Verse. 2885 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَقَالَ الرَّسُوْلُ يٰرَبِّ اِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوْا ھٰذَا الْقُرْاٰنَ مَہْجُوْرًا۝۳۰
Waqala alrrasoolu ya rabbi inna qawmee ittakhathoo hatha alqurana mahjooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الرسول» محمد «يا رب إن قومي» قريشا «اتخذوا هذا القرآن مهجورا» متروكا قال تعالى.

30

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم وشكاهم إلى الله تعالى وقال: {ٱلرَّسُولُ يٰرَبّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُواْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أكثر المفسرين أنه قول واقع من الرسول صلى الله عليه وسلم وقال أبو مسلم بل المراد أن الرسول عليه السلام يقوله في الآخرة وهو كقوله: { أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } تفسير : [النساء: 41] والأول أولى لأنه موافق للفظ ولأن ما ذكره الله تعالى من قوله: { أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ } تفسير : [الفرقان: 31] تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ولا يليق إلا إذا كان وقع ذلك القول منه. المسألة الثانية: ذكروا في المهجور قولين: الأول: أنه من الهجران أي تركوا الإيمان به ولم يقبلوه وأعرضوا عن استماعه الثاني: أنه من أهجر أي مهجورا فيه ثم حذف الجار ويؤكده قوله تعالى: { أية : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 67] ثم هجرهم فيه أنهم كانوا يقولون إنه سحر وشعر وكذب وهجر أي هذيان، وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : من تعلم القرآن (وعلمه) وعلق مصحفاً لم يتعهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً، اقض بيني وبينه » تفسير : ثم إنه تعالى قال مسلياً لرسوله عليه الصلاة والسلام ومعزياً له {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ } وبين بذلك أن له أسوة بسائر الرسل، فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا ثم فيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر لأن قوله تعالى: {جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } يدل على أن تلك العداوة من جعل الله ولا شك أن تلك العداوة كفر قال الجبائي: المراد من الجعل التبيين، فإنه تعالى لما بين أنهم أعداؤه، جاز أن يقول: جعلناهم أعداءه، كما إذا بين الرجل أن فلاناً لص يقال جعله لصاً كما يقال في الحاكم عدل فلاناً وفسق فلاناً وجرحه، قال الكعبي: إنه تعالى لما أمر الأنبياء بعداوة الكفار وعداوتهم للكفار تقتضي عداوة الكفار لهم، فلهذا جاز أن يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ } لأنه سبحانه هو الذي حمله ودعاه إلى ما استعقب تلك العداوة، وقال أبو مسلم: يحتمل في العدو أنه البعيد لا القريب إذ المعاداة المباعدة كما أن النصر القرب والمظاهرة، وقد باعد الله تعالى بين المؤمنين والكافرين والجواب عن الأول: أن التبيين لا يسمونه ألبتة جعلاً لأن من بين لغيره وجود الصانع وقدمه لا يقال إنه جعل الصانع وجعل قدمه والجواب عن الثاني: أن الذي أمره الله تعالى به هل له تأثير في وقوع العداوة في قلوبهم أو ليس له تأثير؟ فإن كان الأول فقد تم الكلام لأن عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم كفر فإذا أمر الله الرسول بما له أثر في تلك العداوة فقد أمره بما له أثر في وقوع الكفر وإن لم يكن فيه تأثير ألبتة كان منقطعاً عنه بالكلية فيمتنع إسناده إليه، وهذا هو الجواب عن قول أبي مسلم. المسألة الثانية: لقائل أن يقول إن قول محمد عله السلام: {يٰرَبّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُواْ هذا القرآن مهجوراً } في المعنى كقول نوح عليه السلام { أية : رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } تفسير : [نوح: 5، 6] وكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب فكذا ههنا فكيف يليق هذا بمن وصفه الله بالرحمة في قوله: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107]؟ جوابه: أن نوحاً عليه السلام لما ذكر ذلك دعا عليهم، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فلما ذكر هذا ما دعا عليهم بل انتظر فلما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ } كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم فظهر الفرق. المسألة الثالثة: قوله {جَعَلْنَا } صيغة العظماء والتعظيم إذا ذكر نفسه في كل معرض من التعظيم وذكر أنه يعطي فلا بد وأن تكون تلك العطية عظيمة كقوله: { أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي } تفسير : [الحجر: 87] وقوله: { أية : إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } تفسير : [الكوثر: 1] فكيف يليق بهذه الصيغة أن تكون تلك العطية هي العداوة التي هي منشأ الضرر في الدين والدنيا؟ وجوابه: أن خلق العداوة سبب لازدياد المشقة التي هي موجبة لمزيد الثواب، والله أعلم. المسألة الرابعة: يجوز أن يكون العدو واحداً وجمعاً كقوله: { أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى } تفسير : [الشعراء: 77] وجاء في التفسير أن عدو الرسول صلى الله عليه وسلم أبو جهل. أما قوله: {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً } فقال الزجاج الباء زائدة يعني كفى ربك وهادياً ونصيراً منصوبان على الحال هادياً إلى مصالح الدين والدنيا، ونصيراً على الأعداء، ونظيره { أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : . [الأنفال: 64]

