٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} نزلت جواباً للمشركين حيث قالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ}. وقال ابن عباس: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة وقالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ} الآية حزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فنزلت تعزية له؛ فقال جبريل عليه السلام: السلام عليك يا رسول اللهٰ الله ربك يقرئك السلام ويقول لك: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} أي يبتغون المعايش في الدنيا. الثانية: قوله تعالى: {إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} إذا دخلت اللام لم يكن في «إن» إلا الكسر، ولو لم تكن اللام ما جاز أيضا إلا الكسر؛ لأنها مستأنفة. هذا قول جميع النحويين. قال النحاس: إلا أن عليّ بن سليمان حكى لنا عن محمد بن يزيد قال: يجوز في «إنّ» هذه الفتح وإن كان بعدها اللام؛ وأحسبه وهْما منه. قال أبو إسحاق الزجاج: وفي الكلام حذف؛ والمعنى وما أرسلنا قلبك رسلاً إلا إنهم ليأكلون الطعام، ثم حذف رسلاً، لأن في قوله: {مِن المرسلِينَ} ما يدل عليه. فالموصوف محذوف عند الزجاج. ولا يجوز عنده حذف الموصول وتبقية الصلة كما قال الفراء. قال الفراء: والمحذوف {مَن} والمعنى إلا مَنْ إنهم ليأكلون الطعام. وشبّهه بقوله: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164]، وقوله: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71] أي ما منكم إلا من هو واردها. وهذا قول الكسائيّ أيضاً. وتقول العرب: ما بعثت إليك من الناس إلا مَن إنه ليطيعك. فقولك: إنه ليطيعك صلة من. قال الزجاج: هذا خطأ؛ لأن من موصولة فلا يجوز حذفها. وقال أهل المعاني: المعنى؛ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل إنهم ليأكلون؛ دليله قوله تعالى: {أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} تفسير : [فصلت: 43]. وقال ابن الأنباريّ: كسرت {إِنَّهُمْ} بعد {إلا} للاستئناف بإضمار واو. أي إلا وإنهم. وذهبت فرقة إلى أن قوله: {لَيَاْكُلُونَ الطَعَاَمَ} كناية عن الحدث. قلت: وهذا بليغ في معناه، ومثله {أية : مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [المائدة: 75]. {وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} قرأ الجمهور {يمْشُونَ} بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين. وقرأ عليّ وابن عوف وابن مسعود بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة، بمعنى يُدْعَون إلى المشي ويحملون عليه. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلمَيّ بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشدّدة، وهي بمعنى يَمْشُونَ؛ قال الشاعر:شعر : ومَشَّى بأعطان المَبَاءة وابتغى قلائصَ منها صعبةٌ ورَكُوبُ تفسير : وقال كعب بن زهير:شعر : منه تظل سِباعُ الجوِّ ضامِزةً ولا تُمَشِّي بوادِيه الأَراجيلُ بمعنى تمْشي. تفسير : الثالثة: هذه الآية أصل في تناول الأسباب وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك. وقد مضى هذا المعنى في غير موضع، لكنا نذكر هنا من ذلك ما يكفي فنقول: قال لي بعض مشايخ هذا الزمان في كلام جرى: إن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا ليسنوا الأسباب للضعفاء؛ فقلت مجيباً له: هذا قول لا يصدر إلا من الجهال والأغِنياء، والرعاع السفهاء، أو من طاعن في الكتاب والسنة العلياء؛ وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن أصفيائه ورسله وأنبيائه بالأسباب والاحتراف فقال وقوله الحق: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ}تفسير : [الأنبياء: 80]. وقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} قال العلماء: أي يتجرون ويحترفون. وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : جُعِل رزقي تحت ظل رُمْحي» تفسير : وقال تعالى: {أية : فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً} تفسير : [الأنفال: 69] وكان الصحابة رضي الله عنهم يتجرون ويحترفون وفي أموالهم يعملون، ومن خالفهم من الكفار يقاتلون؛ أتراهم ضعفاء! بل هم كانوا والله الأقوياء، وبهم الخلف الصالح اقتدَى، وطريقهم فيه الهدى والاهتداء. قال: إنما تناولوها لأنهم أئمة الاقتداء، فتناولوها مباشرة في حق الضعفاء، فأما في حق أنفسهم فلا؛ وبيان ذلك أصحابُ الصُّفَّة. قلت: لو كان ذلك لوجب عليهم وعلى الرسول معهم البيان؛ كما ثبت في القرآن {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44] وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ} تفسير : [البقرة: 159] الآية. وهذا من البينات والهدى. وأما أصحاب الصُّفة فإنهم كانوا ضيف الإسلام عند ضيق الحال، فكان عليه السلام إذا أتته صدقة خصهم بها، وإذا أتته هدية أكلها معهم، وكانوا مع هذا يحتطبون ويسوقون الماء إلى أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم. كذا وصفهم البخاريّ وغيره. ثم لما افتتَح الله عليهم البلاد ومهد لهم المهاد تأمّروا، وبالأسباب أُمِروا. ثم إن هذا القول يدلّ على ضعف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأنهم أُيِّدوا بالملائكة وثُبّتوا بهم، فلو كانوا أقوياء ما احتاجوا إلى تأييد الملائكة وتأييدهم إذ ذلك سبب من أسباب النصر؛ نعوذ بالله من قول وإطلاق يؤول إلى هذا، بل القول بالأسباب والوسائط سنة الله وسنة رسوله، وهو الحق المبين، والطريق المستقيم الذي انعقد عليه إجماع المسلمين؛ وإلا كان يكون قوله الحق: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ}تفسير : [الأنفال: 60] ـ الآية ـ مقصوراً على الضعفاء، وجميع الخطابات كذلك. وفي التنزيل حيث خاطب موسى الكِليم {أية : ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ}تفسير : [الشعراء: 63] وقد كان قادراً على فلق البحر دون ضرب عصا. وكذلك مريم عليها السلام {أية : وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} تفسير : [مريم: 25] وقد كان قادراً على سقوط الرطب دون هزّ ولا تعب؛ ومع هذا كله فلا ننكر أن يكون رجل يلطَف به ويعان، أو تجاب دعوته، أو يكرم بكرامة في خاصة نفسه أو لأجل غيره، ولا تهدّ لذلك القواعد الكلية والأمور الجملية. هيهات هيهات! لا يقال فقد قال الله تعالى: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } تفسير : [الذاريات: 22] فإنا نقول: صدق الله العظيم، وصدق رسوله الكريم، وأن الرزق هنا المطر بإجماع أهل التأويل؛ بدليل؛ قوله: {أية : وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} تفسير : [غافر: 13] وقال: {أية : وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ } تفسير : [قۤ: 9] ولم يشاهد ينزل من السماء على الخلق أطباقَ الخبز ولا جِفان اللحم، بل الأسباب أصل في وجود ذلك؛ وهو معنى قوله عليه السلام: «حديث : اطلبوا الرزق في خبايا الأرض»تفسير : أي بالحرث والحفر والغرس. وقد يسمى الشيء بما يؤول إليه، وسمي المطر رزقاً لأنه عنه يكون الرزق، وذلك مشهور في كلام العرب. وقال عليه السلام: «حديث : لأنّ يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحداً أعطاه أو منعه» تفسير : وهذا فيما خرج من غير تعب من الحشيش والحطب. ولو قُدِّر رجل بالجبال منقطعاً عن الناس لما كان له بَد من الخروج إلى ما تخرجه الآكام وظهور الأعلام حتى يتناول من ذلك ما يعيش به؛ وهو معنى قوله عليه السلام: «حديث : لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكّله لرزقتم كما تُرزق الطير تغدو خِماصا وتروح بِطانا»تفسير : فغدوّها ورواحها سبب؛ فالعجب العجب ممن يدعي التجريد والتوكل على التحقيق، ويقعد على ثنيات الطريق، ويدع الطريق المستقيم، والمنهج الواضح القويم. ثبت في البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون ويقولون نحن المتوكلون، فإذا قدموا سألوا الناس؛ فأنزل الله تعالى {أية : وَتَزَوَّدُواْ}تفسير : [البقرة:197]. ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أنهم خرجوا إلى أسفارهم بغير زاد، وكانوا المتوكلين حقاً. والتوكل اعتماد القلب على الرب في أن يُلّم شعثه ويجمع عليه أربَه؛ ثم يتناول الأسباب بمجرد الأمر. وهذا هو الحق. سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل فقال: إني أريد الحج على قدم التوكل. فقال: اخرج وحدك؛ فقال: لا، إلاّ مع الناس. فقال له: أنت إذن متكل على أجربتهم. وقد أتينا على هذا في كتاب «قمع الحرص بالزهد والقناعة وردّ ذلّ السؤال بالكتب والشفاعة». الرابعة: خرّج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها»تفسير : . وخرّج البزّار عن سلمان الفارسيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تكونن إن استطعتْ أوّل من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته»تفسير : . أخرجه أبو بكر البرْقانيّ مسنداً عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ ـ من رواية عاصم ـ عن أبي عثمان النهدِيّ عن سلمان قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تكن أوّل من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان وفرّخ»تفسير : . ففي هذه الأحاديث ما يدلّ على كراهة دخول الأسواق، لا سيما في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان. وهكذا قال علماؤنا لما كثر الباطل في الأسواق وظهرت فيها المناكر: كُره دخولها لأرباب الفضل والمقتدى بهم في الدِّين تنزيهاً لهم عن البقاع التي يُعصى الله فيها. فحق على من ابتلاَه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده، وأنه إن أقام هناك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصَر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته وبليته. الخامسة: تشبيه النبيّ صلى الله عليه وسلم السوق بالمعركة تشبيه حسن؛ وذلك أن المعركة موضع القتال، سمي بذلك لتعارك الأبطال فيه، ومصارعة بعضهم بعضاً. فشبّه السوق وفعل الشيطان بها ونيله منهم مما يحملهم من المكر والخديعة، والتساهل في البيوع الفاسدة والكذب والأيمان الكاذبة، واختلاَط الأصوات وغير ذلك بمعركة الحرب ومن يصرع فيها. السادسة: قال ابن العربي: أما أكل الطعام فضرورة الخلق لا عار ولا درك فيه، وأما الأسواق فسمعت مشيخة أهل العلم يقولون: لا يدخل إلا سوق الكتب والسلاح، وعندي أنه يدخل كل سوق للحاجة إليه ولا يأكل فيها؛ لأن ذلك إسقاط للمروءة وهدم للحشمة؛ ومن الأحاديث الموضوعة: «حديث : الأكل في السوق دناءة».