٢٥ - ٱلْفُرْقَان
25 - Al-Furqan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
الرازي
تفسير : القصة الرابعة ـ قصة لوط عليه السلام واعلم أنه تعالى أراد بالقرية سدوم من قرى قوم لوط عليه السلام وكانت خمساً أهلك الله تعالى أربعاً بأهلها وبقيت واحدة، و (مطر السوء) الحجارة يعني أن قريشاً مروا مراراً كثيرة في متاجرهم إلى الشأم على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء، {أَفَلَمْ يَكُونُواْ } في (مرار) مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله تعالى ونكاله (ويذَّكرون) {بَلْ كَانُواْ } قوماً كفرة {لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً } وذكروا في تفسير {يَرْجُونَ } وجوها: أحدها: وهو الذي قاله القاضي وهو الأقوى أنه محمول على حقيقة الرجاء لأن الإنسان لا يتحمل متاعب التكاليف ومشاق النظر والاستدلال إلا لرجاء ثواب الآخرة فإذا لم يؤمن بالآخرة لم يرج ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق والمتاعب وثانيها: معناه لا يتوقعون نشوراً (وعاقبة)، فوضع الرجاء موضع التوقع لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن، وثالثها: معناه لا يخافون على اللغة التهامية، وهو ضعيف والأول هو الحق.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ} يعني مشركي مكة. والقرية قرية قوم لوط. و{مَطَرَ ٱلسَّوْءِ} الحجارة التي أمطروا بها. {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا} أي في أسفارهم ليعتبروا. قال ابن عباس: كانت قريش في تجارتها إلى الشام تمر بمدائن قوم لوط كما قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ}تفسير : [الصافات: 137] وقال: {أية : وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الحجر: 79] وقد تقدّم. {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} أي لا يصدّقون بالبعث. ويجوز أن يكون معنى {يَرْجُونَ} يخافون. ويجوز أن يكون على بابه ويكون معناه: بل كانوا لا يرجون ثواب الآخرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَتَوْا } أي مرَّ كفار مكة {عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ } مصدر ساء: أي بالحجارة وهي عظمى قرى قوم لوط، فأهلك الله أهلها لفعلهم الفاحشة {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا } في سفرهم إلى الشام فيعتبرون؟ والاستفهام للتقرير {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ } يخافون {نُشُوراً } بعثاً فلا يؤمنون.
ابن عطية
تفسير : قال ابن عباس وابن جريج والجماعة الإشارة إلى مدينة قوم لوط وهي سدوم بالشام، و {مطر السوء} حجارة السجيل، وقرأ أبو السمال "السُّوء" بضم السين المشددة، ثم وقفهم على إعراضهم وتعرضهم لسخط الله بعد رؤيتهم العبرة من تلك القرية، ثم حكم عليهم أنهم إذا رأوا محمداً صلى الله عليه وسلم استهزؤوا به واستحقروه وأبعدوا أن يبعثه الله رسولاً، فقالوا على جهة الاستهزاء {أهذا الذي بعث الله رسولاً} وفي {بعث} ضمير يعود على الذي حذف اختصاراً وحسن ذلك في الصلة، ثم أنس النبي صلى الله عليه وسلم عن كفرهم بقوله {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} الآية، والمعنى لا تتأسف عليهم ودعهم لرأيهم ولا تحسب أنهم على ما يجب من التحصيل والعقل بل هم كالأنعام في الجهل بالمنافع وقلة التحسس للعواقب، ثم حكم بأنهم {أضل سبيلاً} من حيث لهم الفهم وتركوه، و {الأنعام} لا سبيل لهم إلى فهم المصالح، ومن حيث جهالة هؤلاء وضلالتهم في أمر أخطر من الأمر الذي فيه جهالة الأنعام، وقوله {اتخذ إلهه هواه} معناه جعل هواه مطاعاً فصار كالإله والهوى قائد إلى كل فساد لأن النفس أمارة بالسوء وإنما الصلاح إذ ائتمرت للعقل، وقال ابن عباس الهوى الإله يعبد من دون الله ذكره الثعلبي، وقيل الإشارة بقوله {إلهه هواه} إلى ما كانوا عليه من أنهم كانوا يعبدون حجراً فإذا وجدوا أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الثاني الذي وقع هواهم عليه، قال أبو حاتم وروي عن رجل من أهل المدينه قال ابن جني هو الأعرج {إلهه هواه} والمعنى اتخذ شمساً يستضيء بها هواه إذا الشمس يقال لها إلهة وتصرف ولا تصرف، و "الوكيل" القائم على الأمر الناهض به.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْقَرْيَةِ} سدوم. و {مَطَرَ السَّوْءِ} الحجارة. {يَرَوْنَهَا} يعتبرون بها {لا يَرْجُونَ} لا يخافون بعثاً.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ (مَطَرَ ٱلسَّوْءِ)} الآية. أراد بالقرية قريات لوط، وكانت خمس قرى، فأهلك الله منها أربعاً ونجت واحدة، وهي (صقر) كان أهلها لا يعملون العمل الخبيث. يعني أن قريشاً مَرُّوا مُرُوراً كثيراً إلى الشام على تلك القرى، {ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ} أي: أهلكت بالحجارة من السماء، {أفلم يكونوا يرونها} في مرورهم وينظروا إلى آثار عذاب الله ونكاله فيعتبروا ويتذكروا. قوله: "مَطَرَ السَّوْءِ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مصدر على حذف الزوائد أي: أمطار السوء. الثاني: أنه مفعول ثان؛ إذ المعنى: أعطيتها وأوليتها مطر السوء. الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، أي: