Verse. 2861 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

قُلْ اَنْزَلَہُ الَّذِيْ يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ اِنَّہٗ كَانَ غَفُوْرًا رَّحِيْمًا۝۶
Qul anzalahu allathee yaAAlamu alssirra fee alssamawati waalardi innahu kana ghafooran raheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل أنزله الذي يعلم السرَّ» الغيب «في السماوات والأرض إنه كان غفورا» للمؤمنين «رحيما» بهم.

6

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ } الغيب {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً } للمؤمنين {رَّحِيماً } بهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد ردا عليه وتحقيقا للحق {أنزله الذى يعلم السر} الغيب {فى السموات والارض} لانه اعجزكم لفصاحته عن آخركم وتضمن اخبارا عن مغيبات مستقبله او اشياء مكنونة لا يعلمها الا عالم الاسرار فكيف تجعلونه اساطير الاولين {انه كان غفورا رحيما} اى انه تعالى ازلا وابدا مستمر على المغفرة والرحمة فلذلك لايعجل على عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته عليها واستحقاقكم ان يصب عليكم العذاب صبا، وفيه اشارة الى ان اهل الضلالة من الذين نسبوا القرآن الى الافك لو رجعوا عن قولهم وتابوا الى الله يكون غفورا لهم رحيما بهم كما قال تعالى {أية : وانى لغفار لمن تاب} شعر : در توبه بازست وحق دستكير تفسير : اعلم ان الله تعالى أنزل القرآن على وفق الحكمة الازلية فى رعاية مصالح الخلق ليهتدى به اهل السعادة الى الحضرة وليضل به اهل الشقاوة عن الحضرة وينسبوه الى الافك كما قال تعالى {أية : واذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم}تفسير : والقرآن لا يدرك الا بنور الايمان والكفر ظلمة وبالظلمة لايرى الا الظلمة فبظلمة الكفر رأى الكفار القرآن النورانى القديم كلاما مخلوقا ظلمانيا من جنس كلام الانس فكذلك اهل البدعة لما رأوا القرآن بظلمة البدعة رأوا كلاما مخلوقا ظلمانيا بظلمة الحدوث وظلموا انفسهم بوضع القرآن فى غير موضعه من كلام الانس وفى الحديث "حديث : القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق فمن قال بكونه مخلوقا فقد كفر بالذى انزله"تفسير : نسأل الله العصمة والحفظ من الالحاد وسوء الاعتقاد، ثم اعلم ان الامور اللازمة تعليم الجهلاء ورد الملاحدة والمبتدعة فانه كوضع الدواء على جراحة المجروح او كقتل الباغى المضر وردهم بالاجوبة القاطعة مما لايخالف الشريعة والطريقة ألا ترى ان الله تعالى امر حبيبه عليه السلام بالجواب للطاعنين فى القرآن وقد اجاب السلف عمن اطال على القرآن وذهب على حدوثه ومخلوقيته وكتبوا رسائل وكذا علماء كل عصر جاهدوا المخالفين بما امكن من المعارضة حتى ألقموهم الحجر وافحموهم وخلصوا الناس من شبهاتهم وشكوكهم وفى الحديث "حديث : من انتهر"تفسير : اى منع "حديث : بكلام غليظ صاحب بدعة سيئة مما هو عليه من سوء الاعتقاد والفحش من القول والعمل ملأ الله تعالى قلبه امنا وايمانا ومن اهان صاحب بدعة آمنه الله تعالى يوم القيامة من الفزع الاكبر"تفسير : اى النفخة الاخيرة التى تفزع الخلائق عندها او الانصراف الى النار أو حين يطبق على النار او يذبح الموت واطلق الا من فى صورة الانتهار والمراد الامن فى الدنيا مما يخاف خصوصا من مكر من انتهره ويدل عليه مابعده وهو الايمان فانه من مكاسب الدنيا نسأل الله الامن والامان وكمال الايمان والقيام باوامره والاتعاظ بمواعظه وزواجره.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} من سماوات الاجسام والارواح وكذا ارضهما، ومن يعلم السّرّ الّذى لا يطّلع عليه احد من السّماوات والارض فى العالم الكبير يعلم السّرّ والجهر من سماوات الارواح وارض الاشباح منكم فاحذروا من ان تقولوا او تفعلوا فى الملأ او الخلأ او تخيّلوا او تنووا ما يليق بالله او بمحمّدٍ (ص) او بكم {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فلم لا يؤاخذ العاصى والعاتى؟- فقال: انّه كان غفوراً يستر على المساوى ولا يؤاخذ ما بقى فى المعاصى استعداد التّوبة {رَّحِيماً} يرحمهم فضلاً عن ان لا يؤاخذهم.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَٰواتِ وَالأَرْضِ} لانه افحمكم جميعا واخبر عن اشياء مستقبلة واشياء لا يعلمها الا عالم الاسرار سبحانه وتعالى فكيف يكون اساطير الاولين وذكر نفسه بعالم السر تلويحا إليهم بانه قد علم ما اسروه من كيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قول باطل فيه أو في القرآن * {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} ولولا ذلك لعاجلكم بالعقوبة على كيدكم وقولكم فانكم على كيدكم فانكم قد استوجبتم بمكابرتكم ان يصب عليكم العذاب صبا. وفي ذلك تنبيه على انه قادر على انقاذ الوعيد المشار إليه بعلم السر فانه لا يوصف بالمغفرة والرحمة الا القادر على العقوبة.

