٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} الماضي عضِضت. وحكى الكسائيّ عضَضت بفتح الضاد الأولى. وجاء التوقيف عن أهل التفسير، منهم ابن عباس وسعيد بن المسيب أن الظالم هاهنا يراد به عقبة بن أبي مُعَيط، وأن خليله أمية بن خلف؛ فعقبة قتله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ وذلك أنه كان في الأسارى يوم بدر فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقتله؛ فقال: أأقتل دونهم؟ فقال: نعم، بكفرك وعتوّك. فقال: من للصبية؟ فقال: النار. فقام عليّ رضي الله عنه فقتله. وأمية قتله النبيّ صلى الله عليه وسلم، فكان هذا من دلائل نبوّة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خبَّر عنهما بهذا فقتلا على الكفر. ولم يسميا في الآية لأنه أبلغ في الفائدة، ليعلم أن هذا سبيل كل ظالم قَبِلَ من غيره في معصية الله عز وجل. قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: وكان عقبة قد همّ بالإسلام فمنعه منه أبيّ بن خلف وكانا خِدنين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قتلهما جميعاً: قُتل عقبة يوم بدر صبراً، وأبيّ بن خلف في المبارزة يوم أحد؛ ذكره القشيريّ والثعلبيّ، والأوّل ذكره النحاس. وقال السهيليّ: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} هو عقبة بن أبي مُعَيط، وكان صديقاً لأمية بن خلف الجُمحِيّ ويروى لأبي بن خلف أخ أمية، وكان قد صنع وليمة فدعا إليها قريشاً، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأتيه إلا أن يسلم. وكره عقبة أن يتأخر عن طعامه من أشراف قريش أحد فأسلم ونطق بالشهادتين، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل من طعامه، فعاتبه خليله أمية بن خلف، أو أبيّ بن خلف وكان غائباً. فقال عقبة: رأيت عظيماً ألا يحضر طعامي رجل من أشراف قريش. فقال له خليله: لا أرضى حتى ترجع وتبصق في وجهه وتطأ عنقه وتقول كيت وكيت. ففعل عدوّ الله ما أمره به خليله؛ فأنزل الله عز وجل: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ}. قال الضحاك: لما بصق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع بصاقه في وجهه وشوى وجهه وشفتيه، حتى أثر في وجهه وأحرق خديه، فلم يزل أثر ذلك في وجهه حتى قتل. وعضه يديه فعل النادم الحزين لأجل طاعته خليله. {يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً} في الدنيا، يعني طريقاً إلى الجنة. {يٰوَيْلَتَا} دعاء بالويل والثبور على محالفة الكافر ومتابعته. {لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} يعني أمية، وكنى عنه ولم يصرح باسمه لئلا يكون هذا الوعد مخصوصاً به ولا مقصوراً، بل يتناول جميع من فعل مثل فعلهما. وقال مجاهد وأبو رجاء: الظالم عام في كل ظالم، وفلان: الشيطان. واحتج لصاحب هذا القول بأن بعده {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً}. وقرأ الحسن: {يَا وَيْلَتِي} وقد مضى في «هود» بيانه. والخليل: الصاحب والصديق وقد مضى في «النساء» بيانه. {لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ} أي يقول هذا النادم: لقد أضلني من اتخذته في الدنيا خليلاً عن القرآن والإيمان به. وقيل: {عَنِ الذِّكْرِ} أي عن الرسول. {وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} قيل: هذا من قول الله لا من قول الظالم. وتمام الكلام على هذا عند قوله: {بَعْدَ إِذْ جاءَنِي}. والخذل الترك من الإعانة؛ ومنه خذلان إبليس للمشركين لما ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك، فلما رأى الملائكة تبرأ منهم. وكل من صدّ عن سبيل الله وأطيع في معصية الله فهو شيطان للإنسان، خذولاً عند نزول العذاب والبلاء. ولقد أحسن من قال:شعر : تَجَنَّب قرِينَ السُّوءِ واصرِمْ حبالَه فإن لم تجد عنه مَحِيصاً فدارِهِ وأحبب حبيب الصدق واحذر مراءه تنل منه صفو الود ما لم تمارِهِ وفي الشيب ما ينهى الحليم عن الصِّبا إذا اشتعلت نيرانه في عِذارهِ تفسير : آخر:شعر : اصحب خيار الناس حيث لقيتهم خير الصحابة من يكون عفِيفاً والناس مثل دراهمٍ ميزتها فوجدت منها فِضة وزيوفا تفسير : وفي الصحيح من حديث أبي موسى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يُحذِيك وإما أن تبتاع منه وإمّا أن تجد ريحاً طيبة ونافخ الكير إما أن يحرِق ثيابك وإما أن تجد ريحاً خبيثة» تفسير : لفظ مسلم. وأخرجه أبو داود من حديث أنس. وذكر أبو بكر البزَّار عن ابن عباس قال: حديث : قيل يا رسول الله؛ أيّ جلسائنا خير؟ قال: «من ذكركم بالله رؤيته وزاد في علمكم منطقه وذكركم بالآخرة عمله»تفسير : . وقال مالك بن دِينار: إنك إن تنقل الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل الخبيص مع الفجار. وأنشد:شعر : وصاحب خيار الناس تَنْجُ مسلَّما وصاحب شرار الناس يوما فتندما
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّٰلِمُ } المشرك: عقبة ابن أبي معيط كان نطق بالشهادتين ثم رجع إرضاء لأبيّ بن خلف {عَلَىٰ يَدَيْهِ } ندما وتحسراً في يوم القيامة {يَقُولُ يَالَيْتَنِى } للتنبيه {لَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ } محمد {سَبِيلاً } طريقاً إلى الهدى.
ابن عطية
تفسير : قوله {ويوم} ظرف العامل فيه فعل مضمر، وعض اليدين هو فعل النادم الملهوف المتفجّع، وقال ابن عباس وجماعة من المفسرين {الظالم} في هذه الآية عقبة بن أبي معيط ذلك أنه كان أسلم أو جنح إلى الإسلام وكان أبي بن خلف الذي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يوم أحد {خليلاً} لعقبة فنهاه عن الإسلام فقبل نهيه فنزلت الآية فيهما فــ {الظالم} عقبة. و"فلان" أبي وفي بعض الروايات عن ابن عباس أن {الظالم} أبي فإنه كان يحضر النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عقبة فأطاعه. قال الفقيه الإمام القاضي: ومن أدخل في هذه الآية أمية بن خلف فقد وهم إلا على قول من يرى {الظالم} اسم جنس، وقال مجاهد وأبو رجاء الظالم اسم جنس و "فلان" الشيطان. قال الفقيه الإمام القاضي : ويظهر أن {الظالم} عام وأن مقصد الآية تعظيم يوم القيامة وذكر هوله بأنه يوم تندم فيه الظلمة وتتمنى أن لو لم تطع في دنياها خلانها الذي أمروهم بالظلم، فلما كان خليل كل ظالم غير خليل الآخر وكان كل ظالم يسمي رجلاً خاصاً به عبر عن ذلك بـ"فلان" الذي فيه الشياع التام ومعناه واحد من الناس، وليس من ظالم إلا وله في دنياه خليل يعينه ويحرضه، هذا في الأغلب ويشبه أن سبب الآية وترتب هذا المعنى كان عقبة وأبياً، وقوله {مع الرسول} يقوي ذلك بأن يجعل تعريف {الرسول} للعهد والإشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى التأويل الأول التعريف بالجنس، وكلهم قرأ "يا ليتني" ساكنة الياء غير أبي عمرو فإنه حرك الياء في "ليتني اتخذت" ورواها أبو خليد عن نافع مثل أبي عمرو، و"السبيل" المتمناة هي طريق الآخرة، وفي هذه الآية لكل ذي نهية تنبيه على تجنب قرين السوء، والأحاديث والحكم في هذا الباب كثيرة مشهورة، وقوله {يا ويلتى} التاء فيه عوض من الياء في يا ويلي والألف هي التي في قولهم يا غلاماً وهي لغة، وقرأت فرقة بإمالة {يا ويلتى} قال أبو علي وترك الإمالة أحسن لأن أصل هذه اللفظة الياء {يا ويلتى} فبدلت الكسرة فتحة والياء ألفاً فراراً من الياء، فمن أمال رجع إلى الذي فر منه أولاً، و {الذكر}، هو ما ذكر به الإنسان أمر آخرته من قرآن أو موعظة ونحوه، وقوله: {وكان الشيطان للإنسان خذولاً} يحتمل أن يكون من قول {الظالم} ويحتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله تعالىعلى جهة الدلالة على وجه ضلالتهم والتحذير من الشيطان الذي بلغهم ذلك المبلغ، وقوله تعالى: {وقال الرسول}، حكاية عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الدنيا وتشكيه ما يلقى من قومه، هذا قول الجمهور، وهو الظاهر، وقالت فرقة هو حكاية عن قوله ذلك في الآخرة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "قومي" بتحريك الياء والباقون بسكونها، و {مهجوراً} يحتمل أن يريد مبعداً مقصياً من الهَجر بفتح الهاء وهذا قول ابن زيد، ويحتمل أن يريد مقولاً فيه الهُجر بضم الهاء إشارة إلى قولهم شعر وكهانة وسحر وهذا قول مجاهد وإبراهيم النخعي. قال القاضي أبو محمد : وقول ابن زيد منبه للمؤمنين على ملازمة المصحف وأن لا يكون الغبار يعلوه في البيوت ويشتغل بغيره، وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : من علق مصحفاً ولم يتعاهده جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول هذا اتخذني {مهجوراً} إفصل يا رب بيني وبينه"تفسير : ، ثم سلاه عن فعل قومه بأن أعلمه أن غيره من الرسل كذلك امتحن بأعداء في زمنه، أي فاصبر كما صبروا و {عدواً} يراد به الجمع، تقول هؤلاء عدو لي فتصف به الجمع والواحد والمؤنث ثم وعده تعلق بقوله: {وكفى بربك هادياً ونصيراً} والباء في {بربك} للتأكيد على الأمر إذ المعنى اكتف بربك.