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ} يريد محمداً صلى الله عليه وسلم، يشكوهم إلى الله تعالى. {إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} أي قالوا فيه غير الحق من أنه سحر وشعر؛ عن مجاهد والنخعِيّ. وقيل: معنى {مَهْجُوراً} أي متروكاً؛ فعزّاه الله تبارك وتعالى وسلاّه بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي كما جعلنا لك يا محمد عدواً من مشركي قومِك ـ وهو أبو جهل في قول ابن عباس ـ فكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من مشركي قومه، فاصبر، لأمري كما صبروا، فإني هادِيك وناصرك على كل من ناوأك. وقد قيل: إن قول الرسول {يَا رَبِّ} إنما يقوله يوم القيامة؛ أي هجروا القرآن وهجروني وكذبوني. وقال أنس قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من تعلم القرآن وعلَّق مصحفه لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول يا رب العالمين إن عبدك هذا اتخذني مهجوراً فاقض بيني وبينه»تفسير : . ذكره الثعلبي. {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} نصب على الحال أو التمييز، أي يهديك وينصرك فلا تبال بمن عاداك. وقال ابن عباس: عدوّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أبو جهل لعنه الله.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن رسوله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً" وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن، ولا يستمعونه؛ كما قال تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [فصلت: 26] الآية، فكانوا إذا تلي عليهم القرآن، أكثروا اللغط والكلام في غيره، حتى لا يسمعوه، فهذا من هجرانه وترك الإيمان به، وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره، من هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، أن يخلصنا مما يسخطه، ويستعملنا فيما يرضيه من حفظ كتابه وفهمه، والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يحبه ويرضاه، إنه كريم وهاب. وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي: كما حصل لك يا محمد في قومك من الذين هجروا القرآن، كذلك كان في الأمم الماضين؛ لأن الله جعل لكل نبي عدواً من المجرمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِىٍّ عَدُوّاً شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} تفسير : [الأنعام: 112] الآيتين، ولهذا قال تعالى ههنا: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} أي: لمن اتبع رسوله، وآمن بكتابه وصدقه واتبعه، فإن الله هاديه وناصره في الدنيا والآخرة، وإنما قال: {هَادِياً وَنَصِيراً} لأن المشركين كانوا يصدون الناس عن اتباع القرآن؛ لئلا يهتدي أحد به، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن، فلهذا قال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ } محمد { يَـٰرَبّ إِنَّ قَوْمِى } قريشاً {ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلْقُرْءَاَنَ مَهْجُوراً } متروكاً.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرَءَانَ مَهْجُوراً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم هجروه بإعراضهم عنه فصار مهجوراً، قاله ابن زيد. الثاني: أنهم قالوا فيه هجراً أي قبيحاً، قاله مجاهد. الثالث: أنهم جعلوه هجراً من الكلام وهو ما لا نفع فيه من العبث والهذيان، قاله ابن قتيبة.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَهْجُوراً} أعرضوا عنه، أو قالوا: فيه هُجراً وقبيحاً، أو جعلوه هجراً من الكلام وهو ما لا فائدة فيه كالبعث والهذيان.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وقال الرسول} يعني ويقول الرسول في ذلك اليوم {يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} أي متروكاً وأعرضوا عنه، ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه وقيل جعلوه بمنزلة الهجر وهو السيىء من القول فزعموا أنه سحر وشعر، والمعنى أن محمداً صلّى الله عليه وسلّم، يشكو قومه إلى الله عز وجل يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً، فعزاه الله تعالى فقال {وكذلك جعلنا} أي وكما جعلت لك أعداء من مشركي مكة، وهم قومك كذلك جعلنا {لكل نبي عدواً من المجرمين} أي المشركين و المعنى لا يكبرن عليك ذلك فإن الأنبياء قبلك قد لقوا هذا من قومهم، فصبروا فاصبر أنت كما صبروا فإني ناصرك، وهاديك وهو قوله تعالى {وكفى بربك هادياً ونصيراً} قوله تعالى {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} أي كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود صلوات الله عليهم أجمعين قال الله {كذلك} فعلنا ذلك {لنثبت به فؤادك} أي أنزلناه مفرقاً لنقوي به قلبك، فتعيه وتحفظه فإن الكتب المتقدمة نزلت على أنبياء، يكتبون ويقرؤون وأنزلنا القرآن على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور تحدث في أوقات مختلفة ففرقناه ليكون أوعى لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأيسر على العامل به {ورتلناه ترتيلاً}. قال ابن عباس: وبيناه بياناً والترتيل التبيين في ترسل وتثبت وقيل فرقناه تفريقاً آية بعد آية {ولا يأتونك} يعني يا محمد هؤلاء المشركون {بمثل} يعني يضربونه لك في إبطال أمرك {إلا جئناك بالحق} أي بما ترد به ما جاؤوا به من ما يوردون المثل، وتبطله فسمي ما يوردون من الشبه مثلاً، وسمي ما يدفع به الشبه حقاً {وأحسن تفسيراً} يعني أحسن بياناً وتفصيلاً ثم ذكر ما لهؤلاء المشركين فقال تعالى {الذين} يعني هم الذين {يحشرون} أي يساقون ويجرون {على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكاناً} يعني منزلاً ومصيراً {وأضل سبيلاً} أي أخطأ طريقاً. قوله تعالى {ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً} أي معيناً وظهيراً {فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا} يعني القبط {فدمرناهم} فيه إضمار أي فكذبوهما فدمرناهم {تدميراً} يعني أهلكناهم إهلاكاً {وقوم نوح لما كذبوا الرسل} يعني رسولهم ومن كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع الرسل فلذلك ذكره بلفظ الجمع {أغرقناهم وجعلناهم للناس أية} أي عبرة لمن بعدهم {وأعتدنا للظالمين} في الآخرة {عذاباً أليماً} يعني سيرى ما حل بهم من عاجل العذاب في الدنيا {وعاداً وثمود} أي أهكلنا عاداً وثمود {وأصحاب الرس} قال وهب بن منبه كان أهل بئر الرس نزولاً عليها، وكانوا أصحاب مواش يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم شعيباً, يدعوهم إلى الإسلام فتمادوا في طغيانهم وآذوا شعيباً فبينما هم حول البئر في منازلهم، انهارت البئر وخسف بهم وبديارهم ورباعهم وقيل: الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فأهلكهم الله. وقال سعيد بن جبير: كان لهم نبي يقال له حنظلة بن صفوان فقتلوه فأهلكهم الله وقيل الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار هم الذين ذكرهم الله في سورة "يس" وقيل هم أصحاب الأخدود والرس الأخدود {وقروناً بين ذلك كثيراً} أي وأهلكنا قروناً كثيراً بين عاد وثمود وأصحاب الرس {وكلاًّ ضربنا له الأمثال} أي الأشباه في إقامة الحجة عليهم فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار {وكلاًّ تبرنا تتبيراً} أي أهلكناهم إهلاكاً قوله تعالى {ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء} يعني الحجارة وهي قريات قوم لوط، وهي خمس قرى أهلك الله منها أربعاً ونجت واحدة. وهي أصغرها وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث {أفلم يكونوا يرونها} يعني إذا مروا بها في أسفارهم فيعتبروا ويتعظوا لأن مدائن قوم لوط كانت على طريقهم في ممرهم إلى الشام {بل كانوا لا يرجون نشوراً} يعني لا يخافون بعثاً.