Verse. 2873 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

قَالُوْا سُبْحٰنَكَ مَا كَانَ يَنْۢبَغِيْ لَنَاۗ اَنْ نَّــتَّخِذَ مِنْ دُوْنِكَ مِنْ اَوْلِيَاۗءَ وَلٰكِنْ مَّتَّعْتَہُمْ وَاٰبَاۗءَہُمْ حَتّٰي نَسُوا الذِّكْرَ۝۰ۚ وَكَانُوْا قَوْمًۢا بُوْرًا۝۱۸
Qaloo subhanaka ma kana yanbaghee lana an nattakhitha min doonika min awliyaa walakin mattaAAtahum waabaahum hatta nasoo alththikra wakanoo qawman booran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا سبحانك» تنزيها لك عما لا يليق بك «ما كان ينبغي» يستقيم «لنا أن نتخذ من دونك» أي غيرك «من أولياء» مفعول أول ومن زائدة لتأكيد النفي وما قبله الثاني فكيف نأمر بعبادتنا؟ «ولكن متعتهم وآباءهم» من قبلهم بإطالة العمر وسعة الرزق «حتى نسوا الذكر» تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن «وكانوا قوما بورا» هلكى، قال تعالى.

18

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ } تنزيهاً لك عما لا يليق بك {مَا كَانَ يَنبَغِى } يستقيم {لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ } أي غيرك {مِنْ أَوْلِيآءَ } مفعول أول لـ«نتخذ» و من زائدة لتأكيد النفي، وما قبله الثاني فكيف نأمر بعبادتنا؟ {وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ } من قبلهم بإطالة العمر وسعة الرزق {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ } تركوا الموعظة والإِيمان بالقرآن {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً } هلكى.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِنْ أَوْلِيَآءَ} نواليهم على عبادتنا، أو نتخذهم لنا أولياء {مَّتَّعْتَهُمْ} بتأخير العذاب، أو بطول العمر، أو بالأموال والأولاد {بُوراً} هلكى، البوار: الهلاك "ع"، أو لا خير فيهم، بارت الأرض: تعطلت من الزرع فلم يكن فيها خير، أو البوار: الفساد بارت السلعة: كسدت كساداً فاسداً.