تفسير : قلت: ما ذكرته مشيخة أهل العلم فنعما هو؛ فإن ذلك خالٍ عن النظر إلى النسوان ومخالطتهن؛ إذ ليس بذلك من حاجتهن. وأما غيرهما من الأسواق فمشحونة منهن، وقلة الحياء قد غلبت عليهن، حتى ترى المرأة في القيسارِيات وغيرهن قاعدة متبرجة بزينتها، وهذا من المنكر الفاشي في زماننا هذا. نعوذ بالله من سخطه. السابعة: خرّج أبو داود الطيالسيّ في مسنده حدّثنا حماد بن زيد قال حدّثنا عمرو ابن دِينار قهرمان آل الزبير عن سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: «حديث : من دخل سوقاً من هذه الأسواق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيـي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألفَ ألفِ سيئة وبنى له قصراً في الجنة» تفسير : خرّجه الترمذيّ أيضاً وزاد بعده حديث : «ومحا عنه ألف ألف سيئة»: «ورفع له ألف ألف درجةٍ وبنى له بيتاً في الجنة»تفسير : . وقال: هذا حديث غريب. قال ابن العربيّ: وهذا إذا لم يقصد في تلك البقعة سواه ليعمرها بالطاعة إذ عمرت بالمعصية، وليحليها بالذكر إذ عطلت بالغفلة، وليعلم الجهلة ويذكر الناسين. الثامنة: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} أي إن الدنيا دار بلاء وامتحَان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغنّي. ومعنى هذا أن كل واحد مختبَر بصاحبه؛ فالغني ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه. والفقير ممتحَن بالغنّي، عليه ألا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق؛ كما قال الضحاك في معنى {أَتَصْبِرُونَ}: أي على الحق. وأصحاب البلايا يقولون: لِمَ لم نعاف؟ والأعمى يقول: لِمَ لَمْ أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة. والرسول المخصوص بكرامة النبوّة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره. وكذلك العلماء وحكام العدل. ألا ترى إلى قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى. والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه، هذا عن البطر، وذاك عن الضجر. {أَتَصْبِرُونَ} محذوف الجواب، يعني أم لا تصبرون. فيقتضي جواباً كما قاله المزني، وقد أخرجته الفاقة فرأى خصياً في مراكب ومناكب، فخطر بباله شيء فسمع من يقرأ الآية {أَتَصْبِرُونَ} فقال: بلى ربنا! نصبِر ونحتسب. وقد تلا ابن القاسم صاحب مالك هذه الآية حين رأى أشهب بن عبد العزيز في مملكته عابراً عليه، ثم أجاب نفسه بقوله: سنصبر. وعن أبي الدرداء أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ويل للعالِم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للمالك من المملوك وويل للمملوك من المالك وويل للشديد من الضعيف وويل للضعيف من الشديد وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وبعضهم لبعض فتنة وهو قوله: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ}» تفسير : أسنده الثعلبي تغمده الله برحمته. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل، وعقبة بن أبي مُعَيط وعُتْبة بن ربيعة والنضر بن الحرث حين رأوا أبا ذرّ وعبد الله بن مسعود، وعماراً وبلالاً وصُهيباً وعامر بن فُهَيرة، وسالماً مولى أبي حُذَيفة ومِهْجَعا مولى عمر بن الخطاب وجبراً مولى الحَضْرمي، وذويهم؛ فقالوا على سبيل الاستهزاء: أنسلم فنكون مثل هؤلاء؟ فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين: {أَتَصْبِرُونَ} على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر؛ فالتوقيف بـ{أَتَصْبِرُونَ} خاص للمؤمنين المحققين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. كأنه جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين، أي اختبارا لهم. ولما صبر المسلمون أنزل الله فيهم: {أية : إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ} تفسير : [المؤمنون: 111]. التاسعة: قوله تعالى: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} أي بكل امرىء وبمن يصبر أو يجزع، ومن يؤمن ومن لا يؤمن، وبمن أدّى ما عليه من الحق ومن لا يؤدّي. وقيل: {أَتَصْبِرُونَ} أي اصبروا. مثل {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}تفسير : [المائدة: 91] أي انتهوا؛ فهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن جميع من بعثه من الرسل المتقدمين: أنهم كانوا يأكلون الطعام، ويحتاجون إلى التغذي به، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم؛ فإن الله تعالى جعل لهم من السمات الحسنة والصفات الجميلة والأقوال الفاضلة والأعمال الكاملة والخوارق الباهرة والأدلة الظاهرة، ما يستدل به كل ذي لب سليم وبصيرة مستقيمة على صدق ما جاؤوا به من الله، ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [يوسف: 109] وقوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [الأنبياء: 8] الآية. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ}؟ أي: اختبرنا بعضكم ببعض؛ وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم من يطيع ممن يعصي، ولهذا قال: {أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} أي: بمن يستحق أن يوحي إليه، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124] ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به، ومن لا يستحق ذلك. وقال محمد بن إسحاق في قوله: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} قال: يقول الله: لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون، لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم، وأبتليكم بهم. وفي "صحيح مسلم" عن عياض بن حمار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يقول الله تعالى: إني مبتليك ومبتلٍ بك» تفسير : وفي المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة» تفسير : وفي الصحيح: أنه عليه أفضل الصلاة والسلام خير بين أن يكون نبياً ملكاً، أو عبداً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ } فأنت مثلهم في ذلك، وقد قيل لهم مثل ما قيل لك {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } بلية ابتلي الغنيُّ بالفقير، والصحيح بالمريض، والشريف بالوضيع يقول الثاني في كلّ ما لي لا أكون كالأوّل في كلّ {أَتَصْبِرُونَ } على ما تسمعون ممن ابتليتم بهم؟ استفهام بمعنى الأمر: أي اصبروا {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } بمن يصبر وبمن يجزع.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه افتتان الفقير بالغني أن يقول لو شاء الله لجعلني مثله غنياً والأعمى بالبصير أن يقول لو شاء لجعلني مثله بصيراً، والسقيم بالصحيح أن يقول لو شاء لجعلني مثله صحيحاً، قاله الحسن. الثاني: فتنة بالعدوان في الدين، حكاه ابن عيسى. الثالث: أن الفتنة صبر الأنبياء على تكذيب قومهم، قاله يحيى بن سلام. الرابع: أنها نزلت حين أسلم أبو ذر الغفاري وعمار وصهيب وبلال وعامر بن فهيرة وسلام مولى أبي حذيفة وأمثالهم من الفقراء الموالي فقال المستهزئون من قريش: انظروا إلى أتباع محمد من فقرائنا وموالينا فنزلت فيهم الآية، حكاه النقاش. وفي الفتنة هنا وجهان: أحدهما: البلاء. والثاني: الاختبار. {أَتَصْبِرُونَ} يعني على ما مُحِنْتُمْ به من هذه الفتنة، وفيه اختصار وتقديره أم لا تصبرون. {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} قال ابن جريج: بصيراً بما يصبر ممن يجزع. ويحتمل وجهاً آخر: بصيراً بالحكمة فيما جعل بعضكم لبعض فتنة.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية رد على كفار قريش في استبعادهم أن يكون من البشر رسول وقولهم {أية : مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} تفسير : [الفرقان: 7] فأخبر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته أنه لم يرسل قبل في سائر الدهر نبياً إلا بهذه الصفة، والمفعول بـ {أرسلنا} محذوف يدل عليه الكلام تقديره رجالاً أو رسلاً، وعلى هذا المحذوف المقدر يعود الضمير في قوله {إلا إنهم} وذهبت فرقة إلى أن قوله {ليأكلون الطعام} كناية عن الحدث، وقرأ جمهور الناس "ويَمْشون" بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين، وقرأ علي وعبد الرحمن وابن مسعود "يُمَشَّون" بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة بمعنى يدعون إلى المشي ويحملون عليه، وقرأ أبو عبد الرحمن بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشددة وهي بمعنى يمشون ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : أمشي بأعطان المياه وأبتغي قلائص منها صعبة وركوب تفسير : ثم أخبر عز وجل أن السبب في ذلك أن الله تعالى أراد أن يجعل بعض العبيد {فتنة} لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الشاكر فتنة للغني، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس الكفار في عصره، وكذلك العلماء وحكام العدل، وقد تلا ابن القاسم هذه الآية حين رأى أشهب، والتوقيف بـ {أتصبرون} خاص للمؤمنين المحقين فهو لأمة محمد صلى الله عليه وسلم كأنه جعل إمهال الكفار فتنة للمؤمنين أي اختباراً ثم وقفهم هل يصبرون أم لا، ثم أعرب قوله {وكان ربك بصيراً} عن الوعد للصابرين والوعيد للعاصين، ثم أخبر عن مقالة الكفار {لولا أنزل علينا الملائكة} الآية، وقوله {يرجون} قال أبو عبيدة وقوم معناه يخافون والشاهد لذلك قول الهذلي: [الطويل] شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل تفسير : قال القاضي أبو محمد : والذي يظهر لي أن الرجاء في هذه الآية والبيت على بابه لأن خوف لقاء الله تعالى مقترن أبداً برجائه، فإذا نفي الرجاء عن أحد فإنما أخبر عنه أنه مكذب بالبعث لنفي الخوف والرجاء، وفي ذكر الكفار بنفي الرجاء تنبيه على غبطة ما فاتهم من رجاء الله تعالى، وأما بيت الشعر المذكور فمعناه عندي لم يرج دفعها ولا الانفكاك عنها فهو لذلك يوطن على الصبر ويجد في شغله، ولما تمنت كفار قريش رؤية ربهم أخبر تعالى عنهم أنهم عظموا أنفسهم وسألوا ما ليسوا به بأهل، {وعتوا}، معناه صعبوا عن الحق واشتدوا، ويقال عتو وعتي على الأصل، وعتي معلول باستثقال الضم على الواو فقلبت ياء ثم كسر ما قبلها طلب التناسب.
ابن عبد السلام
تفسير : {فِتْنَةً} اختباراً يقول الفقير لو شاء لجعلني غنياً مثل فلان وكذلك يقول الأعمى والسقيم للبصير، والسليم، أو العداوات في الدين، أو صبر الأنبياء على تكذيب قومهم، أو لما أسلم بلال وعمار وصهيب وأبو ذر وعامر بن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم من الفقراء والموالي قال: المستهزئون من قريش انظروا إلى أتباع محمد من فقرائنا وموالينا فنزلت، والفتنة: البلاء، أو الاختبار {أَتَصْبِرُونَ} على ما امتُحنتم به من الفتنة تقديره أم لا تَصْبرون. {بَصِيراً} بمن يجزع.
