Verse. 2872 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَيَوْمَ يَحْشُرُہُمْ وَمَا يَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللہِ فَيَقُوْلُ ءَ اَنْتُمْ اَضْلَلْتُمْ عِبَادِيْ ہٰۗؤُلَاۗءِ اَمْ ہُمْ ضَلُّوا السَّبِيْلَ۝۱۷ۭ
Wayawma yahshuruhum wama yaAAbudoona min dooni Allahi fayaqoolu aantum adlaltum AAibadee haolai am hum dalloo alssabeela

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويوم نحشرهم» بالنون والتحتانية «وما يعبدون من دون الله» أي غيره من الملائكة وعيسى وعزير والجن «فيقول» تعالى بالتحتانية والنون للمعبودين إثباتا للحجة على العابدين: «أأنتم» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين الُسهَلة والأخرى وتركه «أضْللْتم عبادي هؤلاء» أوقعتموهم في الضلال بأمركم إياهم بعبادتكم «أم هم ضلوا السبيل» طريق الحق بأنفسهم.

17

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } راجع إلى قوله: { أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } تفسير : [الفرقان: 3] ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: {يَحْشُرُهُمْ } فنقول كلاهما بالنون والياء وقرىء {نَحْشُرُهُمْ } بكسر الشين. المسألة الثانية: ظاهر قوله: {وَمَا يَعْبُدُونَ } أنها الأصنام، وظاهر قوله: {فَيَقُولُ أَءنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى } أنه من عبد من الأحياء كالملائكة والمسيح وغيرهما، لأن الإضلال وخلافه منهم يصح فلأجل هذا اختلفوا، فمن الناس من حمله على الأوثان، فإن قيل لهم الوثن جماد فكيف خاطبه الله تعالى، وكيف قدر على الجواب؟ فعند ذلك ذكروا وجهين: أحدهما: أن الله تعالى يخلق فيهم الحياة، فعند ذلك يخاطبهم فيردون الجواب وثانيها: أن يكون ذلك الكلام لا بالقول اللساني بل على سبيل لسان الحال كما ذكر بعضهم في تسبيح الموات وكلام الأيدي والأرجل، وكما قيل: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك؟ فإن لم تجبك حواراً، أجابتك اعتباراً! وأما الأكثرون فزعموا أن المراد هو الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام، قالوا ويتأكد هذا القول بقوله تعالى: { أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } تفسير : [سبأ: 40] وإذا قيل لهم: لفظة (ما) لا تستعمل في العقلاء أجابوا عنه من وجهين: الأول: لا نسلم أن كلمة (ما) لما لا يعقل بدليل أنهم قالوا (من) لما لا يعقل والثاني: أريد به الوصف كأنه قيل (ومعبودهم)، وقوله تعالى: { أية : وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 5] { أية : وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } تفسير : [الكافرون: 3] لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين، وكيف كان فالسؤال ساقط. المسألة الثالثة: حاصل الكلام أن الله تعالى يحشر المعبودين، ثم يقول لهم أأنتم أوقعتم عبادي في الضلال عن طريق الحق، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟ قالت المعتزلة: وفيه كسر بين لقول من يقول إن الله يضل عباده في الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقولوا إلهنا ههنا قسم ثالث غيرهما هو الحق وهو أنك أنت أضللتهم، فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا إضلالهم إلى أنفسهم، علمنا أن الله تعالى لا يضل أحداً من عباده. فإن قيل لا نسلم أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه، فإنهم قالوا: {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذّكْرَ } وهذا تصريح بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما فعل الله بهم وهو أنه سبحانه وتعالى متعهم وآباءهم بنعيم الدنيا. قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يلزمهم أن يصير الله محجوباً في يد أولئك المعبودين، ومعلوم أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجاً مفحماً ملزماً هذا تمام تقرير المعتزلة في الآية، أجاب أصحابنا بأن القدرة على الضلال إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من الله تعالى، وإن صلحت له لم تترجح مصدريتها للإضلال على مصدريتها للاهتداء إلا لمرجح من الله تعالى، وعند لذلك يعود السؤال، وأما ظاهر هذه الآية فهو وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظواهر المطابقة لقولنا. المسألة الرابعة: ظاهر الآية يدل على أن هذا السؤال من الله تعالى وإن احتمل أن يكون ذلك من الملائكة بأمر الله تعالى. بقي على الآية سؤالات. الأول: ما فائدة أنتم وهم؟ وهلا قيل أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؟ الجواب: ليس السؤال عن الفعل ووجوده، لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن فاعله فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسؤول عنه. السؤال الثاني: أنه سبحانه كان عالماً في الأزل بحال المسؤول عنه فما فائدة هذا السؤال؟ الجواب: هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين كما قال لعيسى: { أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 116] ولأن أولئك المعبودين لما برؤا أنفسهم، وأحالوا ذلك الضلال عليهم صار تبرؤ المعبودين عنهم أشد في حسرتهم وحيرتهم. السؤال الثالث: قال تعالى: {أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ } والقياس أن يقال ضل عن السبيل، الجواب: الأصل ذلك، إلا أن الإنسان إذا كان متناهياً في التفريط وقلة الاحتياط، يقال ضل السبيل. أما قوله: {سُبْحَـٰنَكَ } فاعلم أنه سبحانه حكى جوابهم، وفي قوله: {سُبْحَـٰنَكَ } وجوه: أحدها: أنه تعجب منهم فقد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وثانيها: أنهم نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون (المقدسون المؤمنون) بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده وثالثها: قصدوا به تنزيهه عن الأنداد، سواء كان وثناً أو نبياً أو ملكاً ورابعها: قصدوا تنزيهه أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو إيذاء من كان بريئاً عن الجرم، بل إنه إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم. أما قوله: {مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء } ففيه مسائل: المسألة الأولى: القراءة المعروفة {أَن نَّتَّخِذَ } بفتح النون وكسر الخاء وعن أبي جعفر وابن عامر برفع النون وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله، قال الزجاج أخطأ من قرأ {أَن نَّتَّخِذَ } بضم النون لأن (من) إنما تدخل في هذا الباب في الأسماء إذا كان مفعولاً أولاً ولا تدخل على مفعول الحال تقول ما اتخذت من أحد ولياً، ولا يجوز ما اتخذت أحداً من ولي، قال صاحب «الكشاف» اتخذ يتعدى إلى مفعول واحد كقولك اتخذ ولياً، وإلى مفعولين كقولك اتخذ فلاناً ولياً، قال الله تعالى: { أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } تفسير : [النساء: 125] والقراءة الأولى من المتعدي إلى واحد وهو {مِنْ أَوْلِيَاء }، والأصل أن نتخذ أولياء فزيدت من لتأكيد معنى النفي، والثانية من المتعدي إلى مفعولين، فالأول ما بني له الفعل، والثاني {مِنْ أَوْلِيَاء } من للتبعيض، أي لا نتخذ بعض أولياء وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام. المسألة الثانية: ذكروا في تفسير هذه الآية وجوهاً: أولها: وهو الأصح الأقوى، أن المعنى إذا كنا لا نرى أن نتخذ من دونك أولياء فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك وثانيها: ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما يوليهم الكفار، قال تعالى: { أية : فَقَـٰتِلُواْ أَوْلِيَاء ٱلشَّيْطَـٰنِ } تفسير : [النساء: 76] يريد الكفرة، وقال { أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ } تفسير : [البقرة: 257] عن أبي مسلم وثالثها: ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء، أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلناه، والحاصل أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ورابعها: قالت الملائكة إنهم عبيدك، فلا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دون إذنك ولياً ولا حبيباً، فضلاً عن أن يتخذ عبد عبداً آخر إلهاً لنفسه وخامسها: أن على قراءة أبي جعفر الإشكال زائل، فإن قيل هذه القراءة غير جائزة لأنه لا مدخل لهم في أن يتخذهم غيرهم أولياء، قلنا: المراد إنا لا نصلح لذلك، فكيف ندعوهم إلى عبادتنا وسادسها: أن هذا قول الأصنام، وأنها قالت لا يصح منا أن نكون من العابدين، فكيف يمكننا ادعاؤنا أنا من المعبودين. المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، فكل ولاية مبنية على ميل النفس ونصيب الطبع فذاك على خلاف الشرع. أما قوله تعالى: {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذّكْرَ وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: معنى الآية أنك يا إلهنا أكثرت عليهم وعلى آبائهم من النعم وهي توجب الشكر والإيمان لا الإعراض والكفران، والمقصود من ذلك بيان أنهم ضلوا من عند أنفسهم لا بإضلالنا، فإنه لولا عنادهم الظاهر، وإلا فمع ظهور هذه الحجة لا يمكن الإعراض عن طاعة الله تعالى وقال آخرون إن هذا الكلام كالرمز فيما صرح به موسى عليه السلام في قوله: { أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } تفسير : [الأعراف: 155] وذلك لأن المجيب قال: إلهي أنت الذي أعطيته جميع مطالبه من الدنيا حتى صار كالغريق في بحر الشهوات، واستغراقه فيها صار صاداً له عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك، فإن هي إلا فتنتك. المسألة الثانية: الذكر ذكر الله والإيمان به (و)القرآن والشرائع، أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة. المسألة الثالثة: قال أبو عبيدة: يقال رجل بور ورجلان بور ورجال بور، وكذلك الأنثى، ومعناه هالك، وقد يقال رجل بائر وقوم بور، وهو مثل هائر وهور، والبوار الهلاك، وقد احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر، ولا شك أن المراد منه وكانوا من الذين حكم عليهم في الآخرة بالعذاب والهلاك، فالذي حكم الله عليه بعذاب الآخرة وعلم ذلك وأثبته في اللوح المحفوظ وأطلع الملائكة عليه، لو صار مؤمناً لصار الخبر الصدق كذباً، ولصار العلم جهلاً ولصارت الكتابة المثبتة في اللوح المحفوظ باطلة، ولصار اعتقاد الملائكة جهلاً وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال، فصدور الإيمان منه محال، فدل على أن السعيد لا يمكنه أن ينقلب شقياً، والشقي لا يمكنه أن ينقلب سعيداً، ومن وجه آخر هو أنهم ذكروا أن الله تعالى آتاهم أسباب الضلال وهو إعطاء المرادات في الدنيا واستغراق النفس فيها، ودلت الآية على أن ذلك السبب بلغ مبلغاً يوجب البوار، فإن ذكر البوار عقيب ذلك السبب يدل على أن البوار إنما حصل لأجل ذلك السبب، فرجع حاصل الكلام إلى أنه تعالى فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر، وحينئذ ظهر أن السعيد لا ينقلب شقياً، وأن الشقي لا ينقلب سعيداً. أما قوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ } فاعلم أنه قرىء {يَقُولُونَ } بالياء والتاء، فمعنى من قرأ بالتاء فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة، أي كذبوكم في قولكم إنهم آلهة، ومن قرأ بالياء المنقوطة من تحت، فالمعنى أنهم كذبوكم (بقولكم) {سُبْحَـٰنَكَ }، ومثاله قولك كتبت بالقلم. أما قوله: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً } فاعلم أنه قرىء {يَسْتَطِيعُونَ } بالياء والتاء أيضاً، يعني فما تستطيعون أنتم يا أيها الكفار صرف العذاب عنكم، وقيل الصرف التوبة، وقيل الحيلة من قولهم إنه ليتصرف، أي يحتال أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب (و)أن يحتالوا لكم. أما قوله تعالى: {وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرىء {يذقه} بالياء وفيه ضمير الله تعالى أو ضمير (الظلم). المسألة الثانية: أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في القطع بوعيد أهل الكبائر، فقالوا ثبت أن (من) للعموم في معرض الشرط، وثبت أن الكافر ظالم لقوله: { أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] والفاسق ظالم لقوله: {أية : وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [الحجرات: 11] فثبت بهذه الآية أن الفاسق لا يعفى عنه، بل يعذب لا محالة والجواب: أنا لا نسلم أن كلمة (من) في معرض الشرط للعموم، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، سلمنا أنه للعموم ولكن قطعاً أم ظاهراً؟ ودعوى القطع ممنوعة، فإنا نرى في العرف العام المشهور استعمال صيغ العموم، مع أن المراد هو الأكثر، أو لأن المراد أقوام معينون، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [البقرة: 6] ثم إن كثيراً من الذين كفروا قد آمنوا فلا دافع له إلا أن يقال قوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وإن كان يفيد العموم، لكن المراد منه الغالب أو المراد منه أقوام مخصوصون، وعلى التقديرين ثبت أن استعمال ألفاظ العموم في الأغلب عرف ظاهر، وإذا كان كذلك كانت دلالة هذه الصيغ على العموم دلالة ظاهرة لا قاطعة، وذلك لا ينفي تجويز العفو. سلمنا دلالته قطعاً، ولكنا أجمعنا على أن قوله: {وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ } مشروط بأن لا يوجد ما يزيله، وعند هذا نقول هذا مسلم، لكن لم قلت بأن لم يوجد ما يزيله؟ فإن العفو عندنا أحد الأمور التي تزيله، وذلك هو أحد الثلاثة أول المسألة سلمنا دلالته على ما قال، ولكنه معارض بآيات الوعد كقوله: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً } تفسير : [الكهف: 107] فإن قيل آيات الوعيد أولى لأن السارق يقطع على سبيل التنكيل ومن لم يكن مستحقاً للعقاب لا يجوز قطع يده على سبيل التنكيل، فإذا ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق الثواب أحبط لما بينا أن الجمع بين الاستحقاقين محال. قلنا لا نسلم أن السارق يقطع على سبيل التنكيل، ألا ترى أنه لو تاب فإنه يقطع لا على سبيل التنكيل بل على سبيل المحنة، نزلنا عن هذه المقامات، ولكن قوله تعالى: {وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ } إنه خطاب مع قوم مخصوصين معينين فهب أنه لا يعفو عنهم فلم قلت إنه لا يعفو عن غيرهم؟ أما قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: هذا جواب عن قولهم: { أية : مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلأَسْوَاقِ } تفسير : [الفرقان: 7] بين الله تعالى أن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله فلا وجه لهذا الطعن. المسألة الثانية: حق الكلام أن يقال: {أَلاَ أَنَّهُمْ } بفتح الألف لأنه متوسط والمكسورة لا تليق إلا بالابتداء، فلأجل هذا ذكروا وجوهاً: أحدها: قال الزجاج: الجملة بعد (إلا) صفة لموصوف محذوف، والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين، وإنما حذف لأن في قوله: {مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } دليلاً عليه، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] على معنى وما منا أحد وثانيها: قال الفراء إنه صلة لاسم متروك اكتفى بقوله: {مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } عنه، والمعنى إلا من أنهم كقوله: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } أي من له مقام معلوم، وكذلك قوله: { أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } تفسير : [مريم: 71] أي إلا من يردها فعلى قول الزجاج:الموصوف محذوف، وعلى قول الفراء: الموصول هو المحذوف، ولا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة عند البصريين، وثالثها: قال ابن الأنباري: تكسر إن بعد الاستثناء بإضمار واو على تقدير إلا وإنهم ورابعها: قال بعضهم المعنى إلا قيل إنهم. المسألة الثالثة: قرىء {يَمْشُونَ } على البناء للمفعول أي تمشيهم حوائجهم أو الناس، ولو قرىء {يَمْشُونَ } لكان أوجه لولا الرواية. أما قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: فيه أقوال: أحدها: أن هذا في رؤساء المشركين وفقراء الصحابة، فإذا رأى الشريف الوضيع قد أسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه، ودليله قوله تعالى: { أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [الأحقاف: 11] وهذا قول الكلبي والفراء والزجاج وثانيها: أن هذا عام في جميع الناس، روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : ويل للعالم من الجاهل، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، وويل للمالك من المملوك، وويل للشديد من الضعيف، وللضعيف من الشديد، بعضهم لبعض فتنة » تفسير : وقرأ هذه الآية وثالثها: أن هذا في أصحاب البلاء والعافية، هذا يقول لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق وفي العقل وفي العلم وفي الرزق وفي الأجل؟ وهذا قول ابن عباس والحسن ورابعها: هذا احتجاج عليهم في تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها، فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وأنواع أذاهم على ما قال: { أية : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } تفسير : [آل عمران: 186] والمرسل إليهم يتأذون أيضاً من المرسل بسبب الحسد وصيرورته مكلفاً بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيساً مخدوماً، والأولى حمل الآية على الكل لأن بين الجميع قدراً مشتركاً. المسألة الثانية: قال أصحابنا الآية تدل على القضاء والقدر لأنه تعالى قال: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } قال الجبائي هذا الجعل هو بمعنى التعريف كما يقال فيمن سرق، إن فلاناً لص جعله لصاً، وهذا التأويل ضعيف لأنه تعالى أضاف الجعل إلى وصف كونه فتنة لا إلى الحكم بكونه كذلك، بل العقل يدل على أن المراد غير ما ذكره وذلك لأن فاعل السبب فاعل للمسبب، فمن خلقه الله تعالى على مزاج الصفراء والحرارة وخلق الغضب فيه ثم خلق فيه الإدراك الذي يطلعه على الشيء المغضب فمن فعل هذا المجموع كان هو الفاعل للغضب لا محالة، وكذا القول في الحسد وسائر الأخلاق والأفعال، وعند هذا يظهر أنه سبحانه هو الذي جعل البعض فتنة للبعض. سلمنا أن المراد ما قاله الجبائي أن المراد من الجعل هو الحكم ولكن المجعول إن انقلب لزم انقلابه انقلاب حكم الله تعالى من الصدق إلى الكذب وذلك محال، فانقلاب ذلك الجعل محال، فانقلاب المجعول أيضاً محال، وعند ذلك يظهر القول بالقضاء والقدر. المسألة الثالثة: الوجه في تعلق هذه الآية بما قبلها أن القوم لما طعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وبأنه فقير كانت هذه الكلمات جارية مجرى الخرافات، فإنه لما قامت الدلالة على النبوة لم يكن لشيء من هذه الأشياء أثر في القدح فيها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأذى منهم من حيث إنهم كانوا يشتمونه، ومن حيث إنهم كانوا يذكرون الكلام المعوج الفاسد وما كانوا يفهمون الجواب الجيد، فلا جرم صبره الله تعالى على كل تلك الأذية، وبين أنه جعل الخلق بعضهم فتنة للبعض. أما قوله تعالى: {أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة لو كان المراد من قوله: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } الخبر لما ذكر عقيبه {أَتَصْبِرُونَ } لأن أمر العاجز غير جائز. المسألة الثانية: المعنى أتصبرون على البلاء فقد علمتم ما وعد الله الصابرين {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } أي هو العالم بمن يصبر ومن لا يصبر، فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب. المسألة الثالثة: قوله: {أَتَصْبِرُونَ } استفهام والمراد منه التقرير وموقعه بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله: {لنبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} قرأ ابن محيصِن وحميد وابن كثير وحفص ويعقوب وأبو عمرو في رواية الدورِيّ: {يَحْشُرُهُمْ} بالياء. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله في أول الكلام: «كَانَ عَلَى رَبِّكَ» وفي آخره {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَأُلاءِ}. الباقون بالنون على التعظيم. {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الملائكة والإنس والجن والمسيح وعُزير؛ قاله مجاهد وابن جريج. الضحاك وعكرمة: الأصنام. {فَيَقُولُ} قراءة العامة بالياء وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ ابن عامر وأبو حيوة بالنون على التعظيم. {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ} وهذا استفهام توبيخ للكفار. {قَالُواْ سُبْحَانَكَ} أي قال المعبودون من دون الله سبحانك؛ أي تنزيهاً لك {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ}. فإن قيل: فإن كانت الأصنام التي تعبد تحشر فكيف تنطق وهي جماد؟ قيل له: ينطقها الله تعالى يوم القيامة كما ينطق الأيدي والأرجل. وقرأ الحسن وأبو جعفر: {أَنْ نُتَّخَذُ} بضم النون وفتح الخاء على الفعل المجهول. وقد تكلم في هذه القراءة النحويون؛ فقال أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر: لا يجوز {نُتَّخَذَ}. وقال أبو عمرو: لو كانت {نُتَّخَذَ} لحذفت {مِن} الثانية فقلت: أن نُتَّخذ من دونك أولياء. كذلك قال أبو عبيدة، لا يجوز {نُتَّخَذَ} لأن الله تعالى ذكر {مِن} مرتين، ولو كان كما قرأ لقال: أن نُتخذ من دونك أولياءَ. وقيل: إن {مِن} الثانية صلة قال النحاس: ومثل أبي عمرو على جلالته ومحله يستحسن ما قال؛ لأنه جاء ببينة. وشرح ما قال أنه يقال: ما اتخذت رجلاً ولِياً؛ فيجوز أن يقع هذا للواحد بعينه؛ ثم يقال: ما اتخذت من رجل ولياً فيكون نفياً عاماً، وقولك {وليا} تابع لما قبله فلا يجوز أن تدخل فيه {مِن} لأنه لا فائدة في ذلك. {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ} أي في الدنيا بالصحة والغنى وطول العمر بعد موت الرسل صلوات الله عليهم. {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ} أي تركوا ذكرك فأشركوا بك بطراً وجهلاً فعبدونا من غير أن أمرناهم بذلك. وفي الذكر قولان: أحدهما: القرآن المنزل على الرسل؛ تركوا العمل به؛ قاله ابن زيد. الثاني؛ الشكر على الإحسان إليهم والإنعام عليهم. إنهم {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً} أي هلكى؛ قاله ابن عباس. مأخوذ من البوار وهو الهلاك. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه وقد أشرف على أهل حِمص: يا أهل حمص! هلم إلى أخ لكم ناصح، فلما اجتمعوا حوله قال: ما لكم لا تستحون! تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتأمُلون ما لا تدركون، إن من كان قبلكم بنوا مشيداً وجمعوا عبيداً، وأملوا بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً، وآمالهم غروراً، ومساكنهم قبوراً. فقوله: {بُوراً} أي هلكى. وفي خبر آخر: فأصبحت منازلهم بوراً؛ أي خالية لا شيء فيها. وقال الحسن: {بُوراً} لا خير فيهم. مأخوذ من بوار الأرض، وهو تعطيلها من الزرع فلا يكون فيها خير. وقال شهر بن حَوْشبَ: البوار الفساد والكساد؛ مأخوذ من قولهم: بارت السلعة إذا كسدت كساد الفاسد؛ ومنه الحديث: «حديث : نعوذ بالله من بوار الأَيِّم»تفسير : . وهو اسم مصدر كالزّور يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. قال ابن الزِّبَعْرىَ:شعر : يا رسولَ المليكِ إنّ لساني راتِقٌ ما فَتَقتُ إذ أنا بُورُ إذ أُباري الشيطانَ في سَنَن الغـ نيِّ ومَنْ مَالَ ميلَه مثْبُورُ تفسير : وقال بعضهم: الواحد بائر والجمع بُور. كما يقال: عائذ وعُوذ، وهائد وهُود. وقيل: «بُوراً» عمياً عن الحق. قوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} أي يقول الله تعالى عند تبرّي المعبودين: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} أي في قولكم إنهم آلهة. {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ} يعني الآلهة صرف العذاب عنكم ولا نصركم. وقيل: فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون {صَرْفاً} للعذاب {وَلاَ نَصْراً} من الله. وقال ابن زيد: المعنى فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد؛ وعلى هذا فمعنى {بِمَا تَقُولُونَ} بما تقولون من الحق وقال أبو عبيد: المعنى؛ فيما تقولون فما يستطيعون لكم صرفاً عن الحق الذي هداكم الله إليه، ولا نصراً لأنفسهم مما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم. وقراءة العامة {بِمَا تَقُولُونَ} بالتاء على الخطاب. وقد بيّنا معناه. وحكى الفراء أنه يقرأ: {فَقَدْ كَذَبُوكُمْ} مخففاً، {بِمَا يَقُولُونَ}. وكذا قرأ مجاهد والبَزّي بالياء، ويكون معنى {يَقُولُونَ} بقولهم. وقرأ أبو حَيْوَة: {بِمَا يَقُولُونَ} بياء {فَما تَسْتَطِيعُونَ} بتاء على الخطاب لمتخِذِي الشركاء. ومن قرأ بالياء فالمعنى: فما يستطيع الشركاء. {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ} قال ابن عباس: من يشرك منكم ثم مات عليه. {نُذِقْهُ} أي في الآخرة. {عَذَاباً كَبِيراً} أي شديداً؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} تفسير : [الإسراء: 4] أي شديداً.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله من الملائكة وغيرهم، فقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قال مجاهد: هوعيسى والعزير والملائكة، {فَيَقُولُ أَءَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـٰؤُلاَءِ}؟ الآية، أي: فيقول تبارك وتعالى للمعبودين: أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني، أم هم عبدوكم من تلقاء أنفسهم من غير دعوة منكم لهم؟ كما قال الله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَءَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ} تفسير : [المائدة: 116 ــــ 117] الآية، ولهذا قال تعالى مخبراً عما يجيب به المعبودون يوم القيامة: {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ} قرأ الأكثرون بفتح النون من قوله: {نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ} أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحداً سواك، لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم، من غير أمرنا ولا رضانا، ونحن برآء منهم ومن عبادتهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ} تفسير : [سبأ: 40 ــــ 41] الآية، وقرأ آخرون: {مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ} أي: ما ينبغي لأحد أن يعبدنا، فإنا عبيد لك فقراء إليك، وهي قريبة المعنى من الأولى. {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ} أي: طال عليهم العمر حتى نسوا الذكر، أي: نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً} قال ابن عباس: أي: هلكى، وقال الحسن البصري ومالك عن الزهري: أي: لا خير فيهم. وقال ابن الزبعرى حين أسلم:شعر : يا رسولَ المَليكِ إِنَّ لِساني راتِقٌ ما فَتَقْتُ إِذْ أنا بُورُ إِذْ أُجاري الشيطانَ في سَنَنِ الغَـ ـيِّ ومَنْ مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ تفسير : قال الله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} أي: فقد كذبكم الذين عبدتم من دون الله فيما زعمتم أنهم لكم أولياء، وأنهم يقربونكم إلى الله زلفى؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأحقاف: 5 ــــ 6]. وقوله: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً} أي: لا يقدرون على صرف العذاب عنهم، ولا الانتصار لأنفسهم {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ} أي: يشرك بالله {نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } بالنون والتحتانية {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره من الملائكة وعيسى وعزير والجنّ {فَيَقُولُ } تعالى بالتحتانية والنون للمعبودين إثباتاً للحجة على العابدين: {ءَأَنْتُمْ } بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المُسهلة والأخرى وتركه {أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هـَٰؤُلآءِ } أوقعتموهم في الضلال بأمركم إياهم بعبادتكم {أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ } طريق الحق بأنفسهم؟.