اطفيش

تفسير : {قل أنزلهُ} أنزل الذى تقولون إنه إفك وأساطير {الذى يعلم السر فى السماوات والأرض} ما خفى فى دواخلهما، وفى قلوب أهلهما وغير ذلك، وما تضمنته الأشياء {إنه كانَ غفوراً رحيماً} لولا عظمة مغفرته ورحمته لعاجلكم بالعقاب، فقد استوجبتموه، وفى ذلك كناية عن الاقتدار العظيم، إذ لا يوصف العاجز، وضعيف القدرة على العفو، وترك العقاب، وليس المقام مقاماً لأطماعهم، لأنه فى شأن عتوهم.

الالوسي

تفسير : {قُلْ } لهم رداً عليهم وتحقيقاً للحق {أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وصفه تعالى بإحاطة علمه بجميع المعلومات الخفية والجلية المعلومة من باب أولى للإيذان بانطواء ما أنزله على أسرار مطوية عن عقول البشر مع ما فيه من التعريض بمجازاتهم بجناياتهم المحكية التي هي من جملة معلوماته تعالى أي ليس ذلك كما تزعمون بل هو أمر سماوي أنزله الله تعالى الذي لا يعزب عن علمه شيء من الأشياء وأودع فيه فنون الحكم والأسرار على وجه بديع لا تحوم حوله الأفهام حيث أعجزكم قاطبة بفصاحته وبلاغته وأخبركم بمغيبات مستقبلة وأمور مكنونة لا يهتدي إليها ولا يوقف إلا بتوفيق الله تعالى العليم الخبير عليها، وإذا أرادوا بِـ { أية : بُكْرَةً وَأَصِيلاً } تفسير : [الفرقان: 5] خفية عن الناس ازداد موقع السر حسناً. وأما التذييل بقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } فهو للتنبيه على أنهم استوجبوا العذاب على ما هم عليه من الجنايات المحكية لكن أخر عنهم لما أنه سبحانه أزلاً وأبداً مستمر على المغفرة والرحمة المستتبعتين للتأخير فكأنه قيل إنه جل وعلا متصف بالمغفرة والرحمة على الاستمرار فلذلك لا يعجل عقوبتكم على ما أنتم عليه مع كمال استيجابه إياها وغاية قدرته سبحانه عليها ولولا ذلك لصب عليكم العذاب صباً، وذكر الطيبـي أن فيه على هذا الوجه معنى التعجب كما في قوله تعالى: { أية : لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً } تفسير : [الفرقان: 21]. وجوز أن يكون الكلام كناية عن الاقتدار العظيم على عقوبتهم لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر على العقوبة، وفي إيثارها تعيير لهم ونعي على فعلهم يعني أنكم فيما أنتم عليه بحيث يتصدى لعذابكم من صفته المغفرة والرحمة وليس بذاك، وقال صاحب «الفرائد»: يمكن أن يقال: ذكر المغفرة والرحمة بعد ذلك لأجل / أن يعرفوا أن هذه الذنوب العظيمة المتجاوزة عن الحد مغفورة إن تابوا وأن رحمته واصلة إليهم بعدها وأن لا ييأسوا من رحمته تعالى بما فرط منهم مع إصرارهم على ما هم عليه من المعاداة والمخاصمة الشديدة وهو كما ترى.