الخازن

تفسير : {قالوا} يعني المعبودين {سبحانك} نزهوا الله سبحانه وتعالى من أن يكون معه آلهة {ما ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} يعني ما كان ينبغي لنا أن نوالي أعداءك، بل أنت ولينا من دونهم وقيل معناه، ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك ونحن عبيدك {ولكن متعتهم وآباءهم} أي بطول العمر والصحة والنعمة في الدنيا {حتى نسوا الذكر} معناه تركوا المواعظ والإيمان بالقرآن وقيل تركوا ذكرك وغفلوا عنه {وكانوا قوماً بوراً} معناه هلكى أي غلب عليهم الشقاء والخذلان {فقد كذبوكم} هذا خطاب مع المشركين أي كذبكم المعبودون {بما تقولون} يعني أنهم آلهة {فما يستطيعون} أي الآلهة {صرفاً} أي صرف العذاب عن أنفسهم {ولا نصراً} يعني ولا نصر أنفسهم وقيل لا ينصرونكم أيها العابدون بدفع العذاب عنكم {ومن يظلم منكم} يعني يشرك {نذقه عذاباً كبيراً}. قوله عز وجل {وما أرسلنا قبلك} أي يا محمد {من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} قال ابن عباس: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا {أية : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}تفسير : [الفرقان: 7] أنزل الله تعالى على هذه الآية والمعنى أن هذه عادة مستمرة من الله تعالى على رسله فلا وجه لهذا الطعن {أية : ما المسيح ابن مريم إلا رسول}تفسير : [المائدة: 75] {أية : وما كنت بدعاً من الرسل}تفسير : [الأَحقاف: 9] وهم كانوا بشراً مثلي، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} أي بلية قال ابن عباس أي جعلنا بعضكم بلاء بعض، لتصبروا على ما تسمعون منهم وترون من خلافهم وتتبعوا أنتم الهدى، قيل: نزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم رأى الوضيع، قد أسلم قبله فأنف وقال: أسلم بعده فيكون له السابقة والفضل علي فيقيم على كفره ويمتنع من الإسلام فذلك افتتان بعضهم ببعض وقيل: نزلت في أبي جهل والوليد بن عقبة والعاص بن وائل السهمي والنضر بن الحارث وذلك أنهم رأوا أبا ذر وابن مسعود وعمار بن ياسر وبلالاً، وصهيباً وعامر بن فهيرة وذويهم، قد أسلموا قبلهم فقالوا: نسلم فنكون مثل هؤلاء وقيل: نزلت في ابتلاء فقراء المسلمين بالمستهزئين من قريش كانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم من موالينا وأراذلنا فقال الله تعالى لهؤلاء المؤمنين {أتصبرون} أي على هذه الحالة من الفقر والشدة والأذى وقيل إن الغني فتنة الفقير يقول ما لي لم أكل مثله والصحيح فتنة المريض والشريف فتنة الوضيع {وكان ربك بصيراً} أي بمن صبر وبمن جزع (ق) عن أبي هريرة يبلغ به النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه بالمال والجسم فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم"تفسير : لفظ البخاري ولمسلم "حديث : انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ". تفسير : قوله تعالى {وقال الذين لا يرجون لقاءنا} أي يخافون البعث والرجاء، بمعنى الخوف لغة تهامة {لولا أنزل علينا الملائكة} فتخبرنا أن محمداً صادق {أو نرى ربنا} فيخبرنا بذلك {لقد استكبروا} أي تعظموا {في أنفسهم} بهذه المقالة {وعتوا عتواً كبيراً} أي طغوا وقيل عتواً في القول وهو أشد الكفر والفحش وعتوهم، طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به. قوله تعالى {يوم يرون الملائكة} أي عند الموت وقيل يوم القيامة {لا بشرى يومئذٍ للمجرمين} وذلك أن الملائكة يبشرون المؤمنين، يوم القيامة ويقولون للكفار: لا بشرى لكم وقيل: لا بشارة لهم بالجنة كما بشر المؤمن {ويقولون حجراً محجوراً} قال ابن عباس تقول الملائكة حراماً محرماً أن يدخل الجنة، إلا من قال لا إله الله محمد رسول الله، وقيل: إذا خرج الكفار من قبورهم تقول لهم الملائكة حراماً محرماً عليكم أن تكون لكم البشرى وقيل هذا قول: الكفار للملائكة وذلك أن العرب كانت إذا نزلت بهم شدة ورأوا ما يكرهون قالوا حجراً محجوراً فهم يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة. قوله عز وجل {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل} يعني من أعمال البر التي عملوها في حال الكفر {فجعلناه هباء منثوراً} أي باطلاً لا ثواب له لأنهم لم يعملوه لله عز وجل ومنه الحديث الصحيح "حديث : كل عمل ليس عليه أمرنا، فهو رد"تفسير : والهباء هو ما يرى في الكوة كالغبار، إذا وقعت الشمس فيها فلا يمس بالأيدي، ولا يرى في الظل والمنثور المفرق قال ابن عباس هو ما تسقيه الرياح، وتذريه من التراب كحطام الشجر وقيل هو ما يسطع من حوافر الدواب عند السير من الغبار.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} استئناف كأنه قيل فماذا قالوا فى الجواب فقيل قالوا {سبحانك} هو تعجب مما قيل لهم او تنزيه لله تعالى عن الانداد ويجوز ان يحمل ما يعبدون على الاصنام وهى وان كانت جمادات لا تقدر على شىء لكن الله تعالى يخلق فيها الحياة ويجعلها صالحة للخطاب والسؤال والجواب {ما كان ينبغى لنا} اى ماصح وما استقام لنا {ان نتخذ من دونك} اى متجاوزين اياك {من اولياء} من مزيدة لتأكيد النفى واولياء مفعول نتخذ وهو من الذى يتعدى الى مفعول واحد كقوله تعالى {أية : قل أغير الله اتخذ وليا}تفسير : والمعنى معبودين نعبدهم لما بنا من الحالة المنافية له وهى العصمة او عدم القدرة فأنى يتصور ان تحمل غيرنا على ان يتخذ وليا غيرك فضلا عن ان يتخذنا وليا، قال ابن الشيخ جعل قولهم ما كان ينبغى الخ كناية عن استبعاد ان يدعوا احدا الىّ اتخاذ ولى دونه لان نفس قولهم بصريحه لا يفيد المقصود وهو نفى ما نسب اليهم من اضلال العباد وحملهم على اتخاذ الاولياء من دون الله. وفى التأويلات النجمية نزهوا الله عن ان يكون له شريك ونزهوا انفسهم عن ان يتخذوا وليا غير الله ويرضوا بان يعبدوا من دون الله من الانسان فلهذا قال تعالى فيهم {أية : اولئك هم شر البرية}تفسير : {ولكن متعتهم وآباءهم} التمتع [برخوردارى دادن]، اى مااظللناهم ولكن جعلتهم وآباءهم منتفعين بالعمر الطويل وانواع النعم ليعرفوا حقها ويشكروها فاستغرقوا فى الشهوان وانهمكوا فيها {حتى نسوا الذكر} اى غفلوا عن ذكرك وتركوا ما وعظوا به او عن التذكر لآلائك والتدبر فى آياتك فجعلوا اسباب الهداية بسوء اختيارهم ذريعة الى الغواية وهو نسبة الضلال اليهم من حيث انه يكسبهم واسناد له الى مافعل الله بهم فحملهم عليه كأنه قيل انا لانضلهم ولم نحملهم على الضلال ولكن اضللت انت بان فعلت لهم ما يؤثرون به الضلال فخلقت فيهم ذلك مذهب اهل السنة وفيه نظر التوحيد واظهار ان الله هو السبب لاسباب شعر : درين جمن مكم سرزنش بخود رويى جنانكه برورشم ميدهند ميرويم تفسير : {وكانوا} فى قضائك الازلى {قوما بورا} هالكين جمع بائر كما فى المفردات او مصدر وصف به الفاعل مبالغة ولذلك يستوى فيه الواحد والجمع يقال رجل بائر وقوم بور وهو الفاسد الذى لا خير فيه، قال الراغب البوار فرط الكساد ولما كان فرط الكساد يؤدى الى الفساد كما قيل كسد حتى فسد عبر بالبوار عن الهلاك.

الهواري

تفسير : {قَالُوا} قالت الملائكة في تفسير الحسن. وقال مجاهد: قالت الملائكة وعيسى وعزير: {سُبْحَانَكَ} يُنزِّهون الله عن ذلك {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ} أي: لم نكن نواليهم على عبادتهم إيانا. وبعضهم يقرأها: {أَن نَّتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ}. {وَلَكِن مَتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ} في عيشهم في الدنيا بغير عذاب {حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ} أي: حتى تركوا الذكر لما جاءهم في الدنيا. {وَكَانُوا قَوْماً بُوراً}. أي: فاسدين فساد الشرك. وقال مجاهد: هالكين. قال الله لهم في الآخرة: {فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ}. قال الحسن: يقول للمشركين: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} أي: إنهم آلهة. وفي تفسير مجاهد قال: يكذبون المشركين بقولهم، إذ جعلوهم آلهة، فانتفوا من ذلك ونزّهوا الله عنه. وبعضهم يقرأها: {بِمَا يَقُولُونَ} يعني قول الملائكة في قول الحسن، وفي قول مجاهد: الملائكة وعيسى وعزير. قال: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً} قال الحسن: فما يستطيع الذين عبدوهم لهم (صَرْفاً)، أي: أن يصرفوا عنهم العذاب، {وَلاَ نَصْراً} أي: ولا ينصرونهم. قوله: {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ} أي: ومن يشرك منكم وينافق {نُذِقْهُ} أي: نعذّبه {عَذَاباً كَبِيراً} كقوله: (أية : إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ)تفسير : [الغاشية: 23-24].

