٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو أردف ذلك بتزييف مذهب عبدة الأوثان وبين نقصانها من وجوه: أحدها: أنها ليست خالقة للأشياء، والإله يجب أن يكون قادراً على الخلق والإيجاد وثانيها: أنها مخلوقة والمخلوق محتاج، والإله يجب أن يكون غنياً وثالثها: أنها لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً، ومن كان كذلك فهو لا يملك لغيره أيضاً نفعاً، ومن كان كذلك فلا فائدة في عبادته ورابعها: أنها لا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً، أي لا تقدر على الإحياء والإماتة في زمان التكليف وثانياً في زمان المجازاة، ومن كان كذلك كيف يسمى إلهاً؟ وكيف يحسن عبادته مع أن حق من يحق له العبادة أن ينعم بهذه النعم المخصوصة، وههنا سؤالات: الأول: قوله: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } هل يختص بعبدة الأوثان أو يدخل فيه النصارى وعبدة الكواكب وعبدة الملائكة؟ والجواب: قال القاضي: بعيد أن يدخل فيه النصارى لأنهم لم يتخذوا من دون الله آلهة على الجمع، فالأقرب أن المراد به عباد الأصنام، ويجوز أن يدخل فيه من عبد الملائكة لأن لمعبودهم كثرة، ولقائل أن يقول قوله {وَٱتَّخَذُواْ } صيغة جمع وقوله {ءالِهَةً } جمع، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل المفرد بالمفرد، فلم يكن كون معبود النصارى واحداً مانعاً من دخوله تحت هذا اللفظ. السؤال الثاني: احتج بعض أصحابنا بقوله: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقال: إن الله تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئاً، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، فلو كان العبد خالقاً لكان معبوداً إلهاً، أجاب الكعبي عنه بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على الله تعالى. وقال بعض أصحابنا في الخلق إنه الإحداث لا بعلاج وفكر وتعب، ولا يكون ذلك إلا لله تعالى، ثم قال: وقد قال تعالى: { أية : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 195] في وصف الأصنام أفيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن يعبد؟ فإذا قالوا لا قيل فكذلك ما ذكرتم، وقد قال تعالى: { أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14] هذا كله كلام الكعبي والجواب: قوله لا يطلق اسم الخالق على العبد، قلنا بل يجب ذلك لأن الخلق في اللغة هو التقدير، والتقدير يرجع إلى الظن والحسبان، فوجب أن يكون اسم الخالق حقيقة في العبد مجازاً في الله تعالى، فكيف يمكنكم منع إطلاق لفظ الخالق على العبد؟ أما قوله تعالى: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } فالعيب إنما وقع عليهم بالعجز فلا جرم أن كل من تحقق العجز في حقه من بعض الوجوه لم يحسن عبادته. وأما قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } فقد تقدم الكلام عليه. واعلم أن هذه الآية لا يقوى استدلال أصحابنا بها لاحتمال أن العيب لا يحصل إلا بمجموع أمرين: أحدهما أنهم ليسوا بخالقين، والثاني أنهم مخلوقون، والعبد وإن كان خالقاً إلا أنه مخلوق فلزم أن لا يكون إلهاً معبوداً. السؤال الثالث: هل تدل هذه الآية على البعث؟ الجواب: نعم لأنه تعالى ذكر النشور ومعناه أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال الثواب إلى المطيعين والعقاب إلى العصاة، فمن لا يكون كذلك وجب أن لا يصلح للإلهية.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله الخالق لكل شيء، المالك لأزمة الأمور، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ومع هذا عبدوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون، لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، فكيف يملكون لعابديهم؟ {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـوٰةً وَلاَ نُشُوراً} أي: ليس لهم من ذلك شيء، بل ذلك كله مرجعه إلى الله عز وجل، الذي هو يحيي ويميت، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة؛ أولهم وآخرهم {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ} تفسير : [لقمان: 28] كقوله: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر:50] وقوله: {أية : فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ } تفسير : [النازعات: 13 ــــ 14] {أية : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} تفسير : [الصافات: 19] {أية : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } تفسير : [يس: 53] فهو الله الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، ولا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي لا ولد ولا والد له، ولا عديل ولا نديد، ولا وزير ولا نظير، بل هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتَّخَذُواْ } أي الكفار {مِن دُونِهِ } أي الله: أي غيره {ءَالِهَةً } هي الأصنام {لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لاِنفُسِهِمْ ضَرّاً } أي دفعه {وَلاَ نَفْعاً } أي جرَّه {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتَاً وَلاَ حَيَـٰوْةً} أي إماتة لأحد ولا إحياء لأحد {وَلاَ نُشُوراً } أي بعثاً للأموات.
النسفي
تفسير : {وَٱتَّخَذُواْ } الضمير للكافرين لاندراجهم تحت العالمين أو لدلالة {نذيراً} عليهم لأنهم المنذرون {مِن دُونِهِ ءالِهَةً } أي الأصنام {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } أي أنهم آثروا على عبادة من هو منفرد بالألوهية والملك والخلق والتقدير عبادة عجزة لا يقدرون على خلق شيء وهم يخلقون {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَِنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } ولا يستطيعون لأنفسهم دفع ضرر عنها ولا جلب نفع إليها {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً } إماتة {ولا حياة} أي إحياء {وَلاَ نُشُوراً } إحياء بعد الموت وجعلها كالعقلاء لزعم عابديها {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا } ما هذا القرآن {إِلاَّ إِفْكٌ } كذب {ٱفْتَرَاهُ } اختلقه واخترعه محمد من عند نفسه {وَأعانَهُ عليه قومٌ آخرون} أي اليهود وعداس ويسار وأبو فكيهة الرومي قاله النضر بن الحارث {فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً } هذا إخبار من الله رد للكفرة فيرجع الضمير إلى الكفار وجاء