٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : القصة الثانية ـ قصة نوح عليه السلام اعلم أنه تعالى إنما قال: {كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ } إما لأنهم كانوا من البراهمة المنكرين لكل الرسل أو لأنه كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيباً للجميع، لأن تكذيب الواحد منهم لا يمكن إلا بالقدح في المعجز، وذلك يقتضي تكذيب الكل، أو لأن المراد بالرسل وإن كان نوحاً عليه السلام وحده ولكنه كما يقال فلان يركب الأفراس. أما قوله: {أَغْرَقْنَـٰهُمْ } فقال الكلبي: أمطر الله عليهم السماء أربعين يوماً وأخرج ماء الأرض أيضاً في تلك الأربعين فصارت الأرض بحراً واحداً {وَجَعَلْنَـٰهُمْ } أي وجعلنا إغراقهم أو قصتهم آية، {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ } أي لكل من سلك سبيلهم في تكذيب الرسل عذاباً أليماً، ويحتمل أن يكون المراد قوم نوح.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ} في نصب «قوم» أربعة أقوال: العطف على الهاء والميم في {دمَّرْنَاهُمْ}. الثاني: بمعنى اذكر. الثالث: بإضمار فعل يفسره ما بعده؛ والتقدير: وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم. الرابع: أنه منصوب بـ{ـأَغْرَقْنَاهُمْ} قاله الفراء. ورده النحاس قال: لأن {أغرقنا} ليس مما يتعدّى إلى مفعولين فيعمل في المضمر وفي {قَوْمَ نُوحٍ}. {لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ} ذكر الجنس والمراد نوح وحده؛ لأنه لم يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده؛ فنوح إنما بعث بلا إلٰه إلا الله، وبالإيمان بما ينزل الله، فلما كذبوه كان في ذلك تكذيب لكل من بعث بعده بهذه الكلمة. وقيل: إن من كذب رسولاً فقد كذب جميع الرسل؛ لأنهم لا يفرق بينهم في الإيمان، ولأنه ما من نبيّ إلا يصدق سائر أنبياء الله، فمن كذب منهم نبياً فقد كذب كل من صدّقه من النبيين. {أَغْرَقْنَاهُمْ} أي بالطوفان، على ما تقدّم في {هود}. {وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} أي علامة ظاهرة على قدرتنا {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} أي المشركين من قوم نوح {عَذَاباً أَلِيماً} أي في الآخرة. وقيل: أي هذه سبيلي في كل ظالم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {قَوْمُ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ } بتكذيبهم نوحاً لطول لبثه فيهم فكأنَّه (رسل) أو لأن تكذيبه تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد {أَغْرَقْنَٰهُمْ } جواب «لمّا» {وَجَعَلْنَٰهُمْ لِلنَّاسِ } بعدهم {ءَايَةً } عبرة {وَأَعْتَدْنَا } في الآخرة {لِّلظَّٰلِمِينَ } الكافرين {عَذَاباً أَلِيماً } مؤلماً سوى ما يحلّ بهم في الدنيا.
النسفي
تفسير : {وَقَوْمَ نُوحٍ } أي ودمرنا قوم نوح {لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ} يعني نوحاً وإدريس وشيثاً أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيباً للجميع {أَغْرَقْنَـٰهُمْ } بالطوفان {وَجَعَلْنَـٰهُمْ } وجعلنا إغراقهم أو قصتهم {لِلنَّاسِ ءايَةً } عبرة يعتبرون بها {وَأَعْتَدْنَا } وهيأنا {لّلظَّـٰلِمِينَ } لقوم نوح وأصله وأعتدنا لهم إلا أنه أراد تظليمهم فأظهر، أو هو عام لكل من ظلم ظلم شرك ويتناولهم بعمومه {عَذَاباً أَلِيماً } أي النار {وَعَاداً } دمرنا عاداً {وَثَمُودَ} حمزة وحفص على تأويل القبيلة وغيرهما، وثموداً على تأويل الحي أو لأنه اسم الأب الأكبر {وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسّ } هم قوم شعيب كانوا يعبدون الأصنام فكذبوا شعيباً فبيناهم حول الرس ــ وهي البئر غير مطوية ــ انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم، وقيل: الرس قرية قتلوا نبيهم فهلكوا، أو هم أصحاب الأخدود والرس الأخدود {وَقُرُوناً } وأهلكنا أمماً {بَيْنَ ذٰلِكَ } المذكور {كَثِيراً } لا يعلمها إلا الله أرسل إليهم فكذبوهم فأهلكوا {وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ} بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين {وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً} أي أهلكنا إهلاكاً، {وَكُلاًّ } الأول منصوب بما دل عليه {ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ} وهو أنذرنا أو حذرنا والثاني بـــــ {تبرنا} لأنه فارغ له. {وَلَقَدْ أَتَوْا } يعني أهل مكة {عَلَى ٱلْقَرْيَةِ } سدوم وهي أعظم قرى قوم لوط وكانت خمساً أهلك الله أربعاً مع أهلها وبقيت واحدة {ٱلَّتِى أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْء } أي أمطر الله عليها الحجارة يعني أن قريشاً مروا مراراً كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء، {ومطر السوء} مفعول ثانٍ والأصل أمطرت القرية مطراً، أو مصدر محذوف الزوائد أي إمطار السوء {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا } أما شاهدوا ذلك بأبصارهم عند سفرهم الشام فيتفكروا فيؤمنوا {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً } بل كانوا قوماً كفرة بالبعث لا يخافون بعثاً فلا يؤمنون، أو لا يأملون نشوراً كما يأمله المؤمنون لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ} الآية. يجوز أن يكون "قَوْمَ" منصوباً عطفاً على مفعول "دَمَّرْنَاهم"، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر قوله: "أَغْرَقْنَاهُمْ" وترجح هذا بتقديم جملة فعلية قبله. هذا إذا قلنا: إن "لما" ظرف زمان، وأما إذا قلنا إنها حرف وجوب لوجوب فلا يتأتى ذلك، لأن "أَغْرَقْنَاهُمْ" حينئذ جواب "لما"، وجوابها لا يفسر، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدر لا على سبيل الاشتغال، أي: اذكر قوم نوح. فصل إنما قال: "كذبوا الرسل" إما لأنهم كانوا من البراهمة المنكرين لكل الرسل، أو لأن تكذيبهم لواحد تكذيب للجميع، لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع الرسل. وقوله "أَغْرَقْنَاهُمْ". قال الكلبي: أمطرنا عليهم السماء أربعين يوماً، وأخرج ماء الأرض أيضاً في تلك الأربعين، فصارت الأرض بحراً واحداً. "وَجَعَلْنَاهُمْ" أي: جعلنا إغراقهم وقصتهم "للناس آية" للظالمين أي: لكل من سلك سبيلهم، "وأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمينَ" في الآخرة "عَذَاباً أَلِيماً". قوله تعالى: {وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ} الآية، "وعَاداً" فيه ثلاثة أوجه: أن يكون معطوفاً على "قَوْمِ نُوح"، وأن يكون معطوفاً على مفعول "جَعَلْنَاهُمْ" وأن يكون معطوفاً على محل "لِلظَّالِمِينَ" لأنه في قوة وعدنا الظالمين بعذاب. قوله: "وأَصْحَابَ الرَّسِّ" فيه وجهان: أحدهما: (أنه) من عطف المغاير، وهو الظاهر. والثاني: أنه من عطف بعض الصفات على بعض. والمراد بـ "أَصْحَابَ الرَّسِّ" ثمود، لأن الرّسّ البئر التي لم تطو عن أبي عبيدة، وثمود أصحاب آبار. وقيل: "الرَّسُّ" نهر بالمشرق (وكانت قرى أصحاب الرس على شاطئ فبعث الله إليهم نبياً من أولاد