الشوكاني

تفسير : قوله {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } الظرف منصوب بفعل مضمر أي: واذكر، وتعليق التذكير باليوم مع أن المقصود ذكر ما فيه للمبالغة والتأكيد كما مرّ مراراً. قرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وحفص ويعقوب وأبو عمرو في رواية الدوريّ: {يحشرهم} بالياء التحتية، واختارها أبو عبيد، وأبو حاتم لقوله في أوّل الكلام {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ } والباقون بالنون على التعظيم ما عدا الأعرج، فإنه قرأ "نحشرهم" بكسر الشين في جميع القرآن. قال ابن عطية: هي قليلة في الاستعمال قوية في القياس، لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعل بضمها، وردّه أبو حبان باستواء المضموم والمكسور إلاّ أن يشتهر أحدهما، اتبع {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } معطوف على مفعول نحشر، وغلب غير العقلاء من الأصنام والأوثان، ونحوها على العقلاء من الملائكة والجن والمسيح تنبيهاً على أنها جميعاً مشتركة في كونها غير صالحة لكونها آلهة، أو لأن من يعبد من لا يعقل أكثر ممن يعبد من يعقل منها، فغلبت اعتباراً بكثرة من يعبدها، وقال مجاهد، وابن جريج: المراد: الملائكة والإنس والجن والمسيح وعزير بدليل خطابهم وجوابهم فيما بعد. وقال الضحاك، وعكرمة، والكلبي: المراد: الأصنام خاصة، وإنها وإن كانت لا تسمع ولا تتكلم، فإن الله سبحانه يجعلها يوم القيامة سامعة ناطقة، {فَيَقُولُ ءأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَـؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ } قرأ ابن عامر، وأبو حيوة، وابن كثير، وحفص، "فنقول" بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية، واختارها أبو عبيد كما اختار القراءة بها في نحشرهم، وكذا أبو حاتم. والاستفهام في قوله: {ءأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ } للتوبيخ والتقريع، والمعنى: أكان ضلالهم بسببكم وبدعوتكم لهم إلى عبادتكم، أم هم ضلوا عن سبيل الحق بأنفسهم لعدم التفكر فيما يستدل به على الحق، والتدبر فيما يتوصل به إلى الصواب؟ وجملة: {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، ومعنى سُبْحَـٰنَكَ: التعجب مما قيل لهم لكونهم ملائكة، أو أنبياء معصومين، أو جمادات لا تعقل أي: تنزيهاً لك {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء } أي: ما صح، ولا استقام لنا أن نتخذ من دونك أولياء فنعبدهم، فكيف ندعو عبادك إلى عبادتنا نحن مع كوننا لا نعبد غيرك؟ والوليّ يطلق على التابع كما يطلق على المتبوع، هذا معنى الآية على قراءة الجمهور {نتخذ} مبنياً للفاعل. وقرأ الحسن وأبو جعفر: "نتخذ" مبنياً للمفعول أي: ما كان ينبغي لنا أن يتخذنا المشركون أولياء من دونك. قال أبو عمرو بن العلاء وعيسىٰ بن عمر: لا تجوز هذه القراءة، ولو كانت صحيحة لحذفت من الثانية. قال أبو عبيدة: لا تجوز هذه القراءة لأن الله سبحانه ذكر «من» مرتين، ولو كان كما قرأ لقال: أن نتخذ من دونك أولياء. وقيل: إن «من» الثانية زائدة، ثم حكي عنهم سبحانه: بأنهم بعد هذا الجواب ذكروا سبب ترك المشركين للإيمان، فقال: {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَاءهُمْ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذّكْرَ } وفي هذا ما يدل على أنهم هم الذين ضلوا السبيل، ولم يضلهم غيرهم، والمعنى: ما أضللناهم، ولكنك يا رب متعتهم، ومتعت آباءهم بالنعم، ووسعت عليهم الرزق، وأطلت لهم العمر حتى غفلوا عن ذكرك ونسوا موعظتك والتدبر لكتابك والنظر في عجائب صنعك وغرائب مخلوقاتك. وقرأ أبو عيسىٰ الأسود القارىء: "ينبغي" مبنياً للمفعول. قال ابن خالويه: زعم سيبويه أنها لغة، وقيل: المراد بنسيان الذكر هنا: هو ترك الشكر {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً } أي: وكان هؤلاء الذين أشركوا بك، وعبدوا غيرك في قضائك الأزليّ قوماً بوراً أيْ: هلكى، مأخوذ من البوار، وهو الهلاك: يقال: رجل بائر وقوم بور، يستوي فيه الواحد والجماعة لأنه مصدر يطلق على القليل والكثير، ويجوز أن يكون جمع بائر. وقيل: البوار الفساد. يقال: بارت بضاعته أي: فسدت، وأمر بائر أي: فاسد، وهي لغة الأزد. وقيل: المعنى: لا خير فيهم، مأخوذ من بوار الأرض، وهو تعطيلها من الزرع، فلا يكون فيها خير، وقيل: إن البوار الكساد، ومنه بارت السلعة إذا كسدت. {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ } في الكلام حذف، والتقدير: فقال الله عند تبري المعبودين مخاطباً للمشركين العابدين لغير الله فقد كذبوكم أي: فقد كذبكم المعبودون بما تقولون أي: في قولكم إنهم آلهة {فَمَا يَسْتَطِيعُونَ } أي: الآلهة {صَرْفاً } أي: دفعاً للعذاب عنكم بوجه من الوجوه، وقيل: حيلة {وَلاَ نَصْراً } أي: ولا يستطيعون نصركم، وقيل: المعنى: فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون صرفاً للعذاب الذي عذبهم الله به، ولا نصراً من الله، وهذا الوجه مستقيم على قراءة من قرأ: "تستطيعون" بالفوقية، وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون بالتحتية، وقال ابن زيد: المعنى: فقد كذبوكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا، فمعنى {بما تقولون}: ما تقولونه من الحق، وقال أبو عبيد: المعنى: فما يستطيعون لكم صرفاً عن الحق الذي هداكم الله إليه ولا نصراً لأنفسهم بما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم. وقرأ الجمهور {بما تقولون} بالتاء الفوقية على الخطاب. وحكى الفراء: أنه يجوز أن يقرأ: "فقد كذبوكم" مخففاً بما يقولون، أي: كذبوكم في قولهم، وكذا قرأ بالياء التحتية مجاهد، والبزي {وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً } هذا وعيد لكل ظالم، ويدخل تحته الذين فيهم السياق دخولاً أولياً، والعذاب الكبير عذاب النار، وقرىء: "يذقه" بالتحتية، وهذه الآية وأمثالها مقيدة بعدم التوبة. ثم رجع سبحانه إلى خطاب رسوله موضحاً لبطلان ما تقدّم من قوله: {يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ } فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ } قال الزجاج: الجملة الواقعة بعد "إلاّ" صفة لموصوف محذوف، والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلاّ آكلين وماشين، وإنما حذف الموصوف لأن في قوله: {مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } دليلاً عليه، نظيره: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] أي: وما منا أحد. وقال الفراء: لا محل لها من الإعراب، وإنما هي صلة لموصول محذوف هو المفعول، والتقدير: إلاّ من أنهم، فالضمير في أنهم وما بعده راجع إلى من المقدّرة، ومثله قوله تعالى: {أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } تفسير : [مريم: 71] أي: إلاّ من يردها، وبه قرأ الكسائي، قال الزجاج: هذا خطأ؛ لأنّ من الموصولة لا يجوز حذفها. وقال ابن الأنباري: إنها في محل نصب على الحال، والتقدير: إلاّ وأنهم، فالمحذوف عنده الواو، قرأ الجمهور: {إلا إنهم} بكسر إنّ لوجود اللام في خبرها كما تقرّر في علم النحو، وهو مجمع عليه عندهم. قال النحاس: إلاّ أن عليّ بن سليمان الأخفش حكى لنا عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال: يجوز في إنّ هذه الفتح، وإن كان بعدها اللام، وأحسبه وهماً، وقرأ الجمهور: {يمشون} بفتح الياء، وسكون الميم، وتخفيف الشين. وقرأ عليّ وابن عوف وابن مسعود بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشدّدة، وهي بمعنى القراءة الأولى، قال الشاعر:شعر : أمشي بأعطان المياه وأتقي قلائص منها صعبة وركوب تفسير : وقال كعب بن زهير:شعر : منه تظل سباع الحيّ ضامزة ولا تمشي بواديه الأراجيل تفسير : {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } هذا الخطاب عامّ للناس، وقد جعل سبحانه بعض عبيده فتنة لبعض، فالصحيح فتنة للمريض، والغنيّ فتنة للفقير، وقيل: المراد بالبعض الأوّل: كفار الأمم، وبالبعض الثاني: الرسل. ومعنى الفتنة: الابتلاء والمحنة. والأوّل أولى، فإن البعض من الناس ممتحن بالبعض مبتلى به؛ فالمريض يقول: لم لم أجعل كالصحيح؟ وكذا كل صاحب آفة، والصحيح مبتلى بالمريض، فلا يضجر منه، ولا يحقره، والغني مبتلى بالفقير يواسيه، والفقير مبتلى بالغنيّ يحسده. ونحو هذا مثله، وقيل: المراد بالآية: أنه كان إذا أراد الشريف أن يسلم، ورأى الوضيع قد أسلم قبله أنف، وقال: لا أسلم بعده، فيكون له علي السابقة والفضل، فيقيم على كفره، فذلك افتتان بعضهم لبعض، واختار هذا الفراء، والزجاج. ولا وجه لقصر الآية على هذا، فإن هؤلاء إن كانوا سبب النزول، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم قال سبحانه بعد الإخبار بجعل البعض للبعض فتنة: {أَتَصْبِرُونَ } هذا الاستفهام للتقرير، وفي الكلام حذف تقديره، أم لا تصبرون؟ أي: أتصبرون على ما ترون من هذه الحال الشديدة، والابتلاء العظيم. قيل: موقع هذه الجملة الاستفهامية ها هنا موقع قوله: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } في قوله: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } تفسير : [الملك: 2]، ثم وعد الصابرين بقوله: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } أي: بكل من يصبر ومن لا يصبر، فيجازي كلاً منهما بما يستحقه. وقيل: معنى {أتصبرون}: اصبروا مثل قوله: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } تفسير : [المائدة: 91] أي: انتهوا. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } هذه المقالة من جملة شبههم التي قدحوا بها في النبوة، والجملة معطوفة على {وَقَالُواْ مَّالِ هَـٰذَا} أي: وقال المشركون الذين لا يبالون بلقاء الله كما في قول الشاعر:شعر : لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما على أيّ جنب كان في الله مصرعي تفسير : أي: لا أبالي، وقيل: المعنى: لا يخافون لقاء ربهم كقول الشاعر:شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل تفسير : أي: لم يخف، وهي لغة تهامة. قال الفراء وضع الرجاء موضع الخوف، وقيل: لا يأملون، ومنه قول الشاعر:شعر : أترجو أمة قتلت حسينا شفاعة جدّه يوم الحساب تفسير : والحمل على المعنى الحقيقي أولى، فالمعنى: لا يأملون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب، ومعلوم أن من لا يرجو الثواب لا يخاف العقاب {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ} أي: هلا أنزلوا علينا، فيخبرونا أن محمداً صادق، أو هلا أنزلوا علينا رسلاً يرسلهم الله {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } عياناً، فيخبرنا بأن محمداً رسول، ثم أجاب سبحانه عن شبهتهم هذه، فقال {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً } أي: أضمروا الاستكبار عن الحق والعناد في قلوبهم كما في قوله: {أية : إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ } تفسير : [غافر: 56]، والعتوّ مجاوزة الحد في الطغيان، والبلوغ إلى أقصى غاياته، ووصفه بالكبر لكون التكلم بما تكلموا به من هذه المقالة الشنيعة في غاية الكبر والعظم، فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة إليهم، بل جاوزوا ذلك إلى التخيير بينه وبين مخاطبة الله سبحانه، ورؤيته في الدنيا من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان، ولقد بلغ هؤلاء الرذالة بأنفسهم مبلغاً هي أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله، أو تعدّ من المستعدّين له، وهكذا من جهل قدر نفسه، ولم يقف عند حدّه، ومن جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى. وانتصاب {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَة} بفعل محذوف أي: واذكر يوم يرون الملائكة رؤية ليست على الوجه الذي طلبوه، والصورة التي اقترحوها، بل على وجه آخر، وهو يوم ظهورهم لهم عند الموت، أو عند الحشر، ويجوز أن يكون انتصاب هذا الظرف بما يدلّ عليه قوله {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ } أي: يمنعون البشرى يوم يرون، أو لا توجد لهم بشرى فيه، فاعلم سبحانه بأن الوقت الذي يرون فيه الملائكة، وهو وقت الموت، أو يوم القيامة قد حرمهم الله البشرى. قال الزجاج: المجرمون في هذا الموضع الذين اجترموا الكفر بالله {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } أي: ويقول الكفار عند مشاهدتهم للملائكة، حجراً محجوراً، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوّ وهجوم نازلة يضعونها موضع الاستعاذة، يقال للرجل: أتفعل كذا؟ فيقول: حجراً محجوراً أي: حراماً عليك التعرّض لي. وقيل: إن هذا من قول الملائكة، أي: يقولون للكفار: حراماً محرّماً أن يدخل أحدكم الجنة، ومن ذلك قول الشاعر:شعر : ألا أصبحت أسماء حجراً محرّما وأصبحت من أدنى حمومتها حماء تفسير : أي: أصبحت أسماء حراماً محرّماً، وقال آخر:شعر : حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام إلاّ تلك الدهاريس تفسير : وقد ذكر سيبويه في باب المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها هذه الكلمة، وجعلها من جملتها. {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً } هذا وعيد آخر، وذلك أنهم كانوا يعملون أعمالاً لها صورة الخير: من صلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وإطعام الطعام وأمثالها، ولم يمنع من الإثابة عليها إلاّ الكفر الذي هم عليه، فمثلت حالهم وأعمالهم بحال قوم خالفوا سلطانهم، واستعصوا عليه، فقدم إلى ما معهم من المتاع، فأفسده، ولم يترك منها شيئاً، وإلاّ فلا قدوم ها هنا. قال الواحدي: معنى قدمنا: عمدنا وقصدنا، يقال: قدم فلان إلى أمر كذا إذا قصده أو عمده، ومنه قول الشاعر:شعر : وقدم الخوارج الضلال إلى عباد ربهم فقالوا إن دماءكم لنا حلال تفسير : وقيل: هو قدوم الملائكة أخبر به عن نفسه تعالى، والهباء واحده هباءة، والجمع أهباء. قال النضر بن شميل: الهباء: التراب الذي تطيره الريح كأنه دخان. وقال الزجاج: هو ما يدخل من الكوّة مع ضوء الشمس يشبه الغبار، وكذا قال الأزهري: والمنثور المفرق، والمعنى: أن الله سبحانه أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور، لم يكتف سبحانه بتشبيه عملهم بالهباء حتى وصفه بأنه متفرّق متبدّد وقيل: إن الهباء: ما أذرته الرياح من يابس أوراق الشجر، وقيل: هو الماء المهراق. وقيل: الرماد. والأوّل هو الذي ثبت في لغة العرب، ونقله العارفون بها. ثم ميز سبحانه حال الأبرار من حال الفجار، فقال {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } أي: أفضل منزلاً في الجنة {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } أي: موضع قائلة، وانتصاب {مستقرًّا} على التمييز. قال الأزهري: القيلولة عند العرب: الاستراحة نصف النهار إذا اشتدّ الحرّ، وإن لم يكن مع ذلك يوم. قال النحاس: والكوفيون يجيزون: العسل أحلى من الخلّ. وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } الآية قال: عيسىٰ، وعزير، والملائكة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {قَوْماً بُوراً } قال: هلكى. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله: {وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ } قال: هو الشرك. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: يشرك. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأسْوَاقِ } يقول: إن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا بهذه المنزلة يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } قال: بلاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن الحسن: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } قال: يقول الفقير: لو شاء الله لجعلني غنياً مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان، ويقول الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً } قال: شدّة الكفر. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَة} قال: يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطية العوفيّ نحوه. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد: {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } قال: عوذاً معاذاً، الملائكة تقوله. وفي لفظ قال: حراماً محرّماً أن تكون البشرى في اليوم إلاّ للمؤمنين. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عطية العوفيّ، عن أبي سعيد الخدري في قوله: {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } قال: حراماً محرّماً أن نبشركم بما نبشر به المتقين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة: {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } قالا: هي كلمة كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا نزلت به شدّة قال: حجراً محجوراً حراماً محرّماً. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ } قال: عمدنا إلى ما عملوا من خير ممن لا يتقبل منه في الدنيا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {هَبَاءً مَّنثُوراً } قال: الهباء شعاع الشمس الذي يخرج من الكوّة. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب قال: الهباء وهيج الغبار يسطع، ثم يذهب، فلا يبقي منه شيء، فجعل الله أعمالهم كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منها الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال: هو ما تسفي الريح وتبثه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: هو الماء المهراق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } قال: في الغرف من الجنة. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: لا ينصرف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُم} فيه قولان: أحدهما أنه حَشْرُ الموت، قاله مجاهد. الثاني: حشر البعث، قاله ابن عباس. {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} قاله مجاهد: هم عيسى وعزير والملائكة. {فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هؤُلآءِ} وهذا تقرير لإِكذاب من ادّعى ذلك عليهم وإن خرج مخرج الاستفهام. وفيمن قال له ذلك القول قولان: أحدهما أنه يقال هذا للملائكة، قاله الحسن. الثاني: لعيسى وعزير والملائكة، قاله مجاهد. {أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ} أي أخطأوا قصد الحق بأجابوا بأن: {قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَن نَتَّخذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيآءَ} فيه وجهان: أحدهما ما كنا نواليهم على عبادتنا. الثاني: ما كنا نتخذهم لنا أولياء. {وَلكن مَّتَّعْنَهُمْ وَءَابَاءَهُمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: متعهم بالسلامة من العذاب، قاله يحيى بن سلام. الثاني: بطول العمر، حكاه النقاش. الثالث: بالأموال والأولاد. {حَتَّى نَسُواْ الذِكْر} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: حتى تركوا القرآن، قاله ابن زيد. الثاني: حتى غفلوا عن الطاعة. الثالث: حتى نسوا الإِحسان إليهم والإِنعام عليهم. {وََكَانَوا قَوْماً بُوراً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني هلكى، قاله ابن عباس، مأخوذ من البوار وهو الهلاك. الثاني: هم الذين لا خير فيهم، قاله الحسن مأخوذ من بوار الأرض وهو تعطلها من الزرع فلا يكون فيها خير. الثالث: أن البوار الفساد، قاله شهر بن حوشب وقتادة، مأخوذ من قولهم بارت إذا كسدت كساد الفاسد ومنه الأثر المروي: نعوذ بالله من بوار الأيم، وقال عبد الله بن الزِبعرى: شعر : يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بُور تفسير : {فقد كذبوكُم بما تقولون} فيه قولان: أحدهما: أن الملائكة والرسل قد كذبوا الكفار فيما يقولون أنهم اتخذوهم أولياء من دونه، قاله مجاهد. الثاني: أن المشركين كذبوا المؤمنين فيما يقولونه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن زيد. {فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً} فيه أربعة أوجه: أحدها: صرف العذاب عنهم ولا ينصرون أنفسهم، قاله ابن زيد. الثاني: فما يستطيعون صرف الحجة عنهم ولا نصراً على آلهتهم في تعذيبهم، قاله الكلبي. الثالث: فما يستطيعون صرفك يا محمد عن الحق ولا نصر أنفسهم من عذاب التكذيب، حكاه عيسى. الرابع: أن الصرف الحيلة حكاه ابن قتيبة والصرف الحيلة مأخوذ من قولهم إنه ليتصرف أي يحتال. وأما قولهم لا يقبل منهم صرف ولا عَدْل ففيه وجهان: أحدهما: أن الصرف: النافلة، والعَدل: الفريضة. الثاني: أن الصرف: الدية، والعَدل: القود.

ابن عطية

تفسير : المعنى واذكر يوم، والضمير في {نحشرهم} للكفار، وقوله {وما يعبدون} يريد به كل شيء عبد من دون الله فغلب العبارة عما لا يعقل من الأوثان لأنها كانت الأغلب وقت المخاطبة، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص والأعرج وأبو جعفر "يحشرهم" "فيقول" بالياء، وفي قراءة عبد الله "وما يعبدون من دونك"، وقرأ الأعرج "نحشِرهم" بكسر الشين وهي قليل في الاستعمال قوية في القياس لأن يفعِل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعُل بضم العين، وهذه الآية تتضمن الخبر عن أن الله يوبّخ الكفار في القيامة بأن يوقف المعبودين على هذا المعنى ليقع الجواب بالتبري من الذنب فيقع الخزي على الكافرين، واختلف الناس في الموقف المجيب في هذه الآية، فقال جمهور المفسرين هو كل من ظلم بأن عبد ممن يعقل كالملائكة وعزير وعيسى وغيرهم، وقال الضحاك وعكرمة الموقف المجيب الأصنام التي لا تعقل يقدرها الله تعالى يومئذ على هذه المقالة ويجيء خزي الكفرة لذلك أبلغ، وقرأ جمهور الناس "نَتخذ" بفتح النون وذهبوا بالمعنى إلى أنه من قول من يعقل وأن هذه الآية بمعنى التي في سورة سبأ: {أية : ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم} تفسير : [سبأ: 40 - 41]، وكقول عيسى عليه السلام {أية : وما قلت لهم إلا ما أمرتني به} تفسير : [المائدة: 117]، و {من أولياء} في هذه القراءة في موضع المفعول به، وقرأ أبو جعفر والحسن وأبو الدرداء وزيد بن ثابت وأبو رجاء ونصر بن علقمة ومكحول وزيد بن علي وحفص بن حميد "نُتخذ" بضم النون، وتذهب هذه مذهب من يرى أن الموقف المجيب الأوثان ويضعف هذه القراءة دخول {من} في قوله {من أولياء}، اعترض بذلك سعيد بن جبير، وغيره، قال أبو الفتح {من أولياء} في موضع الحال ودخلت {من} زائدة لمكان النفي المتقدم كما تقول ما اتخذت زيداً من وكيل، وقرأ علقمة "ما ينبغي" بسقوط "كان" وثبوتها أمكن في المعنى، لأنهم أخبروا على حال كانت في الدنيا ووقت الإخبار لا عمل فيه، وفسّر هذا المجيب بحسب الخلاف فيه الوجه في ضلال الكفار كيف وقع، وأنه لما متعهم الله تعالى بالنعم الدنياوية وأدرها لهم ولأسلافهم الأحقاب الطويلة {نسوا الذكر} أي ما ذكر به الناس على ألسنة الأنبياء، و {بوراً}، معناه هلكاً، والبوار الهلاك واختلف في لفظة بور، فقالت فرقة هو مصدر يوصف به الجمع والواحد ومنه قول ابن الزبعرى: {الخفيف] شعر : يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور تفسير : وقالت فرقة هي جمع بائر وهو الذي قد فارقه الخير فحصل بذلك في حكم الهلاك باشره الهلاك بعد أو لم يباشر، قال الحسن البائر الذي لا خير فيه، وقوله تعالى: {فقد كذبوكم} الآية خطاب من الله تعالى بلا خلاف، فمن قال إن المجيب الأصنام كان معنى هذه إخبار الكفار أن أصنامهم قد كذبوهم، وفي هذه الأخبار خزي وتوبيخ، والفرقة التي قالت إن المجيب هو الملائكة وعزير وعيسى ونحوهم اختلفت في المخاطب بهذه الآية، فقالت فرقة المخاطب الكفار على جهة التقريع والتوبيخ وقالت فرقة المخاطب هؤلاء المعبودون أعلمهم الله تعالى أن الكفار بأفعالهم القبيحة قد كذبوا هذه المقالة وزعموا أن هؤلاء هم الأولياء من دون الله، وقالت فرقة خاطب الله تعالى المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أي كذبوكم أيها المؤمنون الكفار فيما تقولونه من التوحيد والشرع، وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم "بما يقولون فما يستطيعون" بالياء فيهما، وقرأ حفص عن عاصم "بما تقولون فما تستطيعون" بالتاء فيهما، وقرأ الباقون وأبو بكر أيضاً عن عاصم والناس "تقولون" بالتاء من فوق " فما يستطيعون" بالياء من تحت، ورجحها أبو حاتم، وقرأ أبو حيوة "يقولون" بالياء، من تحت "فما تستطيعون" بالتاء من فوق، وقال مجاهد الضمير في "يستطيعون" هو للمشركين، قال الطبري وفي مصحف ابن مسعود، "فما يستطيعون لك صرفاً" وفي قراءة أبي بن كعب "لقد كذبوك فما يستطيعون لك"، قال أبو حاتم في حرف عبد الله "لكم صرفاً" على جمع الضمير، و {صرفاً} معناه ردّ التكذيب أو العذاب أو ما اقتضاه المعنى بحسب الخلاف المتقدم، وقوله {ومن يظلم منكم نذقه،}، قيل هو خطاب للكفار، وقيل للمؤمنين، والظلم هنا الشرك قاله الحسن وابن جريج وقد يحتمل أن يعم غيره من المعاصي، وفي حرف أبي "ومن يكذب منكم نذقه عذاباً كبيراً".

ابن عبد السلام

تفسير : {يَحْشُرُهُمْ} حشر الموت، أو البعث "ع" {وَمَا يَعْبُدُونَ} عيسى وعُزير والملائكة {فَيَقُولُ} للملائكة، أو لعيسى وعُزير والملائكة {ءَأَنتُمْ} تقريرٌ لإكذاب المدعين عليهم ذلك.