يستعمل في معنى فعل فيعدى تعديتها، أو حذف الجار وأوصل الفعل أي بظلم وزور. وظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب، والزور أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {واتخذوا} يعني عبدة الأوثان {من دونه آلهة} يعني الأصنام {لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً} يعني دفع ضر ولا جر نفع {ولا يملكون موتاً} أي إماتة {ولا حياة} أي إحياء {ولا نشوراً} أي بعثاً بعد الموت {وقال الذين كفروا} يعني النصر بن الحارث وأصحابه {إن هذا} أي ما هذا القرآن {إلا إفك} أي كذب {افتراه} أي اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم {وأعانه عليه قوم آخرين} قيل: هم اليهود وقيل عبيد بن الخضر الحبشي الكاهن، وقيل جبر ويسار وعداس بن عبيد كانوا بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن محمداً صلى الله عليه وسلم يأخذ منهم قال الله تعالى {فقد جاؤوا} يعني قائلي هذه المقالة {ظلماً وزوراً} أي بظلم وزور، وهو تسميتهم كلام الله بالإفك والافتراء {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها} يعني النضر بن الحارث كان يقول: إن هذا القرآن ليس من الله وإنما هو مما سطره الأولون مثل حديث رستم واسفنديار ومعنى اكتتبها انتسخها محمد صلى الله عليه وسلم من جبر ويسار وعداس وطلب أن تكتب له لأنه كان لا يكتب {فهي تملى عليه} أي تقرأ عليه ليحفظها لأنه لا يكتب {بكرة وأصيلاً} يعني غدوة وعشية قال الله تعالى رداً عليهم {قل} يا محمد {أنزله} يعني القرآن {الذي يعلم السر} أي الغيب {في السموات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً} أي لولا ذلك لعاجلهم بعذابه {وقالوا مال هذا الرسول} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم {يأكل الطعام} أي كما نأكل نحن {ويمشي في الأسواق} أي يلتمس المعاش كما نمشي نحن وإذا كان كذلك فمن أين له الفضل علينا، ولا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة وكانوا يقولون له لست بملك لأنك بشر مثلنا، والملك لا يأكل ولا يملك لأن الملك لا يتسوق وأنت تتسوق وتبتذل وما قالوه فاسد لأن أكله الطعام لكونه آدمياً، ولم يدع أنه ملك ومشيه في الأسواق لتواضعه وكان ذلك صفته في التوراة ولم يكن سخاباً في الأسواق وليس شيء من ذلك ينافي النبوة ولأنه لم يدع أنه ملك من الملوك {لولا أنزل إليه ملك} أي يصدقه ويشهد له {فيكون معه نذيراً} أي داعياً {أو يلقى إليه كنز} أي ينزل عليه كنز من السماء ينفقه فلا يحتاج إلى التصرف في طلب المعاش {أو تكون له جنة} يعني بستان {يأكل منها} أي هو فلا أقل من ذلك إن لم يكن له كنز {وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} يعني مخدوعاً وقيل مصروفاً عن الحق.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّخَذُواْ} يجوز أن يعود الضمير على الكفار الذين تضمنهم لفظ العالمين، وأن يعود على من ادَّعى لله شريكاً وولداً، لدلالة قوله: {أية : وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ} تفسير : [الفرقان: 2] وأن يعود على المنذرين، لدلالة "نذيراً" عليهم. قوله: "لا يَخْلُقُونَ" صفة لـ "آلهة"، وغلب العقلاء على غيرهم؛ لأن الكفار كانوا يعبدون العقلاء كعزير والمسيح والملائكة وغيرهم كالكواكب والأصنام. ومعنى "لا يخلقون" لا يقدرون على التقدير، والخلق يوصف به العباد قال زهير: شعر : 3860- ولأنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْت وبعـ ـضُ القَوم يخلُق ثم لا يَفْرِي تفسير : ويقال: خلقت الأديم: أي: قدرته، وهذا إذا أريد بالخلق التقدير، فإن أريد به الإيجاد فلا يوصف به غير الباري - تعالى - وقد تقدم. وقيل: بمعنى يختلقون كقوله: {أية : وتَخْلُقُون إفْكاً} تفسير : [العنكبوت: 17]. فصل لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو أردفه بتزييف مذهب عبدة الأوثان من وجوه: منها: أنها ليست خالقة للأشياء، والإله يجب أن يكون قادراً على الخلق والإيجاد ومنها: أنها مخلوقة، والمخلوق محتاج، والإله يجب أن يكون غنياً. ومنها: أنها لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً، ومن كان كذلك لا يملك موتاً ولا حياةً ولا نُشُوراً. أي: لا يقدر على الإحياء والإماتة لا في زمن التكليف، ولا في زمن المجازاة، ومن كان كذلك كيف يسمى إلهاً، وكيف يستحق العبادة؟. فصل احتج أهل السنة بقوله: "ولا يَخْلُقُونَ شَيْئاً" على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأنه عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يَخْلُق شيئاً، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، فلو كان العبد خالقاً لكان معبوداً إلهاً. وأجاب الكعبي بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على الله تعالى، (وقال بعض أصحابنا في الخلق: إنه الإحداث لا بعلاج وفكر وتعب ولا يكون ذلك إلا لله تعالى. ثم قال: قد قال الله تعالى): {أية : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ} تفسير : [الأعراف: 195] في وصف الأصنام، أفيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن يعبد. فإذا قالوا: لا. قيل: فكذلك ما ذكرتم، وقد قال الله تعالى: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14] هذا كله كلام الكعبي. والجواب: قوله: لا نطلق اسم الخالق على العبد. قلنا: بل يجب ذلك، لأن الخلق في اللغة هو التقدير، والتقدير يرجع إلى الظن والحسبان، فوجب أن يكون اسم الخالق حقيقة في العبد مجازاً في الله، فكيف يمكنهم منع إطلاق لفظ الخالق على العبد؟. وأما قوله تعالى: {أية : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ} تفسير : [الأعراف: 195] فالعيب إنما وقع عليهم، فلا جرم أن من تحقق العجز في حقه من بعض الوجوه لم يحسن عبادته. وأما قوله: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14] فتقدم الكلام عليه. واعلم أن في استدلال أهل السنة بالآية نظر، لاحتمال أن الغيب إنما حصل بمجموع الأمرين، وهو كونهم ليسوا بخالقين، وكونهم مخلوقون، والعبد وإن كان خالقاً إلا أنه مخلوق، فلا يلزم أن يكون العبد إلهاً معبوداً. فصل دلَّت الآية على البعث، لأنه تعالى ذكر النشور، ومعناه: أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال الثواب إلى المطيعين، والعقاب إلى العصاة، فمن لا يكون كذلك يجب أن لا يصلح للإلهية.
