٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } في جملة الخلائق هو يوم القيامة ونصبه بـ «اذكر» مقدّرا {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ } أي الكافرين بخلاف المؤمنين فلهم البشرى بالجنة {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } على عادتهم في الدنيا إذا نزلت بهم شدّة أي عوذاً معاذاً يستعيذون من الملائكة.
ابن عطية
تفسير : المعنى في هذه الآية أن الكفار لما قالوا {أية : لولا أنزل علينا الملائكة} تفسير : [الفرقان: 21]، أخبر الله تعالى أنهم {يوم يرون الملائكة} إنما هو يوم القيامة، وقد كان أول الآية يحتمل أن يريد يوم تفيض أرواحهم، لكن آخرها يقتضي أن الإشارة إلى يوم القيامة، وأمر العوامل في هذه الظروف بين إذا تأمل فاختصرناه لذلك، ومعنى هذه الآية أن هؤلاء الذين تمنّوا نزول الملائكة لا يعرفون ما قدر الله في ذلك فإنهم {يوم يرون الملائكة} هو شر لهم و {لا بشرى} لهم بل لهم الخسار ولقاء المكروه و {يومئذ}، خبر {لا بشرى} لأن الظروف تكون إخباراً عن المصادر. الضمير في قوله {ويقولون}، قال الحسن وقتادة والضحاك ومجاهد هو لــ {لملائكة}، المعنى وتقول الملائكة للمجرمين {حجراً محجوراً} عليكم البشرى، أي حراماً محرماً. والحجر الحرام ومنه قول المتلمس جرير بن عبد المسيح: [البسيط] شعر : حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام الا تلك الدهاريس تفسير : وقال مجاهد أيضاً وابن جريج إن الضمير في قوله {ويقولون} هو للكفار المجرمين قال ابن جريج كانت العرب إذا كرهوا شيئاً قالوا حجراً، قال مجاهد {حجراً} عوذاً، يستعيذون من الملائكة. قال الفقيه الإمام القاضي : ويحتمل أن يكون المعنى ويقولون حرام محرم علينا العفو، وقد ذكر أبو عبيدة أن هاتين اللفظتين عوذة للعرب يقولها من خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا المعنى هو مقصد بيت المتلمس الذي تقدّم، أي هذا الذي حننت إليه ممنوع. وقرأ الحسن وأبو رجاء "حُجراً" بضم الحاء، والناس على كسرها، ثم أخبر تعالى عما يأتي عليه قضاؤه وفعله فقال حكاية عن يوم القيامة {وقدمنا} أي قصد حكمنا وإنفاذنا ونحو هذا من الألفاظ اللائقة، وقيل هو قدوم الملائكة أسنده إليه لأنه عن أمره، وحسنت لفظة {قدمنا} لأن القادم على شيء مكروه لم يقدره ولا أمر به مغير له مذهب، وأما قول الراجز: شعر : وقدم الخوارج الضلال إلى عباد ربنا فقالوا: إن دماءكم لنا حلال تفسير : فالقدوم فيه على بابه، ومعنى الآية وقصدنا إلى أعمالهم التي هي في الحقيقة لا تزن شيئاً إذ لا نية معها فجعلناها على ما تستحق لا تعد شيئاً وصيرناها {هباء منثوراً} أي شيئاً لا تحصيل له، والهباء هي الأجرام المستدقة الشائعة في الهواء التي لا يدركها حس إلا حين تدخل الشمس على مكان ضيق يحيط به الظل كالكوة أو نحوها، فيظهر حينئذ فيما قابل الشمس أشياء تغيب وتظهر فذلك هو الهباء، ووصفه في هذه الآية بـ {منثور}، ووصفه في غيرها بـ"منبث"، فقالت فرقة هما سواء، وقالت فرقة المنبث أرق وأدق من المنثور لأن المنثور يقتضي أن غيره نثره كسنابك الخيل والريح أو هدم حائط أو كنس ونحو ذلك، والمنبث كأنه هو انبث من دقته، وقال ابن عباس الهباء المنثور، ما تسفي به الرياح وتبثه، وروي عنه أنه قال أيضاً الهباء الماء المهراق والأول أصح والعرب تقول أهبات الغبار والتراب ونحوه إذا بثثته وقال الشاعر {الحارث بن حلزة اليشكري]: [الخفيف] شعر : وترى خلفها من الربع والوقـــ ـــع منيناً كأنه أهباء تفسير : ومعنى هذه الآية جعلنا أعمالهم لا حكم لها ولا منزلة، ثم أخبر عز وجل بأن مستقر أهل الجنة {خير} من مستقر أهل النار، وجاءت {خير}، ها هنا للتفضيل بين شيئين لا شركة بينهما، فذكر الزجاج وغيره في ذلك أنه لما اشتركا في أن هذا مستقر وهذا مستقر فضل الاستقرار الواحد. قال القاضي أبو محمد: ويظهر لي أن هذه الألفاظ التي فيها عموم ما يتوجّه حكمها من جهات شتى، نحو قولك أحب وأحسن وخير وشر يسوغ أن يجاء بها بين شيئين لا شركة بينهما، فتقول السعد في الدنيا أحب إليّ من الشقاء إذ قد يوجد بوجه ما من يستحب الشقاء كالمتعبد والمغتاظ وكذلك في غيرها، فإذا كانت أفعل في معنى بين أن الواحد من الشيئين لا حظ له فيه بوجه فسد الإخبار بالتفضيل به، كقولك الماء أبرد من النار، ومن هذا إنك تقول في ياقوته ومدرة وتشير إلى المدرة هذه أحسن وخير وأحب وأفضل من هذه، ولو قلت هذه ألمع وأشد شراقة من هذه لكان فاسداً، وقوله {مقيلاً} ذهب ابن عباس والنخعي وابن جريج إلى أن حساب الخلق يكمل في وقت ارتفاع النهار، ويقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار فالمقيل من القائلة. قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن اللفظة إنما تضمنت تفضيل الجنة جملة، فالعرب تفضل البلاد بحسن المقيل لأن وقت القائلة يبدو فساد هواء البلاد، فإذا كان بلد في وقت فساد الهواء حسناً جاز الفضل ومن ذلك قول الأسود بن يعفر الإيادي: [الكامل] شعر : أرض تخيرها لطيب مقيلها كعب بن مامة وابن أم دواد تفسير : وقوله {ويوم تشقق السماء بالغمام} يريد يوم القيامة عن انفطار السماء ونزول الملائكة ووقوع الجزاء بحقيقة الحساب، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر "تشّقّق" بشد الشين والقاف، وقرأ الباقون بتخفيف الشين، وقوله {بالغمام} أي يشقق عنه، والغمام سحاب رقيق أبيض جميل لم يره البشر بعد إلا ما جاء في تظليل بني إسرائيل، وقرأ جمهور القراء "ونُزِّل الملائكة" بضم النون وشدّ الزاي المكسورة ورفع "الملائكةُ" على مفعول لم يسم فاعله، وقرأ أبو عمرو في رواية عبد الوهاب "ونزِل" بتخفيف الزاي المكسورة، قال أبو الفتح وهذا غير معروف لأن "نزل" لا يتعدى إلى مفعول فيبنى هنا "للملائكة"، ووجهه أن يكون مثل زكم الرجل وجن فإنه لا يقال إلا أزكمه الله وأجنه وهذا باب سماع لا قياس، وقرأ أبو رجاء "ونَزّل الملائكة" بفتح النون وشدّ الزاي وقرأ الأعمش، "وأنزل الملائكة" وكذلك قرأ ابن مسعود، وقرأ أبي بن كعب "ونزلت الملائكة"، وقرأ ابن كثير وحده "وننزل الملائكة" بنونين وهي قراءة أهل مكة، فرويت عن أبي عمرو "ونزل الملائكةُ" بإسناد الفعل إليها، وقرأت فرقة "وتنزل الملائكة"، وقرأ أبي بن كعب أيضاً "وتنزلت الملائكة" ثم قرّر أن "الملك الحق هو يومئذ للرحمن"، إذ قد بطل في ذلك اليوم كل ملك وعسره {على الكافرين} توجه بدخول النار عليهم فيه وما في خلال ذلك من المخاوف، وقوله {على الكافرين}،دليله أن ذلك اليوم سهل على المؤمنين وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن الله ليهون القيامة على المؤمنين حتى أخف عليهم من صلاة مكتوبة صلوها "
ابن عبد السلام
تفسير : {يَوْمَ يَرَوْنَ} يوم الموت، أو القيامة {لا بُشْرَى} للمجرمين بالجنة {وَيَقُولُونَ} الملائكة للكفار، أو الكفار لأنفسهم {حِجْراً مَّحْجُوراً} معاذ الله أن تكون لكم البشرى، أو حراماً محرماً أن تكون لكم البشرى، أو منعنا أن يصل إلينا شيء من الخير.
النسفي
تفسير : {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـئِكَةَ } أي يوم الموت أو يوم البعث و{يَوْم} منصوب بما دل عليه {لاَ بُشْرَىٰ } أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى. وقوله {يَوْمَئِذٍ } مؤكد لـــــ {يوم يرون} أو بإضمار اذكر أي اذكر يوم يرون الملائكة، ثم أخبر فقال: لا بشرى بالجنة يومئذ ولا ينتصب بـــــ {يرون} لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا بـــــ {بشرى} لأنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله ولأن المنفي بلا لا يعمل فيما قبل «لا» {لّلْمُجْرِمِينَ } ظاهر في موضع ضمير أو عام يتناولهم بعمومه وهم الذين اجترموا الذنوب والمراد الكافرون لأن مطلق الأسماء يتناول أكمل المسميات {وَيَقُولُونَ } أي الملائكة {حِجْراً مَّحْجُوراً } حراماً محرماً عليكم البشرى أي جعل الله ذلك حراماً عليكم إنما البشرى للمؤمنين. والحجر مصدر والكسر والفتح لغتان وقريء بهما وهو من حجره إذا منعه، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها، و{مَّحْجُوراً } لتأكيد معنى الحجر كما قالوا «موت مائت». {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } هو صفة ولا قدوم هنا ولكن مثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف ونحو ذلك بحال من خالف سلطانه وعصاه فقدم إلى أشيائه وقصد إلى ما تحت يديه فأفسدها ومزقها كل ممزق ولم يترك لها أثراً. والهباء ما يخرج به من الكوة مع ضوء الشمس شبيهاً بالغبار، والمنثور المفرق وهو استعارة عن جعله بحيث لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع. ثم بين فضل أهل الجنة على أهل النار فقال: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } تمييز والمستقر المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم يتجالسون ويتحادثون {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } مكاناً يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم، ولا نوم في الجنة ولكنه سمي مكان استراحتهم إلى الحور مقيلاً على طريق التشبيه. وروي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وفي لفظ الأحسن تهكم بهم
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {يوم يرون الملائكة} قال: يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله {لا بشرى يومئذ للمجرمين} قال: إذا كان يوم القيامة يلقى المؤمن بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا للملائكة: بشرونا قالوا: حجراً محجوراً. حراماً محرماً أن نتلقاكم بالبشرى. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {ويقولون حجراً محجوراً} قال: عوذاً معاذاً الملائكة تقوله. وفي لفظ قال: حراماً محرماً أن تكون البشرى اليوم إلا للمؤمنين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {ويقولون حجراً محجوراً} قال: تقول الملائكة: حراماً محرماً على الكفار البشرى يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك {ويقولون حجراً محجوراً} قال: تقول الملائكة: حراماً محرماً على الكفار البشرى حين رأيتمونا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري {ويقولون حجراً محجوراً} قال: حراماً محرماً أن نبشركم بما نبشر به المتقين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة في قوله {ويقولون حجراً محجوراً} قال: هي كلمة كانت العرب تقولها. كان الرجل إذا نزلت به شدة قال: حجراً محجوراً حراماً محرماً. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: كانت المرأة إذا رأت الشيء تكرهه تقول: حجر من هذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: لما جاءت زلازل الساعة فكان من زلازلها أن السماء انشقت فهي يومئذ واهية، والملك على ارجائها: على سعة كل شيء تشقق. فهي من السماء فذلك قوله {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً} حراماً محرماً أيها المجرمون أن تكون لكم البشرى اليوم حين رأيتمونا.
