Verse. 2856 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

تَبٰرَكَ الَّذِيْ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلٰي عَبْدِہٖ لِيَكُوْنَ لِلْعٰلَمِيْنَ نَذِيْرَۨا۝۱ۙ
Tabaraka allathee nazzala alfurqana AAala AAabdihi liyakoona lilAAalameena natheeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تبارك» تعالى «الذي نزَّل الفرقان» القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل «على عبده» محمد «ليكون للعالمين» الإنس والجن دون الملائكة «نذيرا» مخوّفا من عذاب الله.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله سبحانه وتعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد والنبوة وأحوال القيامة، ثم ختمها بذكر صفات العباد المخلصين الموقنين، ولما كان إثبات الصانع وإثبات صفات جلاله يجب أن يكون مقدماً على الكل لا جرم افتتح الله هذه السورة بذلك فقال: {تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة، والبركة كثرة الخير وزيادته وفيه معنيان: أحدهما: تزايد خيره وتكاثر، وهو المراد من قوله: { أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [إبراهيم: 34] والثاني: تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو المراد من قوله: { أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } تفسير : [الشورى: 11] وأما تعاليه عن كل شيء في ذاته، فيحتمل أن يكون المعنى جل بوجوب وجوده وقدمه عن جواز الفناء والتغير عليه، وأن يكون المعنى جل بفردانيته ووحدانيته عن مشابهة شيء من الممكنات، وأما تعاليه عن كل شيء في صفاته فيحتمل أن يكون المعنى جل أن يكون علمه ضرورياً أو كسبياً أو تصوراً أو تصديقاً وفي قدرته أن يحتاج إلى مادة ومدة ومثال وجلب غرض ومنال، وأما في أفعاله فجل أن يكون الوجود والبقاء وصلاح حال الوجود إلا من قبله، وقال آخرون: أصل الكلمة تدل على البقاء، وهو مأخوذ من بروك البعير، ومن بروك الطير على الماء، وسميت البركة بركة لثبوت الماء فيها، والمعنى أنه سبحانه وتعالى باق في ذاته أزلاً وأبداً ممتنع التغير وباق في صفاته ممتنع التبدل، ولما كان سبحانه وتعالى هو الخالق لوجوه المنافع والمصالح والمبقى لها وجب وصفه سبحانه بأنه تبارك وتعالى. المسألة الثانية: قال أهل اللغة: كلمة (الذي) موضوعة للإشارة إلى الشيء عند محاولة تعريفه بقضية معلومة، وعند هذا يتوجه الإشكال، وهو أن القوم ما كانوا عالمين بأنه سبحانه هو الذي نزل الفرقان فكيف حسن ههنا لفظ (الذي)؟ وجوابه: أنه لما قامت الدلالة على كون القرآن معجزاً ظهر بحسب الدليل كونه من عند الله، فلقوة الدليل وظهوره أجراه سبحانه وتعالى مجرى المعلوم. المسألة الثالثة: لا نزاع أن الفرقان هو القرآن وصف بذلك من حيث إنه سبحانه فرق به بين الحق والباطل في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبين الحلال والحرام، أو لأنه فرق في النزول كما قال: { أية : وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ } تفسير : [الإسراء: 106] وهذا التأويل أقرب لأنه قال: {نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ } ولفظة (نزل) تدل على التفريق، وأما لفظة (أنزل) فتدل على الجمع، ولذلك قال في سورة آل عمران: { أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ... وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } تفسير : [آل عمران: 3] واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال أولاً {تَبَـٰرَكَ } ومعناه كثرة الخير والبركة، ثم ذكر عقبه أمر القرآن دل ذلك على أن القرآن منشأ الخيرات وأعم البركات، لكن القرآن ليس إلا منبعاً للعلوم والمعارف والحكم، فدل هذا على أن العلم أشرف المخلوقات وأعظم الأشياء خيراً وبركة. المسألة الرابعة: لا نزاع أن المراد من العبد ههنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعن ابن الزبير على عباده وهم رسول الله وأمته كما قال: { أية : لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 10]، { أية : قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } تفسير : [البقرة: 136]، وقوله: {لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً } فالمراد ليكون هذا العبد نذيراً للعالمين، وقول من قال: إنه راجع إلى الفرقان فأضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله: { أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى } تفسير : [الإسراء: 9] فبعيد وذلك لأن المنذر والنذير من صفات الفاعل للتخويف، وإذا وصف به القرآن فهو مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة إذا أمكن هو الواجب، ثم قالوا هذه الآية تدل على أحكام: الأول: أن العالم كل ما سوى الله تعالى ويتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، لكنا أجمعنا أنه عليه السلام لم يكن رسولاً إلى الملائكة فوجب أن يكون رسولاً إلى الجن والإنس جميعاً، ويبطل بهذا قول من قال إنه كان رسولاً إلى البعض دون البعض الثاني: أن لفظ {ٱلْعَـٰلَمِينَ } يتناول جميع المخلوقات فدلت الآية على أنه رسول للخلق إلى يوم القيامة، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل الثالث: قالت المعتزلة دلت الآية على أنه سبحانه أراد الإيمان وفعل الطاعات من الكل، لأنه إنما بعثه إلى الكل ليكون نذيراً للكل، وأراد من الكل الاشتغال بالحسن والإعراض عن القبيح وعارضهم أصحابنا بقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ } تفسير : [الأعراف: 179] الآية، الرابع: لقائل أن يقول إن قوله {تَبَـٰرَكَ } كما دل على كثرة الخير والبركة لا بد وأن يكون المذكور عقيبه ما يكون سبباً لكثرة الخير والمنافع، والإنذار يوجب الغم والخوف فكيف يليق هذا لهذا الموضع؟ جوابه: أن هذا الإنذار يجري مجرى تأديب الولد، وكما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر كان الإحسان إليه أكثر، لما أن ذاك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة، فكذا ههنا كلما كان الإنذار كثيراً كان رجوع الخلق إلى الله أكثر، فكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة، وذلك لأنه سبحانه لما وصف نفسه بأنه الذي يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين، ولم يذكر ألبتة شيئاً من منافع الدنيا. ثم إنه سبحانه وصف ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء أولها: قوله: {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وهذا كالتنبيه على الدلالة على وجوده سبحانه لأنه لا طريق إلى إثباته إلا بواسطة احتياج أفعاله إليه، فكان تقديم هذه الصفة على سائر الصفات كالأمر الواجب وقوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وٱلأَرْضِ } إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه بزمان حدوثها وزمان بقائها في ماهيتها وفي وجودها، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء وثانيها: قوله: {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً } فبين سبحانه أنه هو المعبود أبداً، ولا يصح أن يكون غيره معبوداً ووارثاً للملك عنه فتكون هذه الصفة كالمؤكدة لقوله: {تَبَـٰرَكَ } ولقوله: {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وهذا كالرد على النصارى وثالثها: قوله: {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ } والمراد أنه هو المنفرد بالإلهية، وإذا عرف العبد ذلك انقطع خوفه ورجاؤه عن الكل، ولا يبقى مشغول القلب إلا برحمته وإحسانه. وفيه الرد على الثنوية والقائلين بعبادة النجوم والقائلين بعبادة الأوثان ورابعها: قوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } وفيه سؤالات: الأول: هل في قوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } دلالة على أنه سبحانه خالق لأعمال العباد؟ والجواب: نعم من وجهين: الأول: أن قوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } يتناول جميع الأشياء فيتناول أفعال العباد، والثاني: وهو أنه تعالى بعد أن نفى الشريك ذكر ذلك، والتقدير أنه سبحانه لما نفى الشريك كأن قائلاً قال: ههنا أقوام يعترفون بنفي الشركاء والأنداد، ومع ذلك يقولون إنهم يخلقون أفعال أنفسهم فذكر الله تعالى هذه الآية لتكون معينة في الرد عليهم، قال القاضي الآية لا تدل عليه لوجوه: أحدها: أنه سبحانه صرح بكون العبد خالقاً في قوله: { أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } تفسير : [المائدة: 110] وقال: { أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14] وثانيها: أنه سبحانه تمدح بذلك فلا يجوز أن يريد به خلق الفساد وثالثها: أنه سبحانه تمدح بأنه قدره تقديراً ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره، فثبت بهذه الوجوه أنه لا بد من التأويل لو دلت الآية بظاهرها عليه، فكيف ولا دلالة فيها ألبتة، لأن الخلق عبارة عن التقدير فهو لا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير، وذلك إنما يظهر في الأجسام لا في الأعراض والجواب: أما قوله: {وَإِذْ تَخْلُقُ } وقوله: {أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } فهما معارضان بقوله: { أية : ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } تفسير : [الزمر: 62] وبقوله: { أية : هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ } تفسير : [فاطر: 3] وأما قوله لا يجوز التمدح بخلق الفساد، قلنا لم لا يجوز أن يقع التمدح به نظراً إلى تقادير القدرة وإلى أن صفة الإيجاد من العدم والإعدام من الوجود ليست إلا له؟ وأما قوله: الخلق لا يتناول إلا الأجسام، فنقول لو كان كذلك لكان قوله {خَلَقَ كُلَّ شَىْء } خطأ لأنه يقتضي إضافة الخلق إلى جميع الأشياء مع أنه لا يصح في العقل إضافته إليها. السؤال الثاني: في الخلق معنى التقدير (فقوله): {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } (معناه) وقدر كل شيء فقدره تقديراً؟ والجواب: المعنى (أنه) أحدث كل شيء إحداثاً يراعي فيه التقدير والتسوية، فقدره تقديراً وهيأه لما يصلح له، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر (المستوي) الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة (به في باب) الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير فقدره لأمر ما ومصلحة ما مطابقاً لما قدر (له) غير (متخلف) عنه. السؤال الثالث: هل في قوله: {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } دلالة على مذهبكم؟ الجواب: نعم وذلك من وجوه: أحدها: أن التقدير في حقنا يرجع إلى الظن والحسبان، أما في حقه سبحانه فلا معنى له إلا العلم به والإخبار عنه، وذلك متفق عليه بيننا وبين المعتزلة، فلما علم في الشيء الفلاني أنه لا يقع فلو وقع ذلك الشيء لزم انقلاب علمه جهلاً وانقلاب خبره الصدق كذباً، وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فإذن وقوع ذلك الشيء محال والمحال غير مراد فذلك الشيء غير مراد وإنه مأمور به، فثبت أن الأمر والإرادة لا يتلازمان، وظهر أن السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه وثانيها: أنه عند حصول القدرة والداعية الخالصة إن وجب الفعل، كان فعل العبد يوجب فعل الله تعالى، وحينئذ يبطل قول المعتزلة، وإن لم يجب فإن استغنى عن المرجح فقد وقع الممكن لا عن مرجح وتجويزه يسد باب إثبات الصانع وإن لم يستغن عن المرجح، فالكلام يعود في ذلك المرجح، ولا ينقطع إلا عند الانتهاء إلى واجب الوجود وثالثها: أن فعل العبد لو وقع بقدرته لما وقع إلا الشيء الذي أراد تكوينه وإيجاده، لكن الإنسان لا يريد إلا العلم والحق فلا يحصل له إلا الجهل والباطل، فلو كان الأمر بقدرته لما كان كذلك، فإن قيل إنما كان لأنه اعتقد شبهة أوجبت له ذلك الجهل، قلنا إن اعتقد تلك الشبهة لشبهة أخرى لزم التسلسل وهو محال فلا بد من الانتهاء إلى جهل أول، ووقع في قلب الإنسان لا بسبب جهل سابق، بل الإنسان أحدثه ابتداء من غير موجب، وذلك محال لأن الإنسان قط لا يرضى لنفسه بالجهل ولا يحاول تحصيل الجهل لنفسه بل لا يحاول إلا العلم، فوجب أن لا يحصل له إلا ما قصده وأراده، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الكل بقضاء سار وقدر نافذ، وهو المراد من قوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ} {تَبَارَكَ} اختلف في معناه؛ فقال الفرّاء: هو في العربية و«تقدّس» واحد، وهما للعظمة. وقال الزجاج: {تَبَارَكَ} تفاعل من البركة. قال: ومعنى البركة الكثرة من كل ذي خير. وقيل: {تَبَارَكَ} تعالى. وقيل: تعالى عطاؤه، أي زاد وكثر. وقيل: المعنى دام وثبت إنعامه. قال النحاس: وهذا أولاها في اللغة والاشتقاق؛ من برك الشيء إذا ثبت؛ ومنه برك الجمل والطير على الماء، أي دام وثبت. فأما القول الأوّل فمخلّط؛ لأن التقديس إنما هو من الطهارة وليس من ذا في شيء. قال الثعلبي: ويقال تبارك الله، ولا يقال متبارَك ولا مبارَك؛ لأنه ينتهي في أسمائه وصفاته إلى حيث ورد التوقيف. وقال الطِّرِمَّاح:شعر : تباركتَ لا مُعْطٍ لشيء منعته وليس لما أعطيتَ يا ربّ مانع تفسير : وقال آخر:شعر : تَبَارَكْتَ ما تَقْدِرْ يقعْ ولك الشكرُ تفسير : قلت: قد ذكر بعض العلماء في أسمائه الحسنى «المبارك» وذكرناه أيضا في كتابنا. فإن كان وقع اتفاق على أنه لا يقال فيسلَّم للإجماع، وإن كان وقع فيه اختلاف فكثير من الأسماء اختلف في عدّه؛ كالدهر وغيره. وقد نبهنا على ذلك هنالك، والحمد لله. و«الفرقان» القرآن. وقيل: إنه اسم لكل مُنزَّل؛ كما قال: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} تفسير : [الأنبياء: 48]. وفي تسميته فرقاناً وجهان: أحدهما: لأنه فرّق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. الثاني: لأن فيه بيان ما شرع من حلال وحرام؛ حكاه النقاش. {عَلَىٰ عَبْدِهِ} يريد محمداً صلى الله عليه وسلم. {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} اسم «يَكُون» مضمر يعود على {عَبْدِهِ} وهو أوْلى لأنه أقرب إليه. ويجوز أن يكون يعود على {الفرقان}. وقرأ عبد الله بن الزبير: {عَلَى عِبَادِهِ}. ويقال: أنذر إذا خوّف؛ وقد تقدم في أول «البقرة». والنذير: المحذِّر من الهلاك. الجوهريّ: والنذير المنذر، والنذير الإنذار. والمراد بـ {ـالعالمِين} هنا الإنس والجن، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد كان رسولاً إليهما، ونذيراً لهما، وأنه خاتم الأنبياء، ولم يكن غيره عامّ الرسالة إلا نوح فإنه عمّ برسالته جميع الإنس بعد الطوفان، لأنه بدأ به الخلق. قوله تعالى: {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} عظَّم تعالى نفسه. {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} نزّه سبحانه وتعالى نفسه عما قاله المشركون من أن الملائكة أولاد الله؛ يعني بنات الله سبحانه وتعالى. وعما قالت اليهود: عزير ابن الله؛ جلّ الله تعالى. وعما قالت النصارى: المسيح ابن الله؛ تعالى الله عن ذلك. {وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ} كما قال عبدة الأوثان. {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} لا كما قال المجوس والثَّنوِيَّة: إن الشيطان أو الظلمة يخلق بعض الأشياء. ولا كما يقول من قال: للمخلوق قدرة الإيجاد. فالآية ردٌّ على هؤلاء. {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} أي قدّر كل شيء مما خلق بحكمته على ما أراد، لا عن سهوة وغفلة، بل جرت المقادير على ما خلق الله إلى يوم القيامة وبعد القيامة، فهو الخالق المقدّر؛ فإياه فاعبدوه. قوله تعالى: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} ذكر ما صنع المشركون على جهة التعجيب في اتخاذهم الآلهة، مع ما أظهر من الدلالة على وحدانيته وقدرته. {لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً} يعني الآلهة. {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} لمّا اعتقد المشركون فيها أنها تضر وتنفع، عبّر عنها كما يعبّر عما يعقل. {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} أي لا دفع ضرّ وجلب نفع، فحذف المضاف. وقيل: لا يقدرون أن يضروا أنفسهم أو ينفعوها بشيء، ولا لمن يعبدهم، لأنها جمادات. {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً} أي لا يميتون أحداً، ولا يحيونه. والنشور: الإحياء بعد الموت؛ أنشر الله الموتى فنشروا. وقد تقدم. وقال الأعشى:شعر : حتى يقولَ الناسُ مما رَأَوْا يا عجباً للميِّتِ النَّاشِرِ

البيضاوي

تفسير : مكية وآيها سبع وسبعون آية {بسم الله الرحمن الرحيم} {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ} تكاثر خيره من البركة وهي كثرة الخير، أو تزايد على كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، فإن البركة تتضمن معنى الزيادة، وترتيبه عن إنزاله {ٱلْفُرْقَانَ} لما فيه من كثرة الخير أو لدلالته على تعاليه. وقيل دام من بروك الطير على الماء ومنه البركة لدوام الماء فيها، وهو لا يتصرف فيه ولا يستعمل إلا لله تعالى و {ٱلْفُرْقَانَ } مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما سمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل بتقريره أو المحق والمبطل بإعجازه أو لكونه مفصولاً بعضه عن بعض في الإِنزال، وقرىء «على عباده» وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ}تفسير : [النور: 34] أو الأنبياء على أن {ٱلْفُرْقَانَ} اسم جنس للكتب السماوية. {لِيَكُونَ } العبد أو الفرقان. {لّلْعَـٰلَمِينَ } للجن والإِنس. {نَذِيراً } منذراً أو إنذاراً كالنكير بمعنى الإِنكار، هذه الجملة وإن لم تكن معلومة لكنها لقوة دليلها أجريت مجرى المعلوم وجعلت صلة. {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} بدل من الأول أو مدح مرفوع أو منصوب. {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً } كزعم النصارى. {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ } كقول الثنوية أثبت له الملك مطلقاً ونفى ما يقوم مقامه وما يقاومه فيه ثم نبه على ما يدل عليه فقال: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} أحدثه إحداثاً مراعى فيه التقدير حسب إرادته كخلقه الإِنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة. {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} فقدره وهيأه لما أراد منه من الخصائص والأفعال، كتهيئة الإِنسان للإِدراك والفهم والنظر والتدبير واستنباط الصنائع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك، أو {فَقَدَّرَهُ } للبقاء إلى أجل مسمى. وقد يطلق الخلق لمجرد الإِيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق فيكون المعنى وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده حتى لا يكون متفاوتاً. {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً} لما تضمن الكلام إثبات التوحيد والنبوة أخذ في الرد على المخالفين فيهما. {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } لأن عبدتهم ينحتونهم ويصورونهم. {وَلاَ يَمْلِكُونَ } ولا يستطيعون. {لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً} دفع ضر. {وَلاَ نَفْعاً} ولا جلب نفع. {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً} ولا يملكون إماتة أحد وإحياءه أولاً وبعثه ثانياً ومن كان كذلك فبمعزل عن الأُلوهية لعرائه عن لوازمها واتصافه بما ينافيها، وفيه تنبيه على أن الإِله يجب أن يكون قادراً على البعث والجزاء. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ } كذب مصروف عن وجهه. {ٱفْتَرَاهُ } اختلقه. {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ} أي اليهود فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم وهو يعبر عنها بعبارته، وقيل جبر ويسار وعداس وقد سبق في قوله {أية : إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ }تفسير : [النحل: 103] {فَقَدْ جَاءُو ظُلْماً} بجعل الكلام المعجز {إِفك} مختلقاً متلقفاً من اليهود. {وَزُوراً } بنسبة ما هو بريء منه إليه وأتى وجاء يطلقان بمعنى فعل فيعديان تعديته. {وَقَالُواْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } ما سطره المتقدمون. {ٱكْتَتَبَهَا } كتبها لنفسه أو استكتبها، وقرىء على البناء للمفعول لأنه أمي وأصله: اكتتبها كاتب له، فحذف اللام وأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب ثم حذف الفاعل وبني الفعل للضمير فاستتر فيه. {فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } ليحفظها فإنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب أو لتكتب. {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسّرَّ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لأنه أعجزكم عن آخِركم بفصاحته وتضمنه أخباراً عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار فكيف تجعلونه {أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}. {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته عليها واستحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صباً. {وَقَالُواْ مَّالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ} ما لهذا الذي يزعم الرسالة وفيه استهانة وتهكم. {يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ } كما نأكل. {وَيَمْشِي فِي ٱلاْسْوَاقِ } لطلب المعاش كما نمشي، والمعنى إن صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا، وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأحوال نفسانية كما أشار إليه تعالى بقوله {أية : قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ }تفسير : [الكهف: 110] {لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} لنعلم صدقه بتصديق الملك. {أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ} فيستظهر به ويستغني عن تحصيل المعاش. {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } هذا على سبيل التنزل أي إن لم يلق إليه كنز فلا أقل من أن يكون له بستان كما للدهاقين والمياسير فيتعيش بريعه، وقرأ حمزة والكسائي بالنون والضمير للكفار. {وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ } وضع {ٱلظَّـٰلِمُونَ} موضع ضميرهم تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوه. {إِن تَتَّبِعُونَ} ما تتبعون. {إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } سحر فغلب على عقله، وقيل ذا سحر وهو الرئة أي بشراً لا ملكاً. {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} أي قالوا فيك الأقوال الشاذة واخترعوا لك الأحوال النادرة. {فُضَلُّواْ} عن الطريق الموصل إلى معرفة خواص النبي والمميز بينه وبين المتنبي فخبطوا خبط عشواء. {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} إلى القدح في نبوتك أو إلى الرشد والهدى. {تَبَارَكَ ٱلَّذِى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ} في الدنيا. {خَيْراً مّن ذٰلِكَ } مما قالوا لكن أخره إلى الآخرة لأنه خير وأبقى. {جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} بدل من {خَيْرًا}. {وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } عطف على محل الجزاء، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر بالرفع لأن الشرط إذا كان ماضياً جاز في جزائه الجزم والرفع كقوله:شعر : وَإِنَّ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرَمُ تفسير : ويجوز أن يكون استئنافاً بوعد ما يكون له في الآخرة، وقرىء بالنصب على أنه جواب بالواو.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى حامداً لنفسه الكريمة على ما نزله على رسوله الكريم من القرآن العظيم؛ كما قال تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} تفسير : [الكهف: 1 ــــ 2] الآية، وقال ههنا: {تَبَارَكَ} وهو تفاعل، من البركة المستقرة الثابتة الدائمة {ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ} (نزّل) فعّل من التكرر والتكثر، كقوله: {أية : وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىۤ أَنَزلَ مِن قَبْلُ} تفسير : [النساء: 136] لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة، والقرآن نزل منجماً مفرقاً مفصلاً، آيات بعد آيات، وأحكاماً بعد أحكام، وسوراً بعد سور، وهذا أشد وأبلغ، وأشد اعتناء بمن أنزل عليه، كما قال في أثناء هذه السورة: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَٰحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً } تفسير : [الفرقان: 32 ــــ 33] ولهذا سماه ههنا الفرقان؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام. وقوله: {عَلَىٰ عَبْدِهِ} هذه صفة مدح وثناء؛ لأنه أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في أشرف أحواله، وهي ليلة الإسراء، فقال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} تفسير : [الإسراء: 1]، وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه: {أية : وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَداً} تفسير : [الجن: 19] وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه، ونزول الملك إليه، فقال: {تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً}. وقوله: {لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً} أي: إنما خصه بهذا الكتاب المفصل العظيم المبين المحكم الذي {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِه تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} تفسير : [فصلت: 42] الذي جعله فرقاناً عظيماً، إنما خصه به؛ ليخصه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء، ويستقل على الغبراء؛ كما قال صلى الله عليه وسلم «حديث : بعثت إلى الأحمر والأسود» تفسير : وقال: «حديث : إني أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي» تفسير : فذكر منهن: أنه «حديث : كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» تفسير : كما قال تعالى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} تفسير : [الأعراف: 158] الآية، أي: الذي أرسلني هو مالك السموات والأرض، الذي يقول للشيء: كن، فيكون، وهو الذي يحيي ويميت، وهكذا قال ههنا: {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِى المُلْكِ} ونزه نفسه عن الولد وعن الشريك. ثم أخبر أنه {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} أي: كل شيء مما سواه مخلوق مربوب، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت قهره وتدبيره وتسخيره وتقديره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تَبَارَكَ } تعالى {ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ } القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل {عَلَىٰ عَبْدِهِ } محمد {لِيَكُونَ لِلْعَٰلَمِينَ } أي الإِنس والجنّ دون الملائكة {نَذِيراً } مخوّفا من عذاب الله.

الشوكاني

تفسير : تكلم سبحانه في هذه السورة على التوحيد لأنه أقدم وأهمّ، ثم في النبوّة لأنها الواسطة، ثم في المعاد لأنه الخاتمة. وأصل تبارك مأخوذ من البركة، وهي: النماء والزيادة، حسية كانت أو عقلية. قال الزجاج: تبارك تفاعل، من البركة. قال: ومعنى البركة: الكثرة من كل ذي خير، وقال الفراء: إن تبارك وتقدّس في العربية واحد، ومعناهما: العظمة. وقيل: المعنى تبارك عطاؤه أي: زاد وكثر. وقيل: المعنى دام وثبت. قال النحاس: وهذا أولاها في اللغة، والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت، ومنه برك الجمل، أي: دام وثبت. واعترض ما قاله الفراء: بأن التقديس إنما هو من الطهارة، وليس من ذا في شيء. قال العلماء: هذه اللفظة لا تستعمل إلاّ لله سبحانه، ولا تستعمل إلاّ بلفظ الماضي، والفرقان القرآن، وسمي فرقاناً: لأنه يفرق بين الحقّ والباطل بأحكامه، أو بين المحق والمبطل، والمراد بعبده: نبينا صلى الله عليه وسلم. ثم علل التنزيل: {لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً } فإن النذارة هي الغرض المقصود من الإنزال، والمراد محمد صلى الله عليه وسلم، أو الفرقان، والمراد بالعالمين هنا الإنس والجنّ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إليهما، ولم يكن غيره من الأنبياء مرسلاً إلى الثقلين، والنذير: المنذر أي: ليكون محمد صلى الله عليه وسلم منذراً، أو ليكون إنزال القرآن منذراً، ويجوز أن يكون النذير هنا بمعنى المصدر للمبالغة أي: ليكون إنزاله إنذاراً، أو ليكون محمد إنذاراً، وجعل الضمير للنبيّ صلى الله عليه وسلم أولى، لأن صدور الإنذار منه حقيقة، ومن القرآن مجاز، والحمل على الحقيقة أولى، ولكونه أقرب مذكور. وقيل: إن رجوع الضمير إلى الفرقان أولى لقوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } تفسير : [الإسراء: 9]، ثم إنه سبحانه وصف نفسه بصفات أربع: الأولى {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } دون غيره، فهو المتصرف فيهما، ويحتمل: أن يكون الموصول الآخر بدلاً، أو بياناً للموصول الأوّل، والوصف أولى، وفيه تنبيه على افتقار الكلّ إليه في الوجود، وتوابعه من البقاء، وغيره، والصفة الثانية {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً }، وفيه ردّ على النصارى، واليهود. والصفة الثالثة: {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ }، وفيه ردّ على طوائف المشركين من الوثنية، والثنوية، وأهل الشرك الخفيّ. والصفة الرابعة: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء } من الموجودات {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } أي: قدّر كل شيء مما خلق بحكمته على ما أراد، وهيأه لما يصلح له. قال الواحدي: قال المفسرون: قدر له تقديراً من الأجل والرزق، فجرت المقادير على ما خلق. وقيل: أريد بالخلق هنا مجرّد الإحداث، والإيجاد مجازاً من غير ملاحظة معنى التقدير، وإن لم يخل عنه في نفس الأمر، فيكون المعنى: أوجد كل شيء فقدّره لئلا يلزم التكرار. ثم صرّح سبحانه بتزييف مذاهب عبدة الأوثان، فقال {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً }، والضمير في {اتخذوا} للمشركين، وإن لم يتقدّم لهم ذكر، لدلالة نفي الشريك عليهم أي: اتخذ المشركون لأنفسهم متجاوزين الله آلهة {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا }، والجملة في محل نصب صفة لآلهة أي: لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء، وغلب العقلاء على غيرهم، لأن في معبودات الكفار الملائكة، وعزير والمسيح {وَهُمْ يُخْلَقُونَ } أي: يخلقهم الله سبحانه. وقيل: عبر عن الآلهة بضمير العقلاء جرياً على اعتقاد الكفار أنها تضرّ وتنفع. وقيل: معنى {وَهُمْ يُخْلَقُونَ }: أن عبدتهم يصوّرونهم. ثم لما وصف سبحانه نفسه بالقدرة الباهرة وصف آلهة المشركين بالعجز البالغ، فقال: {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأِنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } أي: لا يقدرون على أن يجلبوا لأنفسهم نفعاً، ولا يدفعوا عنها ضرراً، وقدّم ذكر الضرّ، لأن دفعه أهمّ من جلب النفع، وإذا كانوا بحيث لا يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم، فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم؟ ثم زاد في بيان عجزهم، فنصص على هذه الأمور، فقال: {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً} أي: لا يقدرون على إماتة الأحياء، ولا إحياء الموتى، ولا بعثهم من القبور، لأن النشور الإحياء بعد الموت، يقال: أنشر الله الموتى، فنشروا، ومنه قول الأعشى:شعر : حتى يقول الناس مما رأوا يا عجباً للميت الناشر تفسير : ولما فرغ من بيان التوحيد، وتزييف مذاهب المشركين شرع في ذكر شبه منكري النبوّة، فالشبهة الأولى ما حكاه عنهم بقوله {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ } أي: كذب {ٱفْتَرَاهُ } أي: اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم، والإشارة بقوله: {هَـٰذَا } إلى القرآن {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ } أي: على الاختلاق {قَوْمٌ ءاخَرُونَ } يعنون من اليهود. قيل: وهم أبو فكيهة يسار مولى الحضرمي، وعداس مولى حويطب بن عبد العزى، وجبر مولى ابن عامر، وكان هؤلاء الثلاثة من اليهود، وقد مرّ الكلام على مثل هذا في النحل. ثم ردّ الله سبحانه عليهم، فقال: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً } أي: فقد قالوا ظلماً هائلاً عظيماً، وكذباً ظاهراً، وانتصاب {ظلماً} بـ {جاءُوا}، فإن جاء قد يستعمل استعمال أتى، ويعدّى تعديته. وقال الزجاج: إنه منصوب بنزع الخافض، والأصل جاءُوا بظلم. وقيل: هو منتصب على الحال، وإنما كان ذلك منهم ظلماً، لأنهم نسبوا القبيح إلى من هو مبرأ منه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وهذا هو الظلم، وأما كون ذلك منهم زوراً، فظاهر لأنهم قد كذبوا في هذه المقالة. ثم ذكر الشبهة الثانية، فقال {وَقَالُواْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } أي: أحاديث الأوّلين، وما سطروه من الأخبار، قال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة مثل أحاديث وأحدوثة، وقال غيره: أساطير جمع أسطار مثل أقاويل وأقوال {ٱكْتَتَبَهَا } أي: استكتبها، أو كتبها لنفسه، ومحل اكتتبها النصب على أنه حال من أساطير، أو محله الرفع على أنه خبر ثانٍ، لأن أساطير مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هذه أساطير الأوّلين اكتتبها، ويجوز أن يكون أساطير مبتدأ، واكتتبها خبره، ويجوز أن يكون معنى اكتتبها جمعها من الكتب، وهو: الجمع، لا من الكتابة بالقلم، والأوّل أولى. وقرأ طلحة "اكتتبها" مبنياً للمفعول، والمعنى: اكتتبها له كاتب، لأنه كان أمياً لا يكتب، ثم حذفت اللام، فأفضى الفعل إلى الضمير، فصار اكتتبها إياه، ثم بنى الفعل للضمير الذي هو إياه، فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان منصوباً بارزاً، كذا قال في الكشاف، واعترضه أبو حيان {فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ } أي: تلقى عليه تلك الأساطير بعد ما اكتتبها، ليحفظها من أفواه من يمليها عليه من ذلك المكتتب لكونه أمياً لا يقدر على أن يقرأها من ذلك المكتوب بنفسه، ويجوز: أن يكون المعنى، اكتتبها: أراد اكتتابها {فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ } لأنه يقال: أمليت عليه، فهو يكتب {بُكْرَةً وَأَصِيلاً } غدوة وعشياً: كأنهم قالوا: إن هؤلاء يعلمون محمداً طرفي النهار، وقيل: معنى بكرة وأصيلاً: دائماً في جميع الأوقات. فأجاب سبحانه عن هذه الشبهة بقوله {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسّرَّ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي: ليس ذلك مما يفترى ويفتعل بإعانة قوم، وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة، وأخبار الأوّلين، بل هو أمر سماويّ أنزله الذي يعلم كلّ شيء لا يغيب عنه شيء من الأشياء، فلهذا عجزتم عن معارضته، ولم تأتوا بسورة منه، وخصّ السرّ للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر، والسرّ: الغيب أي: يعلم الغيب الكائن فيهما، وجملة: {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } تعليل لتأخير العقوبة أي: إنكم وإن كنتم مستحقين لتعجيل العقوبة بما تفعلونه من الكذب على رسوله، والظلم له، فإنه لا يعجل عليكم بذلك، لأنه كثير المغفرة والرحمة. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {تَبَـٰرَكَ } تفاعل من البركة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} قال: يهود {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً } قال: كذباً. وأخرج عبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ } هو: القرآن فيه حلاله وحرامه وشرائعه ودينه، وفرّق الله بين الحق، والباطل {لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً } قال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نذيراً من الله، لينذر الناس بأس الله، ووقائعه بمن خلا قبلكم {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } قال: بين لكل شيء من خلقه صلاحه، وجعل ذلك بقدر معلوم {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } قال: هي الأوثان التي تعبد من دون الله {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } وهو الله الخالق الرازق، وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق شيئاً، ولا تضرّ ولا تنفع، ولا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً يعني: بعثاً {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } هذا قول مشركي العرب {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ } هو الكذب {ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ } أي: على حديثه هذا، وأمره {أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } كذب الأوّلين، وأحاديثهم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {تَبَارَكَ.... } في تبارك ثلاثة أوجه: أحدها: تفاعل مع البركة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الذي يجيىء البركة من قِبَلِهِ، قاله الحسن. الثالث: خالق البركة: قاله إبراهيم. وفي البركة ثلاثة أقاويل: أحدها: العلو. الثاني: الزيادة. الثالث: العظمة. فيكون تأويله على الوجه الأول: تعالى، وعلى الوجه الثاني تزايد، وعلى الوجه الثالث: تعاظم. و {الْفُرْقَانَ} هو القرآن وقيل إنه اسم لكل كتاب منزل كما قال تعالى: {وَإِذ ءَاتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفَرْقَانَ} وفي تسميته فرقاناً وجهان: أحدهما: لأنه فرق بين الحق والباطل. الثاني: لأن فيه بيان ما شرع من حلال وحرام، حكاه النقاش. {عَلَى عَبْدِهِ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وقرأ ابن الزبير {عَلَى عِبَادِهِ} بالجمع. {لِيَكُونَ لِلْعَالَمينَ نَذِيراً} فيه قولان: أحدهما: ليكون محمد نذيراً، قاله قتادة، وابن زيد. الثاني: ليكون الفرقان، حكاه ابن عيسى. والنذر: المحذر من الهلاك، ومنه قول الشاعر: شعر : فلما تلاقينا وقد كان منذر نذيراً فلم يقبل نصيحة ذي النذر تفسير : والمراد بالعالمين هنا الإِنس والجن لأن النبي صلى الله عليه قد كان رسولاً إليهما ونذيراً لهما وأنه خاتم الأنبياء، ولم يكن غيره عامّ الرسالة إلا نوحاً فإنه عم برسالته جميع الإِنس بعد الطوفان لأنه بدأ به الخلق، واختلف في عموم رسالته قبل الطوفان على قولين: أحدهما: عامة لعموم العقاب بالطوفان على مخالفته في الرسالة. الثاني: خاصة بقومه لأنه ما تجاوزهم بدعائه.

