٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ}. فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَقَالُواْ} ذكر شيئاً آخر من مطاعنهم. والضمير في {قالُوا} لقريش؛ وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس مشهور، وقد تقدّم في {سبحان}. ذكره ابن إسحاق في السيرة وغيره. مضمنه ـ أن سادتهم عتبة بن ربيعة وغيره اجتمعوا معه فقالوا: يا محمد! إن كنت تحب الرياسة ولّيناك علينا، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا؛ فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك رجعوا في باب الاحتجاج معه فقالوا: ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام، وتقف بالأسواق! فعيّروه بأكل الطعام؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكاً، وعيّروه بالمشي في الأسواق حين رأوا الأكاسرة والقياصرة والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق، وكان عليه السلام يخالطهم في أسواقهم، ويأمرهم وينهاهم؛ فقالوا: هذا يطلب أن يتملك علينا، فما له يخالف سيرة الملوك؛ فأجابهم الله بقوله، وأنزل على نبيه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} فلا تغتم ولا تحزن، فإنها شكَاة ظاهر عنك عارها. الثانية: دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب المعاش. وكان عليه السلام يدخلها لحاجته، ولتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته، ويعرِض نفسه فيها على القبائل، لعلّ الله أن يرجع بهم إلى الحق. وفي البخاري في صفته عليه السلام: «ليس بفظٍّ ولا غلِيظ ولا سخَّاب في الأسواق» وقد تقدّم في {الأعراف}. وذكر السوق مذكور في غير ما حديث، ذكره أهل الصحيح. وتجارة الصحابة فيها معروفة، وخاصة المهاجرين؛ كما قال أبو هريرة: وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْق بالأسواق؛ خرجه البخاري. وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في هذه السورة إن شاء الله. قوله تعالى: {لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ} أي هلاّ. {فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} جواب الاستفهام. {أَوْ يُلْقَىٰ} في موضع رفع؛ والمعنى: أو هلاّ يلقى{إِلَيْهِ كَنْزٌ} {أَوْ} هلاّ {تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} {يَأْكُلُ} بالياء قرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم. وقرأ سائر الكوفيين بالنون، والقراءتان حسنتان تؤدّيان عن معنى، وإن كانت القراءة بالياء أبين؛ لأنه قد تقدّم ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده فأن يعود الضمير عليه أبين؛ ذكره النحاس. {وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} تقدّم في {سبحان} والقائل عبد الله بن الزِّبَعْرى فيما ذكره الماورديّ.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم، وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما تعللوا بقولهم: {مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ} يعنون: كما نأكله، ويحتاج إليه كما نحتاج إليه، {وَيَمْشِى فِى ٱلأَسْوَاقِ} أي: يتردد فيها وإليها طلباً للتكسب والتجارة {لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} يقولون: هلا أنزل إليه ملك من عند الله، فيكون له شاهداً على صدق ما يدعيه، وهذا كما قال فرعون: {أية : فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} تفسير : [الزخرف: 53] وكذلك قال هؤلاء على السواء، تشابهت قلوبهم، ولهذا قالوا: {أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ} أي: علم كنز ينفق منه {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} أي: تسير معه حيث سار، وهذا كله سهل يسير على الله، ولكن له الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة، {وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} قال الله تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ} أي: جاؤوا بما يقذفونك به، ويكذبون به عليك؛ من قولهم: ساحر مسحور مجنون كذاب شاعر، وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك، ولهذا قال: {فُضِّلُواْ} عن طريق الهدى، {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} وذلك أن كل من خرج عن الحق وطريق الهدى، فإنه ضال حيثما توجه؛ لأن الحق واحد، ومنهجه متحد يصدق بعضه بعضاً. ثم قال تعالى مخبراً نبيه: أنه إن شاء، لآتاه خيراً مما يقولون في الدنيا، وأفضل وأحسن، فقال: {تَبَارَكَ ٱلَّذِىۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ} الآية، قال مجاهد: يعني: في الدنيا، قال: وقريش يسمون كل بيت من حجارة: قصراً، كبيراً كان أو صغيراً، قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعطه نبياً قبلك، ولا نعطي أحداً من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله، فقال: «حديث : اجمعوها لي في الآخرة» تفسير : فأنزل الله عز وجل في ذلك: {تَبَارَكَ ٱلَّذِىۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ} الآية. وقوله: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ} أي: إنما يقول هؤلاء هكذا تكذيباً وعناداً، لا أنهم يطلبون ذلك تبصراً واسترشاداً، بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال {وَأَعْتَدْنَا} أي: أرصدنا {لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً} أي: عذاباً أليماً حاراً لا يطاق في نار جهنم. قال الثوري عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير: {السعير} واد من قيح جهنم. وقوله: {إِذَا رَأَتْهُمْ} أي: جهنم {مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} يعني: في مقام المحشر. قال السدي: من مسيرة مائة عام، {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} أي: حنقاً عليهم؛ كما قال تعالى: {أية : إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ}تفسير : [الملك: 7 ــــ 8] أي: يكاد ينفصل بعضها عن بعض؛ من شدة غيظها على من كفر بالله. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا إدريس بن حاتم بن الأخيف الواسطي: أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي عن أصبغ بن زيد عن خالد بن كثير، عن خالد بن دريك بإسناده عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله: «حديث : من يقل علي ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه، فليتبوأ مقعده من النار ــــ وفي رواية ــــ فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً» تفسير : قيل: يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال: «حديث : أما سمعتم الله يقول: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} الآية؟» تفسير : ورواه ابن جرير عن محمد بن خداش عن محمد بن يزيد الواسطي به. وقال أيضاً: حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن عيسى بن سليم عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله، يعني: ابن مسعود، ومعنا الربيع بن خيثم، فمروا على حداد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار، ونظر الربيع بن خيثم إليها، فتمايل الربيع ليسقط، فمر عبد الله على أتون على شاطىء الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه، قرأ هذه الآية: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} فصعق، يعني: الربيع، وحملوه إلى أهل بيته، فرابطه عبد الله إلى الظهر، فلم يفق رضي الله عنه. وحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن العبد ليجر إلى النار، فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف، هكذا رواه ابن أبي حاتم بإسناده مختصراً، وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن الرجل ليجر إلى النار، فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ قالت: إنه يستجير مني، فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار، فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك، فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار، فتشهق إليه النار شهقة البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف، وهذا إسناد صحيح. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن منصور عن مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله: {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} قال: إن جهنم لتزفر زفرة لايبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خرَّ لوجهه ترتعد فرائصه، حتى إن إبراهيم عليه السلام ليجثو على ركبتيه ويقول: رب لا أسألك اليوم إلا نفسي. وقوله: {وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ} قال قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: مثل الزج في الرمح، أي: من ضيقه، وقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع بن يزيد عن يحيى بن أبي أسيد يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن قول الله: {وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ} قال: «حديث : والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط»تفسير : وقوله: {مُّقَرَّنِينَ} قال أبو صالح: يعني: مكتفين {دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} أي: بالويل والحسرة والخيبة {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَٰحِداً} الآية. روى الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن يزيد عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه، ويسحبها من خلفه، وذريته من بعده، وهو ينادي: ياثبوراه، وينادون ياثبورهم حتى يقفوا على النار، فيقول: يا ثبوراه، ويقولون: ياثبورهم، فيقال لهم: لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً، وادعوا ثبوراً كثيراً» تفسير : لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان عن عفان به، ورواه ابن جرير من حديث حماد بن سلمة به. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَٰحِداً} الآية، أي: لا تدعوا اليوم ويلاً واحداً، وادعوا ويلاً كثيراً، وقال الضحاك: الثبور: الهلاك، والأظهر أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار، كما قال موسى لفرعون: {أية : وَإِنِّى لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُورًا} تفسير : [الإسراء: 102] أي: هالكاً. وقال عبد الله بن الزبعرى:شعر : إِذْ أُجاري الشيطانَ في سَنَنِ الغَـ ـيِّ ومَنْ مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ مَّالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلاْسْوَاقِ لَوْلآ } هلا {أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } يصدّقه؟.
