٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً. {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} فهو يجازيكم به. و«يعلم» هنا بمعنى علم. {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} بعد ما كان في خطابٍ رجع في خبر؛ وهذا يقال له: خطاب التلوين. {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ} أي يخبرهم بأعمالهم ويجازيهم بها. {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ} من أعمالهم وأحوالهم. ختمت السورة بما تضمنت من التفسير، والحمد لله على التيسير.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة، وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم، فقال: {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} و (قد) للتحقيق، كما قال قبلها: {أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} تفسير : وقال تعالى:{أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 18] الآية، وقال تعالى: {أية : قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ} تفسير : [المجادلة: 1] الآية، وقال: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـأَيَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأنعام: 33] وقال: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [البقرة: 144] الآية، فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل بقد، كقول المؤذن تحقيقاً وثبوتاً: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. فقوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} أي: هو عالم به، مشاهد له، لا يعزب عنه مثقال ذرة؛ كما قال تعالى: {أية : وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ } تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [الشعراء: 217 ــــ 220] وقوله: {أية : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يونس: 61] وقال تعالى: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} تفسير : [الرعد: 33] أي: هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر، وقال تعالى: {أية : أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} تفسير : [هود: 5] وقال تعالى: {أية : سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} تفسير : [الرعد: 10] الآية، وقال تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [هود: 6] وقال: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59] والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جداً. وقوله: {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} أي: ويوم ترجع الخلائق إلى الله، وهو يوم القيامة، {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ} أي: يخبرهم بما فعلوا في الدنيا من جليل وحقير، وصغير وكبير؛ كما قال تعالى: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} تفسير : [القيامة: 13] وقال: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} تفسير : [الكهف: 49] ولهذا قال ههنا: {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ} والحمد لله رب العالمين، ونسأله التمام.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ملكاً وخلقاً وعبيداً {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ } أيها المكلفون {عَلَيْهِ } من الإِيمان والنفاق {وَ} يعلم {يَوْمٍ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } فيه التفات عن الخطاب أي متى يكون {فَيُنَبِّئُهُمْ } فيه {بِمَا عَمِلُواْ } من الخير والشرّ {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ } من أعمالهم وغيرها {عَلِيمٌ }.
النسفي
تفسير : {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } «ألا» تنبيه على أن لا يخالفوا أمر من له ما في السماوات والأرض {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } أدخل «قد» ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد، والمعنى أن جميع ما في السماوات والأرض مختص به خلقاً وملكاً وعلماً فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجهدون في سترها؟ {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } وبفتح الياء وكسر الجيم: يعقوب أي ويعلم يوم يردون إلى جزائه وهو يوم القيامة. والخطاب والغيبة في قوله {قد يعلم} {ما أنتم عليه} {ويوم يرجعون إليه} يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات، ويجوز أن يكون {ما أنتم عليه} عاماً و {يرجعون} للمنافقين {فَيُنَبّئُهُمْ } يوم القيامة {بِمَا عَمِلُواْ } بما أبطنوا من سوء أعمالهم ويجازيهم حق جزائهم {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } فلا يخفي عليه خافية. ورُوي أن ابن عباس رضي الله عنهما قرأ سورة النور على المنبر في الموسم وفسرها على وجه لو سمعت الروم به لأسلمت والله أعلم.
