Verse. 2876 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَقَالَ الَّذِيْنَ لَا يَرْجُوْنَ لِقَاۗءَنَا لَوْلَاۗ اُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلٰۗىِٕكَۃُ اَوْ نَرٰي رَبَّنَا۝۰ۭ لَـقَدِ اسْـتَكْبَرُوْا فِيْۗ اَنْفُسِہِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيْرًا۝۲۱
Waqala allatheena la yarjoona liqaana lawla onzila AAalayna almalaikatu aw nara rabbana laqadi istakbaroo fee anfusihim waAAataw AAutuwwan kabeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الذين لا يرجون لقاءنا» لا يخافون البعث «لولا» هلا «أنزل علينا الملائكة» فكانوا رسلا إلينا «أو نرى ربنا» فنخبر بأن محمدا رسوله قال تعالى: «لقد استكبروا» تكبروا «في» شأن «أنفسهم وعتوْا» طغوا «عُتُوَّا كبيرا» بطلبهم رؤية الله تعالى في الدنيا، وعتوا بالواو على أصله بخلاف عتى بالإبدال في مريم.

21

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } هو الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وحاصلها: لم لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمداً محق في دعواه {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا؟ وتقرير هذه الشبهة أن من أراد تحصيل شيء، وكان له إلى تحصيله طريقان، أحدهما يفضي إليه قطعاً والآخر قد يفضي وقد لا يفضي، فالحكيم يجب عليه في حكمته أن يختار في تحصيل ذلك المقصود الطريق الأقوى والأحسن، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم أكثر إفضاء إلى المقصود، فلو أراد الله تعالى تصديق محمد صلى الله عليه وسلم لفعل ذلك وحيث لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أراد تصديقه هذا حاصل الشبهة، ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } معناه لا يخافون لقاءنا ووضع الرجاء في موضع الخوف لغة تهامية، إذا كان معه جحد، ومثله قوله تعالى: { أية : مَالَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } تفسير : [نوح: 13] أي لا تخافون له عظمة، وقال القاضي لا وجه لذلك، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز، ومعلوم أن من حال عباد الأصنام أنهم كما لا يخافون العقاب لتكذيبهم بالمعاد، فكذلك لا يرجون لقاءنا ووعدنا على الطاعة من الجنة والثواب، ومعلوم أن من لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب أيضاً، فالخوف تابع لهذا الرجاء. المسألة الثانية: المجسمة تمسكوا بقوله تعالى: {لِقَاءنَا } أنه جسم وقالوا اللقاء هو الوصول يقال هذا الجسم لقي ذلك أي وصل إليه واتصل به، وقال تعالى: { أية : فَالْتَقَى ٱلمَاء عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } تفسير : [القمر: 12] فدلت الآية على أنه سبحانه جسم والجواب على طريقين الأول: طريق بعض أصحابنا قال المراد من اللقاء هو الرؤية، وذلك لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي فسمى اللقاء أحد أنواع الرؤية والنوع الآخر الاتصال والمماسة، فدلت الآية من هذا الوجه على جواز الرؤية الطريق الثاني: وهو كلام المعتزلة، قال القاضي تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة، فيقال في الدعاء لقاك الله الخير وقد يقول القائل لم ألق الأمير وإن رآه من بعد أو حجب عنه، ويقال في الضرير لقي الأمير إذا أذن له ولم يحجب وقد يلقاه في الليلة الظلماء، ولا يراه بل المراد من اللقاء ههنا هو المصير إلى حكمه حيث لا حكم لغيره في يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً لا أن رؤية البصر، واعلم أن هذا الكلام ضعيف لأنا لا نفسر اللقاء برؤية البصر بل نفسره بمعنى مشترك بين رؤية البصر، وبين الاتصال والمماسة وهو الوصول إلى الشيء، وقد بينا أن الرائي يصل برؤيته إلى المرئي واللفظ الموضوع لمعنى مشترك بين معان كثيرة، ينطلق على كل واحد من تلك المعاني فيصح قوله لقاك الخير، ويصح قول الأعمى لقيت الأمير، ويصح قول البصير لقيته بمعنى رأيته وما لقيته بمعنى ما وصلت إليه، وإذا ثبت هذا فنقول قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } مذكور في معرض الذم لهم، فوجب أن يكون رجاء اللقاء حاصلاً، ومسمى اللقاء مشترك بين الوصول المكاني، وبين الوصول بالرؤية، وقد تعذر الأول فتعين الثاني، وقوله المراد من اللقاء الوصول إلى حكمه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل، فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها، بل على أن إنكارها ليس إلا من دين الكفار. المسألة الثالثة: قوله: {لَوْلا أُنزِلَ } معناه هلا أنزل، قال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية في أبي جهل والوليد وأصحابهما الذين كانوا منكرين للنبوة والبعث. أما قوله تعالى: {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً } فاعلم أن هذا هو الجواب عن تلك الشبهة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تقرير كونه جواباً، وذلك من وجوه: أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد ثبتت دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض الاستكبار والتعنت وثانيها: أن نزول الملائكة لو حصل لكان أيضاً من جملة المعجزات ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك، بل لعموم كونه معجزاً، فيكون قبول ذلك المعجز ورد ذلك المعجز الآخر ترجيحاً لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد فائدة ومرجح، وهو محض الاستكبار والتعنت وثالثها: أنهم بتقدير أن يروا الرب ويسألوه عن صدق محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه يقول نعم هو رسولي، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار المعجز على يد محمد صلى الله عليه وسلم، لأنا بينا أن المعجز يقوم مقام التصديق بالقول إذ لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول اللهم إن كنت صادقاً فأحيى هذا الميت فيحييه الله تعالى والعادة لم تجر بمثله وبين أن يقول له صدقت، وإذا كان التصديق الحاصل بالقول أو الحاصل بالمعجز تعيين في كونه تصديقاً للمدعى كان تعيين أحدهما محض الاستكبار والتعنت ورابعها: وهو أنا نعتقد أن الله سبحانه وتعالى يفعل بحسب المصالح على ما يقوله المعتزلة، أن نقول إن الله تعالى يفعل بحسب المشيئة عى ما يقوله أصحابنا، فإن كان الأول لم يجز لهم أن يعينوا المعجز إذ ربما كان إظهار ذلك المعجز مشتملاً على مفسدة لا يعرفها إلا الله تعالى، وكان التعيين استكباراً وعتواً من حيث إنه لما ظنه مصلحة قطع بكونه مصلحة، فمن قال ذلك فقد اعتقد في نفسه أنه عالم بكل المعلومات، وذلك استكبار عظيم، وإن كان الثاني وهو قول أصحابنا فليس للعبد أن يقترح على ربه فإنه سبحانه فعال لما يريد فكان الاقتراح استكباراً وعتواً وخروجاً عن حد العبودية إلى مقام المنازعة والمعارضة وخامسها: وهو أن المقصود من بعثة الأنبياء الإحسان إلى الخلق فالملك الكبير إذا أحسن إلى بعض الضعفاء رحمة عليه فأخذ ذلك الضعيف إلى اللجاج والنزاع، ويقول لا أريد هذا بل أريد ذاك، حسن أن يقال إن هذا المكدي قد استكبر في نفسه وعتا عتواً شديداً من حيث لا يعرف قدر نفسه ومنتهى درجته فكذا ههنا وسادسها: يمكن أن يكون المراد أن الله تعالى قال لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به فلا جرم لا أعطيهم ذلك، وهذا التأويل يعرف من اللفظ وسابعها: لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل التعنت أو على سبيل الاستهزاء. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: الآية دلت على أن الله تعالى لا تجوز رؤيته لأن رؤيته لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً واستكباراً، قالوا وقوله: {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً } ليس إلا لأجل سؤال الرؤية حتى لو أنهم اقتصروا على نزول الملائكة لما خوطبوا بذلك، والدليل عليه أن الله تعالى ذكر أمر الرؤية في آية أخرى على حدة وذكر الاستعظام وهو قوله: { أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } تفسير : [البقرة: 55] وذكر نزول الملائكة على حدة في آية أخرى فلم يذكر الاستعظام وهو قولهم: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـئِكَةُ } وهل نرى الملائكة فثبت بهذا أن الاستكبار والعتو في هذه الآية إنما حصل لأجل سؤال الرؤية. واعلم أن الكلام على ذلك قد تقدم في سورة البقرة، والذي نريده ههنا أنا بينا أن قوله {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } يدل على الرؤية، وأما الاستكبار والعتو، فلا يمكن أن يدل ذلك على أن الرؤية مستحيلة لأن من طلب شيئاً محالاً، لا يقال إنه عتا واستكبر، ألا ترى أنهم لما قالوا: {ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتواً واستكباراً، بل قال: { أية : إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تفسير : [الأعراف: 138] بل العتو والاستكبار لا يثبت إلا إذا طلب الإنسان ما لا يليق به ممن فوقه أو كان لائقاً به، ولكنه يطلبه على سبيل التعنت. وبالجملة فقد ذكرنا وجوهاً كثيرة في تحقيق معنى الاستكبار والعتو سواء كانت الرؤية ممتنعة أو ممكنة، ومما يدل عليه أن موسى لما سأل الرؤية ما وصفه الله تعالى بالاستكبار والعتو، لأنه عليه السلام طلب الرؤية شوقاً، وهؤلاء طلبوها امتحاناً وتعنتاً، لا جرم وصفهم بذلك فثبت فساد ما قاله المعتزلة. المسألة الثالثة: إنما قال {فِى أَنفُسِهِمْ } لأنهم أضمروا الاستكبار (عن الحق وهو الكفر والعناد) في قلوبهم واعتقدوه كما قال: { أية : إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَـٰلِغِيهِ } تفسير : [غافر: 56] وقوله: {وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً } أي تجاوزوا الحد في الظلم يقال عتا (عتا) فلان وقد وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه، يعني أنهم لم يجترئوا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو. أما قوله تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } فهو جواب لقولهم: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـئِكَةُ } فبين تعالى أن الذي سألوه سيوجد، ولكنهم يلقون منه ما يكرهون، وههنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في انتصاب {يَوْمٍ } وجهين: الأول: أن العامل ما دل عليه {لاَ بُشْرَىٰ } أي يوم يرون الملائكة (يبغون البشرى) و {يَوْمَئِذٍ } للتكرير الثاني: أن التقدير اذكر يوم يرون الملائكة. المسألة الثانية: اختلفوا في ذلك اليوم، فقال ابن عباس يريد عند الموت، وقال الباقون يريد يوم القيامة. المسألة الثالثة: إنما يقال للكافر لا بشرى لأن الكافر وإن كان ضالاً مضلاً إلا أنه يعتقد في نفسه أنه كان هادياً مهتدياً، فكان يطمع في ذلك الثواب العظيم، ولأنهم ربما عملوا ما رجوا فيه النفع كنصرة المظلوم وعطية الفقير وصلة الرحم، ولكنه أبطلها بكفره فبين سبحانه أنهم في أول الأمر يشافهون بما يدل على نهاية اليأس والخيبة، وذلك هو النهاية في الإيلام وهو المراد من قوله: { أية : وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } تفسير : [الزمر: 47]. المسألة الرابعة: حق الكلام أن يقال يوم يرون الملائكة لا بشرى لهم، لكنه قال لا بشرى للمجرمين وفيه وجهان: أحدهما: أنه ظاهر في موضع ضمير والثاني: أنه عام فقد تناولهم بعمومه، قالت المعتزلة تدل الآية على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو لأن قوله: {لاَ بُشْرَىٰ لّلْمُجْرِمِينَ } نكرة في سياق النفي فيعم جميع أنواع البشرى في جميع الأوقات بدليل أن من أراد تكذيب هذه القضية قال بل له بشرى في الوقت الفلاني، فلما كان ثبوت البشرى في وقت من الأوقات يذكر لتكذيب هذه القضية، علمنا أن قوله تعالى: {لاَ بُشْرَىٰ } يقتضي نفي جميع أنواع البشرى في كل الأوقات، ثم إنه سبحانه أكد هذا النفي بقوله: {حِجْراً مَّحْجُوراً } والعفو من الله من أعظم البشرى، والخلاص من النار بعد دخولها من أعظم البشرى، وشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من أعظم البشرى فوجب أن لا يثبت ذلك لأحد من المجرمين، والكلام على التمسك بصيغ العموم قد تقدم غير مرة، قال المفسرون المراد بالمجرمين ههنا الكفار بدليل قوله: { أية : إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ } تفسير : [المائدة: 72]. المسألة الخامسة:في تفسير قوله: {حِجْراً مَّحْجُوراً } ذكر سيبويه في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو معاذ الله وقعدك (الله) وعمرك (الله)، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو (موتور) أو هجوم نازلة ونحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة، قال سيبويه: يقول الرجل للرجل (يفعل) كذا وكذا فيقول حجراً، وهي من حجره إذا منعه لأن المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه، فكان المعنى أسأل الله أن يمنع ذلك منعاً ويحجره حجراً ومجيئه على فعل أو فعل في قراءة الحسن تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد، فإن قيل: لما ثبت أنه من باب المصادر فما معنى وصفه بكونه محجوراً؟ قلنا: جاءت هذه الصفة لتأكيد معنى الحجر كما قالوا (ذبل ذابل فالذبل) الهوان وموت مائت وحرام محرم. المسألة السادسة: اختلفوا في أن الذين يقولون حجراً محجوراً من هم؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنهم هم الكفار وذلك لأنهم كانوا يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه، (ثم) إذا رأوهم عند الموت (و) يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون، فقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو (الموتور) ونزول الشدة القول الثاني: أن القائلين هم الملائكة ومعناه حراماً محرماً عليكم الغفران والجنة والبشرى، أي جعل الله ذلك حراماً عليكم، ثم اختلفوا على هذا القول فقال بعضهم إن الكفار إذا خرجوا من قبورهم، قالت الحفظة لهم حجراً محجوراً، وقال الكلبي الملائكة على أبواب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين حجراً محجوراً، وقال عطية إذا كان يوم القيامة يلقى الملائكة المؤمنين بالبشرى فإذا رأى الكفار ذلك قالوا لهم بشرونا فيقولون حجراً محجوراً القول الثالث: وهو قول القفال والواحدي وروي عن الحسن أن الكفار يوم القيامة إذا شاهدوا ما يخافونه فيتعوذون منه ويقولون حجراً محجوراً، فتقول الملائكة لا يعاذ من شر هذا اليوم. أما قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا } فقد استدلت المجسمة بقوله: {وَقَدِمْنَا } لأن القدوم لا يصح إلا على الأجسام، وجوابه أنه لما قامت الدلالة على امتناع القدوم عليه لأن القدوم حركة والموصوف بالحركة محدث، ولذلك استدل الخليل عليها السلام بأفول الكواكب على حدوثها وثبت أن الله عز وجل لا يجوز أن يكون محدثاً، فوجب تأويل لفظ القدوم وهو من وجوه: أحدها: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ } أي وقصدنا إلى أعمالهم، فإن القادم إلى الشيء قاصد له، فالقصد هو المؤثر في المقدوم إليه وأطلق المسبب على السبب مجازاً وثانيها: المراد قدوم الملائكة إلى موضع الحساب في الآخرة، ولما كانوا بأمره يقدمون جاز أن يقول {وَقَدِمْنَا } على سبيل التوسع ونظيره قوله: { أية : فَلَمَّا ءاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ } تفسير : [الزخرف: 55] وثالثها: { أية : إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا } تفسير : [النمل: 34] فلما أباد الله أعمالهم وأفسدها بالكلية صارت شبيهة بالمواضع التي يقدمها الملك فلا جرم قال {وَقَدِمْنَا }. أما قوله: {إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ } يعني الأعمال التي اعتقدوها براً وظنوا أنها تقربهم إلى الله تعالى، والمعنى إلى ما عملوا من أي عمل كان. أما قوله: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } فالمراد أبطلناه وجعلناه بحيث لا يمكن الانتفاع به كالهباء المنثور الذي لا يمكن القبض عليه ونظيره قوله تعالى: { أية : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } تفسير : [النور: 39] { أية : كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ } تفسير : [إبراهيم: 18] { أية : كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } تفسير : [الفيل: 5] قال أبو عبيدة والزجاج: الهباء مثل الغبار يدخل من الكوة مع ضوء الشمس. وقال مقاتل: إنه الغبار الذي يستطير من حوافر الدواب. أما قوله: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } فاعلم أنه سبحانه لما بين حال الكفار في الخسار الكلي والخيبة التامة شرح وصف أهل الجنة تنبيهاً على أن الحظ كل الحظ في طاعة الله تعالى، وههنا سؤالات: الأول: كيف يكون أصحاب الجنة خيراً مستقراً من أهل النار، ولا خير في النار، ولا يقال في العسل هو أحل من الخل؟ والجواب من وجوه: الأول: ما تقدم في قوله: { أية : أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ } تفسير : [الفرقان: 15] والثاني: يجوز أن يريد أنهم في غاية الخير، لأن مستقر خير من النار، كقول الشاعر: شعر : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول تفسير : الثالث: التفاضل الذي ذكر بين المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع، والموضع من حيث إنه موضع لا شر فيه الرابع: هذا التفاضل واقع على هذا التقدير، أي لو كان لهم مستقر فيه خير لكان مستقر أهل الجنة خيراً منه. السؤال الثاني: الآية دلت على أن مستقرهم غير مقيلهم فكيف ذلك؟ والجواب من وجوه: الأول: أن المستقر مكان الاستقرار، والمقيل زمان القيلولة، فهذا إشارة إلى أنهم من المكان في أحسن مكان، ومن الزمان في أطيب زمان الثاني: أن مستقر أهل الجنة غير مقيلهم، فإنهم يقيلون في الفردوس، ثم يعودون إلى مستقرهم الثالث: أن بعد الفراغ من المحاسبة والذهاب إلى الجنة يكون الوقت وقت القيلولة، قال ابن مسعود: « حديث : لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار » تفسير : وقرأ ابن مسعود: (ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم). وقال سعيد بن جبير: إن الله تعالى إذا أخذ في فصل القضاء قضى بينهم بقدر ما بين صلاة الغداة إلى انتصاف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وقال مقاتل: يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون بمقدار نصف يوم من أيام الدنيا، ثم يقيلون من يومهم ذلك في الجنة. السؤال الثالث: كيف يصح القيلولة في الجنة والنار، وعندكم أن أهل الجنة في الآخرة لا ينامون، وأهل النار أبداً في عذاب يعرفونه، وأهل الجنة في نعيم يعرفونه؟ والجواب: قال الله تعالى: { أية : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } تفسير : [مريم: 62] وليس في الجنة بكرة وعشي، لقوله تعالى: { أية : لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً } تفسير : [الإنسان: 13] ولأنه إذا لم يكن هناك شمس لم يكن هناك نصف النهار ولا وقت القيلولة، بل المراد منه بيان أن ذلك الموضع أطيب المواضع وأحسنها، كما أن موضع القيلولة يكون أطيب المواضع، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} يريد لا يخافون البعث ولقاء الله، أي لا يؤمنون بذلك. قال:شعر : إذا لَسَعْته النحلُ لم يَرْجُ لَسْعَهَا وخَالَفَهَا في بيت نُوبٍ عَوامِل تفسير : وقيل: {لاَ يَرْجُونَ} لا يبالون. قال:شعر : لعمركَ ما أرجو إذا كنتُ مُسْلِماً على أيِّ جنْبٍ كان في الله مَصْرَعِي تفسير : ابن شجرة: لا يأملون؛ قال:شعر : أترجو أُمَّةٌ قتلتْ حسيناً شفاعَة جدّه يومَ الحسابِ تفسير : {لَوْلاَ أُنْزِلَ} أي هلا أنزل. {عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ} فيخبروا أن محمداً صادق. {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} عِياناً فيخبرنا برسالته. نظيره قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً }تفسير : [الإسراء: 90] إلى قوله: {أية : أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 92]. قال الله تعالى: {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} حيث سألوا الله الشطط؛ لأن الملائكة لا ترى إلا عند الموت أو عند نزول العذاب، والله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، فلا عين تراه. وقال مقاتل: {عُتُوًّا} علواً في الأرض. والعتوّ: أشدّ الكفر وأفحش الظلم. وإذا لم يكتفوا بالمعجزات وهذا القرآن فكيف يكتفون بالملائكة؟ وهم لا يميزون بينهم وبين الشياطين، ولا بدّ لهم من معجزة يقيمها من يدّعي أنه ملَك، وليس للقوم طلب معجزة بعد أن شاهدوا معجزة، وأن {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} يريد أن الملائكة لا يراها أحد إلا عند الموت، فتبشر المؤمنين بالجنة، وتضرب المشركين والكفار بمقامع الحديد حتى تخرج أنفسهم. {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} يريد تقول الملائكة حراماً محرماً أن يدخل الجنة إلا من قال لا إلٰه إلا الله، وأقام شرائعها؛ عن ابن عباس وغيره. وقيل: إن ذلك يوم القيامة؛ قاله مجاهد وعطية العوفيّ. قال عطية: إذا كان يوم القيامة تلقى المؤمن بالبشرى: فإذا رأى ذلك الكافر تمناه فلم يره من الملائكة. وانتصب {يَوْمَ يَرَوْنَ} بتقدير لا بشرى للمجرمين يوم يرون الملائكة. {يومَئِذٍ} تأكيد لـ{ـيَوْمَ يَرَوْنَ}. قال النحاس: لا يجوز أن يكون {يَوَمْ يَرَوْنَ} منصوباً بـ{ـبُشْرَى} لأن ما في حيز النفي لا يعمل فيما قبله، ولكن فيه تقدير أن يكون المعنى يمنعون البشارة يوم يرون الملائكة؛ ودلّ على هذ الحذف ما بعده. ويجوز أن يكون التقدير: لا بشرى تكون يوم يرون الملائكة، و{يَوْمَئِذٍ} مؤكد. ويجوز أن يكون المعنى: اذكر يوم يرون الملائكة: ثم ابتدأ فقال: {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} أي وتقول الملائكة حراماً محرّماً أن تكون لهم البشرى إلا للمؤمنين. قال الشاعر:شعر : أَلاَ أَصْبَحتْ أسماءُ حِجْراً مُحرَّماً وأَصْبَحْتُ من أَدْنَى حُمُوَّتِها حَمَا تفسير : أراد ألا أصبحت أسماء حراماً محرماً. وقال آخر:شعر : حنَّت إلى النَّخْلَةِ الْقُصْوَى فقلتُ لها حِجْرٌ حرامٌ أَلاَ تِلْكَ الدَّهارِيسُ تفسير : وروي عن الحسن أنه قال: «وَيَقُولُونَ حِجْراً» وقفٌ من قول المجرمين؛ فقال الله عز وجل: {مَحْجُوراً} عليهم أن يعاذوا أو يجاروا؛ فحجر الله ذلك عليهم يوم القيامة. والأوّل قول ابن عباس. وبه قال الفرّاء؛ قاله ابن الأنباريّ. وقرأ الحسن وأبو رجاء: {حُجْراً} بضم الحاء والناس على كسرها. وقيل: إن ذلك من قول الكفار قالوه لأنفسهم؛ قاله قتادة فيما ذكر الماوردي. وقيل: هو قول الكفار للملائكة. وهي كلمة استعاذة وكانت معروفة في الجاهلية؛ فكان إذا لقي الرجل من يخافه قال: حجراً محجوراً؛ أي حراماً عليك التعرض لي. وانتصابه على معنى: حجرت عليك، أو حجر الله عليك؛ كما تقول: سقيا ورعيا. أي إن المجرمين إذا رأوا الملائكة يلقونهم في النار قالوا: نعوذ بالله منكم؛ ذكره القشيريّ، وحكى معناه المهدوي عن مجاهد. وقيل: {حِجْراً} من قول المجرمين. {مَحْجُوراً} من قول الملائكة؛ أي قالوا للملائكة نعوذ بالله منكم أن تتعرضوا لنا. فتقول الملائكة: {مَحْجُوراً} أن تعاذوا من شر هذا اليوم؛ قاله الحسن.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ } لا يأملون. {لِقَاءَنَا} بالخير لكفرهم بالبعث، أولا يخافون {لِقَاءنَا} بالشر على لغة تهامة، وأصل اللقاء الوصول إلى الشيء ومنه الرؤية فإنه وصول إلى المرئي، والمراد به الوصول إلى جزائه ويمكن أن يراد به الرؤية على الأول. {لَوْلاَ } هلا. {أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَٰـئِكَةُ} فتخبرنا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل فيكونوا رسلاً إلينا. {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } فيأمرنا بتصديقه واتباعه. {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ} أي في شأنها حتى أرادوا لها ما يتفق لأفراد من الأنبياء الذين هم أكمل خلق الله في أكمل أوقاتها وما هو أعظم من ذلك. {وَعَتَوْا } وتجاوزوا الحد في الظلم. {عُتُوّاً كَبِيراً } بالغاً أقصى مراتبه حيث عاينوا المعجزات القاهرة فأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية، واللام جواب قسم محذوف وفي الاستئناف بالجملة حسن وإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم كقوله:شعر : وَجَارَةُ جَسَّاسٍ أَبأنا بِنَابِهَا كُلَيْباً عَلَتْ نَاب كُلَيْب بوَاؤهَا تفسير : {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَٰـئِكَةَ} ملائكة الموت أو العذاب، و {يَوْمَ} نصب باذكر أو بما دل عليه. {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ } فإنه بمعنى يمنعون البشرى أو يعدمونها، و {يَوْمَئِذٍ } تكرير أو خبر و {لّلْمُجْرِمِينَ } تبيين أو خبر ثان أو ظرف لما يتعلق به اللام، أو لـ {بُشْرىً } إن قدرت منونة غير مبنية مع {لا } فإنها لا تعمل، وللـ {مُّجْرِمِينَ} إما عام يتناول حكمه حكمهم من طريق البرهان ولا يلزم عن نفي البشرى لعامة المجرمين حينئذ نفي البشرى بالعفو والشفاعة في وقت آخر، وإما خاص وضع موضع ضميرهم تسجيلاً على جرمهم وإشعاراً بما هو المانع للبشرى والموجب لما يقابلها. {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } عطف على المدلول أي ويقول الكفرة حينئذ، هذه الكلمة استعاذة وطلباً من الله تعالى أن يمنع لقاءهم وهي مما كانوا يقولون عند لقاء عدو أو هجوم مكروه، أو تقولها الملائكة بمعنى حراماً عليكم الجنة أو البشرى. وقرىء {حجْراً} بالضم وأصله الفتح غير أنه لما اختص بموضع مخصوص غير كقعدك وعمرك ولذلك لا يتصرف فيه ولا يظهر ناصبه، ووصفه بمحجوراً للتأكيد كقولهم: موت مائت. {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً} أي وعمدنا إلى ما عملوا في كفرهم من المكارم كقرى الضيف وصلة الرحم وإغاثة الملهوف فأحبطناه لفقد ما هو شرط اعتباره، وهو تشبيه حالهم وأعمالهم بحال قوم استعصوا على سلطانهم فقدم إلى أشيائهم فمزقها وأبطلها ولم يبق لها أثراً، والـ {هَبَاء } غبار يرى في شعاع يطلع من الكوة من الهبوة وهي الغبار، و {مَّنثُوراً } صفته شبه عملهم المحبط بالهباء في حقارته وعدم نفعه ثم بالمنثور منه في انتشاره بحيث لا يمكن نظمه أو تفرقه نحو أغراضهم التي كانوا يتوجهون به نحوها، أو مفعول ثالث من حيث إنه كالخبر بعد الخبر كقوله تعالى: {أية : كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ }تفسير : [البقرة: 65] {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} مكاناً يستقر فيه أكثر الأوقات للتجالس والتحادث. {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} مكاناً يؤوى إليه للاسترواح بالأزواج والتمتع بهن تجوزاً له من مكان القيلولة على التشبيه، أو لأنه لا يخلو من ذلك غالباً إذ لا نوم في الجنة وفي أحسن رمز إلى ما يتميز به مقيلهم من حسن الصور وغيره من التحاسين، ويحتمل أن يراد بأحدهما المصدر أو الزمان إشارة إلى أن مكانهم وزمانهم أطيب ما يتخيل من الأمكنة والأزمنة، والتفضيل إما لإِرادة الزيادة مطلقاً أو بالإِضافة إلى ما للمترفين في الدنيا. روي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاءُ} أصله تتشقق فحذفت التاء، وأدغمها ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب. {بِٱلْغَمَـٰمِ } بسبب طلوع الغمام منها وهو الغمام المذكور في قوله {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ }تفسير : [البقرة: 210] {وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً } في ذلك الغمام بصحائف أعمال العباد، وقرأ ابن كثير «وننزل» وقرىء و «نزلت» «وأنزل» {وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} بحذف نون الكلمة. {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ } الثابت له لأن كل ملك يبطل يومئذ ولا يبقى إلا ملكه فهو الخبر و {لِلرَّحْمَـٰنِ } صلته، أو تبيين و {يَوْمَئِذٍ} مفعول {ٱلْمَلِكُ } لا {ٱلْحَقّ } لأنه متأخر أو صفته والخبر {يَوْمَئِذٍ } أو {لِلرَّحْمَـٰنِ }. {وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيراً } شديداً. {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ } من فرط الحسرة، وعض اليدين وأكل البنان وحرق الأسنان ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما، والمراد بـ {ٱلظَّـٰلِمِ } الجنس. وقيل عقبة بن أبي معيط كان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاه إلى ضيافته فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل، وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال صبأت فقال: لا، ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحيت منه فشهدت له، فقال لا أرضى منك إلا أن تأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه، فوجده ساجداً في دار الندوة ففعل ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فأسر يوم بدر تفسير : فأمر علياً فقتله وطعن أبَياً بِأُحُدْ في المبارزة فرجع إلى مكة ومات. {يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً } طريقاً إلى النجاة أو طريقاً واحداً وهو طريق الحق ولم تتشعب بي طرق الضلالة. {يَا وَيْلَتَى} وقرىء بالياء على الأصل. {لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً } يعني من أضله وفلان كناية عن الأعلام كما أن هنا كناية عن الأجناس. {لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ} عن ذكر الله أو كتابه أو موعظة الرسول، أو كلمة الشهادة. {بَعْدَ إِذْ جَاءنِي} وتمكنت منه. {وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ } يعني الخليل المضل أو إبليس لأنه حمله على مخالته ومخالفة الرسول، أو كل من تشيطن من جن وإنس. {لِلإِنْسَـٰنِ خَذُولاً } يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك ثم يتركه ولا ينفعه، فعول من الخذلان. {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ } محمد يومئذ أو في الدنيا بثاً إلى الله تعالى. {قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِي } قريشاً. {ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً } بأن تركوه وصدوا عنه، وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : من تعلم القرآن وعلق مصحفه ولم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول: يا رب عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه»تفسير : أو هجروا ولغوا فيه إذا سمعوه أو زعموا أنه هجر وأساطير الأولين، فيكون أصله {مَهْجُوراً } فيه فحذف الجار ويجوز أن يكون بمعنى الهجر كالمجلود والمعقول، وفيه تخويف لقومه فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً مّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} كما جعلناه لك فاصبر كما صبروا، وفيه دليل على أنه خالق الشر، والعدو يحتمل الواحد والجمع. {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ هَادِياً} إلى طريق قهرهم. {وَنَصِيراً} لك عليهم. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ} أي أنزل عليه كخبر بمعنى أخبر لئلا يناقض قوله: {جُمْلَةً وٰحِدَةً} دفعة واحدة كالكتب الثلاثة، وهو اعتراض لا طائل تحته لأن الإِعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقاً مع أن للتفريق فوائد منها ما أشار إليه بقوله: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} أي كذلك أنزلناه مفرقاً فتقوى بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه، لأن حاله يخالف حال موسى وداود وعيسى حيث كان عليه الصلاة والسلام أمياً وكانوا يكتبون، فلو ألقي عليه جملة لعيل بحفظه، ولعله لم يستتب له فإن التلقف لا يتأتى إلا شيئاً فشيئاً، ولأن نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وغوص في المعنى، ولأنه إذا نزل منجماً وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه، ولأنه إذا نزل به جبريل حالاً بعد حال يثبت به فؤاده ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية، فإنه يعين على البلاغة، وكذلك صفة مصدر محذوف والإِشارة إلى إنزاله مفرقاً فإنه مدلول عليه بقوله {لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جُمْلَةً وٰحِدَةً } ويحتمل أن يكون من تمام كلام الكفرة ولذلك وقف عليه فيكون حالاً والإِشارة إلى الكتب السابقة، واللام على الوجهين متعلق بمحذوف. {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} وقرأناه عليك شيئاً بعد شيء على تؤدة وتمهل في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفليجها. {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ } سؤال عجيب كأنه مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك. {إِلاَّ جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ} الدامغ له في جوابه. {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} وبما هو أحسن بياناً أو معنى من سؤالهم، أو {لا يَأْتُونَكَ } بحال عجيبة يقولون هلا كانت هذه حاله إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا وما هو أحسن كشفاً لما بعثت له. {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ} أي مقلوبين أو مسحوبين عليها، أو متعلقة قلوبهم بالسفليات متوجهة وجوههم إليها. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف، صنف على الدواب وصنف على الأقدام وصنف على الوجوه» تفسير : وهو ذم منصوب أو مرفوع أو مبتدأ خبره. {أُوْلَٰـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً} والمفضل عليه هو الرسول صلى الله عليه وسلم على طريقة قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ }تفسير : [المائدة: 60] كأنه قيل إن حاملهم على هذه الأسئلة تحقير مكانه وتضليل سبيله ولا يعلمون حالهم ليعلموا أنهم شر مكانًا وأضل سبيلاً، وقيل إنه متصل بقوله {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي للمبالغة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن تعنت الكفار في كفرهم، وعنادهم في قولهم: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} أي: بالرسالة؛ كما تنزل على الأنبياء، كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى: {أية : قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 124] ويحتمل أن يكون مرادهم ههنا: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةُ}، فنراهم عياناً، فيخبرونا أن محمداً رسول الله، كقولهم: {أية : أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةِ قَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 92] وقد تقدم تفسيرها في سورة سبحان، ولهذا قالوا: {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا}، ولهذا قال الله تعالى: {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} وقد قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [الأنعام: 111] الآية. وقوله تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} أي: هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرونهم لا بشرى يومئذ لهم، وذلك يصدق على وقت الاحتضار، حين تبشرهم الملائكة بالنار، والغضب من الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سموم وحميم، وظل من يحموم، فتأبى الخروج، وتتفرق في البدن، فيضربونه؛ كما قال الله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 50] الآية، وقال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الأنعام: 93] أي: بالضرب {أية : أَخْرِجُوۤاْ أَنفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [الأنعام: 93] ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} وهذا بخلاف حال المؤمنين حال احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } تفسير : [فصلت: 30 ــــ 32]. وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب إن كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان. وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم عند قوله تعالى: {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [إبراهيم: 27]. وقال آخرون: بل المراد بقوله: {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ} يعني: يوم القيامة، قاله مجاهد والضحاك وغيرهما، ولا منافاة بين هذا وما تقدم، فإن الملائكة في هذين اليومين: يوم الممات ويوم المعاد، تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى يومئذ للمجرمين، {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} أي: وتقول الملائكة للكافرين: حرام محرم عليكم الفلاح اليوم. وأصل الحجر: المنع، ومنه يقال: حجر القاضي على فلان، إذا منعه التصرف، إما لفلس أو سفه أو صغر، أو نحو ذلك، ومنه سمي الحجر عند البيت الحرام، لأنه يمنع الطواف أن يطوفوا فيه، وإنما يطاف من ورائه، ومنه يقال للعقل: حجر؛ لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق، والغرض أن الضمير في قوله: {وَيَقُولُونَ} عائد على الملائكة، هذا قول مجاهد وعكرمة والحسن والضحاك وقتادة وعطية العوفي وعطاء الخراساني وخصيف، وغير واحد، واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا موسى، يعني: ابن قيس، عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري في الآية: {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} قال: حراماً محرماً أن يبشر بما يبشر به المتقون. وقد حكى ابن جرير عن ابن جريج: أنه قال: ذلك من كلام المشركين {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} أي: يتعوذون من الملائكة، وذلك أن العرب كانوا إذا نزل بأحدهم نازلة أو شدة، يقول: {حِجْراً مَّحْجُوراً} وهذا القول، وإن كان له مأخذ ووجه، ولكنه بالنسبة إلى السياق بعيد، لا سيما وقد نص الجمهور على خلافه، ولكن قد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال في قوله: {حِجْراً مَّحْجُوراً} أي: عوذاً معاذاً، فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جريج، ولكن في رواية ابن أبي حاتم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: {حِجْراً مَّحْجُوراً} عوذاً معاذاً، الملائكة تقول ذلك، فالله أعلم. وقوله تعالى: {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} الآية، هذا يوم القيامة حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من الخير والشر، فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم شيء، وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصاً، وعلى الشريعة المرضية، فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معاً، فتكون أبعد من القبول حينئذ، ولهذا قال تعالى: {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} قال مجاهد والثوري: {وَقَدِمْنَآ} أي: عمدنا، وكذا قال السدي، وبعضهم يقول: أتينا عليه. وقوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} قال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه في قوله: {هَبَآءً مَّنثُوراً} قال: شعاع الشمس إذا دخل الكوة، وكذا روي من غير هذا الوجه عن علي، وروي مثله عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي والضحاك وغيرهم، وكذا قال الحسن البصري: هو الشعاع في كوة أحدهم، ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {هَبَآءً مَّنثُوراً} قال: هو الماء المهراق. وقال أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: {هَبَآءً مَّنثُوراً} قال: الهباء رهج الدواب، وروي مثله عن ابن عباس أيضاً والضحاك، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال قتادة في قوله: {هَبَآءً مَّنثُوراً} قال: أما رأيت يبيس الشجر إذا ذرته الريح؟ فهو ذلك الورق. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عاصم بن حكيم عن أبي سريع الطائي عن يعلى بن عبيد قال: وإن الهباء: الرماد إذا ذرته الريح، وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالاً اعتقدوا أنها على شيء، فلما عرضت على الملك الحكيم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحداً، إذا إنها لا شيء بالكلية، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية؛ كما قال تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ} تفسير : [إبراهيم: 18] الآية. وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ}تفسير : [البقرة: 264] وقال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} تفسير : [النور: 39] وتقدم الكلام على تفسير ذلك، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} أي: يوم القيامة {أية : لاَ يَسْتَوِىۤ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} تفسير : [الحشر: 20] وذلك أن أهل الجنة يصيرون إلى الدرجات العاليات، والغرفات الآمنات، فهم في مقام أمين حسن المنظر طيب المقام {أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 76] وأهل النار يصيرون إلى الدركات السافلات، والحسرات المتتابعات، وأنواع العذاب والعقوبات {أية : إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 66] أي: بئس المنزل منظراً، وبئس المقيل مقاماً، ولهذا قال تعالى: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} أي: بما عملوه من الأعمال المتقبلة نالوا ما نالوا، وصاروا إلى ما صاروا إليه، بخلاف أهل النار، فإنهم ليس لهم عمل واحد يقتضي دخول الجنة لهم والنجاة من النار، فنبه تعالى بحال السعداء على حال الأشقياء، وأنه لا خير عندهم بالكلية، فقال تعالى: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} قال الضحاك عن ابن عباس: إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين. وقال سعيد بن جبير: يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قال الله تعالى: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً}. وقال عكرمة: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وهي الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر، إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل الجنة، فينطلق بهم إلى الجنة، فكانت قيلولتهم في الجنة، وأطعموا كبد حوت فأشبعهم كلهم، وذلك قوله: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} وقال سفيان عن ميسرة عن المنهال عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: لا ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} وقرأ: {أية : ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [الصافات: 68]. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} قال: قالوا في الغرف من الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، وهو مثل قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً }تفسير : [الانشقاق: 7 ــــ 9]. وقال قتادة: {خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} أي: مأوى ومنزلاً. وقال قتادة: وحدث صفوان بن محرز أنه قال: يجاء برجلين يوم القيامة، أحدهما كان ملكاً في الدنيا إلى الحمرة والبياض، فيحاسب، فإذا عبد لم يعمل خيراً قط، فيؤمر به إلى النار، والآخر كان صاحب كساء في الدنيا، فيحاسب، فيقول: يا رب ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به، فيقول الله: صدق عبدي، فأرسلوه، فيؤمر به إلى الجنة، ثم يتركان ما شاء الله، ثم يدعى صاحب النار، فإذا هو مثل الحممة السوداء، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: شر مقيل، فيقال له: عد، ثم يدعى بصاحب الجنة، فإذا هو مثل القمر ليلة البدر، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: رب خير مقيل، فيقال له: عد. رواها ابن أبي حاتم كلها. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث: أن سعيداً الصواف حدثه: أنه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس، وذلك قوله تعالى: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا } لا يخافون البعث {لَوْلاَ } هلا {أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَٰئِكَةُ } فكانوا رسلاً إلينا {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } فنخبر بأن محمداً رسوله. قال تعالى: {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ } تكبّروا {فِى } شأن {أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا } طغوا {عُتُوّاً كَبِيراً } بطلبهم رؤية الله تعالى في الدنيا. و(عتواً): بالواو على أصله، بخلاف عتيّاً بالإِبدال في مريم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءِنَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يخافون ولا يخشون، قاله السدي، ومنه قول الشاعر: شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل تفسير : أي لم يخش. الثاني: لا يبالون، قاله ابن عمير، وأنشد لخبيب. شعر : لعمرك ما أرجوا إذا كنت مسلماً على أي حال كان في الله مصرعي تفسير : أي ما أبالي. الثالث: لا يأملون، حكاه ابن شجرة وأنشد قول الشاعر: شعر : أترجو أمة قتلت حسينا شفاعة جَدِّه يوم الحسابِ تفسير : {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ} فيه قولان: أحدهما: ليخبرونا أن محمداً نبي قاله يحيى بن سلام. الثاني: ليكونوا رسلاً إلينا من ربهم بدلاً من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. {أَوْ نَرَى رَبَّنَا} فيأمرنا باتباع محمد وتصديقه. {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِم} فيه وجهان: أحدهما: تكبرواْ في أنفسهم لما قل في أعينهم من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم نبياً إليهم. الثاني: استكبروا في أنفسهم بما اقترحوه من رؤية الله ونزول الملائكة عليهم. {وَعَتَوْ عُنُوّاً كَبِيراً} فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه التجبر، قاله عكرمة. الثاني: العصيان، قاله يحيى بن سلام. الثالث: أنه السرف في الظلم، حكاه ابن عيسى. الرابع: أنه الغلو في القول، حكاه النقاش. الخامس: أنه شدة الكفر، قاله ابن عباس. قيل إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ومكرز بن حفص بن الأخنف في جماعة من قريش قالوا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا. فنزل فيهم قوله تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ} فيه قولان: أحدهما: عند الموت، قاله يحيى بن سلام. الثاني: يوم القيامة، قاله مجاهد. {لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمينَ} يعني بالجنة، قاله عطية العوفي: إذا كان يوم القيامة يلقى المؤمن بالبشرى فإذا رأى الكافر ذلك تمناه فلم يره من الملائكة. {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} فيه ثلاث أوجه: أحدها: معناه معاذ الله أن تكون لكم البشرى يومئذ، قاله مجاهد. الثاني: معناه: منعنا أن نصل إلى شيء من الخير، قاله عكرمة. الثالث: حراماً محرماً أن تكون لكم البشرى يومئذ، قاله أبو سعيد الخدري، والضحاك، وقتادة ومنه قول الملتمس: شعر : حَنّتْ إلى النخلة القصوى فقلت لها حجْرٌ حرام إلا تلك الدهاريس. تفسير : وفي القائلين حجراً محجوراً قولان: أحدهما: أنهم الملائكة قالوه للكفار، قاله الضحاك. الثاني: أنهم الكفار قالوه لأنفسهم، قاله قتادة. قوله تعالى {وَقَدِمْنـآ} أي عمدنا، قاله مجاهد، قال الراجز: شعر : وقدم الخوارج الضلال إلى عباد ربهم فقالوا إن دماءَكم لنا حلال تفسير : {إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} فيه قولان: أحدهما: من عمل خيراً لا يتقبل منهم لإِحباطه بالكفر، قاله مجاهد. الثاني: من عمل صالحاً لا يراد به وجه الله، قاله ابن المبارك. {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه رهج الدواب، قاله علي بن أبي طالب. الثاني: أنه كالغبار يكون في شعاع الشمس إذا طلعت في كوة، قاله الحسن، وعكرمة. الثالث: أنه ما ذرته الرياح من يابس أوراق الشجر، قاله قتادة. الرابع: أنها الماء المراق، قاله ابن عباس. الخامس: أنه الرماد، قاله عبيد بن يعلى. قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَراً} يعني منزلاً في الجنة من مستقر الكفار في النار. {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه المستقر في الجنة والمقيل دونها، قاله أبو سنان. الثاني: أنه عنى موضع القائلة للدعة وإن لم يقيلواْ، ذكره ابن عيسى. الثالث: أنه يقيل أولياء الله بعد الحساب على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين المقرنين، قاله ابن عباس. الرابع: لأنه يفرغ من حسابهم وقت القائلة وهو نصف النهار، فذلك أحسن مقيلاً، من مقيل الكفار، قاله الفراء.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا يَرْجُونَ} لا يخافون، أو لا يأملون، أو لا يبالون {الْمَلائِكَةُ} ليخبرونا بنبوة محمد، أو رسلاً بدلاً من رسالته {اسْتَكْبَرُواْ} باقتراحهم رؤية ربهم ونزول الملائكة، أو بإنكارهم إرسالَ محمد صلى الله عليه وسلم إليهم {عُتُوّاً} تجبراً، أو عصياناً، أو سرفاً في الظلم، أو غلواً في القول، أو شدة الكفر "ع"، نزلت في عبد الله بن أبي أمية ومكرز بن حفص في جماعة من قريش قالوا: لولا أنزل علينا الملائكة، أو نرى ربنا.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {تشقق} بتخفيف الشين على حذف تاء التفعل وكذلك في سورة "ق": عاصم وحمزة وعلي وخلف وأبو عمرو. والآخرون بالتشديد للإدغام. {وننزل} من الإنزال {الملائكة} بالنصب: ابن كثير. الباقون {وينزل} ماضياً مجهولاً من التنزيل {الملائكة} بالرفع. {يا ليتني اتخذت} بفتح ياء المتكلم: ابو عمرو {قومي اتخذوا} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. {وثمود} بغير تنوين في الحالين: حمزة وسهل ويعقوب وحفص. الآخرون بالتنوين للمشاكلة، أو بتأويل الحي لا القبيلة، أو لأنه اسم الأب الأكبر. {الريح} على التوحيد: ابن كثير {بشراً} مذكور في "الأعراف". {ميتاً} بالتشديد: يزيد {ونسقيه} بفتح النون: المفضل والبرجمي الباقون بضمها. الوقوف: {ربنا} ط {كبيراً} ه ط {محجوراً} ه {منثوراً} ه {مقيلاً} ه {تنزيلاً} ه {للرحمن} ط {عسيراً} ه {سبيلاً} ه {خليلاً} ه {إذ جاءني} ط لأن ما بعده من أخبار الله تعالى ظاهراً، ويحتمل أن يكون من تتمة حكاية كلام الظالم. {خذولاً} ه {مهجوراً} ه {المجرمين} ه ط {ونصيراً} ه {واحدة} ج على تقدير فرقنا إنزاله كذلك أي كما ترى لنثبت وإن وصلت وقفت على {كذلك} والتقدير جملة واحدة كذلك الكتاب المنزل وهو التوراة، ثم اضمرت فعلاً أي فرقناه لنثبت. {ترتيلاً} ه {تفسيراً} ه ط لأن ما بعده مبتدأ {جهنم} لا لأن ما بعده خبر {سبيلاً} ه {وزيراً} ه ج للآية ولفاء العطف {بآياتنا} ط للفاء الفصيحة أي فذهبا وبلغا فعصوهما {فدمرناهم تدميراً} 5ط لأن {قوم نوح} منصوب بمحذوف أي وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم {آية} ط لأن ما بعده مستأنف {أليما} ج للآية ولاحتمال عطف {عاداً} على الضمير في {جعلناهم} واحتمال انتصابه بمحذوف أي وأهلكنا عاداً {كثيراً} ه {الأمثال} ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع عطف الجملتين المتفقتين {تتبيراً} ه {السوء} {يرونها} لا للعطف مع الإضراب. {نشوراً} ه {هزواً} ط لحق المحذوف أي يقولون أهذا الذي {رسولاً} ه {عليها} ط لانتهاء مقولهم {سبيلاً} ه {هواه} ط {وكيلاً} ه لا للعطف {يعقلون} ه ج لابتداء النفي {سبيلاً} ه {الظل} ج لانتهاء الاستفهام إلىالشرط مع اتحاد المقصود {ساكناً} ج للعدول مع العطف {دليلاً} ه {يسيراً} ه {نشوراً} ه {رحمته} ج للعدول {طهوراً} ه ج لتعلق اللام {كثيراً} ه {ليذكروا} ز والوصل أولى للفاء {كفوراً} ه. التفسير: هذه شبهة رابعة لمنكري النبوة وإنهم في قول الكلبي أبو جهل والوليد وأضرابهما، وتقريرها أن الحكيم لا بد أن يختار في مقصده طريقاً يكون أسهل إفضاء إليه، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا على صدق محمد أعون على المطلوب، فلو كان محمد صادقاً لكان مؤيداً بإنزال الملائكة الشاهدين بصدقه. قال الفراء: معنى {لا يرجون} لا يخافون، والرجاء في لغة تهامة الخوف، وقال غيره: الرجاء على أصله وهو الأمل إلا أن الخوف يلزمه في هذه الصورة فإن من لا يرجو الجزاء والمعاد لا يخاف العقاب أيضاً. واللقاء الوصول لا بمعنى المكان والجهة فإنه تعالى منزه عن ذلك بل بمعنى الرؤية عند الأشاعرة، أو على إرادة الجزاء والسحاب عند المعتزلة، وقد مر في أوائل البقرة في قوله {أية : الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون}تفسير : [البقرة: 46] ولعل تفسيره بلقاء الجزاء أنسب في هذا المقام لئلا يناقض قوله: {أو نرى ربنا} أي جهرة وعياناً فيأمرنا بتصديقه واتباعه اللهم إلا أن يراد: إن الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة اقترحوا رؤيتنا في الدنيا. قال جار الله: لا يخلو إما أن يكونوا عالمين بأن الله عز وجل لا يرسل الملائكة إلى غير الأنبياء وإنه تعالى لا يصح أن يرى وإنما علقوا إيمانهم بما لا يكون، وإما أن يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم كما فعل قوم موسى حين قالوا {أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} تفسير : [البقرة: 55]. ثم إنه سبحانه أجاب عن شبهتهم بقوله: {لقد استكبروا في أنفسهم} أي أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه. ثم نسبهم إلى الإفراط في الظلم بقوله {وعتواً} ثم وصف العتوّ بالكبر. قال جار الله: اللام جواب قسم محذوف وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية وفيها معنى التعجب كأنه قال: ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوّهم! وقال في التفسير الكبير: تحرير هذا الجواب من وجوه أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد تمت دلالة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم فبعد ذلك لا يكون اقتراح أمثال هذه الآيات إلا محض الاستكبار والاستنكار. وثانيها أن نزول الملائكة لو حصل لكان ايضاً من جملة المعجزات، ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك وردّ الآخر ترجيحاً لأحد المثلين من غير مرجح. وثالثها أنهم بتقدير رؤية الرب وتصديقه لرسوله لا يستفيدون علماً أزيد من تصديق المعجزات، لا فرق بين أن يقول النبي اللهم إن كنت صادقاً فأحي هذا الميت فيحييه، وبين أن يقول إن كنت صادقاً فصدّقني فتعيين أحد الطرفين محض العناد. ورابعها أن العبد ليس له أن يعترض على فعل مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو بحكم المصلحة عند المعتزلي. وخامسها أن السائل الملح المعاند الذي لا يرضى بما ينعم عليه مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد إحداها واقتراح الأخرى ليس من الأدب في شيء. وسادسها لعل المراد أني لو علمت بأنهم ليسوا مستكبرين عاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت إنهم إنما سألوا لأجل المكابرة والعناد فلا جرم لا أعطيهم. وسابعا لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون ساخرون. واستدلت الأشاعرة بقوله: {لا يرجون لقاءنا} على أن رؤية الله مرجوّة. واستدلت المعتزلة بقوله {لقد استكبروا} {وعتواً} أن اقتراح الرؤية مستنكر ولا يخفى ضعف الاستدلالين: وانتصب {يوم يرون} بإضمار "اذكر" فيكون {لا بشرى} مستأنفاً أو بما دل عليه {لا بشرى} أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى بالجنة وبرؤية الحق. {يومئذ} للتكرير وقوله {للمجرمين} ظاهر في موضع الضمير أو عام فيتناول هؤلاء لعمومه، ولأجل هذا العموم استدلت المعتزلة به على القطع بوعيد كل مجرم وإن كان من أهل القبلة، وحمل الأشاعرة الجرم على الكفر. أما قوله: {حجراً محجوراً} فإنها كلمة يتلفظ بها عند لقاء عدوّ أو هجوم نازلة، يضعونها موضع الاستعاذة يقول الرجل للرجل: تفعل كذا؟ فيقول: حجراً. وقد ذكره سيبويه في باب المصادر التي ترك إظهار فعلها نحو "معاذ الله وعمرك الله ومعناه منعاً" اي اسال الله أن يمنع ذلك منعاً كما أن المستعيذ طالب من الله عز وجل أن يمنع المكروه. ووصفه بالمحجور للتأكيد كما يقال "شعر شاعر وجد جده". والأكثرون على أن القائلين هم الكفار إذا رأوا الملائكة عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون فيقولون ما كانوا يقولونه عند نزول كل شدّة. وقيل: هم الملائكة ومعناه حراماً محرّماً أي جعل الله الجنة والغفران أو البشرى حراماً عليكم. يروى أن الكفار إذا خرجوا من قبورهم قالت الحفظة لهم: حجراً محجوراً. وقال الكلبي: الملائكة على أبواب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين: حجراً محجوراً. وقال عطية: إذا كان يوم القيامة تأتي الملائكة المؤمنين بالبشرى فإذا رأى الكفار ذلك قالوا لهم: بشرونا فيقولون: حجراً محجوراً. ثم أخبر عن وعيد آخر لهم وذلك أنهم كانوا يعملون أعمالاً لها صورة الخير من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف وأمثالها مع عدم ابتنائها على أساس الإيمان، فمثلت حالهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم إلى اشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فافسدها بحيث لم يترك منها أثراً وإلا فلا قدوم ولا ما يشبه القدوم، ولتنزهه سبحانه عن الجسمية وصفاتها. قال أهل المعاني: القادم إلى لاشيء قاصد له فالقصد هو المؤثر في القدوم فأطلق اسم المسبب على السبب مجازاً. وقيل: أراد قدوم الملائكة بأمره إلا موضع الحساب في الآخرة. والهباء ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه بالغبار. وقال مقاتل: إنه الغبار الذي يسطع من حوافر الدواب وفي أمثالهم أقل من الهباء شبه عملهم بالهباء في قلته وحقارته. وأكد المعنى بوصف الهباء بالتناثر لأنك تراه منتظماً مع الضوء حتى إذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب. والمراد: جعلناه جامعاً لحقارة الهباء والتناثر ولام الهباء واو بدليل الهبوة بمعناه. ثم ميز حال الأبرار عن حال الفجار بقوله: {أصحاب الجنة يومئذ خير} ووجه صحة التفضيل ما بين في قوله: {قل أذلك خير أم جنة الخلد} أو التفاوت بين المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع والموضع من حيث إنه موضع لا شر فيه، أو هو على سبيل الفرض اي لو كان لهم مستقر كان مستقر أهل الجنة خيراً منه. والسمتقر مكان الاستقرار والمقيل المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والاستمتاع بمغالتهنّ وملامستهنّ كحال المترفين في الدنيا، ولا نوم في الجنة وإنما سمى مكان دعتهم واسترواحهم إلى الحور مقيلاً على طريق التشبيه، وفي اختيار لفظ الأحسن دون أن يقول "خير مقيلاً" رمزاً إلى التحسنات الحاصلة في مقيلهم من حسن الوجوه وملاحة الصور وغير ذلك. قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. وعن سعيد بن جبير: إن الله تعالى إذا أخذ في فصل القضاء قضى بينهم كقدر ما بين صلاة الغداة إلى نصف النهار فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. وقال مقاتل: يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون بمقدار نصف يوم من ايام الدنيا ثم يقولون من يومهم ذلك في الجنة. وحاصل الاية أن أصحاب الجنة من المكان في أطيب مكان ومن الزمان في أحسن زمان. ثم أراد أن يصف أهوال يوم القيامة فقال {ويوم تشقق} أي واذكر يوم تتفتح السماء بسبب غمام يخرج منها وفي الغمام الملائكة فينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد: قال الفراء: الباء بمعنى "عن" لأن السماء لا تتشقق بالغمام بل عن الغمام كما يقال: انشقت الأرض عن النبات أي ارتفع التراب عنه عند طلوعه، وقال القاضي: لا يمتنع أن يجعل الله تعالى الغمام بحيث يشقق السماء باعتماده عليها. عن مقاتل: تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وكذلك تتشقق سماء سماء، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، ثم ينزل الرب تعالى. قال العلماء: هذا نزول الحكم والقضاء لا نزول الذات. وأما نزول الملائكة مع كثرتهم وصغر حجم الأرض بالقياس إلى السماء فقالوا: لا يبعد أن يوسع الله الأرض عرضاً وطولاً بحيث تسع كل هؤلاء. ومن المفسرين من قال: الملائكة يكونون في الغمام وهو سترة بين السماء والأرض، والله تعالى فوق أهل القيامة. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون بالعالم ويصبرون سبع صفوف حول العالم. والظاهر أن اللام في الغمام لجنس. ومنهم من قال: هي للعهد والمعهود قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} وقيل: هو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة كما كان لبني إسرائيل في التيه. ومعنى {تنزيلاً} توكيد للنزول ودلالة على إسراعهم فيه. قال الزجاج {الحق} صفة الملك اي الملك الثابت الذي لا يزول {للرحمن} يومئذ ونظيره {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] ويجوز أن يكون يومئذ تكريراً لقوله {ويوم تشقق} وإعرابهما واحد. والفائدة في تخصيص ذلك اليوم أن يعلم أنه لا مالك فيه سواه لا بالصورة ولا في الحقيقة فيخضع له الملوك وتعنو له الوجوه وتذل رقاب الجبابرة. قالت الأشاعرة: ههنا لو وجب على الله يومئذ الثواب لاستحق الذم بتركه وكان خائفاً أن لا يفعل فلم يكن له الملك على الإطلاق. وأيضاً لو كان العبد مالكاً للثواب لم يكن الله تعالى مالكاً مطلقاً بل يكون عبداً ضعيفاً لا يقدر على أن لا يؤدي ما عليه من العوض، أو فقيراً محتاجاً إلى أن يدفع الذم عن نفسه بأداء ما عليه؟ وكان ذلك اليوم يوماً عسيراً على الكافرين لا على المؤمنين. واللام في {الظالم} ظاهر الاستغراق والشمول أو للجنس. وعن ابن عباس أنه للعهد وذلك أن الآية نزلت في عقبة بن أبي معيط وكان يكثر مجالسة الرسول صلى الله عليه وسلم فاتخذ ضيافة ودعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكل من طعامه حتى يأتي بالشهادتين ففعل، وكان أُبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال: صبأت يا عقبة؟ قال: لا ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له، والشهادة ليست في نفسي. فقال: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً فلم تطأ قفاه لو تبزق في وجهه. فوجده ساجداً في دار الندوة ففعل ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فقتل يوم بدر أمر علياً رضي الله عنه بقتله. وفي روايات الشيعة أن الظالم هو رجل بعينه وأن المسلمين غيروا اسمه وكتموه وجعلوا فلاناً بدلاً من اسمه وذكروا فاضلين من الصحابة وفيه بعد، لأن تغيير القرآن كفر. والعض على اليدين كناية عن الغيظ والحسرة لأنه من لوازم الغيظ والتحسر غالباً ونظيره "سقط في يده وأكل من بنانه" وأمثال ذلك. وقال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت. قال جار الله: تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقاً واحداً وهو طريق الحق ولم تتشعب به طرق الضلالة والهوى، أو اراد أني كنت ضالاً لم يكن لي سبيل قط فليتني حصلت لنفسي في صحبة الرسول سبيلاً. وفلان كناية عن الإعلام كما أن الهن كناية عن الأجناس، فإِن أريد بالظالم عقبة فالمعنى ليتني لم اتخذ أُبياً خليلاً فكنى عن اسمه، وإن أريد به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم فجعله كناية عن. قلت: زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا حكاية. لا يقال: جاءني فلان ولكن يقال: قال زيد جاءني فلان. لأنه اسم اللفظ الذي هو علم لا اسم مدلول العلم ولذلك جاء في كلام الله تعالى:{يقول يا ليتني} الخ. والذكر ذكر الله والقرآن أو موعظة الرسول أو نطقه بشهادة الحق وعزمه على الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله الذي أضله كما يضله الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة. أو إشارة إلى إبليس وأنه هو الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المضل وخالف الرسول صلى الله عليه وسلم ثم خذله، أو أراد الجنس فيدخل فيه كل من تشيطن من الجن والإنس. ثم إن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم وشكاهم إلى الله عز وجل وقال {يا رب إن قومي} يعني قريشاً {اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} أي تركوه وصدّوا عنه وعن الإيمان به. وعن ابي مسلم أن المراد: وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. روي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفاً لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه" تفسير : . وقيل: هو من هجر إذا هذى. والجار محذوف أي جعلوه مهجوراً فيه. وعلى هذا فله معنيان: أحدهما أنهم زعموا أنه كلام لا فائدة فيه. والثاني أنهم كانوا إذا سمعوه لغوا فيه. وجوز الكشاف أن يكون المهجور مصدراً بمعنى الهجر كالميسور والمجلود أي اتخذوه هجراً. سؤال: هذا النداء بمنزلة قول نوح {أية : رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً} تفسير : [نوح: 5] فكيف صارت شكاية نوح سبباً لحلول العذاب بأمته ولم تصر شكاية نبينا صلى الله عليه وسلم سبباً لذلك؟ الجواب أن الكلام بالتمام، وكان من تمام كلام نوح {أية : رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً}تفسير : [نوح: 26] ولم يكن كلام رسولنا إلا مجرد الشكاية ولم يقتض الدعاء عليهم وذلك من غاية شفقته على الأمة وإن بلغ إيذاؤهم إياه الغاية "حديث : ما أوذي نبي مثل ما أوذيت"تفسير : هذا مع أنه سبحانه سلاه وعزاه وأمره بالصبر على أذاهم حين قال {وكذلك جعلنا} بين ذلك أن له أسوة بسائر الأنبياء فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا، وتمام البحث فيه قد سلف في الأنعام في قوله {أية : وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدواً شياطين الإنس والجن}تفسير : [الأنعام: 112] {وكفى بربك هادياً ونصيراً} إلى مصالح الدين والدنيا أو إلى طريق قهرهم والانتصار منهم ونصيراً لك على أعدائك. ثم حكى عنهم شبهة خامسة وهي قولهم: هلا نزل عليه القرآن حال كونه جملة واحدة أي مجتمعاً. ومعنى التنزيل ههنا التعدية فقط لقريتة قوله {جملة} خلاف ما تقرر في أكثر المواضع من إرادة التكثير المفيد للتدريج كما مر في قوله {أية : نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل}تفسير : [آل عمران: 3] والقائلون قريش أو اليهود فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله {لنثبت} الخ. وتقريره من وجوه أحدها: أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن قارئاً كاتباً بخلاف موسى وداود وعيسى فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ فأنزله الله عليه منجماً في عشرين سنة. وعن ابن جريج: في ثلاث وعشرين ليكون أقرب إلى الضبط وأبعد عن النسيان والسهو. وثانيها أن الاعتماد على الحفظ أقرب إلى التحصيل من الاعتماد على الكتابة والحفظ لا بد فيه من التدرج. وثالثها إن نزول الشرائع متدرجة أسهل على المكلف منها دفعة. ورابعها أن نزول جبريل ساعة فساعة مما يقوي قلبه ويعينه على تحمل أعباء النبوّة والرسالة. وخامسها أن نزوله مفرّقاً يوجب وقوع التحدي على أبعاض القرآن وأجزائه ونزوله جملة يقتضي وقوع التحدي على مجموعة، ولا ريب في أن الأول أدخل في الإعجاز. وسادسها أن نزوله بحسب الوقائع والحوادث أوفق في باب التكاليف والاستبصار وأدل على الأخبار عن الحوادث في أوقاتها. وسابعها أن في تجديد منصب السفارة في كل حين مزيد شرف لجبريل. وللترتيل معانٍ منها: أنه قدره آية بعد آية ودفعة عقيب دفعة. ومنها التأني في القراءة ومعنى {ورتلناه} أمرنا بترتيل قراءته ومنه حديث عائشة في قراءته: لا يسرد كسردكم. هذا لو اراد السامع أن يعدّ حروفها لعدها وهو مأخوذ من ترتيل الأسنان أي تفليحها. يقال: ثغر مرتل ويشبه بنور الأقحوان في تفليجه. ومنها أنه نزله في مدد متباعدة الأطراف جملتها عشرون سنة ولم يفرقه في مدد متقاربة. ثم ذكر أنهم محجوبون في كل أوان بقوله: {ولا يأتونك بمثل} اي بسؤال عجيب من اسئلتهم الباطلة الذي كأنه مثل في البطلان إلا ونحن نأتي بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى ومؤدى من سؤالهم. قال جار الله: لما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه فقالوا: تفسير الكلام كيت وكيت كما قيل: معناه كذا وكذا. ووجه آخر وهو أن يراد {ولا يأتونك} بحال وصفة عجيبة يقولون هلا كانت صفته وحاله أن ينزل معه ملك أو يلقى إليه كنز أو ينزل عليه القرآن جملة إلا أعطيناك نحن ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا وما هو أحسن بياناً لما بعثت به، ومن جملة ذلك تنزيل القرآن مفرقاً منجماً فإن ذلك أدخل في الإعجاز كما مر، ثم أوعد هؤلاء الجهلة بأنهم شر مكاناً من أهل الجنة والبحث عنه نظير ما مر في صفة أهل الجنة خير مستقراً. قال جار الله: كأنه قيل لهم: إن الذي يحملكم على هذه الأسئلة هو أنكم تضللون سبيله صلى الله عليه وسلم وتحتقرون مكانه ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوهكم إلى جهنم لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث: ثلث على الدواب وثلث على وجوههم وثلث على أقدامهم ينسلون نسلاً" تفسير : . ثم ذكر طرفاً من قصص الأولين على عادة افتنانه في الكلام تنشيطاً للأذهان وتسلية لنبيه كأنه قال: لست يا محمد بأول من ارسلناه فكذب وآتيناه الآيات فردّ بل آتينا موسى التوراة وقويناه بأخيه ومع ذلك كذب ورد. ومعنى الوزير تقدم في "طه". والوزارة لا تنافي النبوة فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضاً. ولاشتراكهما في النبوة قيل لهما {اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا} إن حملناه على تكذيب آيات الإلهية فظاهر، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ ماضٍ والمعنى على الاستقبال على عادة إخبار الله تعالى. ويجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا فدمرناهم، وعلى هذا فلا حذف. والتدمير الإهلاك {وقوم نوح لما كذبوا الرسل} بأن كذبوه وكذبوا من قبله من الرسل صريحاً كأنهم لم يروا بعثة الرسل اصلاً كالبراهمة، أو لأن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب كلهم {أغرقناهم وجعلناهم} أي إغراقهم وقصتهم {للناس آية} محل اعتبار {وأعتدنا للظالمين} وهم قوم نوح أو لكل من سلك سبيلهم في التكذيب. وقصة عاد وثمود مذكورة مراراً، وأما الرس فعن أبي عبيدة أنه البئر غير المطوية، والقوم كانوا من عبدة الأصنام اصحاب آبار ومواش، بعث الله عز وجل إليهم شعيباً فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فبيناهم حول الرس انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم. وقيل: الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود. وقيل: هم اصحاب النبي حنظلة بن صفوان ابتلاهم الله بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطيرسميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة. ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا. وقيل: هم اصحاب الأخدود والرس عند العرب الدفن يقال: رس الميت: إذا دفن وغيب في الحفيرة. وقيل: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار وستجيء القصة في سورة يس. وعن علي رضي الله عنه أنهم قوم يعبدون شجرة الصنوبر رسوا نبيهم في الأرض. وقيل: هم قوم كانت لهم قرى على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، فبعث الله تعالى إليهم نبياً من ولد يهوذا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زماناً ثم حفروا بئراً فرسوه فيها قوالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكان عامة قومهم يسمعون أنين نبيهم يقول: إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي فعجل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله تعالى ريحاً عاصفة شديدة الحمرة وصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقداً وأظلتهم سحابة سوداء فذابت ابدانهم كما يذوب الرصاص.وروى ابن جرير بإسناده إلىالنبي صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الله بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا عبد أسود، ثم عدوا على الرسول فحفروا له بئراً فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه حجراً ضخماً، فكان ذلك العبد يحتطب فيشتري له طعاماً وشرابا ويرفع الصخرة ويدليه إليه وكان كذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً فلما اراد أن يحملها وجد نوماً فاضطجع فضرب الله على آذانه سبع سنين. ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين، ثم هب فاحتمل حزمته وظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته فاشترى طعاماً وشراباً وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه استخرجوه فآمنوا به وصدقوه وذلك النبي يسألهم عن الأسود فيقولون: لا ندري حاله حتى قبض الله تعالى النبي وقبض ذلك الأسود فقال صلى الله عليه وسلم: إن ذلك الأسود أول من يدخل الجنةتفسير : . قلت هذه الرواية إن صحت فلا مدخل لها في المقصود فإِن المقام يقتضي أن يكون قوماً كذبوا نبيهم فأهلكوا لأجل ذلك. أما قوله {وقروناً بين ذلك} فالمشار إليه ما ذكر من الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ومثله قوله الحاسب "فذلك كذا" أي فما ذكر من الأعداد مجموعها كذا {وكلاً}من الأمم والقرون {ضربنا له الأمثال} بينا له القصص العجيبة ليعتبروا ويتعظوا {وكلاً تبرنا} أهلكنا أشنع الإهلاك حين لم ينجع فيهم ضرب المثل. والتتبير التفتيت والتكسير. و{كلاً} الأول منصوب بما دل عليه ضربنا له الأمثال وهو انذرنا أو حذرنا {كلاً} الثاني منصوب {بتبرنا} لأنه ليس بمشتغل عنه بضميره. والضمير في {ولقد أتوا} لقريش، والقرية سدوم من قرى قوم لوط وكانت خمساً، ومطر السوء الحجارة. {افلم يكونوا} في مرات مرورهم على تلك القرية في متاجرهم إلى الشام {يرونها بل كانوا} قوماً كفروا بالبعث لا يتوقعون نشوراً وعاقبة فمن ثم لم ينظروا إلى آثار عذاب الله نظر عبرة وادكار. {و} من جملة كفرهم وعنادهم أنهم {إذا رأوك يتخذونك إلا} محل هزؤ. ثم فسر ذلك الاستهزاء بأنهم يقولون مشيرين إليه على سبيل الاستحقار. هذا الذي بعثه الله حال كونه رسولاً بزعمه. ويجوز أن يكون تسميته رسولاً استهزاء آخر من حيث إنه تسليم وإقرار في معرض الجحود والإنكار. وفي هذا جهل عظيم لأنهم إن استحقروا صورته فإنه أحسنهم خلقاً وأعدلهم مزاجاً مع أنه لم يكن يدعي التميز بالصورة، وإن استهزؤا بالمعنى فبه قد وقع التحدي بظهور المعجز عليه وقامت الحجة عليهم فهم أحق بالاستهزاء منه حين اصروا على الباطل بعد وضوح البرهان على الحق، ولقد شهد عليهم بمضمون هذا التقرير ابن أخت خالتهم إذ قالوا {إن كاد} هي مخففة من الثقيلة واللام في {ليضلنا} هي الفارقة كأنهم سلموا أنه لقوة العقل وسطوع الحجة شارف أن يغلبهم على دينهم ويقلبهم عن طريقتهم لولا فرط لجاجهم وصبرهم على عبادة آلهتهم. أطلقوا المقاربة أوّلاً ثم قيدوها بلولا الامتناعية ثانياً، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم بذل قصارى مجهوده في دعوتهم حتى شارفوا على الإيمان بزعمهم. وحين وصفوه بالإضلال والمضل لا بد ان يكون ضالاً في نفسه فكأنهم وصفوه بالضلال فلا جرم أوعدهم الله على ذلك بقوله {وسوف يعلمون} إلى آخر الآية. وإنما يرون العذاب عند كشف الغطاء عن بصر البصيرة. ثم بين إنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع هوى النفس فقال معجباً لرسوله: {أرأيت من اتخذ إِلَـٰهَهُ هواه} قدم المفعول الثاني للعناية كما تقول: علمت منطلقاً زيداً. ثم نفى أن يكون هو حافظاً عليهم كقوله: {أية : وما أنت عليهم بوكيل} تفسير : [الأنعام: 107] {أية : لست عليهم بمصيطر} تفسير : [الغاشية: 22] قال الكلبي: نسختها آية القتال. عن سعيد بن جبير: كان الرجل يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ آخر. ثم أضرب عن ذمهم باتخاذ الهوى إلهاً إلى نوع آخر أشنع في الظاهر قائلاً: {أم يحسب} وهي منقطعة ومعناه "بل" أيحسب وخص أكثرهم بالذكر إما لصون الكلام عن المنع على عادة الفصحاء العقلاء، وإما لأن منهم من كان يعرف الحق إلا أن حب الرياسة يحمله على الخلاف. وإنما نفى عنهم السماع والعقل لانتفاء فائدتهما وأثرهما. وباقي الآية تفسيرها مذكور في آخر الأعراف في قوله {أية : أولئك كالأنعام بل هم أضل}تفسير : [الأعراف: 179] قال جار الله: جعلوا أضل من الأنعام لأنها تنقاد لأربابها التي تعلفها وتعرف المحسن من المسيء وتجذب المنافع وتجتنب المضارّ وتهتدي للمراعي والمشارب، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون أعظم المنافع وهو الثواب، ولا يتقون أشد المضارّ وهو العقاب، ولا يهتدون للحق الذي هو المرتع الهنيّ والمشرب الرويّ، قلت: ويحسن أيضاً ان يذكر في وجه التفضيل أن جهل الأنعام بسيط غير مضر وجهل هؤلاء مركب مضر. ومنهم من قال: إن الأنعام تسبح لله تعالى بخلاف الكفار. ثم ذكر طرفا من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الأنعام فأولها الاستدلال من أحوال الظل والرؤية إما بمعنى البصر فالمراد: ألم تر إلى صنع ربك أو الم تر إلى الظل كيف مده ربك. وإما بمعنى العلم وهو ظاهر وذلك أن الظل متغير ولكل متغير موجد وصانع. والخطاب لكل من له أهلية النظر والاستدلال. وللكلام في تفسير الآية مجال إلا أن ملخص الأقوال فيه اثنان: الأول أن الظل أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة كالكيفيات الحاصلة داخل السقوف الكاملة وأفنية الجدران وهو أعدل الأحوال، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس والضوء الكامل لقوّته يبهر الحس البصري ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصف الجنة به في قوله: {أية : وظل ممدود} تفسير : [الواقعة: 30] ثم إن الناظر في الظل إلى الجسم الملون كأنه لا يشاهد شيئاً سوى الجسم واللون، فإذا طلعت الشمس ووقع ضوءها على الجسم زال ظلمه فيظهر للعقول أنه كيفية زائدة على ما شاهده أوّلاً. فمعنى الآية: ألم تر إلى عجيب صنع ربك {كيف مدّ الظل} أي جعله ممتداً منبسطاً على الأجسام. {ولو شاء لجعله ساكناً} لاصقاً بكل مظل. {ثم جعلنا الشمس} على وجوده {دليلاً} فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجوداً، لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها: {ثم قبضناه} اي أزلنا الظل لا دفعه بل يسيراً يسيراً فإنه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الإظلال في جانب المغرب شيئاً بعد شيء، وفي القبض على هذا الوجه منافع جمة. الثاني أنه سبحانه لما خلق السماء والأرض ألقت السماء ظلها على الأرض ممدوداً منبسطاً، ولو شاء لجعله ساكناً مستقراً على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها دليلاً على ذلك الظل، لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من حيث إنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص، ثم لقبض الظل معنيان: أحدهما: انتهاء الإظلال إلى غاية مّا من النقصان بالتدريج، وثانيهما قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام النيرة. وقوله {إلينا} يؤكد هذا المعنى الثاني فيكون قوله {يسيراً} كما قال {أية : ذلك حشر علينا يسير}تفسير : [ق: 44] الاستدلال الثاني من أحوال الليل والنهار شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر، والسبات الراحة قاله أبومسلم. وذلك أن النوم سبب الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه عند طائفة، وعلى هذا فالنشور بمعنى الانتشار والحركة. قال جار الله: السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة، وعلى هذا فالنشور بمعنى البعث وتكون الآية نظير قوله: {أية : وهو الذي يتوفاكم بالليل} تفسير : [الأنعام: 60] عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر. الاستدلال الثالث قوله {وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} أي قدم المطر وقد مر تفسيره في "الأعراف" وأنه لم قال ههنا {أرسل} بلفظ الماضي وهناك {يرسل} أما قوله {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} فهو علم بين الفقهاء في الاستدلال به على طهارة الماء في نفسه وعلى مطهريته لغيره حتى فسر الطهور بعضهم - ومنهم أحمد بن يحيى- بأنه الذي يكون طاهراً في نفسه مطهراً لغيره. واعتراض عليهم صاحب الكشاف بأن الذي قالوه إن كان شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً وإلا فليس "فعول" من "التفعيل" في شيء وأقول: إن الزمخشري سلم ان الطهور في العربية على وجهين: صفة كقولك "ماء طهور" اي طاهر، واسم غير صفة ومعناه ما يتطهر به كالوضوء والوقود بفتح الواو فيهما لما يتوضأ به وتوقد به النار، وعلى هذا فالنزاع مدفوع لأن الماء مما يتطهر به هو كونه مطهراً لغيره فكأنه سبحانه قال: وأنزلنا من السماء ماء هو آلة للطهارة ويلزمه أن يكون طاهراً في نفسه. ومما يؤكد هذا التفسير أنه تعالى ذكره في معرض الأنعام فوجب حمله على الوصف الأكمل، ولا يخفى أن المطهر أكمل من الطاهر نظيره {أية : وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}تفسير : [الأنفال: 11]. ولا ضير أن نذكر بعض أحكام المياه المستنبطة من الآية فنقول: ههنا نظران: الأول أن عين الماء هو طهور أم لا؟ مذهب الأصم والأوزاعي أنه يجوز الوضوء بجميع المائعات، وقال أبو حنيفة: يجوز الوضوء بنبيذ التمر في السفر وتجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات المزيلة لأعيان النجاسات. وقال الشافعي وغيره من الأئمة: إن الطهورية مختصة بالماء لما مر في أول المائدة من إيجاب التيمم عند عدم الماء ولو شارك الماء مائع آخر لما أمر بالتيمم إلا بعد إعوازه أيضاً ودليله في الخبث قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثم اغسليه بالماء" تفسير : . النظر الثاني في الماء وفيه بحثان: الأول في الماء المستعمل وإنه طاهر عند الشافعي وليس بمطهر في قوله الجديد. أما الأول فلإطلاق الآية {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} والصل بقاؤه وللحديث "حديث : خلق الماء طهوراً" تفسير : ولأن السلف كانوا لا يحترزون عن تقاطر ماء الوضوء على ثيابهم وابدانهم، ولأنه ماء طاهر لقي جسماً طاهراً فأشبه ما إذا لاقى حجارة. وأما الثاني فلقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب"تفسير : ولو بقي الماء كما كان طاهراً مطهراً لما كان للمنع منه معنى، وكانت الصحابة لا يعتنون بحفظه ليستعملوه ثانياً ولو كان طهوراً لحفظوا ما يغنيهم عن التيمم. وقال مالك والسدي: إنه طاهر مطهر لإطلاق الآية والحديث، والأصل بقاء صفته على ما كان عليه. وروي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يدهتفسير : . وعن ابن عباسحديث : أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعةتفسير : ، ولقياس ما انفصل من العضو على ما لم ينفصل منه. وقال أبو حنيفة: إنه نجس قياساً للنجاسة الحكمية على النجاسة الحقيقية. والمراد باستعمال الماء في المسألة تأدى عبادة الطهارة به أو انتقال المنع إليه فيه وجهان لأصحاب الشافعي، ويتفرع عليه أن المستعمل في الكرة الثانية والثالثة وفي تجديد الوضوء والأغسال المسنونة ليس بطهور على الأول طهور على الثاني. والماء المستعمل في الحدث لا يجوز استعماله في الخبث على الأصح لأنه مائع لا يرفع الحدث فلا يزيل الخبث كسائر المائعات. البحث الثاني الماء المتغير إن تغير بنفسه لطول المكث جاز الوضوء به لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ من بئر بضاعة، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء. وإن تغير بغيره ولم يتصل به كما لو وقع بقرب الماء جيفة فأنتن الماء فهو أيضاً مطهر،وإن اتصل به وكان طاهراً ولم يخالطه كما لو تغير بدهن أو عود أو كافور صلب فهو أيضاً مطهر، وإن خالطه فإن لم يمكن صون الماء عنه كالمتغير بالتراب والحمأة والورق المتناثر والطحلب فلا بأس بذلك دفعاً للحرج، وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل وإن أمكن بأن يكون الماء مستغنياً عن جنس ذلك الخليط فإن كان التغير قليلا بحيث لا يضاف الماء إليه أو لا يستحدث اسما جديدا جاز التوضوء به وإلا فلا خلافاً لأبي حنيفة. حجة الشافعي أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، فذلك الوضوء إن كان بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به وليس كذلك بالاتفاق بماء غير متغير وهو المطلوب. ولقائل أن يقول: إن هذا إشارة إلى كيفية الوضوء لا إلى كيفية الماء، والمراد أنه تعالى لا يقبل الصلاة بما دون ذلك، وأما الكمال فلا كلام فيه. قال: وأيضاً إذا اختلط ماء الولد بالماء فتوضأ الإنسان به يحتمل أن ينغسل بعض الأعضاء بما الورد لا بالماء فيكون الحدث يقيناً والطهر مشكوكاً فيه والشك لا يرفع اليقين، وهذا بخلاف ما إذا كان قليلاً لا يظهر اثره فإنه كالمعدوم. وأيضاً الوضوء تعبد لا يعقل معناه ولهذا لو توضأ بماء الورد لم يصح وضوءه، ولو توضأ بالماء الكدر والمتعفن صح وضوءه وما لا يعقل معناه وجب الاعتماد فيه على مورد النص. حجة أبي حنيفة إطلاق الآية وقوله: {أية : فاغسلوا وجوهكم}تفسير : [المائدة: 6] وقوله {أية : فلم تجدوا ماء} تفسير : [النساء: 43] وهذا الشخص غسل ووجد الماء ولأنه صلى الله عليه وسلم أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطهما شيء من لعابهما، ولأنه لا خلاف في جواز الوضوء بماء السيول وإن تغير لونها إلى ألوان ما تمر عليها في الصحاري من الحشائش وغيرها. هذا كله إذا كان الخليط طاهراً، فإن كان نجساً فمذهب الحسن البصري والنخعي ومالك وداود وإليه الغزالي في الإحياء أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة، سواء كان الماء كثيراً أو قليلاً. ومذهب أبي حنيفة أن الماء ينجس باستعماله في البدن لأداء عبادة. وتيقن مخالطة النجاسة أو غلبتها على الظن سواء تغير أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير. قال أبو بكر الرازي: ولا يختلف على هذا الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري. قال: وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر فإنما هو كلام في وجه يغلب على الظن عدم بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى الطرف الآخر، وليس كلاماً في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز استعماله وبعضها لا يجوز استعماله. ومن الناس من فرق بين القليل والكثير ثم اختلفوا في حد الكثير: فعن عبد الله بن عمر: إذا كان الماء اربعين قلة لم ينجسه شيء وقال سعيد بن جبير: الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال. وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه. وقد ينصر من المذاهب قول مالك لوجوه منها: قوله {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه، ولقوله "حديث : خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" تفسير : فبقي ما عداه على الأصل. ومنها قوله تعالى: {فاغسلوا} والمتوضئ بهذا الماء قد غسل أعضاءه ولا سيما إذ1 كانت النجاسة مستهلكة فيه لا يظهر عليه آثارهما وخواصها من الطعم أو اللون أو الريح. ومنها أن عمر توضأ من جرة نصرانية مع أن نجاسة أوانيهم غالبة على الظن، فدل ذلك على أنه لم يعول إلا على عدم التغير. ومنها أن تقدير الماء بمقدار معلوم لو كان معتبراً كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند ابي حنيفة، لكان أولى المواضع بذلك مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هنالك لا الجارية ولا الراكدة، ولم ينقل أنهم خاضوا في تقدير المياه ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظها، وكانت أوانيهم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات، وكانوا لا يمنعون الهرة من شرب الماء وقد اصغى لها الإناء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا يرون أنها تأكل الفأرة، ولم يكن في بلادهم حياض تكرع السنانير فيها. ومنها أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم تتغير بنجس، واي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه، وأي معنى لقول القائل: إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم يتمنع المخالطة؟ ومنها أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة. وقال الشافعي: إذا وقع بول في ماء جارٍ ولم يتغير جاز الوضوء به. وايّ فرق بين الجاري والراكد؟ والتعويل على قوة الماء بسبب الجريان ليس أولى من التعويل على عدم التغير. ومنها أنه لو وقعت نجاسة في قلتين فكل كوز يؤخذ منه فهو طاهر عنده، ومعلوم أن البول ينتشر فيه وهو قليل فأي فرق بينه إذا وقع ذلك البول في ذلك القدر من الماء ابتداء وبينه إذا وصل غليه عند اتصال غيره به؟. ومنها أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ منها المتقشفون مع علمهم بأن اليدي والأواني الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها، ولو كان التقدير بالقلتين وغير ذلك معتبراً لاشتهر وتواتر. ومنها أن النصوص في التقدير متخالفة؛ أما تقدير أبي حنيفة بالعشر في العشر فمجرد تحكم، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" تفسير : فضعيف. لأن راوية مجهول، فإن الشافعي لما روى هذا الخبر قال: أخبرني رجل. فيكون الحديث مرسلاً والمرسل عنده ليس بحجة. سلمناه ولكن القلة مجهولة فإنها تصلح للكوز وللجرة ولكل ما يقل باليد وهي أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل. سلمنا لكن في متن الخبر اضطراب، فقد روي "حديث : إذا بلغ الماء قلتين" تفسير : وروي "إذا بلغ قلة" وروي "أربعين" "وإذا بلغ كرين" سلمنا صحة المتن لكنه متروك الظاهر لأن قوله "لم يحمل خبثاً" لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله. سلمنا إجاءه على الظاهر لكن الخبث لغوي وشرعي وحمله على اللغوي لكونه حقيقة أولى، فمعنى الحديث أن لا يصير مستقذراً طبعاً. ونحن نقول: بموجبه لكن لم قلتم: إنه لا ينجس شرعاً؟ سلمنا أن المراد هو الخبث الشرعي لكن لم لا يجوز أن يكون معنى قوله "لم يحمل خبثاً" أنه يضعف عن حمله أي يتأثر به؟ أجاب بعض الشافعية عن هذه المنوع بأن كثيراً من المحدثين عينوا اسم الراوي في حديث القلتين، فإن يحيى بن معين قال: إنه جيد الإسناد. فقيل له: إن ابن علية وقفه على ابن عمر. فقال: إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه. وقوله "القلة مجهولة" غير مسلم لأن ابن جريج قال في روايته: بقلال هجر. ثم قال: وقد شاهدت قلال هجر وكانت القلة تسع قربتين وشيئاً. وإذا كانت هذه الرواية معتبرة فقط لم يكن في متن الحديث اضطراب، وحمل الخبث على الشرعي أولى لأن المسألة شرعية وتفسير عدم حمل الخبث بالتأثر تعسف لأنه صح في بعض الروايات "حديث : إذا كان الماء قلتين لم ينجس" تفسير : ولأنه لا يبقى لذكر القلتين حينئذ فائدة لأن ما دون القلتين ايضاً بتلك المثابة، وزيف بأنه بعد التصحيح يوجب تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر المجمل. حجة من حكم بنجاسة الماء الذي خالطه نجاسة كيف كانت قوله تعالى: {أية : ويحرم عليهم الخبائث}تفسير : [الأعراف: 157] وقوله {أية : إنما حرم عليكم الميتة والدم} تفسير : [النحل: 115] وقال في الخمر {أية : رجس من عمل الشيطان} تفسير : [المائدة: 90] حرم هذه الشياء مطلقاً ولم يفرق بين حال انفرادها وحال اختلاطها بالماء، فوجب تحريم استعمال كل ماء تيقنا فيه جزءاً من النجاسة. وأيضاً الدلائل التي ذكرتموها مبيحة ودلائلنا حاظرة والحاظر غالب على المبيح بدليل أن الجارية المشتركة لا يحل لواحد منهما وطؤها وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من جنابة" تفسير : أطلق من غير فرق بين القليل والكثير. أجاب مالك أنه لا نزاع في تحريم استعمال النجاسات، لكن الكلام في أنه متى ما لم يتغير فليس للنجاسة أثر لأنها انقلبت عن صفتها فكأنها معدومة والنهي عن البول في الماء لتنفر الطبع أو للتنزيه لا للتحريم. واعلم أنه سبحانه بين في سورة الأنفال أن من غاية إنزال الماء من السماء تطهير المكلفين به حين قال: {أية : وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}تفسير : [الأنفال: 11] ففي وصفه ههنا بكونه طهوراً إشارة إلى ذلك. ثم رتب على الإنزال غايتين أخريين. أولاهما تتعلق بالنبات، والثانية بالحيوان الأعجم فالناطق. وفي هذا الترتيب تنبيه على أن الكائنات تبتدئ في الرجوع من الأخس إلى الأشرف، وفيه أن الغرض من الكل هو نوع الإنسان مع أن حياة الأناسي بحياة أرضهم وأنعامهم. قال {ميتاً} مع قوله {بلدة} بالتأنيث لأن "فيعلاً" غير جارٍ على الفعل فكأنه اسم جامد وصف به، أو بتأويل البلد والمكان. والأناسيّ جمع أنسي أو جمع إنسان على أن اصله أناسين فقلبت النون ياء. و"فعيل" قد يستوي فيه الواحد والجمع فلهذا لم يقل وأناسي كثيرين ومثله {وقروناً بين ذلك كثيراً}. اسئلة أوردها جار الله مع أجوبتها: الأول: أن إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء ولاسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة الإحياء والسقي كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد به الوحش. الجواب لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصفه بالطهور إكراماً لهم وتتميماً للمنة عليهم واشارة إلى أن من حق استعمال الماء في الباطن والظاهر أن يكون طاهراً غير مخالط لشيء من القاذورات. قلت: قد قررنا فائدة هذا الوصف بوجه آخر آنفاً. السؤال الثاني: لم خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان المنتفع بالماء؟ الجواب لأن الطير والوحش تبعد في طلب لاماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، ولأنها قنية الإنسان وعامة منافعه متعلقة بها فسقيها إنعام عليه. الثالث: ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهم بالكثرة؟ الجواب لأن بعض الأنعام والأناسي الذين هم بقرب الأودية والأنهار العظام لا يحتاجون إلى ماء السماء احتياجاً بيناً، ولمثل هذا نكر البلدة في قوله {بلدة ميتاً} قوله سبحانه {ولقد صرفناه} الأكثرون على أن الضمير عائد إلى ما ذكر من الدلائل أي كررنا أحوال الإظلال وذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر في القرآن وفي سائر الكتب السماوية ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا، فأبى أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها. وقال آخرون: إنه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر أي صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتباينة من وابل وطل وغير ذلك فأبوا إلا كفوراً وأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا استقلالاً. فإن جعلوا الأنواء كالوسائط والأمارات فلا بأس. والنوء سقوط نجم من المنازل الثمانية والعشرين للقمر في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه وهو نجم آخر في المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوماً وهو أكثر، أو إلى أربعة عشر وهو أقل. والعرب تضيف الأمطار والحر والبرد إلى الساقط منها أو إلى الطالع. فإذا مضت مدة النوء ولم يحدث شيء من مطر وغيره يقال: خوى نجم كذا أي سقط ولم يكن عنده اثر علوي؟ عن ابن عباس: ما من عام أقل مطراً من عام ولكن الله عز وجل قسم ذلك بين عباده على ما يشاء وتلا هذه الآية. ويؤيد هذا التفسير تنكير البلدة والأنعام والأناسي. قال الجبائي: في قوله {ليذكروا} دليل على أنه تعالى أراد من الكل التذكر والإيمان. وفي قوله {فأبى أكثر الناس} دلالة على أن المكلف له قدرة على الفعل والترك إذ لا يقال للزمن مثلاً إنه أن يسعى. وقال الكعبي: الضمير في {بينهم} لكل الناس فيكون الأكثر داخلا في ذلك العام إذ لا يجوز أن يقال: أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفوراً. وعند هذا يظهر أنه أراد من جميع المكلفين أن يؤمنوا ويعتبروا ومعارضة الأشاعرة معلومة. التأويل: {ويوم تشقق السماء} سماء القلب من غمام البشرية وهو يوم سعادة الطالبين الصادقين، ونزل ملائكة الصفات الروحانية {الملك} الحقيقي {يومئذ} {للرحمن} إذ لم يبق غيره ورجع إليه وذلك مقام الوحدة والفناء في الله والبقاء به: {وكان يوماً على الكافرين عسيراً} إذ لم يبق من صفات النفوس الكافرة وحظوظها أثر ولا عين: {ويوم يعض الظالم} نفسه وهو المشرك شركاً ظاهراً أو خفياً {على يديه} والآية حكمها عام في كل متحابين اجتمعا على معصية الله تعالى. وعن مالك بن دينار: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل كل الخبيص مع الفجار. {لنثبت به فؤادك} بأن نخلق قلبك بقلب القرآن وكان بذر التوحيد أوقع في قلب النبي صلى الله عليه وسلم في سر {أية : ألم نشرح لك صدرك}تفسير : [الشرح: 1] وكان يتربى بما أنزل عليه بل على قلبه منجماً، فلما أورق كان ورقه {أية : الرحمن علم القرآن}تفسير : [الرحمن: 1] فلما أزهر كان زهره {أية : فأوحى إلى عبده ما أوحى} تفسير : [النجم: 10] فلما أثمر كانت ثمرته {أية : فاعلم أنه لا إله إلا الله}تفسير : [محمد: 19] {يحشرون على وجوههم} لأن توجههم إلى أسفل سافلي الطبيعة فيحشرون منكوسين إلى جهنم البعد عن الحضرة {الم تر إلى ربك} فيه أن نبينا صلى الله عليه وسلم رآه وقد قال لموسى {أية : لن تراني} تفسير : [الأعراف: 143] وذلك البقاء أنانيته {كيف مدّ الظل} عالم الأجسام {ولو شاء لجعله ساكناً} في كتم العدم {ثم جعلنا} شمس عالم الأرواح على وجود ذلك الظل دليلاً بأن كانت محركة لها إلى غاياتها المخلوقة هي لأجلها، فعرف من ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد ولم تتكون بالأجسام. وفي قوله: {ثم قبضناه إلينا} إشارة إلى أن كل مركب فإنه سيحل إلى بسائطه إذا حصل على كماله الأخير. وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على صانعه الذي هو شمس عالم الوجود وهذا شأن الذاهبين من غيره إليه. وفي قوله {ثم جعلنا} إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي الاستدلال به على غيره كقوله: {أية : أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد}تفسير : [فصلت: 53] وهذه مرتبة الصديقين. وقوله {ثم قبضناه} كقوله {أية : كل شيء هالك} تفسير : [القصص: 88] {ألا إلى الله تصير الأمور} وبوجه آخر الظل هو حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس التجلي المعروفة من افق العناية عند صباح الهداية: {ولو شاء لجعله} دائماً لا يزول وإنما يستدل على الذهول بالعرفان. وفي قوله: {ثم قبضناه} إشارة إلى أن الكشف التام يحصل بالتدريج عند انقضاء مدة التكليف. ثم بين حكمة الإظلال بقوله: {وهو الذي جعل لكم} ليلة البشرية {لباساً} كيلا تحترقوا بدوام شمس تجلي الربوبية، وجعل ليوم الغفلة راحة بعد سطوة التجلي، وجعل نهار العرفان نشوراً أي حياة بنور الربوبية {وهو الذي أرسل} رياح الإشراق على قلوب الأحباب فتزعجها من المساكنات عند الستر فلا تستقر إلا بالكشف والتجلي {وأنزلنا} من سماء الكرم {ماء} حياة العرفان الذي يطهر قلوب المشتاقين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأوقات من الغفلات {لنحيي به بلدة} القلوب الميتة عن نور الله بنور الله {ونسقيه} من جملة مخلوقاتنا من هو على طبع الأنعام لغلبة الصفات الحيوانية عليه فيسقي زرع إيمانه بماء الرحمة والذكر كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا إله إلا الله تنبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة" تفسير : ونسقيه من الأنس من سكن إلى رياض الأنس يفطمه به عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية، ويطهره عن وصمة الملاحظات ويذيقه طعم المكاشفات. {ولقد صرفنا} الذي هو ماء حياة القلوب بينهم {ليذكروا} به أيام جوار الحق وأوطانهم الحقيقية {فأبى أكثر} الناسين تلك المعاهدة والمشاهدة {إلا كفوراً} بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها والله المستعان وإليه المآب.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} الآية. هذه هي الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وحاصلها: لم (لم) تنزَّل الملائكة حتى يشهدوا أن محمداً محق في دعواه، {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا؟ فصل قال الفراء: قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} أي: لا يخافون لقاءنا، فوضع الرجاء موضع الخوف لغة تهاميّة إذا كان معه جحدٌ، ومنه قوله تعالى: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} تفسير : [نوح: 13] أي: لا تخافون لله عظمةً قال القاضي: لا وجه لذلك، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز، والمعلوم من حال عبّاد الأصنام أنهم كانوا لا يخافون العقاب، لتكذيبهم (بالمعاد)، فكذلك لا يرجون الثواب لمثل ذلك، فقوله: {لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} محمول على الحقيقة، وهو أنهم لا يرجون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب والجنة، ومعلوم أن من لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب أيضاً، فالخوف تابع (للرجاء). فصل دلَّ ظاهر الآية على جواز الرؤية، لأن اللقاء جنس تحته أنواع، أحد أنواعه الرؤية، والآخر الاتصال والمماسّة. وهما باطلان، فدلَّ على جواز الرؤية، لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي فسمي الرؤية لقاء. وقالت المعتزلة: تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة، لأنه يقال في الدعاء: لقاك الله الخير. ويقول القائل: لم أَلْقَ الأمير. وإن رآه من بعد إذا حجب عنه، ويقال في الضرير: لقي الأمير إذا أذن له ولم يحجب، وقد يلقاه في الليلة الظلماء ولا يراه، بل المراد من اللقاء هنا المصير إلى حكمه حيث لا حكم لغيره في يوم {أية : لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} تفسير : [الانفطار: 19] لا أنه رؤية البصر. قال ابن الخطيب وهذا كلام ضعيف، لأنَّ اللفظ الموضوع لمعنى مشترك بين معان كثيرة ينطلق على كل واحد من تلك المعاني، فيصح قوله: لقاك الخير، ويصح قول الأعمى: لقيت الأمير، ويصح قول البصير: لقيته (بمعنى رأيته، وما لقيته) بمعنى ما وصلت إليه، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} مذكور في معرض الذم لهم، فوجب أن يكون رجاء اللقاء حاصلاً، ومسمى اللقاء مشترك بين الوصول المكاني وبين الوصول بالرؤية، وقد بطل الأول فتعيّن الثاني. وقولهم: المراد من اللقاء الوصول إلى حكمه. صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل، فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها، بل على أنّ إنكار الرؤية ليس إلا من دين (الكفار). قوله: "لَوْلاَ أُنْزِلَ": هلاّ أنزل "عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ" فيخبرونا أن محمداً صادق {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} فيخبرنا بذلك {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ} (أي: تعظموا في أنفسهم) بهذه المقالة. قال الكلبي ومقاتل: نزلت الآية في أبي جهل والوليد وأصحابهما المنكرين للنبوة والبعث. قوله: "عُتُواً" مصدر وقد صحَّ هنا وهو الأكثر وأُعِلَّ في مريم في "عِتِيًّا"، لمناسبة ذكرت هناك، وهي تواخي رؤوس الفواصل. فصل قال مجاهد: "عُتُوًّا" طغواً. وقال مقاتل: "عتوًّا" غلوًّا في القول. والعتو: أشد الكفر وأفحش الظلم، وعتوهم طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به. وقوله: "فِي أَنْفُسِهِمْ"، لأنهم أضمروا الاستكبار في قلوبهم واعتقدوه، كما قال: {أية : إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم (بِبَالِغِيهِ)} تفسير : [غافر: 56]. وعتوا: تجاوزوا الحد في الظلم. فصل وهذا جواب عن شبهتهم وبيانه من وجوه: أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد تمت نبوة محمد - عليه السلام - فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض التعنت والاستكبار. وثانيها: أنَّ نزول الملائكة لو حصل لكان أيضاً من جملة المعجزات، فلا يدل على الصدق لخصوص كونه نزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك المعجز وردّ المعجز الآخر ترجيحاً لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد فائدة ومرجِّح، وهو محض الاستكبار والتعنت. وثالثها: أنهم بتقدير أن يروا الرب، ويسألوه عن صدق محمد - عليه السلام - وهو سبحانه يقول: نعم هو رسولي، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار المعجز على يد محمد - عليه السلام - لأنَّا بيَّنَّا أن المعجزة تقوم مقام التصديق بالقول، إذ لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول: اللهم إن كنت صادقاً فأحْيِ هذا الميت، فيحييه الله تعالى، (والعادة لم تجر بمثله)، وبين أن يقول له: صدقت. وإذا كان التصديق بالقول والتصديق الحاصل بالمعجز (سيّين) في كونه تصديقاً للمدعى، كان تعيين أحدهما محض استكبار وتعنت. ورابعها: يمكن أن يكون المراد أنَّ الله تعالى قال: لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت، فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به، فلا جرم لا أعطيهم ذلك. وخامسها: لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن الله لا يُرَى، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل الاستهزاء. فصل استدل المعتزلة بهذه الآية على عدم الرؤية، لأنّ رؤيته لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً. قالوا: فقوله: {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} ليس إلا لأجل سؤال الرؤية، واستعظم في آية أخرى قولهم: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} تفسير : [البقرة: 55]. فثبت أن الاستكبار والعتو هاهنا إنما حصل لأجل سؤال الرؤية، وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة. ونقول هاهنا: إنّا بينا أن قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} يدل على الرؤية، وأمّا الاستكبار والعتو فلا يدل ذلك على أن الرؤية مستحيلة، لأنَّ من طلب شيئاً محالاً لا يقال: إنه عَتَا واستكبر، ألا ترى قولهم: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138] لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتوًّا واستكباراً بل قال: {أية : إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 138]. ومما يدل على ذلك أن موسى - عليه السلام - لما قال: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 143] ما وصفه الله بالاستكبار والعتوّ، لأنه - عليه السلام - طلب الرؤية شوقاً، وهؤلاء لمَّا طلبوها امتحاناً وتعنتاً لا جرم وصفهم بذلك. قوله: "يَوْمَ يَرَونَ" فيه أوجه: أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه قوله: "لاَ بُشْرَى" أي: يُمْنَعُونَ البُشْرَى يَوْمَ يَرَونَ. الثاني: أنه منصوب بـ (اذكر)، فيكون مفعولاً به. الثالث: أنَّه منصوب بـ (يعذبون) مقدراً. ولا يجوز أن يعمل فيه نفس "البُشْرَى" لوجهين: أحدهما: أنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله. والثاني: أنَّها منفية بـ (لا)، (وما بعد (لا)) لا يعمل فيما قبلها. قوله: "لاَ بُشْرَى" هذه الجملة معمولة لقول مضمر، أي: يَرَون الملائكة يقولون لا بُشْرَى، فالقول حال من "المَلاَئِكَة"، وهو نظير التقدير في قوله: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ} تفسير : [الرعد: 23] إلى قوله: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد: 24]. قال أبو حيان: واحتمل "بُشْرَى" أن يكون مبنيًّا مع "لاَ"، واحتمل أن يكون في نية التنوين منصوب اللفظ، ومنع من الصرف للتأنيث اللازم فإنه كان مبنيًّا مع "لا" احتمل أن يكون "يَوْمَئِذٍ" خبراً و"لِلْمُجْرِمِينَ" خبراً بعد خبر، أو نعتاً لـ "بُشْرَى"، أو متعلقاً بما تعلَّق به الخبر، وأن يكون "يَوْمَئِذٍ" صفة لـ "بُشْرَى" والخبر "لِلْمُجْرِمِينَ"، ويجيء خلاف سيبويه والأخفش هل الخبر لنفس "لاَ" أو الخبر للمبتدأ الذي هو مجموع "لاَ" وما بني معها. وإن كان في نية التنوين وهو معرب، (جاز أن يكون "يَوْمَئِذٍ"، و"لِلْمُجْرِمِينَ" خبرين، و) جاز أن يكون "يَوْمَئِذٍ" خبراً و"لِلْمُجْرِمِينَ" صفة، والخبر إذا كان الاسم ليس مبنياً لنفس "لاَ" بإجماع. قال شهاب الدين: قوله: واحتمل أن يكون في نية التنوين إلى آخره لا يتأتَّى إلاَّ على قول أبي إسحاق، وهو أنه يرى أنَّ اسم (لاَ) النافية للجنس معربٌ، ويعتذر عن حذف التنوين بكثرة الاستعمال ويستدل عليه بالرجوع إليه في الضرورة، وينشد: شعر : 3870- أَلاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً تفسير : ويتأوله البصريون على إضمار: ألا ترونني رجلاً، وكان يمكن الشيخ أن يجعله معرباً كما ادّعى بطريق أخرى، وهو: أن يجعل "بُشْرَى" عاملة في "يَوْمَئِذٍ" أو في "لِلْمُجْرِمِينَ"، فيصير من قُبَيْل المطوَّل، والمطوَّل معربٌ، لكنه لم يلم بذلك، وسيأتي شيء من هذا في كلام أبي البقاء رحمه الله. ويجوز أن يكون "بُشْرَى" معرباً منصوباً بطريق أخرى، وهي أن تكون منصوبة بفعل مقدَّر، أي: لا يُبَشَّرُونَ بُشْرَى، كقوله تعالى: {أية : لاَ مَرْحَباً (بِهِمْ)} تفسير : [ص: 59]، (و) لا أهلاً ولا سهلاً، إلاَّ أن كلام الشيخ لا يمكن تنزيله على هذا لقوله: جاز أن يكون "يَوْمَئِذٍ" و"لِلْمُجْرِمِينَ" خبرين، فقد حكم أن لها خبراً، وإذا جُعِلَت منصوبة بفعل مقدر لا يكون [لـ (لا)] حينئذ خبر، لأنها داخلة على ذلك الفعل المقدر، وهذا موضع حسنٌ. قوله: "يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ" قد تقدَّم في "يَوْمَئِذٍ" أوجه: وجوَّز أبو البقاء أن يكون منصوباً بـ "بُشْرَى"، قال: إذا قدَّرت أنها منونة غير مبنيَّة مع (لا)، ويكون الخبر "لِلْمُجْرِمِينَ". وجوَّز - أيضاً - هو والزمخشري أن يكون "يَوْمَئِذٍ" تكريراً (لـ "يَوْم) يَرَوْنَ" وردَّه أبو حيان سواء أريد بالتكرير التوكيد اللفظيّ أم أريد به البدل قال: لأنَّ "يَوْمَ" منصوب بما تقدم ذكره من (اذكر) (أو من) (يَعْدَمُونَ) البشرى، وما بعد (لاَ) العاملة في الاسم لا يعمل فيه ما قبلها، وعلى تقدير ما ذكراه يكون العامل فيه ما قبل (لاَ). وما ردَّه ليس بظاهر، لأنَّ الجملة المنفية معمولةٌ للقول المضمر الواقع حالاً من "المَلاَئِكَةِ"، و"الملائكة" معمولةٌ لـ "يَرَوْنَ"، و"يَرَوْنَ" معمول لـ "يَوْمَ" خُصِّصَا بالإضافة، فـ (لا) وما في حيزها من تتمة الظرف الأول من حيث إنها معمولة لبعض ما في حيزه، فليست بأجنبية ولا مانعةٍ من أن يعمل ما قبلها فيما بعدها. والعجب له كيف تخيل هذا وغفل عما تقدم فإنه واضح مع التأمل. و"لِلْمُجْرِمِينَ" من وضع الظاهر موضع المضمر شهادةً عليهم بذلك. والضمير في "يقُولُونَ" يجوز عوده للكفار (أو للملائكة). و"حِجْراً" من المصادر الملتزم إضمار ناصبها، ولا يتصرَّف فيه نحو معاذ الله، وقعدك، وعمرك، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوٍّ وهجوم نازلة، ونحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة، قال سيبويه: ويقول الرجل للرجل: أتفعل كذا فيقول: حِجْراً وهي من حجره: إذا منعه، لأنَّ المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه ولا يلحقه، وكان المعنى: أسأل الله أن يمنعه منعاً ويحجره حجراً. والعامة على كسر الحاء، والضحاك، والحسن، وأبو رجاء على ضمِّها وهو لغة فيه. قال الزمخشري: ومجيئه على فِعْل أو فُعْل في قراءة الحسن تصرُّفٌ فيه لاختصاصه بموضع واحد كما كان قعدك وعمرك كذلك وأنشد لبعض الرجاز: شعر : 3871- قَالَتْ وَفِيهَا حَيْدَةٌ وذُعْرُ عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكُم وَحُجْرُ تفسير : وهذا الذي أنشده الزمخشري يقتضي تصرُّف "حِجْراً". وقد تقدم نص سيبويه على أنه يلتزم النصب. وحكى أبو البقاء فيه لغةً ثالثةً وهي الفتح، قال: وقد قرئ بها. فعلى هذا كمل فيه ثلاثة لغاتٍ مقروء بهنَّ. و"مَحْجُوراً" صفة مؤكدة للمعنى كقولهم: ذيل ذائل، والذيل: الهوان، ومَوْتٌ مَائِتٌ، والحِجْرُ: العقل، لأنه يمنع صاحبه. فصل قوله: {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ} عند الموت. قاله ابن عباس، وقال الباقون: يريد يوم القيامة {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ} للكافرين. قالت المعتزلة: الآية تدلّ على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو، قوله: "لاَ بُشْرَى... لِلْمُجْرِمِينَ" نكرة في سياق النفي فتعمّ جميع أنواع البشر في جميع الأوقات، بدليل أن من أراد تكذيب هذه القضية قال: بل له بُشْرَى في الوقت الفلاني، فلما كان ثبوت البشرى في وقت من الأوقات يذكر لتكذيب هذه القضية، علمنا أن قوله: "لاَ بُشْرَى" يقتضي نفي جميع البشرى في كل الأوقات، وشفاعة الرسول لهم من أعظم البشرى فوجب أن لا يثبت ذلك لأحد من المجرمين، والكلام على التمسك بصيغ العموم، وقد تقدم مراراً. فصل اختلفوا في القائلين "حِجْراً مَحْجُوراً": فقال ابن جريج: كانت العرب إذا نزلت بهم شدة، ورأوا ما يكرهون، قالوا: "حِجْراً مَحْجُوراً"، فهم يقولونه إذا عاينوا الملائكة. قال مجاهد: يعني: عوذاً مَعَاذاً، فيستعيذون به من الملائكة. وقال ابن عباس: تقول الملائكة: حراماً محرماً أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله. قال مقاتل: إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة "حِجْراً مَحْجُوراً" أي: حرام محرم عليكم أن تكون لكم البشرى. قوله: {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} أي: وعمدنا إلى عملهم. قوله: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}. الهَبَاءُ والهَبْوَةُ: التراب الدقيق. قاله ابن عرفة. قال الجوهري: يقال فيه: هَبَا يَهْبُو: إذا ارتفع، وأَهْبَبْتُهُ أَنَا إِهْبَاءً. وقال الخليل والزجاج: هو مثل الغبار الداخل في الكوَّة يتراءى مع ضوء الشمس فلا يمس بالأيدي ولا يرى في الظل. وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد. وقيل: الهَبَاءُ ما تطاير من شرر النَّار إذا أُضْرِمَتْ، والواحدة هباءة على حد تَمْر وتَمْرَة. و"مَنْثُوراً" أي: مفرَّقاً، نثرت الشيء فرَّقته. والنَّثْرَةُ لنجوم متفرقة. والنَّثْرُ: الكلام غير المنظوم على المقابلة بالشعر. قال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح، وتذريه من التراب، (وحطام الشجر). وقال مقاتل: هو ما يسطع من حوافر الدواب عند السير. وفائدة الوصف به أنَّ الهَبَاءَ تراه منتظماً مع الضوء، فإذا حرّكته تفرَّق، فجيء بهذه الصفة لتفيد ذلك. وقال الزمخشري: أو مفعول ثالث لـ "جَعَلْنَاهُ" أي: فَجَعَلْنَاهُ جامعاً لحقارة الهَبَاء والتناثر، كقوله: "كُونُوا" {أية : قِرَدَةً خَاسِئِينَ} تفسير : [الأعراف: 66] أي: جامعين للمسخ والخسأ. قال أبو حيان: وخالف ابن درستويه، فخالف النحويين في منعه أن يكون لـ (كان) خبران وأزيد، وقياس قوله في (جعل) أن يمنع أن يكون لها خبر ثالث. قال شهاب الدين: مقصوده أن كلام الزمخشري مردودٌ قياساً على ما منعه ابن درستويه من تعديد خبر (كَانَ). قوله: {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} أي: من هؤلاء المشركين المستكبرين. "وَأَحْسَنُ مَقِيلاً" موضع قائلة. وفي (أَفْعَل) هاهنا قولان: أحدهما: أنها على بابها من التفضيل، والمعنى: أن المؤمنين خير في الآخرة مُسْتَقَراً من مُسْتَقَرِّ الكفار "وَأَحْسَنُ مَقِيلاً" من مقيلهم، لو فرض أن يكون لهم. والثاني: أن يكون لمجرَّد الوصف من غير مفاضلةٍ. فصل قال المفسرون: يعني أن أهل الجنة لا يمرّ بهم يوم إلا قدر النهار من أوله إلى قدر القائلة حتى يسكنوا مساكنهم من الجنة. قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وقرأ: "ثُمَّ إن مَقِيلَهُمْ لإلى الجَحِيمِ" وهكذا كان يقرأ. وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب ذلك اليوم في أوله. وقال قوم: حين قالوا في منازلهم. قال الأزهري: القيلولة والمقيل: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن مع ذلك نوم، لأن الله قال: "وَأَحْسَنُ مَقِيلاً" والجنة لا نوم فيها. وروي "أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {‏وقال الذين لا يرجون لقاءنا‏} ‏ قال‏:‏ هذا قول كفار قريش ‏{‏لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا‏} ‏ فيخبرنا أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير في قوله ‏ {‏وقال الذين لا يرجون لقاءنا‏}‏ قال لا يسألون‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏لولا أنزل علينا الملائكة‏}‏ أي نراهم عياناً‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏{‏وعتو عتواً كبيرا‏ً} ‏ قال‏:‏ شدة الكفر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ‏ {‏العتو‏}‏ في كتاب الله التجبر‏.‏