أمطاراً مثل مطر السوء وقرأ زيد بن عليّ "مُطِرَتْ" ثلاثياً مبنياً (للمفعول)، ومطر متعد قال: شعر : 3875- كَمَنْ بِوَادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورُ تفسير : وقرأ أبو السمال "مطر السُّوء" بضم السين، وتقدم الكلام على السوء والسوء في براءة. وقوله: {أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ} إنما عُدِّي (أتى) بـ (على)، لأنه ضُمِّن معنى مرَّ. قوله: {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} في هذا الرجاء ثلاثة أوجه: أقواها ما قاله القاضي: وهو أنه محمول على حقيقة الرجاء؛ لأن الإنسان لا يحتمل متاعب التكليف إلا رجاء ثواب الآخرة، فإذا لم يؤمن بالآخرة لم يَرْجُ ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق. وثانيها: معناه لا يتوقعون نشورا، فوضع الرجاء موضع التوقُّع؛ لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن. وثالثها: معناه: (لا يخافون) على اللغة التهامية. وهو ضعيف. قوله: "وإذَا رَأَوْكَ" الآية. لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته بإيراد الشبهات بين بعد ذلك أنهم إذا رأوا الرسول اتخذوه هزواً، ولم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار، ويقول بعضهم لبعض: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً}. قوله: "إِنْ يَتَّخِذُونَكَ" "إنْ" الأولى نافية، والثانية مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينهما، و"هُزُوًّا مفعول ثان، ويحتمل أن يكون التقدير: موضع هُزْءٍ وأن يكون مهزوءاً بك. وهذه الجملة المنفية تحتمل وجهين: أحدهما: أنها جواب (إذا) الشرطية، واختصت (إذا) بأن جوابها متى كان منفياً بـ (ما) أو (إن) أو (لا) لا تحتاج إلى الفاء بخلاف غيرها من أدوات الشرط فعلى هذا يكون قوله: "أَهَذَا الَّذي" في محل نصب بالقول المضمر، وذلك القول المضمر في محل نصب على الحال، أي: إن يتخذونك قائلين ذلك. والثاني: أنها جملة معترضة بين (إذا) وجوابها. وجوابُها هو ذلك القول المضمر المحكي به "أهذا الذي" والتقدير: وإذا رأوك قالوا أهذا الذي بعث، فاعترض بجملة النفي، ومفعول "بعث" محذوف هو عائد الموصول، أي: بعثه. و"رسولاً" على بابه من كونه صفة فينتصب على الحال، وقيل: هو مصدر بمعنى رسالة، فيكون على حذف مضاف، أي ذا رسول بمعنى رسالة، أو يجعل نفس المصدر مبالغة، أو بمعنى: مرسل. وهو تكلف. قوله: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا} تقدم نظيره في سبحان. قوله: {لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا} جوابها محذوف، أي: لضللنا عن آلهتنا. قال الزمخشري: و"لولا" في مثل هذا الكلام جار من حيث المعنى لا من حيث الصيغة مجرى التقيد للحكم (المطلق). فصل قال المفسرون: إن أبا جهل كان إذا مر بأصحابه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال مستهزءاً: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً} "إنْ كَادَ" قد كاد "لَيُضِلُّنَا" أي: قد قارب أن يضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها أي: (أي لو لم نصبر عليها) انصرافا عنها، {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} من أخطأ طريقاً. (واعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - أتوا بنوعين من الأفعال. أحدهما: الاستهزاء، فيقولون: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} وذلك جهل عظيم، لأن الاستهزاء إما أن يكون بصورته أو بصفته والأول باطل، لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان أحسن منهم صورة وخلقة)، وبتقدير أنه لم يكن كذلك، لكنه - عليه الصلاة والسلام - ما كان يدعي التميز عنهم بالصورة بل بالحجة. والثاني باطل، لأنه - عليه الصلاة والسلام - ادَّعى التميز عليهم بظهور المعجز عليه دونهم، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية، واستهزءوا بالرسول، وذلك يدل على (أنه ليس للمبطل في كل الأوقات) إلا السفاهة والوقاحة. والنوع الثاني: قولهم: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} فَسَمُّوا ذلك ضلالاً، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم، ويدل على جده واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان فلهذا قالوا: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا}، وذلك يدل على أنهم كانوا مقهورين بالحجة، ولم يكن في أيديهم إلا مجرد (الوقاحة). قوله: "من أضل" جملة استفهامية معلقة بـ "يَعْلَمُون" فهي سادَّةٌ مسدّ مفعوليها إن كان على بابها، ومسدّ واحد إن كانت بمعنى (عرف). ويجوز في "من" أن تكون موصولة، و"أَضَلَّ" خبر مبتدأ مضمر هو العائد على "من" تقديره: من هو أضل، وإنما حذف للاستطالة بالتمييز، كقولهم: ما أنا بالذي قائل لك سوءاً. وهذا ظاهر إن كانت متعدية لواحد، وإن كانت متعدية لاثنين فيحتاج إلى تقدير ثان ولا حاجة إليه. فصل لما وصفوه بالإضلال في قولهم: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا} بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه، فقال: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً}، وهذا وعيد شديد على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر الإهلاك بالماء وبغيره، وكان الإهلاك بالماء تارة بالبحر، وتارة بالإمطار، وختم بالخسف، ذكر الخسف الناشىء عن الأمطار، بحجارة النار، مع الغمر بالماء، دلالة على تمام القدرة، وباهر العظمة، وتذكيراً بما يرونه كل قليل في سفرهم إلى الأرض المقدسة لمتجرهم، وافتتح القصة باللام المؤذنة بعظيم الاهتمام، مقرونة بحرف التحقيق، إشارة إلى أنهم لعدم الانتفاع بالآيات كالمنكرين للمحسوسات، وغير الأسلوب تنبيهاً على عظيم الشأن وهزاً للسامع فقال: {ولقد أتوا} أي هؤلاء المكذبون من قومك، وقال: {على القرية} - وإن كانت مدائن سبعاً أو خمساً كما قيل - تحقيراً لشأنها في جنب قدرته سبحانه، وإهانة لمن يريد عذابه، ودلالة على جمع الفاحشة لهم حتى كانوا كأنهم شيء واحد كما دل عليه التعبير بمادة "قرا" الدالة على الجمع {التي أمطرت} أي وقع إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار سواه بالحجارة، ولذا قال: {مطر السوء} وهي قرى قوم لوط، ثم خسف بها وغمرت بما ليس في الأرض مثله في أنواع الخبث؛ قال البغوي: كانت خمس قرى فأهلك الله أربعاً منها ونجت واحدة وهي أصغرها، وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث. ولما كانوا يمرون عليها في أسفارهم، وكان من حقهم أن أن يتعظوا بحالهم، فيرجعوا عن ضلالهم، تسبب عن ذلك استحقاقهم للإنكار الشديد في قوله: {أفلم يكونوا} أي بما في جبلاتهم من الأخلاق العالية {يرونها} أي في أسفارهم إلى الشام ليعتبروا بما حل بأهلها من عذاب الله فيتوبوا. ولما كان التقدير: بل رأوها، أضرب عنه بقوله: {بل} أي لم يكن تكذيبهم بسبب عدم رؤيتها وعدم علمهم بما حل بأهلها، بل بسبب أنهم {كانوا} يكذبون بالقيامة كأنه لهم طبع. ولما كان عود الإنسان إلى ما كان من صحته محبوباً له، كان ينبغي لهم لو عقلوا أن يعلقوا رجاءهم بالبعث لأنه لا رجوع إلى الحياة، فهو كرجوع المريض لا سيما المدنف إلى الصحة، فلذلك قال معبراً بالرجاء تنبيهاً على هذا: {لا يرجون نشوراً*} بعد الموت ليخافوا الله عز وجل فيخلصوا له فيجازيهم على ذلك، لأنه استقر في أنفسهم اعتقادهم التكذيب بالآخرة، واستمروا عليه قرناً بعد قرن حتى تمكن تمكناً لا ينفع معه الاعتبار إلا لمن شاء الله. ولما أثبت تكذيبهم بالآخرة، عطف عليه تحقيقاً قوله، مبيناً أنهم لم يقتصروا على التكذيب بالممكن المحبوب حتى ضموا إليه الاستهزاء بمن لا يمكن أصلاً في العادة أن يكون موضعاً للهزء: {وإذا رأوك} أي مع ما يعلمون من صدق حديثك وكرم أفعالك لو لم تأتهم بمعجزة، فكيف وقد أتيتهم بما بهر العقول {إن} أي ما {يتخذونك إلا هزواً} عبر بالمصدر إشارة إلى مبالغتهم في الاستهزاء مع شدة بعده صلى الله عليه وسلم عن ذلك، يقولون محتقرين: {أهذا} وتهكموا مع الإنكار في قولهم {الذي بعث الله} أي المستجمع لنعوت العظمة {رسولاً*} فإخراجهم الكلام في معرض التسليم والإقرار - وهو في غاية الجحود - بالغ الذروة من الاستهزاء، فصار المراد عندهم أن هذا الذي ادعاه من الرسالة مما لا يجوز أن يعتقد. ثم استأنفوا معجبين من أنفسهم، مخيلين غيرهم من الالتفات إلى ما يأتي به من المعجزات، قائلين: {إن} أي إنه {كاد} وعرّف بأن "إن" مخففة لا نافية باللام فقال: {ليضلنا} أي بما يأتي به من هذه الخوارق التي لا يقدر غيره على مثلها، واجتهاده في إظهار النصح {عن آلهتنا} هذه التي سبق إلى عبادتها من هو أفضل منا رأياً وأكثر للأمور تجربة. ولما كانت هذه العبارة مفهمة لمقاربة الصرف عن الأصنام، نفوه بقولهم: {لولا أن صبرنا} بما لنا من الاجتماع والتعاضد {عليها} أي على التمسك بعبادتها. ولما لزم قولهم هذا أن الأصنام تغني عنهم، نفاه مهدداً مؤكداً التهديد لفظاعة فعلهم بقوله، عطفاً على ما تقديره: فسوف يرون - أو من يرى منهم - أكثرهم قد رجع عن اعتقاد أن هذه الأصنام آلالهة: {وسوف يعلمون} أي في حال لا ينفعهم فيه العمل وإن طالت مدة الإمهال والتمكين {حين يرون العذاب} أي في الدنيا والآخرة {من أضل سبيلاً*} هم أوالدعي لهم إلى ترك الأصنام الذي ادعوا إضلاله بقولهم {ليضلنا}. ولما أخبره تعالى بحقيقة حالهم، في ابتدائهم ومآلهم، وكان ذلك مما يحزنه صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على رجوعهم، ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم، سلاه بقوله معجباً من حالهم: {أرأيت من اتخذ} أي كلف نفسه أن أخذ {إلهه هواه} أي أنهم حقروا الإله بإنزاله إلى رتبة الهوى فهم لا يعبدون إلا الهوى، وهو ميل الشهوة ورمي النفس إلى الشيء، لا شبهة لهم أصلاً في عبادة الأصنام يرجعون عنها إذا جلت، فهم لا ينفكون عن عبادتها ما دام هواهم موجوداً، فلا يقدر على كفهم عن ذلك إلا القادر على صرف تلك الأهواء، وهو الله وحده وهذا كما تقول: فلان اتخذ سميره كتابه، أي أنه قصر نفسه على مسامرة الكتاب فلا يسامر غير الكتاب، وقد يشاركه في مسامرة الكتاب غيره، ولو قلت: اتخذ كتابه سميره، لانعكس الحال فكان المعنى أنه أنه قصر نفسه على مطالعة السمير ولم ينظر في كتاب في وقت السمر وقد يشاركه غيره في السمير، أو قصر السمير على الكتاب والكتاب على السمير كما قصر الطين على الخزفية في قولك: اتخذت الطين خزفاً، فالمعنى أن هذا المذموم قصر نفسه على تأله الهوى فلا صلاح له ولا رشاد وقد يتأله