Verse. 2859 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَقَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْۗا اِنْ ھٰذَاۗ اِلَّاۗ اِفْكُۨ افْتَرٰىہُ وَاَعَانَہٗ عَلَيْہِ قَوْمٌ اٰخَرُوْنَ۝۰ۚۛ فَقَدْ جَاۗءُوْ ظُلْمًا وَزُوْرًا۝۴ۚۛ
Waqala allatheena kafaroo in hatha illa ifkun iftarahu waaAAanahu AAalayhi qawmun akharoona faqad jaoo thulman wazooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الذين كفروا إن هذا» أي ما القرآن «إلا إفك» كذب «افتراه» محمد «وأعانه عليه قوم آخرون» وهم من أهل الكتاب، قال تعالى: «فقد جاءُوا ظلما وزورا» كفرا وكذبا: أي بهما.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه تكلم أولاً في التوحيد، وثانياً في الرد على عبدة الأوثان، وثالثاً في هذه الآية تكلم في مسألة النبوة، وحكى سبحانه شبههم في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الشبهة الأولى: قولهم: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ } وأعانه عليه قوم آخرون، ونظيره قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } تفسير : [النحل: 103] واعلم أنه يحتمل أن يريدوا به أنه كذب في نفسه، ويحتمل أن يريدوا به أنه كذب في إضافته إلى الله تعالى، ثم ههنا بحثان: الأول: قال أبو مسلم: الافتراء افتعال من فريت، وقد يقال في تقدير الأديم فريت الأديم، فإذا أريد قطع الإفساد قيل أفريت وافتريت وخلقت واختلقت، ويقال فيمن شتم امرءاً بما ليس فيه افترى عليه. البحث الثاني: قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث فهو الذي قال هذا القول {وأعانه عليه قوم آخرون} يعني عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار (غلام عامر) بن الحضرمي، وجبر مولى عامر، وهؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرأون التوراة ويحدثون أحاديث منها فلما أسلموا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال. واعلم أن الله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: {فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً } وفيه أبحاث: الأول: أن هذا القدر إنما يكفي جواباً عن الشبهة المذكورة، لأنه قد علم كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن وهم النهاية في الفصاحة، وقد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآيات، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا، ولكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم فيه مما أوردوه في هذه الآية وغيرها، ولو استعان محمد عليه السلام في ذلك بغيره لأمكنهم أيضاً أن يستعينوا بغيرهم، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم كأولئك المنكرين في معرفة اللغة وفي المكنة من الاستعانة، فلما لم يفعلوا ذلك والحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ النهاية في الفصاحة وانتهى إلى حد الإعجاز، ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات في القرآن وظهر بسببها سقوط هذا السؤال، ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الأدلة الواضحة لا يكون إلا للتمادي في الجهل والعناد، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله: {فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً }. البحث الثاني: قال الكسائي: قوله تعالى: {فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً } أي أتوا ظلماً وكذباً وهو كقوله: { أية : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } تفسير : [مريم:89] فانتصب بوقوع المجيء عليه، وقال الزجاج: انتصب بنزع الخافض، أي جاءوا بالظلم والزور. البحث الثالث: أن الله تعالى وصف كلامهم بأنه ظلم وبأنه زور، أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه وذلك هو الظلم، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه، وقال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والرد عليه، والزور كذبهم عليهم. الشبهة الثانية لهم: قوله تعالى: {وَقَالُواْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } وفيه أبحاث: البحث الأول: الأساطير ما سطره المتقدمون كأحاديث رستم واسفنديار، جمع أسطار أو أسطورة كأحدوثة {ٱكْتَتَبَهَا } انتسخها محمد من أهل الكتاب يعني عامراً ويساراً وجبراً، ومعنى اكتتب ههنا أمر أن يكتب له كما يقال احتجم وافتصد إذا أمر بذلك {فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ } أي تقرأ عليه والمعنى أنها كتبت له وهو أمي فهي تلقي عليه من كتابه ليحفظها لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب. أما قوله: {بُكْرَةً وَأَصِيلاً } قال الضحاك ما يملى عليه بكرة يقرؤه عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرؤه عليكم بكرة. البحث الثاني: قال الحسن قوله: {فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } كلام الله ذكره جواباً عن قولهم كأنه تعالى قال إن هذه الآيات تملى عليه بالوحي حالاً بعد حال، فكيف ينسب إلى أنه أساطير الأولين، وأما جمهور المفسرين فقد اتفقوا على أن ذلك من كلام القوم، وأرادوا به أن أهل الكتاب أملوا عليه في هذه الأوقات هذه الأشياء ولا شك أن هذا القول أقرب لوجوه: أحدها: شدة تعلق هذا الكلام بما قبله، فكأنهم قالوا اكتتب أساطير الأولين فهي تملى عليه وثانيها: أن هذا هو المراد بقولهم: {وأعانه عليه قوم آخرون} وثالثها: أنه تعالى أجاب بعد ذلك عن كلامهم بقوله: {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسّرَّ } قال صاحب «الكشاف»، وقول الحسن إنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار وحق الحسن أن يقف على {ٱلأَوَّلِينَ }، وأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله: {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } وفيه أبحاث: البحث الأول: في بيان أن هذا كيف يصلح أن يكون جواباً عن تلك الشبهة؟ وتقريره ما قدمنا أنه عليه السلام تحداهم بالمعارضة وظهر عجزهم عنها ولو كان عليه السلام أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضاً أن يستعينوا بأحد فيأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي الله وكلامه، فلهذا قال: {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسّرَّ } وذلك لأن القادر على تركيب ألفاظ القرآن لا بد وأن يكون عالماً بكل المعلومات ظاهرها وخافيها من وجوه: أحدها: أن مثل هذه الفصاحة لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات وثانيها: أن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب، وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات وثالثها: أن القرآن مبرأ عن النقص وذلك لا يتأتى إلا من العالم على ما قال تعالى: { أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } تفسير : [النساء: 82] ورابعها: اشتماله على الأحكام التي هي مقتضية لمصالح العالم ونظام العباد، وذلك لا يكون إلا من العالم بكل المعلومات وخامسها: اشتماله على أنواع العلوم وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات، فلما دل القرآن من هذه الوجوه على أنه ليس إلا كلام بكل المعلومات لا جرم اكتفى في جواب شبههم بقوله: {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسّرَّ }. البحث الثاني: اختلفوا في المراد بالسر، فمنهم من قال المعنى أن العالم بكل سر في السموات والأرض هو الذي يمكنه إنزال مثل هذا الكتاب، وقال أبو مسلم: المعنى أنه أنزله من يعلم السر فلو كذب عليه لانتقم منه لقوله تعالى: { أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ } تفسير : [الحاقة: 44] وقال آخرون: المعنى أنه يعلم كل سر خفي في السموات والأرض، ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله مع علمكم بأن ما يقوله حق ضرورة، وكذلك باطن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما تتهمونه به، وهو سبحانه مجازيكم ومجازيه على ما علم منكم وعلم منه. البحث الثالث: إنما ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع لوجهين: الأول: قال أبو مسلم المعنى أنه إنما أنزله لأجل الإنذار فوجب أن يكون غفوراً رحيماً غير مستعجل في العقوبة الثاني: أنه تنبيه على أنهم استوجبوا بمكايدتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صباً ولكن صرف ذلك عنهم كونه غفوراً رحيماً يمهل ولا يعجل. الشبهة الثالثة: وهي في نهاية الركاكة ذكروا له صفات خمسة فزعموا أنها تخل بالرسالة إحداها: قولهم: {مَّالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ } وثانيتها: قولهم: {وَيَمْشِى فِى ٱلأَسْوَاقِ } يعني أنه لما كان كذلك فمن أين له الفضل علينا وهو مثلنا في هذه الأمور وثالثتها: قولهم: {لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } يصدقه أو يشهد له ويرد على من خالفه ورابعتها: قولهم: {أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ } أي من السماء فينفقه فلا يحتاج إلى التردد لطلب المعاش وخامستها: قولهم: {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } قرأ حمزة والكسائي {نَّأْكُلَ مِنْهَا } بالنون وقرأ الباقون بالياء والمعنى إن لم يكن لك كنز فلا أقل من أن تكون كواحد من الدهاقين فيكون لك بستان تأكل منه وسادستها: قولهم: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } وقد تقدمت هذه القصة في آخر سورة بني إسرائيل فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه: أحدها: قوله: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } وفيه أبحاث: الأول: أن هذا كيف يصلح أن يكون جواباً عن تلك الشبهة؟ وبيانه أن الذي يتميز الرسول به عن غيره هو المعجزة وهذه الأشياء التي ذكروها لا يقدح شيء منها في المعجزة فلا يكون شيء منها قادحاً في النبوة، فكأنه تعالى قال انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها لأجل أنهم لما ضلوا وأرادوا القدح في نبوتك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلاً ألبتة إذ الطعن عليه إنما يكون بما يقدح في المعجزات التي ادعاها لا بهذا الجنس من القول وفيه وجه آخر وهو أنهم لما ضلوا لم يبق فيهم استطاعة قبول الحق، وهذا إنما يصح على مذهبنا وتقريره بالعقل ظاهر، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مستوى الداعي إلى الحق والباطل، وإما أن يكون داعيته إلى أحدهما أرجح من داعيته إلى الثاني، فإن كان الأول فحال الاستواء ممتنع الرجحان فيمتنع الفعل وإن كان الثاني فحال رجحان أحد الطرفين يكون حصول الطرف الآخر ممتنعاً، فثبت أن حال رجحان الضلالة في قلبه استحال منه قبول الحق، وما كان محالاً لم يكن عليه قدرة، فثبت أنهم لما ضلوا ما كانوا مستطيعين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} يعني مشركي قريش. وقال ابن عباس: القائل منهم ذلك النضر بن الحرث؛ وكذا كلّ ما في القرآن فيه ذكر الأساطير. قال محمد بن إسحاق: وكان مؤذياً للنبيّ صلى الله عليه وسلم. {إِنْ هَـٰذَا} يعني القرآن. {إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ} أي كذب اختلقه. {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} يعني اليهود؛ قاله مجاهد. وقال ابن عباس: المراد بقوله: {قَوْمٌ آخَرُونَ} أبو فُكَيْهة مولى بني الحضرمي وعدّاس وجبر، وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب. وقد مضى في «النحل» ذكرهم. {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً} أي بظلم. وقيل: المعنى فقد أتوا ظلماً. {وَزُوراً وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} قال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة؛ مثل أحدوثة وأحاديث. وقال غيره: أساطير جمع أسطار؛ مثل أقوال وأقاويل. {ٱكْتَتَبَهَا} يعني محمداً. {فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ} أي تلقى عليه وتقرأ. {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} حتى تحفظ. و{تملى} أصله تُملَل؛ فأبدلت اللام الأخيرة ياء من التضعيف: كقولهم: تَقَضَّى البازي؛ وشبهه. قوله تعالى: {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي قل يا محمد أنزل هذا القرآن الذي يعلم السر، فهو عالم الغيب، فلا يحتاج إلى معلم. وذكر {السر} دون الجهر؛ لأنه من علم السر فهو في الجهر أعلم. ولو كان القرآن مأخوذاً من أهل الكتاب وغيرهم لما زاد عليها، وقد جاء بفنون تخرج عنها، فليس مأخوذاً منها. وأيضاً ولو كان مأخوذاً من هؤلاء لتمكن المشركون منه أيضاً كما تمكن محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهلا عارضوه فبطل اعتراضهم من كل وجه. {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} يريد غفوراً لأوليائه رحيماً بهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن سخافة عقول الجهلة من الكفار في قولهم عن القرآن: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ} أي: كذب {ٱفْتَرَاهُ} يعنون: النبي صلى الله عليه وسلم {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ} أي: واستعان على جمعه بقوم آخرين، فقال الله تعالى: {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً} أي: فقد افتروا هم قولاً باطلاً، وهم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون، {وَقَالُوۤاْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا} يعنون: كتب الأوائل، أي: استنسخها، {فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ} أي: تقرأ عليه {بُكْرَةً وَاَصِيلاً} أي: في أول النهار وآخره، وهذا الكلام لسخافته وكذبه وبهته منهم، يعلم كل أحد بطلانه، فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة: أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعاني شيئاً من الكتابة، لا في أول عمره، ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحواً من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه، وصدقه ونزاهته، وبره وأمانته، وبعده عن الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم كانوا يسمونه في صغره وإلى أن بعث: الأمين؛ لما يعلمون من صدقه وبره، فلما أكرمه الله بما أكرمه به، نصبوا له العداوة، ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا فيما يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون، وتارة يقولون: كذاب، وقال الله تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} وقال تعالى في جواب ما عاندوا ههنا وافتروا: {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} الآية، أي: أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخباراً حقاً صدقاً مطابقاً للواقع في الخارج ماضياً ومستقبلاً {ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ} أي: الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر. وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} دعاء لهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار لهم بأن رحمته واسعة، وأن حلمه عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم، وفجورهم وبهتانهم، وكفرهم وعنادهم، وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا، يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيه إلى الإسلام والهدى؛ كما قال تعالى: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [المائدة: 73 ــــ 74] وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ} تفسير : [البروج: 10] قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَٰذَآ } أي ما القرآن {إِلاَّ إِفْكٌ } كذب {ٱفْتَرَٰهُ } محمد {وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ} وهم أهل الكتاب، قال تعالى {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً } كفراً وكذباً: أي بهما.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني مشركي قريش، وقال ابن عباس: القائل منهم ذلك النضر بن الحارث. {إِن هذَآ} يعني القرآن. {إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ} أي كذب اختلقه. {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ} وفيمن زعموا أنه أعانه عليه أربعة أقاويل: أحدها: قوم من اليهود، قاله مجاهد. الثاني: عبد الله الحضرمي، قاله الحسن. الثالث: عدّاس غلام عتبة، قاله الكلبي. والرابع: أبو فكيهة الرومي، قاله الضحاك.

