Verse. 2865 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

تَبٰرَكَ الَّذِيْۗ اِنْ شَاۗءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّنْ ذٰلِكَ جَنّٰتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِہَا الْاَنْہٰرُ۝۰ۙ وَيَجْعَلْ لَّكَ قُصُوْرًا۝۱۰
Tabaraka allathee in shaa jaAAala laka khayran min thalika jannatin tajree min tahtiha alanharu wayajAAal laka qusooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تبارك» تكاثر خير «الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك» الذي قالوه من الكنز والبستان «جناتٍ تجري من تحتها الأنهار» أي في الدنيا لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة «ويجعلْ» بالجزم «لك قصورا» أيضا، وفي قراءة بالرفع استئنافا.

10

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة فقوله: {تَبَارَكَ ٱلَّذِى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذٰلِكَ } أي من الله ذكروه من نعم الدنيا كالكنز والجنة وفسر ذلك الخير بقوله: {جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } نبه بذلك سبحانه على أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه، ولكنه تعالى يدبر عباده بحسب الصالح أو على وفق المشيئة ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله، فيفتح على واحد أبواب المعارف والعلوم، ويسد عليه أبواب الدنيا، وفي حس الآخر بالعكس وما ذاك إلا أنه فعال لما يريد، وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: خير من ذلك مما عيروك بفقده الجنة، لأنهم عيروك بفقد الجنة الواحدة وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة، وقال في رواية عكرمة: {خَيْراً مّن ذٰلِكَ } أي من المشي في الأسواق وابتغاء المعاش. المسألة الثانية: قوله: {إِن شَاء } معناه أنه سبحانه قادر على ذلك لا أنه تعالى شاك لأن الشك لا يجوز على الله تعالى، وقال قوم: {إن} ههنا بمعنى إذا، أي قد جعلنا لك في الآخرة جنات وبنينا لك قصوراً وإنما أدخل إن تنبيهاً للعباد على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته، وأنه معلق على محض مشيئته وأنه ليس لأحد من العباد على الله حق لا في الدنيا ولا في الآخرة. المسألة الثالثة: القصور جماعة قصر وهو المسكن الرفيع ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر فيكون مسكناً ومتنزهاً، ويجوز أن يكون القصور مجموعة والجنات مجموعة. وقال مجاهد: إن شاء جعل لك جنات في الآخرة وقصوراً في الدنيا. المسألة الرابعة: اختلف الفراء في قوله {وَيَجْعَلَ } فرفع ابن كثير وابن عامر وعاصم اللام وجزمه الآخرون، فمن جزم فلأن المعنى إن شاء يجعل لك جنات ويجعل لك قصوراً ومن رفع فعلى الاستئناف والمعنى سيجعل لك قصوراً، هذا قول الزجاج: قال الواحدي وبين القراءتين فرق في المعنى، فمن جزم فالمعنى إن شاء يجعل لك قصوراً في الدنيا ولا يحسن الوقوف على الأنهار، ومن رفع حسن له الوقوف على الأنهار، واستأنف أي ويجعل لك قصوراً في الآخرة. وفي مصحف أبي وابن مسعود: (تبارك الذي إن شاء يجعل). المسألة الخامسة: عن طاوس عن ابن عباس قال: « بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وجبريل عليه السلام عنده قال جبريل عليه السلام هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: « إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعطها أحداً قبلك ولا يعطيه أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً، حديث : فقال عليه السلام بل يجمعها جميعاً لي في الآخرة، فنزل قوله تبارك الذي إن شاء » تفسير : الآية، وعن ابن عباس قال عليه السلام « حديث : عرض عليَّ جبريل بطحاء مكة ذهباً فقلت بل شبعة وثلاث جوعات » تفسير : وذلك أكثر لذكري ومسألتي لربي، وفي رواية صفوان بن سليم عن عبد الوهاب قال عليه السلام: « حديث : أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً، فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت » تفسير : وعن الضحاك «لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك فنزل جبريل عليه السلام معزياً له، وقال إن الله يقرؤك السلام ويقول: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ } تفسير : [الفرقان: 20] الآية، قال فبينما جبريل عليه السلام والنبي صلى الله عليه وسلم يتحدثان إذ فتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك، ثم قال أبشر يا محمد هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضا من ربك فسلم عليه وقال إن ربك يخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً وبين أن تكون نبياً عبداً ومعه سفط من نور يتلألأ ثم قال هذه مفاتيح خزائن الدنيا فاقبضها من غير أن ينقصك الله مما أعد لك في الآخرة جناح بعوضة فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير فأومأ بيده أن تواضع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل نبياً عبداً » قال فكان عليه السلام بعد ذلك لم يأكل متكئاً حتى فارق الدنيا. أما قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً } فهذا جواب ثالث عن تلك الشبهة كأنه سبحانه قال ليس ما تعلقوا به شبهة عيلمة في نفس المسألة، بل الذي حملهم على تكذيبك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها، ويحتمل أن يكون المعنى أنهم يكذبون بالساعة فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً ولا يتحملون كلفة النظر والفكر، فلهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل، ثم قال: {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو مسلم: {وَأَعْتَدْنَا } أي جعلناها عتيداً ومعدة لهم، والسعير النار الشديدة الاستعار، وعن الحسن أنه اسم من أسماء جهنم. المسألة الثانية: احتج أصحابنا على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: { أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [آل عمران: 133] وعلى أن النار التي هي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية وهي قوله: {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً } وقوله: {أَعْتَدْنَا } إخبار عن فعل وقع في الماضي، فدلت الآية على أن دار العقاب مخلوقة قال الجبائي يحتمل وأعتدنا النار في الدنيا وبها نعذب الكفار والفساق في قبورهم ويحتمل نار الآخرة ويكون معنى {وَأَعْتَدْنَا } أي سنعدها لهم كقوله: { أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ } تفسير : [الأعراف: 44] واعلم أن هذا السؤال في نهاية السقوط لأن المراد من السعير، إما نار الدنيا وإما نار الآخرة، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم في الدنيا بنار الدنيا أو يعذبهم في الآخرة بنار الدنيا، والأول باطل لأنه تعالى ما عذبهم بالنار في الدنيا، والتالي أيضاً باطل لأنه لم يقل أحد من الأمة أنه تعالى يعذب الكفرة في الآخرة بنيران الدنيا، فثبت أن المراد نار الآخرة وثبت أنها معدة، وحمل الآية على أن الله سيجعلها معدة ترك للظاهر من غير دليل، وعلى أن الحسن قال السعير اسم من أسماء جهنم فقوله: {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً } صريح في أنه تعالى أعد جهنم. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن السعيد من سعد في بطن أمه فقالوا إن الذين أعد الله تعالى لهم السعير وأخبر عن ذلك وحكم به أن صاروا مؤمنين من أهل الثواب انقلب حكم الله بكونهم من أهل السعير كذباً وانقلب بذلك علمه جهلاً، وهذا الانقلاب محال والمؤدي إلى المحال محال فصيرورة أولئك مؤمنين من أهل الثواب محال، فثبت أن السعيد لا ينقلب شقياً، والشقي لا ينقلب سعيداً، ثم إنه سبحانه وتعالى وصف السعير بصفات إحداها قوله: {إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: السعير مذكر ولكن جاء ههنا مؤنثاً لأنه تعالى قال: {رَأَتْهُمْ } وقال: {سَمِعُواْ لَهَا } وإنما جاء مؤنثاً على معنى النار. المسألة الثانية: مذهب أصحابنا أن البنية ليست شرطاً في الحياة، فالنار على ما هي عليه يجوز أن يخلق الله الحياة والعقل والنطق فيها، وعند المعتزلة ذلك غير جائز، وهؤلاء المعتزلة ليس لهم في هذا الباب حجة إلا استقراء العادات، ولو صدق ذلك لوجب التكذيب بانخراق العادات في حق الرسل، فهؤلاء قولهم متناقض، بل إنكار العادات لا يليق إلا بأصول الفلاسفة، فعلى هذا قال أصحابنا قول الله تعالى في صفة النار: {إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } يجب إجراؤه على الظاهر، لأنه لا امتناع في أن تكون النار حية رائية مغتاظة على الكفار، أما المعتزلة فقد احتاجوا إلى التأويل وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قالوا معنى رأتهم ظهرت لهم من قولهم دورهم تتراءى وتتناظر، وقال عليه السلام: « حديث : إن المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما » تفسير : أي لا تتقابلان لما يجب على المؤمن من مجانبة الكافر والمشرك، ويقال دور فلان متناظرة، أي متقابلة وثانيها: أن النار لشدة اضطرامها وغليانها صارت ترى الكفار وتطلبهم وتتغيظ عليهم وثالثها: قال الجبائي: إن الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلة بتعذيب أهل النار، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار فهو كقوله: { أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] أراد أهلها. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً، فكيف قال الله تعالى: {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً }؟ والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن التغيظ وإن لم يسمع فإنه قد يسمع ما يدل عليه من الصوت وهو كقوله: رأيت غضب الأمير على فلان إذا رأى ما يدل عليه، وكذلك يقال في المحبة فكذا ههنا، والمعنى سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ وهو قول الزجاج وثانيها: المعنى علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً وهذا قول قطرب، وهو كقول الشاعر: مقلداً سيفاً ورمحاً وثالثها: المراد تغيظ الخزنة. المسألة الرابعة: قال عبيد بن عمير: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا وترعد فرائصه حتى إن إبراهيم عليه السلام يجثو على ركبتيه ويقول نفسي نفسي. الصفة الثانية للسعير:قوله تعالى: {وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } واعلم أن الله سبحانه لما وصف حال الكفار حينما يكونون بالبعد من جهنم وصف حالهم عند ما يلقون فيها، نعوذ بالله منه بما لا شيء أبلغ منه، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في {ضَيّقاً } قراءتان التشديد والتخفيف وهو قراءة ابن كثير. المسألة الثانية: نقل في تفسير الضيق أمور، قال قتادة: ذكر لنا عبدالله بن عمر قال: « إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج على الرمح » وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: « حديث : والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط » تفسير : قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهيب، والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة، قال صاحب «الكشاف»: الكرب مع الضيق، كما أن الروح مع السعة، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض، وجاء في الأحاديث « حديث : إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا » تفسير : ولقد جمع الله على أهل النار أنواع (البلاء حيث ضم إلى العذاب الشديد الضيق). المسألة الثالثة: قالوا في تفسير قوله تعالى: {مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ } إن أهل النار مع ما هم فيه من العذاب الشديد والضيق الشديد، يكونون مقرنين في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم وقيل يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة، وفي أرجلهم الأصفاد، ثم إنه سبحانه حكى عن أهل النار أنهم حين ما يشاهدون هذا النوع من العقاب الشديد دعوا ثبوراً، والثبور الهلاك، ودعاؤهم أن يقولوا واثبوراه، أي يقولوا يا ثبور هذا حينك وزمانك، وروى أنس مرفوعاً: « حديث : أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على جانبيه ويسحبها من خلفه ذريته وهو يقول يا ثبوراه وينادون يا ثبورهم حتى يردوا النار » تفسير : . أما قوله: {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وٰحِداً } أي يقال لهم ذلك، وهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثم قول، ومعنى {وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً }، أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم منه واحداً، إنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان لكل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها، أو لأن ذلك العذاب دائم خالص عن الشوب فلهم في كل وقت من الأوقات التي لا نهاية لها ثبور، أو لأنهم ربما يجدون بسبب ذلك القول نوعاً من الخفة، فإن المعذب إذا صاحب وبكى وجد بسببه نوعاً من الخفة فيزجرون عن ذلك، ويخبرون بأن هذا الثبور سيزداد كل يوم ليزداد حزنهم وغمهم نعوذ بالله منه، قال الكلبي نزل هذا كله في حق أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تَبَارَكَ } تكاثر خير الله {ٱلَّذِى إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ } الذي قالوه من الكنز والبستان {جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ } أي في الدنيا لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة {وَيَجْعَلْ } بالجزم {لَّكَ قُصُوراً } أيضاً، وفي قراءة بالرفع استئنافاً.