Verse. 2867 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

اِذَا رَاَتْہُمْ مِّنْ مَّكَانٍؚبَعِيْدٍ سَمِعُوْا لَہَا تَغَيُّظًا وَّزَفِيْرًا۝۱۲
Itha raathum min makanin baAAeedin samiAAoo laha taghayyuthan wazafeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا» غليانا كالغضبان إذا غلى صدره من الغضب «وزفيرا» صوتا شديدا، أو سماع التغيظ رؤيته وعلمه.

12

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً } غلياناً كالغضبان إذا غلا صدرُه من الغضب {وَزَفِيراً } صوتاً شديداً، و سماع التغيظ رؤيته وعلمه.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏إذا رأتهم من مكان بعيد‏}‏ قال‏:‏ من مسيرة مائة عام‏. وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق مكحول عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعداً من بين عيني جهنم‏". قالوا‏:‏ يا رسول الله وهل لجهنم من عين‏؟‏ قال‏: "نعم‏.‏ أما سمعتم الله يقول ‏{‏إذا رأتهم من مكان بعيد‏}‏ فهل تراهم إلا بعينين ‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق خالد بن دريك عن رجل من الصحابة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : من يقل عليَّ ما لم أقل أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً‏. قيل‏:‏ يا رسول الله وهل لها من عينين‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعتم الله يقول ‏{‏إذا رأتهم من مكان بعيد‏}‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس قال‏:‏ إن العبد ليجر إلى النار فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف، وإن الرجل من أهل النار ما بين شحمة أذنيه وبين منكبيه مسيرة سبعين سنة، وإن فيها لأودية من قيح تكال ثم تصب في فيه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير في قوله ‏{‏سمعوا لها تغيظاً وزفيرا‏ً} ‏ قال‏:‏ إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا ترعد فرائصه حتى أن إبراهيم عليه السلام ليجثو على ركبتيه ويقول‏:‏ يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي‏.‏ وأخرج ابن وهب في الأهوال عن العطاف بن خالد قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يؤتى بجهنم يومئذ يأكل بعضها بعضاً يقودها سبعون ألف ملك، فإذا رأت الناس فذلك قوله ‏{‏إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيرا‏ً} ‏ زفرت زفرة لا يبقى نبي ولا صديق إلا برك لركبتيه ويقول‏:‏ يا رب نفسي نفسي ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: أمتي‏.‏‏.‏‏.‏ أمتي‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مغيث بن سمي قال‏:‏ ما خلق الله من شيء إلا وهو يسمع زفير جهنم غدوة وعشية، إلا الثقلين الذين عليهم الحساب والعقاب‏. وأخرج آدم بن أبي اياس في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏إذا رأتهم من مكان بعيد‏} ‏ قال‏:‏ من مسيرة مائة عام وذلك إذا أتي بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام يشد بكل زمام سبعون ألف ملك، لو تركت لأتت على كل بر وفاجر ‏ {‏سمعوا لها تغيظاً وزفيرا‏ً} ‏ تزفر زفرة لا يبقى قطرة من دمع إلا بدرت، ثم تزفر الثانية فتنقطع القلوب من أماكنها، وتبلغ القلوب الحناجر‏. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن كعب قال‏:‏ إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين في صعيد واحد، ونزلت الملائكة صفوفاً فيقول الله لجبريل‏:‏ ائت بجهنم، فيأتي بها تقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق، ثم تزفر زفرة ثانية، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثى لركبتيه، ثم تزفر الثالثة، فتبلغ القلوب الحناجر، وتذهل العقول، فيفزع كل أمرىء إلى عمله حتى أن إبراهيم عليه السلام يقول‏:‏ بخلتي لا أسألك إلا نفسي‏.‏ ويقول موسى‏:‏ بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي‏.‏ ويقول عيسى‏:‏ بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني‏.‏ ومحمد صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ أمتي‏.‏‏.‏‏.‏أمتي‏.‏‏.‏‏.لا أسألك اليوم نفسي.‏ فيجيبه الجليل جل جلاله ألا إن أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏.‏ فوعزتي لا قرن عينك في أمتك، ثم تقف الملائكة بين يدي الله تعالى ينتظرون ما يؤمرون‏.‏