ابن عطية

تفسير : {تبارك} وزنه تفاعل وهو مطاوع بارك من البركة، وبارك فاعل من واحد معناه زاد، و {تبارك} فعل مختص بالله تعالى لم يستعمل في غيره، ولذلك لم يصرف منه مستقبل ولا اسم فاعل، وهو صفة فعل أي كثرت بركاته ومن جملتها إنزال كتابه الذي هو {الفرقان} بين الحق والباطل، وصدر هذه السورة إنما هو رد على مقالات كانت لقريش، فمن جملتها قولهم إن القرآن افتراه محمد صلى الله عليه وسلم وإنه ليس من عند الله فهو ردّ على هذه المقالة، وقرأ الجمهور "على عبده"، وقرأ عبد الله بن الزبير "على عباده". والضمير في قوله {ليكون} يحتمل أن يكون وهو عبده المذكور وهذا تأويل ابن زيد، ويحتمل أن يكون لــ {الفرقان}، وأما على قراءة ابن الزبير فهو لــ {الفرقان} لا يحتمل غير ذلك إلا بكره، وقوله {للعالمين} عام في كل إنسي وجني عاصره أو جاء بعده وهو متأيد من غير ما موضع من الحديث المتواتر وظاهر الآيات، و"النذير" المحذر من الشر والرسول من عند الله نذير، وقد يكون {نذيراً} ليس برسول كما روي في ذي القرنين وكما ورد في رسل رسل الله إلى الجن فإنهم نذر وليسوا برسل الله. وقوله {الذي له ملك السماوات} الآية هي من الرد على قريش في قولهم إن لله شريكاً، وفي قولهم اتخذ البنات، وفي قولهم في التلبية إلا شريك هو لك، وقوله {خلق كل شيء}، هو عام في كل مخلوق وتقدير الأشياء هو حدها بالأمكنة والأزمان والمقادير والمصلحة والإتقان، ثم عقب تعالى ذكر هذه الصفات التي هي للألوهية بالطعن على قريش في اتخاذهم آلهة ليست لهم هذه الصفات، فالعقل يعطي أنهم ليسوا بآلهة وقوله، {وهم يخلقون}، يحتمل أن يريد يخلقهم الله بالاختراع والإيجاد، ويحتمل أن يريد يخلقهم البشر بالنحت والنجارة وهذا التأويل أشد إبداء لخساسة الأصنام، وخلق البشر تجوز ولكن العرب تستعمله ومنه قول زهير: شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـــض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : وهذا من قولهم خلقت الجلد إذا عملت فيه رسوماً يقطع عليها والفري هو أن يقطع على ترك الرسوم، وقوله، {موتاً ولا حياة} يريد إماتة ولا إحياء، و" النشور" بعث الناس من القبور.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَبَارَكَ} تفاعل من البركة "ع"، أو خالق البركة، أو الذي تجيء منه البركة وهو العلو، أو الزيادة، أو العظمة {الْفُرْقَانَ} القرآن؛ لأن فيه بيان الحلال والحرام، أو الفرقة بين الحق والباطل، وقيل الفرقان اسم لكل مُنزل {لِيَكُونَ} محمداً صلى الله عليه وسلم أو الفرقان {لِلْعَالَمِينَ} الجن والإنس؛ لأنه أرسل إليهم {نَذِيراً} محذراً من الهلاك، ولم تعم رسالة نبي قبله إلا نوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإنه عم الإنس برسالته بَعد الطوفان وقبل الطوفان مذهبان.

النسفي

تفسير : مكية وهي سبع وسبعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {تَبَـٰرَكَ } تفاعل من البركة وهي كثرة الخير وزيادته، ومعنى تبارك الله تزايد خيره وتكاثر أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، وهي كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله وحده والمستعمل منه الماضي فحسب {ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ } هو مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما، وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل والحلال والحرام، أو لأنه لم ينزل جملة ولكن مفرقاً مفصولاً بين بعضه وبعض في الإنزال ألا ترى إلى قوله: {أية : وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنْزِيلاً} تفسير : [الإسراء: 106] {عَلَىٰ عَبْدِهِ } محمد عليه الصلاة والسلام {لِيَكُونَ } العبد أو الفرقان {لّلْعَـٰلَمِينَ } للجن والإنس وعموم الرسالة من خصائصه عليه الصلاة والسلام {نَذِيراً } منذراً أي مخوفاً أو إنذاراً كالنكير بمعنى الإنكار ومنه قوله تعالى {أية : فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ}تفسير : [القمر: 18] {ٱلَّذِى } رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو على الإبدال من {الذي نزل} وجوز الفصل بين البدل والمبدل منه بقوله {ليكون} لأن المبدل منه صلته {نزل} وليكون تعليل له فكأن المبدل منه لم يتم إلا به أو نصب على المدح {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } على الخلوص {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً } كما زعم اليهود والنصارى في عزير والمسيح عليهما السلام {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ } كما زعمت الثنوية {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } أي أحدث كل شيء وحده لا كما يقوله المجوس والثنوية من النور والظلمة ويزدان واهرمن. ولا شبهة فيه لمن يقول إن الله شيء ويقول بخلق القرآن، لأن الفاعل بجميع صفاته لا يكون مفعولاً له على أن لفظ شيء اختلص بما يصح أن يخلق بقرينة وخلق، وهذا أوضح دليل لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } فهيأه لما يصلح له بلا خلل فيه كما أنه خلق الإنسان على هذا الشكل الذي تراه فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في الدين والدنيا أو قدره للبقاء إلى أمد معلوم.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ {تبارك} تفاعل من البركة قيل: معناه جاء لكل بركة وخير وقيل معناه تعظيم {الذي نزل الفرقان} أي القرآن سماه فرقاناً لأنه فرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام وقيل لأنه نزل مفرقاً في أوقات كثيرة ولهذا قال نزل بالتشديد لتكثير التفريق {على عبده} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {ليكن للعالمين} أي للإنس والجن {نذيراً} قيل هو القرآن وقيل النذير هو محمد صلى الله عليه وسلم {الذي له ملك السموات والأرض} أي هو المتصرف فيهما كيف يشاء {ولم يتخذ ولداً} أي هو الفرد في وحدانيته، وفيه رد على النصارى {ولم يكن له شريك في الملك} يعني هو المنفرد بالإلهية، وفيه رد على الثنوية وعباد الأصنام {وخلق كل شيء} مما تطلق عليه صفة المخلوق {فقدره تقديراً} أي سواه وهيأه لما يصلح له لا خلل فيه ولا تفاوت، وقيل: قدر كل شيء تقديراً من الأجل والرزق فجرت المقادير على ما خلق.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {جنة نأكل} بالنون: حمزة وعلي وخلف. الباقون بالياء التحتانية {ويجعل لك} بالرفع: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل وابن كثير. الباقون بالجزم وذلك أن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الرفع والجزم {يحشرهم} {فيقول} كلاهما بالياء: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وعباس وحفص، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما. الباقون بالنون في الأول وبالياء في الثاني {أن يتخذ} على البناء للمفعول: زيد ويزيد {بما تقولون} بتاء الخطاب: يعقوب وعباس وحفص والسرنديبي عن قنبل. {تستطيعون} على الخطاب: حفص غير الخزاز. الوقوف: {نذيراً} ه لا بناء على أن ما بعده بدل من {الذي نزل} والتعليل من تمام الصلة، ولو قدر رفعه أو نصبه على المدح جاز الوقف {تقديراً} ه {ولا نشوراً} ه {آخرون} ج لأجل الفاء مع اختلاف القائل أو لاحتمال أن يكون {فقد جاؤا} من قول الكفار أي جاء محمد ومن أعانه بظلم وزور {وزوراً} ه ج للاحتمال المذكور أو لعطف المتفقتين مع عوارض وطول الكلام {وأصيلاً} ه {والأرض} ط {رحيماً} ه {السواق} ط {نذيراً} ه {منها} ط {مسحوراً} ه {سبيلاً} ه {الأنهار} ط لمن جعل رفع يجعل على الاستئناف {قصوراً} ه {سعيراً} ه لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً {وزفيراً} ه {ثبوراً} الأول ه ط {كثيراً} ه {المتقون} ط لانتهاء الاستفهام {مصيراً} ه {خالدين} ط {مسؤولاً} ه {السبيل} ه {الذكر} ج لجواز أن يكون المراد وقد كانوا ولجواز أن يراد وصاروا فيتصل بقوله {بوراً} ه {تقولون} ه إلا لمن قرأ {تستطيعون} بتاء الخطاب {نصيراً} ج ه للشرط مع العطف {كبيراً} ه {في السواق} ط {فتنة} ط {أتصبرون} ج لاحتمال كون الواو للحال {بصيراً} ه. التفسير: إنه سبحانه تكلم في هذه السورة أولاً في التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة لأنها الواسطة، ثم في المعاد وسيختم السورة بصفات العباد المخلصين الموقنين فما أشرف هذه المطالب وما أحسن هذا الترتيب. ومعنى {تبارك} كثر خيره وزاد أو تعالى عن أوصاف الممكنات وقد مر في قوله تعالى {أية : فتبارك الله أحسن الخالقين}تفسير : [المؤمنون: 14] وفي وصفه نفسه بتنزيل الفرقان الفارق بين الحق والباطل أو المفرق في الإنزال بعد قوله {تبارك} دليل على أن كل البركة والخير إنما هو في القرآن، وكانت هذه الصفة معلومة بدلائل الإعجاز فذلك صح إيقاعها صلة للذي. والضمير في {ليكون} لعبده أو للفرقان كقوله {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} والعالمون يشمل الخلائق كلهم إلا أن الإجماع دل على خروج الملائكة وما عدا الثقلين فبقي أن يكون مبعوثاً إلى الجن والإنس إلى آخر مدة التكليف. والنذير المنذر أو الإنذار كالنكير. قالت المعتزلة: لو لم يرد الإيمان من الكل لم يكن الرسول نذيراً للكل. وعورض بنحو قوله {أية : ولقد ذرأنا لجهنم}تفسير : [الأعراف: 179] والإنذار الموجب للخوف لا ينافي وصفه تعالى بالبركة والخير لأن النظر على السعادات الأخروية التي تحصل بالإنذار على فوات بعض اللذات العاجلة. ثم وصف ذاته بصفاته الأربع أولها {الذي له ملك السوات والأرض} وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وفي توابعه من البقاء وغيره. الثانية {ولم يتخذ ولداً} وفيه رد النصارى واليهود الثالثة {ولم يكن له شريك في الملك} وفيه رد على سائر المشركين من الثنوية والوثنية وأرباب الشرك الخفي ايضاً، ولكنه صرح بهذا الأخير في الصفة الرابعة وهي قوله {وخلق كل شيء فقدره تقديراً} قال جار الله: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية والتهيئة لما يصلح له، أو المراد بالخلق الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق وهو مافيه من معنى التقدير لئلا يلزم التكرار فكأنه قيل: أوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً، أو أحدثه فقدره للبقاء إلى أمد معلوم. وعندي أن الكلام محمول على القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس أي قدره في الأزل تقديراً فخلفه في وقته موافقاً لذلك التقدير. والبحث فيه بين المعتزلة والأشاعرة كما مر في قوله {أية : الله خالق كل شيء}تفسير : [الزمر: 62] ثم صرح بتزييف مذاهب عبدة الأوثان قائلاً {واتخذوا} الآية. وحاصله أن إله العالم يجب أن يكون أقدر الأشياء وأشرفها لا أعجزها وأخسها وهو الجماد بل الملائكة والمسيح لأنه لا قدرة لهم على الإيجاد والتصرف في شيء إلا بإذن الله، فتكون الآية رداً على الكل. وإنما قال في هذه السورة {من دونه} لتقدم الذكر مفرداً وفي مريم ويس {أية : من دون الله}تفسير : [يس: 74، مريم: 48] لأن ما قبلهما بلفظ الجمع تعظيماً فلن يكن بد من التصريح. وحين فرغ من بيان التوحيد ونفي الأنداد شرع في شبهان منكري النبوة والأجوبة عنها. فالشبهة الأولى قولهم {إن هذا إلا إفك افتراه} أرادوا أنه كذب في نفسه أو أرادوا أنه كذب في غضافته إلى الله تعالى. وقوله {وأعانه عليه قوم آخرون} نظير قوله تعالى {أية : إنما يعلمه بشر لسان الذي}تفسير : [النحل: 103] وقد مر ما قيل في سبب نزوله في النحل فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله {فقد جاؤا ظلماً وزوراً} اي أتوهما فانتصب بوقوع المجيء عليه. وعن الزجاج أنه انتصب بنزع الخافض اي أتوا بالظلم والزور. فالظلم هو أنهم نسبوا هذا الفعل الشنيع وهو الافتراء على الله. إلى من هو عندهم في غاية الأمانة والصدق، والزور وهو انحرافهم عن جادة العدل والإنصاف،فلو أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن العربي لا يتلقن من العجمي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته دهماءهم، ولو استعان محمد في ذلك بغيره لأمكنهم ايضاً أن يستعينوا بغيرهم. قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والزور كذبهم عليه. الشبهة الثانية قولهم {أنه أساطير الأولين} اي أحاديث سطرها المتقدمون كأخبار الأعاجم {اكتتبها} لنفسه كقولك "استكب الماء" أي سكبه لنفسه وأخذه وقد يظن أن في الكلام قلباً لأنه يقال "أمليت عليه فهو يكتتبها" وأجيب بأن المعنى أراد اكتتابها فهي تقرأ عليه أو كتبت له وهو أمي فهي تملى أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب. قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة يقرأ عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرأ عليكم بكرة، وقال جار الله {بكرة وأصيلاً} أي دائماً أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون إلى مساكنهم. فأجاب عن هذه الشبهة بقوله {قل أنزله الذي يعلم السر} الآية. والمعنى أن العالم بكل سر هو الذي يقدر على الإتيان بمثل هذا الكتاب لفصاحة مبانيه وبلاغة معانيه وبراءته من التناقض والاختلاف واشتماله على الغيوب وعلى مصالح العباد في المعاش والمعاد. قال أبومسلم: أراد أنه يعلم كل سر خفي ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد والنفاق فهو يجازيكم عليه، ولأجل هذا الوعيد ختم الآية بذكر المغفرة والرحمة فإنه لا يوصف بهما إلا القادر على العقوبة. وقيل: هو تنبيه على أنهم استحقوا بمكابرتهم العذاب العاجل ولكنه صرفه عنهم برحمته وغفرانه. الشبهة الثالثة قولهم على سبيل الاستهانة وتصغير الشأن {ما لهذا} الزاعم أنه رسول أي ما باله {يأكل الطعام} كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد. زعموا أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن هذا المقام فطلبوا أن يكون إنساناً معه ملك يعضده ويساعده في باب الإنذار، ثم نزلوا فاقترحوا أن يكون مستظهراً بكنز يلقى إليه من السماء حتى لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فقالوا: لا أقل من أن يكون كواحد ن الدهاقين له بستان ينتفع هو أو ننتفع نحن بذلك على اختلاف القراءتين. وانتصب {فيكون} لأنه جواب "لولا" بمعنى "هلا" وحكمه حكم الاستفهام ومحل {أنزل} الرفع كما يقول: لولا ينزل ولهذا عطف عليه يلقى ويكون مرفوعين {وقال الظالمون} من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا، وهم كفار قريش النضر بن الحرث وأمثاله. والمسحور المغلوب على عقله، والأمثال الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة المذكورة فبقوا متحيرين لا يجدون قولاً يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق ولا يجدون طريقاً إليه. وقد مر مثل هذه الآية في أواسط سورة بني إسرائيل. وحين حكى شبههم ومطاعنهم مدح نفسه بما يلجمهم ويفحمهم وهو قوله {تبارك} أي تكاثر خبر {الذي إن شاء} وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا: ثم فسر ذلك الخبر بقوله {جنات} عن ابن عباس: خيراً من ذلك أي مما عيروك بفقده الجنة الواحدة. وعنه في رواية عكرمة خيراً من المشي في الأسواق لابتغاء المعاش. وفي قوله {إن شاء} دليل على أنه لا حق لأحد من العباد عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة وأن حصول الخيرات معلق بمحض مشيئته وعنايته. وقيل: "إن" بمعنى "إذ" أي قد جعلنا لك في الآخرة وبنينا لك قصوراً. والقصر المسكن الرفيع فيحتمل أن يكون لكل جنة قصر وأن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة. وقال مجاهد: إن شاء جعل لك في الآخرة جنات وفي الدنيا قصوراً. عن طاوس عن ابن عباس قال: حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وجبرائيل عنده قال جبرائيل: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك. فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء ولم يعطها احداً قبلك ولا يعطيها أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً. فقال صلى الله عليه وسلم: بل يجمعها لي في الآخرة تفسير : فنزلت هذه الآية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : عرض عليّ جبرائيل عليه السلام بطحاء مكة ذهباً فقلت: بل شبعة وثلاث جوعاتتفسير : . وفي رواية حديث : أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعتتفسير : . قوله {بل كذبوا بالساعة} عطف على ما حكى عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها إذ لا يرجون ثواباً ولا عقاباً. ويجوز أن يراد ليس ما تعلقوا به شبهة عالية في نفس المسألة بل إنما حملهم على ذلك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها. {وأعتدنا} جعلناها عدة ومعدة لهم. وقد يستدل به على أن النار مخلوقة ويحتمل أن يقال: هو كقوله {أية : ونادى}تفسير : [الأعراف: 48] {أية : وسيق}تفسير : [الزمر: 73] قالت الأشاعرة: البنية ليست شرطاً في الحياة وتوابعها فأجروا قوله {إذا رأتهم} على ظاهره وقالوا: لا امتناع في كون النار حية رائية مغتاظة على الكفار. والمعتزلة أوّلوا فقالوا: معنى رأتهم ظهرت لهم في قولهم "دورهم تتراءى وتتناظر" كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل المجاز. والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر. وقال الجبائي: ذكر النار واراد خزنتها والمراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار وشهوة للانتقام منهم. قيل: التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً فكيف قال الله سبحانه {سمعوا لها تغيظ} وأجيب بأن المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت أي سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ. قاله الزجاج وقال قطرب: علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً كما قال الشاعر: شعر : متقلداً سيفاً ورمحاً تفسير : يروى أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم يجثو على ركبتيه ويقول: نفسي نفسي. وحين وصف حال الكفار إذا كانوا بالبعد من جهنم وصف حالهم عندما يلقون فيها. عن ابن عباس أنه يضيق عليهم المكان كما يضيق الزج على الرمح. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: حديث : والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائطتفسير : . قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة. وقال جار الله: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض. وجاء في الأحاديث "حديث : إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا" تفسير : . وقال الصوفية.: المكان الضيق قلب الكافر في صدره كقوله {أية : يجعل صدره ضيقاً حرجاً} تفسير : [الأنعام: 125] ثم إن أهل جهنم مع ما هم فيه يكونون مقرنين في السلاسل والأصفاد وقد مر في آخر سورة إبراهيم. والثبور الهلاك ودعاؤه النداء بواثبوراه اي يقال يا ثبور فهذا أوانك وههنا إضمار اي يقال لهم {لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً} إذ هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثمة قول. ومعنى {وادعوا ثبوراً كبيراً} أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير. إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم، أو لأنهم يجدون بسبب ذلك القول خفة فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه راحة. قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات. ثم وبخهم بقوله {قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون} أي وعدوها فحذف الرابط للعلم به وليس هذا الاستفهام كقول القائل "السكر أحلى أم الصبر" ولكن الغرض منه التقريع كلما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ضرباً وجيعاً ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟ والإضافة في جنة الخلد للتوضيح والتأكيد لا للتمييز فإن الجنة معلوم أن نعيمها لا ينقطع. قالت الأشاعرة: في قوله {وعد} دلالة على أن الجنة إنما تستحق بحسب الوعد والفضل لا لأجل العمل. وقالت المعتزلة: في قوله {المتقون} إشارة إلى أن الجنة لا تنال إلا بالتقوى ولذلك أكد بقوله على سبيل التخصيص بسبب تقديم الجار {كانت لهم جزاء ومصيراً} أجابت الأشاعرة بأن كونه جزاء ثبت في الأزل ولا عمل هناك. قالت المعتزلة: لا غفران لصاحب الكبيرة لأن الجنة جاءت جزاء للمتقين خاصة فلا يعطى حقهم غيرهم. أجابت الأشاعرة بأنه لم لا يجوز أن يرضى المتقون بإدخال الله أهل العفو الجنة؟ قال جار الله: ذكر المصير مع ذكر الجزاء مدحاً للثواب مكانه كقوله {أية : نعم الثواب وحسنت مرتفقاً} تفسير : [الكهف: 31] وفي قوله {لهم فيها ما يشاؤن} دلالة على أن حصول المرادات بأسرها لا تكون إلا في الجنة، وأما في الدنيا فالراحات فيها مخلوطة بالجراحات. والضمير في {كان} {لما يشاؤن} واستدلت المعتزلة بقوله {على ربك} أن ذلك واجب على الله حتى إنه لو لم يفعل استحق الذم. وأجيب بأنه واجب بحكم الوعد لقوله {وعداً مسؤلاً} كأن المكلفين سألوا بلسان الحال من حيث تحملوا المشقة الشديدة في طاعته، أو سألوه حقيقة بقولهم {أية : ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك}تفسير : [آل عمران: 194] أو سألته الملائكة في قولهم {أية : ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم} تفسير : [غافر: 8] أو من حقه أن يسأل ويطلب لأنه حق واجب بحكم الاستحقاق أو بحسب الموعد على المؤمنين. قوله {يوم نحشرهم} رجوع إلى قوله {واتخذوا من دونه آلهة} وظاهر قوله {وما يعبدون} أنها الأصنام وظاهر قوله {أأنتم أضللتم} أنه من عبد من العقلاء كالملائكة والمسيح فلأجل هذا اختلفوا فحمله قوم ومنهم الكلبي على الأوثان ثم قالوا: لا يبعد أن يخلق الله تعالى فيها الحياة والنور والنطق، أو أراد أنهم تكلموا بلسان الحال. وقال الأكثرون: إنه عام للأصنام وللمعبودين العقلاء نظيره قوله {أية : ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون}تفسير : [سبأ: 40] ثم قالوا: إن لفظة "ما" قد تستعمل في العقلاء، أو أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم كما إذا أردت السؤال عن صفة زيد فتقول: "ما زيد" تريد أطويل أم قصير. والسائل الله وحده أو الملائكة بإذنه. وإنما قال أنتم وهم ولم يقل "أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل"، لأن السؤال وقع عمن تولى فعل الإضلال لا عن نفس الإضلال. وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب أن يجيب المعبودين بما أجابوا به حتى يحصل لعبدتهم الإلزام والتوبيخ كما قال لعيسى {أية : أأنت قلت للناس} تفسير : [المائدة: 116] وكان القياس أن يقال: ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل هداه إلى الطريق أو للطريق. {قالوا سبحانك} تعجباً مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وأنطقوا بـ {سبحانك} ليدلوا على أنهم المسبحون المقدسون الموسومون بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟ أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له ملك أو نبي أو غيرهما نداً، أو قصدوا تنزيهه من أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفاده علم أو إيذاء من كان بريئاً من الجرم بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم. من قرأ {أن نتخذ} بفتح النون فظاهر وهو متعدٍ إلى واحد والأصل أن نتخذ أولياء من دونك فزيدت "من" لتأكيد معنى النفي. ومن قرأ بضم النون فهو متعدٍ إلى اثنين: الأول ضمير نحن، والثاني من أولياء. ولا تكون "من" زائدة لأنها لا تزاد في المفعول الثاني تقول: ما اتخذت من أحد ولياً ولا تقول ما أتخذت أحداً من ولي فـ "من" للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء. وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام، والمعنى إنا لا نصلح لذلك فكيف ندعوهم إلى عبادتنا. وفي تفسير الآية على القراءة الأولى وجوه: الأول أن المعنى إذ كنا لا نرى أن نتخذ من دونك ولياً فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟ الثاني: ما كان يصح لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار. قال تعالى {أية : فقاتلوا أولياء الشيطان} تفسير : [النساء: 76} يريد الكفرة عن أبي مسلم: الثالث تقدير مضاف محذوف أي ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلنا. أو قالت الملائكة: أنا وهم عبيد ولا ينبغي لعبيدك أن يدعوا من دون إذنك ولياً. الرابع قالت الأصنام: لا يصح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادّعاء أنا من المعبودين. وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، والولاية المبنية على ميل النفس وشهوة الطبع مذمومة شرعاً. و {الذكر} ذكر الله والإيمان به أو القرآن والشرائع أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة. قالت المعتزلة: في قوله {ولكن متعتهم} الخ. دليل بيِّن على أن الله عز وجل لا يضل عباده على الحقيقة وإلا كان جواب العبيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم لا أن يقولوا بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وعلى آبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشر سبب الكفر ونسيان الذكر. فالحاصل أنهم ضلوا بأنفسهم لا بإضلالنا. وقالت الأشاعرة: بل فيه دلالة على أن الله تعالى هو المضل حقيقة كأنهم قالوا: إلهنا أنت الذي أعطيتهم جميع مطالبهم في الدنيا حتى استغرقوا في بحر الشهوات وأعرضوا عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك فإن هي إلا فتنتك. أما قوله {وكانوا قوماً بوراً} فالأكثرون على أن البور جمع بائر من البوار الهلاك كعائذ وعوذ وحائل وحول. وحكى الأخفش أنه اسم جمع يقال "رجل بور" أي فاسد هالك لا خير فيه "وامرأة بور" و "قوم بور" كما يقال "أنت بشر" و "أنتم بشر". قالت المعتزلة: صاروا إلى الهلاك بسبب اختيارهم الضلال. وقالت الأشاعرة: أراد أنهم كانوا في اللوح المحفوظ من جملة الهالكين ولو قيل: إنه فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر صح القول بالقدر أيضاً. قوله {فقد كذبوكم} التفات لأجل الإلزام والفاء فيه تدل على شرط مقدر كأنه قال: إن زعمتم أنهم آلهتكم فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة. أو بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا على اختلاف قراءتي الخطاب والغيبة. قال جار الله: الباء في الأول كقوله {بل كذبوا بالحق} والجار والمجرور بدل من كاف الخطاب كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون. وفي الثاني كقولك "كتبت بالقلم". {فما تستطيعون} أنتم يا كفار أو فما يستطيع آلهتكم على القراءتين صرف العذاب عنكم. وقيل: الصرف التوبة لأنها تصرف العاصي عن فعله. وقيل: الحيلة من قولهم "إنه ليتصرف" أي يحتال. ثم ذكر وعيد كل ظالم بقوله {ومن يظلم} الآية. فاستدلت المعتزلة به على وعيد الفاسق وخلوده وذلك أن الفسق ظلم لقوله {أية : ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}تفسير : [الحجرات: 11] والإنصاف أنه لا دلالة في الاية على مطلوبهم لأن "من" ليست من صيغ العموم عند بعضهم، ولئن سلم فلعل المراد الأكثر أو أقوام بأعيانهم لقوله {منكم} ولئن سلم فلعله مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط عند المعتزلة بعدم التوبة، ولو سلم الجميع فإذاقة العذاب لا تدل على الخلود. ثم بين بقوله {وما أرسلنا} الآية. أنه لا وجه لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام لأن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله. قال الزجاج: الجملة بعد "إلا" صفة لموصوف محذوف والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين: إلا آكلين وماشين. وإنما حذف لأن في قوله {من المرسلين} دليلاً عليه نظيره {أية : وما منا إلا له مقام معلوم} تفسير : [الصافات: 164] أي وما منا أحد. وقال الفراء: المحذوف هو الموصول والتقدير: إلا من انهم. وقال ابن الأنباري: المحذوف هو الواو بعد إلا فتكون الجملة حالاً كقوله {أية : وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم}تفسير : [الحجر: 4] قوله {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} قال الكلبي والفراء والزجاج: إن هذا في رؤساء المشركين كأبي جهل وغيره وفي فقراء الصحابة كأنه إذا رأى الشريف الوضيع وقد اسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه دليله قوله تعالى {أية : لو كان خيراً ما سبقونا إليه} تفسير : [الأحقاف: 11] وعن ابن عباس والحسن أنه في أصحاب البلاء والعافية يقول أحدهم: لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق والعلم والعقل والرزق والأجل وغير ذلك يؤيده ما روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وويل للشديد من الضعيف وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة وقرأ هذا الآية"تفسير : وقال آخرون: إنه احتجاج عليهم في اختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وأنواع الأذى، وابتلى المرسل إليهم بالتكليف وبذل النفس والمال وصيرورتهم تابعين خادمين بعد أن كانوا متبوعين مخدومين. قالت الأشاعرة: في هذا الجعل إشارة إلى مذهبنا في القدر. وقال الجبائي: هذا الجعل بمعنى التعريف كما يقال فيمن بين أن فلاناً لص إنه جعله لص. قال في الكشاف: موقع {أتصبرون} بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله {أية : ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}تفسير : [الملك: 2] قلت: أراد أن كلاً من الابتلاء والفتنة يستدعي التمييز فيحسن الاستفهام بعده أي بفتنكم ليظهر أنكم تصبرون على البلاء أم لا، ولعل الأظهر أن الاستفهام غير متعلق بالفتنة وإنما هو مستأنف للوعيد كقوله {أية : فهل أنتم منتهون}تفسير : [المائدة: 91] ويؤيده قوله {وكان ربك بصيراً} عالماً بمن صبر ومن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بحسب ذلك. وقيل: في الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما عيروه به من الفقر فقد جعل الأغنياء فتنة للفقراء. وقيل: جعلناك فتنة لهم حين بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله، ولو كنت غنياً صاحب كنز كما اقترحوا لم يظهر الطائع من المخلص. وقالت الصوفية: أتصبرون يا معشر الأنبياء على ما يقولون ويا معشر الأمم عما يقولون والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {تَبَـٰرَكَ}. هو مطاوع «بارك» من البَرَكَةِ، و«بارك» فاعَل من واحد، ومعناه: زاد، و«تبارك»: فعل مُخْتَصٌّ باللّه تعالى، لم يُسْتَعْمَلْ في غيره، وهو صفة فعل، أي: كَثُرَت بركاته، ومن جملتها: إنزال كتابه الذي هو الفُرْقَانُ بين الحَقِّ والباطل، والضمير في قوله: {لِيَكُونَ}. قال ابن زيد: هو لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو عبده المذكور، ويُحْتَمَلُ أن يكون للفرقان. وقوله: {وَخَلَق كُلَّ شَيْءٍ} عامٌّ في كل مخلوق، ثم عَقَّبَ تعالى بالطعن على قريش في اتخاذهم آلهة ليست لها صفاتُ الألوهِيَّةِ. والنشور: بعث الناس من القبور.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ} الآية. اعلم أنه تعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد والنبوة وأحوال القيامة ثم ختمها بذكر العباد المخلصين المؤمنين. قال الزجاج: "تبارك" تفاعل من البركة. والبركة كثرة الخير وزيادته، وفيه معنيان: أحدهما: تزايد خيره وتكاثره. قال ابن عباس: معناه: جاء بكل بركة، قال تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34]. والثاني: قال الضحاك: تعظّم الذي نزل الفرقان، أي: القرآن على عبده. وقيل: الكلمة تدل على البقاء، وهو مأخوذ من بروك البعير، ومن بروك الطير على الماء. وسميت البركة بركة، لثبوت الماء فيها، والمعنى: أنه سبحانه باق في ذاته أزلاً وأبداً ممتنع التغير، وباق في صفاته ممتنع التبدل. فإن قيل: كلمة "الذي" موضوعة في اللغة للإشارة إلى الشيء عند محاولة تعريفه بقضية معلومة، وإذا كان كذلك فالقوم ما كانوا عالمين بأنه - سبحانه - الذي نزل الفرقان. فالجواب: أنه لما ظهر الدليل على كونه من عند الله، فلقوة الدليل وظهوره أجراه مجرى المعلوم. فصل وصف القرآن بالفرقان، لأنه فرق بين الحق والباطل في نبوة محمد - عليه السلام - وبين الحلال والحرام، أو لأنه فرق في النزول كقوله: {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} تفسير : [الإسراء: 106]، وهذا أقرب، لأنه قال: {نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ} ولفظة "نزل" تدل على التفريق، ولفظة "أنزل" تدل على الجمع، ولهذا قال في سورة آل عمران: {أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} تفسير : [آل عمران: 3] {أية : وَأَنْزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} تفسير : [آل عمران: 3]. والمراد بالعبد ههنا محمد - صلى الله عليه وسلم -. قوله: "ليكون". اللام متعلقة بـ "نزَّل"، وفي اسم "يكون" ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضمير يعود على "الَّذِي نزّل"، أي: ليكون الذي نزل الفرقان نذيراً. الثاني: أنه يعود على "الفرقان" وهو القرآن، أي: ليكون الفرقان نذيراً (أضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي} تفسير : [الإسراء: 9] وهذا بعيد؛ لأن المنذر والنذير من صفات الفاعل للتخويف، ووصف القرآن به مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى). الثالث: أنه يعود على "عبده"، أي: ليكون عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - نذيراً. وهذا أحسن الوجوه معنى وصناعة لقربه مما يعود عليه الضمير على أقرب مذكور. و"لِلعَالَمِين" متعلق بـ "نَذِيراً"، وإنما قدم لأجل الفواصل، ودعوى إفادة الاختصاص بعيدة، لعدم تأتيها هنا، ورجح أبو حيان عوده على "الذي"، قال: لأنه العمدة المسند إليه الفعل، وهو من وصفه تعالى كقوله: {أية : إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} تفسير : [الدخان: 3]، و"نذيراً" الظاهر فيه أنه بمعنى منذر، وجوَّزوا أن يكون مصدراً بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، ومنه {أية : فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} تفسير : [القمر: 16] فإن قوله: "تبارك" يدل على كثرة الخير والبركة، فالمذكور عقيبه لا بد وأن يكون سبباً لكثرة الخير والمنافع، والإنذار يوجب الغم والخوف، فكيف يليق ذكره بهذا الموضع؟ فالجواب: أن الإنذار يجري مجرى تأديب الولد، كما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر (كان الإحسان إليه أكثر، لما أن ذلك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة، فكذا ههنا كلما كان الإنذار كثيراً) كان رجوع الخلق إلى الله أكثر، وكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة؛ لأنه تعالى لما وصف نفسه بأنه معطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين، ولم يذكر منافع الدنيا البتّة. قوله: {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ} يجوز في "الّذِي" الرفع نعتاً للذي الأول، أو بياناً، أو بدلاً، أو خبراً لمبتدأ محذوف، أو النصب على المدح. وما بعد بدل من تمام الصلة فليس أجنبياً، فلا يضر الفصل به بين الموصول الأول والثاني إذا جعلنا الثاني تابعاً له. فصل {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه حال حدوثها، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء. {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} أي: هو الفرد أبداً، ولا يصح أن يكون غيره معبوداً ووارثاً للملك عنه، وهذا رد على النصارى. {ولم يكن له شريك في الملك} أي: هو المنفرد بالإلهية، وإذا عرف العبد ذلك انقطع رجاؤه عن كل ما سواه، ولم يشتغل قلبه إلا برحمته وإحسانه، وفيه رد على الثنوية، والقائلين بعبادة النجوم والأوثان. قوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} الخلق هنا عبارة عن الإحداث والتهيئة لما يصلح له، لا خلل فيه ولا تفاوت حتى يجيء قوله: "فقدره تقديراً" مفيداً إذ لو حملنا {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} على معناه الأصلي من التقدير لصار الكلام: وقدر كل شيء فقدره. فصل قوله: {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} يدل على أنه تعالى خلق الأعمال من وجهين: الأول: أن قوله: "كل شيء" يتناول جميع الأشياء، ومن جملتها أفعال العباد. والثاني: أنه تعالى نفى الشريك، فكأن قائلاً قال: ههنا أقوام معترفون بنفي الشريك والأنداد ومع ذلك يقولون بخلق أفعال أنفسهم، فذكر الله تعالى هذه الآية رداً عليهم. قال القاضي: الآية تدل عليه لوجوه: أحدها: أنه تعالى صرح بكون العبد خالقاً فقال: {أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} تفسير : [المائدة: 110]، وقال: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14] وتمدح بأنه قدره تقديراً، ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره. فظاهر الآية لا يدل إلا على التقدير، لأن الخلق عبارة عن التقدير، فلا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير وهو الأجسام لا الأعراض. والجواب: أن قوله: "إِذْ تَخْلُقُ"، وقوله: "أَحْسَنُ الخَالِقِينَ" معارض بقوله: {أية : ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الزمر: 62] وبقوله: {أية : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [فاطر: 3] وقولهم: لا يجوز التمدح بخلق الفساد، فالجواب: لم لا يجوز أن يتمدح به من حيث نفاذ القدرة.

