٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} أي ضربوا لك هذه الأمثال ليتوصلوا إلى تكذيبك. {فَضَلُّواْ} عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} إلى تصحيح ما قالوه فيك. قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ} شرط ومجازاة، ولم يدغم {جَعَلَ لَكَ} لأن الكلمتين منفصلتان، ويجوز الإدغام لاجتماع المثلين. {وَيَجْعَل لَّكَ} في موضع جزم عطفاً على موضع {جعل}. ويجوز أن يكون في موضع رفع مقطوعاً من الأوّل. وكذلك قرأ أهل الشام. ويروى عن عاصم أيضاً: {ويَجْعَلُ لَكَ} بالرفع؛ أي وسيجعل لك في الآخرة قصوراً. قال مجاهد: كانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان. والقصر في اللغة الحبس، وسمي القصر قصراً لأن مَن فيه مقصور عن أن يوصل إليه. وقيل: العرب تسمي بيوت الطين القصر. وما يتخذ من الصوف والشعر البيت. حكاه القُشَيري. وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن خَيْثَمة قال: حديث : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الدنيا ومفاتيحها ولم يعطَ ذلك من قبلك ولا يعطاه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئاً؛ وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة؛ فقال: «يجمع ذلك لي في الآخرة»تفسير : فأنزل الله عز وجل: {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً }. ويروى أن هذه الآية أنزلها رضوان خازن الجنان إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وفي الخبر: حديث : إن رضوان لما نزل سلم على النبي صلى الله عليه وسلم؛ ثم قال: يا محمد! رب العزة يقرئك السلام، وهذا سَفَط ـ فإذا سَفَط من نور يتلألأ ـ يقول لك ربك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا، مع أنه لا ينقص مالك في الآخرة مثل جناح بعوضة؛ فنظر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له؛ فضرب جبريل بيده الأرض يشير أن تواضع؛ فقال: «يا رضوان لا حاجة لي فيها الفقر أحب إليّ وأن أكون عبداً صابراً شكوراً». فقال رضوان: أصبت! الله لكتفسير : . وذكر الحديث.
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ } بالمسحور، والمحتاج إلى ما ينفقه وإلى ملك يقوم معه بالأمْرِ {فَضَلُّواْ } بذلك عن الهدى {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } طريقاً إليه.
ابن عبد السلام
تفسير : {ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ} بما تقدم من قولهم {فَضَلُّواْ} عن الحق في ضربها، أو فناقضوا في ذلك لأنهم قالوا: افتراه ثم قالوا يُملى عليه {سَبِيلاً} مخرجاً من الأمثال التي ضربوها، أو سبيلاً لطاعة الله ـ تعالى ـ أو سبيلاً إلى الخير.
النسفي
تفسير : {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ } بينوا {لَكَ ٱلأَمْثَالَ } الأشباه أي قالوا فيك تلك الأقوال واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال من المفتري والمملي عليه والمسحور {فُضّلُواْ } عن الحق {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } فلا يجدون طريقاً إليه. {تَبَارَكَ ٱلَّذِى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذٰلِكَ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } أي تكاثر خير الذي إن شاء وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا، وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور. و {جنات} بدل من {خيرا}، {ويجعل} بالرفع: مكي وشامي وأبو بكر لأن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الجزم والرفع {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ } عطف على ما حكى عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة، أو متصل بما يليه كأنه قال: بل كذبوا بالساعة فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بها؟ {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً } وهيأنا للمكذبين بها ناراً شديدة في الاستعار. {إِذَا رَأَتْهُمْ } أي النار أي قابلتهم {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } أي إذا كانت منهم بمرأى الناظرين في البعد {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } أي سمعوا صوت غليانها وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر، أو إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار.