ابو السعود

تفسير : قولُه تعالى: {إِذَا رَأَتْهُمْ} الخ صفة للسَّعيرِ أي إذا كانت بمرأى الناظرِ في البُعد كقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : لا تَتَراءَى نارَاهُما » تفسير : أيْ لا تتقاربانِ بحيثُ تكونُ إحدهُما بمرأى مِن الأُخرى على المجاز كأنَّ بعضَها يرى البعضَ. ونسبةُ الرُّؤيةِ إليها لا إليهم للإيذان بأنَّ التَّغيظَ والزَّفيرَ منها لهيجان غضبِها عليهم عند رُؤيتها إيَّاهم حقيقةً أو تمثيلاً. ومِن في قوله تعالى: {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} إشعارٌ بأنَّ بُعدَ ما بـينهما وبـينهم من المسافة حين رأتهُم خارجٌ عن حدود البُعدِ المعتاد في المسافات المعهودةِ وفيه مزيدُ تهويلٍ لأمرها. قال الكَلْبـيُّ والسُّدِّيُّ: من مسيرةِ عامٍ وقيل: من مسيرة مائةِ سنةٍ {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} أي صوتُ تغيظٍ على تشبـيه صوتِ غليانها بصوتِ المُغتاظِ وزفيرِه وهو صوتٌ يُسمع من جوفِه. هذا وإن الحياةَ لمَّا لم تكُن مشروطةً عندنا بالبنية أمكن أنْ يخلقَ الله تعالى فيها حياةً فترى وتتغيظُ وتزفرُ، وقيل: إنَّ ذلك لزبانيتها فنُسب إليها على حذفِ المضافِ. {وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً} نُصبَ على الظَّرفَّيةِ ومنها حالٌ منه لأنَّه في الأصلِ صفةٌ له {ضَيّقاً} صفةٌ لمكاناً مفيدةٌ لزيادة شدَّةٍ فإنَّ الكَرْبَ مع الضَّيقِ كما أنَّ الرَّوحَ مع السَّعةِ، وهو السِّرُّ في وصف الجنَّةِ بأنَّ عرضَها السَّمواتُ الأرضُ. وعن ابن عبَّاس وابنِ عُمر رضي الله تعالى عنهم: تضيقُ جهنَّمُ عليهم كما يضيقُ الزُّجُّ على الرُّمحِ. وسُئل النبـيُّ عليه الصَّلاة والسَّلامُ عن ذلك فقال: « حديث : والذي نفسي بـيدهِ إنَّهم ليُستكرهون في النَّارِ كما يُستكرِه الوَتِدُ في الحائطِ »تفسير : . قال الكلبـيُّ: الأسفلُون يرفعهم اللَّهبُ والأعْلوَن يحطُّهم الدَّاخلونَ فيزدحمُون فيها. وقُرىء ضَيْقاً بسكون الياء. {مُقْرِنِينَ} حالٌ من مفعول أُلقوا أي أُلقوا منها مكاناً ضَيِّقاً حالَ كونِهم مقرَّنين قد قُرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامَع وقيل: مقرَّنين مع الشَّياطين في السَّلاسلِ، كلُّ كافرٍ مع شيطانٍ وفي أرجلهم الأصفادُ {دَعَوْاْ هُنَالِكَ} أي في ذلك المكانِ الهائلِ والحالةِ الفظيعةِ {ثُبُوراً} أي يتمنَّون هلاكاً وينادُونه يا ثبُوراه تعالَ فهذا حِينُك وأوانُك. {لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وٰحِداً} على تقدير قول إمَّا منصوبٌ على أنَّه حالٌ من فاعلِ دَعَوا أي دَعَوه مقُولاً لهم ذلك حقيقة بأنْ يخاطبهم الملائكةُ به لتنبـيههم على خلودِ عذابِهم وأنَّهم لا يُجابون إلى ما يَدْعُونه ولا ينالون ما يتمنَّونه من الهلاكِ المنجِّي، أو تمثيلاً وتصويراً لحالهم بحال مَن يُقال له ذلك من غير أنْ يكونَ هناك قولٌ ولا خطابٌ أي دَعَوه حالَ كونِهم أحِقَّاءَ بأنْ يُقال لهم ذلك. وإمَّا مُستأنفٌ وقع جواباً عن سؤال ينسحبُ عليه الكلامُ كأنَّه قيل: فماذَا يكونُ عند دُعائِهم المذكورِ فقيل يُقال لهم ذلك إقناطاً مَّما علَّقوا به أطماعَهم من الهلاك وتنبـيهاً على أنَّ عذابهم الملجيءَ لهم إلى استدعاء الهلاكِ بالمَّرةِ أبديٌّ لا خلاصَ لهم منه أيْ لا