ابن عبد السلام
تفسير : {الظَّالِمُ} قيل عقبة بن أبي مُعيط {سَبِيلاً} طريقاً إلى النجاة أو بطاعة الله، أو وسيلة عند الرسول صلى الله عليه وسلم تكون صلة إليه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: حديث : ان أبا معيط كان يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة لا يؤذيه، وكان رجلاً حليماً، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام فقالت قريش: صبا أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلاً فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشد مما كان أمراً فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبأ. فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه أبو معيط فحياه، فلم يرد عليه التحية فقال: ما لك. لا ترد عليَّ تحيتي؟ فقال: كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت؟ قال: أوقد فعلتها قريش؟! قال: نعم. قال فما يبرىء صدورهم إن أنا فعلت قال: نأتيه في مجلسه، وتبصق في وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم. ففعل، فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم أن مسح وجهه من البصاق، ثم التفت إليه فقال: إن وجدتك خارجاً من جبال مكة أضرب عنقك صبراً. فلما كان يوم بدر، وخرج أصحابه، أبى أن يخرج فقال له أصحابه: اخرج معنا قال: قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجاً من جبال مكة أن يضرب عنقي صبراً فقالوا: لك جمل أحمر لا يُدْرَكَ، فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فخرج معهم، فلما هزم الله المشركين، وحل به جمله في جدد من الأرض، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيراً في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو معيط فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟ قال: نعم. بما بصقت في وجهي، فأنزل الله في أبي معيط {ويوم يعض الظالم على يديه} إلى قوله {وكان الشيطان للإِنسان خذولاً} . تفسير : وأخرج أبو نعيم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: "حديث : كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً فدعا إليه أهل مكة كلهم، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ويعجبه حديثه، وغلب عليه الشقاء فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاماً ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. فقال: أطعم يا ابن أخي. قال: ما أنا بالذي أفعل حتى تقول... فشهد بذلك وطعم من طعامه. فبلغ ذلك أُبي بن خلف فأتاه فقال: أصبوت يا عقبة؟ - وكان خليله - فقال: لا والله ما صبوت. ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت له، فطعم. فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبصق في وجهه. ففعل عقبة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبراً ولم يقتل من الأسارى يومئذ غيره ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: "كان أبي بن خلف يحضر النبي صلى الله عليه وسلم فزجره عقبة بن أبي معيط، فنزل {ويوم يعض الظالم على يديه} إلى قوله {وكان الشيطان للإِنسان خذولاً} ". وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن مقسم مولى ابن عباس قال: حديث : إن عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف الجمحي التقيا. فقال عقبة بن أبي معيط لأبي بن خلف - وكانا خليلين في الجاهلية - وكان أبي قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الإِسلام، فلما سمع بذلك عقبة قال: لا أرضى عنك حتى تأتي محمداً فتتفل في وجهه وتشمته وتكذبه. قال: فلم يسلطه الله على ذلك. فلما كان يوم بدر، أسر عقبة بن أبي معيط في الأسارى فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن يقتله فقال عقبة: يا محمد أمن بين هؤلاء أقتل؟ قال: نعم. قال: بم؟ قال: بكفرك وفجورك وعتوك على الله وعلى رسوله، فقام إليه علي بن أبي طالب فضرب عنقه. وأما أبي بن خلف فقال: والله لا قتلن محمداً فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله. فافزعه ذلك فوقعت في نفسه لأنهم لم يسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قولاً إلا كان حقاً، فلما كان يوم أحد خرج مع المشركين، فجعل يلتمس غفلة النبي صلى الله عليه وسلم ليحمل عليه. فيحول رجل من المسلمين بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينه. فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: خلفوا عنه فأخذ الحربة فرماه بها، فوقعت ترقوته، فلم يخرج منه كبير دم واحتقن الدم في جوفه، فخار كما يخور الثور فأتى أصحابه حتى احتملوه وهو يخور وقالوا: ما هذا؟! فوالله ما بك إلا خدش فقال: والله لو لم يصبني إلا بريقه لقتلني أليس قد قال: أنا أقتله، والله لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم. قال: فما لبث إلا يوماً أو نحو ذلك حتى مات إلى النار، وأنزل الله فيه {ويوم يعض الظالم على يديه} إلى قوله {وكان الشيطان للإِنسان خذولاً} ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سابط قال: حديث : صنع أبي بن خلف طعاماً ثم أتى مجلساً فيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قوموا. فقاموا غير النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا أقوم حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فتشهد. فقام النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه عقبة بن أبي معيط فقال: قلت: كذا وكذا قال: إنما أردت لطعامنا فذلك قوله {ويوم يعض الظالم على يديه} تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ويوم يعض الظالم على يديه} قال:" حديث : عقبة بن أبي معيط دعا مجلساً فيه النبي صلى الله عليه وسلم لطعام، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل وقال: "لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فلقيه أمية بن خلف فقال: أقد صبوت؟ فقال: إن أخاك على ما تعلم ولكن صنعت طعاماً فأبى أن يأكل حتى قلت ذلك، فقلته وليس من نفسي ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن هشام في قوله {ويوم يعض الظالم على يديه} قال: يأكل كفيه ندامة حتى يبلغ منكبه لا يجد مسها. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله {ويوم يعض الظالم على يديه} قال: يأكل يده ثم تنبت. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله {ويوم يعض الظالم على يديه} قال: بلغني أنه يعضه حتى يكسر العظم ثم يعود. وأخرج عبد بن حميد وابن حاتم عن سعيد بن المسيب قال: نزلت في أمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، {ويوم يعض الظالم على يديه} قال: هذا عقبة. {لم أتخذ فلاناً خليلاً} قال: أمية وكان عقبة خدناً لأمية فبلغ أمية أن عقبة يريد الإِسلام، فأتاه وقال وجهي من وجهك حرام إن أسلمت أن أكلمك أبداً. ففعل، فنزلت هذه الآية فيهما. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك في قوله {لم أتخذ فلاناً خليلاً} قال: عقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف كانا متواخيين في الجاهلية يقول أمية بن خلف: يا ليتني لم أتخذ عقبة بن أبي معيط خليلاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون في قوله {ويوم يعض الظالم على يديه} قال: حديث : نزلت في عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف، دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عقبة في حاجة وقد صنع طعاماً للناس، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعامه قال: لا... حتى تسلم. فأسلم فأكل... وبلغ الخبر أبي بن خلف، فأتى عقبة فذكر له ما صنع فقال له عقبة أترى مثل محمد يدخل منزلي وفيه طعام ثم يخرج ولا يأكل! قال: فوجهي من وجهك حرام حتى ترجع عما دخلت فيه. فرجع. فنزلت الآية .تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال {ويوم يعض الظالم على يديه} قال: أبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. وهما الخليلان في جهنم على منبر من نار. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً من قريش كان يغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيه رجل آخر من قريش - وكان له صديقاً - فلم يزل به حتى صرفه وصده عن غشيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهما ما تسمعون. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً} قال: الشيطان. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {وكان الشيطان للإِنسان خذولاً} قال: خذل يوم القيامة وتبرأ منه {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} هذا قول نبيكم يشتكي قومه إلى ربه قال الله يعزي نبيه: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين} يقول: إن الرسل قد لقيت هذا من قومها قبلك فلا يكبرن عليك. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} قال: يهجرون فيه بالقول السيء. يقولون: هذا سحر. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله {اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} قالوا: فيه هجيراً غير الحق. ألم تر المريض إذا هذى قيل: هجر؟ أي قال: غير الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين} قال: لم يبعث نبي قط إلا كان المجرمون له أعداء. ولم يبعث نبي قط إلا كان بعض المجرمين أشد عليه من بعض. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين} قال: كان عدوّ النبي صلى الله عليه وسلم أبو جهل، وعدوّ موسى قارون، وكان قارون ابن عم موسى. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين} قال: يوطن محمد صلى الله عليه وسلم أنه جاعل له عدوّاً من المجرمين كما جعل لمن قبله.
