Verse. 2888 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَلَا يَاْتُوْنَكَ بِمَثَلٍ اِلَّا جِئْنٰكَ بِالْحَقِّ وَاَحْسَنَ تَفْسِيْرًا۝۳۳ۭ
Wala yatoonaka bimathalin illa jinaka bialhaqqi waahsana tafseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا يأتونك بمثل» في إبطال أمرك «إلا جئناك بالحق» الدافع له «وأحسن تفسيرا» بيانا.

33

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ } في إبطال أمرك {إِلاَّ جِئْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ } الدافع له {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً } بياناً لهم.

ابو السعود

تفسير : {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} من الأمثالِ التي من جُملتها ما حُكي من اقتراحاتِهم القبـيحةِ الخارجةِ عن دائرةِ العقولِ الجاريةِ لذلك مجرى الأمثالِ أي لا يأتونَك بكلامٍ عجيبٍ هو مَثَلٌ في البُطلان يريدون به القَدْحَ في حقِّك وحقِّ القُرآنِ {إِلاَّ جِئْنَـٰكَ} في مُقابلتِه {بِٱلْحَقّ} أي بالجوابِ الحقِّ الثَّابتِ الذي ينْحي عليه بالإبطالِ ويَحسمُ مادَّةَ القِيلِ والقالِ كما مرَّ من الأجوبةِ الحقَّةِ القالعةِ لعروقِ أسئلتِهم الشَّنيعةِ الدَّامغةِ لها بالكُلِّيةِ. وقوله تعالى: {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} عطفٌ على الحقِّ أي جئناك بأحسنَ تفسيراً أو على محلِّ بالحقِّ أي آتيناك الحقِّ وأحسنَ تفسيراً أي بـياناً وتفصيلاً على معنى أنَّه في غاية ما يكونُ من الحُسنِ في حدِّ ذاته لا أنَّ ما يأتون به له حَسنٌ في الجملة وهذا أحسنُ منه كما مرَّ. والاستثناءُ مفرَّغٌ محلُّه النَّصبُ على الحاليَّةِ أي لا يأتونك بمَثَلٍ إلا حال إيتائنا إيَّاك الحقَّ الذي لا محيدَ عنه وفيه من الدَّلالةِ على المُسارعة إلى إبطالِ ما أَتَوا به تثبـيت فؤداه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يخفى، وهذا بعبارته ناطقٌ ببطلان جميع الأسئلة وبصحَّةِ جميع الأجوبة وبإشارته منبىءٌ عن بُطلانِ السُّؤالِ الأخير وصحَّةِ جوابِه إذْ لولا أنَّ تنزيلَ القرآن على التَّدريجِ لما أمكن إبطالُ تلك الاقتراحاتِ الشَّنيعةِ ولما حصل تثبـيتُ فؤادِه عليه الصَّلاة والسَّلام من تلك الحيثيَّةِ هذا وقد جُوِّز أن يكون المَثَلُ عبارةً عن الصِّفةِ الغريبةِ التي كانُوا يقترحون كونَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عليها من مقارنة الملكِ والاستغناء عن الأكل والشُّربِ وحيازة الكنز والجنَّة ونزول القرآن عليه جملةً واحدةً على معنى لا يأتونك بحال عجيبة يقترحون اتِّصافك بها قائلين هلاَّ كان على هذه الحالة إلا أعطيناك نحنُ من الأحوال الممكنة ما يحقُّ لك في حكمتِنا ومشيئتنا أنْ تُعطاهُ وما هو أحسنُ تكشيفاً لما بُعثت عليه ودلالةً على صحَّته وهو الذي أنتَ عليه في الذَّاتِ والصِّفاتِ ويأباهُ الاستثناءُ المذكور فإنَّ المتبادر منه أنْ يكون ما أعطاه الله تعالى من الحقِّ مترتباً على ما أتوَا به من الأباطيلِ دامغاً لها ولا ريبَ في أنَّ ما آتاه الله تعالى من المَلَكاتِ السَّنيةِ اللاَّئقةِ بالرَّسالة قد أتاه من أوَّلِ الأمر لا بمقابلة ما حُكي عنهم من الاقتراحات لأجلِ دمغها وإبطالِها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}. كان الجوابُ لما يوردونه