يهودا بن يعقوب فكذبوه، فلبث فيهم زماناً يشتكي إلى الله منهم، فحفروا بئراً ورسوه فيها، وقالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم وهو يقول: إلهي ترى ضيق مكاني، وشدة كربي، وضعف قلبي، وقلة صلتي فجعل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله ريحاً عاصفة شديدة الحر، وصارت الأرض من تحتهم كبريتاً متوقداً، وأظلتهم سحابة سوداء، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص) ويقال: إنهم أناس عبدة أصنام قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي؛ دسوه فيها وقال قتادة والكلبي: الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم وهو حنظلة بن صفوان وقيل: هم بقية ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى في قوله: {أية : وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} تفسير : [الحج: 45]. وقال كعب ومقاتل والسدي: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار، ورسوه في بئر، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة يس. وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس هو الأخدود الذي حفروه. وقال عكرمة: هم قوم رسوا نبيهم في بئر. وقيل: الرس المعدن، وجمعه رساس وروي عن علي - رضي الله عنه -: أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة الصَّنَوْبَر وسموا أصحاب الرس؛ لأنهم رسوا نبيهم في الأرض. وروى ابن جرير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أن الله بعث نبياً إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهل القرية أحد إلا عبد أسود، ثم إنهم حفروا للرسول بئراً وألقوه فيها، ثم طبقوا عليها حجراً ضخماً، وكان ذلك الرجل الأسود يحتطب ويشتري له طعاماً وشراباً، ويرفع الصخرة ويدليه إليه، فكان ذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً، فلما أراد أن يحملها وجد نوماً، فاضطجع، وضرب الله على أذنه تسع سنين، ثم هَبّ واحتمل حزمته واشترى طعاماً وشراباً، وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه قد استخرجوه فآمنوا به، وصدقوه، وكان ذلك النبي يسألهم عن الأسود، ويقول لهم إنه أول من يدخل الجنة ". تفسير : قوله: ("وقُروناً") أي: وأهلكنا قروناً كثيرة بين عاد وأصحاب الرس والقرون: جمع قرن، قال عليّ - رضي الله عنه -: القرن أربعون سنة، وهو قول النخعي. وقيل: مائة وعشرون سنة. وقيل غير ذلك. وتقدم الكلام عليه في سورة سبحان عند قوله: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} تفسير : [الإسراء: 17]. قوله: "بَيْنَ ذَلك" "ذلك" إشارة إلى من تقدم ذكره، وهم جماعات، فلذلك حسن دخول "بَيْنَ" عليه. وقد يذكر الذاكر بحوثاً ثم يشير إليها بذلك، ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة، ثم يقول: فذلك كيت وكيت، أي ذلك المحسوب أو المعدود. قوله: "وكُلاً" يجوز نصبه بفعل يفسره ما بعده، أي: وحذرنا أو ذكرنا، لأنها في معنى ضربنا له الأمثال. ويجوز أن يكون معطوفاً على ما تقدم، و"ضَرَبْنَا" بيان لسبب إهلاكهم. وأما "كُلاًّ" الثانية فمفعول مقدم. قوله: {ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ} أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار. وقيل: بيَّنَّا لهم وأزحنا عللهم فلما كذبوا "تَبَّرْنَاهُمْ تَتْبِيرا" أي: أهلكناهم إهلاكاً. وقال الأخفش: كسرنا تكسيرا. قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتَّتَّه فقد تَبَّرْته.
البقاعي
تفسير : ولما هدد المكذبين، بإهلاك الأولين، الذين كانوا أقوى منهم وأكثر، وقدم قصة موسى عليه السلام لمناسبة الكتاب في نفسه أولاً؛ وفي تنجيمه ثانياً، أتبعه أول الأمم، لأنهم أول، ولما في عذابهم من الهول، ولمناسبة ما بينه وبين عذاب القبط، فقال: {وقوم} أي ودمرنا قوم {نوح لما كذبوا الرسل} بتكذيبهم نوحاً؛ لأن من كذب واحداً من الأنبياء بالفعل فقد كذب الكل بالقوة، لأن المعجزات هي البرهان على صدقهم، وهي متساوية الأقدام في كونها خوارق، لا يقدر على معارضتها، فالتكذيب بشيء منها تكذيب بالجميع لأنه لا فرق، ولأنهم كذبوا من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما سمعوه من أخبارهم، ولأنهم عللوا تكذيبهم بأنه من البشر فلزمهم تكذيب كل رسول من البشر. ولما كان كأنه قيل: بأيّ شيء دمروا؟ قال: {أغرقناهم} كما أغرقنا آل فرعون بأعظم مما أغرقناهم {وجعلناهم} أي قوم نوح في ذلك {للناس آية} أي علامة على قدرتنا على ما نريد من إحداث الماء وغيره وإعدامه والتصرف في ذلك بكل ما نشاء، وإنجاء من نريد بما أهلكنا به عدوه {وأعتدنا} أي هيأنا تهيئة قريبة جداً وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير؛ وكان الأصل: لهم، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {للظالمين} أي كلهم في أيّ زمان كانوا، لأجل ظلمهم بوضعهم الأشياء في غير مواضعها {عذاباً أليماً*} لاسيما في الآخرة. ولما ذكر آخر الأمم المهلكة بعامة وأولها، وكان إهلاكهما بالماء، ذكر من بينهما ممن أهلك بغير ذلك، إظهاراً للقدرة والاختيار، وطوى خبرهم بغير العذاب لأنه كما مضى في سياق الإنذار فقال: {وعاداً} أي ودمرنا عاداً بالريح {وثموداْ} بالصيحة {وأصحاب الرس} أي البئر التي هي غير مطوية؛ قال ابن جرير: والرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك. أي دمرناهم بالخسف {وقروناً بين ذلك} أي الأمر العظيم المذكور، وهو بين كل أمتين من هذه الأمم {كثيراً*} وناهيك بما يقول فيه العلي الكبير: إنه كثير؛ أسند البغوي في تفسير {أية : أمة وسطاً} تفسير : [البقرة: 143] في البقرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد العصر، فما ترك شيئاً إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان قال: حديث : أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا، ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها وأكرمها على الله عز وجلتفسير : . أخرجه الترمذي في الفتن وأحمد والطبراني وابن ماجه في الفتن أيضاً لكن ببعضه وليس عند واحد منهم اللفظ المقصود من السبعين أمة، وفي بعض ألفاظهم وجعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شيء وهذا يدل على أن الذي كان قد بقي من النهار نحو العشر من العشر، وهذا يقتضي إذا اعتبرنا ما مضى لهذه الأمة من الزمان أن يكون الماضي من الدنيا من خلق آدم عليه السلام في يوم الجمعة الذي يلي الستة الأيام التي خلقت فيها السماوات والأرض أكثر من مائة ألف سنة - والله أعلم. ولما قدم سبحانه أنه يأتي في هذا الكتاب بما هو الحق في جواب أمثالهم، بين أنه فعل بالجميع نحو من هذا، فقال تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتأسية وبياناً لتشريفه بالعفو عن أمته: {وكلاًّ} أي من هذه الأمم {ضربنا} بما لنا من العظمة {له الأمثال} حتى وضح له السبيل، وقام - من غير شبهة - الدليل {وكلاًّ تبرنا تتبيراً*} أي جعلناهم فتاتاً قطعاً بليغة التقطيع، لا يمكن غيرنا أن يصلها ويعيدها إلى ما كانت عليه قبل التفتيت.