القشيري
تفسير : يندم الكافر على صحبة الكفار. ودليل الخطاب يقتضي سرورَ المؤمنين بمصاحبة أخدانهم وأحبائهم في الله، وأمَّا الكافر فَيُضِلُّ صاحبَه فيقع معه في الثبور، ولكن المؤمن يهدي صاحبه إلى الرشد فيصل به إلى السرور.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم يعض الظالم على يديه} يوم منصوب باذكر المقدر. والعض ازم بالاسنان: وبالفارسية [كزيدن بدندان] وعض اليدين عبارة عن الندم لما جرى به عادة الناس ان يفعلوه عند ذلك وكذا عض الانامل واكل البنان وحرق الاسنان ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة لانها من روادفها، قال فى الكواشى ويجوز ان تكون على زائدة فيكون المراد بالعض حقيقة العض والاكل كما روى انه يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه ثم تنبتان ثم يأكلهما هكذا كلما نبتتا اكلهما تحسرا وندامة على التفريط والتقصير. والمعنى على الاول بالفارسية [وياد كن روزى راكه ازفرط حسرت مى خايد ظالم بردستهاى خود يعنى بدندان مى كزد دسترا جنانجة متحيران ميكنند] والمراد بالظالم الجنس فيدخل فيه عقبة بن ابى معيط وذلك ان عقبة كان لا يقدم من سفر الا صنع طعاما وكان يدعو الى الطعام من اهل مكة من اراد وكان يكثر مجالسة النبى عليه السلام ويعجبه حديثه فقدم ذات يوم من سفره وصنع طعاما ودعا رسول الله الى طعامه، قال الكاشفى [وبسبب جوار سيد الابرار را طلبيده بود] فاتاه رسول الله فلما قدم الطعام اليه ابى ان يأكل فقال "حديث : ما انا بالذى آكل من طعامك حتى تشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله"تفسير : وكان عندهم من العار ان يخرج من عندهم احد قبل ان يأكل شيئا فالح عليه بان يأكل فلم يأكل فشهد بذلك عقبة فاكل رسول الله من طعامه وكان ابىّ بن خلف الجمحى غائبا وكان خليل عقبة وصديقه فلما قدم اخبر بما جرى بين عقبة وبين رسول الله فاتاه فقال صبوت ياعقبة اى ملت عن دين آبائك الى دين حادث فقال لا والله ما صبوت ولكن دخل على رجل فابى ان يأكل من طعامى الا ان اشهد له فاستحييت ان يخرج من بيتى قبل ان يطعم فشهدت فطعم فقال ما انا بالذى ارضى منك ابدا حتى تأتيه فتبزق فى وجهه وتشتمه وتكذبه نعوذ بالله تعالى فاتاه فوجده ساجدا فى دار الندوة ففعل ذلك: يعنى [آب دهن حواله روى دلا راى رسول الله كرد] والعياذ بالله تعالى [در ترجمه اسباب نزول آورده كه آب دهن او شعله آتش جانسوز كشت وبران حضرت نرسيد وبروى باز كشت وهردوكرانه روى وى بسوخت تازنده بود آن داغها مى نمود]: وفى المثنوى شعر : هركه بر شمع خدا آرد بفو شمع كى ميرد بسوزد بوز او كى شود دريا زبو سنك نجس كى شود خورشيداز بف منطمس حديث : فقال رسول الله صلى الله عليه سلم لعقبة "لا القاك خارجا من مكة الا علوت رأسك بالسيف" فاسر يوم بدر فامر عليه السلام عليا رضى الله عنه او عاصم بن ثابت الانصارى رضى الله عنه فقتله تفسير : وطعن عليه السلام بيده الطاهرة الكاسرة ابيا اللعين يوم احد فى المبارزة فرجع الى مكة فمات فى الطريق بسرف بفتح السين المهملة وكسر الراء وهو مناسب لوصفه لانه مسرف وفى الحديث "حديث : شر الناس رجل قتل نبيا او قتله نبى"تفسير : اما الاول فلان الانبياء لهم العلو التام فلا يقابلهم الا من هو فى انزال الدرجات ولذا يعادى السافل العالى واذا كملت المضادة وقع القتل لان الضد يطلب ازالة ضده. واما الثانى فلان الانبياء مجبولون على الشفقة على الخلق فلا يقدمون على قتل احد الا بعد اليأس من فلاحه والتيقن بان خيانته سبب لمزيد شقائه وتعدى ضرره فقتلهم من قلتوا من احكام الرحمة: وفى المثنوى شعر : جونكه دندان تو كرمش درفتاد نيست دندان بركنش اى اوستاد تاكه باقى تن نكردد زا ر ازو كرجه بود آن تو شو بيزار ازو تفسير : قال فى انسان العيون ولم يقتل عليه السلام بيده الشريفة قط احدا الا ابىّ بن خلف لا قبل ولا بعد {يقول} الخ حال من فاعل يعض {يا} هؤلاء {ليتنى} [كاشكى من] فالمنادى محذوف ويجوز ان يكون يا لمجرد التنبيه من غير قصد الى تعيين المنبه {اتخذت} فى الدنيا {مع الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم {سبيلا} طريقا الى النجاة من هذه الورطات يعنى اتبعته وكنت معه على الاسلام.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ} معطوف على يوم من تلك الايام أو يقدر له ذكر أو يعلق يقول الاتي. {يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} كناية عن شدة الحسرة والغيظ لترتب البعض عليها والكلام بذلك في طبقة من الفصاحة واي طبقة ويجد السامع به من الاستحسان ما لا يجده بذكر المكنى عنه وليس هناك بعض حقيق. وقيل: انه لا كناية في ذلك بل يعض على يديه حقيقة قلت وجود العض حقيقة لا يمنع من الكناية لان الكناية لا تمنع من ارادة الحقيقة معها فعبر بالعض على اليد وهو واقع لا محالة ومشعر بشدة الحسرة والغيظ. ذكر بعض انه يأكل يديه إلى المرفقين فتنبتان ويأكلهما فتنبتان ولا يزال كذلك والظالم كل مشرك. وقيل: المراد ايضا المنافق مع المشرك وهو قول مجاهد. وقيل: المراد عقبة بن ابي معيط بن اميه بن عبد شمس وكان يكثر مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: اتخذ ضيافة فدعا اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فابى ان يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين فشهد وكان ذلك حين قدم من سفره وكان لا يقدم منه الا صنع طعاما ودعا إليه اشراف قومه وكان ابيّ بن خلف غائبا وهو صديق له ولما قدم اخبره بقصته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صبأت يا عقبة قال: لا والله ما صبأت ولكن دخل عليّ رجل فابى ان يأكل من طعامي الا ان اشهد له بانه رسول الله فاستحييت ان يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له وما كان ذلك من قلبي فقال ابيّ: لعنة الله وجهي من وجهك حرام ولا ارضى منك الا ان تبصق في وجهه ونطا عنقه ففعل به ذلك وهو ساجد في دار الندوة واخذ فرث دابة أو وعاء ولدها والقاه على كتفه. وقيل: اشترط عليه مع البصاق ووطء عنقه ان يلطم عينيه ففعل. رويحديث : انه لما بصق إليه رجع بصاقه على وجهه واحرقته وكان فيه اثر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا القاك خارجا من مكة الا علوت رأسك بالسيف"تفسير : واسر يوم بدر فأمر عليا فقتله. واما ابيّ فطعن ورجع إلى مكة ومات فيها. وقيل: قتله صلى الله عليه وسلم في المبارزة وذلك كله يوم احد ونزلت الآية. وقيل: اسلم عقبة لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظه فقال ابيّ وجهي من وجهك حرام ان بايعت محمدا فكفر وارتد ارضاء له فنزلت الآية. فهو الذي يعض يديه يوم القيامة ويقاس عليه غيره قياسا واخذا من عموم اللفظ وذلك قول عطاء. وقيل: الذي قتل عقبة عاصم بن ثابت بن افلح الانصاري قال: يا محمد اليّ من الصبية قال: إلى النار وممن فسر الظالم بعقبة بن ابي معيط بن عباس رضي الله عنه وجماعة. وروي ان عقبة لم يسلم ولكنه جنح إلى الاسلام فنهاه ابيّ فقبل نهيه قال السهيلي: لم تصرح باسمه ليشعر بعموم الوعيد لامثاله. {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ} يقرأ بالادغام للذال في التاء وبالاظهار والادغام اكثر. وقرأ ابو عمرو بفتح الياء * {مِعَ الرَّسُولِ} محمد صلى الله عليه وسلم * {سَبِيلاً} طريقا إلى النجاة وهو دين الاسلام ولم تتشعب بي طرق الضلالة او اراد اني كنت ضالا ولم يكن لي سبيل قط فليتني حصلت في صحبة الرسول سبيلا لنفسي والياء للتنبيه أو للنداء فالمنادى مقدر.