القشيري

تفسير : {لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}: لا يؤمنون بالحشر والنشر والرجوع إلى الله في القيامة من الدنيا. وكما كانوا لا يخافون العذابَ، ولا ينتظرون الحَشْرَ كذلك كانوا لا يُؤْمِنون لقاءَ الله. فَمُنْكِرُ الرؤيةِ من أهل القِبْلَةِ - ممن يؤمِن بالقيامة والحشرِ - مُشَارِكٌ لهؤلاء في جُحْدِ ما وَرَدَ به الخبرُ والنقلُ؛ لأن النَّقْلَ كما وَرَدَ بكوْنِ الحَشْرِ وَرَدَ بكون الرؤية لأهل الإيمان. فالذين لم يؤمنوا قالوه على جهة رؤية المقام لأنفسهم، وأنه مُسَلَّمٌ لهم ما اقترحوه من نزول الملائكة عليهم ورؤية ربهم. وذلك وإن كان في القدرة جائزاً - إلا أنه لم يكن واجباً بعد إزاحة عُذْرِهم بظهور معجزات الرسول عليه السلام، فلم يكن اقتراح ما قالوه جائزاً لهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الذين لايرجون لقاءنا} اصل الرجاء ظن يقتضى حصول مافيه مسرة واللقاء يقال فى الادراك بالحس بالبصر وبالبصيرة وملاقاة الله عبارة عن القيامة وعن المصير اليه تعالى اى الرجوع الى حيث لاحاكم ولا مالك سواه. والمعنى وقال الذين لايتوقعون الرجوع الينا اى ينكرون البعث والحشر والحساب والجزاء وهم كفار اهل مكة، وفى تاج المصادر الرجاء [اميد داشتن وترسيدن] انتهى فالمعنى على الثانى بالفارسية [نمى ترسند ازديدن عذاب ما] {لولا} حرف تحضيض بمعنى هلا ومعناها بالفارسية [جرا] {انزل علينا الملائكة} [فروفرستاده نمى شو دبر مافرشتكان] اى بطريق الرسالة لكون البشرية منافية للرسالة بزعمهم {اونرى ربنا} جهرة وعيانا فيأمرنا بتصديق محمد واتباعه لان هذا الطريق احسن واقوى فى الافضاء الى الايمان وتصديقه ولما لم يفعل ذلك علمنا انه ما اراد تصديقه. ومن لطائف الشيخ نجم الدين فى تأويلاته أنه قال يشير الى ان الذين لايؤمنون بالآخرة والحشر من الكفرة يتمنون رؤية ربهم بقولهم {او نرى ربنا} فالمؤمنون الذين يدعون انهم يؤمنون بالآخرة والحشر كيف ينكرون رؤية ربهم وقد ورد بها النصوص فلمنكرى الحشر عليهم فضيلة بانهم طلبوا رؤية ربهم وجوزوها كما جوزوا انزال الملائكة ولمنكرى الرؤية ممن يدعى الايمان شركة مع منكرى الحشر فى جحد ما ورد به الخبر والنقل لان النقل كما ورد بكون الحشر ورد بكون الرؤية لاهل الايمان {لقد استكبروا} اللام جواب قسم محذوف اى والله لقد استكبروا، والاستكبار ان يشبع فيظهر من نفسه ماليس له اى اظهروا الكبر باطلا {فى انفسهم} اى فى شأنها يعنى وضعوا لانفسهم قدرا ومنزلة حيث ارادوا لانفسهم الرسل من الملائكة ورؤية الرب تعالى، وقال الكاشفى [بخداى كه بزركى كردند در نفسهاى خود يعنى تعاظم ورزيدن وجراءت نمودن درين تحكم] {وعتوا} اى تجاوزوا الحد فى الظلم والطغيان والعتوا الغلو والنبو عن الطاعة {عتوّا كبيرا} بالغا الى اقصى غاياته من حيث عاينوا المعجزات القاهرة واعرضوا عنها واقترحوا لانفسهم الخبيثة معاينة الملائكة الطيبة ورؤية الله تعالى التى لم ينلها احد فى الدنيا من افراد الامم وآحاد الانبياء غير نبينا عليه السلام وهو انما رآه تعالى بعد العبور عن حد الدنيا وهو الافلاك السبعة التى هى من عالم الكون والفساد، وفى الوسيط انما وصفوا بالعتو عند طلب الرؤية لانهم طلبوها فى الدنيا عنادا للحق واباء على الله ورسوله فى طاعتهما فغلوا فى القول والكفر غلوا شديدا، وفى الاسئلة المقحمة فاذا كان رؤية الله جائزة فكيف وبخهم على سؤالهم لها قلنا التوبيخ بسبب انهم طلبوا مالم يكن لهم طلبه لانهم بعد ان عاينوا الدليل قد طلبوا دليلا آخر ومن طلب الدليل بعد الدليل فقد عتا عتوا ظاهرا ولانهم كلفوا الايمان بالغيب فطلبوا رؤية الله وذلك خروج عن موجب الامر وعن مقتضاه فان الايمان عند المعاينة لايكون ايمانا بالغيب فلهذا وصفهم بالعتو.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (وقال): عطف على: (وقالوا مال هذا الرسول...) إلخ، ووضع الموصول موضع الضمير؛ للتنبيه بما في حيز الصلة على أن ما حكي عنهم مِنَ الشناعة بحيث لا يصدر ممن يعتقد المصير إلى الله - عز وجل -. يقول الحق جل جلاله: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا} أي: لا يتوقعون الرجوع إلينا بالبعث، أو حسابنا المؤدي إلى سوء العذاب، الذي تستوجبه مقالاتهم الشنيعة. والحاصل: أنهم يُنكرون البعث بالكلية، فأطلق الرجاء على التوقع. وقيل: لا يخافون لقاءنا؛ لأن الرجاء في لغة تهامة: الخوف، قالوا: {لولا}؛ هلا {أنزل علينا الملائكةُ} رسلاً دون البشر، أو: يشهدون بنبوة محمد ودعوى رسالته، {أو نرى ربَّنا} جهرة، فيخبرنا برسالته، ويأمرنا باتباعه، وإنما قالوا ذلك؛ عناداً وعتواً. قال تعالى: {لقد استكبروا في أنفسهم} أي: أضمروا الاستكبار، وهو الكفر والعناد في قلوبهم، أو: عظموا في أنفسهم حتى اجترؤوا على التفوه بمثل هذه العظيمة الشنعاء، {وعَتَواْ} أي تجاوزوا الحد في الظلم والطغيان {عُتواً كبيراً}؛ بالغاً أقصى غاياته، أي: إنهم لم يجترئوا على هذا القول العظيم؛ إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار، وأقصى العتو، حتى أمَّلوا نيل المشاهدة والمعاينة والمفاوضة التي اختص بها أكابر الرسل وخاصة الأولياء، بعد تطهير النفوس وتصفية القلوب والأرواح. وهذا كقولهم: {أية : وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ...}تفسير : [الإسراء: 90] إلى قوله: {أية : أَوْ تَأْتِىَ بِاللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 92]. ولم يكتفوا بما رأوا من المعجزات القاهرة؛ فذهبوا في الاقتراح كل مذهب، حتى منَّتهم أنفسهم الخبيثة أمالي سُدت دونها مطامع النفوس القدسية. واللام: جواب قسم محذوف، أي: والله لقد استكبروا.. الآية. وفيه من الدلالة على قُبح ما هم عليه، والإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم، ما لا يخفى. {يوم يَرَون الملائكةَ} عند الموت أو البعث. و {يوم}:منصوب باذكر، أو بما دل عليه: {لا بُشرى يومئذٍ للمجرمين}؛ فإنه بمعنى: يُمنعون البشرى، أو: لا يبشر المجرمون. انظر البيضاوي. والجملة: استئناف مسوق لبيان ما يلقونه عند مشاهدتهم لما اقترحوه من نزول الملائكة، بعد استعظامه وبيان كونه في غاية ما يكون من الشناعة. وإنما قيل: يوم يرون، دون أن يقال: يوم تنزل؛ إيذاناً، من أول الأمر، بأن رؤيتهم لهم ليست على طريق الإجابة إلى ما اقترحوه، بل على وجه آخر غير معهود. وتكرير (يومئذٍ)؛ لتأكيد التهويل، مع ما فيه من الإيذان بأن تقديم الظرف للاهتمام، لا لِقَصْرِ نَفْي البُشرى على ذلك الوقت فقط؛ فإن ذلك مُخل بتفظيع حالهم. وللمجرمين): تعيين على أنه مظهر، وُضِعَ موضع الضمير؛ تسجيلاً عليهم بالإجرام، مع ما هم عليه من الكفر والطغيان. {ويقولون حِجْراً محجوراً} على ما ذكر من الفعل المنفي، أي: لا يبشرون، ويقولون. وهو ينبئ عن كمال فظاعة ما يحيق بهم من الشر، وغاية هول مطلعه، أي: يقولون، عند مشاهدة ملائكة العذاب: حِجْراً محجوراً، أي: منعاً ممنوعاً منكم، وهي كلمة تقولها العرب عند لقاء عدو هائل، أو هجوم نازلة هائلة، يضعونها موضع الاستعاذة، فكأن المعنى: نسأل الله تعالى أن يمنع ذلك عَنَّا منعاً، ويحجره عنا حجراً. والمعنى: أنهم يطلبون نزول الملائكة - عليهم السلام - ويقترحونه، وهم إذا رأوهم كرهوا لقاءهم أشد كراهة، وفزعوا منهم فزعاً شديداً. وقالوا، عند رؤيتهم، ما كانوا يقولون عند نزول خطب شنيع وبأس فظيع. وقيل: هو قول الملائكة، أي: تقول الملائكة للمجرمين، حين يرونهم: حِجْراً محجوراً، أي: حراماً محرماً عليكم البشرى، أي: جعل الله ذلك حراماً عليكم، إنما البشرى للمؤمنين. و (الحجر): مصدر، يُفتح ويكسر، وقرئ بهما. من حَجَرَهُ؛ إذا منعه. وهو من المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها. ومحجوراً: لتأكيد معنى الحجر، كما قالوا: موت مائت. وانظر ما وُجِّه بِهِ وقْفُ الهبطى على "حِجْراً"؛ فلعله الأوجه له. ثم ذكر مآل أعمالهم، فقال: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً} الهباء: شِبْهُ غُبَارٍ يُرى في شعاع الشمس، يطلع من كُوَّة. والقدوم هنا: مجاز. مُثلتْ حال هؤلاء الكفرة وأعمالهم التي عملوها في كفرهم؛ من صلة رحم، وإغاثة ملهوف، وقِرى ضيف، وعِتقٍ، ونحو ذلك، بحال من خالف سلطانه، فقدم إلى أشيائه، وقصد إلى ما تحت يديه، فأفسدها، ومزقها كل ممزق، ولم يترك لها عيناً ولا أثراً، أي: عمدنا إليها وأبطلناها، أي: أظهرنا بطلانها بالكلية، من غير أن يكون هناك قدوم. والمنثور: المفرّق، وهو استعارة عن جَعْلِهِ لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع. ثم ذكر ضدهم، فقال: {أصحابُ الجنة يومئذٍ خيرٌ مُستقراً} أي: مكاناً يستقرون فيه، والمستقر: المكان الذي يستقر فيه في أكثر الأوقات، للتجالس والتحادث، {وأحسن مَقِيلاً}: مكاناً يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم. ولا نوم في الجنة، ولكنه سمي مكان استرواحهم إلى أزواجهم الحور مقبلاً؛ على طريق التشبيه. ورُوي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وقال سعيد الصواف: بلغني أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين، حتى يكون ما بين العصر إلى غروب الشمس، إنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من حساب الناس. وقرأ هذه الآية. هـ. وأما الكافر فيطول عليه، كما قال تعالى: {أية : فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}تفسير : [المعارج: 4]. قال أبو السعود: وفي وصفه بزيادة الحسن، مع حصول الخيرية، رمز إلى أنه مزين بفنون الزين والزخارف. والتفضيل المعتبر فيهما: إما لإرادة الزيادة على الإطلاق، أي: هم في أقصى ما يكون من خيرية المستقر وحسن المقيل، وأما بالإضافة إلى ما للكفرة المتنعمين في الدنيا، أو إلى ما لهم في الآخرة، بطريق التهكم بهم، كما مرّ في قوله: {أذلك خير...} الآية.هـ. الإشارة: هؤلاء طلبوا الرؤية قبل إِبَّانِهَا وتحصيل شروطها، وهي الإيمان بالله، والإخلاص، والخضوع لمن يدل على الله، وذل النفس وتصغيرها في طلب الله. ولذلك قال تعالى في وصفهم - الذي منعهم من شهوده تعالى: {لقد استكبروا في أنفسهم وعَتَوْا عتواً كبيراً} أي: ولو صغروا في أنفسهم، وخضعوا خضوعاً كبيراً؛ لحصل لهم ما طلبوا، ولبُشروا بما أملوا، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : تَذَلَّلْ لِمنْ تَهْوَى؛ فَلَيْسَ الْهَوى سَهْلُ إِذَا رَضِيَ المحبوبُ صَحّ لَكَ الوَصْلُ تذلَّلْ لَهُ؛ تَحْظَى بِرُؤيَا جَمالِهِ فَفِي وَجْهِ مَنْ تَهْوَى الْفَرَائِضُ والنَّفْلُ تفسير : وقيل لأبي يزيد رضي الله عنه، حين قام يصلي بالليل: يا أبا يزيد، خزائننا معمورة بالخدمة، ائتنا من كُوّة الذل والافتقار. وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه: أتيت الأبواب كلها فوجدت عليها الزحام، فأتيت باب الذل والفقر فوجدته خالياً، فدخلت وقلت: هلموا إلى ربكم. أو كما قال. وفي قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ...} الخ، الترغيب في الإخلاص الموجب لقبول الأعمال، والترهيب من الرياء والعجب، الموجبان لإحباط الأعمال. وفي حديث معاذ عنه صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق سبعة أملاك قبل خلق السموات، ووكل كل مَلَكٍ بباب من أبواب السماء، فتصعد الحَفَظَةُ بعمل العبد إلى السماء الأولى فيقول المَلَكُ: ردوه، واضربوا به وجهه؛ إنَّ صاحبه كان يغتاب الناس، تم تصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء الثانية، فيقول الملك: ردوه؛ إنه كان يفتخر على الناس في مجالسهم, ثم تصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء الثالثة, فيقول الملك: ردوه؛ إنه كان يتكبر على الناس في مجالسهم, ثم تصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء الخامسة, فيقول الملك: ردوه؛ إنه كان يحسد الناس ويقع فيهم، ثم تصعد الحفظة إلى السماء السادسة، فيقول الملك: ردوه؛ إنه كان لا يرحم إنساناً قط, بل كان يشمت بمن وقع في بلاء, أنا ملك الرحمة, أمرني ألا يجاوزني عمله. ثم تصعد الحفظة إلى السماء السابعة, فيقول الملك: ردوه؛ إنه كان يحب الظهور والرفعة عند الناس، ثم تصعد الحفظة بعمل العبد؛ من صلاة، وذكر، وتفكر، وحسن خلق، فيقفون بين يدي الله، ويشهدون له بالصلاح، فيقول الرب جل جلاله: أنتم الحفظة على عمل عبدي، وأنا الرقيب على قلبه، إنه لم يُرِدْنِي بهذا العمل، أراد به غيري، فعليه لعنتي، ثم تلعنه الملائكة والسموات. وانتهى باختصار، وخرجه المنذري. وتكلم في وضعه. وبالله التوفيق. ثم ذكر موطناً آخر لرؤية الملائكة على نمط ما تقدّم، فقال: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ...}