ابو السعود
تفسير : {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً} بعدما بـيَّن حقيقةَ الحقِّ في مطلع السُّورةِ الكريمة بذكر تنزيله تعالى للفُرقان العظيم على رسولِه صلى الله عليه وسلم ووصفِه تعالى بصفاتِ الكمال وتنزيهه عمَّا لا يليقُ بشأنه الجليل عقَّب ذلك بحكايةِ أباطيلِ المُشركين في حقِّ المنزِّل سبحانَهُ والمنزَّلِ والمُنزَلِ عليه على التَّرتيب وإظهارِ بُطلانها. والإضمارُ من غير جريان ذكرِهم للثقة بدلالة ما قبله من نفيِ الشَّريكِ عليهم أي اتَّخذوا لأنفسِهم ـ متجاوزين الله تعالى الذي ذُكر بعضُ شؤونِه الجليلةِ من اختصاصِ مُلكِ السَّمواتِ والأرضِ به تعالى وانتفاءِ الولد والشَّريكِ عنه وخلقِ جميعِ الأشياء وتقديرِها أبدعَ تقديرٍ ـ آلهة {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا} أي لا يقدرون على خلق شيءٍ من الأشياءِ أصلاً {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} كسائر المخلوقاتِ وقيل: لا يقدرُون على أنْ يختلقُوا شيئاً وهم يُختلقون حيث تختلقهم عبدتُهم بالنَّحت والتَّصويرِ. وقولُه تعالى: {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} لبـيان ما لم يدلَّ عليه ما قبله من مراتبِ عجزِهم وضعفِهم فإنَّ بعضَ المخلوقين العاجزينَ عن الخلقِ رُبَّما يملك دفعَ الضُّرِّ وجلبَ النَّفعِ في الجملة كالحيوان وهؤلاءِ لا يقدرونَ على التَّصرفِ في ضُرَ ما ليدفعُوه عن أنفسِهم ولا في نفعٍ ما حتَّى يجلبوه إليهم فكيف يملكون شَيئاً منهما لغيرِهم. وتقديمُ ذكرِ الضُّرِّ لأنَّ دفعَه مع كونِه أهمَّ في نفسه أوَّلُ مراتبِ النَّفعِ وأقدمُها. والتَّنصيصُ على قولِه تعالى: {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةًَ وَلاَ نُشُوراً} أي لا يقدرون على التَّصرفِ في شيءٍ منها بإماتةِ الأحياءِ وإحياءِ المَوْتى وبعثِهم بعد بـيانِ عجزِهم عمَّا هو أهونُ من هذه الأمور من دفع الضُّرِّ وجلب النَّفعِ للتَّصريحِ بعجزهم عن كلَّ واحدٍ ممَّا ذُكر على التَّفصيلِ والتَّنبـيهِ على أنَّ الإلٰهَ يجبُ أنْ يكونَ قادراً على جميعِ ذلك. وفيه إيذانٌ بغايةِ جهلهِهم وسَخافةِ عقولِهم كأنَّهم غيرُ عارفين بانتفاء ما نُفي عن آلهتِهم من الأمورِ المذكُورةِ مفترقون إلى التَّصريح بذلك.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} [الآية: 3]. سمعت جعفر المراعى يقول: كتبه منصور الفقيه الى بعض أولاده وكان قد سأله فى أمر فأجابه: ثم قصر فيه أعاذنا الله وإياك من الحاجة إلى أمثالك الذين لا يملكون نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. قال الحسين: واعلم أن الأشياء ليست بأنفسها قائمة بل يقيم لها وكيف لا يكون كذلك، وهى لا تملك لأنفسها ضرًا ولا نفعًا، فإذا نظرت إلى ممن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا بعين مالك ضر ونفع فقد صرفت الإلهية إلى غير مستحقها.
القشيري
تفسير : اتخذوا من دون اللَّهِ آلهةً لا يملكون قطميراً، ولا يخلقون نقيراً، ولا يدفعون عنهم كثيراً ولا يسيراً، ولا ينفعونهم ولا يُسهِّلُون عليهم عسيراً، ولا يملكون لأحدٍ موتاً ولا نُشوراً.
اسماعيل حقي
تفسير : {واتخذوا} اى المشركون لا نفسهم {من دونه} اى حال كونهم متجاوزين عبادة الذى خلق هذه الاشياء {آلهة} من الاصنام {لايخلقون شيئا} اى لاتقدر تلك الآلهة على خلق شىء من الاشياء اصلا لاعلى ذهاب ولا على غيره وانما ذكر الاصنام بلفظ العقلاء لان الكفار يجعلونهم بمنزلة العقلاء فخاطبهم بلغتهم كما فى تفسير ابى الليث {وهم يخلقون} كسائر المخلوقات {ولا يملكون لانفسهم} اى لايستطيعون {ضرا} اى دفع ضر قدم لكونه اهم من النفع {ولا نفعا} ولا جلب نفع فكيف يملكون شيئا منهما لغيرهم فهم اعجز من الحيوان فانه ربما يملك دفع الضر وجلب النفع لنفسه فى الجملة {ولا يملكون موتا ولا حيوة ولا نشورا} اى لا يقدرون على اماتة الاحياء واحيائهم اولا وبعثهم ثانيا ومن كان كذلك فبمعزولين عن الالوهية لعرائه عن لوازمها واتصافه بما ينافيها. وفيه تنبيه على ان الاله يجب ان يكون قادرا على البعث والجزاء يعنى ان الضار والنافع والمميت والمحي والباعث وهوالله تعالى فهو المعبود الحقيقى وما سواه فليس بمعبود بل عابد لله تعالى كما قال تعالى {أية : ان كل من فى السموات والارض الا آتى الرحمن عبدا}،تفسير : وفى الآية اشارة الى الاصنام المعنوية وهم المشايخ المدّعون والدجاجلة المضلون فانهم ليسوا بقادرين على احياء القلوب واماته النفوس فالتابعون لهم فى حكم عابدى الاصنام فليحذر العاقل من اتخاذ اهل الهوى متبوعا فان الموت الاكبر الذى هو الجهل انما يزول بالحياة الاشرف الذى هو العلم فان كان للعبد مدخل فى افادة الخلق العلم النافع ودعائهم الى الله على بصيرة فهو الذى رقى غيره من الجهل الى المعرفة وانشأة نشأة اخرى واحياه حياة طيبة باذن الله تعالى وهى رتبة الانبياء ومن يرثهم من العلماء العاملين واما من سقط عن هذه الرتبة فليس الاستماع الى كلامه الا كاستماع بنى اسرائيل الى صوت العجل: قال المولى الجامى قدس سره شعر : بلاف ناخلفان زمانه غره مشو مروجو سامرى ازره ببانك كوساله تفسير : وقد قال تعالى {أية : وكونوا مع الصادقين}تفسير : اى كونوا فى جملة الصادقين ومصاحبين لهم وبعضهم ولذا قالوا يلزم للمرء ان يختار من البقاء احسنها دينا حتى يتعاون بالاخوان الصادقين، قيل لعيسى عليه السلام ياروح الله من نجالس فقال من يزيدكم فى علمه منطقه ويذكركم الله رؤيته ويرغبكم فى الآخرة عمله: قال الصائب قدس سره شعر : نورى ازبيشانىء صاحب دلان دريوزه كن شمع خودرا برى دل مرده زين محفل جرا اى كه روى عالمى را جانب خود كرده رونمى آرى بروى صائب بيدل جرا تفسير : اللهم بحق الفرقان اجعلنا مع الصادقين من الاخوان.