٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ} يريد يوم القيامة. {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً} يريد جهنم تتلظى عليهم. {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي من مسيرة خمسمائة عام. {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} قيل: المعنى إذا رأتهم جهنم سمعوا لها صوت التغيظ عليهم. وقيل: المعنى إذا رأتهم خزّانها سمعوا لهم تغيظاً وزفيراً حرصاً على عذابهم. والأوّل أصح؛ لما روي مرفوعاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من كذب علي متعمداً فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً»تفسير : قيل: يا رسول الله! ولها عينان؟ قال: «حديث : أما سمعتم الله عز وجل يقول: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} يخرج عُنق من النار له عينان تبصران ولسان ينطق فيقول وُكِّلت بكل من جعل مع الله إلهاً آخر فلهو أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه»تفسير : في رواية «حديث : فيخرج عُنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم» تفسير : ذكره رَزِين في كتابه، وصححه ابن العربي في قبسه، وقال: أي تفصلهم عن الخلق في المعرفة كما يفصل الطائر حب السمسم من التربة. وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. «حديث : يَخرج عُنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول إني وُكِّلت بثلاث بكل جبّار عنيد وبكلّ من دعا مع الله إلهاً آخر وبالمصوِّرين»تفسير : . وفي الباب عن أبي سعيد قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال الكلبي: سمعوا لها تغيظاً كتغيظ بني آدم وصوتاً كصوت الحمار. وقيل: فيه تقديم وتأخير، سمعوا لها زفيراً وعلموا لها تغيظاً. وقال قطرب: التغيظ لا يسمع، ولكن يرُى، والمعنى: رأوا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً؛ كقول الشاعر:شعر : ورأيت زوجَكِ في الوَرى مُتقلِّداً سيفاً ورُمحا تفسير : أي وحاملاً رمحاً. وقيل: {سَمِعُوا لَهَا} أي فيها؛ أي سمعوا فيها تغيظاً وزفيراً للمعذَّبين. كما قال تعالى: {أية : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} تفسير : [هود: 106] و«في واللام» يتقاربان؛ تقول: أفعل هذا في الله ولله. قوله تعالى: {وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ} قال قتادة: ذكر لنا أن عبد الله كان يقول: إن جهنم لتضيِّق على الكافر كتضييق الزُّج على الرمح؛ ذكره ابن المبارك في رقائقه. وكذا قال ابن عباس، ذكره الثعلبي والقُشَيري عنه، وحكاه الماوردي عن عبد الله بن عمرو. ومعنى {مُقَرَّنِينَ} مكتَّفين؛ قاله أبو صالح. وقيل: مصفَّدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: قرنوا مع الشياطين؛ أي قرن كل واحد منهم إلى شيطانه؛ قاله يحيـى بن سلام. وقد مضى هذا في {إبراهيم} وقال عمرو بن كلثوم:شعر : فآبُوا بالنِّهابِ وبالسَّبايَا وأُبْنَا بالملوكِ مقُرَّنِينا تفسير : {دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} أي هلاكاً؛ قاله الضحاك. ابن عباس: ويلاً. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أوّل من يقوله إبليس وذلك أنه أوّل من يكسى حلة من النار فتوضع على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته مِن خلفه وهو يقول واثبوراه»تفسير : . وانتصب على المصدر، أي ثبرنا ثبوراً؛ قاله الزجاج. وقال غيره: هو مفعول به. قوله تعالى: {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً} فإن هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة. وقال: ثبوراً لأنه مصدر يقع للقليل والكثير فلذلك لم يجمع؛ وهو كقولك: ضربته ضرباً كثيراً، وقعد قعوداً طويلاً. ونزلت الآيات في ابن خَطَل وأصحابه.
البيضاوي
تفسير : {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ } فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوية وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فطعنوا فيك لفقرك، أو فلذلك كذبوك لا لما تمحلوا من المطاعن الفاسدة، أو فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب ويصدقونك بما وعد الله لك في الآخرة، أو فلا تعجب من تكذيبهم إياك فإنه أعجب منه. {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً} ناراً شديدة الاستعار، وقيل هو اسم لجهنم فيكون صرفه باعتبار المكان. {إِذَا رَأَتْهُمْ} إِذا كانت بمرأى منهم كقوله عليه السلام«حديث : لا تتراءى ناراهما»تفسير : أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز والتأنيث لأنه بمعنى النار أو جهنم. {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} هو أقصى ما يمكن أن يرى منه. {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } صوت تغيظ، شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه، هذا وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبنية أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر. وقيل إن ذلك لزبانيتها فنسب إليها على حذف المضاف. {وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً } في مكان ومنها بيان تقدم فصار حالاً. {ضَيِّقاً} لزيادة العذاب فإن الكرب مع الضيق والروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها كعرض السموات والأرض. {مُقْرَّنِينَ} قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل. {دَعَوْاْ هُنَالِكَ } في ذلك المكان. {ثُبُوراً } هلاكاً أي يتمنون الهلاك وينادونه فيقولون تعال يا ثبوراه فهذا حينك. {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وٰحِداً} أي يقال لهم ذلك. {وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً } لأن عذابكم أنواع كثيرة كل نوع منها ثبور لشدته، أو لأنه يتجدد لقوله تعالى: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ }تفسير : [النساء: 56] أو لأنه لا ينقطع فهو في كل وقت ثبور. {قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } الإِشارة إلى العذاب والاستفهام والتفضيل والترديد للتقريع مع التهكم أو إلى الـ {كَنْزٌ } أو الـ {جَنَّةُ }، والراجع إلى الموصول محذوف وإضافة الـ {جَنَّةُ } إلى {ٱلْخُلْدِ} للمدح أو للدلالة على خلودها، أو التمييز عن جنات