النسفي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ } كسرت «إن» لأجل اللام في الخبر والجملة بعد «إلا» صفة لموصوف محذوف، والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين، وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور أي من المرسلين ونحوه {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات: 164] أَيُّ وَمَا مِنَّا أَحَدٌ. قِيلَ: هو احتجاج على من قال {ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} وتسلية للنبي عليه الصلاة والسلام {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } أي محنة وابتلاء، وهذا تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما عيروه به من الفقر ومشيه في الأسواق يعني أنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء فيغني من يشاء ويفقر من يشاء {أَتَصْبِرُونَ } على هذه الفتنة فتؤجروا أم لا تصبروا فيزداد غمكم. وحكي أن بعض الصالحين تبرم بضنك عيشه فخرج ضجراً فرأى خصياً في مواكب ومراكب فخطر بباله شيء فإذا بمن يقرأ هذه الآية فقال: بلى فصبراً ربنا. أو جعلتك فتنة لهم لأنك لو كنت غنياً صاحب كنوز وجنان لكانت طاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا فإنما بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لنا {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } عالماً بالصواب فيما يبتلي به أو بمن يصبر ويجزع. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ } لا يأملون {لِقَاءنَا } بالخير لأنهم كفرة لا يؤمنون بالبعث أو لا يخافون عقابنا إما لأن الراجي قلق فيما يرجوه كالخائف، أو لأن الرجاء في لغة تهامة الخوف {لَوْلاَ } هلا {أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـئِكَةُ } رسلاً دون البشر أو شهوداً على نبوته ودعوى رسالته {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } جهرة فيخبرنا برسالته واتباعه {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ } أي أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم {وَعَتَوْ} وتجاوزوا الحد في الظلم {عُتُوّاً كَبِيراً } وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه أي أنهم لم يجسروا على هذا القول العظيم إلا أنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو. واللام في {لقد} جواب قسم محذوف
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} يقول: إن الرسل قبل محمد كانوا بهذه المنزلة {يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} قال: بلاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن الحسن {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} قال: يقول الفقير: لو شاء الله لجعلني غنياً مثل فلان. ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان. ويقول الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} قال: هو التفاضل في الدنيا، والقدرة، والقهر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} قال: يمسك على هذا ويوسع على هذا فيقول: لم يعطني ربي ما أعطى فلاناً. ويبتلى بالوجع فيقول: لم يجعلني ربي صحيحاً مثل فلان. في أشباه ذلك من البلاء ليعلم من يصبر ممن يجزع {وكان ربك بصيراً} بمن يصبر ومن يجزع. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لو شاء الله لجعلكم أغنياء كلكم لا فقير فيكم. ولو شاء الله لجعلكم فقراء كلكم لا غني فيكم. ولكن ابتلى بعضكم ببعض ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: قال رجل: يا رسول الله كيف ترى في رقيقنا. أقوام مسلمين يصلون صلاتنا، ويصومون صومنا، نضربهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : توزن ذنوبهم وعقوبتكم إياهم فإن كانت عقوبتكم أكثر من ذنوبهم أخذوا منكم قال: أفرأيت سبنا إياهم؟ قال: يوزن ذنبهم وأذاكم إياهم فإن كان اذاكم أكثر أعطوا منكم قال الرجل: ما أسمع عدوّاً أقرب اليّ منهم! فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً} فقال الرجل: أرأيت يا رسول الله ولدي أضر بهم؟ قال: إنك لا تتهم في ولدك، فلا تطيب نفساً تشبع ويجوع، ولا تكتسي ويعروا ".
ابو السعود
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ} جوابٌ عن قولهم: {أية : مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلأَسْوَاقِ } تفسير : [الفرقان: 7] والجملةُ الواقعةُ بعد إلاَّ صفةٌ لموصوفٍ قد حُذف ثقةً بدلالة الجارِّ والمجرورِ عليه وأقيمتْ هي مقامَه كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] والمعنى ما أرسلَنا أحداً قبلكَ من المُرسلين إلا آكلينَ وماشينَ وقيل: في حالٌ، والتَّقديرُ إلاَّ وإنَّهم ليأكلون الخ وقُرىء يُمشَون على البناء للمفعول أي يُمشيهم حوائجُهم أو النَّاسُ. {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ} تلوينٌ للخطاب بتعميمِه لسائر الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسلامُ بطريق التَّغليبِ، والمرادُ بهذا البعضِ كفَّارُ الأممِ فإنَّ اختصاصَهم بالرُّسل وتبعيتهم لهم مصحِّحٌ لأنْ يعدُّوا بعضاً منهم وبما في قوله تعالى: {لِبَعْضٍ} رسلِهم لكن لا على معنى جعلنا مجموعَ البعضِ الأولِ {فِتْنَةً} أي ابتلاءً ومحنةً لمجموعِ البعض الثَّاني ولا على معنى جعلنا كلَّ فردٍ من أفراد البعض الأول فتنةً لكلِّ فردٍ من أفراد البعض الثَّاني ولا على معنى جعلنا بعضاً مُبهماً من الأوَّلينَ فتنةً لبعضٍ مُبهمٍ من الآخرين ضرورةَ أنَّ مجموعَ الرُّسل من حيثُ هو مجموعٌ غيرُ مفتونٍ بمجموعِ الأُممِ ولا كلُّ فردٍ منهم بكلِّ فردٍ من الأمم ولا بعض مبهمٌ من الأوَّلين لبعضِ مُبهمٍ من الآخرينَ بل على معنى جعلنا كلَّ بعضً مُعيَّنٍ من الأُمم فتنةً لبعض معَّين من الرُّسلِ كأنَّه قيل: وجعلنا كلَّ أمَّةٍ مخصوصةٍ من الأُممِ الكافرةِ فتنةً لرسولِها المعيَّنِ المبعوثِ إليها وإنَّما لم يُصرِّح بذلك تعويلاً على شهادةِ الحالِ. هذا وأمَّا تعميمُ الخطابِ لجميع المكلَّفين وإبقاء البعضين على العمومِ والإبهامِ على معنى وجعلنا بعضَكم أيُّها فتنةً لبعضٍ آخرَ منكم فيأباهُ قولُه تعالى: {أَتَصْبِرُونَ} فإنَّه غايةٌ للجعلِ المذكورِ، ومن البـيِّنِ أنْ ليسَ ابتلاءُ كلِّ أحدٍ من آحادِ النَّاسِ مُغيًّا بالصَّبرِ بل بما يناسبُ حالَه على أنَّ الاقتصارَ على ذكرهِ من غير تعرّض لمعالٍ له مما يدلُّ على أنَّ الَّلائقَ بحال المفتونينَ والمتوقع صدورُه عنهم هو الصَّبرُ لا غيرُ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ المرادُ بهم الرُّسلَ فيحصل به تسليتُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فالمعنى جرتْ سُنَّتنا بموجب حكمتِنا على ابتلاءِ المُرسلينَ بأممِهم وبمناصبتهم لهم العداوةَ وإيذائهم لهم وأقاويلِهم الخارجةِ عم حُدودِ الإنصاف لنعلمَ صبرَكم. وقوله تعالى: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} وعدٌ كريم للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالأجرِ الجزيلِ لصبرِه الجميلِ مع مزيدِ تشريفٍ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالالتفاتِ إلى اسمِ الرَّبِّ مُضافاً إلى ضميرِه صلى الله عليه وسلم. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} شروعٌ في حكايةِ بعضٍ آخر من أقاويلِهم الباطلةِ وبـيانِ بُطلانِها إثرَ إبطالِ أباطيلهم السَّابقةِ. والجملةُ معطوفةٌ على قولِه تعالى: { أية : وَقَالُواْ مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ} تفسير : [سورة الفرقان, الآية 7] الخ ووضعُ الموصولِ موضعَ الضَّمير للتَّنبـيهِ بما في حيِّز الصِّلة على أنَّ ما يُحكى عنهم من الشَّناعةِ بحيثُ لا يصدرُ عمَّن يعتقدُ المصيرَ إلى الله عزَّ وجلَّ. ولقاءُ الشَّيءِ عبارةٌ عن مصادفتهِ من غيرِ أنْ يمنعَ مانعٌ من إدراكِه بوجهٍ من الوجوهِ، والمرادُ بلقائِه تعالى إمَّا الرُّجوعُ إليه تعالى بالبعثِ والحشرِ أو لقاءُ حسابه تعالى كما في قوله تعالى: { أية : إِنّى ظَنَنتُ أَنّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ} تفسير : [سورة الحاقة, الآية 20] وبعدم رجائِهم إيَّاه عدمُ توقُّعهم له أصلاً لإنكارِهم البعث والحساب بالكليِّة لا عدمُ أملِهم حسنَ اللقاءِ ولا عدمُ خوفِهم سوءَ اللقَّاءِ لأنَّ عدمَهما غيرُ مستلزمٍ لما هم عليه من العُتوِّ والاستكبار وإنكارِ البعثِ والحسابِ رأساً أي وقال الذَين لا يتوقعَّون الرَّجوعَ إلينا أو حسابَنا المؤدِّيَ إلى سُوءِ العذابِ الذي تستوجب. مقالتُهم {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} أي هلاَّ أُنزلوا علينا بطريق ليخبرونَا بصدقٍ محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وقيل: هَلاَّ أُنزلوا علينا الرِّسالةِ وهو الأنسب لقولِهم {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} من حيثُ أنَّ كلا القولينِ ناشىءٌ عن غايةِ غُلوهم في المُكابرةِ والعُتوِّ حسبما يَعربُ عنه قولُه تعالى {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ} أي في شأنِها حتَّى اجترأوا على التَّفوه بمثل هذه العظيمةِ الشَّنعاءِ {وَعَتَوْا} أي تجاوزُوا الحدَّ في الظُّلم والطُّغيانِ {عُتُوّاً كَبِيراً} بالغاً أقصَى غاياتَه حيثُ أمَّلوا نيلَ مرتبةِ المفاوضةِ الإلهيةِ من غير توسطِ الرَّسولِ والمَلك كما قالوا: {أية : لَوْلاَ يُكَلّمُنَا ٱللَّهُ} تفسير : [سورة البقرة, الآية 118] ولم يكتفُوا بما عاينوا من المعجزاتِ القاهرة التي تخرُّ لها صمُّ الجبالِ فذهبْوا في الاقتراح كلَّ مذهبٍ حتَّى منَّتهم أنفسُهم الخبـيثةُ أمانيَّ لا تكادُ ترنو إليها أحداقُ الأممِ ولا تمتدُّ إليها أعناقُ الهمم ولا ينالُها إلا أولُو العزائم الماضيةِ من الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي والله لقد استكبروا الآيةَ وفيه من الدِّلالةِ على غايةِ قُبح ما هُم عليه والإشعارِ بالتَّعجبِ من استكبارِهم وعُتوِّهم ما لا يخفى.