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {واتخذوا} أي: الكفار المدرجون تحت العالمين المنذَرين، اتخذوا لأنفسهم {من دونه} تعالى {آلهة}؛ أصناماً، يعبدونها ويستعينون بها، وهم {لا يَخْلُقُون شيئاً} أي: لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء، {وهم يخْلَقُون} كسائر المخلوقات. والمعنى أنهم آثروا على عبادة من هو منفرد بالألوهية والخلق، والملك والتقدير، عباداً عجزة، لا يقدرون على خلق شيء، وهم مخلوقون ومصورون. {ولا يملكون لأنفسهم ضَراً ولا نفعاً} أي: لا يستطيعون لأنفسهم دفع ضر عنها، ولا جلب نفع لها. وهذا بيان لغاية عجزهم وضعفهم؛ فإن بعض المخلوقين ربما يملك دفع ضر وجلب نفع في الجملة، وهؤلاء لا يقدرون على شيء البتة، فكيف يملكون نفع مَنْ عبدَهم، أو ضرر من لم يعبدهم؟! {ولا يملكون موتاً} أي: إماتة {ولا حياةً} أي: إحياء {ولا نشوراً}؛ بعثاً بعد الموت، أي: لا يقدرون على إماتة حي، ولا نفخ الروح في ميت، ولا بعث للحساب والعقاب. والإله يجب أن يكون قادراً على جميع ذلك. وفي إيذان بغاية جهلهم، وسخافة عقولهم، كأنهم غير عارفين بانتفاء ما نُفي عن آلهتهم مما ذكر، مفتقرون إلى التصريح لهم بها. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من ركن إلى غير الله، أو مال بمحبته إلى شيء سواه، فقد اتخذ من دونه إلهاً يعبده من دون الله. وكل من رفع حاجته إلى غير مولاه، فقد خاب مطلبه ومسعاه؛ لأنه تعلق بعاجز ضعيف، لا يقدر على نفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ وفي الحِكَمِ: "لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف ترفع إلى غيره ما كان هو له واضعاً؟! من لا يستطيع أن يرفع حاجته عن نفسه، فكيف يكون لها عن غيره رافعاً؟". قال بعض الحكماء: من اعتمد على غير الله فهو في غرور؛ لأن الغرور ما لا يدوم، ولا يدوم شيء سواه، وهو الدائم القديم، لم يزل ولا يزال، وعطاؤه وفضله دائمان، فلا تعتمد إلا على من يدوم عليك منه الفضل والعطاء، في كل نفس وحين وأوان وزمان. هـ. وقال وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إلى داود: يا داود؛ أما وعزتي وجلالي وعظمتي لا ينتصر بي عبد من عبادي دُون خلقي، أعلم ذلك من نيته، فتكيده السموات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، وإلا جعلت له منهن فرجاً ومخرجاً. أما وعزتي وجلالي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعلم ذلك من نيته، إلا قطعت أسباب السموات من يده، وأسخت الأرض من تحته، ولا أبالي في وادٍ هلك. هـ. وبالله التوفيق. ولما ذكر شأن الفرقان، ذكر من طعن فيه وفيمن نزل عليه، فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ...}
اطفيش
تفسير : {وَاتَّخَذُوا} اي المشركون {مِن دُونِهِ} اي الله * {آلهَةً} اصناما * {لاَّ يَخْلُقُونَ} استعمل الواو في الاصنام لانها عندهم بمنزلة العقلاء * {شَيْئاً} الخلق هنا بمعنى العمل اي لا يعملون شيئا والجملة نعت (آلهة) {وَهُمْ} في هذا اللفظ ما في الواو {يخْلَقُونَ} اي يعملون بالبناء للمفعول لانها تنحت وهذا الضمير ايضا للاصنام وتصور وذلك رد على المشركين كيف يعبدون من يعمل ولا يعمل ويصح ان يكون الخلق الايجاد (ويخلق) الثاني بمعنى الماضي غير انه ليوافق الاول أو الحكاية حال ماضية لم يخلقوا فيها أو نظر إلى جنس آلهتهم وهي الشجر فانه ما زال ينبت لكن هذا لا يتم في الحجرية فان الحجر خلق مرة {وَلاَ يَمْلِكُونَ} اي لا يستطيعون * {لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفَعاً} اي دفع ضر ولا جلب نفع ويصح الا يقدر الجلب ابقاء للنفع على المعنى المصدري {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً} اي لم تكن في قبضتهم بوقعة الواحد على غيره أو نفسه أو يدفعه إذا جاء أو الموت اسم مصدر هو الاماتة أي لا يملكون الاماتة. {وَلاَ حَيَٰوةً وَلاَ نُشُوراً} فيهما ما في (موت) والنشور الخروج من القبر ومن لم يقدر على ذلك ليس بالآلهة.
اطفيش
تفسير : {واتَّخذوا} أى المشركون من الأمة الأمم، أو المعهودون من الأمة، وعلى كل حال دل عليهم بالاتخاذ للآلهة، ولو لم يجر لهم ذكر كما لو قيل: يأخذون الأجرة على الحجامة، لعلم أن المراد الحجامون، ولو لم يجر لهم ذكر، ولا سيما أنه ناسب المشركين قوله: "أية : ولم يكن له شريك" تفسير : [الفرقان: 2] وقوله: "أية : نذيرا"تفسير : [الفرقان: 1] ودخولهم فى العالمين {من دونه آلهة} أصناماً أو ملائكة أو آدميين {لا يخْلقُون} نعت آلهة {شيئاً} ما ولو فى غاية الحقارة، فكيف يكون إلهاً ما لا يخلق، بل هو مخلوق كما قال: {وهم يُخْلَقُون} خلقهم الله عز وجل، فالمضارع لاستحضار الحال الماضية، لتكون كالمشاهد، أو يخلقها شيئا فشيئا فالمضارع للتجدد، فشمل المضى، وفى المضارع مشاكلة للمضارع قبله، والخلق فى القرآن والسنة، وسائر الشرع الايجاد بعد العدم لا بمعنى التصوير إلا لدليل، والمعنى هنا قابل للتصوير، على أَن المراد الأصنام، فإن الأصنام يصورها النجارون وأهل الصنعة، وما كان من تصوير البشر لا يكون إلهاً، فكذا غير البشر، مع أن فعل النجار والصانع وما صوراه، وأشكاله مخلوقة لله سبحانه، ومع أن الذين أنذرهم النبى صلى الله عليه وسلم ينحتون الأصنام، وصيغة العقلاء فى قوله: {وهم} وفى {لا يخلقون} ويخلقون مجاراة للمشركين فى جعلهم الأصنام عقلاء، أو كالعقلاء، على أن المراد بالآلهة الأصنام، وللتغليب على أن المراد أعم، وكذا فى قوله: {ولا يمْلكونَ لأنفُسهم ضراً ولا نفعاً ولا يمْلكونَ} لأنفسهم ولا لغيرهم {موتا ولا حياة ولا نُشوراً} بعثا، وإذا لم يملكوا لأنفسهم فأولى أن لا يملكوا لغيرهم، والمراد دفع ضر، وجلب نفع فحذف المضافان، ولا يخفى ان طلب السلامة مقدم على طلب الفائدة، مقدم دفع الضر، كما شهر أن التخلى قبل التحلى، وما قضى الله عز وجل جرى عليهم بكسب أو بغيره، ولا سيما الأصنام التى لا قدرة لها على شىء، بخلاف البهائم، فإنها تدفع الضر، وتجلب النفع بإذن الله وخلقه، وما يشاء من ذلك الدفع والجلب.