اطفيش
تفسير : {ويَومَ} كالذى قبله {يعضّ} جزعاً كما روى الضحاك، وجماعة أنه يأكل يديه الى المرفق، ثم تنبت ولا يزال كذلك كلما أكلها نبتت، أو ذلك كناية عن شدة الندم {الظَّالم} الجنس، ولو كان سبب النزول عقبة بن أبى مُعيط، وقيل: هو المراد فتكون أل للعهد الذهنى، وفلان أبى بن خلف، وقيل فلان عقبة، والظالم أبى كان عقبة كلما قدم من سفر صنع طعاماً لأهل مكة، وكان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعجبة كلامه، فدعاه يوماً لذلك الطعام، فقال: لا حتى تؤمن فنطق بكلمة الشهادة، فسمع أبى بذلك فقال له: أصبوت؟ فقال: لا ولكن كرهت أن يخرج ولم يأكل، فقال وكان صديقه: لا أرضى حتى تأتيه فتكفر به وتبصق فى وجهه، ففعل فرجع بزاقه على وجهه، فبقى أثر حرق فيه، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ألقاك خارج مكة"تفسير : ويروى خارج جبالها إلا قتلتك، فأبى ان يخرج يوم بدر لهذا، فقالوا له: إذا رأيت الهزيمة فطر على جملك الأحمر، فلا تدرك، فخرج ولما هزموا هب على جملة فبرك به، فأسره المسلمون، فأمر علياً، وقيل ثابت بن أبى الأفلح بقتله، فقال: بم تقتلنى عند هؤلاء؟ فقال: "حديث : بعتوك وفعلك بى كذا وكذا" تفسير : فقتل. وأما أبى فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقتلك فقال: "حديث : بل أنا أقتلك إن شاء الله" تفسير : وقيل: كان ذلك فى غيب عنهما، فأخبرا فقيل تثبيت النبى صلى الله عليه وسلم المخبر له فقال: نعم، فذل أبى لعلمه بصدقه صلى الله عليه وسلم، فكان يتعرض لقتله يوم أحد، فيحول بينهما رجل، فقال صلى الله عليه وسلم دعوه فضربه بحربة فى ترقوته، واحتقن الدم فى جوفه وما خرج إلا قليل، فكان يخور كالثور، فهوّن عليه أصحابه فقال: وعدنى بالقتل، فوالله لو بصق على لقتلنى، فوالله لو كان ما بى باهل ذى المجاز لقتلهم، فمضى بعد يوم الى النار. {يقول} الظالم المعهود أو الجنس {يا} حرف تنبيه أو نداء، يا قوم أو يا فلان {ليْتَنى اتَّخذتُ مع الرَّسُول} الجنس على أن الظالم الجنس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن الظالم عقبة أو ابى {سَبيلاً} الى النجاة، وهو دين الرسول لقوله: {مع الرسول} ونكره للتعظيم، او طريقاً واحداً وهو طريق الرسول، ولم تتشعب بى طرق الضلال.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ } قال الطبرسي: العامل في {يَوْمٍ } اذكر محذوفاً؛ ويجوز أن يكون معطوفاً على ما قبله، والظاهر أن أل في الظالم للجنس فيعم كل ظالم وحكى ذلك أبو حيان عن مجاهد وأبـي رجاء، وذكر أن المراد بفلان فيما بعد الشيطان، وقيل: لتعريف العهد، والمراد بالظالم عقبة بن أبـي معيط لعنه الله تعالى وبفلان أبـي بن خلف، فقد روي أنه كان عقبة بن أبـي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً فدعا عليه أهل مكة كلهم وكان يكثر مجالسة النبـي صلى الله عليه وسلم ويعجبه حديثه وغلب عليه الشقاء فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاماً ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال: اطعم يا ابن أخي فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنا بالذي أفعل حتى تقول فشهد بذلك وطعم عليه الصلاة والسلام من طعامه فبلغ ذلك أبـي بن خلف فأتاه فقال: أصبوت يا عقبة وكان خليله فقال: والله ما صبوت ولكن دخل عليَّ رجل فأبـى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم فشهدت له فطعم فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتفعل كذا وذكر فعلاً لا يليق إلا بوجه القائل اللعين ففعل عقبة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ألقاك خارجاً عن مكة إلا علوت رأسك بالسيف. وفي رواية إن وجدتك خارجاً من جبال مكة أضرب عنقك صبراً فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبـى أن يخرج فقال له أصحابه: اخرج معنا قال: قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجاً من جبال مكة أن يضرب عنقي صبراً فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه فخرج معهم فلما هزم الله تعالى المشركين رحل به جمله في جدد من الأرض فأخذ أسيراً في سبعين من قريش وقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر علياً كرم الله تعالى وجهه. / وفي رواية ثابت بن أبـي الأفلح بأن يضرب عنقه فقال أتقتلني من بين هؤلاء؟ قال: نعم قال: بم؟ قال: بكفرك وفجورك وعتوك على الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم صرح له بما فعل معه ثم ضربت عنقه، وأما أبـي بن خلف فمع فعله ذلك قال: والله لأقتلن محمداً صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: بل أقتله إن شاء الله تعالى فأفزعه ذلك وقال لمن أخبره: أنشدك بالله تعالى أسمعته يقول ذلك؟ قال نعم فوقعت في نفسه لما علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال قولاً إلا كان حقاً فلما كان يوم أحد خرج مع المشركين فجعل يلتمس غفلة النبـي عليه الصلاة والسلام ليحمل عليه فيحول رجل من المسلمين بين النبـي عليه الصلاة والسلام وبينه فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: خلوا عنه فأخذ الحربة فرماه بها فوقعت في ترقوته فلم يخرج منه دم كثير واحتقن الدم في جوفه فخر يخور كما يخور الثور فأتى أصحابه حتى احتملوه وهو يخور فقالوا: ما هذا فوالله ما بك إلا خدش فقال: والله لو لم يصبني إلا بريقه لقتلني أليس قد قال: أنا أقتله، والله لو أن الذي بـي بأهل ذي المجاز لقتلهم فما لبث إلا يوماً أو نحو ذلك حتى ذهب إلى النار فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي هذا القول عن ابن عباس وجماعة، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن الظالم أبـي بن خلف وفلان عقبة. وعض اليدين إما على ظاهره، وروي ذلك عن الضحاك وجماعة قالوا: يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت ولا يزال كذلك كلما أكلها نبتت وإما كناية عن فرط الحسرة والندامة، وكذا عض الأنامل والسقوط في اليد وحرق الأسنان والأرم ونحوها لأنها لازمة لذلك في العادة والعرف وفي المثل يأكل يديه ندماً ويسيل دمعه دماً، وقال الشاعر:شعر : أبـى الضيم والنعمان يحرق نابه عليه فأفضى والسيوف معاقله تفسير : والفعل عض على وزن فعل مكسور العين، وحكى الكسائي عضضت بفتح العين. {يَقُولُ يٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً } الجملة مع موضع الحال من الظالم أو جملة مستأنفة أو مبينة لما قبلها و {يٰلَيْتَنِى } الخ مقول القول، ويا إما لمجرد التنبيه من غير قصد إلى تعيين المنبه أو المنادى محذوف يا قومي ليتني، وأل في {ٱلرَّسُولَ } إما للجنس فيعم كل رسول وإما للعهد فالمراد به رسول هذه الأمة محمد صلى الله عليه وسلم والأول إذا كانت أل في الظالم للجنس والثاني إذا كانت للعهد، وتنكير {سَبِيلاً } إما للشيوع أو للوحدة وعدم تعريفه لادعاء تعينه أي يا ليتني اتخذت طريقاً إلى النجاة أي طريق كان أو طريقاً واحداً وهو طريق الحق ولم تتشعب بـي طرق الضلالة.