الخازن
تفسير : فقال تعالى: {ألا إن لله ما في السموات والأرض} أي ملكاً وعبيداً {قد يعلم ما أنتم عليه} أي من الإيمان والنفاق {ويوم يرجعون إليه} يعني يوم القيامة {فينبئهم بما عملوا} أي من الخير والشر {والله بكل شيء عليم} عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لاتنزلوا النساء الغرف، ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن الغزل وسورة النور" تفسير : أخرجه أبو عبدالله بن السبع في صحيحه والله سبحانه وتعالى أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {قد يعلم ما أنتم عليه} الآية. قال: ما كان قوم قط على أمر ولا على حال إلا كانوا بعين الله، وإلا كان عليهم شاهد من الله. وأخرج أبو عبيد في فضائله والطبراني بسند حسن عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية؛ يعني خاتمة سورة النور، وهو جاعل أصبعيه تحت عينيه يقول. "والله بكل شيء بصير" والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} من الموجوداتِ بأسرِها خَلْقاً ومُلْكاً وتَصرُّفاً وإيجاداً وإعدَاماً بَدْءاً وإعادةً {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ} أيُّها المُكلَّفون من الأحوالِ والأوضاعِ التي من جُملتها الموافقةُ والمخالفةُ والإخلاصُ والنِّفاقُ {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} عطفٌ على ما أنتُم عليه أي يعلمُ يومَ يُرجع المنافقون المخالفون للأمرِ إليه تعالى للجزاءِ والعقابِ وتعليقُ علمِه تعالى بـيومِ رجوعِهم لا يرجعهم لزيادةِ تحقيق علمِه تعالى بذلك. وغايةُ تقريرِه لما أنَّ العلمَ بوقت وقوع الشيء مستلزمٌ للعلم بوقوعِه على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وفيه إشعارٌ بأنَّ علمَه تعالى لنفسِ رجوعِهم من الظُّهور بحيثُ لا يحتاجُ إلى البـيانِ قطعاً. ويجوزُ أن يكونَ الخطابُ أيضاً خاصّاً بالمنافقين على طريقةِ الالتفاتِ. وقُرىء يَرجعون مبنيّاً للفاعلِ {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ} من الأعمال السَّيئةِ التي من جُملتها مخالفةُ الأمر فيرتِّب عليه ما يليقُ به من التَّوبـيخ والجزاء، وقد مرَّ وجهُ التَّعبـيرِ عن الجزاء بالتنبئة في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [يونس: 23] الآيةَ {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} لا يعزبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ. عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَن قرأَ سُورةَ النُّور أُعطي من الأجرِ عشرَ حسناتٍ بعددِ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ فيما مَضَى وفيما بَقِي » تفسير : والله سبحانَهُ وتعالَى أعلمُ.
القشيري
تفسير : إنَّ لليوم غداً، ولِمَا يفعلُ العبدُ حساباً، وسيُطالَبُ المكَلَّفُ بالصغيرِ والكبير، والنقير والقطمير.
البقلي
تفسير : ما فى السّماوات من خزائن قلوب الملائكة وما فى الارض من خزائن معرفته وجوده فى قلوب اهل المحبة يعلم السرائر والضمائر وما يجرى من داء شوقه ومحبته على قلوب المقبلين اليه فيجازيهم يوم كشف المشاهدة ويخبرهم مما مضى من ايام الفراق ويعتذر اليهم بحسن الانبساط ورفع الحجاب ابد الابدين.
اسماعيل حقي