البقاعي

تفسير : {تبارك} أي ثبت ثبوتاً مع اليمن والخير الذي به سبقت الرحمة الغضب، والتعالي في الصفات والأفعال، فلا ثبوت يدانيه، ولا يكون ذلك كذلك إلا بتمام قدرته، ولا تتم قدرته إلا بشمول علمه، وهذا الفعل مطاوع "بارك" وهو مختص بالله تعالى لم يستعمل لغيره، ولذلك لم ينصرف لمستقبل ولا اسم فاعل؛ ثم وصف نفسه الشريفة بما يدل على ذلك فقال: {الذي}. ولما كان تكرار الإنذار - الذي هو مقصود السورة - أنفع، وتفريقه في أوقات متراسلة أصدع للقلوب وأردع، وكان إيضاح المشكلات، في الفرق بين الملتبسات، أعون بما يكون علة، عبر بما يدل على الفرق وقدمه فقال: {نزل الفرقان} أي الكتاب الذي نزل إلى سماء الدنيا فكان كتاباً، ثم نزل مفرقاً بحسب المصالح، فسمي لذلك فرقاناً، ولأنه الفارق بين ملتبس، فلا يدع خفاء إلا بينه، ولاحقاً إلا أثبته، ولا باطلاً إلا نفاه ومحقه، فيه انتظام الحياة الأولى والأخرى، فكان قاطعاً على علم منزله، ومن علمه الباهر إنزاله {على عبده} أي الذي لا أحق منه بإضافته إلى ضميره الشريف، لأنه خالص له، لا شائبة لغيره فيه أصلاً، ولم يحز مخلوق ما حاز من طهارة الشيم، وارتفاع الهمم، ولا شك أن الرسول دال على مرسله في مقدار علمه، وكثرة جنده، واتساع ملكه {أية : الله أعلم حيث يجعل رِسَالَتَهُ}تفسير : [الأنعام: 124] ثم علل إنزاله عليه بقوله: {ليكون} أي العبد أو الفرقان. ولما كان العالم ما سوى الله، وكان ربما ادعى مدع أن المراد البعض، لأنه قد يطلق اللفظ على جزء معناه بدلالة التضمن، وكان الجمع لا بد أن يفيد ما أفاده المفرد بزيادة، جمع ليعرف أن المراد المدلول المطابقي، مع التصريح باستغراق جميع الأنواع الداخلة تحت مفهوم المفرد، واختار جمع العقلاء تغليباً، إعلاماً بأنهم المقصودون بالذات فقال: {للعالمين} أي المكلفين كلهم من الجن والإنس والملائكة. ولما كان كل من الكتاب والمنزل عليه بالغاً في معناه، عبر بما يصح أن يراد به المنذر والإنذار على وجه المبالغة فقال: {نذيراً*} أي وبشيراً، وإنما اقتصر على النذارة للإشارة إلى البشارة بلفظ {تبارك} ولأن المقام لها، لما ختم به تلك من إعراض المتولين عن الأحكام، ونفى الإيمان عنهم بانتفاء الإسلام، وفيه إشارة إلى كثرة المستحقين للنذارة، ولا التفات إلى من قال: إن الرازي والبرهان النسفي نقلا الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرسل الملائكة، فإن عبارة الرازي في بعض نسخ تفسيره: لكنا أجمعنا على أنه لم يرسل إلى الملائكة، وفي أكثر النسخ: بينا - بدل: أجمعنا، على أنه لو اتفقت جميع النسخ عليها لم تضر، لأنها غير صريحة في إرادة الإجماع، ولأن الإجماع لا يثبت بنقل واحد لا سيما في مثل هذا الذي تظافرت الظواهر على خلافه، ولم يرد مانع منه، وأما البرهان النسفي فمن الرازي أخذ، وعبر بعبارته، فصارا واحداً، وقد بينت ذلك عند قوله تعالى في سورة الأنعام {أية : لأنذركم به ومن بلغ}تفسير : [الأنعام: 19] بياناً شافياً لا ارتياب معه، بل ولو قيل: إن الآية على ظاهرها، لا خصوص فيها بالعقلاء، وتكليف كل شيء بحسبه، لكان وجهاً، وبذلك صرح الإمام تاج الدين السبكي في أول الترشيح في قوله: "وأصلي على نبيه محمد المصطفى المبعوث إلى كل شيء" وكذلك المحب الطبري في آخر "القرى لقاصدي أم القرى" وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم ما دعا جامداً ولا متحركاً غير الإنسان إلا أجابه بما هو مقتضى {أية : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها}تفسير : [الأحزاب: 72] دعا غير مرة عدة من أغصان الأشجار فأتته تسجد له، ثم أمرها بأن ترجع إلى مكانها ففعلت؛ ودعا الضب وغيره من الحيوانات العجم فأطاعته؛ ودعا الأشجار غير مرة فسمعت وسعت إليه؛ وأمر الجبل لما رجف فأذعن؛ وأرسل إلى نخل وأحجار يأمرهن بالاجتماع ليقضي إليهن حاجة ففعلن، ثم أرسل يأمرهن بالرجوع إلى أماكنهن فأجبن؛ وغمز الأرض فنبع منها الماء؛ وأرسل سهمه إلى البئر فجاشت بالرواء - إلى غير ذلك مما هو مضمن في دلائل النبوة، بل ولا دعا طفلاً رضيعاً إلا شهد له لكونه على الفطرة الأولى - إلى غير ذلك مما هو دال على ظاهر الآية المقتضي لزيادة شرفه صلى الله عليه وسلم من غير محذور يلزم عليه ولا نص يخالفة - والله الهادي. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما تضمنت سورة النور بيان كثير من الأحكام كحكم الزنى، ورمي الزوجات به، والقذف، والاستئذان، والحجاب، وإسعاف الفقير، والكتابة، وغير ذلك، والكشف عن مغيبات، من تغاير حالات، تبين بمعرفتها والاطلاع عليها الخبيث من الطيب، كاطلاعه سبحانه نبيه والمؤمنين على ما تقوله أهل الإفك، وبيان سوء حالهم، واضمحلال محالهم، في قصة المنافقين في إظهارهم ضد ما يضمرون؛ ثم كريم وعده للخلفاء الراشدين {أية : وعد الله الذين آمنوا منكم} تفسير : [المائدة: 9] ثم ما فضح به تعالى منافقي الخندق {أية : قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً}تفسير : [النور: 63] إلى آخر الآية، فكان مجموع هذا فرقاناً يعتضد به الإيمان، ولا ينكره مقر بالرحمن، يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة رسالته، ويوضح مضمن قوله {أية : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم} تفسير : [النور: 63] من عظيم قدره صلى الله عليه وسلم وعليّ جلالته، أتبعه سبحانه بقوله {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} [الفرقان: 1] وهو القرآن الفارق بين الحق والباطل، والمطلع على ما أخفاه المنافقون وأبطنوه من المكر والكفر {ليكون للعالمين نذيراً} [الفرقان: 1] فيحذرهم من مرتكبات المنافقين والتشبه بهم؛ ثم تناسج الكلام، والتحم جليل المعهود من ذلك النظام، وتضمنت هذه السورة من النعي على الكفار والتعريف ببهتهم وسوء مرتكبهم ما لم يتضمن كثير من نظائرها كقولهم {أية : مالِ هَٰذَا الرسول يأكل الطعام}تفسير : [الفرقان: 7] الآيات، وقولهم {أية : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا} تفسير : [الفرقان: 21] وقولهم {أية : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} تفسير : [الفرقان: 32] وقولهم {أية : وما الرحمن} تفسير : [الفرقان: 60] إلى ما عضد هذه وتخللها، ولهذا ختمت بقاطع الوعيد، وأشد التهديد، وهو قوله سبحانه {أية : فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً} تفسير : [الفرقان: 77] انتهى. ولما تقدم ذكر منزل الفرقان سبحانه، وذكر الفرقان والمنزل عليه على طريق الإجمال، أتبع ذلك تفصيله على الترتيب، فبدأ بوصف المنزل سبحانه بما هو أدل دليل على إرادة التعميم في الرسالة لكل من يريد، فقال: {الذي له} أي وحده {ملك السماوات والأرض} فلا إنكار لأن يرسل رسولاً إلى كل من فيهما {ولم يتخذ ولداً} ليتكبر على رسوله {ولم يكن له شريك في الملك} ليناقضه في الرسالة أو يقاسمه إياها، فيكون بعض الخلق خارجاً عن رسالته، أو مراعياً لأمر غير أمره. ولما كان وقوف الشيء عند حد - بحيث لا يقدر أن يتعداه إلى حد شيء آخر سواه، فهذا حيوان لا يقدر على جعل نفسه جماداً ولا أعلى من الحيوان، وهذا جماد لا يمكنه جعل نفسه حيواناً ولا أسفل من رتبة الجماد إلى غير ذلك مما يعجز الخلق عن شرحه دالاً على أنه مخلوق مربوب، قال تعالى: {وخلق} أي أحدث إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية {كل شيء} أي مما ادعى فيه الولدية أو الشرك وغيره. ولما كان قد سوى كل شيء لما يصلح له وهيأه لذلك، قال شارحاً ومحققاً لمعنى "خلق": {فقدره} في إيجاده من غير تفاوت {تقديراً*} أي لا يمكن ذلك الشيء مجاوزته فيما خلق لأجله وهيىء ويسر له إلى غيره بوجه من الوجوه. ولما ذكرهم بما ركز في فطرهم من العلم، عجب منهم لكل ذي عقل في جملة حالية فيما خالفوا ما لهم من المشاهدة، فقال مضمراً للفاعل إشارة إل استهجان نسبة هذا الفعل إلى فاعل معين توبيخاً لهم وإرشاداً إلى المبادرة من كل سامع إلى نفيه عنه فقال: {واتخذوا} أي كلف أنفسهم عبدة الأوثان أن أخذوا. ولما كان علوه لا يحد، فكانت الرتب السافلة لا تحصى، نبه على ذلك بالجار فقال: {من دونه} أي بعد ما قام من الدليل على أنه الإله وحده من الحيثيات التي تقدمت {آلهة} المتحدون مشاهدون لأنهم كما قال تعالى: {لا يخلقون شيئاً} أي لا أعجز منهم، لا يكون منهم إيجاد شيء، فيهم دون من عبدهم. ولما كان المتعنت ربما ادعى أنهم مع ذلك غير مخلوقين قال: {وهم يخلقون} أي بما يشاهد فيهم من التغير والطواعية لمشيئته سبحانه، ومن ذلك أن عبدتهم افتعلوهم بالنحت والتصوير. ولما قرر أنه أنعم على كل شيء، وكانت النعم أكثر وجوداً، وكان أدنى نعمة على الشيء خلقه سبحانه له، أخبر أن ذلك الغير لا يقدر على ضر نفسه ولا بالإعدام، فقال معبراً بأداة العقلاء تهكماً بعابديهم حيث أقاموهم في ذلك المقام، أو تغليباً لأنهم عبدوا الملائكة وعزيراً والمسيح عليهم السلام: {ولا يملكون} أي لا يتجدد لهم بوجه من الوجوه أن يملكوا {لأنفسهم ضراً} ولذلك قدمه، ونكره ليعم. فلما ثبت بذلك أنهم خلقه، ولكن كان ربما قال متعنت: إنهم يملكون ذلك ولكنهم يتركونه عمداً، لأن أحداً لا يريد ضر نفسه، قال: {ولا نفعاً} أي ولو بالبقاء على حالة واحدة، وعبدتهم يقدرون على ما أراد الله من ذلك على وجه الكسب، فهم أعلى منهم وعبادة الأعلى لمن دونه ليست من أفعال العقلاء. ولما كان الموت والحياة ما ليس لغيرهما من عظيم الشأن، أعاد العامل فقال: {ولا يملكون} وقدم الموت لأن الحياة أكثر، فقال مبتدئاً بما هو من باب الضر على نسق ما قبله: {موتاً} أي لأنفسهم ولا لغيرهم {ولا حياة} أي من العدم {ولا نشوراً*} أي إعادة لما طوي من الحياة بالموت، وعطفها بالواو وإن كان بعضها مسبباً عما قبله إشارة إلى أن كل واحدة منها كافية في سلب الإلهية عنهم بما ثبت من العجز.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ تبارك تفاعل من البركة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏تبارك الذي نزل الفرقان على عبده‏} ‏ قال‏:‏ هو القرآن فيه حلال الله وحرامه، وشرائعه ودينه، فرق الله به بين الحق والباطل ‏{‏ليكون للعالمين نذيرا‏ً} ‏ قال‏:‏ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نذيراً من الله لينذر الناس بأس الله، ووقائعه بمن خلا قبلكم ‏{‏وخلق كل شيء فقدره تقديرا‏ً}‏ قال‏:‏ بين لكل شيء من خلقه صلاحه، وجعل ذلك بقدر معلوم‏. {‏واتخذوا من دونه آلهة‏} ‏ قال‏:‏ هي هذه الأوثان التي تعبد من دون الله ‏{‏لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون‏}‏ وهو الله الخالق الرازق وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق شيئاً، ولا تضر ولا تنفع، ولا تملك موتاً ولا حياة، ولا نشوراً يعني بعثاً ‏ {‏وقال الذين كفروا إن هذا‏} ‏ هذا قول مشركي العرب ‏{‏إلا إفك‏}‏ هو الكذب ‏ {‏افتراه وأعانه عليه‏}‏ أي على حديثه هذا وأمره ‏ {‏قوم آخرون فقد جاءوا‏}‏ فقد أتوا ‏ {‏ظلماً وزوراً‏} ‏ ‏ {‏وقالوا أساطير الأولين‏} ‏ قال‏:‏ كذب الأولين وأحاديثهم ‏ {‏وقالوا ما لهذا الرسول‏!‏‏} ‏ قال‏:‏ عجب الكفار من ذلك أن يكون رسول ‏ {‏يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها‏}‏ قال الله يرد عليهم ‏{‏تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك‏}‏ يقول‏:‏ خيراً مما قال الكفار من الكنز والجنة ‏{‏جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا‏ً}‏ قال‏:‏ وإنه والله من دخل الجنة ليصيبن قصوراً لا تبلى ولا تهدم‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ كل شيء في القرأن افك، فهو كذب‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏وأعانه عليه قوم آخرون‏}‏ قال‏:‏ يهود ‏ {‏فقد جاءوا ظلماً وزوراً‏} ‏ قال‏:‏ كذبا‏ً.‏ وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس‏.‏ حديث : أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبا البختري، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أمية، وأمية بن خلف، والعاصي بن وائل، ونبيه بن الحجاج‏.‏ اجتمعوا فقال بعضهم لبعض‏:‏ ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك قال‏:‏ فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له‏:‏ يا محمد انا بعثنا إليك لنعذر منك‏.‏ فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب الشرف فنحن نسودك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ما لي مما تقولون‏.‏ ما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم‏. قالوا‏:‏ يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضنا عليك قالوا‏:‏ فإذا لم تفعل هذا فسل لنفسك وسل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جناناً، وقصوراً من ذهب وفضة تغنيك عما تبتغي - فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش‏ كما نلتمسه - حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم‏.‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ما أنا بفاعل‏.‏ ما أنا بالذي يسأل ربه هذا؛‏ وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فأنزل الله في قولهم ذلك ‏{‏وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا‏ً} ‏ أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسولي فلا تخالفوه لفعلت‏ . تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏{‏وقال الظالمون إن تتبعون‏} ‏ قاله الوليد بن المغيرة وأصحابه يوم دار الندوة‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {‏أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ مخرجاً يخرجهم من الأمثال التي ضربوا لك وفي قوله ‏{‏تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري‏} ‏ قال‏:‏ حوائط ‏{‏ويجعل لك قصوراً‏} ‏ قال‏:‏ بيوتاً مبنية مشيدة‏.‏ كانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان‏.‏ وأخرج الواحدي وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ حديث : لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة قالوا {‏مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق‏} ‏ حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، فنزل جبريل فقال‏:‏ إن ربك يقرئك السلام ويقول ‏ {‏وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق‏} ‏ ثم أتاه رضوان خازن الجنان ومعه سفط من نور يتلألأ فقال‏:‏ هذه مفاتيح خزائن الدنيا، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له، فضرب جبريل إلى الأرض أن تواضع فقال‏: يا رضوان لا حاجة لي فيها، فنودي‏:‏ أن ارفع بصرك، فرفع فإذا السموات فتحت أبوابها إلى العرش، وبدت جنات عدن، فرأى منازل الأنبياء وعرفهم، وإذا منازله فوق منازل الأنبياء فقال‏:‏ رضيت‏.‏ ويرون أن هذه الآية أنزلها رضوان ‏ {‏تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك‏}‏ ‏‏ . تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن خيثمة قال‏:‏ حديث : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم‏‏ إن شئت أعطيناك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطاه أحد بعدك، ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئاً، وإن شئت جمعتها لك في الآخرة قال‏:‏ اجمعها لي في الآخرة، فأنزل الله ‏ {‏تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً‏}‏‏ . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما جبريل عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال ‏"حديث : ‏هذا ملك تدلى من السماء إلى الأرض‏.‏ ما نزل إلى الأرض قط قبلها، استأذن ربه في زيارتك، فأذن له، فلم يلبث ان جاء فقال‏:‏ السلام عليك يا رسول الله قال‏: وعليك السلام قال‏:‏ إن الله يخبرك إن شئت أن يعطيك من خزائن كل شيء ومفاتيح كل شيء، لم يعط أحداً قبلك، ولا يعطيه أحداً بعدك، ولا ينقصك مما دخر لك عنده شيئاً فقال‏: لا بل يجمعهما لي في الآخرة جميعاً فنزلت ‏ {‏تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك‏}‏‏ .