ابن عاشور
تفسير : هذا هو ذلك اليوم أعيد الكلام عليه باعتبار حال آخر من أحوال المشركين فيه، أو باعتبار حال بعض المشركين المقصود من الآية. والتعريف في {الظالم} يجوز أن يكون للاستغراق. والمراد بالظلم الشرك فيعم جميع المشركين الذين أشركوا بعد ظهور الدعوة المحمدية بقرينة قوله: {يقول يا ليتني اتخذتُ مع الرسول سبيلاً}، ويكون قوله: {ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً} إعلاماً بما لا تخلو عنه من صحبة بعضهم مع بعض وإغراء بعضهم بعضاً على مناوأة الإسلام. ويجوز أن يكون للعهد المخصوص. والمراد بالظلم الاعتداء الخاص المعهود من قصة معينة وهي قصة عقبة بن أبِي معيْط وما أغراه به أُبَيّ بن خلف. قال الواحدي وغيره عن الشعبي وغيره: كان عقبة بن أبي مَعيط خليلاً لأمية بن خلف، حديث : وكان عقبة لا يقدَم من سفر إلا صنع طعاماً ودعا إليه أشرافَ قومه، وكان يُكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فقدِم من بعض أسفاره فصنع طعاماً ودعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم فلما قرّبوا الطعام قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم: ما أنا بآكل من طعامك حتى تَشهد أن لا إلٰه إلا الله وأني رسول الله، فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، فأكل رسول الله من طعامهتفسير : . وكان أُبَيّ بن خلف غائباً فلما قدم أُخبر بقضيته، فقال: صَبَأتَ يا عقبةُ، قال: والله ما صبأتُ ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يأكل من طعامي حتى أشهد له، فاستحييتُ أن يخرج من بيتي ولم يَطْعَم، فشهدتُ له فطَعِم، فقال أُبَيّ: ما أنا بالذي أرضى عنك أبداً إلاّ أن تأتيه فتبصق في وجهه، فكفَر عقبة وأخذ في امتثال ما أمره به أبيّ بن خلف، فيكون المراد بــــ(فلان) الكناية عن أبَيّ بن خلف فخصوصه يقتضي لحاق أمثاله من المشركين الذين أطاعوا أخلّتهم في الشرك ولم يتّبِعُوا سبيل الرسول، ولا يخلو أحد من المشركين عن خليل مشرك مثله يصدّه عن متابعة الإسلام إذا هَمّ به ويثْبِته على دين الشرك فيتندم يوم الجزاء على طاعته ويذكره باسمه. والعَضّ: الشدّ بالأسنان على الشيء ليُؤلمه أو ليُمسكه، وحقه التعدية بنفسه إلا أنه كثرت تعديته بــــ{على} لإفادة التمكن من المعضوض إذا قصدوا عضّاً شديداً كما في هذه الآية. والعضّ على اليد كناية عن الندامة لأنهم تعارفوا في بعض أغراض الكلام أن يصحبوها بحركات بالجسد مثل التّشذر، وهو رفع اليد عند كلام الغضب قال، لبيد:شعر : غُلْب تشذّر بالدخول كأنهم جن البدي رواسياً أقدامها تفسير : ومثل وضع اليد على الفم عند التعجب. قال تعالى: {أية : فَرَدُّوا أيديهم في أفواههم}تفسير : [إبراهيم: 9]. ومنه في الندم قرع السن بالأصبع، وعَضّ السبابة، وعَضّ اليد. ويقال: حَرَّق أسنانه وحرّق الأُرَّم (بوزن رُكَّع) الأضراس أو أطراف الأصابع، وفي الغيظ عضّ الأنامل قال تعالى: {أية : عَضُّوا عليكم الأنامل من الغيظ} تفسير : في سورة [آل عمران: 119]، وكانت كناياتٍ بناء على ما يلازمها في العرف من معان نفسية، وأصل نشأتها عن تهيج القوة العصبية من جراء غضب أو تلهف. والرّسول: هو المعهود وهو محمد صلى الله عليه وسلم واتخاذ السبيل: أخذه، وأصل الأخذ: التناول باليد، فأطلق هنا على قصد السير فيه قال تعالى: {أية : واتّخذ سبيله في البحر}تفسير : [الكهف: 63]. و{مع الرسول} أي متابعاً للرسول كما يتابع المسافر دليلاً يسلك به أحسن الطرق وأفضاها إلى المكان المقصود. وإنما عُدل عن الإتيان بفعل الاتباع ونحوه بأن يقال: يا ليتني اتبعتُ الرسول، إلى هذا التركيب المطنب لأن في هذا التركيب تمثيل هيئة الاقتداء بهيئة مُسايَرة الدليلِ تمثيلاً محتوياً على تشبيه دعوة الرسول بالسبيل، ومتضمناً تشبيه ما يحصل عن سلوك ذلك السبيل من النجاة ببلوغ السائر إلى الموضع المقصود، فكان حصول هذه المعاني صائراً بالإطناب إلى إيجاز، وأما لفظ المتابعة فقد شاع إطلاقه على الاقتداء فهو غير مشعر بهذا التمثيل. وعُلِم أن هذا السبيل سبيلُ نجاح مَن تمناه لأن التمني طلب الأمر المحبوب العزيز المنال. و{يا ليتني} نداء للكلام الدال على التمني بتنزيل الكلمة منزلة العاقل الذي يطلب حضوره لأن الحاجة تدعو إليه في حالة الندامة، كأنه يقول: هذا مقامُك فاحضري، على نحو قوله: {أية : يا حَسْرَتَنا على ما فرطنا فيها} تفسير : في سورة [الأنعام: 31]. وهذا النداء يزيد المتمني استبعاداً للحصول. وكذلك قوله: {يا وَيْلَتَا} هو تحسّر بطريق نداء الويل. والويل: سوء الحال، والألف عوض عن ياء المتكلم، وهو تعويض مشهور في نداء المضاف إلى ياء المتكلم. وقد تقدم الكلام على الويل في قوله تعالى: {أية : فويل للذين يَكْتُبون الكتاب}تفسير : في سورة [البقرة: 79]. وعلى {يا وَيْلَتنا} في قوله: {أية : يا ويْلَتَنا مَالِ هَذَا الكتاب} تفسير : في سورة [الكهف: 49]. وأتبَع التحسّرَ بتمني أن لا يكون {اتّخذ فلاناً خليلاً}. وجملة {ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً} بدل من جملة {ليتني اتّخذتُ مع الرسول سبيلاً} بدل اشتمال لأن اتباع سبيل الرسول يشتمل على نبذ خُلّة الذين يصدون عن سبيله فتمني وقوع أولهما يشتمل على تمني وقوع الثاني. وجملة {يا ويلتا} معترضة بين جملة {يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً} وجملة {ليتني لم اتخذ فلاناً خليلاً}. و(فلان): اسم يكنّى عمّن لا يُذكر اسمه العلَمُ، كما يُكنّى بــــ(فلانة) عمّن لا يُراد ذكر اسمها العلم، سواء كان ذلك في الحكاية أم في غيرها. قاله ابن السكيت وابن مالك خلافاً لابن السراج وابنِ الحاجب في اشتراط وقوعه في حكايةٍ بالقول، فيعامل (فلانُ) معاملةَ العَلَم المقرون بالنون الزائدة و(فلانة) معاملة العَلَم المقترن بهاء التأنيث، وقد جمعهما قول الشاعر:شعر : ألاَ قاتل اللَّه الوشَاةَ وقولَهم فُلانة أضحت خُلة لفلان تفسير : أراد نفسه وحبيبته. وقال المَرار العبسي:شعر : وإذا فلان مات عن أُكرومة دَفعوا معاوز فقده بفلان تفسير : أراد: إذا مات مَن له اسم منهم أخلفوه بغيره في السؤدد، وكذلك قول معن بن أوس:شعر : وحتى سألتُ القَرض من كل ذي الغنى ورَدّ فلان حاجتي وفلان تفسير : وقال أبو زيد في «نوادره»: أنشدني المفضل لرجل من ضبة هلك منذ أكثر من مائة سنة، أي في أواسط القرن الأول للهجرة:شعر : إن لسعد عندنا ديواناً يخزي فلاناً وابنَه فلاناً تفسير : والداعي إلى الكناية بفلان إما قصد إخفاء اسمه خيفة عليه أو خيفة من أهلهم أو للجهل به، أو لعدم الفائدة لذكره، أو لقصد نوع من له اسمٌ عَلَم. وهذان الأخيران هما اللذان يجريان في هذه الآية إن حُمِلت على إرادة خصوص عُقبة وأُبَيَ أو حملت على إرادة كل مشرك له خليل صَدّه عن اتّباع الإسلام. وإنّما تمنّى أن لا يكون اتّخذه خليلاً دون تمنِّي أن يكون عصاه فيما سوّل له قصداً للاشمئزاز من خلّته من أصلها إذ كان الإضلال من أحوالها. وفيه إيماء إلى أن شأن الخُلّة الثقة بالخليل وحمل مشورته على النصح فلا ينبغي أن يضع المرءُ خلّته إلا حيث يوقن بالسلامة من إشارات السوء قال الله تعالى {أية : يأيّها الذين آمنوا لا تتَّخِذوا بطانةً من دُونِكم لا يألونكم خبالاً}تفسير : [آل عمران: 118] فعلى من يريد اصطفاء خليل أن يسير سيرته في خُويصّته فإنه سيحمل من يخالّه على ما يسير به لنفسه، وقد قال خالد بن زهير وهو ابن أخت أبي ذؤيب الهُذلي:شعر : فأول راضٍ سُنة مَن يسيرها تفسير : وهذا عندي هو محمل قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لو كنتُ متّخِذاً خليلاً غيرَ ربّي لاتّخذت أبا بكر خليلاً» تفسير : فإن مقام النبوءة يستدعي من الأخلاق ما هو فوق مكارم الأخلاق المتعارفة في الناس فلا يليق به إلا متابعة ما لله