تفسير : {الا} [بدانيدو آكاه باشيد] {ان لله مافى السموات والارض} من الموجودات باسرها خلقا وملكا وتصريفا ايجادا واعداما بدأ واعادة {قد} كما قبله {يعلم ما أنتم عليه} ايها المكلفون من الاحوال والاوضاع التى من جملتها الموافقة والمخالفة والاخلاص والنفاق {ويوم يرجعون اليه} عطف على ما أنتم عليه ويوم مفعول به لاظرف اى يعلم تحقيقا يوم يرد المنافقون المخالفون للامر اليه تعالى للجزاء والعقاب فيرجعون من الرجع المتعدى لامن الرجوع اللازم والعلم بوقت وقوع الشىء مستلزم للعلم بوقوعه على ابلغ وجه {فينبئهم بما عملوا} من الاعمال السيئة اى يظهر لهم على رؤس الاشهاد ويعلمهم اى شىء شنيع عملوا فى الدنيا ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء وعبر عن اظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة فى انهما سببان للعلم تنبيها على انهم كانوا جاهلين بحال ماارتكبوه غافلين عن سوء عاقبته لغلبة احكام الكثرة الخلقية الامكانية وآثار الا مزجة الطبيعية الحيوانية فى نشأتهم {والله بكل شىء عليم} لا يخفى عليه شىء فى الارض ولا فى السماء وان كان المنافقون يجتهدون فى ستر اعمالهم عن العيون واخفائها شعر : آنكس كه بيافريد بيدا ونهان جون نشناسدنهان وبيدابجهان تفسير : وفى التأويلات النجمية {ألا ان لله مافى السموات ولارض} من نعيم الدنيا والآخرة فمن تعلق بشىء منه يبعده الله عن الحضرة ويؤاخذه بقدر تعلقه بغيره {ويوم يرجعون اليه} بسلاسل المتعلقات {فينبئهم بما عملوا} عند مطالبتهم بمكافأة الخير خيرا ومجازاة الشر شرا {والله بكل شىء عليم} اى بكل شىء من مكافأة الخير ومجازاة الشر عليم بالنقير والقطمير مما عملوا من الصغير والكبير انتهى، واعلم ان التعلق بكل من نعيم الدنيا ونعيم الآخرة حرام على اهل الله تعالى نعم ان اهل الله يحبون الآخرة بمعنى ان الآخرة فى الحقيقة هو الآخر بالكسر وهو الله تعالى، قال بعض اهل الحقيقة ما ألهاك عن مولاك فهو دنياك. فعلى العاقل ان يقطع حبل العلاقات ويتصل بسر تجرد الذات والصفات ويتفكر فى امره ويحاسب نفسه قبل ان يجيء يوم الجزاء والمكافات فان عقب هذه الحياة مماة وهذا البقاء ليس على الدوام والثبات وفى الحديث "حديث : ما قال الناس لقوم طوبى لكم الا وقد خبأ لهم الدهر يوم سوء"تفسير : قال الشاعر شعر : ان الليالى لم تحسن الى احد الا اساءت اليه بعد احسان تفسير : وقال آخر شعر : احسنت ظنك بالايام اذ حسنت ولم تخف شر ما يأتى به القدر تفسير : وقال آخر شعر : لا صحة المرء فى الدنيا تؤخره ولا يقدم يوما موته الوجع تفسير : {والله بكل شىء عليم} من يوم الموت والرجوع اختيارا واضطرارا وغير ذلك من الامور سرا وجهرا فطوبى لمن شاهد ولاحظ هذا الامر وختم بالخوف والمراقبة الوقت والعمر. تم بحمد الله تفسير سورة النور
الجنابذي
تفسير : {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} بعدما حذّرهم بالعذاب على مخالفة امره حقّق ذلك بأنّه قادر عليه ولا مانع له منه لكون الكلّ مملوكين له من غير مانعٍ {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} من الافعال والاحوال والاخلاق والنّيّات والخطرات والمكمونات الّتى لا استشعار لكم بها، وهذا تعميم لعلمه تعالى بعد تخصيصه بالذّين يستلّلون وتأكيد لتحذيرهم بانّه عالم بجميع ما كنتم عليه {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} عطف على محذوفٍ اى يعلم الآن ويوم يرجعون او عطف على ما انتم عليه او ظرفٌ لفعل محذوفٍ بقرينة قوله {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ} او ظرف لينبّئهم، وتخلّل الفاء امّا بتوهّم امّا، او بتقديرها، او لفظة الفاء زائدة فلا تمنع من عمل ما بعدها فى ما قبلها، وعلى اىّ تقديرٍ يكون الكلام التفاتاً من الخطاب الى الغيبة {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ} تعميم آخر لعلمه تعالى.
الهواري
تفسير : قوله: {أَلآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} أي: من النفاق، يعني المنافقين {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} يقول للنبي: ويوم يرجعون إليه، أي: يوم القيامة {فَيُنَبِّئُهُم} أي: فيخبرهم {بِمَا عَمِلُوا} أي: من النفاق والكفر {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي: فلا أعلم منه سبحانه.