اطفيش

تفسير : {قَالُوا} اي المعبودون * {سُبْحَانَكَ} الخ هذا الجواب هو فائدة السؤال فجواب المعبودين بكت العابدين حيث كذبهم المعبودون فتزيد حسرتهم فيفرح المؤمنون بها وبنجاتهم وبفضيحة اولئك. وفي ذكره في القرآن لطف بالمكلفين وليس اضلال الله عبيده جبرهم على الضلال او طبعهم عليه ولكن ترك توفيقهم وقد يسر لهم ما ينجون به من الضلال فيتعروا وتفضل عليهم وعلى آبائهم من غير سابقة فجعلوا كفر النعمة بدلا من شكرها وكانت النعمة سببا في الكفر ونسيان الذكر وقد تبرأ المعبودون من اضلال العابدين واستعاذوا بالله سبحانه ان يكونوا مضلين فالله اشد تبرؤاً واضافوا اليه التفضل عليهم وما هو الا ليعبدوه فعصوه وقد علم بانهم يعصون. ولفظ {سُبْحَانَكَ} اما تعجب من المعبودين لانهم ملائكة وانبياء معصومون فما ابعدهم عن الاضلال المختص بابليس وحزبه وبعضهم جماد لا يقدر على شيء ما واما ليدلوا على انهم المسبحون المقدسون الموسومون بذلك فكيف يليق بهم الاضلال والجماد ايضا يسبح واما لتنزيه الله سبحانه عن الانداد وان يكون له ملك أو نبي أو غيرهما ندا. {مَا كَانَ} اسمها ضمير الشأن {وَأَن نَّتَّخِذَ} فاعل ينبغي والجملة خبرها {وَان نَّتَّخِذَِ} اسمها وليست شأنية وفي (ينبغي) ضميره ولا باس بتقديم خبر كان الفعلي على اسمها لانه لا يلتبس بالمبتدأ وكان زائده. {يَنْبَغِي} يستقيم * {لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ} اي غيرك يتعلق بمحذوف مفعول ثاني * {مِن أَوْلِيآءَ} من زائدة لتأكيد النفي واولياء مفعول اول اي كيف نتخذ وليا من دونك ونحن معصومون؟ او كيف نتخذ أولياء من دونك وهم لا يقدرون على ضرنا أو نفعنا والضار النافع انت؟ وإذا كان الامر ذلك فبالاولى لان نامر احدا يعبدنا أو يعبد غيرنا من خلقك ويصح ان يكون (نتخذ) متعديا لواحد هو أولياء ومن دونك متعلق بـ (نتخذ) أو حال من (أولياء). وقرأ ابو جعفر المدني {أَن نَّتَّخِذَ} بالبناء للمفعول وكذا زيد بن ثابت فيكون متعديا لاثنين الاول الضمير المستتر والثاني {أَوْلِيَآءَ} و(من) صلة دونك متعلق بالفعل أو حال من {أَوْلِيَآءَ} ولا مانع من تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف زائد {أوْليَآءَ} على هذه القراءة بمعنى آلهة كذا ظهر. ويجوز ان يجعل من الثانية للتبعيض متعلقة بمفعول ثاني أو متعلقة بالفعل على انه متعد لواحد ومن الاولى متعلقة به ايضا. قيل: وتنكر {أَوْلِيَآءَ} من حيث انهم اولياء مخصوصون وهم الجن والاصنام. ثم ظهر ان ابن هشام قال: ان (من) لا تزد في ثاني (ظن) ولا في ثالث (اعلم) وان هذه القراءة شاذة وان ابن مالك حملها على شذوذ زيادة. من الحال وان ما ذكره ابن مالك فاسد في المعنى لانك إذا قلت: (ما كان لك ان تتخذ عمرا) في حالة كونه خاذلا لك فانت مثبت لخذلانه على اتخاذه فيلزم ان الملائكة اثبتوا لانفسهم الولاية. {وَلَكِن مَّتَعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ} من قبلهم بإطالة العمر وسعة الرزق فاتبعوا شهواتهم * {حَتَّى نَسُوا} اي تركوا * {الذِّكْرَ} ما انزل على الانبياء فمن لم يدرك النبي فنسي ما نزل من قبله كالانجيل ومن ادركه فنسي ذلك والقرآن. وقيل: النسيان مقابل الحفظ ويجوز كون (الذكر) بمعنى تذكر آلاء الله وذكر الله * {وَكَانُوا قَوْماً بُوراً} هالكين لعدم شكر النعم عبدوا غيره واكلوا رزقه قاله مجاهد. وقيل: {بُوراً} فاسدين واصله مصدر بمعنى الهلاك والفساد استعمل بمعنى اسم الفاعل ويجوز بقاؤه على المعنى المصدري فيقدر مضاف او بلا تقدير مبالغة كأنهم نفس الهلاك أو الفساد ولكونه مصدرا يوصف به الواحد وغيره. ويجوز كونه جمع بائر على غير قياس كـ (عائد) وعود. وقيل: كانوا في قضاء الله قوما بورا.