ابو السعود
تفسير : {وَقَوْمَ نُوحٍ} منصوبٌ بمضمرٍ يدلُّ عليه قوله تعالى: فدمَّرناهم أي ودمَّرنا قومَ نوحٍ وقيل عطف على مفعول فدمَّرناهم وليس من ضرورة ترتُّبِ تدميرهم على ما قبله ترتُّبُ تدميرِ هؤلاء عليه لا سيَّما وقد بُـيِّن سببُه بقوله تعالى: {لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ} أي نوحاً ومن قبله من الرُّسل أو نوحاً وحدَهُ لأنَّ تكذيَبُه تكذيبٌ للكُلِّ لاتِّفاقِهم على التَّوحيدِ والإسلامِ وقيل هو منصوبٌ بمضمر يفسِّره قوله تعالى: {أَغْرَقْنَـٰهُمْ} وإنَّما يتسنَّى ذلك على تقديرِ كونِ كلمة لَّماً ظرفَ زمانٍ وأمَّا على تقدير كونِها حرفَ وجودٍ لوجودٍ فلا لأنَّه حينئذٍ جواب لما لا يفسَّر ما قبله مع أنَّه مخلٌّ بعطف المنصوبات الآتية على قوم نوح لما أنَّ إهلاكَهم ليس بالإغراق فالوجهُ ما تقدَّم وقوله تعالى: أغرقناهم استئنافٌ مبـيِّن لكيفيَّةِ تدميرِهم. {وَجَعَلْنَـٰهُمْ} أي جعلنا إغراقَهم أو قصَّتهم {لِلنَّاسِ ءايَةً} أيْ آيةً عظيمةً يعتبرُ بها كلُّ مَن شاهدها أو سمعها وهي مفعول ثانٍ لجعلنا وللنَّاس ظرفٌ لغوٌ له أو متعلِّق بمحذوف وقع حالاً من آيةً إذ لو تأخَّر عنها لكان صفةً لها {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ} أي لهم، والإظهارُ في موقع الإضمارِ للإيذانِ بتجاوزهم الحدَّ في الكفر والتَّكذيبِ {عَذَاباً أَلِيماً} هو عذاب الآخرة إذْ لا فائدة في الإخبار باعتاد العذابِ الذي قد أُخبر بوقوعه من قبلُ أو لجميع الظَّالمينَ الباقينَ الذين لم يعتبرُوا بمَا جَرى عليهم من العذاب فيدخل في زُمرتهم قُريشٌ دخولاً أوليَّاً ويحتملُ العذابَ الدُّنيويَّ والأُخرويَّ {وَعَاداً} عطفٌ على قوم نوح وقيل: على المفعول الأول لجعلناهم وقيل: على محلِّ الظَّالمينَ إذ هو في معنى وعدنا الظالمين وكلاهما بعيدٌ {وَثَمُودُ} الكلامُ فيه وفيما بعدَه كما فيما قبلَه. وقُرىء وثموداً على تأويل الحيِّ أو على أنَّه اسمُ الأبِ الأقصى {وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسّ} هم قومٌ يعبدون الأصنامَ فبعثَ الله تعالى إليهم شُعيباً عليه السَّلامُ فكذَّبُوه فبـينما هم حَولَ الرَّسِّ وهي البِئرُ التي لم تُطْوَ بعد إذِ انهارتُ فخُسف بهم وبديارِهم. وقيل: الرَّسُّ قرية بفَلْجِ اليمامةِ كان فيها بقايا ثمودَ فبَعث إليهم نبـيٌّ فقتلوه فهلكوا. وقيل: هو الأُخدودُ. وقيل: بئرٌ بأنطاكيَّةَ قتلوا فيها حبـيباً النَّجارَ. وقيل: هم أصحابُ حنظلةَ بنِ صفوانَ النبـيِّ عليه السَّلامُ ابتلاهم الله تعالى بطيرٍ عظيمٍ كان فيها من كلِّ لون وسمَّوها عنقاءَ لطولِ عُنقِها وكانت تسكنُ جبلَهم الذي يقالُ له فتخ أو دمح فتنقضُّ على صبـيانِهم فتخطفُهم إنْ أعوزها الصَّيدُ ولذلك سُمِّيتْ مُغْرِبا فدعا عليها حنظلةُ عليه السَّلامُ فأصابتْها الصَّاعقةُ ثم إنَّهم قتلُوه عليه السَّلامُ فأُهلكوا. وقيل: قومٌ كذَّبُوا رسولَهم فرسُّوه أي دسُّوه في بئرٍ. {وَقُرُوناً} أي أهلَ قرونٍ. قيل: القرنُ أربعونَ سنةً وقيل: سبعونَ وقيل: مائةٌ وقيل: مائةٌ وعشرون {بَيْنَ ذٰلِكَ} أي بـين ذلك المذكورِ من الطَّوائفِ والأُمم وقد يذكرُ الذَّاكرُ أشياءَ مختلفةً ثمَّ يشيرُ إليها بذلك ويحسبُ الحاسبُ أعداداً مُتكاثرةً ثمَّ يقولُ فذلك كيتَ وكيتَ على ذلك المذكورِ وذلك المحسوبِ. {كَثِيراً} لا يعلم مقدارَها إلاَّ العليمُ الخبـيرُ. ولعلَّ الاكتفاءَ في شؤون تلك القرُونِ بهذا البـيان الإجماليِّ لما أنَّ كلَّ قرنٍ منها لم يكن في الشُّهرةِ وغرَابةِ القصَّةِ بمثابة الأُممِ المذكِورةِ.