ابو السعود
تفسير : {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} استئنافٌ مسوقٌ لبـيانِ ما يلقَونه عند مشاهدتِهم لما اقترحُوه من نزول الملائكةِ عليهم السَّلامُ بعد استعظامِه وبـيانِ كونِه في غاية ما يكون من الشَّناعة وإنمَّا قيلَ يوم يَرَون دُون أنْ يقالَ يومَ ينزلُ الملائكةُ إيذاناً من أوَّلِ الأمر بأنَّ رؤيتَهم لهم ليست على طريقِ الإجابةِ إلى ما اقترحُوه بل على وجهٍ آخرَ غيرِ معهودٍ. ويومَ منصوبٌ على الظَّرفية بما يدلُّ عليه قولُه تعالى {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ} فإنَّه في معنى لا يُبشَّر يومئذٍ المُجرمون والعُدولُ إلى نفيِ الجنسِ للمبالغةِ في نفيِ البُشرى. وما قيل: من أنَّه بمعنى يمُنعون البُشرى أو يعُدمونها تهوينٌ للخطيبِ في مقام التَّهويل فإنَّ منعَ البُشرى وفقدانُها مُشعرانِ بأنَّ هناك بُشرى يمنعونَها أو يفقِدونها. وأينَ هذا من نفيها بالكُليِّة وحيثُ كان نفيُها كنايةً عن إثباتِ ضدِّها كما أنَّ نفيَ المحبَّةِ في مثلِ قولِه تعالى: { أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [سورة آل عمران, الآية 32] كنايةٌ عن البُغض والمَقْتِ دلَّ على ثبوت النَّذرى لهم على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وقيل: منصوب بفعلٍ مُقدَّر يُؤكِّده بشرى على أنَّ لا غير نافية للجنسِ وقيل: منصوب على المفعوليَّةِ بمضمرٍ مقدَّمٍ عليه أي اذكُر يومَ رؤيتهم الملائكةَ ويومئذٍ على كلِّ حالٍ تكريرٌ للتأكيد والتَّهويلِ مع ما فيه من الإيذانِ بأنَّ تقديمَ الظَّرفِ للاهتمامِ لا لقصرِ نفيِ البُشرى على ذلك الوقتِ فقط فإنَّ ذلك مخلٌّ بتفظيعِ حالِهم، وللمجرمين تبـيـين على أنَّه مظهرٌ وُضع موضعَ الضَّميرِ تسجيلاً عليهم بالإجرام مع ما هم عليه من الكفر وحملُه على العموم بحيثُ يتناول فسَّاقَ المؤمنين ثم الالتجاءُ في إخراجِهم عن الحرمانِ الكليِّ إلى أنَّ نفيَ البُشرى حينئذٍ لا يستلزمُ نفيَه في جميعِ الأوقاتِ فيجوزُ أنْ يُبشَّروا بالعفوِ والشَّفاعةِ في وقتٍ آخرَ بمعزلٍ عن الحقِّ بعيدٍ {وَيَقُولُونَ} عطفٌ على ما ذُكر من الفعلِ المنفيِّ المنبىء عن كمال فظاعة ما يحيق بهم من الشر وغاية هول مطلعه بـيان أنهم يقولون عند مشاهدتِهم له {حِجْراً مَّحْجُوراً} وهي كلمةٌ يتكلَّمون بها عند لقاءِ عدوَ موتورٍ وهجومِ نازلةٍ هائلةٍ يضعونها موضعَ الاستعاذةِ حيثُ يطلبون من الله تعالى أن يمنعَ المكروه فلا يلحقهم فكان المَعنى نسألُ الله تعالى أنْ يمنعَ ذلك مَنْعاً ويحجُره حَجْراً و كسرُ الحاءِ تصرفٌ فيه لاختصاصِه بموضعِ واحدٍ كما في قِعدَك وعَمرَك. وقد قُرىء حُجْراً بالضمِّ والمعنى أنَّهم يطلبون نزولَ الملائكةِ عليهم السَّلامُ ويقترحونَه وهم إذا رَأوهم كرِهُوا لقاءهم أشدَّ كراهةٍ وفزعُوا منهم فزعاً شَديداً وقالوا ما كانوا يقولونَه عند نزولِ خطبٍ شنيعٍ وحلولِ بأسٍ شديدٍ فظيعٍ ومحجُوراً صفةٌ لحِجراً وإرادةٌ للتَّأكيدِ كما قالوا ذيلٌ ذَائلٌ وليلٌ أليلُ وقيل: يقولُها الملائكةُ إقناطاً للكَفَرةِ بمعنى حَراماً محرَّماً عليكم الغفرانُ أو الجنَّة أو البُشرى أي جعل الله تعالى ذلك حَرَاماً عليكم وليس بواضح.