الدنيا. {كَانَتْ لَهُمْ } في علم الله أو اللوح، أو لأن ما وعده الله تعالى في تحققه كالواقع. {جَزَاءً} على أعمالهم بالوعد. {وَمَصِيراً } ينقلبون إليه، ولا يمنع كونها جزاء لهم أن يتفضل بها على غيرهم برضاهم مع جواز أن يراد بالمتقين من يتقي الكفر والتكذيب لأنهم في مقابلتهم. {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ } ما يشاؤونه من النعيم، ولعله تقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبته إذ الظاهر أن الناقص لا يدرك شأو الكامل بالتشهي، وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة. {خَـٰلِدِينَ} حال من أحد ضمائرهم. {كَانَ عَلَىٰ رَبّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً } الضمير في {كَانَ } لـ {مَا يَشَآءُونَ} والوعد الموعود أي: كان ذلك موعداً حقيقاً بأن يسأل ويطلب، أو مسؤولاً سأله الناس في دعائهم {أية : رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ }تفسير : [آل عمران: 194] أو الملائكة بقولهم {أية : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ }تفسير : [غافر: 8] وما في {عَلَىٰ } من معنى الوجوب لامتناع الخلف في وعده تعالى ولا يلزم منه الإِلجاء إلى الإِنجاز، فإن تعلق الإِرادة بالوعود مقدم على الوعد الموجب للإِنجاز. {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} للجزاء، وقرىء بكسر الشين وقرأ ابن كثير ويعقوب وحفص بالياء. {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يعم كل معبود سواه تعالى، واستعمال {مَا} إما لأن وضعه أعم ولذلك يطلق لكل شبح يرى ولا يعرف، أو لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبودهم أو لتغليب الأصنام تحقيراً أو اعتباراً لغلبة عبادها، أو يخص الملائكة وعزيراً والمسيح بقرينة السؤال والجواب، أو الأصنام ينطقها الله أو تتكلم بلسان الحال كما قيل في كلام الأيدي والأرجل. {فَيَقُولُ} أي للمعبودين وهو على تلوين الخطاب، وقرأ ابن عامر بالنون. {أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَـؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ} لإِخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد النصيح، وهو استفهام تقريع وتبكيت للعبدة، وأصله {أأضللتم} أو {ضَلُّواْ} فغير النظم ليلي حرف الاستفهام المقصود بالسؤال وهو المتولي للفعل دونه لأنه لا شبهه فيه وإلا لما توجه العتاب، وحذف صلة الضل مبالغة. {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ} تعجباً مما قيل لهم لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون، أو جمادات لا تقدر على شيء أو إشعاراً بأنهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده فكيف يليق بهم إضلال عبيده، أو تنزيهاً لله تعالى عن الأنداد. {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا} ما يصح لنا. {أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء} للعصمة أو لعدم القدرة فكيف يصح لنا أن ندعو غيرنا أن يتولى أحداً دونك، وقرىء {نَّتَّخِذَ} على البناء للمفعول من اتخذ الذي له مفعولان كقوله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً }تفسير : [النساء: 125] ومفعوله الثاني {مِنْ أَوْلِيَاء} و {مِنْ} للتبعيض وعلى الأول مزيدة لتأكيد النفي. {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَاءَهُمْ } بأنواع النعم فاستغرقوا في الشهوات. {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذّكْرَ} حتى غفلوا عن ذكرك أو التذكر لآلائك والتدبر في آياتك، وهو نسبة للضلال إليهم من حيث إنه بكسبهم وإسناد له إلى ما فعل الله بهم فحملهم عليه، وهو عين ما ذهبنا إليه فلا ينتهض حجة علينا للمعتزلة. {وَكَانُواْ } في قضائك. {قَوْماً بُوراً} هالكين مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع، أو جمع بائر كعائذ وعوذ. {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ } التفات إلى العبدة بالاحتجاج والإِلزام على حذف القول والمعنى فقد كذبكم المعبودون. {بِمَا تَقُولُونَ } في قولكم إنهم آلهة أو هؤلاء أضلونا والباء بمعنى في، أو مع المجرور بدل من الضمير، وعن ابن كثير بالياء أي: {كَذَّبُوكُمْ } بقولهم {سُبْحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا}. {فَمَا يَسْتَطِيعُونَ} أي المعبودون وقرأ حفص بالتاء على خطاب العابدين. {صَرْفاً} دفعاً للعذاب عنكم، وقيل حيلة من قولهم إنه ليتصرف أي يحتال. {وَلاَ نَصْراً } يعينكم عليه. {وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ } أيها المكلفون. {نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً} هي النار والشرط وإن عم كل من كفر أو فسق لكنه في اقتضاء الجزاء مقيد بعدم المزاحم وفاقاً، وهو التوبة والإِحباط بالطاعة إجماعاً وبالعفو عندنا. {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} أي إلا رسلاً إنهم فحذف الموصوف لدلالة المرسلين عليه وأقيمت الصفة مقامه كقوله تعالى: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }تفسير : [الصافات: 164] ويجوز أن تكون حالاً اكتفى فيها بالضمير وهو جواب لقولهم {أية : مَّالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ }تفسير : [الفرقان: 7] وقرىء {يَمْشُونَ} أي تمشيهم حوائجهم أو الناس. {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ} أيها الناس. {لِبَعْضٍ فِتْنَةً} ابتلاء ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء، والمرسلين بالمرسل إليهم ومناصبتهم لهم العداوة وإيذائهم لهم، وهو تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه بعد نقضه، وفيه دليل على القضاء والقدر. {أَتَصْبِرُونَ} علة للجعل والمعنى {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } لنعلم أيكم يصبر ونظيره قوله تعالى: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }تفسير : [هود: 7] أو حث على الصبر على ما افتتنوا به. {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } بمن يصبر أو بالصواب فيما يبتلى به وغيره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ } القيامة {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً } ناراً مُسَعَّرَة: أي مشتدّة.
