٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن أهل مكة قالوا تزعم أنك رسول من عند الله أفلا تأتينا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة جملة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود، وعن ابن جريج بين أوله وآخره اثنتان أو ثلاث وعشرون سنة وأجاب الله بقوله: {كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } وبيان هذا الجواب من وجوه: أحدها: أنه عليه السلام لم يكن من أهل القراءة والكتابة فلو نزل عليه ذلك جملة واحدة كان لا يضبطه ولجاز عليه الغلط والسهو، وإنما نزلت التوراة جملة لأنها مكتوبة يقرؤها موسى وثانيها: أن من كان الكتاب عنده، فربما اعتمد على الكتاب وتساهل في الحفظ فالله تعالى ما أعطاه الكتاب دفعة واحدة بل كان ينزل عليه وظيفة ليكون حفظه له أكمل فيكون أبعد له عن المساهلة وقلة التحصيل وثالثها: أنه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة على الخلق لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة على الخلق فكان يثقل عليهم ذلك، أما لما نزل مفرقاً منجماً لا جرم نزلت التكاليف قليلاً قليلاً فكان تحملها أسهل ورابعها: أنه إذا شاهد جبريل حالاً بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته فكان أقوى على أداء ما حمل، وعلى الصبر على عوارض النبوة وعلى احتماله أذية قومه وعلى الجهاد وخامسها: أنه لما تم شرط الإعجاز فيه مع كونه منجماً ثبت كونه معجزاً، فإنه لو كان ذلك في مقدور البشر لوجب أن يأتوا بمثله منجماً مفرقاً وسادسها: كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم والوقائع الواقعة لهم فكانوا يزدادون بصيرة، لأن بسبب ذلك كان ينضم إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب وسابعها: أن القرآن لما نزل منجماً مفرقاً وهو عليه السلام كان يتحداهم من أول الأمر فكأنه تحداهم بكل واحد من نجوم القرآن فلما عجزوا عنه كان عجزهم عن معارضة الكل أولى فبهذا الطريق ثبت في فؤاده أن القوم عاجزون عن المعارضة لا محالة وثامنها: أن السفارة بين الله تعالى وبين أنبيائه وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم فيحتمل أن يقال إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة لبطل ذلك المنصب على جبريل عليه السلام فلما أنزله مفرقاً منجماً بقي ذلك المنصب العالي عليه فلأجل ذلك جعله الله سبحانه وتعالى مفرقاً منجماً. أما قوله: {كَذٰلِكَ } ففيه وجهان: الأول: أنه من تمام كلام المشركين أي جملة واحدة كذلك أي كالتوراة والإنجيل، وعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار في الآية وهو أن يقول: أنزلناه مفرقاً لتثبت به فؤادك الثاني: أنه كلام الله تعالى ذكره جواباً لهم أي كذلك أنزلناه مفرقاً فإن قيل: ذلك في {كَذٰلِكَ } يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدمه والذي تقدم فهو إنزاله جملة (واحدة) فكيف فسر به كذلك أنزلناه مفرقاً؟ قلنا لأن قولهم {لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ جُمْلَةً وٰحِدَةً } معناه لم نزل مفرقاً فذلك إشارة إليه. أما قوله تعالى: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } فمعنى الترتيل في الكلام أن يأتي بعضه على أثر بعض على تؤدة وتمهل وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفلجها يقال ثغر رتل وهو ضد المتراص، ثم إنه سبحانه وتعالى لما بين فساد قولهم بالجواب الواضح قال: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ } من الجنس الذي تقدم ذكره من الشبهات إلا جئناك بالحق الذي يدفع قولهم، كما قال تعالى: { أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } تفسير : [الأنبياء: 18] وبين أن الذي يأتي به أحسن تفسيراً لأجل ما فيه من المزية في البيان والظهور، ولما كان التفسير هو الكشف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه، فقالوا تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل معناه كذا وكذا. أما قوله: {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يحشر الناس على ثلاثة أصناف صنف على الدواب وصنف على الأقدام وصنف على الوجوه » تفسير : وعنه عليه السلام: « حديث : إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن مشيهم على وجوههم » تفسير : . المسألة الثانية: الأقرب أنه صفة للقوم الذين أوردوا هذه الأسئلة على سبيل التعنت، وإن كان غيرهم من أهل النار يدخل معهم. المسألة الثالثة: حمله بعضهم على أنهم يمشون في الآخرة مقلوبين، وجوههم إلى القرار وأرجلهم إلى فوق، روي ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقال آخرون المراد أنهم يحشرون ويسحبون على وجوههم، وهذا أيضاً مروي عن الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أولى، وقال الصوفية: الذين تعلقت قلوبهم بما سوى الله فإذا ماتوا بقي ذلك التعلق فعبر عن تلك الحالة بأنهم يحشرون على وجوههم إلى جهنم، ثم بين تعالى أنهم شر مكاناً من أهل الجنة وأضل سبيلاً وطريقاً، والمقصود منه الزجر عن طريقهم والسؤال عليه كما ذكرناه على قوله: { أية : أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } تفسير : [الفرقان: 24] وقد تقدم الجواب عنه. واعلم أنه تعالى بعد أن تكلم في التوحيد ونفي الأنداد وإثبات النبوة والجواب عن شبهات المنكرين لها وفي أحوال القيامة شرع في ذكر القصص على السنة المعلومة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} اختلف في قائل ذلك على قولين: أحدهما: أنهم كفار قريش؛ قاله ابن عباس. الثاني: أنهم اليهود حين رأوا نزول القرآن مفرقاً قالوا: هلا أنزل عليه جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور (على داود). فقال الله تعالى: {كَذَلِكَ} أي فعلنا {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} نقوي به قلبك فتعيه وتحمله؛ لأن الكتب المتقدّمة أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، والقرآن أنزل على نبيّ أميّ؛ ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، ففرقّناه ليكون أوعى للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأيسر على العامل به؛ فكان كلما نزل وحي جديد زاده قوّة قلب. قلت: فإن قيل هلا أنزل القرآن دفعة واحدة وحفظه إذا كان ذلك في قدرته؟. قيل: في قدرة الله أن يعلمه الكتاب والقرآن في لحظة واحدة، ولكنه لم يفعل ولا معترض عليه في حكمه، وقد بيّنا وجه الحكمة في ذلك. وقد قيل: إن قوله {كَذَلِكَ} من كلام المشركين، أي لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك، أي كالتوراة والإنجيل، فيتم الوقف على {كَذَلِكَ} ثم يبتدىء {لِنُثْبِّتَ بِهِ فُوَادَكَ}. ويجوز أن يكون الوقف على قوله: {جُمْلَةً وَاحِدَةً} ثم يبتدىء {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُوَادَكَ} على معنى أنزلناه عليك كذلك متفرّقا لنثبت به فؤادك. قال ابن الأنباري: والوجه الأوّل أجود وأحسن، والقول الثاني قد جاء به التفسير، حدّثنا محمد بن عثمان الشيبي قال: حدّثنا مِنجاب قال: حدّثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ }تفسير : [القدر: 1] قال: أنزل القرآن جملة واحدة من عند الله عز وجل في اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء، فنجمه السفرة الكرام على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل عليه السلام على محمد عشرين سنة. قال: فهو قوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ }تفسير : [الواقعة: 75] يعني نجوم القرآن {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ } تفسير : [الواقعة: 76 ـ 77]. قال: فلما لم ينزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم جملة واحدة، قال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة؛ فقال الله تبارك وتعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} يا محمد. {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} يقول: ورسَّلناه ترسيلا؛ يقول: شيئاً بعد شيء. {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} يقول: لو أنزلنا عليك القرآن جملة واحدة ثم سألوك لم يكن عندك ما تجيب به، ولكن نمسك عليك فإذا سألوك أجبت. قال النحاس: وكان ذلك من علامات النبوّة؛ لأنهم لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبيّ، فكان ذلك تثبيتاً لفؤاده وأفئدتهم، ويدلّ على هذا {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل عليهم، وعِلم الله عز وجل أن الصلاح في إنزاله متفرقاً، لأنهم ينبهون به مرة بعد مرة، ولو نزل جملة واحدة لزال معنى التنبيه وفيه ناسخ ومنسوخ، فكانوا يتعبدون بالشيء إلى وقتٍ بعينه قد علم الله عز وجل فيه الصلاح، ثم ينزل النسخ بعد ذلك؛ فمحال أن ينزل جملة واحِدة: افعلوا كذا ولا تفعلوا. قال النحاس: والأولى أن يكون التمام {جُمْلَةً وَاحِدَةً} لإنه إذا وقف على {كَذَلِكَ} صار المعنى كالتوراة والإنجيل والزبور ولم يتقدّم لها ذكر. قال الضحاك: {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} أي تفصيلاً. والمعنى: أحسن من مثلهم تفصيلاً؛ فحذف لعلم السامع. وقيل: كان المشركون يستمدّون من أهل الكتاب وكان قد غلب على أهل الكتاب التحريف والتبديل، فكان ما يأتي به النبيّ صلى الله عليه وسلم أحسن تفسيراً مما عندهم؛ لأنهم كانوا يخلطون الحق بالباطل، والحق المحض أحسن من حق مختلط بباطل، ولهذا قال تعالى: {أية : وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ}تفسير : [البقرة: 42]. وقيل: {لاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} كقولهم في صفة عيسى إنه خلق من غير أب {إِلاَّ جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ} أي بما فيه نقض حجتهم كآدم إذ خلق من غير أب وأم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن كثرة إعتراض الكفار وتعنتهم وكلامهم فيما لا يعنيهم، حيث قالوا: {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَٰحِدَةً} أي: هلا أنزل عليه هذا الكتاب الذي أوحي إليه جملة واحدة، كما نزلت الكتب قبله جملة واحدة؛ كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب الإلهية، فأجابهم الله تعالى عن ذلك بأنه إنما نزل منجماً في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث، وما يحتاج إليه من الأحكام؛ ليثبت قلوب المؤمنين به؛ كقوله: {أية : وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ} تفسير : [الإسراء: 106] الآية، ولهذا قال: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}، قال قتادة: بيناه تبيينا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وفسرناه تفسيراً {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} أي: بحجة وشبهة {إِلاَّ جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} أي: ولا يقولون قولاً يعارضون به الحق، إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر، وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} أي: بما يلتمسون به عيب القرآن والرسول، {إِلاَّ جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ} الآية، أي: إلا نزل جبريل من الله تعالى بجوابهم، وما هذا إلا اعتناء وكبير شرف للرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان يأتيه الوحي من الله عز وجل بالقرآن صباحاً ومساء، وليلاً ونهاراً، سفراً وحضراً، وكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن، لا كإنزال كتابٍ مما قبله من الكتب المتقدمة، فهذا المقام أعلى وأجل وأعظم مكانة من سائر إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فالقرآن أشرف كتاب أنزله الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم نبي أرسله الله تعالى، وقد جمع الله للقرآن الصفتين معاً، ففي الملأ الأعلى أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك إلى الأرض منجماً بحسب الوقائع والحوادث. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا أحمد بن سليمان، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، قال الله تعالى: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} وقال تعالى: {وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنْزِيلاً}. ثم قال تعالى مخبراً عن سوء حال الكفار في معادهم يوم القيامة، وحشرهم إلى جهنم في أسوأ الحالات وأقبح الصفات {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً}. وفي "الصحيح" عن أنس: أن رجلاً قال: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: «حديث : إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» تفسير : وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من المفسرين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ } هلا {نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وٰحِدَةً } كالتوراة والإِنجيل والزبور. قال تعالى: نزّلناه {كَذٰلِكَ } أي متفرّقاً {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } نقوّي قلبك {وَرَتَّلْنَٰهُ تَرْتِيلاً } أي أتينا به شيئاً بعد شيء بتمهّل وتؤدة لتيسير فهمه وحفظه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} في قائل ذلك من الكفار قولان: أحدهما: أنهم كفار قريش، قاله ابن عباس. الثاني: أنهم اليهود حين رأوا نزول القرآن مفرقاً، قالوا: هلا أُنزِل عليه جملة واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى. {كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} فيه وجهان: أحدهما: لنشجع به قلبك، لأنه معجز يدل على صدقك، وهو معنى قول السدي. الثاني: معناه كذلك أنزلناه مفرقاً لنثبته في فؤادك. وفيه وجهان: أحدهما: لأنه كان أمياً ولم ينزل القرآن عليه مكتوباً، فكان نزوله مفرقاً أَثبتَ في فؤاده، وأَعلَقَ بقلبه. الثاني: لنثبت فؤادك باتصال الوحي ومداومة نزول القرآن، فلا تصير بانقطاع الوحي مستوحشاً. {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} فيه خمسة تأويلات: أحدها: ورسلناه ترسيلاً، شيئاً بعد شيء، قاله ابن عباس. الثاني: وفرقناه تفريقاً، قاله إبراهيم. الثالث: وفصلناه تفصيلاً، قاله السدي. الرابع: وفسرناه تفسيراً، قاله ابن زيد. الخامس: وبينَّاه تبييناً، قاله قتادة. روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَا ابْنَ عَبَّاسِ إِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَرِتّلْهُ تَرْتِيلاً"، تفسير : فقلت وما الترتيل؟، قال: "حديث : بَيِّنْهُ تَبْييناً وَلاَ تَبْتُرْهُ بَتْرَ الدقلِ، وَلاَ تهذه هذّ الشِّعرِ وَلاَ يَكُونُ هَمَّ أَحدِكُم آخِرَ السُّورَةِ ".
ابن عطية
تفسير : روي عن ابن عباس وغيره أن كفار قريش قالوا في بعض معارضتهم لو كان هذا القرآن من عند الله لنزل {جملة} كما نزل التوراة والإنجيل وقوله {كذلك} يحتمل أن يكون من قول الكفار إشارة إلى التوراة والإنجيل، ويحتمل أن يكون من الكلام المستأنف وهو أولى ومعناه كما نزل أردناه فالإشارة إلى نزوله متفرقاً وجعل الله تعالى السبب في نزوله متفرقاً تثبيت فؤاد محمد عليه السلام وليحفظه، وقال مكي والرماني من حيث كان أمياً لا يكتب وليطابق الأسباب المؤقتة فنزل في نيف على عشرين سنة، وكان غيره من الرسل يكتب فنزل إليه جملة، وقرأ عبد الله بن مسعود "ليثبت" بالياء، والترتيل التفريق بين الشيء المتتابع ومنه قولهم ثغر رتل ومنه ترتيل القراءة، وأراد الله تعالى أن ينزل القرآن في النوازل والحوادث التي قدرها وقدر نزوله فيها، ثم أخبر تعالى نبيه أن هؤلاء الكفرة لا يجيئون بمثل يضربونه على جهة المعارضة منهم كتمثيلهم في هذه بالتوراة والإنجيل إلا جاء القرآن {بالحق} في ذلك بالجلية ثم هو {أحسن تفسيراً} وأفصح بياناً وتفصيلاً، ثم توعد الكفار بما ينزل بهم يوم القيامة من الحشر على وجوههم إلى النار وذهب الجمهور، إلى أن هذا المشي على الوجوه حقيقة، وروي في ذلك من طريق أنس بن مالك حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل يا رسول الله كيف يقدرون على المشي على وجوههم، وقال حديث : إن الذي أقدرهم على المشي على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم تفسير : ، وقالت فرقة المشي على الوجوه استعارة للذلة المفرطة والهوان والخزي وقوله تعالى: {شر مكاناً} القول فيه كالقول في قوله {أية : خير مستقراً} تفسير : [الفرقان: 24].
ابن عبد السلام
تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} قريش، أو اليهود: هلا نُزل القرآن جملة واحدة كالتوراة {لِنُثَبِّتَ} لنشجع به قلبك؛ لأنه معجزة تدل على صدقك، أو أنزلناه متفرقاً لنثبت به فؤادك؛ لأنه أُمي لا يقرأ فنزل مفرقاً ليكون أثبت في فؤاده وأعلق بقلبه، أو ليثبت فؤاده باتصال الوحي فلا يصير بانقطاعه مستوحشاً {وَرَتَّلْنَاهُ} رسلناه شيئاً بعد شيء "ع"، أو فرقناه، أو فصلناه، أو فسرناه، أو بيناه "ع".