الهوى غيره، ولو قيل: من اتخذ هواه إلهه، لكان المعنى أنه قصر هواه على الإله فلا غيّ له، لأن هواه تابع لأمر الإله، وقد يشاركه في تأله الإله غيره؛ قال أبو حيان: والمعنى أنه لم يتخذ إلهاً إلا هواه - انتهى. فلو عكس لقيل: لم يتخذ هوى إلا إلهه، وهو إذا فعل ذلك فقد سلب نفسه الهوى فلم يعمل به إلا فيما وافق أمر إلهه ومما يوضح لك انعكاس المعنى بالتقديم والتأخير أنك لو قلت: فلان اتخذ عبده أباه، لكان معناه أنه عظم العبد، ولو قيل: إنه اتخذ أباه عبده، لكان معناه أنه أهان الأب، وسواء في ذلك إتيانك به هكذا على وزان ما في القرآن أو نكرت أحدهما، فإنك لا تجد ذوقك فيه يختلف في أنه إذا قدم الحقير شرفه، وإذا قدم الشريف حقره، وكذا لو قلت: إتخذ إصطبله مسجداً أو صديقه أباً أو عكست، ولو كان التقديم بمجرد العناية من غير اختلاف في الدلالة قدم في الجاثية الهوى، فإن السياق والسباق له، وحاصل المعنى أنه اضمحل وصف الإله، ولم يبق إلا الهوى، فلو قدم الهوى لكان المعنى أنه زال وغلبت عليه صفة الإله، ولم يكن ينظر إلا إليه، ولا حكم إلا له، كما في الطين بالنسبة إلى الخزف سواء - والله أعلم. ولما كان لا يقدر على صرف الهوى إلا الله، تسبب عن شدة حرصه على هداهم قوله: {أفأنت تكون} ولما كان مراده صلى الله عليه وسلم حرصاً عليهم ورحمة لهم ردهم عن الغي ولا بد، عبر بأداة الاستعلاء في قوله: {عليه وكيلاً*} أي من قبل الله بحيث يلزمك أن ترده عن هواه إلى ما أمر به الله قسراً، لست بوكيل، ولكنك رسول، ليس عليك إلا البلاغ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. ولما انتفى الرد عن الهوى قسراً بالوكالة، نفى الرد طوعاً بتقبيح الضلالة، فذكر المانع منه بقوله معادلاً لما قبله، منكراً حسبانه، لا كونه هو الحاسب، أو أنكر كونه هو الحاسب، مع ما له من العقل الرزين، والرأي الرصين، ويكون {تحسب} معطوفاً على "تكون": {أم تحسب أن أكثرهم} أي هؤلاء المدعوين {يسمعون} أي سماع من ينزجر ولو كان غير عاقل كالبهائم {أو يعقلون} ما يرون ولو لم يكن لهم سمع حتى يطمع في رجوعهم باختيارهم من غير قسر. ولما كان هذا الاستفهام مفيداً للنفي، أثبت ما أفهمه بقوله: {إن} أي ما {هم إلا كالأنعام} أي في عدم العقل لعدم الانتفاع به {بل هم أضل} أي منها {سبيلاً*} لأنهم لا ينزجرون بما يسمعون وهي تنزجر، ولا يشكرون للمحسن وهو وليهم، لا يجانبون المسيء وهو عدوهم، ولا يرغبون في الثواب، ولا يخافون العقاب، وذلك لأنا حجبنا شموس عقولهم بظلال الجبال الشامخة من ضلالهم، ولو آمنوا لانقشعت تلك الحجب، وأضاءت أنوار الإيمان، فأبصروا غرائب المعاني، وتبدت لهم خفايا الأسرار {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم} تفسير : [يونس: 9] فكما أن الإنسان - وإن كان بصيراً - لا يميز بين المحسوسات ما لم يشرق عليها نور الشمس، فكذلك الإنسان - وإن كان عاقلاً ذا بصيرة - لا تدرك بصيرته المعاني المعلومات على ما هي عليه ما لم يشرق عليها نور الإيمان، لأن البصيرة عين الروح كما أن البصر عين الجسد؛ ولما كان من المعلوم أنهم يسمعون ويعقلون وأن المنفي إنما هو انتفاعهم بذلك، كان موضع عجب من صرفهم عن ذلك، فعبقه سبحانه بتصرفه في الأمور الحسية مثالاً للأمور المعنوية، ولأن عمله في الباطن ينيره إذا شاء بشمس المعارف كعمله في الظاهر سواء، دليلاً على سلبهم النفع بما أعطاهموه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد اتوا} اى وبالله لقد اتى قريش فى متاجرهم الى الشام ومروا {على القرية التى امطرت مطر السوء} يعنى سدوم بالدال المهملة وقيل بالذال المعجمة اعظم قرى قوم لوط امطرت عليها الحجارة واهلكت فان اهلها كانوا يعملون العمل الخبيث وكان كل حجر منها قدر انسان، واعلم ان قرى قوم لوط خمس مانجا منها الا واحدة لان اهلها كانوا لا يعملون العمل الخبيث وسدوم من التى اهلكت وتخصيصها ههنا لكونها فىممر تجار قريش وكانوا حين مرورهم بها يرونها مؤتفكة ولا يعتبرون. وانتصاب مطر على انه مصدر مؤكد بحذف الزوائد كما قيل فى انبته الله نباتا حسنا اى امطار السوء ومطر مجهولا فى الخير وامطر فى الشر وقيل هما لغتان والسوء بفتح السين وضمها كل ما يسوء الانسان ويغمه من البلاء والآفة: والمعنى بالفارسية [وبركذشتند بر آن شهركه باران بدباريد يعنى بروسنك بارانيده شد] وفى الخبر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأى ليلة المعراج فى السماء الثالثة حجارة موضوعة فسأل عن ذلك جبريل فقال هذه الحجارة فضلت من حجارة قوم لوط خبئت للظالمين من امتك"تفسير : اى خفيت واعدت وذلك ان من اشراط الساعة ان يمطر السماء بعض الحبوب كالقمح والذرة ونحوهما وقد شاهدناه فى عصرنا وسيأتى زمان تمطر الحجارة ونحوها على الظالمين نعود بالله تعالى {أفلم يكونوا يرونها} [آيانمى ديدند آنرا سرنكون] اى فى مرار مرورهم فيخافوا ويعتبروا ويؤمنوا {بل كانوا لايرجون نشورا} حقيقة الرجاء انتظار الخير وظن حصول ما فيه مسرة وليس النشور اى احياء الميت خيرا مؤديا الى المسرة فى حق الكافر فهو مجاز عن التوقع والتوقع يستعمل فى الخير والشر فامكن ان يتصور النسبة بين الكافر وتوقع النشور. والمعنى بل كانوا كفرة لايتوقعون نشورا اى ينكرون النشور المستتبع للجزاء الاخروى ولا يرون