ابو السعود

تفسير : سورة الفرقان مكية وهي سبع وسبعون آية {تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ} البركةُ النَّماءُ والزِّيادةُ حسيَّةً كانتْ أو معنويَّةً، وكثرةُ الخيرِ ودوامُه أيضاً ونسبتُها إلى الله عزَّ وجلَّ على المَعْنى الأوَّل وهُو الأليقُ بالمقام باعتبار تعاليهِ عمَّا سواهُ في ذاته وصفاتِه وأفعالِه التي منْ جُمْلتها تنزيلُ القُرآنِ الكريمِ المُعجزِ النَّاطقِ بعلُوِّ شأنِه تعالى وسموِّ صفاتِه وابتناءِ أفعالِه على أساس الحِكَمِ والمصالحِ وخلوِّها عن شائبة الخَلَلِ بالكُلِّيةِ. وصيغةُ التَّفاعلُ للمبالغةِ فيما ذُكر فإنَّ ما لا يُتصوَّرُ نسبتُه إليهِ سبحانَهُ حقيقةً من الصِّيغ كالتَّكبر ونحوِه لا تُنسب إليه تعالى إلا باعتبار غايتِها. وعلى المعنى الثَّاني باعتبار كثرةِ ما يفيضُ منه على مخلوقاته لا سيَّما على الإنسان من فُنون الخيراتِ التي من جُملتها تنزيلُ القُرآن المنطويِ على جميع الخيراتِ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ. والصِّيغةُ حينئذٍ يجوزُ أنْ تكونَ لإفادة نماءِ تلك الخيراتِ وتزايدها شيئاً فشيئاً وآناً فآناً بحسب حدوثِها أو حدوثِ متعلَّقاتِها. ولاستقلالِها بالدِّلالة على غايةِ الكمالِ وتحقُّقِها بالفعلِ والإشعارِ بالتَّعجُّبِ المناسبِ للإنشاءِ والإنباءِ عن نهاية التَّعظيمِ لم يجُز استعمالُها في حقِّ غيرِه تعالى ولا استعمالُ غيرِها من الصِّيغِ في حقِّه تعالى، والفُرقان مصدرُ فرقَ بـينَ الشَّيئينِ أي فصَل بـينهُما سمِّيَ به القرآنُ لغاية فرقِه بـين الحقِّ والباطلِ بأحكامه أو بـينَ المُحقِّ والمبطلِ بإعجازِه أو لكونه مفصولاً بعضِه من بعضٍ في نفسه أو في إنزاله {عَلَىٰ عَبْدِهِ} محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وإيرادُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بذلك العُنوانِ لتشريفه والإيذانِ بكونِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في أقصى مراتب العُبوديَّةِ والتنبـيهِ على أنَّ الرَّسولَ لا يكونُ إلا عبداً للمرسِل ردًّا على النَّصارى {لِيَكُونَ} غايةٌ للتَّنزيل أي نزَّله عليه ليكونَ هو عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أو الفرقانُ {لِلْعَـٰلَمِينَ} من الثَّقلينِ {نَذِيراً} أيْ مُنذراً أو إنذاراً مبالغةً أو ليكون تنزيلُه إنذاراً وعدمُ التَّعرضِ للتَّبشير لانسياق الكلامِ على أحوالِ الكَفَرةِ. وتقديمُ اللامِ على عاملِها لمراعاةِ الفواصلِ، وإبرازُ تنزيل الفرقانِ في معرض الصِّلةِ التي حقُّها أن تكونَ معلومةَ الثُّبوت للموصولِ عند السَّامعِ مع إنكار الكَفَرةِ له لإجرائِه مُجرى المعلومِ المسلَّمِ تنبـيهاً على كمال قُوَّةِ دلائلِه وكونِه بحيثُ لا يكادُ يجهلُه أحدٌ كقوله تعالى: { أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [البقرة: 2، يونس: 37، السجدة: 2]. {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي له خاصَّة دُونَ غيرِه لا استقلالاً ولا اشتراكاً للسُّلطان القاهرِ والاستيلاءِ الباهرِ عليهما المستلزمانِ للقدرة التَّامَّةِ والتَّصرفِ الكليِّ فيهما وفيما فيهما إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة وأمراً ونهياً حسبما تقتضيهِ مشيئتُه المبنيةُ على الحِكَمِ والمَصَالحِ، ومحلُّه الرَّفعُ على أنَّه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والجملةُ مستأنفةٌ مقررةٌ لما قبلها أو على أنَّه نعتٌ للموصولِ الأوَّلِ أو بـيانٌ له أو بدلٌ منه وما بـينهُمَا ليس بأجنبـيَ لأنَّه من تمامِ صلتِه، ومعلوميةُ مضمونِه للكَفرة ممَّا لا ريبَ فيه لقولِه تعالى: { أية : قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} تفسير : [المؤمنون: 86، 87] ونظائرِه أو مدحٌ له تعالى بالرَّفع أو بالنَّصب {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} كما يزعمُ الذين يقولون في حقِّ المسيحِ والملائكةِ ما يقولُون فسبحان الله عمَّا يصفون وهو معطوفٌ على ما قبلَه من الجملةِ الظَّرفيةِ، ونظمه في سلك الصِّلةِ للإيذانِ بأنَّ مضمونَهُ من الوضوحِ والظُّهور بحيثُ لا يكادُ يجهله جاهلٌ لا سيَّما بعد تقرير ما قبله. {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ} أي مُلكِ السَّمواتِ والأرضِ وهو أيضاً عطفٌ على الصِّلةِ وإفرادُه بالذِّكر مع أنَّ ما ذُكر من اختصاص ملكِهما به تعالى مستلزمٌ له قطعاً للتَّصريح ببُطلان زعم الثَّنويَّةِ القائلينِ بتعددِ الآلهةِ والدَّرءِ في نحورِهم، وتوسيطُ نفيِ اتِّخاذِ الولدِ بـينهُما للتنبـيهِ على استقلالِه وأصالتِه والاحترازِ عن توهُّم كونِه تتمة للأوَّلِ {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء} أي أحدثَ كلَّ موجودٍ من الموجوداتِ إحداثاً جارياً على سَنن التَّقديرِ حسبما اقتضتْهُ إرادتُه المبنيَّةُ على الحكم البالغةِ بأنْ خلقَ كُلاًّ منها من موادَّ مخصوصةٍ على صورٍ معينةٍ ورتَّب فيه قُوى وخواصَّ مختلفةَ الآثارِ والأحكامِ {فَقَدَّرَهُ} أي هيَّأه لما أرادَ به من الخصائص والأفعالِ اللاَّئقةِ به {تَقْدِيراً} بديعاً لا يُقادر قَدرُه ولا يُبلغ كُنهُه كتهيئة الإنسانِ للفهمِ والإدراكِ والنَّظرِ والتَّدبرِ في أمور المعاشِ والمعادِ واستنباطِ الصَّنائعِ المتنوعةِ ومزاولةِ الأعمالِ المختلفةِ وهكذا أحوالُ سائرِ الأنواعِ. وقيل: أُريد بالخَلْقِ مطلقَ الإيجادِ والإحداثِ مجازاً من غيرِ ملاحظةِ معنى التَّقديرِ وإنْ لم يخلُ عنه في نفس الأمر فالمعنى أوجدَ كلَّ شيء فقدَّره في ذلك الإيجاد تقديراً وأما ما قيل من أنَّه سَمَّى إحداثه تعالى خَلْقاً لأنَّه تعالى لا يُحدث شيئاً إلاَّ على وجه التَّقديرِ من غير تفاوت ففيه أنَّ ارتكابَ المجاز بحملِ الخلقِ على مُطلق الإحداثِ لتجريده عن معنى التَّقديرِ فاعتباره فيه بوجهٍ من الوجوه مخلٌّ بالمرام قطعاً، وقيل: المراد بالتَّقدير الثَّانِي هو التَّقديرُ للبقاء إلى الأجل المُسمَّى وأيًّا ما كان فالجُملة جاريةٌ مجرى التَّعليلِ لما قبلها من الجُمل المنتظمةِ مثلَها في سلك الصِّلةِ فإنَّ خلقَهُ تعالى لجميع الأشياء على ذلك النَّمطِ البديعِ كما يقتضي استقلاله تعالى باتِّصافه بصفات الأُلوهيَّةِ يقتضي انتظامَ كلِّ ما سواه كائناً ما كان تحت ملكوتِه القاهر بحيثُ لا يشذُّ عنها شيء من ذلك قطعاً وما كان كذلك كيف يُتوهَّم كونه ولداً له سبحانه أو شريكاً في ملكه.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ}[1] قال سهل: يعني جلّ وعلا من خصّ محمداً صلى الله عليه وسلم بإنزال الفرقان عليه ليفرق بين الحق والباطل، والولي والعدو، والقريب والبعيد، {عَلَىٰ عَبْدِهِ}[1] أي على عبده الأخلص ونبيه الأخصّ وحبيبه الأدنى وصفيه الأولى، {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}[1] أي يكون للخلق سراجاً ونوراً نهدي به إلى أحكام القرآن، ويستدلون به على طريق الحق ومنهاج الصدق.

السلمي

تفسير : قال سهل: جل وتعالى من خص محمدًا بإنزال القرآن عليه ليفرق به بين الحق والباطل، والولى والعدو، والقريب والبعيد. وقوله: {عَلَىٰ عَبْدِهِ} أى: عبده الأخلص، ونبيه الأخص، وحبيبه الأدنى، وصفيه الأولى ليكون للعالمين نذيرًا أى ليكون للخلق سراجًا، ونورًا يهتدون به إلى أحكام القرآن ويستدلون به على طريق الحق، ومنهاج الصدق. قال الجنيد رحمه الله: تبارك الذى كالكناية، والكناية كالإشارة، والإشارة لا يدركها إلا الأكابر. قال بعضهم: تبارك الذى أى: تعالى عن إدراك الخلق.

القشيري

تفسير : يقال بِرَكَ الطيرُ على الماء إذا دام وقوفُه على ظهر الماء. ومَبَارِكُ الإبلِ مَواضِعُ إقامتها بالليل. وتبارك على وزن تَفَاعَل تفيد دوامَ بقائه، واستحقاقَه لِقِدَمِ ثوبته وبقاء وجوده لا عن استفتاح ولا إلى انقطاع. وفي التفاسير {تَبَارَكَ} أي تعظَّمَ وتَكبَّر. وعند قومٍ أنه من البركة وهي الزيادة والنفع، فداومه وجودُه، وتكبره استحقاق ذاته لصفاته العلية، والبركة أو الزيادة تشير إلى فَضْلِه وإحسانه ولُطْفِه. فوجوهُ الثناء عليه تنحصر بهذه الأوجه الثلاثة: ثناء عليه بذكر ذاته وحقِّه، وثناء بذكر وصفه وعِزِّه، وثناء بذكر إحسانه وفضله؛ فكلمةُ {تَبَارَكَ} مجمعُ الثناء عليه - سبحانه. {ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ}، وهو القرآن {عَلَىٰ عَبْدِهِ}: فأكرمه بأن نَبَّاه وفَضَّلَه، وإلى الخَلْق أرسله، وبَيَّنَ مَعْجِزَتَه وأمارةً صِدْقه بالقرآن الذي عليه أنزله، وجعله بشيراً ونذيراً، وسراجاً منيراً.

البقلي

تفسير : {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ} وصف نفسه بالتنزيه وللتقديس وبركة جمال تجليه الذى أثاره فى كل ذرة من العرش الى الثرى فباركها ببركة جماله فتنمو من اصل مصادرها بقوة قيام الحق عليها بقيوميته قامت ومن صولة عزته تفنى فيه فلم تزل قائما بنفسه ولا تزال باقيا بوجوه وخص حبيبه بانزال الفرقان عليه ليفرق به بين كل دان وحال وبين مقام ومقال وبين حال واعمال وبين كشف وخيال فيكون لجمهور السالكين معلما من الحق مخوفا عن عظته واستغاثه عن الخلق وعن قدسه عن اشارات الخلق اليه قال بعضهم اصل البركات كلها ممن يقدر انزال مثل هذا القرأن الذى يفرق بين الحق والباطل على اجل عبيده واولاهام بالبركة وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقال سهل يريد بالفرقان الذى فيه المخرج من كل شبهة وقيل على عبده اى على عبده الاخص ونبيه الاخص وحبيبه الادنى وصفيه الاولى ليكون للخلق سراجا منيرا قال الجنيد تبارك الذى كالكناية والكناية كالاشارة والاشارة لا يدركها الاكابر وقال بعضهم تبارك اى تعالى عن ادراك الخلق.

اسماعيل حقي

تفسير : {تبارك الذى نزل الفرقان} اى تكاثر خير الذى الخ فالمضاف محذوف من البركة وهى كثرة الخير وترتيبه على تنزيل الفرقان لما فيه من كثرة الخير دينيا ودنيويا او معناه تزايد على كل شىء وتعالى عنه فى صفاته وافعاله فان البركة تتمضمن معنى الزيادة فترتيبه عليه لدلالته على تعاليه، قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة يروى ان الصاحب ابن عباد كان يتردد فى معنى الرقيم وتبارك والمتاع ويدور على قبائل العرب فسمع امرأة تسأل اين المتاع ويجيب ابنها الصغير بقوله جاء الرقيم واخذ المتاع وتبارك الجبل فاستفسر عنهم وعرف ان الرقيم الكلب وان المتاع هو ما يبل بالماء فيسمح به القصاع وان تباك بمعنى صعد، وقال بعضهم البركة ثبوت الخير الآلهى فى الشىء وسمى محبس الماء بركة لدوام الماء فيها وثبوته. فمعنى تبارك دام دواما ثابتا لاانتقال له ولهذا لا يقال له يتبارك مضارعا لانه للانتقال، قال فى برهان القرآن هذه لفظة لاتستعمل الا لله و لاتستعمل الا بلفظ الماضى وخص هذه الموضع بالذكر لان ما بعده امر عظيم وهو القرآن المشتمل على معانى جميع كتب الله. والفرقان مصدر فرق بين الشيئين اى فصل وسمى به القرآن لغاية فرقه بين الحق والباطل والمؤمن والكافر {على عبده} الاخلص ونبيه الاخص وحبيبه الاعلى وصفيه الاولى محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وفيه تشريف له بالعبدية المطلقة وتفضيل بها على جميع الانبياء فانه تعالى لم يسم احد منهم بالعبد مطلقا كقوله تعالى {أية : عبده زكريا}تفسير : وتنبيه على ان الرسول لايكون الا عبدا للمرسل ردا على النصارى ولذا قدم فى التشهد عبده على رسوله {ليكون للعالمين نذيرا} غاية للتنزيل اى ليكون العبد منذرا بالقرآن للانس والجن ممن عاصره او جاء بعده ومخوفا من عذاب الله وموجبات سخطه. فالنذير بمعنى المنذر والانذار اخبار فيه تخويف كما ان التبشير اخيار فيه سرور، قال الامام الراغب العالم اسم للفلك وما يحويه من الجواهر والاعراض وهو فى الاصل اسم لما يعلم به كالطابع والخاتم لما يطبع ويختم به وجعل بناؤه على هذه الصيغة لكونه كالآلة فالعالم آلة فى الدلالة على صانعه واما جمعه فلان كل نوع قد يسمى عالما فيقال عالم الانسان وعالم الماء وعالم النار واما جمعه جمع السلامة فلكون الناس فى جملتهم والانسان اذا شارك غيره فى اللفظ غلب حكمه انتهى، قال ابن الشيخ جمع بالواو والنون لان المقصود استغراق افراد العقلاء من جنس الجن والانس فان جنس الملائكة وان كان من جملة اجناس العالم الا ان النبى عليه السلام لم يكن رسولا الى الملائكة فلم يبق من العالمين المكلفين الا الجن والانس فهو رسول اليهما جميعا انتهى اى فتكون الآية وقوله عليه السلام "حديث : ارسلت للخلق كافة"تفسير : من العام المخصوص ولم يبعث نبى غيره عليه السلام الا الى قوم معين واما نوح عليه اسلام فانه وان كان له عموم بعثة لكن رسالته ليست بعامة لمن بعده واما سليمان عليه السلام فانه ما كان مبعوثا الى الجن فانه نم التسخير العام لايلزم عموم الدعوة، والآية حجة لابى حنيفة رضى الله عنه فى قوله ليس للجن ثواب اذا اطاعوه سوى النجاة من العذاب ولهم عقاب اذا عصوا حيث اكتفى بقوله {ليكون للعالمين نذيرا} ولم يذكر البشارة، قال فى الارشاد عدم التعرض للتبشير لا نسياق الكلام على احوال الكفرة.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {تبارك} أي: تكاثر خيره وتزايد، أو: دام واتصل. وهي كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله، والمستعمل منها الماضي فقط، والتفاعل فيها للمبالغة. ومعناها راجع إلى ما يفيض سبحانه على مخلوقاته من فنون الخيرات، التي من جملتها: تنزيل القرآن، المنطوي على جميع الخيرات الدينية والدنيوية، أي:تعاظم {الذي نَزَّلَ الفرقانَ} أي: القرآن، مصدر فرق بين اثنين، إذا فصل بينهما. سمي به القرآن؛ لفصله بين الحق والباطل، والحلال والحرام، أو: لأنه لم ينزل جملة، ولكن مفروقاً مفصولاً بين أجزائه شيئاً فشيئاً، ألا ترى إلى قوله: {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} تفسير : [الإسراء: 106]. أنزله {على عبده} محمد صلى الله عليه وسلم، وإيراده - عليه الصلاة والسلام - بذلك العنوان؛ لتشريفه، والإيذان بكونه في أقصى مراتب العبودية، والتنبيه على أن الرسل لا يكون إلا عبداً للمُرسل؛ رداً على النصارى. أنزله {ليكون} العبد المنزل عليه، أو الفرقان {للعالمين} من الثقلين، زاد بعضهم: والملائكة, أرسل إليهم ليتأدبوا بأدبه، حيث لم يقف مع مقام ولا حال، ويقتبسوا من أنواره، وهو حكمة الإسرار، وقيل: حتى إلى الحيوانات والجمادات، أُمرت بطاعته فيما يأمرها به، وبتعظيمه - عليه الصلاة والسلام - وهذا كله داخل في العالمين؛ لأن ما سوى الله كله عالم؛ كما تقدم في الفاتحة. وعموم الرسالة من خصائصه - عليه الصلاة والسلام -. {نذيراً} أي: مخوِّفاً، وعدم التعرض للتبشير؛ لأن الكلام مسوق لأحوال الكفرة، ولا بشارة لهم. {الذي له مُلكُ السموات والأرضِ} أي: له، خاصةً، دون غيره، لا استقلالاً ولا اشتراكاً. فالقهرية لازمة لهما، المستلزمة للقدرة التامة والتصرف الكلي، إيجاداً وإعداماً، وإحياءً وإماتةً، وأمراً ونهياً، {ولم يتخذ ولداً} كما زعم اليهود والنصارى في عزير والمسيح - عليهما السلام -، {ولم يكن له شريك في المُلْك} كما زعمت الثنوية القائلون بتعدد الآلهة، والرد في نحورهم. {وخَلَقَ كلَّ شيء} أي: أحدث كل شيء وحده، لا كما تقول المجوس والثنوية من النور والظلمة. أي: أظهر كل شيء {فقدَّره} أي: فهيأه لِمَا أراد به من الخصائص والأفعال اللائقة به، {تقديراً} بديعاً، لا يقادر قدره، ولا يُبلغ كنهه؛ كتهيئة الإنسان للفهم والإدراك، والنظر والتدبير في أمور المعاش والمعاد، واستنباط الصنائع المتنوعة، والدلائل المختلفة، على وجود الصانع. أو: فقدَّره للبقاء إلى أبد معلوم. وأيّاً ما كان، فالجملة تعليل لما قبلها، فإن خلقه تعالى لجميع الأشياء على ذلك الشكل البديع والنظام الرائق، وكل ما سواه تحت قهره وسلطانه، كيف يتوهم أنه ولد الله سبحانه، أو شريكٌ له في ملكه. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. الإشارة: عبّر بالعبودية في التنزيل والإسراء؛ إشارة إلى أن كل من تحقق بالعبودية الكاملة له حفظ من تنزيل الفرقان على قلبه، حتى يفرق بين الحق والباطل، وحظ من الإسراء بروحه إلى عالم الملكوت والجبروت، حتى يعاين عجائب أسرار ربه. وما منع الناس من تنزل العلوم اللدنية على قلوبهم، ومن العروج بروحهم، إلا عدم التحقق بالعبودية الكاملة لربهم، حتى يكون مع مراده، لا مع مرادهم، لا يريدون إلا ما أراد، ولا يشتهون إلا ما يقضي، قد تحرروا من رقِّ الأشياء، واتحدت عبوديتهم للواحد الأعلى. فإذا كانوا كذلك صاروا خلفاء الأنبياء، يُعرج بأرواحهم، ويُوحى إلى قلوبهم ما يفرقون به من الحق والباطل، ليكونوا نُذراً لعالمي زمانه؛ قال تعالى: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ}تفسير : [فاطر: 24]. وبالله التوفيق. ثم ردّ على أهل الشرك، فقال: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً...}

الطوسي

تفسير : معنى تبارك: تقدس وجل، بما لم يزل عليه من الصفات، ولا يزال كذلك، ولا يشاركه فيها غيره. وأصله من بروك الطير على الماء، فكأنه قال: ثبت فيما لم يزل ولا يزال الذي نزل الفرقان على عبده. وقال ابن عباس: تبارك (تفاعل) من البركة، فكأنه قال ثبت بكل بركة او حل بكل بركة. وقال الحسن: معناه الذي تجيء البركة من قبله، والبركة الخير الكثير. والفرقان هو القرآن، سمي فرقاناً لأنه يفرق به بين الصواب والخطأ، والحق والباطل فى امور الدين، بما فيه من الوعظ والزجر عن القبائح والحث على افعال الخير. ثم بين تعالى انه انما نزل هذا القرآن، وغرضه أن يكون نذيراً للعالمين، أي مخوفاً وداعياً لهم الى رشدهم، وصارفاً لهم عن غيهم وضلالتهم، يقال: أنذره إنذاراً إذا دعاه الى الخير، بأن يخوفه من تركه: إذا كان غافلا عنه، وقال ابن زيد: النذير هو النبي (صلى الله عليه وسلم). وقال آخرون: هو القرآن. ثم وصف تعالى {الذي نزل الفرقان} بأنه {الذي له ملك السماوات والأرض} والتصرف فيهما، بسعة مقدوره بسياستها. وانه {لم يتخذ ولداً} كما يدعيه النصارى فى أن المسيح ابن الله، ويزعم جماعة من العرب أن الملائكة بنات الله. وأنه ليس له شريك فى الملك، بل هو المالك لجميع ذلك وحده، وانه {خلق كل شيء} وقيل فى معناه قولان: احدهما - ان كل شيء يطلق عليه اسم مخلوق، فانه خلقه، لأن أفعالنا لا يطلق عليها اسم الخلق حقيقة، لان الخلق يفيد الاختراع، وانما يسمونها بذلك مجازاً. والثاني - انه لا يعتد بما يخلقه العبد فى جنب ما خلقه الله، لكثرة ذلك وقلة ما يخلقه العبد. ويحتمل ان يكون المراد قدّر كل شيء، لان أفعال العباد مقدرة لله، من حيث بين ما يستحق عليها فاعلها من الثواب والعقاب أو لا يستحق شيئاً من ذلك. ويقوي ذلك قوله {فقدره تقديراً} لان المعنى فيه، وكل شيء على مقدار حاجتهم اليه وصلاحه لهم. ثم اخبر تعالى عن الكفار، فقال {واتخذوا من دون الله آلهة} من الاصنام والاوثان، ووجهوا عبادتهم اليها من دون الله. ثم وصف آلهتهم بما ينبئ أنها لا تستحق العبادة، بأن قال {لا يخلقون شيئاً} ولا يقدرون عليه، وهم مع ذلك مخلوقون، ومصرفون، وانهم {لا يملكون} أي لا يقدرون {لأنفسهم} على ضرّ ولا على نفع {ولا يملكون} أي لا يقدرون على موت، ولا على حياة، ولا على بعث بعد الموت. والنشور هو البعث بعد الموت، يقال: نشر الميت، فهو ناشر نشوراً، وانشره الله انشاراً، ومنه قوله {أية : ثم إذا شاء أنشره} تفسير : وجميع ذلك يختص الله بالقدرة عليه، والعبادة تستحق بذلك، لانها أصول النعم، ثم أخبر عن الكفار بأنهم يقولون: ليس هذا القرآن الذي أنزلناه {إلا إفك} يعني كذب افتعله النبي (صلى الله عليه وسلم) {وأعانه عليه قوم آخرون} قال الحسن: قالوا أعانه عليه عبد حبشي يعني الحضرمي. وقال مجاهد: قالوا أعانه عليه اليهود. ثم حكى تعالى عنهم بأنهم قالوا ذلك و {جاؤا} في هذا القول {ظلماً وزوراً} أي جاؤا بظلم، فلما حذف الباء نصبه أي انهم أضافوه الى غير من صدر عنه، وكذبوا فيه. وحكى عنهم انهم قالوا أيضاً: هذا القرآن {أساطير الأولين} ورفع {أساطير} بأنه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هذا أساطير الأولين. قال ابن عباس: الذي قال ذلك النضر بن الحارث بن كلدة، يعني اخبار قد سطرها الأولون من الأمم اكتتبها هو، وانتسخها {فهي تملى عليه} حتى ينسخها {بكرة وأصيلاً} يعني غداة وعشياً. والاصيل العشي، لأنه أصل الليل وأوله. ومعناه: إنه يقرأ عليه على هوى النفس، فأمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهم، تكذيباً لقولهم {قل أنزله} يعني القرآن {الذي يعلم السر} يعني الخفايا {في السماوات والأرض} والمعنى انه أنزله على ما يعلم من المصلحة وبواطن الأمور وخفاياها، لا على ما تقتضيه أهواء النفوس وشهواتها. وقال الجبائي: السر - ها هنا - الغيب. والسر اخفاء المعنى فى القلب اسر اليه إسراراً أي ألقى اليه ما يخفيه فى قلبه، وساره مسارة وسراراً: إذا اخفى ما يلقيه اليه من السر عن غيره. وقوله {إنه كان غفوراً} معناه الذي يعلم السر في السموات والارض لا يعاجلهم بالعقوبة، بل يستر عليهم، وهكذا كان على من تقدم من الكفار والعصاة {رحيماً} أي منعماً عليهم.

الجنابذي

تفسير : {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ} هواسم للقرآن باعتبار نزوله الى مقام الفرق وعالم الفصل، وباعتبار صدوره عن مقام قلب النّبىّ (ص) الّذى يعبّر عنه بالبيت المعمور فانّ المصدر الّذى هو قلب النّبىّ (ص) يكون حينئذٍ من عالم الفرق، وباعتبار فرقة بين الحقّ والباطل والمحقّ والمبطل، وباعتبار تفرّقه فى النّزول طول ثلاثٍ وعشرين سنة، وباعتبار محكماته الّتى هى مبيّنات المعنى، وقد مضى فى سورة البقرة عند قوله: {أية : هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} تفسير : [آية: 185]، وفى اوّل آل عمران بيان اجمالىّ للفرقان والقرآن، وقد سبق انّ اختيار التّنزيل على الانزال فى القرآن باعتبار انّه منزّل من مقام الاطلاق الى مقام التّقييد ومحتاج الى تعمّلٍ شديدٍ من قبل من ينزّل عليه بخلاف سائر الكتب السّماويّة فانّها منزلة من مقام التّقييد ولا حاجة فيها الى زيادة تعمّلٍ من قبل من ينزل عليه، وتعليق تبارك على الموصول للاشعار باعتبار حيثيّة الصّلة فى الحكم كأنّه قال: كثر خيرات الّذى نزّل الفرقان من حيث انّه نزّل الفرقان وهو يدلّ على كثرة خيرات الفرقان وهو كذلك لانّ المتوسّل به يكثر خيراته الدّنيويّة وخيراته الاخرويّة كما فى الآيات والاخبار وكما يشهد به التّجربة والوجدان {عَلَىٰ عَبْدِهِ} يعنى محمّداً (ص) {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ} جمع العالم وهو ما سوى الله او ما فى جوف الفلك او ما اشتمل على كثرات متّحدات بالوحدة الطّبيعيّة كأفراد النّبات والحيوان والانسان او ما اشتمل على افراد كلّ واحدٍ من تلك الافراد مشتمل على كثراتٍ متّحداتٍ بالوحدة الطّبيعيّة كانواع النّبات والحيوان ونوع الانسان، او هو اسم جمع لانّ شرط الجمع بالواو والنّون ان يكون مفرده علماً لمذكّرٍ عاقلٍ او وصفاً له، ولانّ العالمين مختصّ بذوى العقول والعالم اعمّ من ذوى العقول كما قيل، وعلى اىّ تقديرٍ كان المقصود من العالمين المكلّفين من الانس والجنّ لانّ انذاره (ص) خاصّ بهم {نَذِيراً} وللاشعار بانّ الانذار مختصٌّ بشأن الرّسالة المشعر به تنزيل الكتاب فانّ الكتاب لا يكون الاّ للرّسول (ص) اقتصر عليه ولم يذكر التّبشير الّذى هو من شؤن الولاية.

الأعقم

تفسير : {تبارك}، قيل: معناه الذي منه البركة، وقيل: تعظم، وقيل: ثبت ودام لم يزل ولا يزول، وقيل: جل {الذي أنزل الفرقان} يعني الفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل {على عبده} يعني محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) {ليكون للعالمين} المراد المكلفين {نذيراً}، قيل: هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نذيراً للخلق، والنذير المخوف بالعقاب لمن عصى الله، والأولى أنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لصحة الإِنذار إليه {الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً} ومن كان بهذه الصفة لا يجوز عليه اتخاذ الولد {ولم يكن له شريك في الملك} يزاحمه ويمنعه من مراده {وخلق كل شيء فقدّره تقديرا} والمعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية فقدّره وهيَّأه لما يصلح له، مثاله خلق الإِنسان على هذا الشكل المقدر المستوي، وكذلك كل حيوان وجماد {واتخذوا من دونه آلهة} يعني عبدوا الأوثان، والمعنى أنهم آثروا على عبادة الله سبحانه عبادة الالهة {لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون} لا يقدرون على شيء من أفعاله ولا من أفعال العباد، وذلك توبيخ لهم في ترك عبادة الخالق المقدر القديم {ولا يملكون لهم ضرّاً ولا نفعاً} أي لا يستطيعون لأنفسهم دفع ضر عنها وجلب نفع إليها، وإذا عجزوا عن دفع الضر وجلب النفع الذي يقدر عليها العباد كانوا عن الموت والحياة والنشور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى أعجز، يعني أنها لا تملك شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة، فإذا لم تملك لنفسها فلا تملك لغيرها، ومن كان في هذه الصفة لا يستحق العبادة ولا يكون إلهاً.