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ} حكاية عن قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الدنيا وتشكِيْهِ ما يَلْقَى من قومه؛ هذا قول الجمهور، وهو الظاهر، وقالت فرقة: هو حكاية عن قوله ذلك في الآخرة، و {مَهْجُوراً} يحتمل: أَنْ يريدَ مُبْعَداً مقصيّاً من الهَجْر بفتح الهاء، وهذا قول ابن زيد، ويُحْتَمَلُ: أَنْ يريدَ مقولاً فيه الهُجْرُ ـــ بضم الهاء؛ ـــ إشارة إلى قولهم: شعر وكهانة ونحوه؛ قاله مجاهد. قال * ع *: وقول ابن زيد مُنَبِّهٌ للمؤمن على مُلازمة المُصْحَفِ، وأَلاَّ يكون الغبارُ يعلوه في البيوت، ويشتغلَ بغيره، وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : مَنْ عَلَّقَ مُصْحَفاً، ولَمْ يَتَعَاهَدْهُ ـــ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مُتَعَلِّقاً بِهِ يَقُولُ: يَا ربِّ، هَذَا اتَّخَذَنِي مَهْجُوراً؛ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ» تفسير : وفي حلية النووي قال: وروينا في سنن أبي داود ومُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ عن سعد بن عُبَادَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «حديث : لمَنْ قَرَأَ القُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ، لَقِيَ اللّه تعالى يَوْمَ القِيَامَةِ أَجْذَمَ»تفسير : ، وروينا في كتاب أبي دَاودَ والترمذيِّ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى القَذَاةِ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ، وعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْباً أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَو آيَةٍ أُوتِيها رَجُلٌ ثم نَسِيَهَا»تفسير : تكلم الترمذي فيه، انتهى، ثم سَلاَّه تعالى عن فعل قومه بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي: فاصبر كما صبروا؛ قاله ابن عباس، ثم وعد تعالى بقوله: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} والباء في {بِرَبِّكَ}: للتأكيد دَالَّةٌ على الأمر؛ إذ المعنى: اكتفِ بربك. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} قال ابن عباس وغيره: قالوا في بعض معارضاتهم: لو كان من عند اللّه لنزل جُمْلَةً كالتوراة والإنجيل. وقوله: {كَذَٰلِكَ} يحتمل أَنْ يكونَ من قول الكُفَّارِ؛ إشارةً إلى التوراة والإنجيل، ويحتمل أَنْ يكون من الكلام المستأنف وهو أولى، ومعناه: كما نُزِّل أردناه، فالإشارة إلى نزوله مُتَفَرِّقاً، والترتيل: التفريق بين الشيء المتتابع، ومنه تَرْتِيلُ القرآن، وجعل اللّه تعالى السبب في نزوله متفرقاً تثبيتَ قلب نَبِيِّهِ محمد صلى الله عليه وسلم وأَنْ ينزله في النوازل والحوادث التي قد قَدَّرَهَا وَقَدَّرَ نزوله فيها، وأَنَّ هؤلاءِ الكفرة لا يجيئون بمثل يضربونه على جهة المعارضة منهم إلاَّ جاء القرآن بالحَقِّ في ذلك والجلية، ثم هو أحسن تفسيراً، وأفصح بياناً، وباقي الآية بَيِّنٌ تقدم تفسير نظيره، والجمهور: أَنَّ هذا المشي على الوجوه حقيقة، وقد جاء كذلك في الحديث، وقد تقدَّمَ ولفظ البخاريِّ عن أنس رضي اللّه عنه: أَنَّ رَجُلاَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللّه، أَيُحْشَرُ الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قال: «حديث : أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ في الدُّنْيَا قَادِراً عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» تفسير : قال قتادة: بلى وَعِزَّةِ رَبِّنَا، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ}. قال أكثر المفسرين: إنَّ هذا القول وقع مع الرسول. وقال أبو مسلم: بل المراد أنَّ الرسول يقوله في الآخرة كقوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41]. والأول أولى، لأنَّ قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} تسلية للرسول، ولا يليق ذلك إلا إذا وقع القول منه. و"مَهْجُوراً" مفعول ثان لـ "اتَّخَذُوا"، أو حال. وهو مفعول من الهجر - بفتح الهاء - وهو التَّرْكُ والبُعْدُ. أي: جعلوه متروكاً بعيداً، لم يؤمنوا به، ولم يقبلوه، وأعرضوا عن استماعه. وقيل: هو من الهُجر - بالضم - أي: مهجوراً فيه. ثم حذف الجار بدليل قوله: {أية : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 67]. وهجرهُم فيه: قولهم فيه: إنه شعر، وسحر، وأساطير الأولين، وكذب وهُجْر، أي: هذيان. قال عليه السلام: "حديث : من تعلم القرآن وعلق مصحفاً، ولم يتعاهده، ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقاً به، يقول: يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه"تفسير : . وجعل الزمخشري "مَهْجُوراً" هنا مصدراً بمعنى الهجر قال كالمَجْلُود والمعقول. قال شهاب الدين: وهو غير مقيسٍ، ضَبَطَهُ أهل اللغة في أُلَيْفاظ فلا يُتعدى إِلاَّ بنقل. قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً} الآية. جعل ذكر ذلك تسلية للرسول، وأن له أسوة بسائر الرسل، فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبر أولُو العزم من الرسل. {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً}. قال المفسرون: الباء زائدة بمعنى كفى ربك "هَادِياً ونَصِيراً" منصوبان على الحال، وقيل: على التمييز "هَادِياً" إلى مصالح الدين والدنيا، "ونَصِيراً" على الأعداء. فصل احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر، لأنَّ قوله: {جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً} يدل على أن تلك العداوة من جعل الله تعالى، وتلك العداوة كفر. قال الجبائي: المراد من الجعل التبيين، لأنه تعالى لمَّا بيّن أنهم أعداؤه، فقد جعل أنهم أعداء، كما إذا بيَّن الرجل أَنَّ فلاناً لص، فقد جعله لصاً، وكما يقال في الحاكم: إنه عدّل فلاناً، وفسّق فلاناً، وجرّحه. وقال الكعبي: إنه تعالى لما أمر (الأنبياء) بعداوة الكفار، وعداوتهم للكفار تقتضي (عداوة الكفار) لهم، فلهذا جاز أن يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ}، لأنه - سبحانه - هو الذي حمله ودعاه إلى ما استعقب تلك العداوة. وقال أبو مسلم: يحتمل في العدو أنه البعيد الغريب، إذ المعاداة المباعدة، كما أن النصرة قرب من المظاهرة، وقد باعد الله بين المؤمنين والكافرين. والجواب عن الأول: أنَّ التبيين لا يسمي التيه جعلاً، لأن من بين لغيره وجود الصانع وقدمه لا يقال: إنه جعل الصانع وجعل قدمه. والجواب عن الثاني: أنَّ الذي أمره الله تعالى (بِهِ) هل له تأثير في وقوع العداوة في قلوبهم، أو ليس له فيه تأثير؟. فإن كان الأول فقد تم الكلام، لأنّ عداوتهم للرسول كفر، فإذا أمر الله الرسول بما له أثر في تلك العداوة، فقد أمر بما له أثر في وقوع الكفر، وإِنْ لم يكن له فيه تأثير ألبتة كان منقطعاً عنه بالكلية، فيمتنع إسناده إليه، وهذا هو الجواب عن أبي مسلم. فإن قيل: قوله - عليه السلام -: ("يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً" في المعنى كقول نوح - عليه السلام) - {أية : قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً} تفسير : [نوح: 5 - 6] فكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب فكذا هنا، فكيف يليق هذا بمن وصفه الله بالرحمة في قوله {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107]. فالجواب: أن نوحاً - عليه السلام - لما ذكر ذلك دعا عليهم وأما محمد - عليه السلام - لما ذكر هذا ما دعا عليهم بل انتظر، فلما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً} (من المجرمين) كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم (فافترقا). فإن قيل: قوله: "جعلنا" صيغة تعظيم، والعظيم إذا ذكر نفسه في معرض التعظيم، وذكر أنه يعطي، فلا بد وأن تكون العطية عظيمة كقوله: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم وقوله: {أية : إنا أعْطَيْنَاكَ} تفسير : [الكوثر: 1]، فكيف يليق بهذه الصيغة أن تكون تلك العطية هي العداوة التي هي منشأ الضرر في الدين والدنيا؟ فالجواب: خلق العدو تسبب لازدياد المشقة التي هي موجبة لمزيد الثواب.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً}. شكا إلى الله منهم، وتلك سنَّةُ المرسلين؛ أخبر الله عن يعقوب - عليه السلام - أنه قال: {أية : إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [يوسف: 86] فَمنْ شكا من الله فهو جاحد، ومنْ شكا إلى الله فهو عارف واجد. ثم إنه أخبر أنه لم يُخْلِ نبياً من أنبيائه صلوات الله عليهم إلا سلَّطَ عليه عَدُّواً في وقته، إلا أنَّه لم يغادِرْ من أعدائِهم أحداً، وأذاقهم وبالَ ما استوجبوه على كفرهم وغَيِّهم قوله جلّ ذكره: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً}. كفى بربك اليوم هادياً إلى معرفته، وغداً نصيراً على رؤيته. ويقال آخر فتنة للمؤمنين ما ورد في الخبر:"حديث : أن كل أمة ترى في القيامة الصنم الذي عبدوه يتبعونه فيحشرون إلى النار، فيُلْقَوْن فيها ويبقى المؤمنون، فيقال لهم: ما وقفكم؟ فيقولون: إنهم رأوا معبودهم فتبعوه ونحن لم نرَ معبودنا! فيقال لهم: ولو رأيتموه... فهل تعرفونه؟ فيقولون: نعم. فيقال لهم: بِمَ تعرفونه؟ فيقولون: بيننا وبينه علامة. فيريهم شيئاً في صورة شخص فيقول لهم: أنا معبودكم. فيقولون: معاذ الله... نعوذ بالله منك! ما عبدناك. فيتجلَّى الحقُّ لهم فَيَسجدون له ".