اطفيش

تفسير : {قالُوا} أى المعبودون المسئولون، مقتضى الظاهر يقولون لمناسبة، يقولون وجئ بالماضى لتحقق التنزيه، وأنه حالهم قبل القيامة، ولأن المراد الأعظم بالذات الجواب بهذا التنزيه {سُبْحانك} وهو تعجب من الأصنام كيف نضلهم ونحن جماد، من الملائكة والأنبياء والأولياء كيف نضلهم وما شأننا إلا الانقياد لك، وتسبيحك، وقد عصمتنا، أو مجرد تنزيه وتمهيد لقولهم: {ما كان ينْبَغى لنا} يستقيم {أن نتَّخذَ مِنْ دُونكَ} من للابتداء متعلق بنتخذ، أو للبيان او التبعيض متعلق بمحذوف حال من أولياء فى قوله: {من أولياء} ومن صلة فى معمول المنفى كما تجئ فى نفس ما بعد المنفى، وهذا كما ذكرت زيادة فى خبر المبتدأ الشبيه نعته باسم الشرط فى العموم من قوله تعالى: "أية : والقواعد من النساء"تفسير : [النور: 60] والأولياء الآلهة المعبودون، كيف نتخذ أولياء للعبادة غيرك، فكيف نأمر غيرنا باتخاذها، فضلا عن أن ندعوهم الى اتخاذهم ايانا آلهة، أو الأولياء الأتباع كما يطلق على المتبوعين، كيف نتخذ لنا أتباعاً يعبدوننا، وجاء أولياء الشيطان بمعنى أتباعه، ومعنى أولياء من دونك، أولياء لست واحداً منهم، ولو كان واحداً منهم لم يكف، لأنه يستحق العبادة وحده. {ولكن متَّعتهم} بالنعم {وآباءهم} فكفروها، وجعلوا بدل شكرها ما هو اعظم ذنب وهو الاشراك لاعراضهم عن الوحى كما قال: {نسوا الذكر} تركوا ما أنزل الله من التوحيد، أو ذكرك بالشكر {وكانُوا} فى علمك {قوماً بوراً} مصدر بمعنى هلاك، أو فساد مبالغة، أو يقدر بذوى بور او ببائرين، أو جمع بائر شذوذاً كعوذ جمع عائذ، والاضلال فعل الله تعالى، لا على الاجبار، بل بخلق الضلال وأسبابه، والضلال ضل باختياره فعوقب على اختياره واكتسابه، ولو كانا مخلوقين لله تعالى.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية السؤال كأنه قيل: فماذا قالوا في الجواب؟ فقيل قالوا: {سُبْحَـٰنَكَ } وكان الظاهر أن يعبر بالمضارع لمكان { أية : يِقُولُ } تفسير : [الفرقان: 17] أولاً، وكأن / العدول إلى الماضي للدلالة على تحقق التنزيه والتبرئة وأنه حالهم في الدنيا، وقيل: للتنبيه على أن إجابتهم بهذا القول هو محل الاهتمام فإن بها التبكيت والإلزام فدل بالصيغة على تحقق وقوعها. وسبحان إما للتعجب مما قيل لهم إما لأنهم جمادات لا قدرة لها على شيء أو لأنهم ملائكة أو أنبياء معصومون أو أولياء عن مثل ذلك محفوظون وإمّا هو كناية عن كونهم موسومين بتسبيحه تعالى وتوحيده فكيف يتأتى منهم إضلال عباده وإمّا هو على ظاهره من التنزيه والمراد تنزيهه تعالى عن الأضداد، وهو على سائر الأوجه جواب إجمالي إلا أن في كونه كذلك على الأخير نوع خفاء بالنسبة إلى الأولين. وقوله تعالى: {مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا } الخ كالتأكيد لذلك والتفصيل له. وجعل الطيبـي قولهم: {سُبْحَـٰنَكَ } توطئة وتمهيداً للجواب لقولهم: {مَا كَانَ } الخ أي ما صح وما استقام لنا {أَن نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء } أي أولياء على أن {مِنْ } مزيدة لتأكيد النفي. ويحسن زيادتها بعد النفي والمنفي وإن كان {كَانَ } لكن هذا معمول معمولها فينسحب النفي عليه. والمراد نفي أن يكونوا هم مضليهم على أبلغ وجه كأنهم قالوا: ما صح وما استقام لنا أن نتخذ متجاوزين إياك أولياء نعبدهم لما بنا من الحالة المنافية له فأنى يتصور أن نحمل غيرنا على أن يتخذ ولياً غيرك فضلاً أن يتخذنا ولياً، وجوز أن يكون المعنى ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أتباعاً فإن الولي كما يطلق على المتبوع يطلق على التابع ومنه أولياء الشيطان أي أتباعه. وقرأ أبو عيسى الأسود القارىء {يَنبَغِى } بالبناء للمفعول. وقال ابن خالويه: زعم سيبويه أن ذلك لغة. وقرأ أبو الدرداء وزيد بن ثابت وأبو رجاء ونصر بن علقمة وزيد بن علي وأخوه الباقر رضي الله تعالى عنهما ومكحول والحسن وأبو جعفر وحفص بن عبيد والنخعي والسلمي وشيبة وأبو بشر والزعفراني {نتخذ } مبنياً للمفعول، وخرج ذلك الزمخشري على أنه من اتخذ المتعدي إلى مفعولين والمفعول الأول ضمير المتكلم القائم مقام الفاعل والثاني {مِنْ أَوْلِيَاء } و(من) تبعضية لا زائدة أي أن يتخذونا بعض الأولياء، ولم يجوز زيادتها بناءً على ما ذهب إليه الزجاج من أنها لا تزاد في المفعول الثاني، وعلله في «الكشف» بأنه محمول على الأول يشيع بشيوعه ويخص كذلك، ومراده أنه إذا كان محمولاً لإيراد صدقه على غيره فيشيع ويخص كذلك في الإرادة فلا يرد زيد حيوان فإن المحمول باق على عمومه مع خصوص الموضوع، وقيل: مراده أن الاختلاف لا يناسب مع إمكان الاتحاد والمثال ليس كذلك. والزمخشري لما بنى كلامه على ذلك المذهب والتزم التبعيض جاء الإشكال في تنكير {أَوْلِيَاء } فأجاب بأنه للدلالة على الخصوص وامتيازهم بما امتازوا وهو للتنويع على