ابن عطية

تفسير : المراد بــ {الذين كفروا} قريش وذلك أن بعضهم قال {هذا إفك} وكذب {افتراه} محمد واختلف المتأولون في "القوم" المعينين على زعم قريش، فقال مجاهد أشاروا إلى قوم من اليهود، وقال ابن عباس أشاروا إلى عبيد كانوا للعرب من الفرس أحدهم أبو فكيهة مولى الحضرميين وجبر ويسار وعداس وغيرهم، ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم ما {جاؤوا} إلا إفكاً {وزوراً} أي ما قالوا إلا باطلاً وبهتاناً، و"الزور" تحسين الباطل هذا عرفه وأصله التحسين مطلقاً، ومنه قول عمر رضي الله عنه: فأردت أن أقدم بين يدي أبي بكر مقالة كنت زورتها. وقوله. {وقالوا أساطير الأولين}، قال ابن عباس يعني بذلك قول النضر بن الحارث، وذلك أن كل ما في القرآن من ذكر {أساطير الأوليين} فإنما هو بسبب قول النضر بن الحارث حسب الحديث المشهور في ذلك ثم رموا محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه {اكتتبها} وقرأ طلحة بن مصرف "اكتُتِبها" بضم التاء الأولى وكسر الثانية على معنى اكتتب له، ذكرها أبو الفتح، وقرأ طلحة "تُتلى" بتاء بدل الميم، ثم أمره تعالى أن يقول إن الذي أنزله هو الله {الذي يعلم} سر جميع الأشياء التي {في السماوات والأرض} ثم أعلم بأنه غفور رحيم ليرجي كل سامع في عفوه ورحمته مع التوبة والإنابة، والمعنى أن الله غفور رحيم في إبقائه على أهل هذه المقالات.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} مشركو مكة، أو النضر بن الحارث "ع" {إِفْكٌ} كذب اختلقه وأعانه {قَوْمٌ} من اليهود، أو عبد الله بن الحضرمي، أو عداس مولى عتبة "وجبر مولى عامر بن الحضرمي"، أو أبو فكيهة الرومي.

الثعالبي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني: قريشاً {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَٰهُ}: محمد، {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ} تقدمت الإشارة إلى ذلك في سورة النحل، ثم أكذبهم اللّه تعالى، وأخبر أَنَّهم ما جاؤوا إلاَّ إثماً وزوراً، أي: ما قالوا إلاَّ باطلاً وبُهْتَاناً؛ قال البخاريُّ: {تُمْلَىٰ عَلَيْهِ} تقرأ عليه؛ من أمليت وأمللت، انتهى. ثم أمر تعالى نَبِيُّه عليه السلام أنْ يقول: إنَّ الذي أنزله هو الذي يعلم سِرَّ جميع الأشياء التي في السموات والأرض، وعبارة الشيخ العارف باللّه، سيدي عبد اللّه بن أبي جمرة (رضي اللّه عنه): ولما كان المرادُ مِنَّا بمُقْتَضَى الحكمة الرَّبَانِيَّةِ العبادَةُ ودوامُهَا؛ ولذلك خُلِقْنَا كما ذكر مولانا سبحانه في الآية الكريمة، يعني: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : الآية [الذاريات:56]. وهو عز وجل غَنِيٌّ عن عبادتنا وعن كل شيء؛ لكن الحكمة اقتضته لأَمرٍ لا يعلمه إلاَّ هو؛ كما قال اللّه عز وجل: {ٱلََّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: الذي يعلم الحكمةَ في خلقها وكذلك في خَلْقِنَا وخَلْقِ جميعِ المخلوقات، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ} الآية. لما تكلم أولاً في التوحيد وثانياً في الرد على عبدة الأوثان، تكلم ههنا في مسألة النبوة، وحكى شبه الكفار في إنكار نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -. فالشبهة الأولى: قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ}. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث هو الذي قال هذا القول {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} يعني: عامر مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار غلام عامر بن الحضرمي، وجبير مولى عامر، هؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرؤون التوراة، فلما أسلموا، وكان النبي يتعهدهم، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال. وقال الحسن: عبيد بن الحصر الحبشيّ الكاهن. وقيل: جبر ويسار وعداس عبيد كانوا بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن محمداً يأخذ منهم. قوله: "افتراه" الهاء تعود على "إفك" وقال أبو البقاء: الهاء تعود على "عبده" في أول السورة. قال شهاب الدين: ولا أظنه إلا غلطاً وكأنه أراد أن يقول الضمير المرفوع في "افتراه" فغلط. قوله "ظلماً" فيه أوجه: أحدها: أنه مفعول به، لأن جاء يتعدى بنفسه (وكذلك أتى). والثاني: أنه على إسقاط الخافض، أي: جاءوا بظلم. قاله الزجاج. الثالث: أنه في موضع الحال، فيجيء فيه ما في قولك: جاء زيد عدلاً. قال الزمخشري: {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً} أي: أتوا ظلماً وكذباً كقوله: {أية : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} تفسير : [مريم: 89] فانتصب بوقوع المجيء. أما كونه "ظلماً" فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وذلك هو الظلم. وأما كونه "زوراً" فلأنهم كذبوا، قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول. الشبهة الثانية: قوله تعالى: {وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ. ٱكْتَتَبَهَا} الآية. يجوز في "اكْتَتَبَهَا" ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون حالاً من "أساطير"، والعامل فيها معنى التنبيه أو الإشارة المقدرة، فإن "أَسَاطِير" خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذه أساطير الأولين مكتتبة. الثاني: أن يكون في موضع خبر ثان لـ "هذه". الثالث: أن يكون "أساطير" مبتدأ و"اكْتَتَبَها" خبره. و"اكْتَتَبَها" الافتعال هنا يجوز أن يكون بمعنى: أمر بكتابتها كافتصد واحتجم إذا أمر بذلك ويجوز أن يكون بمعنى كتبها، وهو من جملة افترائهم عليه، لأنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ويكون كقولهم: (استكبه واصطبه، أي: سكبه وصبه)، والافتعال مشعر بالتكليف. ويجوز أن يكون من كتب بمعنى جمع من الكتب، وهو الجمع لا من الكتابة بالقلم. وقرأ طلحة "اكتُتِبهَا" مبنياً للمفعول. قال الزمخشري: والمعنى: اكتتبها له كاتب، لأنه كان أمياً لا يكتب بيده، ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير، فصار اكتُتِبها إياه كاتب، كقوله: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ} تفسير : [الأعراف: 155]، ثم بنى الفعل للضمير الذي هُوَ إيَّاه فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان منصوباً بارزاً، وبقي ضمير الأساطير على حاله، فصار "اكتُتِبَها" كما ترى. قال أبو حيان: ولا يصح ذلك على مذهب جمهور البصريين، لأن "اكتَتَبها" له كاتب، وصل الفعل فيه المفعولين: أحدهما: مسرح، وهو ضمير الأساطير والآخر مقيّد، وهو ضميره عليه السلام - ثم اتسع في الفعل، فحذف حرف الجر، فصار "اكْتَتَبَها إياه كاتبٌ"، فإذا بني هذا للمفعول إنما ينوب عن الفاعل المفعول المسرح لفظاً وتقديراً، لا المسرح لفظاً المقيد تقديراً، فعلى هذا كان يكون التركيب (اكتَتَبه) لا (اكتَتَبها)، وعلى هذا الذي قلناه جاء السماع، قال الفرزدق: شعر : 3861- ومنَّا الَّذِي اختير الرجال سماحةً وجوداً إذا هبَّ الرياحُ الزّعازعُ تفسير : ولو جاء على ما قدره الزمخشري لجاء التركيب: ومنَّا الذي اختيره الرجال. لأن (اختير) تعدى إلى الرجال بإسقاط حرف الجر؛ إذ تقديره: اختير من الرجال. وهو اعتراض حسن بالنسبة إلى مذهب الجمهور، ولكن الزمخشري قد لا يلتزمه، ويوافق الأخفش والكوفيين، وإذا كان الأخفش وهم يتركون المسرح لفظاً وتقديراً، ويقيمون المجرور بالحرف مع وجوده، فهذا أولى. والظاهر أن الجملة من قوله {اكتتبها فهي تملى} من تتمة قول الكفار. وعن الحسن أنها من كلام الباري تعالى، وكان حق الكلام على هذا أن يقرأ "أَكْتَتَبَها" بهمزة مقطوعة مفتوحة للاستفهام كقوله: {أية : أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} تفسير : [سبأ: 8]. ويمكن أن يعتذر عنه أنه حذف الهمزة للعلم بها كقوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} تفسير : [الشعراء: 22]. وقول الآخر: شعر : 3862- أفْرَحُ أَنْ أُرزأَ الكرام وأن أُورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبلاَ تفسير : يريد: أو تلك، أو أأفرح، فحذف لدلالة الحال، وحقه أن يقف على "الأولين" قال الزمخشري: كيف قيل: {اكتَتَبها فهي تملى عليه} وإنما يقال: أمليت عليه فهو يكتبها. قلت فيه وجهان: أحدهما: أراد اكتِتَابها وطلبه، فهي تملى عليه، أو كتبت له، وهو أمر فهي تملى عليه، أي: تلقى عليه من كتاب يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب. وقرأ عيسى وطلحة "تُتْلَى" بتاءين من [فوق من التلاوة. و"بُكْرَةً وأَصِيلاً" ظرفا زمان للإملاء، والياء في "تُمْلَى" بدل من] اللام، كقوله: {أية : فَلْيُمْلِلِ} تفسير : [البقرة: 282] وقد تقدم. فصل المعنى: أن هذا القرآن ليس من الله، إنما هو مما سطره الأولون كأحاديث رستم واسفنديار، جمع أسطار وأسطورة كأحدوثة استنسخها محمد من أهل الكتاب {فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ} أي: تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها "بُكْرَةً وأَصِيلاً" غدوة وعشيًّا. قوله: {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ} الآية. وهذا جواب عن شبههم، وذلك أنه - عليه السلام - تحداهم بالمعارضة وأظهر عجزهم عنها، ولو كان عليه السلام أتى بالقرآن من عند نفسه، أو استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضاً أن يستعينوا بأحد، فيأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي الله وكلامه، فلهذا قال: "قُلْ أَنْزَلَهُ" يعني: القرآن {ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ} أي: الغيب {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}؛ لأن القادر على تركيب ألفاظ القرآن لا بد وأن يكون عالماً بكل المعلومات ظاهرها وخفيها، {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82] ثم قال: {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}، فذكر الغفور في هذا الموضع لوجهين: أحدهما: قال أبو مسلم: إنه لما أنزله لأجل الإنذار وجب أن يكون غفوراً رحيماً، غير مستعجل بالعقوبة. الثاني: أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العقاب صبًّا، ولكن صرف عنهم كونه غفوراً رحيماً، يمهل ولا يعاجل. الشبهة الثالثة: قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ}. الآية. "ما" استفهامية مبتدأة، والجار بعدها خبر، و"يأكل" جملة حالية، وبها تتم فائدة الإخبار، كقوله: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر: 49] وقد تقدم في النساء أن لام الجر كتبت مفصولة من مجرورها، وهو خارج عن قياس الخط. والعامل في الحال الاستقرار العامل في الجر، أو نفس الجر ذكره أبو البقاء. قوله: "فَيَكُونَ". العامة على نصبه، وفيه وجهان: أحدهما: نصبه على جواب التحضيض. والثاني: قال أبو البقاء: "فَيَكُونَ" منصوب على جواب الاستفهام. وفيه نظر، لأن ما بعد الفاء لا يترتب على هذا الاستفهام، وشرط النصب أن ينعقد منهما شرط وجزاء. وقرئ "فَيَكُونُ" بالرفع وهو معطوف على "أُنْزِلَ"، وجاز عطفه على الماضي؛ لأن المراد بالماضي المستقبل إذ التقدير: لولا ينزل. قوله: "أَوْ يُلقَى... أَوْ تَكُون" معطوفان على "أنزل" لما تقدم من كونه بمعنى ينزل، ولا يجوز أن يُعطفا على "فَيَكُون" المنصوب في الجواب؛ لأنهما مندرجان في التحضيض في حكم الواقع بعد "لولا"، وليس المعنى على أنهما جواب للتحضيض، فَيُعْطَفا على جوابه. وقرأ الأعمش وقتادة {أَوْ يَكُونُ لَهُ} بالياء من تحت؛ لأن تأنيث الجنة مجازي. قوله: "يَأْكُلُ مِنْهَا" الجملة في موضع الرفع صفة لـ "جَنّة". وقرأ الأخوان "نَأْكُلُ" بنون الجمع، والباقون بالياء من تحت أي: الرسول. قوله: "وَقَالَ الظَّالِمُون" وضع الظاهر موضع المضمر؛ إذ الأصل "وَقَالُوا". قال الزمخشري: وأراد بالظالمين إياهم بأعيانهم. قال أبو حيان: وقوله ليس تركيباً سائغاً بل التركيب العربي أن يقول أرادهم بأعيانهم. فصل وهذه الشبهة التي ذكروها في نهاية الرذالة، فقالوا: {مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} يلتمس المعاش كما نلتمس فمن أين له الفضل علينا؟ وكيف يمتاز عنّا بالنبوة، وهو مثلنا في هذه الأمور. وقالوا: {لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ} هلاّ أنزل إليه ملك {فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} يصدقه ويشهد له، ويرد على من خالفه. {أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ} من السماء، فينفعه ولا يحتاج إلى تردد لطلب المعاش، وكانوا يقولون له: لستَ أنتَ بملك، لأنك تأكل والملك لا يأكل، ولست بملك؛ لأن الملك لا يتسوق، وأنت تتسوق وتتبذل. وما قالوه فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدمياً، ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ذلك صفة له. وقالوا: {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا}، والمعنى: إن لم يكن له كنز فلا أقلّ أن يكون كواحد من الدهاقين، فيكون له بستان يأكل منه {وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} مخدوعاً، وقيل: مصروفاً عن الحق. وتقدمت هذه القصة في آخرِ بني إسرائيل. ثم أجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: {ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} يعني الأشباه فضلوا عن الحق {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} إلى الهدى ومخرجاً عن الضلالة. وبيان وجه الجواب كأنه تعالى قال: انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها: لأجل أنهم لما ضلوا وأرادوا القدح في نبوَّتِك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلاً البتّة، إذ الطعن عليه إنما يكون بما يقدح في المعجزات التي ادعاها لا بهذا الجنس من القول.

البقاعي

تفسير : ولما وصف منزل الفرقان بما لا يحيط به علم أحد غيره من الشؤون، فاتضح بذلك إعجاز المنزل الذي أبان ذلك، وهو هذا القرآن، وأنه وحده الفرقان، عجب من حال المكذبين به فقال موضع {وقالوا}: {وقال الذين كفروا} مظهراً الوصف الذي حملهم على هذا القول، وهو ستر ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في إخفائه: {إن} أي ما {هذا} أي القرآن {إلا إفك} أي كذب مصروف عن ظاهره ووجه هو أسوأ الكذب {افتراه} أي تعمد كذبه هذا النذير، فكان قولهم هذا موضع العجب لكونه ظاهر الخلل. ولما كان الإنسان مطبوعاً على أنه يتكثر بأدنى شيء من المحاسن فيحب أن تظهر عنه ولا ينسب شيء منها إلى غيره، كان أعجب من ذلك وأظهر عواراً قولهم: {وأعانه} أي محمداً {عليه} أي القرآن {قوم} أي ذوو كفاية حبوه بما يتشرف به دونهم؛ وزادوا بعداً بقولهم: {آخرون} أي من غير قومه؛ فقيل: أرادوا اليهود، وقيل: غيرهم ممن في بلدهم من العبيد النصارى وغيرهم، فلذلك تسبب عنه قوله تعالى: {فقد جاءو} أي الكفار في ذلك {ظلماً} بوضع الإفك على ما لا أصدق منه ولا أعدل {وزوراً*} أي ميلاً مع جلافة عظيمة عن السنن المستقيم في نسبة أصدق الناس وأطهرهم خليقة، وأقومهم طريقة، إلى هذه الدنايا التي لا يرضاها لنفسه أسقط الناس، فإنها - مع كنها دنيئة في نفسها - مضمونة الفضيحة؛ قال ابن جرير وأصل الزور تحسين الباطل وتأويل الكلام. ولما تبين تناقضهم أولاً في ادعائهم في القرآن ما هو واضح المنافاة لوصفه، وثانياً بأنه أعين عليه بعد ما أشعرت به صيغة الافتعال من الانفراد، أتبعه تعالى تناقضاً لهم آخر بقوله معجباً: {وقالوا} أي الكفار {أساطير} جمع إسطارة وأسطورة {الأولين} من نحو أحاديث رستم وإسفنديار، فصرحوا أنه ليس له فيه شيء {اكتتبها} أي تطلب كتابتها له {فهي} أي فتسبب عن تكلفه أنها {تملى} أي تلقى من ملق ما إلقاء جيداً متجدداً مستمراً {عليه} من الكتاب الذي اكتتبها فيه في أوقات الفراغ {بكرة} قبل أن ينتشر الناس {وأصيلاً*} أي وعشياً حين يأوون إلى مساكنهم، أو دائماً ليتكلف حفظها بعد أن تكلف تحصيلها بالانتساخ أنه أمي، وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل ولا مروءة، فإن من المعلوم الذي لا يخفى على عاقل أن إنساناً لو لازم شيئاً عشرة أيام بكرة وعشياً لم يبق ممن يعرفه ويطلع على أحواله أحد حتى عرف ذلك منه، فلو أنكره بعد لافتضح فضيحة لا يغسل عنه عارها أبداً، فكيف والبلد صغير، والرجل عظيم شهير، وقد ادعوا أنه مصر على ذلك إلى حين مقالتهم وبعدها لا ينفك، وعيروه بأنه معدم يحتاج إلى المشي في الأسواق، و هو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله، وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء، وهو أكثر منه مالاً، وأعظم أعواناً، فلا يقدرون. ولما رموه بهذه الأقوال التي هم فيها في خبط عشواء، وكانت مع كونها ظاهرة العوار، عند من له أدنى استبصار، تروج على بعض العرب بعض الرواج، مع سعة عقولهم، وصحة أفكارهم، لشبه واهية مكنهم فيها التقليد، وشدة الالف لما هم عليه من الزمن المديد، أمره سبحانه بجوابهم مستأنفاً فقال: {قل} أي دالاً على بطلان ما قالوه مهدداً لهم: {أنزله} أي القرآن من خزائن علمه خلافاً لجميع ما تقولتموه {الذي يعلم السر} أي كله، لا يخفى عليه منه خافية فكيف بالجهر! {في السماوات والأرض} فهو يجيبكم عن كل ما تقولتموه فيّ وفي كتابه وإن أسررتموه، ويبين جميع ما يحتاج إليه العباد في الدارين في كلام معجز لفظاً ومعنى على وجه يتحقق كل ذي لب أنه لا يقوله إلا عالم بجميع المعلومات، ولا يحيط بجميع المعلومات سواه، وهذا ظاهر جداً من إخباره بالماضي بما يصدقه العلماء من الماضين، وحكمه على الآتي بما يكون ضربة لازم، وإظهاره الخبء وإحكامه لجميع ما يقوله، وقد جرت عادته سبحانه وتعالى بالانتقام ممن كذب عليه بإظهار كذبه أولاً، ثم بأخذه ثانياً، ثم عذابه العذاب الأكبر ثالثاً، فستنظرون من يفعل به ذلك، وقد بان لعمري صدقه لما وقع من الأمور الثلاثة. ولما كان من المعلوم أن العالم بكل شيء قادر على شيء كما مضى تقريره في سورة طه، وكانت العادة جارية بأن من علم استخفاف غيره به وكان قادراً عليه عاجله بالأخذ، أجيب من كأنه قال: فما له لا يهلك المكذبين له؟ بقوله مرغباً لهم في التوبة، مشيراً إلى قدرته بالستر والإنعام، ومبيناً لفائدة إنزاله إليهم هذا الذكر من الرجوع عما تمادت عليه أزمانهم من الكفر وأنواع المعاصي: {إنه كان} أزلاً وأبداً {غفوراً} أي بليغ الستر لما يريد من ذنوب عباده، بأن لا يعاتبهم عليها ولا يؤاخذهم بها {رحيماً*} بهم في الإنعام عليهم بعد خلقهم، برزقهم وتركيب العقول فيهم، ونصب الأدلة لهم، وإرسال الرسل وإنزال الكتب فيهم، وأمهالهم في تكذيبهم، أي فليس لإمهالهم ووعظهم بما نزله إليهم سبب إلا رحمته وغفرانه وعلمه بأن كتابه صلاح لأحوالهم في الدارين. ولما أتم سبحانه ما أراد من ذكر المنزل والمنزل، وأخبر عن طعنهم في المنزل الذي هو المقصود بالذات من الرسالة، وأقام تعالى ذلك الدليل على كذبهم، أتبعه الإخبار عن طعنهم في الرسول الآتي به، فقال معجباً عقولهم التي يعدونها أصفى العقول أفكاراً، وأعلاها آثاراً، فيما أبدوه من ذلك مما ظنوا أنه دليل على عدم الرسالة، ولا شيء منه يصلح أن يكون شبهة لذي مسكة من أمره، فضلاً عن أن يكون دليلاً: {وقالوا} أي مستفهمين تهكماً بوصفه، قادحين فيه بفعله، قول من هو على ثقة من أن وصف الرسالة ينافيه: {مال هذا} والإشارة على هذا الوجه تفهم الاستهانة والتصغير؛ ثم أظهروا السخرية بقولهم: {الرسول} أي الذي يزعم أنه انفرد عن بقية البشر في هذا الزمان بهذا الوصف العالي {يأكل الطعام} أي مثل ما نأكل {ويمشي في الأسواق} أي التي هي مطالب الدنيا، كما نمشي. ولما كانت ترجمة ما مضى: ما له مثلنا وهو يدعي الاختصاص عنا بالرسالة؟ أتبعوه التعنيف على عدم كونه على واحد من وجوه مغايرة على سبيل التنزل جواباً لمن كأنه قال: فماذا يفعل؟ بقولهم: {لولا} أي هلا، وهي تأتي للتوبيخ، وهو مرادهم {أنزل} أي من السماء، من أيّ منزل كان، منتهياً {إليه} أي على الهيئة التي هو عليها في السماء {ملك} أي من الملائكة الله على هيئاتهم المباينة لهيئات الآدميين {فيكون} بالنصب جواباً للتحضيض ذلك الملك وإن كان هو إنساناً {معه نذيراً*} فيكون ممتازاً بحال ليس لواحد منا، ليكون أهيب في النذارة، لما له من الهيبة والقوة، وكأنهم عبروا بالماضي إعلاماً بأن مرادهم كونه في الظهور لهم على غير الهيئة التي يخبركم بها من تجدد نزول الملك عليه في كل حين مستسراً بحيث لا ينظره غيره، أو لأن الملك يمكن أن يكون على حالة المصاحبة له للنذارة، وإنما لا يتحول عنها بصعود إلى السماء ولا غيره، بخلاف الكنز فإنه للنفقة، فإن لم يتعهد كل وقت نفد، وهذا سر التعبير بـ "إلى" دون "على" التي هي للتغشي بالوحي، ولذلك عبروا بالمضارع في قولهم، متنزلين عن علو تلك الدرجة: {أو يلقى} أي من أي ملق كان. ولما كان الإلقاء دالاًّ على العلو، عدلوا عن أداة الاستعلاء التي تقدم التعبير بها في هود عليه السلام من الإنزال إلى حرف النهاية فقالوا: {إليه} أي إن لم تكن له تلك الحالة {كنز} أي يوجد له هذا الأمر ويتجدد له إلقاؤه غير مكترث ولا معبوء به، برفعه عن مماثلتنا العامة من كل وجه، وأيضاً التعبير في هذا والذي بعده بالمضارع أدل على تكالبهم على الدنيا وأنها أكبر همهم. ثم تنزلوا أيضاً في قولهم: {أو تكون له} أي إن لم تكن له شيء مما مضى {جنة} أي بستان أو حديقة كما لبعض أكابرنا {يأكل منها} فتفرغه عما يتعاطاه في بعض الأحايين من طلب المعاش، ويكون غناه أعز له وأجلب للخواطر إليه، وأحث لعكوف الأتباع عليه، وأنجع فيما يريده - هذا على قراءة الجماعة بالياء التحتية، وعلى قراءة حمزة والكسائي بالنون يكون المعنى: أنا إذا أمكنا منها، كان ذلك أجلب لنا إلى اتباعه، وما قالوه كله فاسد إذ لم يدّع هو صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أتباعه أنه هو ولا أحد من الأنبياء قبله يباين البشر، ولا أن وصفاً من أوصاف البشر الذاتية ينافي النبوة والرساله، وأما الاستكثار من الدنيا فهو عائق في الأغلب عن السفر إلى دار الكرامة، وموطن السلامة، وحامل على التجبر، ولا يفرح به إلا أدنياء الهمم، وخفة ذات اليد لا تقدح إلا في ناقص يسأل الناس تصريحاً أو تلويحاً إرادة لتكميل نقصه بالحطام الفاني، وقد شرف الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك بما له من صفات الكمال، والأخلاق العوال. ولما كانوا بهذا واضعين الكلام في غير مواضعه، بعيدين عن وجه الصواب، قال معجباً من أمرهم: {وقال الظالمون} فأظهر الوصف الموجب لهم ذلك: {إن} أي ما {تتبعون} إن اتبعتم {إلا رجلاً مسحوراً*} أي يتكلم بما لا يجديه، فحاله لذلك حال من غلب على عقله بالسحر، أو ساحراً صار السحر له طبعاً، فهو يفرق بما جاء به بين المرء وزوجه وولده ونحو ذلك، وعبروا بصيغة المفعول إشارة إلى هذا، وهو أنه لكثرة ما يقع منه من ذلك - صار كأنه ينشأ عنه على غير اختياره.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ} شروعٌ في حكاية أباطيلِهم المتعلِّقةِ بالمنزَّلِ والمنزَّل عليه معاً وإبطالِها. والموصولُ إمَّا عبارةٌ عن غُلاتِهم في الكفر والطُّغيانِ وهم النَّضرُ بنُ الحارث، وعبدُ اللَّهِ بنُ أُميَّةَ، ونوفلُ بنُ خُويلدٍ، ومَن ضامّهم. ورُوي عن الكَلْبـيِّ ومُقاتلٍ أنَّ القائلَ هُو النَّضرُ بنُ الحارث. والجمعُ لمشايعةِ الباقين له في ذلك وإمَّا عن كلِّهم، ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم لذمِّهم بما في حيِّز الصِّلةِ والإيذانِ بأنَّ ما تفوَّهوا به كفرٌ عظيمٌ وفي كلمةِ (هذا) حطٌّ لرتبة المشارِ إليه أي ما هذا إلا كذبٌ مصروفٌ عن وجهِه {ٱفْتَرَاهُ} يريدون أنَّه اختلقَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ} أي على اختلاقِه {قَوْمٌ ءاخَرُونَ} يعنُون اليَّهودَ بأنْ يُلقوا إليه أخبار الأممِ الدَّارجةِ وهو يعبِّر عنها بعبارتِه. وقيل: هما جبرٌ ويسارٌ كانا يصنعانِ السَّيفَ بمكَّةَ ويقرآنِ التَّوراةَ والإنجيلَ. وقيل: هو عابسٌ وقد مرَّ تفصيلُه في سورة النَّحلِ {فَقَدْ جاءُوا ظُلْماً} منصوبٌ بجاءوا فإنَّ جاءَ وأَتَى يستعملانِ في معنى فَعَل فيُعدَّيانِ تعديتَه أو بنزعِ الخافضِ أي بظلمٍ قاله الزَّجَّاجُ. والتَّنوينُ للتَّفخيمِ أي جَاءوا بما قالُوا ظلماً هائلاً عظيماً لا يُقادر قَدرُه حيث جعلُوا الحقَّ البحتَ الذي لا يأتيه الباطلُ من بـين يديهِ ولا من خلفِه إفكاً مُفترى من قبل البشرِ وهو من جهة نظمِه الرَّائقِ وطرزه الفائقِ بحيث لو اجتمعتِ الإنسُ والجنُّ على مباراتِه لعجزُوا عن الإتيان بمثل آيةٍ من آياتِه ومن جهة اشتمالِه على الحِكَمِ الخفيَّةِ والأحكامِ المستتبعةِ للسَّعاداتِ الدِّينيةِ والدُّنيويَّةِ والأمور الغيبـيَّةِ بحيثُ لا يناله عقولُ البشرِ ولا يفي بفهمه القُوى والقُدر {وَزُوراً} أي كذباً كبـيراً لا يُبلغ غايتُه حيث نسبوا إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ما هو بريءٌ منه. والفاء لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنَّهما أمرانِ مُتغايرانِ حقيقة يقع أحدُهما عقيب الآخرِ أو يحصل بسببه بل على أنَّ الثَّانِي هو عينُ الأوَّلِ حقيقة وإنَّما التَّرتيبُ بحسب التَّغايرِ الاعتباريِّ. وقد لتحقيقِ ذلك المعنى فإنَّ ما جاءوه من الظَّلمِ والزُّورِ هو عينُ ما حُكي عنهم لكنه لما كان مُغايراً له في المفهوم وأظهرَ منه بُطلاناً رُتِّب عليه بالفاء ترتيبَ اللازم على الملزوم تَهويلاً لأمره.

القشيري

تفسير : ظنوه كما كانوا، ولمَّا كانوا بأمثالِهم قد استعانوا فيما عجزوا عنه من أمورِهم، واستحدثوا لأمثالهم واستكانوا - فقد قالوا من غير حُجَّةٍ وتَقَوَلُّوا، ولم يكن لقولهم تحصيل، ولأَساطيرُ الأولين تُرَّهاتُهم التي لا يُدْرَى هل كانت؟ وإن كانت فلا يُعْرَفُ كيف كانت ومتى كانت؟ ثم قال: يا محمد، إن هذا الكتاب - الذي أنزله الذي يعلم السِّرَّ في السماوات والأرض - لا يَقْدِر أحد على الإتيان بمثله ولو تشاغلوا من الوقت الذي أتى به أعداء الدينِ، وهم على كثرتهم مجتهدون في معارضته بما يوجب مساواته؛ فادَّعوا تكذيبه وانقطعت الأعصار وانقضت الأعمال، ولم يأتِ أحدٌ بسورة مثله. فانتفى الرَّيْبُ عن صِدْقهِ، ووَجَبَ الإقرارُ بحقِّه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الذين كفروا} كنضر ابن الحارث وعبدالله بن امية ونوفل بن خويلد ومن تابعهم {ان هذا} اى ماهذا القرآن {الا افك} كذب مصروف عن وجهه لان الافك كل مصروف عن وجهه الذى يحق ان يكون عليه ومنه قيل للرياح العادلة عن المهاب المؤتفكات ورجل مأفوك مصروف عن الحق الى الباطل {افتراه} اختلقه محمد من عند نفسه. والفرق بين الافتراء والكذب ان الافتراء هو افتعال الكذب من قول نفسه والكذب قد يكون على وجه التقليد للغير فيه كما فى الاسئلة المقحمة {واعانة عليه} اى على اختلاقه {قوم آخرون} اى اليهود فانهم يلقون اليه اخبار الامم وهو يعبر عنها بعبارته {فقد جاؤا} فعلوا بما قالوا فان جاء واتى يستعملان فى معنى فعل فيعديان تعديته {ظلما} عظيما بجعل الكلام المعجز افكا مختلقا مفتعلا من اليهود يعنى وضعوا الافك فى غير موضعه {وزورا} اى كذبا كبيرا حيث نسبوا اليه عليه السلام ماهو بريىء منه، قال الامام الراغب قيل للكذب زور لكونه مائلا عن جهته لان الزور ميل فى الزور اى وسط الصدر والازور المائل الزور.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وقال الذين كفروا} أي: تمردوا في الكفر والطغيان. قيل: هم النضر بن الحارث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خويلد، ومن ضاهاهم. وقيل: النضر فقط، والجمع؛ لمشايعة الباقين له في ذلك. قالوا: {إنْ هذا}؛ ما هذا القرآن {إلا إفكٌ}؛ كذب مصروف عن وجهه {افتراه}؛ اختلقه واخترعه محمد من عند نفسه، {وأعانة عليه} أي: على اختلاقه {قومٌ آخرون}، يعنون: اليهود، بأن يلقوا إليه أخبار الأمم الدارسة، وهو يعبر عنها بعبارته. وقيل: هم عدَّاس، ويسار، وأبو فكيهة الرومي، كان لهم علم التوراة والإنجيل. ويحتمل: وأعانه على إظهاره وإشاعته قوم آخرون، ممن أسلم معه صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {فقد جاؤوا}، وأتوا {ظُلماً} أو: بظلم، فقد تستعمل (جاء) بمعنى فعل، فتتعدى تعديته، أو بحرف الجر، والتنوين للتفخيم، أي: جاؤوا ظلماً هائلاً عظيماً؛ حيث جعلوا الحق البيِّن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إفكاً مفترى من قول البشر، وجعلوا العربي الفصيح يتلقى من العجمي الرومي، وهو من جهة نظمه الفائق وطرازه الرائق؛ لو اجتمعت الإنس والجن على مباراته لعجزوا عن مثل آية من آياته. ومن جهة اشتماله على الحكم العجيبة، المستتْبعة للسعادات الدينية والدنيوية، والأمور الغيبية، بحيث لا يناله عقول البشر، ولا تفي بفهمه الفهوم، ولو استعملوا غاية القوى والقدر. {و} أتوا أيضاً {زُوراً} أي: كذباً كثيراً، لا يُبْلَغُ غايتُه؛ حيث نسبوا إليه صلى الله عليه وسلم ما هو بريء منه. {وقالوا أساطيرُ الأولين} أي: هو أحاديث المتقدمين، وما سطروه من خرافاتهم؛ كرُستم وغيره. جمع أسطار، أو أسطورة، {اكتتبها}؛ كتبها لنفسه، أو: استكتبتها فكُتبت له، {فهي تُملى عليه} أي: تُلقى عليه من كتابه {بكرةً}: أول النهار {وأصيلاً}؛ آخره، فيحفظ ما يتلى ثم يتلوه علينا. انظر هذه الجرأة العظيمة، قاتلهم الله، أنى يؤفكون؟. {قل} يا محمد: {أنزله الذي يعلم السرَّ في السمواتِ والأرضِ} أي: يعلم كل سر خفي في السماوات والأرض، يعني: أن القرآن، لما اشتمل على علم الغيوب، التي يستحيل عادة أن يعلمها محمد صلى الله عليه وسلم من غير تعلم إلهي، دلَّ على أنه من عند علام الغيوب، أي: ليس ذلك مما يُفْتَرَى ويختلق، بإعانة قوم، وكتابة آخرين؛ من الاحاديث والأساطير المتقدمة، بل هو أمر سماوي، أنزله الذي لا يعزب عن علمه شيء، أودع فيه فنون الحِكَم والأحكام، على وجه بديع، لا تحوم حوله الأفهام، حيث أعجزكم قاطبة بفصاحته وبلاغته، وأخبركم بأمور مغيبات، وأسرار مكنونات، لا يهتدي إليها ولا يوقف عليها إلا بتوقيف العليم الخبير، ثم جعلتموه إفكاً مفترى، واستوجبتم بذلك أن يصبَّ عليكم العذاب صباً، لولا حِلمه ورحمته، {إنه كان غفوراً رحيماً}؛ فأمهلكم، ولم يعاجلكم بالعقوبة. وهو تعليل لما هو المشاهد من تأخير العقوبة عنهم، أي: كان أزلاً وأبداً مستمراً على المغفرة والرحمة، فلذلك لم يعاجلكم بالعقوبة على ما تقولون في حقه وفي حق رسوله، مع كمال اقتداره. ثم ذكر طعنهم فيمن نُزل عليه، فقال: {وقالوا مَالِ هذا الرسولِ} وقعت اللام في المصحف مفصولة عن الهاء، وخط المصحف سُنّة لا يغير. وتسميتهم إياه بالرسول سخرية منهم، كأنهم قالوا: أي شيء لهذا الزاعم أنه رسول؛ يأكل الطعام كما تأكلون، ويمشي في الأسواق لابتغاء الأرزاق كما تمشون، أي: إن صح ما يدعيه فما له لم يخالف حالنا؟! {لولا أُنزل إليه ملَكَ} على صورته {فيكون معه نذيراً}، وهذا منهم تنزل عن اقتراح كونه صلى الله عليه وسلم ملكاً