Verse. 2870 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

قُلْ اَذٰلِكَ خَيْرٌ اَمْ جَنَّۃُ الْخُلْدِ الَّتِيْ وُعِدَ الْمُتَّقُوْنَ۝۰ۭ كَانَتْ لَہُمْ جَزَاۗءً وَّمَصِيْرًا۝۱۵
Qul athalika khayrun am jannatu alkhuldi allatee wuAAida almuttaqoona kanat lahum jazaan wamaseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل أذلك» المذكور من الوعيد وصفة النار «خير أم جنة الخلد التي وعد» ها «المتقون كانت لهم» في علمه تعالى «جزاءً» ثوابا «ومصيرا» مرجعا.

15

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما وصف حال العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة، فقال لرسوله: {قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ } أن يلتمسوها بالتصديق والطاعة، فإن قيل: كيف يقال العذاب خير أم جنة الخلد، وهل يجوز أن يقول العاقل السكر أحلى أم الصبر؟ قلنا هذا يحسن في معرض التفريع، كما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فيضربه ضرباً وجيعاً، ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟ المسألة الثانية: احتج أصحابنا بقوله: {وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } على أن الثواب غير واجب على الله تعالى، لأن من قال السلطان وعد فلاناً أن يعطيه كذا، فإنه يحمل ذلك على التفضيل، فأما لو كان ذلك الإعطاء واجباً لا يقال إنه وعده به، أما المعتزلة فقد احتجوا به أيضاً على مذهبهم قالوا لأنه سبحانه أثبت ذلك الوعد للموصوفين بصفة التقوى، وترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فكذا يدل هذا على أن ذلك الوعد إنما حصل معللاً بصفة التقوى، والتفضيل غير مختص بالمتقين فوجب أن يكون المختص بهم واجباً. المسألة الثالثة: قال أبو مسلم: جنة الخلد هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء، كالشكر والشكور قال الله تعالى: { أية : لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً } تفسير : [الإنسان: 9] فإن قيل: الجنة اسم لدار الثواب وهي مخلدة فأي فائدة في قوله: {جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ }؟ قلنا الإضافة قد تكون للتمييز وقد تكون لبيان صفة الكمال، كما يقال الله الخالق البارىء، وما هنا من هذا الباب. أما قوله: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيراً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: المعتزلة احتجوا بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من وجهين: الأول: أن اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق، فأما الوعد بمحض التفضيل فإنه لا يسمى جزاء، والثاني: لو كان المراد من الجزاء الأمر الذي يصيرون إليه بمجرد الوعد فحينئذ لا يبقى بين قوله: {جَزَاء } وبين قوله: {مَصِيراً } تفاوت فيصير ذلك تكراراً من غير فائدة. قال أصحابنا رحمهم الله لا نزاع في كونه {جَزَاء }، إنما النزاع في أن كونه جزاء ثبت بالوعد أو بالاستحقاق، وليس في الآية ما يدل على التعيين. المسألة الثانية: قالت المعتزلة الآية تدل على أن الله تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة من وجهين: الأول: أن صاحب الكبيرة يستحق العقاب فوجب أن لا يكون مستحقاً للثواب، لأن الثواب هو النفع الدائم الخالص عن شوب الضرر، والعقاب هو الضرر الدائم الخالص عن شوب النفع، والجمع بينهما محال، وما كان ممتنع الوجود امتنع أن يحصل استحقاقه، فإذن متى ثبت استحقاق العقاب وجب أن يزول استحقاق الثواب فنقول: لو عفا الله عن صاحب الكبيرة لكان إما أن يخرجه من النار ولا يدخله الجنة، وذلك باطل بالإجماع لأنهم أجمعوا على أن المكلفين يوم القيامة، إما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار، لأنه تعالى قال: { أية : فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [الشورى: 7] وإما أن يخرجه من النار ويدخله الجنة وذلك باطل لأن الجنة حق المتقين لقوله تعالى: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيراً } فجعل الجنة لهم ومختصة بهم وبين أنها إنما كانت لهم لكونها جزاء لهم على أعمالهم فكانت حقاً لهم، وإعطاء حق الإنسان لغيره لا يجوز، ولما بطلت الأقسام ثبت أن العفو غير جائز أجاب أصحابنا لم لا يجوز أن يقال: المتقون يرضون بإدخال الله أهل العفو في الجنة؟ فحينئذ لا يمتنع دخولهم فيها، الوجه الثاني: قالوا: المتقي في عرف الشرع مختص بمن اتقى الكفر والكبائر، وإن اختلفنا في أن صاحب الكبيرة هل يسمى مؤمناً أم لا، لكنا اتفقنا على أنه لا يسمى متقياً، ثم قال في وصف الجنة إنها كانت لهم جزاء ومصيراً وهذا للحصر، والمعنى أنها مصير للمتقين لا لغيرهم، وإذا كان كذلك وجب أن لا يدخلها صاحب الكبيرة، قلنا أقصى ما في الباب أن هذا العموم صريح في الوعيد فتخصه بآيات الوعد. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيراً، لكنها بعد ما صارت كذلك، فلم قال الله تعالى: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيراً }؟ جوابه من وجهين: الأول: أن ما وعد الله فهو في تحققه كأنه قد كان والثاني: أنه كان مكتوباً في اللوح قبل أن يخلقهم الله تعالى بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم. أما قوله تعالى: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ خَـٰلِدِينَ } فهو نظير قوله: { أية : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } تفسير : [فصلت: 31] وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لا بد وأن يريدوها، فإذا سألوها ربهم، فإن أعطاهم إياها لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة، وإن لم يعطها قدح ذلك في قوله: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ } وأيضاً فالأب إذا كان ولده في درجات النيران وأشد العذاب إذا اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب فلا بد وأن يسأل ربه أن يخلصه منه، فإن فعل الله تعالى ذلك قدح في أن عذاب الكافر مخلد، وإن لم يفعل قدح ذلك في قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } وفي قوله: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ } وجوابه: أن الله تعالى يزيل ذلك الخاطر عن قلوب أهل الجنة بل يكون اشتغال كل واحد منهم بما فيه من اللذات شاغلاً عن الالتفات إلى حال غيره. المسألة الثانية: شرط نعيم الجنة أن يكون دائماً، إذ لو انقطع لكان مشوباً بضرب من الغم ولذلك قال المتنبي: شعر : أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا تفسير : ولذلك اعتبر الخلود فيه فقال: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ خَـٰلِدِينَ }. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ } كالتنبيه على أن حصول المرادات بأسرها لا يكون إلا في الجنة فأما في غيرها فلا يحصل ذلك، بل لا بد في الدنيا من أن تكون راحاتها مشوبة بالجراحات، ولذلك قال عليه السلام: «حديث : من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق، فقيل وما هو يا رسول الله؟ فقال سرور يوم»تفسير : . أما قوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: كلمة (على) للوجوب قال عليه السلام: « حديث : من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى » تفسير : فقوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ } يفيد أن ذلك واجب على الله تعالى، والواجب هو الذي لو لم يفعل لاستحق تاركه بفعله الذم، أو أنه الذي يكون عدمه ممتنعاً، فإن كان الوجوب على التفسير الأول كان تركه محالاً، لأن تركه لما استلزم استحقاق الذم واستحقاق الله تعالى الذم محال، ومستلزم المحال محال كان ذلك الترك محالاً والمحال غير مقدور، فلم يكن الله تعالى قادراً على أن لا يفعل فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل، وإن كان الوجوب على التفسير الثاني وهو أن يقال الواجب ما يكون عدمه ممتنعاً يكون القول بالإلجاء لازماً، فلم يكن الله قادراً، فإن قيل إنه ثبت بحكم الوعد، فنقول لو لم يفعل لانقلب خبره الصدق كذباً وعلمه جهلاً وذلك محال، والمؤدي إلى المحال محال فالترك محال فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل والملجأ إلى الفعل لا يكون قادراً، ولا يكون مستحقاً للثناء والمدح، تمام السؤال وجوابه: أن فعل الشيء متقدم على الإخبار عن فعله وعن العلم بفعله، فيكون ذلك الفعل فعلاً لا على سبيل الإلجاء، فكان قادراً ومستحقاً للثناء والمدح. المسألة الثانية: قوله: {وَعْداً } يدل على أن الجنة حصلت بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق وقد تقدم تقريره. المسألة الثالثة: قوله: {مَسْؤُولاً } ذكروا فيه وجوهاً أحدها: أن المكلفين سألوه بقولهم: { أية : رَبَّنَا وآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ } تفسير : [آل عمران: 194]، وثانيها: أن المكلفين سألوه بلسان الحال لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعته كان ذلك قائماً مقام السؤال، قال المتنبي: شعر : وفي النفس حاجات وفيك فطانة سكوتي كلام عندها وخطاب تفسير : وثالثها: الملائكة سألوا الله تعالى ذلك بقولهم: { أية : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } تفسير : [غافر: 8] ورابعها: {وَعْداً مَسْؤُولاً } أي واجباً، يقال لأعطينك ألفاً وعداً مسؤولاً أي واجباً وإن لم تسأل، قال الفراء. وسائر الوجوه أقرب من هذا لأن سائر الوجوه أقرب إلى الحقيقة، وما قاله الفراء مجاز وخامسها: مسؤولاً أي من حقه أن يكون مسؤولاً لأنه حق واجب، إما بحكم الاستحقاق على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِي وَعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ}. إن قيل: كيف قال {أَذَلِك خَيْرٌ} ولا خير في النار؛ فالجواب أن سيبويه حكى عن العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة، وقد علم أن السعادة أحبّ إليه. وقيل: ليس هو من باب أفعل منك، وإنما هو كقولك: عنده خير. قال النحاس: وهذا قول حسن؛ كما قال:شعر : فشرُّكما لخير كما الفِداء تفسير : قيل: إنما قال ذلك لأن الجنة والنار قد دخلتا في باب المنازل؛ فقال ذلك لتفاوت ما بين المنزلتين. وقيل: هو مردود على قوله: {تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ} الآية. وقيل: هو مردود على قوله: {أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا}. وقيل: إنما قال ذلك على معنى عِلمكم واعتقادكم أيها الكفار؛ وذلك أنهم لما كانوا يعملون عمل أهل النار صاروا كأنهم يقولون إن في النار خيراً. قوله تعالى: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} أي من النعيم. {خَالِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} قال الكلبيّ: وعد الله المؤمنين الجنة جزاءً على أعمالهم، فسألوه ذلك الوعد فقالوا: {أية : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ}تفسير : [آل عمران: 194]. وهو معنى قول ابن عباس. وقيل: إن الملائكة تسأل لهم الجنة؛ دليله قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ} تفسير : [غافر: 8]الآية. وهذا قول محمد ابن كعب القُرظِي. وقيل؛ معنى {وَعْداً مَسْئُولاً} أي واجباً وإن لم يكن يسأل كالدَّين؛ حكي عن العرب: لأعطينك ألفاً. وقيل: {وَعْداً مَسْئُولاً} يعني أنه واجب لك فتسأله. وقال زيد بن أسلم: سألوا الله الجنة في الدنيا ورغِبوا إليه بالدعاء، فأجابهم في الآخرة إلى ما سألوا وأعطاهم ما طلبوا. وهذا يرجع إلى القول الأول.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: يا محمد هذا الذي وصفناه لك من حال أولئك الأشقياء الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، فتتلقاهم بوجه عبوس وبغيظ وزفير، ويلقون في أماكنها الضيقة مقرنين، لا يستطيعون حراكاً ولا استنصاراً ولا فكاكاً مما هم فيه، أهذا خير أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من عباده، التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاء ومصيراً على ماأطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} من الملاذ من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب ومناظر، وغير ذلك مما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد، وهم في ذلك خالدون أبداً دائماً سرمداً بلا انقطاع ولا زوال ولا انقضاء، ولا يبغون عنها حولاً، وهذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم، وأحسن به إليهم، ولهذا قال: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} أي: لابد أن يقع وأن يكون؛ كما حكاه أبو جعفر بن جرير عن بعض علماء العربية: أن معنى قوله: {وَعْداً مَّسْئُولاً} أي: وعداً واجباً. وقال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} يقول: سلوا الذي واعدتكم ــــ أو قال: واعدناكم ــــ ننجز وعدهم وتنجزوه، وقال محمد بن كعب القرظي في قوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً}: إن الملائكة تسأل لهم ذلك {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ} وقال أبو حازم: إذا كان يوم القيامة، قال المؤمنون: ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا، فأنجز لنا ما وعدتنا، فذلك قوله: {وَعْداً مَّسْئُولاً} وهذا المقام في هذه السورة من ذكر النار، ثم التنبيه على حال أهل الجنة، كما ذكر تعالى في سورة الصافات حال أهل الجنة وما فيها من النضرة والحبور، ثم قال: {أية : أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةً لِّلظَّـٰلِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ فَإِنَّهُمْ لأَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ عَلَىٰ ءَاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} تفسير : [الصافات: 62 ــــ 70].