من الكمالات بقدر الطاقة ولهذا قالت عائشة: كان خُلُقُه القرآن. وعلمنا بهذا أن أبا بكر أفضل الأمة مكارمَ أخلاق بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي جعَلَه المخيَّرَ لخلته لو كان مُتّخذاً خليلاً غيرَ الله. وجملة {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني} تعليلية لتمنِّيه أن لا يكون اتخذ فلاناً خليلاً بأنه قد صدر عن خُلته أعظم خسران لخليله إذ أضله عن الحق بعد أن كاد يتمكن منه. وقوله: {أضلني عن الذكر} معناه سوّل لي الانصراف عن الحق. والضلال: إضاعة الطريق وخطؤه بحيث يسلك طريقاً غيرَ المقصود فيقع في غير المكان الذي أراده، وإنما وقع في أرض العدوّ أو في مَسبَعة. ويستعار الضلال للحياد عن الحق والرشد إلى الباطل والسفه كما يستعار ضده وهو الهُدى (الذي هو إصابة الطريق) لمعرفة الحق والصواب حتى تساوى المعنيان الحقيقيان والمعنيان المجازيان لكثرة الاستعمال، ولذلك سموا الدليل الذي يَسلك بالركب الطريقَ المقصود هَادياً. والإضلال مستعار هنا للصرف عن الحق لمناسبة استعارة السبيل لهدى الرسول وليس مستعملاً هنا في المعنى الذي غلب على الباطل بقرينة تعديته بحرف {عن} في قوله: {عن الذكر} فإنه لو كان الإضلال هو تسويل الضلال لما احتاج إلى تعديته ولكن أريد هنا متابعة التمثيل السابق. ففي قوله: {أضلني} مكنية تقتضي تشبيه الذكر بالسبيل الموصل إلى المنجَى، وإثبات الإضلال عنه تخييل كإثبات الأظفار للمنية، فهذه نكت من بلاغة نظْم الآية. و{الذكر}: هو القرآن، أي نهاني عن التدبر فيه والاستماع له بعد أن قاربت فهمه. والمجيء في قوله: {إذ جاءني} مستعمل في إسماعه القرآن فكأنَّ القرآن جاءٍ حلَّ عنده. ومنه قولهم: أتاني نبأ كذا، قال النابغة:شعر : أتاني ــــ أبيْتَ اللعن ــــ أنك لُمتَني تفسير : فإذا حُمل الظالم في قوله: {ويوم يعضّ الظالم على يديه} على معيّن وهو عقبة بن أبي مُعيْط فمعنى مَجيء الذكر إياه أنه كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويأنس إليه حتى صرفه عن ذلك أُبيُّ بن خلف وحمله على عداوته وأذاته، وإذا حُمِل الظالم على العموم فمجيء الذكر هو شيوع القرآن بينهم، وإمكان استماعهم إياه. وإضلال خِلاّنهم إياهم صرفُ كل واحد خليلَه عن ذلك، وتعاوُن بعضهم على بعض في ذلك. وقيل: {الذكر}: كلمة الشهادة، بناء على تخصيص الظالم بعقبة بن أبي معيط كما تقدم، وتأتي في ذلك الوجوه المتقدمة، فإن كلمة الشهادة لما كانت سببَ النجاة مثلت بسبيل الرسول الهادي، ومُثل الصرف عنها بالإضلال عن السبيل. و{إذْ} ظرف للزمن الماضي، أي بعد وقتٍ جاءني فيه الذكر، والإتيان بالظرف هنا دون أن يقال: بعد ما جاءني، أو بعد أن جاءني، للإشارة إلى شدة التمكن من الذكر لأنه قد استقر في زمن وتحقق، ومنه قوله تعالى: {أية : وما كان الله لِيُضِلّ قوماً بعد إذْ هداهم}تفسير : [التوبة: 115] أي تمكن هديه منهم. وجملة {وكان الشيطان للإنسان خَذولاً} تذييل من كلام الله تعالى لا من كلام الظالم تنبيها للناس على أن كل هذا الإضلال من عمل الشيطان فهو الذي يسوّل لخليل الظالم إضلال خليله لأن الشيطان خذول الإنسان، أي مجبول على شدة خذله. والخذل: ترك نصر المستنجِد مع القدرة على نصره، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وإن يَخْذُلْكم فَمَنْ ذَا الذي يَنصرُكُم مِن بَعده}تفسير : في سورة [آل عمران: 160]. فإذا أعان على الهزيمة فهو أشد الخذل، وهو المقصود من صيغة المبالغة في وصف الشيطان بخذل الإنسان لأن الشيطان يكيد الإنسان فيورطه في الضر فهو خذول.
الشنقيطي
تفسير : من المشهور عند علماء التفسير أن الظالم الذي نزلت فيه هذه الآية، هو عقبة بن أبي معيط، وأن فلاناً الذي أضله عن الذكر أمية بن خلف، أو أخوه أبي بن خلف، وذكر بعضهم أن في قراءة بعض الصحابة. ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً، وهو على تقدير ثبوته من قبيل التفسير، لا القراءة، وعلى كل حال فالعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، فكل ظالم أطاع خليله في الكفر، حتى مات على ذلك يجري له مثل ما جرى لابن أبي معيط. وما ذكره جل وعلا في هذه الآيات الكريمة جاء موضحاً في غيرها. فقوله: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} كناية عن شدة الندم والحسرة، لأن النادم ندماً شديداً، يعض على يديه، وندم الكافر يوم القيامة وحسرته الذي دلت عليه هذه الآية، جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى في سورة يونس: {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} تفسير : [يونس: 54] الآية. وقوله تعالى في سورة سبأ {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [سبأ: 33] الآية: وقوله تعالى: {أية : قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} تفسير : [الأنعام: 31] الآية. والحسرة أشد الندامة وقوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 167] إلى غير ذلك من الآيات، وما ذكره هنا من أن الكافر يتمنى أن يكون آمن بالرسول في دار الدنيا، واتخذ معه سبيلاً: أي طريقاً إلى الجنة في قوله هنا: {يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً} جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ} تفسير : [الأحزاب: 66] وقوله تعالى: {أية : يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} تفسير : [الفجر: 24] وقوله تعالى: {أية : رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} تفسير : [الحجر: 2] إلى غير ذلك من الآيات. والسبيل التي يتمنى الكافر أن يتخذها مع الرسول المذكورة في هذه الآية، ذكرت أيضاً في آيات أخر كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة سورة الفرقان {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} تفسير : [المزّمّل: 19] و [الإنسان: 29] في المزمل والإنسان، ويقرب من معناه المآب المذكورة في قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآباً} تفسير : [النبأ: 39] وما ذكره هنا من أن الكافر ينادي بالويل، ويتمنى أنه لم يتخذ من أضله خليلاً، ذكره في غير هذا الموضع، أما دعاء الكفار بالويل: فقد تقدم في قوله تعالى: {أية : وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً} تفسير : [الفرقان: 13ـ14] وأما تمنيهم لعدم طاعة من أضلهم، فقد ذكره أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا} تفسير : [البقرة: 167] فلفظة لو في قوله: {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} للتمني، ولذلك نصب الفعل المضارع بعد الفاء في قوله: {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُم} الآية. وهو دليل واضح على ندمهم على موالاتهم، وطاعتهم في الدنيا، وما ذكره جل وعلا هنا من أن أخلاء الضلال من شياطين الإنس والجن، يضلون أخلاءهم عن الذكر بعد إذ جاءهم ذكره في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 202] وقوله تعالى: {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} تفسير : [فصلت: 25] الآية وقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ} تفسير : [الأنعام: 128] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ} تفسير : [الأحزاب: 67] وقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [الأعراف: 38] وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} تفسير : [سبأ: 31] الآيات. إلى غير ذلك من الآيات، وقوله تعالى هنا: {وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} الأظهر أنه من كلام الله، وليس من كلام الكافر النادم يوم القيامة، والخذول صيغة مبالغة، والعرب تقول: خذله إذا ترك نصره مع كونه يترقب النصر