القشيري
تفسير : اقترحوا شيئين: رؤيةَ الملائكةِ ورؤيةَ اللَّهِ، فأخبر أنهم يرون الملائكة عند التوفيِّ، ولكن تقول الملائكةُ لهم: {أية : إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 126]. {حِجْراً مَّحْجُوراً}: أي حراماً ممنوعاً يعني رؤية الله عنهم، فهذا يعود إلى ما جرى ذكره، وحَمْلُه على ذلك أَوْلى من حَمْلِه على الجنة، ولم يجر لها هنا ذكْرٌ. ثم فيه بشارة للمؤمنين بالرؤية لأنهم يرون الملائكة ويبشرونهم بالجنة، قال تعالى: {أية : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ}تفسير : [فصلت: 30] فكما لا تكون للكفارة بشارة ٌ بالجنة وتكون للمؤمنين لا تكون الرؤيةُ للكفار وتكون للمؤمنين.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم يرون الملائكة} اى ملائكة العذاب فيكون المراد يوم القيامة ولم يقل يوم تنزل الملائكة ايذانا من اول الامر بان رؤيتهم ليست على طريق الاجابة الى مااقترحوه بل على وجه آخر غير معهود ويوم منصوب على الظرفية بما يدل عليه قوله تعالى {لا بشرى يومئذ للمجرمين} لانه فى معنى لايبشر يومئذ المجرمون لابنفس بشرى لانه مصدر والمصدر لايعمل فيما قبله وكذا لايجوز ان يعمل ما بعد لافيما قبلها واصل الجرم قطع الثمرة من الشجر واستعير ذلك لكل اكتساب مكروه ووضع المجرمون موضع الضمير تسجيلا عليهم بالاجرام مع ماهم عليه من الكفر ويومئذ تكرير للتأكيد بين الله تعالى ان الذى طلبوه سيوجد ولكن يلقون منه مايكرهون حيث لا بشرى لهم بل انذار وتخويف وتعذيب بخلاف المؤمنين فان الملائكة تنزيل عليهم ويبشرونهم ويقولون لاتخافوا ولاتحزنوا. ومعنى الآية بالفارسية [هيج مزده نيست آنروز مر كافر ان اهل مكه را] {ويقولون} اى الكفرة المجرمون عند مشاهدة الملائكة وهو معطوف على ماذكر من الفعل المنفى {حجرا محجورا} الحجر مصدر حجره اذا منعه والمحجور الممنوع وهو صفة حجرا ارادة للتأكيد كيوم أيوم وليل أليل كانوا يقولون هذه الكلمة عند لقاء عدو وهجوم مكروه. والمعنى انهم يطلبون نزول الملائكة عليهم ويقترحونه وهم اذا رأوهم يوم الحشر يكرهون لقاءهم اشد كراهة ويقولون هذه الكلمة وهى ما كانوا يقولون عند نزول بأس استعاذة وطلبا من الله ان يمنع لقاءهم منعا ويحجر المكروه عنهم حجرا فلا يلحقهم [درزاد آورده كه جون كفار درشهر حرام كسى را ديدندى كه ازوتر سيدندى ميكفتندكه] حجرا محجورا يريدون ان يذكروه انه فى الشهر الحرام [تااز شراو ايمن ميشدند اينجانيز خيال بستندكه مكر بدين كلمه ازشدت هول قيامت خلاص خواهنديافت] ويقال ان قريشا كانوا اذا استقبلهم احد يقولون حاجورا حاجورا حتى يعرف انهم من الحرم فيكف عنهم فاخبر تعالى انهم يقولون ذلك يوم القيامة فلا ينفعهم.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَى} الفه للتأنيث فهو ممنوع الصرف {يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} يوم الاول مفعول لا ذكر اي اذكر يوم يرون الملائكة في جملة الخلائق وهو يوم القيامة واذكر يوم يرون ملائكة الموت أو ملائكة العذاب بعد الموت أو ظرف لمحذوف اي يمنعون البشرى يوم يرون الملائكة وهو ايضا يوم الموت أو البعث ودل على هذا المحذوف الذي هو يمنعون البشرى قوله {لاَ بُشْرى} الخ وجملة {لاَ بُشْرَى} مستأنفة. والمجرمون من مات مشركا أو المراد من مات مشركا ومن مات منافقا أو المراد الكفرة المذكورون عبر عنهم بالظاهر تقبيحا لهم بالاجرام واشعار بانه المانع للبشرى (ولا) نافيه مهملة {وَبُشْرَى} مبتدأ وعلى هذا يصح تعليق اليوم الاول بما تعلق به للمجرمين وهو الاستقرار الخبري وبقوله {لِّلْمُجْرِمِينَ} لنيابته مناب الاستقرار وذلك بناء على انه لا صدر للا النافية المهملة مطلقا أو ما لم تقع في صدر جواب القسم وإذا علق يوم بما تعلق به للمجرمين أو بقوله للمجرمين فيومئذ بدله أو تأكيده وكذا ان علق بشرى بناء على جواز تقديم معمول المصدر واسم المصدر عليهما مطلقا أو ان كان ظرفا أو ان لم ينحل الفعل وحرف مصدر وان لم يعلق بشيء من ذلك بل مفعول لا ذكر أو ظرف يـ (يمنعون) فيومئذ ليس توكيدا له ولا بدلا الا ان يقال هو توكيد أو بدل وآخر وفصل به بين اجزاء الجملة بل هو حينئذ متعلق بما تعلق به للمجرمين أو ببشرى أو بلا بناء على جواز التعليق لحرف المعنى مطلقا وللمجرمين متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. ويجوز كون يومئذ متعلق بمحذوف خبره وللمجرمين خبر ثان أو متعلق بما تعلق به يومئذ الواقع خبرا ويومئذ لنيابته عن الاستقرار ولك ان تقول (لا) عاملة عمل (ان) فبشرى اسمها معرب ان علق يومئذ به ومبني ان لم يعلق به وخبرها للمجرمين ويومئذ ان لم يعلق بها أو باسمها وان علق باحدهما فلهما خبر الواحد وهو للمجرمين وان جعل يومئذ خبرها فلك ان تعلق للمجرمين استقر الخبر أو بيومئذ فيكون لها خبر واحد ايضا. ولك ان تقول: (لا) عاملة عمل (ليس) وهو ضعيف لذكر خبرها وخبرها هو على حد الخبر إذا جعلت عاملة عمل (ان) وكونها عاملة عمل (ان) أولى من اهمالها ومن اعمالها عمل ليس ويجوز على كل حال تعليق يومئذ بقوله للمجرمين لنيابته عن الاستقرار إذا جعل خبرا بناء على جواز تقديم معمول الظرف والجار والمجرور النائبين عن الاستقرار إذا كان ذلك المعمول ظرفا. ويجوز تعليق يومئذ باستقرار قوله للمجرمين. واجاز بعضهم تعليق {لِّلْمُجْرِمِينَ} ببشرى أو بمحذوف نعته وفيه على الاول الاخبار عن لا او عن