ابن عاشور

تفسير : لقن الله رسوله الجواب لرد بهتان القائلين إن هذا القرآن إلا إفك، وإنه أساطير الأولين، بأنه أنزله الله على رسوله. وعبر عن منزل القرآن بطريق الموصول لما تقتضيه الصلة من استشهاد الرسول الله على ما في سره لأن الله يعلم كل سر في كل مكان. فجملة الصلة مستعملة في لازم الفائدة وهو كون المتكلم، أي الرسول، عالماً بذلك. وفي ذلك كناية عن مراقبته الله فيما يبلغه عنه. وفي ذلك إيقاظ لهم بأن يتدبروا في هذا الذي زعموه إفكاً أو أساطير الأولين ليظهر لهم اشتماله على الحقائق الناصعة التي لا يحيط بها إلا الله الذي يعلم السر، فيُوقِنُوا أن القرآن لا يكون إلا من إنزاله، وليعلموا براءة الرسول صلى الله عليه وسلم من الاستعانة بمن زعموهم يعينونه. والتعريف في {السر} تعريف الجنس يستغرق كل سر، ومنه إسرار الطاعنين في القرآن عن مكابرة وبهتان، أي يعلم أنهم يقولون في القرآن ما لا يعتقدونه ظلماً وزوراً منهم، وبهذا يعلم موقع جملة: {إنه كان غفوراً رحيماً} ترغيباً لهم في الإقلاع عن هذه المكابرة وفي اتباع دين الحق ليغفر الله لهم ويرحمهم، وذلك تعريض بأنهم إن لم يقلعوا ويتوبوا حَق عليهم الغضب والنقمة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (6) - قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ الذِي نَزَّلَ القرآنَ هُوَ اللهُ، الذي يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وَيَعْلَمُ السَّرَائِرَ، كما يَعْلَمُ الظَواهِرَ، وَهُوَ غَفُورٌ لِمَنِ اسْتَغْفَرَهُ وَتَابَ إِلَيْهِ، وَهُوَ تَعَالَى يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ والإِقْلاَعِ عَمَّا هُمْ فِيهِ، وَيَعِدُهُمْ بِالمَغْفِرَةِ إِنْ تَابُوا وأَخْلَصُوا فِي تَوْبَتِهِمْ. يَعْلَمُ السِّرَّ - يَعْلَمُ كُلَّ مَا يَغِيبُ وَيَخْفَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {أَنزَلَهُ ..} [الفرقان: 6] أي: القرآن مرة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا {ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الفرقان: 6] فلا تظن أنك بمجرد خَلْقك قدرْتَ أن تكشف أسرار الله في كونه، إنما ستظل إلى قيام الساعة تقف على سر، وتقف عند سر آخر. لماذا؟ لأن الحق - سبحانه وتعالى - يريد أن يبطل هذه المدعيات، ويأتي بأشياء غيبية لم تكن تخطر على بال المعاصرين لمحمد، ثم تتضح هذه الأشياء على مَرِّ القرون، مع أن القرآن نزل في أُمة أمية، والرسول الذي نزل عليه القرآن رجل أمي، ومع ذلك يكشف لنا القرآن كل يوم عن آية جديدة من آيات الله. كما قال سبحانه: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..}تفسير : [فصلت: 53]. والحق - تبارك وتعالى - يكشف لرسوله صلى الله عليه وسلم شيئاً من الغيبيات، ليراها المعاصرون له ليلقم الكفارَ الذين اتهموه حجراً، فيكشف بعض الأسرار كما حدث في بدر حيث وقف النبي صلى الله عليه وسلم في ساحة المعركة بعد أن عرف أن مكة ألقتْ بفلذات أكبادها وسادتها في المعركة، وقف يشير بعصاه إلى مصارع الكفار، ويقول: "حديث : هذا مصرع أبي جهل، وهذا مصرع عتبة بن ربيعة .."تفسير : .. الخ يخطط على الأرض مصارع القوم. ومَنِ الذي يستطيع أن يحكم مسبقاً على معركة فيها كَرٌّ وفَرٌّ، وضَرْب وانتقال وحركة، ثم يقول: سيموت فلان في هذا المكان. والوليد بن المغيرة والذي قال عنه القرآن {أية : سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ}تفسير : [القلم: 16] يعني: ستأتيه ضربة على أنفه تَسِمُه بسِمَة تلازمه، وبعد المعركة يتفقده القوم فيجدونه كذلك. هذه كلها أسرار من أسرار الكون يخبر بها الحق - تبارك وتعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم، والرسول يخبر بها أمته في غير مظنَّة العلم بها. ومن ذلك ما يُروى من حديث : أن ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوجتا من ولدين لأبي لهب، فلما حدثت العداوة بينه وبين رسول الله أمر ولديْه بتطليق ابنتي رسول الله، وبعدها رأى أحد الولدين رسول الله ماشياً، فبصق ناحيته، ورأى رسول الله ذلك فقال له: "أكلك كلب من كلاب الله"". تفسير : فقال أبو لهب بعد أن علم بهذه الدعوة: أخاف على ولدي من دعوة محمد. وعجيب أنْ يخاف هذا الكافر من دعوة رسول الله، وهو الذي يتهمه بالسحر وبالكذب ويكفر به وبدعوته. ولما خرج هذا الولد في رحلة التجارة إلى الشام أوصى به القوم أن يحرسوه، ويجعلوا حوله