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى عن الكفار الذين لا يرجون لقاء ثواب الله، ولا يخافون عقابه أنهم قالوا ما ذكره. والرجاء ترقب الخير الذي يقوى في النفس وقوعه، تقول: رجا يرجو رجاء وارتجى ارتجاء، وترجى ترجياً، ومثل الرجاء الطمع والامل. والمعنى لا يرجون لقاء جزائنا، وإذا استعملوا الرجاء مع النفي أرادوا به الخوف، كقوله {أية : لا ترجون لله وقاراً} تفسير : وهي لغة تهامة وهذيل. واللقاء المصير الى الشيء من غير حائل ولهذا صح لقاء الجزاء من الثواب والعقاب، لان العباد يصيرون اليه فى الآخرة وعلى هذا يصلح أن يقال: لا بد من لقاء الله تعالى. وقوله {لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا} معناه هلا أنزل الملائكة لتخبرنا بأن محمداً نبي {أو نرى ربنا} فيخبرنا بذلك. قال الجبائي: وذلك يدل على انهم كانوا مجسمة، فلذلك جوزوا الرؤية على الله التي تقتضي التشبيه. ثم اقسم تعالى فقال {لقد استكبروا} بهذا القول {في أنفسهم} أي طلبوا الكبر والتجبر بغير حق، تقول: استكبر استكباراً {وعتواً} بذلك أي طغوا به {عتوّاً كبيراً} والعتو الخروج الى أفحش الظلم. وقوله {يرم يرون الملائكة} يجوز أن يكون المراد به اليوم الذي تقبض فيه أرواحهم، ويعلمون أين مستقرهم. ويجوز أن يكون يوم القيامة {لا بشرى يومئذ للمجرمين} أي لا بشرى لهم في ذلك اليوم. قال الفراء: ليس {اليوم} من صلة {بشرى} ولا منصوباً به، بل اضمرت (الفاء) كقولك: أما اليوم، فلا مال لك. وقال الزجاج: يجوز على تقدير لا بشرى تكون للمجرمين يوم يرون الملائكة، ويكون {يومئذ} مؤكداً لـ {يوم}، ولا يكون منصوباً بـ {لا بشرى} لأن ما يتصل بـ (لا) لا يعمل فيما قبلها، لكن لما قيل: {لا بشرى للمجرمين} بين في أي يوم ذلك فكأنه قال يمنعون البشرى يوم يرون الملائكة، وهو يوم القيامة و {المجرمين} معناه الذين أجرموا وارتكبوا المعاصي {ويقولون حجراً محجوراً} حراماً محرّماً. وقال قتادة، والضحاك: هو من قول الملائكة يقولون لهم: حراماً محرماً عليكم البشرى. وقال مجاهد وابن جريج: هو من قول المجرمين، كما كانوا يقولون فى الدنيا إذا لقوا من يخافون منه القتل، قالوا {حجراً محجوراً} أي حراماً محرماً دماؤنا. واصل الحجر الضيق، يقال: حجر عليه يحجر حجراً إذا ضيق. والحجر الحرام لضيقه بالنهي عنه، قال المتلمس: شعر : حنت الى النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام ألا تلك الدهاريس تفسير : وقال آخر: شعر : فهممت ان ألقي اليها محجراً ولمثلها يلقى اليه المحجر تفسير : أي حراماً. ومنه حجر القاضي عليه يحجر. وحجر فلان على أهله. ومنه حجر الكعبة، لانه لا يدخل اليه في الطواف، وانما يطاف من ورائه، لتضيقه بالنهي عنه وقوله {أية : لذي حجر} تفسير : أي لذي عقل، لما فيه من التضييق في القبيح، والحجر الانثى من الخيل، ومنه الحجرة، وحجر الانسان. وقوله {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً} قال البلخي: معناه قدم أحكامنا بذلك. وقال مجاهد: معنى {قدمنا} عمدنا قال الراجز: شعر : وقدم الخوارج الضلال الى عباد ربهم فقالوا إن دماءكم لنا حلال تفسير : وفي الكلام بلاغة حسنة، لان التقدير: كان قصدنا اليه قصد القادم على ما يكرهه، ما لم يكن رآه قبل فيغيره. والهباء غبار كالشعاع، لا يمكن القبض عليه وقال الحسن ومجاهد وعكرمة: هو غبار يدخل الكوة فى شعاع الشمس. وقال عكرمة: هو رهج الخيل. وقال ابن عباس وغيره: هو الماء المهراق. ثم قال تعالى {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً} ومعناه: إن الذين يحصلون فى الجنة - مثابين منعمين فى ذلك اليوم - مستقرهم خير من مستقر الكفار في الدنيا والآخرة. وانما قال ذلك على وجه المظاهرة، بمعنى أنه لو كان لهم مستقر خير ومنفعة، لكان هذا خيراً منه، {وأحسن مقيلا} معناه أحسن موضع قائلة، وإن لم يكن في الجنة نوم، إلا أنه من تمهيده يصلح للنوم، لانهم خوطبوا بما يعرفون، كما قال {أية : ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} تفسير : على ما اعتادوه. وقال البلخي: معنى {مستقراً وأحسن مقيلاً} انه خير في نفسه، وحسن فى نفسه، لا انه أفضل من غيره، كما قال {أية : وهو أهون عليه} تفسير : أي هو هين. وقال قوم: معنى {خير مستقراً وأحسن} أي انفع من مستقرهم. وقال ابن عباس وابراهيم وابن جريج: لانه يفرغ من حسابهم الى وقت القائلة. وقوله {يوم تشقق السماء بالغمام} أي عن الغمام، وهو كقولهم: رميت بالقوس، وعن القوس بمعنى واحد. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر {تشقق} مشددة ومعناه تتشقق، فادغم احدى التائين في الشين لقرب مخرجيهما. ومن قرأ بالتخفيف أراد ايضاً ذلك. ولكنه حذف أحدى التائين، وهي تاء (تفعّل) لان الأخرى علامة الاستقبال، لا يجوز حذفها. وقال أبو علي الفارسي: المعنى {تشقق السماء} وعليها الغمام. وفى التفسير: انه يتشقق سماء سماء. وقال الفراء: تتشقق السماء عن الغمام الأبيض. وقرأ الباقون بالتخفيف. وقرأ ابن كثير {وننزل الملائكة} بنونين. وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة. والمعني بذلك الاخبار عن هول ذلك اليوم وعظم شدائده، وان الملائكة تنزل للمؤمنين بالاكرام والاعظام، وللكافرين بالاستخفاف والاهانة. ومن قرا بالنونين أراد ان الله المخبر بذلك عن نفسه. ومن قرأ بنون واحدة فعلى ما لم يسم فاعله. والمعنيان واحد. والتشديد أجود لقوله {تنزيلاً} والآخر يجوز، كما قال {أية : وتبتل إليه تبتيلاً} تفسير : وقوله {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً} تفسير : فجاء المصدر على غير الفعل وذلك سائغ جيد.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} اى لقاء حسابنا وثوابنا او لقاء مظاهرنا، وعدم رجاء اللّقاء امّا بعدم الاعتقاد به او بعدم الالتفات والتّوجّه اليه وعدم الطّلب له كحال اكثر المعتقدين للآخرة {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ} لرسالة الرّبّ فانّ الملك اولى بالرّسالة من الله من البشر او لتصديق محمّد (ص) فى رسالته، او المعنى ان كان ينزل الملك على محمّد (ص) فلولا انزل علينا الملائكة فانّا ان لم نكن اولى بنزول الملك منه فلسنا بادون منه {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} فيخبرنا بنفسه بتكاليفنا او يخبرنا انّ محمّداً (ص) رسول منّى، او ان كان لنا ربّ يرسل رسولاً الينا فلم لا يظهر علينا حتّى نريه؟ {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ} عند أنفسهم {وَعَتَوْا} تجاوزوا الحدّ فى الاستكبار {عُتُوّاً كَبِيراً يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} يعنى انّهم استدعوا نزول الملائكة وهم مجرمون متدنّسون بدنس المادّة والملائكة مجرّدون عن المادّة مطهّرون عن دنسها ولا يظهر المجرّد على المادّىّ الاّ هلك واذا هلك المادّىّ الغير المطهّر من ادناسها لم يكن له بشرى بل كان له العذاب، ووضع المجرمين موضع المضمر ليكون كالعلّة للحكم {وَيَقُولُونَ} اى الملائكة {حِجْراً مَّحْجُوراً} حراماً محرّماً يعنى البشرى او الجنّة او رؤية الرّبّ او التّعوّذ فانّه لا معاذ لكم او يقول المجرمون ذلك.

الهواري

تفسير : قوله: {وَقَالَ الذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} وهم المشركون لا يقرون بالبعث. {لَوْلآ} أي: هلاّ {أُنْزِلَ عَلَيْنَا المَلآئِكَةُ} [فيشهدوا أنك رسول الله يا محمد {أَوْ نَرَى رَبَّنَا} معاينة، فيخبرنا أنك رسول الله. قال الله: {لَقَدِ اسْتكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً} أي: وعصوا عصياناً كبيراً. قال: {يَوْمَ يَرَوْنَ المَلآئِكَةَ} وهذا عند الموت {لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} أي: للمشركين، وهذا جرم الشرك، أي: لا بشرى لهم يومئذ بالجنة. وذلك أن المؤمنين تبشرهم الملائكة عند الموت بالجنة. قال الله: {إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلآئِكَةُ} عند الموت (أية : أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) تفسير : [فصلت: 30]. وتفسير مجاهد: {يَوْمَ يَرَوْنَ المَلآئِكَةَ} يوم القيامة. قال: {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} أي: وتقول الملائكة: حرام محرم أن تكون لهم الجنة. وقال مجاهد: {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} [يعني عوذاً معاذاً] أي: معاذ الله أن تكون لهم البشرى بالجنة.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقآءَنَا} لا يؤملون لقاءنا بالخير لكفرهم بالبعث والرجاء بمعنى الخوف وهو لغة تهامة اي لا يخافون لقاءنا بالشر وما لقاء الله الا الصيرورة إلى دار جزائه ولا يجوز ان يكون اللقاء بمعنى الرؤية لايهامه ان المؤمنين يرجونها مع انه رؤيته من المحال. قال يرى في الآخرة فهو منافق ومن قال يرى في الدنيا فهو مشرك * {لَوْلاَ} فيه ما في (لولا انزل إليه مالك) {أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ} رسلا إلينا ويخبروننا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. {أَوْ نَرَى رَبَّنَا} فيأمرنا بتصديقه واتباعه يحتمل ان يكونوا عالمين ان الله لا يرسل الملائكة إلى غير الانبياء وان الله لا يصح ان يرى وانما علقوا ايمانهم بما لا يكون واما ان يكونوا عالمين بذلك وارادوا التعنت باقتراح سوى الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة. {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ} تعظموا واعتقدوا الكبر عن الحق والعناد واعتقدوا ذلك في قلوبهم واستكبروا في انفسهم بمعنى عظموا شأنها حتى ارادوا لها ما يختص بالانبياء وافرد من غيرهم وهو نزول الملائكة وتحدثهم وان استكبار هؤلاء هو طلبهم لأنفسهم الرؤية المخصوصة ببعض الانبياء. {وَعَتُوا} من عتا بالالف ولذا فتحت التاء واسكنت بالواو واسكانا حيا ولو كان من (عتي) كرضي لضمت التاء وسكنت الواو تسكينا ميتا والمعنى جاوزوا الحد في الظلم * {عَتُوْا} مصدر كالقعود غير انه ادغم الواو في الواو {كَبِيراً} فذلك غاية الطغيان إذ عرضوا عن الآيات المعجزة وطلبوا مجيىء الملائكة وما هو محال في حق كل مخلوق وهو رؤية الباري جل وعلا وجملة {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ} إلخ في حسن أستئنافها غاية في الرد عليهم وفي التعجيب بهم كأنه قيل: (والله لقد عظم شأنكم) ان جاءتكم الملائكة وكلمتكم أو رأيتم ربكم الذي رؤيته محال عن كل مخلوق دنيا واخرى وجاء على طريقة تلك الجملة وقوله: (علت ناب كليب بوأها) بعد قوله: (وجارة جساس ابانا بنابها). فجارة كليب مبتدأ واسم تلك الجارة بسوس وهي خالة جساس وهو جساس بن مرة الشيباني واباء بهمزة ساكنة بعد الباء فعل ماض ونا فاعل والمعنى قابلنا بفتح الباء وسكون اللام وهو التساوي في القود يقال ابا زيد عمرا ببكر إذا قتله به وجملة (ابانا) خبر المبتدأ وبنابها جار ومجرور ومضاف إليه أي بناقتها متعلق بـ (أبانا) والباء للبدل ونابها ناقتها وكلبا مفعول ابانا وهو اسم رجل رمى ناقة بسوس بسهم فماتت فشكته بسوس لجارها جساس بن اختها فقال لها لاقتلن غدا فحلا هو اعظم من ناقتك يعني كليبا ولما بلغ كليبا ذلك ظن انه يعني فحلا له يسمى عليان فقال: دون غليان خرط القتاد فقتل كليبا فساوى دمه بدم ناقة وهذا عجيب فقال: علت ناب اي عظمت قيمتها أو من العلو بالمهملة وذلك فعل وفاعل وكليب مبتدأ (وبواءها) خبره بمعنى مقابلها اي سويت به والجملة نعت (ناب).

اطفيش

تفسير : {وقال} فى شأن إنكار رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم {الَّذين لا يرجُون لقاءنا} لا يطمعون فيه كما يطمع المؤمنون فيه لايمانهم بالبعث، فيثابون، وهؤلاء الكفرة لم يؤمنوا بالبعث، فهم لا يطمعون فى لقاءنا، ومعنا لقائنا لقاء ثوابنا، وهم لم يعملوا له أيضاً، فلا يرجونه، والرجاء الطمع أو التمنى، أو لقاءنا مجاز عن الثواب بلا تقدير مضاف، وقيل: الرجاء الخوف كما فسر به قوله تعالى: "أية : لا ترجون لله وقاراً"تفسير : [نوح: 13] وقول الشاعر: شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وحالفها فى بيت نوب عواسل تفسير : وقوله:شعر : لا يرتجى حين يلاقى الدابدا أسبعة لاقى له أو واحدا تفسير : حقيقة فى لغة تهامة، وهذيل مجاز فى غيرها، اى لا يخافون لقاء عذابنا، أو اللقاء عبارة عن العذاب، وذلك لعدم إيمانهم بالبعث {لولا أنزل} من الله {عليْنا} معشر الأكابر الأشراف، أو على كل واحد ممن أنكر رسالته، وهذا أشد عتواً {الملائكة} الجنس أو كلهم، وهو أشد عتواً ليخبرونا انك رسول الله {أو نَرى ربَّنا} ليخبرنا أنك رسول منه {لَقَد اسْتكبرُوا فى أنفسهم} الأصل استكبروا أنفسهم أى عدوها كبيرة الشأن، وضمن معنى ألقوا الكبر فعدى بفى أو المعنى أضمروا الكبر فى قلوبهم، وذلك أنهم راموا ما لا يصلح للرسل والملائكة، وهو رؤية الله، فانها لا تثبت لأحد فى الدنيا ولا فى الآخرة، لأنها تنافى الألوهية، وأنهم احقروه صلى الله عليه وسلم عن أن يؤمنوا به وبآياته ومعجزاته. {وعَتَوْا} العتو مجاوزة الحد فى الظلم، وزاد على مطلق ذلك بقوله: {عتواً كبيراً} أقصى ما يكون ورد الله عليهم بذكر الملائكة ورؤيتها لا على وجه طلبوه، بل على وجه العقاب فى قوله: {يوم يَرونَ الملائكة} مفعول لا ذكر، أو ظرف أى لا يفرحون يوم يرونهم، أو يعذبون يوم الخ، وهو يوم القيامة أو الموت أولا بشرى يوم الخ، ودل على المحذوف قوله: {لا بشرى يومئذ} يوم إذ يرونهم {للمجرمين} عموماً، وهم من المجرمين، وهذا احتجاج عليهم، فلا بشرى لهم أولا وبالذات، أو هم المراد بالمجرمين إظهاراً فى مقام الاضمار ليذكرهم باسم الاجرام المنافى للبشرى، أو المراد الرؤية فى الدنيا على سبيل الفرض لثبوتها، وعلى طريق الاخبار بأنهم لا يؤمنون، ولو رأوهم، فاذا رأوهم كما طلبوا، ولم يؤمنوا لم يؤخر عذابهم، كما أهلك قوم صالح، وأصحاب المائدة ونحوهم ممن اقترح آية "أية : إلاَّ قوم يونس لما آمنوا"تفسير : [يونس: 98] الخ، وقال: {يوم يرون الملائكة} ولم يقل تنزل الملائكة كما قالوا: ولولا أنزل إيذاناً من أول بأن ملاقاتهم الملائكة ليس على طريق ما طلبوا بل على وجه آخر. {ويقولون} لنزول العذاب عليهم على طريق الدعاء {حِجْراً مَحْجُوراً} أحجرك الله حجراً محجوراً، أى منعك منعاً ممنوع الترك، أى منعاً لا بد منه كلام تقوله العرب عند الخوف من شىء، فهم يقولونه للملائكة إذا رأوهم وخافوهم حين خرجوا من قبورهم، يجوز عود الضمير للملائكة كما قال أبو سعيد الخدرى: إن القائلين الملائكة حجرت البشرى عنكم حجراً محجوراً، لأنكم لم تقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس: الجنة، وقيل الغفران، ونفى البشرى كناية عن الخزى، لأن المقام إذا كان لأحد الشيئين فقط ونفى أحدهما بقى الآخر، والآخرة إما عقاب أو ثواب.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } الخ شروع في حكاية بعض آخر من أقاويلهم الباطلة وبيان بطلانها إثر حكاية إبطال أباطيلهم السابقة وذكر ما يتعلق بذلك، والجملة معطوفة على قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ مالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ} تفسير : [الفرقان: 7] إلى آخره، ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه بما في حيز الصلة على أن ما يحكى عنهم من الشناعة بحيث لا يصدر عمن يرجو لقاء الله عز وجل، والرجاء في المشهور الأمل وقد فسر أحدهما بالآخر أكثر اللغويين، وفي «فروق ابن هلال» الأمل رجاء يستمر ولذا قيل للنظر في الشيء إذا استمر وطال تأمل، وقيل: الأمل يكون في الممكن والمستحيل والرجاء يخص الممكن. وفي «المصباح» الأمل ضد اليأس وأكثر ما يستعمل فيما يبعد حصوله والطمع يكون فيما قرب حصوله والرجاء بين الأمل والطمع فإن الراجي يخاف أن لا يحصل مأموله ولذا استعمل بمعنى الطمع انتهى، وفسره أبو عبيدة وقوم بالخوف، وقال الفراء: هذه الكلمة تهامية وهي أيضاً من لغة هذيل إذا كان مع الرجاء جحد ذهبوا به إلى معنى الخوف فيقولون: فلان لا يرجو ربه سبحانه يريدون لا يخاف ربه سبحانه، ومن ذلك {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } تفسير : [نوح: 13] أي لا تخافون لله تعالى عظمة وإذا قالوا: فلان يرجو ربه فهذا على معنى الرجاء لا على معنى الخوف، وقال الشاعر:شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وحالفها في بيت نوب عواسل تفسير : وقال آخر:شعر : لا يرتجي حين يلاقي الذائدا أسبعة لاقت له أو واحداً تفسير : انتهى، وذكر أن استعمال الرجاء في معنى الخوف مجاز لأن الراجي لأمر يخاف فواته، وأصل اللقاء مقابلة الشيء ومصادفته وهو مراد من قال: الوصول إلى الشيء لا المماسة ويطلق على الرؤية لأنها وصول إلى المرئي، ولقاؤه تعالى هنا كناية عن لقاء جزائه يوم القيامة أو المراد ذلك بتقدير مضاف؛ والمعنى على التفسير المشهور للرجاء وقال الذين لا يأملون لقاء جزائنا بالخير والثواب على الطاعة لتكذيبهم بالبعث، وعلى التفسير الآخر وقال الذين لا يخافون لقاء جزائنا بالشر والعقاب على المعصية لتكذيبهم بالبعث كذا قيل. وقيل المراد به رؤيته تعالى في الآخرة والرجاء عليه بمعنى الأمل دون الخوف إذ لا معنى لكون الرؤية مخوفة وهو خلاف الظاهر وإن لم يأبه ما بعد إذ يكون المعنى عليه إن الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة التي هي مظنة الرؤية لكثير من الناس اقترحوا رؤيتنا في الدنيا التي ليست مظنة لذلك. وقد يقال: نفي رجاء لقائه تعالى كناية عن إنكار البعث والحشر ولعله أولى مما تقدم أي وقال الذين ينكرون البعث والحشر {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَٰئِكَةُ } أي هلا أنزلوا علينا فيخبرونا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } فيخبرنا بذلك كما روي عن ابن جريج وغيره وفي طلب إنزال ملائكة للتصديق دون إنزال ملك إشارة إلى أنهم بلغوا في التكذيب مبلغاً لا ينفع معه تصديق ملك واحد وإذا اعتبرت أل في الملائكة للاستغراق الحقيقي كانت الإشارة إلى قوة تكذيبهم أقوى، وتزداد القوة إذا اعتبر في / {عَلَيْنَا } معنى كل واحد منا ولم يعتبر توزيع، ويشير أيضاً إلى قوة ذلك تعبيرهم بالمضارع الدال على الاستمرار التجددي في {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } كأنهم لم يكتفوا برؤيته تعالى وإخباره سبحانه بصدق رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يروه سبحانه ويخبرهم مراراً بذلك، ولا يأبـى قصد الاستمرار من المضارع كون الأصل في {لَوْلاَ } التي للتحضيض أو العرض أن تدخل على المضارع وما لم يكن مضارعاً يؤول به، ولعل عدولهم إلى الماضي في جانب إنزال الملائكة المعطوف عليه وإن كان في تأويل المضارع على نحو ما قدمنا في تفسير قوله تعالى: {أية : لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ}تفسير : [الفرقان: 7] فتذكر فما في العهد من قدم. وقيل: المعنى لولا أنزل علينا الملائكة فيبلغون أمر الله تعالى ونهيه بدل محمد صلى الله عليه وسلم أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك من غير توسيط أحد. ورجح الأول بأن السياق لتكذيبه صلى الله عليه وسلم وحاشاه ثم حاشاه من الكذب والتعنت في طلب مصدق له عليه الصلاة والسلام لا لطلب من يفيدهم الأمر والنهي سواه صلى الله عليه وسلم، ولا نسلم أن {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } يتكرر عليه مع {أية : لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ }تفسير : [الفرقان: 7] السابق لظهور الفرق بين المطلوبين فيهما ولو فرض لزوم التكرار بينهما فهو لا يضر كما لا يخفى. وانتصر للأخير بأن المقام ليس إلا لذكر المكذبين وحكاية أباطيلهم الناشئة عن تكذيبهم. وقد عد فيما سبق بعضاً منها متضمناً تعنتهم في طلب مصدق له صلى الله عليه وسلم فالأولى أن يكون ما هنا حكاية نوع آخر منها ليكون أبعد عن التكرار وأدل على العناد والاستكبار. ولعل قوله تعالى: {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً } أنسب بما ذكر. ومعنى {ٱسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ } أوقعوا الاستكبار في شأنها وعدوها كبيرة الشأن، وفيه تنزيل الفعل المتعدي منزلة اللازم كما في قوله:شعر : يجرح في عراقيبها نصلي تفسير : والعتو تجاوز الحد في الظلم وهو المصدر الشائع لعتا، واللام واقعة في جواب القسم أي والله لقد استكبروا في شأن أنفسهم وتجاوزوا الحد في الظلم والطغيان تجاوزاً كبيراً بالغاً أقصى غايته حيث كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام ولم ينقادوا لبشر مثلهم يوحى إليه في أمرهم ونهيهم ولم يكترثوا بمعجزاته القاهرة وآياته الباهرة فطلبوا ما لا يكاد ترنوا إليه أحداق الأمم وراموا ما لا يحظى به إلا بعض أولي العزم من الرسل صلى الله عليهم وسلم. وقد فسر {ٱسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ } بأضمروا الاستكبار وهو الكفر والعناد في قلوبهم وهو أظهر مما تقدم وما تقدم أبلغ وأوفق لما انتصر له. وكذا فسر العتو بالنبو عن الطاعة وما تقدم أبلغ وأوفق بذلك أيضاً. وفي تعقيب حكاية باطل أولئك الكفرة بالجملة القسمية إيذان بغاية قبح ما هم عليه وإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم وهو من الفحوى في الحقيقة ومثل ذلك شائع في الكلام تقول لمن جنى جناية: فعلت كذا وكذا استعظاماً وتعجباً منه؛ ويستعمل في سائر الألسنة وجعل الزمخشري من ذلك قول مهلهل:شعر : وجارة جساس أبأنا بنابها كليباً غلت ناب كليب بواؤها تفسير : والطيبـي قوله تعالى: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً } تفسير : [الكهف: 5]، وتعقب بأن ذلك ليس من هذا القبيل لأن الثلاثي المحول إلى فعل لفظاً أو تقديراً موضوع للتعجب كما صرح به النحاة؛ وذكر الإمام مختار القول الأول في تفسير {لَوْلا أُنزِلَ } الخ أن هذه الجملة جواب لقولهم {لَوْلا أُنزِلَ } الخ من عدة أوجه، أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد ثبتت نبوته / صلى الله عليه وسلم فبعد ذلك لا يكون اقتراح هذه الآيات إلا محض استكبار. وثانيها: أن نزول الملائكة عليهم السلام لو حصل لكان أيضاً من جملة المعجزات ولا يدل على الصدق لخصوص كونه نزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك ورد الآخر ترجيحاً لأحد المثلين من غير مرجح. وثالثها: أنهم بتقدير رؤية الرب سبحانه وتصديقه لرسوله صلى الله عليه وسلم لا يستفيدون علماً أزيد من تصديق المعجز إذ لا فرق بين أن يقول النبـي: اللهم إن كنت صادقاً فأحي هذا الميت فيحييه عز وجل وبين أن يقول: إن كنت صادقاً فصدقني فيصدقه فتعيين أحد الطريقين محض العناد، ورابعها: أن العبد ليس له أن يعترض على مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو بحكم المصلحة عند المعتزلي، وخامسها: أن السائل الملح المعاند الذي لا يرضى بما ينعم عليه مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد إحداهما واقتراح الأخرى ليس من الأدب في شيء. وسادسها: لعل المراد أني لو علمت أنهم ليسوا مستكبرين وعاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت أنهم إنما سألوا لأجل المكابرة والعناد فلا جرم لا أعطيهم، وسابعها: لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة عليهم السلام على عوام الخلق ثم أنهم علقوا إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون ساخرون انتهى وفيه ما لا يخلو عن بحث. واستدلت الأشاعرة بقوله تعالى: {لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } على أن رؤية الله تعالى ممكنة. واستدلت المعتزلة بقوله سبحانه: {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ... وَعَتَوْ} على أنها ممتنعة ولا يخفى ضعف الاستدلالين.