ابن عطية
تفسير : المعنى ليس بهم في تكذيبك ومشيك في الأسواق بل إنهم كفرة لا يفقهون الحق، فقوله {بل} ترك لنفس اللفظ المتقدم لا لمعناه على ما تقتضيه "بل" في مشهور معناها، {وأعتدنا} جعلنا معداً، والعتاد ما يعد من الأشياء، و"السعير" طبق من أطباق. جهنم، وقوله {إذا رأتهم} يريد جهنم، {إذا} اقتضاها لفظ السعير ولفظ {رأتهم} يحتمل الحقيقة ويحتمل المجاز على معنى صارت منهم على قدر ما يرى الرائي من البعد إلا أنه ورد حديث يقتضي الحقيقة، ويحتمل المجاز، في هذا ذكر الطبري وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ بين عيني جهنم مقعده من النار"تفسير : ، فقيل يا رسول الله أو لجهنم عينان؟ فقال: "اقرؤوا إن شتئم {إذا رأتهم من مكان بعيد} الآية، وروي في بعض الآثار أن البعد الذي تراهم منه مسيرة خمسمائة سنة، وقوله {سمعوا لها تغيظاً} لفظ فيه تجوز وذلك أن التغيظ لا يسمع وإنما المسموع ألفاظ دالة على التغيظ، وهي لا شك احتدامات في النار كالذي يسمع في نار الدنيا إذا اضطربت، ونسبة هذا المسموع الذي في الدنيا من ذلك نسبة الإحراق من الإحراق وهي سبعون درجة كما ورد في الصحيح، و"الزفير" صوت ممدود كصوت الحمار المرجع في نهيقه، قال النقاش "الزفير" آخر صوت الحمار عند نهيقه، قال عبيد بن عمير إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا خرّ ثم ترعد فرائصه، "والمكان الضيق" منها، هو يقصد إلى التضييق عليهم في المكان من النار وذلك نوع من التعذيب، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إنهم ليكرهون في النار كما يكره الوتد في الحائط" تفسير : أي يدعون لزاً وعنفاً، وقال ابن عباس تضيق عليهم كما يضيق الزج على الرمح، وقرأ ابن كثير وعبيد عن أبي عمرو "ضيقاً" بتخفيف الياء والباقون يشدّدون و {مقرنين} معناه مربوط بعضهم إلى بعض، وروي أن ذلك بسلاسل من نار، والقرينان من الثيران ما قرنا بحبل للحرث ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : إذا لم يزل حبل القرينين يلتوي فلا بد يوماً من قوى أن تجدما تفسير : وقرأ أبو شيبة المهري صاحب معاذ بن جبل رحمه الله"مقرنون" بالواو وهي قراءة شاذة، والوجه قراءة الناس، وقوله {ثبوراً} مصدر وليس بالمدعو، ومفعول {دعوا} محذوف تقديره دعوا من لا يجيبهم أو نحو هذا من التقديرات، ويصح أن يكون "الثبور" هو المدعو كما تدعى الحسرة والويل، والثبور قال ابن عباس هو الويل، وقال الضحاك هو الهلاك ومنه قول ابن الزبعرى: [الخفيف] شعر : إذ أجاري الشيطان في سنن الغـــ ــي ومن مال ميله مثبور تفسير : وقوله {لا تدعوا} إلى آخر الآية معناه يقال لهم على معنى التوبيخ والإعلام بأنهم يخلدون أي لا تقتصروا على حزن واحد بل احزنوا كثيراً لأنكم أهل لذلك.
اسماعيل حقي
تفسير : {بل كذبوا بالساعة} اى القيامة والحشر والنشر. والساعة جزء من اجزاء الزمان ويعبر بها عن القيامة تشبيها بذلك لسرعة حسابه كما قال {أية : وهو اسرع الحاسبين}تفسير : او لما نبه عليه قوله تعالى {أية : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا ساعة من نهار}تفسير : كما فى المفردات وهو اضراب عن توبيخهم بحكاية جنايتهم السابقة وانتقال منه الى توبيخهم بحاكية جنايتهم الاخرى للتخلص الى بيان ما لهم فى الآخرة بسببها من فنون العذاب {واعتدنا} هيأنا واصله اعددنا {لمن كذب بالساعة} وضع الساعة موضع ضميرها للمبالغة فى التشنيع {سعيرا} نارا عظيمة شديدة الاشتعال، قال بعض اهل الحقائق سعير الآخرة انما سعرت من سعير الدنيا وهى حرص العبد على الدنيا وملاذها.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن حال هؤلاء الكفار الذين وصفهم وذكرهم بأنهم كفروا بالله وجحدوا البعث والنشور، أنهم لم يكفروا لأنك تأكل الطعام وتمشي في الاسواق، بل لانهم لم يقروا بالبعث والنشور، والثواب والعقاب، وهو معنى قوله {بل كذبوا بالساعة} يعني بالقيامة، وما فيها من الثواب والعقاب. ثم اخبر تعالى انه اعد {لمن كذب بالساعة سعيراً} و {أعتدنا} أصله أعددنا فقلبت احدى الدالين تاء، لقرب مخرجهما. و {السعير} النار الملتهبة، يقال: اسعرتها اسعاراً، واستعرت استعاراً، وتسعرت تسعراً، وسعرها الله تسعيراً. والاسعار تهيج النار بشدة الايقاد. ثم وصف تلك النار المستعرة، فقال {إذا رأتهم من مكان بعيد} ونسب الرؤية الى النار - وانما هم يرونها - لان ذلك أبلغ، كأنها تراهم رؤية الغضبان الذي يزفر غيظاً، فهم يرونها على تلك الصفة، ويسمعون منها تلك الحال الهائلة. و (التغيظ) انتفاض الطبع لشدة نفور النفس، والمعنى صوت التغيظ من التلهب والتوقد. وقال الجبائي: معناه {إذا رأتهم} الملائكة الموكلون بالنار {سمعوا لها} للملائكة {تغيظاً وزفيراً} للحرص على عذابهم. وهذا عدول عن ظاهر الكلام مع حسن ظاهره وبلاغته من غير حاجة داعية ولا دلالة صارفة. وانما شبهت النار بمن له تلك الحال، وذلك في نهاية البلاغة. وقوله {وإذا القوا} يعني الكفار {منها} يعني من النار {مكاناً ضيقاً} أي فى مكان ضيق {مقرنين} قيل: معناه مغللين، قد قرنت أعناقهم الى ايديهم فى الاغلال، كما قال {أية : مقرنين في الأصفاد} تفسير : وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل والاغلال. وقيل يقرن الانسان والشيطان الذي كان يدعوه الى الضلال {دعوا هنالك} يعني في ذلك الموضع، يدعون {ثبوراً} قال ابن عباس: الثبور الويل، وقال الضحاك: هو الهلاك. وقيل: أصله الهلاك من قولهم ثبر الرجل إذا هلك، قال ابن الزبعري. شعر : إذا جاري الشيطان في سنن الـ ـغي فمن مال ميله مثبور تفسير : ويقال: ما ثبرك عن هذا الأمر أي ما صرفك عنه صرف المهلك عنه، فيقولوا: واإنصرفاه عن طاعة الله. وقيل: واهلاكاه. فقال الله تعالى انه يقال لهم عند ذلك {لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً} أي لا تدعوا ويلا واحداً، بل أدعوا ويلا كثيراً. والمعنى إن ذلك لا ينفعكم سواء دعوتم بالويل قليلا أو كثيراً. ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {قل} لهم يا محمد {أذلك خير} يعني ما ذكره من السعير وأوصافه خير {أم جنة الخلد} وانما قال ذلك على وجه التنبيه لهم على تفاوت مابين الحالين. وانما قال {أذلك خير أم جنة الخلد} وليس في النار خير، لأن المراد بذلك أي المنزلين خير؟! تبكتاً لهم وتقريعاً. وقوله {التي وعد المتقون} أي وعد الله بهذه الجنة من يتقي معاصيه ويخاف عقابه {كانت لهم جزاء ومصيراً} يعني الجنة مكافأة وثواباً على طاعانهم، ومرجعهم اليها ومستقرهم فيها، و {لهم فيها ما يشاؤن} ويشتهون من اللذات والمنافع {خالدين} أي مؤبدين لا يفنون فيها {كان على ربك وعداً مسؤلاً} وقيل فى معناه قولان: احدهما - ان المؤمنين يسألون الله عز وجل الرحمة فى قولهم {أية : ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا} تفسير : وقولهم: {أية : وآتنا ما وعدتنا على رسلك}. تفسير : والثاني - انه بمنزلة قولك: لك ما تمنيت مني أي متى تمنيت شيئاً فهو لك، فكذلك متى سألوا شيئاً، فهو لهم بوعد الله (عز وجل) اياهم. وقرأ ابن كثير {ضيقاً} بتخفيف الياء. الباقون بالتشديد، وهما لغتان بالتشديد والتخفيف، مثل سيد وسيد، وميت وميت. وقيل: ذلك هو الوعد المسؤل فى دار الدنيا.
الجنابذي
تفسير : {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ} اضراب من الادنى الى الاعلى يعنى كذّبوك فى رسالتك بل كذّبوا بالقيامة والآخرة الّتى هى متّفق عليها من الكلّ {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً} التّغيّظ شدّة الحرّ او هو من الغيظ بمعنى الغضب او اشدّه او سورته وتغيّظ السّعير لكون عالم الآخرة بشراشره حيّاً عالماً شاعراً محبّاً لله مبغضاً لله {وَزَفِيراً} زفير النّار صوت توقّدها.
الهواري
تفسير : قال: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ} أي: بالقيامة {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً} والسعير اسم من أسماء جهنم. قوله: {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [قيل]: مسيرة خمسمائة سنة {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظَاً} أي: عليهم {وَزَفِيراً} أي: صوتها. قوله: {وَإِذَآ أُلْقُوا مِنْهَا} أي: في النار {مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ} ذكروا عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزّجّ على الرمح، وقوله: (مُّقَرَّنِينَ)، أي: هو وشيطانه الذي كان يدعوه إلى الضلالة في سلسلة واحدة، يلعن كل منهما صاحبه، ويتبَرَّأ كل واحد منهما من صاحبه. قوله: {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً} أي: ويلاً وهلاكاً. {لاَّ تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُوراً وَاحِدَاً} ويلاً وهلاكاً واحداً {وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً} [أي: ويلاً كثيراً وهلاكاً طويلاً]. ثم قال على الاستفهام: {قُل أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخُلْدِ} أي: إن جنة الخلد خير من ذلك {التِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً} أي: بقدر أعمالهم {وَمَصِيراً} أي: يصيرون إليها وتكون لهم منزلاً ومثوى. {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ} أي: لا يموتون ولا يخرجون منها {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} أي: سأل المؤمنون الله الجنة فأعطاهم إياها. وقال بعضهم: سألت الملائكة الله للمؤمنين الجنة، وسؤالهم ذلك كان في سورة حم المؤمن إذ قالوا: (أية : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التِي وَعَدتَّهُمْ...) تفسير : إلى آخر الآية [غافر: 8]. قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَقُولُ ءَأنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هؤُلآءِ}. وهذا على الاستفهام، وقد علم أنهم لم يضلّوهم، يقوله للملائكة في تفسير الحسن. وقال مجاهد: يقوله للملائكة وعيسى وعزير. ونظير قول الحسن في هذه الآية: (أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلآئِكَةِ أَهؤُلآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ)تفسير : [سبأ: 40-41] أي: الشياطين من الجن. {أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ}.
اطفيش
تفسير : {بَلْ} خبر ابتداء لا عاطفة الا على قول من يجيز عطف الجملة بها * {كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ} يوم القيامة كأنه قال بل أتوا باعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة فقصرت افكارهم على الحطام الدنيوي وظنوا ان الكرامة بالمال فطعنوا فيك لفقرك فلذلك كذبوك لا لما تعجلوا من المطاعن الفاسدة أو فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب فيصدقونك فيما وعدك الله في الآخرة وهم لا يؤمنون بها قاله القاضي وجارالله. {وَاعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً} نارا شديدة التوقد. وقال الحسن: اسم من اسماء جهنم. وقيل: اسم الدركة من دركات النار وعليهما فالظرف باعتبار المكان.