الشوكاني
تفسير : لما فرغ سبحانه من ذكر ما طعنوا به على القرآن ذكر ما طعنوا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال {وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ} وفي الإشارة هنا تصغير لشأن المشار إليه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسموه: رسولا استهزاء وسخرية {يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ } أي: ما باله يأكل الطعام كما نأكل، ويتردّد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردّد، وزعموا أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الطعام والكسب، وما الاستفهامية في محل رفع على الابتداء، والاستفهام للاستنكار، أو خبر المبتدأ لهذا الرسول، وجملة: {يَأْكُلُ } في محل نصب على الحال، وبها تتمّ فائدة الإخبار كقوله: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } تفسير : [المدثر: 49]، والإنكار متوجه إلى السبب مع تحقق المسبب، وهو: الأكل والمشي، ولكنه استبعد تحقق ذلك لانتفاء سببه عندهم تهكماً واستهزاء، والمعنى: أنه إن صحّ ما يدّعيه من النبوّة، فما باله لم يخالف حاله حالنا {لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } طلبوا: أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم مصحوباً بملك يعضده ويساعده، تنزلوا عن اقتراح أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم ملكاً مستغنياً عن الأكل والكسب، إلى اقتراح أن يكون معه ملك يصدّقه، ويشهد له بالرسالة، قرأ الجمهور: {فيكون} بالنصب على كونه جواب التحضيض. وقرىء "فيكون" بالرفع على أنه معطوف على أنزل، وجاز عطفه على الماضي، لأن المراد به المستقبل. {أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ } معطوف على أنزل، ولا يجوز عطفه على فيكون، والمعنى: أو هلا يلقى إليه كنز، تنزلوا من مرتبة نزول الملك معه، إلى اقتراح أن يكون معه كنز يلقى إليه من السماء؛ ليستغني به عن طلب الرزق {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } قرأ الجمهور: {تكون} بالمثناة الفوقية، وقرأ الأعمش، وقتادة: "يكون" بالتحتية، لأن تأنيث الجنة غير حقيقي. وقرأ "نأكل" بالنون حمزة وعليّ وخلف، وقرأ الباقون: {يأكل} بالمثناة التحتية أي: بستان نأكل نحن من ثماره، أو يأكل هو وحده منه؛ ليكون له بذلك مزية علينا حيث يكون أكله من جنته. قال النحاس: والقراءتان حسنتان، وإن كانت القراءة بالياء أبين، لأنه قد تقدّم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحده، فعود الضمير إليه بين {وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً } المراد بـ {الظالمون} هنا: هم القائلون بالمقالات الأولى، وإنما وضع الظاهر موضع المضمر مع الوصف بالظلم للتسجيل عليهم به أي: ما تتبعون إلاّ رجلاً مغلوباً على عقله بالسحر، وقيل: إذا سحر، وهي الرئة أي: بشراً له رئة لا ملكاً، وقد تقدّم بيان مثل هذا في سبحان. {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ } ليتوصلوا بها إلى تكذيبك، والأمثال هي: الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة، وهي ما ذكروه ها هنا {فَضَّلُواْ } عن الصواب فلا يجدون طريقاً إليه، ولا وصلوا إلى شيء منه، بل جاءوا بهذه المقالات الزائفة التي لا تصدر عن أدنى العقلاء، وأقلهم تمييزاً، ولهذا قال {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } أي: لا يجدون إلى القدح في نبوّة هذا النبيّ طريقاً من الطرق {تَبَارَكَ ٱلَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذٰلِكَ } أي: تكاثر خير الذي إن شاء جعل لك في الدنيا معجلاً خيراً من ذلك الذي اقترحوه. ثم فسر الخير، فقال {جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنهَـٰرُ }، فجنات بدل من {خيراً} {وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } معطوف على موضع جعل، وهو الجزم، وبالجزم قرأ الجمهور. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر برفع "يجعل" على أنه مستأنف، وقد تقرّر في علم الإعراب: أن الشرط إذا كان ماضياً جاز في جوابه الجزم والرفع، فجاز أن يكون جعل ها هنا في محل جزم ورفع، فيجوز فيما عطف عليه أن يجزم ويرفع. وقرىء بالنصب، وقرىء بإدغام لام لك في لام يجعل لاجتماع المثلين. وقرىء بترك الإدغام؛ لأن الكلمتين منفصلتان، والقصر: البيت من الحجارة؛ لأن الساكن به مقصور عن أن يوصل إليه، وقيل: هو بيت الطين، وبيوت الصوف والشعر. ثم أضرب سبحانه عن توبيخهم بما حكاه عنهم من الكلام الذي لا يصدر عن العقلاء، فقال: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ } أي: بل أتوا بأعجب من ذلك كله. وهو تكذيبهم بالساعة، فلهذا لا ينتفعون بالدلائل، ولا يتأملون فيها. ثم ذكر سبحانه ما أعدّه لمن كذب بالساعة، فقال {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً } أي: ناراً مشتعلة متسعرة، والجملة في محل نصب على الحال أي: بل كذبوا بالساعة، والحال أنا أعتدنا. قال أبو مسلم: {أعتدنا} أي: جعلناه عتيداً، ومعدّاً لهم {إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } هذه الجملة الشرطية في محل نصب صفة لـ {سعيراً} لأنه مؤنث بمعنى: النار، قيل: معنى {إذا رأتهم}: إذا ظهرت لهم، فكانت بمرأى الناظر في البعد، وقيل: المعنى: إذا رأتهم خزنتها، وقيل: إن الرؤية منها حقيقية، وكذلك التغيظ والزفير، ولا مانع من أن يجعلها الله سبحانه مدركة هذا الإدراك. ومعنى {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ }: أنها رأتهم، وهي بعيدة عنهم، قيل: بينها وبينهم مسيرة خمسمائة عام. ومعنى التغيظ: أن لها صوتاً يدل على التغيظ على الكفار، أو لغليانها صوتاً يشبه صوت المغتاظ. والزفير: هو الصوت الذي يسمع من الجوف. قال الزجاج: المراد: سماع ما يدل على الغيظ، وهو الصوت أي: سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ. وقال قطرب: أراد علموا لها تغيظاً، وسمعوا زفيراً كما قال الشاعر:شعر : متقلداً سيفاً ورمحاً تفسير : أي: وحاملاً رمحاً، وقيل: المعنى: سمعوا فيها تغيظاً وزفيراً للمعذبين كما قال: {أية : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } تفسير : [هود: 106]، وفي واللام متقاربان، تقول: افعل هذا في الله ولله. {وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً } وصف المكان بالضيق للدلالة على زيادة الشدّة، وتناهي البلاء عليهم، وانتصاب {مُقْرِنِينَ } على الحال أي: إذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً حال كونهم مقرّنين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع مصفدين بالحديد، وقيل: مكتفين، وقيل: قرنوا مع الشياطين أي: قرن كل واحد منهم إلى شيطانه، وقد تقدّم الكلام على مثل هذا في سورة إبراهيم {دَعَوْاْ هُنَالِكَ } أي: في ذلك المكان الضيق {ثُبُوراً } أي: هلاكاً. قال الزجاج: وانتصابه على المصدرية أي: ثبرنا ثبوراً، وقيل: منتصب على أنه مفعول له، والمعنى: أنهم يتمنون هنالك الهلاك، وينادونه لما حلّ بهم من البلاء، فأجيب عليهم بقوله: {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وٰحِداً } أي: فيقال لهم هذه المقالة، والقائل لهم هم الملائكة أي: اتركوا دعاء ثبور واحد، فإن ما أنتم فيه من الهلاك أكبر من ذلك، وأعظم، كذا قال الزجاج {وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً } والثبور مصدر يقع على القليل والكثير، فلهذا لم يجمع، ومثله ضربته ضرباً كثيراً، وقعد قعوداً طويلاً، فالكثرة ها هنا هي بحسب كثرة الدعاء المتعلق به، لا بحسب كثرته في نفسه، فإنه شيء واحد، والمعنى: لا تدعوا على أنفسكم بالثبور دعاء واحداً، وادعوه أدعية كثيرة، فإن ما أنتم فيه من العذاب أشدّ من ذلك لطول مدّته، وعدم تناهيه، وقيل: هذا تمثيل وتصوير لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول، وقيل: إن المعنى: إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً بل هو ثبور كثير، لأن العذاب أنواع، والأولى أن المراد بهذا الجواب عليهم: الدلالة على خلود عذابهم، وإقناطهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المنجي لهم مما هم فيه. ثم وبّخهم الله سبحانه توبيخاً بالغاً على لسان رسوله، فقال {قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وَعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } والإشارة بقوله {ذلك} إلى السعير المتصفة بتلك الصفات العظيمة أي: أتلك السعير خير أم جنة الخلد؟ وفي إضافة الجنة إلى الخلد إشعار بدوام نعيمها، وعدم انقطاعه، ومعنى {ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ }: التي وعدها المتقون، والمجيء بلفظ خير هنا مع أنه لا خير في النار أصلاً، لأن العرب قد تقول ذلك، ومنه ما حكاه سيبويه عنهم، أنهم يقولون: السعادة أحبّ إليك أم الشقاوة؟ وقيل: ليس هذا من باب التفضيل، وإنما هو كقولك: عنده خير. قال النحاس: وهذا قول حسن. كما قال:شعر : أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء تفسير : ثم قال سبحانه: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً } أي: كانت تلك الجنة للمتقين جزاء على أعمالهم، ومصيراً يصيرون إليه. {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ } أي: ما يشاؤونه من النعيم، وضروب الملاذ كما في قوله: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ } تفسير : [فصلت: 31]، وانتصاب خالدين على الحال، وقد تقدم تحقيق معنى الخلود. {كَانَ عَلَىٰ رَبّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً } أي: كان ما يشاؤونه، وقيل: كان الخلود، وقيل: كان الوعد المدلول عليه بقوله: {وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } ومعنى الوعد المسؤول: الوعد المحقق بأن يسأل ويطلب كما في قوله: {أية : رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ } تفسير : [آل عمران: 194]، وقيل: إن الملائكة تسأل لهم الجنة كقوله: {أية : وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ } تفسير : [غافر: 8]، وقيل: المراد به: الوعد الواجب، وإن لم يسأل. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس: أن عتبة بن ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البحتري والأسود بن عبد المطلب وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيه بن الحجاج ومنبه بن الحجاج اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، قال: فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر منك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب به الشرف فنحن نسوّدك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما بي مما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكمتفسير : ، قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضنا عليك، أو قالوا: فإذا لم تفعل هذا، فسل لنفسك، وسل ربك: أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جناناً وقصوراً من ذهب وفضة تغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً»تفسير : ، فأنزل الله في ذلك {وَقَالُواْ مَّالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ } {أية : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } تفسير : [الفرقان: 20] أي: جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن خيثمة قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أعطيناك من خزائن الأرض، ومفاتيحها ما لم يعط نبيّ قبلك، ولا نعطها أحداً بعدك، ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئاً، وإن شئت جمعتها لك في الآخرة، فقال: حديث : اجمعوها لي في الآخرةتفسير : ، فأنزل الله سبحانه: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذٰلِكَ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً }. وأخرج نحوه عنه ابن مردويه من طريق أخرى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق خالد بن دريك عن رجل من الصحابة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من يقل عليّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداًتفسير : ، قيل يا رسول الله: وهل لها من عينين؟ قال: "حديث : نعم، أما سمعتم الله يقول {إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }»تفسير : . وأخرج آدم بن أبي إياس في تفسيره عن ابن عباس في قوله: {إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } قال: من مسيرة مائة عام، وذلك إذا أتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام يشدّ بكل زمام سبعون ألف ملك لو تركت لأتت على كل برّ وفاجر {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } تزفر زفرة لا تبقي قطرة من دمع إلاّ بدت، ثم تزفر الثانية، فتقطع القلوب من أماكنها، وتبلغ القلوب الحناجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيـى بن أسيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله: {وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مُّقَرَّنِينَ } قال: حديث : والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائطتفسير : . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } قال: ويلاً {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وٰحِداً } يقول: لا تدعوا اليوم ويلاً واحداً. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في البعث. قال السيوطي بسندٍ صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أوّل ما يكسي حلته من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من بعده، وهو ينادي: يا ثبوراه، ويقولون: يا ثبورهم حتى يقف على الناس، فيقول: يا ثبوراه، ويقولون: يا ثبورهم، فيقال لهم: {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وٰحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً }تفسير : . وإسناد أحمد هكذا: حدّثنا عفان عن حميد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره. وفي عليّ بن زيد بن جدعان مقال معروف. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {كَانَ عَلَىٰ رَبّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً } يقول: سلوا الذي وعدتكم تنجزوه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَا لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} فيه وجهان: أحدهما: أنهم قالوا ذلك إزراء عليه أنه لما كان مثلهم محتاجاً إلى الطعام ومتبذلاً في الأسواق لم يجز أن يتميز عليهم بالرسالة ووجب أن يكون مثلهم في الحكم. الثاني: أنهم قالوا ذلك استزادة له في الحال كما زاد عليهم في الاختصاص فكان يجب ألاّ يحتاج إلى الطعام كالملائكة،ولا يتبذل في الأسواق كالملوك. ومرادهم في كلا الوجهين فاسد من وجهين: أحدهما: أنه ليس يوجب اختصاصه بالمنزلة نقله عن موضع الخلقة لأمرين: أحدهما: أن كل جنس قد يتفاضل أهله في المنزلة ولا يقتضي تمييزهم في الخلقة كذلك حال من فضل في الرسالة. الثاني: أنه لو نقل عن موضوع الخلقة بتمييزه بالرسالة لصار من غير جنسهم ولما كان رسولاً منهم، وذلك مما تنفر منه النفوس. وأما الوجه الثاني: فهو أن الرسالة لا تقتضي منعه من المشي في الأسواق لأمرين: أحدهما: أن هذا من أفعال الجبابرة وقد صان الله رسوله عن التجبر. الثاني: لحاجته لدعاء أهل الأسواق إلى نبوته، ومشاهدة ما هم عليه من منكر يمنع منه ومعروف يقر عليه. {لَوْلآَ أُنزِلَ إِلَيهِ} الآية أي هلا أُنزل إليه {مَلَكٌ...} وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون الملك دليلاً على صدقه. الثاني: أن يكون وزيراً له يرجع إلى رأيه. {أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ} فلا يكون فقيراً. {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} والجنة البستان فكأنهم استقلّوه لفقره. قال الحسن: والله ما زَوَاهَا عن نبيه إلا اختياراً ولا بسطها لغيره إلا اغتراراً ولوا ذاك لما أعاله. قوله: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ} يعني مشركي قريش وقيل إنه عبد الله بن الزبعرى. {إِن تَبَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} فيه وجهان: أحدهما: سحر فزال عقله. الثاني: أي سَحَرَكُمْ فيما يقوله. قوله تعالى: {انظُرْ كَيفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ} يعني ما تقدم من قولهم. {فَضَلُّواْ} فيه وجهان: أحدهما: فضلواْ عن الحق في ضربها. الثاني: فناقضوا في ذكرها لأنهم قالوا افتراه ثم قالوا تملى عليه وهما متناقضان. {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مخرجاً من الأمثال التي ضربوها، قاله مجاهد. الثاني: سبيلاً إلى الطاعة لله، قاله السدي. الثالث: سبيلاً إلى الخير، قاله يحيى بن سلام. قوله تعالى: {وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً} قال عبد الله بن عمرو: إن جهنم لتضيق على الكافرين كضيق الزج على الرمح. {مُّقَرَّنِينَ} فيه وجهان: أحدهما: مُكَتَفِينَ، قاله أبو صالح. الثاني: يقرن كل واحد منهم إلى شيطانه، قاله يحيى بن سلام. {دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: ويلاً، قاله ابن عباس. الثاني: هلاكاً، قاله الضحاك. الثالث: معناه وانصرافاه عن طاعة الله، حكاه ابن عيسى وروي النبي صلى الله عليه السلام أنه قال: "حديث : أَوَّلُ مَن يَقُولُهُ إِبْلِيسُ "
ابن عطية
تفسير : الضمير في قوله {قالوا} لقريش، وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس مشهور، ذكره ابن إسحاق في السير وغيره، مضمنة أن سادتهم عتبة بن ربيعة وغيره اجتمعوا معه فقالوا يا محمد إن كنت تحب الرياسة وليناك علينا، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا، فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا في باب الاحتجاج عليه فقالوا له ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام وتقف بالأسواق وتريد التماس الرزق، أي إن من كان رسول الله مستغن عن جميع ذلك، ثم قالوا له سل ربك أن ينزل معك ملكاً ينذر معك أو يلقي إليك كنزاً تنفق منه، أو يرد لك جبال مكة ذهباً أو تزال الجبال ويكون مكانها جنات تطرد فيها المياه، وأشاعوا هذه المحاجة فنزلت الآية وكتبت اللام مفردة من قولهم {ما ل} هذا إما لأن على المصحف قطع لفظه فاتبعه الكاتب، وإما لأنهم رأوا أن حروف الجر بابها الانفصال نحو "في ومن وعلى وعن". وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر "يأكل منها" بالياء، وقرأ حمزة والكسائي "نأكل منها" بالنون وهي قراءة ابن وثاب وابن مصرف وسليمان بن مهران، ثم أخبر تعالى عنهم وهم {الظالمون} الذين أشير إليهم أنهم قالوا حين يئسوا من محمد صلى الله عليه وسلم {إن يتبعون إلا رجلاً مسحوراً} أي قد سحر فهو لا يرى مراشده، ويحتمل {مسحوراً} أن يكون من السحر وهي الرؤية فكأنهم ذهبوا إلى تحقيره، أي رجلاً مثلكم في الخلقة، ذكره مكي وغيره، ثم نبّهه الله تعالى مسلياً عن مقالتهم فقال {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} بالمسحور والكاهي والساحر وغيره {فضلوا} أي أخطئوا الطريق فلا يجدون سبيل هداية ولا يطيقونه لالتباسهم بضده من الضلال، وقوله تعالى: {تبارك الذي} الآية رجوع بأمور محمد صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى، أي هذه جهتك لا هؤلاء الضالون في أمرك، والإشارة في ذلك قال مجاهد هي إلى ما ذكره الكفار من الكنز والجنة في الدنيا، وقال ابن عباس هي إلى أكله الطعام ومشيه في الأسواق، وقال الطبري والأول أظهر. قال القاضي أبو محمد : لأن هذا التأويل الثاني يوهم أن الجنّات والقصور التي في هذه الآية هي في الدنيا وهذا تأويل الثعلبي وغيره، ويرد ذلك قوله تعالى بعد ذلك {أية : بل كذبوا بالساعة} تفسير : [الفرقان: 11] والكل محتمل، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحفص ونافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي " ويجعلْ" بالجزم على العطف على موضع الجواب في قوله {جعل} لأن التقدير " تبارك الذي إن يشأ يجعل". وقرأ أبو بكر عن عاصم أيضاً وابن كثير وابن عامر "ويجعلُ" بالرفع والاستئناف، وهي قراءة مجاهد، ووجوه العطف على المعنى في قوله {جعل} لأن جواب الشرط هو موضِع الاستئناف، ألا ترى أن الجمل من الابتداء والخبر قد تقع موقع جواب الشرط، وقرأ عبد الله بن موسى وطلحة بن سليمان "ويجعلَ" بالنصب وهو على تقدير "أن" في صدر الكلام، قال أبو الفتح هي على جواب الجزاء بالواو وهي قراءة ضعيفة، وأدغم الأعرج {ويجعل لك} وروي ذلك عن ابن محيصن، و "القصور" البيوت المبنية بالجدرات قاله مجاهد وغيره، وكانت العرب تسمي ما كان من الشعر والصوف والقصب بيتاً، وتسمي ما كان بالجدرات قصراً لأنه قصر عن الداخلين والمستأذنين.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَأْكُلُ الطَّعَامَ} أنكروا أن يكون الرسول مثلهم محتاجاً إلى الطعام متبذلاً في الأسواق، أو ينبغي كما اختص بالرسالة فكذلك يجب أن لا يحتاج إلى الطعام كالملائكة ولا يتبذل في الأسواق كالملوك {أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ} دليلاً على صدقه، أو وزيراً يرجع إلى رأيه.