الالوسي
تفسير : {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } أظهر، وضمير {ٱتَّخَذُواْ } للمشركين المفهوم من قوله تعالى: { أية : وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ } تفسير : [الفرقان: 2] أو من المقام، وقوله سبحانه: { أية : نَذِيراً } تفسير : [الفرقان: 1]، وقال الكرماني: للكفار وهم مندرجون في قوله تعالى: {أية : لّلْعَـٰلَمِينَ}تفسير : [الفرقان: 1] والمراد حكاية أباطيلهم في أمر التوحيد والنبوة وإظهار بطلانها بعد أن بين سبحانه حقيقة الحق في مطلع السورة الكريمة أي اتخذوا لأنفسهم متجاوزين الله تعالى الذي ذكر بعض شؤنه العظيمة آلهة لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء وهم مخلوقون لله تعالى أو هم يختلقهم عبدتهم بالنحت والتصوير، ورجح المعنى الأول بأن الكلام عليه أشمل ولا يختص بالأصنام بخلافه على الثاني ويكون التعبير بالمضارع عليه في {يُخْلَقُونَ } المبني للمفعول لمشاكلة {يُخْلَقُونَ } المبني للفاعل مع استحضار الحال الماضية، ورجح المعنى الثاني بأنه أنسب بالمقام لأن الذين أنذرهم نبينا صلى الله عليه وسلم / شفاها عبدة الأصنام وأن الأحكام الآتية أوفق بها، نعم فيه تفسير الخلق بالافتعال كما في قوله تعالى: { أية : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } تفسير : [العنكبوت: 17] لأنه الذي يصح نسبته لغيره عز وجل وكذا الخلق بمعنى التقدير كما في قوله زهير: شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : والمتبادر منه إيجاد الشيء مقدراً بمقدار كما هو المراد من سابقه، وتفسيره بذلك أيضاً كما فعل الزمخشري بعيد كذا قيل. وتعقب بأنه يجوز أن يراد منه هذا المتبادر والأصنام بذواتها وصورها وأشكالها مخلوقة لله تعالى عند أهل الحق لأن أفعال العباد وما يترتب عليها وينشأ منها من الآثار مخلوقة له عز وجل عندهم كما حقق بل لو قيل بتعين هذه الإرادة على ذلك الوجه لم يبعد. وقوله تعالى: {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَِنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } لبيان حالهم بعد خلقهم ووجودهم، والمراد لا يقدرون على التصرف في ضر ما ليدفعوه عن أنفسهم ولا في نفع ما حتى يجلبوه إليهم، ولما كان دفع الضر أهم أفيد أولاً عجزهم عنه، وقيل: {لأَِنفُسِهِمْ } ليدل على غاية عجزهم لأن من لا يقدر على ذلك في حق نفسه فلأن لا يقدر عليه في حق غيره من باب أولى. ومن خص الأحكام في الأصنام قال: إن هذا لبيان ما لم يدل عليه ما قبله من مراتب عجزهم وضعفهم فإن بعض المخلوقين العاجزين عن الخلق ربما يملك دفع الضر وجلب النفع في الجملة كالحيوان، وقد يقال: التصرف في الضر والنفع بالدفع والجلب على الإطلاق ليس على الحقيقة إلا لله عز وجل كما ينبىء عنه قوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: { أية : قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الأعراف: 188]. وقوله تعالى: {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَٰوةً وَلاَ نُشُوراً } أي لا يقدرون على التصرف في شيء منها بإماتة الأحياء وإحياء الموتى في الدنيا وبعثهم في الأخرى للتصريح بعجزهم عن كل واحد مما ذكر على التفصيل والتنبيه على أن الإله يجب أن يكون قادراً على جميع ذلك. وتقديم الموت لمناسبة الضر المقدم.
ابن عاشور
تفسير : استطراد لانتهاز الفرصة لوصف ضلال أهل الشرك وسفالة تفكيرهم، فهو عطف على جملة: {أية : الذي له ملك السماوات والأرض}تفسير : [الفرقان: 2] وما تلاها مما هو استدلال على انفراده تعالى بالإلهية، وأردفت بقوله:{أية : وخلق كل شيء}تفسير : [الفرقان: 2] الشامل لكون ما اتخذوه من الآلهة مخلوقات فكان ما تقدم مهيئاً للتعجيب من اتخاذ المشركين آلهة دون ذلك الإلٰه المنعوت بصفات الكمال والجلال. فالخبر غير مقصود به الإفادة بل هو للتعجيب من حالهم كيف قابلوا نعمة إنزال الفرقان بالجحد والطغيان وكيف أشركوا بالذي تلك صفاته آلهةً أخرى صفاتهم على الضد من صفات من أشركوهم به، وإلا فإن اتخاذ المشركين آلهة أمر معلوم لهم وللمؤمنين فلا يقصد إفادتهم لحكم الخبر. وبين قوله: {أية : ولم يتخذ ولداً}تفسير : [الفرقان: 2] وقوله: {واتخذوا من دونه آلهة} محسن الطباق. وضمير: {اتخذوا} عائد إلى المشركين ولم يسبق لهم ذكر في الكلام وإنما هم معروفون في مثل هذا المقام وخاصة من قوله: {أية : ولم يكن له شريك في الملك}تفسير : [الفرقان: 2]. وجملة: {لا يخلقون شيئاً} مقابلة جملة {أية : الذي له ملك السماوات والأرض}تفسير : [الفرقان: 2]. وجملة: {وهم يخلقون} مقابلة جملة: {أية : ولم يتخذ ولداً}تفسير : [الفرقان: 2] لأن ولد الخالق يجب أن يكون متولداً منه فلا يكون مخلوقاً. وجملة: {ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً} مقابلة جملة: {أية : ولم يكن له شريك في الملك}تفسير : [الفرقان: 2] لأن الشركة في الملك تقتضي الشركة في التصرف. وضمير: {لأنفسهم} يجوز أن يعود إلى {آلهة} أي لا تقدر الأصنام ونحوها على ضر أنفسهم ولا على نفعهم. ويجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير {واتخذوا} أي لا تقدر الأصنام على نفع الذين عبدوهم ولا على ضرهم. واعلم أن {ضراً ولا نفعاً} هنا جرى مجرى المثل لقصد الإحاطة بالأحوال، فكأنه قيل: لا يملكون التصرف بحال من الأحوال. وهذا نظير أن يقال: شرقاً وغرباً، وليلاً ونهاراً. وبذلك يندفع ما يشكل في بادىء الرأي من وجه نفي قدرتهم على إضرار أنفسهم بأنه لا تتعلق إرادة أحد بضر نفسه، وبذلك أيضاً لا يتطلب وجه لتقديم الضر على النفع، لأن المقام يقتضي التسوية في تقديم أحد الأمرين، فالمتكلم مخير في ذلك والمخالفة بين الآيات في تقديم أحد الأمرين مجرد تفنّن. والمجرور في {لأنفسهم} متعلق بـ{يملكون}. والضَّر ــــ بفتح الضاد ــــ مصدر ضرَّه، إذا أصابه بمكروه. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله}تفسير : في سورة يونس (49). وجملة: {ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً} مقابلة جملة {أية : وخلق كل شيء فقدره تقديراً}تفسير : [الفرقان: 2] لأن أعظم مظاهر تقدير الخلق هو مظهر الحياة والموت، وذلك من المشاهدات. وأما قوله: {ولا نشوراً} فهو تكميل لقرع المشركين نفاة البعث لأن نفي أن يكون الآلهة يملكون نشوراً يقتضي إثبات حقيقة النشور في نفس الأمر إذ الأكثر في كلام العرب أن نفي الشيء يقتضي تحقق ماهيته. وأما نحو قول امرىء القيس:شعر : على لاحب لا يهتدي بمناره تفسير : يريد لا منار فيه. وقول ابن أحمر:شعر : لا تُفزع الأرنبَ أهوالُها ولا ترى الضبّ بها ينجحر تفسير : أراد: أنها لا أرنب فيها ولا ضب. فهو من قبيل التلميح. ذُكر في هذه الآية من أقوالهم المقابلة للجمل الموصوف بها الله تعالى اهتماماً بإبطال كفرهم المتعلق بصفات الله لأن ذلك أصل الكفر ومادته. واعلم أن معنى: {وهم يخلقون} وهم يُصنعون، أي يصنعهم الصانعون لأن أصنامهم كلها حجارة منحوتة فقد قومتها الصنعة، فأطلق الخلق على التشكيل والنحت من فعل الناس، وإن كان الخلق شاع في الإيجاد بعد العدم؛ إما اعتباراً بأصل مادة الخلق وهو تقدير مقدار الجلد قبل فريه كما قال زهير:شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـضُ الناس يخلق ثم لا يفري تفسير : فأطلق الخلق على النحت؛ إما على سبيل المجاز المرسل، وإما مشاكلة لقوله: {لا يخلقون شيئاً}. والمِلك في قوله: {لا يملكون} مستعمل في معنى القدرة والاستطاعة كما تقدم في قوله تعالى: {أية : قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم} تفسير : في سورة العقود (17)، وقوله فيها: {أية : قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً}تفسير : [المائدة: 76]، أي من لا يقدر على ضركم ولا نفعكم. فقوله هنا: {لأنفسهم} متعلق بـ{يملكون}، واللام فيه لام التعليل، أي لا يملكون لأجل أنفسهم، أي لفائدتها. ثم إن المراد بـ{أنفسهم} يجوز أن يكون الجمع فيه باعتبار التوزيع على الآحاد المفادة بضمير {يملكون}، أي لا يملك كل واحد لنفسه ضراً ولا نفعاً، ويكون المراد بالضر دفعه على تقدير مضاف دل عليه المقام لأن الشخص لا يتعلق غرضه بضر نفسه حتى يقرَع بأنه عاجز عن ضر نفسه. وتنكير {موتاً و حياة} في سياق النفي للعموم، أي موت أحد من الناس ولا حياته. والنشور: الإحياء بعد الموت. وأصله نشر الشيء المطوي.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الآلهة التي يعبدها المشركون من دونه، متصفة بستة أشياء كل واحد منها برهان قاطع، أن عبادتها مع الله، لا وجه لها بحال، بل هي ظلم متناه، وجهل عظيم، وشرك يخلد به صاحبه في نار جهنم، وهذا بعد أن أثنى على نفسه جل وعلا بالأمور الخمسة المذكورة في الآية التي قبلها التي هي براهين قاطعة، على أن المتصف بها هو المعبود وحده، والأمور الستة التي هي من صفات المعبودات من دون الله: الأول منها: أنها لا تخلق شيئاً أي لا تقدر على خلق شيء. والثاني منها: أنها مخلوقة كلها أي خلقها خالق كل شيء. والثالث: أنها لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً. الرابع والخامس والسادس: أنها لا تملك موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً، أي بعثاً بعد الموت، وهذه الأمور الستة المذكورة في هذه الآية الكريمة، جاءت مبينة في مواضع أخر من كتاب الله تعالى. أما الأول منها: وهو كون الآلهة المعبودة من دون الله لا تخلق شيئاً، فقد جاء مبيناً في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} تفسير : [الحج: 73] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} تفسير : [النحل: 20ـ21] وقوله تعالى في سورة فاطر {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً} تفسير : [فاطر: 40] وقوله تعالى في سورة لقمان: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [لقمان: 11] وقوله تعالى في الأحقاف: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [الأحقاف: 4]. وقوله تعالى: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51] وقد بين تعالى في آيات من كتابه الفرق بين من يخلق، ومن لا يخلق، لأن من يخلق هو المعبود، ومن لا يخلق لا تصح عبادته، كقوله تعالى: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} تفسير : [البقرة: 21] الآية. أي وأما من لم يخلقكم، فليس برب، ولا بمعبود لكم كما لا يخفى. وقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [النحل: 17] وقوله تعالى: {أية : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تفسير : [الرعد: 16] أي ومن كان كذلك، فهو المعبود وحده جل وعلا وقوله تعالى: {أية : أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} تفسير : [الأعراف: 191]. وأما الأمر الثاني منها: وهو كون الآلهة المعبودة من دونه مخلوقة، فقد جاء مبيناً في آيات من كتاب الله كآية النحل والأعراف، المذكورتين آنفاً. أما آية النحل فهي قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} تفسير : [النحل: 20] فقوله: وهم يخلقون صريح في ذلك. وأما الآية الأعراف فهي قوله تعالى: {أية : أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} تفسير : [الأعراف: 191] إلى غير ذلك من الآيات. وأما الأمر الثالث منها: وهو كونهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فقد جاء مبيناً أيضاً في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: {أية : قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} تفسير : [الرعد: 16]. وكقوله تعالى: {أية : أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} تفسير : [الأعراف: 191ـ192] ومن لا ينصر نفسه فهو لا يملك لها ضراً ولا نفعاً. وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} تفسير : [الأعراف: 197] وقوله تعالى: {أية : وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} تفسير : [الأعراف: 193ـ195] الآية. وفيها الدلالة الواضحة على أنهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً، وقوله تعالى: {أية : وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} تفسير : [الحج: 73] الآية إلى غير ذلك من الآيات. وأما الرابع والخامس والسادس، من الأمور المذكورة: أعني كونهم لا يملكون موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً. فقد جاءت أيضاً مبينة في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [الروم: 40]. فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون، يدل دلالة واضحة على أن شركاءهم ليس واحد منهم يقدر أن يفعل شيئاً من ذلك المذكور في الآية، ومنه الحياة المعبر عنها بخلقكم، والموت المعبر عنه بقوله: ثم يميتكم، والنشور المعبر عنه بقوله: ثم يحييكم، وبين أنهم لا يملكون نشوراً بقوله: {أية : أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 21]، وبين أنهم لا يملكون حياة ولا نشوراً في قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} تفسير : [يونس: 34] الآية، وبين أنه وحده الذي بيده الموت والحياة في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} تفسير : [آل عمران: 145] وقوله تعالى: {أية : وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ} تفسير : [المنافقون: 11] الآية، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [نوح: 4] الآية، وقوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] الآية، وقوله تعالى: {أية : قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ} تفسير : [غافر: 11] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الذي ذكرنا من بيان هذه الآيات بعضها لبعض معلوم بالضرورة من الدين. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} أظهر الأقوال فيه أن المعنى لا يملكون لأنفسهم دفع ضرر ولا جلب نفع. كما قاله القرطبي وغيره. وغاية ما في هذا التفسير حذف مضاف دل المقام عليه، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب وقد أشار إليه في الخلاصة بقوله: شعر : وما يلي المضاف يأتي خلفاً عنه في الإعراب إذا ما حذفاً تفسير : وقيل المعنى: لا يقدرون أن يضروا أنفسهم، أو ينفعوها بشيء والأول هو الأظهر: أي وإذا عجزوا عن دفع ضر عن أنفسهم وجلب نفع لها فهم عن الموت والحياة والنشور أعجز، لأن ذلك لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلاَ نُشُوراً} اعلم أن النشور يطلق في العربية إطلاقين: الأول: أن يكون مصدر نشر الثلاثي المتعدي، تقول: نشر الله الميت ينشره نشراً ونشوراً. والثاني: أن يكون مصدر نشر الميت ينشر نشوراً لازماً، والميت فاعل نشر. والحاصل: أن في المادة ثلاث لغات الأولى: أنشره رباعياً بالهمزة ينشره بضم الياء إنشاراً. ومنه قوله تعالى: {أية : ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} تفسير : [عبس: 22] وقوله تعالى: {أية : وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} تفسير : [البقرة: 259] بضم النون وبالراء المهملة في قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو. وهو مضارع أنشره. والثانية نشر الله الميت ينشره بصيغة الثلاثي المتعدي، والمصدر في هذه اللغة النشر والنشور، ومنه قوله هنا: ولا نشوراً: أي لا يملكون أن ينشروا أحداً بفتح الياء، وضم الشين والثالثة: نشر الميت بصيغة الثلاثي اللازم، ومعنى أنشره، ونشره متعدياً أحياه بعد الموت، ومعنى نشر الميت لازماً حيي الميت وعاش بعد موته، وإطلاق النشر والنشور على الإحياء بعد الموت، وإطلاق النشور على الحياة بعد الموت معروف في كلام العرب، ومن إطلاقهم نشر الميت لازماً فهو ناشر أي عاش بعد الموت قول الأعشى: شعر : لو أسندت ميتاً إلى نحرها عاش ولم ينقل إلى قابر حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر تفسير : ومن إطلاق النشور بمعنى الإحياء بعد الموت، مصدر الثلاثي المتعدي. قوله هنا: ولا نشوراً: أي بعثاً بعد الموت، ومن إطلاقهم النشور بمعنى الحياة بعد الموت مصدر الثلاثي اللازم قول الآخر: شعر : إذا قبلتها كرعت بفيها كروع العسجدية في الغدير فيأخذني العناق وبرد فيها بموت في عظامي أو فتور فنحيا تارة ونموت أخرى ونخلط ما نموت بالنشور تفسير : فقد جعل الغيبوبة من شدة اللذة موتاً، والإفاقة منها نشوراً، أي حياة بعد الموت. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} حذف فيه أحد المفعولين: أي اتخذوا من دونه أصناماً آلهة، كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً} تفسير : [الأنعام: 74] الآية. والآلهة جمع إله، فهو فعال مجموع على أفعلة، لأن الألف التي بعد الهمزة مبدلة من همزة ساكنة هي فاء الكلمة كما قال في الخلاصة: شعر : ومدا أبدل ثاني الهمزين من كلمة إن يسكن كآثر وأتمن تفسير : والإله المعبود فهو فعال بمعنى مفعول، وإتيان الفعال بمعنى المفعول جاءت منه أمثلة في اللغة العربية كالإله بمعنى المألوه: أي المعبود، والكتاب بمعنى المكتوب، واللباس بمعنى: الملبوس، والإمام بمعنى المؤتم به. ومعلوم أن المعبود بحق واحد وغيره من المعبودات أسماء الكفار، ما أنزل الله بها من سلطان {أية : وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} تفسير : [يونس: 66]، {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} تفسير : [النجم: 23] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 3- ومع ذلك ترك الكافرون عبادته، واتخذوا آلهة يعبدونها من دون الله من أصنام وكواكب وأشخاص وهم لا يستطيعون أن يخلقوا شيئاً ما، وهم مخلوقون لله، ولا يملكون دفع الضر عن أنفسهم ولا جلب خير لها، ولا يملكون إماتة أحد ولا إحياءه، ولا بعث الأموات من قبورهم، وكل من لا يملك شيئاً من ذلك لا يستحق أن يعبد، وما أجهل من يعبده، والمستحق للعبادة وحده هو مالك كل هذا. 4- وطعن الكفار فى القرآن وقالوا: إنه كذب اخترعه محمد من عند نفسه ونسبه إلى الله، وساعده فى اختراعه جماعة آخرون من أهل الكتاب، فارتكب الكفار بقولهم هذا ظلماً فى الحكم واعتداء على الحق، وجاءوا بزور لا دليل عليه، لأن من أشاروا إليهم من أهل الكتاب لسانهم أعجمى، والقرآن لسان عربى مبين. 5- وقالوا عن القرآن أيضاً: إنه أكاذيب السابقين سطَّروها فى كتبهم، ثم طلب منهم أن تُكتب له وتُقرأ عليه على الدوام صباحاً ومساء حتى يحفظها ويقولها. 