اطفيش
تفسير : {بل كذَّبوا بالسَّاعة} اضراب انتقال كلام الى ذكرهم، بما لا يبالون معه بضلال ما، وهو التكذيب بالساعة التى يعاقبون فيها، وهى يوم القيامة، فهم لا يخافون العقاب لانتفائها عندهم، أو الى انكار ما اتفق عليه الرسل، وهو البعث أو الى تكذيب الله عز وجل، ولو كان تكذيباً له صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الله تعالى قال: "حديث : كذبنى عبدى ولم يكن له ذلك زعم أنى لا أقدر أن أعيده كما كان"تفسير : وذلك من حديث طويل فى بخارى. {وأعتدنا لمن كذَّب بالساعة} الأصل وأعتدنا لمن كذَّب بها، وأظهر بالموصول ليذكر بصلته، وهى التكذيب موجب الاعتياد، ويكرر ذكرهم بالقبيح وبالساعة، ليزيد لها فخامة أو من كذب بها يعمهم وغيرهم، فيدخلون أولا وبالذات، فيكون كالحجة كأنه اعتدنا لمن كذّب بها، وأنتم مكذبون بها {سَعيراً} ناراً مسعورة، أى موقدة، كما يدل له مقام الوعيد، واللفظ الموضوع للايعاد، كامرأة كحيل أى مكحولة، ولا حاجة الى جعله علما لجهنم، أو لدركة منها، وأنه نون مع العلمية والتأنيث للفاصلة، وأنه إذا دخلت عليه أل، فللمح الأصل وهو وصف الايقاد، ولا الى أنه صرف لتأويله بمذكر، وهو المكان، لأن ذلك كله خلاف الأصل، واذا صح أنه صرف لتأويله بمذكر، وهو المكان، لأن ذلك كله خلاف الأصل، واذا صح انه فالمراد أنه اسم تعرف به نكر، أو عرف بأل، ونعت السعير بأدة الشرط، والشرط والجواب أولاً وثانياً بالعطف إذ قال: {إذا رأتهم} أدركتهم بتمييز يخلقه الله لها، أو يجعلها عاقلة كما يحتمله قوله عز وجل: "أية : وتقول هل من مزيد"تفسير : [ق: 30] وحديث: "حديث : شكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضى بعضاً فأذن لها بنفس فى الصيف ونفس فى الشتاء"تفسير : ويحتملان لسان الحال، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده بين عينى جهنم" فقيل: يا رسول الله هل لها عين؟ قال: "أما سمعتم قوله: "إذا رأتهم من مكان بعيد" وهل تراهم إلا بعينين""تفسير : ويجوز تأويل الرؤية بالمقابلة. {من مكانٍ بعيدٍ} مسافة خمسمائة عام، أو مائة عام، أو عام روايات {سمعُوا لها} منها متعلق بسمعوا وإن أبقى على ظاهره كان حالا من قوله: {تغيظاً وزَفيراً} الزفير يسمع بخلاف التغيظ فيقدر مضاف، أى صوت تغيظ، أو يقدر سمعوا لها، وأدركوا فيصرف سمعوا الى زفير، أو ادركوا الى تغيظاً كقوله: علفتها تبناً وماءً بارداً، أو المراد بالزفير صوت لهيها، أو يقدر سمعوا لزبانيتها تغيظاً وزفيراً، وشبه صوت لهبها بصوت المغتاظ، وزفيره أو ذلك استعارة تمثيلية، والتغيظ إظهار الغيظ، والزفير اخراج النفس بصوت بعد مدة وترديده فى داخل، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى معها ملك مقرب، ولا نبى مرسل إلاَّ رعد فرائصه، حتى أن إبراهيم ليجثو على ركبتيه ويقول: يا رب لا أسألك اليوم إلاَّ نفسى ". تفسير : ويروى يستحضرها الملائكة بسبعين ألف زمام، واذا كانت بمسافة مائة عام فتطير لها قلوب الخلائق، ثم تزفر فلا يبقى ملك ولا نبى إلا جثا، ثم تزفر فتبلغ القلوب الحناجر، ويقول: ابراهيم: بخلتى لا أسألك إلا نفسى، وموسى بمناجاتى، لا أسألك إلا نفسى، وعيسى بما أكرمتنى لا أسألك إلا نفسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أمتى أمتى لا أسألك اليوم، نفسى، فيقول الله عز وجل: "حديث : لا خوف على أوليائه من أمتك، ولا حزن فوعزتى لأقرنَّ عينك ".
الالوسي
تفسير : {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ } انتقال إلى حكاية نوع آخر / من أباطيلهم متعلق بأمر المعاد وما قبل كان متعلقاً بأمر التوحيد وأمر النبوة ولا يضر في ذلك العود إلى ما يتعلق بالكلام السابق، واختلاف أساليب الحكاية لاختلاف المحكي، وما ألطف تصدير حكاية ما يتعلق بالآخرة ببل الانتقالية. وقوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً } الخ لبيان ما لهم في الآخرة بسبب أي هيأنا لهم ناراً عظيمة شديدة الاشتعال شأنها كيت وكيت بسبب تكذيبهم بها على ما يشعر به وضع الموصول موضع ضميرهم أو لكل من كذب بها كائناً من كان وهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً. ووضع الساعة موضع ضميرها للمبالغة في التشنيع، وهذا الاعتداد وإن كان ليس بسبب تكذيبهم بها خاصة بل يشاركه في السببية له ارتكابهم الأباطيل في أمر التوحيد وأمر النبوة إلا أنه لما كانت الساعة نفسها هي العلة القريبة لدخولهم السعير أشير بما ذكر إلى سببية التكذيب بها لدخولها ولم يتعرض للإشارة إلى سببية شيء آخر؛ وقيل إن من كذب بالساعة صار كالاسم لأولئك المشركين والمكذبين برسول الله صلى الله عليه وسلم والمكذبين بالساعة أي الجامعين للأوصاف الثلاثة لأن التكذيب بها أخص صفاتهم القبيحة وأكثر دوراناً على ألسنتهم إذ من الكفار من يشرك ويكذب برسول الله عليه الصلاة والسلام ولا يكذب بالساعة. فالمراد من يكذب بالساعة أولئك الصنف من الكفرة وهو كما ترى. وقيل: إن قوله تعالى {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ } عطف على قوله تعالى: { أية : قَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ } تفسير : [الفرقان: 7] الخ وإضراب عنه إلى ما هو أعجب منه على معنى أن ذلك تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم وهذا تكذيب لله سبحانه وتعالى ففي «صحيح البخاري» عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ـ إلى قوله تعالى ـ فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان » تفسير : وظاهره أن أعجبية التكذيب بالساعة لأنه تكذيب لله عز وجل، وقال بعضهم: إن الأعجبية لأنهم أنكروا قدرة الله تعالى على الإعادة مع ما شاهدوه في الأنفس والآفاق وما ارتكز في أوهامهم من أن الإعادة أهون من الإبداء وليس ذلك لأنه تكذيب الله عز وجل فإنهم لم يسمعوا أمر الساعة