القشيري
تفسير : أَحْلَلْنا بهم العقوبة كما أحللنا بأمثالهم، وعاملناهم بمثل معاملتنا لقرنائهم. ثم عَقَّبَ هذه الآيات بذكر عادٍ وثمود وأصحاب الرَّسِّ، ومَنْ ذكرهم على الجملة من غير تفصيل، وما أهلك به قوم لوطٍ حيث عملوا الخبائث... كل ذلك تطييباً لقلبه صلى الله عليه وسلم، وتسكيناً لِسرِّه، وإعلاماً وتعريفاً بأنه سيهلك مَنْ يُعاديه، ويدمِّر مَنْ يناويه، وقد فَعَلَ من ذلك الكثير في حال حياته، والباقي بعد مُضِيِّه - عليه السلام - من الدنيا وذهابه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقوم نوح} منصوب بمضمر يدل عليه فدمرناهم اى ودمرنا قوم نوح {لما كذبوا الرسل} اى نوحا ومن قبله من الرسل كشيث وادريس او نوحا وحده لأن تكذيبه تكذيب للكل لاتفاقهم على التوحيد والاسلام ويقال ان نوحا كان يدعو قومه الى الايمان به وبالرسل الذين بعده فلما كذبوه فقد كذبوا جميع الرسل كما ثبت ان كل نبى اخذ العهد من قومه ان يؤمنوا بخاتم النبيين ان ادركوا زمانه {اغرقناهم} بالطوفان. والاغراق [غرقه كردن] والغرق الرسوب فى الماء اى السفول وهو استئناف مبين لكيفية تدميرهم {وجعلناهم} اى اغراقهم وقصتهم {للناس آية} عظيمة يعتبر بها كل من شاهدها او سمعها: وبالفارسية [نشانى وداستانى] وهو مفعول ثانى لجعلنا وللناس ظرف لغوله {واعتدنا} [وآماده كرديم] اى فى الآخرة {للظالمين} اى لهم اى للمغرقين والاظهار فى موقع الاضمار للتسجيل بظلمهم والايذان بتجاوزهم الحد فى الكفر والتكذيب {عذابا اليما} سوى ما حل بهم من عذاب الدنيا ومعنى اليما وجيعا: وبالفارسية [دردناك].
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (وقوم): منصوب بمضمر يدل عليه (دمرناهم)، أي: ودمرنا قوم نوح، و (عاداً وثموداً): عطف على (قوم نوح). يقول الحق جل جلاله: {و} دمرنا أيضاً {قومَ نوحٍ}، وذلك أنهم {لمَّا كذَّبوا الرسلَ}؛ نوحاً، ومن قبله شَيْثاً وإدريس، أو: لأن تكذيبهم لواحد تكذيب للجميع؛ لاتِّفَاقِهمْ على التوحيد والإسلام، {أغرقناهم} بالطوفان، {وجعلناهم} أي: وجعلنا إغراقهم أو قصتهم {للناس آية}: عبرة يعتبر بها كل من يشاهدها أو يسمعها. {وأَعْتَدنا}؛ هيأنا {للظالمين} أي: لهم. وأظهر في موضع الإضمار؛ للإيذان بتجاوزهم الحد في الظلم، أو لكل ظالم ظلم شرك، فيدخل كل من شاركهم، كقريش وغيرهم، أي: هيأنا {عذاباً أليماً}، أي: النار المؤبدة عليهم. {و} دمرنا أيضاً {عاداً وثموداً}، وقد تقدم في الأعراف، وهو كيفية تدميرهم. {وأصحابَ الرَّسّ}، هم قوم شعيب؛ قال ابن عباس: أصحاب الرسّ: أصحاب البئر. قال وهب: كانوا أهل بئر، قعوداً عليها، وأصحابَ مواشي، وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم شعيباً، فآذوه، وتمادوا في طغيانهم فبينما هم حول البئر - والبئر في وسط منازلهم - انهارت بهم وبديارهم، فهلكوا جميعاً. وقال قتادة: الرسُّ: قرية بفَلْح اليمامة، قتلوا نبيّهم فأهلكهم الله. وقيل: هم بقية قوم هود وقوم صالح، وهو أصحاب البئر، التي قال: {أية : وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}تفسير : [الحج: 45]. وقال سعيد بن جبير وغيره: قوم كان لهم نبي، يقال له: حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبل، يقال له: فتخ، مَصْعَدُه في السماء ميل، وكانت العنقاء تنتابه، وهي كأعظم ما يكون من الطير، وفيها من كل لون - وسموها العنقاء؛ لطول عنقها - وكانت تنقض على الطير فتأكلها، فجاعت ذات يوم، فانقضت على صبي فذهبت به، - وسميت عنقاء مغرب؛ لأنها تُغّرِّبُ ما تأكله عن أهله فتأكله - ثم انقضت على جارية قد ترعرعت، فأخذتها فطارت بها، فشكوا إلى نبيهم، فقال: اللهم خذها واقطع نسلها، فأصابتها صاعقة، فاحترقت، فلم يُر لها أثر، فصارت مثلاً عند العرب. ثم إنهم قتلوا نبيهم فأهلكم الله. وقال مقاتل والسدي: هم أصحاب بئر إنطاكية، وتسمى الرس، قتلوا فيها حبيباً النجار، فنُسبوا إليها، وهم الذين ذُكروا في (يس). وقيل هم أصحاب الأخدود الذين حفروه، والرسُّ في كلام العرب: كل محفور؛ مثل البئر، والقبر، والمعدن، وغير ذلك، وجمعها: رساس. وقال عكرمة: هم قوم رسّوا نبيهم في بئر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أول الناس مِمَّنْ يدخل الجنة عبد أسود، وذلك أن الله تعالى بَعَثَ نَبِياً إلى قَرْيَةٍ، فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ إلا ذلِكَ الأَسْوَد، فحَفَرَ أَهْلُ القَرْيَةِ بِئْراً وأَلْقوا فِيها نبيهم، وأطْبقُوا عَلَيْهَا بحَجر ضخْم، فكَانَ العَبْدُ يَحْتَطِب على ظهره، ويبيعه، ويأتيه بطعامه، فيعينه الله تعالى على رفع تلك الصخرة حتى يُدليه إليْهِ. فبينما هو يحْتَطِبُ ذَات يَوْمٍ إذا نام فَضَرَبَ على أذنهِ سَبْعَ سِنينَ, ثم جاء بطَعَامه إلى البئر فلم يَجِده. وكان قومُه قد بدا لهم فاسْتَخْرجُوه وآمَنُوا بِهِ، ومات ذلك النبي، فقال - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لأوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة"تفسير : ، يعني من قومه. هـ. وهؤلاء آمنوا فلا يصح حمل الآية عليها، إلا أن يكون أحدثوا شيئاً بعد نبيهم، فدمرهم الله. وقال جعفر بن محمد عن أبيه: أن أصحاب الرسّ: السحّاقات، قال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنَّ مِنْ أَشْراطِ السَّاعَةِ أن يستكفي الرجالُ بالرجالِ، والنساءُ بالنساءِ" تفسير : ، وذلك السحاق، ويقال له أيضاً: المساحقة، وهو حرام بالإجماع. وسبب ظهوره: أن قوماً أحدثوا فاحشة اللواط، حتى استغنوا عن النساء، فبقيت النساء معطلة، فجاءتهن شيطانة في صورة إمرأة، وهي الوَلِهات بنت إبليس، فشهَّت إلى النساء ركوب بعضهن بعضاً، وعلمتهن كيف يصنعن ذلك، فسلط عليهم صاعقة من أول الليل، وخسفاً من آخر الليل، وصيحة مع الشمس، فلم يبق منهم بقية. هـ. {وقُُروناً} أي: دمرنا أهل قرون. والقرن سبعون سنة، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، {بين ذلك} أي: بين ذلك المذكور من الأمم والطوائف، {كثيراً}، لا يعلم عددها إلا العليمُ الخبير، {وكلاً} من الأمم المذكورين قد {ضربنا له الأمثالَ} أي: بيَّنا له القصص العجيبة، الزاجرة عما هم عليه من الكفر