٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} هذا تنبيه على عظم قدر يوم القيامة؛ أي قصدنا في ذلك إلى ما كان يعمله المجرمون من عمل بَرٍّ عند أنفسهم. يقال: قدِم فلان إلى أمر كذا أي قصده. وقال مجاهد: {قَدِمْنَا} أي عمدنا. وقال الراجز:شعر : وقَدِم الخوارجُ الضُّلالُ إلى عِباد ربِّهم فقالوا إن دماءكم لنا حلالُ تفسير : وقيل: هو قدوم الملائكة، أخبر به عن نفسه تعالى فاعله. {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} أي لا ينتفع به؛ أي أبطلناه بالكفر. وليس {هَبَاءً} من ذوات الهمز وإنما همزت لالتقاء الساكنين. والتصغير هُبَيٌّ في موضع الرفع، ومن النحويين من يقول: هُبَيٍّ في موضع الرفع؛ حكاه النحاس. وواحده هباة والجمع أهباء. قال الحارث بن حلِّزة يصف( ناقة):شعر : فَتَرى خِلْفَها من الرَّجْعِ والوَقْـ ـعِ مَنِيناً كأنه أهباء تفسير : وروى الحرث عن علي قال: الهباء المنثور شعاع الشمس الذي يدخل من الكوّة. وقال الأزهريّ: الهباء ما يخرج من الكوّة في ضوء الشمس شبيه بالغبار. تأويله: إن الله تعالى أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور. فأما الهباء المنبث فهو ما تثيره الخيل بسنابكها من الغبار. والمنبث المتفرق. وقال ابن عرفة: الهبوَة والهبَاء التراب الدقيق. الجوهري: ويقال له إذا ارتفع هبَا يَهْبُو هُبُوًّا وأهبيته أنا. والهَبْوة الغَبْرة. قال رؤبة:شعر : تَبْدُو لنا أعلاَمُه بعد الغَرَقْ في قِطَعِ الآلِ وهَبْوَاتِ الدُّقَقْ تفسير : وموضعٌ هابِي التراب أي كأن ترابه مثل الهباءِ في الرقة. وقيل: إنه ما ذرته الرياح من يابس أوراق الشجر؛ قاله قتادة وابن عباس. وقال ابن عباس أيضاً: إنه الماء المهراق. وقيل: إنه الرماد؛ قاله عبيد بن يعلى. قوله تعالى: {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً }. تقدم القول فيه عند قوله تعالى: {أية : قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِي وَعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [الفرقان: 15]. قال النحاس: والكوفيون يجيزون «العسل أحلى من الخل» وهذا قول مردود؛ لأن معنى فلان خير من فلان أنه أكثر خيراً منه ولا حلاوة في الخل. ولا يجوز أن يقال: النصراني خير من اليهودي؛ لأنه لا خير فيهما فيكون أحدهما أزيد في الخير. لكن يقال: اليهودي شر من النصراني؛ فعلى هذا كلام العرب. و«مُسْتَقَرًّا» نصب على الظرف إذا قدر على غير باب «أفعل منك» والمعنى لهم خير في مستقر. وإذا كان من باب «أفعل منك» فانتصابه على البيان؛ قاله النحاس والمهدوي. قال قتادة: {وَأَحْسَنُ مقِيلاً} منزلاً ومأوى. وقيل: هو على ما تعرفه العرب من مقيل نصف النهار. ومنه الحديث المرفوع: «حديث : إن الله تبارك وتعالى يفرغ من حساب الخلق في مقدار نصف يوم فيَقِيلُ أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار» تفسير : ذكره المهدوِي. وقال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة من نهار الدنيا حتى يقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، ثم قرأ: {ثم إِن مقِيلهم لإلى الجحيم} كذا هي في قراءة ابن مسعود. وقال ابن عباس: الحساب من ذلك اليوم في أوله، فلا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. ومنه ما روي: «قِيلوا فإن الشياطين لا تَقِيل». وذكر قاسم بن أصبغ من حديث حديث : أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» فقلت: ما أطول هذا اليوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة يصلّيها في الدنيا».
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى: {وَقَدِمْنَآ } عمدنا {إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ } من الخير كصدقة وصلة رحم، وقِرى ضيف وإغاثة ملهوف في الدنيا {فَجَعَلْنَٰهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } هو ما يرى في الكوى التي عليها الشمس كالغبار المفرّق: أي مثله في عدم النفع به، إذ لا ثواب فيه لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَقَدِمْنَآ} عمدنا {مِنْ عَمَلٍ} خير فأحبطناه بالكفر، أو عمل صالح لا يراد به وجه الله. {هَبَآءً} رَهَج الدواب "غبار يسطع من تحت حوافرها"، أو كالغبار يكون في شعاع الشمس إذا طلعت في كوة، أو ما ذرته الريح من أوراق الشجر، أو الماء المهراق "ع" أو الرماد.