التستري
تفسير : قوله: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}[20] قال: إن الله تعالى أمر بالصبر على ما جعل للإنسان فيه فتنة، ومن ذلك قلة الإطراق إلى ما في أيدي الناس. وقد روى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل فقال: "حديث : إذا قمت إلى صلاتك فصلِّ صلاة مودع ولا تكلمن بكلام تعتذر منه غداً، واجمع اليأس مما في أيدي الناس"تفسير : ، وقد كان السلف يغتنمون ذلك حتى حكي عن حذيفة أنه قال: إن أقرّ أيامي لعيني ليوم أرجع إلى أهلي، فيشكون إلي الحاجة، وذلك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي المريض أهله الطعام والشراب، وإن الله ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} [الآية: 20]. قال جعفر: ذلك أن الله لم يبعث رسولاً إلا أباح ظاهره للخلق يأكلون معهم على شرط البشرية، ومنع سره على ملاحظاتهم والانشغال بهم، لأن أسرار الأنبياء فى القيمة لا يفارق المشاهدة بحال. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الآية: 20]. قال القاسم: أى أتصبرون على نظر بعضكم الى بعض كأنه أمر بالإعراض عما جعل فى نظره فتنة له يدل عليه قوله: {أية : لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} تفسير : [الحجر: 88]. قال الحسين: المحبة لخواص أوليائه، والفتنة لعامة الناس قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً}. قال الحسين: وكسى كل شىء كسوة فاتنة لا ينفك منها إلا من عصمه الله وهو اضطرار فى الأحوال لا اختيار فى التلذذ بالشواهد والأعراض. قال الواسطى رحمه الله: ما أوجد موجودًا إلا لفتنة وما أفقد مفقودًا إلا لفتنة. قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً}. قال أبو عثمان: فى قوله: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً}. قال: فى الخلق فتنة من وجوه فأعظم الفتنة أن يشغلوك عن الله ويتعلق قلبك بهم عند الفاقات والحاجات فهم محتاجون مثلك إلى من هو كاشف الكرب، وقاضى الحاجات. قال أبو صالح حمدون: من اعتمد على شىء سوى الله فهو عليه فتنة. سمعت الشيخ أبا الوليد يقول: اختار محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم، وكان رئيسًا بمصر فى موكبه بالمزنى وكان فقيرًا ونظر إليه وقال: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون، ثم قال: نصبر يا رب ولك الحمد.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ}. أخبر أن الذين تَقدَّموه من الرسل كانوا بَشَراً، ولم تكن الخصوصية لهم إلا ظهورَ المعجزات عليهم. وفي الجملة الفضائل بالمعاني لا بالصورة، ثم قال: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}. فَضَّلَ بعضاً على بعض، وأمر المفضولَ بالصبر والرضاء، والفاضلَ بالشكر على العطاء وخصَّ قوماً بالبلاء وجعلهم فتنة لأهل البلاء، وخصَّ قوماً بالعوافي، وأخرين بالأسقام والآلام، فلا لِمَن نَعَّمَه مناقب، ولا لِمَنْ امتحنه معايب... فبحُكمِه لا يِجُرْمهم، وبفضله لا بفعلهم، وبإرادته لا بعبادتهم، وباختياره لا بأوضارهم، وبأقذاره لا بأوزارهم، وبه لا يهم. قوله: {أَتَصْبِرُونَ}؟ استفهام في معنى الأمر، فَمَنْ ساعَدَه التوفيقُ صبر وشكر، ومن قارنه الخذلان أبى وكفر.
البقلي
تفسير : قال تعالى {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} لهذا سنة الله فى الخلق والانبياء والاولياء شاركوهم فى البشرية وفارقوهم فى المعرفة والمحبة قال جعفر ذاك ان الله لم يبعث رسولا الا اباح ظاهر للخلق بالكون معهم على شرط البشرية ومنع سره من ملاحظتهم والاشتغال بهم لان اسرار الانبياء فى القبضة لا يفارق المشاهدة بحال ثم بين سبحانه ان العارف الصادق فتنة للجاهل الغبى والمحب القريب فتنة للمنكر البغيض بقوله {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} الاغنياء فتنة الفقراء فالكل ممتحنون بنكاية قهره ومكره ثم استفهم منهم بقوله {أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} اى تصبرون يا اهل الحقائق فى بلائى وامتحانى وانتم بمرائى منى اجازيكم بمشاهدتى وكشف جمالى قال القاسم اتصبرون على نظر بعضكم الى بعض كانه امر الاعراض عما جعل فى نظره فتنة ويدل عليه قوله ولا تمدن عينيك قال الحسين كسى كل شئ كسوة فانية لا ينفك منها الا من عصمة الله وهو اضطرار فى الاحوال لا اختيار فى التلذذ بالشواهد والاعراض وقال الواسطى ما اوجد موجود الا الفتنة وما افقد مفقود الا لفتنة قال الله وجعلنا بعضكم لبعض فتنة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما ارسلنا قبلك} احدا {من المرسلين الا} رسلا {انهم} كسرت الهمزة لوقوعها فى صدر جملة وقعت صفة لموصوف محذوف او الا قيل انهم وان تكسر بعد القول كما فى الاسئلة المقحمة {ليأكلون الطعام ويمشون فى الاسواق} فلم يكن ذلك منافيا لرسالتهم فانت لاتكون بدعا منهم {وجعلنا بعضكم} ايها الناس {لبعض فتنة} ابتلاء ومحنة الفقراء بالاغنياء والمرسلين بالمرسل اليهم ومناصبتهم لهم العداوة واذا هم لهم والسقماء بالاصحاء والاسافل بالاعالى والرعايا بالسلاطين والموالى بذوى الانساب والعميان بالبصراء والضعفاء بالاقوياء، قال الواسطى رحمه الله ما وجد موجود الا لفتنة وما فقد مفقود الا لفتنة {أتصبرون} غاية للجعل اى لنعلم انكم تصبرون وحث على الصبر على ماافتتنوا به، قال ابو الليث اللفظ لفظ الاستفهام والمراد الامر يعنى اصبروا كقوله {أية : أفلا يتوبون الى الله}تفسير : اى توبوا. وفى التأويلات النجمية وجعلنا بعضكم يا معشر الانبياء لبعض فتنة من الامم بان يقول بعضهم لبعض الانبياء ائتنا بمعجزة مثل معجزة النبى الفلانى أتصبرون يا معشر الانبياء على ما يقولون ويامعشر الامم عما تقولون انتهى وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه كأنه قيل لا تتأذ بقولهم فانا جعلنا بعض الناس سببا لامتحان البعض والذهب انما يظهر خلوصه بالنار ومن النار الابتلاء {وكان ربك بصيرا} بمن يصبر وبمن يجزع، قال الامام الغزالى البصير هو الذى يشاهد ويرى حتى لايعزب عنه ما تحت الثرى وابصاره ايضا منزه عن ان يكون بحدقة واجفان ومقدس ان يرجع الى انطباع الصور والالوان فى ذاته كما تنطبع فى حدقة الانسان فان ذلك من التغير والتأثر المقتضى للحدوث واذا نزه عن ذلك كان البصير فى حقه عبارة عن الوصف الذى به ينكشف كمال نعوت المبصرات وذلك اوضح واجلى مما يفهم من ادراك البصر من ظواهر المرئيات وحظ العبد من حيث الحس من وصف البصر ظاهر ولكنه ضعيف قاصر اذ لا يمتد الى مابعد ولا يتغلغل الى باطن ما قرب بل يتناول الظواهر ويقصر عن البواطن والسرائر، وانما حظه الدينى منه امران احدهما ان يعلم انه خلق البصر لينظر الى الآيات وعجائب الملكوت والسموات فلا يكون نظره الا عبرة، قيل لعيسى عليه اسلام هل احد من الخلق مثلك فقال من كان نظره عبرة وصمته فكرة وكلامه ذكرا فهو مثلى. والثانى ان يعلم انه بمرأى من الله ومسمع فلا يستهين بنظره اليه واطلاعه عليه ومن اخفى عن غير الله ما لا يخفيه عن الله فقد استهان بنظر الله والمراقبة احدى ثمرات الايمان بهذه الصفة فمن قارب معصية فهو يعلم ان الله يراه فما اجسره فاخسره ومن ظن انه لايراه فما اكفره انتهى كلام الغزالى رحمه الله فى شرح الاسماء الحسنى، ثم ان العبد لابد له من السكون الى قضاء الله تعالى فى حال فقره وغناه ومن الصبر على كل امر يرد عليه من مولاه فانه تعالى بصير بحاله مطلع عليه فى كل فعاله وربما يشدد المحنة عليه بحكمته ويمنع مراده عنه مع كمال قدرته: قال حضرة الشيخ العطار قدس سره شعر : مكر ديوانه شوريده ميخاست برهنه بد زحق كرباس ميخواست كه الهى بيرهن در تن ندارم وكر تو صبر دارى من ندارم خطابى آمد آن بى خويشتن را كه كرباست دهم اما كفن را زبان بكشاد آن مجنون مضطر كه من دانم ترا اى بنده برور كه تا اول نميرد مرد عاجز توندهى هيج كر باسيش هر كز ببايد مرد اول مفلس وعور كه تا كر باس بايد ازتو دركور تفسير : وفى الحكمة اشارة الى الفناء عن المرادات وان النفس مادامت مغضوبة باقية بعض اوصافها الذميمة اخلاقها القبيحة فان فيض رحمة الله وان كان يجرى عليها لكن لا كما يجرى عليها اذا كانت مرحومة مطهرة عن الرذائل هذا حال اهل السلوك واما من كان من اهل النفس الامارة وقد جرى عليه مراده بالكلية فهو فى يد الاستدراج ولله تعالى حكمة عظيمة فى اغنائه وتنعيمة واغراقه فى بحر نعيمه فمثل هذا هو الفتنة الكبيرة لطلاب الحق الباعثة لهم على الصبر المطلق والله المعين وعليه التكلان.