النسفي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي قريش أو اليهود {لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جُمْلَةً } حال من القرآن أي مجتمعاً {وٰحِدَةٌ } يعني هلا أنزل عليه دفعة واحدة في وقت واحد كما أنزلت الكتب الثلاثة، وماله أنزل على التفاريق؟ وهو فضول من القول ومماراة بما لا طائل تحته، لأن أمر الإعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو متفرقاً. و{نزّل} هنا بمعنى أنزل وإلا لكان متدافعاً بدليل {جملة واحدة} وهذا اعتراض فاسد لأنهم تحدوا بالإتيان بسورة واحدة من أصغر السور فأبرزوا صفحة عجزهم حتى لاذوا بالمناصبة وفزعوا إلى المحاربة وبذلوا المهج وما مالوا إلى الحجج {كَذٰلِكَ } جواب لهم أي كذلك أنزل مفرقاً في عشرين سنة أو في ثلاث وعشرين و«ذلك» في {كذلك} إشارة إلى مدلول قوله {لولا نزل عليه القرآن جملة} لأن معناه لم أنزل عليك القرآن مفرقاً فأعلم أن ذلك {لِنُثَبّتَ بِهِ } بتفريقه {فُؤَادَكَ } حتى تعيه وتحفظه لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئاً بعد شيء وجزأ عقيب جزء ولو ألقي عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه، أو لنثبت به فؤادك عن الضجر بتواتر الوصول وتتابع الرسول لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } معطوف على الفعل الذي تعلق به {كذلك} كأنه قال: كذلك فرقناه ورتلناه أي قدرناه آية بعد آية ووقفة بعد وقفة، أو أمرنا بترتيل قراءته وذلك قوله تعالى: {أية : وَرَتّلِ ٱلْقُرْءانَ تَرْتِيلاً }تفسير : [المزمل: 4] أي اقرأه بترسل وتثبت أو بيناه تبييناً، والترتيل التبيين في ترسل وتثبت. {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ } بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة كأنه مثل في البطلان {إِلاَّ جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ } إلا أتيناك بالجواب الحق الذي لا محيد عنه {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً } وبما هو أحسن معنى ومؤدى من مثلهم أي من سؤالهم. وإنما حذف من مثلهم لأن في الكلام دليلاً عليه كما لو قلت «رأيت زيداً وعمراً وإن عمراً أحسن وجهاً» كان فيه دليل على أنك تريد من زيد. ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه فقالوا: تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل: معناه كذا وكذا. أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون هلا أنزل عليك القرآن جملة إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا أن تعطاه وما هو أحسن تكشيفاً لما بعثت عليه ودلالة على صحته يعني أن تنزيله مفرقاً وتحديثهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلما نزل شيء منها، أدخل في الإعجاز من أن ينزل كله جملة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ} الآية. هذه شبهة خامسة لمنكري النبوة؛ فإن أهل مكة قالوا: تزعم أنك رسول من عند الله، فهلا تأتينا بالقرآن جملة (واحدة)، كما أتي موسى بالتوراة جملة، وكما أتي عيسى بالإنجيل جملة، وداود بالزبور. قال ابن جريج: من أوله إلى آخره في ثنتين أو ثلاث وعشرين سنة. و"جملة" حال من "القرآن"؛ إذ هي في معنى مجتمعاً. قوله: "كذلك" الكاف إما مرفوعة المحل، أي: الأمر كذلك، و"لِنُثَبِّتَ" علة لمحذوف، أي: لنثبت فعلنا ذلك. وإما منصوبته على الحال، أي: أنزل مثل ذلك، أو على النعت لمصدر محذوف، و"لنثبت" متعلقة بذلك الفعل المحذوف وقال أبو حاتم: هي جواب قسم. وهذا قول مرجوح نحا إليه الأخفش، وجعل منه "ولتصغى"، وقد تقدم في الأنعام. وقرأ عبد الله "ليثبت" بالياء أي الله تعالى. فصل هذا جواب عن شبهتهم، وبيانه من وجوه: أحدها: أنه - عليه السلام - لم يكن من أهل الكتابة والقراءة، فلو نزل ذلك عليه جملة واحدة كان لا يضبطه وجاز عليه فيه الخطأ والغلط. وثانيها: أن من كان الكتاب عنده، فربما اعتمد على الكتاب وتساهل في الحفظ، فالله تعالى ما أعطاه الكتاب جملة واحدة بل كان ينزل عليه وظيفة، ليكون حفظه له أكمل، فيكون أبعد عن المساهمة وقلة التحصيل. وثالثها: أنه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة لنزلت الشرائع بأسرها دفعة على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك فلما نزل مفرقاً منجماً نزلت التكاليف قليلاً قليلاً، فكان تحملها أسهل. ورابعها: أنه إذا شاهد جبريل حالاً بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته على أداء ما حمل، وعلى الصبر على عوارض النبوة، وعلى احتمال الأذى وعلى التكاليف الشاقة. وخامسها: أنه لما تم شرط الإعجاز فيه مع كونه منجماً ثبت كونه معجزاً؛ فإنه لو كان ذلك مقدوراً للبشر لوجب أن يأتوا بمثله منجماً مفرقاً، ولما عجزوا عن معارضة نجومه المفرقة، فعن معارضة الكل أولى. وسادسها: كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم ووقائعهم، فكانوا يزدادون بصيرة، وكان ينضم إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب. وسابعها: أن السفارة بين الله وبين أنبيائه، وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد دفعة واحدة لبطل المنصب على جبريل - عليه السلام - فلما أنزله مفرقاً منجماً بقي ذلك المنصب العالي عليه، فلذلك جعلة الله تعالى منجماً. فصل قوله: "كذلك" يحتمل أن يكون من تمام كلام المشركين، أي: جملة واحدة كذلك أي كالتوراة والإنجيل. ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ذكره جواباً لهم، أي: كذلك أنزلناه، مفرقاً. فإن قيل: "كذلك" إشارة إلى شيء تقدمه، والذي تقدمه هو إنزالة جملة، (فكيف فسره بـ "كَذلِكَ أَنْزَلْنَاهُ") مفرقاً؟ فالجواب: أن الإشارة (إلى الإنزال مفرقاً لا إلى جملة. قوله: "ورتلناه ترتيلاً" الترتيل: التفريق ومجيء الكلمة بعد الأخرى بسكوت) يسير دون قطع النفس، ومنه ثغر رَتِلٌ ومُرتل، أي: مفلج الأسنان بين أسنانه فرج يسيرة. قال الزمخشري: ونزل هنا بمعنى أنزل لا غير كخبر بمعنى أخبر وإلا تدافعا. يعني أن نزل بالتشديد يقتضي بالأصالة التنجيم والتفريق، فلو لم يجعل بمعنى أنزل الذي لا يقتضي ذلك، لتدافع مع قوله "جُمْلَةً" لأن الجملة تنافي التفريق، وهذا بناء منه على معتقده، وهو أن التضعيف يدل على التفريق، وقد نص على كذلك في مواضع من الكشاف في سورة البقرة، وأول آل عمران، وآخر الإسراء، وحكى هناك عن ابن عباس ما يقوي ظاهره صحة قوله. فصل "وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً" قال ابن عباس: بيناه بياناً. والترتيل التبيين في ترسل وتثبيت. وقال السديّ: فصلناه تفصيلا. وقال مجاهد: بعضه في أثر بعض. وقال النخعي والحسن وقتادة: فرقناه تفريقاً آية بعد آية. قوله: "ولا يَأْتُونَك" يعني المشركين "بمثل" يَضربونه في إبطال أمرك {إلا جئناك بالحق} الذي يدفع ما جاءوا به من المثل ويبطله كقوله {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} تفسير : [الأنبياء: 18] في ما يريدون من الشبه (مثلاً، وسمى ما يدفع به الشُّبَه) حقاً. قوله: {إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} هذا الاستثناء مفرغ، والجملة في محل نصب على الحال، أي: لا يأتونك بمثل إلا في حال إيتائنا إياك كذا، والمعنى: ولا يأتونك بسؤال عجيب إلا جئناك بالأمر الحق، "وأحْسَنَ تَفْسِيراً" أي: بياناً وتفضيلاً، و"تفسيراً" تمييز. والمفضّل عليه محذوف: تفسيراً من مثلهم. والتفسير: تفعيل من الفَسْرِ، وهو كشف ما قد غطي. ثم ذكر مآل المشركين فقال: {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} بساقون ويجرُّون إلى جهنم، روي أنهم يمشون في الآخرة مقلوبين وجوههم على القفا، وأرجلهم إلى فوق، وقال عليه السلام: "حديث : إنّ الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم"تفسير : . والأولى أولى، لأنه ورد أيضاً. قوله: "الّذِينَ يُحْشَرُونَ" يجوز رفعه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين ويجوز نصبه على الذم، ويجوز أن يرتفع بالابتداء وخبره الجملة من قوله {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً}، ويجوز أن يكون "أُولَئِكَ" بدلاً أو بياناً للموصول، و"شَرٌّ مَكَاناً" خبر الموصول. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} منزلاً ومصيراً من أهل الجنة "وأضل سبيلاً" وأخطأ طريقاً وههنا سؤال كما تقدم في قوله: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} تفسير : [الفرقان: 24]. ولما تكلم في التوحيد، ونفي الأنداد وإثبات النبوة وأحوال القيامة شرع في ذكر القصص على الطريقة المعلومة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: قال المشركون: إن كان محمد كما يزعم نبياً فلم يعذبه ربه. ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة؟ ينزل عليه الآية والآيتين والسورة. فأنزل الله على نبيه جواب ما قالوا {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} إلى {وأضل سبيلاً} . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} يقولون: كما أنزل على موسى، وعلى عيسى قال الله {كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً} قال: بيناه تبييناً {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً} قال: أحسن تفصيلاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {كذلك لنثبت به فؤادك} قال: كان الله ينزل عليه الآية فإذا علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت آية أخرى ليعلمه الكتاب عن ظهر قلبه ويثبت به فؤادك {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً} يقول: أحسن تفصيلاً. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {كذلك لنثبت} قال: لنشدد به فؤادك، ونربط على قلبك {ورتلناه ترتيلاً} قال: رسلناه ترسيلاً يقول: شيئاً بعد شيء {ولا يأتونك بمثل} يقول: لو أنزلنا عليك القرآن جملة واحدة ثم سألوك، لم يكن عندك ما تجيب. ولكنا نمسك عليك، فإذا سألوك أجبت. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قالت قريش ما للقرآن لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم جملة واحدة؟ قال الله في كتابه {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً} قال: قليلاً. قليلاً... كما لا يجيئوك بمثل إلا جئناك بما ينقض عليهم، فأنزلناه عليك تنزيلاً قليلاً قليلاً. كلما جاؤوا بشيء جئناهم بما هو أحسن منه تفسيراً. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {ورتلناه ترتيلاً} قال: كان ينزل عليه الآية. والآيتان. والآيات... كان ينزل عليه جواباً لهم. إذا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء أنزل الله جواباً لهم، ورداً عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما تكلموا به، وكان بين أوّله وآخره نحو من عشرين سنة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج {كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً} قال: كان ينزل عليه القرآن جواباً لقولهم. ليعلم أن الله هو يجيب القوم عما يقولون {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق} قال: لا يأتيك الكفار إلا جئناك بما ترد به ما جاؤوك به من الأمثال التي جاؤوا بها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي {ورتلناه ترتيلاً} يقول: أنزل متفرقاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {ورتلناه ترتيلاً} قال: فصلناه تفصيلاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله {وأحسن تفسيراً} قال: تفصيلاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وأحسن تفسيراً} قال: بياناً.