النسفي

تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } للبعث عند الجمهور وبالياء: مكي ويزيد ويعقوب وحفص. {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } يريد المعبودين من الملائكة والمسيح وعزير. وعن الكلبي يعني الأصنام ينطقها الله. وقيل: عام وما يتناول العقلاء وغيرهم لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبوديهم {فَيَقُولُ } وبالنون شامي {ءأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ } والقياس ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل إلى الطريق أو للطريق. وضل مطاوع أضله والمعنى أأنتم أوقعتموهم في الضلال عن طريق الحق بإدخال الشبه أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟ وإنما لم يقل «أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل» وزيد «أنتم» و«هم» لأن السؤال ليس عن الفعل ووجوده لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن متوليه فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام ليعلم أنه المسؤول عنه. وفائدة سؤالهم مع علمه تعالى بالمسؤول عنه أن يجيبوا بما أجابوا به حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم فتزيد حسرتهم {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ } تعجب منهم مما قيل لهم وقصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له نبي أو ملك أو غيرهما نداً. ثم قالوا {مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء } أي ما كان يصح لنا ولا يستقيم أن نتولى أحداً دونك فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا على أن يتولونا دونك؟ {نتخذ} يزيد. و«اتخذ» يتعدى إلى مفعول واحد نحو «اتخذ ولياً» وإلى مفعولين نحو «اتخذ فلاناً ولياً» قال الله تعالى: {أية : أَمِ ٱتَّخَذُواْ الِهَةً مّنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنبياء: 21] {أية : َٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } تفسير : [النساء: 125] فالقراءة الأولى لواحد وهو من أولياء والأصل أن تتخذ أولياء وزيدت «من» التأكيد معنى النفي، والقراءة الثانية في المتعدي إلى المفعولين فالمفعول الأول ما بني له الفعل والثاني من أولياء و«من» للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء لأن من لا تزاد في المفعول الثاني بل في الأول تقول «ما اتخذت من أحد ولياً» ولا تقول «ما اتخذت أحداً من ولي» {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ } بالأموال والأولاد. وطول العمر والسلامة من العذاب {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذّكْرَ } أي ذكر الله والإيمان به والقرآن والشرائع {وَكَانُواْ } عند الله {قَوْماً بُوراً } أي هلكى جمع بائر كعائذ وعوذ ثم يقال للكفار بطريق الخطاب عدولاً عن الغيبة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآية قرأ ابن عامر "نَحْشَرُهُمْ... فَنَقُولُ" بالنون فيهما، وابن كثير وحفص بالياء من تحت فيهما، والباقون بالنون في الأوّل وبالياء في الثاني. وهُنّ واضحات. وقرأ الأعرج "نَحْشِرهُمْ" بكسر الشين في جميع القرآن. قال ابن عطية: هي قليلة في الاستعمال قوية في القياس، لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعُل بضم العين. وقال أبو الفضل الرازي: وهو القياس في الأفعال الثلاثية المتعدية؛ لأن يفعل بضم العين قد يكون من اللازم الذي هو فَعُل بضمها في الماضي. قال أبو حيان: وليس كما ذكرا بل فعل المُتعدي الصحيح جميع حروفه إذا لم يكن للمبالغة، ولا حلقي عين ولا لام فإنه جاء على يفعِل ويفعُل كثيراً، فإن شُهِرَ أحد الاستعمالين اتُّبع وإلا فالخيار حتى إن بعض أصحابنا خيَّر فيهما سُمِعَا للكلمة أم لم يُسْمَعَا. قال شهاب الدين: الذي خيَّر في ذلك ابن عصفور، فيجيز أن يقول: زيد يفعِل بكسر العين، ويَضْرِب بكسر الراء مع سماع الضم في الأول والكسر في الثاني وسبقه إلى ذلك ابن درستويه (إلا أن) النحاة على خلافه. قوله: "وَمَا يَعْبُدُونَ" عطف على مفعول "يَحْشُرُهُمْ"، ويضعف نصبه على المعية، وغلب غير العاقل عليه فأتي بـ "ما" دون "من". فصل ظاهر قوله: "وَمَا يَعْبُدُونَ" أنها الأصنام، لأن (ما) لما لا يعقل. وظاهر قوله: {فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ} أنه من عبد من الأحياء كالملائكة والمسيح وعزير وغيرهم؛ لأن الإضلال وجد بهم فلهذا اختلفوا. فقال مجاهد: أراد الملائكة والجن والمسيح وعزير. وقال عكرمة والضحاك والكلبي: يعني الأصنام. فقيل لهم: كيف يخاطب الله تعالى الجماد فأجابوا بوجهين: أحدهما: أنه تعالى يخلق الحياة فيها ويخاطبها. والثاني: أن يكون ذلك بالكلام النفساني لا بالقول اللساني بل بلسان الحال كما ذكر بعضهم في تسبيح الموات، وكلام الأيدي والأرجل، وكما قيل سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك؟ فإن لم يحصل جواباً أجابتك اعتباراً. وقال الأكثرون: المراد الملائكة وعيسى وعزير - عليهم السلام - قالوا: ويتأكد هذا القول بقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} تفسير : [سبأ: 40] فإن قيل: لفظة "ما" لا تستعمل في العقلاء. فالجواب من وجهين: الأول: لا نسلم أن كلمة "ما" لا تستعمل لمن لا يعقل؛ لأنهم قالوا: "مَنْ" لمن لا يعقل في قوله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ} تفسير : [النور: 45]. الثاني: أنه أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبودهم. وقال تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا} تفسير : [الشمس: 5]، {أية : وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} تفسير : [الكافرون: 3] وهذا لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين. فصل قالت المعتزلة: (وفيه كسر بيّن لقول من يقول إن) الله يضل عباده في الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقول: إلهنا ههنا قسم ثالث غيرهما هو الحق، وهو أنّك أضللتهم فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا ضلالهم إلى أنفسهم، علمنا أنه تعالى لا يضل أحداً من عباده، فإن قيل: لا نسلم أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه، وقالوا: {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ}، وهذا تصريح بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما فعل الله بهم، وهو أنه تعالى متَّعهم وآباءهم بنعيم الدنيا. قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يلزم أن يصير الله محجوجاً في يد أولئك المعبودين، ومعلوم أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجاً مفحماً ملوماً. وأجاب أهل السنة بأن القدرة على الضلال إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من الله، وإن صلحت له لم يترجح اقتدارها للضلال على اقتدارها على الاهتداء إلا لمرجح من الله تعالى، وعند ذلك يزول السؤال. وأما ظاهر الآية وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظوهر المطابقة لقولنا. قوله: "هؤلاء" يجوز أن يكون نعتاً لـ "عِبَادي" أو بدلاً أو بياناً. قوله: "ضلّوا السَّبِيلَ" على حذف حرف الجر وهو "عن" كما صرح به في قوله {أية : يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام: 117] ثم اتُّسع فيه فحُذِف نحو هَدَى، فإنَّه يتعدَّى بـ (إلى) وقد يُحْذَف اتساعاً. و"ضَلَّ" مطاوع (أَضَلَّ). فإن قيل: إِنَّهُ تعالى كان عالماً في الأزل بحال المسؤول عنه فما فائدة هذا السؤال؟ فالجواب: هذا سؤال تقريع للمشركين كما قيل لعيسى {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 116]. فإن قيل: فما فائدة "أَنْتُمْ"، وهلاَّ قيل: أَأَضْلَلْتُمْ عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؟ فالجواب: هذا سؤال عن الفاعل فلا بدَّ من ذكره حتى يعلم أنه المسؤول عنه. وقوله: "أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ... أَمْ هُمْ ضَلُّوا" (إنما قدم الاسم على الفعل) كما تقدم في قوله: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 116]. قوله: "يَنْبَغِي" العامة على بنائه للفاعل، وأبو عيسى الأسود القارئ "يُنْبَغَى" مبنيًّا للمفعول. قال ابن خالويه: زعم سيبويه أنَّ "يُنْبَغَى" لغة. قوله: "أَنْ نَتَّخِذَ" فاعل "يَنْبَغِي"، أو مفعول قائم مقام الفاعل في قراءة الأسود وقرأ العامة "نَتَّخِذَ" مبنيًّا للفاعل، و"مِنْ أَوْلِيَاء" مفعوله وزيدت فيه (مِنْ) ويجوز أن يكون مفعولاً أوَّلَ على أن (اتَّخَذَ) متعدياً لاثنين. ويجوز أن لا تكون المتعدية لاثنين بل لواحد، فعلى هذا "مِنْ دُونِكَ" متعلق بالاتخاذ، أو بمحذوف على أنه حال من "أَوْلِيَاء". وقرأ أبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو رجاء، والحسن، وأبو جعفر في آخرين: "نُتَّخَذَ" مبنيًّا للمفعول. وفيه أوجه: أحدها: أنها المتعدية لاثنين، فالأول: "هُمْ" ضمير الاثنين، والثاني: قوله: "مِن أَوْلِيَاء" و"مِنْ" للتبعيض، أي: ما كان ينبغي أن نتخذ بعض أولياء، قاله الزمخشري. الثاني: أنَّ "مِنْ أَوْلِيَاء" هو المفعول الثاني - (أيضاً - إلاَّ أن "مِنْ" مزيدة في المفعول الثاني). وهذا مردود بأن "مِنْ" لا تزاد في المفعول الثاني إنما تزاد في الأول. قال ابن عطية: ويضعف هذه القراءة دخول "مِنْ" في قوله: "مِنْ أَوْلِيَاء" اعترض بذلك سعيد بن جبير وغيره. قال الزجاج: أخطأ من قرأ بفتح الخاء وضم النون، لأنَّ "مِنْ" إنما تدخل في هذا الباب إذا كانت مفعولةً أولاً ولا تدخل على مفعول الحال، تقول: ما اتخذت من أحدٍ ولياً، ولا يجوز ما اتخذت أحداً من وليٍّ. الثالث: أن يكون "مِنْ أَوْلِيَاء" في موضع الحال قاله ابن جني إلاَّ أنه قال: ودخلت "مِنْ" زيادة لمكان النفي المتقدم كقولك: ما اتخذت زيداً من وكيل. فظاهر هذا أنه جعل الجار والمجرور (في موضع الحال، وحينئذ يستحيل أن تكون "مِنْ" مزيدة ولكنه يريد أن هذا المجرور) هو الحال نفسه و"مِنْ" مزيدة فيه إلاَّ أنه لا يحفظ زيادة "مِنْ" في الحال وإن كانت منفية وإنما حفظ زيادة الباء فيها على خلاف في ذلك. فإن قيل: هذه القراءة غير جائزة، لأنه لا مدخل لهم في أن يتخذهم غيرهم أولياء. قلنا: المراد أنا لا نصلح لذلك، فكيف ندعوهم إلى عبادتنا؟ وقرأ الحجاج: نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ [أولياء] فبلغ عاصماً فقال: مَقَّتَ المُخْدجُ، أو ما علم أنَّ فيها "مِنْ". فصل أجابوا بقولهم: "سُبْحَانَكَ". وفيه وجوه: أحدها: أنه تعجب منهم، تعجبوا مما قيل لهم؛ لأنهم ملائكة، والأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختصٌّ بإبليس وجنوده. وثانيها: أنهم نطقوا بـ "سُبْحَانَكَ" ليدلوا على أنهم المسبحون الموسومون بذلك، فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده. وثالثها: قصدوا بالتسبيح تنزيهه عن الأنداد سواء كان المسبح وثناً أو نبياً أو ملكاً. ورابعها: قصدوا تنزيهه أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو إبراء من كان بريئاً من الجرم، بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم. وقولهم: {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ}. معناه: إذا كنا لا نرى أن يتخذ من دونك ولياً، فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك، أي ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك. وقيل: ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين. وقيل: ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء، أي: إنا علمنا أنك لا ترضى بهذا فما فعلنا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: قالت الملائكة: (إنَّا وهم عبيدك، ولا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دون إذنك ولياً ولا حبيباً فضلاً عن أن يتخذ عبداً آخر إلهاً. وقيل: قالت الأصنام): إنا لا يصلح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادعاؤنا من المعبودين. قوله: "وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ". لمَّا تضمَّن كلامهم أنَّا لم نضلهم ولم نحملهم على الضلال حسن هذا الاستدراك، وهو أن ذكروا سببه، أي: أنعمت عليهم وتفضلت فجعلوا ذلك ذريعةً إلى ضلالهم عكس القضية. والمعنى متعتهم وآباءهم في الدنيا بطول العمر والصحة والنعمة. {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ} تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن. وقيل: تركوا ذكرك وغفلوا عنه. قوله: {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً} أي: هلكى غلب عليهم الشقاء والخذلان. و"بُوراً" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه جمع بائر كعائذ وعوذ. والثاني: أنه مصدر في الأصل كالزور، فيستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، وهو من البوار وهو الهلاك. وقيل من الفساد، وهي لغة الأزد، يقولون: بَارَتْ بِضَاعَتُه أي: فسدت، وأمرنا بائر، أي: فاسد، وهذا معنى قولهم: كسدت البضاعة. وقال الحسن: هو من قولهم: أرض بورٌ، أي: لا نبات بها. وهذا يرجع إلى معنى الهلاك والفساد. قوله تعالى: "فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ" هذا خطاب مع المشركين، أي: كَذَّبَكُمُ المعبودون في قولكم إنهم آلهة وإنهم أضلوكم. وقيل: خطاب للمؤمنين في الدنيا، أي: فقد كذبوكم أيها المؤمنون الكفار بما تقولون من التوحيد في الدُّنيا، وهو معنى قوله "بِما تَقُولُونَ". وهذه الجملة من كلام الله تعالى اتفاقاً، فهي على إضمار القول والالتفات. قال الزمخشري: هذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنةٌ رائعةٌ وخاصة إذا انضمَّ إليها الالتفات وحذف القول، ونحوها قوله: {أية : يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ [فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ]} تفسير : [المائدة: 19]، وقول القائل: شعر : 3868- قالوا خُراسَانُ أَقْصَى مَا يُرَادُ بِنَا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانَا تفسير : انتهى. يريد أنَّ الأصل في الآية الكريمة فقلنا فقد كذبوكم، وفي البيت: فقلنا قد جئنا. وقرأ أبو حيوة وقنبل في رواية ابن أبي الصلت عنه بالياء من تحت، أي: "فَقَدْ كَذَّبَكُم الآلِهَةُ بِمَا يَقُولُونَ (سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ" إلى آخره وقيل: المعنى: فقد كذبكم أيها المؤمنون الكفار بما يقولون) من الافتراء عليكم. قوله: "فَمَا يَسْتَطِيعُونَ". قرأ حفص بتاء الخطاب، والمراد عبَّادها، والمعنى فما تستطيعون أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم. وقيل: الصرف: التوبة، وقيل: الحيلة. وقرأ الباقون باء الغيبة، والمراد الآلهة التي كانوا يعبدونها من عاقل وغيره، ولذلك غلب العاقل وأتى بواو الضمير، والمعنى: فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب وأن يحتالوا لكم. قوله: {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ}. قرأ العامة "نُذِقْهُ" بنون العظمة، وقرئ بالياء، وفي الفاعل وجهان: أظهرهما: أنه الله تعالى لدلالة قراءة العامة على ذلك. والثاني: أنه ضمير الظلم المفهوم من الفعل، وفيه تجوز بإسناد إذاقة العذاب إلى سببها وهو الظلم، والمعنى: ومن يشرك منكم نذقه عذاباً كبيراً. فصل تمسك المعتزلة بهذه الآية (في القطع بوعيد أهل الكبائر، قالوا: ثبت أن كلمة "مَنْ" في معرض الشرط للعموم، وثبت أن الكافر ظالم لقوله {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]، والفاسق ظالم لقوله: {أية : وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [الحجرات: 11] فثبت بهذه الآية) أن الفاسق لا يعفى عنه بل يعذب لا محالة. والجواب: أنا لا نسلم أن كلمة "مَنْ" في معرض الشرط للعموم، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، سلمنا أنه للعموم لكن قطعاً أم ظاهراً؟ ودعوى القطع ممنوعة، فإنا نرى في العرف العام والاستعمال المشهور استعمال صيغ العموم مع إرادة الأكثر أو لأن المراد أقوام معينون ويدل عليه قوله تعالى {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [البقرة: 6] ثم إن كثيراً من الذين كفروا قد آمنوا فلا دافع أن يقال: قولنا "الَّذِينَ كَفَرُوا" كان يفيد العموم، لكن المراد منه إمَّا الغالب أو المراد منه أقوام مخصصون. وعلى التقديرين ثبت أن استعمال ألفاظ العموم في الأغلب عرف ظاهر وإذا كان كذلك كانت دلالة هذه الصيغ على العموم دلالة ظاهرة لا قاطعة، وذلك لا ينفي تجويز العفو. سلمنا دلالته، لكن أجمعنا على أن قوله: {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ} مشروط بأن لا يزيل ذلك الظلم بتوبة أو بطاعة هي أعظم من ذلك الظلم، فيرجع حاصل الأمر إلى أن قوله: "يَظْلِمْ مِنْكُمْ" مشروط بأن لا يعاجل ما يزيله وعند هذا فنقول: هذا مسلم، لكن لم قلتم: إنه لم يوجد ما يزيله؟ فإن العفو عندنا أحد الأمور الثلاثة التي تزيله، وذلك هو أول المسألة سلمنا دلالته على ما قال ولكنه معارض بآيات الوعد كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} تفسير : [الكهف: 107]. فإن قيل: آيات الوعيد أولى، لأن السارق يُقْطع على سبيل التنكيل، وإذا ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق الثواب محبط لما بينا أن الجمع بين الاستحقاقين محال. قلنا: لا نسلم أنَّ السارق يقطع على سبيل التنكيل، ألا ترى أنه لو تاب فإنه (لا) يقطع على سبيل التنكيل (بل على سبيل المحنة). نزلنا عن هذه المقامات، ولكن قوله تعالى: {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ} خطاب مع قوم مخصوصين معينين، فهب أنه لا يعفو عن غيرهم. قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} الآية هذا جواب عن قولهم: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 7] أي: هذه عادة مستمرة من الله تعالى في كل رسله فلا وجه لهذا الطعن. قوله: {إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ} حق الكلام أن يقال: إلاَّ أنَّهُمْ. بفتح الألف، لأنه متوسط، والمكسورة لا تليق إلاَّ بالابتداء، فلهذا ذكروا في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها في محل نصب صفة لمفعول محذوف، فقدره الزجاج والزمخشري: "وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ أحَداً مِن المُرْسَلِين إلا آكِلِين وَمَاشِينَ". وإنما حذف، لأن في قوله: "مِنَ المُرْسَلِينَ" دليلاً عليه، نظيره قوله تعالى: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات: 164] بمعنى: مَا مِنَّا أحدٌ. وقدره ابن عطية: رجالاً أو رسلاً. والضمير في "إنَّهم" وما بعده عائد على هذا الموصوف المحذوف. والثاني: قال الفراء: إنها لا محل لها من الإعراب، وإنما هي صلة لموصول محذوف هو المفعول (لـ "أَرْسَلْنَا")، تقديره: إلا من أنهم. فالضمير في "إنَّهُمْ" وما بعده عائد على معنى "مَنْ" المقدرة، واكتفي بقوله: "مِنَ المُرْسَلِينَ" عنه كقوله: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً} تفسير : [مريم: 71]، أي: إلاَّ من يردها. فعلى قول الزجاج الموصوف محذوف، وعلى قول الفراء الموصول هو المحذوف، ولا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة عند البصريين إلاَّ في مواضع، تقدَّم التنبيه عليها في البقرة. الثالث: أن الجملة محلها النصب على الحال، وإليه ذهاب ابن الأنباري قال: التقدير: إلاَّ وإنهم، يعني أنها حالية، فقدَّر معها الواو بياناً للحالية، فكسر بعد استئناف. وردَّ بكون ما بعد "إلاَّ" صفة لما قبلها، وقدره أبو البقاء أيضاً. والعامة على كسر "إنَّ"، لوجود اللام في خبرها، ولكون الجملة حالاً على الراجح. قال أبو البقاء: وقيل: لَوْ لَمْ تكن اللام لكسرت أيضاً لأن الجملة حالية، إذ المعنى: إلاَّ وَهُمْ. وقيل: المعنى: إلا قيل أنهم. وقرئ "أنَّهُمْ" بالفتح على زيادة اللام وأن مصدرية، والتقدير: إلاَّ لأنَّهُمْ أي: ما جعلنا رسلاً إلى الناس إلا لكونهم مثلهم. وقرأ العامة "يَمْشُونَ" خفيفة، وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وعبد الله "يُمَشُّونَ" مشدداً مبنيًّا للمفعول، أي: تُمَشِّيهِمْ حَوَائِجُهُمْ أو الناس. وقرأ عبد الرحمن: "يَمشُّونَ" بالتشديد مبنيًّا للفاعل، وهي بمعنى "يَمْشُونَ" قال الشاعر: شعر : 3869- وَمَشَّى بِأَعْطَانِ المِيَاهِ وابْتَغَى قَلاَئِصَ مِنْهَا صَعْبَةٌ وَرَكُوبُ تفسير : قال الزمخشري: ولو قرئ "يَمَشُّونَ" لكان أوجه لولا الرواية. يعني بالتشديد. قال شهاب الدين: قد قرأ بها السُّلَمِيّ ولله الحمد. فصل روى الضحاك عن ابن عباس قال: لمَّا عيَّر المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 7] أنزل الله هذه الآية. يعني: ما أنا إلا رسول، وما كنت بدعاً من الرسل، وهم كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، كما قال في موضع آخر: {أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} تفسير : [فصلت: 43]. {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} أي: بلية، فالغني فتنة للفقير، (ويقول الفقير): ما لي لم أكن مثله؟ والصحيح فتنة للمريض، والشريف فتنة للوضيع. قال ابن عباس: أي: جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم، وترون من خلافهم وتتبعون الهدى. وقال الكلبي والزجاج والفراء: نزلت في رؤساء المشركين وفقراء الصحابة فإذا رأى الشريف الوضيع قد أسلم قبله أَنِفَ أن يسلم، وأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} تفسير : [الأحقاف: 11] وقيل: هذا عام في جميع الناس، روى أبو الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : ويل للعالم من الجاهل، وويل للسلطان من الرعية، (وويل للرعية من السلطان)، وويل للمالك من المملوك، وويل للشديد من الضعيف، وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة" تفسير : وقرأ هذه الآية. وروي عن ابن عباس والحسن هذا في أصحاب البلاء والعافية (هذا يقول لِمَ لَمْ أجعل مثله) في الخلق، والخلق، وفي العقل، وفي العلم، وفي الرزق، وفي الأجل. وقيل: هذا احتجاج عليهم في تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته لهم في البشريّة وصفاتها، فالمرسلون يتأذون من المرسل إليهم بأنواع الأذى على ما قال: {أية : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} تفسير : [آل عمران: 186]، والمرسل إليهم يتأذون أيضاً (من الرسل) بحسب الحسد، وصيرورته مكلفاً بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيساً مخدوماً. والأولى حمل الآية على الكل، لأن بين الجميع قدراً مشتركاً. قال عليه السلام: "حديث : إذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ في المَالِ والجَسدِ فَلْيَنْظُرْ إلَى مَنْ دُونَهُ في المالِ والجَسَدِ ". تفسير : قوله: {أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}. "أَتَصْبِرُونَ" المعادل محذوف، أي: أم لا تصبرون وهذه الجملة استفهام، والمراد منه: التقرير بأن موقعه بعد الفتنة موقع أيّكم بعد الابتلاء في قوله: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [هود: 7] بمعنى: أنها معلِّقة لما فيها من معنى فعل القلب، فتكون منصوبة المحل على إسقاط الخافض والمعنى: "أَتَصْبِرُونَ" على البلاء، فقد علمتم ما وعد الصابرون، {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} أي: عالم بمن يصبر، وبمن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ءأنتم أضللتم عبادي‏} ‏ قال‏:‏ عيسى وعزير والملائكة‏.‏ وأخرج الحاكم وابن مردويه بسند ضعيف عن عبد الله بن غنم قال‏:‏ سألت معاذ بن جبل عن قول الله ‏{‏وما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء‏} ‏ أو نتخذ فقال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ‏ {‏إن نتخذ‏} ‏ بنصب النون فسألته عن ‏{‏أية : الۤـمۤ غلبت الروم‏}‏ تفسير : [‏الروم: 1-2‏]‏ أو غلبت قال‏:‏ أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(غلبت الروم‏). وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الضحاك قال‏:‏ قرأ رجل عند علقمة ‏ {‏ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك‏} ‏ برفع النون ونصب الخاء فقال علقمة ‏{‏أن نتخذ‏} ‏ بنصب النون وخفض الخاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه كان يقرؤها ‏ {‏ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك‏} ‏ برفع النون ونصب الخاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء‏} ‏ قال‏:‏ هذا قول الآلهة ‏{‏ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً‏} ‏ قال‏:‏ البور‏:‏ الفاسد‏.‏ وانه ما نسي الذكر قوم قط إلاَّ باروا، وفسدوا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏قوماً بورا‏ً} ‏ هَلْكَى‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله عز وجل ‏{‏قوماً بورا‏ً}‏ قال هلكى بلغة عمان وهم من اليمن قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول الشاعر وهو يقول‏: شعر : فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم وكافراً به فالكفر بور لصانعه تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ البور‏:‏ بكلام عمان‏. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ‏ {‏بوراً‏} ‏ قال قاسين لا خير فيهم‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏قوماً بوراً‏} ‏ قال‏:‏ هالكين ‏{‏فقد كذبوكم بما تقولون‏}‏ يقول الله للذين كانوا يعبدون عيسى وعزيراً والملائكة حين قالوا سبحانك‏!‏ أنت ولينا من دونهم فقد كذبوكم بما تقولون عيسى، وعزيراً، والملائكة حين يكذبون المشركين، بقولهم ‏ {‏فما يستطيعون صرفاً ولا نصرا‏ً} ‏ قال‏:‏ المشركون لا يستطيعون صرف العذاب، ولا نصر أنفسهم‏. أما قوله تعالى:‏ {‏ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيرا‏ً}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال‏:‏ قرأت اثنين وسبعين كتاباً كلها نزلت من السماء ما سمعت كتاباً أكثر تكريراً فيه الظلم معاتبة عليه من القرآن‏.‏ وذلك أن الله علم أن فتنة هذه الأمة تكون في الظلم، وأما الآخر فإن أكثر معاتبته إياهم في الشرك، وعبادة الأوثان‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله ‏ {‏ومن يظلم منكم‏}‏ قال هو الشرك‏.‏ وأخرج جرير عن ابن جرير في قوله ‏ {‏ومن يظلم منكم‏} ‏ قال‏:‏ يشرك‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} نُصب على أنَّه مفعول لمضمرٍ مقدَّمٍ معطوف على قولِه تعالى قل أذلك الخ أي لهم بعد التَّقريعِ والتَّحسيرِ يوم يحشرهم الله عزَّ وجلَّ. وتعليقُ التَّذكيرِ باليوم مع أنَّ المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادثِ الهائلةِ قد مرَّ وجُهه غيرَ مرَّةٍ أو على أنَّه ظرفٌ لمضمرٍ مؤخَّرٍ قد حُذف للتَّنبـيةِ على كمال هولِه وفظاعةِ ما فيه والإيذانِ بقُصورِ العبارةِ عن بـيانِه أي يومَ يحشرُهم يكون من الأحوالِ والأهوالِ ما لا يفي ببـيانِه المقالُ. وقُرىء بنونِ العظمةِ بطريقِ الالتفاتِ من الغَيبةِ إلى التَّكلمِ وبكسرِ الشِّينِ أيضاً {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أُريد به ما يعمُّ العقلاء وغيرَهم إمَّا لأنَّ كلمةَ ما موضوعةٌ للكلِّ كما ينبىء عنه أنك إذا رأيت شَبَحاً من بعيدٍ تقولُ ما هو أو لأنَّه أُريد به الوصفُ لا الذَّاتُ كأنَّه قيل: ومعبوديهم أو لتغليب الأصنامِ على غيرِها تنبـيهاً على أنَّهم مثلُها في السُّقوطِ عن رُتبةِ المعبودَّيةِ أو اعبتاراً لغلبة عبدتِها أو أُريد به الملائكةُ والمسيحُ وعزيرٌ بقرينةِ السُّؤالِ والجوابِ أو الأصنامُ ينطقها الله تعالى أو تكلُّم بلسانِ الحالِ كما قيل: في شهادةِ الأيدِي والأرجلِ. {فَيَقُولُ} أي الله عزَّ وجلَّ للمعبودينَ إثرَ حشرِ الكلِّ تقريعاً للعَبَدةِ وتبكيتاً لهم. وقُرىء بالنُّون كما عُطف عليه. وقُرىء هذا بالياء والأولُ بالنُّون على طريق الالتفاتِ إلى الغَيْبةِ {ءَأنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـؤُلاَء} بأنْ دعوتُموهم إلى عبادتِكم كما في قوله تعالى: { أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 116] {أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ} أي عن السَّبـيلِ بأنفسِهم لإخلالِهم بالنَّظر الصَّحيحِ وإعراضهم عن المرشدِ فحذف الجارَّ وأوصل الفعلُ إلى المفعول كقوله تعالى وهو يهدِي السَّبـيلَ والأصلُ إلى السَّبـيلِ أو للسَّبـيلِ وتقديم الضَّميرينِ على الفعلينِ لأنَّ المقصودَ بالسُّؤالِ هو المُتصدَّي للفعل لا نفسُه. {قَالُواْ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأَ من حكاية السُّؤالِ كأنَّه قيل: فماذا قالوا في الجواب فقيل قالوا {سُبْحَـٰنَكَ} تعجُّباً ممَّا قيل لهم لأنَّهم إمَّا ملائكةٌ معصومون أو جماداتٌ لا قُدرةَ لها على شيءٍ أو إشعاراً بأنَّهم الموسُومون بتسبـيحِه تعالى وتوحيدِه فكيف يتأتَّى منهم إضلالُ عبادِه، أو تنزيهاً له تعالى عن الأندادِ {مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا} أي ما صحَّ وما استقام لنا {أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ} أي متجاوزينَ إيَّاك {مِنْ أَوْلِيَاء} نعبدُهم لِما بنا من الحالةِ المُنافيةِ له فأنَّى يُتصوَّرُ أنْ نحملَ غيرَها على أنْ يتَّخذَ ولياً غيرَك فضلاً أنْ يتخذنا وليَّاً وأنْ نتخذَ من دونك أولياءَ أي أتباعاً فإنَّ الولي كما يُطلق على المتبوعِ يُطلق على التَّابعِ كالمَوْلى يُطلق على الأَعلى والأسفلِ ومنه أولياءُ الشَّيطانِ أي أتباعُه. وقُرىء على البناءِ للمفعولِ من المتعدِّي إلى مفعولينِ كما في قوله تعالى: { أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً} تفسير : [النساء: 125] ومفعوله الثَّاني من أولياء على أنَّ مِن للتبعيضِ أي أنْ نتخذَ بعضَ أولياءٍ وهي على الأول مزيدةٌ. وتنكيرُ أولياء من حيثُ إنَّهم أولياء مخصوصون وهم الجنُّ والأصنام {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ} استدراك مسوقٌ لبـيان أنَّهم هم الضَّالُّون بعد بـيان تنزههم عن إضلالهم، وقد نُعي عليهم سوءُ صنيعِهم حيث جعلُوا أسبابَ الهداية أسباباً للضَّلالة أي ما أضللناهم ولكنَّك متعتهم وآباءَهم بأنواع النِّعم ليعرفوا حقَّها ويشكروها فاستغرقُوا في الشَّهواتِ وانهمكُوا فيها {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذّكْرَ} أي غفَلوا عن ذكرِك أو عن التَّذكرِ في آلائِك والتَّدبرِ في آياتِك فجعلُوا أسبابَ الهداية بسوء اختيارِهم ذريعةً إلى الغَوايةِ {وَكَانُواْ} أي في قضائِك المبنيِّ على علمِك الأزليِّ المتعلق بما سيصدرُ عنهم فيما لا يزال باختيارِهم من الأعمالِ السَّيئةِ {قَوْماً بُوراً} أي هالكين على أنَّ بُوراً مصدرٌ وُصف به الفاعلُ مبالغةً ولذلك يستوى فيه الواحدُ والجمعُ أو جمعُ بائرٍ كعُوذٍ في جمعِ عائذٍ. والجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقررٌ لمضمونِ ما قبله.