الهواري

تفسير : قوله: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {تَبَارَكَ} وهو من باب البركة كقوله: {تَعَالَى} أي: ارتفع. قوله {الذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ} أي: القرآن. وفُرقانه حلاله وحرامه، وفرائضه وأحكامه. {عَلَى عَبْدِهِ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} أي: ينذرهم النار وعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة إن لم يؤمنوا. قال: {الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}. ذكر بعضهم قال: كل شيء بقدر حتى هذه، ووضع طرف أصبعه السبابة على طرف لسانه ثم وضعها على ظفر إبهامه اليسرى. قوله: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ} أي: من دون الله {ءَالِهَةً} يعني الأوثان {لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي: لا يصنعون شيئاً، أي: إنهم يصنعونها بأيديهم. ذكر بعضهم في قوله: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} يعني أصنامهم التي عملوها بأيديهم (أية : وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) تفسير : [الصافات: 95-96] أي: بأيديكم. قوله: {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ} يعني الأوثان {ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً} أي: لا يميتون أحداً ولا يحيون أحداً {وَلاَ نُشُوراً} أي: ولا بعثاً، لا يملكون شيئاً من ذلك.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {تَبَارَكَ} اي تعالى وتزايد عن كل شيء في صفاته وأفعاله * {الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} وقيل: تكاثر خيره ووصل الذي بانزل الفرقان بدلالة الفرقان على تعاليه ولما فيه من كثرة الخبر. وقيل: {تَبَارَكَ} بمعنى دام ومنه بركة الطير على الماء ومنه البركة لدوام الماء فيها وفي الفرقان دلالة على دوامه {وَتَبَارَكَ} لا يتصرف فيه ولا يستعمل الا الله سبحانه وتعالى {وَالفُرْقَانَ} القرآن واصل مصدر (فرق) بالتخفيف بمعنى الفرق العظيم وسمي به القرآن لفرقه بين الحق والباطل وصاحبيهما فرقا عظيما ولفرقه بين المحق والمبطل باعجازه أو لانه لم ينزل جملة واحدة بل مفروقا. وزعم الخازن انه قال {نَزَّلَ} بالتشديد لتكثير التفريق بين الحق والباطل والحلال والحرام بالقرآن. وعن مجاهد: سمي فرقانا لفرقه بين الحق والباطل ولا يخفى ان العبد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقرأ ابن الزبير على عباده بالجمع وهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وامته قبل والانبياء على ان الفرقان جنس الكتب السماوية. {لِيَكُونَ} اي عبده محمد صلى الله عليه وسلم. قاله ابن زيد او الفرقان ويقويه قراءة ابن الزبير {عَلَى عِبَاده} بالجمع كما مضى آنفا * {لِلْعَالَمِينَ} الانس والجن * {نَذِيراً} اي منذرا فهو وصف وانذارا فهو اسم مصدر (انذر) ويقدر مضاف أو يؤول بالوصف أو يترك كذلك مبالغة. (والمنذر) المخوف وجملة {نَزَّلَ الفُرقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} الخ وان لم تكن معلومة لكنها لقوة دليلها اجريت مجرى المعلوم وجعلت صلة للذي أو جعلت صلة له باعتبار من تيقن ذلك وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون

اطفيش

تفسير : {تبارك} علا علوًّا عظيماً شأنا وصفة وفعلا، عن صفات الخلق، وأخذت المبالغة من التفاعل، لأن أصله بين اثنين كل يستخرج طاقته، ومن البركة بمعنى العلو قول العرب: تباركت النخلة، أى تعالت، وعلا أعرابى ربوة فقال: تباركت عليكم، أى تعاليت، وهو متبادر من قول الشاعر: شعر : الى الجذع جذع النخاة المتبارك تفسير : وفى الثلاثة استعمال تبارك فى غير الله، ومنه قراءة أبى: تباركت الأرض ومن حولها، وفى الثالث استعمال غير الماضى، وكل ذلك قليل، والعلو علو معنى فى الآية كما فسرها الخليل بتمجد، والضحاك بتعظم، وقيل: تبارك تزايد خيره وعطاؤه، بأن دام ولا يزال معطيا كما يقال لمحبس الماء بركة بكسر ففتح، وبرك البعير ثبت فى الأرض ببطنه وصدره، وبراكاء الحرب موضعها الذى يلازمه الشجعان. {الَّذى نزَّل الفُرقان} شيئا فشيئا، وهو القرآن، لأنه فارق بين الحق والباطل بالبيان، والمحق والمبطل بالاعجاز مصدر بمعنى فاعل، أى فارق أو لأنه مفروق فى النزول شيئاً فشيئاً، كما قال الله عز وجل: {وقُرآناً فرقْناه لتقرأه على الناس على مُكث ونزَّلناه تَنزيلاً} أو فى معانيه أحكاماً وإخباراً، فهو بمعنى مفعول، أو كأنه نفس الفرق فى المعنين كقوله، فإنما هى إقبال وإدبار، وذلك أصل ثم جعل علماً. {على عَبْده} محمد صلى الله عليه وسلم، وهو تشريف له صلى الله عليه وسلم، بعظم عبوديته لله تعالى، ورد على النصارى إذ جعلوا الرسول وهو عيسى إلهاً، والرسول لا يكون إلا عبد لمرسله، وقيل: الفرقان كتب الله، والرسول الرسل، كما قرأ ابن الزبير: على عباده أى على رسله، ونقول: العباد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته أى أنزل فى شأنهم {ليكونَ} الفرقان، أو الله الذى نزَّله، والعالمون اقوام الرسل على قراءة ابن الزبير، أو يكون الفرقان، أو الله أو عبده، وهو أولى لقربه، وبماشرته الانذار، والعالمون أمته صلى الله عليه وسلم الى يوم القيامة، وقيل والملائكة، وقيل كل والجمادات لخلق الله عز وجل لها، تمييزاً وذلك إعظام لشأنه صلى الله عليه وسلم، بادخال الكل تحت دعوته على غيره من الرسل {نذيراً} لم يقل بشيراً، لأن السورة مشتملة على ذكر المعاندين ففيه براعة الاستهلال، وقدم الظرف للتشويق الى متعلقه، وللفاصلة لا للحصر، لأن المقام ليس لذكر أنه ما أرسل الا الى الجن والإنس، وإذا ذكرنا التقديم للفاصلة فزيادة على حكمة، لأنه كما يطلب تزيين المعنى، يطلب تزيين اللفظ بالفاصل، بل لو قدم للفاصلة فقط تزيينا للفظ لجاز مع قوة المعنى، وإنما الممنوع أن يكون فى تقديمه للفاصلة فقط ركة المعنى.

الالوسي

تفسير : أي تعالى جل شأنه في ذاته وصفاته وأفعاله على أتم وجه وأبلغه كما يشعر به إسناد صيغة التفاعل إليه تعالى وهذا الفعل لا يسند في الأغلب إلى غيره تعالى ومثله ـ تعالى ـ ولا يتصرف فلا يجىء منه مضارع ولا أمر ولا ولا في الأغلب أيضاً وإلا فقد قرأ أبـي كما سيأتي إن شاء الله تعالى تباركت الأرض ومن حولها، وجاء كما في «الكشف» تباركت النخلة أي تعالت، وحكى الأصمعي أن أعرابياً صعد رابية فقال لأصحابه: تباركت عليكم، وقال الشاعر: شعر : إلى الجذع جذع النخلة المتبارك تفسير : وقال الخليل: معنى تبارك تمجد، وقال الضحاك: تعظم وهو قريب من قريب، وعن الحسن والنخعي أن المعنى تزايد خيره وعطاؤه وتكاثر وهي إحدى روايتين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ثانيتهما أن المعنى لم يزل، ولا يزال وتحقيق ذلك أن تبارك من البركة وهي في الأصل مأخوذة من برك البعير وهو صدره ومنه برك البعير إذا ألقى بركه على الأرض واعتبر فيه معنى اللزوم فقيل براكاء الحرب وبروكاؤها للمكان الذي يلزمه الابطال وسمي محبس الماء بركة كسدرة ثم أطلقت على ثبوت الخير الإلٰهي في الشيء ثبوت الماء في البركة، وقيل: لما فيه ذلك الخير مبارك ولما كان الخير الإلٰهي يصدر من حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة؛ فمن اعتبر معنى اللزوم كابن عباس بناءً على الرواية الثانية عنه قال: المعنى لم يزل ولا يزال أو نحو ذلك، ومن اعتبر معنى التزايد انقسم إلى طائفتين فطائفة جعلوه باعتبار كمال الذات في نفسها ونقصان ما سواها ففسروا ذلك / بالتعالي ونحوه وطائفة جعلوه باعتبار كمال الفعل ففسروه بتزايد الخير وتكاثره ولا اعتبار للتغير المبني على اعتبار معنى اللزوم لقلة فائدة الكلام عليه وعدم مناسبة ذلك المعنى لما بعد، ومن هنا ردد الجمهور المعنى بين ما ذكرناه أولاً وما روي عن الحسن ومن معه؛ وترتيب وصفه تعالى بقوله سبحانه: {تَبَـٰرَكَ } بالمعنى الأول على إنزاله جل شأنه الفرقان لما أنه ناطق بعلو شأنه سبحانه وسمو صفاته وابتناء أفعاله على أساس الحكم والمصالح وخلوها عن شائبة الخلل بالكلية وترتيب ذلك بالمعنى الثاني عليه لما فيه من الخير الكثير لأنه هداية ورحمة للعالمين، وفيه ما ينتظم به أمر المعاش والمعاد وكلا المعنيين مناسب للمقام ورجح الأول بأنه أنسب به لمكان قوله تعالى: {لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً } فقد قال الطيبـي في اختصاص النذير دون البشير سلوك طريقة براعة الاستهلال والإيذان بأن هذه السورة مشتملة على ذكر المعاندين المتخذين لله تعالى ولداً وشريكاً الطاعنين في كتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا المعنى يؤيد تأويل تبارك بتزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله جل وعلا لإفادته صفة الجلال والهيبة وإيذانه من أول الأمر بتعاليه سبحانه عما يقول الظالمون علواً كبيراً وهو من الحسن بمكان. و {ٱلْفُرْقَانَ } مصدر فرق الشيء من الشيء وعنه إذا فصله، ويقال أيضاً كما ذكره الراغب فرقت بين الشيئين إذا فصلت بينهما سواء كان ذلك بفصل يدركه البصر أو بفصل تدركه البصيرة، والتفريق بمعناه إلا أنه يدل على التكثير دونه، وقيل إن الفرق في المعاني والتفريق في الأجسام والمراد به القرآن وإطلاقه عليه لفصله بين الحق والباطل بما فيه من البيان أو بين المحق والمبطل لما فيه من الإعجاز أو لكونه مفصولاً بعضه عن بعض في نفسه أو في الإنزال حيث لم ينزل دفعة كسائر الكتب، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يقوله الصوفية في ذلك فهو مصدر بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول، ويجوز أن يكون ذلك من باب هي إقبال وإدبار فلا تغفل. والمراد بعبده نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإيراده عليه الصلاة والسلام بذلك العنوان لتشريفه والإيذان بكونه صلوات الله تعالى وسلامه عليه في أقصى مراتب العبودية والتنبيه على أن الرسول لا يكون إلا عبداً للمرسل رداً على النصارى. وقيل: المراد بالفرقان جميع الكتب السماوية لأنها كلها فرقت بين الحق والباطل وبعبده الجنس الشامل لجميع من نزلت عليهم، وأيد بقراءة ابن الزبير {عَلَىٰ عِبَادِهِ }، ولا يخفى ما في ذلك من البعد، والمراد بالعباد في قراءة ابن الزبير الرسول عليه الصلاة والسلام وأمته، والإنزال كما يضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يضاف إلى أمته كما في قوله تعالى: { أية : لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ } تفسير : [الأنبياء:10] لأنه واصل إليهم ونزوله لأجلهم فكأنه منزل عليهم وإن كان إنزاله حقيقة عليه عليه الصلاة والسلام، وقيل: المراد بالجمع هو صلى الله عليه وسلم وعبر عنه به تعظيماً، وضمير {يَكُونَ} عائد على {عبده}، وقيل على {ٱلْفُرْقَانَ } وإسناد الإنذار إليه مجاز، وقيل على الموصول الذي هو عبارة عنه تعالى، ورجح بأنه العمدة المسند إليه الفعل والإنذار من صفاته عز وجل كما في قوله تعالى: { أية : إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } تفسير : [الدخان: 3] وقيل على التنزيل المفهوم من {نَزَّلَ }، والمتبادر إلى الفهم هو الأول وهو الذي يقتضيه ما بعد. والنذير صفة مشبهة بمعنى منذر. وجوز أن يكون مصدراً بمعنى إنذار كالنكير بمعنى إنكار وحكم الإخبار بالمصدر شهير، والإنذار إخبار فيه تخويف ويقابله التبشير ولم يتعرض له لما مر آنفاً. والمراد بالعالمين عند جمع من العالمين الإنس والجن ممن عاصره صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. ويؤيده قراءة ابن الزبير {للعالمين للجن والإنس} وإرساله صلى الله عليه وسلم إليهم معلوم من الدين بالضرورة فيكفر منكره، وكذا الملائكة عليهم السلام كما رجحه جمع محققون كالسبكي ومن تبعه ورد على من / خالف ذلك، وادعى بعضهم دلالة الآية عليه لأن العالم ما سوى الله تعالى وصفاته العلى فيشمل الملائكة عليهم السلام. وصيغة جمع العقلاء للتغليب أو جمع بعد تخصيصه بالعقلاء. ومن قال كالبارزي: إنه عليه الصلاة والسلام أرسل حتى إلى الجمادات بعد جعلها مدركة لظاهر خبر مسلم «وأرسلت إلى الخلق كافة» لم يخصص واكتفى بالتغليب وفائدة الإرسال للمعصوم وغير المكلف طلب إذعانهما لشرفه عليه الصلاة والسلام ودخولهما تحت دعوته واتباعه تشريفاً على سائر المرسلين عليهم السلام. وتقديم الجار والمجرور على متعلقه للتشويق ومراعاة الفواصل وللحصر أيضاً على القول الأول في العالمين. وإبراز تنزيل الفرقان في معرض الصلة التي حقها أن تكون معلومة الثبوت للموصول عند السامع مع إنكار الكفرة له لإجرائه مجرى المعلوم المسلم تنبيهاً على قوة دلائله وكونه بحيث لا يكاد يجهله أحد كقوله تعالى: { أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : [البقرة: 2] وكذا يقال في نظائره من الصلات التي ينكرها الكفرة. وقال بعضهم: لا حاجة لما ذكر إذ يكفي في الصلة أن تكون معلومة للسامع المخاطب بها ولا يلزم أن تكون معلومة لكل سامع، والمخاطب بها هنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام عالم بثبوتها للموصول، وفي «شرح التسهيل» أنه لا يلزم فيها أن تكون معلومة وأن تعريف الموصول كتعريف أل يكون للعهد والجنس وأنه قد تكون صلته مبهمة للتعظيم كما في قوله: شعر : فإن أستطع أغلب وأن يغلب الهوى فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه تفسير : وما ذكر أولاً من تنزيلها منزلة المعلوم أبلغ لكونه كناية عما ذكر مناسبة للرد على من أنكر النبوة وتوحيد الله تعالى.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة المكية تبدو كلها وكأنها إيناس لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتسرية، وتطمين له وتقوية وهو يواجه مشركي قريش، وعنادهم له، وتطاولهم عليه، وتعنتهم معه، وجدالهم بالباطل، ووقوفهم في وجه الهدي وصدهم عنه. فهي في لمحة منها تصور الإيناس اللطيف الذي يحيط به الله عبده ورسوله؛ وكأنما يمسح على آلامه ومتاعبه مسحاً رفيقاً؛ ويهدهد قلبه، ويفيض عليه من الثقة والطمأنينة، وينسم عليه من أنسام الرعاية واللطف والمودة. وهي في اللمحة الأخرى تصور المعركة العنيفة مع البشرية الضالة الجاحدة المشاقة لله ورسوله، وهي تجادل في عنف، وتشرد في جموح، وتتطاول في قحة، وتتعنت في عناد، وتجنح عن الهدى الواضح الناطق المبين. إنها البشرية التي تقول عن هذا القرآن العظيم: {إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون}... أو تقول: {أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} والتي تقول عن محمد رسول الله الكريم: {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً}... أو تقول في استهزاء: {أهذا الذي بعث الله رسولاً؟}... والتي لا تكتفي بهذا الضلال، فإذا هي تتطاول في فجور على ربها الكبير: {أية : وإذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ وزادهم نفورا}تفسير : أو تتعنت فتقول: {أية : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا؟ }. تفسير : وهي هي من قديم كما يرسمها سياق السورة من عهد نوح إلى موقفها هذا الأخير مع رسولها الأخير... لقد اعترض القوم على بشرية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا: {ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا!} واعترضوا على حظه من المال، فقالوا: {أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها}. واعترضوا على طريقة تنزيل القرآن فقالوا: {أية : لولا نُزِّل عليه القرآن جملة واحدة! }. تفسير : وذلك فوق التكذيب والاستهزاء والقحة والافتراء الأثيم. ووقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يواجه هذا كله، وهو وحيد فريد مجرد من الجاه والمال، ملتزم حده مع ربه لا يقترح عليه شيئاً، ولا يزيد على أن يتوجه إليه مبتغيا رضاه، ولا يحفل بشيء سواه: "حديث : رب إلا يكن بك علي غضب فلا أبالي. لك العتبى حتى ترضى "... تفسير : فهنا في هذه السورة يؤويه ربه إلى كنفه، ويمسح على آلامه ومتاعبه، ويهدهده ويسري عنه، ويهون عليه مشقة ما يلقى من عنت القوم وسوء أدبهم وتطاولهم عليه، بأنهم يتطاولون على خالقهم ورازقهم، وخالق هذا الكون كله ومقدره ومدبره... فلا عليه أن ينالوه بشيء من ذاك! {أية : ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيراً} تفسير : {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً} {أية : وإذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن؟ }.. تفسير : ويعزيه عن استهزائهم به بتصوير المستوى الهابط الذي يتمرغون فيه: {أية : أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً؟ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟ إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلاً!} تفسير : ويعده العون والمساعدة في معركة الجدل والمحاجة: {أية : ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً }... تفسير : وفي نهاية المعركة كلها يعرض عليه مصارع المكذبين من قبل: قوم موسى ونوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وما بين ذلك من قرون. ويعرض عليه نهايتهم التعيسة في سلسلة من مشاهد القيامة: {أية : الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلاً} تفسير : {بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً. إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً. وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبورا. لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا} {أية : ويوم يعض الظالم على يديه يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا. يا ويلتا! ليتني لم أتخذ فلاناً خليلا... } تفسير : ويسليه بأن مثله مثل الرسل كلهم قبله: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق}...{أية : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين. وكفى بربك هاديا ونصيراً }. تفسير : ويكلفه أن يصبر ويصابر، ويجاهد الكافرين بما معه من قرآن، واضح الحجة قوي البرهان عميق الأثر في الوجدان: {أية : فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً }.. تفسير : ويغريه على مشاق الجهاد بالتوكل على مولاه: {أية : وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده، وكفى به بذنوب عباده خبيراً }.. تفسير : وهكذا تمضي السورة: في لمحة منها إيناس وتسرية وعطف وإيواء من الله لرسوله. وفي لمحة منها مشاقة وعنت من المشركين لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتتبير ونكال من الله الكبير المتعال. حتى تقرب من نهايتها، فإذا ريح رخاء وروح وريحان، وطمأنينة وسلام... وإذا صورة {عباد الرحمن}... {أية : الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما...} تفسير : وكأنما تتمخض عنهم معركة الجهاد الشاقة مع البشرية الجاحدة الضالة المعاندة المشاقة؛ وكأنما هم الثمرة الحلوة الجنية الممثلة للخير الكامن في شجرة البشرية ذات الأشواك. وتختم السورة بتصوير هوان البشرية على الله، لولا تلك القلوب المؤمنة التي تلتجئ إليه وتدعوه: {أية : قل: ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم. فقد كذبتم فسوف يكون لزاما }... تفسير : هذه في ظلال السورة؛ وذلك هو محورها الذي تدور عليه، وموضوعها الذي تعالجه. وهي وحدة متصلة، يصعب فصل بعضها عن بعض. ولكن يمكن تقسيمها إلى أربعة أشواط في علاج هذا الموضوع. يبدأ الشوط الأول منها بتسبيح الله وحمده على تنزيل هذا القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا. وبتوحيد الله المالك لما في السماوات والأرض، المدبر للكون بحكمة وتقدير، ونفي الولد والشريك. ثم يذكر اتخاذ المشركين مع ذلك آلهة من دونه لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون... كل أولئك قبل أن يحكي مقولاتهم المؤذية عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من تكذيبه فيما جاءهم به، وادعائهم أنه إفك افتراه، وأنه أساطير الأولين اكتتبها. وقبل أن يحكي اعتراضاتهم على بشرية الرسول وحاجته للطعام والمشي في الأسواق، واقتراحاتهم أن ينزل عليه ملك أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة يأكل منها. وقحتهم في وصفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه رجل مسحور... وكأنما يسبق بمقولاتهم الجاحدة لربهم كي يهون على نفس الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقولاتهم عنه وعن رسالته... ومن ثم يعلن ضلالهم وتكذيبهم بالساعة، ويتوعدهم بما أعده الله لهم من سعير، يلقون فيها مكانا ضيقا مقرنين. ويعرض في الصفحة المقابلة صورة المؤمنين في الجنة. {لهم فيها ما يشاءون خالدين}... ويستمر في عرض مشهدهم يوم الحشر، ومواجهتهم بما كانوا يعبدون من دون الله، وتكذيب هؤلاء لهم فيما كانوا يدعون على الله من شرك.. وينتهي هذا الشوط بتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن الرسل جميعاً كانوا بشراً مثله، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. ويبدأ الشوط الثاني بتطاول المكذبين بلقاء الله على الله، وقولهم: {أية : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا}تفسير : ويعاجلهم بمشهد اليوم الذي يرون فيه الملائكة.. {أية : وكان يوماً على الكافرين عسيرا} {أية : ويوم يعض الظالم على يديه يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} تفسير : ليكون في ذلك تأسية للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم يهجرون القرآن، وهو يشكو لربه هذا الهجران. وهم يعترضون على طريقة تنزيله؛ ويقولون: {أية : لولا نُزِّل عليه القرآن جملة واحدة} تفسير : ويعقب على هذا الاعتراض بمشهدهم يوم القيامة يحشرون على وجوههم، وهم المكذبون بيوم القيامة، وبتصوير عاقبة المكذبين قبلهم من قوم موسى وقوم نوح، وعاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك، ويعجب من أمرهم وهم يمرون على قرية لوط المدمرة ولا يعتبرون. فيهون بذلك كله من وقع تطاولهم على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقولهم: {أية : أهذا الذي بعث الله رسولا؟} تفسير : ثم يعقب على هذا الاستهزاء بتحقيرهم ووضعهم في صف الأنعام بل دون ذلك: {أية : إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا }. تفسير : والشوط الثالث جولة في مشاهد الكون تبدأ بمشهد الظل، وتستطرد إلى تعاقب الليل والنهار، والرياح المبشرة بالماء المحيي، وخلقة البشر من الماء، ومع هذا فهم يعبدون من دون الله ما لا ينعفهم ولا يضرهم، ويتظاهرون على ربهم وخالقهم، ويتطاولون في قحة إذا دعوا إلى عبادة الله الحق... {أية : وإذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن؟} تفسير : وهو الذي {أية : جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجاً وقمراً منيرا. وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} تفسير : ولكنهم هم لا يتذكرون ولا يشكرون.. ثم يجيء الشوط الأخير يصور {عباد الرحمن} الذين يسجدون له ويعبدونه، ويسجل مقوماتهم التي استحقوا بها هذه الصفة الرفيعة. ويفتح باب التوبة لمن يرغب في أن يسلك طريقة عباد الرحمن. ويصور جزاءهم على صبرهم على تكاليف الإيمان والعبادة: {أية : أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما }. تفسير : وتختم السورة بتقرير هوان البشرية على الله لولا هذه القلوب الطائعة المستجيبة العارفة بالله في هذا القطيع الشارد الضال من المكذبين والجاحدين... وفي هذا الهوان تهوين لما يلقاه منهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو يتفق مع ظل السورة وجوها، ويتفق مع موضوعها وأهدافها، على طريقة التناسق الفني في القرآن. والآن نبدأ الشوط الأول بالتفصيل: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. الذي له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديرا. واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون؛ ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعا؛ ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا}. إنه البدء الموحي بموضوع السورة الرئيسي: تنزيل القرآن من عند الله، وعموم الرسالة إلى البشر جميعا. ووحدانية الله المطلقة، وتنزيهه عن الولد والشريك، وملكيته لهذا الكون كله، وتدبيره بحكمة وتقدير.. وبعد ذلك كله يشرك المشركون، ويفتري المفترون، ويجادل المجادلون، ويتطاول المتطاولون! {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا}.. والتبارك تفاعل من البركة، يوحي بالزيادة فيها والفيض والرفعة جميعا. ولم يذكر لفظ الجلالة واكتفى بالاسم الموصول {الذي نزل الفرقان} لإبراز صلته وإظهارها في هذا المقام، لأن موضوع الجدل في السورة هو صدق الرسالة وتنزيل القرآن. وسماه الفرقان. بما فيه من فارق بين الحق والباطل، والهدي والضلال. بل بما فيه من تفرقة بين نهج في الحياة ونهج، وبين عهد للبشرية وعهد. فالقرآن يرسم منهجا واضحا للحياة كلها في صورتها المستقرة في الضمير، وصورتها الممثلة في الواقع. منهجا لا يختلط بأي منهج آخر مما عرفته البشرية قبله. ويمثل عهدا جديداً للبشرية في مشاعرها وفي واقعها لا يختلط كذلك بكل ما كان قبله. فهو فرقان بهذا المعنى الواسع الكبير. فرقان ينتهي به عهد الطفولة ويبدأ به عهد الرشد. وينتهي به عهد الخوارق المادية ويبدأ به عهد المعجزات العقلية. وينتهي به عهد الرسالات المحلية الموقوتة، ويبدأ به عهد الرسالة العامة الشاملة: {ليكون للعالمين نذيرا}. وفي موضع التكريم لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي مقام التعظيم يصفه بالعبودية: {على عبده}.. كذلك وصفه في مقام الإسراء والمعراج في سورة الإسراء: {أية : سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}تفسير : وكذلك وصفه في مقام دعائه ومناجاته في سورة الجن: {أية : وأنه لما قام عبد الله يدعوه...}تفسير : وكذلك يصفه هنا في مقام تنزيل الفرقان عليه كما وصفه في مثل هذا المقام في مطلع سورة الكهف: {أية : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً..}تفسير : والوصف بالعبودية في هذه المواضع له دلالته على رفعة هذا المقام، وأنه أرفع ما يرتفع إليه بشر من بني الإنسان. كما أن فيه تذكيراً خفياً بأن مقام البشرية حين يبلغ مداه لا يزيد على أن يكون مقام العبودية لله. ويبقى مقام الألوهية متفردا بالجلالة، متجردا من كل شبهة شرك أو مشابهة. ذلك أن مثل مقام الإسراء والمعراج، أو مقام الدعاء والمناجاة، أو مقام الوحي والتلقي، كان مزلة لبعض أتباع الرسل من قبل، منها نشأت أساطير البنوة لله، أو الصلة القائمة على غير الألوهية والعبودية. ومن ثم يحرص القرآن على توكيد صفة العبودية في هذا المقام، بوصفها أعلى أفق يرتفع إليه المختارون من بني الإنسان. ويرسم الغاية من تنزيل الفرقان على عبده... {ليكون للعالمين نذيراً}... وهذا النص مكي، وله دلالته على إثبات عالمية هذه الرسالة منذ أيامها الأولى. لا كما يدعي بعض "المؤرخين" غير المسلمين، أن الدعوة الإسلامية نشأت محلية، ثم طمحت بعد اتساع رقعة الفتوح أن تكون عالمية. فهي منذ نشأتها رسالة للعالمين. طبيعتها طبيعة عالمية شاملة، ووسائلها وسائل إنسانية كاملة؛ وغايتها نقل هذه البشرية كلها من عهد إلى عهد، ومن نهج إلى نهج. عن طريق هذا الفرقان الذي نزله الله على عبده ليكون للعالمين نذيراً، فهي عالمية للعالمين والرسول يواجه في مكة بالتكذيب والمقاومة والجحود.. تبارك الذي نزل الفرقان على عبده... {الذي له ملك السماوات والأرض. ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً}.. ومرة أخرى لا يذكر لفظ الجلالة ولكن يذكر الاسم الموصول لإبراز صلته الدالة على صفات يراد توكيدها في هذا المقام: {الذي له ملك السماوات والأرض}... فله السيطرة المطلقة على السماوات والأرض. سيطرة الملكية والاستعلاء، وسيطرة التصريف والتدبير، وسيطرة التبديل والتغيير. {ولم يتخذ ولداً}... فالتناسل ناموس من النواميس التي خلقها الله لامتداد الحياة؛ وهو سبحانه باق لا يفنى، قادر لا يحتاج. {ولم يكن له شريك في الملك}... وكل ما في السماوات والأرض شاهد على وحدة التصميم، ووحدة الناموس، ووحدة التصريف. {وخلق كل شيء فقدره تقديراً}. قدر حجمه وشكله. وقدر وظيفته وعمله. وقدر زمانه ومكانه. وقدر تناسقه مع غيره من أفراد هذا الوجود الكبير. وإن تركيب هذا الكون وتركيب كل شيء فيه، لما يدعو إلى الدهشة حقا، وينفي فكرة المصادفة نفيا باتا. ويظهر التقدير الدقيق الذي يعجز البشر عن تتبع مظاهره، في جانب واحد من جوانب هذا الكون الكبير. وكلما تقدم العلم البشري فكشف عن بعض جوانب التناسق العجيب في قوانين الكون ونسبه ومفرداته اتسع تصور البشر لمعنى ذلك النص القرآني الهائل: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً}.. يقول (أ. كريسي موريسون) رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه بعنوان: "الإنسان لا يقوم وحده". "ومما يدعو إلى الدهشة أن يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل، بالغاً هذه الدقة الفائقة. لأنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام، لامتص ثاني أكسيد الكربون والأوكسجين، ولما أمكن وجود حياة النبات". "ولو كان الهواء أرفع كثيراً مما هو فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية، وهي تسير بسرعة تتراوح بين ستة أميال وأربعين ميلا في الثانية. وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق. ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض، ولكانت العاقبة مروعة. أما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إربا من مجرد حرارة مروره!" "إن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيميائي التي يحتاج إليها الزرع، والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات، دون أن تضر بالإنسان، إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم، وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور ـ ومعظمها سامّ ـ فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع، ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان. وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء ـ أي المحيط ـ الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل، والنباتات. وأخيراً الإنسان نفسه...". ويقول في فصل آخر: "لو كان الأوكسجين بنسبة 50 بالمائة مثلاً أو أكثر في الهواء بدلاً من 21 في المائة فإن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال، لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لا بد أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر. ولو أن نسبة الأوكسجين في الهواء قد هبطت إلى 10 في المائة أو أقل، فإن الحياة ربما طابقت نفسها عليها في خلال الدهور. ولكن في هذه الحالة كان القليل من عناصر المدنية التي ألفها الإنسان ـ كالنار مثلا ـ تتوافر له". ويقول في فصل ثالث: "ما أعجب نظام الضوابط والموازنات الذي منع أي حيوان ـ مهما يكن من وحشيته أو ضخامته أو مكره ـ من السيطرة على العالم، منذ عصر الحيوانات القشرية المتجمدة! غير أن الإنسان وحده قد قلب هذا التوازن الذي للطبيعة بنقله النباتات والحيوانات من مكان إلى آخر. وسرعان ما لقي جزاءه القاسي على ذلك، ماثلاً في تطور آفات الحيوان والحشرات والنبات. "والواقعة الآتية فيها مثل بارز على أهمية تلك الضوابط فيما يتعلق بوجود الإنسان. فمنذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبار في استراليا. كسياج وقائي. ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة تقرب من مساحة انجلترا، وزاحم أهل المدن والقرى، وأتلف مزارعهم، وحال دون الزراعة. ولم يجد الأهالي وسيلة تصده عن الانتشار؛ وصارت أستراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت، يتقدم في سبيله دون عائق!" "وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتى وجدوا أخيراً حشرة لا تعيش إلا على ذلك الصبار، ولا تتغذى بغيره، وهي سريعة الانتشار، وليس لها عدو يعوقها في استراليا. وما لبثت هذه الحشرة حتى تغلبت على الصبار. ثم تراجعت، ولم يبق منها سوى بقية قليلة للوقاية، تكفي لصد الصبار عن الانتشار إلى الأبد". "وهكذا توافرت الضوابط والموازين، وكانت دائماً مجدية". "ولماذا لم تسيطر بعوضة الملاريا على العالم إلى درجة كان أجدادنا يموتون معها، أو يكسبون مناعة منها؟ ومثل ذلك أيضاً يمكن أن يقال عن بعوضة الحمى الصفراء التي تقدمت شمالاً في أحد الفصول حتى وصلت إلى نيويورك. كذلك البعوض كثير في المنطقة المتجمدة. ولماذا لم تتطور ذبابة "تسي تسي" حتى تستطيع أن تعيش أيضاً في غير مناطقها الحارة، وتمحو الجنس البشري من الوجود؟ يكفي أن يذكر الإنسان الطاعون والأوبئة والجراثيم الفاتكة التي لم يكن له وقاء منها حتى الأمس القريب، وأن يذكر كذلك ما كان له من جهل تام بقواعد الوقاية الصحية، ليعلم أن بقاء الجنس البشري رغم ذلك يدعو حقاً إلى الدهشة!..." "إن الحشرات ليست لها رئتان كما للإنسان؛ ولكنها تتنفس عن طريق أنابيب. وحين تنمو الحشرات وتكبر، لا تقدر تلك الأنابيب أن تجاريها في نسبة تزايد حجمها. ومن ثم لم توجد قط حشرة أطول من بضع بوصات، ولم يطل جناح حشرة إلا قليلاً. وبفضل جهاز تكوين الحشرات وطريقة تنفسها لم يكن في الإمكان وجود حشرة ضخمة. وهذا الحد من نمو الحشرات قد كبح جماحها كلها، ومنعها من السيطرة على العالم. ولولا وجود هذا الضابط الطبيعي لما أمكن وجود الإنسان على ظهر الأرض. وتصور إنساناً فطرياً يلاقي دبوراً يضاهي الأسد في ضخامته، أو عنكبوتاً في مثل هذا الحجم!" "ولم يذكر إلا القليل عن التنظيمات الأخرى المدهشة في فيزيولوجيا الحيوانات، والتي بدونها ما كان أي حيوان ـ بل كذلك أي نبات ـ يمكن أن يبقى في الوجود... الخ". وهكذا ينكشف للعلم البشري يوماً بعد يوم، شيء من تقدير الله العجيب في الخلق، وتدبيره الدقيق في الكون، ويدرك البشر شيئاً من مدلولات قوله في الفرقان الذي نزله على عبده: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً}... ومع هذا فإن أولئك المشركين لم يدركوا شيئاً من هذا كله. {واتخذوا من دونه آلهة، لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون؛ ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً؛ ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً}. وهكذا يجرد آلهتهم المدعاة من كل خصائص الألوهية فهم {لا يخلقون شيئاً} والله خلق كل شيء. {وهم يخلقون}.. يخلقهم عبادهم ـ بمعنى يصنعونهم ـ إن كانوا أصناماً وأوثاناً ـ ويخلقهم الله ـ بمعنى يوجدهم ـ إن كانوا ملائكة أو جناً أو بشراً أو شجراً أو حجراً.. {ولا يملكون لأنفسهم} فضلاً عن أن يملكوا لعبادهم {ضراً ولا نفعاً} والذي لا يملك لنفسه النفع قد يسهل عليه الضر. ولكن حتى هذا لا يملكونه. ومن ثم يقدمه في التعبير بوصفه أيسر شيء كان يملكه أحد لنفسه! ثم يرتقي إلى الخصائص التي لا يقدر عليها إلا الله: {ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً} فلا إماتة حي، ولا إنشاء حياة، ولا إعادتها داخل في مقدورهم. فماذا لهم بعد ذلك من خصائص الألوهية، وما شبهة أولئك المشركين في اتخاذهم آلهة؟! ألا إنه الانحراف المطلق، الذي لا يستغرب معه أن يدعوا على الرسول بعد ذلك ما يدعون، فدعواهم على الله أضخم وأقبح من كل ما يدعون على رسوله. وهل أقبح من ادعاء إنسان على الله وهو خالقه وخالق كل شيء، ومدبر أمره ومقدر كل شيء. هل أقبح من ادعاء إنسان أن لله شريكاً؟ "حديث : وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أكبر؟ قال: أن تجعل لله أنداداً وهو خلقك... " تفسير : وبعد عرض هذا التطاول على مقام الخالق جل وعلا، يعرض تطاولهم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويرد عليه عقب عرضه بما يظهر سخفه وكذبه: {وقال الذين كفروا: إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون. فقد جاءوا ظلماً وزوراً. وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً. قل: أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، إنه كان غفوراً رحيماً}... وأكذب شيء أن يقول كفار قريش هذه المقالة، وهم يوقنون في أنفسهم أنها الفرية التي لا تقوم على أساس. فما يمكن أن يخفى على كبرائهم الذين يلقونهم هذا القول أن القرآن الذي يتلوه عليه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيء آخر غير كلام البشر؛ وهم كانوا يحسون هذا بذوقهم في الكلام؛ وكانوا لا يملكون أنفسهم من التأثر بالقرآن. ثم هم كانوا يعلمون عن محمد قبل البعثة أنه الصادق الأمين الذي لا يكذب ولا يخون. فكيف به يكذب على الله، وينسب إليه قولاً لم يقله؟ ولكنه العناد والخوف على مراكزهم الاجتماعية المستمدة من سيادتهم الدينية، كان يجنح بهم إلى هذه المناورات يطلقونها في وسط جمهور العرب، الذين قد لا يميزون بين الكلام، ولا يعرفون درجته: {إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون}. قيل: إنهم عبيد أعاجم ثلاثة أو أكثر، هم الذين كانوا يعنونهم بهذه المقالة. وهو كلام متهافت تافه لا يقف للجدل. فإن كان بشر يملك أن يفتري مثل هذا القرآن بمعاونة قوم آخرين، فما يمسكهم هم عن الإتيان بمثله، مستعينين بأقوام منهم، ليبطلوا حجة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يتحداهم به وهم عاجزون؟! ومن ثم لا يجادلهم هنا ولا يناقشهم في هذا القول المتهافت؛ إنما يدمغهم بالوصف البارز الثابت: {فقد جاءوا ظلماً وزوراً}... ظلماً للحق، ولمحمد، ولأنفسهم، وزوراً واضح الكذب ظاهر البطلان. ثم يمضي في استعراض مقولاتهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم ـ وعن القرآن: {وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً}... ذلك لما وجدوا فيه من قصص الأولين التي يسوقها للعبرة والعظة، وللتربية والتوجيه، فقالوا عن هذا القصص الصادق: {أساطير الأولين} وزعموا أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ طلب أن تكتب له، لتقرأ عليه في الصباح والمساء ـ إذ كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ـ ثم يقولها هو بدوره، وينسبها إلى الله! وهذا استطراد في دعواهم التي لا تقوم على أساس، ولا تثبت للمناقشة. وإن سياقة القصص في القرآن بهذا التنسيق في عرضه؛ وبهذا التناسق بينه وبين الموضوع الذي يساق فيه، ويستشهد بالقصص عليه؛ وبهذا التناسب بين أهداف القصص وأهداف السياق في السورة الواحدة.. إن هذا كله ليشهد بالقصد والتدبير العميق اللطيف الذي لا يلحظ في الأساطير المبعثرة التي لا تجمعها فكرة، ولا يوجهها قصد، إنما تساق للتسلية وتزجية الفراغ! وفي قولهم: إنها أساطير الأولين إشارة إلى بعدها في الزمان؛ فلا يعلمها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا أن تملى عليه من حفاظ الأساطير، الذين ينقلونها جيلاً عن جيل. لذلك يرد عليهم بأن الذي يمليها على محمد أعلم من كل عليم. فهو الذي يعلم الأسرار جميعاً، ولا يخفى عليه نبأ في الأولين والآخرين: {قل: أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض}.. فأين علم حفاظ الأساطير ورواتها من ذلك العلم الشامل؟ وأين أساطير الأولين من السر في السماوات والأرض؟ وأين النقطة الصغيرة من الخضم الذي لا ساحل له ولا قرار؟ ألا إنهم ليرتكبون الخطيئة الكبيرة، وهم يدعون على رسوله الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تلك الدعوى المتهافتة؛ ومن قبل يصرون على الشرك بالله وهو خلقهم.. ولكن باب التوبة مع ذلك مفتوح، والرجوع عن الإثم ممكن، والله الذي يعلم السر في السماوات والأرض. ويعلم ما يفترون وما يكيدون، غفور رحيم: {إِنه كان غفوراً رحيماً}.. ثم يستطرد في عرض مقولاتهم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واعتراضاتهم الجاهلة على بشريته، واقتراحاتهم المتعنتة على رسالته: {وقالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً! أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة يأكل منها. وقال الظالمون: إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً. انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً. تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك: جنات تجري من تحتها الأنهار، ويجعل لك قصوراً}... ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ ما له بشراً يتصرف تصرفات البشر؟ إنه الاعتراض المكرور الذي رددته البشرية عن كل رسول! كيف يمكن أن يكون فلان ابن فلان، المعروف لهم، المألوف في حياتهم، الذي يأكل كما يأكلون، ويعيش كما يعيشون.. كيف يمكن أن يكون رسولاً من عند الله يوحى إليه؟ كيف يمكن أن يتصل بعالم آخر غير عالم الأرض يتلقى عنه؟ وهم يرونه واحداً منهم من لحم ودم. وهم لا يوحى إليهم، ولا يعرفون شيئاً عن ذلك العالم الذي يأتي منه الوحي لواحد منهم، ولا يتميز في شيء عنهم. والمسألة من هذا الجانب قد تبدو غريبة مستبعدة. ولكنها من الجانب الآخر تبدو طبيعية مقبولة.. لقد نفخ الله من روحه في هذا الإنسان؛ وبهذه النفخة الإلهية تميز وصار إنساناً، واستخلف في الأرض. وهو قاصر العلم، محدود التجربة، ضعيف الوسيلة، وما كان الله ليدعه في هذه الخلافة دون عون منه، ودون هدي ينير له طريقه. وقد أودعه الاستعداد للاتصال به عن طريق تلك النفخة العلوية التي ميزته. فلا عجب أن يختار الله واحداً من هذا الجنس؛ صاحب استعداد روحي للتلقي؛ فيوحي إليه ما يهدي به إخوانه إلى الطريق كلما غام عليهم الطريق، وما يقدم به إليهم العون كلما كانوا في حاجة إلى العون. إنه التكريم الإلهي للإنسان يبدو في هذه الصورة العجيبة من بعض جوانبها، الطبيعية من البعض الآخر. ولكن الذين لا يدركون قيمة هذا المخلوق، ولا حقيقة التكريم الذي أراده الله له، ينكرون أن يتصل بشر بالله عن طريق الوحي؛ وينكرون أن يكون واحد من هؤلاء البشر رسولاً من عند الله. يرون الملائكة أولى بهذا وأقرب: {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً}. والله قد أسجد الملائكة للإنسان بما أودعه من الخصائص الفائقة، الناشئة من النفخة العلوية الكريمة. وإنها الحكمة الإلهية كذلك تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر. واحد من البشر يحس إحساسهم، ويتذوق مواجدهم، ويعاني تجاربهم، ويدرك آلامهم وآمالهم، ويعرف نوازعهم وأشواقهم، ويعلم ضروراتهم وأثقالهم.. ومن ثم يعطف على ضعفهم ونقصهم، ويرجو في قوتهم واستعلائهم، ويسير بهم خطوة خطوة، وهو يفهم ويقدر بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم، لأنه في النهاية واحد منهم، يرتاد بهم الطريق إلى الله، بوحي من الله وعون منه على وعثاء الطريق! وهم من جانبهم يجدون فيه القدوة الممكنة التقليد، لأنه بشر منهم، يتسامى بهم رويداً رويداً؛ ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أن الله قد فرضها عليهم، وأرادها منهم؛ فيكون هو بشخصه ترجمة حية للعقيدة التي يحملها إليهم. وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم ينقلونها سطراً سطراً، ويحققونها معنى معنى، وهم يرونها بينهم، فتهفو نفوسهم إلى تقليدها، لأنها ممثلة في إنسان؛ ولو كان ملكاً ما فكروا في عمله ولا حاولوا أن يقلدوه؛ لأنهم منذ البدء يشعرون أن طبيعته غير طبيعتهم، فلا جرم يكون سلوكه غير سلوكهم على غير أمل في محاكاته، ولا شوق إلى تحقيق صورته! فهي حكمة الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً. هي حكمة الله البالغة أن جعل الرسول بشراً ليؤدي دوره على قيادة البشر. والاعتراض على بشرية الرسول جهل بهذه الحكمة. فوق ما فيه من جهل بتكريم الله للإنسان! وكان من اعتراضاتهم الساذجة الجاهلة أن هذا الرسول يمشي في الأسواق ليكسب رزقه. فهلا كفاه الله ذلك، وحباه بالمال الكثير عن غير كد ولا عمل: {أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة يأكل منها}! والله لم يرد لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يكون له كنز ولا أن تكون له جنة. لأنه أراد أن يكون قدوة كاملة لأمته؛ ينهض بتكاليف رسالته الضخمة الهائلة، وهو في الوقت ذاته يسعى لرزقه كما يسعى رجل من أمته. فلا يقولن أحد من أمته يكد لعيشه: لقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكفي الحاجة، لا يعاني صراع العيش، ومن ثم فرغ لعقيدته ورسالته، وتكاليفه، فلم يعوقه عائق مما أعاني.. فها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل ليعيش، ويعمل لرسالته، فلا أقل من أن ينهض كل أحد من أمته بنصيبه الصغير من تكاليف هذه الرسالة ـ وقدوته أمامه ـ ولقد انهال المال بعد ذلك على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - كي تتم التجربة من جانبها الآخر وتتم القدوة. فلم يدع هذا المال يشغله أو يعطله، فكان كالريح المرسلة في جوده، حتى يستعلي على فتنة المال، ويرخص من قيمته في النفوس؛ وكي لا يقولن أحد بعد ذلك: إنما نهض محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ برسالته، لأنه عاش فقيراً لا يشغله من المال شاغل، فها هو ذا المال يأتيه غزيراً وفيراً، ولكنه يمضي في دعوته كذلك. شأنه يوم أن كان فقيراً. وما المال؟ وما الكنوز؟ وما الجنان؟ حين يتصل الإنسان الفاني الضعيف بالله الباقي القوي؟ ما هذه الأرض وما فيها؟ بل ما هذا الكون المخلوق كله، بعد الاتصال بالله خالق كل شيء، وواهب الكثير والقليل؟ ولكن القوم ما كانوا يوم ذلك يدركون! {وقال الظالمون: إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً}.. وهي كلمة ظالمة فاحشة حكاها عنهم هنا، وحكاها عنهم كذلك في سورة الإسراء. ورد عليها هنا وهناك رداً واحداً: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً}... وكلتا السورتين تعالجان موضوعاً متقارباً، في جو متقارب هنا وهناك.. وقولتهم تلك يقصدون بها الإساءة إلى شخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتنقص منه. إذ يمثلونه برجل سحر عقله، فهو يقول كلاماً غريباً لا يقوله الطبيعيون من الناس! ولكنها في الوقت ذاته تشي بشعورهم الداخلي بأن ما يقوله غير طبيعي، ولا مألوف، ولا هو من عادة البشر ولا من مستوى البشر.. والرد عليهم يوحي بالتعجيب من أمرهم: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} وشبهوك بالمسحورين مرة، واتهموك بالتزوير مرة، ومثلوك برواة الأساطير مرة.. وكله ضلال، وبعد عن إدراك الحق {فضلوا} ضلوا عن كل طريق للحق، وكل سبيل للهدي {فلا يستطيعون سبيلاً}. وينهي هذا الجدل ببيان تفاهة ما يقترحون وما يتصورون من أعراض الحياة الدنيا، التي يحسبونها ذات قيمة، ويرونها أجدر أن يعطيها الله لرسوله إن كان حقاً رسولاً، من كنز يلقى إليه، أو جنة يأكل منها. فلو شاء الله لأعطاه أكبر مما يقترحون من هذا المتاع: {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك: جنات تجري من تحتها الأنهار، ويجعل لك قصوراً}. ولكنه شاء أن يجعل له خيراً من الجنات والقصور. الاتصال بواهب الجنات والقصور. والشعور برعايته وحياطته، وتوجيهه وتوفيقه.. وتذوق حلاوة ذلك الاتصال، الذي لا تقاربه نعمة من النعم، ولا متاع صغر أو عظم. وشتان شتان لو كانوا يدركون أو يتذوقون! وعند هذا الحد من استعراض مقولاتهم الظالمة عن الله وعلى رسول الله، يكشف عن مدى آخر من آماد كفرهم وضلالهم. فهم يكذبون بالساعة، ومن ثم لا يتحرجون من ظلم ولا افتراء، ولا يخشون يوماً يلقون فيه الله فيحاسبهم على الظلم والافتراء. وهنا يصورهم في مشهد من مشاهد القيامة يزلزل القلوب الصلدة ويهز المشاعر الخامدة، ويطلعهم على هول ما ينتظرهم هناك؛ وعلى حسن ما ينتظر المؤمنين في ذلك الهول العظيم: {بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً، إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً، وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً. لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً!} {قل: أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون لهم جزاءً ومصيراً، لهم فيها ما يشاءون خالدين، كان على ربك وعداً مسئولاً؟}.. بل كذبوا بالساعة.. وبلغوا هذا المدى من الكفر والضلال. هذا المدى الذي يصوره التعبير بعيداً متطاولاً، يضرب عن كل ما قبله ليبرزه ويجسمه: {بل كذبوا بالساعة}.. ثم يكشف عن الهول الذي ينتظر أصحاب هذه الفعلة الشنيعة. إنها السعير حاضرة مهيأة: {وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً}.. والتشخيص ـ ونعني به خلع الحياة وتجسيمها على ما ليس من شأنه الحياة المجسمة من الأشياء والمعاني والحالات النفسية ـ فن في القرآن، يرتفع بالصور وبالمشاهد التي يعرضها إلى حد الإعجاز، بما يبث فيها من عنصر الحياة. ونحن هنا أمام مشهد السعير المتسعرة، وقد دبت فيها الحياة! فإذا هي تنظر فترى أولئك المكذبين بالساعة. تراهم من بعيد! فإذا هي تتغيظ وتزفر فيسمعون زفيرها وتغيظها؛ وهي تتحرق عليهم، وتصعد الزفرات غيظاً منهم؛ وهي تتميز من النقمة، وهم إليها في الطريق!.. مشهد رعيب يزلزل الأقدام والقلوب! ثم ها هم أولاء قد وصلوا. فلم يتركوا لهذه الغول طلقاء. يصارعونها فتصرعهم، ويتحامونها فتغلبهم. بل ألقوا إليها إلقاء. ألقوا مقرنين، قد قرنت أيديهم إلى أرجلهم في السلاسل. وألقوا في مكان منها ضيق، يزيدهم كربة وضيقاً، ويعجزهم عن التفلت والتململ.. ثم ها هم أولاء يائسون من الخلاص، مكروبون في السعير. فراحوا يدعون الهلاك أن ينقذهم من هذا البلاء: {وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً}... فالهلاك اليوم أمنية المتمني، والمنفذ الوحيد للخلاص من هذا الكرب الذي لا يطاق.. ثم ها هم أولاء يسمعون جواب الدعاء. يسمعون تهكماً ساخراً مريراً: {لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً}. فهلاك واحد لا يجدي شيئاً ولا يكفي شيئاً!. وفي هذا الموقف المكروب الرعيب يعرض ما أعد للمتقين، الذين يخشون ربهم ويرجون لقاءه، ويؤمنون بالساعة. يعرض في أسلوب متهكم كذلك ساخر. {قل: أذلك خير؟ أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاءً ومصيراً؛ لهم فيها ما يشاءون خالدين. كان على ربك وعداً مسؤولاً؟" أذلك الكرب الفظيع خير؟ أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين، وخولهم حق سؤاله عنها، وطلب تحقيق وعده الذي لا يخلف، ومنحهم أن يطلبوا فيها ما يشاءون؟ وهل هناك وجه للموازنة؟ ولكنها السخرية المريرة بالساخرين الذين يتطاولون على الرسول الكريم. ثم يمضي مستطرداً يعرض مشهداً آخر من مشاهد الساعة التي كذب بها المكذبون. مشهد أولئك المشركين، وقد حشروا مع آلهتهم التي كانوا يزعمون، ووقف الجميع عباداً ومعبودين أمام الديان يسألون ويجيبون! {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله، فيقول: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء، أم هم ضلوا السبيل؟ قالوا: سبحانك! ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء. ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر، وكانوا قوماً بوراً.. فقد كذبوكم بما تقولون، فما تستطيعون صرفاً ولا نصراً. ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً}.. وما يعبدون من دون الله قد يكونون هم الأصنام. وقد يكونون هم الملائكة والجن، وكل معبود من دون الله. وإن الله ليعلم. ولكن الاستجواب هكذا في الساحة الكبرى، وهم محشورون أجمعين، فيه تشهير وتأنيب، وهو ذاته عذاب مرهوب! والجواب هو الإنابة من هؤلاء "الآلهة"! الإنابة لله الواحد القهار. وتنزيهه عن ذلك الافتراء، والتبرؤ لا من ادعاء الألوهية، ولكن من مجرد أن يتخذوا لهم أولياء من دون الله، والزراية على أولئك الجاحدين الجهال: {قالوا: سبحانك! ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء. ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر، وكانوا قوماً بوراً}.. فهذا المتاع الطويل الموروث ـ على غير معرفة بواهب النعمة ولا توجه ولا شكر ـ قد ألهاهم وأنساهم ذكر المنعم، فانتهت قلوبهم إلى الجدب والبوار. كالأرض البور لا حياة فيها ولا زرع ولا ثمار. والبوار الهلاك، ولكن اللفظ يوحي كذلك بالجدب والخواء. جدب القلوب، وخواء الحياة. عندئد يتوجه إلى أولئك الجهال بالخطاب المخزي المهين: {فقد كذبوكم بما تقولون. فما تستطيعون صرفاً ولا نصراً}.. لا صرف العذاب ولا الانتصار. وبينما المشهد في الآخرة يوم الحشر، ينتقل السياق فجأة إلى المكذبين وهم بعد في الأرض: {ومن يظلم منكم: نذقه عذاباً كبيراً}.. ذلك على طريقة القرآن في لمس القلوب في اللحظة التي تتهيأ فيها للاستجابة؛ وهي متأثرة بمثل ذلك المشهد المرهوب! والآن وقد شهدوا وشهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهاية الافتراء والتكذيب والاستهزاء. ونهاية الاعتراض على بشرية الرسول وأكله الطعام ومشيه في الأسواق.. الآن يعود إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسليه ويؤسيه، بأنه لم يكن بدعاً من الرسل، فكلهم يمشون على سواء: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة. أتصبرون؟ وكان ربك بصيراً}.. فإذا كان هناك اعتراض فليس هو اعتراضاً على شخصه. إنما هو اعتراض على سنة من سنن الله. سنة مقدرة مقصودة لها غايتها المرسومة: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة}. ليعترض من لا يدركون حكمة الله وتدبيره وتقديره. وليصبر من يثق بالله وحكمته ونصره. ولتمضي الدعوة تغالب وتغلب بوسائل البشر وطرائق البشر. وليثبت من يثبت على هذا الابتلاء: {أتصبرون؟}.. {وكان ربك بصيراً}. بصيراً بالطبائع والقلوب، والمصائر والغايات. ولهذه الإضافة هنا {وكان ربك} إيحاؤها وظلها ونسمتها الرخية على قلب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مقام التأسية والتسلية والإيواء والتقريب.. والله بصير بمداخل القلوب..