سيد قطب

تفسير : يبدأ هذا الشوط من السورة بما يشبه بدء الشوط الأول، ويسير سيرته في تقديم ما يتطاول به المشركون على ربهم، وما يتفوهون به من اعتراضات واقتراحات، مقدمة لما يتطاولون به على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مقام تسليته وتعزيته. غير أن السياق هنا يعجل بعرض ما ينتظرهم من عذاب الآخرة عقاباً على ذلك التطاول، في سلسلة متصلة من مشاهد القيامة، رداً على قولهم: {لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا}.. ثم يعرض اعتراضاتهم على تنزيل القرآن منجماً، ويعقب ببيان الحكمة من تنزيله متتابعاً، ويطمئن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على عون الله له كلما تحدوه في جدل: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً.. ويعرض عليه وعليهم مصارع المكذبين قبلهم، ويوجه نظرهم إلى مصرع قوم لوط، وهم يمرون على قريته المدمرة، مستنكراً ألا يحرك قلوبهم منظرها وهم يمرون عليها.. كل أولئك مقدمة لعرض استهزائهم بشخصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتطاولهم على مقامه، وما يكاد يعرض هذا حتى يعقب عليه تعقيباً قوياً، يحقرهم فيه ويحتقرهم: {إِن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلاً}.. {وقال الذين لا يرجون لقاءنا: لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا! لقد استكبروا في أنفسهم، وعتوا عتواً كبيراً. يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين، ويقولون: حجراً محجوراً. وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً. أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً. ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً. الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوماً على الكافرين عسيراً. ويوم يعض الظالم على يديه، يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً. يا ويلتا! ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً. لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، وكان الشيطان للإنسان خذولاً}.. إن المشركين لا يرجون لقاء الله، أي لا ينتظرون هذا اللقاء، ولا يحسبون حسابه، ولا يقيمون حياتهم وتصرفاتهم على أساسه. ومن ثم لا تستشعر قلوبهم وقار الله وهيبته وجلاله، فتنطلق ألسنتهم بكلمات وتصورات لا تصدر عن قلب يرجو لقاء الله. {وقال اللذين لا يرجون لقاءنا: لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا!}.. فقد كانوا يستبعدون أن يكون الرسول بشراً؛ وكانوا يطلبون، لكي يؤمنوا بالعقيدة التي يدعوهم إليها، أن تنزل عليهم الملائكة تشهد بها، أو أن يروا الله سبحانه وتعالى فيصدقوا.. وهو تطاول على مقام الله سبحانه. تطاول الجاهل المستهتر الذي لا يحس جلال الله في نفسه، ولا يقدر الله حق قدره. فمن هم حتى يتطاولوا هذا التطاول؟ من هم إلى جوار الله العظيم الجبار المتكبر؟ من هم وهم في ملك الله وخلقه كالذرة التائهة الصغيرة، إلا أن يربطوا أنفسهم بالله عن طريق الإيمان فيستمدوا منه قيمتهم.. ومن ثم يرد عليهم في نفس الآية قبل أن تنتهي، يكشف عن منبع هذا التطاول: {لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً}.. لقد عظم شأنهم في نظر أنفسهم، فاستكبروا واطغوا طغياناً كبيراً. لقد تضخم شعورهم بأنفسهم حتى شغلهم عن تقدير القيم الحقيقية ووزنها وزناً صحيحاً. لقد عادوا ما يحسون إلا أنفسهم وقد كبرت في أعينهم وتضخمت وعظمت، حتى ليحسبونهم شيئاً عظيماً في هذا الكون يستحق أن يظهر لهم الله جل جلاله ليؤمنوا ويصدقوا! ثم يسخر منهم بصدق وحق، إذ يطلعهم على الهول الذي ينتظرهم يوم يرون الملائكة ـ ورؤية الملائكة هي أقل الطلبين تطاولاً ـ فإنهم لا يرون الملائكة إلا في يوم عصيب هائل، ينتظرهم فيه العذاب الذي لا طاقة لهم به، ولا نجاة لهم منه. ذلك هو يوم الحساب والعقاب: {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين. ويقولون: حجراً محجوراً. وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً}.. يوم يتحقق اقتراحهم الذي اقترحوه: {يوم يرون الملائكة} يومئد لا يبشر المجرمون ولكن يعذبون. فيالها من استجابة لما يقولون! يومئذ يقولون: {حجراً محجوراً} أي حراماً محرماً. وهي جملة اتقاء للشر وللأعداء كانوا يقولونها استبعاداً لأعدائهم وتحرزاً من أذاهم. وهي تجري في ذلك اليوم على ألسنتهم بحكم العادة من الذهول حين يفاجأون. ولكن أين هم اليوم مما كانوا يقولون! إن الدعاء لا يعصمهم ولا يمنعهم: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً}.. هكذا في لحظة. والخيال يتبع حركة القدوم المجسمة المتخيلة ـ على طريقة القرآن في التجسيم والتخييل ـ وعملية الإثارة للأعمال، والتذرية في الهواء، فإذا كل ما عملوا في الدنيا من عمل صالح هباء. ذلك أنه لم يقم على الإيمان، الذي يصل القلب بالله، والذي يجعل العمل الصالح منهجاً مرسوماً وأصلاً قاصداً، لا خبط عشواء، ولا نزوة طارئة، ولا حركة مبتورة لا قصد لها ولا غاية. فلا قيمة لعمل مفرد لا يتصل بمنهج، ولا فائدة لحركة مفردة ليست حلقة من سلسلة ذات هدف معلوم. إن وجود الإنسان وحياته وعمله في نظرة الإسلام موصولة كلها بأصل هذا الكون، وبالناموس الذي يحكمه، والذي يصله كله بالله. بما فيه الإنسان وما يصدر عنه من نشاط. فإذا انفصل الإنسان بحياته عن المحور الرئيسي الذي يربطه ويربط الكون، فإنه يصبح لقي ضائعاً لا وزن له ولا قيمة، ولا تقدير لعمله ولا حساب. بل لا وجود لهذا العمل ولا بقاء. والإيمان هو الذي يصل الإنسان بربه؛ فيجعل لعمله قيمة ووزناً، ويجعل له مكانه في حساب هذا الكون وبنائه. وهكذا تعدم أعمال أولئك المشركين. تعدم إعداماً يصوره التعبير القرآني تلك الصورة الحسية المتخيلة: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً}.. وهنا يلتفت إلى الجانب الآخر فإذا المؤمنون أصحاب الجنة ليتم التقابل في المشهد: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً}.. فهم مستقرون مستروحون ناعمون في الظلال. والاستقرار هنا يقابل خفة الهباء المنثور. والاطمئنان يقابل الفزع الذي يطلق الاستعاذة في ذهول. ولقد كان الكفار يقترحون أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة. وربما كان ذلك تأثراً بالأساطير الإسرائيلية التي كانت تصور الإله يتراءى لهم في سحابة أو عمود من النار. فهنا يعود ليرسم مشهداً آخر يوم يتحقق اقتراحهم بنزول الملائكة إليهم: {ويوم تشقق السماء بالغمام، ونزل الملائكة تنزيلاً. الملك يومئذ الحق للرحمن. و كان يوماً على الكافرين عسيراً}. وهذه الآية وكثير غيرها في القرآن يقرر أن أحداثاً فلكية ضخمة ستتم في ذلك اليوم. وكلها تشير إلى اختلال كامل في النظام الذي يربط أجزاء هذا الكون المنظور وأفلاكه ونجومه وكواكبه. وإلى انقلاب في أوضاعه وأشكاله وارتباطاته، تكون به نهاية هذا العالم. وهو انقلاب لا يقتصر على الأرض، إنما يشمل النجوم والكواكب والأفلاك. ولا بأس من استعراض مظاهر هذا الانقلاب كما جاءت في سور متعددة. {أية : إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت. وإذا الجبال سيرت... وإذا البحار سجرت} {أية : إذا السماء انفطرت. وإذا الكواكب انتثرت. وإذا البحار فجرت. وإذا القبور بعثرت} {أية : إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت. وألقت ما فيها وتخلت. وأذنت لربها وحقت}.. {أية : فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان}.. {أية : إذا رجت الأرض رجا. وبست الجبال بسا. فكانت هباء منبثاً}.. {أية : فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة. وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة. فيومئذ وقعت الواقعة؛ وانشقت السماء فهي يومئذ واهية}.. {أية : يوم تكون السماء كالمهل، وتكون الجبال كالعهن}.. {أية : إذا زلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض أثقالها}..{أية : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث. وتكون الجبال كالعهن المنفوش}.. {أية : فارتقبت يوم تأتي السماء بدخان مبين، يغشى الناس هذا عذاب أليم}.. {أية : يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً}.. {أية : السماء منفظر به}.. {أية : إذا دكت الأرض دكاً}.. {أية : فإذا برق البصر، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر}.. {أية : فإذا النجوم طمست، وإذا السماء فرجت، وإذا الجبال نسفت}.. {أية : ويسألونك عن الجبال فقل: ينسفها ربي نسفاً، فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً}.. {أية : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب}.. {أية : ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة}.. {أية : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات}.. {أية : يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب }.. تفسير : فهذه الآيات كلها تنبئ بأن نهاية عالمنا هذا ستكون نهاية مروعة، ترج فيها الأرض وتدك، وتنسف فيها الجبال، وتتفجر فيها البحار إما بامتلائها من أثر الاضطراب؛ وإما بتفجر ذراتها واستحالتها ناراً. كذلك تطمس فيها النجوم وتنكدر، وتشقق فيها السماء وتنفطر، وتتحطم فيها الكواكب وتنتثر، وتختل المسافات فيجمع الشمس والقمر، وتبدو السماء مرة كالدخان ومرة متلهبة حمراء.. إلى آخر هذا الهول الكوني الرعيب. وفي هذه السورة ـ الفرقان ـ يخوف الله المشركين بتشقق السماء بالغمام. وقد يكون هو السحب المتراكمة من أبخرة تلك الانفجارات المروعة. وتنزل الملائكة يومئذ على الكافرين كما كانوا يقترحون، لا لتصديق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكن ليتولوا عذابهم بأمر ربهم {وكان يوماً على الكافرين عسيراً} بما فيه من هول، وبما فيه من عذاب.. فما لهم يقترحون نزول الملائكة وهم لا ينزلون إلا في مثل ذلك اليوم العسير؟ ثم يعرض مشهداً من مشاهد ذلك اليوم، يصور ندم الظالمين الضالين. يعرضه عرضاً طويلاً مديداً، يخيل للسامع أنه لن ينتهي ولن يبرح. مشهد الظالم يعض على يديه من الندم والأسف والأسى: {ويوم يعض الظالم على يديه: يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً. يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً. لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً}.. ويصمت كل شيء من حوله؛ ويروح يمد في صوته المتحسر، ونبراته الأسيفة؛ والإيقاع الممدود يزيد الموقف طولاً ويزيد أثره عمقاً. حتى ليكاد القارىء للآيات والسامع يشاركان في الندم والأسف والأسى! {ويوم يعض الظالم على يديه}.. فلا تكفيه يد واحدة يعض عليها. إنما هو يداول بين هذه وتلك، أو يجمع بينهما لشدة ما يعانيه من الندم اللاذع المتمثل في عضه على اليدين. وهي حركة معهودة يرمز بها إلى حالة نفسية فيجسمها تجسيماً. {يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً}.. فسلكت طريقه، لم أفارقه، ولم أضل عنه.. الرسول الذي كان ينكر رسالته ويستبعد أن يبعثه الله رسولاً! {يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً}.. فلاناً بهذا التجهيل ليشمل كل صاحب سوء يصد عن سبيل الرسول ويضل عن ذكر الله.. {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني}.. لقد كان شيطاناً يضل، أو كان عوناً للشيطان {وكان الشيطان للإنسان خذولاً} يقوده إلى مواقف الخذلان، ويخذله عند الجد، وفي مواقف الهول والكرب.. وهكذا راح القرآن يهز قلوبهم هزاً بهذه المشاهد المزلزلة، التي تجسم لهم مصيرهم المخيف، وتريهم إياه واقعاً مشهوداً، وهم بعد في هذه الأرض، يكذبون بلقاء الله، ويتطاولون على مقامه دون توقير، ويقترحون الاقتراحات المستهترة والهول المرعب ينتظرهم هناك والندم الفاجع بعد فوات الأوان. وبعد هذه الجولة في اليوم العسير يعود بهم إلى الأرض يستعرض موقفهم مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ واعتراضاتهم على طريقة تنزيل القرآن. ثم ينهي هذه الجولة بمشهدهم كذلك يوم الحشر والنشور: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً. وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين، وكفى بربك هادياً ونصيراً. وقال الذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً. ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً. الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكاناً وأضل سبيلاً}. لقد هجروا القرآن الذي نزله الله على عبده لينذرهم. ويبصرهم. هجروه فلم يفتحوا له أسماعهم إذ كانوا يتقون أن يجتذبهم فلا يملكون لقلوبهم عنه رداً. وهجروه فلم يتدبروه ليدركوا الحق من خلاله، ويجدوا الهدي على نوره. وهجروه فلم يجعلوه دستور حياتهم، وقد جاء ليكون منهاج حياة يقودها إلى أقوم طريق: {وقال الرسول: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً}.. وإن ربه ليعلم؛ ولكنه دعاء البث والإنابة، يشهد به ربه على أنه لم يأل جهداً، ولكن قومه لم يستمعوا لهذا القرآن ولم يتدبروه. فيسليه ربه ويعزيه. فتلك هي السنة الجارية قبله في جميع الرسالات. فلكل نبي أعداء يهجرون الهدى الذي يجيئهم به، ويصدون عن سبيل الله. ولكن الله يهدي رسله إلى طريق النصر على أعدائهم المجرمين: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين. وكفى بربك هادياً ونصيراً}.. ولله الحكمة البالغة. فإن بروز المجرمين لحرب الأنبياء والدعوات يقوي عودها؛ ويطبعها بطابع الجد الذي يناسب طبيعتها. وكفاح أصحاب الدعوات للمجرمين الذي يتصدون لها ـ مهما كلفهم من مشقة وكلف الدعوات من تعويق ـ هو الذي يميز الدعوات الحقة من الدعاوى الزائفة؛ وهو الذي يمحص القائمين عليها، ويطرد الزائفين منهم؛ فلا يبقى بجوارها إلا العناصر المؤمنة القوية المتجردة، التي لا تبتغي مغانم قريبة. ولا تريد إلا الدعوة خالصة، تبتغي بها وجه الله تعالى. ولو كانت الدعوات سهلة ميسورة، تسلك طرقاً ممهدة مفروشة بالأزهار، ولا يبرز لها في الطريق خصوم ومعارضون، ولا يتعرض لها المكذبون والمعاندون، لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة، ولاختلطت دعوات الحق ودعاوى الباطل، ووقعت البلبة والفتنة. ولكن بروز الخصوم والأعداء للدعوات، هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتماً مقضياً، ويجعل الآلام والتضحيات لها وقوداً. فلا يكافح ويناضل، ويحتمل الآلام والتضحيات إلا أصحاب دعوة الحق الجادون المؤمنون، الذين يؤثرون دعوتهم على الراحة والمتاع، وأعراض الحياة الدنيا. بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها. ولا يثبت على الكفاح المرير إلا أصلبهم عوداً، وأشدهم إيماناً، وأكثرهم تطلعاً إلى ما عند الله واستهانة بما عند الناس.. عندئذ تتميز دعوة الحق من دعاوى الباطل. وعندئذ تمحص الصفوف فيتميز الأقوياء من الضعفاء. وعندئذ تمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها، واجتازوا امتحانها وبلاءها. أولئك هم الأمناء عليها الذين يحتملون تكاليف النصر وتبعاته. وقد نالوا هذا النصر بثمنه الغالي، وأدوا ضريبته صادقين مؤثرين. وقد علمتهم التجارب والابتلاءات كيف يسيرون بدعوتهم بين الأشواك والصخور. وقد حفزت الشدائد والمخاوف كل طاقاتهم ومقدراتهم، فنما رصيدهم من القوة وذخيرتهم من المعرفة. فيكون هذا كله رصيداً للدعوة التي يحملون رايتها على السراء والضراء. والذي يقع غالباً أن كثرة الناس تقف متفرجة على الصراع بين المجرمين وأصحاب الدعوات؛ حتى إذا تضخم رصيد التضحيات والآلام في صف أصحاب الدعوات، وهم ثابتون على دعوتهم، ماضون في طريقهم، قالت الكثرة المتفرجة أو شعرت أنه لا يمسك أصحاب الدعوة على دعوتهم على الرغم من التضحيات والآلام، إلا أن في هذه الدعوة ما هو أغلى مما يضحون به وأثمن.. وعندئذ تتقدم الكثرة المتفرجة لترى ما هو هذا العنصر الغالي الثمين الذي يرجح كل أعراض الحياة، ويرجح الحياة ذاتها عند أصحاب الدعوة. وعندئذ يدخل المتفرجون أفواجاً في هذه العقيدة بعد طول التفرج بالصراع! من أجل هذا كله جعل الله لكل نبي عدواً من المجرمين؛ وجعل المجرمين يقفون في وجه دعوة الحق، وحملة الدعوة يكافحون المجرمين، فيصيبهم ما يصيبهم وهم ماضون في الطريق، والنهاية مقدرة من قبل، ومعروفة لا يخطئها الواثقون بالله. إنها الهداية إلى الحق، والانتهاء إلى النصر: {وكفى بربك هادياً ونصيراً}. وبروز المجرمين في طريق الأنبياء أمر طبيعي. فدعوة الحق إنما تجيء في أوانها لعلاج فساد واقع في الجماعة أو في البشرية. فساد في القلوب، وفساد في النظم، وفساد في الأوضاع. ووراء هذا الفساد يكمن المجرمون، الذين ينشئون الفساد من ناحية، ويستغلونه من ناحية. والذين تتفق مشاربهم مع هذا الفساد، وتتنفس شهواتهم في جوه الوبيء. والذين يجدون فيه سنداً للقيم الزائفة التي يستندون هم في وجودهم إليها.. فطبيعي إذن أن يبرزوا للأنبياء وللدعوات دفاعاً عن وجودهم، واستبقاء للجو الذي يملكون أن يتنفسوا فيه. وبعض الحشرات يختنق برائحة الأزهار العبقة، ولا يستطيع الحياة إلا في المقاذر، وبعض الديدان يموت في الماء الطاهر الجاري، ولا يستطيع الحياة إلا في المستنقع الآسن. وكذلك المجرمون.. فطبيعي إذن أن يكونوا أعداء لدعوة الحق، يستميتون في كفاحها. وطبيعي أن تنتصر دعوة الحق في النهاية، لأنها تسير مع خط الحياة، وتتجه إلى الأفق الكريم الوضيء الذي تتصل فيه بالله، والذي تبلغ عنده الكمال المقدر لها كما أراد الله.. {وكفى بربك هادياً ونصيراً}.. ثم يمضي في استعراض مقولات المجرمين الذين يقفون في وجه دعوة القرآن، والرد عليها: {وقال الذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً}.. ولقد جاء هذا القرآن ليربي أمة، وينشئ مجتمعاً، ويقيم نظاماً. والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وانفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع. والنفس البشرية لا تتحول تحولاً كاملاً شاملاً بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد. إنما تتأثر يوماً بعد يوم بطرف من هذا المنهج؛ وتتدرج في مراقيه رويداً رويدا، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئاً فشيئاً، فلا تجفل منه كما تجفل لو قدم لها ضخماً ثقيلاً عسيراً. وهي تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية فتصبح في اليوم التالي أكثر استعداداً للانتفاع بالوجبة الثالثة، وأشد قابلية لها والتذاذاً بها. ولقد جاء القرآن بمنهاج كامل شامل للحياة كلها. وجاء في الوقت ذاته بمنهاج للتربية يوافق الفطرة البشرية عن علم بها من خالقها. فجاء لذلك منجماً وفق الحاجات الحية للجماعة المسلمة، وهي في طريق نشأتها ونموها. ووفق استعدادها الذي ينمو يوماً بعد يوم في ظل المنهج التربوي الإلهي الدقيق. جاء ليكون منهج تربية ومنهاج حياة لا ليكون كتاب ثقافة يقرأ لمجرد اللذة أو لمجرد المعرفة. جاء لينفذ حرفاً حرفاً وكلمة كلمة، وتكليفاً تكليفاً. جاء لتكون آياته هي "الأوامر اليومية" التي يتلقاها المسلمون في حينها ليعملوا بها فور تلقيها، كما يتلقى الجندي في ثكنته أو في الميدان "الأمر اليومي" مع التأثر والفهم والرغبة في التنفيذ؛ ومع الانطباع والتكيف وفق ما يتلقاه.. من أجل هذا كله نزل القرآن مفصلاً. يبين أول ما يبين عن منهجه لقلب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويثبته على طريقه؛ ويتتابع على مراحل الطريق رتلاً بعد رتل، وجزءاً بعد جزء: {كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً}.. والترتيل هنا هو التتابع والتوالي وفق حكمة الله وعلمه بحاجات تلك القلوب واستعدادها للتلقي.. ولقد حقق القرآن بمنهجه ذاك خوارق في تكييف تلك النفوس التي تلقته مرتلاً متتابعاً، وتأثرت به يوماً يوماً، وانطبعت به أثراً أثراً. فلما غفل المسلمون عن هذا المنهج، واتخذوا القرآن كتاب متاع للثقافة، وكتاب تعبد للتلاوة، فحسب، لا منهج تربية للانطباع والتكيف ومنهج حياة للعمل والتنفيذ. لم ينتفعوا من القرآن بشيء، لأنهم خرجوا عن منهجه الذي رسمه العليم الخبير.. ويمضي في تثبيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتطمينه على إمداده بالحجة البالغة كلما فتحوا له باباً من الجدل، وكلما اقترحوا عليه اقتراحاً، أو اعترضوا عليه اعتراضاً: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً}.. وإنهم ليجادلون بالباطل، والله يرد عليهم باطلهم بالحق الذي يدمغه. والحق هو الغاية التي يريد القرآن تقريرها، وليس مجرد الانتصار في الجدل، ولا الغلب في المحاجة. إنما هو الحق القوي بنفسه، الواضح الذي لا يلتبس به الباطل. والله سبحانه يعد رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالعون في كل جدل يقوم بينه وبين قومه. فهو على الحق، والله يمده بالحق الذي يعفى على الباطل. فأنى يقف جدلهم لحجة الله البالغة؟ وأنى يقف باطلهم للحق الدامغ الذي يتنزل من عند الله؟ وتنتهي هذه الجولة بمشهدهم يحشرون على وجوههم يوم القيامة، جزاء تأبيهم على الحق، وانقلاب مقاييسهم ومنطقهم في جدلهم العقيم: {الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم. أولئك شر مكاناً وأضل سبيلاً}.. ومشهد الحشر على الوجوه فيه من الإهانة والتحقير والانقلاب، ما يقابل التعالي والاستكبار، والإعراض عن الحق. وهو يضع هذا المشهد أمام الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعزية له عما يلقاه منهم. ويضعه أمامهم تحذيراً لهم مما ينتظرهم. وهو مشهد مجرد عرضه يذل كبرياءهم ويزلزل عنادهم، ويهز كيانهم. وقد كانت هذه الإنذارات تهزهم هزاً، ولكنهم يتحاملون على أنفسهم ويظلون معاندين. ثم يجول بهم جولة في مصارع المكذبين من السابقين: {ولقد آتينا موسى الكتاب، وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً؛ فقلنا: اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا، فدمرناهم تدميراً. وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً. وعاد وثمود وأصحاب الرس، وقروناً بين ذلك كثيراً. وكلا ضربنا له الأمثال، وكلا تبرنا تتبيراً. ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء؛ أفلم يكونوا يرونها؟ بل كانوا لا يرجون نشوراً}.. إنها أمثلة مختصرة سريعة ترسم مصائر المكذبين: فهذا موسى يؤتى الكتاب ويرسل معه أخوه هارون وزيراً ومعيناً. ويؤمر بمواجهة {القوم الذين كذبوا بآياتنا} ذلك أن فرعون وملأه كانوا مكذبين بآيات الله ـ حتى قبل إرسال موسى وهارون إليهم، فآيات الله قائمة دائمة، والرسل إنما يذكرون بها الغافلين.. وقبل أن تتم الآية الثانية في السياق يرسم مصيرهم في عنف وإجمال {فدمرناهم تدميراً}. وهؤلاء قوم نوح: {لما كذبوا الرسل أغرقناهم}.. وهم كذبوا نوحاً وحده. ولكن نوحاً إنما جاءهم بالعقيدة الواحدة التي أرسل بها الرسل جميعاً. فلما كذبوه كانوا قد كذبوا الرسل جميعاً. {وجعلناهم للناس آية} فإن آية الطوفان لا تنسى على الدهر، وكل من نظر فيها اعتبر إن كان له قلب يتدبر {وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً} فهو حاضر لا يحتاج إلى إعداد. ويظهر لفظ الظالمين بدل الضمير لإثبات هذا الوصف لهم وبيان سبب العذاب. وهؤلاء عاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك. كلهم لاقوا ذات المصير بعد أن ضربت لهم الأمثال، فلم يتدبروا القول، ولم يتقوا البوار والدمار.. وهذه الأمثلة كلها من قوم موسى ونوح، وعاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك، ومن القرية التي أمطرت مطر السوء ـ وهي قرية لوط ـ كلها تسير سيرة واحدة وتنتهي نهاية واحدة {وكلا ضربنا له الأمثال} للعظة والاعتبار {وكلا تبرنا تتبيراً} وكانت عاقبة التكذيب هي التحطيم والتفتيت والدمار. والسياق يستعرض هذه الأمثلة ذلك الاستعراض السريع لعرض هذه المصارع المؤثرة. وينهيها بمصرع قوم لوط وهم يمرون عليه في سدوم في رحلة الصيف إلى الشام. وقد أهلكها الله بمطر بركاني من الأبخرة والحجارة فدمرها تدميراً. ويقرر في نهايته أن قلوبهم لا تعتبر ولا تتأثر لأنهم لا ينتظرون البعث، ولا يرجون لقاء الله. فذلك سبب قساوة تلك القلوب. وانطماسها. ومن هذا المعين تنبع تصرفاتهم واعتراضاتهم وسخرياتهم من القرآن ومن الرسول. وبعد هذا الاستعراض السريع يجيء ذكر استهزائهم برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد سبقه تطاولهم على ربهم، واعتراضهم على طريقة تنزيل القرآن. وسبقه كذلك مشاهدهم المفجعة في يوم الحشر، ومصارع المكذبين أمثالهم في هذه الأرض.. كل أولئك تطييباً لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم قبل ذكر استهزائهم به وتوقحهم عليها. ثم يعقب عليه بتهديدهم وتحقيرهم وتنزيلهم إلى أحط من درك الحيوان. {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً. أهذا الذي بعث الله رسولاً؟ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها؛ وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلاً. أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً؟ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟ إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلاً}. ولقد كان محمد صلى الله عليه وسلم ملء السمع والبصر بين قومه قبل بعثته. فقد كان عندهم ذا مكانة من بيته وهو من ذروة بني هاشم وهم ذروة قريش. وكان عندهم ذا مكانة من خلقه وهو الملقب بينهم بالأمين. ولقد ارتضوا حكومته بينهم في وضع الحجر الأسود قبل البعثة بزمن طويل. ويوم دعاهم على الصفا فسألهم أيصدقونه لو أخبرهم أن خيلاً بسفح هذا الجبل قالوا: نعم أنت عندنا غير متهم. ولكنهم بعد البعثة وبعد أن جاءهم بهذا القرآن العظيم راحوا يهزأون به ويقولون: {أهذا الذي بعث الله رسولاً؟} وهي قولة ساخرة مستنكرة.. أكان ذلك عن اقتناع منهم بأن شخصه الكريم يستحق منهم هذه السخرية، وأن ما جاءهم به يستحق منهم هذا الاستهزاء؟ كلا. إنما كانت تلك خطة مدبرة من كبراء قريش للتصغير من أثر شخصيته العظيمة ومن أثر هذا القرآن الذي لا يقاوم. وكانت وسيلة من وسائل مقاومة الدعوة الجديدة التي تهددهم في مراكزهم الاجتماعية وأوضاعهم الاقتصادية، وتجردهم من الأوهام والخرافات الاعتقادية التي تقوم عليها تلك المراكز وهذه الأوضاع. ولقد كانوا يعقدون المؤتمرات لتدبير المؤامرات المحبوكة، ويتفقون فيها على مثل هذه الوسيلة وهم يعلمون كذبهم فيها عن يقين: روى ابن إسحاق أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ـ وكان ذا سن فيهم ـ وقد حضر الموسم ـ موسم الحج ـ فقال لهم: يا معشر قريش: إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً. قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن. لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: إنه مجنون قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله طلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته.. فتفرقوا عنه بذلك. فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره. فهذا مثل من الكيد والتدبير يشي بحيرة القوم في المؤامرات ضد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعرفتهم بحقيقته في الوقت ذاته. فما كان اتخاذهم إياه هزواً، وقولهم ساخرين: {أهذا الذي بعث الله رسولاً؟} بصورة الاستغراب والاستنكار والزراية إلا طرفاً من تلك المؤامرات المدبرة لا ينبعث عن حقيقة شعورية في نفوسهم، إنما يتخذ وسيلة للحط من قدره في أعين الجماهير، التي يحرص سادة قريش على استبقائها تحت وصايتهم الدينية، استبقاء للمراكز الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية التي يتمتعون بها في ظل تلك الوصاية! شأن قريش في هذا شأن أعداء دعوات الحق ودعاتها في كل زمان وفي كل مكان. وبينما كانوا يظهرون الهزء والاستخفاف كانت أقوالهم ذاتها تشي بمقدار ما في نفوسهم من شخصه ومن حجته ومن القرآن الذي جاء به، فيقولون: {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها}.. فلقد زلزل قلوبهم إذن باعترافهم حتى كادوا يتركون آلهتهم وعبادتهم ـ على شدة حرصهم على استبقاء ديانتهم وما وراءها من مراكز ومغانم ـ لولا أنهم قاوموا تأثرهم به وصبروا على آلهتهم! والصبر لا يكون إلا على المقاومة العنيفة للجاذبية العنيفة. وهم يسمون الهداية إضلالاً لسوء تقديرهم للحقائق وتقويمهم للقيم. ولكنهم لا يملكون إخفاء الزلزلة التي أصابت قلوبهم من دعوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشخصيته والقرآن الذي معه حتى وهم يتظاهرون بالاستخفاف بشخصه ودعوته، إصراراً وعناداً. ومن ثم يعاجلهم بالتهديد المجمل الرهيب: {وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلاً}.. فيعلمون إن كان ما جاءهم به هو الهدى أو أنه هو الضلال. ولكن حين لا ينفع العلم، حين يرون العذاب. سواء أكان ذلك في الدنيا كما ذاقوا يوم بدر، أم كان في الآخرة كما يذوقون يوم الحساب. ويلتفت بالخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعزيه عن عنادهم وجموحهم واستهزائهم، فهو لم يقصر في الدعوة، ولم يقصر في الحجة، ولم يستحق ما لاقوه به من التطاول، إنما العلة فيهم أنفسهم. فهم يجعلون من هواهم إلهاً يعبدونه، ولا يرجعون إلى حجة أو برهان. وماذا يملك الرسول لمن يتخذ إلهه هواه: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه. أفأنت تكون عليه وكيلاً؟}.. وهو تعبير عجيب يرسم نموذجاً عميقاً لحالة نفسية بارزة، حين تنفلت النفس من كل المعايير الثابتة والمقاييس المعلومة، والموازين المضبوطة، وتخضع لهواها، وتحكم شهواتها وتتعبد ذاتها، فلا تخضع لميزان، ولا تعترف بحد، ولا تقتنع بمنطق، متى اعترض هواها الطاغي الذي جعلت منه إلهاً يعبد ويطاع. والله ـ سبحانه ـ يخاطب عبده في رفق ومودة وإيناس في أمر هذا النموذج من الناس: {أرأيت؟} ويرسم له هذه الصورة الناطقة المعبرة عن ذلك النموذج الذي لا جدوى من المنطق معه، ولا وزن للحجة، ولا قيمة للحقيقة؛ ليطيب خاطره من مرارة الإخفاق في هدايته. فهو غير قابل للهدى، وغير صالح لأن يتوكل الرسول بأمره، ولا أن يحفل بشأنه: {أفأنت تكون عليه وكيلاً؟}.. ثم يخطو خطوة أخرى في تحقير هؤلاء الذين يتعبدون هواهم، ويحكمون شهواتهم، ويتنكرون للحجة والحقيقة. تعبداً لذواتهم وهواها وشهواتها. يخطو خطوة أخرى فيسويهم بالأنعام التي لا تسمع ولا تعقل. ثم يخطو الخطوة الأخيرة فيدحرجهم من مكانة الأنعام إلى درك أسفل وأحط: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟ إن هم إلا كالأنعام. بل هم أضل سبيلاً}. وفي التعبير تحرز وإنصاف، إذ يذكر {أكثرهم} ولا يعمم، لأن قلة منهم كانت تجنح إلى الهدى، أو تقف عند الحقيقة تتدبرها. فأما الكثرة التي تتخذ من الهوى إلهاً مطاعاً، والتي تتجاهل الدلائل وهي تطرق الأسماع والعقول، فهي كالأنعام. وما يفرق الإنسان من البهيمة إلا الاستعداد للتدبر والإدراك، والتكيف وفق ما يتدبر ويدرك من الحقائق عن بصيرة وقصد وإرادة واقتناع، ووقوف عند الحجة والاقتناع. بل إن الإنسان حين يتجرد من خصائصه هذه ليكونن أحط من البهيمة، لأن البهيمة تهتدى بما أودعها الله من استعداد، فتؤدي وظائفها أداء كاملاً صحيحاً. بينما يهمل الإنسان ما أودعه الله من خصائص، ولا ينتفع بها كما تنتفع البهيمة: {إِن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً}.. وهكذا يعقب على استهزائهم برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك التعقيب الذي يخرج المستهزئين من إطار الآدمية في عنف واحتقار ومهانة. وهكذا ينتهي الشوط الثاني في السورة.