المبتدأ قبل استكمال متعلقه أو نعته وهو ضعيف. ويضعف كون يوم الاول مبتدأ مبنيا لانه ولو اضيف لجملة لكن اضيف لجملة فعليه فعلها معرب وعليه فلا بشرى الخ خبر كذا ظهر لي والرابط يومئذ لانه بمعنى فيه على انه ليس بدلا ولا توكيدا أو محذوفا يقدر لفظ فيه وذكر ابن هشام وغيره بعض ذلك. {وَيَقُولُونَ} اي المجرمون أو الكفرة المذكورون أو الملائكة وهما روايتان عن مجاهد والاولى عن ابن جرير {حجْراً مَّحْجُوراً} قال سيبويه {حَجْراً} مفعول مطلق لمحذوف وجوبا مثل (معاذ الله) وعمرك بالنصب وقعدك. قال: يقول الرجل للرجل: اتفعل كذا فيقول حجرا وهو من حجره منعه لان المستعيذ طالب من الله ان يمنعه المكروه فاصله الفتح ولكنه لما اختص بموضع وهو انه انما يقال عند لقاء مكروه كلقاء العدو هجومه وغيره مما يكره غيره إلى الكسر وإلى الضم وهو قراءة الحسن وإلى فتح الجيم مع كسر الحاء. كما جوزوا كسر قاف (قعدك) بعد تعين فتحة واوجبوا فتح عين (عمرك) بعد جواز ضمه ومحجورا نعت مؤكد له كقولك: (موت مائت) و (ذيل ذائل). والذيل الهوان والتحقيق ان يقولوا حجرا محجورا معطوف على لا النافية وما بعدها لان المعنى يبشرون ولان المعنى تنتفي عنهم البشرى والمعنى انهم يطلبون نزول الملائكة وهم إذا رأوهم يوم الموت أو القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لانهم يلقوهم الا بما يكرهون ويقولون عند رؤيتهم ما يقولون عند لقاء العدو والشدة النازلة وهجموا مكروه وهو قولهم {حِجْراً مَّحْجُوراً} استعاذة من الله ان يمنع لقاءهم وكانوا يقولون إذا رأوا في شهر حرام من قتلوا وليه {حِجْراً مَّحْجُوراً}. وإذا قلنا: ان القائلين الملائكة فالمعنى حراما محرما عليكم الغفران والجنة اي حرم الله ذلك عليكم حراما محرما. وعن مجاهد حراما محرما عليكم البشرى اي (يحرمها عليكم حراما محرما) تقول لهم الملائكة: ذلك إذا خرجوا من قبورهم. وعن ابن عباس تقول الملائكة: (حراما محرما) ان يدخل الجنة الا من قال لا اله الا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الالوسي
تفسير : {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَٰئِكَةَ } استئناف مسوق لبيان ما يلقونه عند مشاهدة الملائكة عليهم السلام بعد استعظام طلبهم إنزالهم عليهم وبيان كونه في غاية الشناعة. وإنما قيل: {يَوْمَ يَرَوْنَ} دون أن يقال يوم تنزل الملائكة إيذاناً من أول الأمر بأن رؤيتهم لهم ليست على طريق الإجابة إلى ما طلبوه بل على وجه آخر لم يمر ببالهم. {وَيَوْمَ } منصوب على الظرفية بما يدل عليه قوله تعالى: {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ } فإنه في معنى لا يبشر يومئذٍ المجرمون والعدول إلى نفي الجنس للمبالغة في نفي البشرى فكأنه قيل لا يبشرون يوم يرون الملائكة، وقدر بعضهم يمنعون البشرى أو يفقدونها والأول أبعد من احتمال توهم تهوين الخطب، وقدر بعضهم لا بشرى قبل يوم وجعله ظرفاً لذلك، وجوز أبو البقاء تعلقه بيعذبون مقدراً لدلالة {لاَ بُشْرَىٰ } الخ عليه وكونه معمولاً لا ذكر مقدراً قال: أبو حيان وهو أقرب. وقال صاحب «الفرائد»: يمكن أن يكون منصوباً بينزل مضمراً لقولهم: {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَٰئِكَةُ}تفسير : [الفرقان: 21] كأنه قيل ينزل الملائكة يوم يرونهم، ولا يقال: كيف يكون وقت الرؤية وقتاً للإنزال لأنا نقول: الظرف يحتمل ذلك لسعته واستحسنه الطيبـي فقال هو قول لا مزيد عليه لأنه إذا انتصب بينزل يلتئم الكلامان لأن قوله تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ } الخ نشر لقوله تعالى: {أية : لَوْلا أُنزِلَ } تفسير : [الفرقان: 21] الخ، وقوله سبحانه: {أية : وَقَدِمْنَا } تفسير : [الفرقان: 23] نشر لقوله عز وجل: {أية : أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا }تفسير : [الفرقان: 21] ولم يجوز الأكثرون تعلقه ببشرى المذكور لكونه مصدراً وهو لا يعمل متأخراً وكونه منفياً بلا ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها. و{يَوْمَئِذٍ } تأكيد للأول أو بدل منه أو خبر {وللمجرمين} تبيين متعلق بمحذوف كما في سقيا له أو خبر ثان أو هو ظرف لما يتعلق به اللام أو لبشرى إن قدرت منونة غير مبنية مع لا فإنها لا تعمل إذ لو عمل اسم لا طال وأشبه المضاف فينتصب. وفي «البحر» ((احتمل بشرى أن يكون مبنياً مع لا واحتمل أن يكون في نية التنوين منصوب اللفظ ومنع من الصرف للتأنيث اللازم فإن كان مبنياً مع لا احتمل أن يكون الخبر {يَوْمَئِذٍ } و{للمجرمين} خبر بعد خبر أو نعت لبشرى أو متعلق بما تعلق به الخبر، وأن يكون {يَوْمَئِذٍ } صفة لبشرى والخبر {لّلْمُجْرِمِينَ } ويجىء خلاف سيبويه / والأخفش هل الخبر لنفس لا أو للمبتدأ الذي هو مجموع لا وما بنى معها. وإن كان في نية التنوين وهو معرب جاز أن يكون {يَوْمَئِذٍ } معمولاً لبشرى وأن يكون صفة والخبر {لّلْمُجْرِمِينَ }، وجاز أن يكون {يَوْمَئِذٍ } خبراً {وللمجرمين} صفة، وجاز أن يكون {يَوْمَئِذٍ } خبراً و {لّلْمُجْرِمِينَ } خبراً بعد خبر والخبر إذا كان الاسم ليس مبنياً للا نفسها بالإجماع. وقال الزمخشري: يومئذٍ تكرير ولا يجوز ذلك سواء أريد بالتكرير التوكيد اللفظي أم أريد به البدل لأن {يَوْمَ } منصوب بما تقدم ذكره من اذكر أو من يفقدون وما بعد لا العاملة في الاسم لا يعمل فيه ما قبلها وعلى تقديره يكون العامل فيه ما