الحقيقة. وقال السجاوندي: المعنى ما ينبغي لنا أن نحسب من بعض ما يقع عليه اسم الولاية فضلاً عن الكل فإن الولي قد يكون معبوداً ومالكاً وناصراً ومخدوماً. والزجاج خفي عليه أمر هذه القراءة على مذهبه فقال: هذه القراءة خطأ لأنك تقول: ما اتخذت من أحد ولياً ولا يجوز ما اتخذت أحداً من ولي لأن (من) إنما دخلت لأنها تنفي واحداً في معنى جميع ويقال: ما من أحد قائماً وما من رجل محباً لما يضره ولا يقال: ما قائم من أحد وما رجل من محب لما يضره ولا وجه عندنا لهذا البتة ولو جاز هذا لجاز في { أية : فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ } تفسير : [الحاقة: 47] / ما منكم أحد عنه من حاجزين. وأجاز الفراء هذه القراءة عن ضعف وزعم أن {مِنْ أَوْلِيَاء } هو الاسم وما في {يَتَّخِذِ } هو الخبر كأنه يجعله على القلب انتهى. ونقل صاحب «المطلع» عن صاحب «النظم» أنه قال: الذي يوجب سقوط هذه القراءة أن (من) لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه نحو قوله تعالى: { أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } تفسير : [مريم: 35] فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخولها كما في الآية على هذه القراءة ولا يخفى عليك أن في الإقدام على القول بأنها خطأ أو ساقطة مع روايتها عمن سمعت من الأجلة خطراً عظيماً ومنشأ ذلك الجهل ومفاسده لا تحصى. وذهب ابن جني إلى جواز زيادة (من) في المفعول الثاني فيقال: ما اتخذت زيداً من وكيل على معنى ما اتخذته وكيلاً أي وكيل كان من أصناف الوكلاء. ومعنى الآية على هذا المنوال ما ينبغي لنا أن يتخذونا من دونك أولياء أي أولياء أي ما يقع عليه اسم الولاية. وجوز أن يكون {نَّتَّخِذَ } على هذه القراءة مما له مفعول واحد و {مِنْ دُونِكَ } صلة و {مِنْ أَوْلِيَاء } حال و {مِنْ } زائدة وعزا هذا في «البحر» إلى ابن جني. وجوز بعضهم كون {نَّتَّخِذَ } في القراءة المشهورة من اتخذ المتعدي لمفعولين، وجعل أبو البقاء على هذا {مِنْ أَوْلِيَاء } المفعول الأول بزيادة من و {مِن دُونِكَ } المفعول الثاني وعلى كونه من المتعدي لواحد يكون هذا حالاً. وقرأ الحجاج «أن نتخذ من دونك أولياء» فبلغ عاصماً فقال: مقت المخدج أو ما علم أن فيها من. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ } الخ استدراك مسوق لبيان أنهم هم الضالون بعد بيان تنزههم عن إضلالهم على أبلغ وجه كما سمعت، وقد نعى عليهم سوء صنيعهم حيث جعلوا أسباب الهداية أسباباً للضلالة أي ما أضللناهم ولكن متعتهم وآباءهم بأنواع النعم ليعرفوا حقها ويشكروها فاستغرقوا في الشهوات وانهمكوا فيها {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذّكْرَ } أي غفلوا عن ذكرك والإيمان بك أو عن توحيدك، أو عن التذكر لنعمك وآيات ألوهيتك ووحدتك. وفي «البحر» الذكر ما ذكر به الناس على ألسنة الأنبياء عليهم السلام أو الكتب المنزلة أو القرآن، ولا يخفى ما في الأخير إذا قيل: بعموم الكفار والمخبر عنهم في الآية وشمولهم كفار هذه الأمة وغيرهم {وَكَانُواْ } أي في علمك الأزلي المتعلق بالأشياء على ما هي عليه في أنفسها أو بما سيصدر عنهم فيما لا يزال باختيارهم وسوء استعدادهم من الأعمال السيئة {قَوْماً بُوراً } هالكين على أن {بُوراً } مصدر وصف به الفاعل مبالغة ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع، وأنشدوا: شعر : فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم وكافوا به فالكفر بور لصانعه تفسير : وقول ابن الزبعرى: شعر : يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور تفسير : أو جمع بائر كعوذ في عائذ وتفسيره بهالكين رواه ابن جرير وغيره عن مجاهد، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن ذلك فقال: هلكى بلغة عمان وهم من اليمن، وقيل: بوراً فاسدين في لغة الأزد ويقولون: أمر بائر أي فاسد وبارت البضاعة إذا فسدت. وقال الحسن: بوراً لا خير فيهم من قولهم: أرض بور أي متعطلة لا نبات فيها، وقيل: بوراً عمياً عن الحق. والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله على ما قال أبو السعود. / وقال الخفاجي: هي حال بتقدير قد أو معطوفة على مقدر أي كفروا وكانوا أو على ما قبلها. وقد شنع الزمخشري بما ذكر من السؤال والجواب على أهل السنة فقال: فيه كسر بين لقول من يزعم أن الله تعالى يضل عباده على الحقيقة حيث يقول سبحانه للمعبودين من دونه: أأنتم أضللتم أم هم ضلوا بأنفسهم فيتبرؤن من إضلالهم ويستعيذون به أن يكونوا مضلين ويقولون: بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وآبائهم تفضل جواد كريم فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر سبب الكفر ونسيان الذكر وكان ذلك سبب هلاكهم فإذا برأت الملائكة والرسل عليهم السلام أنفسهم من نسبة الإضلال الذي هو