تقتصِرُوا على دُعاء ثبورٍ واحدٍ {وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً} أي بحسب كثرة الدُّعاء المتعلِّق به لا بحسب كثرتِه في نفسِه فإنَّ ما يدعونَه ثبورٌ واحدٌ في حدِّ ذاته لكنه كلَّما تعلَّق به دعاءٌ من تلك الأدعية الكثيرةِ صارَ كأنَّه ثبورٌ مغايرٌ لما تعلَّق به دعاءٌ آخرُ منها وتحقيقُه لا تدعُوه دُعاءً واحداً وادعُوه أدعيةً كثيرةً فإنَّ ما أنتُم فيه من العذابِ لغايةِ شدَّتِه وطولِ مُدَّتِه مستوجبٌ لتكرير الدُّعاءِ في كلِّ آنٍ وهذا أدلُّ على فظاعة العذابِ وهوله جعل تعدد الدُّعاءِ وتجدده لتعدد العذاب بتعدد أنواعه وألوانِه أو لتعدُّدِه بتجدُّدِ الجلودِ كما لا يَخْفى. وأمَّا ما قيل: مِن أنَّ المعنى إنَّكم وقعتُم فيما ليس ثبورُكم فيه واحداً إنَّما هو ثبورٌ كثيرٌ، إمَّا لأنَّ العذابَ أنواعٌ وألوانٌ كلُّ نوعٍ منها ثبورٌ لشدَّتِه وفظاعتِه أو لأنَّهم كلمَّا نضجتْ جلودُهم بُدِّلوا غيرَها فلا غاية لهلاكِهم فلا يلائم المقامَ كيف لا وهُم إنَّما يدعُون هَلاَكاً ينهي عذابَهم ويُنجيِّهم منه فلا بُدَّ أنْ يكونَ الجوابُ إقناطاً لهم من ذلك ببـيانِ استحالتِه ودوام ما يوجبُ استدعاءَه من العذاب الشَّديدِ، وتقيـيدُ النَّهي والأمر باليوم لمزيد التَّهويل والتَّفظيعِ والتَّنبـيهِ على أنَّه ليس كسائر الأيَّامِ المعهُودةِ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً}. فوحشةُ النارِ توجد من مسافة بعيدة قبل شهودِها والامتحان بها، ونسيمُ الجنةَ يوجد قبل شهودِها والدخولِ فيها، والنار تُسَجَّر منذ سنين قبل المحترقين بها، والجنة تُزَيَّن منذ سنين قَبْلَ المسْتَمتِعين بها. وكذَبَ مَنْ أحال وجودهما قبل كون سكانهما وقطانهما من المنتفعين أو المعاقبين، لأن الصادق أخبر عن صفاتهما التي لا تكون إلا بموجود حيث قال: {وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً}. راحةُ الجنة مقرونة بسعتها، ووحشة النار مقرونة بضيقها، فيُضيِّق عليهم مكانَهم، ويضيِّق عليهم قلوبهم، ويضيق عليهم أوقاتهم. ولو كانت حياتُهم تبطل وكانوا يتخلصون منها لم يكن البلاء كاملاً، ولكنها آلام لا تتناهى، ومِحَنٌ لا تنقضي؛ كلما راموا فرجةً قيل لهم: فلن نزيدكم إلا عذاباً.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذا رأتهم} صفة للسعير اى اذا كانت تلك السعير بمرأى منهم وقابلتهم بحيث صاروا بازائها كقولهم دارى تنظر دارك اى تقابلها فاطلق الملزوم وهو الرؤية واريد اللازم وهو كون الشىء بحيث يرى والانتقال من الملزوم الى اللازم مجاز {من مكان بعيد} هو اقصى مايمكن ان يرى منه قيل من المشرق الى المغرب وهى خمسمائة عام، وفيه اشارة بان بعد مابينها وبينهم من المسافة حين رأتهم خارج عن حدود البعد المعتاد من المسافات المعهودة {سمعوا لها تغيظا} اى صوت تغيظ على تشبيه صوت غليانها بصوت المغتاظ اى الغضبان اذا غلى صدره من الغيظ فعند ذلك يهمهم والهمهمة ترديد الصوت فى الصدر، قال ابن الشيخ يقال اما رأيت غضب الملك اذا رأى ما يدل عليه فكذا ههنا ليس المسموع التغيظ وهو اشد الغضب بل ما يدل عليه من الصوت، وفى المفردات التغيظ اظهار الغيظ وهو اشد الغضب وقد يكون ذلك مع صوت مسموع والغضب هو الحرارة الى يجدها الانسان من ثوران دم قلبه {وزفيرا} وهو صوت يسمع من جوفه واصله ترديد النفس حتى ينتفخ الضلوع منه، قال عبيد بن عمير ان جهنم لتزفر زفرة لايبقى نبى مرسل ولا ملك مقرب الا خرّ لوجهه ترعد فرائصهم حتى ان ابراهيم عليه السلام ليجثوا على ركبتيه ويقول يارب يارب لا اسألك الا نفسى، قال اهل السنة البنية ليست شرطا فى الحياة فالنار على ماهى عليه يجوز ان يخلق الله فيها الحياة والعقل والرؤية والنطق، يقول الفقير وهو الحق كا يدل عليه قوله تعالى {أية : وان الدار الآخرة لهى الحيوان}تفسير : فلا احتياج الى تأويل امثال هذا المقام.