ابن عاشور

تفسير : افتتاح بديع لندرة أمثاله في كلام بلغاء العرب لأن غالب فواتحهم أن تكون بالأسماء مجردة أو مقترنة بحرف غير منفصل، مثل قول طرفة:شعر : لخولة أطلال ببُرقة ثِهمد تفسير : أو بأفعال المضارعة ونحوها كقول امرىء القيس:شعر : قِفَا نَبْكِ البيت تفسير : أو بحروف التأكيد أو الاستفهام أو التنبيه مثل (إن) و(قد) والهمزة و(هل). ومن قبيل هذا الافتتاح قول الحارث بن حلَّزة:شعر : آذَنَتْنا بِبَيْنِهَا أسماءُ تفسير : وقول النَّابغَة:شعر : كتمتُكَ ليلا بالجمومين ساهراً وهَمَّيْن هَمّاً مستكنّاً وظاهرا تفسير : وبهذه الندرة يكون في طالع هذه السورة براعة المطلع لأن الندرة من العزة، والعزّةُ من محاسن الألفاظ وضدها الابتذال. وتبارك: تعاظم خيره وتوفر، والمراد بخيره كمالاته وتنزهاته. وتقدم في قوله تعالى: {أية : تبارك الله رب العالمين} تفسير : في سورة الأعراف (54). والبركة: الخير، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : اهبط بسلام مِنَّا وبركاتٍ عليك}تفسير : في سورة هود (48) وعند قوله: {أية : تحية من عند الله مباركة طيبة}تفسير : في سورة النور (61). وظاهر قوله: {تبارك الذي نزل الفرقان} أنه إخبار عن عظمة الله وتوفر كمالاته فيكون المقصود به التعليم والإيقاظ، ويجوز مع ذلك أن يكون كناية عن إنشاء ثناء على الله تعالى أنشأ الله به ثناء على نفسه كقوله: {أية : سبحان الذي أسرى بعبده}تفسير : [الإسراء: 1] على طريقة الكلام العربي في إنشاء التعجب من صفات المتكلم في مقام الفخر والعظمة، أو إظهار غرايب صدرت، كقول امرىء القيس:شعر : ويوم عقرتُ للعذارى مطيتي فيا عجباً من كوْرها المتحمَّلِ تفسير : وإنما يتعجب من إقدامه على أن جَعَل كور المطية يحمله هو بعد عَقرها. ومنه قول الفِند الزِّمَّاني:شعر : أيا طعنةَ ما شيخٍ كبيرٍ يفن بَالِي تفسير : يريد طعنة طعنها قِرْنَه. والذي نزل الفرقان هو الله تعالى. وإذ قد كانت الصلة من خصائص الله تعالى كان الفعل كالمسند إلى ضمير المتكلم فكأنه قيل: تباركتُ. والموصول يومىء إلى علة ما قَبله فهو كناية عن تعظيم شأن الفرقان وبركته على الناس من قوله: {ليكون للعالمين نذيراً}. فتلك منة عظيمة توجب الثناء على الله. وهو أيضاً كناية عن تعظيم شأن الرسول عليه الصلاة السلام. والتعريف بالموصول هنا لكون الصلة من صفات الله في نفس الأمر وعند المؤمنين وإن كان الكفار ينكرونها لكنهم يعرفون أن الرسول أعلنَها فالله معروف بذلك عندهم معرفة بالوجه لا بالكُنه الذي ينكرونه. والفرقان: القرآن وهو في الأصل مصدر فرق، كما في قوله: {أية : وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان}تفسير : [الأنفال: 41] وقوله: {أية : يَجعَلْ لكم فُرقاناً}تفسير : [الأنفال: 29]. وجعل علماً بالغلبة على القرآن لأنه فرّق بين الحق والباطل لما بيَّن من دلائل الحق ودحض الباطل. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : وأنزل الفرقان}تفسير : في سورة آل عمران (4). وإيثار اسم الفرقان بالذكر هنا للإيماء إلى أن ما سيذكر من الدلائل على الوحدانيَّة وإنزال القرآن دلائل قيمة تفرّق بين الحق والباطل. ووصفُ النبي بـ{عبده} تقريب له وتمهيد لإبطال طلبهم منه في قوله: {أية : وقالوا مالِ هذا الرسول يأكل الطعام}تفسير : [الفرقان: 7] الآية. والمراد بـ{للعالمين} جميع الأمم من البشر لأن العالم يطلق على الجنس وعلى النوع وعلى الصنف بحسب ما يسمح به المقام، والنذارة لا تكون إلا للعقلاء ممن قُصدوا بالتكليف. وقد مضى الكلام على لفظ {أية : العالمين} تفسير : في سورة الفاتحة (2). والنذير: المخبِر بسوء يقع، وهو فَعيل بمعنى مُفْعِل بصيغة اسم الفاعل مثل الحَكيم. والاقتصار في وصف الرسول هنا على النذير دون البشير كما في قوله: {أية : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً}تفسير : [سبأ: 28] لأن المقام هنا لتهديد المشركين إذ كذبوا بالقرآن وبالرسول عليه الصلاة والسلام. فكان مقتضياً لذكر النذارة دون البشارة، وفي ذلك اكتفاء لأن البشارة تخطر ببال السامع عند ذكر النذارة. وسيجيء: {أية : وما أرسلناك إلاّ مبشراً ونذيراً} تفسير : في هذه السورة (56). وفي هذه الآية جمع بين التنويه بشأن القرآن وأنه منزل من الله وتنويه بشأن النبي عليه الصلاة والسلام ورفعة منزلته عند الله وعموم رسالته.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه نزل الفرقان، وهو هذا القرآن العظيم على عبده، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، لأجل أن يكون للعالمين نذيراً، أي منذراً، وقد قدمنا مراراً أن الإنذار هو الإعلام المقترن بتهديد وتخويف وأن كل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً كما أوضحناه في أول سورة الأعراف. وهذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم للأسود والأحمر والجن والإنس لدخول الجميع في قوله تعالى: {لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} تفسير : [الأعراف: 158] وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ} تفسير : [سبأ: 28] الآية أي أرسلناك للناس كافة أي جميعاً وقوله تعالى: {أية : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19] وقوله تعالى: {أية : يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 33ـ34] وقوله تعالى: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضَ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأحقاف: 29ـ32] الآية: وفي معنى قوله تعالى تبارك أقوال لأهل العلم. قال القرطبي: تبارك اختلف في معناه. فقال الفراء هو في العربية بمعنى: تقدس وهما للعظمة، وقال الزجاج، تبارك: تفاعل من البركة. قال: ومعنى البركة: الكثرة من كل ذي خير، وقيل: تبارك: تعالى، وقيل: تعالى عطاؤه: أي زاد وكثر. وقيل المعنى: دام وثبت إنعامه قال النحاس: وهذا أولاها في اللغة والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت ومنه برك الجمل والطير على الماء: أي دام وثبت. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي. وقال أبو حيان في البحر المحيط: قال ابن عباس: تبارك لم يزل، ولا يزول: وقال الخليل: تمجد وقال الضحاك: تعظم، وحكى الأصمعي: تباركت عليكم من قول عربي صعد رابية فقال ذلك لأصحابه: أي تعاليت وارتفعت. ففي هذه الأقوال تكون صفة ذات، وقال ابن عباس أيضاً، والحسن والنخعي: هو من البركة، وهو التزايد في الخير من قبله. فالمعنى زاد خيره وعطاؤه وكثر، وعلى هذا يكون صفة فعل. انتهى محل الغرض من كلام أبي حيان. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر في معنى تبارك بحسب اللغة التي نزل بها القرآن أنه تفاعل من البركة، كما جزم به ابن جرير الطبري، وعليه فمعنى تبارك تكاثرت البركات والخيرات من قبله، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، لأن من تأتي من قبله البركات والخيرات ويدر الأرزاق على الناس هو وحده المتفرد بالعظمة، واستحقاق إخلاص العبادة له، والذي لا تأتي من قبله بركة ولا خير، ولا رزق كالأصنام، وسائر المعبودات من دون الله لا يصح أن يعبد وعبادته كفر مخلد في نار جهنم، وقد أشار تعالى إلى هذا في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [العنكبوت: 17] وقوله تعالى: {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} تفسير : [النحل: 73] وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} تفسير : [الأنعام: 14] وقوله تعالى: {أية : مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ} تفسير : [الذرايات: 57ـ58] وقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [غافر: 13ـ14] الآية. تنبيه اعلم أن قوله تبارك فعل جامد لا يتصرف، فلا يأتي منه مضارع، ولا مصدر ولا اسم فاعل ولا غير ذلك، وهو مما يختص به الله تعالى، فلا يقال لغيره تبارك خلافاً لما تقدم عن الأصمعي، وإسناده تبارك إلى قوله: {ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَان} يدل على أن إنزاله الفرقان على عبده من أعظم البركات والخيرات والنعم التي أنعم بها على خلقه، كما أوضحناه في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [الكهف: 1] الآية. وذكرنا الآيات الدالة على ذلك، وإطلاق العرب تبارك مسنداً إلى الله تعالى معروف في كلامهم ومنه قول الطرماح: شعر : تباركت لا معط لشيء منعته وليس لما أعطيت يا رب مانع تفسير : وقول الآخر: شعر : فليست عشيات الحمى برواجع لنا أبداً ما أورق السلم النضر ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر تفسير : وقد قدمنا الشاهد الأخير في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} تفسير : [الأنبياء: 87] وقوله: الفرقان يعني هذا القرآن العظيم، وهو مصدر زيدت فيه الألف والنون كالكفران والطغيان والرجحان، وهذا المصدر أريد به اسم الفاعل، لأن معنى كونه فرقاناً أنه فارق بين الحق والباطل، وبين الرشد والغي، وقال بعض أهل العلم: المصدر الذي هو الفرقان بمعنى اسم المفعول، لأنه نزل مفرقاً، ولم ينزل جملة. واستدل أهل هذا القول بقوله تعالى: {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} تفسير : [الإسراء: 106] الآية، وقوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} تفسير : [الفرقان: 32] وقوله في هذه الآية الكريمة: نزل بالتضعيف يدل على كثرة نزوله أنجماً منجماً. قال بعض أهل العلم: ويدل على ذلك قوله في أول سورة آل عمران: {أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} تفسير : [آل عمران: 3] الآية. قالوا عبر في نزول القرآن بنزل بالتضعيف لكثرة نزوله وأما التوراة والإنجيل، فقد عبر في نزولهما بأنزل التي لا تدل على تكثير، لأنهما نزلا جملة في وقت واحد، وبعض الآيات لم يعتبر فيها كثرة نزول القرآن كقوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} تفسير : [الكهف: 1] الآية وقوله في هذه الآية على عبده. قال فيه بعض العلماء: ذكره صفة العبودية مع تنزيل الفرقان، يدل على أن العبودية لله هي أشرف الصفات، وقد بينا ذلك في أول سورة بني إسرائيل.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- تعالى أمر الله وتزايد خيره، هو الذى نزل القرآن فارقاً بين الحق والباطل على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون نذيراً به مبلغاً إياه إلى العالمين. 2- هو سبحانه الذى يملك - وحده - السموات والأرض، والمنزه عن اتخاذ الولد، ولم يكن له أى شريك فى ملكه، وقد خلق كل شئ وقدَّره تقديراً دقيقاً بنواميس تكفل له أداء مهمته بنظام.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تبارك: أي تكاثرت بركته وعمت الخلائق كلها. الذي نزل الفرقان: أي الله الذي نزل القرآن فارقاً بين الحق والباطل. على عبده: أي محمد صلى الله عليه وسلم. ليكون للعالمين نذيرا: أي ليكون محمد صلى الله عليه وسلم نذيراً للعالمين من الإِنس والجن أي مخوفاً لهم من عقاب الله وعذابه إن كفروا به ولم يعبدوه ويوحدوه. فقدره تقديرا: أي سواه تسوية قائمة على أساس لا اعوجاج فيه ولا زيادة ولا نقص عما تقتضيه الحكمة والمصلحة. ضراً ولا نفعاً: أي لا دفع ضر ولا جلب نفع. موتاً ولا حياة ولا نشوراً: أي لا يقدرون على إماتة أحد ولا إحيائه ولا بعثاً للأموات. معنى الآيات: يثني الرب تبارك وتعالى على نفسه بأنه عَظُم خيره وعمت بركته المخلوقات كلها الذي نزل الفرقان الكتاب العظيم الذي فرق به بين الحق والباطل والتوحيد والشرك والعدل والظلم أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليكون للعالمين الإِنس والجن نذيراً ينذرهم عواقب الكفر والشرك والظلم والشر والفساد وهي عقاب الله وعذابه في الدنيا والآخرة وقوله: {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً وعبيداً وهو ثناء بعد ثناء وقوله: {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} وهو ثناء آخر عظيم أثنى تبارك وتعالى فيه على نفسه بالملك والقدرة والخلق والعلم والحكمة وقوله: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} أصناماً {لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ} فضلاً عن غيرهم من عابديهم {ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} أي دفع ضرٍ ولا جلب نفع، ولا يملكون موتاً لأحد ولا حياة لآخر ولا نشوراً للناس يوم القيامة. أليس هذا موضع تعجب واستغراب أمع الله الذي عمت بركته الأكوان وأنزل الفرقان ملك ما في السماوات والأرض تنزه عن الولد والشريك وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، وخلق كل شيء فقدره تقديراً يتخذون من دونه آلهة أصناماً لا تدفع عن نفسها ضراً ولا تجلب لها نفعاً ولا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً فسبحان الله أين يذهب بعقول الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مظاهر ربوبية الله تعالى الموجبة لألوهيته وهو إفاضة الخير على الخلق والملك والقدرة والعلم والحكمة. 2- التنديد بالشرك والمشركين. 3- تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجزاء.

