Verse. 2890 (AR)

٢٥ - ٱلْفُرْقَان

25 - Al-Furqan (AR)

وَلَقَدْ اٰتَيْنَا مُوْسَى الْكِتٰبَ وَجَعَلْنَا مَعَہٗۗ اَخَاہُ ہٰرُوْنَ وَزِيْرًا۝۳۵ۚۖ
Walaqad atayna moosa alkitaba wajaAAalna maAAahu akhahu haroona wazeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد آتينا موسى الكتاب» التوراة «وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا» معينا.

35

Tafseer

الرازي

تفسير : القصة الأولى ـ قصة موسى عليه السلام اعلم أنه تعالى لما قال: { أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } تفسير : [الفرقان: 31] أتبعه بذكر جماعة من الأنبياء وعرفه بما نزل بمن كذب من أممهم فقال: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَـٰرُونَ وَزِيراً } والمعنى: لست يا محمد بأول من أرسلناه فكذب، وآتيناه الآيات فرد، فقد آتينا موسى التوراة وقوينا عضده بأخيه هرون ومع ذلك فقد رد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: كونه وزيراً لا يمنع من كونه شريكاً له في النبوة، فلا وجه لقول من قال في قوله: {فَقُلْنَا ٱذْهَبَا } إنه خطاب لموسى عليه السلام وحده بل يجري مجرى قوله: { أية : ٱذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } تفسير : [طه: 43] فإن قيل إن كونه وزيراً كالمنافي لكونه شريكاً بل يجب أن يقال إنه لما صار شريكاً خرج عن كونه وزيراً، قلنا لا منافاة بين الصفتين لأنه لا يمتنع أن يشركه في النبوة ويكون وزيراً وظهيراً ومعيناً له. المسألة الثانية: قال الزجاج الوزير في اللغة الذي يرجع إليه ويتحصن برأيه والوزر ما يعتصم به ومنه { أية : كَلاَّ لاَ وَزَرَ } تفسير : [القيامة: 11] أي لا منجى ولا ملجأ، قال القاضي: ولذلك لا يوصف تعالى بأن له وزيراً ولا يقال فيه أيضاً بأنه وزير لأن الالتجاء إليه في المشاورة والرأي على هذا الحد لا يصح. المسألة الثالثة: {دَمَّرْنَـٰهُمْ } أهلكناهم إهلاكاً فإن قيل: الفاء للتعقيب والإهلاك لم يحصل عقيب ذهاب موسى وهرون إليهم بل بعد مدة مديدة، قلنا: التعقيب محمول ههنا على الحكم لا على الوقوع، وقيل: إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر حاشيتيها أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة بطولها أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {ٱذْهَبَا إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } إن حملنا تكذيب الآيات على تكذيب آيات الإلهية فلا إشكال، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ، وإن كان للماضي إلا أن المراد هو المستقبل.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} يريد التوراة. {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً} تقدّم في {طه} {فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ} الخطاب لهما. وقيل: إنما أمر موسى صلى الله عليه وسلم بالذهاب وحده في المعنى. وهذا بمنزلة قوله: {أية : نَسِيَا حُوتَهُمَا}تفسير : [الكهف: 61]. وقوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } تفسير : [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما. قال النحاس: وهذا مما لا ينبغي أن يجترأ به على كتاب الله تعالى، وقد قال جل وعز: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ * قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ * قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} تفسير : [طه: 45 ـ 47]ونظير هذا: {أية : وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمن: 62]. وقد قال جل ثناؤه: {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا} تفسير : [المؤمنون: 45] قال القشيري: وقوله في موضع آخر: {أية : ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ }تفسير : [طه: 24] لا ينافي هذا؛ لأنهما إذا كانا مأمورين فكل واحد مأمور. ويجوز أن يقال: أمر موسى أولاً، ثم لما قال: {أية : وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي }تفسير : [طه: 29] قال: {أية : ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ}تفسير : [طه: 43]. {إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} يريد فرعون وهامان والقبط. {فَدَمَّرْنَاهُمْ} في الكلام إضمار؛ أي فكذبوهما {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً} أي أهلكناهم إهلاكاً.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَـٰرُونَ وَزِيراً } يوازره في الدعوة وإعلاء الكلمة ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة، لأن المتشاركين في الأمر متوازرون عليه. {فَقُلْنَا ٱذْهَبَا إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ } يعني فرعون وقومه. {بِئَايَٰتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً} أي فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم، فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود منها وهو إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم والتعقيب باعتبار الحكم لا الوقوع، وقرىء «فدمرتهم» «فدمراهم فدمرانهم» على التأكيد بالنون الثقيلة. {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ } كذبوا نوحاً ومن قبله، أو نوحاً وحده ولكن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب الكل أو بعثة الرسل مطلقاً كالبراهمة. {أَغْرَقْنَـٰهُمْ } بالطوفان. {وَجَعَلْنَـٰهُمْ } وجعلنا إغراقهم أو قصتهم. {لِلنَّاسِ ءَايَةً} عبرة. {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً } يحتمل التعميم والتخصيص فيكون وضعاً للظاهر موضع المضمر تظليماً لهم. {وَعَاداً وَثَمُودَ } عطف على هم في {جَعَلْنَـٰهُمْ } أو على «الظالمين» لأن المعنى ووعدنا الظالمين، وقرأ حمزة وحفص «وثمود» على تأويل القبيلة. {وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسِّ} قوم كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم شعيباً فكذبوه، فبينما هم حول الرس وهي البئر الغير المطوية فانهارت فخسف بهم وبديارهم. وقيل {ٱلرَّسّ } قرية بفلج اليمامة كان فيها بقايا ثمود فبعث إليهم نبي فقتلوه فهلكوا. وقيل الأخدود وقيل بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار، وقيل هم أصحاب حنظلة بن صفوان النبي ابتلاهم الله تعالى بطير عظيم كان فيها من كل لون، وسموها عنقاء لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتخ أو دمخ وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إذا أعوزها الصيد، ولذلك سميت مغرباً فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ثم أنهم قتلوه فأهلكوا. وقيل هم قوم كذبوا نبيهم ورسوه أي دسوه في بئر. {وَقُرُوناً } وأهل أعصار قيل القرن أربعون سنة وقيل سبعون وقيل مائة وعشرون. {بَيْنَ ذٰلِكَ} إشارة إلى ما ذكر. {كَثِيراً } لا يعلمها إلا الله. {وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ} بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين إنذاراً وإعذاراً فلما أصروا أهلكوا كما قال: {وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً} فتتناه تفتيتاً ومنه التبر لفتات الذهب والفضة، {وَكُلاًّ} الأول منصوب بما دل عليه {ضَرَبْنَا} كأنذرنا والثاني بـ {تَبَّرْنَا} لأنه فارغ. {وَلَقَدْ أَتَوْا} يعني قريشاً مروا مراراً في متاجرهم إلى الشام. {عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ} يعني سدوم عظمى قرى قوم لوط أمطرت عليها الحجارة. {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا} في مرار مرورهم فيتعظوا بما يرون فيها من آثار عذاب الله. {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} بل كانوا كفرة لا يتوقعون نشوراً ولا عاقبة فلذلك لم ينظروا ولم يتعظوا فمروا بها كما مرت ركابهم، أو لا يأملون نشوراً كما يأمله المؤمنون طمعاً في الثواب، أو لا يخافونه على اللغة التهامية. {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} ما يتخذونك إلا موضع هزء أو مهزوءاً به. {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} محكي بعد قول مضمر والإِشارة للاستحقار، وإخراج بعث الله رسولاً في معرض التسليم يجعله صلة وهم على غاية الإِنكار واستهزاء ولولاه لقالوا أهذا الذي زعم أنه بعثه الله رسولاً. {إِن} إنه. {كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا} ليصرفنا عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدعاء إلى التوحيد وكثرة ما يوردها مما يسبق إلى الذهن بأنها حجج ومعجزات. {لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها و {لَوْلاَ} في مثله تقيد الحكم المطلق من حيث المعنى دون اللفظ. {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} كالجواب لقولهم {وَإِن كَادُواْ لَيُضِلُّنَا} فإنه يفيد نفي ما يلزمه ويكون الموجب له، وفيه وعيد ودلالة على أنه لا يهملهم وإن أمهلهم. {أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} بأن أطاعه وبنى عليه دينه لا يسمع حجة ولا يبصر دليلاً، وإنما قدم المفعول الثاني للعناية به. {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} حفيظاً تمنعه عن الشرك والمعاصي وحاله هذا فالاستفهام الأول للتقرير والتعجيب والثاني للإِنكار. {أَمْ تَحْسَبُ} بل أتحسب. {أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ } فتجدي لهم الآيات أو الحجج فتهتم بشأنهم وتطمع في إيمانهم، وهو أشد مذمة مما قبله حتى حق بالإِضراب عنه إليه، وتخصيص الأكثر لأنه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكباراً وخوفاً على الرئاسة. {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَـٰمِ } في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات. {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } من الأنعام لأنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار، ولأنها إن لم تعتقد حقاً ولم تكتسب خيراً لم تعتقد باطلاً ولم تكتسب شراً، بخلاف هؤلاء ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن وصد الناس عن الحق، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم وهؤلاء مقصرون ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم. {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ} ألم تنظر إلى صنعه. {كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ} كيف بسطه أو ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك، فغير النظم إشعاراً بأنه المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه، أو ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس: يسخن الجو ويبهر البصر، ولذلك وصف به الجنة فقال {أية : وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ }تفسير : [الواقعه: 30] {وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً} ثابتاً من السكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد. {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً } فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الأجرام، أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها. {ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا} أي أزلناه بإيقاع الشمس موقعه لما عبر عن أحداثه بالمد بمعنى التسيير عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الذي هو في معنى الكف. {قَبْضاً يَسِيراً } قليلاً قليلاً حسبما ترتفع الشمس لينتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق، و {ثُمَّ } في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادىء أوقات ظهورها، وقيل {مَدَّ ٱلظّلَّ } لما بنى السماء بلا نير، ودحا الأرض تحتها فألقت عليها ظلها ولو شاء لجعله ثابتاً على تلك الحالة، ثم خلق الشمس عليه دليلاً، أي مسلطاً عليه مستتبعاً إياه كما يستتبع الدليل المدلول، أو دليل الطريق من يهديه فإنه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها، {ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } شيئاً فشيئاً إلى أن تنتهي غاية نقصانه، أو {قَبْضاً} سهلاً عند قيام الساعة بقبض أسبابه من الأجرام المظلة والمظل عليها.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى متوعداً من كذب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم من مشركي قومه ومن خالفه، ومحذرهم من عقابه وأليم عذابه، مما أحله بالأمم الماضية المكذبين لرسله، فبدأ بذكر موسى عليه السلام، وأنه بعثه وجعل معه أخاه هارون وزيراً، أي: نبياً مؤازراً، ومؤيداً وناصراً، فكذبهما فرعون وجنوده، فـ {أية : دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَٰلُهَا} تفسير : [محمد: 10] وكذلك فعل بقوم نوح حين كذبوا رسوله نوحاً عليه السلام، ومن كذب برسول، فقد كذب بجميع الرسل، إذ لا فرق بين رسول ورسول، ولو فرض أن الله تعالى بعث إليهم كل رسول، فإنهم كانوا يكذبون، ولهذا قال تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ} ولم يبعث إليهم إلا نوح فقط، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله عز وجل، ويحذرهم نقمه، {أية : وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} تفسير : [هود: 40] ولهذا أغرقهم الله جميعاً، ولم يبق منهم أحداً، ولم يترك من بني آدم على وجه الأرض سوى أصحاب السفينة فقط {وَجَعَلْنَـٰهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً} أي: عبرة يعتبرون بها؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 11 ــــ 12] أي: وأبقينا لكم من السفن ما تركبون في لجج البحار؛ لتذكروا نعمة الله عليكم في إنجائكم من الغرق، وجعلكم من ذرية من آمن به، وصدق أمره. وقوله تعالى: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَـٰبَ ٱلرَّسِّ} قد تقدم الكلام على قصتيهما في غير ما سورة؛ كسورة الأعراف بما أغنى عن الإعادة. وأما أصحاب الرس، فقال ابن جريج عن ابن عباس: هم أهل قرية من قرى ثمود. وقال ابن جريج: قال عكرمة: أصحاب الرس بفلج، وهم أصحاب يس. وقال قتادة: فلج من قرى اليمامة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله: {وَأَصْحَـٰبَ ٱلرَّسِّ} قال: بئر بأذربيجان. وقال الثوري عن أبي بكير، عن عكرمة: الرس بئر رسوا فيها نبيهم، أي: دفنوه بها. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله تعالى بعث نبياً إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك العبد الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي، فحفروا له بئراً، فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد يذهب، فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه، ويشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي إليه طعامه وشرابه، ثم يردها كما كانت، قال: فكان ذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة، فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائماً، ثم إنه هب، فتمطى، فتحول لشقه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب، واحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم إنه ذهب إلى الحفيرة موضعها الذي كانت فيه، فالتمسه فلم يجده، وكان قد بدا لقومه فيه بداء، فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه، قال: فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل؟ فيقولون له: لا ندري، حتى قبض الله النبي، وهب الأسود من نومته بعد ذلك»تفسير : ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة» تفسير : وهكذا رواه ابن جرير عن ابن حميد عن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب مرسلاً، وفيه غرابة ونكارة، ولعل فيه إدراجاً، والله أعلم. وقال ابن جرير: لا يجوز أن يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس الذين ذكروا في القرآن؛ لأن الله أخبر عنهم أنه أهلكهم، وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم، اللهم إلا أن يكون حدث لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم، والله أعلم. واختار ابن جرير: أن المراد بأصحاب الرس هم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج، فالله أعلم. وقوله تعالى: {وَقُرُوناً بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيراً} أي: وأمماً بين أضعاف من ذكر أهلكناهم كثيرة، ولهذا قال: {وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ} أي: بينا لهم الحجج، ووضحنا لهم الأدلة؛ كما قال قتادة: وأزحنا الأعذار عنهم، {وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً} أي: أهلكنا إهلاكاً؛ كقوله تعالى: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} تفسير : [الإسراء: 17] والقرن هو الأمة من الناس، كقوله: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ءَاخَرِينَ} تفسير : [المؤمنون: 42] وحده بعضهم بمائة وعشرين سنة. وقيل: بمائة. وقيل: بثمانين، وقيل: أربعين، وقيل غير ذلك، والأظهر أن القرن هم الأمة المتعاصرون في الزمن الواحد، وإذا ذهبوا وخلفهم جيل، فهم قرن آخر، كما ثبت في "الصحيحين": «حديث : خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» تفسير : الحديث. {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِىۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ} يعني: قرية قوم لوط، وهي سدوم، ومعاملتها، التي أهلكها الله بالقلب وبالمطر من الحجارة التي من سجيل، كما قال تعالى: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} تفسير : [الشعراء: 173] وقال: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137 ــــ 138] وقال تعالى: {أية : وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} تفسير : [الحجر: 76] وقال: {أية : وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الحجر: 79] ولهذا قال: {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا}؟ أي: فيعتبروا بما حل بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول، وبمخالفتهم أوامر الله، {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} يعني: المارين بها من الكفار، لا يعتبرون لأنهم لا يرجون نشوراً، أي: معاداً يوم القيامة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ } التوراة {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيراً } معيناً.