القشيري
تفسير : أي إنما أنزلناه متفرقاً لِيسُهل عليك حِفْظُه؛ فإنه كان أمياً لا يقرأ الكتب، ولأنه لو كان دفعة واحدة لم يتكرر نزول جبريل عليه السلام بالرسالة إليه في كل وقت وكل حين... وكثرةُ نزوله كانت أوجبَ لسكون قلبه وكمال رَوْحه ودوام أُنْسه، فجبريل كان يأتي في كل وقت بما كان يقتضيه ذلك الوقتُ من الكوائن والأمور الحادثة، وذلك أبلغُ في كونه معجزةً، وأَبعدُ عن التهمة من أن يكون من جهة غيره، أو أن يكون بالاستعانة بمن سواه حاصلاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن} [وكفتند مشركان عرب جرا فروفر ستاده نشده برمحمد قرآن] فلولا تحضيضة بمعنى هلا والتنزيل ههنا مجرد عن معنى التدريج بمعنى انزل كخبر بمعنى اخبر لئلا يناقض قوله {جملة واحدة} دفعة واحدة كالكتب الثلاثة اى التوراة والانجيل والزبور حال من القرآن اذ هى فى معنى مجتمعا وهذا اعتراض حيرة وبهت لا طائل تحته لان الاعجاز لا يختلف بنزوله جملة او مفرقا وقد تحدّوا بسورة واحدة فعجزوا عن ذلك حتى اخلدوا الى بذل المهج والاموال دون الاتيان بها مع ان للتفريق فوائد منها مااشار اليه بقوله {كذلك لنثبت به فؤادك} محل الكاف النصب على انها صفة لمصدر مؤكد معلل بما بعده وذلك اشارة الى ما يفهم من كلامهم اى مثل ذلك التنزيل المفرق الذى قدحوا فيه نزلناه لا تنزيلا مغايرا له لنقوّى بذلك التنزيل المفرق فؤادك اى قلبك فان فيه تيسيرا لحفظ النظم وفهم المعنى وضبط الاحكام والعمل بها ألا ترى ان التوراة انزلت دفعة فشق العمل على بنى اسرائيل ولانه كلما نزل عليه وحى جديد فى كل امر وحادثة ازداد هو قوة قلب وبصيرة وبالجملة انزل القرآن منجما فضيلة خص بها نبينا عليه السلام من بين سائر النبيين فان المقصود من انزاله ان يتخلق قلبه المنير بخلق القرآن ويتقوى بنوره ويتغذى بحقائقه وعلومه وهذه الفوائد انما تكمل بانزاله مفرقا ألا يرى ان الماء لو نزل من السماء جملة واحدة لما كانت تربية الزروع به مثلها اذا نزل مفرقا الى ان يستوى الزرع {ورتلناه ترتيلا} عطف على ذلك المضمر. والترتيل التفريق ومجيىء الكلمة بعد الاخرى بسكوت يسير دون قطع النفس واصله فى الاسنان وهو تفريجها. والمعنى كذلك نزلناه وقرأناه عليك شيئا بعد شىء على تؤدة وتمهل فى عشرين سنة او ثلاث وعشرين.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وقال الذين كفروا} يعني: قريشاً، وهم القائلون: {أية : لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} تفسير : [الفرقان: 21]، والتعبير عنهم بعنوان الكفر؛ لذمهم، والإشعار بِعِلِّيَّةِ الحكم، قالوا: {لولا نُزِّل عليه القرآنُ}، نُزِّل هنا بمعنى أُنْزِلَ، وإلا كان متدافعاً؛ لأن التنزيل يقتضي التدرج بصيغته، وهم إنما اقترحوا الإنزال جملة، أي: هلاَّ أنزل القرآن، حال كونه {جملةً واحدةً} أي: دفعة واحدة في وقت واحد، كما أنزلت الكتب الثلاثة، وماله أنزل مفرقاً في سنين؟ وبطلان هذه المقالة الحمقاء مما لا يكاد يخفى على أحد؛ فإن الكتب المتقدمة لم يكن شاهد صحتها، ودليل كونها من عند الله، إعجازُها، وأما القرآن الكريم، فبينة صحته، ودليل كونه من عند الله، نظمُه المعجز الباقي على مر الدهور، ولا ريب في أن ما يدور عليه فلك الإعجاز هو المطابقة لما تقتضيه الأحوال، ومن ضرورية تغيرها وتجددها تغيرُ ما يطابقها حتماً، على أن له فوائد أخرى، قد أشير إلى بعض منها بقوله: {كذلك لنُثبّتَ به فؤادَك}؛ فإنه استئناف وارد من جهته تعالى؛ لرد مقالتهم الباطلة، وبيان الحكمة في التنزيل التدريجي. قاله أبو السعود. أي: أنزلناه كذلك مفرقاً في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين؛ لنثبت به فؤادك، ونقوي به يقينك، فَكُلَّمَا نزل شيء من الوحي قوي القلب، وازداد اليقين، حتى يصير إلى عين اليقين وحق اليقين. قال القشيري: لأنه لو كان دفعة واحدة لم يتكرر نزول جبريل - عليه السلام - بالرسالة في كل وقت وحين. وكثرة نزوله كان أوجبَ؛ لسكون قلبه، وكمال رَوْحه، ودوام أُنْسه، ولأنه كان جبريل يأتيه في كل وقت بما يقتضيه ذلك الوقتُ من الكوائن والأمور الحادثة، فكان ذلك أبلغ في كونه معجزة، وكان أبعدَ من التهم من أن يكون من جهة غيره، وبالاستعانة بمن سواه حاصلاً. هـ. وقال القرطبي بعد كلام: أيضاً: لو أنزل جملة، بما فيه من الفرائض؛ لثقل عليهم، وأيضاً: في تفريقه تنبيه لهم، مرة بعد مرة، وهو أنفع لهم، وأيضاً فيه ناسخ ومنسوخ، ولو نزل ذلك جملة لنزل فيه الأمر بالشيء وبتركه، وهو لا يصح. هـ. وقال النسفي: لنقوي، بتفريقه، فؤادك؛ حتى تعيه وتحفظه؛ لأن المتلقي إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئاً بعد شيء، وجزءاً عقب جزء، ولو ألقي عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه. أو: لنُثبت به فؤادك عن الضجر؛ وذلك بتواتر الوصول وتتابع الرسول؛ لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب. هـ. {ورتلناه ترتيلا} أي: كذلك فرقناه ورتلناه ترتيلاً بديعاً عجيباً، أي: قدرناه آية بعد آية ووقفة عقب وقفة، وأمرنا بترتيل قراءته، بقولنا: {أية : وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً }تفسير : [المزمل: 4] أو: فصلناه تفصيلاً، أو: بيّناه تبييناً فيه ترتيل وتثبيت. {ولا يأتونك بمَثَلٍ}؛ بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة، واقتراحاتهم الفاسدة الخارجة عن دائرة العقول، الجارية لذلك مجرى الأمثال، {إلا جئناك بالحقِّ}؛ إلا أتيناك بالجواب الحق الذي لا محيد عنه، الذي ينحى عليه بالإبطال ويحسم مادة القيل والقال، كما مر من الأجوبة الحقية، القالعة لعروق أسئلتهم الشنيعة، الدامغة لها بالكلية. وجئناك بأحسن {تفسيراً} أي: بيانأ وتفصيلاً، بمعنى أنه في غاية ما يكون من الحسن في حد ذاته، لا أن ما يأتون به حَسَنٌ، وهذا أحسن منه، وإنما المعنى: لا يسألونك عن شيء غريب إلا جئناك بما يبطله وما يكشف معناه، ويفسره غاية التفسير. ثم ذكر مآل الكفرة المقترحين لهذه الشُّبَهِ، فقال: {الذين يُحشرون على وجوههم إلى جهنم} أي: يُحشرون كائنين على وجوههم، يُسبحون عليها، ويجرون إلى جهنم. وقيل: مقلوبين؛ وجوههم إلى قفاهم، وأرجلُهم فوق، {أؤلئك شرٌّ مكاناً} أي: مكانة ومنزلة، أو: مسكناً ومنزلاً، {وأضلُّ سبيلا}؛ وأخطأ طريقاً. ونزلت الآية لَمَّا قالوا: إن أصحاب محمد شر خلق الله وأضل الناس طريقاً. وقيل: المعنى: إن حاملكم على هذه السؤالات اعتقادُكُمَ أن محمداً ضال، ومكانه حقير، ولو نظرتم إلى ما يؤول إليه أمركم، لعلمتم أنكم شر منه مكاناً، وأضل سبيلاً. والله تعالى أعلم. الإشارة: تثبيت القلوب على الإيمان، وتربية اليقين، يكون بصحبة الأبرار ورؤية العارفين الكبار، والترقي في معاريج التوحيد، إلى أن يفضي إلى مقام العيان، يكون بعقد الصحبة مع أهل التربية، وخدمتهم وتعظيمهم، حتى يوصلوه إلى ربه. ومن شأنهم أن الله يدافع عنهم، ويجيب من سألهم تشغيباً، فيلهمهم الجواب، فضلاً منه، فلا يُسألون عن شيء إلا جاءهم بالحق وأحسن تفسيراً، ثم هدد من صغَّرهم وحقَّر شأنهم بقوله: {الذين يُحشرون...