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الرسول} عطف على قوله تعالى {أية : وقال الذين لايرجون لقاءنا}تفسير : ومابينهما اعتراض اى قالوا كيت وكيت وقال الرسول محمد عليه السلام اثر ما شاهد منهم غاية العتو ونهاية الطغيان بطريق البث الى ربه {يارب} [اى برورد كارمن] {ان قومى} قريشا {اتخذوا هذا القرآن مهجورا} اى متروكا بالكلية ولم يؤمنوا به وصدوا عنه. وفيه تلويح بان حق المؤمن ان يكون كثير التعاهد للقرآن اى التحفظ والقراءة كل يوم وليلة كيلا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم وفى الحديث "حديث : من تعلم القرآن وعلق مصحفا لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به يقول يارب العالمين عبدك هذا اتخذنى مهجورا اقض بينى وبينه"تفسير : ومن اعظم الذنوب ان يتعلم الرجل آية فى القرآن او سورة ثم ينساها والنسيان ان لايمكنه القراءة من المصحف كما فى القنية وفى الحديث "حديث : ان هذه القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد" قيل وماجلاؤها قال "تلاوة القرآن وذكر الله" شعر : دل بر دردرا دوا قرآن جان مجروح را شفا قرآن هرجه جويى زنص قرآن جوى كه بود كنج علمها قرآن تفسير : وفى المثنوى شعر : شاهنامه ياكليله بيش تو همجنان باشدكه قرآن از عتو فرق آنكه باشد از حق ومجاز كه كند كحل عنايت جشم باز ورنه بشك ومشك بيش اخشمى هردويكسانست جون بنود شمى خويشتن مشغول كردن ازملال باشدش قصد كلام ذو الجلال كاتش وسواس را وغصه را زان سخن بنشاند وسازد دوا