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ} الآية وهذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة، أي: تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ الذي قالوا، وأفضل من الكنز والبستان الذي ذكروا، أي: أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه، ولكنه تعالى يعطي عباده بحسب المصالح، أو على وفق المشيئة، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله. قال ابن عباس: {خَيْراً مِّن ذٰلِكَ} أي: مما عيَّروك بفقد الجنة الواحدة، وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة. وقال في رواية عكرمة: {خَيْراً مِّن ذٰلِكَ} أي: من المشي في الأسواق وابتغاء المعاش. وقوله: "إِنْ شَاءَ" معناه: أنه تعالى قادرٌ على ذلك لا أنه شاكٌّ، لأن الشك لا يجوز على الله تعالى. وقيل: "إِنْ" ههنا بمعنى (قَدْ)، أي: قد جعلنا لك في الآخرة جنات ومساكن، وإنما أدخل (إن) تنبيهاً للعبادة على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته، وأنه معلق على محض مشيئته، وليس لأحد من العباد حق على الله لا في الدنيا ولا في الآخرة. قوله: "جَنَّاتٍ". يجوز أن يكون بدلاً من "خَيْراً" وأن يكون عطف بيان لذلك الخير عند من يجوزه في النكرات، وأن يكون منصوباً بإضمار أعني. و{تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} صفة. قوله: "وَيَجْعَل لَكَ" قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر برفع "يَجْعَلُ"، والباقون بإدغام لام "يَجْعَل" في لام "لك" وأما الرفع ففيه وجهان: أحدهما: أنه مستأنف. والثاني: أنه معطوف على جواب الشرط. قال الزمخشري: لأن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جوابه الجزم والرفع، كقوله: شعر : 3863- وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَةٍ يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ تفسير : قال الزمخشري: وليس هذا مذهب سيبويه بل مذهبه أن الجواب محذوف، وأن هذا المضارع مَنْوِيٌّ به التقديم، ومذهب المبرد والكوفيين أنه جواب على حذف الفاء، ومذهب آخرين أنه جواب لا على حذفها بل لما كان الشرط ماضياً ضعف تأثير (إن) فارتفع. فالزمخشري بنى قوله على هذين المذهبين. ثم قال أبو حيان: وهذا التركيب جائز فصيح، وزعم بعض أصحابنا أنه لا يجيء إلا في ضرورة. وأما القراءة الثانية فتحتمل وجهين: أحدهما: أن سكون اللام للجزم عطفاً على محل (جعل)؛ لأنه جواب الشرط. والثاني: أنه مرفوع، وإنما سكن لأجل الإدغام. قاله الزمخشري وغيره. وفيه نظر من حيث إن من جملة من قرأ بذلك وهو نافع والأخوان وحفص ليس من أصولهم الإدغام حتى يدعى لهم في هذا المكان. نعم أبو عمرو أصله الإدغام وهو يقر هنا بسكون اللام فيحتمل ذلك على قراءته، وهذا من محاسن علم النحو والقراءات معاً وقال الواحدي: وبين القراءتين فرق في المعنى، فمن جزم فالمعنى: إن شاء يجعل لك قصوراً في الدنيا، ولا يحسن الوقف على "الأَنْهَارُ" ومن رفع حسن الوقف (على "الأَنْهَار") واستأنف {وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} في الآخرة. وقرأ ابن سليمان وطلحة بن سليمان "وَيَجْعَلَ" بالنصب، وذلك بإضمار أن على جواب الشرط، واستضعفها ابن جنيّ، ومثل هذه القراءة قوله: شعر : 3864- فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ رَبيعُ النَّاسِ والبَلَدُ الحَرَامُ وَنَأْخُذ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ أَجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ تفسير : بالتثليث في (نأخذ). فصل القصور جماعة القصر، وهو المسكن الرفيع. قال المفسرون: القصور هي البيوت المشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصراً. ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر فيكون مسكناً ومنتزهاً، ويجوز أن يكون القصور مجموعة والجنات مجموعة. وقال مجاهد: "إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ جَنَّاتٍ" في الآخرة وقصوراً في الدنيا. روي أنه - عليه السلام - قال: "حديث : عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكة ذَهَباً، فقلتُ: لا يَا رَبِّ، وَلكِنْ أَشْبَعُ يَوْماً وأَجُوعُ يَوْماً - أَوْ قال ثَلاثاً، أَوْ نَحْوَ هَذَا - فإِذا جعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَدَعَوْتُكَ، وإذا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وشَكَرْتُكَ" تفسير : وروت عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لو شئتُ لسارت معي جبالُ الذهب جاءني ملكٌ فقال: إنَّ ربك يقرأ عليك السلام ويقول إِنْ شِئْتَ كنت نبياً عبداً، وإن شئْتَ نبياً مَلكاً، فنظرت إلى جبريل - عليه السلام - فأشار إليَّ أَنْ ضَعْ نَفْسَكَ، فقلت: نبياً عبداً قالت: وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك لا يأكل متكئاً، ويقول: آكل كما يَأْكُلُ العبدُ وأجلس كما يجلس العبد وعن ابن عباس قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وجبريل - عليه السلام - معه فقال جبريل: "هذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ استأْذَنَ رَبَّهُ فِي زِيَارَتك" فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاءَ المَلَكُ وسلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "إِنَّ اللَّهَ يُخيركَ أَنْ يُعْطِيكَ مفاتيحَ كلِّ شيءٍ لَمْ يُعْطَ أحد قبلك ولا يعطيه أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما أداك شيئاً" فقال عليه السلام: بل يجمعهما لي جميعاً في الآخرة" تفسير : فنزل {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ} الآية. قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ} أي: بالقيامة، فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً فلا يتكلفون النظر والفكر ولهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل. {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً}. قال أبو مسلم: "أَعْتَدْنَا" أي: جعلناها عتيداً ومعدة لهم، والسعير: النار الشديدة الاستعار، وعن الحسن: أنه اسم جهنم. فصل احتج أهل السنة على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران: 133] وعلى أن النار التي هي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية. قال الجبائي: يحتمل في قوله: "وَأَعْتَدْنَا" أن المراد منه نار الدنيا، وبها نعذب الكفار والفساق في قبورهم، ويحتمل نار الآخرة، ويكون المعنى: "وأَعْتَدْنَا" أي: سنعدّها، كقوله تعالى: {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ} تفسير : [الأعراف: 44]. وهذا جواب ساقط، لأن المراد من السعير إما نار الدنيا، أو نار الآخرة، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم في الدنيا بنار الدنيا، أو يعذبهم في الآخرة بنار الدنيا. والأول باطل، لأنه تعالى ما عذبهم بالنار في الدنيا، والثاني - أيضاً - باطل؛ لأنه لم يقل أحد من الأمة إنه تعالى يعذب الكفرة في الآخرة بنيران الدنيا. فثبت أن المراد نار الآخرة وأنها معدة. وأما حمل الآية على أن الله تعالى سيجعلها معدة فترك للظاهر من غير دليل. قوله: "إِذَا رَأَتْهُمْ" هذه الجملة الشرطية في موضع نصب صفة لـ "سَعِيراً"، لأنه مؤنث بمعنى النار. قوله: {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} فإن قيل: التَّغَيُّظُ لا يُسمع. فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على حذف مضاف، أي: صوت تغيظها. والثاني: أنه على حذف تقديره: سمعوا ورأوا تغيظاً وزفيراً، فيرجع كل واحد إلى ما يليق به، أي: رأوا تغيظاً وسمعوا زفيراً. والثالث: أن يضمن "سَمِعُوا" معنى يشمل الشيئين، أي: أدركوا لها تغيظاً وزفيراً. وهذان الوجهان الأخيران منقولان من قوله: شعر : 3865- وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحَا تفسير : ومن قوله: شعر : 3866- عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارداً تفسير : أي: ومعتقلاً رمحاً، وسقيتها ماء، أو يُضَمَّن (مُتَقَلِّداً) معنى متسلحاً، و(علفتها) معنى أطعمتها تبناً وماءً بارداً. فصل معنى {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}. قال الكلبي والسديّ من مسيرة عام. وقيل: من مسيرة مائة سنة. روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : مَنْ كَذَب علَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأ بَيْنَ عَيْنَي جهنمَ مَقْعَداً" قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم ألم تسمع قول الله - عزَّ وجلَّ - {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} ". تفسير : وقيل: إذا رأتهم زبانيتها. قال الجبائي: إن الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلين بتعذيب أهل النار، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار، فهو كقوله {أية : وَاسْأَلِ القَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] وأراد أهلها. قوله: {وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً}. "مَكَاناً" منصوب على الظرف، و"منها" في محل نصب على الحال من "مكاناً". لأنه في الأصل صفة له. و"مُقَرَّنينَ" حال من مفعول "أُلْقُوا"، و"ثُبُوراً" مفعول به، فيقولون: واثبوراه، ويجوز أن يكون مصدراً من معنى "دعوا"، وقيل: منصوب بفعل من لفظه مقدر تقديره ثبرنا ثبوراً. وقرأ معاذ بن جبل "مُقَرَّنُونَ" بالواو، ووجهها أن تكون بدلاً من مفعول "أُلْقُوا" وقرأ عمرو بن محمد "ثَبُوراً" بفتح الثاء، والمصادر التي على (فعول) بالفتح قليلة جداً، وينبغي أن يضم هذا إليها، وهي مذكورة في البقرة عند قوله {أية : وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ} تفسير : [البقرة: 24]. فصل قال ابن عباس: يُضَيق جهنم عليهم كما يضيق الزج على الرمح، وهو منقول أيضاً عن ابن عمر. وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: "حديث : إِنَّهُمْ يُسْتَكْرَهُونَ في النار كما يُسْتَكْرَه الوتد في الحائط ". تفسير : قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب. قال الزمخشري: الكرب مع الضيق كما أن الفرج مع السعة، ولذلك وصف الجنة بأن عرضها السموات والأرض. وقوله: "مُقَرَّنِينَ" (أي: مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: مقرنين) مع الشياطين في السلاسل، كل كافر مع شيطان، فعندما يشاهدون هذا العذاب دعوا بالويل والثبور. قال ابن عباس: يقولون: ويلاً. وقال الضحاك: هلاكاً. فيقولون: واثبوراه فهذا حينك وزمانك، فيقال لهم: {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً} أي: هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة فادعوا أدعية كثيرة. قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.