اطفيش
تفسير : {أَلآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} ملكا وعبيدا وخلقا * {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} ايها المكلفون من النفاق والايمان والمخالفة والموافقة والاخلاص. وقيل: ان الخطاب للمنافقين وان المعنى ما انتم عليه من النفاق والمخالفة وقد للتحقيق ادخلها تأكيدا للوعيد فانه يعلم ويجازي واصل (قد) ان تكون مع المضارع للتقليل وان تكون معه للتحقيق وتصح ان تكون للتكثير كما في قوله: شعر : اخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ولكنه قد يهلك المال نائله تفسير : وقال ابن هشام: ومن معاني قد للتقليل وهو اما تقليل وقوع الفعل نحو (قد يصدق الكذوب اني) واما تقليل متعلقه نحو: (قد يعلم ما انتم عليه) اي ما هم عليه أقل معلوماته وزعم انها في ذلك للتحقيق الخ {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} متعلق بـ (ينبئ) المذكور بعده المقرون بفاء الزائدة وذلك يوم القيامة وبين قوله: (انتم) إذا قلنا انه للمنافقين وبين ما قبله التفات من الغيبة للخطاب وبينه وبين ما بعده التفات من الخطاب للغيبة (وواو يرجعون) للمنافقين هكذا (هاء) ينبئهم (وواو) عملوا. وقيل: للمكلفين مطلقا فيكون بين قوله: {وَيَوْمَ يَرْجِعُونَ} الخ وقوله: {قد يعلم ما انتم عليه} ان قلنا الخطاب فيه للمكلفين مطلقا التفات من الخطاب إلى الغيبة * {فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا} من الخير والشر توبيخا ومجازاة * {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ} من اعمالهم * {عَلِيمُ} اللهم ببركة سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وببركة السورة اخزِ النصارى واهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : {ألا إن لله} لا لغيره {ما فى السَّماوات والأرض} من الأجسام والأعراض والايجاد والاعدام، والاعادة والتصرفات {قد يعلم} متعد لواحد بمعنى يعرف لجواز المعرفة فى صفته على الصحيح، ولا تختص بالحدوث {ما أنتم عليه} أيها المكلفون من الأحوال، كالموافقة والمخالفة والاخلاص والنفاق وغير ذلك، ودخل فى الخطاب المنافقون تغليبا، لأن الخطاب قيل للمؤمنين، وقد للتحقيق، ومما شهر أنها للتقليل بالنسبة الى باقى معلوماته، بمعنى أن ما أنتم عليه من اقل معلوماته، ولا يصح لأن التقليل بعد مثلا يعتبر فى نفس مدخولها نحو قد يقعد إذا كان قعوده قليلا لا بمتعلق مدخولها، وهو هنا ما أنتم عليه، وهذا كقولهم المبالغة فى: "أية : وما ربك بظلاَّم"تفسير : [فصلت: 46] راجعة الى النفى، كيف تصح المبالغة من مدلول لفظ الى آخر، وهذا رجوع من آخر الى أول وآتينا من أولا لآخر. {ويَوْم يرجعون إليه} عطف على ما فهو مفعول به، أى يعلم ما أنتم عليه، ونفس اليوم، ويجوز عطفه على الآن محذوفاً متعلقاً بعليه، أو متعلقه أى يعلم ما أنتم عليه الآن، ويوم فيكون ظرفاً، وأن يكون ظرفا لمحذوف، أى وسيحاسبهم يوم والواو للمنافقين، وإن أعيد أنتم للمنافقين كان التفات من الغيبة الى الخطاب فى أنتم، والتفات من الخطاب الى الغيبة فى يرجعون. {فينبئهم بما عَمِلُوا} بعملهم، أو بما عملوه، ثم يجازيهم عليه أو التنبئة بما عملوا عبارة عن جزائهم، {واللهُ بكلِّ شىءٍ} لا بالبعض فقط {عليمٌ} والله الموفق المستعان.
الالوسي
تفسير : {أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } من الموجودات بأسرها خلقاً وملكاً وتصرفاً، إيجاداً وإعداماً، بدءاً وإعادة، لا لأحد غيره شركة أو استقلالاً {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } أيها المكلفون من الأحوال والأوضاع التي من جملتها الموافقة والمخالفة والإخلاص والنفاق ودخول المنافقين مع أن الخطاب فيما قبل للمؤمنين بطريق التغليب، وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } خاص بالمنافقين وهو مفعول به عطف على {مَا أَنتُمْ } أي يعلم يوم يرجع المنافقون المخالفون للأمر إليه عز وجل للجزاء والعقاب. وتعليق علمه بيوم رجعهم لا برجعهم لزيادة تحقيق علمه سبحانه بذلك وغاية تقريره لما أن العلم بوقت وقوع الشيء مستلزم للعلم بوقوع الشيء على أبلغ وجه وآكده، وفيه إشعار بأن علمه جل وعلا بنفس رجعهم من