القطان

تفسير : تبارك: عظمت بركته، والبركة كثرة الخير لعباده بإنعامه عليهم. الفرقان: القرآن، وسمي الفرقان لانه فرق بين الحق والباطل. على عبده: على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. الافك: الكذب. افتراه: اختلقه. فقد جاؤا ظلما: قالوا باطلا. زورا: كذبا. أساطير الاولين: خرافات الأمم السابقة. اكتتبها: نقلها عن غيره. تُملى عليه: تلقى عليه ليحفظها. بُكرةً وأصيلا: صباحا ومساء. تعالى الله عما سواه، صاحب البركة العظيمة، نزّل القرآنَ الذي يَفْرُق بين الحق والباطل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم، لينذرَ به الناس جميعا، ويبلّغه للعالم كله، ليجعلوه منهاج حياتهم في جميع امورهم. ثم وصف نفسه بأربع صفات انفرد بها فقال: 1 - الذي له مُلكُ السماواتِ والأرض: له السلطانُ القاهر عليهما، وهو وحدَه المالك المتصرف في هذا الكون، وله السيطرة المطلقة فيه. 2 - ولم يتّخذ ولداً، وهو منزَّه عن اتخاذ الولد، والتناسلُ من نواميس الخلق لامتداد الحياة، والله تعالى باقٍ لا يفنى، قادر لا يحتاج. 3 - ولم يكن له شريكٌ في المُلك، والدليل على ذلك وَحدة هذا الكوْن، ووحدة نظامه ووحدة التصريف، ولو كان له شريكٌ لاختلّ النظام وتعدد. 4 - وخلقَ كل شيء فقدّره تقديرا، وهذه هي الصفةُ الرابعة التي انفرد بها سبحانه. فقد خلق كل شيء في هذا الوجود وقدَّره تقديراً دقيقا منظَّما بنواميس تكفل له أداء مهمته بنظام. وقد أثبت العلمُ الحديث ان كل الموجودات تسير بحكم تكوينها وما يجري عليها من تطورات مختلفة وَفْقَ نظامٍ دقيق ثابت لا يقدِر عليه الا خالق قدير مبدع. ويُظهر تقدُّمُ العلم للناس إعجاز القرآن الكريم ومعنى قوله تعالى {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}. {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً} مع كل هذه الأدلة الظاهرة اتخذ المشركون أرباباً لهم ضِعافاً عاجزين، لا يقدِرون ان يخلقوا شيئا، وهم مع ذلك مخلوقون، ولا يستطيعون ان يدفعوا عن انفسهم الضرر، ولا جلْبَ الخير لها. وكذلك لا يستطيعون إماتة أحدٍ ولا إحياءه، ولا بعثاً من القبور. فهل يستحق هؤلاء ان يُعبَدوا؟ {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ.... } وزعم الجاحدون أن هذا القرآن ليس من عند الله، وان النبيّ عليه الصلاة والسلام جاء به من عنده ونَسَبه الى الله، أعانه على وضعه جماعةٌ من أهل الكتاب ممن أسلموا، فردّ الله عليهم بقوله: {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً}. لقد كذبوا في مقالهم، وظلموا وزوّروا الحقيقة، ولو أنه من عند محمدٍ نفسه لاستطاع كثير من الفصحاء أن يأتوا بمثله!! وقد تحدّاهم أكثر من مرة أن يأتوا بسورةٍ من مثله فلم يستطيعوا.... ولا يزال التحدي قائما. ثم أمعنوا في الكذِب والافتراء بأن قوماً آخرين أعانوه عليه كما قال تعالى: {وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}. وقالوا ايضا: إن القرآن ليس إلا خرافاتِ الأولين الماضين نَقَلَها محمّد ان قُرئت عليه صباحاً ومساء حتى يحفظها ويقولها للناس. فأجابهم الله بقوله: {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} قال لهم أيها النبي: ان هذا القرآن أنزله الله الذي يعلم الأسرارَ الخفية في السماوات والارض، الرحيمُ الغفور.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلْعَالَمِينَ} (1) - يَحْمَدُ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، وَيَبُارِكُهَا عَلَى إِنْزَالِهِ القُرْآنَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ نَزَّلَ القُرآنَ فُرْقَاناً، يَفْرِقُ بَين الحَقِّ والبَاطِلِ، وَأَنْزَلَهُ تَعَالَى مُنَجَّماً شَيْئاً فَشَيْئاً، حَسَبَ مُقْتَضَيَاتِ الحَاجَةِ والضرورَاتِ لِيَكُونَ نَذِيراً لِلإِنْسِ والجِنِّ (العَالَمِينَ) مِنْ عَذَابٍ أليمٍ إِذَا استَمَرُّوا فِي كُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ. تَبَارَكَ - تَعَالَى وَتَمَجَّدَ، أو تَكَاثَرَ خَيْرُهُ. الفُرْقَانَ - القرآنَ الفاصلَ بين الحَقِّ والباطلِِ.