القشيري

تفسير : اللَّهُ يحشرُ الكفارَ ويحشر الأصنامَ التي عبدوها من دون الله، فَيُحْيِيها ويقول لها: هل أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ فيتبرأون.. كلُّه تهويلٌ وتعظيمٌ للشأن، وإلا فهو عليم بما كان وما لم يكن. فالأصنام تُتبرأ منهم، وتقابلهم بالتكذيب، وهم ينادون على أنفسهِم بالخطأ والضلالِ، فيُلْقَوْن في النار، ويَبْقَوْنَ في الوعيد إلى الأبد.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويوم يحشرهم} اى واذكر يامحمد لقومك يوم يحشر الله الذين اتخذوا من دونه آلهة ويجمعهم {ومايعبدون من دون الله} ماعام يعم العقلاء وغيرهم لكن المراد هنا بقرينة الجواب الآتى العقلاء من الملائكة وعيسى وعزير {فيقول} اى الله تعالى للمعبودين {ءانتم اضللتم} [كمراه كرديد] {عبادى هؤلاء} بان دعوتموهم الى عبادتكم وامرتموهم بها {ام هم ضلوا السبيل} عن السبيل بانفسهم لاخلالهم بالنظر الصحيح واعراضهم عن المرشد النصيح فحذف الجار واوصل الفعل الى المفعول كقوله تعالى {أية : وهو يهدى السبيل}تفسير : والاصل الى السبيل او للسبيل، يقول الفقير والظاهر انه محمول على نظيره الذى هو اخطأوا الطريق وهو شائع، فان قلت انه تعالى كان عالما فى الازل بحال المسئول عنه فما فائدة هذا السؤال، قلت فائدته تقريع العبدة والزامهم كما قيل لعيسى عليه السلام {أية : ءانت قلت للناس اتخذونى وامى الهين من دون الله}تفسير : لانهم اذا سئلوا بذلك واجابوا بما هو الحق الواقع تزداد حسرة العبيد وحيرتهم ويبكتون بتكذيب المعبودين اياهم وتبريهم منهم ومن امرهم بالشرك وعبادة غير الله.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "اتخذ" قد يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله: {أية : أَمِ اْتَّخَذُوا ءَالِهَةً} تفسير : [الأنبياء: 8]، وقد يتعدى إلى مفعولين، كقوله: {أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} تفسير : [النساء: 125], فقرأ الجمهور: (أن نَتَّخِذَ)؛ بالبناء لفاعل. وقرأ الحسن وأبو جعفر بالبناء للمفعول. فالقراءة الأولى على تعديته لواحد، والثانية على تعديته لاثنين. فالأول: الضمير في (نتخذ)، والثاني: (من أولياء). و (مِن): للتبعيض، أي: ما ينبغي لنا أن نتخذ بعضَ أولياءٍ من دونك؛ لأن "من" لا تزاد في المفعول الثاني، بل في الأول، تقول: ما اتخذت من أحد وليّاً، ولا تقول: ما اتخذت أحداً من ولي. وأنكر القراءة أبو عمرُو بن العلاء وغيره، وهو محجوج؛ لأن قراءة أبي جعفر من المتواتر. يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر {يوم نحشرهم}، أو: يوم يحشرهم الله جميعاً للبعث والحساب، يكون ما لا تفي به العبارة من الأهوال الفظيعة والأحوال الغريبة، فيحشرهم {وما يعبدون من دون الله}؛ من الملائكة والمسيح وعزير. وعن الكلبي: الأصنام؛ يُنطقها الله، وقيل: عام في الجميع. و(ما): يتناول العقلاء وغيرهم؛ لأنه أريد به الوصف، كأنه قيل: ومعبودهم. {فيقول} الحق جل جلاله للمعبودين، إثر حشر الكل؛ تقريعاً للعَبَدة وتبكيتاً: {أأنتم أَضْلَلْتُمْ عبادِي هؤلاء}، بأن دعوتموهم إلى عبادتكم، {أم هم ضلُّوا السبيل} أي: عن السبيل بأنفسهم؛ بإخلالهم بالنظر الصحيح، وإعراضهم عن الرشد. وتقديم الضميريْن على الفعلين بحيث لم يقل: أضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل؛ لأن السؤال ليس عن نفس الفعل، وإنما هو عن متوليه والمتصدي له، فلا بد من ذكره، وإيلائه حرف الاستفهام؛ ليعلم أنه المسؤول عنه. وفائدة سؤالهم، مع علمه تعالى بالمسؤول عنه؛ لأن يجيبوا بما أجابوا به؛ حتى يُبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم، فتزيد حسرتهم. {قالوا} في الجواب: {سبحانك}؛ تعجيباً مما قيل، لأنهم إما ملائكة معصومون، أو جمادات لا تنطق ولا قدرة لها على شيء، أو: قصدوا به تنزيهه عن الأنداد، ثم قالوا: {ما كان ينبغي لنا} أي: ما صح وما استقام لنا {أن نتخذ من دونك} أي: متجاوزين إياك، {من أولياء} نعبدهم؛ لِمَا قام بنا من الحالة المنافية له، فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ أن نحمل غيرنا على أن يتخذوا غيرك، فضلاً أن يتخذونا أولياء، أو: ما كان يصح لنا أن نتولى أحداً دونك, فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا أن يتولونا دونك حتى يتخذونا أرباباً من دونك، {ولكن متَّعتهم وآباءهم} بالأموال والأولاد وطول العمر، فاستغرقوا في الشهوات، وانهمكوا فيها {حتى نَسُوا الذّكر} أي: غفلوا عن ذكرك، وعن الإيمان بك، واتباع شرائعك, فجعلوا أسباب الهداية؛ من النعم والعوافي, ذريعة إلى الغواية. {وكانوا}, في قضائك وعلمك الأزلي، {قوماً بوراً}؛ هالكين، جمع: بائر، كعائذ وعوذ. ثم يقال للكافر بطريق الالتفات: {فقد كَذَّبوكم بما تقولون}، وهو احتجاج من الله تعالى على العبدة؛ مبالغة في تقريعهم وتبكيتهم؛ على تقدير قول مرتب على الجواب، أي: فقال الله جل جلاله عند ذلك للعبدة: فقد كذبكم المعبودون أيها الكفرة، {بما تقولون} أي: في قولكم: هؤلاء أضلونا. والباء بمعنى "في"، وعن قنبل: بالياء، والمعنى: فقد كذبوكم بقولهم: {سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ}، والباء حينئذٍ كقولك: كتبت بالقلم. {فما يستطيعون}؛ فما يملكون {صَرْفاً}؛ دفعاً للعذاب عنكم {ولا نصراً} أي: فرداً من أفراد النصر. والمعنى: فما تستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصروكم. وعن حفص بالتاء، أي: فما تستطيعون أنتم أيها الكفرة صرفاً للعذاب عنكم، ولا نصر أنفسكم. ثم خاطب المكلَّفين على العموم فقال: {ومن يَظْلِمْ منكم}؛ يشرك؛ بدليل قوله: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] لأن الظلم: وضع الشيء في غير محله، ومن جعل المخلوق شريكاً لخالقه فقد ظلم ظلماً عظيماً. أي: ومن يظلم منكم أيها المكلفون، كدأب هؤلاء الكفرة، حيث ركبوا متن المكابرة والعناد، واستمروا على الملاججة والفساد، {نُذقْهُ} في الآخرة {عذاباً كبيراً} لا يقادر قدره، وهو الخلود في النار، والعياذ بالله. الإشارة: كل من عشق شيئاً وأحبه من دون الله فهو عابد له، فرداً أو متعدداً، فيُحشر معه يوم القيامة، فيقال لهم: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء، أم هم ضلوا السبيل؟ فيتبرؤون منهم، ويقولون: بل متعتهم بالدنيا، وألهيتهم عن الذكر والتفكر والاعتبار، أو عن الشهود والاستبصار، حتى نسوا ذكر الله وكانوا قوماً بوراً. وقد ورد: (أن الدنيا تُبعث يوم القيامة على هيئة عجوز شمطاء زرقاء، فتنادي: أين أولادي؟ فيجمعون لها كرهاً، فتقدمهم، فتوردهم النار). وقوله تعالى: {ومن يظلم منكم} أي: يخرج عن حد الاستقامة في العبودية، وشهود عظمة الربوبية، نُذقه عذاباً كبيراً، وهو ضرب الحجاب على سبيل الدوام، إلا وقتاً مخصوصاً مع العوام. وبالله التوفيق. ثمَّ أجاب الحق تعالى عن قول الكفرة {مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ} إلخ، فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ...}