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ أَذٰلِكَ } المذكور من الوعيد وصفة النار {خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وُعِدَ }ها {ٱلْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ } في علمه تعالى {جَزَآءً } ثواباً {وَمَصِيراً } مرجعاً.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} يعني من النعيم فأما المعاصي فتصرف عن شهواتهم. {خَالِدِينَ} يعني في الثواب كخلود أهل النار في العقاب. {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه وعد الله لهم بالجزاء فسألوه الوفاء فوفاه، وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: الملائكة تسأل الله لهم فيجابون إلى مسألتهم، وهو معنى قول محمد بن كعب القرظي. الثالث: أنه سألوا الله الجنة في الدنيا ورَغِبُوا إليه بالدعاء فأجابهم في الآخرة إلى ما سألوا وأعطاهم ما طلبوا، وهو معنى قول زيد بن أسلم.

ابن عطية

تفسير : المعنى {قل} يا محمد لهؤلاء الكفرة الذين هم بسبيل مصير إلى هذه الأحوال من النار، {أذلك خير أم جنة الخلد}؟ وهذا على جهة التوقيف والتوبيخ، ومن حيث كان الكلام استفهاماً جاز فيه مجيء لفظ التفضيل بين الجنة والنار في الخير لأن الموقف جائز له أن يوقف محاورة على ما يشاء ليرى هل يجيبه بالصواب أو بالخطأ، وإنما يمنع سيبويه وغيره من التفضيل بين شيئين لا اشتراك بينهما في المعنى الذي فيه تفضيل إذا كان الكلام خبراً لأنه فيه محالية، وأما إذا كان استفهاماً فذلك سائغ، وقيل الإشارة بقوله {أذلك} إلى الجنات التي تجري من تحتها الأنهار وإلى القصور التي في قوله {أية : تبارك الذي إن شاء جعل لك} تفسير : [الفرقان: 10]، وهذا على أن يكون الجعل في الدنيا وقيل الإشارة بقوله {أذلك خير} إلى الكنز والجنة التي ذكر الكفار. قال الفقيه الإمام القاضي : والأصح إن شاء الله أن الإشارة بقوله {أذلك} إلى النار كما شرحناه آنفاً، و {المتقون} في هذه الآية من اتقى الشرك فإنه داخل في الوعد، ثم تختلف المنازل في الوعد بحسب تقوي المعاصي، وقوله {وعداً مسؤولاً} يحتمل معنيين وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وابن زيد إنه مسؤول لأن المؤمنين سألوه أو يسألونه، وروي أن الملائكة سألت الله نعيم المتقين فوعدهم بذلك، قال محمد بن كعب هو قول الملائكة ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم، والمعنى الثاني ذكره الطبري عن بعض أهل العربية أن يريد وعداً واجباً قد حتمه فهو لذلك معد أن يسأل ويقتضي وليس يتضمن هذا التأويل أن أحداً سأل الوعد المذكور.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ} المعنى: قل يا محمدُ لهؤلاء الكفرة الصائرين إلى هذه الأحوال من النار: أذلك خير أم جَنَّةُ الخلد، وهذا استفهام على جِهَةِ التوقيف والتوبيخ؛ لأَنَّ الموقِفَ جائز له أنْ يُوقِفَ مُحَاوِرَهُ على ما شاء؛ ليرى هل يجيبه بالصواب أو بالخطإِ. وقوله تعالى: «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ» يعني الكفار، {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يريد كل شيء عُبِدَ من دون اللّه، وقرأ ابن عامر: «فَنَقُولُ» بالنون، قال جمهور المفسرين: والموقف المجيب كل من ظلم بأن عُبِدَ مِمَّنْ يعقل كالملائكة وعيسى وعزير وغيرهم، وقال الضَّحَّاكُ وعِكْرِمَةُ: الموقف المجيب: الأصنام التي لا تَعْقِلُ يقدرها اللّه تعالى على هذه المقالة، ويجيء خزيَ الكفرة لذلك أبلغ، وقرأ الجمهور: «نَتَّخِذَ» ـــ بفتح النون ـــ، وذهبوا بالمعنى إلى أَنَّه مِنْ قول مَنْ يَعْقِلُ، وأَنَّ هذه الآية بمعنى التي في سورة سبإ: {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ} تفسير : الآية [سبأ:40]. وكقول عيسى: {أية : مَا قُلتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} تفسير : [المائدة:117]. وقولهم: {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ} أي: ما ذكر به الناس على ألسنة الأنبياء - عليهم السلام -، وقرأ زيد بن ثابت وجماعة: «نُتَّخَذَ» ـــ بضم النون ـــ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ} الآية. لما وصف العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة فقال: "أَذَلِكَ خَيْرٌ". فإن قيل: كيف يقال: العذاب خير أم جنة الخلد؟ وهل يجوز أن يقول العاقل: السكر أحلى أم الصبر؟ فالجواب: هذا يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ويقول له: أهذا خير أم ذلك؟ فصل قال أبو مسلم: جنة الخلد: هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء كالشكر والشكور، قال تعالى: {أية : لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} تفسير : [الإنسان: 9]. فإن قيل: الجنة اسم لدار مخلدة، فأي فائدة في قوله: "جَنَّةُ الخُلْدِ"؟ فالجواب: الإضافة قد تكون للتبيين، وقد تكون لبيان صفات الكمال، كقوله تعالى: {أية : ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِئ} تفسير : [الحشر: 24] وهذا من هذا الباب. فصل احتج المعتزلة بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من وجهين: الأول: اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق، فأما الموعود بمحض التفضيل فلا يسمى جزاء. والثاني: لو كان المراد بالجزاء ما صرتُم إليه بمجرد الوعد فلا يبقى بين قوله: "جَزَاءً" وبين قوله: "مَصِيراً" تفاوت، فيصير ذلك تكريراً من غير فائدة. والجواب: أنه لا نزاع في كونه جزاء إنما النزاع في أن كونه جزاء ثبت بالوعد أو بالاستحقاق، وليس في الآية ما يدل على التعيين. فإن قيل: إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيراً لكنها بعد ما صارت كذلك، فلم قال الله {كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيراً}؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن ما وعده فهو في تحققه كأنه قد كان؛ ولأنه قد كان مكتوباً في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم الله بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم (ومصيراً). قوله: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} هو نظير قوله: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ} تفسير : [فصلت: 31]، {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ} تفسير : [الزخرف: 71]. فإن قيل: أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لا بد وأن يريدوها، فإذا سألوها ربهم، فإن أعطاها لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة، وإن لم يعطها قدح ذلك في قوله {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ}، وأيضاً فالأب إذا كان ولده في دركات النيران وأشد العذاب فلو اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب، (فلا بد وأن يسأل ربه أن يخلصه منه)، فإن فعل قدح ذلك في أن عذاب الكافر مخلد، وإن لم يفعل قدح ذلك في قوله: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ} تفسير : [فصلت: 31]، وفي قوله: ({لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ}). والجواب أن الله تعالى يزيل هذا الخاطر عن قلوب أهل الجنة ويشتغلون بما هم فيه من اللذات عن الالتفات إلى حال غيرهم. قوله: "خَالِدينَ" منصوب على الحال، إما من فاعل "يَشَاءونَ" وإما من فاعل "لَهُمْ"، لوقوعه خبراً، والعائد على "ما" محذوف، أي: لهم فيها الذي يشاءونه حال كونهم خالدين. قوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ} في اسم "كَانَ" وجهان: أحدهما: أنه ضمير "ما يشاءون" ذكره أبو البقاء. والثاني: أن يعود على الوعد المفهوم من قوله "وُعِدَ المُتَّقُونَ". و"مَسْؤولاً" على المجاز، يسأل هل وفى لك أم لا، أو يسأله من وعد به. فصل قوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} يدل على أن الجنة حصلت بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق كما تقدم. وقوله: "مَسْؤولاً" أي: مطلوباً، قيل: إن المتقين سألوا ربهم في الدنيا فقالوا: {أية : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} تفسير : [آل عمران: 194] وقال محمد بن كعب القرظي: الملائكة سألوا ربهم للمؤمنين بقولهم: {أية : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ} تفسير : [غافر: 8]. وقيل: إن المكلفين سألوه بلسان الحال؛ لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعة الله كان ذلك قائماً مقام السؤال، قال المتنبي: شعر : 3867- وَفِي النَّفْسِ حَاجَاتٌ وَفِيكَ فَطَانَةٌ سُكُوتِي كَلاَمٌ عَنْدَهَا وَخِطَابُ تفسير : وقيل: "وَعْداً مَسؤولاً" أي: واجباً وإن لم يسأل. قاله الفراء وقيل: "مَسْؤولاً" أي: من حقه أن يكون مسؤولاً، لأنه حق واجب إما بحكم الاستحقاق على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة.