البقاعي
تفسير : ولما كان المريد لإبطال الشيء - لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله بغيره، بل يأتيه بنفسه فيبطله، عبر بقوله: {وقدمنا} أي بما لنا من العظمة الباهرة في ذلك اليوم الذي يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة {إلى ما عملوا من عمل} أي من مكارم الأخلاق من الجود وصلة الرحم والحلم والنجدة في الخير وإغاثة الملهوف وغيره {فجعلناه} لكونه لم يؤسس على الإيمان، وإنما هو للهوى والشيطان - باطلاً لا نفع فيه، وهو معنى {هباء} وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من الكوة مما يشبه الغبار، فهو أشبه شيء بالعدم لأنه لا نفع له أصلاً. ولما كان الهباء يرى مع السكون منتظماً، فإذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب، معظم دخوله في حيز العدم مع أنه محسوس، قال مبلغاً في وصف أعمالهم: {منثوراً*} وهو صفة، وقيل: مفعول ثالث لجعل، أي جعلنا الأعمال جامعة لحقارة الهباء والتناثر. ولما علم من هذا أن التقدير: فكاون بحيث إنهم لا قرار لهم إذا كانت النار مقيلهم، تلاه بحال أضدادهم فقال: {أصحاب الجنة يومئذ} أي يوم إذ يرون الملائكة {خير مستقراً} أي مكاناً يصلح للاستقرار لطيبه، ويكونون فيه في أكثر أوقاتهم مستقرين على سرر متقابلين يتحادثون، إشارة إلى أن منزل أولئك لا يمكن الاستقرار فيه {وأحسن مقيلاً*} أي مكاناً يمكن فيه الاستراحة في مثل وقت القيلولة للاسترواح بأزوجهم، والتمتع بما يكون في الخلوات، روي أن وقت الحساب على طوله يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين أول النهار إلى وقت القائلة فيقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ الناس من الحساب. وعبر بأفعل التفضيل تهكماً بهم أو أنه عبر بذلك لما كان الكلام عاماً لأحوال الدنيا والآخرة، وهو قاطعون بأنهم في الدنيا أحسن حالاً من المؤمنين، لما هم فيه من السعة في المال والكثرة والقوة، وبلفظ الحسن إشارة إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الوجوه وملاحه الصور ونحوه. ولما كان للكفرة في هذه الدار من العز والقوة والضخامة ما يتعجبون معه من مصير حالهم وحال أخصامهم إلى ما ذكر، بين أن الأمر في ذلك اليوم على غير ما نعهده، فقال عاطفاً على {يوم يرون}: {ويوم تشقق} أي تشققاً عظيماً وإن كان فيه خفاء على البعض - بما أشار إليه حذف تائه {السماء بالغمام} أي كما تشقق الأرض بالنبات فيخرج من خلال شقوقها، وأشار إلى جهل من طلبوا نزولهم دفعة واحدة بقوله: {ونزل} أي بالتدريج بأمر حتم لا يمكنهم التخلف عنه، بأمر من لا أمر لغيره {الملائكة} الذين طلبوا أن يروهم في حال واحد {تنزيلاً*} في أيديهم صحائف الأعمال؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: تشقق السماء في الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الدنيا من الجن والإنس، ثم تشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا وأهل الأرض جناً وإنساً ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكروبيون ثم حملة العرش. ولما كان ذلك اليوم سبباً لانكشاف الأمور ومعرفة أنه لا ملك لسواه سبحانه لأنه لا يقضي فيه غيره قال: {الملك يومئذ} أي يوم إذ تشقق السماء بالغمام؛ ثم وصف الملك بقوله: {الحق} أي الثابت معناه ثابتاً لا يمكن زواله؛ ثم أخبر عنه بقوله: {للرحمن} أي العام الرحمة في الدارين، ومن عموم رحمته وحقية ملكه أن يسر قلوب أهل ورده بتعذيب أهل عداوته الذين عادوهم فيه لتضييعهم الحق باتباع الباطل، ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل أحد الجنة، ومعنى التركيب أن ملك غيره في ذلك اليوم إنما هو بالاسم الذي تقدم له في الدنيا تسميته به فقط، لا حكم له أصلاً ولا ظاهراً كما كان في الدنيا {وكان} أي ذلك ايوم الذي تظهر فيه الملائكة الذين طلب الكفار رؤيتهم {يوماً على الكافرين} أي فقط {عسيراً*} شديد العسر والاستعار. ولما كان حاصل حالهم أنهم جانبوا أشرف الخلق الهادي لهم إلى كل خير، وصاحبوا غيره ممن يقودهم إلى كل شر، بين عسر ذلك اليوم الذي إنما أوجب جرأتهم تكذيبهم به بتناهي ندمهم على فعلهم هذا فقال: {ويوم يعض الظالم} أي لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال {على يديه} أي كلتيهما فيكاد يقطعهما لشدة حسرته وهو لا يشعر، حال كونه مع هذا الفعل {يقول} أي يجدد في كل لحظة قوله: {يا ليتني اتخذت} أي أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في الدنيا {مع الرسول سبيلاً*} أي عملاً واحداً من الأعمال التي دعاني إليها، وأطعته طاعة ما، لما انكشف لي في هذا اليوم من أن كل من أطاعه ولو لحظة حصلت له سعادة بقدرها، وعض اليد والأنامل