٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى: {وَكَذٰلِكَ } كما جعلنا لك عدوّاً من مشركي قومك {جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِىٍّ } قبلك {عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ } المشركين، فاصبر كما صبروا {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً } لك {وَنَصِيراً } ناصراً لك على أعدائك.
البقاعي
تفسير : ولما كان في هذا الكلام معنى الشكاية وشدة التحرق، وعظيم التحزن كما يشير إليه إثبات يا التي للبعد، على خلاف ما جرت به العادة في نداء الخواص الذين هو أخصهم، والاستفهام عن سبب هجرانهم مع ما لهم إليه من الدواعي، كان كأنه قيل: ذلك بأن من فعله عاداك حسداً لك، وعطف عليه: {وكذلك} أي ومثل ما فعلنا من هذا الفعل العظيم وأنت أعظم الخلق لدنيا {جعلنا} بما لنا من العظمة {لكل نبي} أي من الأنبياء قبلك، رفعة لدرجاتهم {عدواً من المجرمين} الذين طبعناهم على الشغف بقطع ما يقتضي الوصل فأضللناهم بذلك إهانة لهم فاصبر كما صبروا فإني سأهدي بك من شئت، وأنصرك على غيرهم، وأكرم قومك من عذاب الاستئصال تشريفاً لك. ولما كان موطناً تعلق فيه النفوس متشوقة إلى الهداية بعد هذا الطبع، والنصرة بعد ذلك الجعل، كان كأنه قيل: لا تحزن فلنجعلن لك ولياً ممن نهديه للإيمان، ولننصرنهم على عدوهم كما فعلنا بمن قبلك، بل أعظم حتى نقضي أممهم من ذلك العجب، ولا يسعهم إلا الخضوع لكم والدخول في ظلال عزكم، ولما كان ذلك - لكثرة المعادين - أمراً يحق له الاستبعاد، قال عاطفاً على ما تقديره؛ ثم نصر إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على من جعلهم أعداءهم ربُّك الذي أرسلهم: {وكفى بربك} أي المحسن إليك {هادياً} يهدي بك من قضى بسعادته {ونصيراً*} ينصرك على من حكم بشقاوته. ولما ذكر سبحانه شكايته من هجرانهم للقرآن، وقرر عداوتهم له ونصرته عليهم، أتبع ذلك بما يدل عليه، فقال عطفاً على ما مضى من الأشباه في الشبه، وأظهر موضع الإضمار تنبيهاً على الوصف الذي حملهم على هذا القول: {وقال الذين كفروا} أي غطوا عدواة وحسداً ما تشهد عقولهم بصحته من أن القرآن كلام لإعجازه لهم متفرقاً، فضلاً عن كونه مجتمعاً، وغطوا ما وضح لهم من آثاره الظاهرة الشاهد بوحدانيته، وغير ذلك من صفاته العلية: {لولا} أي هلا. ولما كانوا لشدة ضعفهم لا يكادون يسمحون بتسمية القرآن تنزيلاً فضلاً عن أن يسندوا إنزاله إلى الله سبحانه وتعالى، بنوا للمفعول في هذه الشبهة التي أوردها قولهم: {نُزِّل عليه} ولما عبروا بصيغة التفعيل المشيرة إلى التدريج والتفريق استجلاباً للسامع لئلا يعرض عنهم، أشاروا إلى أن ذلك غير مراد فقالوا: {القرآن} أي المقتضي اسمه للجمع؛ ثم صرحوا بالمراد بقولهم: {جملة} وأكدوا بقولهم: {واحدة} أي من أوله إلى آخره بمرة، ليتحقق أنه من عند الله، ويزول عنا ما نتوهمه من أنه هو الذي يرتبه قليلاً قليلاً، فتعبيرهم بما يدل على التفريق أبلغ في مرادهم، فإنهم أرغبوا السامع في الإقبال على كلامهم بتوطينه على ما يقارب مراده، ثم أزالوا بالتدريج أتم إزالة، فكان في ذلك من المفاجأة بالروعة والإقناط مما أمّل من المقاربة ما لم يكن في "أنزل" والله أعلم. ولما كان التقدير: وما له ينزل عليه مفرقاً، وكان للتفريق فوائد جليلة، أشار سبحانه إلى عظمتها بقوله معبراً للإشارة إلى ما اشتملت عليه من العظمة بأداة البعد: {كذلك} أي أنزلناه شيئاً فشيئاً على هذا الوجه العظيم الذي أنكروه {لنثبت به فؤادك} بالإغاثة بتردد الرسل بيننا وبينك، وبتمكينك وتمكين أتباعك من تفهم المعاني، وتخفيفاً للأحكام، في تحميلها أهل الإسلام، بالتدريج على حسب المصالح، ولتنافي الحكمة في الناسخ والمنسوخ، لما رتب فيه من المصالح، وتسهيلاً للحفظ لا سيما والأمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وتلقيناً للأجوبه في أوقاتها، وتعظيماً للإعجاز، لأن ما تحدى بنجم منه فعجز عنه علم أن العجز عن أكثر منه أولى، فالحاصل أن التفريق أدخل في باب الإعجاز وفي كل حكمة، فعلم أن هذا الاعتراض فضول ومماراة بما لا طائل تحته من ضيق الفطن، وقلة الحلية، وحرج