مستغنياً عن المادة الحسية، إلى اقتراح أن يكون معه ملك يُصدقه، ويكون ردءاً له في الإنذار، ويُعبر عنه، ويفسر ما يقوله للعامة. {أو يُلْقَى إليه كنزٌ} من السماء، يستغني به عن طلب المعاش معنا، {أو تكونُ له جنةٌ}؛ بستان {يأكل منها} كالأغنياء المياسير. والحاصل: أنهم أول مرة ادعوا أن الرسول لا يكون إلا كالملائكة، مستغنياً عن الطعام والشراب، وتعجبوا من كون الرسول بشراً، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون إنساناً معه ملك يُصدقه ويعينه على الإنذار، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون معه كنز، يستظهر به على نوائبه، ثم تنزلوا إلى اقتراح أن يكون رجلاً له بستان يأكل منه، كالمياسير، أو نأكل نحن منه، على قراءة حمزة والكسائي. قال تعالى: {وقال الظالمون} وهم الكفرة القائلون ما تقدم، غير أنه وضع الظاهر موضع المضمر، تسجيلاً عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيه. وهم كفار قريش، أي: قالوا للمؤمنين: {إن تتبعون}؛ ما تتبعون {إلا رجلاً مسحوراً}؛ قد سُحر فغلب على عقله، {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} أي: انظر كيف قالوا في حقك تلك الأقاويل العجيبة، الخارجة عن العقول، الجارية؛ لغرابتها، مجرى الأمثال، واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال الشاذة، البعيدة عن الوقوع؟! {فضلّوا} عن طريق الجادة {فلا يستطيعون سبيلاً}؛ فلا يجدون طريقاً إليه، أو: فلا يجدون سبيلاً إلى القدح في نبوتك، بأن يجدوا قولاً يستقرون عليه، أو: فضلّوا عن الحق ضلالاً مبيناً، فلا يجدون طريقاً موصلاً إليه، فإن من اعتاد استعمال هذه الأباطيل لا يكاد يهتدي إلى استعمال المقدمات الموصلة إلى الرشد والصواب. وبالله التوفيق. الإشارة: تكذيب الصادقين سُنَّة ماضية، فإن سمع أهل الإنكار منهم علوماً وأسراراً قالوا: ليست من فيضه، إنما نقلها عن غيره، وأعانه على إظهارها قومٌ آخرون، قل: أنزلها على قلوبهم الذي يعلم السر في السماوات والأرض، أنه كان غفوراً رحيماً، حيث ستر وصفهم بوصفه ونعتهم بنعته، فوصلهم بما منه إليهم، لا بما منهم إليه. وقوله تعالى: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}، أنكروا وجود الخصوصية مع وصف البشرية، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية، كما تقدم مراراً. والله تعالى أعلم. ثم ردَّ الله تعالى عليهم، فقال: {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً...}

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بالله انكاراً لرسالة رسوله (ص) وكتابه {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} يعنى لمّا عجزوا عن معارضته ورأوا حسن نظمه أنكروه وقالوا: كان هذا بمعاونة معاونين له {فَقَدْ جَآءُوا} اى منكروا الرّسالة او منكروا الله والرّسالة جميعاً {ظُلْماً} حيث انكروا ما حقّه الاقرار وعبدوا ما حقّه الجحود والانكار {وَزُوراً} اى رأياً وقولاً منحرفاً عن الصّواب.

الأعقم

تفسير : {وقال الذين كفروا إن هذا إلاَّ إفك} يعني القرآن {إلا إفك} كذب {افتراه}، والآية نزلت في الحارث، وقيل: في أبي جهل {وأعانه عليه قوم آخرون}، قيل: اليهود، وقيل: عداس مولى حويطب وأبو فكيهة، وقيل: الذي قال ذلك النضر بن الحارث {فقد جاؤوا ظلماً وزوراً} كذباً {وقالوا أساطير الأولين} ما سطّره المتقدمون {اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً}، قيل: صباحاً ومساءاً، ثم بيَّن تعالى الرد عليهم في قولهم في القرآن ما تقدم فقال سبحانه: {قل} يا محمد {أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض} أي الغيب {إنه كان غفوراً رحيماً} {وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} يلتمس المعاش كما نفعله نحن، وقيل: يأكل ويمشي كما نفعل وهو بشر مثلنا {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً} أي يصدقه ويدعو معه الحق {أو يلقى إليه كنز} ينفعه فلا يحتاج إلى طلب المعاش {أو تكون له جنة} بستان {يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} لأنفسهم حيث أوبقوها وللرسول حيث كذبوه {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} قاله الرؤساء للأتباع، قوله تعالى: {انظر} يا محمد {كيف ضربوا لك الأمثال} كيف شبّهوك ومثّلوك فيقولون ما قدمنا فضلوا عن الهدى {فلا يستطيعون سبيلاً} إلى الهدى ومخرجاً {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جناتٍ تجري} خيرٌ مما قالوا، يعني مما سألوا من الكنوز والجنان والأنهار {جنّات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً} أي بيوتاً مشيّدة، وقيل: منازلاً رفيعة، وروي أنها لما نزلت هذه الآية أوحي إليه ان شئت أعطيتك خزائن الأرض، فاختار الدار الآخرة، ثم بيّن تعالى قولهم في الساعة وما أعد لهم بعد بيان قولهم في التوحيد والنبوات فقال سبحانه: {بل كذبوا بالساعة} يعني القيامة والبعث {واعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً}، قيل: ناراً ملتهبة، قال أبو علي (رحمه الله): يحتمل ناراً يعذبون بها في قبورهم، ويحتمل إذا كان يوم القيامة اعتدنا لهم سعيراً {إذا رأتهم}، قيل: ظهرت لهم: {من مكان بعيدٍ} من مسيرة خمس مائة عام، وقيل: انها تحت الأرض فتظهر على وجه الأرض {سمعوا لها} أي للنار {تغيّظاً وزفيراً} غلياناً وزفيراً، ويجوز أن يراد إذا رأتهم زبانيتُها تغيظوا وزفروا غيظاً على الكفار {وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً} الآية يتراضون فيه، قال جار الله: ولقد جمع الله على أهل النار أنواع التضييق حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصَّاً، كما روي عن ابن عباس في تفسيره أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع، وقيل: يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة وفي أرجلهم الأصفاد، والثبور الهلاك، ودعاؤهم أن يقولوا: واثبوراه: أي يقولوا: يا ثبورنا فهذا حسبك وزمانك {لا تدعوا} أي يقال لهم ذلك، أو هم أحقاء بأن يقال لهم وإن لم يكن ثمة قول {وادعوا ثبورا كثيراً}، قيل: تجيبهم الملائكة: أنكم وقعتم فيها ليس ثبوركم واحداً إنما هو ثبوراً كثيراً، اما لأن العذاب أنواع وألوان وكل نوع منها ثبوراً لشدّته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدّلوا جلوداً غيرها فلا غاية لهلاكهم. ***

الهواري

تفسير : قوله: {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَآ} يعنون القرآن {إِلآ إِفْكٌ} أي: كذب {افْتَرَاهُ} يعنون محمداً عليه السلام {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ} أي: اليهود في تفسير مجاهد. وقال الحسن: يعنون عبد ابن الحضرمي. وقال الكلبي: عبد ابن الحضرمي، وعداس غلام عتبة. قال الله: {فَقَدْ جَآءُو ظُلْماً وَزُوراً} أي: أتوا شركاً وكذباً. والظلم ها هنا الشرك، والزور الكذب. {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي: كذب الأولين وباطلهم؛ أي: أحاديث الأولين {اكْتَتَبَهَا} يعنون محمداً عليه السلام اكتتب أساطير الأولين من عبد ابن الحضرمي. وقال الكلبي من عبد ابن الحضرمي وعداس غلام عتبة بن ربيعة. {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} والأصيل العشي. قال الله: {قُلْ أَنزَلَهُ} أي: القرآن {الذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}. قوله: {وَقَالُوا مَالِ هذَا الرَّسُولِ} [فيما يدعى أنه رسول] {يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلآ} أي: هلا {أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} أي: فيصدقه بمقالته. {أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ} فإنه فقير {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأكُلُ مِنْهَا}. وبعض الكوفيين يقرأها: نأكل منها. {وَقَالَ الظَّالِمُونَ} أي: المشركين يعنيهم {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً}. قال الكلبي: بلغني أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام بن عتبة بن ربيعة في رهط من قريش قاموا من المسجد إلى دار في أصل الصفا، فيها نبي الله يصلي، فاستمعوا. فلما فرغ نبي الله من صلاته قال أبو سفيان: يا أبا الوليد، لعتبة، أناشدك الله، هل تعرف شيئاً مما يقول؟ فقال عتبة: اللهم إني أعرف بعضاً وأنكر بعضاً. [فقال أبو جهل: فأنت يا أبا سفيان، هل تعرف شيئاً مما يقول؟ فقال: اللهم نعم، فقال أبو سفيان لأبي جهل: يا أبا الحكم، هل تعرف مما يقول شيئاً] فقال أبو جهل: لا والذي جعلها بنية، يعني الكعبة، ما أعرف ما يقول قليلاً ولا كثيراً، و {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً}.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} النضر بن الحارث بن عبد الدار واصحابه من كفار قريش * {إِنْ هَذَآ إِلاَّ إِفْكٌ} ما هذا القرآن الا كذب مصروف عن وجهه * {افْتَراهُ} اختلقه محمد * {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} هم اليهود. وقيل: عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي وابو فكيهة الرومي. وقيل: جبر ويسار وعداس. وقيل: عيش أو يعيش كان غلاما لحويطب بن عبد العزى اسلم وحسن اسلامه وغيره من أهل الكتاب. وقيل: سلمان الفارسي. وقيل: كان معمرا وغيره. وقيل: جبر ويسار كانا بمكة يصنعان السيوف ويقرآن التوراة والانجيل وإذا مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليهما ويسمع ما يقرآون وغيرهما. وقيل: غير ذلك فانظر (النحل). زعم المشركون انما يقرأه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ان ما يلقيه إليه هؤلاء من اخبار الامم وغيرها ويعبر بعبارته فذلك اعانة منهم. وقيل: عداس هو غلام عتبة. {فَقَدْ جَآءُوا} اي الذين كفروا * {ظُلْما} اي ظلما لانفسهم بالكفر اعني الشرك ولغيرهم اذ جعلوا الكلام المعجز فكان مختلقا متلفقا من اليهود (وظلما) مفعول (جاءوا) واجيز ان يكون الاصل (إلى ظلم) فحذف الجار وانتصب المجرور * {وَزُورَاً} كذبا شديدا ضارا وهو البهتان نسبوه صلى الله عليه وسلم إلى الاخذ عن هؤلاء ونسبوا القرآن إلى معان مأخوذة عن هؤلاء بعبارتهم أو تعبيره صلى الله عليه وسلم وهو والقرآن بريئان من ذلك وكيف يكون كلام العجمي معجزا لفصحاء العرب جميعا.