والمعاصي، بواسطة الرسل. وقيل: المراد: تبيين ما وقع لهم, ووصف ما أدى إليه تكذيبهم لأنبيائِهِمْ, من عذاب الله وتدميرهم إياهم, ليكون عبرة لمن بعدهم، {وكلاً} أي: وكل واحد منهم {تَبَّرنا تتبيراً} أي: أهلكنا إهلاكاً عجيباً. والتتبير: التفتيت. قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته. ثم بيّن بعض آثار الأمم المُتَبَّرَةِ، فقال: {ولقد أَتَوْا} يعني: أهل مكة {على القرية}، وهي سدوم، وهي أعظم قرى قوم لوط، وكانت خمساً، أهلك الله أربعاً، وبقيت واحدة، كان أهلها لا يعملون الخبيث، وأما البواقي فأهلكها بالحجارة، وإليه أشار بقوله: {التي أُمطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} أي: أمطر الله عليها الحجارة. والمعنى: والله لقد أتى قريش في متاجرهم إلى الشام على القرية التي أهلكها الله، وبقي آثارها خاربة، {أَفَلَمْ يكونوا يرونها} في مرورهم ورجوعهم فيتفكرون ويؤمنون، {بل كانوا لا يرجون نُشُوراً} أي: بل كانوا قوماً كفرة بالبعث، لا يخافون ولا يأملون بعثاً، كما يأمله المؤمنون؛ لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم. أو: بل كانوا قوماً كفرة بالبعث، منهمكين في الغفلة، يرون ما نزل بالأمم أمر اتفاقياً، لا بقدرة الباقي، فطابع الكفر منعهم من التفكر والاعتبار. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للمؤمن العاقل، المشفق على نفسه، أن ينظر فيمن هلك من الأمم السالفة، ويتأمل في سبب هلاكهم، فيشد يده على الاحتراز مما استوجبوا به الهلاك، وهو مخالفة الرسل وترك الإيمان؛ فيشد يده على متابعة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي، ويرغب فيما رَغَّب فيه، ويهتدي بهديه، ويقتدي بسنته، ويربي إيمانه، ويجعل البعث والنشر والحشر بين عينيه، فهذه طريق النجاة. وينبغي للمريد، إذا رأى فقيراً سقط من درجة الإرادة ويبست أشجاره، أن يحترز من تلك الزلاقة التي زلق فيها، فيبحث عن سبب رجوعه، ويجتنبه جهد استطاعته. ومرجعها إلى ثلاث: خروجه من يد شيخه إلى غيره، وسقوط تعظيم شيخه من قلبه؛ بسبب اعتراض أو غيره، واستعمال كثرة الأحوال، حتى يلحقه الملل. نسأل الله الحفظ من الجميع بمنِّه وكرمه. ثم ذكر وبال من لم يعظم الواسطة، فقال: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا...}
الجنابذي
تفسير : {وَقَوْمَ نُوحٍ} عطف على مفعول دمّرناهم وقوله تعالى {لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ} استيناف كلامٍ جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او مفعول لا ذكر محذوفاً ومعطوف على قوله {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} فانّه فى معنى اذكر موسى (ع) وقومه وما بعده مستأنفٌ او مفعول لمحذوفٍ يفسّره ما بعده وليس من باب شريطة التّفسير لعدم جواز تسلّط ما بعد لمّا على ما قبلها، ونسب تكذيب جميع الرّسل (ع) اليهم امّا لأنّهم كانوا انكروا الرّسالة او لانّهم انكروا نوحاً (ع) ومن سبق عليه او لانّ انكار واحدٍ من الرّسل مستلزم لانكار جميع الرّسل (ع) {أَغْرَقْنَاهُمْ} جميعاً {وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} دالّة على قدرتنا وسخطنا على من خالف رسلنا بحيث لا يخفى على احدٍ {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} يعنى لهم لكنّه وضع الظّاهر موضع المضمر للتّصريح بانّهم فى تكذيب الرّسل (ع) ظالمون، او المقصود تهديد مطلق الظّالمين {عَذَاباً أَلِيماً} فى الآخرة كما انّ التّدمير والاغراق كانا فى الدّنيا.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ} أي: وأهلكنا قوم نوح أيضاً بالغرق لما كذبوا الرسل بتكذيبهم نوحاً. قال: {أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً} أي: لمن بعدهم {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} أي: للمشركين، يعنيهم، {عَذَاباً أَلِيماً} أي: موجعاً في الآخرة. قوله: {وَعَاداً وَثَمُوداً} أي: وأهلكنا عاداً وثموداً، تبعاً للكلام الأول {وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} أي: وأهلكنا أصحاب الرس، وهو بئر في قول كعب. وقال الحسن: واد. وقال قتادة: أهل فلح باليمامة وآبار. قال بعضهم: وإن الذي أرسل إليهم شعيب، وإنه أرسل إلى أهل مدين وإلى أصحاب الرس جميعاً. ولم يبعث الله نبياً إلى أمتين غيره فيما مضى، وبعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الجن والإِنس كلهم. قوله: {وَقُرُوناً} أي: وأهلكنا قروناً، أي: أمة بعد أمة {بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً}. قال بعضهم: القرن سبعون سنة.
اطفيش
تفسير : {وَقَوْمَ نُوحٍ} اي واغرقنا قوم نوح وذلك على الاشتغال فيكون قوله: {اغْرَقْنَاهُمْ} في نية التقديم على لما ويقدر جواب للما دل عليه {اغْرَقْنَاهُم} وليس قوله: {اغْرَقْناهُم} جوابا بـ (لما) الا لم يفسر عاملا قبل (لما) لان الجواب لا يعمل فيها قبل الاداة على المشهور فلا يفسر عاملا قبلها ان نبينا على غير المشهور. ولك ان تقول: ناصب (قوم) محذوف من باب الحذف لمجرد الدليل لا على طريقة الاشتغال فيكون {اغْرَقْنَاهُم} جوابا. ولك ان تقول: التقدير (ودمرنا قوم نوح) لا عطف على (دمرناهم) لان تدميرهم ليس مسببا عن تكذيب القبط موسى. لكن بعض النحاة يقول بجواز عطف قصة على اخرى ولو لم يكن بينهما ربط ويجوز نصبه بـ (اذكر). {لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ} نوحا ومن قبله او كذبوا الرسالة مطلقا ونفوها فيكونون كذبوا جميع الرسل كما هو معتقد البراهمة لعنهم الله نسبوا إلى رجل يقال له برهام قرر لهم ذلك واعتقدوه وكذبوا نوحا وحده وتكذيب نبي واحد كتكذيب الانبياء جميعا لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد أو لان نوحا لما طال لبثه فيهم فكأنه رسل * {اغْرَقْنَاهُم} بالطوفان * {وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ} اي جعلنا اغراقهم او قصتهم * {آيَةً} عبرة * {وَاعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} المشركين قوم نوح وغيرهم أو هم المراد فوضع الظاهر موضع الضمير اظهار الظالم * {عَذَاباً أَلِيماً} سوى ما يصيبهم في الدنيا كالاغراق.