الخطيرة، دأب المقطوع المبهوت، لأن المدار الإعجاز، وأما كونه جملة أو مفرقاً فأمر لا فائدة لهم فيه، وليست الإشارة محتملة لأن تكون للكتب الماضية، لأن نزولها إنما كان منجماً كما بينته في سورة النساء عن نص التوراة المشير إليه نص كتابنا، لا كما يتوهمه كثير من الناس، ولا أصل له إلا كذبة من بعض اليهود شبهوا بها على أهل الإسلام فمشت على أكثرهم وشرعوا يتكلفون لها أجوبة، واليهود الآن معترفون بأن التوراة نزلت في نحو عشرين سنة والله الموفق. ولما كان إنزله مفرقاً أحسن، أكده بقوله عطفاً على الفعل الذي تعلق به "كذلك" {ورتلناه ترتيلاً*} أي فرقناه في الإنزال إليك تفريقاً في نيف وعشرين سنة؛ وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: بيناه بياناً، والترتيل: التبين في ترسل وتثبت انتهى. وأصله ترتيل الأسنان وهو تفليجها كنور الأقحوان. ولما كان التقدير: قد بطل ما أتوا به هذا الاعتراض، عطف عليه قوله: {ولا يأتونك} أي المشركون {بمثل} أي باعتراض في إبطال أمرك يخيلون به لعقول الضعفاء بما يجتهدون في تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى يصير عندهم في غاية الحسن والرشاقة لفظاً ومعنى {إلا جئناك} أي في جوابه {بالحق} ومن الألف واللام الدالة على الكمال يُعرَف أن المراد به الثابت الذي لا شيء أثبت منه، فيرهق ما أتوا به لبطلانه، ويفتضح بعد ذلك الستر فضيحة تخجّل القائل والسامع القابل. ولما كان التقدير في الأصل: بأحق منه، وإنما عبر بالحق، لئلا يفهم أن لما يأتون به وجهاً في الحقيقة، عطف عليه قوله: {وأحسن} أي من مثلهم {تفسيراً*} أي كشفاً لما غطى الفهم من ذلك الذي خيلوا به وادعوا أنهم أوضحوا به وجهاً من وجوه المطاعن، فجزم أكثر من السامعين بحسنه. ولما أنتجت هذه الآيات كلها أنهم معاندون لربهم، وأنهم يريدن بهذه السؤالات أن يضللوا سبيله، ويحتقروا مكانته، ويهدروا منزلته، علم قطعاً أنه يعمر بهم دار الشقاء، وكان ذلك أدل على أنهم أعمى الناس عن الطرق المحسوسة، فضلاً عن الأمثال المعلومة، والتمثيل للمدارك الغامضة، وأنهم أحقر الناس لأنه لا ينتقص الأفاضل إلا ناقص، ولا يتكلم الإنسان إلا فيمن هو خير منه، قال معادلاً لقوله: {أية : أصحاب الجنة يومئذ خير} تفسير : [الفرقان: 24] واصفاً لما تقدم أنه أظهره موضع الإضمار من قوله {الذين كفروا} [الفرقان: 32] {الذين يحشرون} أي يجمعون قهراً ماشين مقلوبين {على وجوههم} أو مسحوبين {إلى جهنم} كما أنهم في الدنيا كانوا يعملون ما كأنهم معه لا يبصرون ولا تصرف لهم في أنفسهم، تؤزهم الشياطين أزاً، فإن الآخرة مرآة الدنيا، مهما عمل هنا رئي هناك، كما أن الدنيا مزرعة الآخرة، مهما عمل فيها جنيت ثمرته هناك "روى البخاري عن أنس رضي الله عنهما أن رجلاً قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: حديث : أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ قال قتادة: يعني الراوي عن أنس: بلى وعزة ربنا ". تفسير : ولما وصف المتعنتين في أمر القرآن بهذا الوصف، استأنف الإخبار بأنهم متصفون بما ألزموا به من أن الإتيان بالقرآن مفرقاً وضع للشيء في غير موضعه فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {شر} أي شر خلق {مكاناً وأضل سبيلاً*} حيث عموا عن طريق الجنة التي لا أجلى منها ولا أوسع، وسلكوا طريق النار التب لا أضيق منه ولا أوعر، وعموا عن أن إنزال القرآن نجوماً أولى لما تقدم من اللطائف وغيرها مما لا يحيط به إلا الله تعالى، "وسبيلاً" تمييز محول عن الفاعل أصله: ضل سبيلهم، وإسناد الضلال إليه من الإسناد المجازي. ولما بين أنهم كذبوه وعادوه، وأشار بآية الحشر إلى جهنم إلى أنه لا يهلكهم بعامة، عطف على عامل "لنثبت" تسلية له وتخويفاً لهم قوله: {ولقد آتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى الكتاب} كما أتيناك، بينا فيه الشرائع والسنن والأحكام، وجعلناه هدى ورحمة، وأنزلناه إليه منجماً في نحو عشرين سنة يقال: إنها ثمان عشرة كما أنزلنا إليك هذا القرآن في نيف وعشرين سنة، كما بينت ذلك في آخر سورة النساء وغيرها، على أن أحداً ممن طالع التوراة لا يقدر