ابن عاشور

تفسير : حكاية مقالة أخرى من مقالات تكذيبهم الرسولَ عليه الصلاة والسلام، وقد عنون عليهم في هذه المقالة بــــ{الذين لا يَرجُون لقاءنا} وعنون عليهم في المقالات السابقة بــــ{أية : الذين كفروا}تفسير : [الفرقان: 4] وبــــ{أية : الظالمون}تفسير : [الفرقان: 8] لأن بين هذا الوصف وبين مقالتهم انتقاض، فهم قد كذّبوا بلقاء الآخرة بما فيه من رؤية الله والملائكةِ، وطَلَبوا رؤية الله في الدنيا، ونزولَ الملائكة عليهم في الدنيا، وأرادوا تلقي الدين من الملائكة أو من الله مباشرة، فكان في حكاية قولهم وذكر وصفهم تعجيب من تناقض مداركهم. واعلم أن أهل الشرك شهدوا أنفسهم بإنكار البعث وتوهّموا أن شبهتهم في إنكاره أقوى حجة لهم في تكذيب الرسل، فمن أجل ذلك أيضاً جعل قولهم ذلك طريقاً لتعريفهم بالموصول كما قال تعالى: {أية : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدّله}تفسير : في سورة يونس (15). و{لولا} حرف تحضيض مستعمل في التعجيز والاستحالة، أي هلا أنزل علينا الملائكة فنؤمن بما جئت به، يعنون أنه إن كان صادقاً فليسأل من ربه وسيلة أخرى لإبلاغ الدين إليهم. ومعنى: {لا يرجون} لا يظنون ظنّاً قريباً، أي يَعُدّون لقاء الله محالاً. ومقصدهم من مقالهم أنهم أعلى من أن يتلقوا الدين من رجل مثلهم، ولذلك عقب بقوله: {لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً} على معنى التعجيب من ازدهائهم وغرورهم الباطل. والجملة استئناف يتنزّل منزلة جواب عن قولهم. والتأكيد بلام القسم لإفادة معنى التعجيب لأن القسم يستعمل في التعجب كقول أحد بني كِلاب أو بني نُمير أنشده ثعلب في «مجالسه» والقالي في «أماليه»:شعر : أَلاَ يَا سَنا برفقٍ على قُلَلِ الحِمى لَهِنَّك مِنْ برقٍ علي كريمُ تفسير : فإن قوله: من برق، في قوة التمييز وإنما يكون التمييز فيه لما فيه من معنى التعجب. والاستكبار: مبالغة في التكبر، فالسين والتاء للمبالغة مثل استجاب. و{فِي} للظرفية المجازية؛ شبهت أنفسهم بالظروف في تمكن المظروف منها، أي هو استكبار متمكن منهم كقوله تعالى: {أية : وفي أنفُسِكم أفلا تُبصرون}تفسير : [الذاريات: 21]. ويجوز أن تكون {في} للتعليل كما في الحديث «حديث : دخلتِ امرأة النارَ في هِرَّةٍ حَبَسْتَها»تفسير : الحديث، أي استكبروا لأجل عظمة أنفسهم في زعمهم. وليست الظرفية حقيقية لِقلّة جدوى ذلك؛ إذ من المعلوم أن الاستكبار لا يكون إلا في النفس لأنه من الأفعال النفسية. والعُتوّ: تجاوز الحد في الظلم، وتقدم في قوله تعالى: {أية : وعَتوا عن أمر ربّهم} تفسير : في الأعراف (77). وإنما كان هذا ظلماً لأنهم تجاوزوا مقدار ما خولهم الله من القابلية. وفي هذا إيماء إلى أن النبوءة لا تكون بالاكتساب وإنما هي إعداد من الله تعالى قال: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالاته}تفسير : [الأنعام: 124].

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين لا يرجون لقاء الله قالوا: لولا أنزل علينا الملائكة، أو نرى ربنا، ولولا في هذه الآية للتخضيض. والمعنى أنهم طلبوا بحث وشدة أن تنزل عليهم الملائكة أو يرون ربهم، وهذا التعنت الذي ذكره الله عنهم هنا من طلبهم إنزال الملائكة عليهم، أو رؤيتهم ربهم ذكره في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 92] وقولهم: {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ} قيل: فتوحي إلينا كما أوحت إليك، وهذا القول يدل له قوله تعالى: {أية : قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 124] الآية وقيل: لولا أنزل علينا الملائكة فتراهم عياناً، وهذا يدل له قوله تعالى: {أية : أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 92] أي معاينة على القول بذلك، وقد قدمنا الأقوال في ذلك في سورة بني إسرائيل. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: لا يرجون. قال بعض العلماء: لا يرجون أي لا يخافون لقاءنا لعدم. إيمانهم بالبعث. والرجاء يطلق على الخوف كما يطلق على الطمع. قال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} تفسير : [نوح: 13] قال أي لا تخافون لله عظمة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواسل تفسير : فقوله لم يرج لسعها: أي لم يخف لسعها، وقال بعض أهل العلم: إطلاق الرجاء على الخوف لغة تهامة، وقال بعض العلماء: لا يرجون لقاءنا لا يأملون، وعزاه القرطبي لابن شجرة وقال: ومنه قول الشاعر: شعر : أترجو أمة قتلت حسيناً شفاعة جده يوم الحساب تفسير : أي أتأمل أمة الخ. والذي لا يؤمن بالبعث لا يخاف لقاء الله، لأنه لا يصدق بالعذاب، ولا يأمل الخير من تلقائه، لأنه لا يؤمن بالثواب. وقوله جل وعلا {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ} أي أضمروا التكبر عن الحق في قلوبهم، واعتقدوه عناداً وكفراً، ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: {أية : إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ} تفسير : [غافر: 56] وقوله تعالى: {وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} أي تجاوزوا الحد في الظلم والطغيان يقال: عتا علينا فلان: أي تجاوز الحد في ظلمنا، ووصفه تعالى عتوهم المذكور بالكبر، يدل على أنه بالغ في إفراطه، وأنهم بلغوا غاية الاستكبار، وأقصى العتو، وهذه الآية الكريمة تدل على أن تكذيب الرسل بعد دلالة المعجزات، ووضوح الحق وعنادهم والتعنت عليهم بطلب إنزال الملائكة، أو رؤية الله استكبار عن الحق عظيم وعتو كبير يستحق صاحبه النكال، والتقريع، ولذا شدد الله النكير على من تعنت ذلك التعنت واستكبر عن قبول الحق، كما في قوله تعالى: {أية : أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} تفسير : [البقرة: 108] وقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} تفسير : [النساء: 153] الآية وقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} تفسير : [البقرة: 55] واستدلال المعتزلة بهذه الآية، وأمثالها على أن الرؤية الله مستحيلة استدلال باطل ومذهبهم والعياذ بالله من أكبر الضلال، وأعظم الباطل، وقول الزمخشري في كلامه على هذه الآية: إن الله لا يرى قول باطل، وكلام فاسد. والحق الذي لا شك فيه: أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم يوم القيامة كما تواترت به الأحاديث عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ودلت عليه الآيات القرآنية منطوقاً ومفهوماً. كما أوضحناه في غير هذا الموضع. وقد قدمنا في هذه السورة وفي سورة بني إسرائيل الآيات الدالة على أن الله لو فعل لهم كل ما اقترحوا لما آمنوا، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا يرجون لقاءنا: أي المكذبون بالبعث إذ لقاء العبد ربه يكون يوم القيامة. لولا أنزل علينا الملائكة: أي هلاَّ أنزلت علينا ملائكة تشهد لك بأنك رسول الله. أو نرى ربنا: أي فيخبرنا بأنك رسول وأن علينا أن نؤمن بك. استكبروا في أنفسهم: أي في شأن أنفسهم ورأوا أنهم أكبر شيء وأعظمه غروراً منهم. وعتو عتواً كبيراً: أي طغوا طغياناً كبيراً حتى طالبوا بنزول الملائكة ورؤية الرب تعالى. ويقولون حجراً محجوراً: أي تقول لهم الملائكة حراماً محرماً عليكم البشرى. وقدمنا إلى ما عملوا: أي عمدنا إلى أعمالهم الفاسدة التي لم تكن على علم وإخلاص. هباء منثوراً: الهباء ما يرى من غبار في شعاع الشمس الداخل من الكوى. وأحسن مقيلاً: المقيل مكان الاستراحة في نصف النهار في أيام الحر. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر أقوال المشركين من قريش فقال تعالى {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} وهم المكذبون بالبعث المنكرون للحياة الثانية بكل ما فيها من نعيم وعذاب {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ} أي هلا أنزل الله علينا الملائكة تشهد لمحمد بالنبوة {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} فيخبرنا بأن محمداً رسوله وأن علينا أن نؤمن به وبما جاء به ودعا إليه. قال تعالى {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} أي وعزتنا وجلالنا لقد استكبر هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث في شأن أنفسهم ورأوا أنهم شيء كبير وعتوا أي طغوا طغياناً كبيراً في قولهم هذا الذي لا داعي إليه إلا الشعور بالكبر، والطغيان النفسي الكبير، وقوله {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ} أي الذين يطالبون بنزولهم عليهم، وذلك يوم القيامة. لا بشرى يومئذ للمجرمين أي الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها بالشرك والظلم الفساد: {وَيَقُولُونَ} أي وتقول لهم الملائكة {حِجْراً مَّحْجُوراً} أي حراماً محرماً عليكم البشرى بل هي للمؤمنين المتقين. وقوله تعالى: {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} أي وعمدنا إلى أعمالهم التي لم تقم على مبدأ الإِيمان والإِخلاص والموافقة للشرع فصيرناها هباءً منثوراً كالغبار الذي يرى في ضوء الشمس الداخل مع كوة أو نافذة لا يقبض باليد ولا يلمس بالأصابع لدقته وتفرقه فكذلك أعمالهم لا ينتفعون منها بشيء لبطلانها وعدم الاعتراف بها. وقوله تعالى: {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} أي أهلها الذين تأهلوا لها بالإِيمان والتقوى يومئذ أي يوم القيامة الذي كذب به المكذبون خير مستقراً أي مكان استقرار وإقامة وأحسن مقيلا أي مكان استراحة من العناء في نصف النهار أي خير وأحسن من أهل النار المشركين المكذبين وفي هذا التعبير إشارة إلى أن الحساب قد ينقضي في نصف يوم الحساب وذلك أن الله سريع الحساب. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ما كان عليه غلاة المشركين من قريش من كبر وعتو وطغيان. 2- إثبات رؤية الملائكة عند قبض الروح، ويوم القيامة. 3- نفي البشرى عن المجرمين وإثباتها للمؤمنين المتقين. 4- حبوط عمل المشركين وبطلانه حيث لا ينتفعون بشيء منه البتة. 5- انتهاء حساب المؤمنين قبل نصف يوم الحساب الذي مقداره خمسون ألف سنة.