اطفيش
تفسير : {وقوم نوحٍ} واذكر قوم نوحٍ، أو أهلكنا قوم نوح، أو ودمرنا قوم نوح، أو أغرقنا قوم نوح عطفاً لأغرقنا أو لدمرنا على آياتنا لا على دمرنا، ولا هو معطوف على الهاء، لأن التدمير متفرع على التكذيب بآيات موسى والمعطوف متفرع على ما تفرع عليه المعطوف عليه، ولا يقبل جواب عن هذا أو نصب على الاشتغال بأغرقنا على أن لما ظرف فلا، لأن الجواب لا يعمل فيما قبل الأداء، فلا يفسر عاملاً فيه {لما كذّبُوا الرسل} آدم وإدريس ونوحا، أو جميع الرسل بمعنى إنكار الرسالة البتة، فشمل من يأتى بعد {أغرقناهم وجعلناهم} جعلنا إغراقهم {للناس آية} يعتبرونها فينزجرون عن التكذيب {وأعتدنا للظالمين} أى لهم وهم قوم نوح، ولم يضمر بهم ليذكرهم باسم الظلم، فدخلت قريش بالقياس لجامع الظلم أو يراد الظالمون عموماً فدخلت بالعموم {عذاباً أليماً} فى الآخرة، وفى البرزخ.
الالوسي
تفسير : {وَقَوْمَ نُوح} منصوب بمضمر يدل عليه قوله تعالى: {أية : فَدَمَّرْنَـٰهُمْ}تفسير : [الفرقان: 36] أي ودمرنا قوم نوح، وجوز الحوفي وأبو حيان كونه معطوفاً على مفعول {فدمرناهم}. ورد بأن تدمير / قوم نوح ليس مترتباً على تكذيب فرعون وقومه فلا يصح عطفه عليه. وأجيب بأنه ليس من ضرورة ترتب تدميرهم على ما قبله ترتب تدمير هؤلاء عليه لا سيما وقد بين سببه بقوله تعالى: {لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ} أي نوحاً ومن قبله من الرسل عليهم السلام أو نوحاً وحده فإن تكذيبه عليه السلام تكذيب للكل لاتفاقهم على التوحيد أو أنكروا جواز بعثة الرسل مطلقاً، وتعريف الرسل على الأول عهدي، ويحتمل أن يكون للاستغراق إذ لم يوجد وقت تكذيبهم غيرهم، وعلى الثاني استغراقي لكن على طريق المشابهة والادعاء، وعلى الثالث للجنس أو للاستغراق الحقيقي، وكأن المجيب أراد أن اعتبار العطف قبل الترتيب فيكون المرتب مجموع المتعاطفين ويكفي فيه ترتب البعض. وقيل: المقصود من العطف التسوية والتنظير كأنه قيل: دمرناهم كقوم نوح فتكون الضمائر لهم. والرسل نوح وموسى وهارون عليهم السلام ولا يخفى ما فيه. واختار جمع كون منصوباً باذكر محذوفاً، وقيل: هو منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى: {أَغْرَقْنَـٰهُمْ } ويرجحه على الرفع تقدم الجمل الفعلية. ولا يخفى أنه إنما يتسنى ذلك على مذهب الفارسي من كون ـ لما ـ ظرف زمان وأما إذا كانت حرف وجود لوجود فلا لأن {أَغْرَقْنَـٰهُمْ } حينئذ يكون جواباً لها فلا يفسر ناصباً. ولعل أولى الأوجه الأول، و {أَغْرَقْنَـٰهُمْ } استئناف مبين لكيفية تدميرهم كأنه قيل: كيف كان تدميرهم؟ فقيل: أغرقناهم بالطوفان {وَجَعَلْنَـٰهُمْ } أي جعلنا إغراقهم أو قصتهم {لِلنَّاسِ ءايَةً } أي آية عظيمة يعتبر بها من شاهدها أو سمعها وهو مفعول ثان لجعلنا و {لِلنَّاسِ } متعلق به أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من {ءايَةً } إذ لو تأخر عنها لكان صفة لها {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً } أي جعلناه معداً لهم في الآخرة أو في البرزخ أو فيهما. والمراد بالظالمين القوم المذكورون، والإظهار في موقع الإضمار للإيذان بتجاوزهم الحد في الكفر والتكذيب أو جميع الظالمين الذين لم يعتبروا بما جرى عليهم من العذاب فيدخل في زمرتهم قريش دخولاً أولياً. ويحتمل العذاب الدنيوي وغيره.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : ولقد آتينا موسى الكتاب}تفسير : [الفرقان: 35] باعتبار أن المقصود وصف قومه بالتكذيب والإخبار عنهم بالتدمير. وانتصب {قوم نوح} بفعل محذوف يفسره {أغرقناهم} على طريقة الاشتغال، ولا يضر الفصل بكلمة {لمّا} لأنها كالظرف، وجوابها محذوف دل عليه مفسر الفعل المحذوف، وفي هذا النظم اهتمام بقوم نوح لأن حالهم هو محل العبرة فقدم ذكرهم ثم أُكّد بضميرهم. ويجوز أن يكون {وقوم نوح} عطفاً على ضمير النصب في قوله {أية : فدمرناهم}تفسير : [الفرقان: 36] أي ودمرنا قوم نوح، وتكون جملة {لما كذبوا الرسل أغرقناهم} مبيِّنة لجملة {دمَّرناهم}. والآية: الدليل، أي جعلناهم دليلاً على مصير الذين يكذبون رسلهم. وجعلهم آية: هو تواتر خبرهم بالغرق آية. وجعل قوم نوح مكذِّبين الرسل مع أنهم كذّبوا رسولاً واحداً لأنهم استندوا في تكذيبهم رسولهم إلى إحالة أن يرسل الله بشراً لأنهم قالوا: {أية : ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضّل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}تفسير : [المؤمنون: 24] فكان تكذيبهم مستلزماً تكذيب عموم الرسل، ولأنهم أول من كذَّب رسولهم، فكانوا قدوة للمكذبين من بعدهم. وقصة قوم نوح تقدمت في سورة الأعراف وسورة هود. وجملة {وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً} عطف على {أغرقناهم}. والمعنى: عذبناهم في الدنيا بالغرق وأعتدنا لهم عذاباً أليماً في الآخرة. ووقع الإظهار في مقام الإضمار فقيل {للظالمين} عوضاً عن: أعتدنا لهم، لإفادة أن عذابهم جزاء على ظلمهم بالشرك وتكذيب الرسول.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا بعض الآيات الدالة على كيفية إغراقهم في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} تفسير : [الأعراف: 64].