وحرق الأسنان ونحو ذلك كناية عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما، فتذكر الرادفه دلالة على المردوف فيرتفع الكلام في طبقة الفصاحة إلى حد يجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ما لا يجده عند المكنى عنه. ولما تأسف على مجانبة الرسول، تندم على مصادقة غيره بقوله: {يا ويلتىٰ} أي هلاكي الذي ليس لي منادم غيره لأنه ليس بحضرتي سواه. ولما كان يريد محالاً، عبر بأداته فقال: {ليتني لم أتخذ فلاناً} يعني الذي أضله - يسميه باسمه، وإنما كنى عنه وهو سبحانه لا يخاف من المناواة، ولا يحتاج إلى المداجاة، إرادة للعموم وإن كانت الآية نزلت في شخص معين {خليلاً*} أي صديقاً أوافقه في أعماله لما علمت من سوء عاقبتها، ثم استأنف قوله الذي يتوقع كل سامع أن يقوله: {لقد} أي والله لقد {أضلني عن الذكر} أي عمّي عليّ طريق القرآن الذي لاذكر في الحقيقة غيره وصرفني عنه، والجملة في موضع العلة لما قبلها {بعد إذ جاءني} ولم يكن لي منه مانع يظهر غير إضلاله. ولما كان التقدير: ثم ها هو قد خذلني أحوج ما كنت إلى نصرته، عطف عليه قوله: {وكان الشيطان} أي كل من كان سبباً للضلال من عتاة الجن والإنس {للإنسان خذولاً*} أي شديد الخذلان يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكره، لا ينصره، ولو أراد لما استطاع، بل هو شر من ذلك، لأن عليه إثمه في نفسه ومثل إثم من أضله. ولما ذكر سبحانه أقوال الكفار إلى أن ختم بالإضلال عن الذكر، وكانوا مع إظهارهم التكذيب به وأنه مفتعل في غاية الطرب له، والاهتزاز به، والتعجب منه، والمعرفة بأنه يكون له نبأ، أشار إلى ذلك بقوله: عاطفاً على {وقالوا ما لهذا الرسول} معظماً لهذه الشكاية منه صلى الله عليه وسلم، مخوفاً لقومه لأن الرسل قبله عليهم الصلاة والسلام كانوا إذا شكوا أنزل بقومهم عذاب الاستئصال: {وقال الرسول} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم: {يا رب} أيها المحسن إليّ بأنواع الإحسان الذي أعظمه الرسالة، وعبر بأداة البعد هضماً لنفسه مبالغة في التضرع {إن قومي} أي قريشاً الذين لهم قوة وقيام ومنعة {اتخذوا} أي يتكليف أنفسهم ضد ما تجده {هذا القرآن} أي المقتضي للاجتماع عليه والمبادرة إليه {مهجوراً*} أي متروكاً، فأشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجاً كثيراً، لما يرون من حسن نظمه، ويذوقون من لذيذ معانيه، ورائق أسالبيه، ولطيف عجائبه، وبديع غرائبه، كما تعرّف به قصة أبي جهل وأبي سفيان بن حرب والأخنس بن شريق حين كانوا يستمعون لقراءته ليلاً، كل واحد منهم في مكان لا يعلم به صاحباه، ثم يجمعهم الطريق إذا أصبحوا فيتلاومون ويتعاهدون على أن لا يعودوا، ثم يعودون حتى فعلوا ذلك ثلاث ليال ثم أكدوا على أنفسهم العهود حتى تركوا ذلك كما هو مشهور في السير.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل} قال: قدمنا إلى ما عملوا من خير ممن لا يتقبل منه في الدنيا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله {هباء منثوراً} قال: الهباء: شعاع الشمس الذي يخرج من الكوة. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: الهباء: ريح الغبار يسطع، ثم يذهب فلا يبقى منه شيء، فجعل الله أعمالهم كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منها الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {هباء منثوراً} قال: الماء المهراق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {هباء منثوراً} قال: الشعاع في كوّة أحدهم. لو ذهبت تقبض عليه لم تستطع. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {هباء منثوراً} قال: شعاع الشمس من الكوّة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة {هباء منثوراً} قال: شعاع الشمس الذي في الكوّة. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك وعامر في الهباء المنثور: شعاع الشمس. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك {هباء منثوراً} قال: الغبار. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {هباء منثوراً} قال: هو ما تذروه الرياح من حطام هذا الشجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن معلى بن عبيدة قال: الهباء: الرماد. وأخرج سمويه في فوائده عن سالم مولى أبي حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ليجاء يوم القيامة بقوم معهم حسنات مثال جبال تهامة حتى إذا جيء بهم، جعل الله تعالى أعمالهم هباء، ثم قذفهم في النار قال سالم: بأبي وأمي يا رسول الله حل لنا هؤلاء القوم؟ قال: كانوا يصلون، ويصومون ويأخذون سنة من الليل، ولكن كانوا إذا عرض عليهم شيء من الحرام وثبوا عليه، فأدحض الله تعالى أعمالهم ".
