٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا الكلام مبني على ما استدعوه من إنزال الملائكة فبين سبحانه أنه يحصل ذلك في يوم له صفات: الصفة الأولى: أن في ذلك اليوم تشقق السماء بالغمام، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: { أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ } تفسير : [الانفطار: 1] يدل على التشقق وقوله: { أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ } تفسير : [البقرة: 210] يدل على الغمام فقوله: {تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ } جامع لمعنى الآيتين ونظيره قوله تعالى: { أية : وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوٰباً } تفسير : [النبأ: 19] وقوله: { أية : فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 16]. المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف الشين ههنا وفي سورة ق، والباقون بالتشديد، قال أبو عبيدة: الاختيار التخفيف كما يخفف تساءلون ومن شدد فمعناه تتشقق. المسألة الثالثة: قال الفراء: المراد من قوله: {بِٱلْغَمَـٰمِ } أي عن الغمام، لأن السماء لا تتشقق بالغمام بل عن الغمام، وقال القاضي: لا يمتنع أن يجعل تعالى الغمام بحيث تشقق السماء باعتماده عليه وهو كقوله: { أية : السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ } تفسير : [المزمل: 18]. المسألة الرابعة: لا بد من أن يكون لهذا التشقق تعلق بنزول الملائكة، فقيل الملائكة في أيام الأنبياء عليهم السلام كانوا ينزلون من مواضع مخصوصة والسماء على اتصالها، ثم في ذلك اليوم تتشقق السماء فإذا انشقت خرج من أن يكون حائلاً بين الملائكة وبين الأرض فنزلت الملائكة إلى الأرض. المسألة الخامسة: قوله: {وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } صيغة عموم فيتناول الكل، ولأن السماء مقر الملائكة فإذا تشقق وجب أن ينزلوا إلى الأرض، ثم قال مقاتل: تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر من سكان الدنيا، كذلك تتشقق سماء سماء، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، ثم ينزل الرب تعالى. وروى الضحاك عن ابن عباس: قال تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون بالعالم ويصيرون سبع صفوف حول العالم، واعلم أن نزول الرب بالذات باطل قطعاً، لأن النزول حركة والموصوف بالحركة محدث والإله لا يكون محدثاً. وأما نزول الملائكة إلى الأرض فعليه سؤال، وذلك لأنه ثبت أن الأرض بالقياس إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، فكيف بالقياس إلى الكرسي والعرش فملائكة هذه المواضع بأسرها كيف تتسع لهم الأرض جميعاً؟ فلعل الله تعالى يزيد في طول الأرض وعرضها ويبلغها مبلغاً يتسع لكل هؤلاء، ومن المفسرين من قال: الملائكة يكونون في الغمام منه، والله تعالى يسكن الغمام فوق أهل القيامة ويكون ذلك الغمام مقر الملائكة. قال الحسن: والغمام سترة بين السماء والأرض تعرج الملائكة فيه بنسخ أعمال بني آدم والمحاسبة تكون في الأرض. المسألة السادسة: أما نزول الملائكة فظاهر، ومعنى {تَنْزِيلاً } توكيد للنزول ودلالة على إسراعهم فيه. المسألة السابعة: الألف واللام في الغمام ليس للعموم فهو للمعهود، والمراد ما ذكروه في قوله: { أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ } تفسير : [البقرة: 210]. المسألة الثامنة: قرىء: {وَنُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ }، {وَنُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ }، {وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ }، {وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } {وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } على حذف النون الذي هو فاء الفعل من ننزل قراءة أهل مكة. الصفة الثانية لذلك اليوم: قوله: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنُ } قال الزجاج الحق صفة للملك وتقديره الملك الحق يومئذ للرحمن، ويجوز الحق بالنصب على تقدير أعني ولم يقرأ به ومعنى وصفه بكونه حقاً أنه لا يزول ولا يتغير، فإن قيل: مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن فما الفائدة في قوله {يَوْمَئِذٍ }؟ قلنا: لأن في ذلك اليوم لا مالك سواه لا في الصورة ولا في المعنى، فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام، واعلم أن هذه الآية دالة على فساد قول المعتزلة في أنه يجب على الله الثواب والعوض وذلك لأنه لو وجب لاستحق الذم بتركه فكان خائفاً من أن لا يفعل فلم يكن ملكاً مطلقاً وأيضاً فقوله: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ } يفيد أنه ليس لغيره ملك وذلك لا يتم على قول المعتزلة، لأن كل من استحق عليه شيئاً فإنه يكون مالكاً له، ولا يكون هو سبحانه مالكاً لذلك المستحق، لأنه سبحانه إذا استحق على أحد شيئاً أمكنه أن يعفو عنه، أما غيره إذا استحق عليه شيئاً فإنه لا يصح إبراؤه عنه، فكانت العبودية ههنا أتم، ولأن من كفر بالله إلى آخر عمره ثم في آخر عمره عرف الله لحظة ومات فهو سبحانه لو أعطاه ألف ألف سنة أنواع الثواب وأراد بعد ذلك أن لا يعطيه لحظة واحدة صار سفيهاً، وهذا نهاية العبودية والذل فكيف يليق بمن هذا حاله أن يقال له: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ } وأيضاً فكل من فعل فعلاً لو لم يفعله لكان مستوجباً للذم وكان بذلك الفعل مكتسباً للكمال وبتركه مكتسباً للنقصان فلم يكن ملكاً بل فقيراً مستحقاً، فثبت أن قوله سبحانه: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ } غير لائق بأصول المعتزلة. الصفة الثالثة: قوله: {وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيراً } فالمعنى ظاهر لأنه تعالى عالم بالأحوال قادر على كل ما يريده وأما غيره فالكل في ربقة العجز ولجام القهر، فكان في نهاية العسر على الكافر. الصفة الرابعة: قوله: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الألف واللام في الظالم فيه قولان: أحدهما: أنه للعموم والثاني: أنه للمعهود، والقائلون بالمعهود على قولين: الأول: قال ابن عباس المراد عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس كان لا يقدم من مقر إلا صنع طعاماً يدعو إليه جيرته من أهل مكة ويكثر مجالسة الرسول ويعجبه حديثه فصنع طعاماً ودعا الرسول فقال صلى الله عليه وسلم ما آكل من طعامك حتى تأتي بالشهادتين ففعل فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه فبلغ أمية بن خلف فقال صبوت يا عقبة وكان خليله فقال إنما ذكرت ذلك ليأكل من طعامي فقال لا أرضى أبداً حتى تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ على عنقه ففعل، فقال عليه السلام لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فنزل {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ } ندامة يعني عقبة يقول: يا ليتني لم أتخذ أمية خليلاً لقد أضلني عن الذكر. أي صرفني عن الذكر وهو القرآن والإيمان بعد إذ جاءني مع محمد صلى الله عليه وسلم فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبراً ولم يقتل يومئذ من الأسارى غيره وغير النضر بن الحارث الثاني: قالت الرافضة: هذا الظالم هو رجل بعينه وإن المسلمين غيروا اسمه وكتموه وجعلوا فلاناً بدلاً من اسمه، وذكروا فاضلين من أصحاب رسول الله، واعلم أن إجراء اللفظ على العموم ليس لنفس اللفظ، لأنا بينا في أصول الفقه أن الألف واللام إذا دخل على الاسم المفرد لا يفيد العموم بل إنما يفيده للقرينة من حيث إن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدل ذلك على أن المؤثر في العض على اليدين كونه ظالماً وحينئذ يعم الحكم لعموم علته وهذا القول أولى من التخصيص بصورة واحدة لأن هذا الذي ذكرناه يقتضي العموم، ونزوله في واقعة أخرى خاصة لا ينافي أن يكون المراد هو العموم حتى يدخل فيه تلك الصورة وغيرها ولأن المقصود من الآية زجر الكل عن الظلم وذلك لا يحصل إلا بالعموم، وأما قول الرافضة فذلك لا يتم إلا بالطعن في القرآن وإثبات أنه غير وبدل ولا نزاع في أنه كفر. المسألة الثانية: استدلت المعتزلة بقوله: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ } قالوا الظالم يتناول الكافر والفاسق، فدل على أن الله تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة والكلام عليه تقدم. المسألة الثالثة: قوله: {يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ } قال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت، وقال أهل التحقيق هذه اللفظة مشعرة بالتحسر والغم، يقال عض أنامله وعض على يديه. المسألة الرابعة: كما بينا أن الظالم غير مخصوص بشخص واحد بل يعم جميع الظلمة فكذا المراد بقوله فلاناً ليس شخصاً واحداً بل كل من أطيع في معصية الله، واستشهد القفال بقوله: { أية : وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبّهِ ظَهِيراً } تفسير : [الفرقان: 55]، { أية : وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرٰباً } تفسير : [النبأ: 40] يعني به جماعة الكفار. المسألة الخامسة: قرىء {يا ويلتي} بالياء وهو الأصل لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته يقول لها: تعالى فهذا أوانك، وإنما قلبت الياء ألفاً كما في صحارى و (عذارى). المسألة السادسة: قوله: {عَنِ ٱلذّكْرِ } أي عن ذكر الله أو القرآن وموعظة الرسول ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق (وغيرته) على الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله سماه شيطاناً لأنه أضله كما يضل الشيطان ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة، أو أراد إبليس فإنه هو الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المضل ومخالفة الرسول ثم خذله أو أراد الجنس وكل من تشيطن من الجن والإنس، ويحتمل أن يكون {وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ } حكاية كلام الظالم وأن يكون كلام الله. ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً (*)
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ} أي واذكر يوم تشقق السماء بالغمام. وقرأه عاصم والأعمش ويحيـى وحمزة والكسائيّ وأبو عمرو: {تشقّقُ} بتخفيف الشين وأصله تتشقق بتاءين فحذفوا الأولى تخفيفاً، واختاره أبو عبيد. الباقون {تَشَّقَّقُ} بتشديد الشين على الادغام، واختاره أبو حاتم. وكذلك في «ق». {بِالْغَمامِ} أي عن الغمام. والباء وعن يتعاقبان؛ كما تقول: رميت بالقوس وعن القوس. روي أن السماء تتشقق عن سحاب أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تِيههِم فتنشق السماء عنه؛ وهو الذي قال تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ}تفسير : [البقرة: 210]. {وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ} من السموات، ويأتي الربّ جل وعز في الثمانية الذين يحملون العرش لفصل القضاء، على ما يجوز أن يحمل عليه إتيانه؛ لا على ما تحمل عليه صفات المخلوقين من الحركة والانتقال. وقال ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في سماء الدنيا، ثم كذلك حتى تنشق السماء السابعة، ثم ينزل الكَروبيون وحملة العرش؛ وهو معنى قوله: {وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً} أي من السماء إلى الأرض لحساب الثقلين. وقيل: إن السماء تنشق بالغمام الذي بينها وبين الناس؛ فبتشقق الغمام تتشقق السماء؛ فإذا انشقت السماء انتقض تركيبها وطويت ونزلت الملائكة إلى مكان سواها. وقرأ ابن كثير: {وَنُنْزِلُ الْمَلاَئِكَة} بالنصب من الإنزال. الباقون: {وَنُزِّلَ الْمَلاَئِكَةُ} بالرفع. دليله: {تَنْزِيلاً} ولو كان على الأوّل لقال إنزالاً. وقد قيل: إن نَزَّل وأنزل بمعنى؛ فجاء {تَنْزِيلاً} على {نَزَّل} وقد قرأ عبد الوهاب عن أبي عمرو: {وَنُزِل الْمَلاَئِكَةُ تَنْزِيلاً}. وقرأ ابن مسعود: {وأَنْزَلَ الْمَلاَئِكَةَ}. أبيّ بن كعب: {وَنُزِّلَتِ الْمَلائِكَةُ}. وعنه {وتنزلت الْمَلاَئِكَةُ}. قوله تعالى: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ} {الْمُلْكُ} مبتدأ و{الْحَقُّ} صفة له و{لِلرَّحْمَنِ} الخبر؛ لأن الملك الذي يزول وينقطع ليس بملك؛ فبطلت يومئذٍ أملاك المالكين وانقَطعتَ دعاويهم، وزال كل ملِك وملكه، وبقي الملك الحق لله وحده. {وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً} أي لما ينالهم من الأهوال ويلحقهم من الخزي والهوان، وهو على المؤمنين أخف من صلاة مكتوبة؛ على ما تقدّم في الحديث. وهذه الآية دالة عليه؛ لأنه إذا كان على الكافرين عسيراً فهو على المؤمنين يسير. يقال: عَسِر يَعْسرَ، وعَسُر يَعسُر.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظيمة، فمنها انشقاق السماء وتفطرها، وانفراجها بالغمام، وهو ظلل النور العظيم الذي يبهر الأبصار، ونزول ملائكة السموات يومئذ، فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر، ثم يجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء. قال مجاهد: وهذا كما قال تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ} تفسير : [البقرة: 210] الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰۤئِكَةُ تَنزِيلاً} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة في صعيد واحد: الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق، فتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر من الجن والإنس ومن جميع الخلق، فيحيطون بالجن والإنس وجميع الخلق، ثم تنشق السماء الثانية، فينزل أهلها، وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم والجن والإنس وجميع الخلق، ثم تنشق السماء الثالثة، فينزل أهلها، وهم أكثر من أهل السماء الثانية والسماء الدنيا ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن والإنس وجميع الخلق، ثم كذلك كل سماء على ذلك التضعيف، حتى تنشق السماء السابعة، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن نزل قبلهم من أهل السموات ومن الجن والإنس ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم من أهل السموات، وبالجن والإنس وجميع الخلق كلهم، وينزل ربنا عز وجل في ظلل من الغمام، وحوله الكروبيون، وهم أكثر من أهل السموات السبع ومن الجن والإنس، وجميع الخلق، لهم قرون كأكعب القنا، وهم تحت العرش لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله عز وجل، ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، وما بين كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة عام، وما بين ركبته إلى حجزته مسيرة خمسمائة عام، وما بين حجزته إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام، وما بين ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام. وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام، وجهنم مجنبته، هكذا رواه ابن حاتم بهذا السياق. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج عن مبارك بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران: أنه سمع ابن عباس يقول: إن هذه السماء إذا انشقت، ينزل منها من الملائكة أكثر من الإنس والجن، وهو يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا؟ فيقولون: لم يجىء، وهو آت، ثم تنشق السماء الثانية، ثم سماء سماء على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، فينزل منها من الملائكة أكثر من جميع من نزل من السموات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون، ثم يأتي ربنا في حملة العرش الثمانية، بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة، وبين فخذه ومنكبه مسيرة سبعين سنة. قال: وكل ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه، وكل ملك منهم واضع رأسه بين ثدييه، يقول: سبحان الملك القدوس، وعلى رؤوسهم شيء مبسوط كأنه القباء، والعرش فوق ذلك، ثم وقف، فمداره على علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف في سياقاته غالباً، وفيها نكارة شديدة، وقد ورد في حديث الصور المشهور قريب من هذا، والله أعلم، وقد قال الله تعالى: {أية : فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 15 ــــ 17] قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك. وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. ورواه ابن جرير عنه. وقال أبو بكر بن عبد الله: إذا نظر أهل الأرض إلى العرش يهبط عليهم من فوقهم، شخصت إليه أبصارهم، ورجفت كلاهم في أجوافهم، وطارت قلوبهم من مقرها من صدورهم إلى حناجرهم. قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا المعتمر بن سليمان عن عبد الجليل عن أبي حازم عن عبد الله بن عمرو قال: يهبط الله عز وجل حين يهبط، وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب، وهذا موقوف على عبد الله بن عمرو من كلامه، ولعله من الزاملتين، والله أعلم. وقوله تعالى: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ} الآية، كما قال تعالى: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. وفي الصحيح: أن الله تعالى يطوي السموات بيمينه، ويأخذ الأرضين بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملك، أنا الديان، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وقوله: {وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيراً} أي: شديداً صعباً؛ لأنه يوم عدل وقضاء فصل؛ كما قال تعالى: {أية : فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} تفسير : [المدثر: 9 ــــ 10] فهذا حال الكافرين في هذا اليوم، وأما المؤمنون، فكما قال تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 103] الآية. وروى الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله {أية : فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ} تفسير : [المعارج: 4] ما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا»تفسير : . وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ}، يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقاً أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة، ندم حيث لا ينفعه الندم، وعض على يديه حسرة وأسفاً، وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي معيط أو غيره من الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ} تفسير : [الأحزاب: 66] الآيتين، فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على يديه قائلاً: {يٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً يٰوَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً } يعني: من صرفه عن الهدى، وعدل به إلى طريق الضلال من دعاة الضلالة، وسواء في ذلك أمية بن خلف، أو أخوه أبي بن خلف، أو غيرهما، {لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ} وهو القرآن {بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى} أي: بعد بلوغه إليّ، قال الله تعالى: {وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلإِنْسَـٰنِ خَذُولاً} أي: يخذله عن الحق، ويصرفه عنه، ويستعمله في الباطل، ويدعوه إليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ } أي كلّ سماء {بِٱلْغَمَٰمِ } أي معه وهو غيم أبيض {وَنُزِّلَ ٱلْمَلَٰئِكَةُ } من كل سماء {تَنْزِيلاً } هو يوم القيامة، ونصبه ب «اذكر» مقدّراً. وفي قراءة: بتشديد شين «تشقق» بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها. وفي أخرى «نُنْزِلُ» بنونين الثانية ساكنة وضم اللام ونصب الملائكة.