عمل الشياطين إليهم واستعاذوا منه فهم لربهم الغني العدل أشد تبرئة وتنزيهاً منه. ولقد نزهوه تعالى حين أضافوا إليه سبحانه التفضل بالنعمة والتمتيع بها وأسندوا نسيان الذكر والتسبب به للبوار إلى الكفرة فشرحوا الإضلال المجازي الذي أسنده الله تعالى إلى ذاته في قوله سبحانه: { أية : يُضِلُّ مَن يَشَاء } تفسير : [الرعد: 27] ولو كان سبحانه هو المضل على الحقيقة لكان الجواب العتيد أن يقولوا بل أنت أضللتهم انتهى. وأجاب صاحب «الفرائد» عن قوله: فيتبرؤن من إضلالهم الخ بأنهم إنما تبرؤا لأنهم يستحقون العذاب بإضلالهم ولم يكن منهم فوجب عليهم أن يقولوا ذلك ليندفع عنهم ما يستحقون به من العذاب وذلك أنهم مسؤولون عما يفعلون والله عز وجل لا يسأل عما يفعل فيلحق بهم النقصان إن ثبت عليهم ولا يمكن لحوقه به تعالى لأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وعن قوله: ولقد نزهوه حيث أضافوا الخ بأن قولهم {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ} الخ لا ينافي نسبة الإضلال إليه سبحانه على الحقيقة وأيضاً ما يؤدي إلى الضلال إذا كان منه تعالى وكان معلوماً له عز وجل أنهم يضلون به كان فيه ما في الإضلال بالحقيقة فوجب على مذهبه أنه لا يجوز عليه سبحانه مع أنهم نسبوه إليه سبحانه، وعن قوله: ولو كان تعالى هو المضل على الحقيقة لكان الجواب العتيد أنت أضللتهم بأن هذا غير مستقيم لأنه تعالى ما سألهم إلا عن أحد الأمرين وما ذكر لا يصلح جواباً له بل هو جواب لمن قال: من أضلهم انتهى. وذكر في «الكشف» جواباً عن الأخير أنه ليس السؤال عن تعيين من أضل لأنه تعالى عالم به وإنما هو سؤال تقريع على نحو { أية : أأنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 116] فلو قالوا: أنت أضللتهم لم يطابق وإنما الجواب ما أجابوا به كما أجاب عيسى عليه السلام بقوله: {أية : سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ}تفسير : [المائدة: 16] إلخ وقد اقتدى بالإمام في ذلك، وذكر أيضاً قبل هذا الجواب أنه لو قيل: إن في {مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ } ما يدل على أنه تعالى الفاعل الحقيقي للإضلال وأنه لا ينسب إليه سبحانه أدباً لكان وجهاً ولا ينبغي أن يكون ذلك بعد التسليم المقصود من الجواب بمتعتهم الخ بأن يكون المراد الجواب بأنت أضللتهم لكن عدل عنه إلى ما في النظم الجليل أدباً لأن الجواب بذلك مما لا يقتضيه السياق كما لا يخفى. وقال ابن المنير: إن جواب المسؤولين بما ذكر يدل على معتقدهم الموافق لما عليه أهل الحق لأن أهل الحق يعتقدون أن الله تعالى وإن خلق لهم الضلال إلا أن للعباد اختياراً فيه وعندهم أن كل فعل اختياري له نسبتان إن نظر إلى كونه مخلوقاً فهو منسوب إلى الله تعالى وإن نظر إلى كونه مختاراً للعبد فهو منسوب للعبد وهؤلاء المجيبون نسبوا النسيان أي الانهماك في الشهوات الذي ينشأ عنه النسيان إلى الكفرة لأنهم اختاروه لأنفسهم فصدقت نسبته إليهم ونسبوا السبب الذي اقتضى نسيانهم وانهماكهم في الشهوات إلى الله تعالى وهو استدراجهم ببسط النعم عليهم (وصبها صباً) فلا تنافي بين معتقد أهل الحق ومضمون ما قالوا في الجواب بل هما متواطئان على أمر واحد انتهى. ولا يخفى ما في بيان التوافق من النظر. وقد يقال: حيث كان المراد من الاستفهام تقريع المشركين وعلم / المستفهمين بذلك مما لا ينبغي أن ينكر لا سيما إذا كانوا الملائكة والأنبياء عليهم السلام جىء بالجواب متضمناً ذلك على أتم وجه مشتملاً على تحقق الأمر في منشأ ضلالهم كل ذلك للاعتناء بمراده تعالى من تقريعهم وتبكيتهم ولذا لم يكتفوا في الجواب بِـ { أية : هُمْ ضَلُّوا } تفسير : [الفرقان: 17] بل افتتحوا بالتسبيح ثم نفوا عن أنفسهم الإضلال على وجه من المبالغة ليس وراءه وراء ثم أفادوا أنهم ضلوا بعد تحقق ما ينبغي أن يكون ذريعة لهم إلى الاهتداء من تمتيعهم بأنواع النعم وذلك من أقبح الضلال ونبهوا على زيادة قبحه فوق ما ذكر بالتعبير عنه بنسيان الذكر ثم ذكروا منشأ ضلالهم والأصل الأصيل فيه بقولهم: {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً } إما على معنى كانوا في نفس الأمر قوماً فاسدين وإن شئت قلت هالكين ونحوه مما تقدم فظهروا على حسب ما كانوا لأن ما في نفس الأمر لا يتغير أو على معنى كانوا في العلم التابع للمعلوم في نفسه كذلك فظهروا على حسب ذلك لئلا يلزم الانقلاب المحال، وحاصله أن منشأ ضلالهم فساد استعدادهم في نفسه من غير مدخلية للغير في التأثير فيه وهذا شأن جميع ماهيات الأشياء في أنفسها فإن مدخلية الغير إنما هي في نحو وجودها الخارجي لا غير، وإلى هذا ذهب جمع من الفلاسفة والصوفية وشيد أركانه الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة في أكثر كتبه فإن كان مقبولاً فلا بأس في تخريج الآية الكريمة عليه فتدبر.