} الآية. والله تعالى أعلم. ثم ردّ على من طلب انزال القرآن جملة بكون كتاب التوراة نزل جملة، ومع ذلك كفروا به، فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ...}
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} يعنى تارة يقولون: لولا انزل علينا الملائكة سخريّةً بك، وتارةً يقولون: ان كان ما يقول حقّاً فلم لا ينزل القرآن عليه مجموعاً؟ ولاىّ سبب ينزل عليه آية بعد آية؟! فانّ الله الّذى يدّعى هو الرّسالة منه قادر على انزال الكتاب جملةً وليس يحتاج الى تأمّل وتروٍّ ومُضىّ زمان لجمعه وتأليفه، ووضع المظهر موضع المضمر لاحضارهم بصفتهم الفظيعة {كَذَلِكَ} الانزال بالتّفريق انزلناه {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} فانّه كلّما نزل عليك آية من القرآن ازدادُ انسك بالرّحمن، وكلّما ازداد انسك ازداد ثبات قلبك على الدّين {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} عطف على انزلناه المقدّر، والتّرتيل القراءة بِتُؤَدةٍ والمراد قرأناه عليك مفصولاً متفرّقاً فى ثلاثٍ وعشرين سنة.
الأعقم
تفسير : {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} كما أنزلت التوراة والإِنجيل والزبور، القائلون قريش، وقيل: اليهود {كذلك} جواباً لقولهم أنزل متفرقاً {لنثبت به فؤادك} يعني تعيه وتحفظه، والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فارقت حالته حالة موسى وداوود وعيسى حيث كان أميَّاً لا يقرأ ولا يكتب وهم كانوا كاتبين قارئين {ورتلناه ترتيلاً}، قيل: رسلناه، ومعنى ترتيله أن قدّره آية بعد آية ووقفة عقيب وقفة، ويجوز أن يكون المعنى: وأمرنا بترتيل قراءته وذلك قوله: {أية : ورتّل القرآن ترتيلاً} تفسير : [المزمل: 4] أي اقرأه مرتّلاً بترسيل وتثبت وأصله الترتيل {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق} يعني لا يأتونك بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة كأنه مثل في البطلان إلا أتيناك نحن بالجواب الحق {وأحسن تفسيراً} أي بياناً كأنهم أتوا ما ليس بحجة فعارضهم بحجة {الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكاناً وأضلّ سبيلاً} {ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً} {فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا} يعني قوم فرعون {فدمّرناهم تدميراً} أي أهلكناهم {وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية} أي عِبرة وعظة {واعتدنا للظالمين} في الآخرة {عذاباً أليماً} {وعاداً} أي وأهلكنا عاداً {وثموداً وأصحاب الرس} كانوا قوماً من عبدة الأصنام أصحاب أثار ومواشي فبعث الله اليهم شعيباً فدعاهم إلى الإِسلام فتمادوا في طغيانهم وفي إذائه، فبينما هم حول العرش وهو العير عير المطوية عن ابن أبي عبيد انهارت بهم وتخسف بهم وبديارهم، وقيل: الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم وهلكوا وهم بقية ثمود، وقيل: هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح، وهي تنقضّ على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد، فدعا عليها حنظلة (عليه السلام) فأصابتها الصاعقة، ثم أنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا، وقيل: هم أصحاب الأخدود، وقيل: الرس بانطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار، وقيل: قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي دسوه فيها {وقروناً بين ذلك كثيراً}، قيل: بين نوح وأصحاب الرس، وقيل: بين من تقدم ذكرهم، والقرن سبعون سنة {وكلاّ ضربنا له الأمثال} بالوعد والوعيد وبيّنا لهم القصص العجيبة من قصص الأولين {وكلا تبرنا تتبيراً}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ} أي: هلا {نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} أي: كما أنزل على موسى وعلى عيسى. قال الله: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}. [قال قتادة: وَبَيَّنَّاهُ تَبْيِيناً] نزل في ثلاث وعشرين سنة. {وَلاَ يَأتُونَكَ بِمَثَلٍ} يعني المشركين مما كانوا يحاجونه به. قال: {إِلاَّ جِئْنَاك بِالحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} أي: بياناً. وقال بعضهم: أحسن تفضيلاً. قوله: {الذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} أي: من أهل الجنة {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} أي: طريقاً في الدنيا، لأن طريقهم إلى النار وطريق المؤمنين إلى الجنة. قوله: {وَلَقَد ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} أي: التوراة {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً} أي: عويناً. وقال بعضهم: عضداً. وقال الحسن: شريكاً في الرسالة؛ وهو واحد، وذلك قبل أن تنزّل عليهما التوراة، ثم نزلت عليهما قبل، فقال: (أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرْقَانَ وَضِيَآءً) تفسير : [الأنبياء: 48] أي: التوراة، وفرقانها حلالها وحرامها وفرائضها وأحكامها. قال: {فَقُلْنَا اذْهَبَآ إِلَى القَوْمِ الذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} يعني فرعون وقومه {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً} أي: فكذبوهما فدمّرناهم تدميراً، يعني الغرق الذي أهلكهم به، كقوله: (أية : فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ) تفسير : [المؤمنون: 48] أي: من المعذبين بالغرق في الدنيا ولهم النار في الآخرة.