سياجاً من بضائعهم يحميه خشية أن تنفذ فيه دعوة محمد، وهذا منه كلام غير منطقي، فهو يعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه مُرْسَل من عند الله، لكن يمنعه من الإيمان حقده على رسول الله وتكبّره على الحق. وخرج الولد في رحلة التجارة ورغم احتياطهم في حمايته هجم عليه سبع في إحدى الليالي واختطفه من بين أصحابه، فتعجبوا لأن رسول الله قال: "حديث : كلب من كلاب الله"تفسير : وهذا أسد ليس كلباً. قال أهل العلم: ما دام أن رسول الله نسب الكلب إلى الله، فكلب الله لا يكون إلا أسداً. فالمعنى: قل يا محمد في الرد عليهم ولإبطال دعاواهم: {أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الفرقان: 6] وسوف يفضحكم ويُبطِل افتراءكم على رسول الله من قولكم إفك وكذب وافتراء وأساطير الأولين، وسوف يُخْزِيكم أمام أعْينِ الناس جميعاً. وعلى عهد رسول الله قامتْ معركة بين الفُرْس والروم غُلبت فيها الروم، فحزن رسول الله لهزيمة الروم؛ لأنهم أهل كتاب يؤمنون بالله وبالرسل، أما الفرس فكانوا كفاراً لا يؤمنون بالله ويعبدون النار وغيرها. فمع أنهما يتفقان في تكذيبهم لرسول الله، إلا أن إيمان الروم بالله جعل رسول الله يتعصب لهم مع أنهم كافرون به، فعصبية رسول الله لا تكون إلا لربه عز وجل. فلما حزن رسول الله لذلك أنزل الله تعالى عليه: {أية : الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الروم: 1-5]. فأيُّ عقل يستطيع أنْ يحكم على معركة ستحدث بعد عدة سنوات؟ لو أن المعركة ستحدث غداً لأمكن التنبؤ بنتيجتها، بناءً على حساب العَدد والعُدة والإمكانات العسكرية، لكن مَنْ يحكم على معركة ستدور رحاها بعد سبع سنين؟ ومَنْ يجرؤ أن يقولها قرآناً يُتْلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة. فلو أن هذه المدة مرَّت ولم يحدث ما أخبر به رسول الله لكفَر به مَنْ آمن وانفضَّ عنه مَنْ حوله. إذن: ما قالها رسول الله قرآناً يُتْلَى ويُتعبَّد به إلا وهو واثق من صِدْق ما يخبر به؛ لأن الذي يخبره ربه - عز وجل - الذي يعلم السرَّ في السماوات والأرض؛ لذلك قال هنا الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الفرقان: 6]. ومن العجيب أن ينتصر الروم على الفُرْس في نفس اليوم الذي انتصر فيه الإيمان على الكفر في غزوة بدر، هذا اليوم الذي قال الله تعالى عنه: {أية : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الروم: 4-5]. وما دام أن الذي أنزل القرآن هو سبحانه الذي يعلم السِّر في السماوات والأرض، فلن يحدث تضارب أبداً بين منطوق القرآن ومنطوق الأكوان؛ لأن خالقهما واحد - سبحانه وتعالى - فمن أين يأتي الاختلاف أو التضارب؟ ثم يقول سبحانه: {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} [الفرقان: 6] فما مناسبة الحديث عن المغفرة والرحمة هنا؟ قالوا لأن الله - تبارك وتعالى - يريد أن يترك لهؤلاء القوم الذين يقرعهم مجالاً للتوبة وطريقاً للعودة إليه - عز وجل - وإلى ساحة الإيمان. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أشار عليه بقتل الكفار: "حديث : لعلَّ الله يُخرِج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً ". تفسير : وكان الصحابة يألمون أشد الألم إنْ أفلتَ أحد رءوس الكفر من القتل في المعركة، كما حدث مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص قبل إسلامهما، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدَّخِرهم للإسلام فيما بعد. فقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} [الفرقان: 6] حتى لا يقطع سبيل العودة إلى الإيمان بمحمد على مَنْ كان كافراً به، فيقول لهم: على رغم ما حدث منكم. إنْ عُدْتم إلى الجادة وإلى حظيرة الإيمان ففي انتظاركم مغفرة الله ورحمته. والحق - تبارك وتعالى - يُبيِّن لنا هذه المسألة حتى في النزوع العاطفي عند الخَلْق، فهند بنت عتبة التي أغرتْ وَحْشِياً بقتل حمزة عم رسول الله وأسد الله وأسد رسوله، ولم تكتف بهذا، بل مثَّلتْ به بعد مقتله ولاكَتْ كبده رضي الله عنه، ومع ذلك بعد أنْ أسلمتْ وبايعتْ النبي صلى الله عليه وسلم نُسيت لها هذه الفعلة وكأنها لم تكُنْ. ولما قال أحدهم لعمر بن الخطاب: هذا قاتل أخيك (يشير إليه) والمراد زيد بن الخطاب، فما كان من عمر إلا أن قال: وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟ ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ ...}.