على إنكار ذلك، فإنه بيّن من نصوصها. وزاد في التسلية بذكر الوزير، لأن الرد للاثنين أبعد، وفيه إشارة إلى أنه لا ينفع في إيمانهم إرسال ملك كما اقترحوا ليكون معه نذيراً، فقال: {وجعلنا} بما لنا من العظمة {معه أخاه} ثم بينه بقوله: {هارون} وبين محط الجعل بقوله: {وزيراً} أي معيناً في كل أمر بعثناه به، وهو مع ذلك نبي، ولا تنافي بين الوزارة والنبوة. ولما كانت الواو لا ترتب، فلم يلزم من هذا أن يكون هذا الجعل بعد إنزال الكتاب كما هو الواقع، رتب عليه قوله: {فقلنا} أي بعد جعلنا له وزيراً. ولما كان المقصود هنا من القصة التسلية والتخويف، ذكر حاشيتها أولها وآخرها، وهما إلزام الحجة والتدمير، فقال: {اذهبا إلى القوم} أي الذين فيهم قوة وقدرة على ما يعانونه وهم القبط {الذين كذبوا بآياتنا} أي المرئية والمسموعة من الأنبياء الماضين قبل إتيانكما في علم الشهادة، والمرئية والمسموعة منكما بعد إتيانكما في علمنا. فذهبا إليهم فكذبوهما فيما أرياهم وأخبراهم به من الآيات، لما طبعناهم عليه من الطبع المهيىء لذلك. ولما كان السياق للإنذار بالفرقان، طوي أمرهم إلا في عذابهم فقال: {فدمرناهم} أي لذلك {تدميراً*} بإغراقهم أجمعين عل يد موسى عليه السلام في البحر، لم نبق منهم أحداً مع ما أصبناهم به قبل ذلك من المصائب، مع اجتهاد موسى عليه السلام في إحيائهم بالإيمان، الموجب لإبقائهم في الدارين، عكس ما فعلناه بموسى عليه السلام من إنجائه من الهلاك بإلقائه في البحر، وإبقائه بمن اجتهد في إعدامه، وجعلنا لكل منهما حظاً من بحره {هذا ملح أجاج} هو غطاء جهنم، {أية : وهذا عذب فرات} تفسير : [الفرقان: 53] عنصره من الجنة، فليحذر هؤلاء الذين تدعوهم من مثل ذلك إن فعلوا مثل فعل أولئك.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} تسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وحملٌ له على الاقتداءِ بمن قبلَه من الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلام أي كما جعلنا لك أعداءً من المُشركين يقولُون ما يقولُون ويفعلُون ما يفعلُون من الأباطيلِ جعلنا لكلِّ نبـيٌّ من الأنبـياءِ الذينَ هم أصحابُ الشَّريعةِ والدّعوة إليها عدوَّاً من مُجرمي قومِهم فاصبرْ كما صبرُوا وقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} وعدٌ كريمٌ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالهدايةِ إلى كافَّةِ مطالبِه والنَّصرِ على أعدائِه أي كَفَاك مالكُ أمرِك ومُبلِّغك إلى الكمالِ هَادياً لك إلى ما يُوصلكَ إلى غايةِ الغاياتِ التي من جُملتها تبليغُ الكتابِ أجلَه وإجراء أحكامِه في أكنافِ الدُّنيا إلى يومِ القيامةِ ونصيراً لك على جميعِ مَن يُعاديك. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} حكايةً لاقتراحِهم الخاصِّ بالقُرآن الكريمِ بعد حكايةِ اقتراحِهم في حقِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والقائلون هم القائلونَ أوَّلاً وإيرادُهم بعُنوانِ الكفرِ لذمِّهم به والإشعارِ بعلَّةِ الحُكمِ {لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ} التَّنزيلُ هَهُنا مجرَّدٌ عن مَعْنى التَّدريجِ كما في قولِه تعالى: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [سورة النساء: الآية 153] ويجوز أنْ يرادَ به الدِّلالةُ على كثرةِ المُنزَّلِ في نفسِه أي هلاَّ أُنزل كلُّه {جُمْلَةً وٰحِدَةً} كالكتب الثَّلاثةِ. وبُطلان هذه الكلمةِ الحمقاءِ ممَّا لا يكادُ يخفى على أحدٍ فإنَّ الكتبَ المتقدِّمةَ لم يكُن شاهدَ صحَّتِها ودليلَ كونَها من عندِ الله تعالى إعجازُها، وأمَّا القرآنُ الكريمُ فبـيِّنةُ صحَّتِه وآيةُ كونِه من عند الله تعالى نظمُه المعجزُ الباقي على مرِّ الدّهورِ المتحقِّقُ في كلِّ جُزءٍ من أجزائِه المقدَّرةِ بمقدار أقصرِ السُّورِ حسبما وقع به التَّحدِّي ولا ريبَ في أنَّ ما يدور عليه فَلَكُ الإعجاز هو المطابقةُ لما تقتضيه الأحوالُ ومن ضرورة تغيّرِها وتجدُّدها تغيُّر ما يُطابقها حتماً على أنَّ فيه فوائدَ جمَّةً قد أُشير إلى بعضٍ منه بقوله تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} فإنَّه