اطفيش
تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ} اي هلا وهي للتوبيخ والتنديم * {نُزِّلَ عَلَيْهِ} على محمد * {القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} كما نزلت التوراة والانجيل والزبور. قال ابن عباس: قالوا: لو كان من عند الله لنزل جملة كتلك الكتب وقائل ذلك قريش. وقيل اليهود وذلك فضول من الكلام ومماراة بما لا يجدي لان امر الاعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة او مفرقا ولو كان كلام بشر يقوله بمهلة وتفكر تهذيبا له لفعلوا مثله وقد عجزوا ان يأتوا بنجم واحد من نجومه وتحدوا باصغر سورة انما يصح ان يقولوا: (لولا انزل عليه جملة واحدة) لو قدروا عليه (منجما) ومعنى قولي باصغر سورة بسورة قليلة الالفاظ ولست اعني تصغير شيء من القرآن. {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} الكاف متعلقة بمحذوف اي لم ينزل عليه القرآن جملة وانزلناه مفرقا والاشارة إلى عدم انزاله جملة وهو انزاله مفرقا وذلك المحذوف دل عليه قولهم لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة لانهم مما طلبوا نزوله جملة الا وقد كان ينزل مفرقا ولا بد من ذلك التقدير ولو على القول بعدم تعلق الكاف وهو ضعيف وبذلك المحذوف تتعلق اللام ايضا. ويجوز ان يكون كذلك صفة لمصدر محذوف وذلك من كلام الله واما كلام الكفرة فتم في قوله جملة واحدة. ويجوز ان يتم قولهم في قوله ذلك ويبتدئ كلام الله بقوله {ليثبت} الخ فتكون الاشارة إلى ما سبق من كتب الله فتعلق الكاف بـ (نزل) قبلها أو يجعل كذلك نعتا لمصدر محذوف وتعلق اللام بمحذوف اي انزلناه مفرقا أو لم ننزله جملة لنثبت به فؤادك. وتثبيت فؤاده تقويته على حمل الاذى والصبر فانه إذا نزل عليه جبريل تجدد عهده وزال همه أو المراد تقوية قلبه بتفريقه على حفظه شيئا فشيئا لانه لا يكتب ولا يقرأ بخلاف موسى وداود وعيسى فلو نزل عليه جملة ما قدر على تلقفه أو المراد تقوية قلبه لنزوله بحسب الوقائع فان نزوله بحسبها يوجب مزيد بصيرة وغوصا في المعنى وايضا فان كل نجم منه معجز فيكون معجزا لهم عند كل نجم فيطمئن قلبه لذلك ويثبت وايضا في نزوله مفرقا معرفة الناسخ والمنسوخ وانضمام القرائن الحالية إلى الدلالات القطعية فانه يعين على البلاغة. {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} معطوف على الجملة المقدرة للكاف أو اللام أو للام. قال ابن عباس: بيناه تبيينا. وقيل: أتبنا به آية بعد آية أو اكثر في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين اقوال بحسب اقامته بعد البعث بمكة. واصل الترتيل في الاسنان وهو وتفليجها.
اطفيش
تفسير : {وقال الَّذين كفروا} كفار العرب المذكورون، ولم يضمر لهم ليصفهم بالكفر فى عبارة معتمدة لذلك، ولو أضمر وذكر الكفر لأفاد الوصف، لكن يكون من عرض مثل أن يقول وقالوا كافرين، وقيل: المراد طائفة من اليهود {لولا نُزِّل عليه القُرآن جملةً واحدةً} بمرة كالتوراة والصحف والزبور، ولا تقل والانجيل، مع أنه كذلك إذا فسر الذين كفروا باليهود، لأنهم كفروا به، وقيل: نزلت التوراة فى ثمانى عشرة سنة، وهو قول باطل، وأجاب الله عز وجل عنه بقوله: {كَذلكَ} أى لم ننزله جملة، بل منجما أو نزلناه مفرقا {لنثَبِّتَ به فؤادك} تقوية به إذا ضاق صدرك، فسحناه بنزوله، وإذا سئلت أجبناك، فهو ينزل بحسب المصالح، فيتواتر الوصول، وقلب المحب يسكن بتواتر كتب المحبوب، متعلق بلم ننزله المقدر، ويضعف أن نجعل كذلك من كلام غير الله مع ما قبله، ونجعل الاشارة الى الكتاب الذى هو التوراة، أو كل ما تقدم من كتب الله المتقدمة، أو تنزيل ما ذكر أى جملة واحدة، كما نزلت الكتب قبله واحدة، فنقدر لنثبت أنزلناه مفرقاً، أو لم ننزله جملة {ورتَّلناهُ} مفرقا شيئاً فشيئا، فى عشرين سنة أو ثلاث وعشرين كترتيل الأسنان، أى جعل فسحة بين السن والأخرى {ترْتيلا} بديعا لا يقاربه مقارب.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } حكاية لنوع آخر من أباطيلهم، والمراد بهم المشركون كما صح عن ابن عباس وهم القائلون أولاً، والتعبير عنهم بعنوان الكفر لذمهم به والإشعار بعلة الحكم، وقيل: المراد بهم طائفة من اليهود {لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ } أي أنزل عليه كخبر بمعنى أخبر فلا قصد فيه إلى التدريج / لمكان {جُمْلَةً وٰحِدَةً } فإنه لو قصد ذلك لتدافعا إذ يكون المعنى لولا فرق القرآن جملة واحدة والتفريق ينافي الجملية، وقيل: عبر بذلك للدلالة على كثرة المنزل في نفسه، ونصب {جملة} على الحال و {وٰحِدَةٌ } على أنه صفة مؤكدة له أي هلا أنزل القرآن عليه عليه الصلاة والسلام دفعة غير مفرق كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور على ما تدل عليه الأحاديث والآثار حتى كاد يكون إجماعاً كما قال السيوطي ورد على من أنكر ذلك من فضلاء عصره، فقول ابن الكمال إن التوراة أنزلت منجمة في ثماني عشرة سنة ويدل عليه نصوص التوراة ولا قاطع بخلافه من الكتاب والسنة ناشيء من نقصان الاطلاع. وهذا الاعتراض مما لا طائل تحته لأن الإعجاز مما لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقاً مع أن للتفريق فوائد، منها ما ذكره الله تعالى بعد، وقيل: إن شاهد صحة القرآن إعجازه وذلك ببلاغته وهي بمطابقته لمقتضى الحال في كل جملة منه ولا يتيسر ذلك في نزوله دفعة واحدة فلا يقاس بسائر الكتب فإن شاهد صحتها ليس الإعجاز. وفيه أن قوله: ولا يتيسر الخ ممنوع فإنه يجوز أن ينزل دفعة واحدة مع رعاية المطابقة المذكورة في كل جملة لما يتجدد من الحوادث الموافقة لها الدالة على أحكامها. وقد صح أنه نزل كذلك إلى السماء الدنيا فلو لم يكن هذا لزم كونه غير معجز فيها ولا قائل به بل قد يقال إن هذا أقوى في إعجازه والبليغ يفهم من سياق الكلام ما يقتضيه المقام فافهم. {كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } استئناف وارد من جهته تعالى لرد مقالتهم الباطلة وبيان بعض الحِكَم في تنزيله تدريجاً، ومحل الكاف نصب على أنها صفة لمصدر مؤكد لمضمر معلل بما بعده، وجوز نصبها على الحالية، {وَذَلِكَ } إشارة إلى ما يفهم من كلامهم أي تنزيلاً مثل ذلك التنزيل الذي قدحوا فيه واقترحوا خلافه نزلناه لا تنزيلاً مغايراً له أو نزلناه مماثلاً لذلك التنزيل لنقوى به فؤادك فإن في تنزيله مفرقاً تيسيراً لحفظ النظم وفهم المعاني وضبط الكلام والوقوف على تفاصيل ما روعي فيه من الحكم والمصالح وتعدد نزول جبريل عليه السلام وتجدد إعجاز الطاعنين فيه في كل جملة مقدار أقصر سورة تنزل منه، ولذلك فوائد غير ما ذكر أيضاً، منها معرفة الناسخ المتأخر نزوله من المنسوخ المتقدم نزوله المخالف لحكمه ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على معرفة البلاغة لأنه بالنظر إلى الحال يتنبه السامع لما يطابقها ويوافقها إلى غير ذلك. وقيل: قوله تعالى: {كَذٰلِكَ } من تمام كلام الكفرة والكاف نصب على الحال من القرآن أو الصفة لمصدر {نزل} المذكور أو لجملة، والإشارة إلى تنزيل الكتب المتقدمة، ولام «لنثبت» لام التعليل والمعلل محذوف نحو ما سمعت أولا أي نزلناه مفرقاً لنثبت الخ، وقال أبو حاتم: هي لام القسم، والتقدير والله لنثبتن فحذف النون وكسرت اللام وقد حكى ذلك عنه أبو حيان، والظاهر أنها عنده كذلك على القولين في {كَذٰلِكَ }. وتعقبه بأنه قول غاية الضعف وكأنه ينحو إلى مذهب الأخفش أن جواب القسم يتلقى بلام كي وجعل منه {أية : وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ}تفسير : [الأنعام: 113] الخ وهو مذهب مرجوح. وقرأ عبد الله «ليثبت» بالياء أي ليثبت الله تعالى. وقوله تعالى: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } عطف على الفعل المحذوف المعلل بما ذكر، وتنكير «ترتيلاً» للتفخيم أي كذلك نزلناه ورتلناه ترتيلاً بديعاً لا يقادر قدره، وترتيله تفريقه آية بعد آية قاله النخعي والحسن وقتادة. وقال ابن عباس: بيناه بياناً فيه ترسل، وقال السدى: فصلناه تفصيلاً، وقال مجاهد: جعلنا بعضه إثر بعض، وقيل: هو الأمر بترتيل قراءته بقوله تعالى: {أية : وَرَتّلِ ٱلْقُرْءانَ تَرْتِيلاً }تفسير : [المزمل: 4] وقيل: قرأناه عليك بلسان جبريل / عليه السلام شيئاً فشيئاً في عشرين أو في ثلاث وعشرين سنة على تؤدة وتمهل وهو مأخوذ من قولهم: ثغر مرتل أي مفلج الأسنان غير متلاصقها.