ابو السعود
تفسير : {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً} بـيانٌ لحالِ ما كانُوا يعملونَه في الدُّنيا من صلةِ رحمٍ وإغاثةِ ملهوفٍ. وقرى ضيفٍ ومنَ على أسير وغير ذلك من مكارمِهم ومحاسِنهم التي لو كانُوا عملُوها مع الإيمانِ لنالُوا ثَوابَها بتمثيلِ حالِهم وحالِ أعمالِهم المذكورةِ بحال قومٍ خالفُوا سلطانَهم واستعصَوا عليه فقدمَ إلى أشيائِهم وقصدَ ما تحت أيديهم فأنحى عليها بالإفسادِ والتَّحريقِ ومزَّقها كلَّ تمزيقٍ بحيث لم يَدع لها عيناً ولا أثراً أي عمَدنا إليها وأبطلَناها أي أظهرنا بُطلانَها بالكلِّيةِ من غير أنْ يكونَ هناك قدومٌ ولا شيء يُقصد تشبـيهه به والهَبَاءُ شبه غبارٍ يُرى في شعاعِ الشَّمسِ يطلع من الكُوَّة من الهبوةِ وهي الغبارُ ومنثُوراً صفتُه شبه به أعمالَهم المُحبَطةَ في الحقارةِ وعدمِ الجَدوى ثمَّ بالمنثُور منه في الانتشارِ بحيثُ لا يمكن نظمُه أو مفعولٌ ثالثٌ من حيثُ إنَّه كالخبر كما في قوله تعالى: { أية : كَونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ}. تفسير : [سورة البقرة, الآية 65] {أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ} هم المؤمنون المشارُ إليهم في قوله تعالى: قلْ أذلك خيرٌ أو جنَّةُ الخلد التي وُعد المتَّقون الخ {يَوْمَئِذٍ} أي يومَ إذ يكونُ ما ذُكر من عدمِ التَّبشير وقولِهم حِجْراً محجُوراً وجعلِ أعمالِهم هباءً منثُوراً {خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} المستقرُّ المكانُ الذي يُستقرُّ فيه في أكثرِ الأوقاتِ للتَّجالسِ والتَّحادثِ {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} المقيلُ المكانُ الذي يؤوى إليه للاسترواحِ إلى الأزواجِ والتَّمتعِ بمغازلتهنَّ سُمِّي بذلك لما أنَّ التَّمتعَ به يكون وقتَ القَيلولهِ غالباً وقيل: لأنه يُفرغٍ من الحسابِ في منتصفِ ذلك اليَّوم فقيل أهلُ الجَّنة في الجنَّةِ وأهلُ النَّار في النَّارِ وفي وصفه بزيادةِ الحُسن مع حصولِ الخيرَّيةِ بعطفه على المستقرِّ رمزٌ إلى أنه مزَّينٌ بفنون الزَّينِ والزَّخارفِ والتَّفضيلُ المُعتبر فيهما إمَّا لإرادةِ الزِّيادةِ على الإطلاقِ أي هُم في أقصى ما يكونُ من خيرَّيةِ المُستقرِّ وحسنِ المَقيلِ وإمَّا بالإضافةِ إلى مَا للكَفَرةِ المُتنعِّمينَ في الدُّنيا أو إلى ما لَهُم في الآخرةِ بطريق التَّهكُّمِ بهم كما مرَّ في قوله تعالى: {أية : قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ } تفسير : [سورة الفرقان, الآية 15] الآيةَ هذا وقد جُوِّز أنْ يُرادَ بأحدِهما المصدرُ أو الزَّمانُ إشارةً إلى أنَّ مكانَهم وزمانَهم أطيبُ ما يُخيَّلُ من الأمكنةِ والأزمنةِ.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء رحمه الله تعالى: أطلعناهم على أعمالهم. فطالعوها بعين الرضا فسقطوا عن أعيننا بذلك وجعلنا أعمالهم هباءً منثورًا.
القشيري
تفسير : هذه آفة الكفار؛ ضاع سعيُهم وخاب جُهْدُهم، وضاع عمرُهم وخَسِرَتْ صفقتُهم وانقطع رجاؤهم {أية : وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ}تفسير : [الزمر: 47]، {أية : يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 104]. وأما أصحاب الحقائق وأرباب التوحيد فيلوح لقلوبهم من سماع هذه الآية ما يحصل به كمال رَوْحِهم، وتتأدَّى إلى قلوبِهم من الراحات ما يضيق عن وصفه شرحهُم، ويتقاصر عن ثنائه نُطْقُهم، حيث يسمعون قوله: {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} ولقد ظهرت قيمة أعمالهم حيث قال الحقُّ لأجله {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ...} فَهُم إذا سمعوا ذلك وَجَبَ لهم من الأريحية ما يشغلهم عن الاهتمام لقوله: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} ويقولون: يا ليت لنا أعمال أهل الدارين ثم لا تُقْبَلُ منها ذرةٌ وهو يقول بسببها: {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ...}! لأنهم إذا تخلصوا من مواضع الخلل وموجبات الخجل من أعمالهم عدُّواً ذلك من أجلِّ ما ينالون من الإحسان إليهم، وفي معناه أنشدوا: شعر : سأرجع من حجِّ عامِيَ مُخْجِلاً لأنَّ الذي قد كان لا يُتَقَبَّلُ
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} اخبر سبحانه من العمال واعمالهم التى عملوها بالرياء والسعة واستحسانهم ذلك من قصور نظرهم عن ادراك تنزيه ساحة كبرياء الحق الذى بوجوده مستغنى عن الكون واهله فلما استكثروها صارت هباء منثورا برياح الشرك والرياء اين هم من خوالص عبودية العارفين حتى تفنى عند ظهور عظمته وجلاله فرفعها الحق عن اعينهم وبقى فى عيونهم انوار عزته وجلال عظمته قال ابن عطا اطلعناهم على اعمالهم فطالعوها بعين الرضا فسقطوا عن عيننا بذلك وجعلنا اعمالهم هباء منثور ثم اخبر سبحانه عن مقامات المخلصين فى طاعته فى جوار جلاله بقوله {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} يعنى اصحاب جنان المشاهدة فى مستقر الوصلة ومقيل المداناة فى ظلال الجمال ابدا بلا تحويل ولا تبديل قال بعضهم فى دار القرار على ميعاد لقاء الجبار من غير خوف ولا زوال واحسن مقيلا استرواحا.