الخازن
تفسير : {انظر} يا محمد {كيف ضربوا لك الأمثال} أي الأشباه التي لا فائدة لها فقالوا مسحور محتاج {فضلوا} أي عن الحق {فلا يستطيعون سبيلاً} إلى الهدى ومخرجاً عن الضلالة. قوله تعالى {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك} أي من الذي قالوا: وأفضل من البستان الذي ذكروا وقال ابن عباس يعني خيراً من المشي في الأسواق والتماس المعاش ثم بين ذلك الخير فقال {جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً} أي بيوتاً مشيدة عن أبي أمامة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "حديث : عرض عليَّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً قلت لا يا رب ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً أو قال ثلاثاً أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك"تفسير : عن عائشة قالت: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو شئت لسارت معي جبال مكة ذهباً جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إن شئت نبياً عبداً وإن شئت نبياً ملكاً فنظرت إلى جبريل فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبياً عبداً قالت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئاً يقول: أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد"تفسير : ذكر هذين الحديثين البغوي بسنده. قوله تعالى: {بل كذبوا بالساعة} أي القيامة {وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً} أي ناراً مسعرة {إذا رأتهم من مكان بعيد} قيل: من مسيرة عام وقيل من مسيرة مائة عام. فإن قلت: كيف تتصور الرؤية من النار وهو قوله إذا رأتهم. قلت يجوز أن يخلق الله لها حياة وعقلاً ورؤية وقيل: معناه رأتهم زبانيتها {سمعوا لها تغيظاً} أي غلياناً كالغضبان إذا غلى صدره من الغضب {وزفيراً} أي صوتاً فإن قلت كيف يسمع التغليظ. قلت: رأوا وعلموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً كما قال الشاعر: شعر : ورأيت زوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحاً تفسير : أي وحاملاً رمحاً، وقيل: سمعوا لها صوت التغيظ من التلهب والتوقد، وقال عبيد بن عمير: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه {وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً} قال ابن عباس تضيق عليه كما يضيق الزج في الرمح {مقرنين} أي مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل {دعوا هنالك ثبوراً} قال ابن عباس: ويلاً وقيل هلاكاً وفي الحديث "حديث : إن أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من خلفه وهو يقول يا ثبوراه وهم ينادون يا ثبورهم حتى يقفوا على النار فينادي يا ثبوراه وهم ينادون يا ثبورهم فيقال لهم {لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً}" تفسير : هكذا ذكره البغوي بغير سند، وقيل معناه هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة فادعوا أدعية كثيرة. قوله عز وجل {قل أذلك خير} أي الذي ذكرت منه صفة النار وأهلها {أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاءً ومصيراً} أي ثواباً ومرجعاً لهم قال تعالى {لهم فيها ما يشاؤون} أي أن جميع المرادات لا تحصل إلا في الجنة، لا في غيرها. فإن قلت: قد يشتهي الإنسان شيئاً، وهو لا يحصل في الجنة كأن يشتهي الولد ونحوه وليس هو في الجنة قلت إنّ الله يزيل ذلك الخاطر عن أهل الجنة، بل كان واحد من أهل الجنة مشتغل بما هو فيه من اللذات الشاغلة عن الالتفات إلى غيره {خالدين} أي في نعيم الجنة ومن تمام النعيم أن يكون دائماً، إذ لو انقطع لكان مشوباً بضرب من الغم وأنشد في المعنى: شعر : أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا تفسير : {كان على ربك وعداً مسؤولاً} أي مطلوباً، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا {أية : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة}تفسير : [البقرة: 201] وقالوا {أية : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك}تفسير : [آل عمران: 194] يقول كان إعطاء الله المؤمنين جنة وعداً، وعدهم على طاعتهم إياه في الدنيا ومسألتهم إياه ذلك الوعد وقيل الطلبة من الملائكة للمؤمنين وذلك قولهم {أية : ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم}تفسير : [غافر: 8]. قوله تعالى {ويوم نحشر وما يعبدون من دون الله} يعني من الملائكة والإنس والجن مثل عيسى والعزير، وقيل يعني الأصنام ثم يخاطبهم {فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل} أي أخطؤوا الطريق.