ابو السعود

تفسير : {تَبَارَكَ ٱلَّذِى} أي تكاثرَ وتزايدَ خيرُ الذي {إِن شَاء جَعَلَ لَكَ} في الدُّنيا عاجلاً شيئاً {خَيْرًا} لك {مّن ذٰلِكَ} الذي اقترحُوه مِن أنْ يكون لك جنَّةٌ تأكل منها بأنْ يجعلَ لك مثل ما وعدك في الآخرةِ. وقولُه تعالى: {جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} بدلٌ من خَيراً ومحقق لخيريتِّةِ مَّما قالُوا لأنَّ ذلك كان مُطلقاً عن قيدِ التَّعددِ وجريان الأنهارِ {وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} عطفٌ على محلِّ الجزاء الذي هو جعلَ وقُرىء بالرَّفعِ عطفاً على نفسِه لأنَّ الشرَّطَ إذا كان ماضياً جاز في جزائِه الرَّفعُ والجزمُ كما في قولِ القائل: [البسيط] شعر : وَإِنْ أَتَاهُ خَليلٌ يَوْمَ مَسْأَلة يقُولُ لا غَائبٌ مالِي ولا حرِمُ تفسير : ويجوزُ أنْ يكون استئنافاً بوعدِ ما يكون له في الآخرةِ. وقُرىء بالنَّصبِ على أنَّه جوابٌ بالواوِ. وتعليقُ ذلك بمشيئتِه تعالى للإيذانِ بأنَّ عدمَ جعلها بمشيئته المبنيَّةِ على الحِكَمِ والمصالحِ، وعدمُ التعَّرضِ لجواب الاقتراحينِ الأوَّلينِ للتنبـيه على خروجِهما عن دائرة العقل واسغنائِهما عن الجواب لظهورِ بُطلانِهما ومنافاتِهما للحكمة التَّشريعيَّةِ وإنَّما الذي له وجهٌ في الجملة هو الاقتراحُ الأخيرُ فإنَّه غير منافٍ للحكمة بالكلِّيةِ فإنَّ بعضَ الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ قد أُوتوا في الدُّنيا مع النُّبوةِ مُلكاً عظيماً {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ} إضرابٌ عن توبـيخهم بحكايةِ جنايتهم السَّابقةِ وانتقالٌ منه إلى توبـيخِهم بحكاية جنايايتِهم الأخرى للتَّخلُّص إلى بـيان ما لهم في الآخرة بسببها من فُنون العذابِ بقوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً} الخ أي أعتدنا لهم ناراً عظيمةً شديدةَ الاشتعالِ شأنُها كيتَ وكيتَ بسبب تكذيبهم بها على ما يُشعر به وضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم أو لكلِّ مَن كذَّب بها كائناً من كان وهم داخلون في زُمرتهم دخولاً أوليَّا. ووضعُ السَّاعة موضعَ ضميرهِا للمبالغةِ في التَّشنيع ومدارُ اعتياد السَّعيرِ لهم وإنْ لم يكن مجرَّد تكذيبهم بالسَّاعةِ بل مع تكذيبهم بسائر ما جاء به الشَّريفة لكن السَّاعةَ لمَّا كانتْ هي العلَّةَ القريبة لدخولِهم السَّعيرَ أُشير إلى سببـيَّةِ تكذيبها لدخولِها. وقيل: هو عطفٌ على وقالُوا ما لهذا الخ على معنى بل أتوا بأعجبَ من ذلك حيثُ كذَّبوا بالسَّاعةِ وأنكروها والحالُ أنَّا قد أعتدنا لكلِّ مَن كذَّب بها سعيراً فإنَّ جراءتَهم على التَّكذيب بها وعدمَ خوفِهم مَّما أُعدَّ لمن كذَّب بها من أنواعِ العذابِ أعجبُ من القولِ السَّابقِ وقيل: هو مُتَّصل بما قبلَه من الجوابِ المبنيِّ على التَّحقيقِ المنبىء عن الوعدِ بالجنَّاتِ في الآخرةِ مسوق لبـيان أنَّ ذلك لا يجُدي نفعاً ولا يحلى بطائل على طريقةِ قولِ مَن قال: شعر : عُوجُوا لنُعمٍ فَحَيُّوا دِمنَةَ الدَّار مَاذَا تُحيُّون مِنْ نُؤيٍ وأحجارِ تفسير : والمعنى أنَّهم لا يُؤمنون بالسَّاعةِ فكيفَ يقتنعُون بهذا الجوابِ وكيف يُصدِّقون بتعجيل مثلِ ما وعدك في الآخرةِ وقيل: المعنى بل كذَّبوا بها فقصُرت أنظارُهم على الحظوظِ الدُّنيوَّيةِ وظنُّوا أنَّ الكرامة ليستْ إلا بالمالِ وجعلُوا فقرك ذريعةً إلى تكذيبك.