الثعالبي
تفسير : {وَقَالُواْ مَّالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ...} الآية: المعنى عندهم: أَنَّ مَنْ كان رسولاً فهو مُسْتَغْنٍ عن الأكل والمشي في الأسواق، ومُحَاجَّتُهُمْ بهذا مذكورة في السِّيَرِ، ثم أَخبر تعالى عن كفَّارِ قريش، وهم الظالمون المشار إليهم، أَنَّهم قالوا: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} أي: قد سُحِرَ، ثُمَّ نَبَّهَ تعالى نِبَيَّهُ مُسَلِّياً له عن مقالتهم فقال: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ...} الآية، والقصور التي في هذه الآية تَأَوَّلَهَا الثعلبيُّ وغيره أَنَّها في الدنيا، والقصور هي البيوتُ المبنية بالجدرات، لأَنَّها قصرت عن الداخلين والمستأذنين، وباقي الآية بَيِّنٌ، والضمير في {رَأَتْهُم} لجهنم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} [الآية: 7]. قال جعفر: غيروا الرسل بالتواضع والانبساط، ولم يعلموا أن ذلك أتم لهيبتهم وأشد فى باب الاحترام لهم، وذلك أنهم لم يشاهدوا منهم إلا ظاهر الخلق ولو شاهدوا منهم خصائص الاختصاص لألهاهم ذلك من قولهم: {مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ}.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً}. لما عجزوا عن معارضته أخذوا يعيبونه بكونه بَشَراً من جنسهم يمْشي في الأسواق، ويأكل الطعام، وعابوه بالفقر وقالوا: هَلاَّ نَزَّلَ عليه الملائكةَ فَيُرَوْنَ عياناً؟ وهلاَّ جعل له الكنوزَ فاستكثر مالاً؟ وهلاَّ خُصَّ بآياتٍ - اقترحوها - فَتَقْطَعَ العُذْرَ وتُزِيلَ عنَّا إشكالاً؟! وما هذا الرجلُ إلا بشرٌ تعتريه مِنْ دواعي الشهوات ما يعتري غيره! فأيُّ خصوصيةٍ له حتى تلْزَمَنا متابَعَتهُ ولن يُظْهِرَ لنا حجةً؟ فأجاب الله عنهم وقال: إنَّ الحقَّ قادرٌ على تمليكك ما قالوا وأضعافَ ذلك، وفي قدرته إظهارُ ما اقترحوه وأضعافُ ذلك، ولكن ليس لهم هذا التخير بعدما أزيح العذرُ بإظهار معجزة واحدة، واقتراح ما يَهْوَوْنَ تحكُّمٌ على التقدير، وليس لهم ذلك. ثم أخبر أنه لو أظهر تفصيل ما قالوه وأضعافَه لم يؤمنوا؛ لأن حُكْمَ الله بالشقاوة سابق لهم، وقال: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً}. فهم في حُكم الله من جملة الكفار، والله أَعَدَّ لهم ولأمثالهم من الكفار وعيدَ الأبدِ.. فلا محالة يُمْتحنون به. قوله: {ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً}: دليلٌ على جواز التكليف بما لا يقدر عليه العبدُ في الحالِ؛ لأنه أخبر أنهم لا يستطيعون سبيلاً، وهم معاتبُون مُكلَّفُون.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} تقاصرت ابصارهم عن معانى جوهره الذى هو حامل اثقال انوار كشف الازل والابد وهو زوجه الذى سابق الاشياء بالقدس والانس فعائن الحق قبل الخلق قد خل صورته كمصباح فى جوهر زجاجة صافية يضئ لولا تمسه نار تضئ صورته بضياء الفعل ويتنور روحه بنور الصفة ثم ما صورته وروحه قنديل انوار ذات الحق يتجلى منه للعالمين فمن خص الله بالاهلية منه فيراه بنور الحق ويرىالحق منه فلا يقع نظره الاعلى قدس وطهارة قال جعفر عيّر والرسول بالتواضع والانبساط ولم يعلموا ان ذلك اتم لهيبتهم واشد فى باب الاحترام لهم وذلك انهم لم يشاهد ومنه خصائص الاختصاص لها هم ذلك عن قولهم مال هذا الرسول الأية ثم بني سبحانه ان الاكل والشرب والشح والسعى فى الحوائج لا ينافى النبوة والولاية والاصطفائية الازلية وان جمهور الانبياء ما خلوا من صفة البشرية اذ البشرية مركب الصورة والصورة مركب القلب والقلب مركب العقل والعقل مركب الروح والروح مركب المعرفة والمعرفة قوة ----- صدرت من كشف عين الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا} اى المشركون من اشراف قريش كابى جهل وعتبة وامية وعاص وامثالهم وذلك حين اجتماعهم عند ظهر الكعبة {ما} استفهامية بمعنى انكار الوقوع ونفيه مرفوعة على الابتداء خبرها قوله {ل هذا الرسول} وجدت اللام مفصولة عن الهاء فى المصحف واتباعه سنة وفى هذا تصغير لشأنه عليه السلام وتسميته رسولا بطريق الاستهزاء اى أى سبب حصل لهذا الذى يدعى الرسالة حال كونه {يأكل الطعام} كما نأكل والطعام ما يتناول من الغذاء {ويمشى فى الاسواق} لطلب المعاش كمانمشى جمع سوق وهو الموضع الذى يجلب اليه المتاع للبيع ويساق انكروا ان يكون الرسول بصفة البشر يعنى ان صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا، قال بعضهم ليس بملك ولا ملك وذلك لان الملائكة لا يأكلون ولا يشربون والملوك لا يتسوفون ولا يبتذلون فعجبوا ان يكون مثلهم فى الحال ولا يمتاز من بينهم بعلو المحل والجلال لعدم بصيرتهم وقصور نظرهم على المحسوسات فان تمييز الرسل عمن عداهم ليس بامور جسمانية وانما هو باحوال نفسانية فالبشرية مركب الصورة والصورة مركب القلب والقلب مركب العقل والعقل مركب الروح والروح مركب المعرفة والمعرفة قوة قدسية صدرت عن كشف عين الحق، قال الكاشفى [ندانستندكه نبوت منافى بشريت نيست بلكه مقتضى آنست تاتناسب وتجانس كه سبب افاده واستفاده است بحصول بيوندد] شعر : جنس بايد تادر آميزد بهم تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الكفار صم بكم عمى فهم لايعقلون لانهم نظروا الى الرسول بنظر الحواس الحيوانية وهم بمعزل من الحواس الروحانية والربانية فما رأوا منه الا مايرى من الحيوان ومارأوه بنظر يرى به النبوة والرسالة ليعرفوه انه ما كان محمد ابا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين فلهذا قال تعالى {أية : وتراهم ينظرون اليك وهم لايبصرون}تفسير : وذلك لانه لهم قلوب لايفقهون بها النبوة والرسالة ولهم أعين لا يبصرون بها الرسول والنبى ولهم آذان لا يسمعون بها القرآن ليعلموا انه معجزة الرسول فيؤمنوا به {لولا} حرف تحضيض بمعنى: هلا وبالفارسية [جرا] {أنزل اليه ملك} اى على هيئته وصورته المباينة لصورة البشر والجن {فيكون} نصب لانه جواب لولا {معه} مع الرسول {نذيرا} معينا له فى الانذار معلوما صدقه بتصديقه.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي {نأكل} بالنون. الباقون بالياء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وابو بكر عن عاصم {ويجعل لك قصوراً} بالرفع. الباقون بالجزم. من قرأ {يأكل} بالياء أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) فانهم كرهوا أن يكون نبي من قبل الله يأكل الطعام ويمشي فى الاسواق، وقالوا: هلا كان معه ملك؟ فيكون معه معيناً مخوفاً لعباده {وداعياً} لهم. ومن قرأ بالنون اراد: نأكل نحن، فيكون له بذلك مزية علينا فى الفضل بأكلنا من جنته. ومن جزم {ويجعل} عطفه على موضع {جعل} لأن موضع {جعل} جزم، لانه جزاء الشرط، فعطف {ويجعل} على الموضع كما قرأ من قرأ قوله {أية : من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم} تفسير : بالجزم ومن رفع استفأنفه وقطعه عن الأول، كمن قرأ {ويذرهم} بالرفع. حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم أنهم قالوا أي شيء {لهذا الرسول يأكل الطعام} كما نأكل {ويمشي في الأسواق} في طلب المعاش، كما نمشي {لولا أنزل إليه} ومعناه هلا أنزل الله عليه ملكاً ان كان صادقاً، فيكون معيناً له على الانذار والتخويف. وإن لم ينزل اليه ملك، هلا {يلقى إليه كنز} يستغني به ويكون عوناً له على دنياه وما يريده {أو تكون له جنة} اي بستان {يأكل منها} هو نفسه. ومن قرأ - بالنون - اراد نأكل نحن معه، ونتبعه. ثم حكي: ان الظالمين نفوسهم بارتكاب المعاصي والكفر، قالوا لأتباعهم ومن سمع منهم {إن تتبعون} اي ليس تتبعون إن تبعتموه {إلا رجلاً مسحوراً} وقيل إنما يخاطبون بذلك المؤمنين المقرين بنبوته، ليصرفوهم عنه. ومعنى {مسحوراً} انه قد سحر. والسحر ما خفي سببه حتى يظن انه معجز. فقال الله لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {أنظر كيف ضربوا لك الأمثال} يعني الاشباه، لأنهم قالوا تارة: هو مسحور. وتارة مثلوه بالمحتاج المتروك، حتى تمنوا له الكنز. وتارة بأنه ناقص عن القيام بالأمور، وكل ذلك جهل منهم وذهاب عن وجه الصواب. فقال الله تعالى {فضلوا} بضرب هذه الامثال عن طريق الحق {فلا يستطيعون سبيلاً} معناه لا يستطيعون طريقاً الى الحق، مع تمسكهم بطريق الجهل وعدولهم عن الداعي الى الرشد. وقيل معناه {لا يستطيعون سبيلاً} الى ابطال امرك. ثم قال تعالى {تبارك الذي} أي تقدس وتعاظم الله الذي {إن شاء جعل لك خيراً من ذلك} يعني مما قالوه - في قول مجاهد - ثم فسر (ذلك) فقال الذي هو خير مما قالوه {جنات تجري من تحتها الأنهار. ويجعل لك قصوراً} وهو جمع قصر، وهو البيت المشيد المبني - في قول مجاهد - وسمي القصر قصراً، لأنه يقصر من فيه عن أن يوصل اليه. ومن جزم {يجعل} عطفاً على موضع {جعل}، لأنه جواب الشرط. ومن رفع استأنف. وكان يجوز النصب على الظرف.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ} زعموا انّ الرّسالة تنا فى البشريّة ولوازمها ولذلك قالوا: مالهذا الرّسول ليكون حجّة على انكارهم {وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} لرفع الحاجات ظنّاً منهم انّ الرّسول (ص) لا ينبغى ان يكون محتاجاً وهذا خطأ منهم فانّ الرّسول لو لم يكن بشراً او كان بشراً ولكن لم يكن متّصفاً بلوازم بشريّته لما صحّ رسالته فانّ الرّسول (ص) هو الّذى يحفظ حقوق الكثرات ولو لم يكن فيه دقائق الكثرات ممتازةً لما صحّ منه حفظ حقوقها {لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} وهذا ايضاً خطأ منهم فانّ الملك لو كان يصحّ ان يراه البشر من غير سنخيّتهم معه لكان هو رسولاً بل الملك ان ظهر على البشر هلك او جنّ او غشى عليه فلا يصحّ نزول الملك اليه بحيث يشاهدوه.