البقاعي
تفسير : ولما أتم سبحانه ما ذكر من أقوالهم الناشئة عن ضلالهم، التفت سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم مسلياً له فقال: {انظر} ثم أشار إلى التعجب منهم بأن ما قالوه يستحق الاستفهام بقوله: {كيف ضربوا} وقدم ما به العناية فقال: {لك الأمثال} فجعلوك تارة مثلهم في الاحتياج إلى الغذاء، وتارة نظيرهم في التوسل إلى التوصل إلىالأرباح والفوائد، بلطيف الحيلة وغريز العقل، وتارة مغلوب العقل مختلط المزاج تأتي بما لا يرضى به عاقل، وتارة ساحراً تأتي بما يعجز عنه قواهم، وتحير فيه أفكارهم {فضلوا} أي عن جميع طرق العدل، وسائر أنحاء البيان بسبب ذلك فلم يجدوا قولاً يستقرون عليه وأبعدوا جداً {فلا يستطيعون} في الحال ولا في المآل، بسبب هذا الضلال {سبيلاً*} أي سلوك سبيل من السبل الموصلة غلى ما يستحق أن يقصد، بل هم في مجاهل موحشة، وفيافي مهلكة. ولما ثبت أنه لا وجود لهم لأنهم لا علم لهم ولا قدرة، وأنهم لا يمن لهم ولا بركة، لا على أنفسهم ولا غيرهم، أثيت لنفسه سبحانه ما يستحق من الكمال الذي يفيض به على من يشاء من عباده ما يشاء فقال: {تبارك} أي ثبت ثباتاً مقترناً باليمن والبركة، لا ثبات إلا هو {الذي إن شاء} فإنه لا مكره له {جعل لك خيراً من ذلك} أي الذي قالوه على سبيل التهكم؛ ثم أبدل منه قوله: {جنات} فضلاً عن جنة واحدة {تجري من تحتها الأنهار} أي تكون أرضها عيوناً نابعة، أي موضع أريد منه إجراء نهر جرى، فهي لا تزال رياً تغني صاحبها عن كل حاجة ولا تحوجه في استثمارها إلى سقي. ولما كان القصر - وهو بيت المشيد - ليس مما يستمر فيه الجعل كالجنة التي هذه صفتها، عبر فيه بالمضارع إيذاناً بالتجديد كلما حصل خلل يقدح في مسمى القصر فقال: {ويجعل لك قصوراً*} أي بيوتاً مشيدة تسكنها بما يليق بها من الحشم والخدم، قال البغوي: والعرب تسمي كل بيت مشيد قصراً. وهذه العبارة الصالحة لأن يجعل له سبحانه ذلك في الدنيا مما فتت في أعضادهم، وخافوا غائلتها فسهلت من قيادهم، لعلمهم بأن مراسله قادر على ما يريد، لكنه سبحانه أغناه عن ذلك بتأييده بالأعوان، من الملائكة والإنس والجان، حتى اضمحل أمرهم، وعيل صبرهم، ولم يشأ سبحانه ما أشار إليه في هذه الآية الشريفة في هذه الدنيا الفانية، وأخره إلى الآخرة الباقية، وقد عرض سبحانه عليه ما شاء من ذلك في الدنيا فأباه، روى البغوي من طريق ابن المبارك، والترمذي - وقال: حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عرض عليّ ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب! ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك" تفسير : وروي عن طريق أبي الشيخ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو شئت لسارت معي جبال الذهب جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت نبياً عبداً وإن شئت نبياً ملكاً، فنظرت إلى جبريل عليه الصلاة والسلام فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبياً عبداً قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئاً ويقول: "آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد""تفسير : . وسيأتي في سورة سبأ عند {أية : وأرسلنا له عين القطر} تفسير : [سبأ: 12] ما يتم هذا، ولا يبعد عندي أن يكون أشير بالآية الشريفة - وإن كانت في أسلوب الشرط إلى ما فتح عليه صلى الله عليه وسلم من الحدائق التي لم يكن مثلها في بلاد العرب لما فتح الله عليه خيبر ووادي القرى، وتصرف في ذلك بنفسه الشريفة وأكل منه وإلى ما فتح على أصحابه من بعده من بلاد فارس والروم ذات القصور والجنان التي لا مثل لها ولذلك عبر في الجنات بالماضي، وفي القصور بالمضارع، وأتيحوا كنوز كسرى بن هرمز، فإن اللائق بمقام الملوك أن تكون إشاراتهم أوسع من عباراتهم، فإذا ذكروا شيئاً ممكناً على سبيل الفرض كان من إرادتهم إيجاده، ويحبون أن يكتفي منهم بالإيماء، وأن يعتمد على