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (وقال الرسول): عطف على: (وقال الذين لا يرجون..)، وما بينهما: اعتراض؛ لبيان قبح ما قالوا، وما يحيق بهم في الآخرة من الأهوال والخطوب. يقول الحق جل جلاله: {وقال الرسولُ}؛ محمد صلى الله عليه وسلم، وإيراده بعنوان الرسالة؛ للرد في نحورهم، حيث كان ما حكي عنهم قدحاً في رسالته صلى الله عليه وسلم، أي: قال، إثر ما شاهد منهم من غاية العتو ونهاية الطغيان، شاكياً إلى ربه - عز وجل:- {يا ربِّ إِن قومي}، يعني: قريشاً الذي حكى عنهم ما تقدم من الشنائع، {اتخذوا هذا القرآنَ}، الذي من جملته الآيات الناطقة بما يحيق بهم في الآخرة من فنون العقاب، {مهجوراً} أي: متروكاً بالكلية، فلم يؤمنوا به ويرفعوا إليه رأساً، ولم يتأثروا بوعظه ووعيده، وهو من الهجران، وفيه تلويح بأن حق المؤمن أن يكون كثيرَ التعاهد للقرآن؛ لئلا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم. قال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ تَعَلَّم القُرْآن؛ فعلَّقَ مُصحفاً لَمْ يتعَاهَدْهُ، وَلَمْ يَنْظُرْ فيه، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتعَلِّقاً بِهِ، يَقُولُ: يَا رَبَّ العَالمينَ عَبْدُكَ هذَا اتَّخَذَنِي مَهْجُوراً، اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَهُ ". تفسير : وقيل: هو من هجر؛ إذا هذى، أي: قالوا فيه أقاويل باطلة، كالسحر، ونحوه، أو: بأن هجروا فيه إذا سمعوه، كقولهم: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ}تفسير : [فصلت: 26]؛ أي: مهجوراً فيه. وفيه من التحذير والتخويف ما لا يخفى، فإن الأنبياء - عليهم السلام - إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجَّل لهم العذاب، ولم يُنظروا. ثم أقبل عليه؛ مسلياً، وواعداً لنصره عليهم، فقال: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين}؛ فتسلّ بهم، واقْتَدِ بمن قبلك من الأنبياء، فَمِنْ هنا سَاروا. أي: كما جعلنا لك أعداء من المشركين، يقولون ما يقولون، ويفعلون ما يفعلون من الأباطيل، جعلنا لكل نبي من الأنبياء، الذين هم أصحاب الشرائع والدعوة إليها، عدواً من مجرمي قومِهم، فاصبر كما صبروا؛ فإن الله ناصرك كما نصرهم. {وكفى بربك هادياً ونصيراً}، وهو وعد كريم بالهداية له إلى مطالبه، والنصر على أعدائه، أي: كفاك مالِكُ أمرِك ومُبَلغك إلى غاية الكمال، هادياً إلى ما يوصلك إلى غاية الغايات، التي من جملتها: تبليغ الكتاب، وإجراء أحكامه إلي يوم القيامة. أو: وكفى بربك هادياً لك إلى طريق قهرهم والانتصار منهم، وناصراً لك عليهم. والعدو: يجوز أن يكون واحداً وجمعاً، والباء زائدة، و {هادياً ونصيراً}: تمييزان. والله تعالى أعلم. الإشارة: من السنة التي أجراها الله تعالى في خواصه: أن يكون جيرانهم وأقاربهم أزهد الناس فيهم، وأقواهم عليهم، وأعدى الناس إليهم. وفي الأثر: "حديث : أزْهَدُ النَّاس في العَالِم جِيرانُهُ" تفسير : . فلا ينتفع بالولي، في الغالب، إلا أبعدُ الناس منه، وقلَّ أن تجد ولياً عُمِّرَ سُوقُهُ في بلده، فالهجرة سنة ماضية، ولن تسجد لسنة الله تبديلاً. وكما جعل لكل نبي عدواً جعل لكل ولي عدواً، فلا بد للولي أن يبقى له من يحركه إلى ربه بالإذاية والتحريش، إما من جيرانه، أو من نسائه وأولاده؛ ليكون سيره بين جلاله وجماله، وكفى بربك هادياً ونصيراً. ثم ذكر اقتراحهم الخاص في القرآن، بعد أن ذكر اقتراحهم الخاص به عليه الصلاة والسلام، فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ...}