الثعلبي

تفسير : {تَبَارَكَ} تفاعل، من البركة، عن ابن عباس، كأنّ معناه: جاء بكل بركة، دليله قول الحسن: تجيء البركة من قبله،الضحّاك: تعظّم، الخليل: تمجّد، وأصل البركة النّماء والزيادة. وقال المحققون: معنى هذه الصفة ثبتَ ودام بما لم يزل ولا يزال، وأصل البركة الثبوت يقال: برك الطير على الماء وبرك البعير، ويقال: تبارك الله ولا يقال لله متبارك أو مبارك لأنّه ينتهى في صفاته وأسمائه الى حيث ورد التوقيف. {ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ} القرآن {عَلَىٰ عَبْدِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ} الجنّ والإنس {نَذِيراً}. قال بعضهم: النذير هو القرآن، وقيل: هو محمد. {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} ممّا يطلق له صفة المخلوق {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} فسوّاه وهيّأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. {وَٱتَّخَذُواْ} يعني عبدة الأوثان {مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً * وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} يعني النضر بن الحرث واصحابه {إِنْ هَـٰذَا} ما هذا القرآن {إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ} اختلقه محمد {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} يعني اليهود عن مجاهد، وقال الحسن بن عبيد بن الحضر: الحبشي الكاهن، وقيل: جبر ويسار وعدّاس مولى حويطب بن عبد العزى، قال الله سبحانه وتعالى {فَقَدْ جَآءُوا} يعني ما يلي هذه المقالة {ظُلْماً وَزُوراً} بنسبتهم كلام الله سبحانه الى الإفك والافتراء {وَقَالُوۤاْ} أيضاً {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ} تُقرأ عليه {بُكْرَةً وَأَصِيلاً}. ثمَّ قال سبحانه وتعالى ردّاً عليهم وتكذيباً لهم {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ} يعنون محمّداً صلى الله عليه وسلم {يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ} كما نأكل {وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} يلتمس المعاش {لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ} يصدّقه {فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} داعياً {أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ} ينفقه فلا يحتاج الى التصرّف في طلب المعاش. {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ} بستان {يَأْكُلُ مِنْهَا} هو، هذه قراءة العامة، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بالنون أي نأكل نحن. {وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} نزلت هذه الآية في قصة ابن أبي أُميّة وقد مرّ ذكرها في بني إسرائيل. {ٱنظُرْ} يامحمد {كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} إلى الهدى ومخرجاً من الضلالة فأخبر الله أنّهم متمسّكون بالجهل والضلال عادلون عن الرشد والصواب وهم مع ذلك كانوا مكلّفين بقبول الحق فثبت أنّ الاستطاعة التي بها الضلال غير الاستطاعة التي يحصل بها الهدى والإيمان. {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِك} أي ممّا قالوا، عن مجاهد، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني خيراً من المشي في الأسواق والتماس المعاش، ثمَّ بيّن ذلك الخير ما هو فقال سبحانه وتعالى {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} أي بيوتاً مشيّدة، وسُمّي قصراً لأنّه قُصر أي حُبس ومُنع من الوصول إليه. واختلف القرّاء في قوله {وَيَجْعَل} فرفع لامه ابن كثير وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر والمفضل، وجزمهُ الآخرون على محلّ الجزاء في: قوله إن شاء جعل. (أخبرنا) أبو عمرو أحمد بن أبي أحمد بن حمدون النيسابوري قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن يعقوب البخاري قال: حدّثنا محمد بن حميد بن فروة البخاري قال: حدّثنا أبو حذيفة إسحاق بن بشر البخاري قال: حدّثنا جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: حديث : لما عيّر المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة فقالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، حزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ونزل عليه جبرئيل من عند ربه معزّياً له فقال: السلام عليك يا رسول الله، ربّ العزة يقرئك السلام ويقول لك: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلاّ أنّهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق)ويتّبعون المعاش في الدنيا. قال: فبينما جبرئيل (عليه السلام) والنبي صلى الله عليه وسلم يتحدّثان إذ ذاب جبرئيل حتى صار مثل الهردة، قيل: يا رسول الله وما الهردة؟ قال: "العدسة" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا جبرئيل مالك ذبت حتى صرت مثل الهردة؟ قال: يا محمد فتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك، فتحوّل الملك وأنّه إذا فُتح باب من السماء لم يكن فُتح قبل ذلك فتحوّل الملك، إمّا ان يكون رحمة أو عذاباً وإنّي أخاف أن يعذب قومك عند تعييرهم إياك بالفاقة، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم وجبرئيل (عليه السلام) يبكيان إذ عاد جبرئيل فقال: يا محمد أبشر، هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضى من ربّك، فأقبل رضوان حتى سلّم، ثم قال: يا محمد، ربّ العزة يقرئك السلام ومعه سفط من نور يتلألأ ويقول لك ربّك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا مع ما لا ينتقص لك مما عندي في الآخرة مثل جناح بعوضة، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبرئيل (عليه السلام) كالمستشير له فضرب جبرئيل بيده الأرض وقال: تواضع لله. فقال: "يا رضوان لا حاجة لي فيها، الفقر أحبّ اليّ، وأن أكون عبداً صابراً شكوراً" فقال رضوان: أصبت أصاب الله بك. وجاء نداء من السماء فرفع جبرئيل رأسه فإذا السموات قد فتحت أبوابها الى العرش، وأوحى الله سبحانه وتعالى الى جنة عدن أن تدلي غصناً من أغصانها عليه عذق عليه غرفة من زبرجدة خضراء لها سبعون ألف من ياقوتة حمراء، فقال جبرئيل: يا محمد ارفع بصرك فرفع فرأى منازل الأنبياء وغرفهم وإذا منازله فوق منازل الأنبياء فضلاً له خاصة ومناد ينادي: أرضيت يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "رضيت، فاجعل ما اردت أن تعطيني في الدنيا ذخيرة عندك في الشفاعة يوم القيامة" . تفسير : ويروون أنّ هذه الآية أنزلها رضوان (تبارك الذي ان شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {تَبَارَكَ ..} [الفرقان: 1] مادة الباء والراء والكاف عادةً تدلُّ على البركة، وهي أن يعطيك الشيء من الخير فوق ما تظن فيه ويزيد عن تقديرك، كما لو رأيتَ طعام الثلاثة يكفي العشرة، فتقول: إن هذا الطعام مُبَاركٌ أو فيه بركة. ومن معاني تبارك: تعالى قَدْره و {تَبَارَكَ ..} [الفرقان: 1] تنزّه عن شبه ما سواه، وتبارك: عَظُم خَيْره وعطاؤه. وهذه الثلاثة تجدها مُكمِّلة لبعضها. ومن العجيب أن هذا اللفظ {تَبَارَكَ ..} [الفرقان: 1] مُعجز في رَسْمه ومُعْجز في اشتقاقه، فلو تتعبتَ القرآن لوجدتَ أن هذه الكلمة وردتْ في القرآن تسْع مرات: سبع منها بالألف {تَبَارَكَ ..} [الفرقان: 1] ومرتان بدون الألف، فلماذا لم تُكتب بالألف في الجميع، أو بدونها في الجميع؟ ذلك ليدلُّك على أن رَسْم القرآن رَسْم توقيفيّ، ليس أمراً (ميكانيكياً)، كما في قوله تعالى في أول سورة العلق: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ}تفسير : [العلق: 1] فرَسْم كلمة اسم هنا بالألف، وفي باقي القرآن بدون الألف. إذن: فالقرآن ليس عادياً في رَسْمه وكتابته، وليس عادياً في قراءته، فأنت تقرأ في أي كتاب آخر على أيِّ حال كنتَ، إلا في القرآن لا بُدَّ أن تكون على وضوء وتدخل عليه بطُهْر .. الخ ما نعلم من آداب تلاوة القرآن. ومن حيث الاشتقاق نعلم أن الفعل يُشتَقُّ منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل .. الخ، لكن {تَبَارَكَ ..} [الفرقان: 1] لم يذكر منها القرآن إلا هذه الصيغة، وكأنه يريد أنّْ يخصَّها بتنزيه الله تعالى، مثلها مثل كلمة سبحان؛ لذلك على كثرة ما مرَّ في التاريخ من الجبابرة أرغموا الناس على مدحهم والخضوع لهم، لكن ما رأينا واحداً مهما كان مجرماً في الدين يقول لأحد هؤلاء: سبحانك. لذلك نقول في تسبيح الله: سبحانك، ولا تُقال إلا لك. مهما اجترأ الملاحدة فإنهم لا ينطقونها لغير الله. إذن: {تَبَارَكَ ..} [الفرقان: 1] تدور حول معَانٍ ثلاثة: تعالى قَدْره، وتنزَّه عن مشابهة ما سواه، وعَظُم خَيْره وعطاؤه، ومَنْ تعاظُم خَيْره سبحانه أنه لا مثيل له: في قَدْره، ولا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في فعله. وهذا كله من مصلحتنا نحن، فلا كبيرَ إلا الله، ولا جبارَ إلا الله، ولا غنيَّ إلا الله. وسُمِّي القرآن فرقاناً؛ لأنه يُفرِّق بين الحق والباطل، وقد نزل القرآن ليُخرج الناسَ من الظلمات إلى النور، فيسير الناس على هُدىً وعلى بصيرة، فالقرآن إذن فَرَق لهم مواضع الخير عن مواضع العطب، فالفرقان سائر في كل جهات الدين، ففي الدين قمة هي الحق - تبارك وتعالى - ومُبلِّغ عن القمة هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومُرْسَل إليه هم المؤمنون، فجاء القرآن ليفرُقَ بين الحق والباطل في هذه الثلاثة. ففي القمة، وُجد مَنْ ينكر وجود إله خالق لهذا الكون، وآخرون يقولون بوجود آلهة متعددة، وكلاهما على طرفي نقيض للآخر، ليس هناك سيال فكر يجمعهم، فجاء القرآن ليفرق بين الحق والباطل في هذه المسألة، ويقول: الأمر وسط بين ما قُلْتم: فالإله موجود، لكنه إله واحد لا شريكَ له، ففرقَ في مسألة القمة. كذلك فَرق في مسألة الرسول وهو بشر من قومه، فلما اعترض بعضهم عليه وحسدوه على هذه المكانة وهو واحد منهم أيَّده الله بالمعجزة التي تُؤيده وتُظهِر صِدْقه في البلاغ عن الله، وكانت معجزته صلى الله عليه وسلم في شيء نبغ فيه القوم، وهي الفصاحة والبلاغة والبيان، والعرب أهل بيان، وهذه بضاعتهم الرائجة وتحدَّاهم بهذه المعجزة فلم يستطيعوا. وكذلك فَرَق في مسألة الخَلْق من حيث مُقوِّمات حياتهم، فبيَّن لهم الحلال والحرام، وفي استبقاء النوع بيَّن لهم الحلال، وشرع لهم الزواج، ونهاهم عن الزنا ليحفظ سلالة الخليفة لله في الأرض. إذن: فَرق القرآن في كل شيء: في الإله، وفي الرسول، وفي قِوَام حياة المرسَل إليهم، وما دام قد فَرقَ في كل هذه المسائل فلا يوجد لفظ أفضل من أن نُسمِّيه "الفرقان". ولا شكَّ أن الألفاظ التي ينطق بها الحق - تبارك وتعالى - لها إشعاعات، وفي طياتها معَانٍ يعلمها أهل النظر والبصيرة ممَّنْ فتح الله عليهم، وما أشببها بفصوص الماس! والذي جعل الماس ثميناً أن به في كل ذرة من ذراته تكسراتٍ إشعاعية ليست في شيء غيره، فمن أيِّ ناحية نظرتَ إليه قابلك شعاع معكوس يعطي بريقاً ولمعاناً يتلألأ من كل نواحيه، وكذلك ألفاظ القرآن الكريم. ومن معاني الفرقان التي قال بها بعض العلماء أنه نزل مُفَرَّقاً، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ ..}تفسير : [الإسراء: 106] يعني: أنزلناه مُفرَّقاً لم ينزل مرة واحدة كالكتب السابقة عليه، وللحق - تبارك وتعالى - حكمة في إنزال القرآن مُفرقاً، حيث يعطي الفرصة لكل نَجْم ينزل من القرآن أنْ يستوعبه الناس؛ لأنه يرتبط بحادثة معينة، كذلك ليحدث التدرّج المطلوب في التشريعات. يقول تعالى: {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}تفسير : [الإسراء: 106]. لقد كان المسلمون الأوائل في فترة نزول القرآن كثيري الأسئلة، يستفسرون من رسول الله عن مسائل الدين، كما قال تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ ..}تفسير : [البقرة: 189] {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ..}تفسير : [البقرة: 219] {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ ..}تفسير : [الأنفال: 1] فكان النجم من القرآن ينزل ليُجيب عليهم ويُشرِّع لهم، وما كان يتأتَّى ذلك لو نزل القرآن جملة واحدة. وكلمة: {نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ ..} [الفرقان: 1] تؤيد هذا المعنى وتسانده؛ لأن نزّل تفيد تكرار الفعل غير "أنزل" التي تفيد تعدِّى الفعل مرة واحدة. وقوله تعالى: {عَلَىٰ عَبْدِهِ ..} [الفرقان: 1] كأن حيثية التنزيل عليه هي العبودية لله تعالى، فهو العبد المأمون أن ينزل القرآن عليه. وسبق أن قلنا: أن العبودية لفظ بغيض إنِ استُعمِل في غير جانب الحق سبحانه، أمّا العبودية لله فهي عِزٌّ وشرف ولفظ محبوب في عبودية الخَلْق للخالق؛ لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خير عبده، أمّا العبودية لله فيأخذ العبد خير سيده. لذلك جعل الله تعالى العبودية له سبحانه حيثية للارتقاء السماوي في رحلة الإسراء، فقال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..}تفسير : [الإسراء: 1] فالرِّفْعة هنا جاءتْ من العبودية لله. ثم يقول سبحانه: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1] العالمين: جمع عَالَم، والعَالَم ما سوى الله تعالى، ومن العوالم: عالم الملائكة، عالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الجماد، إلا أن بعض هذه العوالم لم يَأْتِها بشير ولا نذير؛ لأنها ليست مُخيَّرة، والبشارة والنذارة لا تكون إلا للمخيّر. يقول تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]. فإنْ عزلْتَ من هذه العوالم مَنْ ليس له اختيار، فيتبقى منها: الجنّ والإنس، وإليهما أُرسِل الرسول صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيراً، لكن لماذا قال هنا {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1] ولم يقل: بشيراً ونذيراً؟ قالوا: لأنه سبحانه سيتكلم هنا عن الذين خاضوا في الألوهية، وهؤلاء تناسبهم النِّذَارة لا البشارة؛ لذلك قال في الآية بعدها: {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {تَبَارَكَ} من البركة وهي كثرة الخير وزيادته ويأتي بمعنى التمجيد والتعظيم قال الشاعر: شعر : تباركت لا معطٍ لشيء منعته وليس لما أعطيت يا رب مانع تفسير : {نَذِيراً} النذير: المحذِّر من الهلاك {نُشُوراً} النشور: الإِحياء بعد الموت {مُّقَرَّنِينَ} مربوطين بالسلاسل قال عمرو بن كلثوم: شعر : فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأُبنا بالملوك مقرَّنينا تفسير : {ثُبُوراً} هلاكاً ودماراً {بُوراً} مأخوذ من البوار وهو الهلاك قال أبو عبيدة: يقال رجلٌ بور ورجال بور ومعناه هالك، والبوار الهلاك. التفسِير: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ} أي تمجَّد وتعظَّم وتكاثر خير الله الذي نزَّل القرآن العظيم الفارق بين الحق والباطل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} أي ليكون محمد نبياً للخلق أجمعين مخوفاً لهم من عذاب الله {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي هو تعالى المالك لجميع ما في السماوات والأرض خلقاً وملكاً وعبيداً {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} أي وليس له ولدٌ كما زعم اليهود والنصارى {وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ} أي وليس معه إِله كما قال عبدة الأوثان {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} أي أوجد كل شيء بقدرته مع الإِتقان والإِحكام قال في التسهيل: الخلق عبارة عن الإِيجاد بعد العدم، والتقدير عبارةٌ عن اتقان الصنعة وتخصيص كل مخلوق بمقداره وصنعته، وزمانه ومكانه، ومصلحته وأجله وغير ذلك وقال الرازي: وصف سبحانه ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء: الأول: أنه المالك للسماوات والأرض وهذا كالتنبيه على وجوده والثاني: أنه هو المعبود أبداً والثالث: أنه المنفرد بالألوهية والرابع: أنه الخالق لجميع الأشياء مع الحكمة والتدبير {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} أي عبد المشركون غير الله من الأوثان والأصنام {لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي لا يقدرون على خلق شيء أصلاً بل هم مصنوعون بالنحت والتصوير فكيف يكونون آلهة مع الله؟ {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} أي لا يستطيعون دفع ضرٍ عنهم ولا جلب نفع لهم {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً} أي لا تملك أن تُميت أحداً، ولا أن تُحيي أحداً ولا أن تبعث أحداً من الأموات قال الزمخشري: المعنى أنهم آثروا على عبادة الله عبادة آلهة لا يقدرون على شيء، وإِذا عجزوا عن دفع الضرر وجلب النفع الذي يقدر عليه العباد كانوا عن الموت والحياة والنشور الذي لا يقدر عليها إِلا الله أعجز {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ} أي وقال كفار قريش ما هذا القرآن إِلا كذب اختلقه محمد من تلقاء نفسه {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} أي وساعده على الاختلاق قومٌ من أهل الكتاب {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً} أي جاءوا بالظلم والبهتان حيث جعلوا العربي يتلقَّنُ من العجمي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب فكان كلامهم فيه محض الكذب والزور {وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا} أي وقالوا في حق القرآن أيضاً إِنه خرافات الأمم السابقين أمر أن تكتب له {فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي فهي تُلقى وتُقرأ عليه ليحفظها صباحاً ومساءً قال ابن عباس: والقائل هو "النضر بن الحارث" وأتباعه والإِفكُ أسوأ الكذب {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} هذا ردٌّ عليهم في تلك المزاعم أي قل لهم يا محمد أنزله الله العليم القدير الذي لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} أي إِنه تعالى لم يعجّل لكم العقوبة بل أُمهلكم رحمة بكم لأنه واسع المغفرة رحيم بالعباد {وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} أي وقال المشركون ما لهذا الذي يزعم الرسالة يأكل الطعام كما نأكل، ويمشي في الأسواق لطلب المعاش كما نمشي؟ إِنه ليس بمَلَك ولا مَلِك، لأن الملائكة لا تأكل، والملوك لا تتبذّل في الأسواق، وفي قولهم {مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ} مع إِنكارهم لرسالته تهكم واستهزاء {لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} أي هلاّ بعث الله معه ملكاً ليكون له شاهداً على صدق ما يدعيه! {أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ} أي يأتيه كنزٌ من السماء فيستعين به ويستغني عن طلب المعاش {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} أي يكون له بستان يأكل من ثماره {وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} أي وقال الكافرون ما تتبعون أيها المؤمنون إِلا إِنساناً سحر فغلب على عقله فهو يزعم أنه رسول الله {ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ} أي انظر كيف قالوا في حقك يا محمد تلك الأقاويل العجيبة، الجارية لغرابتها مجرى الأمثال! وكيف اخترعوا تلك الصفات والأحوال الشاذة فضلُّوا بذلك عن الهدى! {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} أي فلا يجدون طريقاً إلى الحق بعد أن ضلوا عنه بتكذيبك وإِنكار رسالتك، ذكروا له عليه الصلاة والسلام خمس صفات وزعما أنها تُخلُّ بالرسالة زعماً منهم أنَّ فضيلة الرسول على غيره تكون بأمورٍ جسمانية وهي غاية الجهالة والسفاهة فردَّ الله عليهم بأمرين: الأول: تعجيب الرسول صلى الله عليه وسلم من تناقضهم فتارة يقولون عنه شاعر، وتارة ساحر، وأُخرى يقولون إِنه مجنون حتى أصبحت تلك الأقوال الغريبة الشاذة، والأمور العجيبة جارية مجرى الأمثال والثاني: أن الله تعالى لو أراد لأعطى نبيَّه خيراً مما اقترحوا وأفضل مما يتصورون وهو المراد بقوله {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ} أي تمجَّد وتعظّم الله الكبير الجليل الذي لو أراد لجعل لك خيراً من ذلك الذي ذكروه من نعيم الدنيا {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي لو شاء لأعطاك بساتين وحدائق تسير فيها الأنهار لا جنةً واحدة كما قالوا {وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} أي ويجعل لك مع الحدائق القصور الرفيعة المشيدة كما هو حال الملوك قال الضحاك: لما عيَّر المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة حزن عليه السلام فنزل جبريل معزياً له فبينما النبي وجبريل يتحدثان إذ فُتح باب من السماء فقال جبريل: أبشرْ يا محمد هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضى من ربك فسلَّم عليه وقال: ربك يخيّرك بين أن تكون نبياً ملكاً، وبين أن تكون نبياً عبداً - ومعه سفط من نور يتلألأ - ثم قال: هذه مفاتيح خزائن الأرض فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير فأومأ بيده أن تواضع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بل نبياً عبداً" فكان عليه السلام بعد ذلك لا يأكل متكأ حتى فارق الدنيا {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ} أي بل كذبوا بالقيامة {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً} أي وهيأنا لمن كذَّب بالآخرة ناراً شديدة الاستعار قال الطبري: المعنى ما كذب هؤلاء المشركون بالله وأنكروا ما جئتهم به من الحق من أجل أنك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق ولكنْ من أجل أنهم لا يوقنون بالمعاد تكذيباً منهم بالقيامة وأعددنا لمن كذَّب بالبعث ناراً تُسعَّر عليهم وتتَّقد {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي إِذا رأت جهنم هؤلاء المشركين من مسافة بعيدة وهي خمسمائة عام {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} أي سمعوا صوت لهيبها وغليانها كالغضبان إِذا غلا صدره من الغيظ وسمعوا لها صوتاً كصوت الحمار وهو الزفير قال ابن عباس: إِن الرجل ليجرُّ إِلى النار فتشهق إِليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر رفرةً لا يبقى أحدٌ إِلاّ خاف، وتقييد الرؤية بالبعد {مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} فيه مزيد تهويل لأمرها {وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً} أي وإِذا أُلقوا في جهنم في مكان ضيّق قال ابن عباس: تضيق عليهم ضيق الزُّج في الرُّمح - الزُّج: الحديدة التي في أسفل الرمح - {مُّقَرَّنِينَ} أي مصفَّدين قد قرنت أيديهم إِلى أعناقهم بالسلاسل {دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} أي دعوا في ذلك المكان على أنفسهم بالويل والهلاك يقولون: يا هلاكنا، نادوه نداء المتمني للهلاك ليسلموا مما هو أشدُّ منه كما قيل: أشدُّ من الموت ما يتمنى معه الموت {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً} أي يقال لهم: لا تدعوا اليوم بالهلاك على أنفسكم مرةً واحدة بل ادعوا مراتٍ ومراتٍ، فإِن ما أنتم فيه من العذاب الشديد يستوجب تكرير الدعاء في كل حين وآن، وفيه إِقناطٌ لهم من استجابة الدعاء وتخفيف العذاب {قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ}؟ أي قل لهم يا محمد على سبيل التقريع والتهكم أذلك السعير خيرٌ أم جنة الخلود التي وعدها المتقون؟ قال ابن كثير: يقول الله تعالى يا محمد: هذا الذي وصفناه لك من حال الأشقياء الذين تتلقاهم جهنم بوجهٍ عبوسٍ وتغيظٍ وزفير، ويلقون في أماكنها الضيقة مقرّنين لا يستطيعون حراكاً ولا فكاكاً مما هم فيه، أهذا خيرٌ أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من عباده؟ قال الإِمام الفخر: فإِن قيل كيف يقال العذاب خيرٌ أم جنة الخلد؟ وهل يجوز أن يقول العاقل: السُكر أحلى أم الصبر؟ قلنا: هذا يحسن في معرض التقريع كما إِذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرَّد وأبى واستكبر فيضربه ضرباً وجيعاً ويقول على سبيل التوبيخ: أهذا أطيب أم ذاك؟ {كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيراً} أي كانت لهم ثواباً ومرجعاً {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} أي لهم في الجنة ما يشاءون من النعيم {خَالِدِينَ} أي ماكثين فيها أبداً سرمداً بلا زوال ولا انقضاء {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} أي كان ذلك الجزاء وعداً على ذي الجلال حقيقاً بأن يُسأل ويُطلب لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون، وهو وعدٌ واجب {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي واذكر ذلك اليوم الرهيب - يوم القيامة - حين يجمع الله الكفار والأصنام وكل من عُبد من دون الله كالملائكة والمسيح قال مجاهد: هو عيسى وعزير والملائكة {فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ} أي فيقول تعالى للمعبودين تقريعاً لعبدتهم: أأنتم دعوتم هؤلاء إِلى عبادتكم؟ {أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ} أي أم هم ضلوا الطريق فعبدوكم من تلقاء أنفسهم؟ {قَالُواْ سُبْحَانَكَ} أي قال المعبودون تعجباً مما قيل لهم: تنزَّهت يا الله عن الأنداد {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ} أي ما يحقُّ لنا ولا لأحدٍ من الخلق أن يعبد غيرك، ولا أن يشرك معك سواك {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ} أي ولكن أكثرت عليهم وعلى آبائهم النعمة - وكان يجب عليهم شكرها والإِيمان بما جاءت به الرسل - فكان ذلك سبباً للإِعراض عن ذكرك وشكرك {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً} أي وكانوا قوماً هالكين، قال تعالى توبيخاً للكفرة {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} أي فقد كذبكم هؤلاء المعبودون في قولكم إِنهم آلهة {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً} أي فما تستطيعون أيها الكفار دفعاً للعذاب عنكم ولا نصراً لأنفسكم من هذا البلاء {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً} أي ومن يشرك منكم بالله فيظلم نفسه نذقه عذاباً شديداً في الآخرة {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} أي وما أرسلنا قبلك يا محمد أحداً من الرسل إِلا وهم يأكلون ويشربون ويتجولون في الأسواق للتكسب والتجارة، فتلك هي سنة المرسلين من قبلك فلم ينكرون ذلك عليك؟ وهو جواب عن قولهم {مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ}؟ {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} أي جعلنا بعض الناس بلاءً لبعض ومحنة، ابتلى الله الغنيَّ بالفقير، والشريف بالوضيع، والصحيح بالمريض ليختبر صبركم وإِيمانكم أتشكرون أم تكفرون؟ قال الحسن: يقول الأعمى لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان، ويقول الفقير لو شاء الله لجعلني غنياً مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} أي عالماً بمن يصبر أو يجزع، وبمن يشكر أو يكفر. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِضافة للتشريف {عَلَىٰ عَبْدِهِ} ولم يذكره باسمه تشريفاً له وتكريماً. 2- الاكتفاء بأحد الوصفين {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} أي ليكون بشيراً ونذيراً واكتفى بالإِنذار لمناسبته للكفار. 3- الجناس الناقص {يَخْلُقُونَ.. ويُخْلَقُونَ} سمي ناقصاً لتغايره في الشكل. 4- الطباق بين {ضَرّاً.. ونَفْعاً} وبين {مَوْتاً.. وحَيَـاةً}. 5- الاستفها للتهكم والتحقير {مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ}؟ 6- الاستعارة التمثيلية {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} شبَّه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه وهو تمثيل وصف النار بالاهتياج والاضطرام على عادة المغيظ والغضبان. 7- جناس الاشتقاق {أَرْسَلْنَا.. ٱلْمُرْسَلِينَ}. 8- الجناس غير التام {تَصْبِرُونَ.. بَصِيراً} لتقديم بعض الحروف وتأخير البعض. لطيفَة: نبّه تعالى بقوله {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ} على أنه تعالى يعطي العباد على حسب المصالح، فيفتح على واحد أبواب المعارف والعلوم ويسد عليه أبواب الدنيا، ويفتح آخر أبواب الرزق ويحرمه لذة الفهم والعلم، ولا اعتراض عليه لأنه فعال لما يريده.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} هذه السورة مكية في قول الجمهور وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي والذين لا يدعون مع الله إلى قوله: وكان الله غفوراً رحيماً * ومناسبة هذه لما قبلها أنه تعالى لما ذكر من تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستئذان وتوقيره عليه الصلاة والسلام في أن لا يكون دعاؤهم له عليه الصلاة والسلام كدعاء بعضهم بعضاً بل بالإِجلال والتعظيم والتوقير وربت على مخالفة أمره إصابة الفتنة أو العذاب ناسب افتتاح هذه السورة بتعظيمه عليه الصلاة والسلام بنسبته إليه وإنزاله القرآن عليه وجعله نذيراً للعالمين كلهم وناسب قوله: لله ما في السماوات والأرض، وتنزيهه تعالى عن الولد والشريك * والضمير في ليكون عائد على عبده لأنه أقرب مذكور والفرقان القرآن. {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} عام في الخلق. {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} تقدير الأشياء هو حدها بالأمكنة والأزمان والمقادير والمصلحة والإِتقان والضمير في واتخذوا عائد على ما يفهم من سياق الكلام لأن في قوله: ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك دلالة على ذلك إذ لم ينتف إلا وقد قيل به ويندرج في واتخذوا كل من ادعى إلهاً غير الله ولا يختص بذلك عباد الأوثان ولا عباد الكواكب. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث وأتباعه والإِفك أسوأ الكذب. {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} قال: مجاهد قوم من اليهود ألقوا أخبار الأمم إليه وقيل عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي وجبر مولى عامر وكانوا كتابيين يقرؤن التوراة أسلموا وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعهدهم والظاهر أن الضمير في فقد جاؤوا عائد على الذين كفروا والمعنى أن هؤلاء الكفار وردوا ظلماً كما تقول: جئت المكان فيكن جاء متعدياً بنفسه ويجوز أن يحذف الجار أي جاؤوا بظلم وزور ويصل الفعل بنفسه. {ٱكْتَتَبَهَا} أي جمعها من قولهم كتب الشىء أي جمعه أو من الكتابة أي كتبها بيده فيكون ذلك من جملة كذبهم عليه وهم يعلمون أنه لا يكتب شيئاً. و{أَسَاطِيرُ} خبر مبتدأ محذوف أي هو وهذه أساطير واكتتبها خبر ثاني وأساطير تقدم الكلام عليه قال الزمخشري: قرأ طلحة اكتتبها مبنياً للمفعول والمعنى: اكتتبها كاتب له لأنه أمي لا يكتب بيده وذلك من تمام إعجازه ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب كقوله: واختار موسى قومه ثم بنى الفعل للضمير الذي هداياه فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان بارزاً منصوباً وبقي ضمير الأساطير على حاله فصار اكتتبها كما ترى انتهى لا يصح ذلك على مذهب جمهور البصريين لأن اكتتبها له كاتب وصل فيه اكتتب لمفعولين أحدهما مسرح وهو ضمير الأساطير والآخر مقيد وهو ضميره عليه الصلاة والسلام ثم اتسع في الفعل فحذف حرف الجر فصار اكتتبها إياه كاتب فإِذا بني هذا للمفعول إنما ينوب عن المفعول لمسرح لفظاً وتقدير إلا المسرح لفظاً المقيد تقديراً فعلى هذا كان يكون التركيب اكتتبه لا اكتتبها وعلى هذا الذي قلناه جاء السماع من العرب في هذا النوع الذي أخذ المفعولين فيه مسرح لفظاً وتقديراً والآخر مسرح لفظاً لا تقديراً قال الفرزدق: شعر : ومنا الذي اختير الرجال سماحة وجود إذا هب الرياح الزعازع تفسير : ولو جاء على ما قرره الزمخشري لجاء التركيب ومنا الذي اختيره الرجال لأن اختار تعدى إلى الرجال على إسقاط حرف الجر إذ تقديره اختر من الرجال. {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ} أي كل سر خفي ورد عليهم بهذا وهو وصفه تعالى بالعلم لأن هذا القرآن لم يكن ليصدر إلا من عالم بكل المعلومات. {وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ} الضمير لكفار قريش وكانوا قد جمعهم والرسول مجلس مشهور ذكره ابن إسحاق في السير فقالوا عتبة وغيره ان كنت تحب الرئاسة وليناك علينا أو المال جمعنا لك فلما أبى عليهم اجتمعوا عليه فقالوا مالك وأنت رسول من الله تأكل الطعام وتقف بالأسواق لالتماس الرزق سل ربك أن ينزل معك أو يلقي إليك كنزاً تنفق منه أو يرد لك جبال مكة ذهباً وتزال الجبال ويكون مكانها جنات تطرد فيها المياه وأشاعوا هذه المحاجة فنزلت وهذا استفهام يصحبه استهزاء. {ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} بالمسحور والكاهن والشاعر وغيره. {فَضَلُّواْ} أي أخطؤوا الطريق فلا يجدون سبيل هداية ولا يطيقونه لالتباسهم والإِشارة بذلك الظاهر أنه إلى ما ذكره الكفار من الكنز والجنة في الدنيا والظاهر أن هذا الجعل كان يكون في الدنيا لو شاء الله وقيل في الآخرة. {وَيَجْعَل لَّكَ} قرىء: بجزم اللام معطوفاً على قوله جعل لأنه في موضع جزم على جواب الشرط وقرىء بالرفع على الاستئناف أي وهو يجعل لك * قال الزمخشري: وقرىء: ويجعل بالرفع عطفاً على جعل إذ الشرط إذ أوقع ماضياً جاز في جوابه الجزم والرفع كقوله: شعر : وإن أتاه خليل يوم مسئلة يقول لا غائب مالي ولا حرم تفسير : انتهى هذا الذي ذهب إليه الزمخشري ليس مذهب سيبويه وفي المسئلة خلاف ذكر في النحو. {وَأَعْتَدْنَا} جعلنا معداً. {لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ} عام في هؤلاء المكذبين وغيرهم. {سَعِيراً} ناراً كثيرة الإِيقاد. {إِذَا رَأَتْهُمْ} أي صارت منهم بقدر ما يرى الرائي من البعد كقولهم: دورهم تتراءى أي تتناظر وتتقابل ومنه لا تتراءى ناراً هما وقيل هو على حذف مضاف أي إذا رأتهم خزنتها. {مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا} صوت تغيظ لأن التعيظ لا يسمع وإذا كان على حذف مضاف كان لمعنى تغيظ الزبانية وزفروا على الكفار غضباً وشهوة للإِنتقام منهم وقيل سمعوا صوت لهيبها واشتعالها وانتصب مكاناً على الظرف أي في مكان ضيق وعن ابن عباس يضيق عليهم الزج في الرمح. {مُّقَرَّنِينَ} قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل وقيل بقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة وفي أرجلهم الاصفاد. {هُنَالِكَ} ظرف مكان أشير به لقوله: مكاناً ضيقاً والظاهر دعاء الثبور وهو الهلاك فيقولون واثبوراه. {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ} يقال لهم لا تدعوا أوهم أحق أن يقال لهم ذلك وإن لم يكن هناك قول أي لا تقتصروا على حزن واحد بل احزنوا حزناً كثيراً وكثرته اما لديمومة العذاب فهو متجدد دائماً واما لأنه أنواع وكل نوع منه يكون ثبوراً لشدته وفظاعته والظاهر أن الإِشارة بذلك إلى النار وأحوال أهلها وخير هنا ليست تدل على الأفضلية بل هي على ما جرت عادة العرب من بيان فضل الشىء وخصوصيته بالفضل مقابلة كقوله: فشركما لخير كما الفداء * وهذا الاستفهام على سبيل التوقيف والتوبيخ * قال ابن عطية: ومن حيث كان الكلام استفهاماً جاز فيه مجيء لفظة التفضيل بين الجنة والنار في الحيز لأن الموقف جائز له أن يوقف محاوره على ما يشاء ليرى هل يجيبه بالصواب أم بالخطأ وإنما منع سيبويه وغيره من التفضيل بين شيئين لاشترك بينهما في المعنى الذي فيه تفضيل إذا كان الكلام خبراً لأن فيه مخالفة وأما إذا كان استفهاماً فذلك سائغ انتهى ما ذكره يخالفه قوله: فشركما لخيركما الفداء وقوله: {أية : رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} تفسير : [يوسف: 33] فإِن هذا خبر وكذلك قولهم: العسل أحلى من الخل إلا أن يقيد الخبر بأنه إذا كان واضح الحكم فيه للسامع بحيث لا يختلج في ذهنه ولا يتردد أيهما أفضل فإِنه يجوز. {وَعْداً} أي موعوداً. {مَّسْئُولاً} سألته الملائكة في قولهم: {أية : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ} تفسير : [غافر: 8]. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآية، قرىء: نحشرهم وفنقول بالنون والياء فيهما * قال ابن عطية: وقرأ الأعرج نحشرهم بكسر الشين وهي قليلة في الاستعمال قوية في القياس لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعل بضم العين "انتهى" هذا ليس كما ذكر بل فعل المتعدي الصحيح جميع حروفه إذا لم يكن للمبالغة ولا حلقي عين ولا لام فإِنه جاء على يفعل ويفعل كثيراً فإِن شهر أحد الاستعمالين اتبع وإلا فالخيار حتى أن بعض أصحابنا خير فيهما سمعا للكلمة أولم يسمعا * وقال الجمهور: من عبد من يعقل ممن لم يأمر بعبادته كالملائكة وعيسى وعزير وهو الأظهر: لقوله: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي} وما بعده من المحاورات التي ظاهرها أنها لا تصدر إلا من العقلاء جاء ما يشبه ذلك خصوصاً وفي قوله: {أية : ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} تفسير : [سبأ: 40]، و{أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي} تفسير : [المائدة: 116] وسؤاله تعالى وهو عالم بالمسؤول عنه ليجيبوا بما أجابوا به فيبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم فتزيد حسرتهم وجاء الاستفهام مقدماً فيه الاسم على الفعل ولم يأت التركيب أضللتم ولا أم ضلوا لأن كلاً من الضلال والإِضلال واقع والسؤال إنما هو عن فاعله وتقدم نظير هذا في قوله: {أية : أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا} تفسير : [الأنبياء: 62]. و{سُبْحَانَكَ} تنزيه لله تعالى أن يشرك معه في العبادة أحد أو يفرد بعبادة. {مِنْ أَوْلِيَآءَ} مفعول على زيادة من وحسن زيادتها انسحاب النفي على أن يتخذ لأنه معمول لينبغي وإذا انتفى الابتغاء لزم منه انتفاء متعلقة وهو اتخاذ ولي من دون الله ولما تضمن قولهم: ما كان ينبغي لنا انا لم نضللهم ولم نحملهم على الامتناع من الإِيمان صلح أن يستدرك بلكن والمعنى لكن أكثرت عليهم وعلى آبائهم النعمة وأطلت أعمارهم وكان يجب عليهم شكرها والإِيمان بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام فكان ذلك سبباً للإِعراض عن ذكر الله تعالى. {بُوراً} البور مصدر يوصف به الواحد والجمع وقيل جمع بائر كعائد وعود وقيل فسدي وهو لغة الأزد يقولون أمر بائر أي فاسد وبارت البضاعة فسدت ومنه قولهم أرض بوار أي متعطلة لا نبات فيها. {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ} هذا من قول الله تعالى بلا خلاف وهي مفاجأة بالاحتجاج والإِلزام والخطاب للمعبودين من العقلاء عيسى والملائكة وعزير وهو الظاهر لتناسق الخطاب مع قوله: أنتم أضللتم أي كذبكم المعبودون. {بِمَا تَقُولُونَ} أي بقولهم انكم أضللتموهم وزعمهم أنكم أولياؤهم من دون الله تعالى. {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً} لأنفسهم عما هم عليه وما يستطيعون صرفكم عن الحق الذي أنتم عليه. {وَلاَ نَصْراً} لأنفسهم من البلاء الذي استوجبوه بتكذيبهم. {وَمَن يَظْلِم} الظاهر أنه عام والظلم هنا الشرك ومفعول أرسلنا محذوف تقديره رسولاً من المرسلين والجملة بعد إلا في موضع الحال ولما تقدم طعنهم على الرسول عليه الصلاة والسلام بأكل الطعام والمشي في الأسواق أخبر تعالى أن هذه عادة مستمرة في كل رسله عليهم السلام. {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} هو عام للمؤمن والكافر فالصحيح فتنة للمريض والغني فتنة للفقير والفقير الشاكر فتنة للغني والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس الكفار في عصره وكذلك العلماء وحكام العدل وقد تلا ابن القاسم هذه الآية حين رأى أشهب والتوقيف بـ {أَتَصْبِرُونَ} خاص للمؤمنين المحقين فهو لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كأنه جعل إمهال الكفار فتنة للمؤمنين أي اختباراً ثم وقفهم هل تبصرون أم لا ثم أعرب قوله: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} عن الوعد للصابرين والوعيد للعاصين. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} الآية لا يرجون أي لا يخافون. {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ} فتخبرنا أنك رسول حقاً. {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} فيخبرنا بذلك وهذا كله على سبيل التعنت وإلا فما جاءهم به من المعجزات كاف لو وفقوا. و{لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ} أي تكبروا. {فِيۤ أَنفُسِهِمْ} أي عظموا أنفسهم بسؤال رؤية الله تعالى وهم ليسوا بأهل لها واللام في لقد جواب قسم محذوف. و{وَعَتَوْا} تجاوزوا الحد في الظلم ووصف بكبيراً مبالغة في إفراطه أي لم يجسروا على هذا القول إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو وجاء هنا عتواً على الأصل وفي مريم عتياً على استثقال اجتماع الواوين والقلب لمناسبة الفواصل قال ابن عباس: عتواً كفروا أشد الكفر وأفحشوا. {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ} يوم منصوب باذكر وهو أقرب أو بفعل يدل عليه. {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} أي يمنعون البشرى ولا يعمل فيه لا بشرى لأنه مصدر ولأنه منفي بلا التي لنفي الجنس لأنه لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ودخول لا على بشرى لانتفاء أنواع البشرى وهذا اليوم الظاهر أنه يوم القيامة لقوله: بعد وقدمنا إلى ما عملوا من عمل، والظاهر عموم المجرمين فيندرج هؤلاء القائلون فيهم والظاهر أن الضمير في ويقولون عائد على القائلين لأنهم المحدث عنهم كأنهم يطلبون نزول الملائكة ثم إذا رأوهم كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون فقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولون عند لقاء العدو ونزول الشدة. {حِجْراً مَّحْجُوراً} عوذا يستعيذون من الملائكة وقال أبو عبيدة: هاتان اللفظتان عوذة للعرب يقولها من خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة. {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} القدوم الحقيقي مستحيل في حق الله تعالى فهو عبارة عن حكمه بذلك وإنفاذه قيل أو على حذف مضاف أي قدمت ملائكتنا أسند ذلك إليه لأنه عن أمره وحسنت لفظة قدمنا لأن القادم على شىء مكروه لم يقرره ولا أمر به مغير له ومذهب ومثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرىء: ضيف ومنّ على أسير وغير ذلك من مكارمهم بحال قوم خالفوا سلطانهم فقصد إلى ما تحت أيديهم فمزقها بحيث لم يترك لها أثراً وفي أمثالهم أقل من الهباء ومنثوراً صفة للهباء شبه بالهباء لقلته وأنه لا ينتفع به ثم وصفه بمنثوراً لأن الهباء تراه منتظماً مع الضوء فإِذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب. {خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} المستقر مكان الاستقرار في أكثر الأوقات والمقيل المكان الذي يأوون إليه في الاسترواح إلى الأزواج والتمتع ولا نوم في الجنة فسمي مكان استرواحهم إلى الحور. {مَقِيلاً} على طريق التشبيه إذ المكان المتخير للقيلولة يكون أطيب المواضع وفي لفظ أحسن رمز إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الوجوه وملاحة الصور إلى غير ذلك من التحاسين.

الجيلاني

تفسير : {تَبَارَكَ} تعاظم وتعالى ذاته سبحانه من أن يحيط بمنافعه وكثرة خيراته وبركاته عقول مظاهره ومصنوعاته، حتى يعدوها بألسنتهم، ويعبروا عنها بأفواههم حالاً ومقالاً {ٱلَّذِي نَزَّلَ} بمقتضى جوده الواسع وكرمه الكامل {ٱلْفُرْقَانَ} الجامع لفوائد الكتب السالفة مع زوائد خلت عنها تلك الكتب تفضلاً وامتناناً، ومزيد اهتمام {عَلَىٰ} شأن {عَبْدِهِ} صلى الله عليه وسلم بعدما هيأه لقبوله، وأعدَّه لنزوله، ورباه أربعين سنة تتميماً لأمر المناسبة المعنوية وتحصيلاتها، حتى يستحق ويستعد للإلهام والوحي، وإنما أنزل هذا {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ} أي: كافة المخلوقين على فطرة التكليف، وعامة المجبولين على استعدد المعرفة {نَذِيراً} [الفرقان: 1] ينذرهم ويحذرهم عما يضرهم، ويغويهم عن صراط الحق وطريق توحيده عناية منه سبحانه إياهم، ومرشداً لهم إلى مبدئهم. وكيف لا يرشدهم سبحانه وهو {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: عالم الأسماء والصفات المعبر عنها بالعلويات {وَٱلأَرْضِ} أي: الطبائع السفلية القابلة للانعكاس من العلويات، فلا يضره كثرة الأسماء والصفات وحدوث العكوس والتعينات حسب الشئون والتجليات الإلهية وحدته الذاتية وانفراده الحقيقي {وَ} لهذا {لَمْ يَتَّخِذْ} سبحانه {وَلَداً} حتى يتكثر {وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ} في وجوده وملكه حتى ينازع ويتضرر، بل له التصرف بالاستقلال والاختيار بلا مزاحمة العكوس والأظلال الهالكة في صرافة وحدته الذاتة وشمس ذاته {فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} ظهر حسب تجاليته على مقتضى أسمائه وصفاته. وبعدما أظهر ما أظهر {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان: 2] بديعاً، ودبر أمره تدبيراً محكماً عجيباً بأن وفق بعضهم لاختراع أنواع الصنائع والحرفة البديعة والإدراكات الكاملة والتدبيرات الغريبة المتعلقة بتمدنهم لمعاشهم، وجعل بعضهم آلة للبعَ، وبعضهم مالكاً، وبعضهم مملوكاً، وأزواجاً وأصنافاً مؤتلفة وفرقاً وأضراباً مختلفة، وأنواعاً متفاوتة إلى ما شاء الله {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [المدثر: 31] كل ذلك ليتعاونوا ويتظاهروا، واختلطوا وامتزجوا إلى أن اعتدلوا وانتظموا، وصاروا مؤتمنين مؤتلفين مؤانسين، محتاجين كل منهم بمعاونة الآخر. وإنما فعل سبحانه ما فعل؛ ليظهر كمالاته المندرجة في وحدة ذاته، ويظهر سلطان الوحدة الذاتية بظهور ضده، وبعدما بلغ الكثرة غايتها انتهت إلى الوحدة أيضاً كما بدأت منها وانتشأت عنها، فحينئذٍ اتصل الأولُ بالآخر والظاهرُ بالباطن، واتحد الأزلُ والأبدُ، وارتفع الكثرة والعدد، ولم يبقَ إلا الله الواحد الأحد الصمد {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 3-4]. {وَ} كيف لا يقدر سبحانه أمر عباده بإنزال الكتب، وإرسال الرسل المرشدين لهم إلى توحيده بعدما تاهوا في بيداء الكثرة والضلال، مع أنهم {ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ} سبحانه {آلِهَةً} يعدونها كعبادته، مع أن آلهتهم الباطلة {لاَّ يَخْلُقُونَ} ولا يوجدون ويظهرون {شَيْئاً} من المخلوقات حتى يستحقوا الألوهية والعبادة، مع أن من شأن الإله الخلق والإيجاد حتى يستحق للتوجه والرجوع إليه، بل {وَهُمْ} في أنفسهم {يُخْلَقُونَ} أي: مخلوقون مقدورون لا قادرون خالقون، بل {وَ} هم مرادون، والمخلوقات التي هي الجمادات؛ إذ {لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ} أيضاً {ضَرّاً} أي: إماتة لأحدٍ {وَلاَ نَفْعاً} اي: جلب نفع إليها {وَلاَ يَمْلِكُونَ} أيضاً {مَوْتاً} أي: إماتة لأحد {وَلاَ حَيَـاةً} أي: أحياءً له {وَلاَ نُشُوراً} [الفرقان: 3] أي: بعثاً وحشراً بعد الموت للجزاء، ومن كان وصفه هذا كيف تتأتى منه الألوهية والربوبية المقتضية للعبودية؟!.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا بيان لعظمته الكاملة وتفرده [بالوحدانية] من كل وجه وكثرة خيراته وإحسانه فقال: { تَبَارَكَ } أي: تعاظم وكملت أوصافه وكثرت خيراته الذي من أعظم خيراته ونعمه أن نزل هذا القرآن الفارق بين الحلال والحرام والهدى والضلال وأهل السعادة من أهل الشقاوة، { عَلَى عَبْدِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم الذي كمل مراتب العبودية وفاق جميع المرسلين، { لِيَكُونَ } ذلك الإنزال للفرقان على عبده { لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } ينذرهم بأس الله ونقمه ويبين لهم مواقع رضا الله من سخطه، حتى إن من قبل نذارته وعمل بها كان من الناجين في الدنيا والآخرة الذين حصلت لهم السعادة الأبدية والملك السرمدي، فهل فوق هذه النعمة وهذا الفضل والإحسان شيء؟ فتبارك الذي هذا من بعض إحسانه وبركاته. { الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: له التصرف فيهما وحده، وجميع من فيهما مماليك وعبيد له مذعنون لعظمته خاضعون لربوبيته، فقراء إلى رحمته الذي { لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ } وكيف يكون له ولد أو شريك وهو المالك وغيره مملوك، وهو القاهر وغيره مقهور وهو الغني بذاته من جميع الوجوه، والمخلوقون مفتقرون إليه فقرا ذاتيا من جميع الوجوه؟" وكيف يكون له شريك في الملك ونواصي العباد كلهم بيديه، فلا يتحركون أو يسكنون ولا يتصرفون إلا بإذنه فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلم يقدره حق قدره من قال فيه ذلك ولهذا قال: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ } شمل العالم العلوي والعالم السفلي من حيواناته ونباتاته وجماداته، { فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } أي: أعطى كل مخلوق منها ما يليق به ويناسبه من الخلق وما تقتضيه حكمته من ذلك، بحيث صار كل مخلوق لا يتصور العقل الصحيح أن يكون بخلاف شكله وصورته المشاهدة، بل كل جزء وعضو من المخلوق الواحد لا يناسبه غير محله الذي هو فيه. قال تعالى: {أية : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } تفسير : وقال تعالى: {أية : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } تفسير : ولما بين كماله وعظمته وكثرة إحسانه كان ذلك مقتضيا لأن يكون وحده المحبوب المألوه المعظم المفرد بالإخلاص وحده لا شريك له ناسب أن يذكر بطلان عبادة ما سواه فقال: { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ...}.