تلويحهم أعظم مما يعتمد على تصريح غيرهم، وأن يعد المفروض منهم بمنزلة المجزوم به من غيرهم، والممكن في كلامهم كالواجب، فما ظنك بملك الملوك القادر على كل شيء! وهو قد صرف سبحانه الخطاب إلى أعلى الناس فهماً، وأغزرهم علماً، وقد أراه سبحانه ما يكون من ذلك من بعده في غزوة الخندق. روى البيهقي في دلال النبوة عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق ليحفره جعل على كل عشرة أربعين ذراعاً، وكان سلمان الفارسي رضي الله عنه رجلاً قوياً، فاختلف فيه المهاجرون والأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت" فخرجت لهم صخرة بيضاء مدورة، قال عمرو: فكسرت حديدنا. وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر هذه الصخرة، فأخبر فأخذ صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضربها ثلاث ضربات صدع فيها في كل ضربة صدعاً، وكسرها في الثالثة، وبرقت مع كل ضربة برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل برقة تكبيرة، ثم أخذ بيد سلمان فرقي فسأله سلمان للقوم: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم! يا رسول الله! بأبينا أنت وأمنا! قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر، لانرى شيئاً غير ذلك، فقال: أضاءت لي من البرقة الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، ومن الثانية القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، ومن الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني، جبريل عليه الصلاة والسلام أن أمتي ظاهرة عليها. فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله! موعود صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون {هذا ما وعدنا الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً} [الأحزاب:22] تفسير : وقال المنافقون في ذلك ما أشار إليه الله تعالى في القرآن؛ ثم إن الله تعالى كذب المنافقين وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، فافتتح أصحابه رضي الله عنهم جميع ما ذكر، وغلبوا على سائر مملكة الفرس واليمن وأكثر الروم، وانتثلوا من كنوز كسرى وقيصر ما يفوت الحصر، وقد كان صلى الله عليه وسلم تصرف في ذلك من ذلك الوقت تصرف الملوك، لأن وعد الله لا خلف فيه، بل غائبه أعظم من حاضره غيره، وموعودة أوثق من ناجز سواه، فأعطى صلى الله عليه وسلم تميم بن أوس الداري بلد الخليل عليه الصلاة والسلام من أرض الشام من مملكة الروم، وأعطى خريم بن أوس - الذي يقال له: شويل - كرامة بنت عبد المسيح ابن بقيلة من سبي الحيرة من بلاد العراق من مملكة فارس، وكل منهم قبض ما أعطاه عند الفتح كما يعرفه من طالع كتب الفتوح علىأيام الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين، فعندي أن هذا مما أشارت إليه الاية الشريفة، نزه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عنه وفتحه على أصحابه، تشريفاً لهم بإزالة أهل الشرك عنه، وإنعاماً عليهم به تصديقاً لوعده، وإكراماً لنبيه صلى الله عليه وسلم بنصر أوليائه وتكثير أمته، وحضر ذلك كثير ممن كان من القائلين {أية : ما لهذا الرسول} تفسير : [الفرقان: 7] إلى آخره، وقد كان قادراً على أن يقويه بجميع ذلك قبل موته، ولكنه لم يفعل لأن ذلك أوضح في الأمر، لأن نصره على خلاف ما ينصر به أهل الدنيا من غير جنود كثيرة ظاهرة، ولا أموال وافرة، ولا ملوك معينة قاهرة، بل كانت الملوك عليه، ثم صاروا كلهم أهون شيء عليه، بيد أصحابه من بعده وأحبابه. ولما ثبت بما أثبت لنفسه الشريفة من الكمال أنه لا مانع من إيجاد ما ساقوه مساق التوبيخ إلا عدم المشيئة، لا عجز من الجاعل ولا هوان بالمجعول له، تسلية له صلى الله عليه وسلم في أسلوب مشير بأنه يعطيه ذلك، سلاه أيضاً بأن ما نسبوه إليه لا يعتقدون حقيقته، فأضرب عن كلامهم قائلاً: {بل} أي لا تظن أنهم كذبوا بما جئت به لأنهم يعتقدون