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقدمنا الى ماعملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} القدوم عبارة عن مجيىء المسافر بعد مدة والهباء الغبار الذى يرى فى شعاع الشمس يطلع من الكوة من الهبوة وهو الغبار ومنثورا صفته بمعنى مفرقا مثل تعالى حالهم وحال اعمالهم التى كانوا يعملونها فى الدنيا من صلة رحم واغاثة ملهوف وقرى ضيف وفك اسير واكرام يتيم ونحو ذلك من المحاسن التى لو عملوها مع الايمان لنا لواثوا بها بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقصد الى ماتحت ايديهم من الدار والعقار ونحوهما فمزقها وابطلها بالكلية ولم يبق لها اثرا اى قصدنا اليها واظهرنا بطلانها بالكلية لعدم شرط قبولها وهو الايمان فليس هناك قدوم على شىء ولا نحوه وهذا هو تشبيه الهيئة وفى مثله تكون المفردات مستعملة فى معانيها الاصلية وشبه اعمالهم المحبطة بالغبار فى الحقارة وعدم الجدوى ثم بالمنثور منه فى الانتثار بحيث لايمكن نظمه وفيه اشارة الى ان اعمال اهل البدعة التى عملوها بالهوى ممزوجه بالرياء فلا يوجد لها اثر ولا يسمع منها خبر: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : شنيدم كه نابالغى روزه داشت بصد محنت آورد روزى بجاشت بكفتا بس آن روز سائق نبرد بزرك آمدش طاعت از طفل خرد بدر ديده بوسيد ومادر سرش فشاندند بادام وزر بر سرش جوبروى كذر كرد يك نيمه روز فتاداند رو آتش معده سوز بدل كفت اكر لقمه جندى خورم جه داند بدر عيب يا مادرم جوروى بسر در بدر بود وقوم نهان خورد وبيدا بسر برد صوم كه داند جودر بند حق نيستى اكر بى وضو در نماز ايستى بس اين بيرازان طفل نادان ترست كه از بهر مردم بطاعت درست كليد در دوز خست آن نماز كه درجشم مردم كزارى دراز اكر جز بحق ميرود جادمات در آتش نشانند سجاده ات
الجنابذي
تفسير : {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} اىّ عملٍ كان ممّا يحسبونه ذخراً لآخرتهم من الصّدق والامانة والوفاء والدّيانة والانفاقات والصّلات والاعمال الّتى كانت على صورة ملّةٍ الهيّةٍ وعبّر بالماضى لايهام انّه واقع او اخبار عن وقوعه، او اخبار بانّ المخاطب حاله ومقامه حال من قامت قيامته ويرى ما سيقع بالنّسبة الى النّاقصين واقعاً {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً} الهباء عبارة عن الغبار الّذى يرى فى شعاع الشّمس {مَّنثُوراً} صفة هباء او خبرٌ بعد خبرٍ.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقَدِمْنَآ إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ} أي: وعمدنا. وفي تفسير مجاهد: {إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ} أي: حسن، يعني المشركين {فَجَعَلْنَاهُ} أي: في الآخرة {هَبَآءً مَّنْثُوراً} وهو الذي يتناثر من الغبار الذي يكون من أثر حوافر الدوابّ إذا سارت. وفي الآية: (أية : هَبَآءً مُّنْبَثّاً) تفسير : [الواقعة: 6] وهو الذي يدخل من الكوّة من ضوء الشمس. وتفسير مجاهد: {هَبَآءً مَّنْثُوراً} هو عنده هذا. قوله: {أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَراً} أي: من مستقرّ المشركين {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} أي: مأوى ومنزلاً. ذكر بعضهم قال: يجاء يوم القيامة برجلين كان أحدهما ملكاً في الدنيا إلى الحمرة والبياض فيُحاسَب فإذا هو عبد لم يعمل خيراً فيؤمر به إلى النار، والآخر كان مسكيناً في الدنيا، أو كما قال، فيحاسب، فيقول: يا رب، ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به، فيقول: صدق عبدي فأرسلوه، فيؤمر به إلى الجنة. ثم يُتركان ما شاء الله، ثم يدعى صاحب النار، فإذا هو الحُممة السوداء، فيقال له: كيف وجدت مقيلك؟ فيقول: شرّ مقيل، فيقال له: عد. ثم يدعى صاحب الجنة فإذا هو مثل القمر ليلة البدر، فيقال له: كيف وجدت مقيلك؟ فيقول: ربّ، خير مقيل، فيقال له: عد. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: من لم يَقِل في الجنة يومئذ فليس هو من أهلها. قال بعضهم: وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: إني لأعلم أي ساعة يدخل أهل الجنة الجنة، قبل نصف النهار حين يشتهون الغَداء. قوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالغَمَامِ} أي: عن الغمام. هذا بعث البعث، تشقّق فتراها واهية متشققة، كقوله: (أية : وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً) تفسير : [النبأ: 19]. ويكون الغمام شرايين السماء والأرض. قال: {وَنُزِّلَ المَلآئِكَةُ تَنزِيلاً} هو مثل قوله: (أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلآ أَن يَّأتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالمَلآئِكَةُ) تفسير : [البقرة: 210]، ومثل قوله: (أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) تفسير : [الفجر: 22].
اطفيش
تفسير : {وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجْعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} لا قدوم هنا حقيقة ولا مجاز لكن ذلك كله مجاز مركب شبه انهم واعمالهم في حال كفرهم من صلة رحم واغاثة ملهوف وقِرى ضيف وفك اسير ونحو ذلك ومن المكارم بحال قوم خالفوا سلطانهم فقدم إلى اشيائهم وما تحت ايديهم فافسدها ومزقها كل ممزق ولم يبق لها أثر وذلك انه لا ثواب لتلك الاعمال في الاخرة مع الكفرة. وعن الداوودي عن مجاهد قدمنا عملنا وعن عياض قدمنا قصد حكمنا وانفادنا ونحو ذلك والهباء ما في ضوء الشمس من الكوة وفي المثل أقل من الهباء وهمزته عن واو بدليل الهبوة وقيل الهباء ما يتناثر من الغبار بحوافر الدواب. وقال ابن عباس: هو تسفيه الريح من التراب وحطام الشجر وروي الاول عن ابن عباس والمنثور المفرق وهو نعت للهباء أو مفعول ثان بعد مفعول ثان وأصل {جَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} انما هو على طريقة (زيدا اسدا) اي كـ (هباء) منثورا وكاسد ثم جعل جزءا من اجزاء المجاز المركب وذلك انهم عملوا ما عملوه من المحاسن ولم يخلصوها لله لشركهم وتضييعهم الفرائض فلم ينفعهم الله بها كما لا ينتفع بالهباء المتفرق الذي لا يمكن لنا جمعه وانما تفرقت اعمالهم إلى اغراض قصدوها لا لله.