ابن عاشور
تفسير : عود إلى معاذيرهم وتعلّلاتهم الفاسدة إذ طعنوا في القرآن بأنه نُزّل منجّماً وقالوا: لو كان من عند الله لنَزل كتاباً جملةً واحدة. وضمير {وقال} ظاهر في أنه عائد إلى المشركين، وهذه جهالة منهم بنسبة كتب الرسل فإنها لم ينزل شيء منها جملةً واحدة وإنما كانت وحياً مفرّقاً؛ فالتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام في الألواح هي عشر كلمات بمقدار سورة الليل في القرآن، وما كان الإنجيل إلا أقوالاً ينطق بها عيسى عليه السلام في الملإ، وكذلك الزبور نَزل قطعاً كثيرة، فالمشركون نسُوا ذلك أو جهلوا فقالوا: هلاّ نزل القرآن على محمد جملةً واحدة فنعلم أنه رسول الله. وقيل: إن قائل هذا اليهودُ أو النصارى، فإن صح ذلك فهو بهتان منهم لأنهم يعلمون أنه لم تنزل التوراة والإنجيل والزبور إلا مفرقة. فخوض المفسرين في بيان الفرق بين حالة رسولنا من الأُمية وحالة الرسل الذين أُنزلت عليهم الكتب اشتغال بما لا طائل فيه، فإن تلك الكتب لم تنزل أسفاراً تامة قط. و{نُزّل} هنا مرادف أنزل وليس فيه إيذان بما يدل عليه التفعيل من التكثير كما تقدم في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير بقرينة قولهم: {جملة واحدة}. وقد جاء قوله: {كذلك لنثبت به فؤادك} ردّاً على طعنهم، فهو كلام مستأنف فيه ردّ لما أرادوه من قولهم: {لولا نُزّل عليه القرآن جملةً واحدة} وعُدل فيه عن خطابهم إلى خطاب الرسول عليه الصلاة والسلام إعلاماً له بحكمة تنزيله مفرّقاً، وفي ضمنه امتنان على الرسول بما فيه تثبيت قلبه والتيسيرُ عليه. وقوله: {كذلك} جواب عن قولهم: {لولا نُزّل عليه القرآن جملةً واحدةً} إشارة إلى الإنزال المفهوم من «لو نُزّل عليه القرآن» وهو حالة إنزال القرآن منجَّماً، أي أنزلناه كذلك الإنزال، أي المنجّم، أي كذلك الإنزال الذي جهلوا حكمته، فاسم الإشارة في محلّ نصب على أنه نائب عن مفعول مطلق جاء بدلاً عن الفعل. فالتقدير: أنزلناه إنزالاً كذلك الإنزال المنجَّم. فموقع جملة {كذلك} موقع الاستئناف في المحاورة. واللام في {لنثبت} متعلقة بالفعل المقدّر الذي دلّ عليه {كذَلك}. والتثبيت: جعل الشيء ثابتاً. والثبات: استقرار الشيء في مكانه غير متزلزل قال تعالى: {أية : كشجرة طيّبة أصلها ثابت}تفسير : [إبراهيم: 24]. ويستعار الثبات لليقين وللاطمئنان بحصول الخير لصاحبه قال تعالى: {أية : لكان خيراً لهم وأشدّ تثبيتاً}تفسير : [النساء: 66]، وهي استعارات شائعة مبنية على تشبيه حصول الاحتمالات في النفس باضطراب الشيء في المكان تشبيه معقول بمحسوس. والفؤاد: هنا العقل. وتثبيته بذلك الإنزال جعله ثابتاً في ألفاظه ومعانيه لا يضطرب فيه. وجاء في بيان حكمة إنزال القرآن منجّماً بكلمةٍ جامعة وهي {لنثبت به فؤادك} لأن تثبيت الفؤاد يقتضي كل مَا به خير للنفس، فمنه ما قاله الزمخشري: الحكمة في تفريقه أن نُقوي بتفريقه فؤادك حتى تَعِيَه وتحفظه، لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم يُلقى إليه إذ ألقي إليه شيئاً بعد شيء وجُزءاً عقبَ جزء، وما قاله أيضاً: «أنه كان ينزل على حسب الدواعي والحوادث وجوابات السائلين» اهــــ، أي فيكونون أوعى لما ينزل فيه لأنهم بحاجة إلى علمه، فيكثر العمل بما فيه وذلك مما يثبّت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم ويشرح صدره. وما قاله بعد ذلك: «إن تنزيله مفرّقاً وتحدّيَهم بأن يأتوا ببعض تلك التفارق كلَّما نزل شيء منها، أدخلُ في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كلّه جملة» اهــــ. ومنه ما قاله الجدّ الوزير رحمه الله: إن القرآن لو لم ينزل منجّماً على حسب الحوادث لما ظهر في كثير من آياته مطابقتُها لمقتضى الحال ومناسبتها للمقام وذلك من تمام إعجازها. وقلت: إن نزوله منجّماً أعون لحفَّاظه على فهمه وتدبره. وقوله: {ورتلناه ترتيلاً} عطف على قوله {كذلك}، أي أنزلناه منجّماً ورتَّلناه، والترتيل يوصف به الكلام إذا كان حسن التأليف بيّن الدلالة. واتفقت أقوال أيمة اللّغة على أن هذا الترتيل مأخوذ من قولهم: ثَغر مرتَّل ورَتِل، إذا كانت أسنانه مفلّجة تشبه نَور الأقحوان. ولم يوردوا شاهداً عليه من كلام العرب. والترتيل يجوز أن يكون حالة لنزول القرآن، أي نزّلناه مفرّقاً منسّقاً في ألفاظه ومعانيه غير متراكم فهو مفرّق في الزمان فإذا كمُل إنزال سورة جاءت آياتها مرتبة متناسبة كأنها أُنزلت جملة واحدة، ومفرّقٌ في التأليف بأنه مفصّل واضح. وفي هذا إشارة إلى أن ذلك من دلائل أنه من عند الله لأن شأن كلام الناس إذا فُرّق تأليفه على أزمنة متباعدة أن يعتوره التفكك وعدم تشابه الجمل. ويجوز أن يراد بــــ{رتّلناه} أمرنا بترتيله، أي بقراءته مرتَّلاً، أي بتمهُّل بأن لا يعجِّل في قراءته بأن تُبيّن جميع الحروف والحركات بمهل، وهو المذكور في سورة المزّمّل (4) في قوله تعالى: {أية : ورتِّل القرآن ترتيلاً}تفسير : . و{ترتيلاً} مصدر منصوب على المفعول المطلق قصد به ما في التنكير من معنى التعظيم فصار المصدر مبيّناً لنوع الترتيل.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} تقدمت الآيات التي بمعناه في آخر سورة الإسراء في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} تفسير : [الإسراء: 106] الآية، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} أي كذلك الإنزال مفرقاً بحسب الوقائع أنزلناه لا جملة كما اقترحوا، وقوله: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك} أي أنزلناه مفرقاً، لنثبت فؤادك بإنزاله مفرقاً. قال بعضهم: معناه لنقوي بتفريقه على حفظه، لأن حفظه شيئاً فشيئاً أسهل من حفظه مرة واحدة، لو نزل جملة واحدة. وقال بعضهم: ومما يؤكد ذلك أنه صلوات الله وسلامه عليه أمي لا يقرأ ولا يكتب.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقُرْآنُ} {وَاحِدَةً} {وَرَتَّلْنَاهُ} (32) - وقالَ اليَهُودُ: هَلاَّ أُنْزِلَ القرآنُ على مُحَمدٍ دُفَعةً واحِدةُ كما أُنْزِلتِ الكُتبُ السابقةُ على الأنبيَاءِ. وَيُرُدُّ اللهُ تَعالى عَلى قَوْلِهِمْ هذا، قائلاً: إنهُ إنما أُنزلَ القُرآنُ مُنَجًَّماً في ثَلاثٍ وعِشرينَ سَنةً بحَسَبِ الوَقَائِعِ، وما يُحْتَاجَ إليه منَ الأَحكَامِ لِيُثَبِّتَ قُلوبَ المُؤمنينَ بهِ، ويُثَبِّتَ قَلْبَ الرّسولِ صلى الله عليه وسلم، وقد أنزَلَهُ اللهُ على مَهْلٍ هكَذا على رَسُوله، وقَرَأَهُ عليهِ، بلِسانِ جِبريلَ عليهِ السَّلامُ، شَيئاً فَشَيئاً لِيتَمَكنَّ مِنْ حِفْظَهِ واسْتِيعابِهِ. رتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً - فَرَقْنَاه آيةً بعدَ آيةٍ، أَو بَيَّنَّاهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا أيضاً أحد الأمور التي يتعلقون بها كي لا يؤمنوا، وكيف يطلبون أن ينزل القرآن جملةً واحدة، وهم لا يطيقون منه آية واحدة؟ لكنه الجدل والسفسطة والإفلاس في الحجة، فاعتراضهم على نزول القرآن مُنَجّماً. إذن: لا غضاضة عندهم في القرآن، وعَيْبه في نظرهم أنه نزل على محمد بالذات، وأنه ينزل مُنجّماً لا جملة واحدة، وكأن طاقة الإيمان عندهم تناسب نزول القرآن جملة واحدة!! ثم يقول سبحانه: {كَذَلِكَ ..} [الفرقان: 32] يعني: أنزلناه كذلك مُنجّماً حَسْب الأحوال، والحكمة من ذلك {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ..} [الفرقان: 32] لأنك ستتعرض على مدى ثلاث وعشرين سنة لمواقف تزلزل، فكلما تعرضْتَ لموقف من هذه المواقف نزل القرآن تسليةً لك وتثبيتاً وَصِلةً بالسماء لا تنقطع. ولو نزل القرآن مرة واحدة لكان التثبيت مرة واحدة، ثم تأتي بقية الأحداث بدون تثبيت، ولا شكَّ أن الصلة بالسماء تُقوِّي المنهج وتُقوِّي الإيمان. كما أن القرآن لو نزل مرة واحدة، كيف يتسنى لهم أنْ يسألوا عما سألوا عنه مما حكاه القرآن: يسألونك عن كذا، يسألونك عن كذا .. إلخ. إذن: نزوله مُنجّماً اقتضاء لحكمة الحق سبحانه ليُعدِّدَ مواقف تثبيتك، لتعدد مواقف الإيذاء لك. ومعنى: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان: 32] أي: أنزلناه مُنجمّاً حَسْب الأحوال، فكلما نزل نجم تمكنتم من حِفْظه وتكراره في الصلاة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} معناه نُشجِّعُكَ.