قبلها)) انتهى. ولا يخفى عليك ما في الاحتمالات التي ذكرها. وأما ما اعترض به على الزمخشري فتعقب بأن الجملة المنفية معمولة لقول مضمر وقع حالاً من الملائكة التي هي معمول ليرون و{يرون} معمول ليوم فلا وما في حيزها من تتمة الظرف الأول من حيث إنه معمول لبعض ما في حيزه ومثله لا يعد محذوراً مع أن كون لا لها الصدر مطلقاً أو إذا بنى معها اسمها ليس بمسلم عند جميع النحاة لأنها لكثرة دورها خرجت عن الصدارة فتأمل، هذا ما وقفنا عليه للمتقدمين في إعراب الآية وما فيه من الجرح والتعديل. وقال بعض العصريين: يجوز تعلق {يَوْمَ } بكبيراً وتقييد كبره بذلك اليوم ليس لنفي كبره في نفسه بل لظهور موجبه في ذلك اليوم ونظيره لزيد علم عظيم يوم يباحث الخصوم وتكون جملة {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ } استئنافاً لبيان ذلك وهو كما ترى، وأياً ما كان فالمراد بذلك اليوم على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يوم الموت، وقال أبو حيان: الظاهر أنه يوم القيامة لقوله تعالى بعد: {أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ }تفسير : [الفرقان: 23] الخ وفيه نظر. ونفي البشرى كناية عن إثبات ضدها كما أن نفي المحبة في مثل قوله تعالى: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 32] كناية عن البغض والمقت فيدل على ثبوت النذرى لهم على أبلغ وجه، والمراد بالمجرمين أولئك الذين لا يرجون لقاءه تعالى، ووضع المظهر موضع ضميرهم تسجيلاً عليهم بالإجرام مع ما هم عليه من الكفر والعناد وإيذاناً بعلة الحكم، ومن اعتبر المفهوم في مثله ادعى إفادة الآية عدم تحقق الحكم في غيرهم، وقد دل قوله تعالى في حق المؤمنين: {أية : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ } تفسير : [فصلت: 30] الخ على حصول البشرى لهم، وقيل: المراد بهم ما يعم العصاة والكفار الذين لا يرجون لقاءه تعالى، ويفيد الكلام سلب البشرى عن الكفار على أتم وجه لدلالته على أن المانع من حصول البشرى هو الإجرام ولا إجرام أعظم من إجرام الذين لا يرجون لقاءه عز وجل ويقولون ما يقولون فهم أولى به. ولا يتم استدلال المعتزلة بالآية عليه في نفي العفو والشفاعة للعصاة لأنها لا تفيد النفي في جميع الأوقات فيجوز أن يبشر العصاة بما ذكر في وقت آخر. وتعقب بأن الجملة قبل النفي لكونها اسمية تفيد الاستمرار فبعد دخول النفي إرادة نفي استمرار البشرى للمجرمين بمعنى أن البشرى تكون لهم لكن لا تستمر مما لا يظن أن أحداً يذهب إليه فيتعين إرادة استمرار النفي كما في قوله تعالى في حق أضدادهم {أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [يونس: 62] فحينئذٍ لا يتسنى قوله: إنها لا تفيد النفي في جميع الأوقات، فالأولى أن يراد بالمجرمين من سمعت حديثهم. {وَيَقُولُونَ } عطف على لا يبشرون أو يمنعون البشرى أو نحوه المقدر قبل {يَوْمٍ }. وجوز أن يكون عطفاً على ما قبله باعتبار ما يفهم منه كأنه قيل: يشاهدون أهوال القيامة ويقولون، وأن / يكون عطفاً على {يَرَوْنَ } وجملة {لاَ بُشْرَىٰ } حال بتقدير القول فلا يضر الفصل به، وضمير الجمع على ما استظهره أبو حيان لأنهم المحدث عنهم وحكاه الطبرسي عن مجاهد وابن جريج للذين لا يرجون أي ويقول أولئك الكفرة {حِجْراً مَّحْجُوراً } وهي كلمة تقولها العرب عند لقاء عدو موتور أو هجوم نازلة هائلة يضعونها موضع الاستعاذة حيث يطلبون من الله تعالى أن يمنع المكروه فلا يلحقهم فكأن المعنى نسأل الله تعالى أن يمنع ذلك منعاً ويحجره حجراً. وقال الخليل: كان الرجل يرى الرجل الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في الأشهر الحرم فيقول: حجراً محجوراً أي حرام عليك التعرض لي في هذا الشهر فلا يبدؤه بشر، وقال أبو عبيدة: هي عوذة للعرب يقولها من يخاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة، وقال أبو علي الفارسي: مما كانت العرب تستعمله ثم ترك قولهم حجراً محجوراً، وهذا كان عندهم لمعنيين، أحدهما: أن يقال عند الحرمان إذا سئل الإنسان فقال ذلك علم السائل أنه يريد أن يحرمه، ومنه قول المتلمس:شعر : حنت إلي النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام ألا تلك الدهاريس تفسير : والمعنى الآخر الاستعاذة كان الإنسان إذا سافر فرأى ما يخاف قال: حجراً محجوراً أي حرام عليك التعرض لي انتهى. وذكر سيبويه {حِجْراً } من المصادر المنصوبة غير المتصرفة وأنه واجب إضمار ناصبها، وقال: ويقول الرجل للرجل أتفعل كذا فيقول: حجراً وهي من حجره إذا منعه لأن المستعيذ طالب من الله تعالى أن يمنع المكروه من أن يلحقه والأصل فيه فتح الحاء، وقرىء به كما قال أبو البقاء لكن لما خصوا استعماله بالاستعاذة أو الحرمان صار كالمنقول فلما تغير معناه تغير لفظه عما هو أصله وهو الفتح إلى الكسر وقد جاء فيه الضم أيضاً وهي قراءة أبـي رجاء والحسن والضحاك ويقال فيه حجرى بألف التأنيث أيضاً؛ ومثله في التغيير عن أصله قعدك الله تعالى بسكون العين وفتح القاف، وحكي كسرها عن المازني وأنكره الأزهري وقعيدك وهو منصوب على المصدرية، والمراد رقيبك وحفيظك الله تعالى ثم نقل إلى القسم فقيل قعدك أو قعيدك الله تعالى لا تفعل، وأصله بإقعاد الله تعالى أي إدامته سبحانه لك وكذا عمرك الله بفتح الراء وفتح العين وضمها وهو منصوب على المصدرية ثم اختص بالقسم، وأصله بتعميرك الله تعالى أي بإقرارك له