الشوكاني

تفسير : اللام في قوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } جواب قسم محذوف، أي: والله لقد آتينا موسىٰ التوراة، ذكر سبحانه طرفاً من قصص الأولين تسلية له صلى الله عليه وسلم بأن تكذيب قوم أنبياء الله لهم عادة للمشركين بالله، وليس ذلك بخاص بمحمد صلى الله عليه وسلم، و{هَـٰرُونَ } عطف بيان ويجوز: أن ينصب على القطع، و{وَزِيراً } المفعول الثاني. وقيل: حال، والمفعول الثاني معه، والأوّل أولى. قال الزجاج: الوزير في اللغة الذي يرجع إليه، ويعمل برأيه، والوزر ما يعتصم به، ومنه: {أية : كَلاَّ لاَ وَزَرَ } تفسير : [القيامة: 11]. وقد تقدّم تفسير الوزير في طه، والوزارة لا تنافي النبوة، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء، ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضاً. وقد كان هارون في أوّل الأمر وزيراً لموسى، ولاشتراكهما في النبوّة قيل لهما: {ٱذْهَبَا إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا }، وهم فرعون وقومه، والآيات هي التسع التي تقدم ذكرها، وإن لم يكونوا قد كذبوا بها عند أمر الله لموسى وهارون بالذهاب بل كان التكذيب بعد ذلك، لكن هذا الماضي بمعنى المستقبل على عادة إخبار الله أي: اذهبا إلى القوم الذين يكذبون بآياتنا. وقيل: إنما وصفوا بالتكذيب عند الحكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بياناً لعلة استحقاقهم للعذاب. وقيل: يجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا. وقيل: إن المراد بوصفهم بالتكذيب عند الإرسال: أنهم كانوا مكذبين للآيات الإلهية، وليس المراد آيات الرسالة. قال القشيري: وقوله تعالى في موضع آخر: {أية : ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } تفسير : [طه: 24] لا ينافي هذا لأنهما إذا كانا مأمورين، فكل واحد مأمور. ويمكن أن يقال: إن تخصيص موسى بالخطاب في بعض المواطن لكونه الأصل في الرسالة، والجمع بينهما في الخطاب لكونهما مرسلين جميعاً {فَدَمَّرْنَـٰهُمْ تَدْمِيراً } في الكلام حذف أي: فذهبا إليهم، فكذبوهما، فدمرناهم أي: أهلكناهم إثر ذلك التكذيب إهلاكاً عظيماً. وقيل: إن المراد بالتدمير هنا الحكم به، لأنه لم يحصل عقب بعث موسى وهارون إليهم، بل بعده بمدّة. {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَـٰهُمْ } في نصب {قوم} أقوال: العطف على الهاء، والميم في دمرناهم، أو النصب بفعل محذوف أي: اذكر، أو بفعل مضمر يفسره ما بعده، وهو أغرقناهم أي: أغرقنا قوم نوح أغرقناهم. وقال الفراء: هو منصوب بأغرقناهم المذكور بعده من دون تقدير مضمر يفسره ما بعده. وردّه النحاس: بأن أغرقنا لا يتعدّى إلى مفعولين حتى يعمل في الضمير المتصل به، وفي قوم نوح، ومعنى {لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ }: أنهم كذبوا نوحاً، وكذبوا من قبله من رسل الله. وقال الزجاج: من كذّب نبياً فقد كذّب جميع الأنبياء، وكان إغراقهم بالطوفان كما تقدّم في هود {وَجَعَلْنَـٰهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً } أي: جعلنا إغراقهم، أو قصتهم للناس آية أي: عبرة لكل الناس على العموم يتعظ بها كل مشاهد لها، وسامع لخبرها {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ } المراد بالظالمين: قوم نوح على الخصوص. ويجوز أن يكون المراد كل من سلك مسلكهم في التكذيب والعذاب الأليم: هو عذاب الآخرة، وانتصاب {عَاداً } بالعطف على قوم نوح، وقيل: على محل الظالمين، وقيل: على مفعول جعلناهم {وَثَمُود} معطوف على عاداً، وقصة عاد وثمود قد ذكرت فيما سبق {وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسّ } الرسّ في كلام العرب: البئر التي تكون غير مطوية، والجمع رساس كذا قال أبو عبيدة، ومنه قول الشاعر:شعر : وهم سائرون إلى أرضهم تنابلة يحفرون الرّساسا تفسير : قال السدّي: هي بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار، فنسبوا إليها، وهو صاحب يسۤ الذي قال: {أية : يَـاقَوْم ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [يۤس: 20] وكذا قال مقاتل، وعكرمة، وغيرهما. وقيل: هم قوم بأذربيجان قتلوا أنبياءهم، فجفت أشجارهم وزروعهم، فماتوا جوعاً وعطشاً. وقيل: كانوا يعبدون الشجر، وقيل: كانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم شعيباً، فكذبوه وآذوه. وقيل: هم قوم أرسل الله إليهم نبياً، فأكلوه، وقيل: هم أصحاب الأخدود. وقيل: إن الرسّ هي البئر المعطلة التي تقدّم ذكرها، وأصحابها: أهلها. وقال في الصحاح: والرسّ: اسم بئر كانت لبقية ثمود، وقيل: الرسّ ماء ونخل لبني أسد، وقيل: الثلج المتراكم في الجبال. والرسّ: اسم واد، ومنه قول زهير:شعر : بكرن بكوراً واستحرن بسحرة فهنّ لوادي الرسّ كاليد للفم تفسير : والرسّ أيضاً: الإصلاح بين الناس، والإفساد بينهم، فهو: من الأضداد. وقيل: هم أصحاب حنظلة بن صفوان، وهم الذين ابتلاهم الله بالطائر المعروف بالعنقاء {وَقُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً } معطوف على ما قبله، والقرون جمع قرن أي: أهل قرون، والقرن مائة سنة، وقيل: مائة وعشرون. وقيل: القرن أربعون سنة، والإشارة بقوله: {بَيْنَ ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم ذكره من الأمم. وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك. {وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ } قال الزجاج: أي: وأنذرنا كلا ضربنا لهم الأمثال، وبينا لهم الحجة، ولم نضرب لهم الأمثال الباطلة كما يفعله هؤلاء الكفرة، فجعله منصوباً بفعل مضمر يفسره ما بعده، لأن حذرنا، وذكرنا، وأنذرنا في معنى: ضربنا، ويجوز أن يكون معطوفاً على ما قبله، والتنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف، وهو الأمم أي: كل الأمم ضربنا لهم الأمثال أما {كَلاَّ} الأخرى: فهي منصوبة بالفعل الذي بعدها، والتتبير: الإهلاك بالعذاب. قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتتته فقد تبرته. وقال المؤرج، والأخفش: معنى {تَبَّرْنَا تَتْبِيراً}: دمرنا تدميراً، أبدلت التاء والباء من الدال والميم {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْء } هذه جملة مستأنفة مبينة لمشاهدتهم لآثار هلاك بعض الأمم. والمعنى: ولقد أتوا أي: مشركو مكة على قرية قوم لوط التي أمطرت مطر السوء، وهو الحجارة أي: هلكت بالحجارة التي أمطروا بها، وانتصاب مطر على المصدرية، أو على أنه مفعول ثانٍ: إذ المعنى: أعطيتها، وأوليتها مطر السوء، أو على أنه نعت مصدر محذوف أي: إمطاراً مثل مطر السوء، وقرأ أبو السموأل "السوء" بضم السين، وقد تقدّم تفسير السوء في براءة {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا } الاستفهام للتقريع والتوبيخ؛ أي: يرون القرية المذكورة عند سفرهم إلى الشام للتجارة، فإنهم يمرّون بها، والفاء للعطف على مقدّر أي: لم يكونوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً } أضرب سبحانه عما سبق من عدم رؤيتهم لتلك الآثار إلى عدم رجاء البعث منهم المستلزم لعدم رجائهم للجزاء، ويجوز أن يكون معنى يرجون: يخافون. {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} أي: ما يتخذونك إلاّ هزؤاً أي: مهزوءاً بك، قصر معاملتهم له على اتخاذهم إياه هزواً، فجواب «إذا» هو {إِن يَتَّخِذُونَكَ } وقيل: الجواب محذوف، وهو قالوا: أَهَـٰذَا ٱلَّذِي، وعلى هذا، فتكون جملة {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ } معترضة، والأوّل أولى. وتكون جملة: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً } في محل نصب على الحال بتقدير القول: أي: قائلين أهذا؟ إلخ، وفي اسم الإشارة دلالة على استحقارهم له، وتهكمهم به، والعائد محذوف أي: بعثه الله، وانتصاب {رسولاً} على الحال أي: مرسلاً، واسم الإشارة مبتدأ، وخبره الموصول، وصلته {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا } أي: قالوا: إن كاد هذا الرسول ليضلّنا: ليصرفنا عن آلهتنا، فنترك عبادتها، وإن هنا هي المخففة، وضمير الشأن محذوف أي: إنه كاد أن يصرفنا عنها {لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } أي: حبسنا أنفسنا على عبادتها، ثم إنه سبحانه أجاب عليهم، فقال {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً } أي: حين يرون عذاب يوم القيامة الذي يستحقونه ويستوجبونه بسبب كفرهم من هو أضلّ سبيلا أي: أبعد طريقاً عن الحق والهدى، أهم أم المؤمنون؟ ثم بين لهم سبحانه أنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع الهوى، فقال معجباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم {أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } قدّم المفعول الثاني للعناية كما تقول: علمت منطلقاً زيداً أي: أطاع هواه طاعة كطاعة الإله أي: انظر إليه يا محمد، وتعجب منه. قال الحسن: معنى الآية: لا يهوى شيئاً إلاّ اتبعه {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } الاستفهام للإنكار والاستبعاد أي: أفأنت تكون عليه حفيظاً وكفيلاً حتى تردّه إلى الإيمان، وتخرجه من الكفر، ولست تقدر على ذلك ولا تطيقه، فليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك، وإنما عليك البلاغ. وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة بآية القتال. ثم انتقل سبحانه من الإنكار الأول إلى إنكار آخر، فقال: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ } أي: أتحسب أن أكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من آيات القرآن، ومن المواعظ؟ أو يعقلون معاني ذلك، ويفهمونه حتى تعتني بشأنهم، وتطمع في إيمانهم، وليسوا كذلك، بل هم بمنزلة من لا يسمع ولا يعقل. ثم بين سبحانه حالهم، وقطع مادّة الطمع فيهم، فقال: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأنْعَـٰمِ } أي: ما هم في الانتفاع بما يسمعونه إلاّ كالبهائم التي هي مسلوبة الفهم والعقل فلا تطمع فيهم، فإن فائدة السمع والعقل مفقودة، وإن كانوا يسمعون ما يقال لهم ويعقلون ما يتلى عليهم، ولكنهم لما لم ينتفعوا بذلك كانوا كالفاقد له. ثم أضرب سبحانه عن الحكم عليهم بأنهم كالأنعام إلى ما هو فوق ذلك، فقال: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } أي: أضل من الأنعام طريقاً. قال مقاتل: البهائم تعرف ربها، وتهتدي إلى مراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء لا ينقادون، ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم. وقيل: إنما كانوا أضلّ من الأنعام، لأنه لا حساب عليها، ولا عقاب لها، وقيل: إنما كانوا أضلّ؛ لأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك، بخلاف هؤلاء فإنهم اعتقدوا البطلان عناداً ومكابرة وتعصباً وغمطاً للحق. وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَـٰرُونَ وَزِيراً } قال: عوناً وعضداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَدَمَّرْنَـٰهُمْ تَدْمِيراً } قال: أهلكناهم بالعذاب. وأخرج ابن جرير عنه قال: الرسّ قرية من ثمود. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الرسّ بئر بأذربيجان، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس: أنه سأل كعباً عن أصحاب الرسّ قال: صاحب يسۤ الذي قال: {أية : قَالَ يَـا قَوْم ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [يۤس: 20] فرسه قومه في بئر بالأحجار. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أوّل الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلاّ ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية غدوا على النبي، فحفروا له بئراً، فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة فيعينه الله عليها، فيدلي طعامه وشرابه، ثم يردّها كما كانت، فكان كذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم حزمته، وفرغ منها، فلما أراد أن يحملها وجد سنة، فاضطجع فنام، فضرب على أذنه سبع سنين نائماً، ثم إنه ذهب فتمطى، فتحوّل لشقه الآخر فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه ذهب فاحتمل حزمته ولا يحسب إلاّ أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية، فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً، وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها الذي كانت فيه، فالتمسه، فلم يجده، وقد كان بدا لقومه فيه بدّ فاستخرجوه فآمنوا به وصدقوه، وكان النبي يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل؟ فيقولون: ما ندري حتى قبض ذلك النبي، فأهب الله الأسود من نومته بعد ذلك، إن ذلك الأسود لأوّل من يدخل الجنة»تفسير : . قال ابن كثير في تفسيره بعد إخراجه: وفيه غرابة ونكارة، ولعل فيه إدراجاً. انتهى. الحديث أيضاً مرسل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال: القرن مائة وعشرون عاماً. وأخرج هؤلاء عن قتادة قال: القرن سبعون سنة، وأخرج ابن مردويه عن أبي سلمة قال: القرن مائة سنة. وقد روي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: حديث : القرن مائة سنةتفسير : ، وقال: حديث : القرن خمسون سنةتفسير : ، وقال: حديث : القرن أربعون سنةتفسير : . وما أظنه يصح شيء من ذلك، وقد سمى الجماعة من الناس قرناً كما في الحديث الصحيح: «حديث : خير القرون قرني»تفسير : . وأخرج الحاكم في الكنى عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى معدّ ابن عدنان أمسك، ثم يقول: «حديث : كذب النسابون»تفسير : . قال الله: {وَقُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً }. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ } قال: هي سدوم قرية لوط {ٱلَّتِى أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْء } قال: الحجارة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } قال: كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زماناً من الدهر في الجاهلية، فإذا وجد حجراً أحسن منه رمى به وعبد الآخر، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في الآية قال: ذلك الكافر لا يهوى شيئاً إلاّ اتبعه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الرس المعدن، قاله أبو عبيدة. الثاني: أنه قرية من قرى اليمامة يقال له الفج من ثمود، قاله قتادة. الثالث: أنه ما بين نجران واليمن إلى حضرموت، قاله بعض المفسرين. الرابع: أنه البئر. وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه بئر بأذربيجان، قاله ابن عباس. الثاني: أنها البئر التي قتل فيها صاحب ياسين بأنطاكية الشام حكاه النقاش. الثالث: أن كل بئر إذا حفرت ولم تطو فهي رس قال زهير: شعر : بكرن بكوراً واستحرن بسحرة فهن ووادي الرس كاليد في الفم تفسير : وفي أصحاب الرس أربعة أقاويل: أحدها: أنهم قوم شعيب، حكاه بعض المفسرين. الثاني: أنهم قوم رسوا نبيهم في بئر، قاله عكرمة. الثالث: أنهم قوم كانوا نزولاً على بئر يعبدون الأوثان، وكانوا لا يظفرون بأحد يخالف دينهم إلا قتلوه ورسوه فيها، وكان الرس بالشام، قاله الضحاك. الرابع: أنهم قوم أرسل الله إليهم نبياً فأكلوه وهم أول من عمل نساؤهم السحر، قاله الكلبي. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْاْ عَلَى الْقَرْيَةِ} وهي سدوم قرية لوط. {الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءٍ} الحجارة التي أُمطِرُوا بها، والذين أتوا عليها قريش. {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا} أي يعتبرون بها. {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نَشُوراً} أي لا يخافون بعثاً.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية التي ذكر فيها الأمم هي تمثيل لهم وتوعد أن يحل بهم ما حل بهؤلاء المعذبين، و {الكتاب} التوراة، والوزير المعين، وهو من تحمل الوزر أي ثقل الحال أو من الوزر الذي هو الملجأ، و {القوم الذين كذبوا} هم فرعون وملؤه من القبط، ثم حذف من الكلام كثير دل عليه ما بقي، وتقدير المحذوف فأديا الرسالة فكذبوهما فدمرناهم. وقرأ علي بن أبي طالب ومسلمة بن محارب "فدمرانهم" أي كونا سبب ذلك، قال أبو الفتح ألحق نون التوكيد ألف التثنية كما تقول اضربان زيداً. قال الفقيه الإمام القاضي : وروي عن علي رضي الله عنه"فدمراهم"، وحكى عنهم أبو عمرو الداني "فدمِرناهم" بكسر الميم خفيفة، قال وروي عنه "فدمروا بهم" على الأمر لجماعة وزيادة باء، والذي فسر أبو الفتح وهم وإنما القراءة "فدمرا بهم" بالباء، وكذلك المهدوي، ونصب قوله {وقومَ نوح} بفعل مضمر يدل عليه {أغرقناهم}، وقوله {الرسل} وهم إنما كذبوا نوحاً فقط معناه أن الأمة التي تكذب نبياً واحداً ففي ضمن ذلك تكذيب جميع الأنبياء فجاءت العبارة بما يتضمنه فعلهم تغليظاً في القول عليهم، وقوله {آية} أي علامة على سطوة الله تعالى بكل كافر بأنبيائه، وعاد وثمود يصرف، وجاء ها هنا مصروفاً، وقرأ ابن مسعود وعمرو بن ميمون والحسن وعيسى "وعاداً" مصروفاً "وثمود" غير مصروف، واختلف الناس في {أصحاب الرس} فقال ابن عباس هم قوم ثمود، وقال قتادة هم أهل قرية من اليمامة، يقال لها {الرس} والفلج، وقال مجاهد هم أهل قرية فيها بير عظيمة الخ... يقال لها {الرس}، وقال كعب ومقاتل والسدي {الرس} بير بأنطاكية الشام قتل فيها صاحب ياسين، وقال الكلبي {أصحاب الرس} قوم بعث إليهم نبي فأكلوه، وقال قتادة {أصحاب الرس} وأصحاب ليكة قومان أرسل إليهما شعيب عليه السلام، وقاله وهب بن منبه وقال علي رضي الله عنه في كتاب الثعلبي {أصحاب الرس} قوم عبدوا شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت، رسوا نبيهم في بير حفروه له في حديث طويل، و {الرس} في اللغة كل محفور من بير أو قبر أو معدن ومنه قول الشاعر [النابغة الجعدي]: [المتقارب] شعر : سبقت إلى فرط بأهل تنابلة يحفرون الرساسا تفسير : وروى عكرمة ومحمد بن كعب القرظي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الرس المشار إليهم في هذه الآية قوم أخذوا نبيهم فرسوه في بير وأطبقوا عليه صخرة، قال فكان عبد أسود قد آمن به يجيء بطعام إلى تلك البير فيعينه الله على تلك الصخرة إلى أن ضرب الله يوماً على أذن ذلك الأسود بالنوم أربع عشرة سنة وأخرج أهل القرية نبيهم فآمنوا به في حديث طويل، قال الطبري فيمكن أنهم كفروا به بعد ذلك فذكرهم الله في هذه الآية، وقوله {وقروناً بين ذلك كثيراً} إبهام لا يعلم حقيقته إلا الله عز وجل وقد تقدّم شرح القرن وكم هو، ومن هذا اللفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى، ويروى أن ابن عباس قاله، "كذب النسابون من فوق عدنان لأن الله تعالى أخبر عن كثير من الخلق والأمم ولم يحد"، ثم قال تعالى إن كل هؤلاء "ضرب له الأمثال"، ليهتدي فلم يهتد، "فتبره" الله أي أهلكه، والتبار الهلاك ومنه تبر الذهب أي المكسر المفتت، وكذلك يقال لفتات الرخام والزجاج تبر، وقال ابن جبير إن أصل الكلمة نبطي ولكن العرب قد استعملته.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ...} الآيات تنبيه لكفار قريشٍ، وَتَوَعَّدٌ أَنْ يَحِلَّ بِهِم ما حَلَّ بهؤلاء المُعَذَّبين؛ قال قتادة: أصحاب الرَّسِّ، وأَصحابُ الأيْكَةِ: قومانِ أُرْسِلَ إليهِما شُعَيْبٌ، وقاله وهب بن منبه، وقيل غير هذا. وقوله تعالى: {وَقُرُوناً بَيْنَ ذٰلِكَ كَثِيراً} إبهام لاَ يَعْلَمُ حقيقتَه إلاَّ اللّهُ عز وجل، والتَّبَارُ: الهلاك، والقرية التي أُمْطِرَت مَطَرَ السوء هي: «سدُوم» مدينة قوم لوط، وما لم نذكر تفسيره قد تقدم بيانه للفاهم المتيقظ، ثم ذكر سبحانه أَنَّهُم إذا رأوا محمداً عليه السلام قالوا على جهة الاستهزاء: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً}. قال * ص *: {إِن يَتَّخِذُونَكَ} إنْ نافية، جوابُ «إذا»، انتهى، ثم أنس اللّه تعالى نَبِيَّه بقوله: {أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ...} الآية, المعنى: لا تتأسف عليهم ومعنى {ٱتَّخَذَ إلٰهَهُ هَوَٰهُ} أي: جعل هواه مطاع فصار كالإِلٰه {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَٰمِ} أي: بل هم كالأنعام. قلت: وعبارة الواحدي: {إِن هُم} أي: ما هم إلاَّ كالأنعام، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} الآية. لما قال: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الفرقان: 31] وذكر ذلك في معرض التسلية له، ذكر جماعة من الأنبياء، وعرفه تكذيب أممهم، والمعنى: لست يا محمد بأول من أرسلنا فكذب (وآتيناه الآيات فرُدّ): فقد آتينا موسى الكتاب، وقوينا عضده بأخيه هارون (ومع ذلك فقد رُدّ). فإن قيل: كون هارون وزيراً كالمنافي لكونه شريكاً، بل يجب أن يقال: إنه لما صار (شريكاً) خرج عن كونه وزيراً. فالجواب: لا منافاة بين الصنفين، لأنه لا يمنع أن يشركه في النبوة ويكون وزيراً، وظهيراً، ومعيناً له. ولا وجه لقول من قال في قوله: "فَقُلْنَا اذْهَبا" إنه خطاب لموسى عليه السلام وحده بل يجري مجرى قوله: {أية : ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} تفسير : [طه: 43]. قوله: "هَارونَ" بدل، أو بيان، أو منصوب على القطع و"وَزِيراً" مفعول ثان، وقيل: حال، والمفعول الثاني قوله "معه". قال الزجاج: الوزير في اللغة الذي يرجع إليه ويعمل برأيه، والوزر ما يعتصم به، ومنه: {أية : كَلاَّ لاَ وَزَرَ} تفسير : [القيامة: 11] أي: لا منجى ولا ملجأ. قال القاضي: ولذلك لا يوصف تعالى بأن له وزيراً. قوله: {فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} يعني القبط. قوله: "فَدمَّرْنَاهُمْ". العامة على "فَدَمَّرْنَا" فعلاً ماضياً معطوفاً على محذوف، أي: فذهب فكذبوهما "فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْميراً" أهلكناهم إهلاكاً. وقرأ عليّ - كرم الله وجهه - "فدمِّراهم" أمر لموسى وهارون، وعنه أيضاً: "فَدَمِّرَانِّهِمْ" كذلك أيضاً، ولكنه مؤكد بالنون الشديدة، وعنه أيضاً: "فدمِّرا بِهِم" بزيادة باء الجر بعد فعل الأمر، وهي تشبه القراءة قبلها في الخط، ونقل عنه الزمخشري "فَدَمَّرْتُهم" بتاء المتكلم. فإن قيل: الفاء للتعقيب، والإهلاك لم يحصل عقيب بعث موسى وهارون إليهم بل بعد مدة مديدة. فالجواب: فاء التعقيب محمولة هنا على الحكم بالإهلاك لا على الوقوع. وقيل: إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر المقصود منها أولها وآخرها، والمراد إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. واعلم أن قوله: "كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" إن حملنا تكذيب الآيات على تكذيب الآيات الإلهية فلا إشكال، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة، فاللفظ وإن كان للماضي فالمراد به المستقبل.