استئناف واردٌ من جهته تعالى لردِّ مقالتهم الباطلة وبـيانِ الحكمة في التَّنزيلِ التَّدريجيِّ. ومحلُّ الكافِ النَّصبُ على أنَّها صفة لمصدرٍ مؤكِّدٍ لمضمر معلَّلٍ بما بعده وذلك إشارة إلى ما يُفهم من كلامِهم أي مثلَ ذلك التَّنزيلِ المُفرَّق الذي قدحُوا فيه واقترحوا خلافَة نزَّلناه لا تنزيلا مُغايراً له لنقويَ بذلك التَّنزيلِ المفرَّقِ فؤادَك فإنَّ فيه تيسيراً لحفظِ النَّظمِ وفهم المعانِي وضبطِ الأحكامِ والوقوفِ على تفاصيلِ ما رُوعي فيها من الحِكَمِ والمصالحِ المبنيَّةِ المُناسبة عل أنَّها منوطةٌ بأسبابها الدَّاعيةِ إلى شَرعها ابتداءً أو تبديلاً بالنَّسخِ من أحوال المكلَّفينَ وكذلك عامة ما ورد في القرآنِ المجيدِ من الأخبار وغيرِها متعلِّقةٌ بأمورٍ حادثةٍ من الأقاويل والأفاعيل ومن قضية تجدُّدِها تجددُ ما يتعلَّقُ بها كالاقتراحاتِ الواقعة من الكَفَرة الدَّاعيةِ إلى حكايتِها وإبطالِها وبـيانِ ما يؤول إلي حالُهم في الآخرِة على أنَّهم في هذا الاقتراح كالباحثِ عن حَتْفِه بظلفِه حيثُ أُمروا بالاتيان بمثل نَوبةٍ من نُوبِ التَّنزيل فظهرَ عجزُهم عن المعارضةِ وضاقتْ عليهم الأرضُ بما رَحُبتْ فكيف لو تُحدُّوا بكلِّه وقوله تعالى: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}عطفٌ على ذلك المُضمر، وتنكيرُ ترتيلاً للتَّفخيمِ أي كذلك نزَّلناهُ ورتلناهُ تَرتْيلا بديعاً لا يُقادرُ قَدرُه ومعنى ترتيلهِ تفريقُه آيةً بعدَ آيةٍ قالَه النَّخعيُّ والحسنُ وقَتَادةُ. وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنُهمَا: بـيَّناهُ بـياناً فيه ترتيلٌ وتثبـيتٌ وقال السُّدِّيُّ فصَّلناهُ تفصيلاً. وقال مجاهُدُ: جعلنا بعضَه في إثر بعضٍ. وقيل هو الأمرُ بترتيلِ قراءتِه بقوله تعالى: { أية : وَرَتّلِ ٱلْقُرْءانَ تَرْتِيلاً} تفسير : [سورة المزمل: الآية 4] وقيل: قرأناه عليك بلسانِ جبرِيلَ عليه السَّلامُ شيئاً فشيئاً في عشرين أو في ثلاث وعشرين سنة على تُؤَدةٍ وتَمهلٍ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً} [الآية: 31]. قوله جل ذكره: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} [الآية: 31]. قال ابن عطاء رحمه الله: هاديًا إلى معرفته، ونصيرًا عن رؤيته ليلاً بتلاشى العبد عند المشاهدة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكذلك} اى كما جعلنا لك اعداء من مجرمى قومك كابى جهل ونحوه {جعلنا لك نبى} من الانبياء المتقدمين {عدوا} اى اعداء فانه يحتمل الواحد والجمع {من المجرمين} اى مجرمى قومهم كنمرود لابراهيم وفرعون لموسى واليهود لعيسى فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا، وفيه تسلية لرسول الله وحمل له على الاقتداء بمن قبله من الانبياء الذين هم اصحاب الشريعة والدعوة اليها {وكفى بربك} اى ربك والباء صلة للتأكيد {هاديا} تمييز اى من جهة هدايته لك الى كافة مطالبك ومنها انتشار شريعتك وكثرة الآخذين بها {ونصيرا} ومن جهة نصرته لك على جميع اعدائك فلا تبال بمن يعاديك وسيبلغ حكمك الى اقطار الارض واكناف الدنيا، دلت الآية بالعبارة والاشارة على ان لكل نبى وولى عدوا يمتحنه الله به ويظهر شرف اصطفائه، قال ابو بكر بن طاهر رحمه الله رفعت درجات الانبياء والاولياء بامتحانهم بالمخالفين والاعداء شعر : از براى حكمتى روح القدس ازطشت زر دست موسى را بسوى طشت آزر مى برد تفسير : قال فى التأويلات النحمية يشير الى انه تعالى يقيض لكل صديق صادق فى الطلب عدوا معاندا من مطرودى الحضرة ليؤذيه وهو يصبر على اذاه فى الله ويختبر به حلمه ويرضى بقضاء الله ويستسلم بالصبر على بلائه ويشكره على نعمة التوفيق للتسليم وتفويض الامر الى الله والتوكل عليه ليسير بهذه الاقدام الى الله بل يطير بهذه الاجنحة فى الله بالله كما هو سنة الله فى تربية انبيائه واوليائه ولن تجد لسنة الله تبديلا وفى الخبر "حديث : لو ان مؤمنا ارتقى على ذروة جبل لقيض الله اليه منافقا يؤذيه فيؤجر عليه"تفسير : ثم لم يغادر الله المجرم المعاند العدو لوليه حتى اذاقه وبال مااستوجبه على معاداته كما قال فى