فيك كذباً وافتراء للقرآن، أو نقصاناً لأكلك الطعام ومشيك في الأسواق، أو في شيء من أحوالك، أو لا تظن أنهم يكذبون بقدرته تعالى على ما ذكر أنه إن شاء جعله لك بل، أو المعنى: دع التفكر فيما قالوه من هذا فإنهم لم يقتصروا في التكذيب عليه بل {كذبوا بالساعة} أي بقدرتنا عليها، واستقر ذلك في أنفسهم دهوراً طويلة، وأخذوه خلفاً عن سلف، وأشرب قلوبهم حب هذا الحطام الفاني، وتقيدت أوهامهم بهذه الظواهر كالبهائم، فعسر انفكاكهم عن ذلك بما جاءهم من البيان الذي لا يشكون فيه، فاجترؤوا لذلك على العناد لعدم الخوف من أهوال يوم القيامة كما قال تعالى عن أهل الكتاب {أية : وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون}تفسير : [آل عمران: 24] {وأعتدنا} أي والحال أنا أعتدنا أي هيأنا بما لنا من العظمة {لمن كذب} من هؤلاء وغيرهم {بالساعة سعيراً*} أي ناراً شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم رضي الله عنهم {إذا رأتهم} أي إذا كانت بحيث يمكن أن يروها وتراهم لو كانت مبصرة {من مكان بعيد} وهو أقصى ما يمكن رؤيتها منه وهم يساقون إليها {سمعوا لها} أي خاصة {تغيظاً} أي صوتاً في غليانها وفورانها كصوت المتغيظ في تحرقه ونكارته إذا غلا صدره من الغضب {وزفيراً*} أي صوتاً يدل على تناهي الغضب، وأصله صوت يسمع من الجوف. ولما وصف ملاقاتها لهم، وصف إلقاءهم فيها قال: {وإذا ألقوا} أي طرحوا طرح إهانة فجعلوا بأيسر أمر ملاقين {منها} أي النار {مكاناً} ووصفه بقوله: {ضيقاً} زيادة في فظاعتها {مقرنين} بأيسر أمر، أيديهم إلى أعناقهم في السلاسل، أو حبال المسد، أو مع من أغواهم من الشياطين، والتقرين: جمع شيء إلى شيء في قرن وهو الحبل {دعوا هنالك} أي في ذلك الموضع البغيض البعيد عن الرفق {ثبوراً*} أي هلاكاً عظيماً فيقولون: يا ثبوراه! لأنه لا منادم لهم غيره، وليس بحضرة أحد منهم سواه؛ قال ابن جرير: وأصل الثبر في كلام العرب الانصراف عن الشيء. فالمعنى حينئذ: دعوا انصرافهم عن الجنة إلى النار الذي تسببوا فيه بانصرافهم عن الإيمان إلى الكفر، فلم يكن لهم سمير إلا استحضارهم لذلك تأسفاً وتندماً، فأجيبوا على طريق الاستئناف بقوله تعالى: {لا تدعوا اليوم} أيها الكفار {ثبوراً واحداً} لأنكم لا تموتون إذا حلت بكم أسباب الهلاك {وادعوا ثبوراً كثيراً*} لا يحصره الإحصاء ولا آخر له، فإنكم وقعتم فيما يوجب ذلك لأن أنواع الهلاك لا تبارحكم أصلاً ولكنه لا موت.
اسماعيل حقي
تفسير : {انظر كيف ضربوا لك الامثال} اى كيف قالوا فى حقك تلك الاقاويل العجيبة الخارجة عن العقول الجارية لغرابتها مجرى الامثال واخترعوا لك تلك الاحوال الشاذة البعيدة من الوقوع وذلك من جهلهم بحالك وغفلتهم عن جمالك، قال بعضهم مثلوك بالمسحور والفقير الذى لا يصلح ان يكون رسولا والناقص عن القيام بالامور اذ طلبوا ان يكون معك مثلك {فضلوا} عن الحق ضلالا مبينا {فلان يستطيعون سبيلا} الى الهدى ومخرجا من ضلالتهم، قال بعض الاكابر وقد ابطلوا الاستعداد بالاعتراض والانكار عن النبوة فحرموا من الوصول الى الله تعالى.
الجنابذي
تفسير : {ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} يعنى فى حقّك او مخاطباً لك فانّهم شبّهوا رسالته من الله بالرّسالة من ملك الرّوم تارةً ومن ملك الفرس اخرى، وانّ رسول الرّوم او الفرس له خدم وحشم وخيام واموال وربّنا تعالى شأنه خالقهما فليكن رسوله اشرف من رسولهما {فَضَلُّواْ} حيث انحرفوا عن طريق الآخرة وتوجّهوا الى الدّنيا وشبّهوا رسول الله (ص) فى الامور الاخرويّة برسول الملوك فى امور الدّنيا {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} الى الآخرة او الى الحقّ الواقع او المعنى فضلّوا عن طريق المحاجّة فلا يستطيعون {سَبِيلاً} بالغلبة فى المحاجّة، وقصّة عبدالله بن ابى اميّة المخزومىّ ومحاجّته مع الرّسول (ص) وتمثيله له ملك الرّوم والفرس مذكورٌ فى المفصّلات.