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ} عطف على يقول يا ليتنى او على يعضّ الظّالم او على تشقّق السّماء وعلى التّقادير فالمعنى على الاستقبال اى يقول الرّسول (ص) فى ذلك او عطف على قال الّذين لا يرجون وحينئذٍ يكون على مضيّة يعنى قال الّذين لا يرجون استهزاءً بالرّسول (ص): لولا انزل علينا الملائكة، وقال الرّسول (ص) تشكيّاً منهم {يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} يعنى جملة القرآن او قرآن ولاية علىّ (ع) {مَهْجُوراً} متروكاً، وفى خطبةٍ عن امير المؤمنين (ع) فانا الذّكر الّذى عنه ضلّ، والسّبيل الذّى عنه مال، والايمان الّذى به كفر، والقرآن الّذى ايّاه هجر، والدّين الّذى به كذّب.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الرَّسُولُ} محمد صلى الله عليه وسلم * {يَا رَّبِّ إِنَّ قَوْمِي} هم قريش * {اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} متروكا يقول ذلك في الآخرة أو قاله في الدنيا اشتكاء إلى الله فيكون في الحكاية تخويف شديد لان الانبياء إذا التجأوا إليه وشكوا قومهم عاجلهم العذاب وترك القرآن عدم حفظه وعدم الايمان به وعدم العمل به والمشركون فعلوا ذلك كله وكل واحد منهم ايضا ترك له. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من تعلم القرآن وعلق مصحفه ولم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به يقول يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورا اقضي بيني وبينه " تفسير : وروي "حديث : من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفه"تفسير : وروي يقول: "حديث : يا رب العالمين"تفسير : رواه انس واخرجه الثعلبي عن ابراهيم ابي هدبة. قال ابن حجر وهو كذاب قال ابن منبه على المؤمن ملازمة المصحف وان لا يعلوه الغبار في البيت وهو مشغول بغيره ومن نسي القرآن حشر أجذم وقال: "حديث : عرضت عليّ أجور أُمتي حتى القداة يخرجها الرجل من المسجد وعرضت عليّ ذنوبها فلم ار ذنبا اعظم من نسيان سورة أو آية اوتيها الرجل " تفسير : وتفسير {مهجورا} بما مر هو قول ابن زيد. وقال مجاهد: هو من هجر إذا هذا والاصل (مهجورا فيه) فحذف الجار ووصل الضمير وناب واستتر اي زعموا انه هذيان وكذب واساطير الاولين وسحر وشعر ونحو ذلك لا شيء يعتمد عليه. وقيل: معناه انه إذا كان يقرأ هجروا فيه والغوا لئلا يسمعوه أو يسمعه غيرهم واصله ايضا مهجورا فيه. واجيز ان يكون بمعنى الهجر كالمجلود بمعنى الجلد والمعقول بمعنى العقل والمعنى اتخذوه هجرا اي لغوا. وقرأ غير نافع والبزي وابي عمرو باسكان الياء وصبره الله سبحانه وتعالى واوعده النصر بقوله.

اطفيش

تفسير : {وقال الرَّسول} محمد صلى الله عليه وسلم، ذكره باسم الرسول تحقيقاً لما ادعاه صلى الله عليه وسلم من الرسالة وزيادة فى الرد على من أنكر، ومواجهة له بضد ما ادعاه وإبطاله {يا ربِّ إنَّ قَومِى} المذكورة عنهم هذه القبائح، قال هذا على طريق الشكوى، فلا يضر أن هذا فى ضمن لفظ مهجوراً {اتَّخذُوا هذا القرآن} أى هذا المقروء، فهو نعت أو عطف بيان أو بدل، وإن أريد العلمية فبيان أو بدل، ولا يخفى عن الله شىء {مهجُوراً} معرضاً عنه، مع أنه نفع عظيم لهم، متروكاً غير مؤمنين به، ويحذر المؤمن مما يلتحق بذلك، أو يشبه وهو أن يكون عنده مصحف لا يبالى به أن يتخطاه، أو يجعله فى موضع نجس، أو يمسه الحائض أو النفساء أو الجنب، أو يمسه بنجس أو ينجسه ونحو ذلك مما يخل باحترامه، فإن ذلك حرام. وورد فى ذلك خبر رواه قومنا: وهو من تعلم القرآن وعلق مصحفه لا يتعاهده، ولا ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول: "حديث : يا رب عبدك هذا اتخذنى مهجوراً اقض بينى وبينه" تفسير : وفى سنده أبو هدية، وقد جرب عليه الكذب، أو مهجوراً من الهُجر بضم الهاء وهو الهذيان وفحش القول، أى مهجوراً فيه فكان الحذف والايصال أى ذكر فيه ما لا يصح كما قالوا: أساطير الأولين، أو يرفعوا أصواتهم باللغو لئلا يسمع كما قالوا: "أية : والغوا فيه لعلكم تغلبون"تفسير : [فصلت: 26] وسلاه الله بقوله: {وكَذلك} كما جعلناه لك أعداء فى الدين {جَعلنا لكلِّ نبى} لا لبعض فقط، والبلية إذا عمت هانت {عدوًّا من المجرمين} أعداء متعددة من الانس والجن، لكل فرد من الأنبياء حتى آدم فإبليس والشياطين وقابيل أعداء له {وكَفَى بربِّك هادِياً} الى كل ما يطلبه من تبليغ الوحى ونشره فى المشرق والمغرب، والى الدرجات العلا، والتحرز من الأعداء، والسلامة وقهر العدو {ونصيراً} لك على أعدائك، أو هادياً للأنبياء ونصيراً لهم كذلك، وأنت منهم، فينالك ما ينالهم، والآية على كل وعد بالخير والوعد تسلية أيضاً.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ } عطف على قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } تفسير : [الفرقان: 21] الخ وما بينهما اعتراض مسوق لاستعظام ما قالوه وبيان ما يحيق بهم من الأهوال والخطوب، والمراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم وشرف وعظم وكرم، وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة لتحقيق الحق والرد على نحورهم حيث كان ما حكى عنهم قدحاً في رسالته صلى الله عليه وسلم أي قالوا كيت وكيت وقال الرسول إثر ما شاهد منهم غاية العتو ونهاية الطغيان بطريق البث إلى ربه عز وجل والشكوى عليهم {رَبّ إِنَّ قَوْمِى } الذين حكى عنهم ما حكى من الشنائع {ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْءاَنَ } الجليل الشأن المشتمل على ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم {مَهْجُوراً } أي متروكاً بالكلية ولم يؤمنوا به ولم يرفعوا إليه رأساً ولم يتأثروا بوعيده ووعده، فمهجوراً من الهجر بفتح الهاء بمعنى الترك وهو الظاهر، وروي ذلك عن مجاهد والنخعي وغيرهما. واستدل ابن الفرس بالآية على كراهة هجر المصحف وعدم تعاهده بالقراءة فيه، وكأن ذلك لئلا يندرج من لم يتعاهد القراءة فيه تحت ظاهر / النظم الكريم فإن ظاهره ذم الهجر مطلقاً وإن كان المراد به عدم القبول لا عدم الاشتغال مع القبول ولاما يعمهما فإن كان مثل هذا يكفي في الاستدلال فذاك وإلا فليطلب دليل آخر للكراهة. وأورد بعضهم في ذلك خبراً وهو «من تعلم القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول: يا رب عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه» وقد تعقب هذا الخبر العراقي بأنه روي عن أبـي هدبة وهو كذاب، والحق أنه متى كان ذلك مخلاً باحترام القرآن والاعتناء به كره بل حرم وإلا فلا. وقيل: مهجوراً من الهجر بالضم على المشهور أي الهذيان وفحش القول والكلام على الحذف والإيصال أي جعلوه مهجوراً فيه إما على زعمهم الباطل نحو ما قالوا: إنه {أية : أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا}تفسير : [الفرقان: 5] وإما بأن هجروا فيه ورفعوا أصواتهم بالهذيان لما قرىء لئلا يسمع كما قالوا: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ } تفسير : [فصلت: 26] وجوز أن يكون مصدراً من الهجر بالضم كالمعقول بمعنى العقل والمجلود بمعنى الجلادة أي اتخذوه نفس الهجر والهذيان، ومجيء مفعول مصدراً مما أثبته الكوفيون لكن على قلة، وفي هذه الشكوى من التخويف والتحذير ما لا يخفى فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب ولم ينظروا. وقيل: إن {قَالَ } الخ عطف على {أية : يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ } تفسير : [الفرقان: 27]، والمراد ويقول الرسول إلا أنه عدل إلى الماضي لتحقق الوقوع مع عدم قصد الاستمرار التجددي المراد بمعونة المقام في بعض وإن كان إخباراً عما في الآخرة. وحال عطفه على {أية : وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [الفرقان: 29] الخ على أنه من كلامه تعالى لا يخفى حالة، وقول الرسول ذلك يوم القيامة وهو كالشهادة على أولئك الكفرة وليس بتخويف وإلى ذلك ذهبت فرقة منهم أبو مسلم، والأول أنسب بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ...}.