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً} ‏ قال‏:‏ عوناً وعضداً‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فدمرناهم تدميراً‏} ‏ قال‏:‏ أهلكناهم بالعذاب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏{‏وعاداً وثمودا‏} ‏ ينوّن ثمود‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال ‏{‏الرس‏} ‏ قرية من ثمود‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ‏ {‏الرس‏}‏ بئر بأذربيجان‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن قتادة في قوله ‏ {‏وأصحاب الرس‏} ‏ قال‏:‏ قوم شعيب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏وأصحاب الرس‏} ‏ قال‏:‏ حدثنا أن أصحاب الرس كانوا أهل فلج باليمامة، وآبار كانوا عليها‏. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال ‏{‏الرس‏} ‏ بئر كان عليها قوم يقال لهم‏:‏ أصحاب الرس‏. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ‏{‏أصحاب الرس‏}‏ رسوا نبيهم في بئر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن أصحاب الرس قال‏:‏ صاحب البئر الذي ‏{‏قال يا قوم اتبعوا المرسلين‏}‏ فرسه قومه في بئر بالحجار‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال ‏ {‏الرس‏} ‏ بئر قتل به صاحب يس‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي وابن عساكر عن جعفر بن محمد بن علي‏:‏ ان امرأتين سألتاه هل تجد غشيان المرأة المرأة محرماً في كتاب الله‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ هن اللواتي كن على عهد تبع، وهن صواحب الرس وكل نهر وبئر رس‏.‏ قال‏:‏ يقطع لهن جلباب من نار، ودرع من نار، ونطاق من نار، وتاج من نار، وخفان من نار، ومن فوق ذلك ثوب غليظ جاف جلف منتن من نار، قال جعفر‏:‏ علموا هذا نساءكم‏. وأخرج ابن أبي الدنيا عن واثلة بن الأسقع رفعه قال‏:‏ سحاق النساء زنا بينهن‏.‏ وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الله بن كعب بن مالك قال‏:‏ لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراكبة والمركوبة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة قال‏:‏ إن أصحاب الأيكة‏؛‏ وأصحاب الرس‏.‏ كانتا أمتين، فبعث الله إليهما نبياً واحداً شعيباً وعذبهما الله بعذابين‏. وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله تعالى بعث نبياً إلى أهل قريته فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئر، فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه، فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة فيعينه الله عليها، فيدلي طعامه وشرابه، ثم يردّها كما كانت كذلك ما شاء الله أن يكون‏.‏ ثم إنه ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه، وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع فنام، فضرب على أذنه سبع سنين نائماً، ثم إنه هب فتمطى، فتحوّل لشقه الآخر فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب فاحتمل حزمته ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها التي كانت فيه، فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه بداء فاستخرجوه فآمنوا به وصدقوه‏.‏ وكان النبي يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل‏؟‏ فيقولون له‏:‏ ما ندري‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ حتى قبض ذلك النبي فأهب الله الأسود من نومته بعد ذلك؛‏ إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن أم سلمة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏"حديث : ‏بعد عدنان بن أدد بن زيد بن البراء، واعراق الثرى‏. قالت‏:‏ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك ‏{‏عاداً وثمودا وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً لا يعلمهم إلا الله‏}‏‏"‏ تفسير : قالت‏:‏ واعراق الثرى‏:‏ اسمعيل وزيد وهميسع وبرانيت‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ‏{‏وقروناً بين ذلك كثيرا‏ً} ‏ قال‏:‏ كان يقال إن القرن سبعون سنة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال‏:‏ القرن مائة وعشرون عاماً قال‏:‏ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قرن كان آخره العام الذي مات فيه يزيد بن معاوية‏. وأخرج ابن مردويه من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون‏"تفسير : ‏ قال أبو سلمة‏:‏ القرن مائة سنة‏.‏ وأخرج الحاكم وابن مردويه عن عبد الله بن بسر قال‏:‏ حديث : وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي فقال‏:‏ هذا الغلام يعيش قرناً‏. فعاش مائة سنة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق محمد بن القاسم الحمصي عن عبد الله بسر المازني قال‏:‏حديث : ‏ وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأسي وقال‏: سيعيش هذا الغلام قرناً قلت‏:‏ يا رسول الله كم القرن‏؟‏ قال‏: مائة سنة.‏ قال محمد بن القاسم‏:‏ ما زلنا نعد له حتى تمت مائة سنة‏.‏ ثم مات‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي الهيثم بن دهر الأسلمى قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : القرن خمسون سنة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ‏أمتي خمس قرون القرن أربعون سنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن حماد بن إبراهيم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : القرن أربعون سنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏القرن أربعون سنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال ‏"القرن ستون سنة" ‏‏.‏ وأخرج الحاكم في الكنى عن ابن عباس قال‏:‏‏ حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك‏.‏ ثم يقول‏: كذب النسابون قال الله تعالى ‏{‏وقروناً بين ذلك كثيراً‏} ‏‏.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً}. قلَمَّا يجري في القرآن لنبينا - صلى الله عليه وسلم - ذِكْرٌ إلا ويذكر الله عُقَيْبَه موسى عليه السلام. وتكررت قصته في القرآن في غير موضع تنبيهاً على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور فالتكرير في الذكر يوجب التفصيل في الوصف؛ لأن القصة الواحدة إذا أعيدت مراتٍ كثيرة كانت في باب البلاغة أتمَّ لا سيما إذا كانت في كل مرة فائدةٌ زائدة. ثم بيَّن أنه قال لهما: {فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً} أي فَذَهبا فَجَحَدَ القومُ فدمرناهم تدميراً أي أهلكناهم إهلاكاً، وفي ذلك تسليةٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما كان يقاسيه من قومه من فنون البلاء، ووَعْدٌ له بالجميل في أنه سَيُهْلك أعداءَه كُلَّهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد آتينا موسى الكتاب} اللام جواب لقسم محذوف اى وبالله لقد آتينا موسى التوراة اى انزلناها عليه بعد اغراق فرعون وقومه، وفى الارشاد والتعرض فى مطلع القصة لايتاء الكتاب مع انه كان بعد مهلك القوم ولم يكن له مدخل فى هلاكهم كسائر الآيات للايذان من اول الامر ببلوغه عليه السلام غاية الكمال ونيله نهاية الآمال التى هى انجاء بنى اسرائيل من ملك فرعون وارشادهم الى طريق الحق بما فى التوراة من الاحكام {وجعلنا معه} الظرف متعلق بجعلنا {اخاه} مفعول اول له {هرون} بدل من اخاه وهو اسم اعجمى ولم يرد فى شىء من كلام العرب {وزيرا} مفعول ثان اى معينا يوازره ويعاونه فى الدعوة واعلاء الكلمة فان الموازرة المعاونة، وفى القاموس الوزر بالكسر الثقل والحمل الثقيل والوزير جبأ الملك الذى يحمل ثقله ويعينه برأيه وحاله الوزارة بالكسر ويفتح والجمع وزراء والحبأ محركة جليس الملك وخاصته، وقال بعضهم الوزير الذى يرجع اليه ويتحصن برأيه من الوزر بالتحريك وهو ما يلتجأ اليه ويعتصم به من الجبل ومنه قوله تعالى {أية : كلا لاوزر}تفسير : اى لا ملجأ يوم القيامة والوزر بالكسر الثقل تشبيها بوزر الجبل ويعبر بذلك عن الاثم كما يعبر عنه بالثقل لقوله {أية : ليحلموا اوزارهم}تفسير : وقوله {أية : ليحملن اثقالهم واثقالا مع اثقالهم} تفسير : والوزير بالفارسية [يار ومدد كار وكارساز]، فان قلت كون هارون وزيرا كالمنافى لكونه شريكا فى النبوة لانه اذا صار شريكا له خرج عن كونه وزيرا، قلت لا ينافى ذلك مشاركته فى النبوة لأن المتشاركين فى الامر متوازران عليه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولقد آتينا موسى الكتاب}؛ أُنزل عليه جملة، ومع ذلك كفروا وكذبوا به، كما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ}تفسير : [القصص: 48]، فكذلك هؤلاء، لو نزل جملة، كما اقترحوا، لكفروا وكذبوا كما كذَّب أولئك. {وجعلنا معه أخاه هارونَ وزيراً}، فأخاه: مفعول أول لجعل، و (وزيراً): مفعول ثان، أي: جعلنا معه أخاه مقوياً ومعيناً. والوزير: من يُرجع إليه ويُتَحَصَّنُ برأيه، من الوزَر، وهو الملجأ. والوزارة لا تنافي النبوة؛ فقد كان يُبعث في الزمن الواحد أنبياء، ويُؤمرون أن يوازر بعضهم بعضاً. أو: يكون وزيراً أول مرة ورسولاً ثانياً. {فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذّبوا بآياتنا} أي: فرعون وقومه. والمراد بالآيات: التسع الظاهرة على يد موسى عليه السلام، ولم يتصف القوم بالتكذيب عند إرسالها إليهم ضرورة؛ لتأخير تكذيب الآيات عن إظهارها المتأخر عن إرسالها، بل إنما وُصفوا بذلك عند الحكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بياناً لعلة استحقاقهم، لما حكي بعده من التدمير. أي: فذهبا إليهم فأرياهم آياتنا كلها، فكذبوهما تكذيباً مستمراً، {فدمَّرناهم} إثر ذلك {تدميراً} عجيباً هائلاً، لا يقادر قدره، ولا يدرك كنهه. فاقتصر على حاشيتي القصة؛ اكتفاء بما هو المقصود. انظر أبا السعود. الإشارة: أعباء الرسالة والولاية لا تحمل ولا تظهر إلا بمُعين. قال تعالى: {أية : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة: 2]، ولا بد لصاحب الخصوصية من إخوان يستعين بهم على ذكر الله، ويستظهر بهم على إظهار طريقة الله. فإن وُجد وَليّ لا إخوان له، ولا أولاد، فلا يكون إلا غالباً عليه القبض، مائلاً لجهة الجذب، فيقل الانتفاع به، ولا تحصل التوسعة للوَلي إلا بكثرة الأصحاب والإخوان، يعالجهم ويصبر على جفاهم، حتى يتسع صدره وتتسع معرفته. وبالله التوفيق. ثمّ سلّى نبيه بما جرى على الأمم قبله، فقال: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ...}