إلا من النبـي صلى الله عليه وسلم فهو تكذيب له عليه الصلاة والسلام فيه، وأنت تعلم أن في الحديث إشارة إلى ما ارتضاه. وقيل: اضراب عن ذاك على معنى أتوا بأعجب منه حيث كذبوا بالساعة وأنكروها والحال أنا قد اعتدنا لمن كذب بها سعيراً فإن جراءتهم على التكذيب بها وعدم خوفهم مما أعد لمن كذب بها من أنواع العذاب أعجب من القول السابق. وتعقب بأنه لا نسلم كون الجراءة على التكذيب بالساعة أعجب من الجراءة على القول السابق بعد ظهور المعجزة ولا نسلم أن انضمام عدم الخوف مما يترتب عليه إذا كان ذلك الترتب في الساعة المكذب بها يفيد شيئاً وفيه تأمل. وقيل: هو إضراب عن ذلك على معنى أتوا بأعجب منه حيث كذبوا بالساعة التي أخبر بها جميع الأنبياء عليهم السلام فالجراءة على التكذيب بها جراءة على التكذيب بهم والجراءة على التكذيب بهم أعجب من الجراءة على القول السابق. وتعقب بأن مرادهم من القول السابق نفي نبوته عليه الصلاة والسلام وتكذيبه وحاشاه ثم حاشاه من الكذب في دعواه إياها لعدم مخالفة حاله صلى الله عليه وسلم حالهم واتصافه بما زعموا منافاته للرسالة وذلك موجود ومتحقق في جميع الأنبياء عليهم السلام، فتكذيبه صلى الله عليه وسلم لذلك تكذيب لهم أيضاً فلا يكون التكذيب بالساعة على ما ذكر أعجب من تكذيب النبـي صلى الله عليه وسلم لاشتراك التكذيبين في كونهما في حكم تكذيب الكل. وقيل: هو متصل بقوله تعالى: { أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى إِن شَاء } تفسير : [الفرقان: 10] الخ الواقع جواباً لهم والمنبىء عن الوعد بالجنات والقصور في الآخرة مسوق لبيان أن ذلك لا يجدي نفعاً على طريقة قول من قال: شعر : / عوجوا لنعم فحيوا دمنة الدار ماذا تحيون من نؤى وأحجار تفسير : والمعنى أنهم لا يؤمنون بالساعة فكيف يقتنعون بهذا الجواب وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة. وقيل: إضراب عن الجواب إلى بيان العلة الداعية لهم إلى التكذيب، والمعنى بل كذبوا بالساعة فقصرت أنظارهم على الحظوظ الدنيوية وظنوا أن الكرامة ليست إلا بالمال وجعلوا خلو يدك عنه ذريعة إلى تكذيبك.
ابن عاشور
تفسير : {بل} للإضراب، فيجوز أن يكون إضرابَ انتقال من ذكر ضلالهم في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذكر ضلالهم في إنكار البعث على تأويل الجمهور قوله: {أية : إن شاء جعل لك خيراً من ذلك}تفسير : [الفرقان: 10] كما تقدم. ويجوز أن يكون اضرابَ إبطال لما تضمنه قوله: {إن شاء جعل لك خيراً من ذلك على تأويل ابن عطية من الوعد بإيتائه ذلك في الآخرة، أي بل هم لا يقنعون بأن حظ الرسول عند ربه ليس في متاع الدنيا الفاني الحقير ولكنه في خيرات الآخرة الخالدة غير المتناهية، أي أن هذا رد عليهم ومقنع لهم لو كانوا يصدّقون بالساعة ولكنهم كذبوا بها فهم متمادون على ضلالهم لا تُقنعهم الحجج. والساعة: اسم غلب على عالم الخلود، تسمية باسم مبدئه وهو ساعة البعث. وإنما قصر تكذيبهم على الساعة لأنهم كذبوا بالبعث فهم بما وراءه أحرى تكذيباً. وجملة: {وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً} معترضة بالوعيد لهم، وهو لعمومه يشمل المشركين المتحدث عنهم، فهو تذييل. ومن غرضه مقابلة ما أعد الله للمؤمنين في العاقبة بما أعده للمشركين. والسعير: الالتهاب، وهو فعيل بمعنى مفعول، أي مسعور، أي زيد فيها الوقود، وهو معامل معاملة المذكر لأنه من أحوال اللهب، وتقدم في قوله تعالى: {أية : كلما خَبَتْ زِدْناهُم سعيراً}تفسير : في سورة الإسراء (97). وقد يطلق علَماً بالغلبة على جهنم وذلك على حذف مضاف، أي ذات سعير.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار كذبوا بالساعة أي أنكروا القيامة من أصلها لإنكارهم البعث بعد الموت والجزاء، وأنه جل وعلا أعتد أي هيأ وأعد لمن كذب بالساعة: أي أنكر يوم القيامة سعيراً: أي ناراً شديدة الحر يعذبه بها يوم القيامة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً} يدل على أن التكذيب بالساعة كفر مستوجب لنار جهنم، كما سترى الآيات الدالة على ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة، وهما تكذيبهم بالساعة، ووعيد الله لمن كذب بها بالسعير جاءا موضحين في آيات أخر، أما تكذيبهم بيوم القيامة لإنكارهم البعث، والجزاء بعد الموت، فقد جاء في آيات كثيرة عن طوائف الكفار كقوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} تفسير : [الدخان: 34ـ35] وقوله تعالى: {أية : مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} تفسير : [يس: 78] إلى غير ذلك من الآيات. وأما كفر من كذب بيوم القيامة ووعيده بالنار، فقد جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} تفسير : [الجاثية: 32] إلى قوله: {أية : وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}تفسير : [الجاثية: 34] بعد قوله: {أية : قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَة} تفسير : [الجاثية: 32] الآية، يدل على أن قولهم: {مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَة} هو سبب كون النار مأواهم، وقوله بعده: {أية : ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} تفسير : [الجاثية: 35] لا ينافي ذلك لأن من اتخاذهم آيات الله هزواً تكذيبهم بالساعة، وإنكارهم البعث كما لا يخفى، وكقوله تعالى: {أية : وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} تفسير : [الرعد: 5] فقد بين جلا وعلا في هذه الآية الكريمة من سورة الرعد أن إنكارهم البعث، الذي عبروا عنه باستفهام الإنكار في قوله تعالى عنهم: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} جامع بين أمرين: الأول منهما: أنه عجب من العجب لكثرة البراهين القطعية الواضحة الدالة على ما أنكروه. والثاني منهما: وهو محل الشاهد