منه، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} تفسير : [آل عمران: 160] وقول الشاعر: شعر : إن المرء ميتاً بانقضاء حياته ولكن بأن يبغي عليه فيخذلا تفسير : وقول الآخر: شعر : إن الألى وصفوا قومي لهم فبهم هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا تفسير : ومن الآيات الدالة على أن الشيطان يخذل الإنسان قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} تفسير : [إبراهيم: 22] وقوله تعالى: {أية : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ} تفسير : [الأنفال: 48] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية: {لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ} [الفرقان: 29] الأظهر أن الذكر القرآن وقوله: {لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} العرب تطلق لفظة فلان كناية عن العلم: أي لم أتخذ أبياً أو أمية خليلاً، ويكنون عن علم الأنثى بفلانة ومنه قول عروة بن حزام العذري: شعر : ألا قاتل الله الوشاة وقولهم فلانة أضحت خلة لفلان تفسير : وقوله: {يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ} [الفرقان: 27] من عضض بكسر العين في الماضي، يعض بفتحها في المضارع على القياس، ومنه قول الحارس بن وعلة الذهلي: شعر : الآن لما أبيض مسربتي وعضضت من نابى على جذم تفسير : فإن الرواية المشهورة في البيت عضضت بكسر الضاد الأولى وفيها لغة بفتح العين في الماضي، والكسر أشهر، وعض تتعدى بعلى كما في الآية وبيت الحارث بن وعلة، المذكورين وربما عديت بالباء ومنه قول ابن أبي ربيعة: شعر : فقالت وعضت بالبنان فضحتني وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر تفسير : وهذه الآية الكريمة تدل على أن قرين السوء، قد يدخل قرينه النار والتحذير من قرين السوء مشهور معروف، وقد بين جل وعلا في سورة الصافات: أن رجلاً من أهل الجنة أقسم بالله أن قرينه كاد يرديه أي يهلكه بعذاب النار، ولكن لطف الله به فتداركه برحمته وإنعامه فهداه وأنقذه من النار، وذلك في قوله تعالى: {أية : قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ} تفسير : [الصافات: 51ـ52] إلى قوله تعالى: {أية : فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} تفسير : [الصافات: 55ـ57].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 27- يوم القيامة يعض الظالم لنفسه - بالكفر ومخالفة الرسل - على يديه أسفاً وندماً يقول متمنياً: يا ليتنى اتبعت الرسل فسلكت طريق الجنة وتجنبت طريق النار. 28- يقول نادماً على اتِّباع مَنْ أضلوه: يا ليتنى لم أصادق فلاناً الذى ملَّكته قيادى. 29- لقد أبعدنى هذا الصديق عن ذكر الله وذكر القرآن بعد أن يُسِّر لى، وهكذا يخذل الشيطان الإنسان ويسلمه إلى ما فيه هلكته. 30- وقال الرسول يشكو إلى الله ما يلاقيه من تعنت قومه: إنهم تركوا القرآن وهجروه، وتمادوا فى إعراضهم وعنادهم وعدائهم. 31- كما جعلنا قومك - يا محمد - يعادونك ويُكذِّبوك، جعلنا لكل نبى عدواً من المجرمين يعادونه ويقاومون دعوته، وسينصرك الله ويهديك إلى قهرهم، وحسبُك به هادياً ونصيراً. 32- وقال الذين كفروا طعناً فى القرآن: لِمَ لَمْ ينزل دفعة واحدة، لقد أنزلناه كذلك مفرقاً ليثبت به فؤادك بأُنسك به وحفظك له، ورتَّلناه. فرقنا آيه، أو قرأناه على لسان جبريل شيئاً فشيئاً على تؤدة وتمهل. 33- ولا يأتونك بحال من الاعتراضات الواهية إلا جئناك بالحق نبيِّنه ونُفسِّره أحسن تفسير.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰلَيْتَنِي} (27) - وَيَنْدَمُ فِي ذَلِكَ اليومِ الظَّالِمُونَ الكَافِرُونَ، الذينَ تَرَكُوا طَريقَ الرَّسُولِ، وَكَفَرُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الحَقِّ المُبِينِ، وَيَعَضُّونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ نَدَماً عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي جَنْبِ اللهِ، وَيَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا اتَّبَعْنَا طَرِيقَ الرَّسُولِ المُوصِلِ إِلَى الجَنَّةِ، وَلَكِنَّ النَّدَمَ لاَ يَنْفَعُهُمْ حِيْنَئِذٍ. (وَيُرْوَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، إِذْ كَانَ يَزْجُرُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفَ لِحُضُورِهِ مَجْلِسَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم). سَبِيلاًَ - طَرِيقاً إِلَى الهُدَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه عدّة أيام ذكرتها هذه الآيات: {أية : يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ..}تفسير : [الفرقان: 22]، {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ ..}تفسير : [الفرقان: 25]، {أية : ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ..}تفسير : [الفرقان: 26]، {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ ..} [الفرقان: 27] فيوم القيامة جامع لهذا كله. وقلنا: إن الظالم: الذي يأخذ حَقَّ غيره، والحق - تبارك وتعالى - يُوضِّح هذا الظلم بقوله تعالى: {أية : وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [البقرة: 57]. لأنهم لا يقدرون على ظُلْم الله تعالى، ولا على ظُلْم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلمة الله ورسوله هي العُلْيا، وسينتصر دين الله في نهاية المطاف. ومع ذلك يعاقبهم الله تعالى على ظلمهم لأنفسهم، فنِعْم الإله إله يفعل هذا مع مَنْ عصاه. والكافر حتى في مظهرية ظُلْمه للغير يظلم نفسه؛ لأنه يضعها في موضع المسئولية عن هذه المظالم. إذن: لو حقَّق الإنسان الظلم لوجده لا يعود إلا على الظالم نفسه. وحين يرى الظالمُ عاقبةَ ظُلْمه، ويعاين جزاء فِعْله يعضُّ على يديْه ندماً وحَسْرة. والعَضُّ: انطباق الفكيْن الأعلى والأسفل على شيء، وللعضِّ مراحل تتناسب مع المُفْزع الذي يُلجىء الإنسانَ له، وفي موضع آخر يقول سبحانه: {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ..}تفسير : [آل عمران: 119]. والأنامل: أطراف الأصابع وعَضُّها من الغيظ عادة معروفة حينما يتعرّض الإنسان لموقف يصعُب عليه التصرف فيه فيعضُّ على أنامله عَضّاً يناسب الموقف والحدث، فإنْ كان الحدث أعظمَ ناسبه أنْ يعضّ يده لا مجرد أصابعه، فإنْ عظم عَضَّ على يديْه معاً كما يحدث لهم في الآية التي معنا: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ ..} [الفرقان: 27] لأنه في موقف حسرة وندم على الفرصة التي فاتته ولن تعود، والخطأ الذي لا يمكن تداركه؛ لذلك يُعذِّب نفسه قبل أن يأتيه العذاب. فيعضُّ على يديْه معاً، فكأن الأمر المُفْزِع الذي يعاينه بلغ الغاية؛ لذلك عضَّ على يديه ليبلغ الغاية في المعضوض، وهو العاضّ والمعضوض، ولا يُعذِّب نفسه بهذه الطريقة إلا مَنْ يئس من النجاة. ثم يُبيِّن علة ذلك: {يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً} [الفرقان: 27] وإنْ كانت هذه الآية قد نزلت في حدث مخصوص وفي شخص بعينه، فإنها تعمّ كل مَنْ فعل هذا، فالعبرة - كما يقولون - بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا جزاء كل ظالم حَادَ عن الجادة. وهذه الآية حديث : نزلت في حدث خاص باثنين: عقبة بن أبي معيط، وكان رجلاً كريماً يُطعم الطعام، وقد دعا مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه، لكن رسول الله اعتذر له وقال: لا أستطيع أن أحضر طعامك إلا أنْ تشهد أن: لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فلما شهد الرجل الشهادتين زاره رسول الله وأكل من طعامه، فأغضب ذلك أمية ابن خلف صاحب عقبة فقال له: لقد صبوتَ يا عقبة، فقال عقبة: والله ما قلتُ ذلك إلا لأنني أحببتُ أن يأكلَ محمد عندي كما يأكل الناس، فقال أمية: فلا يبرئك مني إلا أنْ تذهب إلى محمد في دار الندوة فتطأ عنقة وتبصق .. إلخ، وفعل عقبة ما أشار عليه به صاحبه تفسير : فنزلت الآية: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً} [الفرقان: 27] والمراد بالسبيل قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ثم يقول: {يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : /52 ظ/ أَنبا أَبو القاسم، عبد الرحمن بن الحسن بن أَحمد بن محمد بن عبيد بن عبد الملك الهمذاني القاضي، قال: ثنا أَبو إِسحاق إِبراهيم بن الحسين بن علي الهمذاني، ثنا آدم بن أَبي إِياس، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} [الآية: 27]. قال: نزلت في عقبة بن أَبي معيط. وذلك أَنه دعا مجلساً فيهم النبي، صلى الله عليه وسلم فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: لا آكل حتى تشهد أَن لا إِله إِلاَّ اللهُ ، وأَني رسول الله. ففعل عقبة، فلقيه أُبي بن خلف فقال له: أَصبوت؟ فقال له عقبة: إن أخاك على ما تعلم ولكنه أَبى أَن يأْكل حتى أَقوله له، فقلته وليس في نفسي.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً} معناه سَببٌ ووُصْلَةٌ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمن ظلمك وأساء الأدب معك، وأراد مقتك وطردك بغياً عليك واستكباراً {يَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ} الجاحد الخارج عن مقتضى الأدب مع الله ورسوله {عَلَىٰ يَدَيْهِ} تحسراً على تفريطه وإفراطه في العتو والاستكبار، والجحود والإنكار {يَقُولُ} حينئذٍ متحسراً متمنياً: {يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ} الهادي إلى سواء السبيل {سَبِيلاً} [الفرقان: 27] يوصلني إلى منهج الرشاد، وينجِّني عن هذا العذاب. {يَٰوَيْلَتَىٰ} تعالي يا هلكتى، أسرعي {لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً} مضلا ً {خَلِيلاً} [الفرقان: 28] صديقاً أضلني عن خلة الرسول المرشد المنجي والله. ذلك المغوي {لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ} أي: عن ذكر الله ذكر رسوله ومصاحبة المؤمنين {بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي} واختلط معي، وصار صديقي وخليلي، بل صار شيطاناً فوسوس عليَّ، وأعرضني عن طريق الحق {وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ} المضلُّ المغوي سواء كان جِنّاً أو إنساً أو نفساً {لِلإِنْسَانِ} المجبول على الغفلة والنسيان {خَذُولاً} [الفرقان: 29] يخذله ويحرمه عن الجنان، ويسوقه إلى دركات النيران بأنواع الخيبة والحرمان، ونعوذ بك يا ذا الفضل والإحسان من شرِّ الشيطانز {وَ} بعدما طعنوا في القرآن كثيراً، ونبذوه وراء ظهورهم نبذاً يسيراً بلا التفات لهم إليه وإلى ما فيه من الأوامر والنواهي {قَالَ ٱلرَّسُولُ} مشتكياً إلى الله مناجياً: {يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي} الذي بعثتني إليهم؛ لأهديهم وأرشدهم إلى توحيدك، وأبني لهم حدود ما أنزلت إليَّ من الكتاب المعجز الجامع لجميع ما في الكتب السالفة، المشتمل على جميع المعارف والحقائق والحِكم، والأحكام المتعلقة بالتدين والتخلق في طريق توحيدك وتفريدك وتقديسك، مع أن هؤلاء الجهلة المسرفين {ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} مع سطوع برهانه، وقواطع حججه وتبيانه {مَهْجُوراً} [الفرقان: 30] متروكاً لا يلتفتون إليه ولا يسترشدون منه، ولا يتوجهون نحوهن بل يقدحون فيه ويكذبون، وينسبون إليه ما لا يليق بشأنهز {وَ} بعدما بث صلى الله عليه وسلم شكواه إلى ربه، وبسط فيها معه سبحانه ما بسط، قال سبحانه تسليةً له صلى الله عليه وسلم، وإزالةً لشكواه: لا تبالِ بهم وبشأنهم، ولا تحزن من سوء فعالهم؛ إذ {كَذَلِكَ} أي: مثل ما جعلنا لك يا أكمل الرسل أعداءً منكرين مكذبين {جَعَلْنَا} أيضاً { لِكُلِّ نَبِيٍّ} من الأنبياء الماضين {عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} المنكرين المكذبين لهم، ويسيئون الأدب معهم ويطعنون بكتبهم، ولا ينصرونهم ولا يروجون دينهم ولا يقبلون منهم قولهم، وليس هذا مخصوصاً بك و بدينك وكتباك {وَ} بالجملة: لا تحزن عليهم؛ إذ {كَفَىٰ بِرَبِّكَ} أي: كفى ربك لك {هَادِياً} يرشدك إلى مقصدك، ويغلبك على عدوك {وَنَصِيراً} [الفرقان: 31] حسيباً يكفيك مؤونة شرورهم وعداوتهم وإنكارهم.
همام الصنعاني
تفسير : 2086- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة، وعثمان الجزري عن مقسم مَوْلَى ابن عباس في قوله: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِي ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً}: [الآية: 27]، قال: اجتمع عقبة بن أبي معيطٍ وأُبَيّ بن خَلَفٍ، وكَانَا خليلين، فقال أحدهمام لصاحبه: بلغني أنك أتيت محمداً فاستمعت مِنْهُ، والله لا أرضى عنك حتى تَتْفُلَ في وَجْهِهِ وَتُكذِّبه، فلم يسلِّطه الله على ذلك فقتل عقبة بن أبي معيط يوم بدرٍ صبراً، وأما أُبيّ بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده يَوْمَ أُحُدٍ في القتال، فهما اللذان أنزل الله فيهما: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ ...} حتى بلغ: {خَلِيلاً}: [الآيات: 27-28]. 2087- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عثمان الجزري، عن مقسم مَوْلَى ابن عباس، عن ابن عبّاس، حديث : أن عقبة بن أبي معيط، وأُبي بن خَلَف الجمحي، قال عقبة بن أبي معيط لأُبيّ بن خلف وكانا خليلين في الجاهلية فقال: لا أَرضَى عنك أبداً، حتى تأتي محمداً فَتَتْفُلَ في وجهه، وتُكَذِّبُهُ، وتشتمه؛ وَكَانَ قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وعرض عليه الإِسلام. فَلَمَّا سمع عقبة بذلك قال: لا أرضى عنك أبداً، حتى تكذبه وتتفل في وجهه، فلم يسلطه الله عَلى ذلِكَ، فلما كان يوم بدر أُسِرَ عقبة بن أبي معيط في الأسَارى، فأمَرَ بِهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل، فقال: يا محمد، من بين هؤلاء أقتل؟ قال: نعم. قال: لِمَ؟ قال: بِكُفْرِكَ وَفُجْرِكَ وعُتوكَ عَلَى الله وعلى رسوله، قال مقسم: فبلغنا والله أعلم، أنه قال: فمن للصبية؟ قال: فيقال إنه قال: النار، قال: فقااَ عَليٌّ بن أبي طَالِب فضرب عنقه، وأما أُبيّ بن خلف، فقال: والله لأقتلنَّ محمداً فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله، قال: فانطلق رجل حتى أتى أُبيّ بن خلف، فقال: إن محمداً حين قيل له: ما قلت؟ قال: بل أنا أقتله. فأفزعه ذلِكَ وقال: أنشدك بالله. أسمعته يقول ذَلِكَ؟ ووقعت في نفسه لأنهم لم يسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قولاً قطّ إلاّ كان حَقّاً، قال: فلمّا كان يوم أُحُد خرج أُبيّ بن خلف مع المشركين، فجعل يَلْتَمِسُ غَفْلَة النبي صلى الله عليه وسلم ليحمل عليه، فيحول رجل من المسلمين بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينه، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خلوا عنه وأخذ الحربة فزجله بها، يقول: فرماه بها فتقع في ترقوته تحت تسبغة البيضة وفوق الذراع. فلم يخرج كثير دَمٍ. واحتقن الدم في جَوْفِهِ، فخرَّ يخور كما يخورُ الثورُ، فأقبل أصحابه حتى احتملوه وهُوَ يخورُ. فقالوا: ما هذا؟ فوالله ما كانَ إلاَّ خدْشٌ، فقال: والله لو لم يصبني إلا بِرِيقه لقتلني، أليس قد قال: بل أنا أقتله، والله لو كان الذي بي بأهل الحجاز لقتلهم، قال: فما لبث إلا يوماً أو نحو ذلك حتى مات إلى النار تفسير : فأنزل الله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ ...} حتَّى بلغ {خَذُولاً}: [الآيات: 27-28-29].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):