الطوسي

تفسير : أقسم الله تعالى بأنه آتى موسى الكتاب يعني التوراة، وأنه جعل معه (أخاه) هارون وزيراً، يحمل عنه أثقاله، وأنه قال لهما وأوحى اليهما وأمرهما بأن يذهبا الى القوم الذين كذبو بآيات الله وجحدوا أدلته، يعني فرعون وقومه، وأخبر أنهم لم يقبلوا منهما وجحدوا نبوتهما، فأهلكهم الله ودمرهم تدميراً، والتدمير الاهلاك بأمر عجيب ومثله التنكيل، يقال: دمر على فلان إذا هجم عليه بالمكروه. ثم قال {وقوم نوح} أي اغرقنا قوم نوح لما كذبوا الرسل {أغرقناهم وجعلناهم للناس آية} وعلامة. والتغريق الاهلاك بالماء الغامر، وقد غرق الله تعالى قوم نوح بالطوفان، وهو مجيء ماء السماء المنهمر، وماء الارض الذي فجر الله تعالى عيونها حتى التقى الماء، أي أتى على أمر على قد قدره الله، فطبق الارض ولم ينج إلا نوحاً ومن كان معه راكباً فى السفينة، ويقال: فلان غريق في النعمة تشبيهاً بذلك. وقوله {لما كذبوا الرسل} يعني نوحاً ومن تقدم من الانبياء. وقيل: المعني نوحاً والرسل من الملائكة. وقيل: نوحاً ومن بعده من الرسل، لأن الانبياء يصدق بعضهم بعضاً فى توحيد الله وخلع الانداد، فمن كذب بواحد منهم فقد كذب بهم جميعهم، وقال الحسن: تكذيبهم بنوح تكذيب لسائر الرسل. ثم قال تعالى: إنا مع إهلاكهم العاجل {أعتدنا للظالمين} نفوسهم {عذاباً أليماً} أي مؤلماً موجعاً. وقوله {وعاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً} معناه وأهلكنا هؤلاء ايضاً، يقال: (عاد) هم القوم الذين بعث الله إليهم هوداً، و (ثمود) هم الذين بعث الله اليهم صالحاً، واصحاب الرس قال عكرمة: الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي ألقوه فيها. وقال قتادة: هي قرية باليمامة، يقال لها: (فلج) وقال ابو عبيدة: الرس كل محفور - في كلام العرب - وهو المعدن، قال الشاعر: شعر : سبقت الى فرط ناهل تنابلة يحفرون الرساسا تفسير : اي المعادن. وقيل: الرس البئر التي لم تطو بحجارة، ولا غيرها، يقال: رسه يرسه رساً إذا دسه. وقيل: اصحاب الرس هم اصحاب (ياسين) بانطاكية الشام، ذكره النقاش. وقال الكلبي: هم قوم بعث الله تعالى اليهم نبياً فاكلوه، وهم اول من عمل نساؤهم السحر. وعن اهل البيت (ع) انهم قوم كانت نساؤهم سحاقات. وقوله {وقروناً بين ذلك كثيراً} اي اهلكنا قروناً بين هؤلاء الذين ذكرناهم كثيراً. وقيل: القرن سبعون سنة. وقال ابراهيم: أربعون سنة. وقوله {وكلاً ضربنا له الأمثال} تقديره ودللنا كلاًّ ضربنا له الامثال، فلما كفروا بها دمرناهم تدميراً {وكلاًّ تبّرنا تتبيراً} اي اهلكنا كلاًّ منهم إهلاكاً. والتتبير تكبير الاهلاك، والتبر مكسر الزجاج، ومكسر الذهب. وقوله {ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء} يعني ان هؤلاء الكفار قد جاؤا الى القرية التي اهلكها الله بالمطر السوء {أفلم يكونوا يرونها} فيعتبروا بها. والقرية هي قرية (سدوم) قرية قوم لوط، والمطر السوء الحجارة التي رموا بها - فى قول ابن عباس - ثم قال {بل} رأوها، وانما لم يعتبروا بها، لانهم {كانوا لا يرجون نشوراً} اي لا يخافون البعث لاعتقادهم جحده، قال الهذلي: شعر : إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل تفسير : فالدبر النحل اي لم يخف. وقيل: ركبوا المعاصي، لانهم لا يرجون ثواب من عمل خيراً بعد البعث.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} لمّا ذكر حال محمّدٍ (ص) فى رسالته وحال الكفّار فى الانكار ذكر الرّسل الماضية وانكار المنكرين وتدميرهم ليكون تسليةً وتقويةً للرّسول (ص) والمؤمنين وتهديداً للمنكرين {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً} لمّا كان المقصود تسلية الرّسول (ص) والمؤمنين وتهديد المنكرين والمعاندين من ذكر رسالة موسى (ع) وهارون اقتصر على ذكر ارسالهما وانكار قومهما وتدميرهم من تفصيل كيفيّة ارسالهما وتدميرهم وكان حقّ العبارة ان يقول ثمّ دمّرناهم لكن اتى بالفاء لايهام انّ التّدمير كان عقيب الرّسالة بلا مهلةٍ ليكون ابلغ فى التّقوية والتّهديد والتّقدير فذهبا وبلّغا رسالتهما وداريا القوم مدّةً مديدةً وبالغ القوم فى الانكار حتّى انتهوا فى انكارهم الى ابطال فطرتهم فدمّرناهم.