على جهة الاحتجاج لهم مفحماً، ولفساد ما يقولونه موضحاً، ولكن الحقَّ - سبحانه - أجرى السُّنّة بأنه لم يزد ذلك للمسلمين إلا شَفَاءً وبصيرةً ولهم إلا عَمَىً وشبهة. ثم أخبر عن حالهم من مآلهم فقال: {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً}. يحشرون على وجوههم وذلك أمارة لإهانتهم، وإن في الخبر:"حديث : الذين أمْشاهم اليومَ على أقدامهم يُمْشيهم غداً على وجوههم" تفسير : وهو على ذلك قادر، وذلك منه غير مستحيل.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا يأتونك بمثل} اى بسؤال عجيب وكلام غريب كأنه مثل فى البطلان يريدون به القدح فى حقك وحق القرآن. والمعنى بالفارسية [ونمى آرند مشركان عرب براى تو يامحمد مثلى يعنى دربيان قد نبوت وطعن كتاب توسخن نمى كويند] {الا جئناك} فى مقابلته: وبالفارسية [مكر آنكه مامى آريم براى تو] فالباء فى قوله {بالحق} للتعدية ايضا اى بالجواب الحق الثابت المبطل لما جاؤا به القاطع لمادة القيل والقال {واحسن تفسيرا} عطف على الحق. والتفسير تفعيل من الفسر وهو كشف ما غطى. والمعنى وبماهو احسن بيانا وتفصيلا لما هو الحق والصواب ومقتضى الحكمة بمعنى انه فى غاية ما يكون من الحسن فى حد ذاته لا ان ما يأتون به له حسن فى الجملة وهذا احسن منه لان سؤالهم مثل فى البطلان فكيف يصح له حسن اللهم الا ان يكون بزعمهم يعنى لما كان السؤال حسنا بزعمهم قيل الجواب لحسن من السؤال والاستثناء مفرغ محله النصب على الحالية اى لا يأتونك بمثل فى حال من الاحوال الا حال اتياننا اياك الحق الذى لا محيد عنه، وهذا بعبارته ناطق ببطلان جميع الاسئلة وبصحة جميع الاجوبة وباشارته منبىء عن بطلان السؤال الا خير وصحة جوابه اذلولا ان التنزيل على التدريج لما امكن ابطال تلك الاقتراحات الشنيعة او يقال كل نبى اذا قال له قومه قولا كان النبى هو الذى يرد عليهم واما النبى عليه السلام اذا قالوا له شيئا فالله يرد عليهم.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} اى بحال شبيهة بحالك فى ادّعاء الرّسالة مثل قولهم: هذا ملك الرّوم وملك الفرس اذا أرسلوا رسولاً كان له خدم وحشم وضياع وعقار وخيامٌ وفساطيط، وحالهم فى الرّسالة شبيهة بحالك فى ادّعاء الرّسالة من الله الّذى هو خالق الارض والسّماء، بل حالك فى هذا الادّعاء اجلّ وارفع من حالهم واذ ليس لك مثل ما لهم فلم تكن رسولاً او بحال شبيهة بحالك فى البشريّة مانعة من الرّسالة مثل قولهم: انّك تأكل وتمشى فى الاسواق مثلنا وهذه الحالة تدلّ على الاحتياج، والاحتياج ينافى الرّسالة من الغنىّ المطلق، او بحال شبيهة بحالك بل اشرف من حالك ولم ينزل الى صاحبها ملك ولم يصر رسولاً فلست انت برسولٍ مثل قولهم: لولا أنزل الينا الملائكة فانّه فى معنى قولهم؛ نحن اشرف حالاً منه من حيث تربية الآباء وتعليم المعلّمين واكتساب الفضائل الانسانيّة فانّا قد تدرّسنا فى مدارس العلم وأتعبنا أنفسنا فى تحصيل العلوم والحكمة واكتسبنا الخطّ والكتابة، ومن حيث الجدة والحسب ولم نصر رسلا فكيف صار هو رسولاً من بيننا مع انّه لم ير أباً ولم يحصّل علماً وما كان ذا مالٍ ولم يقرأ ولم يكتب، او بحال شبيهةٍ بحالك فى الرّسالة وعدم موافقة حالك لها مثل قولهم لولا انزل عليه القرآن جملةً واحدةً فانّه فى معنى قولهم: حاله فى الرّسالة شبيهة بحال الرّسل الماضية فلو كان رسولاً مثلهم لاتى بكتابة جملةً واحدةً مثل اتيانهم بكتبهم واذ لم يأت به دفعةً مثلهم فليس برسولٍ {إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} بالجواب الحقّ الثّابت الدّافع لابطال امثلتهم المبطل لها المبقى لرسالتك من غير معارضٍ ومبطلٍ {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} اى بياناً من بيانهم لابطال رسالتك.