اسماعيل حقي

تفسير : {تبارك الذى} اى تكاثر وتزايد خير الذى {ان شاء جعل لك} فى الدنيا لانه قد شاء ان يعطيه ذلك فى الآخرة {خيرا من ذلك} مما قالوا من القاء الكنز وجعل الجنة ولكن اخره الى الآخرة لانه خير وابقى وخص هذا الموضع بذكر تبارك لان مابعده من العظائم حيث ذكر النبى عليه السلام والله تعالى خاطبه بقوله "حديث : لولاك يامحمد ما خلقت الكائنات"تفسير : كذا فى برهان القرآن {جنات تجرى من تحتها الانهار} بدل من خيرا ومحقق لخيريته مما قالوا لان ذلك كان مطلقا عن قيد التعدد وجريان الانهار {ويجعل لك قصورا} بيوتا مشيدة فى الدنيا كقصور الجنة: وبالفارسية [كوشكهاى عالى ومسكنهاى رفيع]، قال الراغب يقال قصرت كذا ضممت بعضه الى بعض ومنه سمى القصر انتهى والجملة عطف على محل الجزاء الذى هو جعل وفى الحديث "حديث : ان ربى عرض على ان يجعل لى بطحاء مكة ذهبا قلت لا يارب ولكن اجوع يوما واشبع يوما فاما اليوم الذى اجوع فيه فأتضرع اليك وادعوك واما اليوم الذى اشبع فيه فأحمدك واثنى عليك"تفسير : ، قال الكاشفى [دراسباب نزول مذكوراست كه جون مالداران قريش حضرت رسالت را بفقر وفاقه سرزنش كردند رضوان كه آراينده روضات جنانست بااين آيت نازل شد ودرجى از نور بيش حضرت نهاد وفرمودكه بروردكارتو ميفرما يدكه مفاتح خزائن دنيا دراينجاست آنرا بدست تصرف توميدهيم بى آنكه از كرامت ونعمتى كه نامزد توكرده ايم در آخرت مقدار بريشه كم نكردد حضرت فرمودكه اى رضوان مرا بدينها حاجت نيست فقررا دوستر ميدارم وميخواهم كه بنده شكور وصبور باشم رضوان كفت "اصبت اصاب الله" يك نشانه علو همت آن حضرت همينست كه باوجود تنكدستى واحتياج كوشه جشم التفات بر خزائن روى زمين نيفكند آنرا ملاحظه بايد نمودكه درشب معراج مطلقا نظر بما سوى الله نكشوده وبهيج جيز از بدائع ملكوت وغرائب عرصه جبروت التفاوت نفرمود تاعبارت ازان اين آمد كه {أية : مازاغ البصر وما طغى} شعر : زرنك آميزىء ريحان آن باغ نهاده جشم خودرا مهر مازاغ نظر جون بر كرفت ازنقش كونين قدم زد در حريم قاب قوسين حديث : وعن عائشة رضى الله عنها قلت يارسول الله ألا تستطعم الله فيطعمك قالت وبكيت لما رأيت به من الجوع وشد الحجر على بطنه من السغب فقال "يا عائشة والذى نفسى بيده لو سألت ربى ان يجرى معى جبال الدنيا ذهبا لاجراها حيث شئت من الارض ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقرها علىغناها وحزن الدنيا على فرحها. ياعائشة ان الدنيا لا تنبغى لمحمد ولا لآل محمد"تفسير : ، يقول الفقير عصمه الله القدير كان عليه السلام من اهل الاكسير الاعظم والحجر المكرم فان شأنه على من شأن سائر الانبياء من كل وجه وقد اوتوا ذلك العلم الشريف وعمل به بعضهم كادريس وموسى ونحوهما على مافى كتب الصناعة الحجرية لكنه عليه السلام لم يلتفت اليه ولم يعمل به ولو عمل به لجعل مثل الجبال ذهبا ولملك مثل ملك كسرى وقيصر لانه ليس بمناف للحكمة بالكلية فان بعض الانبياء قد اوتوا فى الدنيا مع النبوة ملكا عظيما، وانما اختار الفقر لنفسه لوجوه. احدها انه لو كان غنيا لقصده قوم طمعا فى الدنيا فاختار الله له الفقر حتى ان كل من قصده علم الخلائق انه قصده طلبا للعقبى. والثانى ما قيل ان الله اختار الفقر له نظرا لقلوب الفقراء حتى يتسلى الفقير بفقره كما يتسلى الغنى بماله. والثالث ما قيل ان فقره دليل على هوان الدنيا على الله تعالى كما عليه السلام "حديث : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء"تفسير : فالله تعالى قادر على ان يعطيه ذلك الذى عيروه بفقده وماهو خير من ذلك بكثير ولكنه يعطى عباده على حسب المصالح وعلى وفق المشيئة ولا اعتراض لاحد عليه فى شىء من افعاله فيفتح على واحد ابواب المعارف والعلوم ويستدّ عليه ابواب الدنيا وفى حق الآخر بالعكس من ذلك وفى القصيدة البردية شعر : وراودته الجبال الشم من ذهب عن نفسه فاراها ايما شمم تفسير : الشم جمع الاشم والشمم الارتفاع اى اراها ترفعا اى ترفع لا يكتنه كنهه شعر : واكدت زهده فيها ضرورته ان الضرورة لا تعدوا على العصم تفسير : جمع عصمة يعنى ان شدة حاجته لم تعد ولم تغلب على العصمة الازلية بل اكدت ضرورته زهده فى الدنيا الدنية فما زاغ بصر همته فى الدنيا وما طغى عين نهمته فى العقبى شعر : وكيف تدعو الى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم تفسير : يقال دعاه اليه اى طلبه اليه وحمله عليه، وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال (اوحى الله تعالى الى عيسى ان صدق محمدا وائمر امتك من ادركه منهم ان يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولولاه ماخلقت الجنة والنار ولقد خلقت العرش فاضطرب فكتبت عليه لا اله الا الله محمد رسول الله فسكن) فمن كانت الدنيا رشحة من فيض نعمه فكيف تدعو الى الدنيا ضرورة فاقته كذا فى شرح القصيدة لابن الشيخ: زفى المثنوى شعر : راهزن هركز كدايى را نزد كرك كرك مرده را هر كزكزد خضر كشتى را براى آن شكست تاتواند كشتى از فجار رست جون شكسته مى رهدا شكسته شو امن در فقرست اندر فقر رو آنكهى كوداشت از كان نقد جند كشت باره باره از زخم كلند تيغ بهراوست كورا كردنيست سايه افكندست بروى حم نيست تفسير : يعنى فليلازم العبد التواضع والفقر.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (جنات): بدل من خيراً، و (يجعل)، من جزمه عطفه على محل جواب الشرط، ومن رفعه فعلى الاستئناف، أي: وهو يجعل لك قصوراً، ويجوز عطفه على الجواب؛ لأن الشرط إذا كان ماضياً جاز في الجواب الرفع والجزم، كما هو مقرر في محله. يقول الحق جل جلاله: {تبارك} أي: تكاثر وتزايد خيره {الذي إن شاء جَعَلَ لك} في الدنيا {خيراً} لك {من ذلك} الذي اقترحوه؛ من أن يكون لك جنة تأكل منها؛ بأن يجعل لك مثل ما وعدك في الجنة، {جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ}، فإنه خير من جنة واحدة من غير أنهار، كما اقترحوا، {ويجعل لك قصوراً}؛ وغرفاً في الدنيا، كقصور الآخرة، لكن لم يشأ ذلك؛ لأن الدنيا لا تسع ما يعطيه لخواص أحبابه في الآخرة؛ لأنها ضيقة الزمان والمكان. وعدم التعرض لجواب الاقتراحين الأولين، وهو إنزال الملك وإلقاء الكنز؛ لظهور بطلانهما ومنافاتهما للحكمة التشريعية، وإنما الذي له وجه في الجملة وهو الاقتراح الأخير؛ فإنه غير مناف للحكمة بالكلية، فإن بعض الأنبياء - عليهم السلام - قد أُتوا مع النبوة مُلكاً عظيماً، لكنه نادر. ثم أضرب عن توبيخهم بحكاية جناياتهم السابقة، وانتقل إلى توبيخهم بحكاية جناية أخرى، فقال: {بل كذَّبوا بالساعة} أي: بل أتوا بأعجب من ذلك كله، وهو تكذيبهم بالساعة. ويحتمل أن يكون متصلاً بما قبله، كأنه قال: بل كذبوا بالساعة، وكيف يلتفتون إلى هذا الجواب، وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة، وهم لا يؤمنون بها؟ ثم تخلص إلى وبال من كذَّب بها فقال: {وأعتدنا لمن كَذَّبَ بالساعة سعيراً} أي: وهيأنا للمكذبين بها ناراً شديدة الإسعار، أي: الاشتعال. ووضع الموصول موضع ضمير "هم"، أو لكل من كذب بها كائناً من كان، ويدخلون هم في زمرتهم دخولاً أولياً. ووضع الساعة موضع ضميرها؛ للمبالغة في التشنيع. {إذا رَأَتْهُم} أي: النار، أي: قابلتهم {من مكان بعيد}؛ بأن كانت منهم بمرأى للناظرين في البُعد، كقوله صلى الله عليه وسلم في شأن المؤمن والكافر: "حديث : لا تترآءى نَاراهُما" تفسير : ، أي: لا يتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى. {سمعوا لها تغيُّظاً وزفيراً} أي: سمعوا صوت غليانها. شُبه ذلك بصوت المتغيظ والزفير، وهو صوت من جوفه. ولا يبعد أن يخلق الله فيها الإدراك فتتغيظ وتزفر. وقيل: إن ذلك من زبانيتها، نُسب إليها، وهو بعيد. {وإذا أُلْقُوا منها}؛ من النار {مكاناً ضَيِّقاً} أي: في مكان ضيق؛ لأن الكرب يعظم مع الضيق، كما أن الروح يعظم مع السعة، وهو السر في وصف الجنة بأن عرضها السموات والأرض. وعن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما -: (تضيق جهنم عليهم، كما يضيق الزجُّ على الرمح). وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "حديث : والذي نفسي بيده إنهم ليُستكرهون في النار كما يُستكره الوتد في الحائط" تفسير : . حال كونهم {مُقرّنين} أي: مسلسلين، أي: مقرونين في السلاسل، قُرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. أو: يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسة، وفي أرجلهم الأصفاد. فإذا أُلقوا في الضيق، على هذا الوصف، {دَعَوا هنالك} أي: في ذلك المكان الهائل والحالة الفظيعة، {ثُبُوراً} أي: هلاكاً، بأن يقولوا: واثبوراه؛ هذا حينُك فتعال، فيتمنون الهلاك ليستريحوا، فيقال لهم: {لا تدعوا اليوم ثُبوراً واحداً وادعوا ثُبوراً كثيراً} أي: لا تدعوا بالهلاك على أنفسكم مرة واحدة، ودعاءً واحداً، بل ادعوا دعاء متعدداً بأدعية كثيرة، فإن ما أنتم عليه من العذاب لغاية شدته وطول مدته، مستوجب لتكرر الدعاء في كل أوان. وهو يدل على فظاعة العذاب وهوله. وأما ما قيل من أن المعنى: إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً، وإنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان، كل نوع منها ثبور؛ لشدته وفظاعته، أو: لأنهم كلما نضجت جلودهم بُدلوا غيرها، فلا غاية لها، فلا يلائم المقام. انظر أبا السعود. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أولُ من يُكْسَى حُلَّةً من النار إبليسُ، فيضعُها على حاجبيه، ويسحبُها من خلفه، وذُريتُهُ من بعده، وهو يقول: يا ثُبُوراه، وهم يجاوبونه: يا ثُبُورهم، حتى يَقِفُوا على النار، فيقال لهم: لا تدعوا ثبوراً واحداً... ". تفسير : {قل} لهم يا محمد؛ تقريعاً لهم وتهكماً بهم، وتحسراً على ما فاتهم: {أذلك خيرٌ}، والإشارة إلى السعير، باعتبار اتصافها بما فُصِّل من الأحوال الهائلة، وما فيه من معنى البُعد؛ لكونها في الغاية القاصية من الهول والفظاعة. أي: قل لهم أذلك الذي ذكر من السعير، التي أعدت لمن كذب بالساعة، وشأنها كيت وكيت؛ خير {أم جنةُ الخُلد التي وُعِدَ المتقون} أي: وعدها الله المتقين؟ وإنما قال: "أذلك خير"، ولا خير في النار؛ تهكماً بهم. كما تقدم، وإضافة الجنة إلى الخلد؛ للمدح، وقيل: للتميز عن جنات الدنيا. والمراد بالمتقين: المتصفون بمطلق التقوى، لا بغايتها. {كانت} تلك الجنة {لهم} في علم الله تعالى، أو في اللوح، {جزاءً} على أعمالهم، {ومصيراً} يصيرون إليه بعد الموت. {لهم فيها ما يشاؤون} من فنون الملاذ والمشتهيات، وأنواع النعيم والخيرات، كقوله تعالى: {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ} تفسير : [الزخرف: 71]، ولعل كل فريق منهم يقنع بما أتيح له من درجات النعيم، ولا تمتد أعناق همهم إلى ما فوق ذلك من المراتب العالية. فلا يلزم الحرمان، ولا تساوى أهل الجنان. حال كونهم {خالدين} لا يفنون، ولا يفنى ما هم فيه، {كان على ربك وعداً مسؤولاً} أي: موعوداً حقيقياً بأن يُسْأَلَ ويُطلب؛ لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون، أو: مسؤولاً لا يسأله الناس في دعائهم، بقولهم: {أية : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} تفسير : [آل عمرآن: 194] أو: تسأله الملائكة بقولهم: {أية : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ}تفسير : [غافر: 8] وما في "على" من معنى الوجوب، لامتناع الخُلْفِ في عده تعالى، فكأنه أوجبه على نفسه؛ تفضيلاً وإحساناً. وفي التعرض لعنوان الربوبية؛ مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم؛ من تشريفه والإشعار بأنه صلى الله عليه وسلم هو أول الفائزين بمغانم هذا الوعد الكريم ما لا يخفى. قاله أبو السعود. الإشارة: تبارك الذي إن شاء جعل ذلك خيراً من ذلك، وهي جنة المعارف المعجلة، تجري من تحتها أنهار العلوم وفيض المواهب، ويجعل لك قصوراً تنزل فيها، ثم ترحل عنها، وهي منازل السائرين ومقامات المقربين، إلى أن تسكن في محل الشهود والعيان، وهو العكوف في حضرة الإحسان. بل كذَّبوا بالساعة، أي: من تنكب عن هذا الخير الجسيم، إنما سببه أنه فعل فِعْل من يُكذب بالساعة؛ من الانهماك في الدنيا، والاشتغال بها عن زاد الآخرة. وأَعتدنا لمن فعل ذلك سعيراً، أي: إحراقاً للقلب بالتعب، والحرص، والجزع والهلع، والإقبال على الدنيا، إذا قابلتهم من مكان بعيد سمعوا لها تَغَيُّظاً وزفيراً؛ غيظاً على طلابها، حيث آثروها على ما فيه رضا مولاها، وإذا ألقوا في أشغالها، وضاق عليهم الزمان في إداركها، دعَوا بالويل والثبور، وذلك عند معاينة أعلام الموت، والرحيل إلى القبور، ولا ينفعهم ذلك. قل: أذلك خير أم جنة الخلد؟, وهي جنة المعارف, التي وُعد المتقون لكل ما سوى الله, كانت لهم جزاء على مجاهدتهم وصَبْرهم، ومصيراً يصيرون إليها بأرواحهم وأسرارهم. لهم فيها ما يشاؤون؛ لكونهم حينئذٍ أمرهم بأمر الله، كان على ربك وعداً مسؤولاً، أي: مطلوباً للعارفين والسائرين. وبالله التوفيق. ثمَّ شرح ما يلقى أهل التكذيب من الهول والفظاعة، فقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ ...}