ابن عاشور

تفسير : عطف على أقوال المشركين ومناسبته لقوله: {أية : لقد أضلّني عن الذكر}تفسير : [الفرقان: 29] أن الذكر هو القرآن فحكيت شكاية الرسول إلى ربّه قومَه من نبذهم القرآن بتسويل زعمائهم وسادتهم الذين أضلوهم عن القرآن، أي عن التأمل فيه بعد أن جاءهم وتمكنوا من النظر، وهذا القول واقع في الدنيا والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو خبر مستعمل في الشكاية. والمقصود من حكاية قول الرسول إنذار قريش بأن الرسول توجه إلى ربّه في هذا الشأن فهو يستنصر به ويوشك أن ينصره، وتأكيده بــــ{إنّ} للاهتمام به ليكون التشكّي أقوى. والتعبير عن قريش بــــ{قومي} لزيادة التذمر من فعلهم معه لأن شأن قوم الرجل أن يوافقوه. وفعل الاتخاذ إذا قيّد بحالة يفيد شدة اعتناء المتَّخذ بتلك الحالة بحيث ارتكب الفعل لأجلها وجعله لها قصداً. فهذا أشد مبالغة في هجرهم القرآن من أن يقال: إن قومي هجروا القرآن. واسم الإشارة في {هذا القرآن} لِتَعظيمه وأن مثله لا يُتّخَذ مهجوراً بل هو جدير بالإقبال عليه والانتفاع به. والمهجور: المتروك والمفارَق. والمراد هنا ترك الاعتناء به وسماعِه.

الشنقيطي

تفسير : معنى هذه الآية الكريمة ظاهر، وهو أن نبينا صلى الله عليه وسلم شكا إلى ربه هجر قومه، وهم كفار قريش لهذا القرآن العظيم أي تركهم لتصديقه، والعمل به وهذه شكوى عظيمة، وفيها أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال. واعلم أن السبكي قال إنه استنبط من هذه الآية الكريمة من سورة الفرقان مسألة أصولية، وهي أن الكف عن الفعل فعل. والمراد بالكف الترك، قال في طبقاته: لقد وقفت على ثلاثة أدلة تدل على أن الكف فعل لم أر أحداً عثر عليها. أحدها: قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} فإن الأخذ التناول والمهجور المتروك، فصار المعنى تناولوه متروكاً أي: فعلوا تركه. انتهى محل الغرض منه بواسطة نقل صاحب نشر البنود، شرح مراقي السعود في الكلام على قوله: شعر : فكفنا بالنهي مطلوب النبي تفسير : قال مقيده عفا الله وغفر له: استنباط السبكي من هذه الآية أن الكف فعل وتفسيره لها بما يدل على ذلك، ولم يظهر لي كل الظهور، ولكن هذا المعنى الذي زعم أن هذه الآية الكريمة دلت عليه، وهو كون الكف فعلاً دلت عليه آيتان كريمتان من سورة المائدة، دلالة واضحة لا لبس فيها، ولا نزاع. فعلى تقدير صحة ما فهمه السبكي من آية الفرقان هذه فإنه قد بينته بإيضاح الآيتان المذكورتان من سورة المائدة. أما الأولى منهما فهي قوله تعالى: {أية : لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [المائدة: 63] فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإثم وأكل السحت سماه الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة صنعاً في قوله: {أية : لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [المائدة: 63]. أي وهو تركهم النهي المذكور، والصنع أخص من مطلق الفعل، فصراحة دلالة هذه الآية الكريمة على أن الترك فعل في غاية الوضوح كما ترى. وأما الآية الثانية فهي قوله تعالى: {أية : كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المائدة: 79] فقد سمى جل وعلا في هذه الآية الكريمة: تركهم التناهي، عن المنكر فعلاً، وأنشأ له الذم بلفظة بئس التي هي فعل جامد لإنشاء الذم في قوله: {أية : لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلون} تفسير : [المائدة: 79] أي وهو تركهم التناهي، عن كل منكر فعلوه، وصراحة دلالة هذه الآية أيضاً على ما ذكر واضحة كما ترى. وقد دلت أحاديث نبوية على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" تفسير : فقد سمى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ترك أذى المسلمين إسلاماً، ومما يدل من كلام العرب على أن الترك فعل قول بعض الصحابة في وقت بنائه صلى الله عليه وسلم لمسجده بالمدينة: شعر : لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل تفسير : فسمى قعودهم عن العمل، وتركهم له عملاً مضللاً، وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى أن الكف فعل على المذهب. أي وهو الحق. وبين فروعاً مبنية على ذلك نظمها الشيخ الزقاق في نظمه المسمى بالمنهج المنتخب، وأورد أبيات الزقاق في ذلك وقال: وجلبتها هنا على سبيل التضمين، وهذا النوع يسمى استعانة، وهو تضمين بيت فأكثر بقوله: شعر : فكفنا بالنهي مطلوب النبي والكف فعل في صحيح المذهب له فروع ذكرت في المنهج وسردها من بعد ذا البيت يجي من شرب أو خيط ذكاة فضل ما وعمد رسم شهادة وما عطل ناظر وذو الرهن كذا مفرط في العلف فادر المآخذا وكالتي ردت بعيب وعدم وليها وشبهها مما علم تفسير : فالأبيات الثلاثة الأخيرة من نظم الشيخ الزقاق المسمى بالمنهج المنتخب، وفيها بعض الفروع المبنية على الخلاف في الكف، هل هو فعل، وهو الحق أو لا، وقول الزقاق في الأول من أبياته من شرب متعلق بقوله قبله: شعر : وهل كمن فعل تارك كمن له بنفع قدرة لكن كمن تفسير : من شرب إلخ فقوله: من شرب بيان للنفع الكامن في قوله: له بنفع قدرة، لكن كمن: أي لكنه ترك النفع مع قدرته عليه، فتركه له كفعله لما حصل بسبب تركه من الضرر على القول بأن الترك فعل يضمن ديته، وعلى أنه ليس بفعل، فلا ضمان عليه، وفضل الطعام كفضل الشراب في ذلك، وقوله: أو خيط يعني أن من منع خيطاً عنده ممن شق بطنه، أو كانت به جائفة، حتى مات ضمن الدية على القول بأن الترك فعل، وعلى عكسه فلا ضمان، وقوله: ذكاة: يعني أن من مر بصيد لم ينفذ مقتله وأمكنته تذكيته فلم يذكه حتى مات، هل يضمنه أو لا على الخلاف المذكور؟ وقوله: فضل ما: يعني أن من عنده ماء فيه فضل عن سقي زرعه ولجاره زرع ولا ماء له، إذا منع منه الماء، حتى هلك زرعه، هل يضمنه أو لا على الخلاف المذكور، وقوله: وعمد: يعني إذا كانت عنده عمد جمع عمود فمنعها من جار له جدار يخاف سقوطه حتى سقط، هل يضمن أو لا؟ وقوله: رسم شهادة: يعني أن من منع وثيقة فيها الشهادة بحق حتى ضاع الحق، هل يضمنه أو لا؟ وقوله: وما عطل ناظر: يعني أن الناظر على مال اليتيم مثلاً إذا عطل دوره، فلم يكرها، حتى فات الانتفاع بكرائها زمناً أو ترك الأرض حتى تبورت هل يضمن أو لا، وقوله: وذو الرهن: يعني إذا عطل المرتهن كراء الرهن، حتى فات الانتفاع به زمناً، وكان كراؤه له أهمية، هل يضمن أو لا؟ وقوله: كذا مفرط في العلف: يعني أن من ترك دابة عند أحد ومعها علفها، وقال له قدم لها العلف، فترك تقديمه لها حتى ماتت، هل يضمن أو لا، والعلف في البيت بسكون الثاني، وهو تقديم العلف بفتح الثاني. وقوله: وكالتي ردت بعيب وعدم. وليها: يعني أن الولي القريب إذا زوج وليته، وفيها عيب يوجب رد النكاح وسكتت الزوجة، ولم تبين عيب نفسها وفلس الولي هل يرجع الزوج على الزوجة بالصداق أو لا؟ فهذه الفروع وما شابهها مبنية على الخلاف في الكف هل هو فعل أو لا؟ والصحيح أن الكف فعل، كما دل عليه الكتاب والسنة واللغة، كما تقدم إيضاحه، وعليه فالصحيح لزوم الضمان فيما ذكر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: مهجوراً: أي شيئاً متروكاً لا يلفت إليه. هادياً ونصيراً: أي هادياً لك إلى طريق الفوز والنجاح وناصراً لك على كل أعدائك. جملة واحدة: أي كما نزلت التوراة والإِنجيل والزبور دفعة واحدة فلا تجزئه ولا تفريق. لنثبت به فؤادك: أي نقوي قلبك لتتحمل أعباء الرسالة وإبلاغها. ورتلناه ترتيلاً: أي أنزلناه شيئاً فشيئاً آيات بعد آيات وسورة بعد أخرى ليتيسر فهمه وحفظه. شر مكاناً: أي ينزلونه وهو جهنم والعياذ بالله منها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في عرض أحوال البعث الآخر الذي أنكره المشركون وكذبوا فقال تعالى {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} هذه شكوى الرسول صلى الله عليه وسلم بقومه إلى ربه ليأخذهم بذلك. وهجرهم للقرآن تركهم سماعه وتفهمه والعمل بما فيه. وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي وكما جعلنا لك أيها الرسول أعداء لك من مجرمي قومك جعلنا لكل نبي قبلك عدواً من مجرمي قومه، إذاً فاصبر وتحمل حتى تبلغ رسالتك وتؤدي أمانتك، والله هاديك إلى سبيل نجاحك وناصرك على أعدائك. وهذا معنى قوله تعالى {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً}. وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} أي وقال المكذبون بالبعث المنكرون للنبوة المحمدية المشركون بالله آلهة من الأصنام هلا نزل عليه القرآن مرة واحدة مع بعضه بعضاً لا مفرقاً آيات وسوراً أي كما نزلت التوراة جملة واحدة والإِنجيل والزبور وهذا من باب التعنت منهم والاقتراحات التي لا معنى لها إذ هذا ليس من شأنهم ولا مما يحق لهم الخوض فيه، ولكنه الكفر والعناد. ولما كان هذا مما قد يؤلم الرسول صلى الله عليه وسلم رد تعالى عليهم بقوله {كَذَلِكَ} أي أنزلناه كذلك منجماً ومفرقاً لحكمة عالية وهي تقوية قلبك وتثبيته لأنه كالغيث كلما أنزل أحيا موات الأرض وازدهرت به ونزوله مرة بعد مرة أنفع من نزول المطر دفعة واحدة. وقوله تعالى: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} أي أنزله مرتلاً أي شيئاً فشيئاً ليتيسر حفظه وفهمه والعمل به. وقوله تعالى: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} هذا بيان الحكمة في نزول القرآن مفرقاً لا جملة واحدة وهو أنهم كلما جاءوا بمثل أو عرض شبهة ينزل القرآن الكريم بإبطال دعواهم وتفنيد كذبهم، وإلغاء شبهتهم، وإحقاق الحق في ذلك وبأحسن تفسير لما اشتبه عليهم واضطربت نفوسهم فيه وقوله تعالى {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً} أي أولئك المنكرون للبعث المقترحون نزول القرآن جملة واحدة هم الذين يحشرون على وجوههم تسحبهم الملائكة على وجوههم إلى جهنم لأنهم مجرمون بالشرك والتكذيب والكفر والعناد أولئك البعداء شر مكاناً يوم القيامة، واضل سبيلاً في الدنيا، إذ مكانهم جهنم، وسبيلهم الغواية والضلالة والعياذ بالله من ذلك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم على من هجروا القرآن الكريم فلم يسمعوه ولم يتفهموه ولم يعملوا به، وشكواه إياهم إلى الله عز وجل. 2- بيان سنة الله في العباد وهي أنه ما من نبي ولا هاد ولا منذر إلا وله عَدُوٌّ من الناس وذلك لتعارض الحق مع الباطل، فينجم عن ذلك عداء لازم من أهل الباطل لأهل الحق. 3- بيان الحكمة في نزول القرآن منجماً شيئاً فشيئاً مفرقاً. 4- بيان أن المجرمين يحشرون على وجوههم لا على أرجلهم إلى جهنم إهانة لهم وتعذيباً.