بالبقاء، وما ذكر من أنه لازم النصب على المصدرية بفعل واجب الإضمار اعترض عليه في «الدر المصون» بما أنشده الزمخشري:شعر : قالت وفيها حيدة وذعر عوذ بربـي منكم وحجر تفسير : فإنه وقع فيه مرفوعاً، ووصفه بمحجوراً للتأكيد كشعر شاعر وموت مايت وليل أليل، وذكر أن مفعولاً هنا للنسب أي ذو حجر وهو كفاعل يأتي لذلك، وقيل: إنه على الإسناد المجازي وليس بذاك، والمعنى أنهم يطلبون نزول الملائكة عليهم السلام وهم إذا رأوهم كرهوا لقاءهم أشد كراهة وفزعوا منهم فزعاً شديداً، وقالوا ما كانوا يقولونه عند نزول خطب شنيع وحلول بأس فظيع، وقيل: ضمير {يقولون} للملائكة وروي ذلك عن أبـي سعيد الخدري والضحاك وقتادة وعطية ومجاهد على ما في «الدر المنثور» قالوا: إن الملائكة يقولون للكفار حجراً محجوراً أي حراماً محرماً عليكم البشرى أي جعلها الله تعالى حراماً عليكم. / وفي بعض الروايات أنهم يطلبون البشرى من الملائكة عليهم السلام فيقولون ذلك لهم، وقال بعضهم: يعنون حراماً محرماً عليكم الجنة وحكاه في «مجمع البيان» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: الغفران، وفي جعل {حِجْراً } نصباً على المفعولية لجعل مقدراً كما أشير إليه بحث، والظاهر على ما ذكر أن إيراد هذه الكلمة للحرمان وهو المعنى الأول من المعنيين اللذين ذكرهما الفارسي {وَيَقُولُونَ } على هذا القول قيل معطوف على ما عطف عليه على القول بأن ضميره للكفرة، وقيل: معطوف على جملة يقولون المقدرة قبل {لاَ بُشْرَىٰ } الواقعة حالاً. وقال الطيبـي: هو حال من {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } بتقدير وهم يقولون نظير قولهم: قمت وأصك وجهه وعلى الأول هو عطف على {يَرَوْنَ }.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ثان جواب عن مقالتهم، فبعد إبداء التعجيب منها عُقّب بوعيد لهم، فيه حصول بعض ما طلبوا حصوله الآن، أي هم سيرون الملائكة ولكنها رؤية تسوءهم حين يرون زبانية العذاب يسوقونهم إلى النار، ففي هذا الاستئناف تلميح وتهكم بهم لأن ابتداءَه مطمع بالاستجابة وآخرَه مؤيس بالوعيد، فالكلام جرى على طريقة الغَيبة لأنه حكاية عن تورّكهم، والمقصود إبلاغه لهم حين يَسمعونه. وانتصب {يوم يرون} على الظرفية لِــــ{لاَ بُشرى}. وتقديم الظرف للاهتمام به لإثارة الطمع وللتشويق إلى تعيين إبانه حتى إذا ورد ما فيه خيبة طمعهم كان له وقع الكآبة على نفوسهم حينما يسمعونه. وإعادة {يومئذٍ} تأكيد. وذِكر وصف المجرمين إظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بأنهم مجرمون بعد أن وصفوا بالكفر والظلم واليأس من لقاء الله. وانتفاءُ البشرى مستعمل في إثبات ضده وهو الحزن. و(حجر) ــــ بكسر الحاء وسكون الجيم، ويقال بفتح الحاء وضمها على الندرة ــــ فهي كلمة يقولونها عند رؤية ما يُخاف من إصابته بمنزلة الاستعاذة. قال الخليل وأبو عبيدة: كان الرجل إذا رأى الرجل الذي يَخاف منه أن يقتله في الأشهر الحرم يقول له: {حِجْراً محجوراً}، أي حَرام قتلي، وهي عوذة. و(حجر) مصدر: حجَره، إذا منعه، قال تعالى {أية : وحرث حِجر}تفسير : [الأنعام: 138]، وهو في هذا الاستعمال لازم النصب على المفعول المطلق المنصوب بفعل مضمر مثل: معاذ الله، وأمّا رفعه في قول الرّاجز:شعر : قالت فيها حيدة وذُعْر عَوْذ بربي منكمُ وحُجْر تفسير : فهو تصرف فيه، ولعله عند سيبويه ضرورة لأنه لم يذكر الرفع في استعمال هذه الكلمات في هذا الغرض وهو الذي حكاه الراجز. وأمّا رفع (حجر) في غير حالة استعماله للتعوذ فلا مانع منه لأنه الأصل، وقد جاء في القرآن منصوباً لا على المفعولية المطلقة في قوله تعالى: {أية : وجعل بينهما برزخاً وحِجْراً محجوراً}تفسير : [الفرقان: 53]، فإنه معطوف على مفعول {جعل} وسننبه عليه قريباً. و{محجوراً} وصف لــــ{حجراً} مشتق من مادته للدلالة على تمكن المعنى المشتق منه كما قالوا: ليل أليل، وذيل ذائل، وشِعْر شاعر.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار الذين طلبوا إنزال الملائكة عليهم، أنهم يرون الملائكة لا بشرى لهم: أي لا تسرهم رؤيتهم ولا تكون لهم في ذلك الوقت بشارة بخير، ورؤيتهم للملائكة تكون عند احتضارهم، وتكون يوم القيامة ولا بشرى لهم في رؤيتهم في كلا الوقتين. أما رؤيتهم الملائكة عند حضور الموت فقد دلت آيات من كتاب الله أنهم لا بشارة لهم فيها لما يلاقون من العذاب من الملائكة عند الموت، كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 50] الآية وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [الأنعام: 93] وقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [محمد: 27ـ28] وأما رؤيتهم الملائكة يوم القيامة فلا بشرى لهم فيها أيضاً، ويدل لذلك قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} تفسير : [الأنعام: 8] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} يدل بدليل خطابه: أي مفهوم مخالفته، أن غير المجرمين يوم يرون الملائكة تكون لهم البشرى، وهذا المفهوم من هذه الآية جاء مصرحاً به في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} تفسير : [فصلت: 30ـ32]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَيقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} أظهر القولين فيه عندي أنه من كلام الكفار، يوم يرون الملائكة. لا من كلام الملائكة وإيضاحه: أن الكفار