د. أسعد حومد
تفسير : {أَغْرَقْنَاهُمْ} {وَجَعَلْنَاهُمْ} {آيَةً} {لِلظَّالِمِينَ} (37) - وَاذْكُرْ قَوْمَ نُوحٍ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ نُوحاً عليهِ السَّلامُ، وقَدْ لَبِثَ فيهمْ أمَداً طَويلاً يَدْعُوهُم إلى اللهِ، ويُحَذِّرُهُمْ نِقَمَهُ، فلَم يُؤْمِنْ لَهُ إلا قليلٌ منهمْ (كما جَاءَ في آيةٍ أُخْرى)، فأغْرَقَهُمُ اللهُ جَمِيعاً بالطُّوفان، ولمْ يُبْقِ مِنْهُم إلا مَنْ كَانَ في السَّفينةِ مَعَ نُوحٍ، وَجَعَلَهُمُ اللهُ عِبْرَةً للنَّاسِ، وقَدْ أعَدَّ اللهُ للكَافرينَ الظَّالمينَ عَذَاباً أليماً في الدُّنيا والآخِرَةِ. (وفي هذا تَحْذيرٌ لقُرَيِشٍ بأَنَّهُمْ سَيَحِلُّ بهِمْ ما حَلَّ بالأُمَمِ السَّالِفَةِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ذكر الحق - تبارك وتعالى - نوحاً بعد موسى عليهما السلام؛ لأن كلاً منهما تميَّز في دعوته بشيء، وتحمَّل كل منهما ألواناً من المشقة، فموسى واجه مَنِ ادعى الألوهية، ونوح أخذ سُلْطة زمنية واسعة انتظمتْ كل الموجودين على الأرض في وقته - ولا يعني هذا أنه - عليه السلام - أُرسِل إلى الناس كلهم، إنما كان قومه هم الموجودون على الأرض في هذا الوقت - فقد لَبِثَ فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً. واقرأ قصته - عليه السلام - في سورة نوح لتقف على مدى معاناته في دعوة قومه طوال هذه الفترة، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، وكانت الغَلَبة له في النهاية. وأيضاً لأنه - عليه السلام - تعرّض لأمر يتعلق بالبنوة، بُنوّة في المنهج، وبُنوة في النسب، فقد كان ابنه - نسباً - كافراً، ولم يتمكن من هدايته، ولما قال لربه عز وجل {أية : إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي ..}تفسير : [هود: 45] قال له: {أية : يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..}تفسير : [هود: 46]. فجعل حيثية النفي {أية : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..}تفسير : [هود: 46] فالنسب هنا عمل وطاعة، فكأن البنوة للأنبياء بنوة عمل، لا بنوة نسب، فابنك الحق مَنْ سار على منهجك، وإنْ لم يكُنْ من دمك. مسألة أخرى نلحظها في الجمع بين موسى ونوح عليهما السلام في مقام تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهما يشتركان في ظاهرة كونية تستحق التأمل والنظر، فكل مظاهر الكون التي أمامنا لو حققنا في كل مظهر من مظاهرها بعقل وتُؤدَة ويقين لأمكَننا أن نستنبط منها ما يُثري حياتنا ويُترِفها ويُسعدها. لذلك الحق - تبارك وتعالى - ينعى على الذين يُعرضون عن النظر في آياته، فيقول: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [يوسف: 105]. وسبق أن قلنا: إن كل المخترعات التي رفَّهتْ حياة الناس وأسعدتهم، وقلّلت مجهوداتهم، وقصّرت الوقت عليهم، كانت نتيجة الملاحظة والتأمل في مظاهر الكون كالذي اخترع العجلة والبخار .. إلخ. وهنا نلاحظ أن العلاقة بين موسى ونوح - عليهما السلام - أن الله تعالى يُهلِك ويُنجي بالشيء الواحد، فالماء الذي نجَّى موسى هو الماء الذي أغرق فرعون، والماء الذي نجَّى نوحاً هو الماء الذي أغرق الكافرين من قومه. فهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله تعالى إنْ أراد الإنجاء يُنجِّي، وإنْ أراد الإهلاك يُهلِك، ولو بالشيء الواحد. ألاَ ترى أن أصحاب موسى حينما رأوا البحر من أمامهم، وفرعون من خلفهم قالوا: { أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}تفسير : [الشعراء: 61] فهذه حقيقة وقضية كونية مَنْ يملك ردّها؟ إنما ردها موسى فقال (كَلاَّ) لن نُدرَك، قالها بملء فيه، لا ببشريته، إنما بالربوبية التي يثق في أنها لن تسلمه، {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62]. وكذلك كانت مسألة نوح عليه السلام، لكن بطريقة أخرى، هي السفينة، وفكرة السفينة لم تكُنْ موجودة قبل نوح عليه السلام، ألم يصادف واحد شجرة مُلْقاة في الماء تطفو على سطحه، ففكّر في ظاهرة الطفو هذه، وكيف أن الشجرة لم تغطس في الماء؛ لقد كان النجارون الماهرون يقيسون كثافة الخشب بأن يُلْقوه في الماء، ثم ينظروا مقدار الغطس منه في الماء، وعليه يعرفون كثافته. هذه الظاهرة التي تنبه لها أرشميدس وبنَى عليها نظرية الأجسام الطافية والماء المُزَاح، وتوصّل من خلالها إلى النقائض، فبها تطفو الأشياء أو تغوص في الماء، إنْ زادت الكثافة يثقل الشيء ويغوص في الماء، وإنْ قلَّتْ الكثافة يطفو. وتلاحظ ذلك إذا رميتَ قطعة نقود مثلاً، فإنها تغطس في الماء، فإنْ طرقتَها حتى جعلتها واسعةَ الرقعة رقيقة، فإنها تطفو مع أن الكتلة واحدة، نعم الكتلة واحدة، لكن الماء المُزَاح في الحالة الثانية أكثر، فيساعد على طفْوها. وقد أراد الحق - تبارك وتعالى - أن يُنبِّه الإنسان إلى هذه الظواهر، ويهديه إلى صناعة السفن التي تحمله في الماء؛ لأن ثلاثة أرباع الكرة الأرضية مياه، وقد جعل الله لك وسائل مواصلات في الربع، أَلاَ يجعل لك مواصلات في الثلاثة أرباع، فتأخذ خيرات البحر، كما أخذت خيرات البَرِّ؟ وتأمل أسلوب القرآن: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ ..} [الفرقان: 37] ومعلوم أنهم كذَّبوا رسولهم نوحاً لا جميع الرسل، قالوا: لأن النبوة لا تأتي بمتعارضات، إنما تأتي بأمور مُتفق عليها؛ لذلك جعل تكذيبَ رسول واحد كتكذيب جميع الرسل. ثم ذكر عاقبة ذلك: {أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ..} [الفرقان: 37] وكلمة {أَغْرَقْنَاهُمْ ..