البقاعي

تفسير : ولما كانت عادتهم تجويز الممكن من كل ما يحذرون منه من الخلق، اقتضى الحال سؤالهم: هل أعدوا لما هددوا به من الخالق عدة أم لا؟ في سياق الاستفهام عن المفاضلة بينه وبين ما وعده المتقون، تنبيهاً على أنه أعلى رتبة من الممكن فإنه واقع لا محالة، وتهكماً بهم، فقال تعالى: {قل أذلك} أي الأمر العظيم الهول الذي أوعدتموه من السعير الموصوفة. ولما كانت عادة العرب في بيان فضل الشيء دون غيره الإتيان بصيغة أفعل تنبيهاً على أن سلب الخير عن مقابله لا يخفى على أحد، أو يكون ذلك على طريق التنزل و إرخاء العنان، تنبيهاً للعاقل على أنه يكفيه في الرجوع عن الغي طروق احتمال لكون ما هو عليه مفضولاً قال: {خير أم جنة الخلد} أي الإقامة الدائمة {التي وعد المتقون} أي وقع الوعد الصادق المحتم بها، ممن وعده هو الوعد، للذين خافوا فصدقوا بالساعة جاعلين بينهم وبين أهوالها وقاية مما أمرتهم به الرسل؛ ثم حقق تعالى أمرها تأكيداً للبشارة بقوله: {كانت} أي تكونت ووجدت بإيجاده سبحانه {لهم جزاء} على تصديقهم وأعمالهم {ومصيراً*} أي مستقراً ومنتهى، وذلك مدح لجزائهم لأنه إذا كان في محل واسع طيب كان أهنأ له وألذ كما أن العقاب إذا كان في موضع ضيق شنيع كان أنكى وأوجع، وهو استفهام تقريع وتوبيخ لمن كان يعقل فيجوز الممكنات. ولما ذكر تعالى نعيمهم بها ذكر، تنعمهم فيها فقال: {لهم فيها} أي الجنة خاصة لا في غيرها {ما يشاؤون} من كل ما تشتهيه أنفسهم {خالدين} لا يبغون عنه حولاً {كان} أي ذلك كله {على ربك} أي المحسن إليك بالإحسان إلى أتباعك {وعداً}. ولما أشار سبحانه إلى إيجاب ذلك على نفسه العظيمة بالتعبير بـ "على" والوعد، وكان الإنسان لا سيما مجبولاً على عزة النفس، لا يكاد يسمح بأن يسأل فيما لا يحقق حصوله، قال: {مسئولاً*} أي حقيقاً بأن يسأل إنجازه، لأن سائله خليق بأن يجاب سؤاله، وتحقق ظنونه وآماله، فالمعنى أنه إذا انضاف إلى تحتيمه الشيء على نفسه سؤال الموعود به إياه، أنجز لا محالة، وهو من وادي {أية : أجيب دعوة الداع إذا دعان}تفسير : [البقرة: 186] وفيه حث عظيم على الدعاء، وترجية كبيرة للإجابة، كما وعد بذلك سبحانه في {أية : أجيب دعوة الداع}تفسير : [البقرة: 186] و {أية : ادعوني أستجب لكم}تفسير : [غافر: 60] وإن لم ير الداعي الإنجاز فإن الأمر على ما رواه الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى المنذري: بأسانيد جيدة - والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إِما أن يجعل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذن نكثر؟ قال: الله أكثرتفسير : وللحاكم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه فيقول: عبدي! إني أمرتك أن تدعوني، ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني؟ فيقول: نعم! يا رب فيقول: أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجيب لك؟ أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك؟ فيقول: نعم! يا رب! فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجاً؟ قال: نعم! يا رب فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها؟ فيقول: نعم! يا رب! فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها؟ فيقول:نعم! يارب! فيقول أني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخر له في الآخرة، فيقول المؤمن في ذلك المقام: يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه" تفسير : ولابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد - عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد"تفسير : وللترمذي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة"تفسير : وللبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي تفسير : . وفي رواية لمسلم والترمذي: حديث : لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء"تفسير : . قال المنذري: يستحسر أي يمل ويعيى فيترك الدعاء - انتهى. وقد فهم من الآية ومن الحديث في استثناء الإثم وقطيعة الرحم أن ما لا مانع من سؤاله موعود بإجابته ونواله، فليدع الإنسان به موقناً بالإجابة. ولما ذكر لهم حالهم في الساعة معه سبحانه، أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم من دونه، فقال بالالتفات إلى مظهر العظمة على قراءة الجماعة: {ويوم} أي قل لهم ما أمرتك به، واذكر لهم يوم {يحشرهم} أي المشركين، بما لنا من العظمة التي نبرزها في ذلك اليوم، من القبور؛ وقرأ أبو جعفر وابن كثير ويعقوب وحفص عن عاصم بالياء التحتية فيكون الضمير للرب {وما يعبدون} أي من الملائكة والإنس والجن وغيرهم ممن يعقل وممن لا يعقل؛ ونبه على سفول رتبتهم عن ذلك وعدم أهليتهم بقوله: {من دون الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له، وذكرها بلفظ "ما" إشارة إلى أن ناطقها وصامتها جماد بل عدم بالنسبة إليه سبحانه بما أشار إليه التعبير بالاسم الأعظم الدال على جميع الكمال، مع أن "ما" موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم وإن كان أكثر استعماله في غير العقلاء، وعبر سبحانه بقوله: {فيقول} بإعادة ضمير الغيبة بعد التعبير بنون العظمة في "نحشر" في قراءة غير ابن عامر لتقدم الجلالة الشريفة، تحقيقاً للمراد وتصريحاً به، وإعلاماً بأن المراد بالنون العظمة لا جمع، وقرأ ابن عامر بالنون موحداً الأسلوب: {أنتم} أي أيها المعبودات! بإيلاء الهمزة الضمير سؤالاً عن المضل، لأن ضلال العبدة معروف لا يسأل عنه {أضللتم} بالقهر والخداع والمكر {عبادي هؤلاء} حتى عبدوكم كما في الآية الأخرى {أية : ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون}تفسير : [سبأ: 40] في أمثالها من الآيات كما في الحديث القدسي: حديث : إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاحتالهم الشياطينتفسير : . {أم}. ولما كان السؤال - كما مضى - عن الفاعل لا عن الفعل، كان لا بد من قوله: {هم} أي باختيار منهم لإهمالهم استعمال ما أعطيتهم من قويم العقل وسديد النظر {ضلوا} وأوصل الفعل بدون "عن" كما في هداة الطريق بدون "إلى" لكثرة الدور، وللإشارة إلى قوة الفعل فقال: {السبيل*} أي الذي نهجته ونصبت عليه الأدلة القاطعة، البراهين الساطعة {قالوا} أي المعبودات الحي منهم والجماد، المطيع والعاصي: {سبحانك} أي تنزهت عن أن ينسب إلى غيرك قدرة على فعل من الأفعال. ولما أنتج التنزيه أنهم لا فعل لغيره سبحانه، عبروا عنه بقولهم: {ما كان ينبغي} أي يصح ويتصور {لنا أن نتخذ} أي نتكلف أن نأخذ باختيارنا من غير إرادة منك {من دونك} وكل ما سواك فهو دونك {من أولياء} أي ينفعوننا، فإنا مفتقرون إلى من ينفعنا لحاجتنا وفقرنا، فكيف نترك من بيده كل شيء وهو أقرب إلينا في كل معنى من معاني الولاية من كل شيء من العلم والقدرة وغيرهما إلى من لا شيء بيده، وهو أبعد بعيد من كل معنى من معاني الولاية، فلو تكلفنا جعله قريباً لم يكن كذلك، وهذه عبارة صالحة سواء كانت من الصالحين ممن عبد من الأنبياء والملائكة أو غيرهم، فإن كانت من الصالحين فمعناها: ما كان ينبغي لنا ذلك فلم نفعله وأنت أعلم، كما قال تعالى {أية : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس}تفسير : [آل عمران: 79] الآية؛ وإن كانت من الجمادات فالمعنى: ما كنا في حيز من يقدر على شيء من ذلك، ولكن فعلوه بطراً؛ وإن كانت من مثل فرعون فالمعنى: ما كان لنا هذا، ولكن هم أنزلونا هذه المنزلة بمجرد دعائنا لهم كما يقول إبليس - فما كان لنا عليهم من سلطان إلا أن دعوناهم فاستجابوا، وذلك لعدم نظرهم في حقائق الأمور، فألقى الكل إلى الله يومئذ السلم، فثبت أنهم ليسوا في تلك الرتبة التي أنزلوهم إياها، وفائدة السؤال مع شمول علمه تعالى تبكيت المعاندين وزيادة حسراتهم وأسفهم، وتغبيط المؤمنين إذا سمعوا هذا الجواب، هذا مع ما في حكايته لنا من الموعظة البالغة، وقراءة ابي جعفر بالبناء للمفعول بضم النون وفتح الخاء واضحة المعنى، أي يتخذنا أحد آلهة نتولى أموره. ولما كان المعنى: إنا ما أضللناهم، أما إذا قدر من الملائكة ونحوهم فواضح، وأما من غيرهم فإن المضل في الحقيقة هو الله، وفي الظاهر بطرهم النعمة، واتباعهم الشهوات التي قصرت بهم عن إمعان النظر، وأوقفتهم مع الظواهر، حسن الاستدراك بقوله: {ولكن} أي ما أضللناهم نحن، وإنما هم ضلوا بإرادتك لأنك أنت {متعتهم وآباءهم} في الحياة الدنيا بما تستدرجهم به من لطائف المنن، وأطلت أعمارهم في ذلك {حتى نسوا الذكر} الذي لا ينبغي أن يطلق الذكر على غيره، وهو الإيمان بكل ما أرسلت به سبحانك رسلك برهان ما يعرفه كل عاقل من نفسه بما وهبته من غريزة العقل من أنه لايصح بوجه أن يكون الإله إلا واحداً، ما بين العاقل وبين ذكر ذلك إلا يسير تأمل، مع البراءة من شوائب الحظوظ والحاصل أنك سببت لهم أسباباً لم يقدروا على الهداية معها، فأنت الملك الفعال لما تريد، لا فعل لأحد سواك {وكانوا} في علمك بما قضيت عليهم في الأزل {قوماً بوراً*} هلكى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏كانت لهم جزاء‏} ‏ أي من الله ‏{‏ومصيرا‏ً} ‏ أي منزلا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن يسار قال‏:‏ قال كعب الأحبار‏:‏ من مات وهو يشرب الخمر لم يشربها في الآخرة وإن دخل الجنة قال عطاء‏:‏ فقلت له‏:‏ فإن الله تعالى يقول ‏{‏لهم فيها ما يشاءون‏}‏ قال كعب‏:‏ إنه ينساها فلا يذكرها‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏كان على ربك وعداً مسئولا‏ً} ‏ يقول‏:‏ سلوا الذي وعدتكم تنجزوه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي من طريق سعيد بن هلال عن محمد بن كعب القرظي في قوله ‏ {‏كان على ربك وعداً مسئولا‏ً}‏ قال‏:‏ إن الملائكة تسأل لهم ذلك في قولهم ‏{أية : ‏وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم‏}‏ ‏تفسير : [‏غافر: 8‏] قال سعيد‏:‏ وسمعت أبا حازم يقول‏:‏ إذا كان يوم القيامة قال المؤمنون: ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا، فانجز لنا ما وعدتنا‏.‏ فذلك قوله ‏{‏وعداً مسئولا‏ً}‏ ‏.‏