حديث ربانى "حديث : من عادى لى وليا فقد بارزنى بالحرب"تفسير : وقال "حديث : وانا انتقم لاوليائى كما ينتقم الليث الجريىء لجروه"تفسير : [دانشمندى بود درفن منطق منفرد ودر سائر علوم رياضى متبحر مولانا مير جمال نام كه دركسوت قلندرى مى زيست وكبنك مى بوشيد ونماز نمى كذاريد ودر ارتكاب محرمات بغايت دلير وبى حيابود ومنكر طريق مشايخ وطائفه اوليا ودائم الاوقات غيبت ومذمت حضرات ايشان ميكرد وسخنان بى ادبانه ميكفت روزى باسه طالب علم كه ايشان نيز درمقام هزل وظرافت وتعرض وسفاهت بودند بمجلس مولانا ناصر الدين اترارى در آمدند وبيش ازانكه بسخن آغاز كند مقدارى بنك ازآستين كبنك بيرون آورد ودردهان نهاد وخواست كه فرو برد در كلوى وى محكم شد وراه نفس بروى بسته كشت آخر حضرت شيخ فرمودند تامشتى محكم بركلوى وى زدند وآن بنك ازكلوى وى درميان مجلس افتاد وهمه حاضران بروخنديدند واو باخجالت تام از مجلس بيرون آمد ورسوا شد فرار نمود وديكركسى ازو نشان نداد]: وفى المثنوى شعر : جون خدا خواهدكه برده كس درد ميلش اندر طعنه باكان برد آنكه مى دريد جامه خلق جست شد دريده آن او ايشان درست آن دهان كر كزو تسخير بخواند مر محمد را دهانش كز بماند باز آمد كاى محمد عفو كن اى ترا الطاف وعلم من لدن من ترا افسوس ميكردم ز جهل من بدم افسوس را منسوب اهل
الطوسي
تفسير : معنى قوله {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين} قيل فيه قولان: احدهما - قال ابن عباس: جعل لمحمد (صلى الله عليه وسلم) عدوا من المجرمين، كما جعل لمن قبله. والثاني - كما جعلنا النبي يعادي المجرم مدحاً له وتعظيما، كذلك جعلنا المجرم يعادي النبي ذماً له وتحقيراً. والمعنى إن الله تعالى حكم بأنه على هذه الصفة. وقيل {جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين} ببياننا أنهم أعداؤهم، كما يقال جعله لصاً أو خائناً. وقيل: معناه أمرنا بأن يسموهم أعداء. والجعل وجود ما به يصير الشيء على ما لم يكن، ومثله التصيير، والعدو المتباعد من النصرة للبغضة، ونقيضه الولي، واصله البعد. ومنه عدوتا الوادي أي جانباه، لانهما بعداه ونهايتاه، وعدا عليه يعدو عدواً اذا باعد خطوة للايقاع به، وتعدى فى فعله إذا أبعد في الخروج عن الحق. ثم قال تعالى {وكفى بربك} يا محمد {هادياً ونصيراً} اي حسبك الله الهادي الى الحق، والناصر على العدو، و {هادياً} منصوب على الحال أو التمييز، فالحال كفى به في حال الهداية والنصرة، والتمييز من الهادين والناصرين - ذكره الزجاج - ولا يقدر أحد أن يهدي كهداية الله، ولا أن ينصر كنصرته، فلذلك قال {وكفى بربك هادياً ونصيراً} ثم حكى أنّ الكفار، قالو {لولا} اي هلا {نزل عليه القرآن} على النبي {جملة واحدة} فقيل لهم إن التوراة انزلت جملة، لانها أنزلت مكتوبة على نبي يكتب ويقرأ وهو موسى، واما القرآن، فانما انزل متفرقاً، لأنه أنزل غير مكتوب على نبي أمي، وهو محمد (صلى الله عليه وسلم) وقيل: انما لم ينزل جملة واحدة، لان فيه الناسخ والمنسوخ، وفيه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، وفيه ما هو إنكار لما كان. وفي الجملة المصلحة معتبرة فى إنزال القرآن، فاذا كانت المصلحة تقتضي انزاله متفرقاً كيف ينزل جملة واحدة!؟ فقال الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) إنا أنزلناه متفرقاً {لنثبت به فؤادك} وقال ابو عبيدة: معناه لنطيب به نفسك ونشجعك. وقوله {ورتلناه ترتيلاً} فالترتيل التبيبن فى تثبت وترسل. وقوله {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق} أي لم ننزل القرآن جملة واحدة لانهم لا ياتونك بشيء يريدون به ابطال امرك {إلا جئناك بالحق} الذي يبطله {وأحسن تفسيراً} أي نجيؤك بأحسن تفسيراً مما يأتونك به واجود معاني. ثم قال {الذين يحشرون على وجوههم} يوم القيامة {إلى جهنم} يعني الكفار يسحبون على وجوههم. وفى الحديث أن الذي امشاهم على أقدامهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم. ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الذين يحشرون على وجوههم بأنهم {شر مكاناً وأضل سبيلاً} عن الحق وعن الثواب والجنة.