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} أي بحجة أو شبهة في ابطال امرك وسبق السؤال المعنت مثلا لانه عجيب كأنه مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك * {إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالحَقِّ} الدافع له المثبت لنبوتك قالوا:{أية : لولا أنزل إليه ملك}تفسير : الخ فاجاب الله {أية : وما أرسلنا من قبلك إِلا رجالا}تفسير : وما ارسلنا قبلك من المرسلين الا انهم الخ وقالوا: {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} فاجاب الله بانه انزله مفرقا تثبيتا وانه اعجزهم كل نجم من نجومه * {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} قال مجاهد: اي بيانا وقيل تفصيلا.

اطفيش

تفسير : {ولا يأتونَك بمَثَل} كلام عجيب فى الهزء بك، والقدم فيما تقول {إلاَّ جئناك بالحقِّ} الثابت الفاضح لعورة كلامهم {وأحْسَن} خارج عن التفضيل أى حَسَن، ومثلهم قبيح لا حسن فيه كقوله، وهو أهون أى هين، والله أكبر أى كبير وغيره حقير بالنسبة اليه، وإن جل {تَفْسيراً} كشفا لسوء ماتوهموه حسنا أو أحسن، ولا داعى الى عطفه على محل بالحق وهو النصب على المفعولية المتوصل إليها بحرف الجر، ولا الى تضمين معنى المتعدى مثل أنزلنا عليك بالحق، وأحسن تفسيرا.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ } من الأمثال التي من جملتها اقتراحاتهم القبيحة الخارجة عن دائرة العقول الجارية لذلك مجرى الأمثال أي لا يأتونك بكلام عجيب هو مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك ويظهرونه لك {إِلاَّ جِئْنَـٰكَ } في مقابلته {بِٱلْحَقّ } أي بالجواب الحق الثابت الذي ينحى عليه بالإبطال ويحسم مادة القيل والقال كما مر من الأجوبة الحقة القالعة لعروق أسئلتهم الشنيعة الدامغة لها بالكلية، وقوله تعالى: {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً } عطف على {ٱلْحَقّ } أي جئناك بأحسن تفسيراً أي بما هو أحسن أو على محل {بِٱلْحَقّ } أي استحضرنا لك وأنزلنا عليك الحق وأحسن تفسيراً أي كشفاً وبياناً على معنى أنه في غاية ما يكون من الحسن في حد ذاته لا أن ما يأتون به له حسن في الجملة وهذا أحسن منه، وهذا نظير قولهم: الله تعالى أكبر أي له غاية الكبرياء في حد ذاته وبعضهم قدر مفضلاً عليه فقال: أي وأحسن تفسيراً من مثلهم وحسنه على زعمهم أو هو تهكم، وتعقب الأول بأنه يفوت عليه معنى التسلية لأن المراد لا يهلك ما اقترحوه من قولهم: {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جُمْلَةً } تفسير : [الفرقان: 32] فإن تنزيله مفرقاً أحسن مما اقترحوه لفوائد شتى وفيه منع ظاهر، وقيل: المراد بالتفسير المعنى، والمراد وأحسن معنى لأنه يقال: تفسير كذا كذا أي معناه فهو مصدر بمعنى المفعول لأن المعنى مفسر كدرهم ضرب الأمير، ورد بأن المفسر اسم مفعول هو الكلام لا المعنى لأنه يقال فسرت الكلام لا معناه. وقال الطيبـي: وضع