الجنابذي

تفسير : {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ} لكنّه لم يشأ ذلك لمنافاته للرّسالة من الله وترغيب النّاس عن الدّنيا {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} قد مضى فى آخر آل عمران فى ذيل قوله تعالى {أية : فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} تفسير : [آل عمران:195] بيان كيفيّة جريان الانهار من تحت الجنّات {وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} والجملة على قراءة رفع يجعل معطوفة على قوله تبارك الّذى يعنى يجعل لك فى الآخرة قصوراً، وعلى قراءة الجزم معطوفة على الجزاء، ويصحّ عطفه على الجزاء على قراءة الرّفع ايضاً.

اطفيش

تفسير : {تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ} في الدنيا * {خَيْراً مِّن ذَلِكَ} الذي ذكروا من كنز وجنان ولكن اخره إلى الآخرة لانه خير وابقى. وعن ابن عباس {خَيْراً} من المشي في الاسواق والتماس المعاش * {جَنَّاتٍ} بدل من {خَيْراً} * {تَجْرَي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلُ لَّكَ قُصُوراً} ديارا عظاما مشيدة مشتملة على بيوت أو محل {يَجْعَل} جزم على الجواب فجزم {يَجْعَل} عطفا على محله. وقرئ بالرفع اما لان الشرط إذا كان ماضيا أو مضارعا مع (لم) يجوز اهمال اداة الشرط عن الجواب الذي هو مضارع فيرفع ويجعل هنا معطوف على الجواب فكأنه جواب وهو مضارع. واما على الاستئناف بوعد ما يكون له الآخرة وهو الذي يذكره العلماء مشتهرا كالمرادي وغيره. وتلك القراءة اعني قراءة الرفع قراءة ابن كثير وابن عامر وابي بكر. وقرئ بالنصب على ان الواو افادت مفهوم (مع) والناصب (ان) مضمره وجوبا ومصدر يجعل معطوف على مصدر مقدر من الجواب اي (ان شاء يكن جعله لك خيرا من ذلك وجعله لك قصورا) وانما جاز ذلك لان مضمون الجزاء لم يتحقق وقوعه فكأن الواو وقعت في جواب الاستفهام فان الاستفهام لم يتحقق ما كان سؤالا عنه. قال المرادي وغيره والظاهر ان قراءة ادغام لام (يجعل) على لام (لك) بناء على جزم يجعل ويضعف كونها على رفعه أو نصبه بعد حذف الحركة وقد اوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان شئت جعلت لك جبال مكة ذهبا وفضة واطيل عمرك حتى تريد الموت وتسير معك تلك الجبال حيث شئت ولا انقص من اجرك شيئا) وذلك اوحى إليه حين قرب اجله واوحى اليه قبل ذلك ايضا. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : جاءني ملك ان حجزته لتساوي الكعبة والحجزة معقد الازار فقال يا محمد: إِن ربك يقرئك السلام ويقول ان شئت جعلتك نبيا وان شئت جعلتك ملِكا - بكسر اللام - فنظرت إلى جبريل فأَشار إِليّ إلى ان ضع نفسك فقلت يجعلني نبيا عبدا فكان بعد ذلك لا يأكل متكئا يقول آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد" تفسير : وعن ابي امامة عن النبي صلى الله عليه "حديث : عرض عليّ ربي أَن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت: لا يا رب ولكن أَشبع يوما وأَجوع يوما فاذا جعت تضرعت إِليك وذكرتك وإذا اشبعت حمدتك وشكرتك " تفسير : قال ابن عباس - رضي الله عنه -: حديث : لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة وقالوا: (مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق) الخ حزن فأتاه جبريل فقال له: ربك يقرئك السلام ويخصك بالتحية والاكرام ويقول وما أَرسلنا قبلك من المرسلين إِلا أَنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأَسواق وبينما هما يتحدثان إِذ ذاب جبريل وكان كالعدسة فقال صلى الله عليه وسلم: مالك قال فتح باب من ابواب السماء لم يفتح قط وإِني أَخاف أَن يعذب قومك بتعييرهم إِياك بالفقر فبكيا وعاد جبريل كحاله فقال: أَبشر يا محمد هذا رضوان خازن الجنة قد أَتاك بالرضى من عند ربك فاقبل حتى سلم عليه وقال له: يا محمد ربك يقرئك السلام ومعه سفط من نور يتلألأ ويقول لك هذه مفاتيح خزائن الدنيا أَتيت بها لك مع أَنه لا ينقص لك مما عندي في الآخرة مثل جناح بعوضة فنظر إلى جبريل كالمستشير فضرب جبريل يده إلى الارض فقال تواضع لله فقال يا رضوان لا حاجة لي فيها فالفقر أَحب إليّ فلئن أَكن عبدا صابرا شكورا خير من غيره فقال رضوان: أَصبت أَصاب الله بك فلئن تكن عبدا صابرا شكورا خير لك من غيره وجاء نداء من السماء ورفع جبريل رأسه فاذا السماوات فتحت أَبوابها إلى العرش وأَوحى الله عز وجل إلى جنة عدن أَن تدلي غصنا من أَغصانها عليه غرفة من زبرجدة خضراء لها سبعون الف باب من ياقوتة حمراء فقال جبريل: يا محمد ارفع رأسك وبصرك فرأى منازل الانبياء عليهم السلام وغرفهم وإذا منازله فوقهم ومناد ينادي يا محمد أَرضيت فقال: رضيت يا رب فاجعل عطائي في الدنيا ذخيرة في الآخرة للشفاعة . تفسير : ويروى أَن هذه الآية نزل بها رضوان.

اطفيش

تفسير : {تبارك الَّذى إن شاء جَعَل لَكَ} فى الدنيا {خيراً من ذلك} الذى ذكروه من القاء الكنز الواحد المستمر او المتكرر، وحصول الجنة الواحدة المستمرة، أو المتكررة {جناتٍ} متعددة بمرة واحدة لا تخلوا من ثمار فى وقت ما {تَجْرى من تحتها الأنهار} لكل جنة نهر {ويَجْعل لَك قُصوراً} مساكن رفيعة على حدة، وأولى من هذا إن فى كل جنة مسكنا رفيعاً وجزم يجعل عطفا على محل جعل.