} [الفرقان: 37] تعني: أن الذي أغرق المكذبين نَجَّى المؤمنين، وإغراق المكذبين أو عملية تردُّ على سخريتهم من نوح، حينما مرُّوا عليه وهو يصنع السفينة: {أية : وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}تفسير : [هود: 38]. ولم يكن الغرق نهاية الجزاء، إنما هو بدايته، فهناك العذاب الذي ينتظرهم في الآخرة: {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً} [الفرقان: 37] وهكذا جمع الله عليهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. ثم يضرب الحق - تبارك وتعالى - لرسوله مثلاً آخر: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} كذا دمرنا {قَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ} أي: حين كذبوا نوحاً ومن مضى قبلهم من الأنبياء؛ إذ أمرهم نوح بتصديقهم والإيمان بهم فكذبوا بهم تبعاً؛ لذلك {أَغْرَقْنَاهُمْ} بالطوفان {وَجَعَلْنَاهُمْ} أي: جعلنا إغراقنا إياهم بالمرة {لِلنَّاسِ} المعتبرين من أمثال هذه الوقائع {آيَةً} علامة وعبرة تعتبرون منها وتستوحشون، وتحسنون الأدب مع الله ورسوله خوفاً من بطشه وانتقامه {وَ} كيف لا يخافون من أخذنا وبطشنا؛ إذ {أَعْتَدْنَا} وهيأنا {لِلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضى حدودنا {عَذَاباً أَلِيماً} [الفرقان: 37] مؤلماً أشد إيلام، وانتقمنا منهم أصعب انتقام؟!. {وَ} دمرنا أيضاً {عَاداً وَثَمُودَاْ} يعني: قوم هود وصالح على المكذبين بتكذيبهم إياهما، وإنكارهم على ما ظهرا عليه من الدعوة إلى طريق الحق {وَ} كذا دمرنا {أَصْحَابَ ٱلرَّسِّ} أيضاً بتكذيبهم رسولهم. قيل: كانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله سبحانه إليهم شعيباً عليه السلام فكذبوه، وهم يسكنون حينئذٍ حول الرسل، وهو البئر الغير المطوية فانهارت، فخسفت بهم وبدارهم. وقيل: الرسل قرية بفلج اليمامة، كان فيها بقايا ثمود، فبعث الله إليهم نبياً فقتلوه فهلكوا. وقيل: أصحاب الرس هي أصحاب الأخدود، وقيل: هو بئر بأنطاكية، قتلوا فيها حبيب النجار. وقيل: هم أصحاب حنظلة بن صفوان النبي عليه السلام، ابتلاهم الله بطيرٍ عظيمٍ كان فيها من كل لونٍ، وسموها عنقاء؛ لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له: فتخ أو دمخ، وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إذا أعوزها الصيد؛ فلذلك سميت مغرَّباً، فدعا عليها حنظلة عليه السلام فأصابتها الصاعقة، ثمَّ إنهم كذبوا حنظلة فقتلوه، فأُهلكوا لذلك. وقيل: قوم قتلوا نبيهم، فرسُوه؛ أي: دسوه في بئر. {وَ} بالجملة: دمرنا بواسطة تكذيب رسلنا {قُرُوناً} أُخر؛ أي: أهل قرون وأعصارٍ، قيل: القرن أربعون سنة، وقيل: مائة وعشرون سنة {بَيْنَ ذَلِكَ} المذكور من الأمم الهالكة {كَثِيراً} [الفرقان: 38] لا يعلم عددها إلا الله. {وَ} بالجملة: {كُلاًّ} من الأمم الهالكة المذكورة وغير المذكورة {ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ} أولاً من الذين هلكوا قبلهم بالتكذيب، وبيَّنا لهم الأحكام والشرائع الموضوعة على مقتضى حكمتنا ومصلحتنا، فكذبوهم ظلماً وعدواناً فأهلكناهم بتكذيبهم خيبةً وخسراناً {وَ} بواسطة تلك الخصلة المذمومة المشتركة بينهم {كُلاًّ} منهم {تَبَّرْنَا} وفتتنا أجزاءه {تَتْبِيراً} [الفرقان: 39] تفتيتاً وتشتيتاً إلى حيث لم يبقَ منهم أحد يخلفهم ويحيي اسمهم. ثمَّ أخذ سبحانه بتعيير قريش وتوبيخهم وقساوة قلوبهم، وشدة شكيمتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكمال غيهم وغفلتهم عن الله، ونهاية عمههم وسكرتهم، وعتوهم واستكبارهم في أنفسهم إلى حيث لم يتأثروا ولم يتعظوا مما جرى على أمثالهم من العصاة والبغاة، المتمردين على الله ورسوله، فقال سبحانه مؤكداً بالقسم على سبيل التعجب من شدة قساوتهم: {وَ} الله {لَقَدْ أَتَوْا} يعني: قريشاً كانوا يذهبون إلى الشام؛ للتجارة ويمرون في كل مرة ذهاباً وإياباً {عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ} على أهلها {مَطَرَ ٱلسَّوْءِ} يعني: الحجارة؛ قهراً من الله إياهم، وزجراً لهم من سوء فعالهم وخروجهم من حدود الله وسوء الأدب مع الله ورسوله؛ يعني: لوطاً، والقرية سدوم معظم بلاد قوم لوط. {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا} في مرات مرورهم؛ حتى يتذكروا ويتعظوا منها {بَلْ كَانُواْ} يرونها في كل مرةٍ؛ إذ هي على جنب الطريق، لكن بكفرهم بالله وكمال قدرته وعزته {لاَ يَرْجُونَ} أي: لا يأملون {نُشُوراً} [الفرقان: 40] أي: يوم ينشرون فيه للجزاء، ولا يخافون مما سيجري عليهم فيه؛ لذلك لم يعتبروا ولم يتعظوا منها ومما جرى على أهلها. {وَ} من كمال استكبارهم وشدة غيظهم معك يا أكمل الرسل {إِذَا رَأَوْكَ} في المرأى {إِن يَتَّخِذُونَكَ} أي: ما يتخذونك، ولا يحدثون عنك وفي شأنك {إِلاَّ هُزُواً} أي: كلاماً مُشعراً بالاستهانة والاستحقار والسخرية؛ حيث يقولون في كل مرة من مرات رؤيتهم بك متهكمين: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ} لكم {رَسُولاً} [الفرقان: 41] يرشدكم ويهديكم إلى توحيد ربه، ويقيم عليكم الحجج والبراهين؛ ليصرفكم عن آلهتكم وآلهة آبائكم وأسلافكم؟!. ومن كمال جده وجهده في أمره ونهاية مبالغته في السعي والاجتهاد {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا} أي: إنه قرُب؛ ليضلنا ويصرفنا {عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا} أي: ثبتنا ومكَّنا ووطنا نفوسنا {عَلَيْهَا} لصرفنا عن آلهتنا؛ أي: على عبادة آلهتنا، وأضلنا عن طريق عبادتهم؛ لسعيه التام وجده البليغ في ترويج دينه وإثبات دعواه، وكثرة إظهار ما يخيل له أن حجج ومعجزات وكمال فصاحةٍ في تبيينها، وبالجملة: لولا صبرنا وثباتنا على ديننا لضللنا عن آلهتنا بإضلاله، قال سبحانه رداً عليهم على سبيل التهديد والتوبيخ: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أولئك الحمقى الجاهلون {حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ} النازل عليهم {مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان: 42] وأخطأ طريقاً، وأسوأ حالاً ومآلاً، أنتم أيها الجاهلون المصرون على الجهل والعناد، أم المؤمنون؟.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):