اطفيش

تفسير : {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانِ بَعِيدٍ} اي إذا كانت بمرأى منهم كقولهم (دورهم تتراءى وتتناظر). وقوله صلى الله عليه وسلم: في المؤمن والمشرك (لا تترأى نارهما) اي لا يتقاربان بل بحيث تكون احداهما بمرأى من الأخرى على المجاز فان النار ليست رائية والمراد في الحديث تباعد المؤمن عن المشرك والمكان البعيد اقصى ما ترى منه وقيل المراد هنا مسيرة عام. وقيل: مائة عام وتجوز ان تكون الرؤيا حقيقة بان يخلق الله تعالى للنار حياة وعقلا ورؤية. وقيل: على حذف مضاف اي رأتهم زبانيتها وقيل بينما الناس في بالمحشر إِذ جيء بجهنم فيراها الخلق كلهم قيل من مسير خمسمائة عام عليها سبعون الف زمام على كل زمام سبعون الف ملك يحبسونها عن الخلق وجوههم كالجمر واعينهم كالبرق فاذا تكلم احدهم تناثرت من فيه النار بيد كل ملك مرزبة عليها سبعون ألف رأس كامثال الجبال وهي اخف في يده من الريشة لها رؤوس كرؤوس الحيات واعينهم زرق تريد ان تنقلب على الخلائق من غضب الله عز وجل ويقول الجبار جل جلاله يا جبريل ائت بجهنم فيأتي بها فيقول اجيبي خالقك فطارت وزفرت على الخلائق وشهقت غضبا على من عصى الله ويسمع الخلائق وانتفضت خزنتها متواثبين على الخلائق غضبا على من خالف امر الله فتساقطوا جثما على ركبهم وولوا مدبرين وترى كل امة جاثية وسقط بعضهم على بعض منكوسين على الوجوه وينادي الظالم بالويل والثبور وينادي الصديق نفسي نفسي لذلك الزفير الشديد كما قال الله سبحانه. {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} التغيظ الغليان وهو مما يسمع فلا حاجة إلى قول بعض ان سماع (التغيظ) علمه الا انه قيل (التغيظ) غير الغليان مما لا يسمع والزفير الصوت. وقيل: الرؤية والتغيظ والزفير لزبانتيها (ولها) حال من {تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} أو اللام بمعنى (من) فتعلق بـ (سَمِعُوا) وبينما الناس كذلك إذ زفرت النار زفرة ثانية يتساقطون منها على وجوههم ثم زفرة ثالثة يتساقطون عليها ايضا ثم يشخصون بابصارهم ينظرون من طرف خفي فعند ذلك تنشب قلوب الظالمين في حناجرهم وتذهل عقول السعداء والاشقياء جميعا. ويقال: اذا اجتمعت الخلائق ببيت المقدس زفرت جهنم فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خرّ لوجهه وظن انه لو جاء بعمل سبعين نبيا ما نجا فعند ذلك تاهت عقول المرسلين فيقال لهم: ماذا أجبتم؟ فيقولون لا علم لنا ثم رجعت عقولهم فيشهدون بالتبليغ على قومهم.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {إِذَا رَأَتْهُمْ } إِلى آخره صفة للسعير والتأنيث باعتبار النار، وقيل لأنه علم لجهنم كما روي عن الحسن. وفيه أنه لو كان كذلك لامتنع دخول أل عليه ولمنع من الصرف للتأنيث والعلمية. وأجيب بأن دخول أل للمح الصفة وهي تدخل الأعلام لذلك كالحسن والعباس وبأنه صرف للتناسب ورعاية الفاصلة، أو لتأويله بالمكان وتأنيثه هنا للتفنن، وإسناد الرؤية إليها حقيقة على ما هو الظاهر وكذا نسبة التغيظ والزفير فيما بعد إذ لا امتناع في أن يخلق الله تعالى النار حية مغتاظة زافرة على الكفار فلا حاجة إلى تأويل الظواهر الدالة على أن لها إدراكاً كهذه الآية، وقوله تعالى: { أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } تفسير : [ق: 30] وقوله صلى الله عليه وسلم كما في «صحيح البخاري»: « حديث : شكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف » تفسير : إلى غير ذلك، وإذا صح ما أخرجه الطبراني وابن مردويه من طريق مكحول عن أبـي أمامة قال: « حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من بين عيني جهنم قالوا: يا رسول الله هل لجهنم من عين؟ قال: نعم أما سمعتم الله تعالى يقول: {إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } فهل تراهم إلا بعينين » تفسير : كان ما قلناه هو الصحيح. وإسنادها إليها لا إليهم للإيذان بأن التغيظ والزفير منها لهيجان غضبها عليهم عند رؤيتها إياهم. {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } هو أقصى ما يمكن أن يرى منه، وروي أنه هنا مسيرة خمسمائة عام. وأخرج آدم بن أبـي إياس في «تفسيره» عن ابن عباس أنه مسيرة مائة عام وحكي ذلك عن السدى والكلبـي وروي أيضاً عن كعب، وقيل: مسيرة سنة وحكاه الطبرسي عن الإمام أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه، ونسبه في «إرشاد العقل السليم» إلى السدي والكلبـي {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً } أي صوت تغيظ ليصح تعلق السماع به. وفي «مفردات الراغب» الغيظ أشد الغضب والتغيظ هو إظهار الغيظ وقد يكون ذلك مع صوت مسموع كما في هذه الآية. وقيل: أريد بالسماع مطلق الإدراك كأنه قيل: أدركوا لها تغيظاً {وَزَفِيراً } هو إِخراج النفس بعد مده على ما في «القاموس»، وقال الراغب: هو ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه وشاع استعماله في نفس صوت ذلك النفس، ولا شبهة في أنه مما يتعلق به السماع ولذا استشكلوا تعلق السماع بالتغيظ دون الزفير فأولوا لذلك بما سمعت، وقال بعضهم: إن ما ذكر من قبيل قوله: شعر : ورأيت زوجك قد غدا متقلداً سيفاً ورمحاً تفسير : وهو بتقدير سمعوا لها وأدركوا تغيظاً وزفيراً ويعاد كل إلى ما يناسبه. ومن الناس من قال: الكلام خارج مخرج المبالغة بجعل التغيظ مع أنه ليس من المسموعات مسموعاً، والتنوين فيه وفي {زفيراً} للتفخيم. وقد جاء في الآثار ما يدل على شدة زفيرها أعاذنا الله تعالى منها، ففي خبر أخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم / بسند صحيح عن ابن عباس أنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. وأخرج ابن المنذر وابن جرير وغيرهما عن عبيد بن عمير أنه قال في قوله تعالى: {سَمِعُواْ لَهَا } الخ: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبـي مرسل إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم عليه السلام ليجثو على ركبتيه ويقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي. وأخرج أبو نعيم عن كعب قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله تعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد فنزلت الملائكة صفوفاً فيقول الله تعالى لجبريل عليه السلام: ائت بجهنم فيأتي بها تقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق ثم زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهل العقول فيفزع كل امرىء إلى عمله حتى إن إبراهيم عليه السلام يقول: بخلتي لا أسألك إلا نفسي ويقول موسى عليه السلام: بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي ويقول عيسى عليه السلام: بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني ومحمد صلى الله عليه وسلم يقول: أمتى أمتى لا أسألك اليوم نفسي فيجيبه الجليل جل جلاله إن أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فوعزتي لأقرن عينك ثم تقف الملائكة عليهم السلام بين يدي الله تعالى ينتظرون ما يؤمرون وهذه الأخبار ظاهرة في أن النار هي التي تزفر وأن الزفير على حقيقته. وزعم بعضهم أن زفيرها صوت لهيبها واشتعالها، وقيل: إن كلاً من الرؤية والتغيظ والزفير لزبانيتها ونسبته إليها على حذف المضاف ونقل ذلك عن الجبائي، وقيل: إن قوله تعالى: {رَأَتْهُمْ } من قوله صلى الله عليه وسلم ( حديث : إن المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما ) تفسير : وقولهم: دورهم تتراءى وتتناظر كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل الاستعارة بالكناية والمجاز المرسل، وجوز أن يكون من باب التمثيل، وأياً ما كان فالمراد إذا كانت بمرأى منهم، وقوله سبحانه: {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً } على تشبيه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وفيه استعارة تصريحية أو مكنية وجوز أن تكون تمثيلية، وقد ذكر هذا التأويل الزمخشري مقدماً له؛ وذكر بعض الأئمة أن هذا مذهب المعتزلة لأنهم جعلوا البينة شرطاً في الحياة. وفي «الكشف» الأشبه أن ذلك ليس لأن البنية شرط ومن أين العلم بأن بنية نار الآخرة بحيث لا تستعد للحياة بل لأنه لا بد من ارتكاب خلاف الظاهر من جعل الشيء المعروف جماديته حياً ناطقاً فكان خبراً على خلاف المعتاد أو الحمل على المجاز التمثيلي الشائع في كلامهم لا سيما في كلام الله تعالى ورسله عليهم السلام وإذ لاح الوجه فكن الحاكم في ترك الظاهر إلى هذا أو ذاك. وفتح هذا الباب لا يجر إلى مذهب الفلاسفة كما توهم صاحب «الانتصاف» ولا يخالف تعبدنا بالظواهر فإن ما يدعونه أيضاً ليس بظاهر انتهى، وأنت تعلم بعد الإغماض عن المناقشة فيما ذكر أن الحمل على الحقيقة هنا أبلغ في التهويل ولعله يهون أمر الخبر على خلاف المعتاد؛ وهذا إن لم يصح الخبر السابق أما إذا صح فلا ينبغي العدول عما يقتضيه وليس لأحد قول مع قوله صلى الله عليه وسلم فإنه الأعلم بظاهر الكتاب وخافيه.