ابو السعود

تفسير : {قُلْ} تقريعاً لهم وتهكُّماً بهم وتحسيراً على ما فاتَهم {أَذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذُكر من السَّعير باعتبار اتَّصافها بما فُصِّل من الأحوال الهائلة، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بكونها في الغاية القاصيةِ من الهول والفظاعةِ أي قُل لهم أذلك الذي ذُكر من السَّعير التي أعتدت لمن كذَّب بالسَّاعة وشأنُها كيتَ وكيتَ وشأنُ أهلِها ذيتَ وذيتَ {خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وَعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} أي وُعدها المتَّقون. وإضافةُ الجَّنةِ إلى الخُلد للمدحِ وقيل: للتَّميـيز عن جنَّاتِ الدُّنيا. والمرادُ بالمتَّقين المتَّصفون بمطلق التقَّوى لا بالمرتبة الثَّانيةِ أو الثَّالثةِ منها فَقَطْ {كَانَتْ} تلك الجَّنةُ {لَهُمْ} في علم الله تعالى أو في اللَّوح المحفوظِ أو لأنَّ ما وعده الله تعالى فهو كائنٌ لا محالةَ فحُكي تحقُّقه ووقوعُه {جَزَاء} على أعمالِهم حسبما مرَّ من الوعد الكريم {وَمَصِيراً} ينقلبون إليه. {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ} أي ما يشاءونه من فنُون الملاذِّ والمُشتَهيات وأنواع النَّعيمِ كما في قولِه تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } تفسير : [فصلت: 31] ولعلَّ كلَّ فريقٍ منهم يقتنعُ بما أُتيح له من درجات النَّعيم ولا تمتدُّ أعناقُ هممِهم إلى ما فوق ذلك من المراتبِ العاليةِ فلا يلزم الحرمانُ ولا تساوي مراتبِ أهلِ الجنانِ {خَـٰلِدِينَ} حالٌ من الضَّمير المستكِّنِ في الجارِّ والمجرورِ لاعتماده على المبتدأ وقيل: من فاعل يشاءون {كَانَ} أي ما يشاؤنه وقيل: الوعدُ المدلولُ عليه بقوله تعالى وُعد المتقَّون {عَلَىٰ رَبّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} أي موعُوداً حقيقيَّا بأنْ يُسألَ ويُطلبَ لكونِه مَّما يتنافسُ فيه المُتنافسون أو مسؤولاً لا يسألُه النَّاسُ في دُعائهم بقولِهم ربنا وآتنا ما وعدتنا على رُسلك أو الملائكة بقولهم ربنا وأدخلهم جنَّاتِ عدن التي وعدتهم، وما في على من معنى الوجوبِ لامتناع الخُلفِ في وعدِه تعالى ولا يلزم منه الإلجاءُ إلى الإنجازِ فإنَّ تعلَّق الإرادة بالموعودِ متقدِّمٌ على الوعدِ الموجبِ للإنجاز، وفي التَّعرضِ لعُنوان الرُّبوبِّـيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصَّلاة والسَّلام من تشريفه والإشعارِ بأنه عليه الصَّلاة والسَّلام هو الفائزُ آثر ذي أثيرٍ بمغانم الوعدِ الكريمِ ما لا يَخفْى.

القشيري

تفسير : المتقون أبداً في النعيم المقيم؛ حور وسرور وحبور، ورَوْحٌ وريحان، وبهجة وإحسان، ولطف جديد وفضل مزيد، وألذُّ شرابٍ وكاساتُ محابِّ، وبسطُ قلبٍ وطيبُ حالٍ، وكمال أُنْسٍ ودوام طرب وتمام جَذَلٍ، لباسهم فيها حرير وفراشهم سندس وإستبرق. والأسماء أسماءٌ في الدنيا والأعيان بخلاف المعهودات فيها. ثم فيها ما يشاؤون، وهم أبداً مقيمون لا يبرحون، ولا هم عنها يخرجون.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل أذلك} العذاب {خير ام جنة الخلد التى وعد المتقون} اى وعدها المتقون اى المتصفون بمطلق التقوى لا بالمرتبة الثانية او الثالثة منها فقط فالمؤمن متق وان كان عاصيا وجنة الخلد هى الدار التى لاينقطع نعيمها ولا ينقل عنها اهلها فان الخلود هو تبرى الشىء من اعتراض الفساد وبقاءه على الحالة لتى هو عليها واضافة الجنة الى الخلد للمدح والا فالجنة اسم للدار المخلدة ويجوز ان تكون الجنة اسما لا يدل على البستان الجامع لوجوه البهجة ولا يدخل الخلود فى مفهومها فاضيفت اليه للدلالة على خلودها، فان قيل كيف يتصور الشك فى انه ايهما خير حتى يحسن الاستفهام والترديد وهل يجوز للعاقل ان يقول السكر احلى ام الصبر وهو دواء مرّ يقال ذلك فى معرض التقريع والتهكم والتحسير على مافات، وفى الوسيط هذا التنبيه على تفاوت مابين المنزلتين لا على ان فى السعير خيرا، وقال بعضهم هذا على المجاز وان لم يكن فى النار خير والعرب تقول العافية خير من البلاء وانما خاطبهم بما يتعارفون فى كلامهم {كانت} تلك الجنة {لهم} فى علم الله تعالى {جزاء} على اعمالهم بمقتضى الكرم لا بالاستحقاق والجزاء الغنى والكفاية فالجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة ان خيرا فخير وان شرا فشر. والجزية ما يؤخذ من اهل الذمة وتسميتها بذلك للاجتزاء بها فى حقن دمهم {ومصيرا} مرجعا يرجعون اليه وينقلبون. والفرق بين المصير والمرجع ان المصير يجب ان يخالف الحالى الاولى ولا كذلك المرجع.