اطفيش
تفسير : {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ} ما مبتدأ استفهامية واللام جارة لاسم الاشارة وكتبت مفصولة في مصحف عثمان كذلك على خلاف قاعدة الخط وخط للمصحف طريقة لا تغير اي ما لهذا الذي يدعي الرسالة وفي ذلك تصغير لشأنه واستهانة به وفي تسميته رسولا سخرية * {يَأكُلُ الطَّعَامَ} حال من ذا {وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} ان صح ما يزعم من انه رسول فما باله كأن حاله كحالنا في اكل الطعام ويتردد في الاسواق لطلب المعاش كما ناكل ونتردد لقصر نظرهم فاوجبوا ان يكون الرسول مَلَكا لا يأكل ولا يتعيش وظنوا ان تمييز الرسل بامور جسمانيه وانما هو باحوال نفسانية ومشى في الاسواق لتواضعه وكانت صفته في التوراة انه لم يكن ضحايا في الاسواق * {لَوْلآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} ليعلم صدقه بتصديق المَلك له فيما قال اي ان كان رسولا آكلا وماشيا في الاسواق فهلا كان معه ملك يصدقه ويسانده في الانذار والتخويف. و(لولا) هذه التوبيخ من الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين وتنديمه على قوله انه رسول وتنديم المؤمنين على تصديقه فالماضي بعدها على اصله ويجوز ان تكون للتحضيض فالماضي بعدها للاستقبال ويدل له المضارعان بعد فانهما معطوفان عليه ويجوز ردهما لمعنى المضي أو جعلهما لحكاية الحال الماضية فيطابق كونها للتوبيخ والتنديم ونصب يكون في جواب التحضيض أو التوبيخ. وقرئ بالرفع عطفا على جملة (انزل).
اطفيش
تفسير : {وقالُوا مال هذا الرّسول يأكُل الطعام} الخ يأكل كما نأكل، ويدخل السوق لشأنه كما ندخلها، والنبى لا يأكل ولا يدخلها، هذا جهل منهم، ويحتمل الكنايةعن أن الرسول ملك لا يأكل، ويدخل السوق للكسب، وأنت تدخلها وتأكل، فلست رسولاً. بعث نبيه ومنبه ابنا الحجاج والعاصى بن وائل، وأمية بن خلف، وعبد الله بن أبى أمية، وأبو جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، وزمعة ابن الأسود، والأسود بن المطلب، وأبو البحترى، والنضر بن الحارث، وأبو سفيان بن حرب، وعتبة وشيبة أبنا ربيعة، الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم فقالوا: إن طلبت مالا بهذا الحديث جمعناه لك، أو شرفا سوَّدناك، أو ملكاً ملَّكناك، أو سحرت أو تبعك جنى داويناك. فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا أطلب شيئاً من ذلك، ولكن الله بعثنى إليكم رسولاً، وأنزل علىّ كتاباً، وأمرنى أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغت رسالة ربِّى، ونصحت لكم، فإن قبلتم فهو حظكم دنْيا وأخرى، وإلاَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله عز وجل بينى وبينكم ". تفسير : قالوا: فسل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك، وأن يجعل لك جناناً وقصوراً من ذهب وفضة، فلا تلتمس المعاش بالأسواق وغيرها كما نراك. فقال: "حديث : لا أساله ذلك إذ لم يأمرنى به"تفسير : واللام فى الخط مفصولة فى الامام، وهى حرف جر، وتتبعت خط القرآن فوجدت فيه تنبيهاً فى مواضع على الأصل المهجور، ولام الجر كلمة على حدة أصلها أن تكتب مفصولة، وعنوا بالاشارة والاستفهام، والرسول التهكم ويأكل حال من الرسول، وناصبة ثبت، أو الرسول، وناصبة ثبت، أو الرسول لنيابته عنه. {ويمْشِى فى الأسْواق} لمعيشته، نقول: صدقهم الله فى انه يدخلها كما صدقوا فى أنه يأكل، فيجوز للأئمة والعلماء والصلحاء دخول الأسواق لحوائجهم، فان رأو منكراً غيروه، وأمروا بالمعروف، فان خافوا المداراة فى البيع والشراء فلا يلوهما {لَوْلا أنْزِلَ اليه مَلكٌ فيكونَ مَعه نَذِيراً} تحضيض بحسب اللفظ للملك، أن ينزل الله وله صلى الله عليه وسلم بحسب المعنى أن يجتهد فى طلب نزول ملك اليه، وكذا فى قوله: {أو يلقى اليه كَنزٌ أو تكونُ له جَنَّة} بستان {يأكل منها} تحضيض لله عز وجل، أن يلقى اليه كَنزاً تعالى عن أن يحضضه غيره، وعن هذه العبارة وتحضيض للجنة أن تكون له، وفى المعنى تحضيض له صلى الله عليه وسلم أن يسعى فى طلب أن يلقى الله اليه كنزاً أو يعطى له جَنَّة ليستغنى عن دخول الأسواق، والمراد بيلقى اليه يخرج اليه، وعبر به لمناسبة أنزل، لأن الكنز فى الأرض، ويجوز أن يراد بالكنز مال أخفاه الله فى السماء له، أو فى الجو، أو حيث شاء الله من العلويات، وكان بالمضارع، وكذا كون الجنة للتكرير، أى يلقى اليه كنز بعد كنز ما دام حيا، وتكون له جنة بعد أخرى على طول السنة، كلما فنيت ثمار جنة كانت له أخرى، تشتمل على الثمار فى كل يوم، أو عبر بالماضى أولا لأنه تثبت رسالته بملك يلازمه، وتتم أولا به، ويستقبل المعاش بعد ذلك. {وقال} للمؤمنين {الظَّالمون} الأصل وقالوا، فوضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالظلم الذى هو أوخم سوء وأقبحه، إذ نسبوا الى الكذب من هو أبعد خلق الله عنه، وإذ نفوا الرسالة بمجرد دخول السوق والأكل، ويجوز أن يكون الظاهر على أصله على معنى، وقال الكاملون فى الظلم {إن تتَّبعون إلا رجُلاً مسْحوراً} فعل به ما اختل به عقله، فكان يدعى ما ليس له من الرسالة، أو أصيب سحره أى رئته، فاختل عقله كما يقال: ركبته بفتح الكاف أصبت ركبته، ورأسته أصبت رأسه من الاشتقاق من اسم العين، أو مغذى بالطعام والشراب أى مطعماً فهو يأكل ويشرب مثلنا.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ مَّالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ } الخ نزلت في جماعة من كفار قريش، أخرج ابن أبـي إسحٰق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحرث وأبا البحتري والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبـي أمية وأمية بن خلف والعاصي بن وائل ونبيه بن الحجاج ومنبه بن الحجاج اجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم وكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم عليه الصلاة والسلام فقالوا: يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر منك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا وإن كنت تطلب الشرف فنحن نسودك وإن كنت تريد ملكاً ملكناك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما بـي مما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله تعالى بعثني إليكم رسولاً وأنزل علي كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالة ربـي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله عز وجل بيني وبينكم ) تفسير : قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضنا عليك فسل لنفسك سل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك وسله أن يجعل لك جناناً وقصوراً من ذهب وفضة تغنيك عما تبتغي فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما أنا بفاعل ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله تعالى بعثني بشيراً ونذيراً ) تفسير : فأنزل الله تعالى في قولهم ذلك {وَقَالُواْ مَّالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولَ } الخ. وقد سيق هنا لحكاية جنايتهم المتعلقة بخصوص المنزل عليه الفرقان بعد حكاية جنايتهم التي تتعلق بالمنزل. و(ما) استفهامية بمعنى إنكار الوقوع ونفيه في محل رفع على الابتداء والجار والمجرور بعدها متعلق بمحذوف خبر لها، وقد وقعت اللام مفصولة عن هذا المجرور بها في خط الإمام وهي سنة متبعة، وعنوا بالإشارة والتعبير بالرسول الاستهانة والتهكم، وجملة {يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ } حال من {ٱلرَّسُولَ } والعامل فيها ما عمل في الجار من معنى الاستقرار؛ وجوز أن يكون الجار والمجرور أي أي شيء وأي سبب حصل لهذا الزاعم أنه رسول حال كونه يأكل الطعام كما نأكل {وَيَمْشِى فِى ٱلأَسْوَاقِ } لابتغاء الأرزاق كما نفعله على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب فقط مع تحقق المسبب الذي هو مضمون الجملة الحالية. ومن الناس من جوز جعل الجملة استئنافية والأولى ما ذكرنا، ومرادهم استبعاد الرسالة المنافية لأكل الطعام وطلب المعاش على زعمهم فكأنهم قالوا: إن صح ما يدعيه فما باله لم يخالف حاله حالنا وليس هذا إلا لعمههم وركاكة عقولهم وقصور أبصارهم على المحسوسات فإن تميز الرسل عليهم السلام عما عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأمور نفسانية أعني ما جبلهم الله تعالى عليه من الكمال كما يشير إليه قوله تعالى: { أية : قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } تفسير : [الكهف: 110] واستدل بالآية على إباحة دخول الأسواق للعلماء وأهل الدين والصلاح خلافاً لمن كرهه لهم. / {لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً }.