القطان

تفسير : لا يرجون: لا يخافون ولا يتوقعون. واستكبروا في أنفسِهم: تكبروا، تمكن الكبر من نفوسهم. وعتَوا عتواً كبيرا: تمردوا، وتجاوزا حدا كبيرا في الظلم. لا بشرى لهم: سوف يكون ذلك اليوم مصدر ازعاج لهم لا بشارة فيه. حِجراً محجورا: تعبير تقوله العرب عندما ينزل بهم مكروه، ومعناه نسأل الله ان يمنع ذلك منعا، ويحجره حجرا. وقدِمنا الى ما عملوا: ونأتي الى ما عملوه. هباء منثورا: غبارا متفرقا لا قيمة له. خيرٌ مستقرا: افضل مكان يُستقر فيه. وأحسن مقيلا: وأحسن مكان للراحة والقيلولة. وقال الذين ينكرون البعث، ولا يتوقّعون لقاءنا: لماذا لا تُنَزَّلُ علينا الملائكةُ فيخبرونا بأن محمداً صادقٌ فيما يدّعي؟ ولماذا لا نرى الله فيخبرنا بأنه أرسلك؟ لقد استكبروا ووضعوا أنفسَهم في مكانٍ لا يستحقونه، وتجاوزوا الحد في الظلم والطغيان. ثم بين الله انهم سيَلْقَون الملائكة يوم القيامة، ولكن ذلك اليوم لن يسرَّهم ولن يكون لهم فيه بشارة، وسوف يقولون لهم: لا بشرى لكم اليوم. ويومئذٍ يقولون: {حِجْراً مَّحْجُوراً} حراماً محرَّماً، وهي جملة تقال اتقاءً للشر والأعداء، وذلك لا يعصمهم من العذاب. {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} ويوم القيامة نأتي الى ما عملوه من الخير فنحرِمُهم ثوابه ونجعلُه كالغبار المتطاير في الهواء، لا قيمةَ له ولا وزن. {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} وفي المقابل ستكون منازلُ اهل الجنة في ذلك اليوم خيراً من منازل المشركين، فهي أحسن الأماكن للاستقرار الدائم، وأعظمها راحةً وسعادة. {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً.... } في ذلك اليوم يختلف كل نظام هذا العالم الذي نراه، فتنفرج السماءُ ويُحشر الناس جميعا. وعند ذلك تنزل الملائكةُ، ويكون المُلك لله وحده، ويكون اليوم شديدا عسيراً على الجاحدين. يومئذ يتحقق الظالمون انهم كانوا على الباطل، فيعَضُّ الظالمُ منهم على يديه من الندم ويقول متمنيا: يا ليتني اتبعتُ الرسُل وآمنت بهم. ثم ان ذلك الظالم يتحسّر ويأسف ويقول: يا ليتني لم أصادقْ ذلك الصاحبَ الذي أضلَّني وأبعدني عن الخير، وعن ذكر الله بعد ان يسَّره الله لي. لقد خذلني الشيطان. ولكن هذا كله لن ينجيه من العذاب.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمَلاَئِكَةُ} {وَعَتَوْا} (21) - وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا وَأَنْكَرُوا البَعْثَ، وَالنُّشُورَ، وَالجَزَاءَ، وَكَذَّبُوا رَسُولَ اللهِ فِيما جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهم: هلاَّ أُنْزِلَ عَلَينا المَلاَئِكَةُ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَنَرَاهُمْ عِيَاناً لِيُخْبِرُونا أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ حَقاً، فَإِنَّا فِي شَكٍّ وَمِرْيةٍ مِنْ أمْرِهِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذا فَلْنَرَ رَبَّنا فَيُخْبِرَنا أَنَّهُ أَرْسَل إِلينا رَسُولاً، وَيَدْعُونا إِلى طَاعَتِه وَتَصْدِيقِهِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلى اقْتِراحَاتِ هَؤُلاءِ المُقْتَرِحِينَ قَائِلاً: لَقَدِ اسْتَكْبَرَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ فِي شَأْنِ أَنْفُسِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا الحَدَّ في العُتُوِّ والظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ. لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنا - لاَ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّهُمْ سَيُلاَقُونَ رَبَّهُمْ فِي الآخِرَةِ. عُتُوّاً - تَجَاوُزَ الحَدِّ فِي الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ وَالتَّكَبُّر.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ} فتخبرنا أنَّ محمداً صادق محقّ {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} فيخبرنا بذلك نظيرها قوله سبحانه {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ}تفسير : [الإسراء: 90] الى قوله {أية : وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 92]. قال الله تعالى {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ} بهذه المقالة {وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} قال مقاتل: غلوّاً في القول، والعتو: أشدّ الكفر وأفحش الظلم. {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ} عند الموت وفي القيامة {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} للكافرين {وَيَقُولُونَ} يعني الملائكة للمجرمين {حِجْراً مَّحْجُوراً} أي حراماً محرماً عليكم البشرى بخير، وقيل: حرام عليكم الجنة، وقال بعضهم: هذا قول الكفار للملائكة، قال ابن جريج: كانت العرب إذا نزلت بهم شديدة أو رأوا ما يكرهون قالوا: حجراً محجوراً، فقالوا حين عاينوا الملائكة هذا، وقال مجاهد: يعني عوذاً معاذاً، يستعيذون من الملائكة. {وَقَدِمْنَآ} وعمدنا {إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} باطلاً لا ثواب له لأنّهم لم يعملوه لله سبحانه وإنّما عملوه للشيطان، واختلف المفسّرون في الهباء فقال بعضهم: هو الذي يرى في الكوى من شعاع الشمس كالغبار ولا يُمسّ بالأيدي ولا يُرى في الظلّ، وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد. وقال قتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر، وهي رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس، وقال ابن زيد: هو الغبار، والوالبي عن ابن عباس: هو الماء المهراق، مقاتل: ما يسطع من حوافر الدواب، والمنثور: المتفرق. {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} من هؤلاء المشركين المتكبرين المفتخرين بأموالهم {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} موضع قائلة وهذا على التقدير، قال المفسرون: يعني أنّ أهل الجنة لا يمر بهم في الآخرة إلاّ قدر ميقات النهار من أولّه إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة. قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار وقرأ: ثم ان مقيلهم لاَلى الجحيم، هكذا كان يقرأها، وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب من ذلك اليوم في أولّه، وقال القوم حين قالوا في منازلهم في الجنة. وروى ابن وهب عن عمرو بن الحرث أنّ سعيداً الصوّاف أو الصراف حدّثه أنّه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وأنّهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس، وقرأ هذه الآية. {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ} قرأ أبو عمر وأهل الكوفة بتخفيف الشين على الحذف والتخفيف ههنا وفي سورة ق، وقرأ الآخرون بالتشديد فيهما على معنى تنشق السماء بالغمام أي عن الغمام، والباء وعن يتعاقبان كما يقال: رميت عن القوس وبالقوس بمعنى واحد. وقال المفسّرون: وهو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة ولم يكن لبني إسرائيل في تيههم، وهو الذي قال الله سبحانه وتعالى {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ}. {وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً} هكذا قراءة العامة، وقرأ ابن كثير ونُنزل بنونين الملائكة نصبٌ {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ} خالصاً وبطلت ممالك غيره {وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً} صعباً شديداً نظيرها قوله سبحانه {أية : فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى ٱلْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}تفسير : [المدثر: 9-10] والخطاب يدلّ على أنّه على المؤمنين يسير. وفي الحديث: إنّه ليهوّن يوم القيامة على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة صلاّها في دار الدنيا. {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} الآية. نزلت في عقبة بن أبي معيط وأُبي بن خلف وكانا متحابّين وذلك حديث : أنّ عقبة كان لا يقدم من سفر إلاّ صنع طعاماً فدعا إليه أشراف قومه وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فقدم من سفره ذات يوم فصنع طعاماً فدعا الناس ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى طعامه، فلمّا قرّب الطعام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنا بآكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله» فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه وكان أُبىّ بن خلف غائباً، فلمّا أُخبر بالقصة قال: صبأت يا عقبة: قال: لا والله ما أصبأت ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي ألاّ أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له فطعم. فقال أُبَىّ: ما أنا بالذي أرضى منك أبداً إلاّ أن تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ عنقه، ففعل ذلك عقبة وأخد رحم دابّة فألقاها بين كتفيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ألقاك خارجاً من مكّة إلاّ علوت رأسك بالسيف". تفسير : فقُتل عقبة يوم بدر صبراً، وأما أُبىّ بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده يوم أُحد في المنابزة، وأنزل الله فيهما هذه الآية. وقال الضحّاك: لمّا بزق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد بزاقه في وجهه وانشعب شعبتين فأحرق خدّيه، فكان أثر ذلك فيه حتّى الموت. وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: كان أُبي بن خلف يحضر النبي صلى الله عليه وسلم ويجالسه ويسمع إلى كلامه من غير أن يؤمن له فزجره عقبة بن أبي معيط عن ذلك، فنزلت هذه الآية، وقال الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليلاً لأُميّة بن خلف فأسلم عقبة فقال أُميّة: وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمداً، فكفر وارتدّ لرضا أُميّة فأنزل الله سبحانه {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} يعني الكافر عقبة بن أبي معيط لأجل طاعة خليله الذي صَدَّهُ عن سبيل ربّه {يَقُولُ يٰلَيْتَنِي} وفتح تاءه أبو عمرو {ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ} محمد صلى الله عليه وسلم {سَبِيلاً * يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} يعني أُبي بن خلف الجمحي { لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ} يعني القرآن والرسول {بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ} وهو كلّ متمرّد عات من الجانّ، وكلّ من صدَّ عن سبيل الله وأُطيع في معصيته فهو شيطان {لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} عند نزول البلاء والعذاب به. وحكم هذه الآيات عامّ في كلّ متحابّين اجتمعا على معصية الله، لذلك قال بعض العلماء: أنشدنيه أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الصديق قال: أنشدنا أبو وائلة عبد الرحمن بن الحسين: شعر : تجنّبْ قرين السوء واصرم حباله فإن لم تجد عنه محيصاً فداره وأحبب حبيب الصدق واحذر مراءه تنل منه صفو الودّ ما لم تماره وفي الشيب ما ينهى الحليم عن الصبا إذا اشتعلت نيرانه في عذاره تفسير : وأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو بكر محمد بن عبد الله الحامدي: شعر : اصحبْ خيار الناس حيث لقيتهم خير الصحابة من يكون عفيفاً والناس مثل دراهم ميزّتها فوجدت فيها فضّة وزيوفا تفسير : وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر المفسّر قال: حدّثنا أبو سعيد عبد الرَّحْمن ابن محمد بن حسكا قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال: حدّثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدّثنا عاصم عن أبي كبشة قال: سمعت أبا موسى يقول على المنبر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : مثل الجليس الصالح مثل العطار إنْ لم ينلك يعبقُ بك من ريحه، ومثل الجليس السوء مثل القين إنْ لم يحرق ثيابك يعبق بك من ريحه . تفسير : وحدَّثنا أبو القاسم بن حبيب لفظاً سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو حاتم محمد ابن حيان بن أحمد قال: أخبرنا محمد بن أبي علي الخلادي قال: حدّثنا عبد الله بن الصقر السكري قال: حدّثنا وهب بن محمد النباتي قال: سمعت الحرث بن وجيه يقول: سمعت مالك ابن دينار يقول: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص مع الفجّار. {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ} يعني ويقول الرسول في ذلك اليوم {يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} أي قالوا فيه غير الحق فزعموا أنّه سحر وشعر وسمر من الهجر، وهو القول السيّىء، عن النخعي ومجاهد. وقال الآخرون: هو من الهجران أي أعرضوا عنه وتركوه فلم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه. أخبرنا أبو الطيب الربيع بن محمد الحاتمي وأبو نصر محمد بن علي بن الفضل الخزاعي قالا: حدّثنا أبو الحسن علي بن محمد بن عقبة الشيباني قال: حدّثنا أبو القاسم الخضر بن أبان القرشي قال: حدّثنا أبو هدية إبراهيم بن هدية قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن تعلّم القرآن وعلّمه وعلّق مصحفاً لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلّقاً به يقول: يا ربّ العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه ". تفسير : {وَكَذَلِكَ} أي وكما جعلنا لك يا محمد أعداء ومن مشركي قومك كذلك {جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي من مشركي قومه، فاصبر لأمري كما صبروا فإني هاد بك وناصرك على من ناواك. {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} على الحال والتمييز {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ} على محمد {ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} كما أُنزلت التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى جملة واحدة قال الله سبحانه {كَذَلِكَ} فعلنا {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} لنقوّي بها قلبك فتعيه وتحفظه، فإنّ الكتب نزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، والقرآن أُنزل على نبيّ أُمّي ولأنّ من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أُمور، ففرّقناه ليكون أوعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأيسر على العالِم به. {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} قال ابن عباس: ورسّلناه ترسيلاً، وقال النخعي والحسن: فرّقناه تفريقاً آية بعد آية وشيئاً بعد شيء، وكان بين أوله وآخره نحو ثلاث وعشرين سنة، وقال ابن زيد: وفسّرناه تفسيراً، والترتيل: التبيين في ترسّل وتثبّت. {وَلاَ يَأْتُونَكَ} يا محمد يعني هؤلاء المشركين {بِمَثَلٍ} في إبطال أمرك {إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} أي بما تردّ به ما جاؤوا به من المثل وتبطله. {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} بياناً وتفصيلاً، ثمَّ وصف حال المشركين وبيّن حالهم يوم القيامة فقال {ٱلَّذِينَ} يعني هم الذين {يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} فيساقون ويجرّون {إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً}. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خرجة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا عثمان قال: حدّثنا بشر بن المفضل عن علي بن يزيد عن أوس بن أوس عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث: ثلث على الدوابّ، وثلث على وجوههم، وثلث على أقدامهم ينسلون نسلا ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : واللقاء: يعني البعث، وقد آمنا بالله غَيْباً، وفي الآخرة نؤمن به تعالى مَشْهداً {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ..}تفسير : [غافر: 16] حتى مَنْ لم يؤمن في الدنيا سيؤمن في الآخرة. لذلك يقول سبحانه في موضع آخر: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39]. ويا ليته جاء فلم يجد عمله، المصيبة أنه وجد عمله كاملاً، ووجد الله تعالى يحاسبه ويُجازيه، ولم يكن هذا كله على باله في الدنيا؛ لذلك يُفَاجأ به الآن. وقوله: {لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ..} [الفرقان: 21] يعني: لا ينتظرونه ولا يؤمنون به؛ لذلك لم يستعدوا له، لماذا؟ لأنهم آثروا عافية العاجلة على عافية الآجلة، ورأوْا أمامهم شهواتٍ ومُتَعاً لم يصبروا عليها، وغفلوا عن الغاية الأخيرة. ما هو اللقاء؟ اللقاء يعني الوَصْل والمقابلة، لكن كيف يتم الوَصْل والمقابلة بين الحق - تبارك وتعالى - وبين الخَلْق - وهذه من المسائل التي كَثُر فيها الجدال، وحدثت فيها ضجّة شككتْ المسلمين في كثير من القضايا. قالوا: اللقاء يقتضي أن يكون الله تعالى مُجسّماً وهذا ممنوع، وقال آخرون: ليس بالضرورة أن يكون اللقاء وَصْلاً، فقد يكون مجردَ الرؤية؛ لأن رؤية العَيْن للرب ليست لقاء، وهذا قول أهل السنة. أما المعتزلة فقد نفَوْا حتى الرؤية، فقال: لا يلقونه وَصْلاً ولا رؤية، لأن الرائي يحدد المرئي، وهذا مُحَال على الله عز وجل. ونقول للمعتزلة: أنتم تأخذون المسائل بالنسبة لله، كما تأخذونها بالنسبة لمخلوقات الله، لماذا لا تأخذون كل شيء بالنسبة لله تعالى في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..}تفسير : [الشورى: 11] فإذا كان لكم ببعض لقاء يقتضي الوَصْل، فلله تعالى لقاء لا يقتضي الوصل، وإذا كانت الرؤية تحدد فلله تعالى رؤية لا تحدد. إن لك سَمْعاً ولله سمع أسمعُك كسمع الله عز وجل؟ إذن. لماذا تريد أن يكون لقاء الله كلقائك يقتضي تجسُّداً، أو رؤيته كرؤيتك؟ لذلك في قصة رؤية موسى عليه السلام لربه عز وجل، ماذا قال موسى؟ قال: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ..}تفسير : [الأعراف: 143] فطلب من ربه أن يُريه لأنه لا يستطيع ذلك بذاته، ولا يصلح لهذه الرؤية، ألا أن يُريه الله ويطلعه، فالمسألة ليست من جهة المرئيّ، إنما من جهة الرائي. لكن هل قرَّعه الله على طلبه هذا وقال عنه: استكبر وعتا عُتُواً كبيراً كما قال هنا؟ لا إنما قال له: {أية : لَن تَرَانِي ..}تفسير : [الأعراف: 143] ولم يقُلْ سبحانه: لن أُرَى، وفرْق بين العبارتين. فقوله: {أية : لَن تَرَانِي ..}تفسير : [الأعراف: 143] المنع هنا ليس من المرئيّ بل المنع من الرائي؛ لذلك أعطاه ربه عز وجل الدليل: {أية : وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ..}تفسير : [الأعراف: 143] يعني: أأنت أقوى أم الجبل؟ {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً ..}تفسير : [الأعراف: 143]. ولاحظ: {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ..}تفسير : [الأعراف: 143] كلمة تجلى أي: أن الله تعالى يتجلى على بعض خَلْقه، لكن أيصبرون على هذا التجلي؟ وليس الجبل أكرم عند الله من الإنسان الذي سخّر اللهُ له الجبل وكلّ شيء في الوجود. إذن: فالإنسان هو الأكرم، لكن تكوينه وطبيعته لا تصلح لهذه الرؤية، وليس لديه الاستعداد لتلقّي الأنوار الإلهية؛ ذلك لأن الله تعالى خلقه للأرض. أما في الآخرة فالأمر مختلف؛ لذلك سيُعدِّل الله هذا الخلق بحيث تتغير حقائقه ويمكنه أن يرى، وإذا كان موسى - عليه السلام - قد صُعِق لرؤية المتجلَّى عليه وهو الجبل، فكيف به إذا رأى المتجلِّي عز وجل؟ لذلك، كان من نعمة الله تعالى على عباده في الآخرة: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 22-23]. وقال عن الكفار: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}تفسير : [المطففين: 15] إذن: ما يُميِّز المؤمنين عن الكافرين أنهم لا يُحجبون عن رؤية ربهم عز وجل بعد أنْ تغيَّر تكوينهم الأخْروي، فأصبحوا قادرين على رؤية ما لم يَرَوْه في الدنيا. وإذا كان البشر الآن بتقدّم العلم يصنعون لضعاف البصر ما يُزِيد من بصرهم ورؤيتهم، فلماذا نستبعد هذا بالنسبة لله تعالى؟ لذلك، تجد المسرفين على أنفسهم يجادلونك بما يريحهم، فتراهم يُنكِرون البعث، ويُبعِدون هذه الفكرة عن أنفسهم؛ لأنهم يعلمون سوء عاقبتهم إنْ أيقنُوا بالبعث واعترفوا به. ومن المسرفين على أنفسهم حتى مؤمنون بإله، يقول أحدهم: ما دام أن الله تعالى قدَّر عليَّ المعصية، فلماذا يُحاسبني عليها؟ ونعجب لأنهم لم يذكروا المقابل ولم يقولوا: ما دام قد قدَّر علينا الطاعة، فلماذا يثيبنا عليها؟ إذن: لم يقفوا الوقفة العقلية السليمة؛ لأن الأولى ستجرُّ عليهم الشر فذكروها، أما الأخرى فخير يُسَاق إليهم؛ لذلك غفلوا عن ذِكْرها. وقولهم: {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ..} [الفرقان: 21] وهذا يدلّ على تكبُّرهم واعتراضهم على كَوْن الرسول بَشَراً، وفي موضع آخر قالوا: {أية : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ..}تفسير : [التغابن: 6]. إذن: كل ما يغيظهم أن يكون الرسول بشراً، وهذا الاستدراك يدلُّ على غبائهم، فلو جاء الرسول ملَكاً ما صَحَّ أن يكون لهم قدوة، وما جاء الرسول إلا ليكون قُدْوةً ومُعلِّماً للمنهج وأُسْوة سلوك، ولو جاء ملَكاً لأمكنه نعم أنْ يُعلِّمنا منهج الله، لكن لا يصح أنْ يكون لنا أُسْوة سلوك، فلو أمرك بشيء وهو مَلَك لَكان لك أنْ تعترض عليه تقول: أنت مَلَكٌ تقدر على ذلك، أمَّا أنا فبشر لا أقدر عليه. فالحق سبحانه يقول: لاحظوا أن للرسل مهمتين: مهمةَ البلاغ، ومهمة الأُسْوة السلوكية، فلو أنهم كانوا من غير طبيعة البشر لتأتّى لهم البلاغ، لكن لا يتأتى لهم أن يكونوا قُدْوة ونموذجاً يُحتذى. ولو جاء الرسول ملَكَا على حقيقته ما رأيتموه، ولاحتجتم له على صورة بشرية، وساعتها لن تعرفوا أهو ملَكَ أم بشر، إذن، لا بُدَّ أن تعود المسألة إلى أن يكون بشراً، لذلك يقول سبحانه: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}تفسير : [الأنعام: 9]. ومسألة نزول الملائكة مع الرسول من الاقتراحات التي اقترحها الكفار على رسول الله ليطلبها من ربه، وهذا يعني أنهم يريدون دليلَ تصديق على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وسبق أنْ جاءهم رسول الله بمعجزة من جنس ما نبغُوا فيه وعجزوا أنْ يُجَاروه فيها، ليثبت أن ذلك جاء من عند ربهم القوي، ومعنى هذه المعجزة أنها تقوم مقام قوله صدق عبدي في كل ما يُبلِّغ عني. وما دامت المعجزة قد جاءتْ بتصديق الرسول، فهل هناك معجزة أَوْلَى من معجزة؟ لقد كانت معجزة القرآن كافية لتقوم دليلاً على صِدْق الرسول في البلاغ عن الله، وأيضاً جاءكم بغيبيّات لا يمكن أن يطلع عليها إنسان، لا في القديم الذي حدث قبل أنْ يُولدَ، ولا في الحديث الذي سيكون بعد أنْ يُولد. إذن: فدليل صدق الرسول قائم، فما الذي دعاكم إلى اقتراح معجزات أخرى؟ وقولهم: {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ..} [الفرقان: 21] والله، لو كان إله يُرَى لكم ما صَحَّ أن يكون إلهاً؛ لأن المرئي مُحَاطٌ بحدقة الرائي، وما دام أحاط به فهو - إذن - محدود، ومحدوديته تنافي ألوهيته. وإلاَّ فالمعاني التي تختلج بها النفس الإنسانية مثل الحق والعدل الذي يتحدث عنه الناس وينشدونه ويتعصَّبون له، ويتهافتون عليه لحلِّ مشاكلهم وتيسير حياتهم: أتدرك هذه المعاني وأمثالها بالحواس؟ كيف تطلب أن تدرك خالقها عز وجل بالحواسّ؟ لذلك يختم الحق سبحانه هذه المسألة بقوله: {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيرا} [الفرقان: 21] استكبر وتكبَّر: حاول أن يجعل نفسه فوق قَدْره، وكلُّ إنسان مِنّا له قَدْر محدود. ومن هنا جاء القول المأثور: "رَحِمَ الله امرءً عرف قدر نفسه". فلماذا إذن يتكبّر الإنسان؟ لو أنك إنسان سوىّ فإنك تسعد حين نمنع عنك مَنْ يسرقك، أو ينظر إلى محارمك أو يعتدي عليك، فلماذا تغضب حينما نمنعك عن مثل هذا؟ النظرة العقلية أن تقارن بين مَا لك ومَا عليك، لقد منعنا يدك - وهي واحدة - أنْ تسرق، ومقابل ذلك منعنا عنك جميع أيدي الناس أن تسرق منك، منعنا عينك أن تمتد إلى محارم الآخرين، ومنعنا جميع الأَعْيُن أنْ تمتدّ إلى محارمك؛ فلماذا إذن تفرح لهذه وتغضب من هذه؟ كان يجب عليك أن تحكم بنفس المنطق، فإنْ أحببتَ ما كان لك وكرهتَ ما كان لغيرك فقد جانبتَ الصواب وخالفتَ العدالة. ومن استكبارهم مواجهتهم لرسول الله في بداية دعوته وقولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31] إذن: القرآن لا غبارَ عليه، وهذا حكم واقعي منهم؛ لأنهم أمة بلاغة وفصاحة، والقرآن في أَرْقَى مراتب الفصاحة والبيان، إنما الذي وقف في حُلُوقهم أن يكون الرسول رجلاً من عامة الناس، يريدونه عظيماً في نظرهم، حتى إذا ما اتبعوه كان له حيثية تدعو إلى اتباعه. إذن: الاستكبار أن تستكبر أن تكون تابعاً لمنْ تراه دونك، ونحن ننكر هذا؛ لأنك لم تَرَ محمداً صلى الله عليه وسلم قبل أن يقوم بالرسالة أنه دونك، بل كنت تضعه في المكان الأعلى، وتُسمِّيه الصادق الأمين، فمتى إذن جعلْتَه دونك؟ إنها الهبة التي وهبه الله، إنها الرسالة التي جعلتك تأخذ منه ما كنتَ تعطيه قبل أن يكون رسولاً. وهل سبق لكم أَنْ سمعتم عن رسول جاء معه ربه عَزَّ وجَلَّ يقول لقومه: هذا رسولي؟ وما دام أن الله تعالى سيواجهكم هذه المواجهة فلا داعيَ إذن للرسول؛ لأن الله تعالى سيخاطبكم بالتكليف مباشرة وتنتهي المسألة. ومعلوم أن هذا الأمر لم يحدث، فأنتم تطلبون شيئاً لم تسمعوا به، وهذا دليل على تلكؤكم واستكباركم عن قبول الإيمان فجئتم بشيء مستحيل. إذن: المسألة من الكفار تلكؤٌ وعناد واستكبار عن قبول الحق الواضح، وقد سبق أن اقترحوا مثل هذه الآيات والمعجزات، فلما أجابهم الله كذّبوا، مع أن الآيات والمعجزات ليست باقتراح المرسل إليهم، إنما تفضُّل من الله تعالى واهب هذه الرسالة. والاستكبار مادته الكاف والباء والراء. وتأتي بمعانٍ عِدَّة: تقول كَبَرَ يكْبَر أي: في عمره وحجمه، وكَبُر يكبُر أي: عَظُم في ذاته، ومنها قوله تعالى: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ..}تفسير : [الكهف: 5]. وتكبَّر: أظهر صفة الكبرياء للناس، واستكبر: إذا لم يكُنْ عنده مؤهلات الكِبر، ومع ذلك يطلب أن يكون كبيراً. فالمعنى {ٱسْتَكْبَرُواْ ..} [الفرقان: 21] ليس في حقيقة تكوينهم إنما {ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ ..} [الفرقان: 21] في أنهم يتبعُون الرسول، أي: أنها كبيرة عليهم أن يكونوا تابعين لرجل يروْنَ غيره أغنى منه أو أحسن منه (على زعمهم). ونرى مثلاً أحد الفتوات الذي يخضع له الجميع إذا ما رأى مَنْ هو أقوى منه انكمشَ أمامه وتواضع؛ لأنه يستكبر بلا رصيد وبشيء ليس ذاتياً فيه .. إذن: المتكبر بلا رصيد غافل عن كبرياء ربه، ولو استشعر كبرياء الله عَزَّ وجَل لاستحَى أنْ يتكبّر. لذلك نرى أهل الطاعة والمعرفة دائماً منكسرين، لماذا؟ لأنهم دائماً مستشعرون كبرياءَ الله، والإنسان (لا يتفرعن) إلا إذا رأى الجميع دونه، وليس هناك مَنْ هو أكبر منه. فينبغي ألا يَتكبَّر الإنسان إلا بشيء ذاتي فيه لا يُسلَب منه، فإن استكبرت بِغنَاك فربما افتقرتَ، وإنِ استكبرتَ بقوتك فرُبّما أصابك المرض، وإنِ استكبرتَ بعلمك لا تأمنْ أن يُسلبَ منك لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً. ومن لُطْف الله بالخَلْق ورحمته بهم أنْ يكون له وحده الكبرياء، وله وحده سبحانه التكبُّر والعظمة، ويعلنها الحق تبارك وتعالى: "حديث : الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما أدخلته جهنم ". تفسير : والحق - تبارك وتعالى - لا يجعلها جبروتاً على خَلْقه، إنما يجعلها لهم رحمة؛ لأن الخَلْق منهم الأقوياء والفُتوات والأغنياء .. حين يعلمون أن لله تعالى الكبرياء المطلق يعرف كل منهم قدره (ويرعى مساوى)، فالله هو المتكبر الوحيد، ونحن جميعاً سواء. لذلك يقول أهل الريف (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) وحين يكون في البلد كبير يخاف منه الجميع لا يجرؤ أحد أنْ يعتديَ على أحد في وجوده، إنما إنْ فُقِد هذا الكبير فإن القوي يأكل الضعيف. إذن: فالكبرياء من صفات الجلال لله تعالى أنْ جعلها الله لنفع الخَلْق. ولو تصورنا التكبر مِمَّنْ يملك مؤهلاته، كأن يكون قوياً، أو يكون غنياً .. إلخ فلا نتصور الكبر من الضعيف أو من الفقير؛ لذلك جاء في الحديث: "حديث : أبغض ثلاثاً وبغضي لثلاث أشد، أبغض الغني المتكبر وبُغضي للفقير المتكبر أشدّ، وأبغض الفقير البخيل وبغضي للغني البخيل أشدّ، وأبغض الشاب العاصي وبغضي للشيخ العاصي أشد ". تفسير : وقوله تعالى: {وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} [الفرقان: 21] عتوا: بالغوا في الظلم والتحدي وتجاوزوا الحدود، وكأن هذا غير كافٍ في وصفهم، فأكّد العُتُو بالمصدر (عتواً) ثم وصف المصدر أيضاً {عُتُوّاً كَبِيراً} [الفرقان: 21] لماذا كل هذه المبالغة في التعبير؟ قالوا: لأنهم ما عَتَوْا بعضهم على بعض، إنما يتعاتون على رسول الله، بل وعلى الله عز وجل؛ لذلك استحقُّوا هذا الوصف وهذه المبالغة. والعاتي الذي بلغ في الظُّلم الحدَّ مثل الطاغوت الذي إنْ خاف الناس منه انتفش، وتمادى وازداد قوة. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً}تفسير : [مريم: 8] ومعلوم أن الكِبَر ضعف، كما قال سبحانه: {أية : ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ..}تفسير : [الروم: 54] فكيف - إذن - يصف الكبر بأنه عَاتٍ؟ قالوا: العاتي هو القوي الجبار الذي لا يقدر أحد على صَدِّه أو رَفْع رأسه أمامه، وكذلك الكِبَر على ضَعْفه، إلا أنه لا توجد قوة تطغى عليه فتمنعه. ثم يقول الحق سبحانه: {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما حكى تعالى إِنكار المشركين لنبوة محمد عليه السلام وتكذيبهم للقرآن، أعقبه بذكر بعض جرائمهم الأخرى، ثم ذكر قصص بعض الأنبياء وما حلَّ بأقوامهم المكذبين تسلية لرسول الله عليه الصلاة والسلام. اللغَة: {حِجْراً} بكسر الحاء حراماً من حَجره إِذا منعه قال الشاعر: شعر : "ألا أصبحت أسماء حجراً محرَّماً" تفسير : أي حراماً محرماً {هَبَآءً} قال أبو عبيدة: الهباء مثل الغبار يدخل من الكوة مع ضوء الشمس {مَّنثُوراً} المنثور: المتفرق {مَقِيلاً} المقيل: زمان القيلولة وهي الاستراحة نصف النهار إِذا اشتدَّ الحر {تَبَّرْنَا} التتبير: التدمير والتكسير قال الزجاج: كلُّ شيء كسّرته وفتَّته فقد تبرته. سَبَبُ النّزول: روي أن "عقبة بن أبي معيط" وكان صديقاً لأُبي بن خلف صنع وليمة فدعا إِليها قريشاً ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قُدم الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أني رسول الله ففعل فأكل رسول الله من طعامه فلما بلغ "أُبي بن خلف" ذلك قال لصديقه عقبة صبأت قال: لا ولكن دخل عليَّ رجل عظيم فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له بالرسالة فقال له أبي: وجهي من وجهك حرام إِن رأيت محمداً حتى تبزق في وجهه وتطأ على عنقه وتقول كيت وكيت، ففعل عدوُّ الله ما أمره به خليله فأنزل الله {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ..} الآية. التفسِير: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} أي قال المشركون الذين لا يرجون لقاء الله، ولا يخشون عقابه لتكذيبهم بالبعث والنشور {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ} أي هلاّ نزلت الملائكة علينا فأخبرونا بصدق محمد {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} أي أو نرى الله عياناً فيخبرنا أنك رسوله قال أبو حيان: وهذا كله على سبيل التعنت وإِلا فما جاءهم به من المعجزات كافٍ لو وُفّقوا {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ} أي تكبروا في شأن أنفسهم حين تفوهوا بمثل هذه العظيمة، وطلبوا ما لا ينبغي {وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} أي تجاوزوا الحدَّ في الظلم والطغيان، حتى بلغوا أقصى العتو وغاية الاستكبار {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} أي يوم يرى المشركون الملائكة حين تنزل لقبض أرواحهم وقت الاحتضار لن يكون للمجرمين يومئذٍ بشارة تسرهم بل لهم الخيبة والخسران {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} أي تقول الملائكة لهم: حرام ومحرم عليكم الجنة والبُشرى والغفران قال ابن كثير: وذلك يصدق على وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار، فتقول للكافر عند خروج روحه: أُخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، أُخرجي إِلى سمومٍ وحميم وظلٍ من يحموم فتأبى الخروج وتتفرق في البدن فيضربونه بمقامع الحديد، بخلاف المؤمنين حال احتضارهم فإِنهم يُبشرون بالخيرات وحصول المسرات {أية : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تفسير : [فصلت: 30] {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} أي عمدنا إِلى أعمال الكفار التي يعتقدونها براً كإِطعام المساكين وصلة الأرحام ويظنون أنها تقربهم إِلى الله {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} أي جعلناه مثل الغبار المنثور في الجو، لأنه لا يعتمد على أساس ولا يستند على إِيمان قال الطبري: أي جعلناه باطلاً لأنهم لم يعملوه لله، وإِنما عملوه للشيطان، والهباء هو الذي يُرى كهيئة الغبار إِذا دخل ضوء الشمس من كوة، والمنثور المتفرق وقال القرطبي: إِن الله أحبط أعمالهم بسبب الكفر حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} لما بيَّن تعالى حال الكفار وأنهم في الخسران الكلي والخيبة التامة، شرح وصف أهل الجنة وأَنهم في غاية السرور والحبور، تنبيهاً على أن السعادة كل السعادة في طاعة الله عز وجل، ومعنى الآية: أصحابُ الجنة يوم القيامة خيرٌ من الكفار مستقراً ومنزلاً ومأوى {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} أي وأحسنُ منهم مكاناً للتمتع وقت القيلولة وهي الاستراحة نصف النهار، فالمؤمنون في الآخرة في الفردوس والنعيم المقيم، والكفار في دركات الجحيم قال ابن مسعود: "لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار" {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ} أي واذكر ذلك اليوم الرهيب يوم تتشقَّق السماء وتنفطر عن الغمام الذي يُسود الجو ويُظلمه ويغم القلوب مرآه لكثرته وشدة ظلمته {وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً} أي ونزلت الملائكة فأحاطت بالخلائق في المحشر {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ} أي الملك في ذلك اليوم للّه الواحد القهار، الذي تخضع له الملوك، وتعنو له الوجوه، وتذل له الجبابرة، لا مالك يومئذٍ سواه كقوله {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16] {وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً} أي وكان ذلك اليوم صعباً شديداً على الكفار قال أبو حيان: ودل قوله {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} على تيسيره على المؤمنين ففي الحديث "حديث : إِنه يهون حتى يكون على المؤمن اخف عليه من صلاةٍ مكتوبة صلاها في الدنيا" تفسير : {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} أي واذكر يوم يندم ويتحسر الظالم على نفسه لما فرَّط في جنب الله، وعضُّ اليدين كنايةٌ عن الندم والحسرة، والمراد بالظالم "عُقبة بن أبي معيط" كما في سبب النزول، وهي تعمُّ كل ظالم قال ابن كثير: يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وسلك سبيلاً غير سبيل الرسول، فإِذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم، وعضَّ على يديه حسرةً وأسفاً، وسواءٌ كان نزولها في "عقبة بن معيط" أو غيره من الأشقياء فإِنها عامةٌ في كل ظالم {يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً} أي يقول الظالم يا ليتني اتبعتُ الرسول فاتخذت معه طريقاً إِلى الهدى ينجيني من العذاب {يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} أي هلاكي وحسرتي يا ليتني لم أصاحب فلاناً واجعله صديقاً لي، ولفظ {فُلاَن} كناية عن الشخص الذي أضلَّه وهو "أُبي بن خلف" قال القرطبي: وكنى عنه ولم يصرّح باسمه ليتناول جميع من فعل مثل فعله {لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي} أي لقد أضلني عن الهدى والإِيمان بعد أن اهتديت وآمنت ثم قال تعالى {وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} أي يُضله ويُغويه ثم يتبرأ منه وقت البلاء فلا ينقذه ولا ينصره {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} لما أكثر المشركون الطعن في القرآن ضاق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم وشكاهم إِلى الله والمعنى: قال محمد يا رب إِنَّ قريشاً كذبت بالقرآن ولم تؤمن به وجعلته وراء ظهورها متروكاً وأعرضوا عن استماعه قال المفسرون: وليس المقصود من حكاية هذا القول الإِخبار بما قال المشركون بل المقصود منها تعظيم شكايته، وتخويف قومه، لأن الأنبياء إِذا التجأوا إِلى الله وشكوا قومهم حل بهم العذاب ولم يمهلوا {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك جعلنا لكل نبي عدواً من كفار قومه، والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي بغيره من الأنبياء {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} أي وكفى أن يكون ربك يا محمد هادياً لك وناصراً لك على أعدائك فلا تبال بمن عاداك {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي وقال كفار مكة {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} أي هلاَّ نزل هذا القرآن على محمد دفعة واحدة كما نزلت التوراة والإِنجيل؟ قال تعالى ردّاً على شبهتهم التافهة {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} أي كذلك أنزلناه مفرقاً لنقوي قلبك على تحمله فتحفظه وتعمل بمقتضى ما فيه {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} أي فصَّلنا تفصيلاً بديعاً قال قتادة: أي بينَّاه وقال الرازي: الترتيلُ في الكلام أن يأتي بعضه على إِثر بعض على تُؤدة وتمهل، وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفلجها وقال الطبري: الترتيلُ في القراءة الترسُّلُ والتثبتُ يقول: علمناكه شيئاً بعد شيء حتى تحفظه {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} أي ولا يأتيك هؤلاء الكفار بحجةٍ أو شبهةٍ للقدح فيك أو في القرآن إِلا أتيناك يا محمد بالحق الواضح، والنور الساطع لندمغ به باطلهم {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} أي أحسن بياناً وتفصيلاً، ثم ذكر تعالى حال هؤلاء المشركين المكذبين للقرآن فقال {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ} أي يُسْحبون ويجُرُّون إِلى النار على وجوههم {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً} أي هم شر منزلاً ومصيراً، وأخْطأ ديناً وطريقاً وفي الحديث "حديث : قيل يا رسول الله: كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: إِن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة"تفسير : ، ثم ذكر تعالى قصص الأنبياء تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإِرهاباً للمكذبين فقال {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} أي والله لقد أعطينا موسى التوراة {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً} أي وأعنَّاه بأخيه هارون فجعلناه وزيراً له يناصره ويُؤآزره {فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي اذهبا إلى فرعون وقومه بالآيات الباهرات، والمعجزات الساطعات {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً} أي فأهلكناهم إِهلاكاً لما كذبوا رسلنا {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} أي وأغرقنا قوم نوح بالطوفان لمّا كذبوا رسولهم نوحاً وجعلناهم عبرةً لمن يعتبر قال أبو السعود: وإنما قال الرسل بالجمع مع أنهم كذَّبوا نوحاً وحده لأن تكذبيه تكذيبٌ للجميع لاتفاقهم على التوحيد والإِسلام {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً} أي وأعددنا لهم في الآخرة عذاباً شديداً مؤلماً سوى ما حلَّ بهم في الدنيا {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ} أي وأهلكنا عاداً وثمود وأصحاب البئر الذين انهارت بهم قال البيضاوي: وأصحابُ الرس قومٌ كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله إِليهم شعيباً فكذبوه فبينما هم حول الرس - وهي البئر غير المطوية - انهارت فخسفت بهم وبديارهم {وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً} أي وأمماً وخلائق كثيرين لا يعلمهم إِلا الله بين أولئك المكذبين أهلكناهم أيضاً {وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ} أي وكلاً من هؤلاء بيّنا لهم الحجج، ووضحنا لهم الأدلة إِعذاراً وإِنذاراً {وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً} أي أهلكناه إِهلاكاً، ودمرناه تدميراً، لمّا لم تنجع فيهم المواعظ {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ} أي ولقد مرَّت قريش مراراً في متاجرهم إِلى الشام على تلك القرية التي أُهلكت بالحجارة من السماء وهي قرية "سدوم" عُظمى قرى قوم لوط {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا}؟ توبيخٌ لهم على تركهم الاتعاظ والاعتبار أي أفلم يكونوا في أسفارهم يرونها فيعتبروا بما حلَّ بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم لرسولهم ومخالفتهم لأوامر الله؟ قال ابن عباس: كانت قريشٌ في تجارتها إلى الشام تمر بمدائن قوم لوط كقوله تعالى {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} تفسير : [الصافات: 137] {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} أي إِنهم لا يعتبرون لأنهم لا يرجون معاداً يوم القيامة. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الترجي {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ} لأن لولا بمعنى هلاّ للترجي. 2- جناس الاشتقاق {وَعَتَوْا.. عُتُوّاً} و {حِجْراً.. مَّحْجُوراً}. 3- المبالغة بنفي الجنس {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} ومعناها لا يبشر يومئذٍ المجرمون وإِنما عدل عنه للمبالغة. 4- التشبيه البليغ {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} أي كالغبار المنثور في الجو في حقارته وعدم نفعه، حذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغاً. 5- الكناية اللطيفة {يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} كناية عن الندم والحسرة، كما أن لفظة {فُلاَن} كناية عن الصديق الذي أضله. 6- الإِسناد المجازي {شَرٌّ مَّكَاناً} لأن الضلال لا ينسب إلى المكان ولكن إلى أهله. لطيفَة: قال ابن القيم رحمه الله: هجر القرآن أنواع: أحدها: هجر سماعه والإِيمان به. والثاني: هجر العمل به وإِن قرأه وآمن به. والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إِليه. والرابع: هجر تدبره وتفهم معانيه. والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وكلُّ هذا داخل في قوله تعالى {إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} وإِن كان بعض الهجر أهونُ من بعض.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} معناه لا يَخافُون لِقاءَنا. تفسير : وقوله تعالى: {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} يَقولون ألا أنزل علينا الملائكةُ. أو نرى ربَّنَا كما لو قالتْ بنو إسرائيل لموسى عليه السّلامُ: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153] فقال الله عزّ وجلّ {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} يريدُ يومَ القِيامةِ. {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} معناه حرامٌ محرمٌ عليهم أن يَدخُلوا الجَنةَ. يُريدُ به المُشركين. وقال: إن يروا الملائكة إلاّ وهي تَضرِبُ وجُوهَهُمْ، وأدبارَهُم. ويقال: إنْ تَكون لَهم البُشرى اليومَ. وقال زيد بن علي عليهما السَّلامُ: حرامٌ محرمٌ أنْ يروا الله جَهرةً.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من جملة جدالهم وعنادهم: {قَالَ} الكافرون الجاحدون {ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} أي: لا يؤملون لقيانا، ولا يخافون منَّا لإنكارهم بنا وبوعدنا يوم الجزاء: لو كان محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً مؤيداً من عند الله {لَوْلاَ} أي: هلا {أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ} المصدقون لرسالته؛ ليخبرونا بصدقه في دعواه {أَوْ} هلا {نَرَىٰ رَبَّنَا} الذي يدعونا إليه معاينة، فيخبرنا ربنا بصدق رسوله حتى نصدقه بلا تردد، وقال سبحانه في ردهم مقسماً على سبيل التعجب والاستغراب: والله {لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ} أولئك المسرفون المفرطون بقولهم هذا مكابرة؛ حيث طلبوا من الله ما لا يسع لخُلَّص عباده من ذوي النفوس القدسية {وَعَتَوْا} بإخطار هذه المطلب العظيم في خواطرهم، وإن صدر عنهم هذا تهكماً واستهزاءً {عُتُوّاً كَبِيراً} [الفرقان: 21] فاستحقوا بذلك أكبر ال عذاب وأصعب النكال والوبال. اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ} أي: ملائكة العذاب مع أنه {لاَ بُشْرَىٰ} ولا بشارة لهم برؤيتهم {يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} بل إنما يجيئون إليهم؛ ليجروهم إلى جهنم صاغرين مهانين {وَ} بعدمنا يرونهم صائلين عليهم صولة الأسود {يَقُولُونَ} متحسرين خاسرين قولاً يقول به العرب عند هجوم البلاء ونزول العناء واليأس التام من الظفر بالمطلوب، وهو قولهم: هذا {حِجْراً مَّحْجُوراً} [الفرقان: 22] وهو كنى عن قولهم: حُرمنا عن التبشير بالجنة حرماناً مؤبداً، أو صرنا مسجونين في النار سجناً مخلداً. ثم قال سبحانه: {وَ} بعدما حرَّمنا الجنة عليهم، وجعلنا مصيرهم النار {قَدِمْنَآ} وعمدنا {إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} إلى أصلح أعمالهم وأحسنها التي أتوا في النشأة الأولى؛ كقِرى الضيف وصلة الرحم وإعانة الملهوف وإغاثة المظلوم وغير ذلك من حسنات أعمالهم {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} [الفرقان: 23] أي: صيرناه كالغبار المنثور بالرياح لا ترتب القبول والجزاء والثواب عليه؛ لفقدهم شرط القبول والإثابة وقت صدورها عنهم، وهو الإيمان والتوحيد، والتصديق بالرسل والكتب، والعمل بمقتضى الوحي، وهم كفار مكذبون مستكبرون، لذلك لم يقبل منهم أعمالهم. وأما {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} المتصفون بالإيمان والتوحيد، وتصديق الكتب والرسل، الممتثلون بالأوامر والنواهي على مقتضى ما بلَّغهم الرسل وبيَّن له فهم {يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} أي: من جهة مكان يستقرون عليه، ويتوطنون فيه {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} [الفرقان: 24] يستريحون، ويستروحون فيه مع الحور والغلمان. يومئذ يتلذذون أو هم {يَوْمَئِذٍ} [الفرقان: 24] أي: يوم انقطاع السلوك، وانكشاف السُّدل والأغطية المانعة من الشهود {خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} [الفرقان: 24] من جهة استقرارهم في مقر التوحيد، آمنين عن وساوس الأوهام والخيالات الباطلة {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} [الفرقان: 24] يستريحون فيه بلا مقتضيات القوى والآلات البشرية المنخلعين عن لوازم ناسوتهم مطلقاً، مشرفين بخلع من قبل اللأهوت وحضرة الرحموت. {وَ} ذلك {يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ} تتصفى، وتتجلى سماء الأسماء الإلهية المنكدرة المحتجة {بِٱلْغَمَامِ} أي: بغيوم التعينات العدمية المنعكسة منها {وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ} المهيمين عند الذات الأحدية، وهي الأسماء والصفات التي استأثر الله به في غيبه بلا انعكاس وانبساط وامتداد ظل كسائر الأسماء الفعالة {تَنزِيلاً} [الفرقان: 25] على صرافة تجردهم بلا تدنس وانغماس بغيوم التعينات والتعلقات. حنيئذ نودي من وراء سرادقات العز والجلال: {ٱلْمُلْكُ} المطلق والاستيلاء التام والسلطنة الغالية {يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} الثابت اللائق، والمثبت على ما ينبغي ويليق {لِلرَّحْمَـٰنِ} المستوي على عروش ذرائر الأكوان بعموم الرحمة وشمول الفضل والامتنان، بلا تقدير مكيال وميزان من زمان أو مكان {وَكَانَ} ذلك اليوم والشأن {يَوْماً} وشأناً {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} الساترين بغيوم هوياتهم الباطلة هوية الحق الظاهر في الآفاق والأنفس {عَسِيراً} [الفرقان: 26] في غاية العسر والشدة، وعلى الموحدين الواصلين إلى مرتبة الفناء، الفانين في الله، الباقين ببقائه يسيراً في غاية اليسر والسهولة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قال المكذبون للرسول المكذبون بوعد الله ووعيده الذين ليس في قلوبهم خوف الوعيد ولا رجاء لقاء الخالق. { لَوْلا أُنزلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا } أي: هلا نزلت الملائكة تشهد لك بالرسالة وتؤيدك عليها أو تنزل رسلا مستقلين، أو نرى ربنا فيكلمنا ويقول: هذا رسولي فاتبعوه؟ وهذا معارضة للرسول بما ليس بمعارض بل بالتكبر والعلو والعتو. { لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ } حيث اقترحوا هذا الاقتراح وتجرأوا هذه الجرأة، فمن أنتم يا فقراء ويا مساكين حتى تطلبوا رؤية الله وتزعموا أن الرسالة متوقف ثبوتها على ذلك؟ وأي كبر أعظم من هذا؟. { وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا } أي: قسوا وصلبوا عن الحق قساوة عظيمة، فقلوبهم أشد من الأحجار وأصلب من الحديد لا تلين للحق، ولا تصغي للناصحين فلذلك لم ينجع فيهم وعظ ولا تذكير ولا اتبعوا الحق حين جاءهم النذير، بل قابلوا أصدق الخلق وأنصحهم وآيات الله البينات بالإعراض والتكذيب والمعارضة، فأي عتو أكبر من هذا العتو؟" ولذلك بطلت أعمالهم واضمحلت، وخسروا أشد الخسران، وحرموا غاية الحرمان. { يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ } التي اقترحوا نزولها { لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ } وذلك أنهم لا يرونها مع استمرارهم على جرمهم وعنادهم إلا لعقوبتهم وحلول البأس بهم، فأول ذلك عند الموت إذا تنزلت عليهم الملائكة قال الله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ }. تفسير : ثم في القبر حيث يأتيهم منكر ونكير فيسألهم عن ربهم ونبيهم ودينهم فلا يجيبون جوابا ينجيهم فيحلون بهم النقمة، وتزول عنهم بهم الرحمة، ثم يوم القيامة حين تسوقهم الملائكة إلى النار ثم يسلمونهم لخزنة جهنم الذين يتولون عذابهم ويباشرون عقابهم، فهذا الذي اقترحوه وهذا الذي طلبوه إن استمروا على إجرامهم لا بد أن يروه ويلقوه، وحينئذ يتعوذون من الملائكة ويفرون ولكن لا مفر لهم. { وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا } {أية : يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ }. تفسير : { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ } أي: أعمالهم التي رجوا أن تكون خيرا لهم وتعبوا فيها، { فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } أي باطلا مضمحلا قد خسروه وحرموا أجره وعوقبوا عليه وذلك لفقده الإيمان وصدوره عن مكذب لله ورسله، فالعمل الذي يقبله الله، ما صدر عن المؤمن المخلص المصدق للرسل المتبع لهم فيه.