الأعقم

تفسير : {قل أذلك خير أم جنّة الخلد}، قال جار الله: الراجع إلى الموصولين محذوف، يعني وعدها المتّقون وما يشاؤونه، وإنما قيل: كانت لأن ما وعده الله فهو في تحققه كأنه قد كان، يعني الجنة قد كانت للمتقين جزاء على أعمالهم ومصيراً يصيرون إليها، أو كان مكتوباً في اللوح مصيرهم {لهم فيها ما يشاؤون} من النعيم {خالدين كان على ربك وعداً} أي واجبٌ عليه لما استحقوه بطاعتهم وعدهم الله بذلك في الدنيا إن أطاعوه ولا يجوز عليه الخلف {مسؤولاً} يعني لهم أن يسألون ما وعدتهم، وقيل: إنهم سألوه في الدنيا قالوا: {أية : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك}تفسير : [آل عمران: 194]، وقيل: واجباً طلبه وقد سأله الملائكة والأنبياء من قولهم: {أية : ربنا وأدخلهم جنّات عدن} تفسير : {ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله}، قيل: هم المعبودون من الملائكة والمسيح وعزير، وعن الكلبي: الأصنام ينطقها الله تعالى، ويجوز أن يكون عاماً لهم فيقول الله تعالى لهؤلاء المعبودين: {أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء} المشركين {أم هم ضلّوا السبيل}، قيل: طريق الجنة والنجاة وطريق الدين {قالوا} يعني المعبودين الملائكة والإِنس والأصنام {سبحانك} تنزيهاً لك عن الشرك {ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} يعني ليس لنا أن نتولى أعدائك بل أنت وليّنا من دونهم {ولكن متعتهم وآباءهم} في الدنيا بالصحة والنعمة {حتى نسوا الذكر} القرآن فلم يعملوا به {وكانوا قوماً بوراً} أي هلكى، قوله تعالى: {فقد كذبوكم بما تقولون} يعني كذبوكم الملائكة فكذبوكم انهم آلهة، وقيل: كذبكم المشركون أيها المؤمنون بما تقولون من توحيد الله وعدله ونبوة محمد وغيره من الأنبياء {فما تستطيعون صرفاً ولا نصراً} يعني لا يَستطيعون صرف العذاب ولا نصر أنفسهم من البلاء الذي هم فيه {ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً} أي عذاب جهنم {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} وهذا جواب لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} للعداوة إلى نبيكم، والآية نزلت في أبي جهل بن هشام، والوليد بن عقبة، والعاص، والنضر، وذلك أنهم لما رأوا أبا ذر وابن مسعود وعمار وبلالاً وصهيب أسلموا قالوا: لم نسلم فنكون مثل هؤلاء {أتصبرون} والصبر على مشاق الأذى {وكان ربك بصيراً}، قيل: بأعمال العباد {وقال الذين لا يرجون لقاءنا} ثواب الله على الطاعة، وهذا عبارة على إنكارهم البعث: {لولا أنزل علينا الملائكة} فيخبرونا بأنك صادق {أو نرى ربنا} فيخبرنا بصحة ما جئت به {لقد استكبروا في أنفسهم} أي تعظّموا عن قبول الحق واتباع الرسول {وعتوا عتواً كبيراً}، قيل: عتوا في القول، والعتوّ شدة الكفر {يوم يرون الملائكة}، قيل: عند الموت، وقيل: يوم القيامة {لا بشرى يومئذ للمجرمين} يعني لا بشارة لهم بخير {ويقولون حجرا محجوراً}، قيل: تقول لهم الملائكة البشرى حرام عليكم محرم، وقيل: الجنة حرام عليكم لا تحريم بعد {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل}، قيل: قدمنا عهدنا، وتقديره قصدنا قصد القادم على ما يكرهه، وقيل: الملائكة وقت المحاسبة إذا رأوا أعمالهم ردوها عليهم فجعل قدوم الملائكة قدوماً له تفخيماً لشأنهم، وقوله {إلى ما عملوا}، قيل: ما عملوا لا يريدون به وجه الله، وقيل: ما عملوا من أعمال البر، وقيل: ما عملوا من عبادة غير الله وظنّوها طاعة {فجعلناه هباء منثوراً}، قيل: الهباء الذي يرى في كوة البيت مع شعاع الشمس كالغبار، وقيل: هو ما سقته الرياح وذرته من التراب، وهذا مثل، يعني يذهب أعمالهم باطلاً لا ينتفعون به من حيث عملوا لغير الله منثوراً مفرقاً.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَذَلِكَ} المتوعد به * {خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ} والرابط محذوف مفعول به أي وعدها فان الوعد يجوز تعديه لاثنين فالمتقون مفعول به نائب الفاعل والاستفهام التقريري والتفصيل تقريع وتهكم واضاف الجنة للخلد للمدح والدلالة على خلودها دون جنة الدنيا ويجوز ان تكون الاشارة إلى المذكور من الكنز والجنة الدنيويين المذكورين. {كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيراً} في علمه وفي اللوح المحفوظ قبل خلقهم أو لتحقق الوقوع بعد حتى كأنهم قد جوزوا بها وصاروا اليها والجزاء جزاء اعمالهم والمصير المرجع وذكر المرجع مع ذكر الثواب لان النعمة لا تتم الا بطيب المكان وسعته وموافقته والا تنغصت كما ان العذاب يتزايد بصعوبة المكان وضيقه وظلمته فذكر ان الجنة ثواب لهم يتقلبون اليها وبسكونها لا ثواب لهم يثابون بها وينتفعون بها ويسكنون خارجها. وقال القاضي: ذكر المرجع لانه لا يمنع كونها جزاء لهم ان يتفضل بها على غيرهم برضاهم. والمتقون عندنا من اتقى الشرك والتكذيب والموت على الكبيرة لا هو من يتقي الشرك والتكذيب فقط.

اطفيش

تفسير : {قل} يا محمد لهم {أذلك} المذكور من السعير، وما وصفت به من التغيظ والزفير، والتضييق فيها والقرن ودعاء الثبور {خيرٌ أم جنةُ الخلد الَّتى وُعد المتَّقون} الاستفهام تفريع وتهكم، وخير اسم تفضيل على ظاهرة جرياً على ذلك التفريع والتهكم، فإنه لا نفع فى ذلك، بل ضر فضلا عن أن يكون افضل من جنة الخلد، ويجوز أن يراد ذلك أكبر فى ضره، أم جنة الخلد فى نفعها كقولك: العسل أعظم فى حلاوته من الخل فى حموضته، أى اشتد حلاوة العسل أكثر مما اشتد الخل فى حموضته فحينئذ يكون الاستفهام تقريراً كما إذا أخرجنا خير عن التفضيل، او قلنا بمعنى نفع، وفى ذلك مطلق تحسير لهم، ولا يتكرر ذكر الخلد مع خالدين تأكيداً، لأن الخلد هنا منسوب للجنة، وخالدين لأهلها إذ قد يملك الانسان ما لم يره، ولا يدخل فيه كمن ملك جنة فى بلد بعيد، والمتقون مطلق الموفين بدين الله، وهم غير من أصر، ولاحظ للمصر فيها، رابط الموصول محذوف أى وعدها مفعول ثان، والأول المتقون نائبان الفاعل. {كانت} فى علم الله أو فى اللوح المحفوظ، أو فى كتبه المنزلة، أو ستكون فعبر بالماضى لتحقق الوقوع {لهم جزاءً} على أعمالهم لتفضل الله عليهم بالجزاء عليها، مع أنها اضمحلت فى مقابلة الانعام عليهم، وأنها باقدار الله عز وجل لهم {ومَصيراً} ينقلبون إليها، إذ قد يعطى الملك إنساناً ملكاً، ولا يصير اليه، بل قد ينتفع به من بعيد، والجملة حال من جنة أو من الرابط المحذوف أو مستأنفة للتعليل.