الهواري
تفسير : قوله: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ} يعني قولهم: {إِنْ هذَآ إِلآ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ} وقولهم: {أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا}، وقولهم: {مَالِ هذَا الرَّسُولِ يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} وقولهم: ساحر وشاعر وكاهن ومجنون، و {لَوْلآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأكُلُ مِنْهَا}. قال الله: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ}. قال: {فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} أي: مخرجاً من الأمثال التي ضربوا لك، في تفسير مجاهد. قوله: {تَبَارَكَ الذِي إِنْ شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} فإنما قالوا هم: جنة واحدة {وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} أي: في الدنيا إن شاء، وهذا على مقرأ من قرأها ولم يرفعها، ومن قرأها بالرفع: ويجعلُ لك قصوراً، أي: في الآخرة
اطفيش
تفسير : {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ} اخترعوا لك صفات كقولهم: {ان هذا الا افك افتراه} واعانه عليه قوم آخرون وقولهم: {اساطير الاولين اكتببها} وقولهم: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق} وقولهم: (ساحر وشاعر وكاهن مجنون) و(لولا انزل اليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى اليه كنز أو تكون له جنة فيأكل منها وان تتبعون الا رجلا مسحور). {فَضَلُّوا} عن الحق فلم يجدوا طريقا إلى الحق فلم تتميز لهم صفة النبي من صفة المتنبي فيهم متحيرون لا يجدون قولا يستقرون عليه * {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} إلى الهدى أو لا يستطيعون سبيلا صحيحا إلى القدح في نبوتك.
اطفيش
تفسير : {انظر كيف ضربُوا لَك الأمثال} تعجيب له صلى الله عليه وسلم بقولهم فى شأنه أقوالا غريبة كالأمثال، وذلك متضمن للتسلية، إذ يتنفس عنه بذكر أنه محق، وأنهم فى غاية البطالة {فَضَلُّوا} صاروا بسبب ذلك فى الضلال، هكذا وتحيروا من قول الى قول فى الباطل، أو ضلوا عن الحق، {فلا يستطيعون سبيلاً} يثبت لهم به أنك مبطل، أو سبيلا الى الهدى.
الالوسي
تفسير : {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ } استعظام / للأباطيل التي اجترؤا على التفوه بها وتعجيب منها، أي انظر كيف قالوا في حقك الأقاويل العجيبة الخارجة عن العقول الجارية لغرابتها مجرى الأمثال واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال الشاذة البعيدة من الوقوع {فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } فبقوا متحيرين ضلالاً لا يجدون في القدح في نبوتك قولاً يستقرون عليه وإن كان باطلاً في نفسه فالفاء الأولى سببية ومتعلق {ضَلُّواْ } غير منوي والفاء الثانية تفسيرية أو فضلوا عن طريق الحق فلا يجدون طريقاً موصولاً إليه فإن من اعتاد استعمال هذه الأباطيل لا يكاد يهتدي إلى استعمال المقدمات الحقة فالفاء في الموضعين سببية ومتعلق {ضَلُّواْ } منوي ولعل الأول أولى، والمراد نفي أن يكون ما أتوا به قادحاً في نبوته صلى الله عليه وسلم ونفي أن يكون عندهم مايصلح للقدح قطعاً على أبلغ وجه فإن القدح فيها إنما يكون في القدح بالمعجزات الدالة عليها وما أتوا به لا يفيد ذلك أصلاً وأنى لهم بما يفيده.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَمْثَالَ} (9) - فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيفَ تَقَوَّلُوا عَلَيْكَ، وَكَيْفَ جَاؤُوا بِمَا يَقْذِفُونَكَ بِهِ، وَيَكْذِبُونَ بِهِ عَلَيْكَ، فاخْتَرَعُوا لَكَ صِفَاتٍ وَأَحْوَالاً بَعِيدَةً كُلَّ البُعْدِ عَنْ صِفَاتِكَ التي أنتَ عليها (وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ ساحِرٌ وَمَجْنُونٌ وَشَاعِرٌ وَمُفْتَرٍ...) وَكُلَّهُا بَاطِلَةٌ، فَضَلُّوا عَنْ طَرِيقِ الحقِّ والهُدَى، وَصَارُوا حَائِرينَ مُتَرَدِّدينَ لاَ يَهْتَدُونَ إِلَى سَبِيلِ الرِّشَادِ، وَلاَ يَدرُونَ ما يَقُولُونَ فِيكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {ٱنظُرْ ..} [الفرقان: 9] خطاب لإيناس رسول الله وتطمينه {كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ ..} [الفرقان: 9] أي: اتهموك بشتّى التهم فقالوا ساحر. وقالوا: مسحور. وقالوا: شاعر. وقالوا: كاهن {فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} [الفرقان: 9] لأنهم يقولون كذباً وهُرَاءً وتناقضاً في القول. {فَضَلُّواْ ..} [الفرقان: 9] أي: عن المثل الذي يصدُق فيك ليصرف عنك المؤمنين بك، ويجعل الذين لم يؤمنوا يُصرُّون على كفرهم، فلم يصادفوا ولو مثلاً واحداً، فقالوا: ساحر وكذبوا وقالوا: مسحور وكذبوا {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} [الفرقان: 9] أي: إلى ذلك. ثم يقول الحق سبحانه: {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً ...}.