الجيلاني
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} على سبيل الإنكار والتكذيب للقرآن والرسول على وجه الإعراض والاستهزاء: {لَوْلاَ} أي: هلاَّ {نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} من عند ربه كالكتب الثلاثة على الأنبياء الماضين؛ يعني: إنهم استدلوا بنزوله منجماً على أنه ليس من عند الله؛ إذ من سنته سبحانه إنزال الكتب من عنده سبحانه كالكتب السالفة، قال سبحانه تسليةً لحبيبه، ورداً للمنكرين: إنما أنزلناه {كَذَلِكَ} أي: منجماً متفرقاً {لِنُثَبِّتَ} ونشيِّد {بِهِ فُؤَادَكَ} يا أكمل الرسل، ونمكنك على حفظه نجوماً؛ لأن حالك مخالف لحال موسى وداود وعيسى - صلوات الله عليهم - إذ هم من أهل الإملاء والإنشاء والكتب، وأنت أميٌّ؛ ولأن إنزاله عليك بحسب الوقائع والأغراض، والإنزال بحسب الوقائع والأغراض أدخل في التأييد {وَ} لهذه الحكمة والمصلحة {رَتَّلْنَاهُ} أي: تلوناه لك وقرأناه عليك {تَرْتِيلاً} [الفرقان: 32] شيئاً بعد شيء على التراخي والتدريج في عرض عشرين سنة أو ثلاث وعشرين. {وَ} أيضاً من جملة حِكمة إنزاله منجماً: إنه {لاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} عجيب غريب يضربون لك جدلاً ومكابرةً في وقت من الأوقات، وحال من الحالات على تفاوت طبقاتهم {إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} أي: جئناك بالمثل الحق على طريق البرهان تأييداً لك وترويجاً لأمرك ودينك أوضح بياناً مما جاءوا به {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان: 33] وتبييناً. وكيف يتأتى منهم المعارضة والمجادلة معك يا أكمل الرسل مع تأييدنا إياك في النشأة الأولى والأخرى، وهم في الدنيا مقهورون مغلوبون، وفي الآخرة {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ} ويُسحبون {عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ} البعد والخذلان، وجحيم الطرد والحرمان، وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون عن شرف القبول {شَرٌّ مَّكَاناً} ومصيراً {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان: 34] وأخطأ طريقاً، اهدنا بفضلك سواء سبيلك. ثمَّ أخذ سبحانه في تعداد المنكرين الخارجين على رسل الله، المكذِّبين لهم، المسيئين الأدب معهم، وما جرى عليهم بسوء صنيعهم من أنواع العقوبات والنكبات، فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} أي: التوراة المشتملة على الأحكام؛ ليبين للأنام ما فيها من الأوامر والنواهي المصفية للنفوس المنغمسة بالمعاصي والآثام؛ ليستعدوا لقبول المعارف والحقائق المنتظرة لهم في استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجِبلِّية {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً} [الفرقان: 35] ظهيراً له يؤازره، ويعاون له في ترويج دينه وتبيين أحكام كتابه. وبعدما أيدناهما بإنزال التوراة وإظهار المعجزات {فَقُلْنَا} لهما: {ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} الدالة على توحيدنا واستقلالنا بالتصرف في مظاهرنا ومصنوعاتنا إرادةً واختياراً؛ يعني: فرعون وهامان ومن معهما من العصاة البغاة، الهالكين في تيه العتو والفساد وادعوهم إلى توحيدنا، وأظهروا الدعوة لهم فذهبا على مقتضى الأمر الوجوبي فدعوا فرعون لقومه إلى ما أُمرا، فأبوا عن القبول وكذبوهما، واستهزءوا معهما كبراً وخيلاءً، فأخذناهم بتكذيبهم واستنكافهم {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً} [الفرقان: 36] أي: أهلكناهم إهلاكاً كلياً إلى حيث لم يبقَ منهم أحد على وجه الأرض.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا من جملة مقترحات الكفار الذي توحيه إليهم أنفسهم فقالوا: { لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } أي: كما أنزلت الكتب قبله، وأي محذور من نزوله على هذا الوجه؟ بل نزوله على هذا الوجه أكمل وأحسن، ولهذا قال: { كَذَلِكَ } أنزلناه متفرقا { لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } لأنه كلما نزل عليه شيء من القرآن ازداد طمأنينة وثباتا وخصوصا عند ورود أسباب القلق فإن نزول القرآن عند حدوث السبب يكون له موقع عظيم وتثبيت كثير أبلغ مما لو كان نازلا قبل ذلك ثم تذكره عند حلول سببه. { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا } أي: مهلناه ودرجناك فيه تدريجا. وهذا كله يدل على اعتناء الله بكتابه القرآن وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم حيث جعل إنزال كتابه جاريا على أحوال الرسول ومصالحه الدينية. ولهذا قال: { وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ } يعارضون به الحق ويدفعون به رسالتك، { إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } أي: أنزلنا عليك قرآنا جامعا للحق في معانيه والوضوح والبيان التام في ألفاظه، فمعانيه كلها حق وصدق لا يشوبها باطل ولا شبهة بوجه من الوجوه، وألفاظه وحدوده للأشياء أوضح ألفاظا وأحسن تفسيرا مبين للمعاني بيانا كاملا. وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي للمتكلم في العلم من محدث ومعلم، وواعظ أن يقتدي بربه في تدبيره حال رسوله، كذلك العالم يدبر أمر الخلق فكلما حدث موجب أو حصل موسم، أتى بما يناسب ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمواعظ الموافقة لذلك. وفيه رد على المتكلفين من الجهمية ونحوهم ممن يرى أن كثيرا من نصوص القرآن محمولة على غير ظاهرها ولها معان غير ما يفهم منها، فإذا -على قولهم- لا يكون القرآن أحسن تفسيرا من غيره، وإنما التفسير الأحسن -على زعمهم- تفسيرهم الذي حرفوا له المعاني تحريفا.
همام الصنعاني
تفسير : 2088- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن في قوله: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}: [الآية: 32]، قال: كان ينزل آية أو آيتين أو آيات كان ينزل جواباً لهم، فإذا سألوا عن شيء أنزل الله جواباً لهم وَرَدَّاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكلمونه، وكان بين أوله وآخره نحواً من عشرين سنة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):