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: كُسرت (إنَّ)؛ لأجل اللام في الخبر. والجملة بعد (إلا): صفة لمحذوف، أي: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين، وإنما حذف؛ اكتفاء بالجار والمجرور، يعني من المرسلين، وهو كقوله تعالى: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات: 164]، أي: وما منا أحد. وقيل: هي حال، والتقدير: إلا وأنهم ليأكلون. يقول الحق جل جلاله: في الجواب المشركين عن قولهم: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 7]؛ تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا} وَصِفَتُهُمْ {إِنهم لَيأْكُلون}؛ بشر يأكلون {الطعامَ}، مفتقرون إليه في قيام بنيتهم، {ويمشون في الاسواق} في طلب حوائجهم، فليس ببدع أن تكون أنت كذلك، {وجعلنا بعضهم لبعض فتنةً} أي: محنة، وهو التعليل لما قبله، أي: إنما جعلت الرسل مفتقرين للمادة، وفقراء من المال، يمشون في الاسواق لطلب المعاش؛ ابتلاء، وفتنة، واختباراً لمن تبعهم، من غير طمع، ولم يعرض عنهم لأجل فقرهم، فقد جعلت بعضكم لبعض فتنة. قال ابن عباس: أي: جعلت بعضكم بلاءً لبعض؛ لتصبروا على ما تسمعون منهم، وترون من خلافهم، وتتبعوا الهدى بغير أن أعطيكم عليه الدنيا، ولو شئتُ أن أجعل الدنيا مع رسلي، فلا يخالَفون، لفعلت، ولكن قدرت أن أبتلي العباد بكم وأبتليكم بهم. هـ. فالحكمة في فقر الرسل من المال: تحقيق الإخلاص لمن تبعهم، وإظهار المزية لهم؛ حيث تبعوهم بلا حرف. قال النسفي: أو جعلناك فتنة لهم؛ لأنك لو كنت صاحب كنوز وجنات لكانت طاعتهم لأجل الدنيا، أو ممزوجة بالدنيا، فإنما بعثناك فقيراً؛ لتكون طاعة من يطعيك خالصة لنا. هـ. قال في الحاشية: وقد قيل: إن الدنيا دار بلاء وامتحان، فأراد تعالى أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض، على العموم في جميع الناس: مؤمن وكافر، بمعنى: أن كل واحد مُخْتَبَرٌ بصاحبه، فالغنى ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه. والفقير ممتحن بالغنى، عليه ألا يحسده، ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق الذي عليه، وتوجه إليه من ذلك؛ لأن الدار دار تكليف بموجبات الصبر، وقد جعل تعالى إمهال الكفار والتوسعة عليهم؛ فتنة للمؤمنين، واختباراً لهم. ولمّا صبروا نزل فيهم: {أية : إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ}تفسير : [المؤمنون: 111]. والحاصل: أن الله تعالى دبَّر خلقه، وخص كلاَّ بما شاء، من غِنى أو فقر، أو علم أو جهل، أو نبوة أو غيرها. وكذا سائر الخصوصيات؛ ليظهر من يسلّم له حُكمه وقسمته، ومن ينازعه في ذلك، ومن يؤدي حق ما توجه عليه من ذلك؛ فيكون شاكراً صابراً، ومن لا، وهو أعلم بحكمته في ذلك، ولذلك قال: {وكان ربك بصيراً}. هـ. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، والوليد بن عتبة، والعاص، حين رأوا أبا ذر وعماراً وصهيباً، وغيرهم من الفقراء المسلمين، قالوا: أنسلم؛ فنكون مِثل هؤلاء؟ فنزلت الآية، تخاطب هؤلاء المؤمنين: أتصبرون على هذه الحالة من الشدة والفقر؟ هـ. قال النسفي: أتصبرون على هذه الفتنة فتؤجروا، أم لا تصبرون فيزداد غمّكم؟ حكي أن بعض الصالحين تبرّم بضنك عيشه، فخرج ضجِراً، فرأى خصياً في مواكب ومراكب، فخطر بباله شيء، فإذا بقارئ يقرأ هذه الآية، فقال: بل نصبر، ربّنا. هـ. قال القشيري: هو استفهام بمعنى الأمر، فمن قارنه التوفيقُ صبر وشكر، ومن قارنه الخذلان أبى وكفر. هـ. وقيل: هو الأمر بالإعراض عما جعل في نظره فتنة، كما قال: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} تفسير : [طه: 131]، فينبغي ألا ينظر بعض إلى بعض، إلا لمن دونه، كما ورد في الخبر.هـ. {وكان ربك بصيراً}؛ عالماً بالحكمة فيما يَبْتلِي به، أو: بمن يصبر ويجزع. وقال أبو السعود: هو وعد كريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالأجر الجزيل؛ لصبره الجميل، مع مزيد تشريف له - عليه الصلاة والسلام -؛ بالالتفات إلى إسم الرب مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم. هـ. الإشارة: الطريق الجادة التي درج عليها الأنبياء والأولياء هي سلوك طريق الفقر والتخفيف من الدنيا، إلا قدر الحاجة، بعد التوقف والاضطرار، ابتداءً وانتهاء، حتى تحققوا بالله. ومنهم من أتته الدنيا بعد التمكين فلم تضره. والحالة الشريفة: ما سلكها نبينا صلى الله عليه وسلم وهو التخفيف منها وإخراجها من اليد، حتى مات ودرعه مرهونة عند يهودي، في وسق من شعير. وعادته تعالى، فيمن سلك هذا المسلك، أن يُديل الغنى في عقبه، فيكونون أغنياء في الغالب. والله تعالى أعلم. وما وَصَف به الحق تعالى رسله؛ من كونهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، هو وصف للأولياء أيضاً - رضي الله عنهم -؛ فيمشون في الأسواق؛ للعبرة والاستبصار في تجليات الواحد القهار، فحيث يحصل الزحام يعظم الشهود للملك العلام، وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه: عين الزحام هو الوصول لِحَيِّنا. وكان شيخ أشياخنا - سيدي علي العمراني - يقول لأصحابه: من أراد أن يذوق فليمش إلى السوق. هـ. فينبغي للمريد أن يربي فكرته في العزلة والخلطة والخلوة والجلوة، ولا يقتصر على تربيتها في العزلة فقط؛ لئلا يتغير حاله في حال الخلطة؛ فيبقى ضعيفاً. فالعزلة تكون؛ ابتداء، قبل دخول بلاد المعاني، فإذا دخل بلاد المعاني فليختر الخلطة على العزلة، حتى يستوي قلبه في الخلوة والجلوة، فالعزلة عن الناس عزلة الضعفاء؛ والعزلة بين الناس عزلة الأقوياء. فالمشي في الأسواق والأكل فيها سنة الفقراء، أهل الأحوال؛ مجاهدةً لنفوسهم، وترييضاً لها على إسقاط مراقبة الخلق، والخوف منهم. وقد ورد أن الله تعالى أمر بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم؛ تشريفاً لأهل الأحوال، كما ذكره صاحب اللباب عند قوله: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق...}. ومن آداب الداخل في السوق: أن يكون ماشياً على رجليه، لا راكباً، كما وصف الله تعالى الرسل - عليهم السلام. وفي قوله تعالى: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون}: تسلية لمن يُبْتَلَى من الأولياء، وتهوين له على ما يلقاه من شدائد الزمان، وإذاية الإخوان، وجفوة الناس. وبالله التوفيق. ثم ذكر مقالة أخرى من أقاويل الكفرة ليبطلها كما أبطل ما قبلها، فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا...}
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} اختباراً وفساداً فانّ الله جعل الانبياء والاولياء (ع) فتنة وامتحاناً للمؤمنين، واختباراً وفساداً للمنافقين، وجعل المؤمنين ارتياضاً وامتحاناً بافعالهم الغير المرضيّة للانبياء والاولياء (ع) وبافعالهم الاخرويّة واتّصالهم بالرّسالة والولاية اختباراً وفساداً للمنافقين، وجعل المنافقين والكافرين امتحاناً للانبياء والاولياء (ع) بايذائهم القولىّ والفعلىّ وللمؤمنين كذلك، وعلى هذا كان اضافة بعضٍ الى الضّمير لتعريف الجنس المفيد لفردٍ ما لا على التّعيين {أَتَصْبِرُونَ} استفهام فى معنى الامر اى اصبروا {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} جملة حاليّة فى معنى التّعليل سواء قلنا بلزوم قد فى الماضى الّذى وقع حالاً او لم نقل.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إِلآ إِنَّهُمْ لَيَأكُلُونَ الطَّعَامَ} [أي: إلا إنهم كانوا يأكلون الطعام]، كقوله: (أية : وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأكُلُونَ الطَّعَامَ)تفسير : [الأنبياء: 8] أي: ولكن جعلناهم جسداً يأكلون الطعام. قال: {وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} فهذا جواب للمشركين حيث قالوا: {مَالِ هذَا الرَّسُولِ يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ}. قوله: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للغني من الفقير، وويل للفقير من الغني، وويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد . تفسير : قال الحسن: ويل لهذا المالك إذ رزقه الله هذا المملوك، كيف لم يحسن إليه ويصبر، وويل لهذا المملوك الذي ابتلاه الله فجعله لهذا المالك كيف لم يصبر ويحسن. وويل لهذا الغني الذي رزقه الله ما لم يكرّم هذا الفقير، كيف لم يحسن ولم يصبر، وويل لهذا الفقير الذي ابتلاه الله بالفقر ولم يعطه ما أعطى هذا الغني، كيف لم يصبر. وبقية الحديث على هذا النحو. ذكروا عن أبي الدرداء قال: ويل لمن لا يعلم مرة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات. وقال بعضهم: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} يعني الأنبياء وقومهم. قال: {وَكَانَ رَبُّك بَصِيراً}. ذكروا عن الحسن قال: لما عرض على آدم ذريته فرأى فضل بعضهم على بعض قال: يا رب، ألا سوّيت بينهم. قال: يا آدم إني أحبّ أن أُشكَر ليرى ذو الفضل فضلَه فيحمدني ويشكرني.