الالوسي

تفسير : أي تكاثر خير الذي إن شاء وهب لك في الدنيا شيئاً خيراً لك مما اقترحوه وهو أن يجعل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور كذا في «الكشاف»، وعن مجاهد إن شاء جعل لك جنات في الآخرة وقصوراً في الدنيا ولا يخفى ما فيه، وقيل: المراد إن شاء جعل ذلك في الآخرة، ودخلت {إن} على فعل المشيئة تنبيهاً على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته تعالى وأنه معلق على محض مشيئته سبحانه وليس لأحد من العباد على الله عز وجل حق لا في الدنيا ولا في الآخرة، والأول أبلغ في تبكيت الكفار والرد عليهم، ولا يرد كما زعم ابن عطية قوله تعالى: { أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ } تفسير : [الفرقان: 11] كما ستعلمه إن شاء الله تعالى. والظاهر أن الإشارة إلى ما اقترحوه من الكنز والجنة وخيرية ما ذكر من الجنة لما فيه من تعدد الجنة وجريان الأنهار والمساكن الرفيعة في تلك الجنان بأن يكون في كل منها مسكن أو في كل مساكن ومن الكنز لما أنه مطلوب لذاته بالنسبة إليه وهو إنما يطلب لتحصيل مثل ذلك وهو أيضاً أظهر في الأبهة وأملأ لعيون الناس من الكنز، وعدم التعرض لجواب الاقتراح الأول لظهور منافاته للحكمة التشريعية وربما يعلم من كثير من الآيات كذا قيل. وفي «إرشاد العقل السليم» أن الإشارة إلى ما اقترحوه من أن يكون له صلى الله عليه وسلم جنة يأكل منها {وَجَنَّـٰتٍ } بدل من {خَيْرًا } محقق لخيريته مما قالوا لأن ذلك كان مطلقاً عن قيد التعدد وجريان الأنهار، وتعلق ذلك بمشيئته تعالى للإيذان بأن عدم الجعل لعدم المشيئة المبنية على الحكم والمصالح، وعدم التعرض لجواب الاقتراحين الأولين للتنبيه على خروجهما عن دائرة العقل واستغنائهما عن الجواب لظهور بطلانهما ومنافاتهما للحكمة التشريعية وإنما الذي له وجه في الجملة هو الاقتراح الأخير فإنه غير مناف للحكمة بالكلية فإن بعض الأنبياء عليهم السلام قد أوتوا في الدنيا مع النبوة ملكاً عظيماً انتهى. وهذ الذي ذكره في الإشارة جعله الإمام الرازي قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وما ذكر أولاً استظهره أبو حيان وحكاه عن مجاهد، وحكى عن ابن عباس أنها إشارة إلى ما عيروا به من أكل الطعام والمشي في الأسواق وقال: إنه بعيد، وحكاه الإمام عن عكرمة وكأني بك تختار ما اختاره صاحب «الإرشاد». والظاهر أن {يَجْعَلْ } مجزوم فيكون معطوفاً على محل الجزاء الذي هو جعل وهو جزاء أيضاً وقد جيء به جملة استقبالية على الأصل في الجزاء، فقد ذكر أهل المعاني أن الأصل في جملتي إن الشرطية أن تكونا فعليتين استقباليتين لفظاً كما أنهما مستقبلتان معنى، والعدول عن ذلك في اللفظ لا يكون إلا لنكتة. / وكأن التعبير على هذا بالجملتين الماضويتين لفظاً في {إِن شَاء جَعَلَ } الخ لزيادة تبكيت الكفار فيما اقترحوا من جنسه. ولما لم يقترحوا ما هو جنس جعل القصور لم يسلك فيه ذلك المسلك فتدبر، وقيل: كان الظاهر نعد التعبير أولاً في الجزاء بالماضي أن يعبر به هنا أيضاً لكنه عدل إلى المضارع لأن جعل القصور في الجنان مستقبل بالنسبة إلى جعل الجنان، ثم إن هذا العطف يقتضي عدم دخول القصور في الخير المبدل منه قوله سبحانه: {جَنَّـٰتُ } وكان ما تقدم عن «الكشاف» بيان لحاصل المعنى بمعونة السياق. وجوز أن يكون مرفوعاً أدغمت لامه في لام {لَكَ } لكن إدغام المثلين إذا تحرك أولهما إنما هو مذهب أبـي عمرو، والذي قرأ بالتسكين من السبعة هو وحمزة والكسائي ونافع وفي رواية محبوب عنه أنه قرأ بالرفع بلا إدغام وهي قراءة ابن عامر وابن كثير ومجاهد وحميد وأبـي بكر، والعطف على هذه القراءة واحتمال الإدغام عند ابن عطية على المعنى في {جَعَلَ } لأن جواب الشرط موضع استئناف ألا يرى أن الجملة من المبتدأ والخبر قد تقع موقع جواب الشرط. وقال الزمخشري: هو معطوف على {جَعَلَ } لأن الشرط إذا كان ماضياً جاز في جوابه الجزم والرفع كقول زهير في مدح هرم بن سنان: شعر : وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم تفسير : ومذهب سيبويه أن الجواب في مثل ذلك محذوف وأن المضارع المرفوع على نية التقديم، وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنه هو الجواب وأنه على حذف الفاء. والتركيب عند الجمهور فصيح سائغ في النثر كالشعر، وحكى أبو حيان عن بعض أصحابه أنه لا يجوز إلا في الضرورة إذ لم يجيء إلا في الشعر، وتمام الكلام في تحقيق المذاهب في محله. وقال الحوفي وأبو البقاء: الرفع على الاستئناف قيل وهو استئناف نحوي، والكلام وعد له صلى الله عليه وسلم بجعل تلك القصور في الآخرة ولذا عدل عن الماضي إلى المضارع الدال على الاستقبال، وقيل: هو استئناف بياني كأن قائلاً يقول: كيف الحال في الآخرة؟ فقيل: يجعل لك فيها قصوراً، وجعل بعضهم على الاستئناف هذا الجعل في الدنيا أيضاً على معنى إن شاء جعل لك في الدنيا جنات ويجعل لك في تلك الجنات قصوراً إن تحققت الشرطية وهو كما ترى، وقيل: الرفع بالعطف على {تَجْرِي } صفة بتقدير ويجعل فيها أي الجنات، وليس بشيء. وقرأ عبيد الله بن موسى وطلحة بن سليمان {ويجعل } بالنصب على إضمار أن، ووجه على ما نقل عن السيرافي أن الشرط لما كان غير مجزوم أشبه الاستفهام، وقيل: لما كان غير واقع حال المشارطة أشبه النفي، وقد ذكر النصب بعده سيبويه، وقال إنه ضعيف، وقيل: الفعل مرفوع وفتح لامه اتباعاً للام {لَكَ } نظير ما قيل في قوله: شعر : لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أوقال تفسير : من أنه فتح راء غير اتباعاً لهمزة أن وهو أحد وجهين في البيت، ونظير الآية في هذه القراآت قول النابغة: شعر : فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والشهر الحرام ونأخذ بعده بذناب عيش أجب الظهر ليس له سنام تفسير : فإنه يروى في نأخذ الجزم والرفع والنصب.