الشوكاني
تفسير : قوله {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاءُ بِٱلْغَمَـٰمِ } وصف سبحانه هاهنا بعض حوادث يوم القيامة، والتشقق التفتح، قرأ عاصم والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وأبو عمرو: {تشقق} بتخفيف الشين، وأصله تتشقق، وقرأ الباقون بتشديد الشين على الإدغام. واختار القراءة الأولى أبو عبيد، واختار الثانية أبو حاتم، ومعنى تشققها بالغمام: أنها تتشقق عن الغمام. قال أبو علي الفارسي: تشقق السماء، وعليها غمام كما تقول: ركب الأمير بسلاحه أي: وعليه سلاحه، وخرج بثيابه أي: وعليه ثيابه. ووجه ما قاله: أن الباء وعن يتعاقبان كما تقول: رميت بالقوس. وعن القوس، وروي أن السماء تتشقق عن سحاب رقيق أبيض، وقيل: إن السماء تتشقق بالغمام الذي بينها وبين الناس. والمعنى: أنه يتشقق السحاب بتشقق السماء، وقيل: إنها تشقق لنزول الملائكة، كما قال سبحانه بعد هذا: {وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً } وقيل: إن "الباء" في {بالغمام} سببية أي: بسبب الغمام، يعني: بسبب طلوعه منها كأنه الذي تتشقق به السماء، وقيل: إن الباء متعلقة بمحذوف أي: ملتبسة بالغمام. قرأ ابن كثير: "وننزل الملائكة" مخففاً، من الإنزال بنون بعدها نون ساكنة، وزاي مخففة بكسرة مضارع أنزل، والملائكة منصوبة على المفعولية. وقرأ الباقون من السبعة {ونُزِل} بضم النون، وكسر الزاي المشدّدة ماضياً مبنياً للمفعول، وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء: "نزل" بالتشديد ماضياً مبنياً للفاعل، وفاعله الله سبحانه، وقرأ أبيّ بن كعب. "أنزل الملائكة" وروي عنه: أنه قرأ: "تنزلت الملائكة"، وقد قرىء في الشواذ بغير هذه، وتأكيد هذا الفعل بقوله: {تَنْزِيلاً } يدلّ على أن هذا التنزيل على نوع غريب، ونمط عجيب. قال أهل العلم: إن هذا تنزيل رضا ورحمة لا تنزيل سخط وعذاب. {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ } الملك مبتدأ، والحق صفة له وللرحمن. الخبر، كذا قال الزجاج: أي: الملك الثابت الذي لا يزول للرحمن يومئذٍ، لأن الملك الذي يزول وينقطع ليس بملك في الحقيقة، وفائدة التقييد بالظرف أن ثبوت الملك المذكور له سبحانه خاصة في هذا اليوم. وأما فيما عداه من أيام الدنيا، فلغيره ملك في الصورة، وإن لم يكن حقيقياً. وقيل: إن خبر المبتدأ هو الظرف، والحق نعت للملك. والمعنى: الملك الثابت للرحمن خاص في هذا اليوم {وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيراً } أي: وكان هذا اليوم مع كون الملك فيه لله وحده شديداً على الكفار لما يصابون به فيه، وينالهم من العقاب بعد تحقيق الحساب، وأمّا على المؤمنين فهو يسير غير عسير، لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى العظيمة. {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ } الظرف منصوب بمحذوف أي: واذكر، كما انتصب بهذا المحذوف الظرف الأول، أعني: {يوم تشقق}، {ويوم يعضّ الظالم على يديه}، الظاهر أن العضّ هنا حقيقة، ولا مانع من ذلك، ولا موجب لتأويله. وقيل: هو كناية عن الغيظ والحسرة، والمراد بالظالم: كلّ ظالم يرد ذلك المكان، وينزل ذلك المنزل، ولا ينافيه ورود الآية على سبب خاص، فالإعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب {يَقُولُ يٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً}: {يقول} في محل نصب على الحال، ومقول القول هو: يا ليتني، إلخ، والمنادى محذوف أي: يا قوم {ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً} طريقاً، وهو طريق الحق، ومشيت فيه حتى أخلص من هذه الأمور المضلة، والمراد: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به. {يٰوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً } دعاء على نفسه بالويل والثبور على مخاللة الكافر الذي أضله في الدنيا، وفلان كناية عن الأعلام. قال النيسابوري: زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلاّ حكاية، لا يقال: جاءني فلان. ولكن يقال: قال زيد: جاءني فلان، لأنه اسم اللفظ الذي هو علم الاسم، وكذلك جاء في كلام الله. وقيل: فلان كناية عن علم ذكور من يعقل، وفلانة عن علم إناثهم. وقيل: كناية عن نكرة من يعقل من الذكور. وفلانة عمن يعقل من الإناث، وأما الفلان والفلانة فكناية عن غير العقلاء، وفل يختص بالنداء إلاّ في ضرورة كقول الشاعر:شعر : في لجة أمسك فلاناً عن فل تفسير : وقوله:شعر : حدّثاني عن فلان وفل تفسير : وليس فل مرخماً من فلان خلافاً للفراء. وزعم أبو حيان أن ابن عصفور وابن مالك وهما في جعل فلان كناية علم من يعقل. وقرأ الحسن "يا ويلتي" بالياء الصريحة، وقرأ الدوري بالإمالة. قال أبو علي: وترك الإمالة أحسن، لأن أصل هذه اللفظة الياء، فأبدلت الكسرة فتحة، والياء التاء فراراً من الياء، فمن أمال رجع إلى الذي فرّ منه. {لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِى } أي: والله لقد أضلني هذا الذي اتخذته خليلاً عن القرآن، أو عن الموعظة، أو كلمة الشهادة، أو مجموع ذلك. بعد إذ جاءني، وتمكنت منه، وقدرت عليه {وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلإِنْسَـٰنِ خَذُولاً } الخذل: ترك الإغاثة، ومنه خذلان إبليس للمشركين حيث يوالونه، ثم يتركهم عند استغاثتهم به، وهذه الجملة مقرّرة لمضمون ما قبلها، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى، أو من تمام كلام الظالم، وأنه سمى خليله شيطاناً بعد أن جعله مضلاً. أو أراد بالشيطان: إبليس لكونه الذي حمله على مخاللة المضلين. {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً } معطوف على {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا}، والمعنى: إنّ قومي اتخذوا هذا القرآن الذي جئت به إليهم، وأمرتني بإبلاغه، وأرسلتني به مهجوراً متروكاً لم يؤمنوا به، ولا قبلوه بوجه من الوجوه. وقيل: هو من هجر إذا هذى. والمعنى: أنهم اتخذوه هجراً، وهذياناً. وقيل: معنى مَهْجُوراً: مهجوراً فيه، ثم حذف الجار، وهجرهم فيه قولهم: إنه سحر، وشعر، وأساطير الأوّلين، وهذا القول يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وقيل: إنه حكاية لقوله في الدنيا {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوّاً مّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ } هذا تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، والمعنى: أن الله سبحانه جعل لكلّ نبيّ من الأنبياء الداعين إلى الله عدوًّا يعاديه من مجرمي قومه، فلا تجزع يا محمد، فإن هذا دأب الأنبياء قبلك، واصبر كما صبروا {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً } قال المفسرون: الباء زائدة أي: كفى ربك، وانتصاب {نصيراً} و{هادياً} على الحال، أو التمييز أي: يهدي عباده إلى مصالح الدين، والدنيا، وينصرهم على الأعداء. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جُمْلَةً وٰحِدَةً } هذا من جملة اقتراحاتهم وتعنتاتهم أي: هلا نزّل الله علينا هذا القرآن دفعة واحدة غير منجم. واختلف في قائل هذه المقالة؛ فقيل: كفار قريش، وقيل: اليهود، قالوا: هلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة، والإنجيل، والزبور؟ وهذا زعم باطل، ودعوى داحضة، فإن هذه الكتب نزلت مفرّقة كما نزل القرآن، ولكنهم معاندون، أو جاهلون لا يدرون بكيفية نزول كتب الله سبحانه على أنبيائه، ثم ردّ الله سبحانه عليهم، فقال: {كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } أي: نزلنا القرآن كذلك مفرّقاً، والكاف في محل نصب على أنها نعت مصدر محذوف، وذلك إشارة إلى ما يفهم من كلامهم، أي: مثل ذلك التنزيل المفرّق الذي قدحوا فيه، واقترحوا خلافه؛ نزلناه لنقوّي بهذا التنزيل على هذه الصفة فؤادك، فإن إنزاله مفرّقاً منجماً على حسب الحوادث أقرب إلى حفظك له، وفهمك لمعانيه، وذلك من أعظم أسباب التثبيت، واللام متعلقة بالفعل المحذوف الذي قدّرناه. وقال أبو حاتم: إن الأخفش قال: إنها جواب قسم محذوف. قال: وهذا قول مرجوح. وقرأ عبد الله: "ليثبت" بالتحتية أي: الله سبحانه، وقيل: إن هذه الكلمة أعني: كذلك، هي من تمام كلام المشركين، والمعنى: كذلك أي: كالتوراة والإنجيل والزبور، فيوقف على قوله: {كَذٰلِكَ }، ثم يبتدأ بقوله: {لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } على معنى: أنزلناه عليك متفرّقاً لهذا الغرض. قال ابن الأنباري: وهذا أجود وأحسن. قال النحاس: وكان ذلك أي: إنزال القرآن منجماً من أعلام النبوّة لأنهم لا يسألونه عن شيء إلاّ أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلاّ من نبيّ، فكان ذلك تثبيتاً لفؤاده وأفئدتهم. {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } هذا معطوف على الفعل المقدّر أي: كذلك نزلناه ورتلناه ترتيلاً، ومعنى الترتيل: أن يكون آية بعد آية، قاله النخعي والحسن وقتادة. وقيل: إن المعنى بيناه تبييناً، حكى هذا عن ابن عباس. وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض. وقال السدّي: فصلناه تفصيلاً. قال ابن الأعرابي: ما أعلم الترتيل إلاّ التحقيق والتبيين. ثم ذكر سبحانه أنهم محجوجون في كلّ أوان مدفوع قولهم بكل وجه، وعلى كل حالة، فقال: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً } أي: لا يأتيك يا محمد المشركون بمثل من أمثالهم التي من جملتها اقتراحاتهم المتعنتة إلاّ جئناك في مقابلة مثلهم بالجواب الحق الثابت الذي يبطل ما جاءوا به من المثل ويدمغه ويدفعه. فالمراد بالمثل هنا السؤال والإقتراح، و بالحق: جوابه الذي يقطع ذريعته، ويبطل شبهته، ويحسم مادّته. ومعنى {أَحْسَنُ تَفْسِيراً }: جئناك بأحسن تفسير، فأحسن تفسيراً معطوف على الحق، والاستثناء بقوله: {إِلاَّ جِئْنَـٰكَ } مفرّغ، والجملة في محل نصب على الحال أي: لا يأتونك بمثل إلاّ في حال إيتائنا إياك ذلك. ثم أوعد هؤلاء الجهلة، وذمهم، فقال: {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ } أي: يحشرون كائنين على وجوههم، والموصول مبتدأ، وخبره: أولئك، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين، يجوز نصبه على الذمّ. ومعنى {يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } يسحبون عليها إلى جهنم {أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً } أي: منزلاً ومصيراً {وَأَضَلُّ سَبِيلاً }، وأخطأ طريقاً، وذلك لأنهم قد صاروا في النار. وقد تقدّم تفسير مثل هذه الآية في سورة سبحان، وقد قيل: إن هذا متصل بقوله: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً}. وقد أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس في قوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً } قال: يجمع الله الخلق يوم القيامة في صعيد واحد: الجنّ والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق، فتنشقّ السماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجنّ والإنس وجميع الخلق، فيحيطون بالجنّ والإنس وجميع الخلق، فيقول أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، ثم تنشق السماء الثانية، وذكر مثل ذلك، ثم كذلك في كلّ سماء إلى السماء السابعة، وفي كل سماء أكثر من السماء التي قبلها، ثم ينزل ربنا في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون، وهم أكثر من أهل السماوات السبع والإنس والجنّ وجميع الخلق، لهم قرون ككعوب القثاء، وهم تحت العرش، لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله تعالى، ما بين إخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن ركبته إلى فخذه مسيرة خمسمائة عام، ومن فخذه إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام، وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام. وإسناده عند ابن جرير هكذا قال: حدّثنا القاسم، وحدّثنا الحسين، حدّثني الحجاج بن مبارك بن فضالة عن عليّ بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران: أنه سمع ابن عباس، فذكره. وأخرجه ابن أبي حاتم بإسناد هكذا: قال: حدّثنا محمد بن عمار بن الحارث مأمول، حدّثنا حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد به. وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل بسندٍ، قال السيوطي: صحيح، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن أبا معيط كان يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة لا يؤذيه، وكان رجلاً حليماً، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلاً، فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشدّ ما كان أمراً، فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبأ، فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه أبو معيط، فحياه، فلم يردّ عليه التحية، فقال: مالك لا تردّ عليّ تحيتي؟، فقال: كيف أردّ عليك تحيتك، وقد صبوت؟ قال: أو قد فعلتها قريش؟ قال نعم، قال: فما يبريء صدورهم إن أنا فعلته؟ قال: تأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم، ففعل فلم يردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن مسح وجهه من البزاق، ثم التفت إليه فقال: «حديث : إن وجدتك خارجاً من جبال مكة أضرب عنقك صبراًتفسير : ، فلما كان يوم بدر، وخرج أصحابه أبى أن يخرج، فقال له أصحابه: أخرج معنا، قال: وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجاً من جبال مكة أن يضرب عنقي صبراً، فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فخرج معهم، فلما هزم الله المشركين، وحمل به جمله في جدود من الأرض، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيراً في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو معيط، فقال: أتقتلني من بين هؤلاء؟ قال: حديث : نعم بما بزقت في وجهي»تفسير : ، فأنزل الله في أبي معيط: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ } إلى قوله: {وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلإِنْسَـٰنِ خَذُولاً }. وأخرج أبو نعيم هذه القصة من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وذكر: أن خليل أبي معيط، هو: أبيّ بن خلف. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضاً في قوله: {يَوْمٍ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ } قال: أبيّ بن خلف وعقبه بن أبي معيط، وهما الخليلان في جهنم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً مّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ } قال: كان عدوّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أبو جهل، وعدوّ موسى قارون، وكان قارون ابن عمّ موسى. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: قال المشركون: لو كان محمد كما يزعم نبياً، فلم يعذبه ربه؟ ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة ينزل عليه الآية والآيتين، والسورة والسورتين، فأنزل الله على نبيه جواب ما قالوا: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جُمْلَةً وٰحِدَةً } إلى {وَأَضَلُّ سَبِيلاً }. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس: {لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } قال: لنشدد به فؤادك ونربط على قلبك {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } قال: رسلناه ترسيلاً، يقول: شيئاً بعد شيء {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ } يقول: لو أنزلنا عليك القرآن جملة واحدة، ثم سألوك لم يكن عنده ما يجيب، ولكنا نمسك عليك، فإذا سألوك أجبت.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَامِ} فيه قولان: أحدهما: بمعنى على الغمام كما يقال رميت بالقوس وعن القوس ويكون المراد به الغمام المعهود والذي دون السماء لأنه يبقى دونها إذا انشقت غمام. والقول الثاني: أنه غمام أبيض يكون في السماء ينزله الله على أنبيائه مثل الذي أظل بني إسرائيل، وقد قال في ظل من الغمام فتنشق السماء فيخرج منها. {وَنُزِّلَ الْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً} يعني أن الملائكة تنزل فيه يوم القيامة، وهو يوم التلاق. الذي يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض. وفي نزولهم قولان: أحدهما: ليبشروا المؤمن بالجنة، والكافر بالنار. الثاني: ليكون مع كل نفس سائق وشهيد. قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} قيل هو عقبة بن أبي معيط. {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: سبيلاً بطاعة الله، قاله قتادة. الثاني: طريقاً إلى النجاة، حكاه ابن عيسى. الثالث: وسيلة عند الرسول يكون وصلة إليه، قاله الأخفش. {يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني الشيطان، قاله مجاهد، وأبو رجاء. الثاني: أنه أبي بن خلف، قاله عمرو بن ميمون. الثالث: أنه أمية بن خلف، قاله السدي، وذكر أن سبب ذلك أن عقبة وأمية كانا خليلين وكان عقبة يغشى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أمية بن خلف له: بلغني أنك صبوت إلى دين محمد، فقال ما صبوت، قال: فوجهي من وجهك حرام حتى تأتيه فتتفُل في وجهه وتتبرأ منه فأتى عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفل على جهه وتبرأ منه، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيه مخبراً عما يصير إليه {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالمُ... } الآية والتي بعدها. وفلانٌ لا يُثنى ولا يُجمْع.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْغَمَامِ} المعهُود لأنه لا يبقى بعد انشقاق السماء، أو غمام أبيض يكون في السماء ينزله الله ـ تعالى على الأنبياء فيشقق السماء فيخرج منها {وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ} ليبشروا المؤمن بالجنة والكافر بالنار، أو ليكون مع كل نفس سائق وشهيد.