الالوسي

تفسير : {قُلْ } تقريعاً لهم وتهكماً بهم وتحسيراً على ما فاتهم {أَذٰلِكَ } إشارة إلى ما ذكر من السعير باعتبار اتصافها بما فصل من الأحوال الهائلة فإنها التي كثيراً ما تقابل بالجنة، وما فيه من معنى البعد للإشعار بكونها في الغاية القاصية من الهول والفظاعة. وقيل: إشارة إلى ما ذكر من الجنة والكنز في قولهم: { أية : أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ } تفسير : [الفرقان: 8] الخ. وقيل: إلى الجنة والقصور المجعولة في الدنيا على تقدير المشيئة، وكلا القولين لا يعول عليهما لا سيما الأخير، أي أذلك الذي ذكر من السعير التي أعتدت لمن كذب بالساعة وشأنها كيت وكيت وشأن أهلها ذيت ذيت {خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وَعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } أي وعدها المتقون لأن وعد تتعدى لمفعولين وهذا المحذوف هو العائد على الموصول. وإِضافة الجنة إلى الخلد إن كانت نسبة الإضافة معلومة للمدح فإن المدح يكون بما هو معلوم، وإن لم تكن معلومة فلإفادة خلود الجنة، ولا يخدشه قوله تعالى: { أية : خَـٰلِدِينَ } تفسير : [الفرقان: 16] بعد لأنه للدلالة على خلود أهلها لا خلودها في نفسها وإن تلازما أو أن ذلك للتمييز عن جنات الدنيا. وقيل: إن جنة الخلد علم كجنة عدن، والمراد بالمتقين المتصفون بمطلق التقوى لا بالمرتبة الثانية أو الثالثة منها فقط، ويدل عليه مقابلتهم بالكافرين في النظم الكريم، وقيل: يجوز أن يراد الكاملون في التقوى ووعدها إياهم وعد دخولها ابتداء دون / سبق عذاب وهو مختص بهم وليس بذاك. والترديد والتفضيل في {خَيْرٌ } مع أنه لا شك في أنه لا خيرية في السعير للتهكم والتقريع كما أشرنا إليه. وقال ابن عطية: حيث كان الكلام استفهاماً جاز فيه مجيء لفظة التفضيل بين الجنة والسعير في الخير لأن الموقف جائز له أن يوقف محاوره على ما شاء ليرى هل يجيبه بالصواب أو بالخطأ، وإنما منع سيبويه وغيره من التفضيل إذا كان الكلام خبراً لأن فيه مخالفة الواقع، وأما إذا كان استفهاماً فذلك سائغ، وقال أبو حيان ((إن {خَيْرٌ } هنا ليس للدلالة على الأفضلية بل هو على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقول حسان: شعر : فشركما لخيركما الفداء تفسير : وقولهم الشقاء أحب إليك أم السعادة والعسل أحلى من الخل، وقوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام { أية : ٱلسّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ } تفسير : [يوسف:33] ولا اختصاص لذلك في استفهام أو خبر. وما ذكر من أمثلة الخبر يرد على ابن عطية إلا أن يقيد الخير الذي ادعى منع سيبويه فيه بما لم يكن الحكم فيه واضحاً أما إذا كان الحكم فيه واضحاً للسامع بحيث لا يختلج في ذهنه ولا يتردد في الأفضل فإن التفضيل يجوز فيه)) وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام وما أشرنا إليه هنا أولى بالاعتبار مما أشار ابن عطية وأبو حيان إليه. {كَانَتْ } تلك الجنة {لَهُمْ } أي في علم الله تعالى أو في اللوح أو المراد تكون على أنه وعد من أكرم الأكرمين عبر عنه بالماضي على طريق الاستعارة لتحقيق وقوعه فإنه سبحانه لا يخلف الميعاد، وجوز أن يكون هذا باعتبار تقدم وعده تعالى في كتبه وعلى لسان رسله عليهم الصلاة والسلام إياهم بها {جَزَاء } على أعمالهم بمقتضى الوعد لا بالإيجاب {وَمَصِيراً } ينقلبون إليه، ولم يكتف بقوله تعالى: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء } لعدم استلزامه ذلك فقد يثبت الملك في الدنيا إنساناً ببستان مثلاً ولا يراه فضلاً عن أن يسكن فيه، وجملة {كَانَتْ لَهُمْ } الخ على ما ذكره الطبرسي في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد على الموصول في {وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } بتقدير قد أو بدونه، وجوز أن تكون بدلاً من {وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } وتفسيراً له، وأن تكون استئنافاً في موضع التعليل. وذكر الزمخشري ما يشعر بأن هذه الجملة تذييل لتذكير النعمة بما خولهم الله تعالى وطيب عيشهم في ذلك المكان الرافع على وجه يتضمن ضد ذلك لأضدادهم فكأنه قيل كانت لهم جزاء موفوراً لا يدخل تحت الوصف ومصيراً أي مصيراً لا يقادر قدره وليس كمصير الكفرة المشار إليه بقوله سبحانه: { أية : وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً } تفسير : [الفرقان: 13] ويعلم منه فائدة ذكر المصير مع ذكر الجزاء فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : الأمر بالقول يقتضي مخاطباً مقولاً له ذلك: فيجوز أن يقصد: قل لهم، أي للمشركين الذين يسمعون الوعيد والتهديد السابق: «أذلك خير أم الجنة»؟ فالجمل متصلة السياق، والاستفهام حينئذٍ للتهكم إذ لا شبهة في كون الجنة الموصوفة خيراً. ويجوز أن يقصد: قل للمؤمنين، فالجملة معترضة بين آيات الوعيد لمناسبة إبداء البون بين حال المشركين وحال المؤمنين، والاستفهام حينئذٍ مستعمل في التلميح والتلطف. وهذا كقوله: {أية : أذلك خيرٌ نُزُلاً أم شجرةُ الزقوم}تفسير : في سورة الصافات (62). والإشارة إلى المكان الضيق في جهنم. و{خير} اسم تفضيل، وأصله (أخير) بوزن اسم التفضيل فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال. والتفضيل على المحمل الأول في موقع الآية مستعمل للتهكم بالمشركين. وعلى المحمل الثاني مستعمل للتلميح في خطاب المؤمنين وإظهار المنة عليهم. ووصف الموعودين بأنهم متقون على المحمل الأول جار على مقتضى الظاهر، وعلى المحمل الثاني جار على خلاف مقتضى الظاهر لأن مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير الخطاب، فوجه العدول إلى الإظهار ما يفيده {المتقون} من العموم للمخاطبين ومن يجيء بعدهم. وجملة: {كانت لهم جزاء ومصيراً} تذييل لجملة: {جنة الخلد التي وعد المتقون} لما فيها من التنويه بشأن الجنة بتنكير {جزاء ومصيراً} مع الإيماء إلى أنهم وعدوا بها وعد مجازاة على نحو قوله تعالى: {أية : نعم الثواب وحسنت مرتفقاً}تفسير : [الكهف: 31] وقوله: {أية : بئس الشراب وساءت مرتفقاً} تفسير : في سورة الكهف (31 29). وجملة: {لهم فيها ما يشاؤون}، حال من {جنة الخلد} أو صفة ثانية. وجملة: {كان على ربك وعداً مسئولاً} حال ثانية والرابط محذوف إذ التقدير: وعداً لهم. والضمير المستتر في: {كان على ربك وعداً} عائد إما إلى الوعد المفهوم من قوله: {التي وعد المتقون}، أي كان الوعد وعداً مسؤولاً وأخبر عن الوعد بـ{وعداً} وهو عينه ليبنى عليه {مسئولاً}. ويجوز أن يعود الضمير إلى {ما يشاءون} والإخبار عنه بـ{وعداً} من الإخبار بالمصدر والمراد المفعول كالخلق بمعنى المخلوق. ويتعلق: {على ربك} بـ{وعداً} لتضمين {وعداً} معنى (حقّاً) لإفادة أنه {وعداً} لا يخلف كقوله تعالى {أية : وعداً علينا إنا كنا فاعلين}تفسير : [الأنبياء: 104]. والمسؤول: الذي يسأله مستحقه ويطالب به، أي حقّاً للمتقين أن يترقبوا حصوله كأنه أجر لهم عن عمل. وهذا مسوق مساق المبالغة في تحقيق الوعد والكرم كما يشكرك شاكر على إحسان فتقول: ما أتيت إلا واجباً، إذ لا يتبادر هنا غير هذا المعنى، إذ لا معنى للوجوب على الله تعالى سوى أنه تفضل وتعهد به، ولا يختلف في هذا أهل الملة وإنما اختلفوا في جواز إخلاف الوعد.