الذين اقترحوا إنزال الملائكة إذا رأوا الملائكة توقعوا العذاب من قبلهم، فيقولون حينئذ للملائكة: حجراً محجوراً: أي حراماً محرماً عليكم أن تمسونا بسوء أي لأننا لم نرتكب ذنباً نستوجب به العذاب، كما أوضحه تعالى بقوله عنهم: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [النحل: 28] فقولهم: ما كنا نعمل من سوء: أي لم نستوجب عذاباً فتعذيبنا حرام محرم، وقد كذبهم الله في دعواهم هذه بقوله: {أية : بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [النحل: 28] وعادة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، أنهم يقولون هذا الكلام: أي حجراً محجوراً عند لقاء عدو موتور أو هجوم نازلة أو نحو ذلك. وقد ذكر سيبويه هذه الكلمة أعني: حجراً محجوراً في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو: معاذ نحو: معاذ الله، وعمرك الله، ونحو ذلك وقوله: حجراً محجوراً، أصله من حجره بمعنى منعه، والحجر الحرام، لأنه ممنوع ومنه قوله: {أية : وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} تفسير : [الأنعام: 138] أي حرام {أية : لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ} تفسير : [الأنعام: 138] ومنه قول المتلمس: شعر : حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام ألا تلك الدهاريس تفسير : فقوله حرام تأكيد لقوله حجر لأن معناه حرام وقول الآخر: شعر : ألا أصبحت أسماء حجراً محرماً وأصحبت من أدنى حموتها حما تفسير : وقول الآخر: شعر : قالت وفيها حيرة وذعر عوذ بربي منكم وحجر تفسير : وقوله: محجوراً توكيد لمعنى الحجر. قال الزمخشري: كقول العرب: ذيل ذائل. والذيل الهوان، وموت مائت، وأما على القول بأن حجراً محجوراً من قول الملائكة، فمعناه: أنهم يقولون للكفار حجراً محجوراً. أي حراماً محرماً أن تكون للكفار اليوم بشرى، أو أن يغفر لهم، أو يدخلون الجنة وهذا القول اختاره ابن جرير، وابن كثير وغير واحد. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ} قال الزمخشري: يوم منصوب بأحد شيئين، إما بما دل عليه لا بشرى أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى، أو يعدمونها، ويومئذ للتكرير، وإما بإضمار اذكر: أي اذكر يوم يرون الملائكة، ثم قال لا بشرى يومئذ للمجرمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمَلاَئِكَةَ} {يَوْمَئِذ} (22) - وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِهؤلاءِ المُكَذِّبينَ: إِنَّهُمْ حِينَ يَرَوْنَ المَلاَئِكَةًَ في سَاعَةِ احْتِضَارِهِمْ، وَدُنُوِّ أَجَلِهم فَتُبَشِّرُهُم المَلائِكَةُ بِعَذَابٍ أَليمٍ مِنَ اللهِ وَيَضْرِبونَ وَجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ لإِخْرَاجِ أَرْوَاحِهِمْ، فَيَكُونَ ذَلِكَ اليَومُ يَوْماً عَسِيراً عَلَى الكَافِرِينَ، لاَ يَومَ بِشَارَةٍ لَهُمْ بِالكَرَامَةِ وَالجَنَّةِ وَالمَغْفِرَةِ. وَتَقُولُ الملاَئِكَةُ لِهَؤُلاَءِ المُجْرِمِينَ: حَرَامٌ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُم الفلاَحُ اليومَ، وَحَرَامٌ عَلَيْكُمْ البُشْرَى - أَيْ جَعَلَ اللهُ البُشْرَى والجَنَّةَ عَلَيْكُمْ حَرَاماً مُحَرَّماً. (وَقِيلَ إِنَّ هَذَا يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ لاَ عِنْدَ الموتِ، وَلاَ مُنَافَاةَ بَينَ القولَيْنِ، فَيَوْمَ المَمَاتِ وَيومَ الحشرِ تَظْْهَرُ المَلاَئِكَةُ للخَلاَئِقِ فَيُبَشِّرُونَ المُؤْمِنِينَ بِالخَيرِ والرَّحْمَةِ، وَيُبشِّرُونَ الظَّالمِينَ بالوَيْلِ والثُّبورِ). حِجْراً مَحْجُوراً - حَرَاماً مُحَرَّماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يتحدث الحق - تبارك وتعالى - عن هؤلاء الذين اقترحوا على رسول الله الآيات وطلبوا أن تنزل معه الملائكة فيرونها، وتشهد لهم بصدقه صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم سبحانه: أنتم تشتهون أنْ تروْا الملائكة، فسوف تروْنها لكن في موقف آخر، ليس موقف البُشْريات والخيرات، إنما في موقف الخزي والندامة والعذاب: {يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ..} [الفرقان: 22] فسوف ترونهم رؤيا الفزع والخوف عندما يأتون لقبْض أرواحكم، أو ستروْنَهم يوم القيامة يوم يُبشِّرونكم بالعذاب. يوم يستقبلون المؤمنين: {أية : بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..}تفسير : [الحديد: 12] فيستشرف الكفار لسماع هذه الكلمة لكن هيهات {لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ..} [الفرقان: 22] فيمنعون عنهم هذه الكلمة المحبّبة التي ينتظرونها، ويقابلونهم بكلمة أخرى تناسبهم. يقولون لهم: {حِجْراً مَّحْجُوراً} [الفرقان: 22] والحِجْر: المنع، ومنه: نحجر على فلان يعني: نمنعه من التصرُّف. وقديماً كانوا يقولون في دفع الشر: حِجْراً محجوراً يعني: منعاً، ومثل ذلك ما نسمعهم يقولون إذا ذُكِرَ الجن: حابس حابس يعني: ابتعد عني لا تقربني. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 2083- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن الحسن، وقتادة في قوله تعالى: {حِجْراً مَّحْجُوراً}: [الآية: 22]، قال: هي كملة كانت العرب تقولها. كان الرجل إذا نزلت به شديدةً قال: حجراً محجوراً. يقول: حراماً محرَّماً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):