اطفيش
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} فكيف تستدلون على عدم رسالة محمد بأكله الطعام ومشيه في الاسواق ومفعول {ارسلنا} محذوف {ومن المرسلين} نعته اي وما ارسلنا احدا من المرسلين. وان قلت: فلمَ قال: (انهم يأكلون ويمشون؟) قلت: لان المعنى ما ارسلنا هذا وما ارسلنا هذا وهكذا الخ وجملة انهم الخ حال من ذلك المفعول المحذوف ويقدر مفعول {ارسلنا} بعد الا اي {الا رسلا} فجملة (انهم) الخ نعته وعلى كل حال فالحذف لدلالة (ارسلنا والمرسلين) وقيام الوصف مقامه. وقرئ {يَمْشُونَ} بالبناء للمفعول من الامشاء اي تمشيهم حوائجهم والناس. وقرئ بفتح همزة ان وادخال اللام في خبرها شذوذا وقاله المبرد وكيف لا وهو لغة. {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} بلاء وامتحان وفيه دليل على القضاء والقدر والخطاب للمكلفين بل للناس مطلقا وذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لاغتياظه بما يقول المشركون من كذب وتعبير بالفقر اي جرت حكمتي بابتلاء بعض الناس ببعض. وقال ابن عباس: ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم يعادونهم ويعاندونهم ويقولون فيهم اقوالا كاذبة فاصبر {ولتسمعن من الذين آتوا الكتاب} (الآية). وقيل: ابتلى الفقراء بالاغنياء والمرسلين بالمرسل اليهم. وقيل: نزلت في ابتلاء الفقراء بالاغنياء هل يصبرون. وقيل: انت يا محمد فتنة لهم كذبوك لفقرك ولو جعلناك غنيا لكانت طاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا من اطاعك مع فقرك فهو المخلص. وقيل: كان ابو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والنضر بن الحارث ومن في طبقتهم يقولون ان اسلمنا وقد اسلم قبلنا عمار وصهيب وبلال وابو ذر وابن مسعود وعامر بن فهيرة وغيرهم من فقراء المسلمين ترفعوا علينا اذلالا بالسبق فامتنعوا عن الايمان فذلك فتنة. وقيل: قالوا ان اسلمنا كنا مثل هؤلاء فابتلي الشريف بالوضيع إذا اراد ان يسلم ورأى سبقه امتنع. وقيل: نزلت في ابتلاء الفقراء بالمستهزئين يقولون انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمد من موالينا واراذلنا. وعن الحسن: الابتلاء عام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويل للمالك من المملوك ان لم يحسن إليه وويل للمملوك من المالك إذا لم يطعه وويل للغني من الفقير إِن لم يعطه حقه وويل للفقير من الغني إِن لم يصبر وطمع وأَخذ بلا رضى وويل للعالم من الجاهل إِن لم يعلمه وويل للجاهل من العالم إِن لم يتبعه وويل للشديد من الضعيف إِذا ظلمه ولم ينصف له من غيره وويل للضعيف من الشديد إِن لم يصبر لقضاء الله" تفسير : وعن ابي الدرداء (ويل لمن لا يعلم مرة وويل لمن يعلم ولا يعمل مرتين). وروي (سبعا). ولما عرض الله على آدم ذريته فرأى فضل بعضهم فقال: (يا رب لو شئت ساويت بينهم فقال يا آدم ليشكرني ذو الفضل ويصبر غيره فاثيبهم). وقيل: الغني فتنة الفقير يقول مالي لم اكن مثله والصحيح فتنة المريض والشريف فتنة الوضيع. {أَتَصْبِرُونَ} مفعول فتنة وهو معلق عنه بالاستفهام وانما نصب مفعولا لانه بمعنى النظر كأنه قال: (ينظركم اتصبرون) أو مفعول لمحذوف اي لنعلم اتصبرون وهذا كله على طريق المجاز لان الله علم في الازل من يصبر ومن لا يصبر. وقيل: الاستفهام للامر اي اصبروا {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} بمن يصبر ومن يجزع. وعن ابي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا نظر احدكم لمن فضل عليه بالمال والجسم فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم " تفسير : وفي رواية "حديث : انظروا إلى من هو أَسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فانه أَجدر أَن لا تردوا نعمة الله عليكم تفسير : وقيل: كان ربك بصيرا فيما يبتلي به من صواب وغيره فلا يضيقن صدرك ولا يستخفنك اقاويلهم فان في صبرك سعادة وفوزا في الدارين. فائدة قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من دخل السوق فقال لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة".تفسير : رواه عمر رضي الله عنه. وفي رواية عنه "حديث : وبنى له بيتا في الجنة " تفسير : واعلم انه لما كثر الباطل في الاسواق وظهرت المناكر فيها كره العلماء دخولها تنزيها عن البقاع التي يعصى الله فيها ولئلا يشاهد منكرا مع انه لو شهدوه وغيروه ولم يتغير فقد ادوا الواجب واثبتوا ولم يجب عليهم الخروج منه حتى يقضوا حاجتهم.
اطفيش
تفسير : {وما أرسلنا قبلك من المُرسلين} نعت لمفعول أرسلنا محذوفاً أى أحداً من المرسلين، فالجمع بعد لعموم أحد بتقدم النفى، ومن أجاز زيادة من مع المعرفة أجاز أن تكون من صلة، والمرسلين مفعولاً به {إلاَّ أنَّهم ليأكلون الطعامَ ويمشون فى الأسواق} الجملة حال من أحد المقدر ولو نكرة، لتقدم النفى او من المرسلين على أنه المفعول به كقولك: جاء زيد سيفه على عاتقه، وما جاء زيد إلا هو فرج، ولا تلزم الواو فى جملة الحال الاسمية، كما قيل: وهى وتركها سواء، والآية تسلية له صلى الله عليه وسلم، واحتاج بأنه كالرسل قبله فى الأكل، ودخول الأسواق، وسلاه أيضاً بقوله: {وجَعَلنا بعْضكم لبعض فتنةً أتصبرون} فاصبر على قولهم، لولا انزل اليه ملك أو يلقى الخ، وقولهم مال هذا الرسل الخ، والمراد أتصبرون على قول السوء كما قالوا لك، ويصبر فقيركم على فخر غنيكم، وعلى منع عطائه وسلاه أيضاً بقوله: {وكان ربُّك بَصيراً} بأقوالهم وأفعالهم واعتقادهم، فيعاقبهم، وبالصواب فيما يأمركم وينهاكم، فلا تخالفوه، والخطاب فى بعضكم وتصبرون للنبى صلى الله عليه وسلم وأمته، وإنما لم تعم الأمم السالفة أيضاً لبعد ان يخاطبوا فى هذا الكتاب، وقد انقرضوا، والرسول فتنة لكفار قريش إذ قالوا: كيف يعلو محمد علينا، ومن أسلم من الفقراء، ومن يعد ضعيفاً فتنة للأقوياء والأغنياء، كما قال أبو جهل، والوليد بن المغيرة، والعاصى بن وائل من بنى سهم، والوليد بن عقبة ونحوهم: لو أسلمنا ترفع علينا عمار وصهيب وبلال وابن مسعود عامر بن فهيرة لتقدم اسلامهم. وقد قيل: الآية فى ذلك، والصحيح فتنة للمريض والغنى للفقير والعالم للجاهل، والشريف للوضيع، وصح عكس ذلك كقصة نحو عمار مع أبى جهل، ومن ذلك إمهال الكفار فتنة للمؤمنين، قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه بالمال والجسم، فلينظر الى من هو دونه فى المال والجسم"تفسير : رواه البخارى وفى مسلم حديث : انظروا الى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا الى من هو فوقكم، فهو أجدر ان لا تزدروا نعمة الله عليكمتفسير : ، قال بعض: أى وجعلناك فتنة لهم، لأنك لو كنت غنياً صاحب كنوز وجنان، لكانت طاعتهم لك للدنيا، أو ممزوجة بالدنيا، فانما بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطعك خالصة لنا، وجملة أتصبرون مفعول المحذوف، أى قائلين أتصبرون أم لا، أو لنعلم أتصبرون أى ليظهر خارجاً صبركم أو عدمه أو مستأنفة بمعنى الأمر، أى اصبروا.
الالوسي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ } قيل هو تسلية له صلى الله عليه وسلم عن قولهم { أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ } تفسير : [الفرقان: 7] بأن لك في سائر الرسل عليهم السلام / أسوة حسنة فإنهم كانوا كذلك، وقال الزجاج: احتجاج عليهم في قولهم ذلك كأنه قيل كذلك كان من خلا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فكيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم بدعاً من الرسل عليهم السلام. ورده الطيبـي بأنه لا يساعد عليه النظم الجليل لأنه قد أجيب عن تعنتهم بقوله تعالى: { أية : ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ } تفسير : [الإسراء: 48] وتعقبه في «الكشف» بقوله: ولقائل أن يقول هذا جواب آخر كما أجيب هنالك من أوجه على ما نقل عن الإمام وجعل قوله تعالى: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ}تفسير : [الفرقان: 11] جواباً ثالثاً وعقبه بقوله تعالى: { أية : وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ } تفسير : [الفرقان: 11] لمكان المناسبة وتم الوعيد ثم أجابهم سبحانه جواباً آخر يتضمن التسلية أيضاً وهذا يساعد عليه النظم الجليل، والجملة التي بعد (إلا) قيل صفة ثانية لموصوف مقدر قبل {مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } والمعنى ما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين. وتعقب بأن فيه الفصل بين الموصوف والصفة بإلا وقد رده أكثر النحاة كما في «المغني»، ومن هنا جعلها بعضهم صفة لموصوف مقدر بعد إلا وذلك بدل مما حذف قبل وأقيمت صفته مقامه، والمعنى ما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا رجالاً أو رسلاً أنهم الخ، وفيه الفصل بين البدل والمبدل منه وهو جائز عندهم. وقدر الفراء بعد إلا من وهي تحتمل أن تكون موصولة وأن تكون نكرة موصوفة، وجعل بعضهم الجملة في محل نصب بقول محذوف وجملة القول صفة أي إلا رجالاً أو رسلاً قيل إنهم الخ وهو كما ترى، وقال ابن الأنباري: الجملة حالية والاستثناء من أعم الأحوال والتقدير إلا وإنهم. قال أبو حيان: وهو المختار، وقدر الواو بناءً على أن الاكتفاء في مثل هذه الجملة الحالية بالضمير غير فصيح، وربما يختار عدم التقدير ويمنع دعوى عدم الفصاحة أو يحمل ذلك على غير المقترن بإلا لأنه في الحقيقة بدل، ووجه كسر إن وقوعها في الابتداء ووقوع اللام بعدها أيضاً. وقرىء {أَنَّهُمْ } بالفتح على زيادة اللام بعدها وتقدير جار قبلها أي لأنهم يأكلون الخ. والمراد ما جعلناهم رسلاً إلى الناس إلا لكونهم مثلهم، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود وعبد الرحمن بن عبد الله {يمشون } بتشديد الشين المفتوحة مع ضم الياء مبنياً للمفعول أي يمشيهم حوائجهم أو الناس والتضعيف للتكثير كما في قول الهذلي: شعر : يمشي بيننا حانوت خمر تفسير : وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي كما في «البحر» {يمشون } بضم الياء والشين مع التشديد مبنياً للفاعل وهو مبالغة يمشي المخفف فهي مطابقة للقراءة المشهورة ولا يحتاج إلى تقدير يمشيهم حوائجهم ونحوه. وأنشدوا قوله: شعر : ومشى بأغصان المباءة وابتغى قلائص منها صعبة وذلول تفسير : وقوله: شعر : فقد تركت خزينة كل وغد يمشي بين خاتام وطاق تفسير : وفي بعض نسخ «الكشاف» ما يدل على أنه لم يظفر بهذه القراءة. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } قيل تسلية له صلى الله عليه وسلم أيضاً لكن عن قولهم: « أية : أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ » تفسير : [الفرقان: 8] أي وجعلنا أغنياءكم أيها الناس ابتلاء لفقرائكم لننظر هل يصبرون {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } أي عالماً بالصواب فيما يبتلى به وغيره فلا يضيقن صدرك ولا تستخفنك أقاويلهم، وقيل تصبير له عليه الصلاة والسلام على ما قالوه واستبدعوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد الاحتجاج عليهم بسائر الرسل، والكلام من تلوين الخطاب بتعميمه لسائر الرسل عليهم السلام بطريق التغليب على ما اختاره بعضهم، والمراد بالبعض الأول كفار الأمم واختصاصهم بالرسل مصحح لأن / يعدوا بعضاً منهم وبالبعض الثاني رسلهم على معنى جعلنا كل بعض معين من الأمم فتنة لبعض معين من الرسل كأنه قيل وجعلنا كل أمة مخصوصة من الأمم الكافرة فتنة لرسولها المعين. وإنما لم يصرح بذلك تعويلاً على شهادة الحال، وحاصله جرت سنتنا بموجب حكمتنا على ابتلاء المرسلين بأممهم وبمناصبتهم لهم العداوة وإطلاق ألسنتهم فيهم بالأقاويل الخارجة عن حد الإنصاف وسلوكهم في أذاهم كل مسلك لنعلم صبرهم أو هو خطاب للناس كافة على ما قيل وهو الظاهر، والبعض الأول أعم من الكفار والأغنياء والأصحاء وغيرهم ممن يصلح أن يكون فتنة والبعض الثاني أعم من الرسل والقراء والمرضى وغيرهم ممن يصلح أن يفتن. والكلام عليه مفيد لتصبره صلى الله عليه وسلم على ما قالوه وزيادة، وقيل: المراد بالبعض الأول من لا مال له من المرسلين وبالبعض الثاني أممهم ويدخل في ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته دخولاً أولياً فكأنه قيل جعلناك فتنة لأمتك لأنك لو كنت صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا وإنما بعثناك لا مال لك ليكون طاعة من يطيعك منهم خالصة لوجه الله تعالى من غير طمع دنيوي وكذا حال سائر من لا مال له من المرسلين مع أممهم والأظهر عموم الخطاب والبعضين وهو الذي تقتضيه الآثار وإليه ذهب ابن عطية فقال: ذلك عام للمؤمن والكافر فالصحيح فتنة للمريض والغنى فتنة للفقير والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس الكفار في عصره وكذلك العلماء وحكام العدل، وقد تلا ابن القاسم هذه الآية حين رأى أشهب انتهى. واختار ذلك أبو حيان. ولا يضر فيه خصوص سبب النزول. فقد روي عن الكلبـي أنها نزلت في أبـي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ومن في طبقتهم قالوا: إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار وصهيب وبلال وفلان وفلان ترفعوا علينا إدلالاً بالسابقة. والاستفهام إما في حيز التعليل للجعل ومعادله محذوف كما حذف فيما لا يحصى من الأمثلة والتقدير لنعلم أتصبرون أم لا أي ليظهر ما في علمنا. وقرينة تقدير العلم تضمن الفتنة إياه. وإما أن لا يكون في حيز التعليل وليس هناك معادل محذوف بأن يكون للترغيب والتحريض والمراد اصبروا فإني ابتليت بعضكم ببعض. ويجوز أن لا يقدر معادل على تقدير اعتبار التعليل أيضاً بأن يكون الخطاب للرسل عليهم السلام على ما سمعت. وجعل ابن عطية الخطاب فيما سبق عاماً وفي {أَتَصْبِرُونَ } خاصاً بالمؤمنين الذين جعل إمهال الكفار فتنة لهم في ضمن العموم السابق وقدر معادلاً فقال: كأنه جعل إمهال الكفار فتنة للمؤمنين ثم وقفهم أتصبرون أم لا. وجعل قوله تعالى: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } وعداً للصابرين ووعيداً للعاصين. وجعله بعضهم وعداً للرسول صلى الله عليه وسلم بالأجر الجزيل لصبره الجميل مع مزيد تشريف له عليه الصلاة والسلام بالالتفات إلى اسم الرب مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم. وجوز أن يكون وعيداً لأولئك المعاندين له عليه الصلاة والسلام جىء به إتماماً للتسلية أو التصبر وليس بذاك. واستدل بالآية على القضاء والقدر فإنها أفادت أن أفعال العباد كعداوة الكفار وإيذائهم بجعل الله تعالى وإرادته والفتنة بمعنى الابتلاء وإن لم تكن من أفعال العباد إلا أنها مفضية ومستلزمة لما هو منها، وفيه من الخفاء ما فيه.
ابن عاشور
تفسير : هذا رد على قولهم: {أية : مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}تفسير : [الفرقان: 7] بعد أن رد عليهم قولهم {أية : أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها}تفسير : [الفرقان: 8] بقوله: {أية : تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك}تفسير : [الفرقان: 10]، ولكن لما كان قولهم: {أو يلقى إليه كنز} حالة لم تعط للرسل في الحياة الدنيا كان رد قولهم فيها بأن الله أعطاه خيراً من ذلك في الآخرة. وأما قولهم: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} فقد توسلوا به إلى إبطال رسالته بثبوت صفات البشر له، فكان الرد عليهم بأن جميع الرسل كانوا متصفين بصفات البشر، ولم يكن المشركون منكرين وجود رسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم فقد قالوا: {أية : فليأتنا بآية كما أرسل الأولون}تفسير : [الأنبياء: 5]، وإذ كانوا موجودين فبالضرورة كانوا يأكلون الطعام إذ هم من البشر ويمشون في أسواق المدن والبادية لأن الدعوة تكون في مجامع الناس. وقد قال موسى {أية : موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى}تفسير : [طه: 59]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو قريشاً في مجامعهم ونواديهم ويدعو سائر العرب في عكاظ وفي أيام الموسم. وجملة: {ليأكلون الطعام} في موضع الحال لأن المستثنى منه عموم الأحوال. والتقدير: وما أرسلنا قبلك من المرسلين في حاللٍ إلا في حال {إنهم ليأكلون الطعام}. والتوكيد بـــ(إن) واللام لتحقيق وقوع الحال تنزيلاً للمشركين في تناسيهم أحوال الرسل منزلة من ينكر أن يكون الرسل السابقون يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. ولم تقترن جملة الحال بالواو لأن وجود أداة الاستثناء كاف في الربط ولا سيما وقد تأكد الربط بحرف التوكيد فلا يزاد حرف آخر فيتوالى أربعة حروف وهي: إلاّ، وإنّ، واللام، ويزاد الواو بخلاف قوله تعالى: {أية : وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم}تفسير : [الحجر: 4]، وقوله: {أية : وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون}تفسير : [الشعراء: 208]. وإنما أبقى الله الرسل على الحالة المعتادة للبشر فيما يرجع إلى أسباب الحياة المادية إذ لا حكمة في تغيير حالهم عن ذلك وإنما يغير الله حياتهم النفسية لأن في تغييرها إعداد نفوسهم لتلقي الفيوضات الإلهية. ولله تعالى حفاظ على نواميس نظام الخلائق والعوالم لأنه ما خلقها عبثاً فهو لا يغيرها إلا بمقدار ما تتعلق به إرادته من تأييد الرسل بالمعجزات ونحو ذلك. {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}. تذييل، فضمير الخطاب في قوله: {بعضكم} يعم جميع الناس بقرينة السياق. وكلا البعضين مبهم يبينه المقام. وحال الفتنة في كلا البعضين مختلف، فبعضها فتنة في العقيدة، وبعضها فتنة في الأمن، وبعضها فتنة في الأبدان. والإخبار عنه بــــ{فتنة} مجازي لأنه سبب الفتنة، وشمل أحد البعضين النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، والبعض الآخر المشركين؛ فكان حال الرسول فتنة للمشركين إذ زعموا أن حاله مناف للرسالة فلم يؤمنوا به وكان حال المؤمنين في ضعفهم فتنة للمشركين إذ ترفعوا عن الإيمان الذي يسويهم بهم، فقد كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل وأضرابهم يقولون: إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار بن ياسر وصهيب وبلال ترفعوا علينا إدلالاً بالسابقة. وهذا كقول صناديد قوم نوح لا نؤمن حتى تطرد الذين آمنوا بك فقال: {أية : وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون}تفسير : [هود: 29، 30]. وقال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم {أية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بَيْنِنا أليس الله بأعلمَ بالشاكرين}تفسير : [الأنعام: 52، 53]. والكلام تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن إعراض بعض قومه عن الإسلام، ولذلك عقب بقوله: {أتصبرون}، وهو استفهام مستعمل في الحث والأمر كقوله: {أية : فهل أنتم منتهون}تفسير : [المائدة: 91]. وموقع {وكان ربك بصيراً} موقع الحث على الصبر المأمور به، أي هو عليم بالصابرين، وإيذان بأن الله لا يضيع جزاء الرسول على ما يلاقيه من قومه وأنه ناصره عليهم. وفي الإسناد إلى وصف الرب مضافاً إلى ضمير النبي إلماع إلى هذا الوعد فإن الرب لا يضيع أولياءه كقوله: {أية : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}تفسير : [الحجر: 97 ـــ 99] أي النصر المحقق.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه جعل بعض الناس فتنة لبعض. وهذا المعنى الذي دلت عليه الآية ذكره في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} تفسير : [الأنعام: 53] الآية. وقال القرطبي في تفسير قوله: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} ومعنى هذا: أن كل واحد مختبر بصاحبه، فالغني ممتحن بالفقير عليه أن يواسيه، ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني عليه أن لا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق، كما قال الضحاك في معنى: أتصبرون: أي على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لِمَ لَمْ نعاف، والأعمى يقول لِمَ لَمْ أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره وكذلك العلماء، وحكام العدل ألا ترى إلى قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] فالفتنة أن يحسد المبتلي المعافى، ويحقر المعافى المبتلي، والصبر أن يحبس كلاهما نفسه هذا عن البطر، وذلك عن الضجر. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي. وإذا علمت معنى كون بعضهم فتنة لبعض. فاعلم أن قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} تفسير : [الأنعام: 53] الآية. فيه فتنة أغنياء بفقراء المسلمين، حيث احتقروهم وازدروهم، وأنكروا أن يكون الله من عليهم دونهم لأنهم في زعمهم لفقرهم، ورثاثة حالهم، لا يمكن أن يرحمهم الله ويعطيهم من فضله الواسع كما قال تعالى عنهم إنهم قالوا فيهم: {أية : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} تفسير : [الأحقاف: 11] وقال: {أية : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [ص: 8] إلى غير ذلك من الآيات، وسيوبخهم الله يوم القيامة على احتقارهم لهم في الدنيا كما قال تعالى: {أية : أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} تفسير : [الأعراف: 49] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} تفسير : [المطففين: 29ـ30] إلى قوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 34ـ36] وقوله تعالى: {أية : وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [البقرة: 212] وقوله تعالى: {أتصبرون}، أي على الحق أم لا تصبرون. والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 20- وإذا كان المشركون يعيبونك - أيها النبى - بأكلك الطعام ومشيك فى الأسواق للعمل والكسب فتلك سنة الله فى المرسلين من قبلك، ما أرسلنا أحداً منهم إلا كان يأكل الطعام ويتردد فى الأسواق. وجعلنا بعضكم - أيها الناس - ابتلاء لبعض، والمفسدون يحاولون سد الطريق إلى الهداية والحق بشتى الأساليب، فهل تصبرون على حقكم - أيها المؤمنون - وتتمسكون بدينكم حتى يأتى أمر الله بالنصر؟ اصبروا فالله مطلع على كل شئ ويجازى كلا بما عمل. 21- وقال الذين ينكرون البعث ولا يتوقعون الجزاء على أعمالهم: لماذا لا تنزل علينا الملائكة بتأييدك، أو يتراءى لنا الله فيخبرنا بأنه أرسلك؟. لقد تمكن الكبر من نفوسهم وجاوزوا الحد فى الظلم والطغيان. 22- يوم القيامة يرون الملائكة كما تمنوا، وسيكون ذلك مصدر تنفير لهم لا بشارة. يستعيذون منهم كما كانوا يستعيذون مما يفزعهم فى الدنيا. 23- ويوم القيامة نأتى إلى ما عملوه من مظاهر البر والإحسان فى الدنيا فنحبطه ونحرمهم ثوابه، لعدم إيمانهم الذى به تعتبر الأعمال. 24- أصحاب الجنة يوم القيامة خير مستقراً وأحسن منزلا ومأوى للاسترواح، لأنه الجنة المعدة للمؤمنين لا النار المعدة للكافرين. 25- واذكر - أيها النبى - يوم تنفرج السماء وتنفتح، ويظهر من فُرَجها الغمام، وتنزل الملائكة نزولاً مؤكداً. 26- فى هذا اليوم تبطل أملاك المالكين من الناس وتنقطع دعاواهم، ويخلص الملك للرحمن - وحده - ويكون يوماً شديداً عصيباً على الكافرين.