لنفس من النفوس نشورا اصلا مع تحققه حتما وشموله للناس عموما واطراده وقوعا فكيف يعترفون بالجزاء الدنيوى فى حق طائفة خاصة مع عدم الاطراد والملازمة بينه وبين المعاصى حتى يتذكروا ويتعظوا بما شاهدوه من آثار الهلاك وانما يحملونه على الاتفاقات، واعلم ان النشور لا ينكره الا الكفور وقد جعل الله الربيع فى الدنيا شاهدا له ومشيرا لوقوعه وفى الخبر "حديث : اذا رأيتم الربيع فاذكروا النشور"تفسير : والربيع مثل يوم النشور لان الربيع وقت القاء البذر ويكون الزراع قلبه معلقا الى ذلك الوقت أيخرج ام لا فكذلك المؤمن يجتهد فى طاعته وقلبه يكون معلقا بين الخوف والرجاء الى يوم القيامة أيقبل الله تعالى منه ام لا ثم اذا خرج الزرع وادرك يحصد ويداس ويذرى ثم يطحن ويعجن ويخبز واذا خرج من التنور بلا احتراق يصلح للخوان ولو احترق ضاع عمله وبطل سعيه وكذلك العبد يصلى ويصوم ويزكى ويحج فاذا جاء ملك الموت حصد روحه بمنجل الموت وجعلوه فى القبر يكون فيه الى يوم القيامة واذا جاء يوم القيامة وخرج من قبره ووقع الحشر والنشور وامر به الى الصراط فاذا جاوز الصراط سالما فقد صلح للرؤية والا فقد هلك فعلى العاقل ان يتفكر فى النشور ويتذكر عاقبة الامور: وفى المثنوى شعر : فضل مردان برزن اى حالى برست زان بودكه مرد بايان بين ترست مردكاندر عاقبت بينى خمست او زاهل عاقبت اززن كمست ازجهان دو بانك مى آيد بضد تاكدامين را تو باشى مستعد آن يكى بانكش نشور اتقيا وين دكر بانكش قريب اشقيا آن يكى بانك اين اينك حاضرم بانك ديكر بنكراندر آخرم من شكوفه خارم اى فخر كبار كل بريزم من نمايم شاخ خار بانك اشكوفه اش كه اينك فروش بانك خارش اوكه سوى مامكوش اى خنك آن كو زوّال آن شنيد كش عقول ومستمع مردان شنيد
الأعقم
تفسير : {ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء} قرية قوم لوط التي أمطرت مطر السوء، قيل: هي الحجارة حين رفعوا إلى السماء {أفلم يكونوا يرونها} إذا مروا بها ورأوا آثارها {بل كانوا لا يرجون نشوراً} لا يخافون تعباً {وإذا رأوك} هؤلاء المشركين {ان يتخذونك إلا هزوّاً} ويقولون هذا رسول على طريق الاستهزاء {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا} يعني قرب أن يصرفنا بدعوته عن آلهتنا وهي الأوثان {لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب} يوم بدر والقتل فيه فيعلمون يقيناً أنهم كانوا على ضلال وأنه على حق، وقيل: هذا وعيدٌ ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن طال مدة الإِمهال، ولا بدّ للوعد أن يلحقهم فلا يغرّنهم التأخير {من أضل سبيلاً} كالجواب عن قولهم إن كاد ليضلنا، قوله تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه}، قيل: يجعل إلهه ما يهواه وهو غاية الجهل وكان الرجل من المشركين يعبد الحجر والصنم فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخرّ الاخر {أفأنت تكون عليه وكيلاً}، قيل: حافظاً لهم من الباطل مع هذا الجهل والغفلة التي هم فيها، قيل: ليس عليك أن يؤمنوا إنما عليك البلاغ {أم تحسبُ أن أكثرهم يسمعون}، سماع: طالب الإِفهام {أو يعقلون} ما يعاينون من الحجج والمعجزات {إن هم إلاَّ كالأنعام} لا تسمع ولا تفهم ولا تعقل {بل هم أضل سبيلاً} لأنهم مكنوا من المعرفة فلم يعرفوا والأنعام لم تمكن {ألم تر إلى ربك} إلى قدرته، ومعنى: {مدّ الظل} جعلناه يمتد ويبسط فينتفع به الناس، وقيل: هو الظل بعد غروب الشمس ولا مانع من ذلك، وقيل: من بعد غروبها إلى طلوعها عن أبي علي {ولو شاء لجعله ساكناً} أي دائماً ثابتاً وهو اذ يمنع الشمس من الطلوع، قال جار الله: ساكناً أي لاصقاً بأصل كل مضل من جبل وبناء وشجر وغير منبسط فلم ينتفع به أحد {ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} معنى كون الشمس دليلاً أن الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في مسيرها على أحوال الظل من كونه ثابتاً في مكان وزائلاً ومتسعاً ومنقبضاً، فيثنون حاجتهم إلى الظل واستغناءهم عنه على حسب ذلك، وقبضه إليه أنه ينسخه بضحّ الشمس {يسيراً} أي لتعطلت أكثر منافع الناس بالظل والشمس جميعاً، قوله تعالى: {وهو الذي جعل لكم الليل لباساً} أي ستراً، أي لتستترون به وتسكنون فيه، فشبه الليل باللباس لأنه يستر كل شيء بظلمته {والنوم سباتاً} راحة لأبدانكم وقطعا لأعمالكم {وجعل النهار نشوراً} ينشرون لطلب المعاش.
اطفيش
تفسير : {وَلَقْدْ أَتَوا} اي كفار مكة اي مروا مرارا في متاجرهم إلى الشام * {عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء} امطرت بالحجارة وهي سدود عظمى قرى قوم لوط عليه السلام. قيل: كانت خمسا اهلك الله اربعا بأهلها وبقيت واحدة اهلك الله سبحانه بالحجارة من السماء من كان داخل القرية ومن كان من اهلها خارجا عنها وكذا الثلاثة الاخرى واما الخامسة فقيل نجت لان اهلها لا يعملون الخبائث * {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} فيعتبروا والاستفهام للتقرير والتوبيخ {بَلْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} بعثا كانوا كفرة لا يتوقعون بعثا وعاقبة فلم ينظروا ولم يتعظوا وكان مرورهم عليها كمرور دوابهم أو لا يأملون بعثنا كما يأمله المؤمنون لطمعهم في الثواب او الرجاء الخوف على لغة تهامة.