النسفي
تفسير : {وَيَوْمَ } واذكر يوم {تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاءُ } والأصل تتشقق فحذف التاء كوفي وأبو عمرو وغيرهم أدغمها في الشين {بِٱلْغَمَـٰمِ } لما كان انشقاق السماء بسبب طلوع الغمام منها جعل الغمام كأنه الذي تشقق به السماء كما تقول «شققت السنام بالشفرة فانشق بها» {وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً } {وننزل الملائكة} مكي، {وتنزيلاً} على هذا مصدر من غير لفظ الفعل. والمعنى أن السماء تنفتح بغمام أبيض يخرج منها وفي الغمام الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد {ٱلْمَلِكُ } مبتدأ {يَوْمَئِذٍ } ظرفه {ٱلْحَقّ } نعته ومعناه الثابت لأن كل ملك يزول يومئذ فلا يبقى إلا ملكه {لِلرَّحْمَـٰنِ } خبره {وَكَانَ } ذلك اليوم {يَوْماً عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيراً } شديداً. يقال عسر عليه فهو عسير وعسر ويفهم منه يسره على المؤمنين ففي الحديث «حديث : يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة صلوها في الدنيا »تفسير : {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ } عض اليدين كناية عن الغيظ والحسرة لأنه من روادفها فتذكر الرادفة ويدل بها على المردوف فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة، ويجد السامع عنده في نفسه من الروعة ما لا يجده عند لفظ المكنّى عنه، واللام في {ٱلظَّـٰلِمِ } للعهد وأريد به عقبة لما تبين أو للجنس فيتناول عقبة وغيره من الكفار {يَقُولُ يٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتَ} في الدنيا {مَعَ ٱلرَّسُولِ } محمد عليه الصلاة والسلام {سَبِيلاً } طريقاً إلى النجاة والجنة وهو الإيمان {يا ويلتىٰ} وقرىء {يا ويلتي} بالياء وهو الأصل لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته يقول لها تعالي فهذا أوانك. وإنما قلبت الياء ألفاً كما في «صحارى» و«مدارى» {لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً } فلان كناية عن الأعلام فإن أريد بالظالم عقبة لما رُوي أنه اتخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله عليه الصلاة والسلام فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل فقال له أبيّ بن خلف وهو خليله: وجهي من وجهك حرام إلا أن ترجع فارتد. فالمعنى يا ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً، فكنى عن اسمه. وإن أريد به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم لا محالة فجعل كناية عنه. وقيل: هو كناية عن الشيطان
الثعالبي
تفسير : {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاءُ} يريد: يومَ القيامة. * ص *: {بِٱلْغَمَٰمِ} الباء: للحال، أي: متغيمة، أو للسبب، أو بمعنى «عن»، انتهى. وفي قوله تعالى: {وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيراً}: دليل على أَنَّهُ سهل على المؤمنين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «حديث : إنَّ اللّهَ لَيُهَوِّنُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى المُؤْمِنِ، حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ أَخَفَّ مِنْ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلاَّهَا فِي الدُّنْيَا»تفسير : . وعضُّ اليدين هو فعل النادم؛ قال ابن عباس وجماعةٌ من المفسرين: الظالم في هذه الآية عُقْبَةُ بْنُ أبي معِيطٍ؛ وذلك أَنَّهُ كان أسلم أو جَنَحَ إلى الإسلام، وكان أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده يومَ أُحُدٍ خليلاً لعُقْبَةَ، فنهاه عن الإسلام، فَقَبِلَ نَهْيَهُ؛ فنزلت الآية فيهما، فالظالم: عقبة، و {فُلاَناً} أُبيُّ قال السُّهَيْلِيُّ: وَكَنَّى سبحانه عن هذا الظالم ولم يُصَرَّحْ باسمه؛ ليكون هذا الوعيدُ غيرَ مخصوصٍ به ولا مقصور عليه؛ بل يتناول جميعَ مَنْ فعل مثل فعله، انتهى. وقال مجاهد وغيره: {ٱلظَّالِمُ} عام، اسم جنس، وهذا هو الظاهر، وأَنَّ مقصد الآية تعظيمُ يوم القيامة وذِكْرُ هوله بأَنَّهُ يوم تندم فيه الظَّلَمَةُ، وتتمنَّى أَنَّها لم تُطِعْ في دنياها إخِلاَّءَهَا، والسبيل المُتَمَنَّاةُ: هي طريق الآخرة، وفي هذه الآية لكل ذي نُهْيَةٍ تنبيهٌ على تجنب قرين السوء، والأحاديث والحكم في هذا الباب كثيرة مشهورة، و {ٱلذِّكْرِ}: ما ذَكر الإنسانَ أمر آخرته من قرآن، أو موعظة ونحوه. {وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنسَـٰنِ خَذُولاً} يحتمل: أَنْ يكونَ من قول الظالم، ويحتمل: أنْ يكون ابتداءَ إخبارٍ من اللّه عز وجل على وجه التحذير من الشيطان الذي بَلَّغهم ذلك المبلغ
ابن عادل
تفسير : قوله: "وَيَوْمَ تَشَقَّقُ" العامل في "يَوْمَ" إمّا (اذكر)، وإمّا ينفرد الله بالمُلْكِ يَوْمَ تشقق، لدلالة قوله: {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ} عليه. وقرأ الكوفيون وأبو عمرو [هنا وفي (ق) "تَشَقَّقُ" بالتخفيف، والباقون بالتشديد، وهما واضحتان، حذف الأولون] تاء المضارعة أو تاء التفعل على خلاف في ذلك، والباقون أدغموا تاء التفعل في الشين لما بينهما من المقاربة، وهما كـ "تَظَاهَرُونَ" و"تَظَّاهَرُونَ" حذفاً وإدغاماً، وقد مضى في البقرة. قوله: "بِالغَمَامِ" في هذه الباء ثلاثة أوجه: أحدها: على السببية، أي: بسبب الغمام، يعني بسبب طلوعها منها، ونحوه {أية : السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} تفسير : [المزمل: 18] كأنه الذي يتشقق به السماء. الثاني: أنها للحال، أي: مُلتَبِسَةً بالغمام. الثالث: أنها بمعنى (عَنْ)، أي: عن الغَمَام كقوله: {أية : (يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ)} تفسير : [ق: 44]، [والباء وعن يتعاقبان، تقول: رميت عن القوس وبالقوس]. قوله: "وَنُزِّلَ المَلاَئِكَةُ" فيها اثنتا عشرة قراءة ثنتان في المتواتر، وعشر في الشاذ. فقرأ ابن كثير من السبعة "وَنُنْزِلُ" بنون مضمومة ثم أخرى ساكنة وزاي خفيفة مكسورة مضارع (أَنْزَلَ)، و"المَلاَئِكَةَ" بالنصب مفعول به، وكان من حق المصدر أن يجيء بعد هذه القراءة على (إِنْزَال). قال أبو علي: لما كان (أَنْزَلَ) و(نَزَّلَ) يجريان مجرى واحداً أجزأ مصدر أحدهما عن مصدر الآخر، وأنشد: شعر : 3872- وَقَدْ تَطَوَّيْتُ انْطِوَاءَ الحِضْبِ تفسير : لأنَّ تَطَوَّيْتُ وانْطَويْتُ بمعنى، ومثله: {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} تفسير : [المزمل: 8] [أي: تَبَتُّلاً] وقرأ الباقون من السبعة "وَنُزِّلَ" بضم النون وكسر الزاي المشددة وفتح اللام ماضياً مبنيًّا للمفعول، "المَلاَئِكَةُ" بالرفع لقيامه مقام الفاعل، وهي موافقةٌ لمصدرها. وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء "وَنَزَّلَ" بالتشديد ماضياً مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، "المَلاَئِكَةَ" مفعول به. وعنه - أيضاً - "وَأَنْزَلَ" مبنيًّا للفاعل عداه بالتضعيف مرة، وبالهمزة أخرى، والاعتذار عن مجيء مصدره على التفعيل كالاعتذار عن ابن كثير. وعنه - أيضاً - "وَأُنْزِلَ" مبنيًّا للمفعول. وقرأ هارون عن أبي عمرو "وَتُنَزِّلُ المَلاَئِكَةُ" بالتاء من فوق وتشديد الزاي ورفع اللام مضارعاً مبنيًّا للفاعل، "المَلاَئِكَةُ" بالرفعِ مضارع "نَزَّلَ" بالتشديد، وعلى هذه القراءة، فالمفعول محذوف، أي: وتُنَزِّلُ المَلاَئِكَةُ ما أُمِرَتْ أن تُنَزِّله. وقرأ الخفَّاف عنه، وجناح بن حبيش "وَنَزَلَ" مخففاً مبنيًّا للفاعل، "المَلاَئِكَةُ" بالرفع. وخارحة عن أبي عمرو - أيضاً - وأبو معاذ "ونُزِّلَ" بضم النون وتشديد الزاي، ونصب "المَلاَئِكَةَ"، والأصل: ونُنْزِلُ بنونين حذفت (إحداهما) وقرأ أبو عمرو وابن كثير في رواية عنهما بهذا الأصل "ونُنَزِّلَ" بنونين وتشديد الزاي. وقرأ أُبيّ "وَنُزِّلَتْ" بالتشديد مبنيًّا للمفعول، "وَتُنُزِّلَتْ" بزيادة تاء في أوله، وتاء التأنيث (فيهما). وقرأ أبو عمرو في طريقة الخفاف عنه "وَنُزِلَ" بضم النون وكسر الزاي خفيفة مبنيًّا للمفعول. قال صاحب اللوامح: فإن صحت هذه القراءة فإنه حذف منها المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، تقديره: ونُزِلَ نُزُول الملائكة، فحذف النزول ونقل إعرابه إلى "المَلاَئِكَة" بمعنى: نَزَلَ نَازِلُ الملائكة، لأنَّ المصدر يجيء بمعنى الاسم، وهذا مما يجيء على مذهب سيبويه ترتيب بناء اللازم للمفعول به، لأنَّ الفعل يدل على مصدره. قال شهاب الدين: وهذا تمحُّلٌ كثير دعت إليه ضرورة الصناعة. وقال ابن جني: وهذا غير معروف، لأنَّ (نَزَلَ) لا يتعدى إلى مفعول فيبنى هنا للملائكة، ووجهه أن يكون مثل زكم الرَّجُلُ وجنَّ، فإنه لا يقال إلا أزكمه، وأجنّه الله، وهذا باب سماع لا قياس. ونظير هذه القراءة ما تقدم في سورة الكهف في قراءة من قرأ {فَلاَ نُقِيم لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً} [الكهف: 105] بنصب وزن من حيث تعدية القاصر، وتقدم ما فيها. فصل الغَمَامُ: هو الأبيض الرقيق مثل الضباب، ولم يكن إلاَّ لبني إسرائيل في تيههم. والألف واللام في "الغمام" ليس للعموم بل للمعهود، وهو ما ذكره في قوله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} تفسير : [البقرة: 210] قال ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، [ثم تشقق السماء ثانية، فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الدنيا ومن الجن والإنس] ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكَرُوبِيُّون، ثم حملة العرش. فإن قيل: ثبت بالقياس أن نسبة الأرض إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، فكيف بالقياس إلى الكرسي والعرش، فملائكة هذه المواضع (بأسرها، فكيف تتسع الأرض لكل هؤلاء)؟ فالجواب: قال بعض المفسرين: الملائكة يكونون في الغمام، والغمام يكون) مقرّ الملائكة. قوله: "المُلْكُ يَوْمَئذٍ" فيها أوجه: أحدها: أن يكون "المُلْكُ" مبتدأ والخبر "الحَقُّ" و"يَوْمَئِذٍ" متعلق بـ "الملك"، و"للرَّحْمَنِ" متعلق بـ "الحَقّ"، أو بمحذوف على التبيين، أو بمحذوف على أنه صفة للحق. الثاني: أنَّ الخبر "يَوْمَئِذٍ"، و"الحَقُّ" نعت للملك، [و"للرحمن" على ما تقدم]. [الثالث: أنَّ الخبر "للرَّحْمَن" و"يَوْمَئِذٍ" متعلق بـ "الملك"، و"الحَقُّ" نعت للملك]. قيل: ويجوز نصب الحق بإضمار (أَعْنِي). فصل المعنى: أَنَّ الملك الذي هو الملك حقاً ملك الرحمن يوم القيامة. قال ابن عباس: يريد أَنَّ يوم القيامة لا ملك يقضي غيره. ومعنى وصفه بكونه حقاً: أنه لا يزول ولا يتغير. فإن قيل: مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن، فما الفائدة في قوله: "يَوْمَئِذٍ"؟. فالجواب لأَنّ في ذلك اليوم لا مالك له سواه لا في الصورة، ولا في المعنى، فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه، وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام. {وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً} أي: شديداً، وهذا الخطاب يدلُّ على أنه لا يكون على المؤمنين عسيراً؛ جاء في الحديث "حديث : أنه يهوّن يوم القيامة على المؤمن حتى يكون أَخَفَّ عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا" تفسير : قوله: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ} يَوْمَ معمول لمحذوف، أو معطوف على "يَوْمَ تَشَقَّقُ". و"يَعضُّ" مضارع عَضَّ، ووزنه فَعِل بكسر العين بدليل قولهم: عَضِضْتُ أَعَضُّ. وحكى الكسائي فتحها في الماضي، فعلى هذا يقال: أَعِضُّ بالكسر في المضارع. والعَضُّ هنا كناية عن شدة الندم، ومثله: حَرَقَ نَابَهُ، قال: شعر : 3873- أَبى الضَّيْم والنُّعْمَان يَحْرِقُ نَابَهُ عَلَيْهِ فَأَفْضَى والسّيُوفُ مَعَاقِلُه تفسير : وهذه الكناية أبلغ من تصريح المكني عنه. فصل (أل) في "الظَّالم" تحتمل العهد والجنس على خلاف في ذلك. فالقائلون بالعهد اختلفوا على قولين: الأول: قال ابن عباس: "حديث : أراد بالظالم: عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس، كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً، ودعا إليه جيرته وأشراف قومه، وكان يكثر مجالسة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعجبه حديثه، فقدم ذات يوم من سفر، فصنع طعاماً، ودعا الناس، ودعا الرسول، فلما قرب الطعام قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أَنّ محمداً رسول الله، فأكل الرسول من طعامه، وكان عقبة صديقاً لأبيّ بن خلف، فلما أتى أُبي بن خلف قال له: يا عقبة صبأت، قال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل عليّ فأبَى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له، فطعم. فقال: ما أنا بالذي أرضى منك أبداً إلا أن تأتيه وتبزق في وجهه، وتطأ على عنقه، ففعل ذلك عقبة، فقال عليه السلام: لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوتك بالسيف"تفسير : ، فقتل عقبة يوم بدر صبراً، وأما أبيّ بن خلف فقتله النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده يوم أحد. قال الضحاك: لما بزق عقبةُ في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاد بزاقه في وجهه، فاحترق خداه، فكان أثر ذلك فيه حتى الموت. وقال الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف فأسلم عقبة فقال أمية: وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمداً، فكفر وارتد، فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} يعني: عُقبة، يقول: {يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً}، أي: ليتني اتبعت محمداً فاتخذت معه سبيلاً إلى الهدى. وقرأ أبو عمرو {يَا لَيَتَنِي اتَّخَذْتُ} بفتح الياء، والآخرون بإسكانها. الثاني: قالت الرافضة: الظالم هو رجل بعينه، وإن المسلمين عرفوا اسمه وكتموه، وجعلوا فُلاناً بدلاً من اسمه، وذكروا فاضلين من أصحاب الرسول. ومن حمل الألف واللام على العموم، لأنها إذا دخلت على الاسم المفرد أفادت العموم بالقرينة، وهي أنَّ ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدلّ على أنَّ المؤثر في العض على اليدين كونه ظالماً، فيعم الحكم لعموم علته. وهذا القول أولى من التخصيص بصورة واحدة، ونزوله في واقعة خاصة (لا ينافي العموم)، بل تدخل فيه تلك الصورة وغيرها. والمقصود من الآية زجر الكل عن الظلم، وذلك لا يحصل