ابن عاشور
تفسير : انتقال من حكاية مطاعنهم في القرآن وبيان إبطالها إلى حكاية مطاعنهم في الرسول عليه الصلاة والسلام. والضمير عائد إلى الذين كفروا، فمدلول الصفة مراعىً كما تقدم. وقد أوردوا طعنهم في نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة الاستفهام عن الحالة المختصة به إذ أوردوا اسم الاستفهام ولام الاختصاص والجملة الحالية التي مضمونها مثارُ الاستفهام. والاستفهام تعجيبي مستعمل في لازمه وهو بطلان كونه رسولاً بناء على أن التعجب من الدعوى يقتضي استحالتها أو بطلانها. وتركيب {ما لهذا} ونحوه يفيد الاستفهام عن أمر ثابت له، فاسم الاستفهام مبتدأ و{لهذا} خبر عنه فمثار الاستفهام في هذه الآية هو ثبوت حال أكل الطعام والمشي في الأسواق للذي يدعي الرسالة من الله. فجملة: {يأكل الطعام} جملة حال. وقولهم: {لهذا الرسول} أجروا عليه وصف الرسالة مجاراة منهم لقوله وهم لا يؤمنون به ولكنهم بنوا عليه ليتأتى لهم التعجب والمراد منه الإحالة والإبطال. والإشارة إلى حاضر في الذهن، وقد بين الإشارة ما بعدها من اسم معرّف بلام العهد وهو الرسول. وكنّوا بأكل الطعام والمشي في الأسواق عن مماثلة أحواله لأحوال الناس تذرعاً منهم إلى إبطال كونه رسولاً لزعمهم أن الرسول عن الله تكون أحواله غير مماثلة لأحوال الناس، وخصّوا أكل الطعام والمشي في الأسواق لأنهما من الأحوال المشاهدة المتكررة، ورد الله عليهم قولهم هذا بقوله: {أية : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق}تفسير : [الفرقان: 20]. ثم انتقلوا إلى اقتراح أشياء تؤيد رسالته فقالوا: {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً}. وخصوا من أحوال الرسول حال النذارة لأنها التي أنبتت حقدهم عليه. و(لولا) حرف تحضيض مستعمل في التعجيز، أي لو أنزل إليه ملك لاتبعناه. وانتصب (فيكونَ) على جواب التحضيض. و(أو) للتخيير في دلائل الرسالة في وهَمهم. ومعنى {يلقى إليه كنز} أي ينزل إليه كنز من السماء، إذ كان الغنى فتنة لقلوبهم. والإلقاء: الرمي، وهو هنا مستعار للإعطاء من عند الله لأنهم يتخيلون الله تعالى في السماء. والكنز تقدم في قوله تعالى: {أية : أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز} تفسير : في سورة هود (12). وجعلوا إعطاء جنة له علامة على النبوءة لأن وجود الجنة في مكة خارق للعادة. وقرأ الجمهور: {يأكل منها} بياء الغائب، والضمير المستتر عائد إلى {هذا الرسول}. وقرأ حمزة والكسائي وخلف {نأكل منها} بنون الجماعة. والمعنى: ليتيقنوا أن ثمرها حقيقةٌ لا سحر. ذكر أصحاب السير أن هذه المقالة صدرت من كبراء المشركين وفي مجلس لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، وأبا البختري، والأسود بن عبد المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعبد الله بن أبي أمية، والعاصي بن وائل، ونُبيه بن الحجاج ومنبه بن الحجاج، والنضر بن الحارث، وأن هذه الأشياء التي ذكروها تداولها أهل المجلس إذ لم يعين أهل السير قائلها. قال ابن عطية: وأشاعوا ذلك في الناس فنزلت هذه الآية في ذلك. وقد تقدم شيء من هذا في سورة الإسراء. وكتبت لام {مال هذا} منفصلة عن اسم الإشارة الذي بعدها في المصحف الإمام فاتبعته المصاحف لأن رسم المصحف سنة فيه، كما كتب {أية : مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة} تفسير : في سورة الكهف (49)، وكما كتب: {أية : مال الذين كفروا قبلك مهطعين} تفسير : في سورة سأل سائل (36)، وكما كتب: {أية : فمال هؤلاء القوم}تفسير : في سورة النساء (78). ولعل وجه هذا الانفصال أنه طريقة رسم قديم كانت الحروف تكتب منفصلاً بعضها عن بعض ولا سيما حروف المعاني فعاملوا ما كان على حرف واحد معاملة ما كان على حرفين فبقيت على يد أحد كتّاب المصحف أثارة من ذلك، وأصل حروف الهجاء كلها الانفصال، وكذلك هي في الخطوط القديمة للعرب وغيرهم. وكان وصل حروف الكلمة الواحدة تحسيناً للرسم وتسهيلاً لتبادر المعنى، وأما ما كان من كلمتين فوصله اصطلاح. وأكثر ما وصلوا منه هو الكلمة الموضوعة على حرف واحد مثل حروف القسم أو كالواحد مثل (ال). الظالمون: هم المشركون، فغير عنوانهم الأول إلى عنوان الظلم وهم هم تنبيهاً على أن في هذا القول اعتداء على الرسول بنبزه بما هو بريء منه وهم يعلمون أنه ليس كذلك فظلمهم له أشد ظلم، وصلى الله عليه وسلم. ذكر الماوردي: أن قائل: {إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} هو عبد الله بن الزِّبَعْرَى، أي هو مبتكر هذا البهتان وإنما أسند القول إلى جميع الظالمين لأنهم تلقفوه ولهجوا به. والمسحور: الذي أصابه السحر، وهو يورث اختلال العقل عندهم، أي ما تتبعون إلا رجلاً أصابه خلل العقل فهو يقول ما لا يقول مثله العقلاء. وذِكْر {رجلاً} هنا لتمهيد استحالة كونه رسولاً لأنه رجل من الناس. وهذا الخطاب خاطبوا به المسلمين الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا} أنهم ضربوا لك الأمثال الباطلة بأن مثلوك برجل مسحور. وقوله: {انظر} مستعار لمعنى العلم تشبيهاً للأمر المعقول بالأمر المرئي لشدة وضوحه. و(كيف) اسم للكيفية والحالة مجرد هنا عن معنى الاستفهام. وفرع على هذا التعجيب إخبار عنهم بأنهم ضلوا في تلفيق المطاعن في رسالة الرسول فسلكوا طرائق لا تصل بهم إلى دليل مقنع على مرادهم، ففعل {ضلوا} مستعمل في معنييه المجازيين هما: معنى عدم التوفق في الحجة، ومعنى عدم الوصول للدين الحق، وهو هنا تعجيب من خَطَلِهم وإعراضٌ عن مجاوبتهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار قالوا في نبينا صلى الله عليه وسلم ما لهذا الرسول، يعنون ما لهذا الذي يدّعي أنه رسول، وذلك كقول فرعون في موسى: {أية : قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الشعراء: 27] أي ما له يأكل الطعام كما نأكله، فهو محتاج إلى الأكل كاحتياجنا إليه، ويمشي في الأسواق أي لا حتياجه إلى البيع والشراء، ليحصل بذلك قوته يعنون أنه لو كان رسولاً من عند الله، لكان ملكاً من الملائكة لا يحتاج إلى الطعام، ولا إلى المشي في الأسواق، وادِّعاء الكفار أن الذي يأكل كما يأكل الناس، ويحتاج إلى المشي في الأسواق، لقضاء حاجته منها، ولا يمكن أن يكون رسولاً، وأن الله لا يرسل إلا ملكاً، لا يحتاج للطعام، ولا للمشي في الأسواق، جاء موضحاً في آيات كثيرة، وجاء في آيات أيضاً تكذيب الكفار في دعواهم هذه الباطلة. فمن الآيات الدالة على قولهم مثل ما ذكر عنهم في هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 33ـ34] وقوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]، وقوله تعالى عنهم: {أية : فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} تفسير : [المؤمنون: 47] الآية، وقوله تعالى: {أية : فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} تفسير : [القمر: 24] الآية. وقوله: {أية : فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} تفسير : [التغابن: 6] الآية. وقوله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا} تفسير : [إبراهيم: 10]. ومن الآيات التي كذبهم الله بها في دعواهم هذه الباطلة، وبين فيها أن الرسل يأكلون ويمشون في الأسواق ويتزوجون ويولد لهم، وأنهم من جملة البشر، إلا أنه فضلهم بوحيه ورسالته، وأنه لو أرسل للبشر ملكاً لجعله رجلاً، وأنه لو كانت في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين، لنزل عليهم ملكاً رسولاً، لأن المرسل من جنس المرسل إليهم، قوله تعالى في هذه السورة الكريمة: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 20] وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنا هُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} تفسير : [الرعد: 38] وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَى} تفسير : [يوسف: 109]، أي ولم نجعلهم ملائكة، لأن كونهم رجالاً وكونهم من أهل القرى، صريح في أنهم ليسوا ملائكة، وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9] وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار: إنه بشر، وإنه رسول. وذلك لأن البشرية لا تنافي الرسالة في قوله تعالى: {أية : قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 93]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} تفسير : [الكهف: 110]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ} تفسير : [فصّلت: 6] الآية. وبين جل وعلا أن الرسل قالوا مثل ذلك في قوله: {أية : قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [إبراهيم: 11] الآية، وقال تعالى: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]، وقوله تعالى: {وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} جمع سوق وهي مؤنثة، وقد تذكر. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا}. اعلم أولاً أن لولا في هذه الآية الكريمة حرف تحضيض على التحقيق، والتحضيض. هو الطلب بحث، وشدة، وإليه أشار في الخلاصة بقوله: شعر : وبهما التحضيض مزوهلا ألاّ ألا وأولينها الفعلا تفسير : وبه تعلم أن المضارع في قوله: فيكون معه نذيراً منصوب بأن مستترة وجوباً، لأن الفاء في جواب الطلب المحض الذي هو التحضيض، كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : وبعد فاجواب نفي أو طلب محضين أن وسترها حتم نصب تفسير : ونظير هذا من النصب بأن المستترة بعد الفاء التي هي جواب التحضيض، قوله تعالى: {أية : فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [المنافقون: 10] لأن قوله: أخرتني طلب منه للتأخير بحث وشدة، كما دل عليه حرف التحضيض الذي هو لولا، نظيره من كلام العرب قول الشاعر: شعر : لولا تعوجين يا سلمى على دنف فتخمدي نار وجد كاد يفنيه تفسير : فقوله تعالى في الآية الكريمة: فأصدقَ بالنصب، وقول الشاعر: فتخمدي منصوب أيضاً، بحذف النون، لأن الفاء في جواب الطلب المحض الذي هو التحضيض. واعلم أن جزم الفعل المعطوف على الفعل المنصوب أعني قوله: {وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} إنما ساغ فيه الجزم، لأنه عطف على المحل لأن الفاء لو حذفت مع قصد جواب التحضيض لجزم الفعل، وجواز الجزم المذكور عند الحذف المذكور، هو الذي سوَّغ عطف المجزوم على المنصوب. وقد أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: شعر : وبعد غير النَّفي جزْماً اعتمد إن تسقط الفا والجزاء قد قصد تفسير : وبما ذكرنا تعلم أن ما ذكره القرطبي وغيره، وأشار له الزمخشري من أن لولا في الآية للاستفهام، ليس بصحيح. واعلم أن الكفار في هذه الآية الكريمة اقترحوا بحث وشدة عليه صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمور: الأول: أن ينزل إليه ملك، فيكون معه نذيراً أي يشهد له بالصدق، ويعينه على التبليغ. الثاني: أن يلقى إليه كنز، أي ينزل عليه كنز من المال ينفق منه، ويستغني به عن المشي في الأسواق. الثالث: أن تكون له جنة يأكل منها، والجنة في لغة العرب البستان ومنه قول زهير: شعر : كأن عيني في غربي مقتلة من النواضح تسقي جنة سحقا تفسير : فقوله: تسقي جنة أي بستاناً، وقوله: سحقاً يعني أن نخله طوال. وهذه الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية الكريمة التي اقترحها الكفار وطلبوها بشدة وحث، تعنتاً منهم وعناداً، جاءت مبينة في غير هذا الموضع، فبين جل وعلا في سورة هود اقتراحهم، لنزول الكنز، ومجيء الملك معه، وأن ذلك العناد والتعنت قد يضيق به صدره صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} تفسير : [هود: 12]، وبين جل وعلا في سورة بني إسرائيل اقتراحهم الجنة، وأوضح أنهم يعنون بها بستاناً من نخيل وعنب، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً} تفسير : [الإسراء: 90ـ91] واقتراحهم هذا شبيه بقول فرعون في موسى: {أية : فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} تفسير : [الزخرف: 53] تشابهت قلوبهم فتشابهت أقوالهم. وقد قدمنا في الكلام على آية سورة بني إسرائيل، هذه الآيات الدالة على كثرة اقتراح الكفار، وشدة تعنتهم وعنادهم، وأن الله لو فعل لهم كل ما اقترحوا لما آمنوا كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الأنعام: 7] وقال تعالى: {أية : وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} تفسير : [الحجر: 14ـ15] وقال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام: 111] الآية، وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍَ} تفسير : [يونس: 96ـ97] الآية. إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. وقال الزمخشري في تفسير آية الفرقان هذه: يأكل الطعام كما نأكل، ويتردد في الأسواق كما نتردد. يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكاً إلى اقتراح أن يكون إنساناً معه ملك، حتى يتساعدا في الإنذار والتخويف، ثم نزلوا أيضاً فقالوا إن لم يكن مرفوداً بذلك، فليكن مرفوداً بكنز يُلقى إليه من السماء، يستظهر به، لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون له بستان يأكل منه، ويرتزق كالدهاقين أو يأكلون هم من ذلك البستان، فينتفعون به في دنياهم، ومعاشهم انتهى منه، وكل تلك الاقتراحات لشدة تعنتهم، وعنادهم. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي يأكل منها بالمثناة التحتية، وقرأ حمزة والكسائي: جنة نأكل منها بالنون، وهذه القراءة هي مراد الزمخشري بقوله: أو يأكلون هم من ذلك البستان. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الظالمين وهم الكفار قالوا للذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} يعنون: أنه أثر فيه السحر فاختلط عقله فالتبس عليه أمره، وقال مجاهد: مسحوراً: أي مخدوعاً كقوله: {أية : فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 89]: أي من أين تخدعون، وقال بعضهم: مسحوراً: أي له سحر أي رئة فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو بشر مثلكم، وليس بملك، وقد قدمنا كلام أهل العلم في قوله: مسحوراً بشواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} تفسير : [طه: 69] ولما ذكر الله هذا الذي قاله الكفار في نبيه صلى الله عليه وسلم، من الإفك والبهتان خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً}، وما قاله الكفار في هذه الآية أعني قولهم: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} وما قاله الله لنبيه في ذلك، وهو قوله: {ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} الآية. جاء كله مصرحاً به في سورة بني إسرائيل في قوله تعالى: {أية : نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 47ـ48]. قال الزمخشري: ضربوا لك الأمثال قالوا فيك تلك الأقوال، واقترحوا لك تلك الصفات والأحوال النادرة، من نبوة مشتركة بين إنسان وملك، وإلقاء كنز عليك من السماء، وغير ذلك، فبقوا متحيرين ضلالاً لا يجدون قولاً يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق، فلا يجدون طريقاً إليه اهـ. والأظهر عندي في معنى الآية ما قاله غير واحد من أن معنى: ضربوا لك الأمثال: أنهم تارة يقولون إنك ساحر، وتارة مسحور، وتارة مجنون، وتارة شاعر، وتارة كاهن، وتارة كذاب، ومن ذلك ما ذكر الله عنهم من قوله هنا: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ} تفسير : [الفرقان: 4] الآية، وقوله: {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الفرقان: 5] وقوله: {وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} وقوله تعالى: {فَضَلُّواْ} أي عن طريق الحق، لأن الأقوال التي قالوها، والأمثال التي ضربوها كلها كذب وافتراء، وكفر مخلد في نار جهنم، فالذين قالوها هم أضل الضالين، وقوله تعالى: {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} فيه أقوال كثيرة متقاربة. وأظهرها أن معنى: فلا يستطيعون سبيلاً: أي طريقاً إلى الحق والصواب، ونفي الاستطاعة المذكور هنا كقوله تعالى: {أية : مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} تفسير : [هود: 20] وقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} تفسير : [الكهف: 101] وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {أية : مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} تفسير : [هود: 20] وقد قدمنا أيضاً معنى الظلم والضلال وما فيهما من الإطلاقات في اللغة مع الشواهد العربية في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 7- وسَخِروا من محمد فقالوا: أى شئ يمتاز به هذا الذى يزعم أنه رسول حتى إنه يأكل الطعام كما نأكل، ويتردد فى الأسواق لكسب عيشه كما يفعل سائر البشر؟ لو كان رسولا لكفاه الله ذلك، ولسأل ربه أن ينزل له ملكاً من السماء يساعده على الإنذار والتبليغ ويصدقه فى دعواه فنؤمن به. 8- وهلا سأل أن يكفيه مؤونة التردد على الأسواق فيلقى إليه كنزاً من السماء ينفق منه، أو يجعل له حديقة يقتات من ثمارها؟ وقال كبار الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر صادين الناس عن الإيمان بمحمد، ومحاولين تشكيك المؤمنين: ما تتبعون إلا رجلاً مسحوراً عقلُه، فهو يهذى بما لا حقيقة له. 9- انظر - أيها النبى - كيف ضربوا لك الأمثال، فمثلوك مرة بمسحور، وأخرى بمجنون، وثالثة بكذاب، ورابعة بتلقى القرآن عن أعاجم، إنهم بذلك قد ضلوا طريق الحق والمحاجة الصحيحة فلا يجدون إليهما سبيلا. 10- تعالى الله وتزايد خيره، هو الذى إن شاء جعل لك فى الدنيا أحسن مما اقترحوا، فيجعل لك فيها مثل ما وعدك فى الآخرة من جنات كثيرة تجرى الأنهار فى جنباتها وخلال أشجارها، ومن قصور مشيدة. 11- والحقيقة أنهم جاحدون بكل آية، لأنهم كذَّبوا بالبعث ويوم القيامة، فهم لهذا يتعللون بهذه المطالب ليصرفوا الناس إلى باطلهم، وقد أعددنا لمن كذب بيوم القيامة ناراً مستعرة شديدة الالتهاب. 12- إذا رأوها ورأتهم من بعيد سمعوا لها صوتاً متغيظاً متحفزاً لإهلاكهم، وفيه مثل الزفرات التى تخرج من صدر متغيظ علامة على ما هى عليه من شدة. 13- وإذا ألقوا فى مكان ضيق منها يتناسب مع جرمهم وهم مقرونة أيديهم إلى أعناقهم بالأغلال، نادوا هناك طالبين تعجيل هلاكهم ليستريحوا من هول العذاب.