القطان

تفسير : جملة واحدة: دفعة واحدة. لنثّبت به فؤادك: لنقوّي به قلبك. ورتّلناه ترتيلا: نزلناه على مهل، بعضُه إثر بعض. بمثل: بنوع من الكلام. تفسيرا: ايضاحا. يُحشرون على وجوههم: يسحبون عليها. وزيرا: معينا له برأيه. فدمّرناهم تدميرا: أهلكناهم ومحقناهم محقا. الرسّ: الفساد، والبئر المطويّة بالحجارة. أصحاب الرس: طائفة من ثمود. وقرونا: جماعات. تبّرنا تتبيرا: أهلكناهم. القرية التي أُمطرت مطر السوء: هي سَدَوم، قرية قوم لوط. لا يرجون: لا يتوقعون. نشورا: بعثنا للحساب والجزاء. هنا يقول الرسول شاكيا الى الله ان قومه هجروا القرآن ولم يلتفتوا الى ما فيه من هداية. فأجابه الله تعالى يسلّيه بأن هذا ليس دأب قومك فحسب، بل إن كثيراً من الأمم قد فعلوا مع رسُلهم مثل، فلا تجزع يا محمد واصبر كما صبروا، وسينصرك الله عليهم، وكفى بالله هادياً لك وناصراً لدينك. وقال الكافرون: لو كان القرآن من عند الله حقاً لأنزله جملةً واحدة. فردّ الله عليهم مقالتهم، وبيّن لهم فوائدَ إنزاله منجَّماً، ومنها تثبيتُ قلب النبي صلى الله عليه وسلم بتيسير الحفظ، وفهم المعنى، وضبط الألفاظ. ثم وعده بأنهم كلما جاؤا بشُبهةٍ أبطلَها بالجواب الحق، والقول الفصل الذي يكشِف وجه الصواب، {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} وفرّقناه آية آية: على مهل وتؤدة. ثم بين الله حال المشركين الذين يحشَرون يوم القيامة وهم في غاية الذل ويُسحبون على وجوههم الى جهنم في أسوأ حال، واضيق مكان. ثم اردف بعد ذلك بقصص بعض الأنبياء مع أممهم الذين كذّبوهم فحلّ بهم النَّكالُ والوبال ليكون في ذلك عبرة للمكذبين. فذكر خمس قصص: قصة موسى مع فرعون وقومه، وقصة نوح وقومه، وقصة هود مع قومه عاد، وقصة صالح مع قومه ثمود، واصحاب الرسّ. وأوردَ كيف اهلكهم جميعاً كما أهلكَ بين ذلك أمماً كثيرة. {وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً}. لقد أنذرْنا هؤلاء كلهم وذكرنا لهم العظاتِ والأمثال، لكنّهم لم يتعظوا، فأخذناهم بالعذاب ودمّرناهم تدميرا. وهؤلاء قريشُ، يمرّون في أسفارهم الى الشام على قرية قوم لوطٍ التي أمطرنا عليها شرَّ مطر وأسوأه، أفلم يروْها فيتّعظوا بما حل بأهلها؟ {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} إنهم لم يتعظوا بها لأنهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء ولا يتوقعون أنهم سيُنْشَرون من قبورهم يوم القيامة.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰرَبِّ} {ٱلْقُرْآنَ} (30) - وَقَالَ الرَّسُولُ مُشْتَكِياً إِلَى رَبِّهِ: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخُذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً، أَيْ أَنَّ قَوْمِي الّذِينَ بَعَثْتَني إِلَيْهِمْ لأَِدْعُوَهُمْ إِلَى تَوْحِيدِكَ، وَأَمَرْتَني بِإِبْلاَغِ القُرْآنِ إِلَيْهِم، قَدْ هَجرُوا كِتَابَكَ، وَتَرَكُوا الإِيمانَ بِكَ، وَلَمْ يَأَبَهُوا بِوَعِيدِكَ، بل أعْرَضُوا عنِ استماعِهِ واتِّبَاعِهِ. مَهْجُوراً - مَتْرُوكاً مُهْمَلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : القوم: قوْم الرجل: أهله وعشيرته والمقيمون معه ويجمعهم: إما أرض، وإما دين. وسُمُّوا قَوْماً لأنهم هم الذين يقومون على أمر الأشياء، فهم الرجال خاصة؛ لأن النساء المفروض فيهن السكن والقرار في البيوت. والحق - تبارك وتعالى - يوضح لنا هذا الفرق في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ..}تفسير : [الحجرات: 11] إذن: فالقوم هم الرجال خاصة. ومن ذلك أيضاً قول الشاعر: شعر : وَمَا أدري ولَسْتُ إخَالُ أَدْرِي أَقُوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} [الفرقان: 30] أضاف القوم إليه - صلى الله عليه وسلم - لأنه منهم يعرفونه ويعرفون أصْله، وقد شهدوا له بالصدق والأمانة ومكارم الأخلاق قبل أن يُبعثَ، وكان عندهم مؤتمناً على نفائس أموالهم؛ لذل خاطبهم الحق تبارك وتعالى بقوله: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 128]. إذن: فالرسول ليس بعيداً عنكم، ولا مجهولاً لكم، فمَنْ لم يؤمن به كرسول ينبغي أنْ يؤمن به كأسْوة وقدوة سلوك لسابق تاريخه فيكم. لذلك نرى أن سيدنا أبا بكر ما انتظر من رسول الله دعوةً، ولا أنْ يقرأ له قرآناً، أو يُظهِر له معجزة، إنما آمن وصدَّق بمجرد أن قال رسول الله، فما دام قد قال فقد صدق، ليس بمعجزة رآها أبو بكر، إنما برصيده القديم في معرفة رسول الله في سلوكه وخُلُقه، فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَدع الكذب على الخَلْق، ويكذب على الخالق. وكذلك السيدة خديجة: هل انتظرت من رسول الله ما يُثبت نبوته؟ إنها بمجرد أن قال رسول الله صدَّقتْ به، ووقفت بجانبه وثبَّتته وهدَّأتْ من روعه، وقالت له: "والله لا يُسلمك الله أبداً، إنك لتصِلُ الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتعين على نوائب الدهر". ومعنى: {مَهْجُوراً} [الفرقان: 30] من الهجر وهو قَطْع الصلة، فإنْ كانت من جانب واحد فهي هَجْر، وإن كانت من الجانبين فهي (هاجراً). والمعنى: أنهم هجروا القرآن، وقطعوا الصلة بينهم وبينه، وهذا يعني أنهم انقطعوا عن الألوهية وانقطعوا عن الرسالة المحمدية، فلم يأخذوا أدلة اليقين العقدية، وانقطعوا عن الرسالة المحمدية حينما كذَّبوا بها، وانقطعوا عن الأحكام حينما عَصَوْها، وبذلك اتخذوا هذا القرآن مهجوراً في كل هذه المسائل: العقائد والعبادات والتصديق بالرسول. مع أن العرب لو فهموا قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ..}تفسير : [الزخرف: 44] لمجّدوا القرآن وتمسَّكوا به، فهو الذي عصمهم وعصم لغتهم، وأعْلَى ذِكْرهم بين الأمم، ولو أن كل أمة من الأمم المعاصرة أخذتْ لهجتها الخاصة الوطنية، وجعلت منها لغةً لتلاشت العربية كلغة. وفي كثير من بلدان الوطن العربي لو حدَّثوك بلهجتهم الخاصة لا تفهم منها شيئاً، ولولا أن الفُصْحى لغة القرآن تربط بين هذه اللهجات لأصبحتْ كلٌّ منها لغةً خاصة، كما حدث في اللغات اللاتينية التي تولدت منها الفرنسية والإيطالية والألمانية والإنجليزية، ولكل منها أسسها وقواعدها الخاصة بها، وكانت في الأصل لغة واحدة، إلا أنها لا رابطَ لها من كتاب مقدس. فالحق - تبارك وتعالى - يُنبِّههم إلى أن القرآن فيه ذِكْرهم وشرفهم وعزتهم، وفيه شهرتهم وصيتهم، فالقرآن جعل العرب على كل لسان، ولولاه لذابوا بين الأمم كما ذابتْ قبلهم أمم وحضارات لم يسمع عنها أحد. لذلك يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنْ تؤمنوا بما جئت به يكُنْ حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا عليَّ قولي صبرتُ حتى يحكم الله بيني وبينكم .

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَقَالَ الرَّسُولُ } مناديا لربه وشاكيا له إعراض قومه عما جاء به، ومتأسفا على ذلك منهم: { يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي } الذي أرسلتني لهدايتهم وتبليغهم، { اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } أي: قد أعرضوا عنه وهجروه وتركوه مع أن الواجب عليهم الانقياد لحكمه والإقبال على أحكامه، والمشي خلفه، قال الله مسليا لرسوله ومخبرا أن هؤلاء الخلق لهم سلف صنعوا كصنيعهم فقال: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ } أي: من الذين لا يصلحون للخير ولا يزكون عليه يعارضونهم ويردون عليهم ويجادلونهم بالباطل. من بعض فوائد ذلك أن يعلو الحق على الباطل وأن يتبين الحق ويتضح اتضاحا عظيما لأن معارضة الباطل للحق مما تزيده وضوحا وبيانا وكمال استدلال وأن يتبين ما يفعل الله بأهل الحق من الكرامة وبأهل الباطل من العقوبة، فلا تحزن عليهم ولا تذهب نفسك عليهم حسرات { وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا } يهديك فيحصل لك المطلوب ومصالح دينك ودنياك. { وَنَصِيرًا } ينصرك على أعدائك ويدفع عنك كل مكروه في أمر الدين والدنيا فاكتف به وتوكل عليه.