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابو جعفر وحفص ويعقوب {ويوم يحشرهم} بالياء. الباقون بالنون. وقرأ ابن عامر {فنقول} بالنون. الباقون بالياء. وقرأ ابو جعفر {أن نتخذ} بضم النون وفتح الخاء. الباقون بفتح النون وكسر الخاء. وقرأ حفص {فما تستطيعون} بالياء. الباقون بالتاء. من قرأ {يحشرهم} بالياء فتقديره: قل يا محمد يوم يحشرهم الله ويحشر الاصنام التي يعبدونها من دون الله. قال قوم: حشر الاصنام افناؤها. وقال آخرون يحشرها كما يحشر سائر الحيوان ليبكت من جعلها آلهة. ومن قرأ بالنون اراد: ان الله المخبر بذلك عن نفسه وابن عامر جعل المعطوف مثل المعطوف عليه فى أنه حمله على انه إخبار من الله. ومن قرأ الأولى بالنون والثانية بالياء عدل من الاخبار عن الله الى الاخبار عن الغائب. يقول الله تعالى {ويوم يحشرهم} يعني هؤلاء الكفار الجاحدين للبعث والنشور ويحشر {ما يعبدون من دون الله} قال مجاهد: يعني عيسى وعزير. وقال قوم: هو كل ما عبدوه من دون الله ليبكتوا بذلك {فيقول} اي فيقول الله لهم {أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء} يعني الكفار أي يقول الله للذين عبدوهم أأنتم الذين دعوتم الكفار الى عبادتكم، فأجابوكم {أم هم ضلوا السبيل} من قبل نفوسهم عن طريق الحق واخطؤا طريق الصواب؟؟ فيجيب المعبودون بما حكاه الله فيقولون: {سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} ندعوهم الى عبادتنا. ومن ضم النون أراد: لم يكن لنا ان نتخذ اولياء من دونك، وضعف هذه القراءة النحويون. فقالوا: لان (من) هذه تدخل في الاسم دون الخبر، نحو ما علمت من رجل راكباً. ولا تقول: ما علمت رجلا من راكب. وقال الزجاج: لا يجوز ذلك كما لا يجوز فى قوله {أية : فما منكم من أحد عنه حاجزين} تفسير : ما احد عنه منكم من حاجزين. وقال الفراء يجوز ذلك على ضعف، ووجهه أن يجعل الاسم في {من أولياء}، وإن كانت وقعت موقع الفعل [وقوله {ما كان ينبغي لنا}، {كان} زائدة، والتقدير: ما ينبغي لنا - ذكره ابو عبيدة - وهذا لا يحتاج اليه، لان هذا إخبار عنهم يوم القيامة انهم يقولون: {ما كان ينبغي لنا} فى دار الدنيا ان نتخذ اولياء من دونك] وقوله {ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً} تمام الحكاية عما يقول المعبودون من دون الله، فانهم يقولون يا ربنا انك متعت هؤلاء الكفار ومتعت آباءهم في نعيم الدنيا {حتى نسوا الذكر} أي ذكرك {وكانوا قوماً بوراً} أي هلكى فاسدين. والبور الفاسد، ويقال: بارت السلعة تبور بوراً إذا بقيت لا تشترى بقاء الفاسد الذي لا يراد. والبائر الباقي على هذه الصفة. والبور مصدر كالزور، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. وقيل هو جمع (بائر) قال ابن الزبعري: شعر : يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذا أنا بور تفسير : ونعوذ بالله من بوار الاثم. وقوله {فقد كذبوكم بما تقولون} قيل فى معناه قولان: احدهما - كذبكم الملائكة والرسل، في قول مجاهد. والثاني - قال ابن زيد: أيها المؤمنون كذبكم المشركون بما تقولون: عن نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وغيره من انبياء الله. قال الفراء: من قرأ بالياء معناه كذبوكم بقولهم. وقوله {فما تستطيعون صرفاً ولا نصراً} قال مجاهد: يعني بذلك، فما يستطيع هؤلاء الكفار صرف العذاب عن انفسهم، ولا نصر أنفسهم من عذاب الله تعالى. وقيل: معناه فما يستطيعون لك يا محمد صرفاً عن الحق، ولا نصر أنفسهم من البلاء الذي هم فيه، من التكذيب لك. وقيل: ما يستطيعون نصراً من بعض لبعض. ومن قرأ - بالتاء - خاطبهم بذلك بتقدير قل لهم. ثم قال تعالى {ومن يظلم منكم} نفسه بارتكاب المعاصي وحجد آيات الله {صرفه} فى مقابلة ذلك جزاء عليه {عذاباً كبيراً} أي عظيماً. ثم خاطب نبيه محمداً (صلى الله عليه وسلم) فقال {وما أرسلنا قبلك} يا محمد {من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام} مثلك {ويمشون في الأسواق} طلبا للمعايش، كما تطلبها أنت، وهو جواب لقولهم {أية : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} تفسير : وكسرت (إن) في قول {إلا إنهم} لانه موضع ابتداء، كأنه قال: إلا هم يأكلون الطعام، كما تقول: ما قدم علينا أمير الا إنه مكرم لي، ولا يجوز أن تكون مكسورة لأجل اللام، لأن دخولها وخروجها واحد في هذا الموضع. وقال قوم (من) محذوفة والتقدير إلا من انهم ليأكلون الطعام نحو {أية : وما منا إلا له مقام معلوم} تفسير : اي الا من له مقام معلوم، ذكره الفراء. وقال الزجاج: هذا لا يجوز، لان قوله {إنهم ليأكلون الطعام} صلة (من) ولا يجوز حذف الموصول وبقاء الصلة، ومثل الآية قول الشاعر: شعر : ما أعطياني ولا سألتهما إلا وأني لحاجز كرمي تفسير : وقوله {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} قال الحسن: معناه يقول هذا الأعمى: لو شاء لجعلني بصيراً مثل فلان، ويقول هذا الفقير: لو شاء لجعلني غنياً مثل فلان ويقول هذا السقيم: لو شاء لأصحني مثل فلان. وقوله {وكان ربك بصيراً} أي بصيراً بمن يصبر ممن يجزع، في قول ابن جريج. وقال الفراء: كان الشريف إذا أراد أن يسلم، وقد سبق المشروف الى الاسلام، فيقول: أسلم بعد هذا؟! فكان ذلك فتنة. وقيل {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} للعداوات التي كانت بينهم في الدين. والفتنة شدة في التعبد تظهر ما في نفس العبد من خير وشر، وهي الاختبار. وأصله اخلاص الشيء باحراق ما فيه من الفساد من قولهم: فتنت الذهب بالنار إذا أخلصته من الغش باحراقه، ومنه قوله {أية : يوم هم على النار يفتنون} تفسير : أي يحرقون إحراق ما يطلب اخلاصه من الفساد. وقوله {أتصبرون وكان ربك بصيراً} معناه اصبروا فقد عرفتم ما وعد الصابرون به من الثواب، والله بصير بمن يصبر ومن يجزع.

اطفيش

تفسير : {وَيَوْمَ} متعلق بيقول بعده على تقدير اما لو على زيادة الفاء وليس معنا زيادة حرف في القرآن انه لا معنى له بل له معان بعضها اطلعنا عليه وبعضها لم نطلع عليه. ويجوز كونه مفعولا لمحذوف اي واذكر. ويجوز عطفه على معنى ذلك لجواز عطف الزمان على المكان والعكس {يَحْشُرُهُم} وقرئ بكسر الشين وقرأ ابن كثير وحفص بالتحتية قاله ابو عمرو الداني الذي ذكره صاحب الدرر اللوامع في قوله: شعر : سلكت في ذاك طريق الداني اذ كان ذا حفظ وذا اتقان تفسير : وزاد بعضهم يعقوب انه قرأ بالتحتية والضمير لله جل وعلا والهاء للكافرين {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} قال الكلبي وعكرمة والضحاك: يعني الاصنام وهو الموافق للتعبير بـ (ما). وقال مجاهد: يريد الاصنام والملائكة وعيسى وعزير. قيل: والجن. وقال: الحسن الملائكة ونسبت القول إلى الاصنام اما لان الله ينطقها أو لان حالها كالتكلم وقيل الملائكة وعيسى وعزير والجن استعمالا بـ (ما) العقلاء وعلى الاحتمال الثاني يكون القول مستعملا في حقيقته ومجازه ان قلنا: قول الاصنام حالها. وان قلت: إذا اريدت الاصنام والعقلاء المذكورون فلم غلب في الاصنام فعبر بـ (ما) ولم تغلب العقلاء فيعبر بـ (من)؟ قلت: غلب الاصنام تحقيرا واعتبارا لكثرة عبادها. وعن بعضهم: انها وضعت للعقلاء وغيرهم؟ قلت: بل لغيرهم ولشيء لا يدري ما هو عاقل ام غير عاقل مثل ان ترى شيئا مغطى أو من بعيد فتقول (انظر ما تحت الغطاء) أو (انظر إلى ما ظهر) واستعماله في العاقل باعتبار صفته حقيقة على الواضح وتحتمله الآية اعتبارا بجانب العبادة واستعماله في العاقل وغيره مجاز وفي العاقل وحده مجاز. {فَيَقُولُ} فيه تبعا لقوله من دون الله التفات من التكلم للغيبة فمقتضى الظاهر (وما يعبدون من دوننا) فنقول وانما قلت تبعا لان الالتفات حقيقة انما هو في قوله {مِن دُونِ اللَّهِ} واما الغيبة في (يقول) فتابعه للغيبة فيه كذا يظهر لي. وقرأ بان عامر فنقول بالنون * {أَأَنتُمْ} بتحقيق الهمزتين وبابدال الثانية الفا وبه نقرا وتسهيل الثانية وادخال الف بين المسهلة والاخرى وتركه * {أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلآءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} والاستفهام في أنتم للتقرير وفيه تقريع وتبكيت للعبدة والاضلال؛ الايقاع في الاضلالة والخطاب لما عبد والعباد العابدون وهؤلاء بدل عبادي أو بيان والسبيل مفعول مقيد أي ضلوا عن السبيل فحذف عن للمبالغة أو مفعول مصرح ليضمن ضل معنى فقد أو نحوه ويجوز ان تكون ام للاضراب كأنه قيل بل ضلوا عن السبيل لاخلالهم بالنظر الصحيح واعراضهم عن المرشد الفصيح وانما لم يقل اضللتم عبادي هؤلاء ام ضلوا السبيل لانه ليس السؤال عن الفعل ووجوده لانه لولا وجود لما توجهه العيان وانما السؤال عن الذي تولاه فلا بد من ذكره وايلائه حرف الاستفهام حتى يعلم انه السؤال عنه وحذف متعلق اضللتم اي عن السبيل. ويجوز تقدير {السَّبِيلَ} منصوبا مفعولا ثانيا له ويجوز تنازعه مع (ضلوا في السبيل).

الالوسي

تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } نصب على أنه مفعول لمضمر مقدم معطوف على قوله تعالى: { أية : قُلْ أَذٰلِكَ } تفسير : [الفرقان: 15] الخ أي قل لهم ذلك واذكر لهم بعد التقريع والتحسير يوم يحشرهم الله عز وجل، والمراد تذكيرهم بما فيه من الحوادث الهائلة على ما سمعت في نظائره أو على أنه ظرف لمضمر مؤخر قد حذف للتنبيه على كمال هوله وفظاعة ما فيه والإيذان بأن العبارة لا تحيط ببيانه أي ويوم يحشرهم يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي ببيانه المقال. / وقرأ الحسن وطلحة وابن عامر وكثير من السبعة {نَحْشُرُهُمْ } بنون العظمة بطريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم. وقرأ الأعرج {يحشرهم } بكسر الشين، قال صاحب «اللوامح»: في كل القرآن وهو القياس في الأفعال المتعدية الثلاثية لأن يفعل بضم العين قد يكون من اللازم الذي هو فعل بضمها في الماضي، وقال ابن عطية: وهي قليلة في الاستعمال قوية في القياس لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعل بضم العين، وفيه كلام ذكره أبو حيان في «البحر». {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } عطف على مفعول {يَحْشُرُهُمْ } وليست الواو للمعية وجوز ذلك أبو البقاء، والمراد بالموصول عند الضحاك وعكرمة والكلبـي الأصنام بناءً أن السياق فيها وينطقها الله تعالى الذي لا يعجزه شيء، وقيل: تتكلم بلسان الحال وليس بذاك. وأخرج جماعة عن مجاهد أن المراد به الملائكة وعيسى وعزير وأضرابهم من العقلاء الذين عبدوا من دون الله سبحانه وتعالى وهو قول الجمهور على ما في «البحر» لأن السؤال والجواب يقتضيانه لاختصاصهما بالعقلاء عادة وإن كان الجماد ينطق يومئذٍ، وجاء فيما يشبه الاستفهام الآتي النص عليهم نحو قوله تعالى: { أية : ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } تفسير : [سبأ: 40] وقوله سبحانه: { أية : أأنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 116] والظاهر أن المراد ـ بما ـ على هذا القول العقلاء المعبودون الذين ليس منهم إضلال كالملائكة والأنبياء عليهم السلام لا ما يشملهم والشياطين مثلاً فإن الجواب يأبـى ذلك بظاهره كما لا يخفى، وأطلقت {مَا } على العقلاء إما على أنها تطلق عليهم حقيقة أو مجازاً أو باعتبار الوصف كأنه قيل: أو معبوديهم، وقال بعض الأجلة: المراد ما يعم العقلاء وغيرهم إما لأن كلمة ما موضوعة للكل كما ينبـىء عنه أنك إذا رأيت شبحاً من بعيد تقول: ما هو؟ أو لأنه أريد بها الوصف فلا تختص حينئذٍ بغير العقلاء كما إذا أريد بها الذات أو لتغليب الأصنام على غيرها تنبيهاً على بعدهم عن استحقاق العبادة وتنزيلهم في ذلك منزلة من لا علم له ولا قدرة أو اعتباراً لغلبة عبدتها وكثرتهم. {فَيَقُولُ } أي الله عز وجل للمعبودين من دونه إثر حشر الكل تقريعاً للعبدة وتبكيتاً لهم. وقرأ الحسن وطلحة وابن عامر {فنقول} بنون العظمة أيضاً، ومن قرأ ممن عداهم هناك بالنون وهنا بالياء كان على قراءته هنا التفاتاً من التكلم إلى الغيبة، وفي نون العظمة هناك إشارة إلى أن الحشر أمر عظيم. {ءأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـؤُلاَء } بأن دعوتموهم إلى عبادتكم وإضافة {عِبَادِى } قيل للترحم أو لتعظيم جرمهم لعبادة غير خالقهم أو لتعظيم أمر إضلالهم بدعوتهم إلى عبادتهم مع كونهم عباداً لله عز وجل و {هَـؤُلاء } بدل منه، وجوز أن يكون نعتاً له {أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ } أي عن السبيل بأنفسهم لا خلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد من كتاب أو رسول فحذف الجار وأوصل الفعل إلى المفعول كقوله تعالى: { أية : وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ } تفسير : [الأحزاب: 4] والأصل إلى السبيل أو للسبيل. وذكر بعض الأجلة أنه لم يقل عن السبيل للمبالغة فإن ضله بمعنى فقده وضل عنه بمعنى خرج عنه، والأول أبلغ لأنه يوهم أنه لا وجود له رأساً. وتقديم الضميرين على الفعلين لما أن المراد بالسؤال التقريعي هو المتصدي للفعل لا نفسه.