6- قل لهم - أيها النبى -: إن القرآن أنزله الله الذى يعلم الأسرار الخفية فى السموات والأرض، وقد أودعها فى القرآن المعجز دليلا على أنه وحيه سبحانه، إن الله واسع المغفرة والرحمة، يتجاوز عن العاصين إذا تابوا ولا يعجل بعقوبتهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آلِهَةً} {حَيَـاةً} (3) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ جَهْلِ المُشْرِكِينَ فِي اتَّخَاذِ آلِهَةٍ عبدوهَا مِنْ دُونِ اللهِ الخَالِقِ لِكُلِّ شيءٍ، المَالِكِ لأَزِمَّةِ الأمورِ، الذي ما شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ المُشْرِكِينَ عَبَدُوا مَعهُ أصناماً لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَخْلُقَ بَعُوضَةً، وَلاَ تَمْلِكُ لِنَفْسِها نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً، فَكَيْفَ تَمْلكُ مِثْلَ ذَلِكَ لِمَنْ يَعْبُدُونَها؟ وَلاَ تَمْلِكُ هَذِهِ الأَصْنَامُ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً، وَلاَ تَمْلِكُ نُشُوراً. والذي يَمْلِكُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ، هُوَ اللهُ الخَالِقُ البارِئُ، الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيَبْعَثُ الخَلاَئِقَ وَيَنْشُرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَمَنْ مَلَكَ ذَلِكَ كَانَ هُوَ الأَحَقَّ بالعِبَادَةِ. نُشُوراً - بَعْثاً بعدَ المَوتِ فِي الآخِرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أتوْا بآلهة غير الله، هذه الآلهة بإقرارهم وبشهادتهم وواقعهم لا تخلق شيئاً، ويا ليتها فقط لا تخلق شيئاً، ولكن هي أنفسها مخلوقة، فاجتمع فيها الأمران. وهذه من الآيات التي وقف عندها المستشرقون وقالوا: إن فيها شبهة تناقض؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - قال: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنون: 14] فأثبت أن معه آخرين لهم صفة الخَلْق، بدليل أنه جمعهم معه، وهو سبحانه أحسنهم. وفي موضع آخر يقول سبحانه: {أية : وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [آل عمران: 49]. وللردِّ على هؤلاء نقول: تعالوْا أولاً نفهم معنى الخَلْق، الخَلْق: إيجاد لمعدوم، كما مثّلْنا سابقاً بصناعة كوب الزجاج من صَهْر بعض المواد، فالكوب كان معدوماً وهو أوجده، لكن من شيء موجود، كما أن الكوب يجمد على حالته، لكن الحق سبحانه وتعالى يُوجِد من معدوم: معدوماً من معدوم، ويُوجده على هيئة فيها حياة ونمو وتكاثر من ذاته، كما قال سبحانه: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الذاريات: 49]. والذين يصنعون الآن الورد الصناعي، ويحاولون جاهدين مُضَاهاة الورد الطبيعي الذي خلقه، فيضعون عليه رائحة الورد ليتوفر لها الشكل والرائحة، ثم ترى الوردة الصناعية زاهية لا تذبُل، لكن العظمة في الوردة الطبيعية أنها تذبل؛ لأن ذُبولها يدلُّ على أن بها حياة. لذلك سمَّى اللهُ الإنسانَ خالقاً، فأنصفه واحترم إيجاده للمعدوم، لكنه سبحانه أحسنُ الخالقين، ووَجْه الحُسْن أن الله تعالى خلق من لا شيء، وأنت خلقتَ من موجود، الله خلق خَلْقاً فيه حياة ونمو وتكاثر، وأنت خلقتَ شيئاً جامداً على حالته الأولى، ومع ذلك أنصفك ربك. ففي قوله تعالى: {أية : أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ ..}تفسير : [آل عمران: 49] معلوم أنه في مقدور كل إنسان أنْ يُصوِّر من الطين طَيْراً؟ ويُصمِّمه على شكله، لكن أَيُقال له: إنه خلق بهذا التصوير طَيْراً؟ وهل العظمة في تصويره على هيئة الطير؟ العظمة في أنْ تبعثَ فيه الحياة، وهذه لا تكون إلا من عند الله؛ لذلك قال عيسى عليه السلام: {أية : فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [آل عمران: 49]. فإنْ سلَّمْنا أنهم يخلقون شيئاً فهم في ذات الوقت مخلوقون، والأدْهَى من هذا أن الذي يتخذونه إلهاً لا يستطيع حتى أن يحمي نفسه أو يقيمها، إنْ أطاحتْ به الريح، وإنْ كُسِر ذراع الإله أخذوه لِيُرمموه، الإله في يد العامل ليصلحه!! شيء عجيب وعقليات حمقاء. لذلك يقول تعالى عن آلهتهم: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ}تفسير : [الحج: 73]. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ..} [الفرقان: 3] يعني: لا تنفعهم إنْ عبدوها، ولا تضرّهم إنْ كفروا بها {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً} [الفرقان: 3] أي: موتاً أو حياة لغيرهم، فهم لا يملكون شيئاً من هذا كله، لأنه من صفات الإله الحق الذي يُحيي ويُميت، ثم ينشر الناس في الآخرة. إذن: للإنسان مراحل متعددة، فبعد أنْ كان عَدَماً أوجده الله، ثم يطرأ عليه الموت فيموت، ثم يبعثه الله، ويُحييه حياة الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ...}.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدثنا علب بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السلام في قوله تعالى: {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً} معناه إحياءٌ بعدَ المَوتِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: من أعجب العجائب وأدل الدليل على سفههم ونقص عقولهم، بل أدل على ظلمهم وجراءتهم على ربهم أن اتخذوا آلهة بهذه الصفة، في كمال العجز أنها لا تقدر على خلق شيء بل هم مخلوقون، بل بعضهم مما عملته أيديهم. { وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا } أي: لا قليلا ولا كثيرا، لأنه نكرة في سياق النفي. { وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا } أي: بعثا بعد الموت، فأعظم أحكام العقل بطلان إلهيتها وفسادها وفساد عقل من اتخذها آلهة وشركاء للخالق لسائر المخلوقات من غير مشاركة له في ذلك، الذي بيده النفع والضر والعطاء والمنع الذي يحيي ويميت ويبعث من في القبور ويجمعهم ليوم النشور، وقد جعل لهم دارين دار الشقاء والخزي والنكال لمن اتخذ معه آلهة أخرى، ودار الفوز والسعادة والنعيم المقيم لمن اتخذه وحده معبودا. ولما قرر بالدليل القاطع الواضح صحة التوحيد وبطلان ضده قرر صحة الرسالة وبطلان قول من عارضها واعترضها فقال: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):