اطفيش
تفسير : {ولقد أتَوْا} أى قريش فى سفرهم الى الشام للتجر، وعدى بعلى فى قوله: {على القرية}، لأن المعنى وقعت أبصارهم عليه إذ بقى أثرها أو كقولك مرّ على كذا، وهى القرية العظمى من قرى قوم لوط المهلكة، ومن أربع، سميت سدوم باسم قاضيها سدوم الذى يضرب به المثل فى الجور ولم تهلك الخامسة زغر لأنها لم تعمل عملهن {التى أُمْطرت مَطَر السُّوْء} اسم مصدر أى أمطار السوء كاغتسل غسلاً، وهذا أولى من جعله اسماً لما أمطروا به على معنى أعطيت مطر السوء، وأمطر استعارة تصريحية تبعية لضربوا بالحجارة من جهة السماء ضربا شبيهاً بانزال المطر. {أفلم يكونوا يَروْنها} ألم يكونوا ينظرون اليها، فلم يكونوا يرونها، فلا نظر اليها، ولا رؤية أو أكانوا ينظرون اليها فلا يرونها كأنهم لم ينظروا اليها، وأقحم يكونوا دلالة على التكرار، ولم يقل ولقد يأتون أو لقد كانوا يأتون تلويحاً الى أن المرور الواحد عليها يكفى زجراً، مع أن ذكره هنا دليل عليه هناك {بَلْ كانوا لا يرْجون نشوراً} إضراب إبطال نفى به انتفاء رؤيتهم المتكررة أى بل تكررت رؤيتهم، ولكن لم ينزجروا لانكارهم البعث فضلا عن أن يعاقبوا بعده أو لانكارهم أن يكون اهلاكهم لكفرهم، بل هلكوا اتفاقاً، والرجاء هنا مطلق التوقع استعمالا للمفيد فى المطلق، أو بمعنى الخوف كما مر، أو على ظاهره أى لا يرجعون رجاء كرجاء المسلمين الخير بالنشور لانكارهم النشور، فلم يعملوا له.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَتَوْا } جملة مستأنفة مسوقة لبيان مشاهدة كفار قريش لآثار هلاك بعض الأمم المتبرة وعدم اتعاظهم بها. وتصديرها بالقسم لتقرير مضمونها اعتناء به. وأتى مضمن معنى مر لتعديه بعلى، والمعنى بالله لقد مر قريش في متاجرهم إلى الشام. {عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْء } وهي سذوم وهي أعظم قرى قوم لوط سميت باسم قاضيها سذوم بالذال المعجمة على ما صححه الأزهري واعتمده في «الكشف»، وفي المثل أجور من سذوم أهلكها الله تعالى بالحجارة وهو المراد بمطر السوء وكذا أهلك سائر قراهم وكانت خمساً إلا قرية واحدة وهي زغر لم يهلكها لأن أهلها لم يعملوا العمل الخبيث كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وإفراد القرية بالذكر لما أشرنا إليه وانتصب {مَطَرَ } على أنه مفعول ثان لأمطرت على معنى أعطيت أو أوليت أو على أنه مصدر مؤكد بحذف الزوائد أي إمطار السوء كما قيل في {أية : أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17]، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة لمحذوف أي إمطاراً مثل مطر السوء وليس بشيء. وقرأ زيد بن علي (مطرت) ثلاثياً مبنياً للمفعول؛ ومطر مما يتعدى بنفسه. وقرأ أبو السمال {مَطَرَ ٱلسَّوْء } بضم السين. {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا } توبيخ على تركهم التذكر عند مشاهدة ما يوجبه. والهمزة لإنكار نفي استمرار رؤيتهم لها وتقرير استمرارها حسب استمرار ما يوجبها من إتيانهم عليها لا لإنكار استمرار نفي رؤيتهم وتقرير رؤيتهم لها، والفاء لعطف مدخولها على مقدر يقتضيه المقام أي ألم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها أو أكانوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها في مرار مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب. والمنكر في الأول [ترك] النظر وعدم الرؤية معاً وفي الثاني عدم الرؤية مع تحقق النظر الموجب لها عادة كذا في «إرشاد العقل السليم». ولم يقل: أفلم يرونها مع أنه أخصر وأظهر قصداً لإفادة التكرار مع الاستمرار ولم يصرح في أول الآية بنحو ذلك بأن يقال: ولقد كانوا يأتون بدل ولقد أتوا للإشارة إلى أن المرور ولو مرة كاف في العبرة فتأمل. وقوله تعالى: {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً } إما إضراب عما قبله من عدم رؤيتهم لآثار ما جرى على أهل القرى من العقوبة وبيان لكون عدم اتعاظهم بسبب إنكارهم لكون ذلك عقوبة لمعاصيهم لا لعدم رؤيتهم لآثارها خلا أنه اكتفى عن التصريح بإنكارهم ذلك بذكر ما يستلزمه من إنكار الجزاء الأخروي وقد كنى عن ذلك بعدم رجاء النشور، والمراد بالرجاء التوقع مجازاً كأنه قيل: بل كانوا لا يتوقعون النشور المستتبع للجزاء الأخروي وينكرونه ولا يرون لنفس من النفوس نشوراً أصلاً مع / تحققه حتماً وشموله للناس عموماً واطراده وقوعاً فكيف يعترفون بالجزاء الدنيوي في حق طائفة خاصة مع عدم الاطراد والملازمة بينه وبين المعاصي حتى يتذكروا ويتعظوا بما شاهدوه من آثار الهلاك وإنما يحملونه على الاتفاق، وإما انتقال من التوبيخ بما ذكر من ترك التذكير إلى التوبيخ بما هو أعظم منه من عدم رجاء النشور، وحمل الرجاء على التوقع وعموم النشور أوفق بالمقام. وقيل: هو على حقيقته أعنى انتظار الخير. والمراد بالنشور نشور فيه خير كنشور المسلمين. وجوز أن يكون الرجاء بمعنى الخوف على لغة تهامة، والمراد بالنشور نشورهم والكل كما ترى.