د. أسعد حومد
تفسير : (20) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالى عَلَى هَؤُلاءِ، وَهُوَ يُخَاطِبُ رَسُولَه صلى الله عليه وسلم قَائِلاً: إِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُرْسِلِ الرُّسُلَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ إِلاَّ مِنَ البَشَرِ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَتَزَوَّجُونَ، وَيَتَكَسَّبُونَ بِالعَمَلِ، وَلَيسَ فِي ذَلِكَ غَرَابةٌ، وَلا مُنَافَاةٌ لِحَالِ النُّبُوَّةِ. وَجَعَل اللهُ لِلأَنْبِيَاءِ مِنْ حُسْنِ القَوْلِ، وَمِمّا أَجْرَاهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنَ الآيَاتِ، دَلاَئِلَ وَحُجَجاً عَلَى صِحَّةِ دَعْوَتِهِمْ، وَصِدْقِ ما جَاؤُوا بهِ أَقْوَامَهُم، وَجَعَلَ اللهُ بَعْضَ النَّاسِ ابْتِلاءً لِبَعْضٍ، وَالمُفْسِدُونَ يُحَاوِلُونَ سَدَّ الطَّرِيقِ إِلى الهِدَايةِ وَالحَقِّ، بَشَتَّى الأَسَالِيب، فَهَلْ تَصْبِرُونَ يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ عَلَى هذا الابتِلاءِ، وَتَتَمَسَّكُونَ بِدِينِكُمْ حَتَّى يَأْتيَ اللهُ بِنَصِرِهِ؟ فَإنّ اللهَ تَعَالَى بَصِيرٌ مُطَّلِعٌ عَلى أَحْوَالِ العِبَادِ، وَسَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى عَمَلِهِ. فِتْنَةً - ابْتِلاءً وَمِحْنَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبق أن تكلمنا في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ ..}تفسير : [الفرقان: 7] وهذه صِفَة كل الرسل، وليس محمد بِدْعاً في ذلك، وإذا كان أكْل الطعام يقدح في كونه صلى الله عليه وسلم رسولاً، وكانوا يريدون رسولاً لا يأكل الطعام، فنقول: بالله إذا كان أكْل الطعام منعه عندكم أن يكون رسولاً، فكيف تقولون لمن أكل الطعام أنه إله؟ كيف وأنتم ما رضيتم به رسولاً؟ وقد جعل الحق - تبارك وتعالى - الرسل يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق؛ لأن الرسول يجب أن يكون قدوة وأُسوْة في كل شيء للخَلْق، ولذلك كان رسول الله على أقلِّ حالات الكون المادية من ناحية أمور الدنيا من أكْل وشُرْب ولباس، ذلك ليكون أُسْوة للناس، وكذلك نجده صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يكون أهل بيته مثله، لذلك لم يجعل لهم نصيباً في الزكاة التي يأخذها أمثالهم من الفقراء. ويقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ". تفسير : ومَنْ كان عليه دَيْن من المسلمين تحمّله عنه رسول الله، وهذا كله إنْ دلَّ فإنما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم واثق من جزاء أُخْراه، فلا يُحبّ أن يناله منه شيء في الدنيا. لذلك قُلْنا: لو نظرتَ في مبادىء الحق ومبادىء الباطل أمامك في الدنيا لوجدتَ أن مبدأ الباطل يدفع ثمنه أولاً، فمثلاً لكي تكون شيوعياً لا بُدَّ أن تأخذ الثمن أولاً، أما مبدأ الحق فأنت تدفع الثمن مُقدّماً: تتعب وتُظلم وتُعذَّب وتجوع وتتشرد، وتخرج من أهلك ومن مالك، ثم تنتظر الجزاء في الآخرة. وبهذا المقياس تستطيع أنْ تُفرِّق بين الحق والباطل. وقوله تعالى: {وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ ..} [الفرقان: 20] أي: يرتادونها لقضاء مصالحهم وشراء حاجياتهم، دليلٌ على تواضعهم وعدم تكبُّرهم على مثل هذه الأعمال؛ لذلك كان سيدنا رسول الله يحمل حاجته بنفسه، فإنْ عرض عليه أحدُ صحابته أنْ يحملها عنه يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : صاحب الشيء أحقُّ بحمله ". تفسير : ومعنى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ..} [الفرقان: 20] فأيّ بعض فتنة لأيِّ بعض؟ كما في قوله تعالى: {أية : وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ..}تفسير : [الزخرف: 32] أيُّ بعض مرفوع، وأيّ بعض مرفوع عليه؟ نلاحظ في مثل هذه المسائل أن الناس لا تنظر إلا إلى زاوية واحدة: أن هذا غنيٌّ وهذا فقير، لكنهم لو أخذوا في المفاضلة بكل جوانب النفس الإنسانية لوجدوا أن في كل إنسان موهبةً خَصّه الله بها، فكلٌّ مِنّا عنده مَيْزةٌ ليست عند أخيه؛ ذلك ليتكاتف الناس ويتكامل الخَلْق؛ لأن العالم لو كان نسخة واحدة مكررة ما احتاجَ أحدٌ لأحد، وما سأل أحد عن أحد، أمّا حين تتعدد المواهب فيكون عندك ما ليس عندي، فيترابط المجتمع ترابط الحاجة لا ترابط التفضل. ولو تصورنا الناس جميعاً تخرجوا في الجامعة وأصبحوا (دكاترة) فمَنْ يكنس الشارع؟ ساعتها سيتطوع أحدنا يوماً لهذه المهمة، إذن: تصبح الحاجة بنت تطوُّع وتفضُّل، والتفضُّل لا يُلزِم أحداً بعمل، فقد تتعطل المصالح. أمّا حين تدعوك الحاجة فأنت الذي تُسرع إلى العمل وتبحث عنه. أَلاَ ترى أصحاب المهن الشاقة يخرجون في الصباح يبحثون عن عمل، ويغضب الواحد منهم إذا لم يجد فرصة عمل في يومه مع ما سيتحمله من آلام ومشاق، لماذا؟ إنها الحاجة. فالعامل الذي يعمل في المجاري مثلاً ويتحمَّل أذاها هو في قدرته على نفسه ورضاه بقدَر الله فيه أفضل مِنِّي أنا في هذه المسألة، لأنني لا أقدر على هذا العمل وهو يقدر، ولو ترك الله مثل هذه الأعمال للتفضّل ما أقدم عليها أحد، إذن: التسخيرات من الحق سبحانه وتعالى لحكمه. ومثل هذه الأعمال الشاقة أو التي تؤذي العامل يعدُّها البعض أعمالاً حقيرة، وهذا خطأ، فأيُّ عمل يُصلح المجتمع لا يُعَدُّ حقيراً، فلا يوجد عمل حقير أبداً، وإنما يوجد عامل حقير. فمعنى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ..} [الفرقان: 20] كل بعض منا فتنة للآخر، فالغنيُّ فتنةٌ للفقير، والفقير فتنة للغني .. إلخ فحين يتعالى الغني على الفقير ويستذلّه فالفقير هنا فتنة للغني، وحين يحقد الفقير على الغني ويحسده، فالغنيّ هنا فتنة للفقير، وهكذا الصحيح فتنة للمريض، والرسل فتنة لمن كذّبوهم، والكفار فتنة للرسل. والناس يفرون من الفتنة في ذاتها، وهذا لا يصح؛ لأن الفتنة تعني الاختبار، فالذي ينبغي أن نفر منه نتيجة الفتنة، لا الفتنة ذاتها، فالامتحان فتنة للطلاب، مَنْ ينجح فالفتنة له خَيْر ومَنْ يخفق فالفتنة في حَقِّه شَرٌّ. إذن: الفتنة في ذاتها غير مذمومة. لذلك تُؤخَذ الفتنة من فتنة الذهب حين يُصْهر، ومعلوم أن الذهَب أفضل المعادن، وإنْ وُجد ما هو أنفس منه، لماذا؟ لأن من مَيْزاته أنه لا يتأكسد ولا يتفاعل مع غيره، وهو كذلك سهل السَّبْك؛ لذلك يقولون: المعدن النفيس كالأخيار بَطيءٌ كَسْره، سريع جَبْره. فمثلاً حين يتكسر الذهب يسهل إعادته وتصنيعه على خلاف الزجاج مثلاً. إذن: الفتنة اختبار، الماهر مَنْ يفوز فيه، فإنْ كان غنياً كان شاكراً مُؤدِّياً لحقِّ الغني مُتواضعاً يبحث عن الفقراء ويعطف عليهم، والفقير هو العاجز عن الكسب، لا الفقير الذي احترف البلطجة وأَكْل أموال الناس بالباطل. ولما كانت الفتنة تقتضي صَبْراً من المفتون، قال سبحانه: {أَتَصْبِرُونَ ..} [الفرقان: 20] فكل فتنة تحتاج إلى صبر، فهل تصبرون عليها؟ ولأهمية الصبر يقول تعالى في سورة العصر: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}تفسير : [العصر: 1-2] يعني: مُطلَق الإنسان في خُسْر لا ينجيه منه إلاّ أنْ يتصف بهذه الصفات: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 3]. وتُختم الآية بقوله سبحانه: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} [الفرقان: 20] لينبهنا الحق سبحانه أن كل حركة من حركاتكم في الفتنة مُبْصَرة لنا، وبصرنا للأعمال ليس لمجرد العلم، إنما لنُرتِّب على الأعمال جزاءً على وَفْقها. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):