ابن عاشور

تفسير : عُطف {ويوم نحشرهم} إما على جملة: {أية : قل أذلك خير}تفسير : [الفرقان: 15] إن كان المراد: قل للمشركين، أو عُطف على جملة: {أية : وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا}تفسير : [الفرقان: 11] على جواز أن المراد: قل للمؤمنين. وعلى كلا الوجهين فانتصاب {يوم نحشرهم} على المفعولية لفعل محذوف معلوم في سياق أمثاله، تقديره: اذكر ذلك اليوم لأنه لما توعدهم بالسعير وما يلاقون من هولها بيّن لهم حال ما قبل ذلك وهو حالهم في الحشر مع أصنامهم. وهذا مظهر من مظاهر الهول لهم في المحشر إذ يشاهدون خيبة آمالهم في آلهتهم إذ يرون حقارتها بين يدي الله وتبرؤها من عُبّادها وشهادتها عليهم بكفرانهم نعمة الله وإعراضهم عن القرآن، وإذ يسمعون تكذيب من عبدوهم من العقلاء من الملائكة وعيسى عليهم السلام والجن ونسبوا إليهم أنهم أمروهم بالضلالات. وعموم الموصول من قوله: {وما يعبدون} شامل لأصناف المعبودات التي عبدوها ولذلك أوثرت (ما) الموصولة لأنها تصدق على العقلاء وغيرهم. على أن التغليب هنا لغير العقلاء. والخطاب في {أأنتم أضللتم} للعقلاء بقرينة توجيه الخطاب. فجملة: {قالوا سبحانك} جواب عن سؤال الله إياهم: {أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل}، فهو استئناف ابتدائي ولا يتعلق به {يوم نحشرهم}. وقرأ الجمهور: {نحشرهم} بالنون و{يقول} بالياء ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة. وقرأه ابن كثير وأبو جعفر ويعقوب {يحشرهم ويقول} كليهما بالياء. وقرأ ابن عامر {نحشرهم ونقول} كليهما بالنون. والاستفهام تقريري للاستنطاق والاستشهاد. والمعنى: أأنتم أضللتموهم أم ضلوا من تلقاء أنفسهم دون تضليل منكم. ففي الكلام حذف دل عليه المذكور. وأخبر بفعل: {أضللتم} عن ضمير المخاطبين المنفصل وبفعل {ضلّوا} عن ضمير الغائبين المنفصل ليفيد تقديم المسند إليهما على الخبرين الفعليين تقوي الحكم المقرر به لإشعارهم بأنهم لا مناص لهم من الإقرار بأحد الأمرين وأن أحدهم محقق الوقوع لا محالة. فالمقصود بالتقوية هو معادل همزة الاستفهام وهو: {أم هم ضلوا السبيل}. والمجيبون هم العقلاء من المعبودين الملائكة وعيسى عليهم السلام. وقولهم: {سبحانك} كلمة تنزيه كني بها عن التعجب من قول فظيع. كقول الأعشى:شعر : قد قلت لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر تفسير : وتقدم في سورة النور (16): {أية : سبحانك هذا بهتان عظيم}تفسير : . واعلم أن ظاهر ضمير {نحشرهم} أن يعود على المشركين الذين قرعتهم الآية بالوعيد وهم الذين قالوا: {مال هذا الرسول يأكل الطعام} إلى قوله: {أية : مسحوراً}تفسير : [الفرقان: 7، 8]؛ لكن ما يقتضيه وصفهم بـ{الظالمون} والإخبار عنهم بأنهم كذبوا بالساعة وما يقتضيه ظاهر الموصول في قوله: {أية : لمن كذب بالساعة}تفسير : [الفرقان: 11] من شمول كل من تحقق فيه مضمون الصلة، كل ذلك يقتضي أن يكون ضمير {نحشرهم} عائداً إلى {من كذب بالساعة} فيشمل المشركين الموجودين في وقت نزول الآية ومن انقرض منهم بعد بلوغ الدعوة المحمدية ومن سيأتي بعدهم من المشركين. ووصف العباد هنا تسجيل على المشركين بالعبودية وتعريض بكفرانهم حقها. والإشارة إليهم لتمييزهم من بين بقية العباد. وهذا أصل في أداء الشهادة على عين المشهود عليه لدى القاضي. وإسناد القول إلى ما يُعبدون من دون الله يقتضي أن الله يجعل في الأصنام نطقاً يسمعه عبدتها، أما غير الأصنام ممن عبد من العقلاء فالقول فيهم ظاهر. وإعادة فعل {ضلوا} في قوله: {أم هم ضلوا السبيل} ليجري على ضميرهم مسند فعلي فيفيد التقوّي في نسبة الضلال إليهم. والمعنى: أم هم ضلوا من تلقاء أنفسهم دون تضليل منكم. وحق الفعل أن يعدى بـ(عن) ولكنه عدي بنفسه لتضمنه معنى (أخطؤوا)، أو على نزع الخافض. و{سبحانك} تعظيم لله تعالى في مقام الاعتراف بأنهم ينزهون الله عن أن يدّعوا لأنفسهم مشاركته في الإلٰهية. ومعنى: {ما كان ينبغي لنا} ما يطاوعنا طلب أن نتخذ عبدة لأن (انبغى) مطاوع (بغاه) إذا طلبه. فالمعنى: لا يمكن لنا اتخاذنا أولياء، أي عباداً، قال تعالى: {أية : وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي}تفسير : [ص: 35]. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : وما ينبغي للرحمٰن أن يتخذ ولداً}تفسير : في سورة مريم (92). وهو هنا كناية عن انتفاء طلبهم هذا الاتخاذ انتفاء شديداً، أي نتبرأ من ذلك، لأن نفي (كان) وجعل المطلوب نفيه خبراً عن (كان) أقوى في النفي ولذلك يسمى جحوداً. والخبر مستعمل في لازم فائدته، أي نعلم أنه لا ينبغي لنا فكيف نحاوله. (ومن) في قوله: {من دونك} للابتداء لأن أصل (دون) أنه اسم للمكان، ويقدر مضاف محذوف يضاف إليه (دون) نحو: جلست دون، أي دون مكانه، فموقع (من) هنا موقع الحال من {أولياء}. وأصلها صفة لـ{أولياء} فلما قدمت الصفة على الموصوف صارت حالاً. والمعنى: لا نتخذ أولياء لنا موصوفين بأنهم من جانب دون جانبك، أي أنهم لا يعترفون لك بالوحدانية في الإلٰهية فهم يشركون معك في الإلٰهية. وعن ابن جني: أن (من) هنا زائدة. وأجاز زيادة (من) في المفعول. و(من) في قوله: {من أولياء} مزيدة لتأكيد عموم النفي، أي استغراقه لأنه نكرة في سياق النفي. والأولياء: جمع الولي بمعنى التابع في الولاء فإن الولي يرادف المولى فيصدق على كلا طرفي الولاء، أي على السيد والعبد، أو الناصر والمنصور. والمراد هنا: الوليّ التابع كما في قوله: {أية : فتكون للشيطان ولياً} تفسير : في سورة مريم (45)، أي لا نطلب من الناس أن يكونوا عابدين لنا. وقرأ الجمهور {نتخذ} بالبناء للفاعل. وقرأه أبو جعفر {نتخذ} بضم النون وفتح الخاء على البناء للمفعول، أي أن يتخذنا الناس أولياء لهم من دونك. فموقع {من دونك} موقع الحال من ضمير {نتخذ}. والمعنى عليه: أنهم يتبرَّؤون من أن يدعوا الناس لعبادتهم، وهذا تسفيه للذين عبدوهم ونسبوا إليهم موالاتهم. والمعنى لا نتخذ من يوالينا دونك، أي من يعبدنا دونك. والاستدراك الذي أفاده (لكن) ناشىء عن التبريء من أن يكونوا هم المضلين لهم بتعقيبه ببيان سبب ضلالهم لئلا يتوهم أن تبرئة أنفسهم من إضلالهم يرفع تبعة الضلال عن الضالين. والمقصود بالاستدراك ما بعد (حتى) وهو {نسوا الذكر}. وأما ما قبلها فقد أدمج بين حرف الاستدراك ومدخوله ما يسجل عليهم فظاعة ضلالهم بأنهم قَابَلوا رحمةَ الله ونعمتَه عليهم وعلى آبائهم بالكفران، فالخبر عن الله بأنه متّع الضالين وآباءهم مستعمل في الثناء على الله بسعة الرحمة، وفي الإنكار على المشركين مقابلة النعمة بالكفران غضباً عليهم. وجعل نسيانهم الذكر غاية للتمتيع للإيماء إلى أن ذلك التمتيع أفضى إلى الكفران لخبث نفوسهم فهو كجَوْد في أرضٍ سبخةٍ قال تعالى: {أية : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون}تفسير : [الواقعة: 82]. والتعرض إلى تمتيع آبائهم هنا مع أن نسيان الذكر إنما حصل من المشركين الذين بلغتهم الدعوة المحمدية ونسوا الذكر، أي القرآن، هو زيادة تعظيم نعمة التمتيع عليهم بأنها نعمة متأثلة تليدة، مع الإشارة إلى أن كفران النعمة قد انجرّ لهم من آبائهم الذين سنّوا لهم عبادة الأصنام. ففيه تعريض بشناعة الإشراك ولو قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم وبهذا يظهر أن ضمير {نسوا} وضمير {كانوا} عائدان إلى الظالمين المكذبين بالإسلام دون آبائهم لأن الآباء لم يسمعوا الذكر. والنسيان مستعمل في الإعراض عن عمد على وجه الاستعارة لأنه إعراض يشبه النسيان في كونه عن غير تأمل ولا بصيرة. وتقدم في قوله تعالى: {أية : وتنسون ما تشركون} تفسير : في سورة الأنعام (41). والذكر: القرآن لأنهُ يُتذكر به الحق، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}تفسير : في سورة الحجر (6). والبور: جمع بائر كالعُوذ جمع عائذ، والبائر: هو الذي أصابه البوار، أي الهلاك. وتقدم في قوله تعالى: {أية : وأحلوا قومهم دار البوار}تفسير : [إبراهيم: 28] أي الموت. وقد استعير البور لشدة سوء الحالة بناء على العرف الذي يعد الهلاك آخر ما يبلغ إليه الحي من سوء الحال كما قال تعالى: {أية : يُهلكون أنفسهم}تفسير : [التوبة: 42]، أي سوء حالهم في نفس الأمر و هم عنه غافلون. وقيل: البوار الفساد في لغة الأزد وأنه وما اشتق منه مما جاء في القرآن بغير لغة مضر. واجتلاب فعل (كان) وبناء {بوراً} على {قوماً} دون أن يقال: حتى نسوا الذكر وباروا للدلالة على تمكن البوار منهم بما تقتضيه (كان) من تمكن معنى الخبر، وما يقتضيه (قوماً) من كون البوار من مقومات قوميتهم كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : لآيات لقوم يعقلون} تفسير : في سورة البقرة (164).

الشنقيطي

تفسير : قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير وحفص عن عاصم: نحشرهم: بالنون الدالة على العظمة، وقرأ ابن كثير، وحفص، عن عاصم: يحشرهم بالياء المثناة التحيتة، وقرأ عامة السبعة غير ابن عامر، فيقول بالياء المثناة التحتية، وقرأ ابن عامر فنقول بنون العظمة. فتحصل أن ابن كثير وحفصاً يقرآن بالياء التحتية فيهما، وأن ابن عامر يقرأ بالنون فيهما، وأن باقي السبعة يقرؤون: نحشرهم بالنون، فيقول بالياء، وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يحشر الكفار يوم القيامة، وما كانوا يعبدون من دونه: أي يجمعهم جميعاً فيقول للمعبودين: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء فزينتم لهم أن يعبدوكم من دوني، أم هم ضلوا السبيل: أي كفروا وأشركوا بعبادتكم إياكم من دوني من تلقاء أنفسهم من غير أن تأمروهم بذلك ولا أن تزينوه لهم، وأن المعبودين يقولون: سبحانك أي تنزيها لك عن الشركاء وكل ما لا يليق بجلالك وعظمتك، ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء: أي ليس للخلائق كلهم، أن يعبدوا أحداً سواك لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم، من غير أمرنا، ونحن برآء منهم، ومن عبادتهم، ثم قال: {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ} أي طال عليهم العمر، حتى نسوا الذكر أي نسوا ما أنزلته عليهم على ألسنة رسلك، من الدعوة إلى عبادتك وحدك، لا شريك لك، وكانوا قوماً بوراً قال ابن عباس "أي هلكى"، وقال الحسن البصري ومالك عن الزهري: أي لا خير فيهم اهـ. الغرض من كلام ابن كثير. وقال أبو حيان في البحر: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء: أي ما كان يصح لنا ولا يستقيم إلى آخر كلامه. وإذا عرفت ما ذكره جل وعلا في هذه الآية من سؤاله للمعبودين وجوابهم له، فاعلم أن العلماء اختلفوا في المعبودين. فقال بعضهم: المراد بهم الملائكة وعيسى وعزير قالوا: هذا القول يشهد له القرآن، لأن فيه سؤال عيسى والملائكة عن عبادة من عبدهم، كما قال في الملائكة: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} تفسير : [سبأ: 40ـ41] وقال في عيسى عليه السلام وعلى نبينا الصلاة والسلام {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [المائدة: 116] وجواب الملائكة وجواب عيسى كلاهما شبيه بجواب المعبودين في آية الفرقان هذه، ولذلك اختار غير واحد من العلماء أن المعبودين الذين يسألهم الله في سورة الفرقان هذه هم خصوص العقلاء، دون الأصنام. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي شمول المعبودين المذكورين للأصنام، مع الملائكة وعيسى، وعزير لأن ذلك تدل عليه قرينتان قرآنيتان: الأولى: أنه عبر عن المعبودين المذكورين بما التي هي لغير العاقل في قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآية. فلفظة ما تدل على شمول غير العقلاء، وأنه غلب غير العاقل لكثرته. القرينة الثانية: هي دلالة آيات من كتاب الله، على أن المعبودين غافلون عن عبادة من عبدهم: أي لا يعلمون بها لكونهم غير عقلاء كقوله تعالى في سورة يونس: {أية : وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} تفسير : [يونس: 28ـ29] وإنما كانوا غافلين عنها لأنهم جماد لا يعقلون. وإطلاق اللفظ المختص بالعقلاء عليهم، نظراً إلى أن المشركين نزلوهم منزلة العقلاء كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وكقوله تعالى في الأحقاف: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} تفسير : [الأحقاف: 5ـ6] فقد دل قوله تعالى: {أية : وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ} تفسير : [الأحقاف: 5] على أنهم لا يعقلون، ومع ذلك قال: {أية : وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} تفسير : [الأحقاف: 6] وكقوله تعالى في العنكبوت: {أية : وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} تفسير : [العنكبوت: 25] الآية. فصرح بأنهم أوثان، ثم ذكر أنهم هم وعبدتهم يلعن بعضهم بعضاً. وكقوله تعالى: {أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} تفسير : [مريم: 82] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ} الظاهر أن معنى نسوا تركوا. والأظهر أن الذكر هو ما جاءت به الرسل من التوحيد، وقيل ذكر الله بشكر نعمه، والأصح أن قوله بوراً معناه هلكى، وأصله اسم مصدر يقع على الواحد وعلى الجماعة، فمن إطلاقه على الجماعة قوله هنا: {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً} وقوله في سورة الفتح: {أية : وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} تفسير : [الفتح: 12] ومن إطلاقه قول عبد الله بن الزبعرى السهمي رضي الله عنه: شعر : يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور تفسير : ويطلق البور على الهلاك. وعن ابن عباس أنها لغة أهل عمان، وهم أهل اليمن، ومنه قول الشاعر: شعر : فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم وكافوا به فالكفر بور لصانعه تفسير : واعلم أن ما ذكره الزمخشري في هذه الآية، وأطنب فيه من أن الله لا يضل أحداً مذهب المعتزلة، وهو مذهب باطل وبطلانه في غاية الوضوح من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإياك أن تغتر به، وما ذكر عن الحسن البصري، ومالك، عن الزهري من أن معنى بوراً لا خير فيهم له وجه في اللغة العربية، ولكن التحقيق أنه ليس معنى الآية، وأن معنى بوراً هلكى كما تقدم، والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يحشرهم: أي يجمعهم. وما يعبدون من دون الله: من الملائكة والأنبياء والأولياء والجن. أم هم ضلوا السبيل: أي طريق الحق بأنفسهم بدون دعوتكم إياهم إلى ذلك. سبحانك: أي تنزيهاً لك عما لا يليق بجلالك وكمالك. ولكن متعتهم: أي بأن أطلت أعمارهم ووسعت عليهم أرزاقهم. وكانوا قوماً بوراً: أي هلكى، إذ البوار الهلاك. ومن يظلم منكم: أي ومن يشرك منكم أيها الناس. وجعلنا بعضكم لبعض فتنة: أي بليّة فالغني مبتلَى بالفقير، والصحيح بالمريض، والشريف بالوضيع فالفقير يقول ما لي لا أكون كالغني والمريض يقول مالي لا أكون كالصحيح، والوضيع يقول ما لي لا أكون كالشريف مثلاً. أتصبرون: أي اصبروا على ما تسمعون مِمَّن ابتليتم بهم، إذ الاستفهام للأمر هنا. وكان ربك بصيراً: أي بمن يصبر وبمن يجزع ولا يصبر. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر مظاهر لها في القيامة إذ إنكار هذه العقيدة هو سبب كل شر وفساد في الأرض فقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي اذكر يا رسولنا يوم يحشر الله المشركين وما كانوا يعبدونهم من دوننا كالملائكة والمسيح والأولياء والجن. {فَيَقُولُ} لمن كانوا يعبدونهم {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ}؟ أي ما أضللتموهم ولكنهم ضلوا طريق الحق بأنفسهم فلم يهتدوا إلى عبادتي وحدي دون سواي، فيقول المعبودون {سُبْحَانَكَ} أي تنزيهاً لك وتقديساً عن كل ما لا يليق بجلالك وكمالك {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ} أي لا يصح منا اتخاذ أولياء من دونك فندعو عبادك إلى عبادتهم فنضلهم بذلك، {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ} يا ربنا {وَآبَآءَهُمْ} من قبلهم بطول الأعمار وسعة الأرزاق فانغمسوا في الشهوات والملاذ {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ} أي نسوا ذكرك وعبادتك وما جاءتهم به رسلك فكانوا بذلك قوماً بوراً أي هلكى خاسرين. وقوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} يقول تعالى للمشركين فقد كذبكم من كنتم تشركون به، فقامت الحجة عليكم فأنتم الآن لا تستطيعون صرفاً للعذاب عنكم ولا نصراً أي ولا تجدون من ينصركم فيمنع العذاب عنكم. وقوله تعالى: {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً} هذا خطاب عام لسائر الناس يقول تعالى للناس ومن يشرك منكم بي أي يعبد غيري نذقه أي يوم القيامة عذاباً كبيراً وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} أي يا رسولنا {مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} إذاً فلا تهتم بقول المشركين {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [الفرقان: 7] ولا تحفل به فإنهم يعرفون ذلك ولكنهم يكابرون ويجاحدون. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} أي هذه سنتنا في خلقنا نبتلي بعضهم ببعض فنبتلي المؤمن بالكافر والغني بالفقير والصحيح بالمريض والشريف بالوضيع، وننظر من يصبر ومن يجزع ونجزي الصابرين بما يستحقون والجزعين كذلك. وقوله تعالى: {أَتَصْبِرُونَ} هذا الاستفهام معناه الأمر أي اصبروا إذاً ولا تجزعوا أيها المؤمنون من أذى المشركين والكافرين لكم. وقوله تعالى: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} أي وكان ربك أيها الرسول بصيراً بمن يصبر وبمن يجزع فاصبر ولا تجزع فإنها دار الفتنة والامتحان وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- يالهول الموقف إذا سئل المعبودون عمن عبدوهم، والمظلومون عمن ظلموهم. 3- براءة الملائكة والأنبياء والأولياء من عبادة من عبدوهم. 4- خطورة طول العمر وسعة الرزق إذ غالباً ما ينسى العبد بهما ربه ولقاءه. 5- تقرير أن الدنيا دار ابتلاء فعلى أولى الحزم أن يعرفوا هذا ويخلصوا منها بالصبر والتحمل في ذات الله حتى يخرجوا منها ولو كفافاً لا لهم ولا عليهم.