اطفيش
تفسير : {وقَدِمنا} توجهت إرادتنا {إلى ما عَملُوا} وهم خالون عن الايمان {من عمل} بيان لما، أى هو عمل عظيم ما يثابون عيه لو آمنوا كصلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وقرى الضيف، وفك الأسير، والصدقة على الفقراء، والاطعام عام الجوع {فجعلناهُ هباءً} كاللأجرام الدقيقة المتبينة فى ضوء الشمس من كوة فى عدم الفائدة {منثوراً} نعت كاشف لا تقييد لأن الهباء أبداً منثور وليس من الأرداف المسمى فى البديع تتمياً وإيغالا لأن ذلك فيما يزيد فائدة كقول الخنساء: شعر : * كأنه علم فى رأسه نار * تفسير : أى جبل فى رأسه نار، ولا زيادة هنا لأن النثر معلوم من قوله هباء، اللهم الا ان يكتفى فى التسمية بذكر شىء، ولو تضمنه ما قبله، وكذا إن فسر بشرر النار أو الغبار المتفرق، والكلام استعارة تمثيلية، شبه اجتهادهم فى أعمالهم صالحات مع كفرهم، وإبطال ثوابها بكسب قوم خالفوا سلطانهم، فأفسده عنهم.
الالوسي
تفسير : {وَقَدِمْنَا } أي عمدنا وقصدنا كما روي عن ابن عباس وأخرجه ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد {إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ } في الدنيا {مِنْ عَمَلٍ } فخيم كصلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف ومن على أسير وغير ذلك من مكارمهم ومحاسنهم التي لو كانوا عملوها مع الإيمان لنالوا ثوابها، والجار والمجرور بيان لما وصحة البيان باعتبار التنكير كصحة الاستثناء في {أية : إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً } تفسير : [الجاثية: 32] لكن التنكير هٰهنا للتفخيم كما أشرنا إليه. وجوز أن يكون للتعميم ودفع ما يتوهم من العهد في الموصول أي عمدنا إلى كل عمل عملوه خال عن الإيمان، ولعل الأول أنسب بقوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً } مثل هباء في الحقارة وعدم الجدوى، وهو على ما أخرج عبد الرزاق والفريابـي وابن أبـي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه وهج الغبار يسطع ثم يذهب. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه الشرر الذي يطير من النار إذا اضطرمت، وفي رواية أخرى عنه أنه الماء المهراق. وعن يعلى بن عبيد أنه الرماد. وأخرج جماعة عن مجاهد والحسن وعكرمة وأبـي مالك وعامر أنه شعاع الشمس في الكوة وكأنهم أرادوا ما يرى فيه من الغبار كما هو المشهور عند اللغويين، قال الراغب: الهباء دقاق التراب وما انبث في الهواء فلا يبدو إلا في أثناء ضوء الشمس في الكوة ويقال: هبا الغبار يهبو إذا ثار وسطع، ووصف بقوله تعالى: {مَّنثُوراً } مبالغة في إلغاء أعمالهم فإن الهباء تراه منتظماً مع الضوء فإذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب فلم يكف أن شبه أعمالهم بالهباء حتى جعل متناثراً لا يمكن جمعه والانتفاع به أصلاً، ومثل هذا الإرداف يسمى في البديع بالتتميم والإيغال، ومنه قول الخنساء:شعر : أغر أبلج تأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار تفسير : حيث لم يكفها أن جعلته علماً في الهداية حتى جعلته في رأسه نار، وقيل: وصف بالمنثور أي المتفرق لما أن أغراضهم في أعمالهم متفرقة فيكون جعل أعمالهم هباء متفرقاً جزاءً من جنس العمل، وجوز أن يكون مفعولاً بعد مفعول لجعل وهو مراد من قال: مفعولاً ثالثاً لها على معنى جعلناه جامعاً لحقارة الهباء والتناثر، ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } تفسير : [البقرة: 65] أي جامعين للمسخ والخسء، وفيه خلاف ابن درستويه حيث لم يجوز أن يكون لكان خبران وقياس قوله: أن يمنع أن يكون لجعل مفعول ثالث، ومع هذا الظاهر الوصفية، وفي الكلام استعارة تمثيلية حيث مثلت حال هؤلاء الكفرة وحال أعمالهم التي عملوها / في كفرهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم إلى أشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فأفسدها وجعلها شذر مذر ولم يترك لها من عين ولا أثر، واللفظ المستعار وقع فيه استعمال ـ قدم ـ بمعنى عمد وقصد لاشتهاره فيه وإن كان مجازاً كما يشير إليه كلام «الأساس»، ويسمى القصد الموصل إلى المقصد قدوماً لأنه مقدمته، وتضمن التمثيل تشبيه أعمالهم المحبطة بالهباء المنثور بدون استعارة، فلا إشكال على ما قيل، والكلام في ذلك طويل فليطلب من محله. وجعل بعضهم القدوم في حقه عز وجل عبارة عن حكمه، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي قدم ملائكتنا، وأسند ذلك إليه عز وجل لأنه عن أمره سبحانه، ونقل عن بعض السلف أنه لا يؤول في قوله تعالى: {أية : وَجَاء رَبُّكَ } تفسير : [الفجر: 22] وقوله سبحانه: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ } تفسير : [البقرة: 210] على ما هو عادتهم في الصفات المتشابهة، وقياس ذلك عدم التأويل في الآية، ولعله من هنا قيل: إن تأويل الزمخشري لها بناءً على معتقده من إنكار الصفات، والقلب إلى التأويل فيها أميل. وأنت إن لم تؤول القدوم فلا بد لك أن تؤول جعلها هباءً منثوراً بإظهار بطلانها بالكلية وإلغائها عن درجة الاعتبار بوجه من الوجوه، ولا يأبـى ذلك السلف.