د. أسعد حومد

تفسير : {سُبْحَانَكَ} {وَآبَآءَهُمْ} (18) - فَيُجِيب المعْبُودُون قَائِلين: سُبْحَانَك وَتَنزَّه اسْمُكَ يَا رَبَّنا، ليس لِلخَلائِق جَمِيعاً أَنْ يعبُدوا أَحَداً سِوَاك، لا نَحنُ وَلا هُم، وَنَحنُ لَم نَدْعُهمْ إِلى ذَلك، بَلْ هُم فَعَلُوهُ مِنْ تِلقَاءِ أَنْفُسِهمْ مِنْ غيرِ أَمرِنا وَلا رِضَانَا، وَنحنُ بَراءٌ مِنْهُم، ومِنْ عِبَادتِهمْ، وَلكِنَّ السَّببَ فِي كُفْرِهِم هُو أَنَّك يا ربَّنا أكثرتَ عَليهِم وَعَلى آبائِهم نِعمكَ، لِيَعرفُوا حَقَّها وَيَشْكُروكَ عَليها، فَاسْتَغرقُوا في الشَّهَواتِ، وَانهمكُوا فِي المَلَذَّاتِ، وغَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكَ فَكَانُوا مِن الهَالِكِينَ. قَوْماً بُوراً - هالِكِينَ بائِرينَ. نسوْا الذِّكرَ - غَفَلُوا عن دَلاَئِل الوَحْدَانِيَّة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة (سبحان) أي: تنزيهاً لله تعالى في ذاته عن مشابهة الذوات، وتنزيهاً لله تعالى في صفاته وأفعاله عن مشابهة الصفات والأفعال، فللّه سَمْع ولك سمع، ولله وجود ولك وجود، ولله حياة ولك حياة، لكن أحياتك كحياة الله؟ الله جبار وأنت قد تكون جباراً، الله غني وأنت قد تكون غنياً، فهل غِنَاك كغِنَى الله؟ ولله تعالى فِعْل ولك فعل، فهل فِعْلك كفِعْل الله؟ إذن: هناك فَرْق بين الصفات الذاتية والصفات الموهوبة التي يقبضها واهبها إنْ شاء. وقد تُقال سبحان الله ويُقصَد بها التعجب، فحين تسمع كلاماً عجيباً تقول: سبحان الله يعني: أنا أنزه أن يكون هذا الكلام حدث. لذلك يقولون هنا: {سُبْحَانَكَ ..} [الفرقان: 18] يعني: عجيبة أننا نضل، كيف ونحن نعبدك نجعل الآخرين يعبدوننا، والمعنى: أن هذا لا يصح مِنَّا، كيف ونحن ندعو الناس إلى عبادتك، وليس من المعقول أننا ندعوهم إلى عبادتك ونتحوّل نحن لكي يعبدونا: {سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ ..} [الفرقان: 18]. فأنت وليُّنا الذي نتقرّب إليه، وقد بعثْتنا لمهمة من المهمات، ولا بُدَّ أن صواب اختيارك لنا يمنعنا أن نفعل هذا، وإلا ما كُنا أمناء على هذه المهمة. فسبحانك: تنزيهاً لك أن تختار مَنْ ليس جديراً بالمهمة، فيأخذ الأمر منك لنفسه. ومعنى: {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ ..} [الفرقان: 18] نفي الانبغاء، نقول: ما ينبغي لفلان أن يفعل كذا، كما قال تعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ..}تفسير : [يس: 69] والشعر مَلكَة وموهبة بيان أدائية، وكان العرب يتفاضلون بهذه الموهبة، وإنْ نبغ فيهم شاعر افتخروا به ورفع من شأنهم، ولقد توفرت لرسول الله هذه الملَكة. ولو كان صلى الله عليه وسلم شاعراً لكان شاعراً مُبْدعاً، لكنه صلى الله عليه وسلم ما ينبغي له ذلك؛ لأن الشعر مبنيٌّ على التخيُّل؛ لذلك أبعده الله عن الشعر حتى لا يظن القوم أن ما يأتي به محمد من القرآن تخيلات شاعر، فلم تكُنْ طبيعة رسول الله جامدة لا تصلح للشعر، إنما كان صلى الله عليه وسلم ذا إحساس مُرْهَفٍ، ولو قُدِّر له أنْ يكون شاعراً لكان عظيماً. وقد قال الحق سبحانه وتعالى عن الشعراء: {أية : وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ}تفسير : [الشعراء: 224-226]. وقالوا عن الشعر: أَعْذبه أكذبُه، لذلك لم يدخل رسول الله طِوَال حياته هذا المجال. إذن: فقولهم {سُبْحَانَكَ ..} [الفرقان: 18] ردٌّ على {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ ..}تفسير : [الفرقان: 17] ثم يذكر الدليل على {أية : أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ}تفسير : [الفرقان: 17] في قوله: {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً} [الفرقان: 18] فلما متَّعتهم يا ربّ أترفهم النعيم، وشغلتْهم النعمة عن المنعِم، فانحرفوا عن الجادَّة. والآية تنبه المؤمن ألاّ يَأْسَى على نعيم فاته، فربما فتنك هذا النعيم وصرفك عن المنعِم عزَّ وجل، فمن الخير - إذن - أنْ يمنعه الله عنك؛ لأنك لا تضمن نفسك حال النعمة. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ ..} [الفرقان: 18] أي: نسُوا المُنْعِم، وحَقُّ النعمة ألاَّ تُنَسِى المنعم، لذلك سبق أنْ قُلْنا: إن الصحيح إنْ كان في نعمة العافية من المنعم سبحانه، فالمريض الذي حُرِم منها ليس في نعمة المنعِم، إنما في صحبته ومعيته. ومن هنا لما مرض أحد العارفين بالله كان يغضب إذا دُعِي له بالشفاء، ويقول لعائده: لا تقطع عليَّ أُنْسي بربي. وجاء في الحديث القدسي: "حديث : يا ابن آدم، مرضتُ فلم تَعُدْني، قال: وكيف أعودُكَ وأنت ربُّ العالمين، قال: أما علمتَ أن عبدي فلاناً مرض فلم تَعُدْهُ، أما إنك لو عُدته لوجدتني عنده ". تفسير : إذن: حينما يعلم المريض أنه في معية الله يستحي أن يجزع ومعنى {قَوْماً بُوراً} [الفرقان: 18] البُور: الهلاك، ومنه أرض بُور، وهي التي لا تُنبت. ثم يقول الحق سبحانه: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ} يعني أخَّرتهُم. تفسير : وقوله تعالى: {وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً} معناه هَلكى. والجمعُ من الذكرِ والأُنثى بُورٌ.