ابن عاشور

تفسير : ابتدئت السورة بتعظيم الله وثنائه على أن أنزل الفرقان على رسوله، وأعقب ذلك بما تلقى به المشركون هذه المزية من الجحود والإنكار الناشىء عن تمسكهم بما اتخذوه من آلهة من صفاتهم ما ينافي الإلٰهية، ثم طعنوا في القرآن والذي جاء به بما هو كفران للنعمة ومن جاء بها. فلما أريد الإعراض عن باطلهم والإقبال على خطاب الرسول بتثبيته وتثبيت المؤمنين أعيد اللفظ الذي ابتدئت به السورة على طريقة وصل الكلام بقوله: {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك}. وهذه الجملة استئناف واقع موقع الجواب عن قولهم {أية : أو تكون له جنة}تفسير : [الفرقان: 8] الخ، أي إن شاء جعل لك خيراً من الذي اقترحوه، أي أفضل منه، أي إن شاء عجله لك في الدنيا، فالإشارة إلى المذكور من قولهم، فيجوز أن يكون المراد بالجنات والقصور جناتتٍ في الدنيا وقصوراً فيها، أي خيراً من الذي اقترحوه دليلاً على صدقك في زعمهم بأن تكون عدة جنات وفيها قصور. وبهذا فسر جمهور المفسرين. وعلى هذا التأويل تكون (إن) الشرطية واقعة موقع (لو)، أي أنه لم يشأ ولو شاءه لفعله ولكن الحكمة اقتضت عدم البسط للرسول في هذه الدنيا ولكن المشركين لا يدركون المطالب العالية. وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون المراد بالجنات والقصور ليست التي في الدنيا، أي هي جنات الخلد وقصور الجنة فيكون وعداً من الله لرسوله. واقتران هذا الوعد بشرط المشيئة جار على ما تقتضيه العظمة الإلٰهية وإلا فسياق الوعد يقتضي الجزم بحصوله، فالله شاء ذلك لا محالة، بأن يقال: تبارك الذي جعل لك خيراً من ذلك. فموقع {إن شاء} اعتراض. وأصل المعنى: تبارك الذي جعل لك خيراً من ذلك جنات إلى آخره. ويساعد هذا قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي بكر عن عاصم {ويجعلُ لك قصوراً} برفع {يجعلُ} على الاستئناف دون إعمال حرف الشرط، وقراءة الأكثر بالجزم عطفاً على فعل الشرط وفعل الشرط محقق الحصول بالقرينة، وهذا المحمل أشد تبكيتاً للمشركين وقطعاً لمجادلتهم، وقرينة ذلك قوله بعده: {أية : بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا}تفسير : [الفرقان: 11]، وهو ضد ومقابل لما أعده لرسوله والمؤمنين. والقصور: المباني العظيمة الواسعة على وجه الأرض وتقدم في قوله: {أية : تتخذون من سهولها قصوراً}تفسير : في سورة الأعراف (74)، وقوله: {أية : وقصر مشيد} تفسير : في سورة الحج (45).

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تبارك: أي تقدس وكثر خيره وعمت بركته. خيراً من ذلك: أي الذي اقترحه المشركون عليك. ويجعل لك قصوراً: أي كثيرة لا قصراً واحداً كما قال المشركون. بل كذبوا بالساعة: أي لم يكن المانع لهم من الإِيمان كونك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق بل تكذيبهم بالبعث والجزاء هو السبب في ذلك. تغيظاً وزفيراً: أي صوتاً مزعجاً من تغيظها على أصحابها المشركين بالله الكافرين به. مقرنين: أي مقرونة أيديهم مع أعناقهم في الأصفاد. دعوا هنالك ثبوراً: أي نادوا يا ثبورنا أي يا هلاكنا إذ الثبور الهلاك. كانت لهم جزاءً ومصيراً: أي ثواباً على إيمانهم وتقواهم، ومصيراً صاروا إليها لا يفارقونها. وعداً مسؤلا: أي مطالباً به إذ المؤمنون يطالبون به قائلين ربنا وآتنا ما وعدتنا والملائكة تقول ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الرد على مقترحات المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قالوا لولا أنزل إليه ملك، أو يلقى إليه كنزٌ وتكون له جنة يأكل منها فقال تعالى: لرسوله صلى الله عليه وسلم: {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ} أي الذي اقترحوه وقالوا خذ لنفسك من ربك بعد أن رفضت طلبهم بترك دعوتك والتخلي عن رسالتك {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي من خلال أشجارها وقصورها، {وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} لا قصراً واحداً كما قالوا، ولكنه لم يشأ ذلك لك من هذه الدار لأنها دار عمل ليست دار جزاء وراحة ونعيم فربك قادر على أن يجعل لك ذلك ولكنه لم يشأه والخير فيما يشاءه فاصبر فإن المشركين لم يكن المانع لهم من الإِيمان هو كونك بشراً تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، أو أن الله تعالى لم ينزل إليك ملكاً بل المانع هو تكذيبهم بالساعة فعلة كفرهم وعنادهم هي عدم إيمانهم بالبعث والجزاء فلو آمنوا بالحياة الثانية لطلبوا كل سبب ينجي من عذابها ويحصل نعيمها {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ} أي القيامة {سَعِيراً} أي ناراً مستعرة أو هي دركة من دركات النار تسمى سعيراً. وقوله تعالى: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} هذا وصف للسعير وهو أنها إذا رأت أهلها من ذوي الشرك والظلم والفساد من مكان بعيد تغيظت عليهم تغيظاً وزفرت زفيراً مزعجاً فيسمعونه فترتعد له فرائصهم، {وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ} مشدودة أيديهم إلى أعناقهم بالأصفاد {دَعَوْاْ هُنَالِكَ} أي نادوا بأعلى أصواتهم يا ثبوراه أي يا هلاكاه أحضر فهذا وقت حضورك: فيقال لهم: خزياً وتبكيتا وتحسيراً: {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً}، فهذا أوآن هلاككم وخزيكم وعذابكم وهنا يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {قُلْ} لأولئك المشركين المكذبين بالبعث والجزاء: {أَذٰلِكَ} أي المذكور من السعير والإِلقاء فيها مقرونة الأيدي بالأعناق وهم يصرخون يدعون بالهلاك {خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} أي التي وعد الله تعالى بها عباده الذين اتقوا عذابه بالإِيمان به وبرسوله وبطاعة الله ورسوله قطعاً جنة الخلد خير ولا مناسبة بينها وبين السعير، وإنما هو التذكير لا غير وقوله: {كَانَتْ لَهُمْ} أي جنة الخلد كانت لأهل الإِيمان والتقوى {جَزَآءً} أي ثواباً، {وَمَصِيراً} يصيرون إليه لا يفارقونه وقوله تعالى: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} أي فيها من أنواع المطاعم والمشارب والملابس والمساكن وقوله: {خَالِدِينَ} أي فيها لا يموتون ولا يخرجون، وقوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} أي تفضل ربك أيها الرسول بها فوعد بها عباده المتقين وعداً يسألونه إياه فينجزه لهم فهم يقولون: {أية : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ}تفسير : [آل عمران: 194]، والملائكة تقول {أية : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [غافر: 8]. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن مرد كفر الكافرين وظلم الظالمين وفساد المفسدين إلى تكذيبهم بالبعث والجزاء في الدار الآخرة فإن من آمن بالبعث الآخر سارع إلى الطاعة والاستقامة. 2- تقرير عقيدة البعث الآخر بوصف بعض ما يتم فيه من الجزاء بالنار والجنة. 3- فضل التقوى وأنها ملاك الأمر فمن آمن واتقى فقد استوجب الدرجات العلى جعلنا الله تعالى من أهل التقوى والدرجات العلى.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} (10) - يُبَارِكُ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، وَيُنَزِّهُهَا، عَنْ شِرْكِهِمْ، وَيَقُولُ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ فِي الدُّنْيَا خيراً مِمَّا يَسْأَلُونَ: جَنَاتٍ تَجْرِي فِي جَنَبَاتِها الأَنْهَارُ، وَقُصُوراً (وَكُلُّ بَيْتٍ مَبْنِي بِالحِجَارَةِ تُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ قَصْراً)، وَلَكِنَِّه تَعَالَى لَمْ يَشَأ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ أَرَادَ إِعْطَاءَكَ ذَلِِكَ فِي الدارِ الآخِرَةِ. (حديث : وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قِيلَ لَهُ: إٍِنْ شِئْتَ أَنْ نُعْطِيَكَ خَزَائِنَ الأَرْضِ، وَمَفَاتِيحَهَا مَا لَمْ نُعْطِ نَبِيّاً قَبْلَكَ، وَلاَ نُعْطِي أَحَداً بَعْدَكَ، وَلاَ يُنْقِصُ ذَلِكَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللهِ، فَقَالَ اجْمَعُوهَا لي فِي الآخِرَةِ. تفسير : فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {تَبَارَكَ ..} [الفرقان: 10] كما قلنا: تنزّه وعَظُم خيره؛ لأن الكلام هنا أيضاً فيه عطاء مُتمثِّل في الخير الذي ساقه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، فعطاؤه سبحانه دائم لا ينقطع، بحيث لا يقف خير عند عطائه، بل يظل عطاؤه خيراً موصولاً، فإذا أعطاك اليوم عرفتَ أن ما عنده في الغد خير مما أعطاك بالأمس. ثم يقول الحق سبحانه: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ}. يعني خيرا مما قالوا، {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}. قال: الجنات حوائط [الآية: 10]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} [الآية: 10]. يعني: بيوتاً مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من الحجارة كائناً ما كان فتسميه قصراً. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ}. يعني أَنه يقول لعيسى وعزير والملائكة: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ} [الآية: 17]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً} [الآية: 18]. يعني: هالكين.