التفسير موضع المعنى من وضع السبب موضع المسبب لأن التفسير سبب لظهور المعنى وكشفه، وقيل عليه: إنه فرق بين المعنى وظهوره فلا يتم التقريب وقد يكتفي بسببيته له في الجملة. وأياً ما كان فهو نصب على التمييز والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال فالجملة في محل النصب على الحالية أي لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال أي إلا حال إنزالنا عليك واستحضارنا لك الحق وأحسن تفسيراً، وجعل ذلك مقارناً لإتيانهم وإن كان بعده للدلالة على المسارعة إلى إبطال ما أتوا به تثبيتاً لفؤاده صلى الله عليه وسلم، وجوز أن يكون المثل عبارة عن الصفة الغريبة التي كانوا يقترحون كونه عليه الصلاة والسلام عليها من الاستغناء عن الأكل والشرب وحيازة الكنز والجنة ونزول القرآن عليه جملة واحدة على معنى لا يأتوك بحالة عجيبة يقترحون اتصافك بها قائلين هلا كان على هذه الحالة إلا أعطيناك نحن من الأحوال الممكنة ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه وما هو أحسن، وتعقب بأنه يأباه الاستثناء المذكور فإن المتبادر منه أن يكون ما أعطاه الله تعالى من الحق مترتباً على ما أتوا به من الأباطيل دامغاً لها ولا ريب في أن ما أتاه الله تعالى من الملكات السنية اللائقة بالرسالة قد أتاه من أول الأمر لا بمقابلة ما حكى عنهم من الاقتراحات لأجل دمغها، وإبطالها. وأجيب بأن معنى {إِلاَّ جِئْنَـٰكَ } الخ على ذلك إلا أظهرنا فيك ما يكشف عن بطلان ما أتوا به وهو كما ترى فالحق التعويل على الأول. والمشهور أن الإتيان والمجيء بمعنى لكن عبر أولاً بالإتيان وثانياً بالمجيء للتفنن وكراهة أن يتحد ما ينسب إليه عز وجل وما ينسب إليهم لفظاً مع كون ما أتوا به في غاية القبح والبطلان وما جاء به سبحانه في غاية الحقية والحسن، وفرق الراغب بينهما فقال المجيء كالإتيان لكن المجيء أعم لأن الإتيان مجيء بسهولة، ومنه قيل للسيل المار على وجهه أتي وأتاوي، والإتيان قد يقال باعتبار القصد وإن لم يكن / منه الحصول والمجيء يقال اعتباراً بالحصول، ولعل في التعبير بالإتيان أولاً والمجيء ثانياً على هذا إشارة إلى أن ما يأتون به من الأمثال في نفسه من الأمور التي تتخيل بسهولة ولا تحتاج إلى إعمال فكر بخلاف ما يكون في مقابلته فإنه في نفسه من الأمور العقلية التي صقلها الفكر فلا يجد أحد سبيلاً إلى ردها والطعن فيها أو إلى أن فعلهم لخروجه عن حيز القبول منزل منزلة العدم حتى كأنهم لم يتحقق منهم القصد دون الحصول بخلاف ما كان من قبله عز وجل فتأمل والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

ابن عاشور

تفسير : لما استقصَى أكثرَ معاذيرهم وتعلّلاتهم وألقَمهم أحجارَ الردّ إلى لَهَوَاتهم عطف على ذلك فذلكة جامعة تعمّ ما تقدم وما عسى أن يأتوا به من الشكوك والتمويه بأن كل ذلك مدحوض بالحجة الواضحة الكاشفة لتَرّهاتهم. والمَثَل: المشابه. وفعل الإتيان مجازٌ في أقوالهم والمحاجّةِ به، وتنكير (مَثَل) في سياق النفي للتعميم، أي بكل مَثَل. والمقصود: مثَل من نوع ما تقدم من أمثالهم المتقدمة ابتداء من قوله (تعالى): {أية : وقال الذين كفروا إنْ هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون}تفسير : [الفرقان: 4]، و{أية : قالوا أساطير الأولين}تفسير : [النحل: 24] بقرينة سَوْق هذه الجملة عقب استقصاء شبهتهم، و{أية : قالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام}تفسير : [الفرقان: 7] {أية : وقال الظالمون إن تَتَّبِعون إلا رجلاً مسحوراً}تفسير : [الفرقان: 8] {أية : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة}تفسير : [الفرقان: 21] {أية : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة}تفسير : [الفرقان: 32]. ودل على إرادة هذا المعنى من قوله: {بمثل} قوله آنفاً {أية : انظر كيف ضربوا لك الأمثال}تفسير : [الفرقان: 9] عقب قوله: {أية : وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً}تفسير : [الفرقان: 8]. وتعدية فعل {يأتونك} إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم لإفادة أن إتيانهم بالأمثال يقصدون به أن يفحموه. والإتيان مستعمل مجازاً في الإظهار. والمعنى: لا يأتونك بشُبه يشبِّهون به حالاً من أحوالك يبتغون إظهار أن حالك لا يُشبه حال رسول من الله إلا أبطلنا تشبيههم وأريناهم أن حالة الرسالة عن الله لا تلازم ما زعموه سواء كان ما أتوا به تشبيهاً صريحاً بأحوال غير الرسل كقولهم: {أية : أساطير الأولين اكتتبها}تفسير : [الفرقان: 5] وقولهم {أية : مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق}تفسير : [الفرقان: 7]، وقولهم: {أية : إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً}تفسير : [الفرقان: 8]، أم كان نفي مشابَهة حاله بأحوال الرسل في زعمهم فإن نفي مشابهة الشيء يقتضي إثبات ضده كقولهم: {أية : لولا أُنزِل علينا الملائكةُ أو نَرى ربَّنا}تفسير : [الفرقان: 21] وكذلك قولهم: {أية : لولا نُزّل عليه القرآن جملة واحدة}تفسير : [الفرقان: 32] إذا كانوا قالوه على معنى أنه مخالف لحاللِ نزول التوراة والإنجيل. فهذا نفي تمثيل حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال الرُّسُل الأسبقين في زعمهم. ويدخل في هذا النوع ما يزعمون أنه تقتضيه النبوءة من المكانة عند الله أن يسأله، فيجابَ إليه كقولهم: {أية : لولا أنزل إليه ملَكٌ فيكونَ معه نذيراً أو يلقى إليه كنز أو تكونُ له جنة يأكل منها}تفسير : [الفرقان: 7، 8]. وصيغة المضارع في قوله: {لا يأتونك} تشمل ما عسى أن يأتوا به من هذا النوع كقولهم: {أية : أو تُسقِطَ السماءَ كما زعمتَ علينا كِسَفاً}تفسير : [الإسراء: 92]. والاستثناء في قوله: {إلا جئناك بالحق} استثناء من أحوال عامة يقتضيها عموم الأمثال لأن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال. وجملة {جئناك} حالية كما تقدم في قوله: {أية : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليَأكلون الطعام}تفسير : [الفرقان: 20]. وقوله {جئناك بالحق} مقابل قوله: {لا يأتونك بمثل} وهو مجيء مجازي. ومقابلة {جئناك بالحق} لقوله: {ولا يأتونك بمثل} إشارة إلى أن ما يأتون به باطل. مثال ذلك أن قولهم: {أية : مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}تفسير : [الفرقان: 7]، أبطله قوله: {أية : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق}تفسير : [الفرقان: 20]. والتعبير في جانب ما يؤيده الله من الحُجة بــــ{جِئْنَاك} دون: أتيناك، كما عُبر عمّا يجيئون به بــــ{يأتونك} إما لمجرد التفنن، وإما لأن فعل الإتيان إذا استعمل مجازاً كثر فيما يسوء وما يُكره، كالوعيد والهجاء، قال شقيق بن شَريك الأسدي:شعر : أتاني من أبي أنس وعيدٌ فَسُلّ لِغيظَةِ الضَّحَّاك جسمي تفسير : وقول النابغة:شعر : أتاني ــــ أبيت اللعن ــــ أنك لُمتَني تفسير : وقوله:شعر : فليأتينك قصائد وليَدفعن جيشاً إليك قوادمُ الأكوار تفسير : يريد قصائد الهجاء. وقول الملائكة لِلُوط {أية : وآتيناك بالحق}تفسير : [الحجر: 64] أي عذاب قومه، ولذلك قالوا له في المجيء الحقيقي {أية : بل جئناك بما كانوا فيه يمترون}تفسير : . وتقدم في سورة الحجر (63)، وقال الله تعالى: {أية : أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً}تفسير : [يونس: 24] {أية : أتى أمر الله فلا تستعجلوه}تفسير : [النحل: 1] {أية : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا}تفسير : [الحشر: 2]، بخلاف فعل المجيء إذا استعمل في مجازه فأكثر ما يستعمل في وصول الخير والوعد والنصر والشيء العظيم، قال تعالى: {أية : قد جاءكم بُرهان من ربكم}تفسير : [النساء: 174] {أية : وجاء ربك والملك صفّاً صفّاً}تفسير : [الفجر: 22] {أية : إذا جاء نصر الله}تفسير : [النصر: 1]، حديث : وفي حديث الإسراء: «... مرحَباً به ونعم المجيء جاء»تفسير : ، {أية : وقل جاء الحق وزهق الباطل}تفسير : [الإسراء: 81]، وقد يكون متعلق الفعل ذا وجهين باختلاف الاعتبار فيطلق كلا الفعلين نحو {أية : حتى إذا جاء أمرنا وفَار التنور}تفسير : [هود: 40]، فإن الأمر هنا منظور فيه إلى كونه تأييداً نافعاً لنوح. والتفسير: البيان والكشف عن المعنى، وقد تقدم ما يتعلق به مفصَّلاً في المقدمة الأولى من مقدمات هذا الكتاب، والمراد هنا كشف الحجة والدليل. ومعنى كونه {أحسَن}، أنه أحق في الاستدلال، فالتفضيل للمبالغة إذ ليس في حجتهم حُسن أو يراد بالحسن ما يبدو من بَهرجة سفسطتهم وشبههم فيجيء الكشف عن الحق أحسن وقعاً في نفوس السامعين من مغالطاتهم، فيكون التفضيل بهذا الوجه على حقيقته، فهذه نكتة من دقائق الاستعمال ودقائق التنزيل.

د. أسعد حومد

تفسير : {جِئْنَاكَ} (33) - ويَقُولُ اللهُ تَعَالى لنبيهِ: إِنَّ هؤلاءِ الكُفَّارَ لا يَأْتُونَ بِحُجَّةٍ وشُبْهَةٍ (مَثَلٍ)، ولا يقُولُونَ قَوْلاً يُعارِضُونَ بهِ الحَقَّ، إلا آتَى اللهُ نَبيَّهُ من الحَقِّ ما يَدْحَضُ بِه شُبَهَهُمْ، ويدْفَعُ بِهِ حُجَجَهُمْ وتَعَنُّتَهُمْ، ويكُونُ ذلكَ أوْضَحَ وأفْصَحَ مِنْ مَقَالَتِهِمْ. (وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ يَلْتَمسُونَ بِهِ عَيْبَ القُرآنِ والرَّسُولِ إِلاَّ أَنْزَلَ جِبْرِيلَ بِجَوَارِبِهِمْ). أحْسَنَ تَفْسيراً - أصدقَ بيَاناً وتَفْصِيلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المَثَل مثل قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ..}تفسير : [الفرقان: 32] أو قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31] والمثل: الأشياء العجيبة التي طلبوها. ولو أجابهم الله لما قالوا لأنكروا قولهم وتنصّلوا منه، كما قال تعالى عن اليهود: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ..}تفسير : [البقرة: 142] ومع ذلك قالوا ما حكاه القرآن عنهم. أمَا كان فيهم رجل يتنبه لقوْل القرآن، فيحذرهم من هذا القول ليُوقِع رسول الله في حرج، ويُظهر القرآن على أنه كذب، ويقول كلاماً يخالف الحقيقة، وعندها، لهم أنْ يقولوا: لقد قال القرآن كذا وكذا ولم يحدث منا هذا؟