ابن عاشور
تفسير : لما كان سَوْق خبر قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرسّ وما بينهما من القرون مقصوداً لاعتبار قريش بمصائرهم نُقِل نَظْم الكلام هنا إلى إضاعتهم الاعتبار بذلك وبما هو أظهر منه لأنظارهم، وهو آثار العذاب الذي نَزل بقرية قوم لوط. واقتران الخبر بلام القسم لإفادة معنى التعجيب من عدم اعتبارهم كما تقدم في قوله: {أية : لقد استكبروا في أنفسهم}تفسير : [الفرقان: 21]. وكانت قريش يمرّون بديار قوم لوط في أسفارهم للتجارة إلى الشام فكانت ديارهم يمرّ بها طريقهم قال تعالى: {أية : وإنكم لتمرون عليهم مصبحِين وبالليل أفلا تعقلون}تفسير : [الصافات: 137، 138]. وكان طريق تجارتهم من مكة على المدينة ويدخلون أرض فلسطين فيمرّون حذو بحيرة لوط التي على شافتها بقايا مدينة «سدوم» ومعظمها غمرها الماء. وتقدم ذكر ذلك عند قوله تعالى: {أية : وإنهما لبإماممٍ مُبين} تفسير : في سورة الحجر (79). والإتيان: المجيء. وتعديته بــــ{على} لتضمينه معنى: مرّوا، لأن المقصود من التذكير بمجيء القرية التذكير بمصير أهلها فكأنّ مجيئهم إياها مرور بأهلها، فضمّن المجيء معنى المرور لأنه يشبه المرور، فإن المرور يتعلق بالسكان والمجيءَ يتعلق بالمكان فيقال: جئنا خراسان، ولا يقال: مررنا بخراسان. وقال تعالى: {أية : وإنكم لَتَمُرُّون عليهم مُصبِحِين وبالليل أفلا تعقلون}تفسير : [الصافات: 137، 138]. ووصف القرية بــــ{التي أمطرت مطر السوء} لأنها اشتهرت بمضمون الصلة بين العرب وأهل الكتاب. وهذه القرية هي المسماة «سَدُوم» بفتح السين وتخفيف الدال وكانت لقوم لوط قرى خمس أعظمها «سَدوم». وتقدم ذكرها عند قوله تعالى: {أية : ولوطاً إذ قال لقومه} تفسير : في سورة الأعراف (80). و{مطر السوْء} هو عذاب نزل عليهم من السماء وهو حجارة من كبريت ورماد، وتسميته مطراً على طريقة التشبيه لأن حقيقة المطر ماء السماء. والسَّوْء بفتح السين: الضرّ والعذاب، وأما بضم السين فهو ما يسوء. والفتح هو الأصل في مصدر ساءه، وأما السُّوء بالضم فهو اسم مصدر، فغلب استعمال المصدر في الذي يسوء بضر، واستعمال اسم المصدر في ضد الإحسان. وتفرع على تحقيق إتيانهم على القرية مع عدم انتفاعهم به استفهام صوري عن انتفاء رؤيتهم إياها حينما يأتون عليها، لأنهم لمّا لم يتّعظوا بها كانوا بحال من يُسأل عنهم: هل رأوها، فكان الاستفهام لإيقاظ العقول للبحث عن حالهم. وهو استفهام إما مستعمل في الإنكار والتهديد، وإما مستعمل في الإيقاظ لمعرفة سبب عدم اتعاظهم. وقوله: {بل كانوا لا يرجون نشوراً} يجوز أن يكون {بل} للإضراب الانتقالي انتقالاً من وصف تكذيبهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وعدم اتعاظهم بما حل بالمكذبين من الأمم إلى ذكر تكذيبهم بالبعث، فيكون انتهاء الكلام عند قوله: {أفلم يكونوا يرونها} وهو الذي يجري على الوجه الأول في الاستفهام. وعبر عن إنكارهم البعث بعَدم رجائه لأن منكر البعث لا يَرجو منه نفعاً ولا يخشى منه ضراً، فعبر عن إنكار البعث بأحد شقّي الإنكار تعريضاً بأنهم ليسوا مثل المؤمنين يرجون رحمة الله. والنشور: مصدر نشر الميت أحْياه، فنشَر، أي حيي. وهو من الألفاظ التي جرت في كلام العرب على معنى التخيّل لأنهم لا يعتقدونه، ويروى للمُهَلْهِل في قتاله لبني بكر ابن وائل الذين قتلوا أخاه كليباً قولُه:شعر : يا لبَكر انشروا لي كُليباً يا لبكر أين أينَ الفِرارُ تفسير : فإذا صحّت نسبة البيت إليه كان مراده من ذلك تعجيزهم ليتوسل إلى قتالهم. والمعنى: أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث فلم يكن لهم استعداد للاعتبار، لأن الاعتبار ينشأ عن المراقبة ومحاسبةِ النفس لطلب النجاة، وهؤلاء المشركون لما نشأوا على إهمال الاستعداد لِمَا بعد الموت قُصرت أفهامهم على هذا العالم العاجل فلم يُعنَوا إلا بأسباب وسائل العاجلة، فهم مع زكانتهم في تفرس الذوات والشيات ومراقبة سير النجوم وأنواء المطر والريح ورائحة أتربة منازل الأحياء، هم مع ذلك كله معرضون بأنظارهم عن توسم الإلهيات وحياة الأنفس ونحو ذلك. وأصل ذلك الضلالِ كلّه انجرّ لهم من إنكار البعث فلذلك جعل هنا علة لانتفاء اعتبارهم بمصير أمة كذبت رسولها وعصت ربها. وفي هذا المعنى جاء قوله تعالى: {أية : إن في ذلك لآيات للمتوسمين}تفسير : [الحجر: 75] أي دون مَن لا يتوسمون.