من الآية أن إنكارهم البعث المذكور كفر مستوجب للنار وأغلالها والخلود فيها، وذلك في قوله تعالى مشيراً إلى الذين أنكروا البعث {أية : أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} تفسير : [الرعد: 5] ومعلوم أن إنكار البعث إنكار للساعة، وكقوله تعالى: {أية : فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ} تفسير : [طه: 16] أي لا يصدنك من لا يؤمن بالساعة عن الإيمان بها، فتردى: أي تهلك لعدم إيمانك بها، والردى الهلاك، وهو هنا عذاب النار بسبب التكذيب بالساعة، وقد قال تعالى: {أية : وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ} تفسير : [الليل: 11] وقوله تعالى في آية طه هذه: {أية : فَتَرْدَىٰ} تفسير : يدل دلالة واضحة على أنه إن صده من لا يؤمن بالساعة عن التصديق بها، أن ذلك يكون سبباً لرداه أي هلاكه بعذاب النار كما لا يخفى، وكقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} تفسير : [الروم: 16] فآية الروم هذه، تدل على أن الذين كذبوا بلقاء الآخرة وهم الذين كذبوا بالساعة معدودون مع الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، وأنهم في العذاب محضرون. وهو عذاب النار. والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ} أظهر الأقوال فيه عندي أنه متصل بما يليه، وأن بل فيه للإضراب الانتقالي، وقد أوضحنا معنى السعير مع بعض الشواهد العربية في أول سورة الحج، والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : (11) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ كُفَارَ قُرَيْشٍ لَمْ يُنْكِرُوا مَا جِئْتَهُمْ بِهِ من الحَقِّ، وَلَمْ يَتَقَوَّلُوا عَلَيْكَ إِلاَ لأَِنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بالبَعْثِ وَالنُشُورِ والحِسَابِ، وَلاَ يُصَدِّقُونَ بِأَمْرِ الثوابِ والعِقَابِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَتَعَلَّلُونَ بِهَذِهِ المَطَالِبِ لِيَصْرِفُوا النَّاسَ عَنِ الهُدَى والحَقِّ، وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ تَعَالَى لِمَنْ يُكَذِّبُ بالسَّاعَةِ، والقِيَامَةِ، والحَشْرِ، والحِسَابِ، والثَوَابِ، ناراً أليمةً شديدَةَ الاشْتِعَالِ. السعِيرُ - النَّارُ العظِيمَةُ الشديدةُ الاشْتِعَالِ.
الثعلبي
تفسير : {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً * إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً} أي غلياناً وفوراناً كالغضبان إذا غلا صدره من الغضب {وَزَفِيرًا} ومعنى قوله: سمعوا لها تغيّظاً أي صوت التغيّظ من التلهّب والتوقّد، وقال قطرب: التغيظ لا يُسمع وإنّما المعنى: رأوا لها تغيّظاً وسمعوا لها زفيراً. قال الشاعر: شعر : ورأيت زوجك في الوغى متقلّداً سيفاً ورمحا تفسير : أي حاملاً رمحاً. أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن خرجة قال: حدّثنا أبو جعفر بن أبي شيبة قال: حدّثني عمي أبو بكر قال: حدّثنا محمد بن يزيد عن الأصبغ بن زيد الورّاق عن خالد بن كثير عن خالد بن دريك عن رجل من أصحاب رسول الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن كذب عليّ متعمّداً فليتبّوأ بين عينَي جهنم مقعداً فقال: يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال: نعم ألم تسمع إلى قول الله سبحانه {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} ". تفسير : {وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً} قال ابن عباس: يضيق عليهم كما يضيق الزجّ في الرمح. وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا عبد الرَّحْمن بن أبي حاتم قال: قرئ على يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني نافع عن يحيى بن أبي أسيد يرفع الحديث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه سئل عن قول الله سبحانه {وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً} {مُّقَرَّنِينَ} قال: "حديث : والذي نفسي بيده إنّهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط، مقرّنين مصفّدين، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال".تفسير : ومنه قيل للحبل قَرنٌ، وقيل: مع الشياطين في السلاسل والأغلال. {دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} ويلاً عن ابن عباس، هلاكاً عن الضحّاك. روى حمّاد عن علي بن زيد عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أوّل من يُكسى حُلّة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه وهو يقول: يا ثبوره وهم ينادون ياثبورهم حتى يُصَفّوا على النار فيقال لهم {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً * قُلْ أَذٰلِكَ} الذي ذكرت من صفة النار وأهلها {خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيراً * لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} وذلك أنَّ المؤمنين سألوا ربّهم ذلك في الدنيا حين قالوا {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} [آل عمران: 194] فقال الله سبحانه كان إعطاء الله المؤمنين جنة الخلد وعداً وعدهم على طاعته إيّاه في الدنيا ومسألتهم إيّاه ذلك . تفسير : وقال بعض أهل العربية: يعني وعداً واجباً وذلك أنّ المسؤول واجب وإن لم يُسئل كالَّذين قال: ونظير ذلك قول: العرب لأُعطينّك ألفاً وعداً مسؤولاً بمعنى أنه واجب لك فتسأله. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش المقري قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل المقري قال: حدّثنا علي بن الحسين قال: حدّثنا جعفر بن مسافر قال: حدّثنا يحيى بن حسان قال: حدّثنا رشد بن عمرو بن الحرث، عن محمد بن كعب القرظي في قوله سبحانه وتعالى {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً}. قال: الملائكة تسأل لهم ذلك قولهم {أية : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ}تفسير : [غافر: 8]. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} بالياء أبو جعفر وابن كثير ويعقوب وأيوب وأبو عبيد وأبو حاتم وحفص، والباقون بالنون {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الملائكة والإنس والجنّ عن مجاهد، وقال عكرمة والضحّاك: يعني الأصنام. {فَيَقُولُ} بالنون ابن عامر، غيره: بالياء، لهؤلاء المعبودين من دون الله {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ} أي ما كان ينبغي لنا أن نوالي أعداءك بل أنت وليّنا من دونهم، وقرأ الحسن وأبو جعفر: أن نُتَّخذ بضم النون وفتح الخاء. قال أبو عبيد: هذا لا يجوز لأنَّ الله سبحانه ذكر (مِنْ) مرّتين، ولو كان كما قالوا لقال: أن نتّخذ من دونك أولياء. وقال غيرهُ: (مِنْ) الثاني صِلة. {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ} في الدنيا بالصحة والنعمة {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ} أي تركوا القرآن فلم يعملوا بما فيه، وقيل: الرسول، وقيل: الإسلام، وقيل: التوحيد، وقيل: ذكر الله سبحانه وتعالى. {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً} أي هلكى قد غلب عليهم الشقاية والخذلان، وقال الحسن وابن زيد: البور: الذي ليس فيه من الخير شيء، قال أبو عبيد: وأصله من البوار وهو الكساد والفساد ومنه بوار الأيم وبوار السلعة، وهو اسم مصدر كالزور يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمؤنث والمذكر. قال ابن الزبعرى: شعر : يا رسول المليك إنّ لساني راتق ما فتقت إذ أنا بُور تفسير : وقيل: هو جمع البائر، ويقال: أصبحت منازلهم بوراً أي خالية لا شيء فيها، فيقول الله سبحانه لهم عند تبرّي المعبودين منهم {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} أنّهم كانوا آلهة {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ} قرأه العامة بالياء يعني الآلهة، وقرأ حفص بالتاء يعني العابدين {صَرْفاً وَلاَ نَصْراً} أي صرف العذاب عنهم ولا نصر أنفسهم. وقال يونس: الصرف: الحيلة ومنه قول العرب: إنه ليتصرف أي يحتال. وقال الأصمعي: الصرف: التوبة والعدل: الفدية. {وَمَن يَظْلِم} أي يشرك {مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً * وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} يا محمد {مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ} قال أهل المعاني: إلاّ قيل أنّهم {لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} دليله قوله سبحانه {أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ}تفسير : [فصلت: 43] وقيل: معناه إلاّ من أنّهم، وهذا جواب لقول المشركين {مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7]. {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} فالمريض فتنة للصحيح، والمبتلى فتنة للمعافى، والفقير فتنة للغني، فيقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان، ويقول الفقير: لو شاء الله لجعلني غنيّاً مثل فلان، وقال ابن عباس: إنّي جعلت بعضكم بلاءً لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم وترون من خلافهم وتتبعوا الهدى بغير أن أُعطيهم عليه الدنيا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رُسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكن قدّرت أن أبتلي العباد بكم وأبتليكم بهم. أخبرنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يوسف ببخارى قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن جمعان قال: حدّثنا محمد بن موسى قال: حدّثنا القاسم بن يحيى عن الحسن بن دينار عن الحسن عن أبي الدرداء أنّه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ويل للعالم من الجاهل، ويل للجاهل من العالم، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، بعضهم لبعض فتنة فهو قوله سبحانه {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} ". تفسير : {أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} قال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي جهل والوليد بن عقبة والعاص بن وائل والنضر بن الحرث وذلك أنّهم لما رأوا أبا ذر وابن مسعود وعمار وبلالا وصهيباً وعامر بن فهيرة ومهجع مولى عمر وجبر غلام ابن الحضرمي ودونهم قالوا: أنُسلم فنكون مثل هؤلاء فانزل الله سبحانه يخاطب هؤلاء المؤمنين {أَتَصْبِرُونَ} يعني على هذه الحال من الشدّة والفقر، وكان ربك بصيراً بمن يصبر ويجزع، وبمن يؤمن وبمن لا يؤمن.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يُضرِب السياق عن الكلام السابق، ويعود إلى مسألة تكذيبهم وعدم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإيمان ليس في مصلحتهم، فالإيمان يقتضي حساباً وجزاءً، وهم يريدون التمادي في باطلهم والاستمرار في لَغْوهم واستهتارهم ومعاصيهم؛ لذلك يُكذِّبهم أنفسهم ويخدعونها ليظلوا على ما هم عليه. ولذلك ترى الذين يُسرفون على أنفسهم في الدنيا من الماديين والملاحدة والفلاسفة يتمنون أنْ تكون قضية الدين قضيةً فاسدة كاذبة، فينكرونها بكل ما لديْهم من قوة، فالدين عندهم أمر غير معقول؛ لأنهم لو أقروا به فمصيبتهم كبيرة. ومعنى: {وَأَعْتَدْنَا ..} [الفرقان: 11] هيّأنا وأعددْنا لهم سعيراً؛ لأن عدم إيمانهم بالساعة هو الذي جَرَّ عليهم العذاب، ولو أنهم آمنوا بها وبلقاء الله وبالحساب وبالجزاء لاهتَدوْا، واعتدلوا على الجادة، ولَنجَوْا من هذا السعير. والسعير: اسم للنار المسعورة التي تلتهم كل ما أمامهم، كما نقول: كَلْب مسعور، ثم يقول سبحانه في وصفها: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):