اطفيش

تفسير : {وقال الَّذينَ كَفَروا} كفار قريش، وسائر العرب، كالنضر بن الحارث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خويلد {إنْ هذا} أى القرآن وسائر ما يقوله صلى الله عليه وسلم من الوحى، وفى إشارة القرب تحقير {إلاَّ إفك} كذب محتال فيه {افتراه} محمد صلى الله عليه وسلم، وليس من الله {وأعانَهُ} أعان محمداً {عليه} أى على هذا، أو على الإفك، أو على افترائه {قومٌ آخرون} اليهوديون نسباً أو ديانة، بمعنى أنهم يخبرونه بما مضى، وذكر فى التوراة، فيقول به: إنه من الله عليه، كما قيل إن عداسا وعائشا مولى حويطب بن عبد العزى، ويسارا مولى العلاء بن الحضرمى، وجبرا مولى عامر، وأبا فكيهة الرومى، قرءوا التوراة وأسلموا، وجالسوه صلى الله عليه وسلم، فتوهم مشركو العرب أو تعمدوا أن ما يقوله صلى الله عليه وسلم منهم لا وحى من الله، كيف يتلقى أفصح العرب صلى الله عليه وسلم كلاما من العجم الذين لا يعرفون كلام العرب، كما قال الله عز وجل: "أية : لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين"تفسير : [النحل: 103] فهو لا يفهم كلامهم، فيترجمه بالعربية، ولا ينافى كونهم مؤمنين لفظ آخرون، لأن كلا استحق اسم القوم، فذلك قوم، وهذا قوم. {فقد جاءوا ظُلماً} مفعول به تقول: جئته أى حضرته ووصلته، قال الله تعالى: "أية : فلما جاءهم"تفسير : [الصف: 6] ولا حاجة الى تقدير الباء، ولا الى جعله حالا أى ظالمين أو ذوى ظلم أو مبالغة، والتنكير فيه وفى قوله: {وزوراً} للتعظيم، إذ جعلوا عين الحق الذى لا احتمال فيه، ويدركه كل عاقل إلا من عاند باطلا ظلموا بذلك أنفسهم، والنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والقرآن والاسلام، وجعلوه كذبا، والكذب زور لميله عن الحق، والزور الميل، والفاء للترتيب الذكرى، أو على معنى أنه بعد قولهم ذلك يذكرون بأنهم جاءوا ظلماً وزوراً، ويضعف أن يكون ضمير جاءوا للقوم الآخرين، وأنه من كلام الكفرة، أى جاء المعينون له ظلماً وزورا باعانتهم محمداً صلى الله عليه وسلم.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ } القائلون ـ كما أخرجه جمع عن قتادة ـ هم مشركو العرب لا جميع الكفار بقرينة ادعاء إعانة بعض أهل الكتاب له صلى الله عليه وسلم وقد سمى منهم في بعض الروايات النضر بن الحرث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد، ويجوز أن يراد غلاتهم كهؤلاء ومن ضامهم، وروى عن ابن عباس ما يؤيده، وروي عن الكلبـي ومقاتل أن القائل هو النضر والجمع لمشايعة الباقين له في ذلك، ومن خص ضمير { أية : ٱتَّخَذُواْ } تفسير : [الفرقان: 3] بمشركي العرب وجعل الموصول هنا عبارة عنهم كلهم جعل وضع الموصول موضع ضميرهم لذمّهم بما في حيز الصلة والإيذان بأن ما تفوهوا به كفر عظيم، وفي كلمة {هَـٰذَا } حط لرتبة المشار إليه أي قالوا ما هذا إلا كذب مصروف عن وجهه. {ٱفْتَرَاهُ } يريدون أنه اخترعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه عليه الصلاة والسلام {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ } أي على افترائه واختراعه أو على الإفك {قَوْمٌ ءاخَرُونَ } يعنون اليهود بأن يلقوا إليه صلى الله عليه وسلم أخبار الأمم الدارجة وهو عليه الصلاة والسلام يعبر عنها بعبارته، وقيل: هم عداس، وقيل: عائش مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي وجبر مولى عامر وكانوا كتابيين يقرؤن التوراة أسلموا وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعهدهم فقيل ما قيل، وقال المبرد: عنوا بقوم آخرين المؤمنين لأن آخر لا يكون إلا من جنس الأول، وفيه أن الاشتراك في الوصف غير لازم ألا ترى قوله تعالى: { أية : فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ } تفسير : [آل عمران: 13]. {فَقَدْ جَاءوا } أي الذين كفروا كما هو الظاهر {ظُلْماً } منصوب بجاءوا فإن جاء وأتى يستعملان فعل معنى فعل فيتعديان تعديته كما قال الكسائي، واختار هذا الوجه الطبرسي وأنشد قول طرفة: شعر : على غير ذنب جئته غير أنني نشدت فلم أغفل حمولة معبد تفسير : وقال الزجاج: منصوب بنزع الخافض فهو من باب الحذف والإيصال، وجوز أبو البقاء كونه حالاً أي ظالمين، والأول أولى، والتنوين فيه للتفخيم أي جاؤا بما قالوا ظلماً هائلاً عظيماً لا يقادر قدره حيث جعلوا الحق البحت الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إفكاً مفترى من قبل البشر وهو من جهة نظمه الرائق وطرازه الفائق بحيث لو اجتمعت الإنس والجن على مباراته لعجزوا عن الإتيان بمثل آية من آياته ومن جهة اشتماله على الحكم الخفية والأحكام المستتبعة للسعادات الدينية والدنيوية والأمور الغيبية بحيث لا تناله عقول البشر ولا تحيط بفهمه القوى والقدر، وكذا التنوين في {وَزُوراً } أي وكذباً عظيماً لا يبلغ غايته حيث قالوا ما لا احتمال فيه للصدق أصلاً، وسمي الكذب زوراً لازوراره أي ميله عن جهة الحق والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنهما أمران متغايران حقيقة يقع أحدهماعقيب الآخر أو يحصل بسببه بل على أن الثاني عين الأول حقيقة وإنما الترتيب بحسب التغاير الاعتباري، و(قد) لتحقيق ذلك المعنى فإن ما جاءه من الظلم والزور هو عين ما حكى عنهم لكنه لما كان مغايراً له في المفهوم وأظهر منه بطلاناً رتب عليه بالفاء ترتيب اللازم على الملزوم تهويلاً لأمره كما قاله شيخ الإسلام، وقيل: ضمير {جاؤا} عائد على قوم آخرين، والجملة من مقول الكفار وأرادوا أن أولئك المعينين جاءوا ظلماً بإعانتهم وزوراً بما أعانوا به وهو كما ترى.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من ذكر كفرهم في أفعالهم إلى ذكر كفرهم بأقوالهم الباطلة. والإظهار هنا لإفادة أن مضمون الصلة هو علة قولهم هذا، أي ما جرأهم على هذا البهتان إلا إشراكهم وتصلبهم فيه، وليس ذلك لشبهة تبعثهم على هذه المقالة لانتفاء شبهة ذلك، بخلاف ما حكي آنفاً من كفرهم بالله فإنهم تلقوه من آبائهم، فالوصف الذي أجري عليهم هنا مناسب لمقالتهم لأنها أصل كفرهم. وهذه الجملة مقابلة جملة: {أية : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده}تفسير : [الفرقان: 1] فهي المقصود من افتتاح الكلام كما آذنت بذلك فاتحة السورة. وإنما أخرت هذه الجملة التي تقابل الجملة الأولى مع أن مقتضى ظاهر المقابلة أن تذكر هذه الجملة قبل جملة: {أية : واتخذوا من دونه آلهة}تفسير : [الفرقان: 3] اهتماماً بإبطال الكفر المتعلق بصفات الله كما تقدم آنفاً. والقصر المشتمل عليه كلامهم المستفاد من (إنْ) النافية و(إلاّ) قصر قلب؛ زعموا به رد دعوى أن القرآن منزل من عند الله. وممن قال هذه المقابلة النضر بن الحارث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خويلد. فإسناد هذا القول إلى جميع الكفار لأنه واقع بين ظهرانيهم وكلهم يتناقلونه. وهذه طريقة مألوفة في نسبة أمر إلى القبيلة كما يقال: بنو أسد قتلوا حجراً. واسم الإشارة إلى القرآن حكاية لقولهم حين يسمعون آيات القرآن. والضمير المرفوع في {افتراه} عائد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم المعلوم من قوله: {أية : على عبده}تفسير : [الفرقان: 1]. والإفك: الكذب. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : إن الذين جاءو بالإفك} تفسير : في سورة النور (11). والافتراء: اختلاق الأخبار، أي ابتكارها وهو الكذب عن عمد، وتقدم في قوله: {أية : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} تفسير : في سورة العقود (103). {وأعانه عليه} أي على ما يقوله من القرآن قوم آخرون لقنوه بعض ما يقوله، وأرادوا بالقوم الآخرين اليهود. روي هذا التفسير عن مجاهد وعن ابن عباس: أشاروا إلى عبيد أربعة كانوا للعرب من الفرس وهم: عدّاس مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار أبو فكيهة الرومي مولى العلاء بن الحضرمي، وفي «سيرة ابن هشام» أنه مولى صفوان بن أمية بن محرِّث، وجبر مولى عامر. وكان هؤلاء من موالي قريش بمكة ممن دانوا بالنصرانية وكانوا يعرفون شيئاً من التوراة والإنجيل ثم أسلموا، وقد مر ذلك في سورة النحل، فزعم المشركون أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتردد إلى هؤلاء سراً ويستمد منهم أخبار ما في التوراة والإنجيل. والقصر المستفاد من قوله: {إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون} متسلط على كلتا الجملتين، أي لا يخلو هذا القرآن من مجموع الأمرين، هما: أن يكون افترى بعضه من نفسه، وأعانه قوم على بعضه. وفرع على حكاية قولهم هذا ظهور أنهم ارتكبوا بقولهم ظلماً وزوراً لأنهم حين قالوا ذلك ظهر أن قولهم زور وظلم لأنه اختلاق واعتداء. و{جاءوا} مستعمل في معنى (عملوا) وهو مجاز في العناية بالعمل والقصد إليه لأن من اهتم بتحصيل شيء مشى إليه، وبهذا الاستعمال صح تعديته إلى مفعول كما في هذه الآية. والظلم: الاعتداء بغير حق بقول أو فعل قال تعالى: {أية : قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه}تفسير : [ص: 24] وتقدم في قوله: {أية : ومن أظلم ممن منع مساجد الله}تفسير : في سورة البقرة (114). والظلم الذي أتوه هو نسبتهم الرسول إلى الاختلاق فإنه اعتداء على حقه الذي هو الصدق. والزور: الكذب، وأحسن ما قيل في الزور: إنه الكذب المحسَّن المموَّه بحيث يشتبه بالصدق. وكون قولهم ذلك كذباً ظاهر لمخالفته الواقع فالقرآن ليس فيه شيء من الإفك، والذين زعموهم معينين عليه لا يستطيع واحد منهم أن يأتي بكلام عربي بالغ غاية البلاغة ومرتق إلى حد الإعجاز، وإذا كان لبعضهم معرفة ببعض أخبار الرسل فما هي إلا معرفة ضئيلة غير محققة كشأن معرفة العامة والدهماء.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين كفروا وكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا في هذا القرآن العظيم، الذي أوحاه الله إليه: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ}: أي ما هذا القرآن إلا كذب اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم وأعانه عليه على الإفك الذي افتراه قوم آخرون، قيل: اليهود، وقيل: عداس مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي، قال ذلك النَّصر بن الحر العبدري. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار كذبوه وادعوا عليه أن القرآن كذب اختلقه، وأنه أعانه على ذلك قوم آخرون جاء مبيناً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} تفسير : [ص: 4] وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 101] وقوله تعالى: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} تفسير : [ق: 5] وقوله تعالى: {أية : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ} تفسير : [الأنعام: 66] الآية. والآيات في ذلك كثيرة معلومة. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنهم افتروا على النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أعانه على افتراء القرآن قوم آخرون جاء أيضاً موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} تفسير : [النحل: 103] وقوله تعالى: {أية : فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ}تفسير : [المدثر: 24] أي يرويه محمد صلى الله عليه وسلم عن غيره إن هذا إلا قول البشر، وقوله تعالى: {أية : وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} تفسير : [الأنعام: 105] كما تقدم إيضاحه في الأنعام، وقد كذبهم الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة فيما افتروا عليه من البهتان بقوله: {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً} قال الزمخشري ظلمهم: أن جعلوا العربي يتلقن من الأعجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب والزور هو أن بهتوه بنسبه ما هو بريء منه إليه انتهى. وتكذيبه جل وعلا لهم في هذه الآية الكريمة، جاء موضحاً في مواضع أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: {أية : لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103] كما تقدم إيضاحه في سورة النحل وقوله: {أية : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} تفسير : [الأنعام: 66] وقوله تعالى: {أية : فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ} تفسير : [المدثر: 24ـ27] الآية، لأن قوله: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} بعذ ذكر افترائه على القرآن العظيم يدل على عظم افترائه وأنه سيصلى بسببه عذاب سقر، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل. واعلم أن العرب تستعمل جاء وأتى بمعنى: فعل. فقوله: {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً} أي فعلوه وقيل بتقدير الباء: أي جاءوا بظلم، ومن إتيان بمعنى فعل قوله تعالى: {أية : لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} تفسير : [آل عمران: 188] الآية. أي بما فعلوه. وقول زهير بن أبي سلمى: شعر : فما يك من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل تفسير : واعلم بأن الإفك هو أسوأ الكذب، لأنه قلب للكلام عن الحق إلى الباطل، والعرب تقول: أفكه بمعنى قلبه. ومنه قوله تعالى في قوم لوط {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} تفسير : [التوبة: 70] وقوله {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ} تفسير : [النجم: 53] وإنما قيل لها مؤتفكات، لأن الملك أفكها أي قبلها كما أوضحه تعالى بقوله تعالى {أية : فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} تفسير : [الحجرات: 74].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إفك افتراه: أي ما القرآن إلا كذباً افتراه محمد وليس هو بكلام الله تعالى هكذا قالوا. ظلماً وزوراً: أي فرد الله عليهم قولهم بقوله فقد جاءوا ظلماً حيث جعلوا الكلام المعجز الهادي إلى الإِسعاد والكمال البشري إفكا مختلقاً وزوراً بنسبة ما هو بريء منه إليه. اكتتبها: أي طلب كتابتها له فكتبت له. يعلم السر: أي ما يسره أهل السماء والأرض وما يخفونه في نفوسهم. أو يلقى إليه كنز: أي من السماء فينفق منه ولا يحتاج معه إلى الضرب في الأسواق. جنة يأكل منها: بستان فيه ما يغنيه من أنواع الحبوب والثمار. رجلاً مسحوراً: مخدوعاً مغلوباً على عقله. ضربوا لك الأمثال: أي بالسحر والجنون والشعر والكهانة والكذب وما إلى ذلك. فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً: فضلوا الطريق الحق وهو أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فلا يهتدون. معنى الآيات: يخبر تعالى عن أولئك المشركين الحمقى الذين اتخذوا من دون الله رب العالمين آلهة أصناماً لا تضر ولا تنفع أنهم زيادة على سفههم في اتخاذ الأحجار آلهة يعبدونها قالوا في القرآن الكريم والفرقان العظيم ما هو إلا إفك أي كذب اختلقه محمد وأعانه عليه قوم آخرون يعنون اليهود ساعدوه على الإِتيان بالقرآن. فقد جاءوا بهذا القول الكذب الممقوت ظلماً وزوراً ظلماً لأنهم جعلوا القرآن المعجز الحامل للهدى والنور جعلوه كذبا وجعلوا البريء من الكذب والذي لم يكذب قط كاذباً فكان قولهم فيه زوراً وباطلاً. وقوله تعالى: {وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} هذه الآية نزلت رداً على شيطان قريش النضر بن الحارث إذ كان يأتي الحيرة ويتعلم أخبار ملوك فارس ورستم. وإذا حدث محمد صلى الله عليه وسلم قومه محذراً إياهم أن يصيبهم ما أصاب الأمم قبلهم فإذا قام صلى الله عليه وسلم من المجلس جاء هو فجلس وقال تعالوا أقص عليكم إني أحسن حديثاً من محمد، ويقول إن ما يقوله محمد هو من أكاذيب القصاص وأساطيرهم التي سطروها في كتبهم فهو يحدث بها وهي تملى عليه أي يمليها عليه غيره صباحاً ومساءاً فرد تعالى هذه الفرية بقوله لرسوله: {قُلْ أَنزَلَهُ} أي القرآن {ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي سر ما يسره أهل السماوات وأهل الأرض فهو علام الغيب المطلع على الضمائر العالم بالسرائر، ولولا أن رحمته سبقت غضبه لأهلك من كفر به وأشرك به سواه {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} يستر زلات من تاب إليه ويرحمه مهما كانت ذنوبه. وقوله تعالى: {وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} هذه كلمات رؤوساء قريش وزعمائها لما عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يترك دعوته إلى ربه مقابل ما يشاء من ملك أو مال أو نساء أو جاه فرفض كل ذلك فقالوا له إذاً فخذ لنفسك لماذا وأنت رسول الله تأكل الطعام وتمشي في الأسواق تطلب العيش مثلنا فسل ربك ينزل إليك ملكاً فيكون معك نذيراً أو يلقي إليك بكنز من ذهب وفضة تعيش بهما أغنى الناس، أو يجعل لك جنة من نخيل وعنب، أو يجعل لك قصوراً من ذهب تتميز بها عن الناس وتمتاز فيعرف قدرك وتسود قومك وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ} أي للمؤمنين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً أي أنكم باتباعكم محمداً فيما جاء به ويدعو إليه ما تتبعون إلا رجلاً مسحوراً، أي مخدوعاً مغلوباً على عقله لا يدري ما يقول ولا ما يفعل أي فاتركوه ولا تفارقوا ما عليه آباؤكم وقومكم. وقوله تعالى: {ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} أي انظر يا رسولنا إلى هؤلاء المشركين المفتونين كيف شبهوا لك الأشباه وضربوا لك الأمثال الباطلة فقالوا فيك مرة هو ساحر، وشاعر وكاهن ومجنون فضاعوا في هذه التخرصات وضلوا طريق الحق فلا يرجى لهم هداية بعد، وذلك لِبُعْدِ ضلالهم فلا يقدرون على الرجوع إلى الحق وهو معنى قوله: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ما قابل به المشركون دعوة التوحيد من جلب كل قول وباطل ليصدوا عن سبيل الله وما زال هذا دأب المشركين إزاء دعوة التوحيد إلى اليوم وإلى يوم القيامة. 2- تقرير الوحي الإِلهي والنبوة المحمدية. 3- بيان حيرة المشركين إزاء دعوة الحق وضربهم الأمثال الواهية الرخيصة للصَّدِّ عن سبيل الله، وقد باءت كل محاولاتهم بالفشل والخيبة المرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱفْتَرَاهُ} {آخَرُونَ} {جَآءُوا} (4) -وَيَقُولُ الكَافِرُونَ الجَهَلَةُ اسْتِكْبَاراً وعِنَاداً، إِنَّ هَذَا القُرْآنَ الذي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، إِنْ هُوَ إِلاَّ كَذِبٌ تَقَوَلَّهُ مُحَمَّدٌ وَنَسَبه إِلَى رَبِّهِ (إِفْكٌ افْتَرَاهُ)، واسْتَعانَ عَلَى جَمْعِهِ وَوَضْعِهِ بِآخَرِينَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ (والذي قَالَ هَذَا القولَ هُوَ أَبُو جَهْلٍ)، وَهَؤُلاَءِ الكُفَّارُ الذينَ يَقُولُونَ مِثْلَ هَذَا القَوْلِ هُمُ الذينَ يَفْتَرُونَ الكَذِبَ، وَهُمْ يَعْلُمَونَ أَنَّ مَا يَقُولُونَهُ بَاطِلٌ، وَيَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا زَعَمُوهُ. إِفْكٌ - كَذِبٌ. الافْتِرَاءُ - الاخْتِلاَقُ والاخْتِرَاعُ. الزُورُ - الكَذِبُ العَظِيمُ الذي لاَ تُبْلغُ غَايَتُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن تكلم الفرقان وفرَق في مسألة القمة والألوهية واتخاذ الولد والشركاء، وبيَّن الإله الحق من الإله الباطل، أراد سبحانه أنْ يتكلّم عن الفرقان في الرسالة، فيحكى ما قاله الكفار عن القرآن {إِنْ هَـٰذَا ..} [الفرقان: 4] يعني: ما هذا - أي القرآن - الذي يقوله محمد {إِلاَّ إِفْكٌ} [الفرقان: 4] الإفك: تعمُّد الكذب الذي يقلب الحقائق، وسبق أن قُلْنا: إن النسبة الكلامية إنْ وافقت الواقع فهي صِدْق، وإنْ خالفتْه فهي كذب. والإفْك قَلْب للواقع يجعل الموجود غير موجود، وغير الموجود موجوداً، كما جاء في حادثة الإفك حين اتهموا عائشة أم المؤمنين بما يخالف الواقع، فالواقع أن صفوان أناخ لها ناقته حتى ركبت دون أن ينظر إليها، وهذا يدل على مُنْتهى العِفَّة والصيانة، وهُمْ بالإفك جعلوا الطُّهْر والعفة عُهْراً. ومن العجيب أن هؤلاء الذين اتهموا القرآن بأنه إفك هم أنفسهم الذين قالوا عنه: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. فهم يعترفون بالقرآن ويشهدون له، لكن يُتعبهم ويُنغِّص عليهم أن يُنزل على محمد بالذات، فلو نزل - فرضاً - على غير محمد لآمنوا به. ومن حُمْقهم أن يقولوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32]. والمنطق أن يقولوا فاهْدنا إليه، لكنه العناد والمكابرة. وقوله: {ٱفْتَرَاهُ ..