الظهور بحيث لا يحتاج إلى البيان قطعاً. ويجوز أن يكون الخطاب السابق خاصاً بهم أيضاً فيتحقق التفاتان التفات من الغيبة إلى الخطاب في {أَنتُمْ } والتفات من الخطاب إلى الغيبة في {يَرْجِعُونَ } والعطف على حاله. وجوز أن يكون على مقدر أي ما أنتم عليه الآن ويوم الخ فإن الجملة الاسمية تدل على الحال في ضمن الدوام والثبوت. وقيل: يجوز أن يكون {يَوْمٍ } ظرفاً لمحذوف يعطف على ما قبله أي وسيحاسبهم يوم أو نحو ذلك ولا أرى اختصاصه بالوجه الثاني في الخطاب. وفي «البحر» بعد ذكر الوجهين فيه والظاهر عطف {يَوْمٍ } على {مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } وقال ابن عطية: يجوز أن يكون التقدير والعلم يظهر لكم أو نحو هذا يوم فيكون {يَوْمٍ } نصباً على الظرفية بمحذوف وقد للتحقيق وفيها الاحتمالان المتقدمان آنفاً، وقد مر غير مرة ما يراد بمثل هذه الجملة من الوعيد أو الوعد. ولا يخفى المناسب لكل من / الاحتمالات في {أنتم. ويرجعون} وقرأ ابن يعمر وابن أبـي إسحاق وأبو عمرو {يرجعون } مبنياً للمفعول. {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ } أي بعملهم أو بالذي عملوه من الأعمال السيئة التي من جملتها مخالفة الأمر فيرتب سبحانه عليه ما يليق به من التوبيخ والجزاء أو فينبئهم بما عملوا خيراً أو شراً فيرتب سبحانه على ذلك ما يليق به إن خيراً فخير وإن شراً فشر {وَٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } لا يخفى عليه شيء من الأشياء. والجملة تذييل مقرر لما قبله. وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لتأكيد استقلال الجملة والإشعار بعلة الحكم، وتقديم الظرف لرعاية رؤوس الآي. وقيل وفيه بحث: إنه للحصر على معنى والله عليم بكل شيء لا ببعض الأشياء كما يزعمه بعض جهلة الفلاسفة ومن حذا حذوهم حفظنا الله تعالى والمسلمين مما هم عليه من الضلالات وجعل لنا نوراً نهتدي به إذا ادلهم ليل الجهالات. هذا ومن باب الإشارة في الآيات ما قيل في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِى سَحَاباً } إلى آخره أنه إشارة إلى جمع العناصر الأربعة وتركيب الإنسان منها ثم خروج مطر الإحساس من عينيه وأذنيه مثلاً وينزل من سماء العقل الفياض برد حقائق العلوم فيصيب به من يشاء فتظهر آثاره عليه ويصرفه عمن يشاء حسبما تقتضيه الحكمة الإلٰهية {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ } نور تجليه { أية : يَذْهَبُ بالأبْصَـارِ } تفسير : [النور: 43] بأن يعطلها عن الإبصار ويفني أصحابها عنها لما أن الإدراك بنوره فوق الإدراك بنور الأبصار { أية : يُقَلّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } تفسير : [النور: 44] إشارة إلى ليل المحو ونهار الصحو أو ليل القبض ونهار البسط أو ليل الجلال ونهار الجمال أو نحو ذلك. وقيل: يزجى سحاب المعاصي إلى أن يتراكم فترى مطر التوبة يخرج من خلاله كما خرج من سحاب { أية : وَعَصَىٰ ءادَمُ } تفسير : [طه: 121] مطر { أية : ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُهُ } تفسير : [طه: 122] وينزل من سماء القلوب من جبال القسوة فيها من برد القهر يقلب الله ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس {وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء } تقدم الكلام في الماء {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِ } يعتمد في سيره على الباطن وهم أهل الجذبة المغمورون في بحار المحبة {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ } يعتمد في سيره الشريعة والطريقة لكن فيما يتعلق به خاصة منهما وهم صنف من الكاملين سكنوا زوايا الخمول ولم يخالطوا الناس ولم يشتغلوا بالإرشاد {وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ أَرْبَعٍ } يعتمد في سيره الشريعة والطريقة فيما يتعلق به وبغيره منهما وهم صنف آخر من الكاملين برزوا للناس وخالطوهم واشتغلوا بالإرشاد وعملوا في أنفسهم بما تقتضيه الشريعة والطريقة وعاملوا الناس والمريدين بذلك أيضاً. { أية : يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَاء } تفسير : [النور: 45] فلا يبعد أن يكون في خلقه من يمشي على أكثر