اطفيش

تفسير : {وَلَقدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} التوراة أو جنس ما انزل عليه التوراة وغيرها * {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ} بدل أو بيان {وَزِيراً} معينا له في الدعوة واعلاء كلمة الله ولا تنافي الوزارة النبوة فان المتشاركين في امر يتوازرون عليه وكان يبعث في الزمان الواحد انبياء يتعاونون. وقال الشيخ هود قال الحسن وزيرا شريكا في النبوة والرسالة وذلك قبل ان تنزل عليه التوراة.

اطفيش

تفسير : {ولقد آتينا مُوسى الكتاب} والتوراة {وجَعَلنا معَه أخاه هارون وزيراً} يحمل معه وزر الرأى والتدبير، أى ثقلهما مع انه نبى أيضاً، كما قال عز وجل: "أية : ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً"تفسير : [مريم: 53] إلا أن العمدة موسى وهارون تابع له، كما يدل لفظ الهبة، وكما أن الوزير تابع لسلطانه.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } الخ جملة مستأنفة سيقت لتأكيد ما مر من التسلية والوعد بالهداية والنصر في قوله تعالى: {أية : وَكَفَىٰ بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً }تفسير : [الفرقان: 31] على ما قدمناه بحكاية ما جرى بين من ذكر من الأنبياء عليهم السلام وبين قومهم حكاية إجمالية كافية فيما هو المقصود. واللام واقعة في جواب القسم أي وبالله تعالى لقد آتينا موسى التوراة أي أنزلناها عليه بالآخرة، وقيل: المراد بالكتاب الحكم والنبوة ولا يخفى بعده {وَجَعَلْنَا مَعَهُ } الظرف متعلق بجعلنا، وقوله تعالى: {أَخَاهُ } مفعول أول له وقوله سبحانه: {هَـٰرُونَ } بدل من {أَخَاهُ } أو عطف بيان له وقوله عز وجل: {وَزِيراً } مفعول ثان له وتقدم معنى الوزير ولا ينافي هذا قوله تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً}تفسير : [مريم: 53] لأنه وإن كان نبياً فالشريعة لموسى عليه السلام وهو تابع له فيها كما أن الوزير متبع لسلطانه.