} [الفرقان: 4] أي: ادعاه، وعجيب أمر هؤلاء، يتهمون القرآن بأنه إفك مُفْترى، فلماذا لا يفترون هم أيضاً مِثْله، وهم أمة بلاغة وبيان؟! وفي موضع آخر يقول تعالى: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}تفسير : [النحل: 103]. وقديماً قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذكوراً، وإلا فكيف تتهمون محمداً أن رجلاً أعجمياً يُعلِّمه القرآن، والقرآن عربي؟ وقوله تعالى: {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ..} [الفرقان: 4] الذي قال هذه المقولة هو النضر بن الحارث، ولما قالها رددها بعده آخرون أمثال: عدَّاس، ويسَّار، وأبي فكيهة الرومي، والقرآن يرد على كل هذه الاتهامات: {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً} [الفرقان: 4] أي: حكموا به والظلم هو: الحكم بغير الحق، والزّور هو: عُدَّة الحكم ودليله. والظلم يأتي بعد الزور، لأن القاضي يستمع أولاً إلى الشهادة، ثم يُرتِّب عليها الحكم، فإن كانت الشهادةُ شهادةَ زور كان الحكم حينئذ ظلماً. لكن الحق - تبارك وتعالى - يقول {ظُلْماً وَزُوراً} [الفرقان: 4] وهذا دليل على أن الحكم جاء منهم مُسبقاً، ثم التمسوا له دليلاً. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الآية: 4]. قال: يهود تقوله. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً} [الآية: 4]. قال: الظلم، الكذب. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} [الآية: 9]. يقول: لا يستطيعون مخرجاً يخرجهم من الأَمثال التي ضربوا لك.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ} فالإفكُ: البُهتانُ. وافتراه: معناه: اختلقَهُ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما أنزلنا القرآن الفرقان على عبدنا؛ ليهدي التائهين بيداء الغفلة والضلال {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بالله، وأعرضوا عما جاء من عنده، ولتكميل الناقصين: {إِنْ هَـٰذَا} أي: ما هذا الذي جاء به هذا المدعي {إِلاَّ إِفْكٌ} كذب يصرف عن الحق ويلبس الباطل بصورته؛ لأنه {ٱفْتَرَاهُ} أي: اختلقه عن عمدٍ، ونسبه إلى الوحي تغريراً وترويجاً لأمره {وَ} مع ذلك {أَعَانَهُ عَلَيْهِ} ولقَّن له فحواه {قَوْمٌ آخَرُونَ} وهم أحبار اليهود، وبعدما سمع فحواه منهم، عبر عنه بلفظ فصيح، وأفرغه في قالب بليغ، فأتى به على الناس، ولقبه الفرقان المعجز، والقرآن البرهان المثبت المنزل عليه من ربه بطريق الوحي والإلهام؛ ترويجاً لمفترياته وتقريراً للناس على قبولها {فَقَدْ جَآءُوا} أي: أولئك المسرفون المفرطون بجعل القرآن الفرقان المعجز - لفظاً ومعنى - إفكاً صرفاً وافتراءً محضاً {ظُلْماً} خروجاً فاحشاً عن حد الاعتدال { وَزُوراً} [الفرقان: 4] قولاً كذباً، وبهتاناً ظاهراً متجاوزاً ع الحد، مسقطاً للمروءة سقوطاً تاماً؛ إذ نسبة هذا الكتاب الذي {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}تفسير : [فصلت: 42] إلى أمثال هذه الخرافات التي جاءوا بها أولئك الجهلة بشأنه في غاية الظلم والزور ونهاية المراء والغرور. {وَقَالُوۤاْ} أيضاً في حق هذا الكتاب ما هو أفحش منه، وأبعد من شأنه بمراحل، وهو: إنه {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أكاذيب سطرها المتقدمون فيما مضى، وهو {ٱكْتَتَبَهَا} أي: استنسخها من حَبْر، وكتبها له كاتب، وبعدما أخذ سوداها {فَهِيَ} الأساطير المذكورة {تُمْلَىٰ} وتُقرأ {عَلَيْهِ} أي: على محمد صلى الله عليه وسلم {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفرقان: 5] أي: غداةً وعشياً على سبيل التكرار ليحفظها؛ إذ هو أمي لا يقدر على أن يكرر من الكتاب، وبعدما حفظها، قرأها على الناس مدعياً أنها موحى من عند الله، أنزلها عليه ملك سماوي اسمه جبرائيل، أو تُملى عليه على سبيل التعليم ليكتب لنفسه. {قُلْ} يا أكمل الرسل بعما سمعت مقالهم، وتفرست حالهم في العتو وأنواع الإنكار والفساد: {أَنزَلَهُ} أي: الفرقان عليَّ مع أني أمي كما اعترفتم، لا قدرة لي على الإملاء فكيف على الإنشاء العليم؟! {ٱلَّذِي يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {ٱلسِّرَّ} المكنون والحكمة الكامنة {فِي} أشكال {ٱلسَّمَاوَاتِ وَ} أقطار {ٱلأَرْضِ} ولهذا أعجزكم بكلامه هذا عن آخركم مع أنكم من ذوي اللسن والفصاحة، وأعلى طلبقات البلاغة والبراعة، فعجزتم عن معارضته؛ ومع ذلك ما تستحيون أيها المسرفون المفرطون نسبتم إليه ما هو بريء عنه، بنسبتكم هذه استوجبتم العذاب والعقاب عاجلاً وآجلاً، إلا أنه سبحانه أمهلكم رجاء أن تتنبهوا بسوء صنيعكم هذا، فترجعوا إليه سبحانه تائبين نامين، فيغفر لكم ما تقدم من ذنوبكم، ويرحمكم بقبول توبتكم {إِنَّهُ} سبحانه في ذاته {كَانَ غَفُوراً} للأوابين التوابين {رَّحِيماً} [الفرقان: 6] للمتندمين المخلصين. وبعدما أفرطوا في طعن الكتاب المنزل والقدح فيه، ولم يقصروا على طعنه وقدحه، بل أخذوا في طعن من أُنزل إليه حسب عداوتهم وشدة شكيمتهم وضغينهم معه، {وَقَالُواْ} مستهزئين متهكمين: {مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ} يدعي الرسالة والنبوة مع أنه لا يتميز عن العوام {يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ} كما نأكل {وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} لضبط أمور معاشه كما نمشي، فما مزيته علينا وامتيازه عنا حتى يكون رسولاً؟ وإن كان صادقاً في دعوى نزول الملك إليه بالوحي {لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ} ظاهراً بلا سترة حتى نراه ونعاين به، ونؤمن له بلا ترددٍ {فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} [الفرقان: 7] أي: يكون الملك المنزل ردءاً له في إنذارنا وتبليغ الدعوة إلينا. {أَوْ} هلا {يُلْقَىٰ إِلَيْهِ} من قبل ربه {كَنْزٌ} فيستغني به عن الخلق، فتتبعه طعماً للأحاسن {أَوْ} هلا {تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ} موهوبة له من ربه فيها أنواع الثمرات والفواكه {يَأْكُلُ مِنْهَا} رغداً ويترفه بها أمداً، وبالجملة: ما له هذا ولا ذاك ولا ذلك، فمن أين نصدق برسالته، وبأي شيء نعتقده نبياً؟ {وَ} بعدما بالغوا في قدحه وإنكاره وأفرطوا في استهزائه وسوء الأدب معه صلى الله عليه وسلم، وبالجملة: {قَالَ ٱلظَّالِمُونَ} المنكرون المستكبرون على سبيل الذب، والإعراض لضعفاء الأنام عن متابعته صلى الله عليه وسلم: لو صدقتم أيها الناس وآمنتم به من أنكم سمعتم أنه لا مزية له عليكم، ولا امتياز بينه وبينكم {إِن تَتَّبِعُونَ} أي: ما تتبعون حينئذ، وتؤمنون {إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} [الفرقان: 8] مجنوناً سُحر له، فجُنَّ واختل عقله وكلَّ فهمه، لذلك تكلم بكلام المجانين، فعجز عن معارضته العقلاء؛ إذ العقل قاصر عن مموهات الوهم وتسويلات الخيال.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وقال الكافرون بالله الذي أوجب لهم كفرهم أن قالوا في القرآن والرسول: إن هذا القرآن كذب كذبه محمد وإفك افتراه على الله وأعانه على ذلك قوم آخرون. فرد الله عليهم ذلك بأن هذا مكابرة منهم وإقدام على الظلم والزور، الذي لا يمكن أن يدخل عقل أحد وهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول صلى الله عليه وسلم وكمال صدقه وأمانته وبره التام وأنه لا يمكنه، لا هو ولا سائر الخلق أن يأتوا بهذا القرآن الذي هو أجل الكلام وأعلاه وأنه لم يجتمع بأحد يعينه على ذلك فقد جاءوا بهذا القول ظلما وزورا. ومن جملة أقاويلهم فيه أن قالوا: هذا الذي جاء به محمد { أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا } أي: هذا قصص الأولين وأساطيرهم التي تتلقاها الأفواه وينقلها كل أحد استنسخها محمد { فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا } وهذا القول منهم فيه عدة عظائم: منها: رميهم الرسول الذي هو أبر الناس وأصدقهم بالكذب والجرأة العظيمة. ومنها: إخبارهم عن هذا القرآن الذي هو أصدق الكلام وأعظمه وأجله - بأنه كذب وافتراء. ومنها: أن في ضمن ذلك أنهم قادرون أن يأتوا بمثله وأن يضاهي المخلوق الناقص من كل وجه للخالق الكامل من كل وجه بصفة من صفاته، وهي الكلام. ومنها: أن الرسول قد علمت حالته وهم أشد الناس علما بها، أنه لا يكتب ولا يجتمع بمن يكتب له وقد زعموا ذلك. فلذلك رد عليهم ذلك بقوله: { قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: أنزله من أحاط علمه بما في السماوات وما في الأرض، من الغيب والشهادة والجهر والسر كقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ }. تفسير : ووجه إقامة الحجة عليهم أن الذي أنزله، هو المحيط علمه بكل شيء، فيستحيل ويمتنع أن يقول مخلوق ويتقول عليه هذا القرآن، ويقول: هو من عند الله وما هو من عنده ويستحل دماء من خالفه وأموالهم، ويزعم أن الله قال له ذلك، والله يعلم كل شيء ومع ذلك فهو يؤيده وينصره على أعدائه، ويمكنه من رقابهم وبلادهم فلا يمكن أحدا أن ينكر هذا القرآن، إلا بعد إنكار علم الله، وهذا لا تقول به طائفة من بني آدم سوى الفلاسفة الدهرية. وأيضا فإن ذكر علمه تعالى العام ينبههم: ويحضهم على تدبر القرآن، وأنهم لو تدبروا لرأوا فيه من علمه وأحكامه ما يدل دلالة قاطعة على أنه لا يكون إلا من عالم الغيب والشهادة، ومع إنكارهم للتوحيد والرسالة من لطف الله بهم، أنه لم يدعهم وظلمهم بل دعاهم إلى التوبة والإنابة إليه ووعدهم بالمغفرة والرحمة، إن هم تابوا ورجعوا فقال: { إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا } أي: وصفه المغفرة لأهل الجرائم والذنوب، إذا فعلوا أسباب المغفرة وهي الرجوع عن معاصيه والتوبة منها. { رَحِيمًا } بهم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة وقد فعلوا مقتضاها، وحيث قبل توبتهم بعد المعاصي وحيث محا ما سلف من سيئاتهم وحيث قبل حسناتهم وحيث أعاد الراجع إليه بعد شروده والمقبل عليه بعد إعراضه إلى حالة المطيعين المنيبين إليه.