ابن عاشور

تفسير : تخلص من اليأس من اقتناعهم إلى وصف السعير الذي أعد لهم، وأجري على السعير ضمير {رأتهم} بالتأنيث لتأويل السعير بجهنم إذ هو علم عليها بالغلبة كما تقدم. وإسناد الرؤية إلى النار استعارة والمعنى: إذا سيقوا إليها فكانوا من النار بمكان ما يرى الرائي من وصل إليه سمعوا لها تغيظاً وزفيراً من مكان بعيد، ويجوز أن يكون معنى: {رأتهم} رآهم ملائكتها أطلقوا منافذها فانطلقت ألسنتها بأصوات اللهيب كأصوات المتغيظ وزفيره فيكون إسناد الرؤية إلى جهنم مجازاً عقلياً. والتغيظ: شدة الغيظ. والغيظ: الغضب الشديد، وتقدم عند قوله: {أية : عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} تفسير : في سورة آل عمران (119). فصيغة التفعل هنا الموضوعة في الأصل لتكلف الفعل مستعملة مجازاً في قوته لأن المتكلف لفعل يأتي به كأشد ما يكون. والمراد به هنا صوت المتغيظ، بقرينة تعلقه بفعل: {سمعوا} فهو تشبيه بليغ. والزفير: امتداد النفَس من شدة الغيظ وضيق الصدر، أي صوتاً كالزفير فهو تشبيه بليغ أيضاً. ويجوز أن يكون الله قد خلق لجهنم إدراكاً للمرئيات بحيث تشتد أحوالها عند انطباع المرئيات فيها فتضطرب وتفيض وتتهيأ لالتهام بعثها فتحصل منها أصوات التغيظ والزفير فيكون إسناد الرؤية والتغيظ والزفير حقيقة، وأمور العالم الأخرى لا تقاس على الأحوال المتعارفة في الدنيا. وعلى هذين الاحتمالين يحمل ما ورد في القرآن والحديث نحو قوله تعالى: {أية : يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد}تفسير : [ق: 30]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء» تفسير : رواه في «الموطأ»: زاد في رواية مسلم: «حديث : فما ترون من شدة البرد فذلك من زمهريرها وما ترون من شدة الحر فهو من سَمُومها»تفسير : . وجُعل إزجاؤهم إلى النار من مكان بعيد زيادة في الكناية بهم لأن بعد المكان يقتضي زيادة المشقة إلى الوصول ويقتضي طول الرعب مما سمعوا. ووصف وصولهم إلى جهنم من مكان بعيد ووضعهم فيها بقوله: {وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرَّنين دعوا هنالك ثبوراً} فصيغ نظمه في صورة توصيف ضجيج أهل النار من قوله: {دعوا هنالك ثبوراً}، وأدمج في خلال ذلك وصف داخل جهنم ووصف وضع المشركين فيها بقوله: {مكاناً ضيقاً} وقوله: {مقرنين} تفنناً في أسلوب الكلام. والإلقاء: الرمي. وهو هنا كناية عن الإهانة. وانتصب {مكاناً} على نزع الخافض، أي في مكان ضيّق. وقرأ الجمهور {ضيقاً} بتشديد الياء، وقرأه ابن كثير {ضيْقاً} بسكون الياء وكلاهما للمبالغة في الوصف مثل: ميّت وميْت، لأن الضيّق بالتشديد صيغة تمكُّن الوصف من الموصوف، والضيْق بالسكون وصف بالمصدر. و{مقرنين} حال من ضمير {ألقوا} أي مقرَّناً بعضهم في بعض كحال الأسرى والمساجين أن يُقرن عدد منهم في وثاق واحد، كما قال تعالى: {أية : وآخرين مقرنين في الأصفاد}تفسير : [ص: 38]. والمقرَّن: المقرون، صيغت له مادة التفعيل للإشارة إلى شدة القرن. والدعاء: النداء بأعلى الصوت، والثبور: الهلاك، أي نادوا: يا ثبورنا، أو واثبوراه بصيغة الندبة، وعلى كلا الاحتمالين فالنداء كناية عن التمني، أي تمنوا حلول الهلاك فنادوه كما ينادى من يُطلب حضوره، أو ندبوه كما يندب من يتحسر على فقده، أي تمنوا الهلاك للاستراحة من فظيع العذاب. وجملة: {لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً} إلى آخرها مقولة لقول محذوف، أي يقال لهم، ووصف الثبور بالكثير إما لكثرة ندائه بالتكرير وهو كناية عن عدم حصول الثبور لأن انتهاء النداء يكون بحضور المنادَى، أو هو يأس يقتضي تكرير التمني أو التحسر.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن النار يوم القيامة، إذا رأت الكفار من مكان بعيد: أي في عرصات المحشر أشتدّ غيظها على من كفر بربها، وعلا زفيرها فسمع الكفار صوتها من شدة غيظها، وسمعوا زفيرها. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة بين بعضه في سورة الملك، فأوضح فيها شدة غيظها على من كفر بربها، وأنهم يسمعون لها أيضاً شهيقاً مع الزفير الذي ذكره في آية الفرقان، هذه، وذلك في قوله تعالى: {أية : إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ} تفسير : [الملك: 7ـ8] أي يكاد بعضها ينفصل عن بعض من شدة غيظها، على من كفر بالله تعالى. وللعلماء أقوال في معنى الزفير والشهيق، وأقربها، أنهما يمثلهما معاً صوت الحمار في نهيقه، فأوله زفير، وآخره الذي يردده في صدره شهيق. والأظهر أن معنى قوله تعالى: {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً} أي سمعوا غليانها من شدة غيظها، ولما كان سبب الغليان التغيظ أطلقه عليه، وذلك أسلوب عربي معروف. وقال بعض أهل العلم: {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً}: أي أدركوه، والإدراك يشمل الرؤية والسمع، وعلى هذا فالسمع مضمن معنى الإدراك، وما ذكرنا أظهر. وقال القرطبي: قيل المعنى إذا رأتهم جهنم سمعوا لها صوت التغيظ عليهم، ثم ذكر في آخر كلامه أن هذا القول هو الأصح. مسألة اعلم أن التحقيق أن النار تبصر الكفار يوم القيامة، كما صرح الله بذلك في قوله تعالى: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} ورؤيتها إياهم من مكان بعيد، تدل على حدة بصرها كما لا يخفى، كما أن النار تتكلم كما صرح الله به في قوله: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30] والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، كحديث محاجة النار مع الجنة، وكحديث اشتكائها إلى ربها، فأذن لها في نفسين، ونحو ذلك، ويكفي في ذلك أن الله جل وعلا صرح في هذه الآية، أنها تراهم وأن لها تغيظاً على الكفار، وأنها تقول: هل من مزيد. واعلم أن ما يزعمه كثير من المفسرين وغيرهم، من المنتسبين للعلم من أن النار لا تبصر، ولا تتكلم، ولا تغتاظ. وأن ذلك كله من قبيل المجاز، أو أن الذي يفعل ذلك خزنتها كله باطل ولا معول عليه لمخالفته نصوص الوحي الصحيحة بلا مستند، والحق هو ما ذكرنا. وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم على أن النصوص من الكتاب والسنة، لا يجوز صرفها عن ظاهرها إلا لدليل يجب الرجوع إليه، كما هو معلوم في محله. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: "إن القول بأن النار تراهم هو الأصح، ثم قال لما رُوِيَ مرفوعاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كَذَبَ عليَّ متعمداً فليتبوَّأ بين عيني جهنم مقعداً. قيل يا رسول الله أو لَها عينان؟ قال: أو ما سمعتم الله عزَّ وجلَّ يقول: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} يخرج عنق من النار له عينان تبصران ولسان ينطق فيقول: وكلت بكل من جعل مع الله إلهاً آخر فهو أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه" تفسير : وفي رواية "يخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم" ذكره رزين في كتابه، وصححه ابن العربي في قبسه، وقال: أي تفصلهم عن الخلق في المعرفة، كما يفصل الطائر حب السمسم عن التربة، وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق فيقول: إني وكلت بثلاث: بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر وبالمصورين" تفسير : وفي الباب عن أبي سعيد قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي. وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج الطبراني، وابن مردويه من طريق مكحول، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعداً من بين عيني جهنم. قالوا يا رسول الله: وهل لجهنم من عين؟ قال: نعم أما سمعتم الله يقول: إذا رأتهم من مكان بعيد. فهل تراهم إلا بعينين" تفسير : وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق خالد بن دريك، عن رجل من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يقل عليَّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً قيل: يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال: نعم أما سمعتم الله يقول: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيد} إلى آخر كلامه"تفسير : ، وفيه شدة هول النار، وأنها تزفر زفرة يخاف منها جميع الخلائق. نرجو الله جل وعلا أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل.