الجيلاني
تفسير : {ٱنظُرْ} يا أكمل الرسل {كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} هؤلاء الضُلاَّال بعدما عجزوا عن معارضتك، وتاهوا في كمال رشدك وهدايتك، وكيف توغلوا في الحيرة عن مدركاتك، حتى تشبثوا بأمثال هذه الخرافات والهذايانات البعيدة عن علو شأنك وسمو رتبتك وبرهانك، وبالجلمة: {فَضَلُّواْ} وتحيروا، وانسحرت عقولهم عن الوصول إلى كمال مدركاتك وأنواع هداياتك {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} [الفرقان: 9] إليها لتعاليها عن مداركهم وعقولهم، فنسبوك إلى ما لا يليق بجنابك عناداً واستكباراً. {تَبَارَكَ} وتعالى ربك {ٱلَّذِيۤ} رباك بأنواع الكرامات الخارقة للعادات الشاملة لأصناف السعادات المعدة لأرباب الشهود والمكاشفات، وبالمعجزات الباهرة الدالة على صدقك في جميع ما جئت به من قبل ربك من الآيات البينات، وأنواع الخيرات والبركات {إِن شَآءَ} ربك وتعلقت مشيئته وإرادته {جَعَلَ لَكَ} يا أكمل الرسل في النشأة الأولى أيضاً {خَيْراً} وأحسن {مِّن ذٰلِكَ} أي: مما قالوه وأملوه تهكماً واستهزاءً، ولكن أخَّره إلى النشأة الأخرى؛ إذ هي خير وأبقى، والتنعم فيها ألذ وأولى؛ إذ هي مؤبدة مخلدة بلا انقطاع ولا انصرام. ثم بيَّن سبحانه ما هيأ لحيبيه صلى الله عليه وسلم فيها وأعد له من {جَنَّاتٍ} منتزهات العلم والعين و الحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي: أنهار المعارف والحقائق المتجددة بتجددات التجليات الإلهية على مقتضى الكمالات الأسمائية والصفاتية {وَيَجْعَل لَّكَ} أيضاً فيها {قُصُوراً} [الفرقان: 10] عاليات متعاليات عن مدارك ذوي الإدراكات مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهم من قصور نظرهم وعمى بصرهم وقلوبهم في هذه النشأة لا يلتفتون إلى أمثال هذه الكرامات العليّة الأخروية. {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ} الموعودة المعهودة، وجميع ما يترتب عليها من المثوبات والدرجات العلية والدركات الهوية؛ إذ نظرهم مقصور على هذا الأرذل الأدنى {وَ} ولهذا {أَعْتَدْنَا} وهيأنا بمقتضى قهرنا وجلالنا {لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ} وبالأمور الموعودة فيها {سَعِيراً} [الفرقان: 11] أي: ناراً مستعرة ملتهبة في غاية التلهب والاشتعال؛ بحيث {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} يعني: إذا كانوا بمرأى العين منها مع أنهم بعيدون منها بمسافة طويلة {سَمِعُواْ لَهَا} مع بُعدها {تَغَيُّظاً} أي: صوتاً كصوت المغتاظ من شدة تلهبها وغليانها {وَزَفِيراً} [الفرقان: 12] أيضاً كزفرة المغتاظ، والزفير في الأصل: ترديد النَّفَس حتى تنتفخ الضلوع؛ يعني: من شدة غيظها لهم تغلي وتلتهب تلهباً شديداً، وتردد نفسها ترديداً بليغاً حتى يردوا فيها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):