الجيلاني

تفسير : {قَالُواْ} أي: الآلهة مبرئين نفوسهم عن هذه الجرأة والجريمة العظيمة، منزهين ذاته سبحانه عن وهم المشاركة والمماثلة والكفاءة مطلقاً: {سُبْحَانَكَ} ننزهك ونقدس ذاتك يا ربنا عن توهم الشركة في ألوهيتك وربوبيتك، بل في وجودك وتحققك {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ} ويصح منَّا {أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ} فكيف يليق بنا أن ندعي الولاية لأنفسنا دونك والاشتراك معك، مع أنَّا لا وجود لنا إلا منك، ولا رجوع لنا إلا إليك، وأنت يا ربنا تعلم منَّا ما في ضمائرنا وأسرارنا واستعداداتنا ونياتنا في جميع شئوننا وقابلياتنا، وأنت تعلم أيضاً منا يا مولانا لا علم لنا باتخاذهم أولياء، ولا إضلال وتقرير من قَبَلنا إياهم {وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ} أنت بمقتضى فضلك وجودك بأنواع النعم وأصناف الكرم {وَ} كذا متعت {آبَآءَهُمْ} كذلك، وأمهلتهم زماناً مترفهين مستكبرين {حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ} أي: ذكر المنعِم، وغفلوا عن شكر نعمه، واتخذوا على مقتضى أهويتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة أرباباً من دونك وعبدوها كعبادتك عتواً واستكباراً {وَ} بالجملة: هم {كَانُواْ} مقدَّرين مثبتين في لوح قضائك {قَوْماً بُوراً} [الفرقان: 18] هالكين في تيه الغفلة والضلال، من أصحاب الشقاوة الأزلية الأبدية لا يُرجى منهم السعادة أصلاً. ثم قيل للمشركين من قِبل الحق: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ} آلهتكم أيها الضالون {بِمَا تَقُولُونَ} أنهم آلهتنا، أو بما يقولون هؤلاء وأضلونا، أو بقولكم: هؤلاء شفعاؤنا {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ} أي: فالآن ظهر ولاح أن آلهتكم وشفعاءكم لا يقدرون {صَرْفاً} من عذابنا شيئاً {وَلاَ} يقدرون أيضاً {نَصْراً} لكم؛ لتصرفوا عذابنا عن نفوسكم بمعاونتهم، ولا شفاعة عندنا؛ لتخفيف العذاب عنكم {وَ} بالجملة: {مَن يَظْلِم مِّنكُمْ} أيها لامشركون نفسه باتخاذ غيرنا إلهاً عناداً ومكابرة، ولم يتب عن ذلك حتى خرج من الدنيا عليه {نُذِقْهُ} الأمر؛ أي: يوم الجزاء {عَذَاباً كَبِيراً} [الفرقان: 19] لا عذاب أكبر منه. ثم أشار سبحانه إلى تسلية حبيبه صلى الله عليه وسلم عما عيره الجهلة المستهزئون معه بقولهم: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ...}تفسير : [الفرقان: 7] {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} رسولاً {مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} كما تأكل أنت وسائر الناس {وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} لحوائجهم كما تشمي أنت وغيرك. وامتياز الرسل والأنبياء من العوام إنما يكون بأمورٍ معنوية لا اطلاع لأحد عليها سوى من اختارهم للرسالة والنبوة، وهم في ظوهر أحوالهم مشتركون مع نبي نوعهم بل أسوأ حالاً منهم في ظواهرهم؛ لعدم التفاتهم إلى زخرفة الدنيا العائقة عن اللذة الأخروية، ولهذا ما من نبي ولا رسول إلا وقد عيرهم العوام بالفقر والفاقة إلا نادراً منهم. {وَ} بالجملة: من سنتنا أنَّا {جَعَلْنَا بَعْضَكُمْ} أيها الناس {لِبَعْضٍ فِتْنَةً} أي: بسبب ابتلائه ومحنة واختبار، من ذلك ابتلاء الفقراء بتشنيع الأغنياء، وتعيير النبيين والمرسلين باستهزاء المنكرين المستكبرين، والمرضى بالأصحاء، وذي العاهة بالسالم إلى غير ذلك، وإنما جعلناكم كذلك؛ لنختبر وتعلموا {أَتَصْبِرُونَ} أيها المصابون بما أصابكم من البلاء فتفوزون بجزيل العطاء وجميل اللقاء أم لا؟ {وَ} الحال أنه قد {كَانَ رَبُّكَ} يا أكمل الرسل في سابق قضائه وحضرة علمه {بَصِيراً} [الفرقان: 20] لصبر من صبر، وشكر من شكر من أولي العزائم الصحيحة، ولمن لم يصبر ولم يشكر من ذوي الأحلام السخيفة والاختبار، إنما هو لإظهار الحجة الغالبة البالغة؛ إذ الإنسان مجبول على الجدال والكفران.

همام الصنعاني

تفسير : 2081- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {[وَكَانُواْ] قَوْماً بُوراً}: [الآية: 18]، قال: هم الذين لا خير فيهم.