د. أسعد حومد

تفسير : (12) - وإذَا أصْبَحَتْ جَهَنَّمُ مِنْهُمْ عَلَى مَرَأى النَّظَرِ، وَهُمْ فِي المحشَرِ، بَعِيدُونَ عَنْهَا، سَمِعُوا لَهَا صَوْتاً يُشْبِهُ صَوْتَ المَغِيظِ المُحْنَقِ، لِشِدَّةِ تَوقُّدِهَا، وَيُشْبِهُ صَوْتَ الزَّفِيرِ الذي يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الحزِينِ المَكْرُوبِ المُتَحَسِّرِ. تَغَيُّظاً - صَوْتَ غليانٍ كصوتِ المُتَغَيِّظِ. زَفِيراً - صَوتاً شَدِيداً كَصَوْتِ الزَّافِرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يريد الحق - تبارك وتعالى - أن يُشخِّص لنا النار، فهي ترى أهلها من بعيد، وتتحرّش بهم تريد من غَيْظها أنْ تَثِبَ عليهم قبل أنْ يصلوا إليها. والتغيُّظ: ألم وجداني في النفس يجعل الإنسان يضيق بما يجد، ومن ذلك نسمع مَنْ يقول: (أنا ح أطق من جنابي)، يعني: نتيجة ما بداخله من الغيظ لا يتسع له جوفه، وما دام الغيظ فوق تحمُّل النفس وسِعَتها فلا بُدَّ أن يشعر الإنسان بالضيق، وأنه يكاد ينفجر. لذلك يقول تعالى عن النار في موضع آخر {أية : تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ}تفسير : [الملك: 8] تميّز يعني: تكاد أبعاضها تنفصل بعضها عن بعض. لكن، لماذا تميَّز النار من الغيظ؟ قالوا: لأن الكون كله مُسبِّح لله حامد شاكر لربه؛ لذلك يُسَرُّ بالطائع ويحبه، ويكره العاصي، أَلاَ ترى أن الوجود كله قد فرح لمولد النبي صلى الله عليه وسلم، فرح لمولده الجمادُ والنباتُ والحيوانُ واستبشر، لأنه صلى الله عليه وسلم جاء ليعيد للإنسان انسجامه مع الكون المخلوق له، ويعدل الميزان. ومع ذلك نرى من البشر العقلاء أصحاب الاختيار مَنْ يكفر، لذلك تغتاظ النار من هؤلاء الذين شذُّوا عن منظومة التسبيح والتحميد ورَضُوا لأنفسهم أن يكونوا أَدْنى من الجماد والنبات والحيوان، ومن ذلك يقولون: نَبَا بهم المكان من كفرهم، يعني الأماكن من الأرض تُنكرهم وتتضايق من وجودهم عليها، كما تفرح الأرض بالطائع وتحييه؛ لأنه منسجم معها، المكان والمكين ينتظمان في منظومة التسبيح والطاعة. لذلك يُنبِّهنا إلى هذه المسألة الإمام علي - رضي الله عنه - فيقول: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض، أما في الأرض فموضع مُصلاَّه؛ لأنه حُرِم من صلاته، وأما موضعه في السماء فمصعد عمله الطيب. والحق - تبارك وتعالى - يُظهر لنا هذه الصورة في قوله سبحانه: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}تفسير : [ق: 30]. فالنار تتشوّق لأهلها كالذي يأكل ولا يشبع، فمهما أُلْقِي فيها من العصاة تقول: {أية : هَلْ مِن مَّزِيدٍ}تفسير : [ق: 30]. ومعنى {وَزَفِيراً ..} [الفرقان: 12] النفَس الخارج. وفي موضع آخر يقول تعالى: {أية : إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ}تفسير : [الملك: 7] فذكر أن لها شهيقاً وزفيراً، وهي في المكان الضيق.

همام الصنعاني

تفسير : 2080- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن مجاهد، عن عبيد عن عمير الليثي في قوله تعالى: {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً}: [الآية: 12]، أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى ملك ولا نبيٌّ، إلا خَرَّ ترعد فَرَائصه، حتى أن إبراهيم عليه السلام، ليجثو علَى ركبتيه، فيقول: أي رب، إني لا أسألك اليوم إلا نفسِي.