الجنابذي
تفسير : {وَكَذَلِكَ} اى مثل جعل الاعداء لك مشتملاً على حكم ومصالح عديدة من سوق اتباعك الى دار الآخرة كما قيل: شعر : اين جفاى خلق بر تودرجهان كر بدانى كنج زر آمد نهان خلق را با تو جنين بدخو كند تا ترا ناجار رخ آنسو كند آن يكى واعظ جو بر منبر بدى قاطعان راه را داعى شدى مى نكردى او دعا بر اصفيا مى بكردى او خبيثان را دعا مرورا كفتند كاين معهود نيست دعوت اهل ضلالت جود نيست كفت نيكوئى ازاينها ديده ام من دعاشان زين سبب بكَزيده ام جون سبب ساز صلاح من شدند بس دعاشان برمن است اى هوشمند تفسير : ومن نشر فضلك فى العالم وايصال صيتك الى اسماع بنى آدم فانّ فضل الفاضل ينشره حسد الحاسدين ومن توجيه النّاس وترغيبهم الى رؤيتك وصحبتك فانّ النّفوس مفطورة على التّوجّه الى كلّ جديد، ومن تمييز المؤمن عن الكافر والخالص عن المنافق، ومن ظهور المعجزات عنك بسبب العداوة ومن تمكينك فى دينك وتمكين اتباعك وتقوية قلوبكم وغير ذلك من المصالح {جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً} المراد بالعدوّ امّا الجنس المطلق على الواحد والكثير، او المراد به معنى الجمع فانّه كان لكلّ نبىٍّ اعداء عديدة ولفظ العدوّ يطلق على الواحد والجمع {مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} لا المؤمنين {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} تسلية له (ص) ولامّته من شدّة الخوف من كثرة الاعداء.
اطفيش
تفسير : {وَكَذَلِكَ} الخ اي كما جعلنا لك عدوا من قومك * {جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ} فاصبر كما صبروا وفي ذلك دليل على انه تعالى خالق الشر كما خلق الخير والعدو يطلق على الواحد واكثر والظاهر ان المراد هنا الجماعة ولا ترى نبيا مرسلا بعد آدم الا له جماعة اعداء ويكون طبق قوله فانهم عدوا لي. {وَكَفَى بِرَبِّكَ} الباء زائدة في الفاعل دخلت لتضمين الفعل معنى (اكتفي) قاله الزجاج قال ابن هشام وهو من الحسن بمكان. وزعم بعضهم ان الفاعل ضمير الاكتفاء. {هَادِياً} إلى طريق قهرهم * {وَنَصِيراً} لك عليهم {وهَادِياً} حال ويضعف كونه تمييزا انه وصف. وفي التعبير بربك التفات من التكلم إلى الغيبة واختار هذا الاسم دلالة على انه موصل بره إليه وكافله.
الالوسي
تفسير : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ } فإنه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل له على الاقتداء بمن قبله من الأنبياء عليهم السلام، والبلية إذا عمت هانت، والعدو يحتمل أن يكون واحداً وجمعاً أي كما جعلنا لك أعداء من المشركين يقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون من الأباطيل جعلنا لكل نبـي من الأنبياء الذين هم أصحاب الشريعة والدعوة إليها عدواً من مرتكبي الجرائم والآثام ويدخل في ذلك آدم عليه السلام لدخول الشياطين وقابيل في المجرمين ويكتفى بدخول قابيل إن أريد بالمجرمين مجرمو الإنس أو مجرمو أمة النبـي، وقيل: الكلية بمعنى الكثرة، والمراد بجعل الأعداء جعل عداوتهم وخلقها وما ينشأ منها فيهم لا جعل ذواتهم، ففي ذلك رد على المعتزلة في زعمهم إن خالق الشر غيره تعالى شأنه. وقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً } وعد كريم له عليه الصلاة والسلام بالهداية إلى كافة مطالبه والنصر على أعدائه أي كفاك مالك أمرك ومبلغك إلى الكمال هادياً لك إلى ما يوصلك إلى غاية الغايات التي من جملتها تبليغ ما أنزل إليك وإجراء أحكامه في أكناف الدنيا إلى أن يبلغ الكتاب أجله وناصراً لك عليهم على أبلغ وجه. وقدر بعضهم متعلق «هادياً» إلى طريق قهرهم، وقيل: المعنى هادياً لمن آمن منهم ونصيراً لك على غيره، وقيل: هادياً للأنبياء إلى التحرز عن عداوة المجرمين بالاعتصام بحبله ونصيراً لهم عليهم وهو كما ترى. ونصب الوصفين على الحال أو التمييز.