الشنقيطي
تفسير : أقسم جل وعلا في هذه الآية، أن الكفار الذين كذبوا نبينا صلى الله عليه وسلم، قد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء، وهو أن الله أمطر عليها حجارة من سجيل، وهي سدوم قرية قوم لوط، وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة، وهما أن الله أمطر هذه القرية مطر السوء الذي هو حجارة السجيل، وأن الكفار أتوا عليها، ومروا بها جاء موضحاً في آيات أخرى. أما كون الله أمطر عليها الحجارة المذكورة، فقد ذكره جل وعلا في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} تفسير : [الحجر: 74]، وبين في سورة الذاريات أن السجيل المذكور نوع من الطين، وذلك في قوله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} تفسير : [الذاريات: 32ـ33]، ولا شك أن هذا الطين وقعه أليم، شديد مهلك. كقوله تعالى: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ} تفسير : [الشعراء: 173]، وقوله تعالى: {أية : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} تفسير : [الحجر: 72ـ74] الآية. وأما كونهم قد أتوا على تلك القرية المذكورة فقد جاء موضحاً أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137ـ138] المراد بأنهم مروا على قرية قوم لوط، أن مرورهم عليها، ورؤيتهم لها خالية من أهلها ليس فيها داع، ولا مجيب، لأن الله أهلك أهلها جميعاً لكفرهم وتكذيبهم رسوله لوطا فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر عن تكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لئلا ينزل بالذين كذبوه مثل ما نزل بقوم لوط من العذاب والهلاك، ولذا وبخهم على عدم الاعتبار بما أنزل بها من العذاب كقوله في آية الصافات المذكورة: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، وكقوله تعالى: في آية الفرقان هذه: {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} فقوله: أفلم يكونوا يرونها: توبيخ لهم على عدم الاعتبار كقوله في الآية الأخرى: أفلا تعقلون، ومعلوم أنهم يمرون عليها مصبحين، وبالليل وأنهم يرونها، وكقوله تعالى: {أية : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} تفسير : [الحجر: 74ـ76] يعني: أن ديار قوم لوط بسبيل مقيم، أي بطريق مقيم، يمرون فيه عليها في سفرهم إلى الشام، وقوله تعالى: {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً}، أي لا يخافون بعثاً، ولا جزاء أو لا يرجعون بعثاً وثواباً.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 40- وهؤلاء - قريش - يمرون فى أسفارهم إلى الشام على قرية قوم لوط التى أمطرنا عليها شر مطر وأسوأه - حجارة من سجيل - أفلم يروا هذه القرية فيتعظوا بما حل لأهلها؟ إنهم يرونها ولكن لا بأعين الاتعاظ والاعتبار، إذ كانوا لا يؤمنون بمعاد ولا بعث، ولا يتوقعون يوماً ينشرون فيه إلى الحساب. 41- وإذا أبصرك هؤلاء لا يتخذونك إلا موضع هزؤ وسخرية، ويقول بعضهم لبعض: أهذا هو الذى بعثه الله رسولاً إلينا نتبعه ونسير وراءه؟! 42- لقد أوتى هذا الرجل من حُسْن البيان وقوة الحُجة ما يجذب السامعين، ولقد نال من عقائدنا حتى لقد كاد يُزحزحنا عن آلهتنا ويميلنا إلى إلهه، ولكننا ثبتنا على آلهتنا وديننا. سنبين لهم جلية الأمر حين يرون العذاب يوم القيامة ويعلمون من هو أثبت فى الضلال والغواية. 43- أرأيت - أيها الرسول - ضلال من اتَّبع هواه وشهواته حتى إنه ليعبد حجارة لا تضر ولا تنفع؟ وأنت قد بعثت نذيراً وبشيراً ولست موكلا بإيمانهم وهدايتهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (40) - ويقولُ اللهُ تَعالى لرَسُولِه الكريمِ: إنَّ قَوْمَكَ يا مُحَمدُ مَرُّوا بقُرَى قومِ لوطٍ، ورَأَوْا كَيفَ أَهْلَكَها اللهُ ودَمَّرَهَا، وأَمْطَرَ عليها حِجَارَةً من سِجِّيْلٍ (قِرْمِيدٍ مَشْوِيٍّ) بسََبَبِ ظُلمِ أهْلِها، وكُفْرِهِمْ، وفَسَادِهِمْ، فَهَلاَّ اعتَبَرُوا بما حَلَّ بِهؤلاءِ منَ العَذَابِ والنَّكَالِ؟ إِنَّ الذين مَرُّوا بها رَأَوْا بأعْيُنِهِمْ ما حَلَّ بها ولكنَّهُمْ لم يَعْتَبِرُوا لأنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ والمَعَادِ يومَ القيامةِ، ولاَ يَعتقِدُون أنهُمْ سيُنْشَرُون، وأَنّ اللهَ تَعالى سَيُعيدُ خَلْقَهُم ليحاسِبَهُم على أعمالِهِمْ في الحياةِ الدُّنْيا، ولذِلكَ فإنَّهُمْ لا يُوقِنِون بأنهُ سَيكونُ هناكَ ثوابٌ وعقابٌ وحسابٌ فَيَرْدَعُهُمْ عن كفْرِهِمْ ومعاصِيهِمْ. مَطَرَ السَّوْءِ - حجارةً مُهْلِكَةً من السَّماءِ. لا يَرْجُونَ نُشُوراً - يُنْكِرُون البَعْثَ ولا يَتَوقَّعُونَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه المشاهد لم تكن مجرد تاريخ يحكيه القرآن، إنما مشاهد ومَرَاءٍ رآها كفار مكة في رحلة الصيف يمرون على هذه الديار، كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الصافات: 137-138] إذن: فهذا التاريخ له واقع يسانده، وآثار تدل عليه. والقرية التي أُمطرتْ مطر السَّوْء هي سدوم قرية قوم لوط {أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا ..} [الفرقان: 40] ألم يشاهدوها في أسفارهم. {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} [الفرقان: 40] كلمة (بَلْ) للإضراب، فهي تنفي ما قبلها، وتُثبِت ما بعدها، فالمعنى: أنهم مَرُّوا عليها وشاهدوها، ويَعْرفونها تمام المعرفة، لكنهم لا يرجُونَ نُشُوراً يعني: لا ينتظرون البعث، ولا يؤمنون به، ولا يعترفون بالوقوف بين يدي الله للحساب، ألم يقولوا: {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}تفسير : [المؤمنون: 82]. وعجيبٌ ألاَّ يؤمنَ هؤلاء بالبعْث والحساب، وهم أنفسهم كانوا إذا رأَوْا ظالماً وقفوا في وجهه ومنعوه من الظلم، كما كان في حِلْف الفضول مثلاً، فيأخذون الظالم ويعاقبونه حتى يرجع عن ظُلْمه، ثم يردُّون للمظلوم حَقّه، لكن ألم ينظروا في حال الظالمين الذين مرُّوا في الدنيا دون عقاب، ودون قصاص؟ أليس من العدل أن تكون لهم دَارٌ أخرى يُحاسبون فيها؟ لذلك كنا نردُّ على الشيوعيين بهذه المسألة، نقول لهم: لقد عذبتُمْ أعداءكم من الإقطاعيين والرأسماليين، وانتقمتُم منهم فما بال الذين سبقوكم ولم تدركوهم؟ أليس من العدل أنْ تعترفوا بيوم جامع يُحاسب فيه هؤلاء؟ ولما قال القائل: لن يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه، قالوا له: إن فلاناً الظالم قد مات، ولم نَرَ فيه شيئاً، فقال: إن وراء هذه الدار داراً يُجازي فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وبعد أن عرض الحق - تبارك وتعالى - بعض النماذج من موكب النبوات تسليةً لرسوله صلى الله عليه وسلم يُبيِّن أن الأمر مع هؤلاء الكفار لن يتوقف عند العِنَاد والتعنّت بمطالب سخيفة، إنما يتعدَّى ذلك إلى محاولة الاستهزاء به والسخرية منه، فقال سبحانه: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):