كالكاملين الذين أوقفهم الله تعالى على أسرار الملك والملكوت وما حده لكل أمة من الأمم ونوع من أنواع المخلوقات فعاملوا بعد أن عملوا في أنفسهم ما يليق بهم كل أمة وكل نوع بما حد له { أية : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } تفسير : [النور: 41]. وفي قوله تعالى: { أية : وَيِقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ } تفسير : [النور: 47] الآيات إشارة إلى أحوال المنكرين في القلب على المشايخ وأحوال المصدقين بهم قلباً وقالباً وفي قوله سبحانه: { أية : وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } تفسير : [النور: 54] إشارة إلى أن طاعة الرسول سبب لحصول المكاشفات ونحوها، قال أبو عثمان: من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ } وفي قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَـذِنُوهُ } تفسير : [النور: 62] إشارة إلى أنه لا ينبغي للمريد الاستبداد بشيء قال عبد الله الرازي: قال قوم من أصحاب أبـي عثمان لأبـي عثمان أوصنا فقال: عليكم بالاجتماع على الدين وإياكم / ومخالفة الأكابر والدخول في شيء من الطاعات إلا بإذنهم ومشورتهم وواسوا المحتاجين بما أمكنكم فإذا فعلتم أرجو أن لا يضيع الله تعالى لكم سعياً {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً } فيه من تعظيم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ما فيه، وذكر أن «الشيخ في جماعته كالنبـي في أمته» فينبغي أن يحترم في مخاطبته ويميز على غيره {فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور: 36] قال أبو سعيد الخراز: الفتنة إسباغ النعم مع الاستدراج، وقال الجنيد قدس سره: قسوة القلب عن معرفة المعروف والمنكر، وقال بعضهم: طبع على القلوب والعذاب الأليم هو عذاب البعد والحجاب عن الحضرة نعوذ بالله تعالى من ذلك ونسأله سبحانه التوفيق إلى أقوم المسالك فلا رب غيره ولا يرجى إلا خيره.
ابن عاشور
تفسير : تذييل لما تقدم في هذه السورة كلها. وافتتاحه بحرف التنبيه إيذان بانتهاء الكلام وتنبيه للناس ليعُوا ما يرد بعد حرف التنبيه، وهو أن الله مالك ما في السماوات والأرض، فهو يجازي عباده بما يستحقون وهو عالم بما يفعلون. ومعنى: {ما أنتم عليه} الأحوال الملابسين لها من خير وشر، فحرف الاستعلاء مستعار للتمكن. وذكَّرهم بالمعاد إذ كان المشركون والمنافقون منكرينه. وقوله: {فينبئهم بما عملوا} كناية عن الجزاء لأن إعلامهم بأعمالهم لو لم يكن كناية عن الجزاء لما كانت له جدوى. وقوله: {والله بكل شيء عليم} تذييل لجملة: {قد يعلم ما أنتم عليه} لأنه أعم منه. وفي هذه الآية لطيفة الاطلاع على أحوالهم لأنهم كانوا يسترون نفاقهم.
الشنقيطي
تفسير : وقوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّه يعلم ما عليه خلقه أي من الطاعة والمعصية وغير ذلك. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية مع أنه معلوم بالضرورة من الدِّين، جاء مبيناً في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يونس: 61] وقوله تعالى: {أية : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تفسير : [هود: 5] وقوله تعالى: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} تفسير : [الرعد: 33] أي هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر. وقوله تعالى: {أية : وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [الشعراء: 217ـ220]. وقوله تعالى: {أية : سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلْلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الرعد: 10] وقوله تعالى: {أية : وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الملك: 13]، وقوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [هود: 6] وقوله تعالى: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14] إلى غير ذلك من الآيات، وفي هذه الآيات وما في معناها أحسن وعد للمطيعين، وأشدّ وعيد للعصاة المجرمين، ولفظة "قد" في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} للتحقيق، وإتيان "قد" للتحقيق مع المضارع كثير جداً في القرآن العظيم. كقوله تعالى: {أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً} تفسير : [النور: 63] وقوله تعالى: {أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 18] الآية. وقوله تعالى: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ} تفسير : [الأنعام: 33] الآية. وقوله تعالى: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [البقرة: 144] الآية. قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ}. قوله تعالى في هذه الآية: {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} الظاهر أنه ليس بظرف، بل هو معطوف على المفعول به الذي هو "ما"، من قوله: {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ}، أي ويعلم يوم يرجعون إليه، وقد ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يوم القيامة ينبئ الخلائق بكلِّ ما عملوا؛ أي يخبرهم به ثمَّ يجازيهم عليه. وما دلّت عليه هذه الآية الكريمة من كونه جلّ وعلا يخبرهم يوم القيامة بما عملوا جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} تفسير : [القيامة: 13] وقوله تعالى: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 49] والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (64) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وأَنَّهُ عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ، وأنَّهُ عَالِمٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ، فِي سِرِّهِمْ وَجَهْرِهِمْ، وَهُوَ عَالِمٌ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَمُشَاهِدٌ لَهُ، لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاءِ وَلاَ فِي الأَرْضِ، وَيَوْمَ يَرْجِعُ الخَلْقُ إِلَى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يُخْبِرُهُم بِجَمِيعِ مَا فَعَلُوهُ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا. َ
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ألا: أداة تنبيه لشيء مهم بعدها، والتنبيه يأتي لأن الكلام سفارة بين المتكلم والمخاطب، المتكلم عادة يُعد كلامه، ولديْه أُنْسُّ بما سيقول، لكن المخاطب قد لا يكون خالي الذِّهْن فيفاجئه القول، وربما شغله ذلك عن الكلام، فيضيع منه بعضه. والحق - تبارك وتعالى - يريد ألاَّ يضيع منك حرف واحد من كلامه، فينبهك بكلمة هي في الواقع لا معنى لها في ذاتها، إلا أنها تنبهك وتُذهِب ما عندك من دهشة أو غفلة، فتعي ما يُقال لك، وهذا أسلوب عربي عرفته العرب، وتحدثتْ به قبل نزول القرآن. ويقول الشاعر الجاهلي يخاطب المرأة التي تناوله الكأس: شعر : أَلاَ هُبِّي بصَحْنِكِ فَاصْبِحِينَا وَلاَ تُبْقِي خُمُورَ الأَنْدرِينَا تفسير : يريد أن ينبهها إلى الكلام المفيد الذي يأتي بعد. وبعد ألا التنبيهية يقول سبحانه: {إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [النور: 64]. والسماوات والأرض ظرف فيهما كل شيء في الكون العُلْوي والسُّفْلي، فلله ما في السماوات وما في الأرض أي: المظروف فيهما، فما بال الظرف نفسه؟ قالوا: هو أيضاً لله، كما جاء في آية أخرى: {أية : للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [النور: 42] إذن: فالظرف والمظروف مِلْك له سبحانه. وعادةً ما يكون الظرف أقلَّ قيمةً من المظروف فيه، فما بداخل الخزينة مثلاً أثمن منها، وما بداخل الكيس أثمن منه، وكذلك عظمة السماوات والأرض بما فيهما من مخلوقات. لذلك إياك أنّْ تجعل المصحف الشريف ظرفاً لشيء مهم عندك فتحفظه في المصحف؛ لأنه لا شيء أغلى ولا أثمن من كتاب الله، فلا يليق أن تجعله حافظةً لنقودك، أو لأوراقك المهمة؛ لأن المحفوظ عادة أثمن من المحفوظ فيه. وفي الآية: {أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [النور: 64] أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور، فكلُّ ما في السماوات، وكل ما في الأرض مِلْكٌ لله وحده، لا يشاركه فيه أحد، وعلى كثرة المفترين في الألوهية والفرعونية لم يَدَّعِ أحد منهم أن له مُلْكَ شيء منها. حتى إن النمرود الذي جادل أبانا إبراهيم عليه السلام وقال: أنا أُحي وأميت لمَّا قال له إبراهيم: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ ..}تفسير : [البقرة: 258] لم يستطع فِعْل شيء وبُهِت وانتهت المسألة. ومُلْكه تعالى لم يقتصر على الخَلْق، فخَلَق الأشياء ثم تركها تؤدي مهمتها وحدها، إنما خلقها وله تعالى قيومية على ما خلق، وتصرّف في كل شيء، فلا تظن الكون من حولك يخدُمك آلياً، إنما هو خاضع لإرادة الله وتصرّفه سبحانه. فالماء الذي ينساب لك من الأمطار والأنهار قد يُمنع عنك ويصيب أرضك الجفاف، أو يزيد عن حَدِّه، فيصبح سيولاً تغرق وتدمر، إذن: المسألة ليست رتابة خَلْق، وليست المخلوقات آلاتٍ (ميكانيكية)، إنما لله المْلك والقيومية والتصرُّف في كل ما خلق. ثم يقول سبحانه: {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ..} [النور: 64] لفهم هذه الآية لا بُدَّ أن نعلم أن علاقة الحق - تبارك وتعالى - بالأحداث ليستْ كعلاقتنا نحن، فنحن نعلم من علم النحو أن الأفعال ماضٍ، وهو ما وقع بالفعل قبل أن تتكلم به مثل: جاء محمد، ومضارع وهو إما للحال مثل: يأكل محمد. أو للاستقبال مثل: سيأكل محمد. أما بالنسبة لله تعالى، فالأحداث سواء كلها مَاضٍ وواقع، وقد تكلمنا في هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..}تفسير : [النحل: 1]. ومعلوم أن الاستعجال يكون للأمر الذي يأْتِ بَعْد، والقيامة لم تأتِ بعد لكن عبَّر عنها بالماضي (أتى) لأنه سبحانه لا يعوقه ولا يُخرجه شيء عن مراده، فكأنها أتتْ بالفعل، إذن: {أية : فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..}تفسير : [النحل: 1] ليست منطقية مع كلامك أنت، إنما هي منطقية مع كلام الله. كذلك في قوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ..} [النور: 64] فقد: للتحقيق، ويعلم بالنسبة لله تعالى تعني عَلِم، لكنه بالنسبة لك أنت يعلم: إذن: فهناك طرف منك وطرف من الحق سبحانه، فبالنسبة للتحقيق جاء بقد، وبالنسبة للاستقبال جاء بيعلم. ثم يقول سبحانه: {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ} [النور: 64] وجاء في آية أخرى: {أية : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [يونس: 61]. فإياك أن تفهم أن نظر الله ورؤيته سبحانه للأبعاض المختلفة في الأماكن المختلفة رؤية جزئية، تتجه إلى شيء فلا ترى الآخر، إنما هي رؤية شاملة، كأن لكل شيء رؤية وحده، وهذا واضح في قوله تعالى: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ..}تفسير : [الرعد: 33]. فسبحانه لا يشغله سَمْع عن سمع، ولا بَصَر عن بصر، فبصره سبحانه محيط، واطلاعه دقيق؛ لذلك يأتي جزاؤه حقاً يناسب دِقّة اطلاعه، فإياك إذن أن تغفل هذه الحقيقة، فربُّك قائم عليك، ناظر إليك، لا تَخْفى عليه منك خافية. فيا مَنْ تتسلل لِواذاً احذر، فلا شيء أهمّ من مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله نفسه كان حريصاً أن يرى أصحابه في مجلسه باستمرار، والله تعالى يوصيه بذلك فيقول له: {أية : وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ..}تفسير : [الكهف: 28]. وكان بعض أصحابه يُصلِّي خلفه، فكان عندما يسلم ينصرف الرجل مسرعاً فيراه صلى الله عليه وسلم في أول الصلاة، ولا يراه في آخرها، فاستوقفه في إحدى الصلوات وقال له: "أزهداً فينا"؟ وكأنه يعزّ على رسول الله أن يجد أحد أصحابه لا يتواجد مع حضرته، أو يَزْهَد في مجلسه، فيُحرم من الخيرات والتجليات التي تتنزل على مجلس رسول الله، ويُحرَم من إشعاعات بصيرته وبصره إليه. لذلك أُحرِج الرجل، وأخذ يوضح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدفعه كل صلاة إلى الإسراع بالانصراف، وأن هذا منه ليس زهداً في حضرة رسول الله ومجلس رسول الله، فقال: يا رسول الله إن لي امرأة بالبيت تنتظر ردائي هذا لتصلي فيه. يعني: ليس لديه في بيته إلا ثوبٌ واحد، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالخير، فلما عاد لزوجته سألته عن سبب غيابه، فقصَّ عليها ما كان من أمر رسول الله، وأنه استوقفه وحكى لها ما دار بينهما، فقالت لزوجها: أتشكو ربك لمحمد؟ ولما سألوها بعد ذلك قالت: "غاب عني مقدار مائة تسبيحة" فانظر إلى ساعتها التي تضبط عليها وقتها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):