الإيمان والعزائم لخواصهم، فلك الإخلاص في العمل، وعليك الاجتناب عن الرياء والسمعة وجميع الرعونات الواقعة في صدور الأعمال، سواءً كان عملك قليلاً أو كثيراً عزائمَ أو رخصاً. وإياك إياك الحذر عن مداخل الرياء والتلبيس، فإنها من شباك إبليس، يضل بها ضعفاء الأنام عن نهج الرشاد وسبيل الاستقامة والسداد. عَصمنا الله من تغيرات الشياطين، وتسويلاتهم بفضله وجوده.

همام الصنعاني

تفسير : 2079- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً}: [الآية: 63]، قال: أمرهم أن الله أن يفخموه ويشرفوه.