إلا بالعموم. فصل قال الضحاك: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت، ولا يزال هكذا كلما أكلها نبتت وقال المحققون: هذه اللفظة للتحسر والغم، يقال: عَضَّ أنامله، وعضَّ على يديه. قوله: "يَقُولُ" هذه الجملة حال من فاعل "يَعَضُّ" وجملة التمني بعد القول محكيةٌ به، وتقدم الكلام في مباشرة (يَا) لـ "لَيْتَ" في النساء. قوله: "يَا وَيْلَتَى". قرأ الحسن "يَا وَيْلَتِي" بكسر التاء وياء صريحة بعدها، وهي الأصل. وقرأ الدَّوْرِيُّ بالإمالة. قال أبو علي: وترك الإمالة أحسن، لأن أصل هذه اللفظة الياء فبدلت الكسرة فتحة والياء ألفاً فراراً من الياء، فَمَنْ أَمَالَ رجع إلى الذي منه فَرَّ أولاً. وهذا منقوض بنحو (بَاعَ) فإن أصله الياء، ومع ذلك أمالوا، وقد أمالوا {أية : يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ} تفسير : [الزمر: 56] و"يَا أَسَفَى" وهما كـ (ياء) "وَيْلَتِي" في كون ألفهما عن ياء المتكلم. و"فُلاَن" كناية عن عَلَمِ من يعقل، وهو متصرف. و"فُلُ" كناية عن نكرة مَنْ يعقل من الذكور، و"فُلَةُ" عن مَنْ يعقل من الإناث. والفُلاَنُ والفُلاَنةُ بالألف عن غير العاقل، ويختص (فُلُ)، و(فُلَةُ) بالنداء إلاَّ في ضرورة كقوله: شعر : 3874- فِي لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاَناً عَنْ فُلِ تفسير : وليس (فُلُ) مرخماً من (فلان) خلافاً للفراء. وزعم أبو حيان أنَّ ابن عصفور وابن مالك، وابن العلج وهموا في جعلهم (فُلُ) كناية عن عَلَمِ مَنْ يعقل (فلان). ولام (فُلُ) و(فُلاَنُ) فيها وجهان: أحدهما: أنها واو. والثاني: أنها ياء. فصل تقدم الكلام في "يَا وَيْلَتَى" في هود. {لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} يعني أبيّ بن خلف {لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ} عن الإيمان والقرآن، {بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي} يعني الذكر مع الرسول "وَكَانَ الشَّيْطَانُ" وهو كل متمرد عاتٍ من الجن والإنس، وكل من صدَّ عن سبيل الله فهو شيطان. وقييل: أشار إلى خليله. وقيل: أراد إبليس، فإنه الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المُضِل، ومخالفة الرسول، ثم خذله، وهو معنى قوله: "للإنْسَانِ خَذُولاً" أي: تاركاً يتركه ويتبرأ منه عند نزول البلاء والعذاب. وقوله: "وَكَانَ الشَّيْطَانُ" يحتمل أَنْ تكون هذه الجملة من مقول الظالم فتكون منصوبة المحل بالقول. وأن تكون من مقول الباري تعالى فلا محل لها، لاستئنافها.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأهوال وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس أنه قرأ {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً} قال: يجمع الله الخلق يوم القيامة في صعيد واحد. الجن والإِنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق، فتشقق السماء الدنيا، فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإِنس وجميع الخلق، فيحيطون بالجن والانس وجميع الخلق فيقول أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا. ثم تشقق السماء الثانية، فينزل أهلها، وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن الجن والإِنس وجميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم والجن والانس وجميع الخلق. ثم ينزل أهل السماء الثالثة، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم والجن والانس وجميع الخلق. ثم ينزل أهل السماء الرابعة، وهم أكثر من أهل الثالثة والثانية والأولى وأهل الأرض، ثم ينزل أهل السماء الخامسة وهم أكثر ممن تقدم، ثم أهل السماء السادسة كذلك، ثم أهل السماء السابعة. وهم أكثر من أهل السموات وأهل الأرض، ثم ينزل ربنا في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون، وهم أكثر من أهل السموات السبع والانس والجن وجميع الخلق، لهم قرون ككعوب القنا، وهم حملة العرش، لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتقديس لله تعالى، ومن أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن كعبه إلى ركبته خمسمائة عام، ومن ركبته إلى فخذه مسيرة خمسمائة عام، ومن فخذه إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام، ومن ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام، وما فوق ذلك خمسمائة عام. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك {ويوم تشقق السماء بالغمام} قال: هو قطع السماء إذا انشقت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {ويوم تشقق السماء بالغمام} قال: هو الذي قال {أية : في ظلل من الغمام}تفسير : [البقرة: 120] الذي يأتي الله فيه يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية. يقول: تشقق عن الغمام الذي يأتي الله فيه. غمام زعموا في الجنة.
ابو السعود
تفسير : {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء} أي تتفتحُ وأصلُه تتشقَّقُ فحُذفتْ إحدى التَّاءينِ كما في تلظَّى. وقُرىء بإدغامِ التَّاءِ في الشِّينِ {بِٱلْغَمَـٰمِ} بسببِ طلوعِ الغمامِ منها وهو الغَمامُ الذي ذُكر في قوله تعالى: { أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ} تفسير : [سورة البقرة, الآية 210] قيل هو غمامٌ أبـيضُ رقيقٌ مثلُ الضَّبابةِ ولم يكُنْ إلاَّ لبني إسرائيلَ {وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً} أي تنزيلاً عجيباً غيرَ معُهودٍ قيل تنشق سماءً سماءً وينزل الملائكةُ خلالَ ذلك الغمامِ بصحائفِ أعمالِ العبادِ وقُرىء ونُزِّلتِ الملائكةُ ونُنْزل ونُنزّل على صيغة المتكلم من الإنزالِ والتَّنزيل ونزَّل الملائكةَ وأنزلَ الملائكةَ وتزِلُ الملائكةُ على حذف النُّون الذي هو فاءُ الفعلِ من تنزل. {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ} أي السَّلطنةُ القاهرِةُ والاستيلاءُ الكليُّ العام الثَّابتُ صورةً ومعنى ظاهراً وباطناً بحيثُ لا زوالَ له أصلاً ثابتٌ الرَّحمِ يومئذٍ فالمُلكُ مبتدأٌ والحقُّ صفتُه وللرَّحمنِ خبرُه ويومنذٍ ظرفٌ لثبُوتِ الخبرِ للمبتدأِ، وفائدةُ التَّقيـيدِ أنَّ ثبوت المُلك المذكور له تعالى خاصَّةً يومئذٍ وأمَّا فيما عداهُ من أيَّامِ الدُّنيا فيكون لغيرهِ أيضاً تصرُّفٌ صوريُّ في الجُملةِ وقيل:المُلك مبتدأٌ والحقُّ خبرُه وللرَّحمنُ متعلَّق بالحقِّ أو بمحذوفٍ على التَّبـيـين أو بمحذوفٍ هو صفةٌ للحقِّ ويومئذٍ معمولٌ للملك وقيلَ الخبرُ يومئذٍ والحقُّ نعتٌ للملكِ وللرَّحمٰنِ على ما ذُكر، وأيَّاً ما كان فالجملُة بمعناها عاملةٌ في الظَّرفِ أي ينفردُ الله تعالَى بالملكِ يومَ تشقَّقُ وقيل: الظَّرفُ منصوبٌ بما ذُكر فالجملةُ حينئذٍ استئنافٌ مسوقٌ لبـيانِ أحوالِه وأهوالِه وإيرادُه تعالى بعُنوانِ الرَّحمانيةِ للإيذانِ بأنَّ اتصِّافَه تعالى بغايةِ الرَّحمةِ لا يهُوِّنُ الخَطْبَ على الكَفَرةِ لعدمِ استحقاقِهم للرَّحمةِ كما في قولِه تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [سورة الانفطار, الآية 6] والمعنى أنَّ الملكَ الحقيقيَّ يومئذٍ للرَّحمنِ {وَكَانَ} ذلكَ اليوم مع كونِ المُلكِ فيه لله تعالى المبالغ في الرَّحمةِ لعبادِه {يَوْماً عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيراً} شَديداً لهُم. وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ لمُراعاةِ الفواصلِ وأمَّا للمُؤمنين فيكون يَسيراً بفضلِ الله تعالى، وقد جاءَ في الحديثِ أنَّه يُهوَّن يومُ القيامةِ على المؤمنِ حتَّى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبةٍ صلاَّها في الدّنيا، والجملةُ اعتراضٌ تذيـيلىٌّ مقرِّرٌ لما قبله. {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} عضُّ اليدينِ والأناملِ وأكلُ البنانِ وحرقُ الأسنانِ ونحوها كناياتٌ عن الغيظِ والحسرةِ لأنَّها من روادِفهما. والمرادُ بالظَّالمِ إمَّا عقبةُ بنُ أبـي مُعيطٍ على ما قيل: من أنَّه كان يُكثر مجالسةَ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم فدعاهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يوماً إلى ضيافتِه فأبى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يأكلَ من طعامِه حتَّى ينطِقَ بالشَّهادتينِ ففعلَ وكان أُبـيُّ بنُ خَلَفٍ صديقَه فعاتبَه فقال: صَبأتَ فقال: لا ولكنْ أَبَى أنْ يأكلَ منْ طَعَامي وهو في بـيتي فاستحيـيتُ منه فشهدتُ له فقال: إنيِّ لا أرضى منكَ إلا أنْ تأتيَه فتطأَ قفاهُ وتبزقَ في وجههِ فأتاهُ فوجدَه ساجداً في دارِ النَّدوةِ ففعل ذلك فقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لا ألقاكَ خارجاً من مكَّةَ إلاَّ علوتُ رأسَك بالسَّيفِ فأُسرَ يوم بدرٍ فأمرَ عليَّاً رضي الله عنه فقتَلَه وقيل: قَتَله عاصمُ بنُ ثابثٍ الأنصاريُّ وطعنَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أُبـيَّاً يومَ أُحدٍ في المُبارزة فرجعَ إلى مكَّةَ وماتَ. وإما جنسُ الظَّالم وهو داخلٌ فيه دخولاً أوليَّا. وقولُه تعالى: {يِقُولُ} الخ حالٌ من فاعلِ يعضُّ. وقولُه تعالى: {يٰلَيْتَنِى} الخ محكيٌّ به ويَا إمَّا لمجرَّدِ التَّنبـيهِ من غيرِ قَصْدٍ إلى تعيـينِ المنبَّهِ أو المُنادي محذوفٌ أي يا هؤلاءِ ليتني {ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً} أي طريقاً واحداً منجياً من هذه الورطاتِ وهو طريقُ الحقِّ ولم تتشعبْ بـي طرقُ الضَّلالةِ أو حَصَّلتُ في صحبتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ طريقاً ولم أكُن ضالاَّ لا طريقَ لي قط.
القشيري
تفسير : يريد يومَ القيامة إذا بَدَتْ أهوالُها، وظَهَرت للمبعوثين أحوالُها عَمِلُوا وتحققوا - ذلك اليومَ - أنَّ المُلْكَ للرحمن. ولم يتخصص ملكُه بذلك اليوم، وإنما علْمُهم ويقينهُم حَصَلَ لهم ذلك الوقت. ويقال تنقطع دواعي الأغيار، وتنتفي أوهامُ الخلْق فلا يتجدَّدُ له - سبحانه - وصفٌ ولكن تتلاشى للخلْق أوصاف، وذلك يومٌ على الكافرين عسير، ودليل الخطاب يقتضي أنَّ ذلك اليوم على المؤمنين يسيرٌ وإلا بطل الفرقُ؛ فيجب ألا يكون مؤمن إلاَّ وذلك اليوم يكون عليه هيناً.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم تشقق السماء} اى واذكر يوم تنفتح: وبالفارسية [بشكافد] كما قال فى تاج المصادر التشقق [شكافته شدن] واصله تتشقق فحذف احدى التاءين كا فى تلظى {بالغمام} هو السحاب يسمى به لكونه ساترا لضوء الشمس والغم ستر الشىء اى بسبب طلوع الغمام منها وهو الغمام الذى ذكر فى قوله تعالى {أية : هل ينظرون الا ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة}تفسير : قيل هو غمام ابيض رقيق مثل الضبابةولم يكن الا لبنى اسرائيل: يعنى [ظلة بنى اسرائيل بود درتيه]، وقال ابو الليث الغمام شىء مثل السحاب الابيض فوق سبع سموات كما روى فى الخبر "حديث : دعوة المظلوم ترفع فوق الغمام"تفسير : ، قال الامام النسفى رحمه الله الغمام فوق السموات السبع هو سحاب ابيض غليظ كغلظ السموات السبع ويمسكه الله اليوم بقدرته وثقله اثقل من ثقل السموات فاذا اراد الله ان يشقق السموات القى ثقله عليها فانشقت فذلك قوله تعالى {ويوم تشقق السماء بالغمام} اى بثقل الغمام فيظهر الغمام ويخرج منها وفيه الملائكة كما قال تعالى {ونزل الملائكة تنزيلا} اى تنزيلا عجيبا غير معهود قيل تشقق سماء سماء وتنزل الملائكة خلال ذلك الغمام بصحائف اعمال العباد ـ وروى ـ فى الخبر انه تنشق السماء الدنيا فتنزل الملائكة الدنيا بمثلى من فى الارض من الجن والانس فيقول لهم الخلق أفيكم ربنا يعنون هل جاء امر ربنا بالحساب فيقولون لا وسوف يأتى ثم ينزل ملائكة السماء الثانية بمثل من فى الارض من الملائكة والانس والجن ثم ينزل ملائكة كل سماء على هذا التضعيف حتى ينزل ملائكة سبع سموات فيظهر الغمام وهو كالسحاب الابيض فوق سبع سموات ثم ينزل الامر بالحساب فذلك قوله تعالى {ويوم تشقق} الآية الا انه قد ثبت ان الارض بالقياس الى سماء الدنيا كحلقة فى فلاة فكيف بالقياس الى سماء الدنيا فملائكة هذه المواضع باسرها كيف تسعها الارض كذا فى حواشى ابن الشيخ، يقول الفقير يمدالله الارض يوم القيامة مد الاديم فتسع مع ان السموات مقبية فكلما زالت واحدة منها ونزلت تتسع الارض بقدرها فيكفى لملائكتها اطرافها وقد ثبت ان الملائكة اجسام لطيفة رقيقة فلا تتصور بينهم المزاحمة كمزاحمة الناس.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (المُلْكُ): مبتدأ، و(الحق): صفته. و(للرحمن): خبر، و(يومئذٍ): ظرف للاستقرار. يقول الحق جل جلاله:{و} اذكر {يوم تشَقَّقُ} أي: تنفتح، فمن قرأ بالتخفيف: حذف إحدى التاءين، وأصله: تتشقق. ومن شد: أدغم التاء في الشين، أي: تنشق {السماءُ بالغمام} أي: عن الغمام، فتنزل ملائكة السموات في تلك الغمام؛ ليقع الفصل بين الخلائق، وهو المراد بقوله تعالى:{أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْملاَئِكَةُ} تفسير : [البقرة: 65]. قيل: هو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. {ونُزِّلَ الملائكةُ تنزيلاً} عجيباً غير معهود. رُوي أن السموات تنشق سماءً سماءً، وتنزل ملائكة كل سماء في ذلك الغمام، وفي أيديها صحائف أعمال العباد، فيفصل الله بين خلقه، ولذلك قال: {الملكُ يومئذٍ الحقُّ للرحمن} أي: السلطنة القاهرة، والاستيلاء العام، الثابت؛ الذي لا زوال له أصلاً، هو للرحمن وحده؛ لأن كل ملْك يزول يومئذٍ، ولا يبقى إلا ملكه. وفائدة التقييد، مع أن الملك لله في الدنيا والآخرة؛ لأن في الدنيا قد تظهر صورة الملك للمخلوق؛ مجازاً، ويكون له تصرف صوري، بخلاف يوم القيامة، ينقطع فيه الدعاوي، ويظهر الملك لله الواحد القهار، {وكان يوماً على الكافرين عسيراً} أي: وكان ذلك اليوم، مع كون الملك للمبالغ في الرحمة، {عسيراً} أي: صعباً، شديداً على النفوس بالنسبة للكافرين، وأما على المؤمنين فيكون يسيراً، بفضل الله تعالى. وقد جاء في الحديث: أنه يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون أخف عليهم من صلاة مكتوبة، صلَّوْهَا في الدنيا. ففي حديث أبي سعد الخِدري حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}، قلت: يا رسول الله، ما أطول هذا اليوم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده إِنَّهُ ليُخَفَّفُ على المؤمِنِ حتى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبة، يصليها في الدنيا ". تفسير : {و} اذكر أيضاً {يوم يَعَضُّ الظالمُ على يديه}؛ ندماً وتحسراً، فعض اليد والأنامل: كناية عن شدة الغيظ والحسرة؛ لأنها من روادفها، فتذكر المرادفة ويراد بها المردوف، فيرتفع الكلام بذلك في طبقة الفصاحة، ويجد السامع في نفسه من الروعة ما لا يجده عند اللفظ المكنى عنه. والمراد بالظالم: إما عُقبةَ بْن أَبِي مُعيط، وكان خليلاً لأُبَيّ بن خلف وكان عقبة يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم، فقدم من سفر وصنع طعاماً، فدعا إليه أشرف قومه، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قُرِّب الطعام، قال النبي صلى لله عليه وسلم: "حديث : ما أنا بآكل من طعام، حتى تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله"تفسير : . فقال عقُبة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فأكل النبي صلى الله عليه وسلم طَعَامه، وكان أُبي بن خلف غائباً فلما أُخبر، قال له: صَبأتَ يا عُقبة؟ فقال: لاَ، والله ما صبأتُ، ولكن دخل عليّ رجل فأَبَى أن يأكُلَ من طَعَامِي إلا أن أشهد له، فاسْتَحْيَيْتُ أَنْ يخرج من بيتي ولم يطعم، فَشَهِدْتُ لَهُ، فطعم، فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك أبداً، حتى تأتيه فَتبْزُق في وَجْهِهِ، وتَطَأَ عُنقه، فَوَجَدَهُ صلى الله عليه وسلم سَاجِداً، فَفعَل ذَلِكَ، وأخذ رَحِم دابته فألقاها بين كتفيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ألْقَاكَ خَارجاً من مَكَّةَ إلا عَلَوْتُ رأسَكَ بالسيفِ"تفسير : . فقُتِلَ عُقبةُ يَوْمَ بَدْرٍ؛ صبراً. وأما أُبيُّ فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده، يوم أُحُد، في المبارزة، طعنه في عنقه، فمات بمكة. وعن الضحاك: لما بَصَقَ عقبة - بأمر أبي - في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، رجع بُصَاقُهُ في وجهه، وشوى وجهه وشفتيه، حتى أثر في وجهه وأحرق خديه، فلم يزل في وجهه حتى قتل، وقتله علي ببدر بأمره صلى الله عليه وسلم بقتله. هـ. وقال الشعبي: كان عُقْبَةُ بن أبي معيط خليلاً لأُبَي بن خلف، فأسلم عقبة، فقال أُبيّ: وجهي من وجهك حرام، أنْ تابعت محمداً، فارتدَّ؛ لرضا صاحبه، فنزلت الآية. هـ. وإمَّا جنس الظالم، ويدخل عقبة فيه دخولاً أولياً. {يقول يا ليتني}، الياء لمجرد التنبيه، من غير تعيين المنبّه، أو: المنبه محذوف، أي: يا هؤلاء {ليتني اتخذت} في الدنيا {مع الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم {سبيلاً} أي: طريقاً مُنجياً من هذه الورطات، وهي طريق الإسلام، ولم أكن ضالاً، أو: طريقاً إلى الجنة، {يا وَيْلَتَي}، بقلب ياء المتكلم ألفاً، كما في صَحَارَى وعذارَى. وقرئ بالياء على الأصل، أي: يا هَلَكَتِي، تَعَاليّ؛ هذا أَوَانَكِ، {ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً}، فلان: كناية عن الإعلام، فإن أريد بالظالم عقبة، فالمعنى: لم أتخذ أبيّاً خليلاً، فكنى عن اسمه، وإن أريد به الجنس، فهو كناية عن علم كل من يضله، كائناً من كان، من شياطين الإنس والجن. وقيل: هو كناية عن الشيطان. ثم قال: {لقد أضلني عن الذِّكْرِ}؛ عن ذكر الله، أو: القرآن، أو: الإيمان، أو موعظة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو كلمة الشهادة. وتصديره بلام القسم؛ للمبالغة في بيان خطئه، وإظهار ندمه وحسرته، أي: والله لقد أضلني عن الذكر {بعد إِذا جاءني} من الله، وتمكنت منه. {وكان الشيطانُ للإِنسان خذولاً} أي: مبالغاً في الخذلان، حيث يواليه من يؤديه إلى الهلاك، ثم يتركه ولا ينفعه، وهو الحامل له على مخاللة المضِل ومخالفة الرسل. وقيل: المراد به خليله أُبيّ، وسماه شيطاناً؛ لأنه أضله كما يضله الشيطان. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية تحريض على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وشد اليد علىالتمسك بسنته، والاهتداء بهديه، واتباع ما جاء به، قبل أن تقول: يا ليتني أتخذت مع الرسول سبيلاً. وفيها أيضاً: الترغيب في صحبة الأبرار، والترهيب من صحبة الفجار، وأنشد بعض الحكماء: شعر : تَجَنَّبْ قَرِينَ السوء وَاصْرمْ حِبَالَهُ فَإِن لَّمْ تَجِدْ عَنْهُ مَحيصاً فَدَارِهِ وَأَحْبِبْ حَبِيبَ الصِّدْقِ وَاْحذَرْ مِرَاءَهُ تَنَلْ مِنْهُ صَفْوَ الْوُدِّ مَا لمْ تُمارهِ وَفِي الشَّيْبِ مَا يَنهى الحَلِيمَ عَن الصِّبَا إِذا اشْتَعَلَتْ نِيَرانُه فِي عَذَارِهِ تفسير : وقال آخر: شعر : اصْحَبْ خِيَارَ الناسِ حَيْثُ لَقِيتَهُمْ خَيْرُ الصَّحَابَةِ مَنْ يَكُونُ عَفِيفا وَالنَّاسُ دَرَاهِمٍ مَيَّزْتُها فَوَجَدْتُ فيهَا فِضَّةً وُزُيُوفا تفسير : وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مثل الجليس الصَّالح مَثَلُ العَطَّارِ، إنْ لَمْ يُحْذِكَ مِنْ عِطْره يَعْلق بك مِنْ رِيحِه. ومَثَل الجَلِيس السُّوء مَثَلُ الكِيِر، إن لم يَحْرِق ثِيابَكَ يَعْلق بك مِن رِيحِه" تفسير : . وقال في الحِكَم: "لا تصحب من لا يُنْهِضُكَ حاله، ولا يَدُلُّكَ على الله مَقَالُهُ". فإنهاض الحال هو ذكر الله عند رؤيته، والانحياش إليه بالقلب عند صحبته. ودلالة المقال على الله هو زجه في الحضرة بلا تعب، بان يرفع بينه وبين ربه الحُجُبَ، ويقول له: ها أنت وربك. وهذه حال الصوفية العارفين بالله، وقد وصفهم بعض العلماء، فقال: الصوفي من لا يعرف في الدارين أحداً غير الله، ولا يشهد مع الله سوى الله، قد سخر له كل شيء، ولم يُسخر هو لشيء، يسلط على كل شيء، ولم يسلط عليه شيء، يأخذ النصيب من كل شيء، ولم يأخذ النصيب منه شيء، يصفو به كدر كُلِّ شيء، ولا يكدر صَفْوَه شيء، قد أشغله واحد على كل شيء، وكفاه واحد من كل شيء.هـ. قال في التنبيه: وبصحبة أمثال هؤلاء يحصل للمريد من المزيد مالا يحصل له بغيرها؛ من فنون المجاهدات وأنواع المكابدات، حتى يبلغ بذلك إلى أمر لا يسعه عقل عاقل، ولا يحيط به عالم ناقل.هـ. وفي شانهم أيضاً قال صاحب العينية رضي الله عنه: شعر : فَشَمِّرْ وَلُذْ بالأوْلياءِ؛ فإِنهُمْ لهُمْ مِنْ كِتَابِ الحَقِّ تِلْكَ الوَقَائِعُ هُمُ الذُّخْرُ لِلْمَلهُوفِ، والكَنْزُ للرَّجَا, وَمِنهُمْ يَنَالُ الصَّبُّ ما هُوَ طَامِعُ بِهِم يَهْتَدِي لِلْعَينْ مَنْ ضَلَّ فِي الْعَمَى بِهمْ يُجْذَبُ العُشَّاقُ، والرَّبْعُ شَاسِعُ هُمُ القَصْدُ، والمطْلُوبُ، والسُؤْلُ، والمُنَى واسْمُهُمُ للصَّبِّ، فِي الحُبِّ شَافِعُ هُمُ النَّاسُ، فَالْزَمْ إِنْ عَرَفْتَ جَنابَهُمْ فَفيهمْ لِضُرِّ العَالَمِينَ مَنَافِعُ تفسير : وقال الجنيد رضي الله عنه: إذا أراد الله بالمريد خيراً ألقاه إلى الصوفية، ومنعه صحبة القراء. وقال سهل رضي الله عنه: احذر صحبة ثلاثة من أصناف الناس: الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين. هـ. وقال حمدون القصار رضي الله عنه: (اصحب الصوفية؛ فإن للقبح عندهم وجوهاً من المعاذير، وليس للحُسْنِ عندهم كبير موقع يعظمونك به)؛ إشارة إلى أن العجب بالعمل منفي في صحبتهم. وقال سيدنا علي رضي الله عنه: شر الأصدقاء: من أحوجك إلى المداراة، وألجأك إلى الاعتذار. تفسير : وقال أيضاً: شر الأصدقاء من تُكُلِّف له . هـ. وليوسف بن الحسين الداراني رضي الله عنه: شعر : أُحِبُّ مِنَ الإِخْوَانِ كلَّ مُواتي فِيًّا غَضِيض الطَّرف عَن عَثراتِي يوافقني في كل أمر أحبه ويحفظُني حَياً وبَعد مماتي فمن لِي بهذا، ليتني قد وَجَدْتُه فَقَاسَمْتُهُ مَالِي مِنَ الْحَسَنَاتِ تفسير : والحاصل من هذا؛ أن صحبة الصوفية هي التي يحصل بها كمال الانتفاع للصاحب، دون من عداهم من المنسوبين إلى الدين والعلم؛ لأنهم خُصوا من حقائق التوحيد والمعرفة بخصائص، لم يساهمهم فيها أحد سواهم. وسريان ذلك من الصاحب إلى المصحوب هو غاية الأمل والمطلوب، فقد قيل: مَنْ تَحَقَّقَ بِحَالَةٍ لَمْ يَخْلُ حَاضِرُوهُ مِنْهَا. انتهى من التنبيه. وبالله التوفيق. ولما رأى صلى الله عليه وسلم إعراض قومه عنه، شكى لربه، فقال: {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ...}
الجنابذي
تفسير : {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ} عطف على يومئذٍ او على يوم يرون الملائكة او متعلّق بالحقّ، او بقوله للرّحمن والجملة معطوفة على سابقتها {بِٱلْغَمَامِ} حال كون السّماء متلبّساً بالغمام او تشقّق بتراكم الغمام وقوّته كأنّ الغمام صار آلة التّشقّق او تشقّق بخروج الغمام الّذى قال الله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} تفسير : [البقرة:210] {وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً} فانّّ فى وقت الاحتضار يتشقّق سماء الارواح ويظهر الغمام الحاصل فى الرّوح من كدورات النّفس بالشّهوات والغضبات وينزّل الملائكة رحمةً او نقمةً.
الأعقم
تفسير : {أصحاب الجنة يومئذ} يعني يوم القيامة إذا دخلوا الجنة {خيرٌ مستقراً} ومصيراً {وأحسن مقيلاً} المقيل عبارة عن المقام، قوله تعالى: {ويوم تشقق} يعني يرون الملائكة يوم تشقق {السماء} فيه {بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً} والمعنى أن السماء تنفتح بغمام تخرج منها وفي الغمام الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف الأعمال، وروي تشقق سماء سماء وتنزل الملائكة إلى الأرض، وقيل: غمام أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني اسرائيل في تيههم، وفي معناه قوله تعالى: {أية : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة}تفسير : [البقرة: 210]، {ونُزل الملائكة تنزيلا}، قوله تعالى: {الملك يومئذ الحق للرحمان} خالصاً {وكان يوماً على الكافرين عسيراً} لأنهم يودون إلى النار موئدة لا فرح لهم، ثم بيّن حال الكافرين يوم القيامة وشدة تحسرهم فقال تعالى: {ويوم يعضّ الظالم على يديه} الآية إلى آخر القصة نزلت في عقبة بن أبي معيط، وأُبي بن خلف، وكانا متحابين فأصلح عقبة طعاماً ودعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فامتنع حتى يشهد بالشهادتين فشهد، وبلغ ذلك أُبي بن خلف فقال: صبوت يا عقبة ما أنا بالذي أرضى حتى تأتيه وتبزق في وجهه، ففعل ذلك، وروي أن عقبة قال لأُبي أنه أبى ألا يأكل من طعامي فاستحيت منه فشهدت له، والشهادة ليست في نفسي، فقال: وجهي من وجهك حرام إن لعنت محمداً ولم تطأ قفاه وتبزق في وجهه وتلطم عينه، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لا ألقاك خارجاً من مكة إلاَّ علوت رأسك بالسيف" تفسير : فقتل يوم بدر، أمر عليَّاً (عليه السلام) بقتله، وطعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أُبيَّاً بأحد فرجع إلى مكة فمات فيها، وفيهما نزلت الآية، وعن الضحاك: لما بزق في وجهه عاد بزاقه في خده فأحرقه، وكان أثره ظاهراً حتى مات {ويوم يعضّ الظالم} عضّ اليدين والأنامل، والسقوط في اليد، وأكل النبات كنايات عن الغيظ، قوله تعالى: {يا ويلتا ليتني لم اتخذ فلاناً خليلاً} كناية عن واحد بعينه وهو أُبي، ويجوز أن يريد الشيطان {لقد أضلني عن الذكر} وهو القرآن {وكان الشيطان للإِنسان خذولاً} يعني عادته الخذلان {وقال الرسول يا رب} قال ذلك في الدنيا عند كفرهم وضيق صدره التجأ إليه وشكا فقال: {يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} يعني قالوا فيه غير الحق تركوه وصدوا عنه وعن الإِيمان به، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من تعلم القرآن وعلمه وعَلق مصحفاً لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول: يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجورا اقضِ بيني وبينه" تفسير : وقيل: زعموا أنه باطل وأساطير الأولين، ولما تقدم قول الرسول أن قومه اتخذوا هذا القرآن مهجوراً بيّن حال الأنبياء قبله وما نالهم من قومهم تسلية له فقال سبحانه: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوَّاً من المجرمين} كما جعلنا لك عدوّاً، ومعنى جعلنا حكمنا بأنهم أعداء للأنبياء {وكفى بربك هادياً ونصيراً} يعني كفاية لك هادياً ونصيراً.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ} معطوف على يوم أو يومئذ أو متعلق بما يتعلق به الرحمن فيومئذ الآتي بدل منه او توكيد ان علق هذا اليوم بما تعلق به الرحمن * {تَشَقَّقُ} بتشديد الشين والقاف الاولى بوزن تتفعل اصله تتشقق بتائين وتخفيف الشين ابدلت التاء الثانية شينا وادغمت الشين بعد التسكين. هذه قراءة نافع وابن كثير وابن عامر ويعقوب. وقرأ {تَشَقَّقُ} بتخفيف الشين اصله تتشقق حذفت احدى التائين {السَّمَآءُ بِالغْمَامِ} الباء سببية وتعليلية اي تنشق ليخرج منها الغمام وهو الغمام المذكور في قوله:{أية : هل ينظرون إِلا أَن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة}تفسير : او هي باء الآلة مجازا فانه لما كان انشقاق السماء بسبب خروج الغمام منها جعل الغمام كأنه الذي تنشق به السماء كقولك: (شققت السنام بالشفرة فانشق بها) ويجوز ان تكون بمعنى (عن) بناء على جواز مجيئ الباء بمعنى عن. قال ابن هشام ولو لم يتقدم سؤال يقال: (انشقت الارض بالنبات) اي شقها الله بطلوعه فانشقت به ويقال: (انشقت عنه) اي ارتفعت عنه عند طلوعه وذلك غمام ابيض رقيق ما نزل قط الا على بني اسرائيل في التيه تنزل فيه الملائكة بايديهم صحف اعمال العباد ويجوز ان تكون الباء للمصاحبة فتعلق بمحذوف حال. {وَنُزِّلَ المَلاَئِكَةُ} بضم النون وكسر الزاي مشددة وفتح اللام ورفع الملائكة. وقرأ ابن كثير بنونين الاولى مضمومه والثانية مسكنه وكسر الزاي مخففة ونصب الملائكة. وقرئ (وتنزل الملائكة) بفتح التاء واسكان النون وكسر الزاي وضم اللام ورفع الملائكة. وقراءة {ونزلت الملائكة} بضم النون وكسر الزاي مشددة وادخال التاء التأنيث ورفع الملائكة. وقرئ (وانزل الملائكة) بضم الهمزة واسكان النون وكسر الزاي مخففة وفتح اللام ورفع الملائكة. وقرئ (ونزل الملائكة) بفتح النون والزاي المخففة واللام ورفع الملائكة. وقرئ (ونزل) بضم النون وكسر الزاي مشددة وضم اللام ونصب الملائكة بحذف نون الماضي وابقاء نون المضارع وهو شاذ ذكره الشيخ خالد وابن هشام قال جارالله: هو قراءة أهل مكة. {تَنْزِيلاً} قال ابن عباس: تنشق كل سماء وينزل ملائكتها تدور بالجن والانسان وملائكة كل سماء على الضعف من ملائكة السماء التي تحتها ان كان تحتها سماء وبعد نزول ملائكة السابعة تنزل الكروبيون وحملة العرش.