الشنقيطي

تفسير : التحقيق أن الإشارة في قوله: أذلك راجعة إلى النار، وما يلقاه الكفار فيها من أنواع العذاب كما ذكره جل وعلا بقوله: {أية : وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً} تفسير : [الفرقان: 11] إلى قوله تعالى: {أية : وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً} تفسير : [الفرقان: 14] وغير هذا من الأقوال لا يعول عليه، كقول من قال: إن الإشارة راجعة إلى الكنز والجنة في قوله تعالى: {أية : أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ} تفسير : [الفرقان: 8] الآية، وكقول من قال: إنها راجعة إلى الجنات والقصور المعلقة على المشيئة في قوله تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} تفسير : [الفرقان: 10] والتحقيق إن شاء الله أنه لما ذكر شدة عذاب النار وفظاعته قال: أذلك العذاب خير أم جنة الخلد الآية. وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، جاء أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الصافات: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ} تفسير : [الصافات: 60ـ66] إلى قوله: {أية : يُهْرَعُونَ} تفسير : [الصافات: 70] وكقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [فصلت: 40] الآية. وفي هذه الآيات وأمثالها في القرآن إشكال معروف، وهو أن يقال: لفظة خير في الآيات المذكورة صيغة تفضيل كما قال في الكافية: شعر : وغالباً أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر تفسير : كما قدمناه موضحاً في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} تفسير : [النحل: 30] الآية. والمعروف في علم العربية أن صيغة التفضيل تقتضي المشاركة بين المفضل والمفضل عليه فيما فيه التفضيل، إلا أن المفضل أكثر فيه وأفضل من المفضل عليه، ومعلوم أن المفضل عليه في الآيات المذكورة الذي هو عذاب النار لا خير فيه البتة، وإذن فصيغة التفضيل فيها إشكال. والجواب عن هذا الإشكال من وجهين: الأول: أن صيغة التفضيل قد تطلق في القرآن، وفي اللغة مراداً بها مطلق الاتصاف، لا تفضيل شيء على شيء. وقدمناه مراراً وأكثرنا من شواهده العربية في سورة النور وغيرها. الثاني: أن من أساليب اللغة العربية أنهم إذا أرادوا تخصيص شيء بالفضيلة، دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل، يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل، كقول حسان بن ثابت رضي الله عنه: شعر : أتهجوه ولست له بكفء فَشَرُّكُما لخيركما الفداء تفسير : وكقول العرب: الشقاء أحب إليك، أم السعادة؟ وقوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} تفسير : [يوسف: 33] الآية. قال أبو حيان في البحر المحيط في قوله تعالى: {أَذٰلِكَ خَيْرٌ} الآية، وخير هنا ليست تدل على الأفضلية، بل هي على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء، وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقوله: شعر : فَشَرُّكُمَا لِخيْرِكُمَا الفِداءُ تفسير : وكقول العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة، وكقوله: {أية : ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} تفسير : [يوسف: 33] وهذا الاستفهام على سبيل التوفيق والتوبيخ. اهـ الغرض من كلام أبي حيان. وعلى كل حال فعذاب النار شر محض لا يخالطه خير ألبتة كما لا يخفى، والوجهان المذكوران في الجواب متقاربان. وقوله تعالى في هذه الآية: {أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِي وَعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} العائد محذوف: أي وعدها المتقون، والآية تدل على أن الوعد الصادق بالجنة، يحصل بسبب التقوى. وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك بإيضاح في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [النحل: 31] وقوله تعالى: {أية : لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ} تفسير : [النحل: 31] العائد أيضاً محذوف كالذي قبله: أي ما يشاءونه، وحذف العائد المنصوب بالفعل أو الوصف كثير، كما قال في الخلاصة: شعر : والحذف عندهم كثير منجلي في عائد متصل إن انتصب بفعل أو وصف كمن نرجو يهب تفسير : وهذه الآية الكريمة، تدل على أن أهل الجنة يجدون كل ما يشاءونه من أنواع النعيم. وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ} تفسير : [النحل: 31] والآيات المذكورة تدل على أن حصول كل ما يشاءه الإنسان لا يكون إلا في الجنة، وقوله: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيراً} المصير مكان الصيرورة، وقد مدح الله جزاءهم ومحله كقوله تعالى: {أية : نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} تفسير : [الكهف: 31] لأن حسن المكان وجودته من أنواع النعيم. تفسير : وقوله في هذه الآية الكريمة: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} فيه وجهان معروفان: أحدهما: أن معنى كونه مسؤولاً أن المؤمنين كانوا يسألونه. وكانت الملائكة أيضاً تسأله لهم، أما سؤال المسلمين له فقد ذكره تعالى: بقوله عنهم:{أية : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَاد تفسير : [آل عمران: 194] وسؤال الملائكة لهم إياه ذكره تعالى أيضاً في قوله: {أية : رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ} تفسير : [غافر: 8] الآية، وقال بعض العلماء: مسؤولاً: أي واجباً لأن ما وعد الله به فهو واجب الوقوع، لأنه لا يخلف الميعاد، وهو جل وعلا يوجب على نفسه بوعده الصادق ما شاء الله لا معقب لحكمه ويستأنس لهذا القول بلفظة على في قوله تعالى: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً} كقوله تعالى: {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} تفسير : [الروم: 47] وقال بعض أهل العلم: إن المسلمين يوم القيامة يقولون: قد فعلنا في دار الدنيا كل ما أمرتنا به فأنجز لنا ما وعدتنا، والقولان الأولان أقرب من هذا. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (15) - قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينْ: أَهَذَا الَّذِي وَصَفْنَاهُ لَكَ مِنْ حَالِ الأَشْقِيَاءِ، الَّذِينَ يُحْشَرونَ عَلَى وُجُوهِهِم إلى جَهَنَّمَ، فَتَتَلَقَّاهُمْ بِوجهٍ عَبُوسٍ وَتَغَيُّظٍ وَزَفِير، وَيُلْقَونَ في أَمَاكِنَ ضَيِّقَةٍ مِنْها مُقْرَّنِين، لا يَسْتِطِيعُونَ حَرَاكاً وَلاَ اسْتنصَاراً مِمَّا هُم فِيهِ... أَذَلِكَ خَيرٌ أمْ جنَّة الخُلدِ الَّّتِي وَعَدَ اللهُ بِها عِبَادَه المُتَّقِين، وَأَعَدَّها لَهُم لِتَِكُونَ لَهُم جَزاءً وَمصِيراً عَلى مَا أَطَاعُوا رَبَّهم فِي الدُّنيا؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {قُلْ} [الفرقان: 15] أَمْر لرسول الله بأن يقول، والمقول له هم الذين اعترضوا على نبوته صلى الله عليه وسلم باعتراضات واهية من المعاصرين له، وكانوا يتخبّطون في هذه المسائل تخبُّط مَنْ لا يعرف فيها حقيقة، وإنما غرضه فقط أنْ يتعرّض لرسول الله في أمر دعوته، والتعرُّض لأيِّ نبيٍّ في أمر دعوته من المعاصرين له أمر طبيعي؛ لأن الرسل إنما يجيئون حين يستشري الفساد. وسبق أنْ قُلْنا: إن الحق - سبحانه وتعالى - جعل في كل نفس ملَكةً تجعل الإنسان يفعل شيئاً، ثم تأتي ملَكة أخرى فيه لتلومه على ذلك، حينئذ تكون المناعة في ذات الإنسان ويُسمُّونها النفس اللوَّامة، لكن قد تنطمس فيه هذه الملَكة، فتتعاون كل مَلَكاته على الشر، بحيث تكون النفس بكل مَلَكاتها أمّارة بالسوء، وهي أمَّارة بصيغة المبالغة لا آمرة أي: أنها أخذْت هذا الأمر حِرْفةً لها. كما لو رأيت رجلاً يَنْجُر في قطعة من الخشب تقول له: ناجر، فإنِ اتخذها حرفةً له، لا يعمل إلا هي، تقول له: نجار، ومثله: خائط وخيّاط. فالمعنى: أمّارة يعني: لم يَعُدْ لها عمل في أن تردع عن الشر، بل دائماً تُقوِّي نوازع الشر في النفس، وتتأصل فيها حتى تصير لها حرفة. فماذا يكون الموقف إذن؟ لا بُدَّ أنْ يجعل الحق سبحانه في نفوس قوم آخرين مَلَكة الخير ليواجهوا أصحاب هذه الأنفس الأمّارة بالسوء، يواجهونهم بالنصح والإرشاد والموعظة، ويصرفونهم عن الشر إلى الخير. فإذا ما فسد المجتمع كله، لا نفسٌ مانعة، ولا مجتمعٌ مانع، فلا بُدَّ أنْ تتدخّل السماء برسول جديد. ومن رحمة الله بالعالم أنه سبحانه ضمن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون فيها النفس اللوامة، وضمن لها أنْ يظل مجتمعها آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر؛ لذلك لا حاجةَ لرسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن: فالمناعة موجودة في أمة الإسلام، ولو لم تكُنْ هذه المناعة موجودة في النفس أولاً، وفي المجتمع ثانياً لتدخلتْ السماء بعد رسول الله برسول جديد ومعجزة جديدة ليعيد الخَلْق إلى رُشْدهم. ولا شكَّ أن في المجتمع طائفةً تنتفع بهذا الفساد، ويعيشون في ترف في ظله، فطبيعي - إذن - أنْ يدافعوا عنه، وطبيعي أنْ يتصدَّوْا لدعوة الرسول التي جاءتْ لتعدل ميزان المجتمع، وأنْ يقفوا له بالمرصاد؛ لأنه يهدِّد هذه النفعية ويقضي على مصلحتهم. وإنْ كان الرسل السابقون قد تعرّضوا لمثل هذا الاضطهاد، فقد تعرّض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأضعاف ما تعرَّضوا له؛ لأن اضطهاده صلى الله عليه وسلم جاء مناسباً لضخامة مهمته، فقد جاءتْ الرسل قبله، كُلٌّ إلى أمته خاصة في زمن محدد، أمّا رسالته صلى الله عليه وسلم فقد جاءت للناس كافة، تعمُّ كل الزمان وكل المكان إلى أن تقوم الساعة، فلا بُدَّ إذن أن تكون مهمته أصعب. وهؤلاء الكبراء الذين ينتفعون بالفساد في المجتمع يظنون أن رسول الله إذا لُوِّح له بالمال والنعيم يمكن أن يتنازل عن دعوته، ويترك لهم الساحة؛ لذلك اجتمع صناديد قريش على رسول الله، يُلوِّحون له بالمال والجاه والسلطان، ليصدُّوه عن الدعوة ويصرفوه عنها، هؤلاء الذين سماهم أستاذنا الشيخ موسى: دستة الشر، وكانوا اثنا عشر رجلاً، منهم: أبو البختري، وأبو جهل، وأبو سفيان، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، وعتبة بن ربيعة، ومُنبِّه بن الحجاج، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، ونُبيه بن الحجاج. لقد ذهب هؤلاء إلى سيدنا محمد رسول الله يقولون: "نحن وفد قومك إليك، جئنا لنقدِّم المعذرة حتى لا يلومنا أحد بعد ذلك، فإنْ كنتَ تريد مالاً جمعنا لك الأموال، وإنْ كنتَ تريد شرفاً سوَّدناك علينا، وإن كنت تريد مُلْكاً ملّكناك علينا". وفَرْق بين المال والشرف: المال أن يكون الإنسان غنياً، لكن ربما لا شرفَ له، ولا مكانةَ بين الناس، وهناك مَنْ له شرف وسيادة، وليس له مال. ونلحظ أنهم ارتقوْا في مساومة رسول الله من المال إلى الشرف والسيادة، ثم إلى الملْك. فماذا كان موقفه صلى الله عليه وسلم؟ كان موقفه هو الموقف الذي مهَّد الله له به، حينما عرض عليه جبريل عليه السلام أن يجعل الله له جبال مكة ذهباً، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بل أشبع يوماً فأشكر، وأجوع ثلاثة أيام فأتضرع ". تفسير : وفي موقف آخر، قال له جبريل: "حديث : يُخيِّرك ربك أن تكون نبياً ملكاً، أو نبياً عبداً فقال: بل نبياً عبداً ". تفسير : والنبي مالك منهج السماء، والملك الذي يملك السيطرة بحيث لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه، مثل سليمان عليه السلام، حيث آتاه الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، ومع ذلك لم يكن هذا الملْك هو المطلوب في ذاته، بدليل أن سليمان - عليه السلام - مع ما أوتية من الملْك كان لا يأكل إلا الخوشكار يعني: الخبز الأسمر غير النقي (الردَّة) في حين يأكل عبيده ومواليه الدقيق الفاخر النقي، فلم يكن سليمان يريد الملْك لذاته، إنما ليقْوَى به على دعوته، فلا يعارضه فيها أحد. لذلك، لما أرسلتْ إليه ملكة سبأ بهدية لتستميله بها وتَصْرفه عما يريد رَدّ عليها: {أية : فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَٰنِ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}تفسير : [النمل: 36]. لذلك جاءته صاغرة تقول: {أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [النمل: 44]. إذن: مسألة المال هذه عُرِضَتْ على رسول الله قبل أن يقترحها كفار مكة، فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد رفضه مِمَّن يملكه، فكيف يقبله مِمَّنْ لا يملك شيئاً؟ لذلك قال لهم: حديث : والله ما بي حاجة إلى ما تقولون، فلست طالب مال، ولا مُلْك، ولا شرف، إنما أنا رسول الله أُرسِلْتُ إليكم، ومعي كتاب فيه منهجكم، وأمرني ربي أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فإنْ جئتم على ما أحب فقد ضمنتم حظّ الدنيا والآخرة، وإنْ رددتُمْ عليَّ قولي فإنني سأصبر إلى أن يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين . تفسير : فلجئوا إلى عم النبي صلى الله عليه وسلم، لعله يستطيع أن يستميله، فلما كلَّمه عمه قال قولته المشهورة: "حديث : والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركتُه حتى يُظهِره الله أو أهلك دونه ". تفسير : {أَذٰلِكَ} [الفرقان: 15] أي: ما أنتم فيه الآن من العذاب خير، أم جنة الخلد التي وُعِد المتقون؟ احكموا أنتم في هذه المسألة وسنرضى بحكمكم، إنها إغاظة لأهل النار، حيث جمع الله عليهم مقاساة العذاب مع النظر إلى أهل الجنة وما هم فيه من النعيم، ولو كانت الأُولى وحدها لكانت كافية، إنما هو في العذاب ويأتيه أهل الجنة لِيُبكّتوه: انظر ما فاتك من النعيم!! وفيها أيضاً تقريع لهم، فليس هناك وجه للمقارنة بين الجنة والنار، فأنت مثلاً لا تقول: العسل خير أم الخل؛ لأنه أمر معروف بداهة. وسبق أنْ تكلّمنا عن الصراط، ولماذا ضُرِب على مَتْن جهنم، والجميع يمرون عليه؛ لأن الله - تبارك وتعالى - يريد أنْ يجعل لك من مرائي النار التي تمرُّ عليها فوق الصراط نعمة أخرى تُذكِّرك بالنجاة من النار قبل أنْ تباشر نعيم الجنة. لذلك لا يمتن الله علينا بدخول الجنة فحسب، إنما أيضاً بالنجاة من النار، فيقول سبحانه: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ..}تفسير : [آل عمران: 185]. فالحق - سبحانه وتعالى - يذكر لنا النار، وأن من صفاتها كذا وكذا، أما في الآخرة فسوف نراها رَأْي العين، كما قال سبحانه: {أية : ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [التكاثر: 7] وذلك حين تكون على الصراط، فتحمد الله على الإسلام الذي أنجاك من النار، وأدخلك الجنة، فكل نعمة منها أعظم من الأخرى. وفي قوله تعالى: {قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ..} [الفرقان: 15] كلمة خير في اللغة تدور على معنيين: خير يقابله شَرٌّ، وخير يقابله خير أعظم منه. كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : المؤمن القوي خير وأَحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير"تفسير : فكلاهما فيه خير، وإن زاد الخير في المؤمن القوي، وعادة ما تأتي (من) في هذا الأسلوب: هذا خير من هذا. أما الخير الذي يقابله شر، فمثل قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ}تفسير : [البينة: 7]. والجنة كما نستعملها في استعمالات الدنيا، هي المكان المليء بالأشجار والمزروعات التي تستر السائر فيها، أو تستر صاحبها أنْ ينتقلَ منها إلى خارجها؛ لأن بها كل متطلبات حياته، بحيث يستغني بها عن غيرها، لذلك أردفها الحق - تبارك وتعالى - بقوله: {ٱلْخُلْدِ ..} [الفرقان: 15]. إذن: فالجنة التي تراها في الدنيا مهما بلغت فليست هي جنة الخلد؛ لأنها لا بد إلى زوال، فعُمرها من عُمْر دُنْياها، كأنه سبحانه يقول لكل صاحب جنة في الدنيا: لا تغترْ بجنتك؛ لأنها ستؤول إلى زوال، وأشدّ الغم لصاحب السرور أنْ يتيقن زواله، كما قال الشاعر: شعر : أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدي فِي سُرُورٍ تَيقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُه انْتِقَالاَ تفسير : لذلك يُطمئِن الله تعالى عباده المؤمنين بأن الجنة التي وعدهم بها هي جنة الخلد والبقاء، حيث لا يفنى نعيمها، ولا يُنغّص سرورها، فلذَّاتها دائمة، لا مقطوعة ولا ممنوعة. وقوله تعالى: {ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} [الفرقان: 15] الوعد هنا من الله تعالى الذي يملك كل أسباب الوفاء، والوَعْد بشارة بخير قبل مجيئه لتستعد لأن تكون من أهله، ويقابله الإنذار، وهو التهديد بشرٍّ قبل مجيئه لتتلافاه، وتجتنب أسباب الوقوع فيه. وكلمة (مُتَّقٍ) الأصل فيها مَنْ جعل بينه وبين الشر وقاية، كما يقول سبحانه: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ}تفسير : [البقرة: 24] يعني: اجعلوا بينكم وبينها وقاية. ومن العجيب أن يقول سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}تفسير : [البقرة: 194] ويقول {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ}تفسير : [البقرة: 24] والمعنى: اجعلوا بينكم وبين صفات جلاله القهرية وقايةً؛ لأنكم لا تتحمّلون صفات قَهْره، والنار جُنْد من جنود الله في صفات جلاله، فكأنه تعالى قال: اتقوا جنود صفات الجلال من الله. وقوله تعالى: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً ..} [الفرقان: 15] أي: جزاءً لما قدَّموا، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ}تفسير : [الحاقة: 24] فهذا تعليلُ ما هم فيه من النعيم: أنهم كثيراً ما تَعِبُوا، واضطهدوا وعُذِّبوا، وجزاء من عُذِّب في ديننا أن نُسعده الآن في الآخرة. {وَمَصِيراً} [الفرقان: 15] أي: يصيرون إليه، إذن: لا تنظر إلى ما أنت فيه الآن، لكن انظر إلى ما تصير إليه حَتْماً، وتأمل وجودك في الدنيا، وأنه موقوت مظنون، ووجودك في الآخرة وأنه باقٍ دائم لا ينتهي، لذلك يقولون: إياك أنْ تدخل مدخلاً لا تعرف كيفية الخروج منه. ثم يقول الحق سبحانه: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قل لهم -مبينا لسفاهة رأيهم واختيارهم الضار على النافع-: { أَذَلِكَ } الذي وصفت لكم من العذاب { خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ } التي زادها تقوى الله فمن قام بالتقوى فالله قد وعده إياها، { كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً } على تقواهم { وَمَصِيرًا } موئلا يرجعون إليها، ويستقرون فيها ويخلدون دائما أبدا. { لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ } أي: يطلبون وتتعلق بهم أمانيهم ومشيئتهم، من المطاعم والمشارب اللذيذة والملابس الفاخرة والنساء الجميلات والقصور العاليات والجنات والحدائق المرجحنة والفواكه التي تسر ناظريها وآكليها، من حسنها وتنوعها وكثرة أصنافها والأنهار التي تجري في رياض الجنة وبساتينها، حيث شاءوا يصرفونها ويفجرونها أنهارا من ماء غير آسن وأنهارا من لبن لم يتغير طعمه وأنهارا من خمر لذة للشاربين وأنهارا من عسل مصفى وروائح طيبة، ومساكن مزخرفة، وأصوات شجية تأخذ من حسنها بالقلوب ومزاورة الإخوان، والتمتع بلقاء الأحباب، وأعلى من ذلك كله التمتع بالنظر إلى وجه الرب الرحيم وسماع كلامه، والحظوة بقربه والسعادة برضاه والأمن من سخطه واستمرار هذا النعيم ودوامه وزيادته على ممر الأوقات وتعاقب الآنات { كَانَ } دخولها والوصول إليها { عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا } يسأله إياها، عباده المتقون بلسان حالهم ولسان مقالهم، فأي الدارين المذكورتين خير وأولى بالإيثار؟ وأي: العاملين عمال دار الشقاء أو عمال دار السعادة أولى بالفضل والعقل والفخر يا أولي الألباب؟ لقد وضح الحق واستنار السبيل فلم يبق للمفرط عذر في تركه الدليل، فنرجوك يا من قضيت على أقوام بالشقاء وأقوام بالسعادة أن تجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة، ونستغيث بك اللهم من حالة الأشقياء ونسألك المعافاة منها.