ابن عاشور

تفسير : لما جرى الوعيد والتسلية بذكر حال المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام عطف على ذلك تمثيلهم بالأمم المكذبين رسلهم ليحصل من ذلك موعظة هؤلاء وزيادة تسلية الرسول والتعريض بوعده بالانتصار له. وابتدىء بذكر موسى وقومه لأنه أقرب زمناً من الذين ذكروا بعدَه ولأن بقايا شرعه وأمته لم تزل معروفة عند العرب، فإن صح ما روي أن الذين قالوا: {أية : لولا نُزل عليه القرآن جملة واحدة}تفسير : [الفرقان: 32] اليهود، فوجه الابتداء بذكر ما أوتي موسى أظهر. وحرف التحقيق ولام القسم لتأكيد الخبر باعتبار ما يشتمل عليه من الوعيد بتدميرهم. وأريد بالكتاب الوحي الذي يكتب ويحفظ وذلك من أول ما ابتدىء بوحْيه إليه، وليس المراد بالكتاب الألواحَ لأن إيتاءه الألواح كان بعد زمن قوله {اذهبا إلى القوم}، فقوله {فقلنا اذهبا} مفرع عن إيتاء الكتاب، فالإيتاء متقدم عليه. وفي وصف الوحي بالكتاب تعريض بجهالة المشركين القائلين {أية : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة}تفسير : [الفرقان: 32]، فإن الكُتب التي أوتيها الرسل ما كانت إلا وَحياً نزل منجّماً فجمعه الرسل وكتبه أتباعهم. والتعرض هنا إلى تأييد موسى بهارون تعريض بالرد على المشركين إذ قالوا {أية : لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً}تفسير : [الفرقان: 7] فإن موسى لما اقتضت الحكمة تأييده لم يؤيد بملك ولكنه أيّد برسول مثله. والوزير: المؤازر وهو المعاون المظاهر، مشتق من الأزْر وهو القوة. وأصل الأزر: شدّ الظهر بإزارٍ عند الإقبال على عمل ذي تعب، وقد تقدم في سورة طَه. وكان هارون رسولاً ثانياً ومُوسى هو الأصل. والقوم هم قبط مصر قوم فرعون. و{الذين كذبوا بآياتنا} وصف للقوم وليس هو من المقول لموسى وهارون لأن التكذيب حينئذ لمّا يقع منهم، ولكنه وصف لإفادة قُراء القرآن أن موسى وهارون بلَّغا الرسالة وأظهر الله منهما الآيات فكذب بها قوم فرعون فاستحقوا التدمير تعريضاً بالمشركين في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم وتمهيداً للتفريع بـــ{دمرناهم تدميراً} الذي هو المقصود من الموعظة والتسلية. والموصول في قوله: {الذين كذبوا بآياتنا} للإيماء إلى علة الخبر عنهم بالتدمير. وقد حصل بهذا النظم إيجاز عجيب اختصرت به القصة فذكر منها حاشيتاها: أولُها وآخرها لأنهما المقصود بالقصة وهو استحقاق الأمم التدمير بتكذيبهم رسلهم. والتدمير: الإهلاك، والهَلاك: دُمور. وإتباع الفعل بالمفعول المطلق لما في تنكير المصدر من تعظيم التدمير وهو الإغراق في اليَمّ.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} تفسير : [مريم: 52].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الكتاب: أي التوراة. وزيراً: أي يشد أزره ويقويه ويتحمل معه أعباء الدعوة. إلى القوم الذين كذبوا: هم فرعون وآله. لما كذبوا الرسل: أي نوحاً عليه السلام. وجعلناهم للناس آية: أي علامة على قدرتنا في إهلاك وتدمير الظالمين وعبرة للمعتبرين. وعاداً وثمود: أي اذكر قوم عاد وثمود إلخ.. وأصحاب الرس: الرس بئر رس فيها قوم نبيهم، أي رموه فيها ودسوه في التراب. وقروناً بين ذلك كثيراً: أي ودمرنا بين من ذكرنا من الأمم قروناً كثيراً. تبرنا تتبيرا: أي دمرناهم تدميراً. التي أمطرت مطر السوء: هي سدوم قرية قوم لوط. لا يرجون نشوراً: أي لا يؤمنون بالبعث والجزاء الآخر. معنى الآيات: قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} هذا شروع في عرض أمم كذبت رسلها وردت دعوة الحق التي جاءوا بها فأهلكهم الله تعالى ليكون هذا عظة للمشركين لعلهم يتعظون فقال تعالى وعزتنا لقد آتينا موسى بن عمران الكتاب الذي هو التوراة {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً} أي معيناً، فقلنا أي لهما {ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} وهم فرعون وملأه فأتوهم فكذبوهما فدمرناهم تدميراً كاملاً حيث أغرقوا في البحر، وقوله تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ} أي اذكر قوم نوح أيضاً فإنهم لما كذبوا الرسل أي كذبوا نوحاً ومن كذب رسولاً فكأنما كذب عامة الرسل أغرقناهم بالطوفان وجعلناهم للناس بعدهم آية أي عبرة للمعتبرين وقوله {وَأَعْتَدْنَا} أي وهيأنا للظالمين في الآخرة عذاباً أليماً أي موجعاً زيادة على هلاك الدنيا، وقوله {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ} أي أهلكنا الجميع ودمرناهم تدميراً لما كذبوا رسلنا وردوا دعوتنا، وقروناً أي وأهلكنا قروناً بين ذلك الذي ذكرنا كثيراً. وقوله {وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ} أي إقامة للحجة عليهم فما أهلكناهم إلا بعد الإِنذار والإِعذار لهم. وقوله {وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً} أي أهلكناهم إهلاكاً لتكذيبهم رسلنا وردهم دعوتنا. وقوله: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ} أي ولقد مر أي كفار قريش على القرية التي أمطرت مطر السوء أي الحجارة وهي قرى قوم لوط سدوم وعمورة وغيرهما فأهلكهم لتكذيبهم رسولهم وإتيانهم الفاحشة وقوله تعالى {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا} في سفرهم إلى الشام وفلسطين. فيعتبروا بها فيؤمنوا وهو استفهام تقريري وإذا كانوا يمرون بها ولكنهم لم يعتبروا لعلة وهي أنهم لا يؤمنون بالبعث الآخر وهو معنى قوله تعالى {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} فالذي لا يرجو أن يبعث ويحاسب ويجزي لا يؤمن ولا يستقيم أبداً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله تعالى في إهلاك الأمم بعد الإِنذار والإِعذار إليها. 2- بيان عاقبة المكذبين وما حل بهم من دمار وعذاب. 3- بيان علة تكذيب قريش للرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به وهي تكذيبهم بالبعث والجزاء فلهذا لم تنفعهم المواعظ ولم تؤثر فيهم العبر.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَا} {ٱلْكِتَابَ} {هَارُونَ} (35) - ولقَدْ أنْزَلنا التوراةَ على مُوسَى، كما أنزلْنَا عليكَ القرآنَ يا مُحمدُ، وجعلنَا مَعَهُ أخَاهُ هارونَ وزيراً وظَهِيراً ومُعِيناً.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً} أي معيناً وظهيراً {فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} يعني القبط، وفي الآية متروك استغنى عنه بدلالة الكلام عليه تقديرها: فكذّبوهما. {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً} فأهلكناهم إهلاكاً {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} عبرة {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} في الآخرة {عَذَاباً أَلِيماً} سوى ما حلّ بهم من عاجل العذاب. {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ} اختلفوا فيهم، فقال ابن عباس: كانوا أصحاب آبار، وقال وهب بن منبه: كانوا أهل بئر قعوداً عليها وأصحاب مواشي، وكانوا يعبدون الأصنام فوجّه الله إليهم شعيباً يدعوهم الى الإسلام فأتاهم ودعاهم، فتمادوا في طغيانهم وفي أذى شعيب فحذّرهم الله عقابه، فبينا هم حول البئر في منازلهم انهارت البئر فانخسفت بهم وبديارهم ورباعهم فهلكوا جميعاً. قتادة: الرس: قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيّهم فأهلكهم الله، وقال بعضهم: هم بقية هود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكرها الله سبحانه في قوله تعالى {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}. قال سعيد بن جبير وابن الكلبي والخليل: كان لهم نبيّ يقال له حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبل يقال له فتح، مصعده في السماء ميل، وكانت العنقاء تنتابه وهي أعظم ما تكون من الطير وفيها من كل لون، وسمّوها العنقاء لطول عنقها، وكانت تكون في ذلك الجبل تنقضّ على الطير أكلها، فجاعت ذات يوم فأعوزتها الطير فانقضّت على صبي فذهبت، فسُمّيت عنقاء مغرب لأنها تغرب بما تأخذه وتذهب به، ثم إنّها انقضّت على جارية حين ترعرعت فأخذتها فضمّتها إلى جناحين لها صغيرين سوى الجناحين الكبيرين، فطارت بها فشكو الى نبيّهم فقال: اللهم خذها واقطع نسلها، فأصابتها صاعقة فاحترقت فلم ير لها أثر، فضربتها العرب في أشعارهم، ثم إنهم قتلوا نبيّهم فأهلكهم الله. وقال كعب ومقاتل والسدي: هم أصحاب يس، والرسّ بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النّجار، فنسبوا لها وهم الرسّ، ذكرهم الله سبحانه في سورة يس، وقيل: هم أصحاب الأُخدود والرسّ هو الأُخدود الذي حفروه، وقال عكرمة: هم قوم رسّوا نبيهم في بئر، دليله ما روى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة لعبد أسود وذلك أن الله سبحانه بعث نبيّاً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلاّ ذلك الأسود، ثمّ إنّ أهل القرية عدوا على ذلك النبي فحفروا له بئراً فألقوه فيها، ثم أُطبق عليه بحجر ضخم، وكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه فيشري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة يعينه الله عليها فيدلي إليه طعامه وشرابه ثم يردّها كما كانت. قال: وكان كذلك ما شاء الله أن يكون ثم إنّه ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلمّا أراد أن يحتملها وجد سِنة فاضطجع فنام فضرب اللّه على أُذنه سبع سنين، ثم إنه هبّ فتمطّى فتحوّل لشقّه الآخر فاضطجع، فضرب الله على أُذنه سبع سنين أُخرى، ثم إنّه هبّ فاحتمل حزمته ولا يحسَبُ إلاّ أنه نام ساعة من نهار، فجاء الى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب الى الحفرة في موضعها التي كانت فيه فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه فآمنوا به وصدّقوه. قال: وكان النبي يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل؟ فيقولون له: ماندري، حتى قبض الله ذلك النبي فأهب الله الاسود من نومته بعد ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ ذلك الاسود لأول من يدخل الجنة ". تفسير : قلت: قد ذكر في هذا الحديث انهم آمنوا بنبيهم واستخرجوه من حفرته فلا ينبغي ان يكونوا المعنيين بقوله {وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ} لأن الله سبحانه وتعالى أخبر عن أصحاب الرسّ أنهم دمّرهم تدميراً إلاّ أن يكونوا دُمروا بأحداث أحدثوها بعد نبيهم الذي استخرجوه من الحفرة وامنوا به فيكون ذلك وجهاً. وقد ذُكر عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في قصة أصحاب الرس ما يصدّق قول عكرمة وتفسيره، وهو ما روى علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه عن علي بن أبي طالب أنَّ رجلا من أشراف بني تميم يقال له عمرو أتاه فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أصحاب الرسّ في أيّ عصر كانوا؟ وأين كانت منازلهم؟ ومن كان ملكهم؟ وهل بعث الله سبحانه إليهم رسولاً؟ وبماذا أُهلكوا؟ فإنّي أجد في كتاب الله سبحانه ذكرهم ولا أجد خبرهم، فقال له علي رضي الله عنه : لقد سألت عن حديث ما سألني عنه أحد قبلك ولا يحدّثك به أحد بعدي. وكان من قصتهم يا أخا تميم أنهم كانوا قوماً يعبدون شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت، كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها دوشاب كانت أُنبتت لنوح عليه السلام بعد الطوفان، وإنّما سُمّوا أصحاب الرسّ لأنهم رسّوا نبيهم في الأرض وذلك قبل سليمان بن داود، وكان له إثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، وبهم سمّي ذلك النهر، ولم يكن يومئذ في الأرض أغزر منه ولا أعذب، ولا قرى أكثر سكاناً ولا أعمر منها، وكانت، أعظم مداينهم اسفندماه وهي التي ينزلها ملكهم، وكان يسمّى نركوز بن عانور بن ناوش بن سارن ابن نمرود بن كنعار، وبها العين والصنوبرة وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة فنبتت الحبّة وصارت شجرة عظيمة، وحرموا ماء العين والأنهار فلا يشربون منها هم ولا أنعامهم، ومن فعل ذلك قتلوه، ويقولون: هي حياة آلهتنا فلا ينبغي لأحد أن يقطف من حباتها، ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم، وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيداً تجتمع إليه أهلها ويضربون على الشجرة التي بها كلّة من حرير فيها أنواع الصور، ثم يأتون بشياه وبقر فيذبحونها قرباناً للشجرة ويشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتاره في الهواء، وحال بينهم وبين النظر الى السماء، خرّوا للشجرة سجّداً يبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم. وكان الشيطان يجيىء فيحرّك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي: إني قد رضيت عنكم عبادي فطيبوا نفساً وقرّوا عيناً، فيرفعون عند ذلك رؤوسهم ويشربون الخمر ويضربون بالمعازف فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم، ثم ينصرفون حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليه صغيرهم وكبيرهم فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقاً، ويقرّبون لها الذبائح أضعاف ما قرّبوا للشجرة التي في قراهم، فيجيء إبليس عند ذلك فيحرّك الصنوبرة تحريكاً شديداً ويتكلم من جوفها كلاماً جهورياً يعدهم ويمنيهم بأكثر مما وعد بهم الشياطين كلّها، فيرفعون رؤوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون من الشرب والعزف، فيكونون على ذلك اثنا عشر يوماً ولياليها بعدد أعيادهم سائر السنة ثم ينصرفون. فلمّا طال كفرهم بالله سبحانه وعبادتهم غيره بعث الله سبحانه إليهم نبياً من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب فلبث فيهم زماناً طويلاً يدعوهم الى عبادة الله سبحانه وتعالى ومعرفة ربوبيته فلا يتبعونه، فلمّا رأى شدّة تماديهم في الغي والضلال، وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد الصلاح وحضر عند قريتهم العظمى قال: يا ربّ إنّ عبادك أبوا إلاّ أن يكذّبوني ويكفروا بك وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضر، فأيبسْ شجرهم اجمع وأرِهم قدرتك وسلطانك، فأصبح القوم وقد يبس شجرهم كلّه، فهالهم ذلك وقطعوا بها وصاروا فرقتين: فرقة قالت سحر آلهتكم هذا الرجل الذي زعم أنه رسول ربّ السماء والأرض إليكم ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه. وفرقة قالت: لا بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويقع فيه ويدعوكم الى عبادة غيرها، فحجبت حسنها وبهاءها لكي تضبوا لها فينتصروا منه، فأجمع رأيهم على قتله فاتخذوا أنابيب طوالاً من رصاص واسعة الأفواه، ثم أرسلوها في قرار العين إلى أعلى الماء واحدة فوق الأخرى مثل البرابخ، ونزحوا ما فيها من الماء ثم حفروا في قرارها بئراً ضيقة المدخل عميقة، وأرسلوا فيها نبيّهم وألقموا فاها صخرة عظيمة ثم أخرجوا الأنابيب من الماء وقالوا: نرجو الآن أن ترضى عنّا آلهتنا إذ رأت أنّا قد قتلنا من كان يقع فيها ويصد عن عبادتها ودفنّاه تحت كبيرها يتشفى منه فيعود لها نورها ونضرتها كما كان، فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيّهم عليه السلام وهو يقول: سيّدي قد ترى ضيق مكاني وشدّة كربي فارحم ضعف ركني وقلة حيلتي، وعجّل قبض روحي ولا تؤخّر إجابة دعوتي حتى مات عليه السلام. فقال الله تعالى لجبرئيل: إنّ عبادي هؤلاء غرّهم حلمي وآمنوا مكري وعبدوا غيري وقتلوا رسولي، وأنا المنتقم ممّن عصاني ولم يخش عقابي، وإنّي حلفت لأجعلنهم عبرة ونكالا للعالمين، فلم يرعهم وهم في عيدهم إلاّ ريح عاصف شديدة الحمرة قد عروا عنها وتحيروا فيها، وانضم بعضهم إلى بعض ثم صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت تتوقد وأظلّتهم سحابة سوداء فألقت عليهم كالقبّة حمراء تلتهب فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في النار نعوّذ بالله من غضبه ودرك نقمته. وقال بعض أهل العلم بأخبار الماضين وسير المتقدمين: بلغني أنّه كان رسّان: أمّا احَدَهُمَا فكان أهله أهل بدو وعمود وأصحاب مواشي فبعث الله إليهم رسولاً فقتلوه، ثم بعث إليهم رسولا آخر وعضده بولي فقُتل الرسول وجاهدهم الولي حتى أفحمهم وكانوا يقولون إلهنا في البحر وكانوا على شفيره، وأنّه كان يخرج إليهم من البحر شيطان في كل شهر خرجة فيذبحون عنده ويجعلونه عيداً فقال لهم الولي: أرأيتكم إن خرج إلهكم الذي تعبدونه فدعوته فأجابني وأمرته فأطاعني أتجيبونني الى مادعوتكم إليه؟ قالوا: بلى فأعطوه عهودهم ومواثيقهم على ذلك فانتظروا حتى خرج ذلك الشيطان على صورة حوت راكباً أربعة أحوات وله عنق مستعلية، وعلى رأسه مثل التاج، فلمّا نظروا إليه خرّوا سجّدا وخرج الولي إليه فقال: ائتني طوعاً أو كرهاً باسم الله الكريم فنزل عند ذلك عن أحواته فقال له الولي: ائتني عليهن لئلاّ يكون من القوم في أمره شك، فأتى الحوت وأتين به حتى أفضن الى البر يجرّونه ويجرّهم، فكذبوه بعد ذلك فأرسل الله عليهم ريحاً فقذفهم في البحر وقذف في البحر مواشيهم وما كانوا يملكون من ذهب وفضة وآنية، فأتى الولي الصالح الى البحر حتى أخذ الذهب والفضة والأواني فقسمها على أصحابه بالسويّة، وانقطع نسل هؤلاء القوم. وأما الآخر فهم قوم كان لهم نهر يدعى الرسّ ينسبون إليه فكان فيهم أنبياء كثيرة قل يوم يقوم فيهم نبيّ إلاّ قتل، وذلك النهر بمنقطع أذربيجان بينهما وبين أرمينية فإذا قطعته مدبراً ذاهباً دخلت في حدّ أرمينية، وإذا قطعته مقبلاً دخلت حدّ أذربيجان وكان من حولهم من أهل أرمينية يعبدون الأوثان ومن قدّامهم من أهل أذربيجان يعبدون النيران، وهم كانوا يعبدون الحواري العذارى فإذا تمّت لأحداهن ثلاثون سنة قتلوها واستبدلوا غيرها. وكان عرض نهرهم ثلاث فراسخ وكان يرتفع في كل يوم وليلة حتى بلغ أنصاف الجبال التي حوله، وكان لا ينصب في بر ولا بحر، إذا خرج من حدّهم يقف ويدور ثم يرجع، إليهم فبعث الله سبحانه إليهم ثلاثين نبيّاً في شهر واحد فقتلوهم جميعاً، فبعث اللّه إليهم نبيّاً وأيّده بنصره وبعث معه وليّاً فجاهدهم في الله حقَّ جهاده ونابذوه على سواء، فبعث الله ميكائيل وكان ذلك في أوان وقوع الحَب في الزرع وكانوا إذ ذاك أحوج ما كانوا إلى الماء ففجر نهرهم في البحر، فانصبّ ما في أسفله وأتى عيونها من فوق فسدّها. وبعث الله أعوانه من الملائكة خمسمائة ألف ففرّقوا ما بقي في وسط النهر، ثم أمر الله سبحانه جبرئيل، فنزل فلم يدع في أرضهم عيناً لا ماء ولا نهر إلاّ أيبسه بإذن الله تعالى، وأمر ملك الموت فانطلق إلى المواشي فأماتها ربضة واحدة، وأمر الرياح الأربع الجنوب والشمال والصبا والديور فقصمت ما كان لهم من متاع، وألقى الله عليهم السبات ثم خفقت الرياح الأربع بما كان من ذلك المتاع أجمع، فنهبته في رؤوس الجبال وبطون الأودية. فأما ما كان من حليّ أو تبر أو آنية فإن الله سبحانه أمر الأرض فابتلعته فأصبحوا ولا ماشية عندهم ولا مال يعودون إليه ولا ماء يشربونه، وأصبحت زروعهم يابسة فآمن بالله عند ذلك قليل منهم وهداهم الله سبحانه إلى غار في جبل له طريق الى خلفه، فنجوا وكانوا أحد وعشرين رجلاً وأربع نسوة وصبييّن، وكان عدّة الباقين من الرجال والنساء والذراري ستمائة ألف فماتوا عطشاً وجوعاً، ولم يبق منهم باقية، ثم عاد القوم المؤمنون الى منازلهم فوجدوها قد صار أعلاها أسفلها فدعوا الله عند ذلك مخلصين أن يجيئهم بزرع وماشية وماء ويجعله قليلاً لئلاّ يطغوا، فأجابهم الله سبحانه الى ذلك لما علم من صدقهم، وأطلق لهم نهرهم وزادهم على ما سألوا. فقام أُولئك بطاعة الله ظاهرة وباطنة حتى مضى أولئك القوم وحدث من نسلهم بعدهم قوم أطاعوا الله في الظاهر ونافقوا في الباطن فأملى الله لهم، ثم كثرت معاصيهم فبعث الله سبحانه عليهم عدوّهم فأسرع فيهم القتل فبقيت شرذمة منهم، فسلّط الله عليهم الطاعون فلم يُبقِ منهم أحداً، وبقي نهرهم ومنازلهم مائتي عام لا يسكنها أحد. ثم أتى الله سبحانه بقرن بعد ذلك فنزلوها فكانوا صالحين سنين ثم أحدثوابعد ذلك فاحشة جعل الرجل يدعو ابنته وأخته وزوجته فينيكها جاره وصديقه وأخوه يلتمس بذلك البر والصلة، ثم ارتفعوا من ذلك الى نوع آخر استغنى الرجل بالرجل وتركوا النساء حتى شبقن فجاءتهن شيطانة في صورة امرأة وهي الدلهاث بنت إبليس وهي أُخت الشيطان، كانا في بيضة واحدة فشبهت الى النساء ركوب بعضها الى بعض وعلّمتهن كيف يصنعن، فأصل ركوب النساء بعضهن بعضاً من الدلهاث، فسلّط الله سبحانه على ذلك القرن صاعقة من أول الليل وخسفاً في آخر الليل وصيحةً مع الشمس، فلم يبق منهم باقية وبادت مساكنهم. ويشهد بصحّة بعض هذه القصة ما أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو الطيب بن حفصويه قال: حدّثنا عبد الله بن جامع قال: حدّثنا عثمان بن خرزاذ قال: حدّثنا سلمان بن عبد الرَّحْمن قال: حدّثنا الحكم بن يعلى بن عطاء قال: حدّثنا معاوية بن عمار الدهنى عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله {وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ} قال: السحاقات. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا الحسن بن إسماعيل الدينوري قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن مالك السوسي قال: حدّثنا نصر بن حماد قال: حدّثنا عمر بن عبد الرَّحْمن عن مكحول عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أشراط الساعة أن يستكفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء وذلك السحق ". تفسير : والرسّ في كلام العرب: كل محفور مثل البئر والمعدن والقبر ونحوها وجمعهُ رساس، قال الشاعر: شعر : سبقت إلى فرط بأهل تنابلة يحفرون الرساسا تفسير : وقال أبو عبيد: الرسّ: كلّ ركية لم تطو بالحجارة والآجر والخشب. {وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً * وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ} في إقامة الحجّة فلم نهلكهم إلاّ بعد الإعذار والإنذار {وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً} أهلكنا إهلاكاً، وقال المؤرخ: قال الأخفش: كسّرنا تكسيراً. {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ} يعني الحجارة وهي قرية قوم لوط وكانت خمس قرى فأهلك الله سبحانه أربعاً وبقيت الخامسة، واسمها صغر وكان أهلها لا يعملون ذلك العمل الخبيث. {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا} إذا مرّوا بها في أسفارهم فيعتبرون ويتذكروا. قال الله سبحانه {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ} يخافون {نُشُوراً} بعثاً {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} نزلت في أبي جهل كان اذا مرَّ بأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مستهزئاً {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً * إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا} قد كاد يصدّنا عن عبادتها {لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} لصرفنا عنها {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} وهذا وعيدٌ لهم {أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} وذلك أنّ الرجل من المشركين كان يعبد الحجر أو الصنم، فإن راى أحسن منه رمى به وأخذ الآخر فعبده، قال ابن عباس: الهوى إله يعبد من دون الله. {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} حفيظاً من الخروج إلى هذا الفساد، نسختها آية الجهاد {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ} ما يقول: سماع طالب للإفهام {أَوْ يَعْقِلُونَ} ما يعاينون من الحجج والأعلام {إِنْ هُمْ} ما هم {إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} لأنّ البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها التي تعلفها وتعهدها، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربّهم الذي خلقهم ورزقهم. {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} معناه ألم تر إلى مدِّ ربك الظل، وهو ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس وإنّما جعله ممدوداً لأنه لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة (وظلَ ممدود) إذ لم يكن معه شمس، {وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً} دائماً ثابتاً لا يزول ولا تذهبه الشمس. قال أبو عبيد: الظلّ ما نسخته الشمس وهو بالغداة والفيىء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال، سُمّي فيئاً لأنه من جانب المشرق الى جانب المغرب {ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ} أي على الظل {دَلِيلاً} ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عُرف الظل إذ الاشياء تعرف بأضدادها، والظل يتبع الشمس في طوله وقصره كما يتبع السائر الدليل، فإذا ارتفعت الشمس قصر الظل وان انحطّت طال {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ} يعني الظل {إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} بالشمس التي يأتي بها فتنسخه، ومعنى قوله يسيراً أي خفيفاً سريعاً، والقبض: جمع الأجزاء المنبسطة، وأراد ههنا النقل اللطيف. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِبَاساً} أي ستراً تستترون وتسكنون فيه {وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً} راحة لأبدانكم وقطعاً لعملكم، وأصل السبت القطع ومنه يوم السبت والنّعال السبتية {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً} أي يقظة وحياة تُنشرون فيه وتنتشرون لأشغالكم {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً} وهو الطاهر في نفسه المطهّر لغيره {لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} ولم يقل ميتة لأنّه رجع به الى المكان والموضع، قال كعب: المطر روح الأرض {وَنُسْقِيَهُ} قرأهُ العامة بضم النون، وروى المفضل والبرجمي عن عاصم بفتح النون وهي قراءة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه {مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً} والأناسي جمع الإنسان، وأصله أناسين مثل بستان وبساتين فجعل الباء عوضاً من النون، وإن قيل: هو أيضاً مذهب صحيح كما يجمع القرقور قراقير وقراقر. أخبرني الحسن بن محمد الفنجوي قال: حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرحي، حدّثنا الحسن ابن علوي، حدّثنا إسحاق بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل كلّهم قالوا وبلّغوا به ابن مسعود: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس من سنة بأَمطر من أُخرى ولكنّ الله قسّم هذه الأَرزاق فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كلّ سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حوّل الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك الى الفيافي والبحار ". تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ} يعني المطر {بَيْنَهُمْ} عاماً بعد عام وفي بلدة دون بلدة، وقيل: صرفناه بينهم وابلا وطشّاً ورهاماً ورذاذاً، وقيل: التصريف راجع الى الريح. {لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} أى جحوداً، وقيل: هو قولهم مطر كذا وكذا {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} رسولاً ولقسّمنا النذير بينهم كما قسّمنا المطر، فحينئذ يخفّ عليك أعباء النبوّة، ولكنّا حمّلناك ثقل نذارة جميع القرى لتستوجب بصبرك عليه ما أعتدنا لك من الكرامة والهيبة والدرجة الرفيعة. {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم ومقاربتهم ومداهنتهم {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} أي بالقرآن {جِهَاداً كَبيراً}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : سبق قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ ..}تفسير : [الفرقان: 31] فلا بُدَّ أن يكون لكل نبي أعداء؛ لأنه جاء ليعدل ميزان المكارم الذي تحكم فيه ناس مُستبدون في شراسة، وأهلُ فساد سيُحْرمون من ثمرة هذا الفساد، فطبيعي أنْ يقفوا في وجه الدعوة. لذلك يضرب الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم بعض الأمثال من موكب الرسالات، فيقول: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً} [الفرقان: 35]. كأن الحق سبحانه يقول لرسوله: لقد تعرضتَ لمشقة دعوة أُنَاس لا يؤمنون بالإله، أمّا موسى فقد تعرض لدعوة مَن ادعى أنه إله، إذن: هناك مَنْ تحمل كثيراً من المشقات في سبيل الدعوة، لدرجة أن موسى عليه السلام رأى نفسه لن يستطيع القيام بهذه المهمة وحده. فنراه وهو النبي الرسول الذي اختاره الله - يقول: {أية : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي ..}تفسير : [القصص: 34] وهذا يعني أن موسى - عليه السلام - يعلم مدى المشقة، وحجم المهمة التي سيقوم بها. فالرسالات السابقة كان الرسول يُبعَث إلى أمته المحدودة في الزمان وفي المكان، ومع ذلك لاقوا المشقات، أما أنت يا محمد فقد أُرسلتَ برسالة عامة في الزمان وفي المكان إلى أنْ تقوم الساعة، فلا بُدَّ أن تكون متاعبك مثل متاعب مَنْ سبقوك جميعاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أشار تعالى إلى هذه القصص وقد بسطها في آيات أخر ليحذر المخاطبين من استمرارهم على تكذيب رسولهم فيصيبهم ما أصاب هؤلاء الأمم الذين قريبا منهم ويعرفون قصصهم بما استفاض واشتهر عنهم. ومنهم من يرون آثارهم عيانا كقوم صالح في الحجر وكالقرية التي أمطرت مطر السوء بحجارة من سجيل يمرون عليهم مصبحين وبالليل في أسفارهم، فإن أولئك الأمم ليسوا شرا منهم ورسلهم ليسوا خيرا من رسول هؤلاء {أية : أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ } تفسير : ولكن الذي منع هؤلاء من الإيمان -مع ما شاهدوا من الآيات- أنهم كانوا لا يرجون بعثا ولا نشورا، فلا يرجون لقاء ربهم ولا يخشون نكاله فلذلك استمروا على عنادهم، وإلا فقد جاءهم من الآيات ما لا يبقي معه شك ولا شبهة ولا إشكال ولا ارتياب.