القطان

تفسير : ضلّ السبيل: خرج عن طريق الهدى. نسوا الذِكر: تركوا ما ذكِّروا به من القرآن وهدى النبي الكريم. بورا: هالكين. يقال رجل بور وأمرأة بور، وجماعة بور. فما تستطيعون صَرفا ولا نصرا: فلا تقدرون على رفع العذاب، ولا نصر أنفسكم. فتنة: ابتلاء واختبار. بعد ان ذكر الله ما أعدّ للمكذّبين الجاحدين يوم القيامة من العذاب الأليم، وما أعدّ للمتقين من النعيم في جنات الخلد - بيّن هنا أحوال الكافرين مع من عبدوهم من دون الله، وأن هؤلاء المبعوداتِ تكذّبهم فيما نسبوه اليها. فيوم القيامة يحشُر الله المشركين مع من عبدوهم من دون الله مثل عيسى بن مريم وعُزير والملائكة فيسألهم ويقول لهم: أأنتم أضللتم عبادي فأمرتموهم أن يعبدوكم، أم هم الذين ضلّوا باختيارهم؟ فيقولون: سبحانك، ما كان يحقّ لنا ان نطلب من أحدٍ ان يتخذ إلهاً غيرك، لكن هؤلاء الذين أنعمتَ عليهم بالرزق الكثير (هم وآباؤهم) أطغاهم ذلك، ونسوا شكرك والتوجّه إليك وحدك، وبذلك كانوا قوماً خاسرين. فيقال للمشركين الذين عبدوا غير الله: إن الذين عبدتموهم قد كذّبوكم، فاليوم لا تستطيعون دفع العذاب عن أنفسكم، ولا تجدون من ينصركم ويخلّصكم منه، ولْيعلمِ الناسُ جميعا ان من يَظْلِم بالكفر والطغيان - نعذبه عذابا شديدا. ثم يّرد الله تعالى على الذين اعترضوا على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بكونه بشَرا، وانهم يريدون ملائكة تأتي بالرسالة، فيقول: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}. اذا كان المشركون لا يعجبهم ان تكون رسولاً لأنك تأكل الطعامَ وتمشي في الاسواق، فإن تلك سُنّةُ الله في المرسَلين من قبلك.... كلّهم كانوا رجالاً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [يوسف:109]. {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} وامتحنّا بعضَكم ببعض. وهذا صراعٌ طويل طويل منذ بدءِ العالم ولا يزال مستمرا. اصبروا إنَّ الله مطّلع على كل شيء، ويجازي كلاً بما عمل. وهو البصير بحال الصابرين وحال الجازعين. قراءات قرأ ابن كثير ويعقوب وحفص: ويوم يحشرهم بالياء، والباقون: يوم نحشرهم بالنون. وقرأ ابن عامر: فنقول بالنون، والباقون: فيقول بالياء. وقرأ حفص: فما تستطيعون بالتاء، والباقون: فما يستطيعون بالياء. اللهم اجعلنا من الصابرين على أذى السفهاء، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واعفُ عنا وارحمنا وثبتنا على الإيمان.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَأَنتُمْ} (17) - يُخْبِرُ الله تَعَالَى عَمَّا يَقَعُ يَومَ القِيَامَةِ مِنْ تَقْرِيعٍ للكُفَّارِ عَلى عِبَادَتِهم الأَصْنَامَ، وَالأَوْثَانَ، وَالمَلائِكَةَ، وَعِيسَى، وَعُزَيْراً، وَغيرَهم، فَيَحْشُرُ اللهُ العَابِدِينَ والمَعْبُودِينِ إِلَيهِ، وَيَسْأْلُ المَعْبُودِين فَيقُولُ لَهُم: أَأَنْتُم دَعَوْتُم هَؤُلاءِ إِلى عِبَادَتِكم مِن دُوني، أَمْ هُم الَّذِينَ ضَلُّوا سَبِيلَ الهُدَى باخْتِيَارِهم، فَعَبَدُوكم مِن تِلْقَاء أَنْفُسِهِمْ مِن غَيرِ دَعوةٍ مِنْكُم لَهُم؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ..} [الفرقان: 17] الحشر: جَمْع الناس أجمعين من لَدُنْ آدم - عليه السلام - وإلى أنْ تقومَ الساعة في مكان واحد، ولغاية واحدة، وإذا كنا الآن نضجّ من الزحام ونشكو من ضيق الأرض بأهلها، ونحن في جيل واحد، فما بالك بموقف يجمع فيه كل الخلائق من آدم إلى قيام الساعة؟ والعبادة: أن يطيع العابدُ أوامرَ معبوده، فينبغي أن ننظر في كل مَنَ له أمر نطيعه: أهو أمر من ذاته؟ أم أمر مُبلَّغ من أعلى منه: رسول أو إله؟ فإنْ كان الأمر من ذاته فعليك أن تنظر أهو مُبَاح أم يتعارض مع نصٍّ شرعي؟ فإنْ كان مباحاً فلا بأسَ في إطاعته، أما إنْ كان مخالفاً للشرع فإنْ أطعْتَه فكأنك تعبده من دون الله. إذن: حينما يأمرك الآمر بالصلاة أو الزكاة أو الصوم فأنت قبل أن تطيعه أطعتَ مَنْ حَمَّله هذه الأمانة، والذين يطيعون مَنْ يأمرونهم بأشياء مخالفة لمنهج الله عبدوهم من دون الله، وجعلوهم آلهة مُطاعين، كما قال سبحانه في الشياطين: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 121] وآخرون عبدوا الطاغوت، أو عبدوا الشمس، أو القمر، أو النجوم، أو الأصنام والجماد. ومعلوم أن عبادة هذه الجمادات عبادة باطلة خاطئة، فالعبادة إطاعة أمر، وهل للجمادات أمر لأحد؟ إنما العبادة إنْ صَحَّتْ بهذا المعنى فتكون لمَنْ يملك أمراً أو سلطة زمنية من الرهبان، أو من الشياطين، أو الملائكة، أو من عيسى عليه السلام حيث قال البعض بألوهيته أو العزير الخ. ودخلت الجمادات مع هؤلاء على سبيل العموم. لذلك يقول تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..} [الفرقان: 17] يعني: يجمع العابد على الضلال والمعبود على الضلال في مكان واحد معاً، لماذا؟ لأن العابد إذا وجد نفسه في العذاب ربما انتظر معبوده أنْ ينقذه من العذاب، لكن ها هو يسبقه إلى النار ويقطع عنه كلَّ أمل في النجاة. وقول الحق سبحانه وتعالى: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ} [الفرقان: 17]. والخطاب هنا مُوجَّه لمن يعقل منهم، ولا مانعَ أن يكون للجميع، فنحن نتحدث عن القانون الذي نعرفه، وقد بيَّن لنا الحق - تبارك وتعالى - أن لكل شيء لغةً، فلماذا نستبعد أن يكون الخطاب هنا للعاقل ولغير العاقل، بدليل قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..}تفسير : [الإسراء: 44]. وقد قال سليمان عليه السلام وهو مِمَّن فقه التسبيح: {أية : رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ..}تفسير : [الأحقاف: 15] لما سمع النملة تُحذِّر قومها: {أية : ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ ..}تفسير : [النمل: 18] فتبسَّم سليمان - عليه السلام - لما سمع من النملة وسمَّاه قَوْلاً، وفي هذا رَدٌّ على مَنْ يقول: إن التسبيح هنا من النملة تسبيحُ حال، لا تسبيح مقال. وهو قوْل مخالف لنصِّ القرآن الذي قال: {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..}تفسير : [الإسراء: 44] فقد حكم الحق سبحانه بأنك لا تفقه هذا التسبيح، فإن قُلْتَ: هو تسبيح دلالة فقد فقهته، وقد حكم سبحانه بعدم فِقْهك له إلا إذا عرّفك الله تعالى، وأطلعك على لغات هذه المخلوقات. ولماذا نستبعد هذه المسألة والعلم الحديث يُقرِّر الآن أن لكل أمة من أمم الموجودات لغتها الخاصة، وألسْنَا نتحدث الآن فيما بيننا بلغة غير منطوقة، وهي لغة الإشارات التي يتفاهم بها البحارة مثلاً؟ فالحق - سبحانه وتعالى - يسأل المعبودين: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ ..} [الفرقان: 17] والله يعلم إنْ كانوا أضلُّوهم أم لا؛ لذلك أجاب عيسى - عليه السلام - على مثل هذا السؤال في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ..}تفسير : [المائدة: 116]. وسؤال الله للمعبودين تقريع للعابدين أمام مَنْ عبدوهم، ولو أن عبادتهم بحقٍّ لكان المعبودون دافعوا عن هؤلاء أمام الله؛ لذلك أجاب عيسى عليه السلام: {أية : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ..}تفسير : [المائدة: 117]. أما الآخرون فقالوا: ما أضللناهم، بل هم ضَلُّوا السبيل. وكلمة {عِبَادِي ..} [الفرقان: 17] سبق أن قلنا إن (عبد) تُجمع على (عباد) و(عبيد)، وعبد يعني أنه خاضع لأمر السيد، وليس له تصرُّف من ذاته، إنْ نظرتَ هذه النظرة فكل خَلْق الله عبيد؛ لأن هناك أشياء لا يخرجون فيها عن مراد الله تعالى كميلاده على شكل خاص أو مرضه أو وفاته. لذلك نقول للذين أَلِفُوا مخالفة أوامر الله والتمرد عليه سبحانه: قد تتمردون على الإيمان به فتكفروا، وقد تتمردون على الإيمان برسوله فتكذِّبوا، وقد تتمردون على حُكْم من الأحكام فتخالفوه. إذن: لكم جَرْأة على المخالفة وإلْف للتمرد، وما دام لك دُرْبة على ذلك، فعليك أنْ تتمرد أيضاً عند المرض وتقول: لن أمرض وتتمرّد على الموت فلا تموت، لكن هيهات، فهذه مسائل، الكل فيها عبيد لله مقهورون لإرادته سبحانه، المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. وهناك أمور أخرى جعلها الله بالاختيار، فالذين سبقتْ لهم من الله الحسنى، وأُلْهموا التوفيق يتنازلون عن اختيارهم لاختيار ربهم ومراده، فيكونون عبيداً لله في كل الأمور القهريات وغير القهريات، وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يكونوا عباداً لله. فالعباد - إذن - يشتركون مع العبيد في القهريات، ويتميزون عنهم بتنازلهم عن مرادهم لمراد ربهم، وعن اختيارهم لاختياره عَزَّ وجلَّ؛ لذلك سمّاهم عباداً، كما جاء في قوله سبحانة: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}تفسير : [الفرقان: 63]. والاستفهام في قوله سبحانه: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي ..} [الفرقان: 17] يقول فيه بعض غير المؤهَّلين للفَهْم عن الله: أما كان يقول: أأضللتم عبادي؟ ونقول لهؤلاء: ليس لديكم الملَكَة اللغوية لفَهْمِ القرآن، فأنت تستفهم عن الفعل إذا لم يكن موجوداً أمامك، تقول: أبنيتَ البيت الذي أخبرتني أنك ستبنيه؟ فيخبرك: بنيتُه أو لم أَبْنِه، أمَّا حين تقول: أبنيتَ هذا البيت؟ فالسؤال ليس عن البناء، إنما عن فاعله، أنت أم غيرك؟ لأن البناء قائم أمامك. إذن: فَرْقٌ بين السؤال عن الحَدث، والسؤال عن فاعل الحدث، والضلال هنا موجود فعلاً، فالسؤال عن الفاعل {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ} [الفرقان: 17]. وسمَّاهم عباداً هنا مع أنهم ضالون؛ لأن الكلام في الآخرة، حيث لم يَعُدْ لأحد اختيار، الاختيار كان في الدنيا وعليه ميَّزنا بين العبيد والعباد، أما في الآخرة فالجميع عبيد والجميع عباد، فقد زال ما يُميِّزهم؛ لأنهم جميعاً مقهورون لا اختيارَ لأحد منهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة وتبريهم منهم، وبطلان سعيهم فقال: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } أي: المكذبين المشركين { وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ } الله مخاطبا للمعبودين على وجه التقريع لمن عبدهم: { أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ } هل أمرتموهم بعبادتكم وزينتم لهم ذلك أم ذلك من تلقاء أنفسهم؟ { قَالُوا سُبْحَانَكَ } نزهوا الله عن شرك المشركين به وبرؤوا أنفسهم من ذلك، { مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا } أي: لا يليق بنا ولا يحسن منا أن نتخذ من دونك من أولياء نتولاهم ونعبدهم وندعوهم، فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك متبرئين من عبادة غيرك، فكيف نأمر أحدا بعبادتنا؟ هذا لا يكون أو، سبحانك عن { أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ } وهذا كقول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: {أية : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } تفسير : الآية. وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ } {أية : وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } تفسير : فلما نزهوا أنفسهم أن يدعوا لعبادة غير الله أو يكونوا أضلوهم ذكروا السبب الموجب لإضلال المشركين فقالوا: { وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ } في لذات الدنيا وشهواتها ومطالبها النفسية، { حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ } اشتغالا في لذات الدنيا وإكبابا على شهواتها، فحافظوا على دنياهم وضيعوا دينهم { وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا } أي: بائرين لا خير فيهم ولا يصلحون لصالح لا يصلحون إلا للهلاك والبوار، فذكروا المانع من اتباعهم الهدى وهو التمتع في الدنيا الذي صرفهم عن الهدى، وعدم المقتضي للهدى وهو أنهم لا خير فيهم، فإذا عدم المقتضي ووجد المانع فلا تشاء من شر وهلاك، إلا وجدته فيهم، فلما تبرؤوا منهم قال الله توبيخا وتقريعا للعابدين { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ } إنهم أمروكم بعبادتهم ورضوا فعلكم، وأنهم شفعاء لكم عند ربكم، كذبوكم في ذلك الزعم وصاروا من أكبر أعدائكم فحق عليكم العذاب، { فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا } للعذاب عنكم بفعلكم أو بفداء أو غير ذلك، { وَلا نَصْرًا } لعجزكم وعدم ناصركم. هذا حكم الضالين المقلدين الجاهلين كما رأيت أسوأ حكم، وأشر مصير. وأما المعاند منهم الذي عرف الحق وصدف عنه فقال في حقه: { وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ } بترك الحق ظلما وعنادا { نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا } لا يقادر قدره ولا يبلغ أمره. ثم قال تعالى جوابا لقول المكذبين: { مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ } { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ في الأسْوَاقِ } فما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما جعلناهم ملائكة، فلك فيهم أسوة، وأما الغنى والفقر فهو فتنة وحكمة من الله تعالى كما قال: { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } الرسول فتنة للمرسل إليهم واختبار للمطيعين من العاصين والرسل فتناهم بدعوة الخلق، والغنى فتنة للفقير والفقير فتنة للغني، وهكذا سائر أصناف الخلق في هذه الدار دار الفتن والابتلاء والاختبار. والقصد من تلك الفتنة { أَتَصْبِرُونَ } فتقومون بما هو وظيفتكم اللازمة الراتبة فيثيبكم مولاكم أم لا تصبرون فتستحقون المعاقبة؟ { وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا } يعلم أحوالكم، ويصطفي من يعلمه يصلح لرسالته ويختصه بتفضيله ويعلم أعمالكم فيجازيكم عليها إن خيرا فخير، وإن شراً فشر.