اطفيش
تفسير : {ويَومَ} معطوف على "أية : يوم يرون"تفسير : [الفرقان: 22] بأوجهه، أو يقدر اذكر {تشقَّق} أبدلت تاء التفعل شيئاً فأدغمت فى الشين {السَّماء} السماوات السبع {بالغمام} كما ينشق السنام بالشفرة، وهى باء الآلة، ويجوز أن تكون السبب أو بمعنى عن أى تنفتق عن الغمام، وهو غمام أبيض رقيق، لم يكن إلا لبنى اسرائيل فى التيه، وقيل هو فى الجنة {ونُزِّل الملائكة} بصحف الأعمال {تنزيلاً} عظيماً كلهم تستدير ملائكة السماء الدنيا بالجن والإنس، وملائكة كل سماء تستدير بملائكة التى تحتها، وما دارت عليه، وملائكة كل سماء أضعاف ملائكة التى تحتها، والكروبيون أضعاف ملائكة السابعة يستديرون بهم، وتكفيهم أرض المحشر، لأن الله تعالى يبسطها، ولأنهم يتضاءلون، وأنا أومن بالله، وأن إتيانه فى ظلل من الغمام إتيان أمره، وأن وصفه بالنزول للأرض إشراك، وأن وصفه بأن حوله الكروبيين إشراك إن لم يأول ذلك.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ } العامل في {يَوْم } إما اذكر أو ينفرد الله تعالى بالملك الدال عليه قوله تعالى: {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ } تفسير : [الفرقان: 26] وقيل العامل ذاك بمعناه المذكور. وقيل: إنه معطوف على {أية : يَوْمَئِذٍ } تفسير : [الفرقان: 24] أو {أية : يَوْمَ يَرَوْنَ } تفسير : [الفرقان: 22] و {تشقق} تتفتح والتعبير به دونه للتهويل. وأصله تتشقق فحذفت إحدى التاءين كما في {أية : تَلَظى}تفسير : [الليل: 14] وقرأ الحرميان وابن عامر بإدغام التاء في الشين لما بينهما من المقاربة؛ والظاهر أن المراد بالسماء المظلة لنا وبالغمام السحاب المعروف والباء الداخلة عليه باء السبب، أي تشقق السماء بسبب طلوع الغمام منها، ولا مانع من أن تشقق به كما يشق السنام بالشفرة والله تعالى على كل شيء قدير. وحديث امتناع الخرق على السماء حديث خرافة. وقيل: باء الحال وهي باء الملابسة. واستظهر بعضهم أي تشقق متغيمة. وقيل: بمعنى عن وإليه ذهب الفراء، والفرق بين قولك انشقت الأرض بالنبات وانشقت عنه أن معنى الأول أن الله تعالى شقها بطلوعه فانشقت به ومعنى الثانى أن التربة ارتفعت عنه عند طلوعه، وقيل: المراد بالغمام غمام أبيض رقيق مثل الضبابة ولم يكن إِلا لبني إسرائيل في تيههم. وأخرج ابن أبـي حاتم عن مجاهد أنه الغمام الذي يأتي الله تعالى فيه يوم القيامة المذكور في قوله سبحانه: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} تفسير : [البقرة: 210] قال ابن جريج: وهو غمام زعموا أنه في الجنة، وعن مقاتل أن المراد بالسماء ما يعم السماوات كلها وتشقق سماء سماء، وروي ذلك عن ابن عباس، فقد أخرج عبد بن حميد وابن أبـي الدنيا في «الأهوال» وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه أنه قرأ هذه الآية إلى قوله تعالى: {وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً } أي تنزيلاً عجيباً غير معهود فقال: يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة في صعيد واحد الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق فتنشق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس وجميع الخلق فيحيطون بجميعهم فتقول أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن الجن والإنس وجميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم والجن والإنس وجميع الخلق ثم تنشق السماء الثالثة فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الثانية والدنيا وجميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن والإنس وجميع الخلق، ثم ينزل أهل السماء الرابعة وهم أكثر من أهل الثالثة والثانية والأولى وأهل الأرض، ثم ينزل أهل السماء الخامسة وهم أكثر ممن تقدم، ثم أهل السماء السادسة كذلك، ثم أهل السماء السابعة وهم أكثر من أهل السماوات وأهل الأرض، ثم ينزل ربنا في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون وهم أكثر من أهل السماوات السبع والإنس والجن وجميع الخلق لهم قرون ككعوب القنا وهم تحت العرش لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله تعالى ما بين أخمص أحدهم إِلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن فخذه إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام، ومن ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام وما فوق ذلك / خمسمائة عام، ونزول الرب جل وعلا من المتشابه، وكذا قوله: «وحوله الكروبيون» وأهل التأويل يقولون: المراد بذلك نزول الحكم والقضاء، فكأنه قيل: ثم ينزل حكم الرب وحوله الكروبيون أي معه، وأما نزول الملائكة مع كثرتهم وعظم أجسامهم فلا يمنع عنه ما يشاهد من صغر الأرض لأن الأرض يومئذ تمتد بحيث تسع أهلها وأهل السماوات أجمعين، وسبحان من لا يعجزه شيء، ثم الخبر ظاهر في أن الملائكة عليهم السلام لا ينزلون في الغمام، وذكر بعضهم في الآية أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها، وفي الغمام الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف الأعمال. وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء {ونزل} ماضياً مبنياً للفاعل مشدداً، وعنه أيضاً «وأنزل» مبنياً للفاعل وجاء مصدره تنزيلاً وقياسه إنزالاً إلا أنه لما كان معنى أنزل ونزل واحداً جاء مصدر أحدهما للآخر كما قال الشاعر:شعر : حتى تطويت انطواء الخصب تفسير : كأنه قال: حتى انطويت، وقرأ الأعمش وعبد الله في نقل ابن عطية «وأنزل» ماضياً رباعياً مبنياً للمفعول، وقرأ جناح بن حبيش والخفاف عن أبـي عمرو «ونزل» ثلاثياً مخففاً مبنياً للفاعل، وقرأ أبو معاذ وخارجة عن أبـي عمرو «ونزل» بضم النون وشد الزاي وكسرها ونصب «الملائكة» وخرجها ابن جني بعد أن نسبها إلى ابن كثير وأهل مكة على أن الأصل ننزل كما وجد في بعض المصاحف فحذفت النون التي هي فاء الفعل تخفيفاً لالتقاء النونين، وقرأ أبـي «ونزلت» ماضياً مشدداً مبنياً للمفعول بتاء التأنيث. وقال صاحب «اللوامح» عن الخفاف عن أبـي عمرو «ونزل» مخففاً مبنياً للمفعول و «الملائكة» بالرفع فإن صحت القراءة فإنه حذف منها المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والتقدير ونزل نزول الملائكة فحذف النزول ونقل إعرابه إلى الملائكة بمعنى نزل نازل الملائكة لأن المصدر يكون بمعنى الاسم اهـ، وقال الطيبـي: قال ابن جني: نزل بالبناء للمفعول غير معروف لأن نزل لا يتعدى إلى مفعول به ولا يقاس بجن حيث أنه مما لا يتعدى إلى المفعول فلا يقال جنه الله تعالى بل أجنه الله تعالى، وقد بني للمفعول لأنه شاذ والقياس عليه مرود فإما أن يكون ذلك لغة نادرة وإما أن يكون من حذف المضاف أي نزل نزول الملائكة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه قال العجاج:شعر : حتى إذا اصطفوا له حذاراً تفسير : فحذاراً منصوب مصدراً لا مفعولاً به يريد اصطفوا له اصطفافاً حذاراً ونزل نزول الملائكة على حذ قولك: هذا نزول منزول وصعود مصعود وضرب مضروب وقريب منه، وقد قيل قول وقد خيف منه خوف فاعرف ذلك فإنه أمثل ما يحتج به لهذه القراءة اهـ. وهو أحسن من كلام صاحب «اللوامح». وعن أبـي عمرو أيضاً أنه قرأ {وتنزلت الملائكة } فهذه مع قراءة الجمهور وما في بعض المصاحف عشرة قراءات وما كان منها بصيغة المضارع وجهه ظاهر، وأما ما كان بصيغة الماضي فوجهه على ما قيل الإشارة إلى سرعة الفعل.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : يوم يرون الملائكة}تفسير : [الفرقان: 22]. والمقصود تأييسهم من الانتفاع بأعمالهم وبآلهتهم وتأكيد وعيدهم. وأدمج في ذلك وصف بعض شؤون ذلك اليوم، وأنه يوم تنزيل الملائكة بمرأى من الناس. وأعيد لفظ {يَومَ} على طريقة الإظهار في مقام الإضمار وإن كان ذلك يوماً واحداً لبعد ما بين المعاد ومكان الضمير. والتشقق: التفتح بين أجزاءٍ ملتئمة، ومنه {أية : إذا السماء انشقت}تفسير : [الانشقاق: 1]. ولعله انخراق يحصل في كُوَر تلك العوالم، والذين قالوا: السموات لا تقبل الخرق ثم الالتئام بنوه على تخيّلهم إياها كقباب من معادن صُلبة، والحكماء لم يصلوا إلى حقيقتها حتى الآن. وتشقُّق السماءِ حالة عجيبة تظهر يوم القيامة، ومعناه زوال الحواجز والحدود التي كانت تمنع الملائكة من مبارحة سماواتهم إلا من يؤذن له بذلك، فاللام في الملائكة للاستغراق، أي بين جمع الملائكة فهو بمنزلة أن يقال: يوم تفتح أبواب السماء. قال (تعالى): {أية : وفتحت السماء فكانت أبواباً}تفسير : [النبأ: 19]؛ على أن التشقّق يستعمل في معنى انجلاء النور كما قال النابغة:شعر : فانشق عنها عمود الصبح جافلة عَدْو النَّحُوص تخاف القَانِصَ اللَّحِما تفسير : وحاصل المعنى: أن هنالك انبثاقاً وانتفاقاً يقارنه نزول الملائكة لأن ذلك الانشقاق إذنٌ للملائكة بالحضور إلى موقع الحشر والحساب. والتعبير بالتنزيل يقتضي أن السموات التي تنشقّ عن الملائكة أعلى من مكان حضور الملائكة. وقرأ الجمهور {تشّقق} بتشديد الشين. وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف بتخفيف الشين. والغَمام: السحاب الرقيق. وهو ما يغشى مكان الحساب، قال تعالى: {أية : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظُلَل مِن الغَمام والملائكةُ وقُضِيَ الأمر} تفسير : تقدم في سورة البقرة (210). والباء في قوله: {بالغمام} قيل بمعنى (عن) أي تشقق عن غمام يحفّ بالملائكة. وقيل للسببية، أي يكون غمام يخلقه الله فيه قوة تنشقّ بها السماء لينزل الملائكة مثل قوة البرق التي تشق السحاب. وقيل الباء للملابسة، أي تشَّقَّق ملابسة لغمام يظهر حينئذ. وليس في الآية ما يقتضي مقارنة التشقق لنزول الملائكة ولا مقارنة الغمام للملائكة، فدَعْ الفهم يذهبْ في ترتيب ذلك كلَّ مذهب ممكن. وأُكد {نُزِّل الملائكة} بالمفعول المطلق لإفادة أنه نزول بالذات لا بمجرد الاتصال النُوراني مثل الخواطر الملكية التي تشعشع في نفوس أهل الكمال. وقرأ الجمهور {ونُزِّلَ الملائكةُ} بنون واحدة وتشديد الزاي وفتح اللام ورفع {الملائكة} مبنياً للنائب. وقرأه ابن كثير {ونُنْزِل} بنونين أولاهما مضمومة والثانية ساكنة وبضم اللام ونصب {الملائكة}. وقوله: {الملك يومئذٍ} هو صدر الجملة المعطوفة فيتعلق به {يَومَ تشقق السماء بالغمام}، وإنما قدم عليه للوجه المذكور في تقديم قوله: {أية : يَوْم يَرَوْن الملائكة}تفسير : [الفرقان: 22] وكذلك القول في تكرير {يومئذ}. و{الحق}: الخالص، كقولك: هذا ذهب حقّاً. وهو المُلك الظاهر أنه لا يماثله مُلك، لأن حالة الملك في الدنيا متفاوتة. والمُلك الكامل إنما هو لله، ولكن العقول قد لا تلتفت إلى ما في الملوك من نقص وعجز وتَبهرهم بهرجة تصرفاتهم وعطاياهم فينسون الحقائق، فأما في ذلك اليوم فالحقائق منكشفة وليس ثمة من يدّعي شيئاً من التصرف، وفي الحديث: «حديث : ثم يقول الله: أنا المَلِكُ أيْن ملوكُ الأرض»تفسير : . ووصف اليوم بعسير باعتبار ما فيه من أمور عسيرة على المشركين. وتقديم {على الكافرين} للحصر. وهو قصر إضافي، أي دون المؤمنين.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن السماء تتشقق يوم القيامة بالغمام، وأن الملائكة تنزل تنزيلاً. وقال القرطبي: تتشقق السماء بالغمام أي عن الغمام. قال: والباء وعن يتعاقبان كقولك: رميت بالقوس، وعن القاموس انتهى. ويستأنس لمعنى عن بقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} تفسير : [ق: 44] الآية. وهذه الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية الكريمة من تشقق السماء يوم القيامة ووجود الغمام، وتنزيل الملائكة كلها جاءت موضحة في غير هذا الموضع. أما تشقق السماء يوم القيامة فقد بينه جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} تفسير : [الرحمن: 37] وقوله تعالى: {أية : فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 15ـ16] وقوله: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 1] الآية وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ} تفسير : [المرسلات: 8ـ9] الآية فقوله: فرجت: أي شقت، فكان فيها فروج أي شقوق كقوله: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} تفسير : [الإنفطار: 1] وقوله تعالى: {أية : وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} تفسير : [النبّأ: 19] وأما الغمام ونزول الملائكة، فقد ذكرهما معاً في قوله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} تفسير : [البقرة: 210] الآية. وقد ذكر جل وعلا نزول الملائكة في آيات أخرى كقوله: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} تفسير : [الفجر: 22] وقوله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} تفسير : [الأنعام: 158] الآية وقوله تعالى: {أية : مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} تفسير : [الحجر: 8]. قال الزمخشري: والمعنى: أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها، وفي الغمام الملائكة ينزلون، وفي أيديهم صحف أعمال العباد. انتهى منه. وقرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر تشقق بتشديد الشين، والباقون بتخفيفها بحذف إحدى التاءين، وقرأ ابن كثير: وننزل الملائكة بنونين الأولى مضمومة، والثانية ساكنة مع تخفيف الزاي، وضم اللام، مضارع أنزل، والملائكة بالنصب مفعول به، والباقون بنون واحدة وكسر الزاي المشددة ماضياً مبنياً للمفعول، والملائكة مرفوعاً نائب فاعل نزل، والأظهر أن يوم منصوب باذكر مقدراً، كما قاله القرطبي، والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بالغمام: أي عن الغمام وهو سحاب أبيض رقيق كالذي كان لبني إسرائيل في التيه. الملك: أي الملك الحق لله ولم يبق لملوك الأرض ومالكيها ملك في شيء ولا لشيء. على الكافرين عسيراً: أي صعباً شديداً. يعض الظالم على يديه: أي ندماً وأسفاً على ما فرط في جنب الله. سبيلا: أي طريقاً إلى النجاة بالإِيمان والطاعة. لم أتخذ فلاناً خليلاً: أي أبي بن خلف خليلاً صديقاً ودوداً. لقد أضلني عن الذكر: أي عن القرآن وما يدعو إليه من الإِيمان والتوحيد والعمل الصالح. وكان الشيطان: شيطان الجن وشيطان الإِنس معاً. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في عرض مظاهر القيامة وبيان أحوال المكذبين بها فقال تعالى {وَيَوْمَ} أي اذكر {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ} أي عن الغمام ونُزّل الملائكة تنزيلاً وذلك لمجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء، وقوله تعالى {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} أي الثابت للرحمن عز وجل لا لغيره من ملوك الدنيا ومالكيها، وكان ذلك اليوم يوماً على الكافرين عسيراً لا يطاق ولا يحتمل ما فيه من العذاب والأهوال وقوله {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} أي المشرك الكافر بيان لعسر اليوم وشدته حيث يعض الظالم على يديه تندماً وتحسراً وأسفاً على تفريطه في الدنيا في الإِيمان وصالح الأعمال... يقول يا ليتني أي متمنياً: {ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً} أي طريقاً إلى النجاة من هول هذا اليوم وذلك بالإِيمان والتقوى. وينادي مرة أخرى قائلاً {يَٰوَيْلَتَىٰ} أي يا هلكتي احضري فهذا وقت حضورك، ويتمنى مرة أخرى فيقول {لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} وهو شيطان من الإِنس أو الجن كان قد صافاه ووالاه في الدنيا فغرر به وأضله عن الهدى. فقال في تحسر {لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ} أي القرآن بعد إذ جاءني من ربي بواسطة الرسول وفيه هداي وبه هدايتي، قال تعالى: {وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} أي يورطه ثم يتخلى عنه ويتركه في غير موضع وموطن. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر البعث والجزاء وبذكر أحوالها وبعض أهوالها. 2- إثبات مجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء يوم القيامة. 3- تندم الظلمة وتحسرهم على ما فاتهم من الإِيمان والطاعة لله ورسوله. 4- بيان سوء عاقبة موالاة شياطين الإِنس والجن وطاعتهم في معصية الله ورسوله. 5- تقرير مبدأ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إذ عقبة بن أبي معيط هو الذي أطاع أبي بن خلف حيث آمن، ثم لامه أُبيُّ بن خلف فارتد عن الإِسلام فهو المتندم المتحسر القائل {يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ...}.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلْغَمَامِ} {ٱلْمَلاَئِكَةُ} (25) - وَاذْكُرْ أَيُّهَا الرَّسُولُ لِقَوْمِكَ أهوالَ يومِ القِيَامَةِ، ومَا يَقَعُ فيهِ مِنَ الأُمُورِ العِظَامِ، إِذْ تَتَفَتَّتُ الشُّمُوسُ والكَوَاكِبُ، وَتَنْتَشِرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ كَالغَمَامِ المُتَشَقِّقِ، وَتَنْزِلُ المَلاَئِكَةُ نُزُولاً مُؤَكَّداً بِصَحَائِفِ أعمَالِ العِبَادِ، لِتُقَدَّمَ لدى العَرْضِ والحِسَابِ، وَتَكُونَ شاهِدَةً عَلَيْهِمْ لدَى الفَصْلِ والقَضَاءِ، وتُحِيطُ بِالخَلاَئِقِ فِي مَقَامِ المَحْشَرِ. نُزِّلَ المَلاَئِكَةُ تَنْزِيلاً - نُزِّلَتِ المَلاَئِكَةُ نُزُولاً مُؤَكَّداً. تَتَشَّقَق السَّمَاءُ بالغَمَامِ - تَتَفَتَّحُ السَّمَاوَاتُ بالسَّحَابِ الأَبْيَضِ الرَّقِيقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد سبق منهم أنْ طلبوا من الله أنْ ينزل عليهم ملائكة، فها هي الملائكة تنزل عليهم كما يريدون، لكن في غير مسرّة لكم، ولا إجابة لسؤال منكم. والسماء: هي السقف المرفوع فوقنا المحفوظ الذي ننظر إليه، فلا نرى فيه فطوراً ولا شروخاً، ولك أن تنظر إلى السماء حال صفائها، وسوف تراها ملساء لا نتوءَ فيها، ولا اعوجاج على اتساعها هذا وقيامها هكذا بلا عَمَد. لذلك يدعوك الحق - تبارك وتعالى - إلى النظر والتأمل، يقول لك: لن نغشك .. انظر في السماء وتأمل: {أية : ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ}تفسير : [الملك: 4]. والسماء التي تراها فوقك على هذه القوة والتماسك لا يُمسكها فوقك إلا الله، كما يقول سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ..}تفسير : [فاطر: 41]. ويقول تعالى: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ..}تفسير : [الحج: 65] إذن: هناك إذْن للسماء أن تقع على الأرض، وأنْ تتشقق وتتبدل، كما قال سبحانه: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ ..}تفسير : [إبراهيم: 48]. ويقول تعالى عن تشقُّق السماء في الآخرة: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}تفسير : [الانشقاق: 1-2]. معنى: {أية : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا ..}تفسير : [الانشقاق: 2] يعني: استمعتْ وأطاعتْ بمجرد الاستماع. وهنا يقول تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ ..} [الفرقان: 25] أي: تنشقّ وينزل من الشقوق الغمام، وقد ذُكِر الغمام أيضاً في قوله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ ..}تفسير : [البقرة: 210]. وقوله تعالى: {وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً} [الفرقان: 25] يدل على قوة النزول ليباشروا عملية الفصل في موقف القيامة.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس في قول الله، عز وجل: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً} [الآية: 25]. قال: ينزل أَهل السماءِ الدنيا وهم أَكثر ممن في الأَرض، من الجن والإِنس، فيقول لهم أَهل الأَرض: أَفيكم ربنا، عز وجل.؟. فيقولون: لا وسيأْتي. ثم تشقق السماءُ الثانية، فينزل أَهلها وهم أَكثر من أَهل السماءِ الدنيا، ومن أَهل الأَرض، جنّهم وإِنسهم، فيقولون: أَفيكم ربنا؟. فيقولون: لا، وسيأْتي. ثم تشقق السموات كذلك كل سماءٍ أَكثر ممن تحتهم من ملائكة السموات ومن أَهل الأَرض ثم تشقق السماءُ السابعة، وينزل أَهلها، وهم أَكثر من أَهل السموات الست ومن أَهل الأَرض جنهم وإِنسهم، فيقولون: أَفيكم ربنا عز وجل؟. فيقولون لا، وسيأْتي. ثم ينزل الرب، عز وجل، في الْكُرُوبِيِّينَ وهم أَكثر من أَهل السموات السبع ومن أَهل الأَرض في حملة العرش، لهم كعوب ككعوب القنا، ما بين أخمص أَحدهم إِلى كعبه، مسيرة خمس مائة عام. ومن كعبه إلى ركبتيه مسيرة خمس مائة عام. ومن ركبتيه إِلى أَرنبته مسيرة خمس مائة عام، ومن أَرنبته إلى ترقوته مسيرة خمس مائة عام. ومن ترقوته إِلى موضع القرط مسيرة خمس مائة عام.
الأندلسي
تفسير : {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ} الظاهر أن السماء هي المظلة لنا والباء باء الحال أي متغيمة أو باء السبب أي بسبب طلوع الغمام منه كان الذي ينشق به السماء كما تقول شق السنام بالشفرة. {وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ} أي: إلى الأرض لوقوع الجزاء والحساب والحق صفة للملك أي الثابت لأن كل ملك يومئذٍ يبطل ولا يبقى إلا ملكه * وخبر {ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ} وللرحمن متعلق بالحق أو للبيان أي أعني للرحمن وعسر ذلك اليوم على الكافرين بدخولهم النار وما في خلال ذلك من المخاوف ودل قوله على الكافرين على تيسيره على المؤمنين ففي الحديث حديث : أنه يهون حتى يكون على المؤمن أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا . تفسير : {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} قيل سبب نزولها هو عقبة وأبى وقيل كان عقبة خليلاً لأمية فأسلم عقبة فقال أمية: وجهي من وجهك حرام ان بايعت محمداً فكفر وارتد لرضا أمية فنزلت وذكر من إساءة عقبة إلى الرسول ما كان سبب أن قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فقتل عقبة يوم بدر صبراً أمر علياً فضرب عنقه وقتل أبي بن خلف يوم أحد في المبارزة والمقصود ذكر هول يوم القيامة بتندم الظالم وتمنيه أنه لم يكن أطاع خليله الذي كان يأمره بالظلم وما من ظالم إلا وله في الغالب خليل خاص به يعبر عنه بفلان وفلان كناية عن اسم علي لمن يعقل كما ان فل كناية عن نكرة من يعقل تقول يا فل معناه يا رجل والظاهر أن الظالم بعض يديه فعل النادم المتفجع والذكر ذكر الله أو القرآن أو الموعظة والظاهر حمل الشيطان على ظاهره لأنه هو الذي وسوس إليه في مخالة من أصله أو يريد خليله الذي أضله سماه شيطاناً لأنه أضل كما أضل الشيطان ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة والظاهر أن هذه الجملة من تمام كلام الظالم والظاهر أن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه واخباره بهجر قومه قريش القرآن هو مما جرى له في الدنيا بدليل إقباله عليه مسلياً ومواسياً بقوله: وكذلك جعلنا وأنه هو الكافي في هدايته ونصره فهو وعد منه بالنصر وهذا القول من الرسول وشكايته فيه تخويف لقومه والظاهر أن مهجوراً بمعنى متروكاً من الإِيمان به مبعداً مقصياً في الهجر * وانتصب هادياً ونصيراً على التمييز وقالوا: أي الكفار على سبيل الاقتراح والاعتراض الدال على نفورهم عن الحق قال الزمخشري: نزل ها هنا بمعنى: أنزل لا غير كخبر بمعنى أخبر وإلا كان متدافعاً "انتهى". وإنما قال: ان نزل بمعنى أنزل لأن نزل عنده أصلها أن تكون للتفريق، فلو أقره على أصله عنده من الدلالة على التفريق تدافع هو وقوله جملة واحدة وقد قررنا أن نزل لا يقتضي التفريق لأن التضعيف فيه عندنا مرادف للهمزة وقد بينا ذلك في أول آل عمران وقائل ذلك كفار قريش قالوا: لو كان هذا من عند الله لنزل جملة واحدة كما نزلت التوراة والإِنجيل وقيل قائلو ذلك اليهود * والكاف في: {كَذَلِكَ} للتشبيه وذلك إشارة إلى تنزيله مفرقاً. {لِنُثَبِّتَ} متعلق بنزلناه المحذوفة. {وَرَتَّلْنَاهُ} أي فصلناه. {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} يضرونه على جهة المعارضة منهم كتمثيلهم في هذه بالتوراة والإِنجيل إلا جاء القرآن بالحق في ذلك ثم هو أوضح بياناً وتفصيلاً. {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} الظاهر أنهم لما اعترضوا في حديث القرآن وإنزاله مفرقاً كان في ضمن كلامهم أنهم ذوو رشد وخير وانهم على طريق مستقيم ولذلك اعترضوا فأخبر تعالى بحالهم وما يؤول إليه أمرهم في الآخرة بكونهم شر مكاناً وأضل سبيلاً والظاهر أنه يحشر الكافر على وجهه بأن يسحب على وجهه وفي الحديث حديث : ان الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم تفسير : وقيل هو مجاز للذلة المفرطة والهوان والخزي واعربوا الذين مبتدأ والجملة من أولئك في موضع الخبر ويجوز عندي أن يكون الذين خبر مبتدأ محذوف لما تقدم ذكر الكافرين وما قالوا: قال ابعاداً لهم وتسميعاً بما يؤول إليه حالهم: هم الذين يحشرون ثم استأنف اخباراً آخر عنهم فقال أولئك شر مكانا. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} الآية لما تقدم تكذيب قريش والكفار لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر تعالى ما فيه تسلية له عليه الصلاة والسلام وإرهاب للمكذبين وتذكير أن يصيبهم ما أصاب الأمم السالفة لما كذبوا رسلهم فناسب أولاً أن ذكر من نزل عليه كتابه جملة واحدة ومع ذلك كفروا وكذبوا به فكذلك هؤلاء لو نزل عليه القرآن جملة واحدة لكفروا وكذبوا كما كذب قوم موسى * والكتاب هنا التوراة * وهارون بدل أو عطف بيان * ووزيراً مفعول ثان لجعلناه والمذهوب إليهم القبط وفرعون وفي الكلام حذف تقديره ذهباً وأديا الرسالة فكذبوهما فدمرناهم والتدمير أشد الإِهلاك. {وَقَوْمَ نُوحٍ} وهو منصوب بإِضمار فعل تقديره وأهلكنا قوم نوح أو معطوف على ضمير النصب في دمرناهم وأجازوا أن يكون منصوباً على الاشتغال أي وأغرقنا قوم نوح وهو قد يجوز لأن لما ان كانت ظرفاً كما زعم بعضهم بمعنى حين فالجملة بعدها في موضع جر والناصب للما أغرقناهم وإن كانت حرف وجوب لوجوب وهو الصحيح كان أغرقناهم جواباً للما وهو لا يجوز أن يفسر وذلك إشارة إلى أولئك المتقدِّمي فلذلك حسن دخول بين عليه من غير أن يعطف عليه شىء كأنه يقل بين المذكورين وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك * وانتصب كلاً الأول على الاشتغال أي وأنذرنا كلاً أو حذرنا كلاً والثاني على أنه مفعول بتبرنا لأنه لم يأخذ مفعولاً ومعنى ضرب الأمثال أي بين لهم القصص العجيبة من قصص الأولين ووصفنا لهم ما أدى إليه تكذيبهم بأنبيائهم من عذاب الله تعالى وتدميره إياهم والضمير في ولقد أتوا لقريش كانوا يمرون على سدوم من قرى لوط عليه السلام وتقدم الكلام عليها * ومطر السوء الحجارة التي أمطرت عليهم من السماء فهلكوا. {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا} فيعتبروا بما جرى لأهلها ثم أضرب ببل والمعنى أنهم حملهم على عدم الاعتبار كونهم لا يؤمنون بالبعث وهو النشور. {وَإِذَا رَأَوْكَ} تقدم الكلام على نظير هذه الجملة في الأنبياء وبعث صلة للذي وضميره محذوف ورسولاً منصوب على الحال. {إِن كَادَ} إن هي المخففة من الثقيلة واسم كاد ضمير يعود على الرسول واللام هي الفارقة بين ان النافية وان المخففة وتقم الكلام على هذا في أول البقرة في قوله: {أية : وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} تفسير : [البقرة: 143] ومذهب الكوفيين في ذلك. {أَن صَبْرَنَا} في موضع مبتدأ وخبره محذوف تقديره لولا صبرنا موجود وجواب لولا محذوف تقديره لأضلنا والظاهر أن من استفهامية مبتدأ وأصل خبره والجملة في موضع نصب ليعلمون ويعلمون معلق ويجوز أن تكون من موصولة مفعولة بيعلمون وأضل خبر مبتدأ محذوف تقديره هو أضل وهذه الجملة صلة لمن وجاز حذف هذا الضمير للاستطالة التي حصلت بالتمييز كما حصلت في قول العرب ما أنا بالذي قائل لك سوأ. {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} هذا إياس عن إيمانهم وإشارة إليه عليه الصلاة والسلام أن لا يتأسف عليهم وإعلام أنهم في الجهل بالمنافع وقلة النظر في العواقب مثل البهائم ثم ذكر أنهم أضل سبيلاً من الانعام من حيث لهم فهم وتركوا استعماله فيما يخلصهم من عذاب الله تعالى والانعام لا سبيل لها إلى فهم المصالح وأرأيت استفهام تعجب من جهل من هذه حالته وآلهة المفعول الأول لاتخذ وهواه الثاني أي أقام مقام إلهه الذي يعبده هواه فهو جار على ما يكون في هواه والمعنى أنه لم يتخذ إلهاً إلا هواه ومفعول أرأيت الأول هو من الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني وتقدم لنا الكلام في أرأيت في أوائل الانعام ومعنى: {وَكِيلاً} أي هل تستطيع أن تدعوه إلى الهدى فتتوكل عليه وتجبره على الإِسلام وأم منقطعة تقدر ببل والهمزة كأنه قال: بل أتحسب كأن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى خفت بالاضراب عنها إليها وهو كونهم مسلوبي الأسماع كالانعام التي هي مثل في الغفلة والضلالة ثم انتقل إلى إضراب آخر بقوله: بل هم أضل أي أشد في الضلال من الانعام وحذف من الانعام. {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} الآية لما بين تعالى جهل المعترضين على دلائل الصانع وفساد طريقتهم ذكر أنواعاً من الدلائل الواضحة التي تدل على قدرته التامة لعلهم يتدبرونها فبدأ بحال الظل في زيادته ونقصانه وتغيره من حال إلى حال وان ذلك جار على مشيئته وتقدم الكلام على ألم تر في البقرة والمعنى ألم تر إلى صنع ربك وقدرته * وكيف سؤال عن حال في موضع نصب بمد والجملة في موضع متعلق ألم تر لأن تر معلقة والجملة الاستفهامية التي هي معلق عنها فعل القلب ليس باقياً على حقيقة الاستفهام فالمعنى ألم تر إلى مد ربك الظل. {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} مستقراً على تلك الحالة ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل سلطها عليه ونصبها دليلاً متبوعاً له كما يتبع الدليل في الطريق فهو يزيد بها وينقص ويمتد ويقلص ثم نسخه بها قبضه قبضاً سهلاً يسيراً غير عسير وفيه التفات من خروج ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم في جعلناه وقبضناه. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً} انتقل من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب * ولباسا تشبيه بالثوب الذي يغطي البدن ويستره من حيث الليل يستر الأشياء * والسبات ضرب من الإِغماء يعتري اليقظان مرضاً فشبه النوم به والسبت الإِقامة في المكان فكان السبات سكوناً ما * والنشور هنا الاحياء شبه اليقظة به ليطابق الاحياء مع الإِماتة * بين يدي رحمته استعارة حسنة أي قدام المطر لأنها تجيء معلمة به والطهور فعول اما للمبالغة كنؤم فهو معدول عن ظاهر وإما أن يكون إسماً لما يتطهر به كالسحور والفطور واما مصدر لتطهر جاء على غير المصدر حكاه سيبويه والظاهر في قوله: ماءً طهورا أن يكون للمبالغة في طهارته وجه المبالغة كونه لم يشبه شىء بخلاف ما نبع من الأرض ونحوه فإِنه تشويه أجزاء أرضية من مقره أو من ممره أو مما يطرح فيه ويجوز أن يوصف بالاسم وبالمصدر. {لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} وصف بلدة بصفة المذكر لأن البلدة في معنى البلد في قوله: {أية : فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} تفسير : [فاطر: 9] وقدم إحياء الأرض وسقي الانعام على سقي الأناسي لأن حياتهم بحياة أرضهم وحياة أنعامهم فقدم ما هو السبب في ذلك ولأنهم إذا وجدوا ما يسقي أرضهم ومواشيهم وجدوا سقياهم ونكر الانعام والأناسي ووصفاً بالكثرة لأن كثيراً منهم لا يعيشهم إلا ما أنزل الله من المطر وكذلك لنحيي به بلدة ميتاً يريد بعض بلاد هؤلاء المتباعدين عن مظان الماء بخلاف سكان المدن فإِنهم قريبون من الأودية والأنهار والعيون فهم غنيون غالباً عن ماء المطر وخص الانعام من بين ما خلق من الحيوان الشارب لأن الطيور والوحوش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الانعام فإِنها قنية الأناسي ومنافعهم متعلقة بها فكان الانعام عليهم بسقي إنعامهم كالانعام بسقيهم. {وَأَنَاسِيَّ} جمع إنسان في مذهب سيبويه وجمع أنسي في مذهب الفراء والمبرد وحكى أناسين في جمع إنسان كسرحان وسراحين. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} قال ابن عباس: عائد على القرآن وإن لم يجر له ذكر لوضوح الأمر ويعضده وجاهدهم به. {وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} يقال مرج الأمر اختلط واضطرب وقيل مرج وأمرج * العذب الحلو * والفرات البالغ في الحلاوة * والملح المالح * والاجاج البالغ في الملوحة والظاهر أنه يراد بالبحرين الماء الكثير العذب والماء الكثير الملح والبرزخ والحجر ما حجز بينهما من الأرض والسد. {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} كلمة يقولها المتعوذ وقد فسرناها وهي هنا واقعة على سبيل المجاز كأن كل واحد من البحرين يتعود من صاحبه ويقول له: حجراً محجوراً كما قال تعالى: {أية : لاَّ يَبْغِيَانِ}تفسير : [الرحمن: 20] أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة فانتفاء البغي ثم كالتعوذ هنا جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ منه والظاهر عموم البشر وهم بنو آدم والبشر ينطلق على الواحد والجمع والنسب والصهر يعمان كل قربى بين آدميين وأن الكافر اسم جنس فيعم وقيل هو أبو جهل والآية نزلت فيه ومعنى ظهيراً هيناً مهيناً من قولهم: ظهرت به إذا خلفته خلف ظهرك لا تلتفت إليه. {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ} أمره تعالى أن يحتج عليهم مزيلاً لوجوه التهم بقوله: لا أسألكم عليه أي على القرآن أجراً أي لا أطلب مالاً. {وَلاَ نَفْعاً} يختص بي والضمير في عليه عائد على القرآن والظاهر في إلا من شاء أنه استثناء منقطع تقديره لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً فليفعل، والظاهر تعلق به بقوله: فاسأل وبقاء الباء غير مضمنة معنى عن وخبيراً من صفات الله كما تقول لقيت بزيد أسداً ولقيت بزيد البحر تريد أنه هو الأسد شجاعة والبحر كرماً والمعنى أنه تعالى اللطيف العليم الخبير والمعنى فاسأل الله الخبير بالأشياء العالم بخفاتها وقال الشاعر: شعر : إِن تسألوني بالنساء فإِنني بصير بادواء النساء طبيب تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ} الظاهر أنهم لما قيل لهم اسجدوا للرحمن فذكرت الصفة المقتضية للمبالغة في الرحمة والكلمة عربية لا ينكر وضعها أظهروا التجاهل بهذه الصفة التي لله مغالطة منهم ووقاحة. {قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ} وهم عارفون به وبصفته الرحمانية وهذا كما قال فرعون وما رب العالمين حين قال له موسى: إني رسول من رب العالمين، على سبيل المناكرة وهو عالم برب العالمين كما قال له موسى عليه السلام: لقد علمت ما أنزل هؤلاء فكذلك كفار قريش استفهموا عن الرحمن استفهام من يجهله وهم عالمون به، وقرىء: تأمرنا بالياء والتاء. {وَزَادَهُمْ} أي هذا القول وهو الأمر بالسجود للرحمن. {نُفُوراً} أي فراراً. {تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً} الآية لما جعلت قريش سؤالها عن اسمه الذي هو الرحمن سؤالاً عن مجهول نزلت هذه الآية مصرحة بصفاته التي تعرف به وتوجب الإِقرار بألوهيته * ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر أنه خلق السماوات والأرض وغير ذلك نبههم على ما لهم به اعتناء تام من رصد الكواكب وأحوالها ووضع أسماء لها والظاهر أن المراد بالبروج المعروفة عند العرب وتقدم الكلام عليها والضمير في فيها الظاهر أنه عائد على السماء وقيل على البروج فالمعنى وجعل في جملتها سراجاً وهو الشمس وانتصب: {خِلْفَةً} على الحال فقيل هو مصدر خلف خلفة أي خلف هذا ذاك وذاك هذا وقيل خلفة في الزيادة والنقصان. {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} قال ابن عباس: ما فاته من الخير والصلاة ونحوه في أحدهما، فيستدركه في الذي يليه ولما تقدم ذكر الكفار وذمهم وجاء لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً ذكر أحوال المؤمنين المتذكرين الشاكرين فقال: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} وهذه إضافة تشريف وتفضيل وهو جمع عبد أي الذين يعبدون الله حق عبادته والظاهر أن وعباد مبتدأ والذين يمشون الخبر وقيل: أولئك الخبر والذين صفة والهون الرفق واللين وانتصب: هوناً على أنه نعت لمصدر محذوف أي مشياً هوناً أو على الحال أي يمشون هينين في تؤدة وسكينة وحسن سمت لا يضربون بأقدامهم الأرض ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً. {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ} أي بما لا يسوغ الخطاب به. {قَالُواْ سَلاَماً} أي سلام توديع لا تحية كقول إبراهيم عليه السلام لأبيه سلام عليك وقيل هو على إضمار فعل تقديره سلمنا سلاماً. {وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً} البيتوتة هو أن يدركك الليل نمت أو لم تنم وهو خلاف الظلول والظلول الإِقامة بالنهار ولما ذكر حالهم بالنهار بأنهم يتصرفون أحسن تصرف ذكر حالهم بالليل والظاهر أنه يعني إحياء الليل بالصلاة أو أكثره ثم عقبه بذكر دعائهم هذا إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون يبتهلون إلى الله تعالى في صرف العذاب عنهم * وساءت بمعنى بئست والمخصوص بالذم محذوف وفي ساءت ضمير مبهم * ويتعين أن يكون مستقراً ومقاماً تمييز والتقدير ساءت مستقراً ومقاماً هي وهذا المخصوص بالذم هو رابط الجملة الواقعة خبراً لأن ويجوز أن تكون ساءت بمعنى أحزنت فيكون المفعول محذوفاً أي ساءتهم والفاعل ضمير مبهم وجاز في مستقر أو مقاماً أن يكونا تمييزين وأن يكونا حالين قد عطف أحدهما على الآخر. {لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ} الانفاق في غير طاعة الله تعالى إسراف والإِمساك عن طاعة الله إقتار وقرىء: يقتروا بفتح الياء وكسر التاء وضمها من قتر ويقتر بضم الياء وكسر التاء من اقتر واسم كان ضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: أنفقوا {بَيْنَ ذَلِكَ} أي بين الإِسراف والإِقتار و{قَوَاماً} معتدلاً يجوز أن يكون خبراً لكان وبين ذلك خبر وقواماً حال. {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ} الآية حديث : سأل ابن مسعود رسول الله أي الذنب أعظم فقال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك قال؛ ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك تفسير : فانزل الله تصديقها والذين لا يدعون، الآية وقيل الآثام الإِثم ومعناها يلق جزاء أثام فأطلق اسم الشيء على جزائه. {ذٰلِكَ} إشارة إلى كل فرد مما تقدم * يضاعف ويخلد قرىء: بالرفع فيها على الاستئناف أو يكون في موضع الحال تقديره مضاعفاً له العذاب وخالداً فيه مهاناً وقرىء: بالجزم فيهما على أن يكون يضاعف بدلاً من يلق بدل فعل من فعل كما قال الشاعر: شعر : متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطباً جزلاً وناراً تأججا تفسير : والظاهر أن توبة المؤمن القاتل النفسي بغير حق مقبولة لعموم قوله تعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ} وسيآتهم هو المفعول الثاني وهو أصله أن يكون مقيداً بحرف الجر أي بسيآتهم وحسنات هو المفعول الأول وهو المسرح كما قال تعالى: {أية : وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ} تفسير : [سبأ: 16] وقال الشاعر: شعر : تضحك مني أخت ذات النحيين أبدلها الله بلونها لونين سواد وجه وبياض عينين تفسير : {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} عاد إلى ذكر أوصاف عباد الرحمن والظاهر أن المعنى لا يشهدون بالزور أو شهادة الزور واللغو كما ينبغي أن يلغى ويطرح والمعنى: وإذا مروا بأهل اللغو مروا معرضين عنهم مكرمين أنفسهم عن التوقف عندهم والخوض معهم كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ}تفسير : [القصص: 55]. {بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} هي القرآن. {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} النفي متوجه إلى القيد الذي هو صم وعميان لا للخرور الداخل عليه وهذا الأكثر في لسان العرب ان النفي يتسلط على القيد والمعنى أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصاً على استماعها وأقبلوا على المذكر بها بآذان واعية وأعين راعية بخلاف غيرهم من المنافقين وأشباههم فإِنهم إذا ذكروا بها كانوا مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها في ظاهر الأمر وكانوا صماً وعمياناً حيث لا يعونها ولا يتبصرون ما فيها. {قُرَّةَ أَعْيُنٍ} كناية عن السرور والفرح وهو مأخوذ من القر وهو البرد يقال: دمع السرور بارد ودمع الحزن سخن ويقال أقر الله عينك وأسخن الله عين العدو وقال الشاعر: شعر : فأما عيون العاشقين فاسخنت وأما عيون الشامتين فقرت تفسير : وقال الزمخشري: وجاء أعين بصيغة جمع القلة دون عيون الذي هو صيغة جمع الكثرة لأنه أريد أعين المتقين وهي قليلة بالإِضافة إلى غيرهم "انتهى". ليس بجيد لأن أعين ينطلق على العشرة فما دونها من الجمع والمتقون لبست أعينهم عشرة بل هي عيون كثيرة جداً وإن كانت عيونهم قليلة بالنسبة إلى عيون غيرهم فهي من الكثرة بحيث تفوت العدو قرىء: ذريتنا على الإِفراد وذرياتنا على الجمع. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الموصوفين بهذه الصفات العشرة * والغرفة اسم معرف بال فيعم أي الغرف كما جاء وهم في الغرفات آمنون وهي العلالي قال ابن عباس: هي بيوت من زبرجد ودر وياقوت والباء في بما صبروا للسبب والتحية دعاء بالتعمير والسلام دعاء بالسلامة أي تحييهم الملائكة أو يحيي بعضهم بعضاً. {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} معادل لقوله: في جهنم ساءت مستقراً ومقاماً، والظاهر أن قوله: قل ما يعبأ بكم ربي خطاب لكفار قريش القائلين أنسجد لما تأمرنا أي لا يحفل ربكم ربي لولا تضرعكم إليه واستغاثتكم إياه في الشدائد. {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فتستحقون العقاب. {فَسَوْفَ يَكُونُ} العقاب وهو ما أنتجه تكذيبكم ونفس لهم في حلوله بلفظة فسوف يكون {لِزَاماً} أي لازماً لكم لا تنفكون منه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن عظمة يوم القيامة وما فيه من الشدة والكروب، ومزعجات القلوب فقال: { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ } وذلك الغمام الذي ينزل الله فيه، ينزل من فوق السماوات فتنفطر له السماوات وتشقق وتنزل ملائكة كل سماء فيقفون صفا صفا، إما صفا واحدا محيطا بالخلائق، وإما كل سماء يكونون صفا ثم السماء التي تليها صفا وهكذا. القصد أن الملائكة -على كثرتهم وقوتهم- ينزلون محيطين بالخلق مذعنين لأمر ربهم لا يتكلم منهم أحد إلا بإذن من الله، فما ظنك بالآدمي الضعيف خصوصا الذي بارز مالكه بالعظائم، وأقدم على مساخطه ثم قدم عليه بذنوب وخطايا لم يتب منها، فيحكم فيه الملك الحق بالحكم الذي لا يجور ولا يظلم مثقال ذرة ولهذا قال: { وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } لصعوبته الشديدة وتعسر أموره عليه، بخلاف المؤمن فإنه يسير عليه خفيف الحمل. {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا }. تفسير : وقوله: { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ } أي: يوم القيامة { الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ } لا يبقى لأحد من المخلوقين ملك ولا صورة ملك، كما كانوا في الدنيا، بل قد تساوت الملوك ورعاياهم والأحرار والعبيد والأشراف وغيرهم، ومما يرتاح له القلب، وتطمئن به النفس وينشرح له الصدر أن أضاف الملك في يوم القيامة لاسمه " الرحمن " الذي وسعت رحمته كل شيء وعمت كل حي وملأت الكائنات وعمرت بها الدنيا والآخرة، وتم بها كل ناقص وزال بها كل نقص، وغلبت الأسماء الدالة عليه الأسماء الدالة على الغضب وسبقت رحمته غضبه وغلبته، فلها السبق والغلبة، وخلق هذا الآدمي الضعيف وشرفه وكرمه ليتم عليه نعمته، وليتغمده برحمته، وقد حضروا في موقف الذل والخضوع والاستكانة بين يديه ينتظرون ما يحكم فيهم وما يجري عليهم وهو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم فما ظنك بما يعاملهم به، ولا يهلك على الله إلا هالك ولا يخرج من رحمته إلا من غلبت عليه الشقاوة وحقت عليه كلمة العذاب. { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ } بشركه وكفره وتكذيبه للرسل { عَلَى يَدَيْهِ } تأسفا وتحسرا وحزنا وأسفا. { يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا } أي طريقا بالإيمان به وتصديقه واتباعه. { يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا } وهو الشيطان الإنسي أو الجني، { خَلِيلا } أي: حبيبا مصافيا عاديت أنصح الناس لي، وأبرهم بي وأرفقهم بي، وواليت أعدى عدو لي الذي لم تفدني ولايته إلا الشقاء والخسار والخزي والبوار. { لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي } حيث زين له ما هو عليه من الضلال بخدعه وتسويله. { وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا } يزين له الباطل ويقبح له الحق، ويعده الأماني ثم يتخلى عنه ويتبرأ منه كما قال لجميع أتباعه حين قضي الأمر، وفرغ الله من حساب الخلق {أية : وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ } تفسير : الآية. فلينظر العبد لنفسه وقت الإمكان وليتدارك الممكن قبل أن لا يمكن، وليوال من ولايته فيها سعادته وليعاد من تنفعه عداوته وتضره صداقته. والله الموفق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):