ابن عاشور
تفسير : كانوا في الجاهلية يعدّون الأعمال الصالحة مَجلبة لخير الدنيا لأنها ترضي الله تعالى فيجازيهم بنعم في الدنيا إذ كانوا لا يؤمنون بالبعث، حديث : وقد قالت خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم حين تحيّر في أمر ما بدأه من الوحي وقالَ لها: «لقد خشِيتُ على نفسي»، فقالت: «والله لا يخزيك الله أبداً. إنك لتصل الرحم وتَقري الضيف وتعين على نوائب الحق»تفسير : . فالظاهر أن المشركين إذا سمعوا آيات الوعيد يقولون في أنفسهم: لئن كان البعث حقّاً لنجدنّ أعمالاً عملناها من البرّ تكون سبباً لنجاتنا، فعلم الله ما في نفوسهم فأخبر بأن أعمالهم تكون كالعدم يومئذٍ. والقدوم مستعمل في معنى العَمْد والإرادة، وأفعال المشي والمجيء تجيء في الاستعمال لمعاني القصد والعَزم والشروع مثل: قَام يفعل، وذَهب يقول، وأقبل، ونحوها. وأصل ذلك ناشىء عن تمثيل حال العامد إلى فعل باهتمام بحال من يَمشي إليه، فموقعه في الكلام أرشق من أن يقول: وعَمَدْنا أو أردنا إلى ما عملوا. و{مِن} في قوله: {من عمل} بيانية لإبهام {ما} وتنكير {عمل} للنوعية، والمراد به عمل الخير، أي إلى ما عملوه من جنس عمل الخير. والهباء: كائنات جسمية دقيقة لا تُرى إلا في أشعة الشمس المنحصرة في كوّة ونحوها، تلوح كأنها سَابحة في الهواء وهي أدق من الغبار، أي فجعلناه كهباء منثور، وهو تشبيه لأعمالهم ــــ في عدم الانتفاع بها مع كونها موجودة ــــ بالهَباء في عدم إمساكه مع كونه موجوداً، وهذا تشبيه بليغ وهو هنا رشيق. ونظيره قوله تعالى: {أية : وبُسّت الجبالُ بسّاً فكانت هباءً منبثاً}تفسير : [الواقعة: 5، 6]. والمنثور: غير المنتظم، وهو وصف كاشِف لأن الهباء لا يكون إلاّ منثوراً، فذكر هذا الوصف للإشارة إلى ما في الهباء من الحقارة ومن التفرق.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} تفسير : [الإسراء: 19] الآية. وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} تفسير : [النحل: 97] الآية. وغير ذلك فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَجَعَلْنَاهُ} (23) - وَهَؤُلاَءِ المُجْرِمُونَ عَمِلُوا فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا أَعْمَالاً ظَنُّوهَا حَسَنَةً مُفِيدَةً: كَصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَإِغَاثَةِ المَلْهُوفِ، والمَنِّ عَلَى الأَسِيرِ.. مِمَّا لَوْ كَانُوا عَملُوهُ مَعَ الإِيْمَانِ لَنَالُوا ثَوَابَهُ، فَعَمَدَ اللهُ تَعَالَى إِلَى مَحَاسِنِ أَعْمَالِهِمْ هَذِهِ فًَجَعَلَهَا كَالهَبَاءِ المَنْثُورِ الذي لاَ يُفْيدُ ولا يُجْمَعُ. (وَقَدْ مَثَّلَ اللهُ حَالَهُمْ بِحَالِ قَوْمٍ خَالَفُوا سُلْطَانَهُمْ، واسْتَعْصَوا عَلَيْهِ، فَقَصَدَ إِلَى مَا بينَ أيديهِمْ فأفْسَدَهُ وَبَعْثَرَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ أَثَراً). الهَبَاءُ - الرَّمَادُ أو ما تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ. المَنْثُورُ - المُفَرَّقُ المُبَعْثَرُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : حين تنظر في غير المؤمنين تجد من بينهم أهلاً للخير وعمل المعروف، ومنهم أصحاب مَلَكات طيِّبة، كالذين اجتمعوا في حلف الفضول لنصْرة المظلوم، وكأهل الكرم وإطعام الطعام، ومنهم مَنْ كانت له قِدْر عظيمة استظلْ رسول الله في ظلها يوم حر قائظ، وهذا يعني أنها كانت كبيرة واسعة منصوبة وثابتة كالبناء، كان يُطْعم منها الفقراء والمساكين، وحتى الطير والوحوش، وما زِلْنا حتى الآن نضرب المثل في الكرم بحاتم الطائي. وكان منهم مَنْ يصل الرحم ويغيث الملهوف .. الخ. لكن هؤلاء وأمثالهم عملوا لجاه الدنيا، ولم يكُنْ في بالهم إله يبتغون مرضاته، والعامل يأخذ أجْره ممَّنْ عمل له، كما جاء في الحديث القدسي: "حديث : فعلت ليقال، وقد قيل ". تفسير : والحق - تبارك وتعالى - يُوضِّح هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39]. وقال تعالى أيضاً: {أية : أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ..}تفسير : [إبراهيم: 18]. فقد عمل هؤلاء أعمالَ خير كثيرة، لكن لم يكُنْ في بالهم الله، إنما عملوا للإنسانية وللشهرة وليُقال عنهم؛ لذلك نراهم في رفاهية من العيش وسَعة مُمتَّعين بألوان النعيم، لماذا؟ لأنهم أخذوا الأسباب المخلوقة لله تعالى، ونفّذوها بدقة، والله - تبارك وتعالى - لا يحرم عبده ثمرةَ مجهوده، وإنْ كان كافراً، فإنْ ترك العبدُ الأسبابَ وتكاسل حرَمه الله وإنْ كان مؤمناً. وفَرْق بين عطاءات الربوبية التي تشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، وبين عطاءات الألوهية. فمن الكفار مَنْ أحسن الأَخْذ بالأسباب، فاخترعوا أشياء نفعتْ الإنسانية، وأدوية عالجتْ كثيراً من الأمراض. ولا بُدَّ أن يكون لهم جزاء على هذا الخير، وجزاؤهم أخذوه في الدنيا ذِكْراً وتكريماً وتخليداً لذِكْراهم، وصُنِعت لهم التماثيل وأُعْطوا النياشين، وأُلِّفتْ في سيرتهم الكتب، كأن الله تعالى لم يجحدهم عملهم، ولم يبخسهم حقهم. ألاَ ترى أن أبا لهب الذي وقف من رسول الله موقِفَ العداء حتى نزل فيه قوله تعالى: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}تفسير : [المسد: 1-2] ومع ذلك يُخفِّف الله عنه العذاب؛ لأنه أعتقَ جاريته ثويبة حينما بشَّرته بميلاد محمد بن عبد الله؛ لأنه فرح بهذه البُشْرى وأسعده هذا الخبر. ومن العجيب أن هؤلاء يقفون عند صناعات البشر التي لا تعدو أن تكون تَرَفاً في الحياة، فيُؤرِّخون لها ولأصحابها، وينسون خالق الضروريات التي أعانتهم على الترقِّي في كماليات الحياة وترفها. وكلمة {هَبَآءً ..} [الفرقان: 23]: الأشياء تتبين للإنسان، إما لأن حجمها كبير أو لأنها قريبة، فإنْ كانت صغيرة الحجم عزَّتْ رؤيتها، فمثلاً يمكنك رؤية طائر أو عصفور إنْ طار أمامك أو حتى دبور أو نحلة، لكن لو طارتْ أمامك بعوضة لا تستطيع رؤيتها. إذن: الشيء يختفي عن النظر لأنه صغير التكوين، لا تستطيع العين إدراكه؛ لذلك اخترعوا المجاهر والتليسكوب. وقد يكون الشيء بعيداً عنك فلا تراه لبُعده عن مخروطية الضوء؛ لأن الضوء يبدأ من نقطة، ثم يتسع تدريجياً على شكل مخروط، كما لو نظرتَ من ثُقْب الباب الذي قُطْره سنتيمتر فيمكن رؤية مساحة أوسع منه بكثير. إذن: إنْ أردتَ أن ترى الصغير تُكبِّره، وإنْ أردتَ أنْ ترى البعيد تُقرِّبه. والهباء: هو الذرّات التي تراها في المخروط الضوئي حين ينفذ إلى حجرتك، ولا تراها بالعين المجرّدة لدِقّتها، وهذا الهباء الذي تراه في الضوء {هَبَآءً مَّنثُوراً} [الفرقان: 23] يعني: لا تستطيع أنْ تجمِّعه؛ لأنه منتشر وغير ثابت، فمهما أوقفتَ حركة الهواء تجدْه في الضوء يتحرك لِصِغَر حجمه. فإنْ قلتَ: نراهم الآن يصنعون (فلاترَ) لحجز هذا الهباء فتُجمّعه وتُنقِّي الهواء منه، وهي على شكل مَسامّ أسفنجية يعْلَق بها الهباء، فيمكن تجميعه. نقول: حتى مع وجود هذه الفلاتر، فإنها تجمع على قَدْر دِقّة المسامّ، وتحجز على قَدْرها، وعلى فَرْض أنك جمعتَه في هذا الفلتر، ثم أفرغته وقُلْت لي: هذا هو الهباء، نقول لك: أتستطيع أنْ ترد كل ذرة منها إلى أصلها الذي طارتْ منه؟
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ} معناه عَمَدنا إلى ما لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُ {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} فالهَباءُ [مَا يُرى فِي] شُعاعِ الشّمسِ الذي يَطلُعُ فِي الكُوّةِ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 731 : 1 : 12 - سفين (في) قوله {وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ } قال، عمدنا إلى ما عملوا من عمل من خير، فلم نقبل منهم. [الآية 23]. 732 : 2 : 5 - سفين عن أبي اسحاق عن الحرث عن علي في قوله {هَبَآءً مَّنثُوراً} قال، الشعاع الذي يخرج من الكوة. [الآية 23].
همام الصنعاني
تفسير : 2084- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}: [الآية: 23]، قال: أما رأيت شيئاً يدخل البيت من الشمس، يدخله من الكوة فهو الهباء. 2085- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: {هَبَآءً مَّنثُوراً}: هو: ما تذري الرياح من حُطَام هذا الشجرِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):