القطان
تفسير : مسحورا: مغلوبا على عقله، مخدوعا. الأمثال: الأقاويل العجيبة. فضلّوا: فبقوا متحيرين في ضلالهم. أعتدنا: هيأنا. سعيرا: ناراً شديدةاللهب، يعني جهنم. اذا رأتهم: إذا قربوا منها وكانت بمرأى منهم. سمعوا لها تَغيظاً: غلياناً وهيجانا عظيما. وزفيرا: وتنفسا شديدا. مقرّنين: مقيدين بالسلاسل. ثبورا: هلاكا. سخِر المشركون من النبي الكريم، وقالوا: انه لا يتميز عنا بشيء، بل هو مثلُنا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فهل الانبياء مثل البشر؟ لو كان رسولاً لأنزل الله معه مَلَكاً من السماء يساعده على الإنذار والتبليغ، او يُنزّل الله عليه كنزاً يُنفِق منه، او يكون له بستان يأكل منه. ثم زادوا في تعنُّتِهِم فقال الجاحدون: إنكم تتبعون رَجلا سُحِرَ فاختلّ عقلُه فهو لا يعي ما يقول. انظر ايها النبي كيف ضربوا لك الأمثال، وقالوا عنك إنك مخدوعٌ بما يتراءى لك. بذلك ضلّوا عن طريق الهدى، وصاروا حائرين لا يدرون ماذا يقولون. ثم رد الله عليهم بما اقترحوه من الجَنّة والكنز فقال: {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً.... }. تعالى الله وتزايد خيره، وهو قادرٌ على ان يجعل لك في الدنيا أحسنَ مما اقترحوا، جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ وقصوراً عاليات، لكنّه أراد ان يكون ذلك لك في الآخرة، والآخرةُ خير وأبقى. ثم انتقلَ من ذلك الى كلامهم في البعث وإنكار أمر الساعة وما ينتظرهم فقال: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً}. ولقد أتَوا بأعجبَ من هذا كله، وهو تكذيبُهم بيوم القيامة. وهم يتعلّلون بهذه المطالب ليصرِفوا الناس إلى باطلهم، وقد أعدَدْنا لمن كذّب بيوم القيامة ناراً مستعرة شديدة الحرارة واللهب، اذا قربوا منها ورأتهم من مكان بعيد سَمِعوا غليانها وأصواتَ زفراتها التي تملؤهم بالرعب. واذا أُلقوا في مكانٍ ضَيّق منها مقرونةً أيديهم الى أعناقهم بالسلاسل - نادَوا هنالك طالبين هلاكهم ليستريحوا من العذاب. فيقال لهم توبيخاً: لا تطلبوا هلاكاً واحدا، بل اطلبوه مِرارا، فلن تجدوا خلاصاً مما أنتم فيه. ثم يعرض في المقابل ما وعد الله المتقين لتزدادَ حسرةُ المكذبين وندامتهم: {قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ.... }. قل ايها النبي للكافرين: هل هذا العذابُ خير من جنة الخلد التي أعدّها الله للمتقين، ثواباً لهم يجدون فيها جزاء ما قدموه!؟ قراءات: قرأ ابن كثير وابن عامر وابو بكر: ويجعلُ لك قصورا برفع لام يجعل. والباقون: ويجعلْ بالجزم.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَالِ هَـٰذَا} (7) - وَقَالَ هَؤُلاَءِ الكُفَّارُ، إِمْعَاناً فِي عِنَادِهِمْ وَتَكْذِيِبِهِمْ: إِنَّ هَذَا الرَّسُولَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ مِثْلَمَا نَأْكُلُ، وَيَشْرَبُ كَمَا نَشْرَبُ، وَيَتَجَوَّلُ فِي الأََسْوَاقِ طَلَباً لِلتَّكَسُّبِ والتِجَارَةِ، فَكَيْفَ يُرِيدُنَا أَنْ نُصَدِّقَهُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ وَهَلاَّ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكاً مِنْ عِنْدِهِ، فَيَكُونَ شَاهِداً لَهُ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : عجيب أمر هؤلاء المعاندين: يعترضون على رسول الله أنْ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لكسْب العيش، فهل سبق لهم أنْ رَأَوْا نبياً لا يأكل الطعام، ولا يمشي في الأسواق؟ ولو أن الأمر كذلك لكان لاعتراضهم معنى، إذن: قولهم {مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ ..} [الفرقان: 7] قولٌ بلا حجة من الواقع، ليستدركوا بهذه المسألة على رسول الله. فماذا يريدون؟ قالوا: {لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} [الفرقان: 7] صحيح أن الملَك لا يأكل، لكن معنى {لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ..} [الفرقان: 7] يعني: يسانده، وفي هذه الحالة لن يُغيِّر من الأمر شيئاً، وسيظل كلام محمد هو هو لا يتغير. إذَن: لن يضيف الملَك جديداً إلى الرسالة .. وعليه، فكلامهم هذا سفسطة وجَدَلٌ لا معنى له. وكلمة {فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} [الفرقان: 7] لم يقولوا بشيراً، مما يدل على اللدَد واللجاج، وأنهم لن يؤمنوا؛ لذلك لن يفارقهم الإنذار.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا من مقالة المكذبين للرسول الذين قدحوا بها في رسالته، وهو أنهم اعترضوا بأنه هلا كان ملكا أو مليكا، أو يساعده ملك فقالوا: { مَالِ هَذَا الرَّسُولِ } أي: ما لهذا الذي ادعى الرسالة؟ تهكما منهم واستهزاء. { يَأْكُلُ الطَّعَامَ } وهذا من خصائص البشر فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، { وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ } للبيع والشراء وهذا -بزعمهم- لا يليق بمن يكون رسولا مع أن الله قال: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ }. تفسير : { لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ } أي: هلا أنزل معه ملك يساعده ويعاونه، { فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا } وبزعمهم أنه غير كاف للرسالة ولا بطوقه وقدرته القيام بها. { أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز } أي: مال مجموع من غير تعب، { أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } فيستغني بذلك عن مشيه في الأسواق لطلب الرزق. { وَقَالَ الظَّالِمُونَ } حملهم على القول ظلمهم لا اشتباه منهم، { إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا } هذا وقد علموا كمال عقله وحسن حديثه، وسلامته من جميع المطاعن. ولما كانت هذه الأقوال منهم عجيبة جدا قال تعالى: { انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ } وهي: أنه هلا كان ملكا وزالت عنه خصائص البشر؟ أو معه ملك لأنه غير قادر على ما قال، أو أنزل عليه كنز أو جعلت له جنة تغنيه عن المشي في الأسواق أو أنه كان مسحورا. { فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا } قالوا أقوالا متناقضة كلها جهل وضلال وسفه، ليس في شيء منها هداية بل ولا في شيء منها أدنى شبهة تقدح في الرسالة، فبمجرد النظر إليها وتصورها يجزم العاقل ببطلانها ويكفيه عن ردها، ولهذا أمر تعالى بالنظر إليها وتدبرها والنظر: هل توجب التوقف عن الجزم للرسول بالرسالة والصدق؟ ولهذا أخبر أنه قادر على أن يعطيك خيرا كثيرا في الدنيا فقال: { تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ } أي: خيرا مما قالوا، ثم فسره بقوله: { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا } مرتفعة مزخرفة، فقدرته ومشيئته لا تقصر عن ذلك ولكنه تعالى -لما كانت الدنيا عنده في غاية البعد والحقارة- أعطى منها أولياءه ورسله ما اقتضته حكمته منها، واقتراح أعدائهم بأنهم هلا رزقوا منها رزقا كثيرا جدا ظلم وجراءة. ولما كانت تلك الأقوال التي قالوها معلومة الفساد أخبر تعالى أنها لم تصدر منهم لطلب الحق، ولا لاتباع البرهان وإنما صدرت منهم تعنتا وظلما وتكذيبا بالحق، فقالوا ما بقلوبهم من ذلك ولهذا قال: { بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ } والمكذب المتعنت الذي ليس له قصد في اتباع الحق، لا سبيل إلى هدايته ولا حيلة في مجادلته وإنما له حيلة واحدة وهي نزول العذاب به، فلهذا قال: { وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا } أي: نارا عظيمة قد اشتد سعيرها، وتغيظت على أهلها واشتد زفيرها. { إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } أي: قبل وصولهم ووصولها إليهم، { سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا } عليهم { وَزَفِيرًا } تقلق منهم الأفئدة وتتصدع القلوب، ويكاد الواحد منهم يموت خوفا منها وذعرا قد غضبت عليهم لغضب خالقها وقد زاد لهبها لزيادة كفرهم وشرهم. { وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ } أي: وقت عذابهم وهم في وسطها، جمع في مكان بين ضيق المكان وتزاحم السكان وتقرينهم بالسلاسل والأغلال، فإذا وصلوا لذلك المكان النحس وحبسوا في أشر حبس { دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا } دعوا على أنفسهم بالثبور والخزي والفضيحة وعلموا أنهم ظالمون معتدون، قد عدل فيهم الخالق حيث أنزلهم بأعمالهم هذا المنزل، وليس ذلك الدعاء والاستغاثة بنافعة لهم ولا مغنية من عذاب الله، بل يقال لهم: { لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا } أي: لو زاد ما قلتم أضعاف أضعافه ما أفادكم إلا الهم والغم والحزن. لما بين جزاء الظالمين ناسب أن يذكر جزاء المتقين فقال: { قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):