ابن عاشور
تفسير : هذه تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن ما لقِيَه من بعض قومه هو سنة من سنن الأمم مع أنبيائهم. وفيه تنبيه للمشركين ليَعْرِضوا أحوالهم على هذا الحكم التاريخي فيعلموا أن حالهم كحال مَن كذّبوا من قوم نوح وعاد وثمود. والقول في قوله: {وكذلك} تقدم في قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}تفسير : [البقرة: 143]. والعدوّ: اسم يقع على المفرد والجمع والمراد هنا الجمع. ووصف أعداء الأنبياء بأنهم من المجرمين، أي من جملة المجرمين، فإن الإجرام أعمّ من عداوة الأنبياء وهو أعظمها. وإنما أريد هنا تحقيق انضواء أعداء الأنبياء في زمرة المجرمين، لأن ذلك أبلغ في الوصف من أن يقال: عدوًّا مجرمين كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}تفسير : في سورة البقرة (67). وأعقب التسلية بالوعد بهداية كثير ممّن هم يومئذ مُعرِضون عنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : لعلّ الله أن يُخرج من أصلابهم مَن يعبدُه تفسير : وبأنه ينصره على الذين يُصرّون على عداوته لأن قوله: {وكفى بربك هادياً ونصيراً} تعريض بأن يفوض الأمر إليه فإنه كاف في الهداية والنصر. والباء في قوله: {بربك} تأكيد لاتصال الفاعل بالفعل. وأصله: كفى ربُّك في هذه الحالة.
الشنقيطي
تفسير : لما شكا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه في قوله: {أية : وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 30] أنزل الله قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً} الآية، تسلية له صلى الله عليه وسلم: أي كما جعلنا الكفار أعداء لك، يكذبونك، ويتخذون القرآن الذي أنزل إليك مهجوراً، كذلك الجعل لكل نبي عدواً: أي جعلنا لك أعداء، كما جعلنا لكل نبي عدواً. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً} الآية. قد قدمنا إيضاحه في الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ} تفسير : [الأنعام: 112] الآية، وقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} قد قدمنا الكلام مستوفى على كفى اللازمة، والمتعدية بشواهده العربية في سورة الإسراء في الكلام على قوله: {أية : كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 14] وقوله: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً} جاء معناه موضحاً في آيات كثيرة، كقوله: {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} تفسير : [الكهف: 17] وقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [البقرة: 120] وقوله: ونصيراً: أي وكفى بربك نصيراً، جاء معناه أيضاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {أية : إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} تفسير : [آل عمران: 160].
د. أسعد حومد
تفسير : (31) - وكَمَا جَعَلْنَا لَكَ أعْدَاءً من المُشْرِكينَ يَتَقَوَّلُونَ عليكَ الترّهَاتِ والأبَاطِيلَ، كذلكَ جعَلْنَا لكلِّ نَبيٍّ من الأنبياءِ السَّابقِينَ أعداءً لهُمْ من شَياطينِ الإِنسِ والجنِّ، يُقَاوِمُون دعْوَتَهم، ويُزْعِجُونَهم، وَيُكَذِّبُونَهُمْ، فلا تَحْزَنْ يَا مُحَمَّدُ علَيهِمْ، فَهَذا دَأْبُ الأنبياءِ قَبْلَكَ، فاصبِرْ كما صَبَرُوا. وحَسْبُكَ بِرَبِّكَ هادِياً لَكَ إلى مَصَالِح الدين والدُّنْيَا، وسينصُرُك على أعدائِكَ، ويُبَلِّغُكَ غايةَ ما تَطْلُبُ، ولا يَهُولَنَّكَ كَثْرَةُ عَدَدِهِم فإِنَّه تعالى جَاعلٌ كلمَتَه هي العُلْيا لا مَحَالَة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وإذا لم يكُنْ للرسول أعداء، فلماذا جاء؟ لو انتظرنا من الجميع ساعةَ يأتي الرسول أنْ يُصدقوه ويؤمنوا به إذن: فلماذا جاء الرسول؟ لا يأتي الرسول إلى إذا طَمَّ الفساد وعَمّ، كما أننا لا نأتي بالطبيب إلا إذا حدث مرض أو وباء. وهؤلاء القوم كانت لهم سيادة ومكانة، وقد جاء الإسلام ليُسوّي بين الناس، ويسلب هؤلاء سيادتهم، فلا بُدَّ أن يقفوا منه موقف العداء، وهذا العداء هو حيثية وجود الرسول فيهم. وليس النبي صلى الله عليه وسلم بِدْعاً في ذلك، فما من نبي إلا وكان له أعداء، مع أن الأنبياء السابقين كان النبي منهم في فترة زمنية محدودة وفي مكان محدود. أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت رسالة عامة في الزمان وفي المكان، ولا بُدَّ أنْ يتناسب العداء - إذن - مع انتشار الرسالة وعمومها في الزمان والمكان إلى قيام الساعة وعلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُوطِّن نفسه على ذلك. وكلمة (عدو) من الكلمات التي تُطلق مفردة، وتشمل المثنى والجمع، ومن ذلك قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 77]. وفي سورة الكهف: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ..}تفسير : [الكهف: 50] ولم يقل: أعداء. وفي بعض الآيات تأتي بصيغة الجمع كما في قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ..}تفسير : [آل عمران: 103] فلو كانت قضية لغوية لجاءتْ بصيغة المفرد في كل الآيات. لكن لماذا عدلَ القرآن هنا عن صيغة المفرد إلى صيغة الجمع؟ قالوا: إنْ كانت العداوة من المفرد والمثنى والجمع عداوة واحدة قال: (عدو) بصيغة المفرد لاتحاد سبب العداوة، فإنْ كانت العداوات مختلفة: هذا يعاديك لشرفك، وهذا يعاديك لعلمك، وهذا يعاديك لمالك، فتعددت أسباب العداوة قال (أعداء) أما في مسألة الإيمان واليقين بالنسبة للكافرين فالعداوة واحدة، لكن في أمور الدنيا العداوات متعددة: هذا يعاديك لكذا، وهذا يعاديك لكذا؛ لأنه مخالف لهواه. وحينما تحدثنا عن قوله تعالى: {أية : وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ ..}تفسير : [النور: 61] كلها بصيغة الجمع إلا في قوله تعالى: {أية : أَوْ صَدِيقِكُمْ ..}تفسير : [النور: 61] بصيغة المفرد، لماذا؟ لأن صداقة المؤمنين ينبغي ألاَّ تكون إلا لمعنى واحد، هو الحب لله، وفي الله، لا ينبغي أن يكون لك صديق لكذا وصديق لكذا. وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأنْ يحبَّ المرءَ لا يُحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار ". تفسير : فإذا كان أصدقاؤك يحبونك لله، فهم جميعاً كصديق واحد. وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ ..} [الفرقان: 31] يعني: كأعدائك الذين اتخذوا القرآن مهجوراً، والذين وقفوا منك موقف التعنت والإيذاء والسخرية. {جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ ..} [الفرقان: 31] أي: الذين يُجرِمون يعني: يرتكبون الجرائم، وهي المعاصي والذنوب حَسْب مدلولاتها. الحق - تبارك وتعالى - حينما يكشف لرسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة أعدائه، وأنهم كثيرون، وأنهم مجرمون إنما ليوَطِّن نفسه على ذلك، فلا يُفَاجأ به، ويتحمل أذاهم إنْ أصابوه بسوء. وهذه المسألة كالمصْل والتحصين الذي يعطونه للناس لمواجهة المرض قبل حدوثه، فالحق سبحانه يعطي رسوله المناعة اللازمة لمواجهة أعداء الدعوة. لذلك نجد "تشرشل" القائد البريطاني الذي ساس الحرب العالمية الثانية كان يواجه جنوده بالحقائق أفظع مما هي في الواقع ليُوطِّن شعبه على قوة التحمل، وعلى التصدِّي للصعوبات الشديدة، ومهما واجههم من مصاعب قال لهم ما زال هناك المزيد منها، حتى إذا ما حدث ذلك كانوا على استعداد له. وقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} [الفرقان: 31] أي: أن الله تعالى سيهديك إلى الطريق الذي بمقتضاه تنتصر على هؤلاء جميعاً. وسبق أن ذكرنا عن الفاروق عمر - رضي الله عنه - أنه حينما نزل قوله تعالى: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45] قال: أيُّ جمع هذا؟ يعني تعجب كيف سنهزم هؤلاء ونحن الآن عاجزون حتى عن حماية أنفسنا؟ ولا نبيت إلا في السلاح، ولا نصبح إلا في السلاح نخاف أن يتخطفنا الناس، فلما وقعتْ بدر وهُزِم المشركون وحُصدت أرواح صناديدهم قال: صدق الله: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45]. كيف حدث هذا؟ حدث من هداية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى أسباب النصر، والحق - تبارك وتعالى - ينصر بالشيء وينصر بضده، وقد اجتمع في بدر سادات قريش وأقوياؤها وأغنياؤها وصناديد الكفر بها، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذه مكة، قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها"تفسير : ، وقد خرجوا جميعاً على حال الاستعداد للحرب، أما المؤمنون فقد كانوا قِلَّة مستضعفين على غير استعداد للحرب، ومع ذلك نصرهم الله. والحق سبحانه يُطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [البقرة: 249]. وقال تعالى: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 173]. وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ..}تفسير : [الرعد: 41] أي: ننقص من أرض الكفر، ونزيد في أرض الإيمان، والحق سبحانه أخبرنا بقضايا، يجب أن تُوجَد أحداث في الحياة والواقع خادمةً لتصديق هذه القضايا. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):